العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

كم صفقة إنعاشية يحتاجها النظام في سورية ...؟!.

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن النظام في سورية وعن قدرته على الإستمراروالبقاء ولعب هذا الدورأو ذاك على الساحة الإقليمية والعربية والدولية , ومعظم هذا الحديث يرتكزعلى تداعيات لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال المرحوم / رفيق الحريري / وانعكاسها على النظام نفسه بهذه النسبة أوتلك وهذا مقروء بشكل واضح من كل الأطراف التي تلعب في المنطقة .

وجاء تقرير المحقق الدولي الذي قدمه في منتصف حزيران2006  ليضفي على الغموض غموضا ً وعلى المنتظرين مزيدا ًمن الإنتظار وعلى المتشائمين مزيدا ً من التشاؤم وعلى المتفائلين مزيدا ً من الحيرة وعلى النظام مزيدا ً من الوهم في القدرة على تجاوز عنق الزجاجة الخطرة والحلم بعبورها إلى بر الأمان , وعلى

المنطقة مزيدا ً من ضيق الأنفاس واختلاط  دقات الأجراس .

 بصراحة كان الذي أعلن من التقرير أشبه (بطاسة ) ماء باردة جدا ًسكبها المحقق الدولي على رأس الجميع الذين ينتظرون فك رموزالمعجزة التي بفكفكتها ستتفكك الكثير من الحسابات والتحالفات السياسية وربما زوال أنظمة مربوطة بشكل مباشر مع نتائج التحقيق, فمنهم من اندهش ومنهم من غضب ومنهم من ضحك ومنهم من انفعل ومنهم من يئس ومنهم من اختال زهوا ً زائفا ًوفرحا ً وهميا ً بأنه انسل من الجريمة كما تنسل الشعرة من العجين.!ومنهم من آثرالتمعن في قراءة الصورة بكامل أبعادها والتي يمثل التقريربعدا ًواحدا ًفيها.

ومعروف للجميع وأولهم المحقق الدولي أن الجريمة سياسية بامتياز ومركبة تداخلت فيها الكثير من العوامل والمصالح الإقليمية والدولية , وأن النظام السوري بخلفيته الجنائية المعروفة وعلاقاته الأمنية المتشابكة على الساحة اللبنانية والإقليمية لايمكن أن يكون موضوعيا ً بعيدا ًعن الخيوط المتشابكة فيها , بل على الأرجح هو أحد هذه الخيوط بل أشدها تداخلا ً في نسيج المنطقة الأمني وكل هذه الخيوط تتحرك في إطار رسم استراتيجية المنطقة من جديد وعلى أسس النظام الدولي الجديد .

وعلى هذا الأساس قد تكون النتائج التي توصلت إليها لجنة التحقيق الدولية في حكم التأجيل للتمهل وليس للإهمال , بل ترك الأمور عائمة مؤقتا ًبين قيل وقال, تأجيل محسوب وبعيد عن تأثير التبصير والتأويل ,لأن الذي ستترتب عليه إعلان نتيجة التحقيق أبعد بكثير من حدود معاقبة فرد أو مجموعة أفراد أو حتى مجموعة عصابات , بل أبعد من ذلك بكثير.

وبكل الأحوال أجوبة قليلة وأسئلة كثيرة منها : ماهو موقع النظام السوري في خضم هذه التناقضات , والأهم من ذلك ماهو التقييم الموضوعي للنظام وأين تكمن عوامل قوته واستمراره ؟ وأين تكمن عوامل ضعفه وانهياره ؟ وماهو تأثير إعلان نتيجة التحقيق عليه ؟ وماهو تأثير تأجيل الإعلان ؟ وهل هناك صفقة ما تمت وأن الماء تجري من تحت الجميع في المنطقة ولاأحد يدري ؟ وهل التأجيل هو زمن الإختبار والتأهيل لمرحلة قادمة تحمل بعض صفات النظام السوري والأمنية منها على وجه التحديد ؟ وهل أن صفقة واحدة مهما كان حجمها قادرة على إنعاش النظام وتوفير إمكانية الحياة له من جديد ؟ ماهي هذه الصفقة المعجزة ومع من ,وهل تملك إكثير الحياة للنظام الذي يجتضر؟ .

إن النظام في سورية من الأنظمة الغريبة ووجه غرابته يكمن في طبيعته الفردية المغلقة والتي تعبر عن الطائفية السياسية يغلفها النظام وعلى رأسه بشار أسد نفسه بخطاب طوباوي أجوف أفرزته مفاعيل الحرب الباردة التي ولى زمنها, ومحاولة بائسة حتى لفظيا ً بتغطية فشله على كافة المسارات , وبنية النظام نفسه التي شاخت فكريا ً وسياسيا ًوتنظيميا ً ولم تعد قادرة على مسايرة الوضع المعقد الذي يواجه النظام والشعب على حد ٍ سواء , لذلك يجب فهمه من الداخل للوقوف على مرتكزاته الأساسية التي تحمله وطبيعة علاقته مع الشعب ومع الوضع الداخلي المعقد الذي يعبر عنه المأزق السياسي والإقتصادي المتردي والفساد المستشري المستمر بشكل خطيرعلى مستوى بنية الدولة كلها وتدهور الحالة المعاشية إلى حد يمكن أن يكون لها انعكاسات خطيرة على وضع النظام ككل وعلى إمكانية استمراره.

وعليه إن القسم الأكبر من عوامل استمرار أو قرب نهاية النظام هي موجودة في الداخل السوري نفسه الذي تعمه الفوضى والإرتباك والعجز على شتى المجالات ,وأوضح صورة لهذا العجز هو عدم قدرته على القيام ولو بخطوات إصلاحية بسيطة بل على العكس رجع إلى السلوك القمعي الذي سارعليه قبل أكثرمن ربع قرن  وعادت إلى الواجهة سياسة خنق الحريات والتضييق على نشطاء حقوق الإنسان والمثقفين في  سلوك واضح لنفي كل دعوات الإصلاح والإنفتاح التخديرية ورجع إلى حقيقته وممارسة الدور الوحيد الذي يجيده ويعبر عن وجوده وهو سلوك الدولة القمعية الأمنية.

وعلى الصعيد الإقتصادي تظهر أزمة النظام وفشله في تبني برنامج اقتصادي فعال ينقذ سورية من الوضع المتدهور بل زاد النظام فوضى تبنيه لنظام السوق الإجتماعي والذي لاتتوفر في الواقع السوري أسس تطبيقة وتستمر البلاد بهيكل اقتصادي قديم في حقيقته جديد لفظيا ً وتستمر الدولة بالغرق في الفوضى الإقتصادية .

وعلى صعيد حياة الشعب اليومية حيث الفقر يزيد ومعدلات البطالة ترتفع باستمرار وتدهورالحالة المعاشية باطراد حيث أصبح فيها غالبية الشعب تحت خط الفقر وفي صراع مهين مع تأمين لقمة العيش , يترافق مع الفساد السرطاني في بنية الدولة والمجتمع وأستمرار رموز النظام ومافيا الأسرة الحاكمة في النهب المنظم للثروة الوطنية بدون رقيب أو حسيب.

وتأسيسا ً على هذا الوضع المتردي على المستوى الداخلي يؤشرأن النظام  لايملك من عوامل الإستمرار إلا قوة القمع وحصر الشعب مجددا ً في دائرة غياب الحريات وقمع الحراك السياسي الديموقراطي وكم أفواه المثقفين وإسكات أي صوت في سورية , وعليه إن عوامل استمرا ر النظام  معدومة وفق معطيات الواقع السوري التي تشير كل مؤشراته أن النظام وصل إلى نهايته وبدأ يستهلك نفسه .

وبالمقابل إن وضع النظام على المستوى الإقليمي والعربي لايقل سوءا ً عن وضعه الداخلي , فعلاقاته مع لبنان تلاحقها جريمة إغتيال المرحوم رفيق الحريري وتضغط عليه بعنف إلى الحد الذي لايعرف كيف يخرج منها , وعلاقاته مع بقية الدول العربية بين مد ٍ وجذر حسب تواتر أخطائه هنا وهناك ,وعلاقاته الخارجية ليست بأحسن حالا ً وخاصة مع الإتحاد الإوربي والقوى الدولية الفاعلة على الساحة الدولية حيث علقت اتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوربي للتراجع الخطير في وضع حقوق الإنسان في سورية .

في ظل حالة الإستعصاء هذه يهرب النظام كعادته من مواجهتها إلى التسول على أبواب القوى الخارجية مستجديا ً الصفقات وعارضا ً كل أنواع التنازلات الوطنية والقومية والجغرافية وحتىالإنسانية , ونافخا ً العضلات البالونية وملوحا ً بالسوط وباسطا ً سجادته مسلوب الإرادة ومكسورالأجنحة عل أبواب القوى التي تتحكم في هز وتفكيك بنيان المنطقة بشكل متسلسل دون أي تأثير في تحديد التغيير أو أي تفكير في العواقب.

وبالمحصلة إن النظام وبشكل موضوعي هو داخليا ً في حالة انهيارعلى شتى المسارات والتي خلاصتها الإفتراق الكامل مع الشعب , وإقليميا ًلم يعد يملك من الأوراق مايؤهله لأن يكون له أي دور سوى دورا ً لفظيا ً قعقاعيا ً لإثبات الوجود وعرض الخدمات ,ودوليا ً وبالتحديد موقفه من القضية الفلسطينية أعطى كل ماعنده ووقع على كل ماطلب منه وتنازل عن كل شيء وقبض ثمنه وهو باختصار حمايته وتغطيته والصمت على جرائمه لأربعين عاما ً, لكن الظروف تغيرت والمعطيات تغيرت والصفقات تغيرت ويجب أن يتغير الكثير من اللاعبين وعلى وجه التحديد القدامى منهم وهو أولهم لأن المرحلة تحتاج إلى جيل جديد من الموقعين على تفاهمات جديدة وصفقات جديدة لم يعد النظام السوري بحكم طبيعته وبنيته وتركيبه السياسي وتمثيله على الخارطة السورية الداخلية قادرا ًعلى القيام بها أو بشكل أدق أصبح غير مرغوب فيه .

يبقى خيار التغيير هو القائم لكنه أيضا ً محفوف بالكثير من الإحتمالات والمخاطر وأكثرها أمنا ً وحفاظا ً على وحدة الشعب والوطن وامتلاك الحرية والإرادة والإستقلالية في هذه الظروف الإقليمية والدولية المتداخلة بشكل كبير هو التغيير الوطني الديموقراطي الذي تبنته جبهة الخلاص الوطني ليس رغبة ً في الإنشاء بقدر ماتعبرماتملك أطرافها من بعد اجتماعي في سورية ومن مشروع عقلاني للتغيير.

بقي أن نقول : إن استمرار النظام هوحاجة سد فراغ مؤقت منعا ً للفوضى التي تضرب أطنابها في المنطقة , وقد يوحي المحركون للأمور له ولغيره بما مضمونه حصول صفقة ما , أعتقد أن إتقان اللعبة يتطلب بعض الصمت وبعض التهدئة هنا أو هناك لأن فاتورة أستمرار النظام تحتاج إلى صفقة بل صفقتين بل ثلاث صفقات بل إلى الكثير من الصفقات ,وهي في إطار الحساب الدقيق بين التغيير ودفع الفواتير والكل بانتظار زمن التقرير...!.

د.نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ