العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

فـي القـاع : سنتان في سجن تدمـر (2 – 3)

التحـقيـق

كان إخواننا المعتقلون في سجن تدمر،  يوصي بعضهم بعضاً بأن ينقل المحكومون بالبراءة ما يجري لهم في سجن تدمر، في حال الإفراج عنهم، ومن يتمكن من تسريب بعض المعلومات عن الجرائم التي ترتكب بحقهم في سجن تدمر، فليفعل، وقد أذن الله بالإفراج عن الأخ صاحب هذه الذكريات، وهو لا يزال يذكر وصية إخوانه المعتقلين له، بأن يعمل على فضح هذه المخازي والجرائم، في سائر الأماكن التي يمكنه الوصول إليها،

 

وإننا بإصدار هذه الذكريات عن سجن الموت في تدمر، ونقل معاناة أولئك الأحرار الأسرى، نريد أن نشهد العالم أجمع، نريد أن نشهد الدنيا بأسرها، على جرائم حافـظ الأســــد ، لعل الحسّ الإنساني يتحرك فيهم، فيبادروا إلى فعل حاسم يجتث هذا السرطان من جسم أمة العرب، لينقذوا العرب والمسلمين من خبائثه وجرائمه..

25/8/1985م           خالد فاضل

ـــــــــــــ

أبو اصطيف :

كان دور المحقق يبدأ في العاشرة صباحاً ويستمر إلى الثانية بعد الظهر، ومن التاسعة ليلاً حتى آخر الليل. وكان لي في كل يوم جلسة تحقيق في الصباح وأخرى في المساء، وينشغلون عني بعض الأحيان، ويعيدون في كل مرة (فلم) العذاب بأكمله قاسياً مريراً رعيباً, وكانوا يطلبون مني أن أكتب لهم في كل مرة اعترافاتي ولا يعجبهم ما أكتب، فيضربونني عليه أشد الضرب.

فتح السجان باب الممر قبل الظهر وأدخل شخصاً فأوقفه في الممر وتركه ومضى.

قام أحد الأخوان فاسترق النظر من النافذة الصغيرة ثم قال: قادم جديد.. قمت استرق النظر وهالني ما رأيت يا الله.. إنه أبو اصطيف، كان يقف في طرف الممر يلبس بدلة رصاصية اللون مكوية، وكأنه جاء ليتفقد أحوال المعتقل، ناديته: أبو اصطيف. السلام عليكم..

أجاب: وعليكم السلام.

قلت: خيراً إن شاء الله يا أبو اصطيف؟

كان سؤالاً حائراً، وأقول في نفسي: وهل يحتاج الأمر إلى سؤال؟ ولكني لم أكن أصدق ما أرى.. ما جريرة هذا الإنسان الطيب الأديب الذي ما عرف حتى الكلمة الجارحة ولا اللفظة النابية كله أدب وأخلاق كريمة وعمل ونشاط دؤوب واستقامة.

وأجاب أبو اصطيف: لا ما في شيء سؤال وجواب خمس دقائق.

وكان عازفاً عن الكلام.. وكأنه مشغول أو مستعجل (نفس الحالة التي مررت بها) وكدت أصدق أنه كذلك (سؤال وجواب) خمس دقائق.. حتى لقد هممت أن أحمله سلامات للأهل.. وجاء السجان وأدخل أبا اصطيف الزنزانة المجاورة واستفهم أحدهم عن أبي اصطيف وأمره فقلت حائراً: يقول سؤال وجواب خمس دقائق فقط. فقال أحدهم: نعم إلى يوم يبعثون.

قال لي الأخ (س) المهندس وأنا ذاهب إلى التحقيق: لا تخف (يا فلان) أنت أقوى منهم أنت أقوى منهم بإيمانك.. إنهم لم يستطيعوا أن يطاولوك فراحوا يعتدون عليك بالضرب.. اعرف ما تقول واذكره فأنت مسؤول عنه.

وأعود بعد التحقيق محطماً فيواسيني الأخوة بكلمات رقيقة مشجعة كالبلسم يمسحون بها الجراحات.

جاء أخ منقول من الفرع العسكري لبعض التحقيقات، كانت حاله سيئة جداً، رجلاه مضمدتان ويده متورمة من الكوع وفي وجهه كدمات مختلفة وحول عينيه هالتان سوداوان، وإذا هو يحسدنا على حالنا في معتقل أمن الدولة ويقول:

- أنتم بخير وعافية، تحقيقكم هنا (أسهل من شربة ماء)  الحاقدون عندكم لا يعملون بأيديهم بل بصفة مراقب فقط، بينما عندنا يتولون العمل بأيديهم هناك يؤخذ المعتقل للتحقيق فإما أن يتكلم بما يريد المحقق (ما جرى وما لم يجر) وإلا فإن مصيره التحطيم أو الموت، وإذا لم يمت فسوف يعود إلى التحقيق من جديد.. شابان في شرخ الشباب في سن العشرين قتلا أمام عيني بعد عذاب رهيب استمر أربع ساعات متوالية أحدهما هو الأخ سيف الدين طرشه، رحمه الله، فترحمنا عليهما، وحمدنا الله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

 

إلـى دمشـــق

 

جاء السجّان وفي يده ورقة مكتوبة ونادى باسمي وأمرني أن أوقّع عليها وقد أخفى ما فيها.

قلت: على أي شيء أوقع؟

قال: مالك علاقة يا ....  إما بتوقع يا إما باخدك إلى غرفة التحقيق.

نظرت إلى الأخوة حولي أستفهم منهم. قال (س): وقع. وأشار بيده: وليكن ما يكون واخلص من العذاب فوقّعت. عرفت في الورقة كلاماً يسيراً لحظته خلال التوقيع، كان اعترافاً ملفقاً بأشياء لا أعرفها.

وفي اليوم التالي كان في المعتقل حركة غير عادية، فقد جاء أشخاص آخرون ونودي بأسماء منها اسمي. قال بعض الأخوة: نقل. وتذكرت. لقد هددني المحقق في آخر جلسة تحقيق وآخر حفلة تعذيب وقد يئس مني فقال: (والله لأبعتك على الشام يا...) ولم أعر الأمر كبير اهتمام فماذا في الشام أو غيرها؟ ولكني عرفت فيما بعد معنى هذا التهديد، ولكن بعد فوات الأوان.

ففي (تدمر) الموت حدثني الأستاذ (ع) مدرس الرياضيات قال: طلبت من قبل المخابرات فهربت واختفيت خائفاً أترقب ومضت أيام صعبة قرابة شهر ولم أكن من المجرمين ولا ارتكبت أي ذنب يعاقب عليه القانون، ولكني متدين أصلي وأصوم وكان لي بعض الأصدقاء المتدينين، ولكن في هذه الأيام الكل مجرم حتى ولو ثبتت براءته، ونحن نرى الذاهب (الذي تأخذه المخابرات) لا يعود، بريئاً كان أم مذنباً، إلا من رحم الله ليحدث عن العذاب والإرهاب.

ضاقت بي الحال وصعب علي مواصلة الاختفاء فتوسط لي بعض الأقارب لدى مسؤول كبير في المخابرات وأخبره بأمري فقال له بالحرف الواحد: ليس متهماً بشيء، ولكنه مطلوب إلى الشام ومن يذهب إلى الشام لا يعود فليهرب.

ويتابع الأستاذ (ع) ولم أقتنع، وقلت لنفسي: ما دمت لست متهماً بشيء فسوف يكون تحقيق يسير فبراءة فعودة.. فسلمت نفسي للمخابرات واقتادوني إلى دمشق ثم إلى تدمر الموت هذا ولم أرتكب والله جرماً.

إذن الرحلة اليوم إلى دمشق.. ودّعت الأخوة، وعزّ عليّ أن أترك هذا المعتقل الذي عشت فيه أياماً قليلة، اعتدت فيها عليه، حيث أنني هنا قريب من الأهل وإن لم أكن أراهم أو أسمع عنهم، ولو كنت أعرف تدمر وما ينتظرني فيها لوقفت وجلاً أمام هذه الرحلة.

كنا ستة أشخاص جمعونا من زنازين مختلفة وقيدونا بالسلاسل حتى أصبحنا كتلة واحدة، ووضعونا في سيارة لاندروفر وانطلقت السيارة بنا (وقد ملئت من الأمام والخلف حرساً شديداً) إلى دمشق. لم نودع أهلاً ولم نر قريباً. تركنا وراءنا حياتنا كلها وأهلينا.. هكذا كنت ألقي نظرة الوداع على تلك الربوع التي طالما سعيت فيها بآمالي وهمومي وأقول بحسرة: هل من عودة يارب فقلبي يحدثني أنها رحلة ليس من السهل الرجوع منها.

كانت أيام رمضان المبارك وصمنا نحن المعتقلين المنقولين رغم رخصة السفر.. وحرّاسنا مفطرون طبعاً. وصلنا إلى دمشق فسجن الحلبوني مع المساء، وكان السجانون في المحافظة من نوعيات مختلفة. كان أحد الجلادين يأتي فيتفقدنا في الصباح وقبل التحقيق ويسأل: (كيف حالكن)؟ وكنا نظن به خيراً، وإذا هو خبيث كزملائه يريد أن يتعرف على حال من سيجلدهم في التحقيق ليعرف مدى تحملهم، وكان السجّان سعيد مثال الغباء والقسوة.

كما سجن مع الأخوة في إحدى الزنازين عنصر مخابرات ارتكب مخالفة وكان شديد الإيذاء للأخوة جاهلاً متغطرساً ينظر إلينا باحتقار، فلما عايش الأخوة يومين إذا به ينقلب حملاً وديعاً وإذا بالندم على ما فات يقرع قلبه، فكان إذا خلا بنا بعد ذلك أو بعدت عنه عين الرقيب يقول: أنتم أعمامي وإخوتي ويبدي أسفه وحزنه على ما بدر منه تجاهنا..

 

في معتقـل الحلبــوني

معتقل الحلبوني قصر قديم مؤلف من طابقين وملحق صغير وقبو وأمامه حديقة واسعة ويحيط به سور عال وأسلاك شائكة، وعلى يمين الداخل في الحديقة قبو طويل فوقه غرف وأمام بابه فسحة يسيرة 3×2م مشبكة بالحديد كالقفص،وعلى اليسار الدخل في أقصى غرفتان أيضاً.

 أدخلتنا الدورية إلى مكتب في زاوية البناء اليمنى وتلقانا هناك عنصر من المخابرات سلمه رئيس الدورية أوراقاً لا شك أنها تخصنا فاستلمها منه على مضض والتفت إلينا فعدّنا بالخيزرانة وسبنا وشتمنا وهمّ بضربنا. كان فارغ الدماغ، قد حشي ذهنه بأشياء غريبة عبر عنها بقوله: (انتو يا... لو شفتوني بره قتلتوني) ونحن لا قتلنا ولا نقتل أحداً. كان في ذهنه أن المعتقلين مجرمون هكذا قبل أن تثبت التهمة أو حتى قبل أن توجه التهمة.

سلمنا بعد ذلك إلى سجان آخر يدعى (أبو سميح) فقادنا إلى القفص فوضعنا فيه وسألنا: أنتو صايمين؟ قلنا: نعم. فجاء بوعاء كبير فيه شوربة مليئة بالحصى وقال: كلوا. طلبنا ماء فقال: بعدين. وهكذا أكلنا من الشوربة ما يسر الله. وجاء بعد ذلك السجان أبو سميح فادخل أربعة منا في القبو وقادني وآخر إلى البناء الرئيسي وسار بنا في ممر طويل وفتح باباً حديدياً ونزلنا درجاً ضيقاً إلى صالة صغيرة جداً على جانبها أربعة أبواب أدخلني من الباب الأول الذي أفضى بي إلى زنزانة ضيقة معتمة وأدخل الآخر الثانية وكان يبدو من خلال باب مغلق آخر (شودير) جهاز تدفئة مركزي قديم متروك تراكم عليه الغبار وبعد ذهاب السجان سمعت أصواتاً. وفتح شخص النافذة الصغيرة وأطل وجه فتى جميل بلحية شقراء فحياني بقوله: السلام عليكم. ورددت عليه بود: وعليكم السلام.

قال: نحن جيرانك في الغرفة الجماعية، كيف حالك، وماذا تحتاج؟

فشكرته وطلبت منه شيئاً من الماء فأحضر لي ماءً وطعاماً (خبز وحلاوة) وشكرته ثانية وجلست أتمتع بالوحدة وأستأنس بذكر الله. وجاء السجان في حوالي منتصف الليل فأخذني إلى الطابق العلوي وعصب عيني وأدخلني على محقق باشرني بالتهديد والوعيد. يقول: أنت منظم في الإخوان هذا أكيد وأنت معترف هنا (ويشير إلى أوراق أمامه) ولم يترك لي فرصة للكلام أو المعارضة ثم أعادني السجان إلى الزنزانة.

 

الـزنـزانـة رقم ( 4 )

 

وفي اليوم التالي جاء السجان فأخذني من الزنزانة وسار بي في الممر الطويل إلى الحديقة ثم إلى القبو فدخلنا فيه وقادني في ممر على جانبيه غرف وأبواب حتى أدخلني زنزانة ذات باب واطئ في آخر الممر ضيقة كانت هذه هي الزنزانة رقم ( 4 ) أغلق الباب ومضى كانت الزنزانة كالعلبة واطئة السقف ليس لها نوافذ سوى باب صغير من خشب سميك وفي وسطه فتحة صغيرة مشبكة بالحديد.

 

الجماعية في قبو الحلبوني

 

وجاء السجان بعد ثلاثة أيام فأخرجني وأعادني إلى قبو المبنى قرب (الشويدر) ولكنه في هذه المرة وضعني في الغرفة الجماعية وبابها في الزاوية إلى اليسار مع الأخ الأشقر صاحب اللحية وجماعة من المعتقلين كان أكثرهم بالثياب العسكرية رحبوا بي أنست بهم.

كان أول ما لفت نظري – وأنا داخل إلى الزنزانة الجماعية كتابات على الجدران تحتوي على أسماء وتواريخ وشعارات. كنت نشطاً قد ملأت قلبي مشاعر الصبر والاحتمال والاحتساب أنه لن يمسكني عن لقاء ربي شيء.

 

الــوحـــدات

كان الشاب الأشقر ذو اللحية قصير القامة ضاحك الوجه أديباً سلس الحديث ودوداً وهو طالب في الجامعة (جامعة دمشق كلية الهندسة) ويدعى (م – ع) ومعه شاب آخر طويل نحيل ذكي القلب وهو طالب جامعي أيضاً، وكان في الجماعية أربعة عشرة شخصاً آخرون باللباس العسكري المبرقع الخاص (بالوحدات الخاصة) جيش الطائفي علي حيدر. وكان في هذا الجمع سلوى، وتحدث العساكر فقالوا: نحن من الوحدات، أتعرف الوحدات يا أخ؟ قلت: ومن لا يعرف الوحدات؟ جيش ظالم غاشم يفعل في شعبنا كما فعل جيش هولاكو وجنكيز خان في البلاد المفتوحة قهراً فهي حلال له بأهلها ومالها وكل شيء فيها، أعرف أن القاتل في هذا الجيش لا يحمد على ما فعلته فقط بل يعطى مبلغاً ضخماً من المال (10) عشرة آلاف ليرة سورية فوراً لمن يقتل أي واحد من الشعب فعل شيئاً أم لم يفعل ولأورد الدليل كشاهد عيان: كان سمير الدج يعمل مع أبيه في مقهى صغير بجانب سوق الميكانيك في مدينة جسر الشغور على اليمين الدخل إلى المدينة من جهة طريق حلب.وهو شاب لطيف طيب القلب عمره (16) سنة لم يتمرس بشقاوات الأولاد. كان طيباً بكل ما في الكلمة من معنى ذهب مع أبيه إلى المقهى صباحاً وقبيل المغرب حمل غلة المقهى ولحق بأبيه إلى البيت فقد كانت خطة معروفة لأبي سمير أنه لا يفتح مقهاه في الليل أبداً ولا يسمح للمقامرين أن يقامروا فيه مهما كان الأمر.وفي الطريق لمح الشاب عساكر الوحدات ذوي البدلات المبرقعة تقطع الطريق وكان الجو العام في البلدة قاتماً فأحداث الجسر لم يكن قد مضى عليها إلا قليل، فانفتل الشاب عائداً ليغير طريقه بعيداً عنهم ورآه أحدهم فصرخ به فأرعبه وأربكه فأراد الابتعاد ولكن الروسية كانت ملقمة واليد على الزناد فبادرته برشة من الطلقات النارية، فسقط الغلام مضرجاً بدمائه، وضحك المجرم ضحكة السعادة الفاجرة، وجاء ينظر إلى الضحية ويغنم غلة المقهى التي تعب الغلام وأبوه فيها طوال النهار، ويتساءل الضابط شامتاً: ألم يمت بعد؟

 

ويقرر من عنده (مات وشبع موتاً) فيأتيه اثنان منهم فيجرونه من رجليه إلى السيارة الشاحنة الواقفة غير بعيد، فيلقونه فيها ويقف القاتل واضعاً رجله على جثة الطفل الضحية في وضع بطولي يحتاج إلى صورة تذكارية، والروسية مهيأة والإصبع على الزناد وتنطلق السيارة.

مزقت الأم ثيابها وقطعت شعرها واعولت وألقت نفسها على الأرض وهي تبكي.. ووضع الأب يديه على رأسه وانهد باكياً في حزن يهد الجبال: يا سمير يا ولدي يا سمير.. يا سمير.. وقبض القاتل المكافأة (10) آلاف ليرة كاملة لا تنقص قرشاً، ورفض ضابط الوحدات الإجابة عن أي سؤال، ورفض تسليم الجثة إلى ذوي القتيل بل سلموها لمكتب دفن الموتى في المحافظة ليتولى دفنها سراً، وسارع الوالدان إلى مكتب الدفن وأشفق عليهما المسؤولون وسمحوا لهما برؤية ولدهما القتيل فألقيا النظرة الأخيرة على طفلهما وأكبا يقبلانه ويشمانه وهو جامد بارد فاغر الفم وفي صدره ينابيع دم متجمدة.. ماذا تفعل الأحزان؟ وماذا تفعل الآلام؟ لن تفعل شيئاً إلا أن تحفر في القلب جروحاً غائرة لا يمحوها إلا عدل إلهي يعاقب المجرم على جريمته، بل لقد ارتفع ثمن القتل كما عرفت مؤكداً فأصبح (20) ألف ليرة بدل عشرة آلاف، ففي جامعة حلب وبالذات كلية الهندسة، والطلاب في امتحان يكتبون ويعملون وإذا بالمخابرات تقتحم قاعة الامتحان لتوقفه ولتأخذ الطالب الجامعي (محمود) وتقتاده إلى سجونها المظلمة، أمسكوا بتلابيبه وهو الشاب الرقيق الغض الإهاب الحيي الخجول. حدث محمود نفسه: (يا رب إليك ألجأ – أهكذا يجرونني إلى الموت وأنا مستسلم كالخروف- وخاطب نفسه: أنت بريء وأي براءة عندهم لا تشفع، يكفي أنك تصلي وأنك مسلم وأنك لست عميلاً) وعند الباب انفلت محمود من آسريه وانطلق هارباً كالسهم فامتدت اليد المجرمة إلى سلاحها المهيأ إلى المسدس الملقم فوجهته إليه وأطلقت عليه طلقات متلاحقة ضربت إحداهما ظهره، ونفذت من تحت الثدي الأيمن، ووقع محمود على الأرض ولكنه قام مغالباً الألم يقول في نفسه: فلأمت بعيداً عن أيدي المجرمين وأبتعد، ولكن النزيف لم يتركه يبتعد كثيراً فوقع غير بعيد، وجاءته قوى (الأمن) لا بل قوى الإرهاب والإجرام فحملته لتلقي به إلى مكتب الدفن ليدفن سراً وصدر الجاني يهتز أملاً وفرحاً فها هي عشرون ألف ليرة قريبة جداً من يده تكاد تدخل الجيب الفارغ الذي خوى بعد سكرة الأمس ولعبة قمار البارحة، ولكن الشاب كان لا يزال حياً وحمل إلى المستشفى وكتب الله له عمراً فعاش ليدخل سجون الظالمين، سجون المخابرات ولكمته اليد الجانية المجرمة ويقول له صاحبها: (ما كنت تموت يا كلب، ضيعت عليّ عشرين ألف) فالتسعيرة عندكم رخيصة يا وحدات.

كثيرون جداً نالهم ما نال سمير ولم ينج مثل محمود إلا القليل لينقل إلينا النبأ الذي لم يعد سراً .

 وقال أحد عناصر الوحدات المسجونين : يا أخ نحن لسنا مثل هؤلاء نحن لا علاقة لنا بما يجري.. نحن لا نعرف شيئاً وحينما نذهب في مهمة يبقوننا بعيداً عن مكان الحادثة.

سألتهم: أحضرتم تفتيش حماة /1980؟

قالوا: نعم حضرنا ولكنا والله لم نؤذ أحداً بينما كان ( .........)  شديدي البطش، كل ما يقال لنا في مثل هذه الأحوال: إن هناك خونة مخربين يجب القضاء عليهم.

وكان حديث طويل وتنصلوا من كل مسؤولية، وقالوا: يا أخي علمونا نحن أمانة في أعناقكم.

إعـداد الدكـتور خالد الاحمـد    كاتب سوري في المنفى

 

في القـاع ..سنتان في سجن تدمـر –3

تابـع التحقيـق

كان إخواننا المعتقلون في سجن تدمر،  يوصي بعضهم بعضاً بأن ينقل المحكومون بالبراءة ما يجري لهم في سجن تدمر، في حال الإفراج عنهم، ومن يتمكن من تسريب بعض المعلومات عن الجرائم التي ترتكب بحقهم في سجن تدمر، فليفعل، وقد أذن الله بالإفراج عن الأخ صاحب هذه الذكريات، وهو لا يزال يذكر وصية إخوانه المعتقلين له، بأن يعمل على فضح هذه المخازي والجرائم، في سائر الأماكن التي يمكنه الوصول إليها،

 

وإننا بإصدار هذه الذكريات عن سجن الموت في تدمر، ونقل معاناة أولئك الأحرار الأسرى، نريد أن نشهد العالم أجمع، نريد أن نشهد الدنيا بأسرها، على جرائم حافـظ الأســــد ، لعل الحسّ الإنساني يتحرك فيهم، فيبادروا إلى فعل حاسم يجتث هذا السرطان من جسم أمة العرب، لينقذوا العرب والمسلمين من خبائثه وجرائمه..

25/8/1985م

خالد فاضـل

ــــــــــــــــــــــــــ

إلى كفـر ســـوســـة

 

ولم يطل بنا المقام في قبو الحلبوني، فقد جاء السجان (أبو سميح) فاستدعاني مع معتقل آخر فأخذنا ووضعنا في القفص الحديدي أمام القبو وأخرج بضعة أشخاص من القبو فوضعهم معنا. لم نكن تعلم لماذا أخرجونا إلى هذا المكان، وظن البعض أنه إفراج خاصة وأن قضايانا كانت تافهة وليس علينا أي تهمة ذات بال، وكان لبعض زنازين القبو نوافذ صغيرة على القفص فرآني أبو اصطيف وأوصاني بإبلاغ سلامه إلى أهله، وكل الظن أنه الإفراج.. كم كنا حسني الظن ولم نكن ندري عن الحقد الأسـدي ومكره وكيده شيئاً ولم يخطر ببال أحد منا أن يعاقب إنسان على غير جريمة أو جريرة أو أن يقتل إنسان هكذا لمجرد نزوة من إنسان شاذ حتى صرنا لعباً عند من يتسلون بقتل البشر وقد ماتت في صدورهم القلوب.

وضعونا في سيارة اللاندروفر ذات القفص الحديدي، وسارت بنا خلال شوارع مدينة دمشق، وإذا الناس في غدو ورواح لا يشعر بنا أحد، وإذا المحال مفتوحة والأبواب والحياة الطبيعية لم تقف ولم تتعطل.. كان البعض يفكر: ماذا سيعمل إن أفرج عنه، وإلى أي مكان سيذهب؟

وصلنا إلى بناء عرفة أحد الموجودين فقال: هذا هو المركز الرئيسي للمخابرات العامة المسمى (كفرسوسة) إنه الفرع (285) ودخلت السيارة ضمن حواجز وحراس وأبواب ضخمة، ثم وقفت في باحة واسعة واقتادونا إلى بناء ذي طابقين فأدخلونا فيه، وفي مكان واسع في المدخل وضعت طاولة وسرير وكرسي وتلقانا شخص أسود الوجه شديد السمرة متوسط القامة ممتلئ الجسم، بل بدين له سحنة مغبرة وصوت مبحوح قال بجفاء: وقفوا هون..

صفنا وفتشنا جميعاً وهو مكشر جامد الوجه وكأنه يعامل أدوات سيئة يجب الحذر منها، ومن ثم أدخلنا في ممر طويل قادنا إلى الزنزانة رقم (5).

وجدنا هناك ثمانية أشخاص من المعتقلين، وكان البناء الذي دخلناه ذا طابقين وطابق أرضي، وكانت صورة المكان الذي دخلته كالآتي: هناك باب يفضي إلى ممر طويل وعليه تفتح مجموعة غرف ولكل غرفة منافع في داخلها إلا الغرفتين (5، 6) فإن لهما منافع مشتركة يفتح لهما بالتناوب في أكثر الأحيان، وفي الغرفة (3) كان يوجد المحامون وبعض المهندسين، وفي الطابق الأرضي يوجد غرفتان (1، 2) وثلاث مزدوجات ومجموعة من الزنازين الانفرادية وفي الغرفة (2) كان يوجد المهندسون وما لبثنا إلا قليلاً حتى جيء ببقية الأخوة الذين كانوا في الحلبوني وقد أفرغ من كل من فيه إلا الشاب الشيوعي وأخاه وشخصاً آخر له علاقة بهما، وتاجر سلاح كردي وسائق براد أجنبي، كان يقود سيارة مليئة بالسلاح، ورجل سوداني كان يقسم أن يذهب فور الإفراج عنه إلى أفخر مطعم ليشرب خمراً حتى السكر، وذلك بعد وجبة ثقيلة مما لذ وطاب.

وكان في الحلبوني أربع نساء على الأقل، إحداهن حامل ومعها أطفال ولا أدري إن كانت هؤلاء النسوة قد نقلن إلى كفرسوسة أم لا، ولكن تبين لي أن في معتقل كفرسوسة نساء أيضاً، وأنهن يفتشن أدق تفتيش من قبل رجال المخابرات، وقد عثر مع إحداهن عند الإفراج عنها قصاصة ورق فيها سلام من أحد المعتقلين إلى ذويه، فأوقف الإفراج عنها ولا أدري ماذا جرى بعد ذلك.

ولما استقر بنا المقام في الغرفة رقم (5) سلمنا على الجميع وممن تعرفت عليه: المعتقل القديم أبو سعيد، وكان سياسياً عريقاً لذلك كنت تراه خبيراً بالأمور والأحداث يجيد الحديث ويتقن الاستدلال والاستنباط وعنده الشواهد والأمثلة، ولا يعوزه على ما يريد الدليل، ولطالما حدثنا عن مخازي الحكام الأسـديين ...

 

الشاعر الاسلامي أحمد كيالي :

وكان أبو سعيد قد أمضى في الحلبوني وكفرسوسة زهاء سنتين، فسألناه عمن مرّ به من أشخاص فذكر لنا بعض الشخصيات التي مرت به، فكان منهم الأستاذ أحمد كيالي مدرس اللغة الإنكليزية الشاعر الإسلامي النابغة، وقد بقي معه في غرفة واحدة عدة شهور، وكان وقتها مسموح بالقلم والورق، فكان أحمد كيالي (أبو إياس) يكتب الشعر الجميل يعبر به عما هو فيه وعن مشاعره ورؤاه، وكان أبو سعيد يحفظ بعض مقاطع من شعره، وأرشدني إلى شباب في غرف أخرى يحفظون بعضاً من قصائده، ولم أتمكن من رؤيتهم في وقتها، وكان أبو سعيد ولوعاً به يتمنى أن يفرج الله عنهما ليصحب هذا الشاب وأمثاله.

 وحدثنا عن والد لعدة شهداء (وهو موظف كبير في مدينة حلب رجل في الخمسين من العمر، مكتمل الرجولة والأدب، نيّر الفكر لم ير له مثيلاً، كان له ولدان استشهدا في غارة من غارات قوات السلطة في مدينة حلب، ولم يكن الوالد يدري حتى ذلك الوقت بالأمر، فقد كانوا يخففون الأمر ويكتمونه عنه خشية عليه وكان أبو خالد يعاهد ربه (لئن فرج الله عنهما) أن يحج في نفس السنة مع أبي الشهداء هذا .

 وحدثنا عن أميـن الأصـفـر الشاب القوي في جسمه وخلقه ودينه صاحب اللحية السوداء الذي لا يخشى في الله لومة لائم، وأن شعار الإخوان المسلمين كان ملصقاً على دعامة السقف رسمه الأستاذ أمين وألصقه نكاية في المخابرات، وعن عبد الله الطنطاوي  وكيف اتفق مع الدولة هو ورجال الإخوان الآخرون على إيقاف سفك الدماء وأنه لما أفرج عنه مرّ بجميع الغرف فودع الجميع وأنه قال لجميع المساجين: نحن اتفقنا مع الدولة على إخراج المساجين المعتقلين، وعلى أن نحول السجون إلى مدارس، وحدثنا عن إبراهيم عاصي وتقاه وأدبه وفكره النيّر. يقول أبو سعيد: كل الإخوان كانوا هنا رجالاً، ولا كل الرجال شباباً مهندسين وأطباء ومدرسين بناة أمة ومربي أجيال هم الناس هم صنعوا هذه الرفوف التي ترون. هنا كانت الكتب تملأ هذا المكان، وهنا جرائد اليوم وهناك جرائد الأمس وهذا برنامج الدروس ملصق على الباب وفيه من كل علم وفن.. وإن المخابرات أخذوا كل ذلك دفعة واحدة في غضبة عارمة لا ذنب لنا فيها.. أخذوا الكتب والدفاتر الشخصية والأقلام وديوان شعر لأبي إياس وغير ذلك.. أخذوا كل ذلك فما أبقوا منه شيئاً، ومنعوا عنا كل شيء حتى المشتريات بقيت ممنوعة فترة طويلة وحتى الآن لم تعد إلى ما كانت عليه، فلا خضار ولا فواكه، ولا شيء إلا ثياب وسكر وشاي.

وسألناه: وأين أولئك الرجال يا أبا سعيد؟

فقال: أخذوهم إلى تدمر كلهم كل أسبوع كانت تذهب من هنا دفعتان إلى تدمر وعندما طلب أبو إياس إلى رئيس الفرع حيث سأله: ما رأيك يا أحمد في الحكام الحاليين؟ قال: جناة. كلمة واحدة نقل بعدها إلى تدمر مع المنقولين.. دفعات كانت تأتي إلى هنا تبقى أياماً قليلة ثم ترحل إلى تدمر.. يا ليتهم أخذوني معهم حتى أموت كما ماتوا.

قلت: صفهم لنا يا أبا سعيد.

قال: هم ليسوا بشراً بل ملائكة أطهار.

قلت: كيف إذا استلموا زمام الأمور والحكم كيف تكون الحال؟

قال: يمشي الذئب مع الغنم.. لا.. أستغفر الله، يحرس الذئب الغنم.

ثم تابع: أصحيح مجزرة تدمر أنت كنت طليقاً وتعرف، هل صحيح حدثت مجزرة تدمر؟

قلت: نعم حدثت.. فيما أعلم..

سأل: وكم قتل فيها؟

قلت: كل من كان في تدمر من المعتقلين هكذا الأخبار..

فزفر بحرقة وقال: أكلّ أولئك الناس قتلوا؟ لئن جرى ذلك فإن تدمر أصبحت مكة ويجب أن نزورها ونحج إليها، ألا تعلم الاسم الجديد لسجن تدمر؟ لقد سموه مركز التطهير الوطني لتصفية الإخوان المسلمين.

وتابع يقول: لقد تركنا السجانون مرة يوماً كاملاً بلا طعام، وشعرنا أنهم هكذا في اعتباط وحركة غير عادية وسمعنا بعد ذلك أنه كانت هناك محاولة لاغتيال حافظ أسد وبعدها أتت الأخبار عن مجزرة تدمر وتوقف إرسال المعتقلين إلى هنا.

 

وفي المساء  ( عند الإفطار ) جلسنا إلى مائدتين طويلتين كل منهما عبارة عن قطعة نايلون استعرناهما من الشيوعيين ووضعنا عليهما ما يسر الله من طعام قليل (برغل مطبوخ بالحصى والقش ومرقة بندورة فيها قليل جداً من حبات الفاصولياء وشيء من الحلاوة والخبز) وهكذا أفطرنا بشهية وحمدنا الله على نعمه وأفضاله، وتكرّم علينا الشيوعيون بإبريق ضخم من الشاي الساخن فشرب كل منا كوباً كبيراً وشكرنا لهم هذا الكرم الحاتمي، وحمدنا الله على هذه النعمة، وكان هذا أول كوب من الشاي الساخن منذ زمن طويل. ويبدو أن حكاية الكوب الأول هذه ملحوظة تماماً لدى الشيوعيين، فلقد جاءتهم قبلنا أفواج عديدة من المعتقلين من معتقلات ليس فيها شاي ساخن بل (علقات ساخنة) وكهرباء محرقة وعذاب وإرهاب، فكانوا يعرفون ما لهذا الكوب الأول من قيمة فيحرصون على تقديمها..

وتابع الشيوعيون في اليوم الثاني في الإفطار اثنان من العساكر أغرتهما الشاي الساخنة والسيكارة.

 

وقد حدث أحد رؤساء فروع المخابرات في حلب بعض المتوسطين لديه بشأن شاب معتقل فقال: (أنتم لا تعرفون هؤلاء الشباب الإسلاميين إنهم لا يتركون نشاطهم ولا يقبلون أي تنازل عن أفكارهم أو عقيدتهم. كم من مرة جاءنا أمثالكم يشفعون في بعضهم فنترك له سجينهم بعد التعهد بترك العمل الإسلامي، فلا يمضي وقت قصير حتى نراه أو نصطدم به وقد صعّد من نشاطه أو حمل السلاح ضدنا (ولهذا أسبابه) لذلك فالمحقق ورئيس المركز والجميع يعلمون حق العلم أن الموقف الإسلامي موقف عنيد لا يوقفه شيء ولا يحوله عن طريقه عذاب أو إرهاب أو سجن.

 

المرض والسجانون

 

كنت مريضاً من ثلاثة أيام بالتهاب اللوزتين الحاد، مثلت أمام طبيب المعتقل البارحة وجاء الممرض اليوم يوزع بعض الدواء. سألني عن رقمي فلم أعرفه، فبحث عنه حتى وجده فقال (بدي قلع عينيك إذا نسيت رقمك) أزعجني هذا الكلام ولم يدر بخلدي أن أتمناه وأتحسر عليه فالأمور نسبية.

 

حدثنا أحد المعتقلين عن السجانين وأنهم عناصر من سرايا الدفاع المشهورة يؤتى بهم إلى هنا وهم قساة غلاظ الأكباد لا شفقة عندهم ولا رحمة، وما يمضي إلا القليل حتى تلين قلوبهم بما يعرفونه من حقيقة أحوال المعتقلين، فتخف حدتهم إلا الأسـديين  مثل سعيد، فنراه ووجهه يقطر سماً وحقداً، ومن يجسر أن يكلمه فيده سريعة إلى الضرب الأليم وإلى كل أذى ويا ويل من يقع تحت يده. وإلا أبا محمد الطويل الكالح (وهو من أزلام أسـد ) فلم يؤثر فيه طول المدة ولا أحوال المعتقلين التي تدمي القلوب، فهو شرس شديد الحقد يستعمل يديه ورجليه وأسنانه إضافة إلى العصي والكبلات ولقد دخل قبل مجيئنا بيومين على مجموعة من الإخوة الحلبيين قدموا حديثاً وكانوا هنا في غرفتنا هذه، دخل والخيزرانة في يده فأوقفهم على الحائط وأوسعهم ضرباً حتى شفى غيظه وما اكتفى..

ولما جيء بحسني عابو إلى هذا المكان قبل بضعة أشهر كان أبو محمد هذا يدخل عليه الزنزانة وينقض عليه بالضرب والرفس واللكم وما يتركه إلا بين الموت والحياة. أبو محمد هذا لا يقدر سناً ولا يرحم بريئاً ولا يأبه لخلق أو مبدأ. وأضاف في سخرية: ومن طباعه أنه شره أكول دنيء، فإذا جيء بالطعام بعد الظهر انقضّ على كمية اللحم القليلة أصلاً فصال فيها وما ترك هبرة جيدة إلا أتى عليها يأكل أكل الفيلة يبلع وما يشبع، ويخبئ ما لم يستطع أكله في الظهر إلى المساء .

 

 أشبال في المعتقل

 

وجيء إلى الغرفة رقم (6) المجاورة والمشتركة معنا في المنافع، جيء بحوالي اثني عشر شاباً لا يتجاوز أكبرهم السابعة عشرة، لم ينبت في وجوههم الشعر بعد، أحدهم طالب في الثالث الإعدادي، وآخر طالب أول ثانوي والباقون حول ذلك، وكانت لديهم أخبار كثيرة ومثيرة ووجودهم نفسه كان مثيراً، فقد تجمع حولهم عناصر المخابرات والسجانون فور وصولهم يتفحصونهم بدهشة وخوف واستغراب، فقد بلغهم أن هؤلاء من التنظيم المسلح للإخوان المسلمين من المجاهدين (هكذا قيل لهم) تشجع أحد السجانين وسأل أحدهم:

- كم عمرك أنت؟

- 16 سنة.

- أنت إخوان مسلمين (وقد غلظ صوته)؟

- لا أنا طالب تاسع..

- إيش جابكم لهون؟

- المخابرات.

- ولك إيش قضيتك؟ أنت قاتل؟

- لا..

وانتشر الخبر الغريب في المعتقل وأخذ كل واحد منا خلال فتح باب الغرفة يتسلل إلى نافذة الغرفة (6) لينظر إلى الشباب الصغار وحاول البعض التسرية عنهم ولكن ابتساماتهم كانت توحي بأن ليس فيهم هذا الهم، وكانوا ينشدون الأناشيد الإسلامية الجميلة في إيقاع حلو وأصوات ندية.

وكان في الغرفة (6) معتقل مقطوع الرجل اليمنى تعرفت عليه خلال اختلاطنا النادر، وعجبت للأمر، ولم ألبث أن رأيت شاباً مشلولاً نصفياً.. مشلول اليد والرجل وعلمت أنه متهم بحمل السلاح ضد الدولة مع أنه لا يكاد يستطيع المشي، واكتملت برجل أمي الفكر واللسان مقطوع اليد وكلهم من جهات الساحل السوري وكان هناك الطفل الضاحك أبو عبد وابن الثالثة عشرة يتيم يعمل في مطعم ليعول نفسه.. يا بلد الغرائب.. وجيء إلى الغرفة (6) بشيخ وقور كنت أرى هؤلاء الناس من بعيد وتثور في نفسي تساؤلات حول هؤلاء الذين جيء بهم إلى المعتقل؟ ما جريمتهم؟

 

وفي ليلة 19/8/1980م أغلقوا باب الغرفة (5) في المساء دون أن نعلم لهذا سبباً أو معنى معيناً ولكن أبا سعيد كان لخبرته وطول إقامته في المعتقل يلحظ ذلك بعين الخبير العارف، وفي منتصف الليل جاء السجانون فأخرجوا نزلاء الغرفة (6) جميعاً وكانوا حوالي (35) شخصاً وتجاسر بعضهم فاقترب من باب الغرفة (5) وفتح النافذة الصغيرة وودع من رآه. قال: لا ندري أين يذهبون بنا.. نستودعكم الله.

وفي الصباح كانت الغرفة رقم (6) خالية تماماً. قال أبو سعيد: إلى تدمر.

قال البعض: أكيد يا أبا سعيد؟

قال: أكيد ما في غيرها.. مستكلبين على الناس..

 

- ثم أخذني السجان فأعادني إلى الطابق الأول وأنا في (شبه ذهول) وأدخلني الغرفة رقم (3) غرفة المحامين التي سمعت بها قبلاً، وإن فيها محامين ومهندسين، وقد سألت يومها مستغرباً عن سبب اعتقالهم ووجودهم هنا؟ ولم أحظ بجواب يفسر هذا الأمر المعضل. وفكرت في القضاء وحرمته والمحامين ودفاعهم واختصاصاتهم بالدفاع عن الناس فلم لا يدافعون عن أنفسهم والقانون في عقولهم وهم أخبر الناس به وبالحقوق التي يصعب على غيرهم من البشر معرفتها.. ولهم أصدقاء كثر من القضاة ورجال القانون أفلا ينصفونهم؟.

قال أحدهم: هذا لما كان هناك قضاء وقضاة، أما الآن فأصبح كل ذلك صورة فقط، فالمحاكمات صورية والقضاء ممثلون بل أجراء يقرؤون صحيفة فيها كلام جاءهم من فوق..

سلمت على الموجودين من محامين ومهندسين وغيرهم، وكان منهم الأساتذة أبو معروف وجورج بدرة وأبو سعيد ورئيس لجنة هامة في الدولة هي لجنة الإشراف على السجون والمساجين، وهو يحمل دكتوراه في الحقوق ولما تعرفت إلى رئيس اللجنة المذكورة نظرت إليه مستغرباً فعلم حالي فقال: من بديهيات الإشراف على السجون دخولها!!

قلت: ولكن للإشراف لا للإقامة؟.. وضحك الجميع..

وتلقوني بجملة من الأسئلة عن أحوال البلد والأحداث والمجازر التي سمعوا شيئاً ما عنها وكان أهم سؤال: ماذا تعرف عن مجزرة جسر الشغور ومجزرة أريحا؟

فوجئت بهذه الأسئلة التي نقلتني من أجواء مصيبتي ومحنتي إلى أجواء ماضية ليست بالبعيدة كلها محنة وعذاب وإرهاب. لقد كنت شاهد عيان في أحداث هذين البلدين الطيبين: أريحا وجسر الشغور.. شهدت المأساة كاملة ورأيت الدماء الحارة تتدفق على الأرض مهدرة قد أراقتها أيد مجرمة تتصرف برعونة وطيش وحقد وتزهق أرواح الناس بلا حساب وكأنما تقتل ذباباً.. وها أنا أمام جمع من المحامين رجال القانون ومهندسين مثقفين.. كم كنت أود أن أصرخ وأحكي هذه القضية لهؤلاء الرجال ولكن ها هي يد الظلم قد جمعت القاضي والمجني عليه في سجن واحد، وركلت القانون وطبقت على رجاله قانون الغاب وشريعة الوحوش.

مضت ثلاثة أيام ثم نقلت مع مجموعة إلى الغرفة (6).

 

الغرفة (6) غرفة التجمع

كان في الغرفة (6) بضعة وعشرون شخصاً من مختلف محافظات القطر، فيهم الصغار وفيهم الكبار في السن. كان موضوع التجميع يطرح نفسه ويشغل ذهن البعض. وكنت أريد أن أعلم بعض أمور كان أولها مدى ذنب هؤلاء الذين يجمعون في هذه الغرفة معي، هل هم أبرياء أو مذنبون؟ لعلي أعرف من ذلك طبيعة المرحلة القادمة. كل من قابلتهم حتى الآن أبرياء فعلاً.. لم يكن أحد منهم قد حمل السلاح أو قام بعملية عسكرية كما كنا نسمع، فإن كان هؤلاء كذلك، فلعلي إذن لا أكون في وضع حرج.. وكنت كل يوم أزداد يقيناً ببراءة هؤلاء الناس وأقول في نفسي معارضاً أي فكرة أخرى لابد أننا نجمع في هذه الغرفة ليطلق سراحنا ولنعاد إلى بيوتنا وأهلينا، فما يستفيد النظام من اعتقال الأبرياء وسجنهم؟ واطمأن بالي وغدوت قرير العين ما دمت مع هؤلاء الناس وهم معي فلابد أنه الإفراج القريب.. ولعلهم ينتظرون مناسبة ما لذلك؟

إعــداد الدكــتور  خالد الاحمــد       كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ