العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03 / 04 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

سورية !!! ليست للرهن أو الإيجار

عبد الحميد حاج خضر

باحث في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر

وقبل أن ينقشع غبار انسحاب القوات السورية من لبنان؛ بدأ التضليل والوهم والغشاوة يغادرون أجفان عيون كانت بالأمس نوماً. لم يفاجئنا هذا الانسحاب، بل كنا نتمناه قبل هذا التاريخ بسنوات ليعود لبنان كما كان منبراً لكل طيف من أطياف الفكر والرأي والسياسة - مزدهراً عامراً. ثم لنقرأ التاريخ مثنى وثلاثة ورباعة وإن لم نستطع فواحدة، ولتكن تجربة الوحدة بين سورية ومصر، فعندما وضعت الطبقة السياسية السورية والمصرية الحرية في مقابل الوحدة والقوة خسرت الحرية والوحدة والقوة والمناعة. هذا من التاريخ، ولهذا نحمد الله أن الحركات السياسة الواعية، إسلامية كانت أم علمانية، أدركت أخيراً أن الحرية أولاً. فالطغاة يجيدون صناعة الأوثان فيَظلون و’يظلون من اتبعهم سبل الرشاد، فالطغيان يساوي الشرك، وكما قال المشركون عن أوثانهم: لا نعبدهم، وإنما ليقربونا إلى الله زلفا، فكذلك مقالة أتباع الطغاة: لا نعبدهم ولكن ليقودونا إلى النصر المبين زلفا. الأحداث تتسارع كجلمود صخر حطه السيل من علي. لم يعد هناك كر أو فر بل خنوع وانبطاح لإملاءات. الهيمنة العالمية التي ترتب أولوياتها بعيداً عن هموم الإنسان وحسابات الطغيان، ولهذا سكتوا وغضوا الطرف عن الطغيان وفساد الأنظمة حتى تنضج الطبخة بنار القمع والقتل والتعذيب والسجن حتى الموت،  ويهتف القاصي والداني ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ولو بدبابة شارونية، فالغرب عندما "يرق ويلين" ويعزف عن سفك الدماء يجنح للحصار، كما فعل في العراق بعد " تحرير" الكويت، حتى إذا أنهك الشعب وأزهقت أرواح بريئة بالجوع والمرض؛ انقض على فريسته المنهكة ليجهز على البقية الباقية. هكذا كان ديدنه أينما حل أو ارتحل، خاصة في البلاد العربية والإسلامية. لماذا تكون سورية استثناء للقاعدة التي درج عليها ونظر لها منذ قرون؟ القاعدة تقول على لسان كلاوزوفيتس: قصد وغاية الحرب حمل العدو إلى مواقع لا يستطيع فيها ومنها الدفاع عن نفسه؛ لإملاء إرادتنا السياسية عليه، ويضيف الجنرال البرويسي في مكان آخر من كتابه (من الحرب):  "لا تقوم ساق للحرب فجأة". إذاً - لماذا يستعجل أهل الحرب والمكيدة النصر، والنصر قادم على طبق من ذهب يحمله إليهم الطغاة والمفسدين، بعد أن حملوا إليهم أموال السحت أكداساً وملاين ؟. العدو في نظر أهل السياسة والهيمنة ليس الطاغية أو الطغاة أو الفساد والمفسدين، وإنما المجتمع العصي، والشعب الأبي، والدولة البناءة، فيسلطون عليهم من يضللهم ويسوسهم بالظلم والعدوان، وهكذا كان على مدار عقود وأزمان. الطغاة عند أهل الهيمنة، في أسوء الحالات: مغفلون نافعون، وفي أحسنها - جند متعاونون. لقد كان على الأمة العربية، في النصف الأخير من القرن المنصرم ومطلع القرن الحالي، أن تخوض حرباً وحروب بينية بقيادات مدعية بالمظهر مرتهنة بالجوهر جعلت زهير بن أبي سلمى ينهض من الأجداث لينشد:

وما الحرب إلا ما علمتـم وذقتم     وما هو عنهـا بالحديث المرجـم
متى تبعثوهـا تبعثوهـا ذميمـة      وتضرى إذا ضريتموها فتضـرم
فتعرككم عـرك الرحـى بثقالها     وتلقـح كشافـاً ثـم تنتـج  فتتئم 
فتنتج لكم غلمـان أشـأم كلهـم     كأحمر عادٍ ثـم ترضـع فتفطـم
فتغلـل لكم مـا لا تغـل لأهلها     قرى بالعراق من قفيـز ودرهـم

الغريب في هذا الشاهد الشعري؛ أن ذلك الشاعر الجاهلي أشار في البيت الأخير إلى واقعة تاريخية جعلتني أعود إلى كتب التاريخ للتأكد منها، فوجدت في الموسوعة التاريخية الألمانية الجزء الثاني (فصل عن إيران القديمة للمؤرخ فرنس ألتهايم Franz Altheim فقرة يتحدث فيها عن النفوذ الفارسي الكسروي قبل البعثة النبوية)، فيذكر أن النفوذ الفارسي في الجزيرة العربية كان قد وصل إلى أرض الحجاز، وكان اليهود يقومون بجباية الإتاوات والجزية من القبائل العربية، ويسوقونها إلى كسرى، ولكي يصلون إلى أغراضهم كانوا يثيرون الفتن والحروب، فنشب النزاعات والحروب بين القبائل العربية، وهكذا كانت حرب داحس والغبراء، وحرب الفجار، وحرب البسوس، وسجال الحرب بين الأوس والخزرج،...الخ؛ بينما يقبع اليهود في حصونهم وقلاعهم يصنعون السيوف، ويشحذون الرماح، ويقبضون الأثمان. من هذه الخلفية التاريخية يفهم البيت الأخير من معلقة زهير بن أبي سلمى، حيث كانت هذه الحروب القبلية تغل على قرى العراق التي يحكمها الفرس القفيز، ويعني حسب لسان العرب الكيل والأجر المعلوم، وهكذا سبق هذا الشاعر الجاهلي الحكيم مقالة كارل ماركس: إن وراء الحروب أسباب اقتصادية ونفع حسي معلوم. قرى العراق التي تحدث عنها زهير أصبحت اليوم حواضر عظيمة كموسكو وباريس ولندن وواشنطن وتل أبيب وأخيراً وليس آخراً طهران التي يفاخر رئيسها بتقديم العون الذي لولاه لما حقق الأمريكان ما حققوه في العراق وأفغانستان، ولكي لا نلقي بالمسؤولية كلها على الخارج الغريب الذي يتربص بنا الدوائر؛ لابد من ذكر من اضطلع بالأعمال القذرة كمغفل نافع أو عميل ضالع، جعل أله هواه، ووثنه سلطته، فوضع البلاد والعباد كسلعة مسجاة في سوق نخاسة الحروب وصناعة الفتن. لماذا نشير إلى ظلام التاريخ وظلاماته. ألا يكفينا هدي القرآن الكريم (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). كنا وما نزال نتمنى أن يجنحوا إلى ذلك، ولكن ومنذ فجر الفكر القومي الرومانسي أصبح التاريخ من عوامل صياغة الدولة القومية، فابن فارس،وابن الكرد، وابن الترك، وابن العرب، ومنذ نعومة أظفارهم، يدرسون أمجاد أجدادهم - بعيداً عن هدي الآية الكريمة، وكل أمة تفعل ذلك، حتى إذا بلغوا أشدهم وأصبحوا من أهل القرار أصبح عندهم منطق التاريخ القومي الرومانسي غريزة وسلوكاً، وينسحب هذا حتى على القدامى الذين ولعوا بصناعة التاريخ، فهذا ابن المقفع الذي نشأ عربي اللسان يقول في مطلع كتابه الشهير الأدب الكبير والأدب الصغير كلاماً مرسلاً في فضل الأقدمين: " إنّا وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساداً، وأوفر مع أجسامهم أحلاماً، وأشدًّ قوَّةً، وأحسن بقوّتهم للأمور إتقاناً، وأطول أعماراً، وأفضل بأعمارهم للأشياء اختياراً. فكان صاحب الدّين منهم أبلغ في أمر الدين علماً وعملاً من صاحب الدين منا، وكان صاحب الدنيا على مثل ذلك من البلاغة والفضل". من هذا الكلام المرسل تبرز الملامح الفارسية الرومانسية، فكنه الرومانسية هي التوثين، وتوثين الأجداد على وجه الخصوص، ولو على شاكلة كسرى، وعندما ’تصاغ هذه الوثنية بلغة الطير والهوام في كتاب (كليلة ودمنة) يؤصل للشعوبية، فنراها مكشرة عن أنيابها في شعر بشار بن برد، ومكر الطوسي، وخيانة بن العلقمي. هذا من التاريخ. أما اليوم فنجدها في تصريحات الخرازي وخاتمي والبرزاني والطلباني، والإصرار علي تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي، والتشبث بجزر الإمارات العربية...الخ، ولكن عندما يقف السيد حسن نصر الله أمام آلاف اللبنانيين العرب يسوّق الطغيان والفساد الأسدي، ويتبضع في الشعارات والعنجهيات، و يتنكر لمطالب الشعب العربي في لبنان وسورية في الحرية والعودة إلى الفطرة السليمة وسياسة الملك بالعدل، ويهيم في عالم الوصاية والوصية والظلامية؛ يصبح الأمر مختلفاً، فيصبح الخطاب أشبه بخطاب فرعون لقومه: ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرشاد )، ولهذا قلنا للمرجعيات الكبرى والصغرى، وبصريح العبارة، ومنذ البداية: إذا كان التشيع الذي تريدون علوياً (نسبة إلى سيدنا علي رضي الله عنه) فنحن معكم حتى الرمق الأخير؛ أما إذا كان التشيع الذي ترومون صفوياً شعوبياً، فهذا فراق بيننا وبينكم، ولكم دينكم ولنا دين، فالدين عندنا ليس إتباع رجل بل كما قال سيدنا على " يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال". يا سماحة الشيخ حسن نصر الله وبعد.(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تعملون). إن مطلب الشعب اللبناني بالحرية حق، ومطلب الشعب السوري بزوال الطغيان والفساد حق، ومطالب الشعب الأكراني حق، وكل مظلوم يطالب رفع الظلمة عنه هو على حق. لقد سمعتك وبصوت جهور تقول: إن لبنان ليس جورجيا - إن لبنان ليس أوكرانيا، أما جورجيا فليس لدي من المعلومات تسمح لي أن أخوض في هذا الموضوع خوضة الجسور، وأصدر حكماً على التغير الذي حدث في ذلك البلد القوقازي، ولكن أسمح لنفسي أن أحدثك عن أوكرانيا، فقد كتبت في خضم الأحداث بحثاً نشر على صفحات القدس العربي ومواقع إنترنيت معتبرة عن أوكرانيا، وقد حداني إلى كتابة هذا البحث تشابه الطغيان والفساد في أوكرانيا و الفساد والطغيان في سورية، فقد دفع الشعب الأوكراني أكثر من خمس ملاين نسمة ثمناً لسياسة السوفيت التي كان يدرها ستالين لحل المسألة الزراعية، وإقامة المزارع الجماعية ( الكلخوزات) و’هجر المسلمون التتار إلى كازاخستان ومناطق أخري نائية، وفي التسعينيات، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتسلم طغاة العهد القديم عولمة وخصخصة الدولة "الاشتراكية"، أزهقت خمس ملاين أخرى جوعاً ومرضاً وقتلاً بالمخدرات والدعارة المنظمة، بعد هذا التردي المخيف أصبح الغرب اللبرالي زاهداً بهذا البلد الذي " لا ’يصلح " كما أن بوتن متشبث عبر الأجهزة القمعية بهذا البلد المنكوب يبتزها لحساب المافيا، ويعقد الصفقات مع النظام الإيراني متقفياً سياسة بطرس الكبير، ولهذا لم يأتي الهجوم على المعارضة الأوكرانية، أو التنكر، بل الغمز من قناة المقاومة التششانية من فراغ، فالتعاون الإيراني – الروسي يجب حق الإنسان في الحرية والعدل. وأقولها لك بصراحة: لقد استغلت المعارضة الأوكرانية كوة وثقباً في منظومة الاستبداد والهيمنة العالمية، فطرحت مشرعها للتغير الذي كانت تعد له منذ عام 1922، لإقامة دولة وطنية مستقلة عن هيمنة الدب الروسي الذي لعق العسل والبصل، وتركها ركاماً من الفساد والجريمة يشع بأنواع الأشعة الذرية. إن أي مقالة أو مقولة عرفانية غيبية تتناقض مع المحسوس والمعقول والمنقول هي وصاية واستبداد وعبادة العباد من دون الله؛ نرفضها ولا نقيم لها وزناً. المحسوس والمعقول أن إيران هي دولة قومية، وحساباتها وطموحاتها وأحلامها نابعة من مصالحها القومية، وتتبضع بالتشيع وحب آل البيت لتحقيق مآربها، ولدينا ألف دليل ودليل على ما ذهبنا إليه. إيران منافس قوي لأمريكا فلديها الجغرافية والتاريخ والقوة البشرية والعقيدة القتالية، وفوق كل هذا وذاك، لديها المكر والخديعة وزخرف القول الذي يجعل من الدين عصبية، ومن المروءة سذاجة، ومن النخوة والحمية وقوداً وبياذقاً على ساحة الصراع العربية. علينا نحن العرب، وخاصة المسلمين، أن يدركوا أنه إذا ذل العرب ذل الإسلام، وأي ذل أعظم من جلب الاحتلال، وقهر الناس، وسلب حريتهم ومصادر رزقهم، وهذا ما قام به النظام السوري الذي تمالؤه أنت وتدعمه إيران. ليس لكم الحق في تحديد أولويات الشعب السوري واللبناني وتفرضان عليهما الوصاية، فهذا شأن الشعب السوري واللبناني؛ يقرره أهل الحل والعقد، أي البرلمانات المتخبة بحرية ونزاهة. لقد أصبح الشعب اللبناني يرفض أن يرهن أو يؤجر بلده فضلاً أن يحتل من أجنبي، لن تقودنا بعد اليوم الشعارات الجوفاء، والخطب العصماء، بل فكر كالضياء ’صراح. لا نعتقد أن الأمريكيين وحلفائهم الفرنسيين يريدون الإجهاز على النظام في سورية، قبل أن يتم مهمته الثانية، التي تنحصر بعولمة وخصخصة القطاع العام ليحدث ما حدث في أوكرانيا بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي، وذلك بعد حصار مرتقب ووشيك، ليصل الشعب السوري إلى حالة من التردي قد تفوق حالة التردي التي وصل إليها الشعب العراقي أثناء الحصار، لنتذكر أيضاً ما حل بالشعب الجزائري عام 1992وكيف حصل إجماع وتضليل عجيب عند الدوائر الغربية لإسقاط الخيار الديمقراطي للشعب الجزائري وتسليط العسكر على البلاد والعباد ينهبون الثروات ويخصخصون المنشأت ويفرضون الفقر والعوز والفاقة على العباد، وأعتقد أن أهل السلطة في سورية سيمتثلون أو باشروا أعمالهم منذ سنة تقريباً. تماماً؛ كما امتثل عسكر الجزائر لكل هذه السياسات. إن البروقراطين الفرنسيين الذين يمسكون بالملف السوري، وقاموا بتحديثه بعد أن استدعاهم الرئيس الشاب، فأصبحوا يعرفون من أين تؤكل الكتف، وسيكون لتنظيراتهم دور معتبر. البيروقراطيون الفرنسيون كانوا ’أس الدكتاتورية والاستبداد والفوضى في سورية ولبنان والجزائر، وذلك عندما مكنوا أصحاب الخصوصيات والنحل والفرق وما يعرف في الجزائر والمغرب بشكل عام (بحزب فرنسا ) من مفاصل الدولة والجيش، وتنكروا لمبادئهم في الديموقراطية وحقوق الإنسان. إن ما ينتظر سورية، تحت هذه التوليفة الفرنسية الأمريكية، هو عولمة متوحشة، وبأجهزة قمعية، قد تقود إلى قتل أكثر من مليونين نسمة بالجوع والمرض " وأبطال" هذه المجزرة الحرس القديم والجديد، ولعل دبلوماسية التفاح الجولاني هي أول الشؤم، ومع بعد الشقة ووعورة المسالك على المعارضة السورية أن تنشط؛ يجب أن تصرخ، كما قال ماوتسي تونغ في كتيبه الأحمر: " إذا هوجم إنسان من قبل عصابة فعليه أن يصرخ بأعلى صوته عل وعسى أن يخف أهل المروءة لإنقاذه".   ليس من الضروري أن تتفق المعارضة على التفاصيل، لأن إسقاط الطغمة المرتهنة، وإقامة نظام تعددي برلماني عبر انتخابات عامة وحرة وفق ما يرسم دستور الاستقلال أصبح الوسيلة والفضلية والضرورة التي تحول دون أن ’ترهن البلاد و’يستعبد العباد.

الأمين العام لحركة الحرية والتضامن الوطني (في سورية)

عبد الحميد حاج خضر

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ