العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

قـراءة في سـقوط الجـولان – 3

في الحلقة الأولى رأينا التحصينات العظيمة التي أعدتها سـوريا في الجولان خلال عشرين عاماً ، حتى صار يسمى ( خط ماجينـو السوري ) ، وفي الحلقة الثانية رأينا كيف بدأت المعركة ، تمثيليـة المعركة ، وكيف تم تسليم الجولان للصهـاينة ، كيف كان الخرق من ( هضبة المغاوير ) ، وكيف رفض  ( العقيد عزة جديد ) أوامر قادته اللواء أحمد سويداني ، واللواء عـواد بـاغ ، ولم ينفذ ماكلف به من هجوم معاكس ضد القوات الصهيونية التي خرقت الجبهة السورية ...ورأينا كيف أن إشاعات الانسحاب انتشرت من يوم الخميس ( 8/6/1967م) قبل أن تشن إسرائيل هجومها على سوريا ....

 

بــلاغ ســقوط القنيـطـرة :

في اليوم الأول من الحرب الاثنين (5/6/1967) شنت سوريا غارة جوية الساعة الثانية عشرة ظهراً على مصفاة حيـفا ، كانت الغارة الأولى والأخيرة للطيران السوري خلال معركة العـار والتسليم ..

وفي الأيام الثاني والثالث والرابع ( 6/6  ــ 7/6  ــ 8/6 ) اكتفت سوريا بقصف مدفعي عنيف على الخط الأول الصهيوني ... [ ومن الناحية الأكاديمية العسكرية يتم هذا القصف قبيل الهجوم بدقائق ويسمى التمهيد المدفعي ، يسبقه تمهيد جوي ، وكلاهما لاتزيد  مدتهما مجتمعة عن نصف ساعة تكون القوات المهاجمة على أهبـة الاستعداد للانقاض على دفاعات العـدو بعدها مباشرة ] ..

وفي يـوم الجمعـة (9/6) قامت القوات الصهيونية بتمهيد جوي ثم مدفعـي على تل قاضي ( هضبة المغاوير ) ثم تقدمت ( البلدزورات ) على المنحـدر الصخري وشـقت فيه طريقاً للدبابات ، دخلت منه بضعة عشر دبابة صهيونية وتم خـرق الجبهة السورية ... وانهـزمت الدبابات السورية الموجودة في المنطقة بدلاً من أن تقوم بهجوم معاكـس على دبابات العدو الصهيوني ...

وسبق أن قلنا أن القيادة البعثيـة السورية أبلغت ضباطها البهعثيين همسـاً بالانسحاب بأشخاصهم ، والحضور إلى دمشق لاجتمـاع حـزبـي هام ( كما يقول مصطفى خليل ) ...ومن نزول هؤلاء القادة الكبار وأولهم اللواء أحمد سويداني ، قائد الجيش ، والعقيد أحمد الميـر قائد الجبهـة ، وغيرهم وتركهم لأماكنهم ، وصارت الهواتف صامتة ، يتصل قادة الوحدات ولا أحـد يـرد عليهم ...مما قـوى إشاعة الانسحاب التي انتشرت منذ الخميس ( 8/6) ...   

 

وفي صباح يوم السبت (10/6/1967م) ، وقد انتشر خبر خرق القوات الصهيونية للجبهة السورية ، وتعاظم إشاعات الانسـحاب ... وعدم تلقي قادة الوحدات أية أوامر من قائد الجيش ومن قائد الجبهة وغيرهم من القادة البعثيين الذين تركوا أماكنهم ونزلوا ـ فاريـن ـ إلى دمشق ...في هذا الجـو  المشؤوم أذيـع بلاغ سقوط القنيطرة ...

 

البلاغ رقم (66) عن سقوط القنيطرة :

وفي التاسعة والنصف من صباح يوم السبت (10/6/1967م) أذيع نبأ سقوط القنيطرة وهي عاصمة الجولان : يقول مصطفى خليل  ص ( 155) :

[ بلاغ صادر من راديو دمشق صباح يوم السبت : يقول البلاغ : بالرغم من تأكيد إسرائيل لمجلس الأمن الدولي أنها أوقفت القتال فإنها لم تنفذ ما تعهدت بـه وبدأت قوات العدو صباح اليوم الضرب بكثافة من الجو والمدفعية والدبابات ... وإن القوات الإسرائيلية استولت على مدينة القنيطرة بعد قتال عنيف دار منذ الصباح الباكر في منطقة القنيطرة ضمن ظروف غير متكافئة ، وكان العدو يغطي سماء المعركة بإمكانات لاتملكها غير دولة كبرى ...واستولى على مدينة القنيطرة على الرغم من صمود جنودنا البواسل ، ولايزال الجيش يخوض معركة قاسية للدفاع عن كل شبر من أرض الوطن ... كما أن وحدات لم تشترك في القتال بعد قد أخذت مراكزها ..] ...

[ وفي الساعة ( 05ر12 ) صدر بلاغ عسكري يقول : إن قتالاً عنيفاً لايزال يدور داخل مدينة القنيطرة وعلى مشارفها ، ومازالت  القوات السورية تقاتل داخل المدينة تساندها قوات الجيش الشعبي بكل ضراوة وصمود ...]

  أذيع نبأ سقوط القنيطرة في اليوم العاشر من حزيران ، وكان عبد الرحمن الأكتع وزير الصحة يومذاك في جولة ميدانية جنوب القنيطرة ،  يقول سمعت نبأ سقوط القنيطرة يذاع من الراديو ، وعرفت أنه غير صحيح لأننا جنوب القنيطرة ولم نـر جيش العدو ، فاتصلت هاتفياً بحافظ الأسد وزير الدفاع وقلت لـه : المعلومات التي وصلتكم غير دقيقة ، نحن جنوب القنيطرة ولم نـر جيش العدو !!! فشتمني بأقذع الألفاظ ومماقالـه لي : لاتتدخل في عمل غيرك يا( ... ) ، فعرفت أن في الأمر شيئاً !!؟

ويقول الدكتور سامي الجندي في كتابه ( كسرة خبز ) ص 17 ([1]) : ( ... أسئلة كثيرة ترد إلى الأذهان : لماذا لم يطلب الحكم السوري وقف إطلاق النار مع مصر والأردن مادام الاستمرار في القتال مستحيلاً !!!؟ كما يقول الجندي : إن إعلان سقوط القنيطرة قبل وصول العدو لها بأكثر من يوم ، أمر لايمكن فهمه بتأويل حسـن . ويتابع الجندي قوله :

إن تداعي الأفكار البسيطة يربط بين عدم وقف إطلاق النار والحدود سليمة والالحاح بل الاستغاثة لوقف إطلاق النار بعد أن توغل الجيش الإسرائيلي في الجولان ، ويخلص إلأى الاستنتاج بوجود خـطة ما ..

فوجئت لما رأيت على شاشة التلفزيون مندوب سوريا في الأمم المتحدة يعلن سقوط القنيطرة ووصول قوات إسرائيل إلأى مشارف دمشق ، والمندوب الإسرائيلي يؤكد ألأن شيئاً من ذلك لم يحصل ..

قال لي الدكتور إبراهيم ماخوس ( وزير خارجية البعثيين يومذاك ) أنها كانت خطة ماهرة ل ( إرهاب ) العالم من أجل إنقاذ دمشق .. انتهى كلام الجندي ..

وفي كلام الجندي ( وهو وزير إعلام البعثيين ، ثم سفيرهم في باريز خلال الحرب ) في هذا الكلام اعتراف من ماخوس ( وزير الخارجية ) أن سقوط القنيطرة خطة مدبرة ، واعتراف من مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة بأن دولته لم تحتل القنيطرة ..

ويقول خليل مصطفى  في هامش الطبعة الثانية (ص 177) : سئل اللواء أحمد سويداني بعد الحرب بمدة ، في أحد الاجتماعات الحزبية في دمشق ؛ عن بلاغ سقوط القنيطرة ، فكان جوابه : [ أنا كمسئول ؛ لم أستشر في البلاغ الذي أعلن سقوط القنيطرة ، وكمواطن سمعته من الإذاعة كغيري ] ... أقول ولذلك قضى عليه حافظ الأسد فيما بعد ، لأنه كان يشغل منصب قائد الجيش ، ويذاع مثل هذا البلاغ دون علمـه ..!!!

يقول محمد عبد الغني النواوي : كان أحد أقربائي ضابطاً في الجيش السوري خلال حرب حزيران ، وكان مكز عمله مدينة القنيطرة قال لي : في يوم السبت (10/6) كنت أتناول طعام الفطور مع بعض الجنود الساعة (30ر9) صباحاً وسمعنا بلاغ سقوط القنيطرة ، فتركنا طعامنا وقمنا مذعورين إلى شوارع المدينة نستطلع الخبر ، وذهلنا عندمل لم نجـد أثراً للعدو داخل المدينة ، والقنيطرة ليست من المدن الكبيرة التي ربما يسقط فيها حي من الأحياء دون أن تعلم بقية الأحياء ... ولما عدت إلى قطعتي وجدت الرفاق البعثيين ـ الرئيس ونائبه ـ  ولـوا هاربين ، وكذلك كان حال سائر الوحدات العسكرية ، فدب الرعب في قلوب المدنيين والعسـكريين ، وانتشرت الفوضى ، ولم نجـد بـداً من الفـرار .

ويقول خليل مصطفى ( ص 188) : إن الذي ثبت لدينا حتى الآن ...أن القوات الإسرائيلية لم تطأ أرض القنيطرة ( رغم كل تلك المخازي والجرائم التي شرحناها ) إلا بعد إعلان سقوطها بما لايقل عن سبع عشرة ساعة ...

فقد خرقت قوات العدو الجبهة يوم الجمعة (9/6) حوالي الظهر ، بقوة لواءي دبابات ، ولكن العدو لم يستطع التقدم بحرية بسبب المقاومة الفردية ، ولاقى مقاومات فردية شرسـة وعنيفة في المقاومة ، لذلك كان تقدمه في حذر شديد ، يتوقف عند أول بادرة مقاومة ولو كانت طلقة من بندقية ... وينتظر الطيران أن يدمرها ...

وعندما أذيع بيان سقوط القنيطرة كانت أقرب وحدات للعدو تشتبك مع مقاومات بطولية فرديـة ابعثت من نقطـة القلع ، وتل العزيزيات ... ( انظر رواية دماء على الجولان ) ..

وكان البلاغ المذكور ، بلاغ سقوط القنيطرة ، والمقاومات الفردية على أشدها ، فانهارت القوى الجبارة ، التي أظهرت بطولات الرجال الأوفياء لأرضهم وبلدهم ، ودخل في روعـهم أن مقاومتهم لم تـعد مجـديـة ، وذلك بعد انقطاع الاتصالات معهم ، وهروب القادة المسؤولين ، لذا قرر هؤلاء الأبطال الانسحاب ليلتحقوا بوحداتهم ويتابعوا القتال معها ..

وبعد أن انسحبوا ، ووجدوا القنيطرة مازالت سليمة ، أسقط في أيديهم ، وحاروا في فهم ذلك الواقـع المخـزي ...

وخلاصة القول في حرب (1967م) أنها كانت مسرحية ، هدفها كسر شوكة عبدالناصر ، واحتلال الجولان من قبل الصهياينة ، واحتلال الضفة الغربية والقدس ، وقدتـم ذلك كلـه . وممايؤكد ذلك أن خسائر الجيش السوري التي أذاعتها الحكومة كانت (115) عسكرياً فقط ([2])، وهم الذين لم يتقيدوا بأمر الانسحاب ، فضلوا أن تمر الدبابات الإسرائيلية على أجسادهم ؛ كما حصل في تل العزيزيات([3]) .

وكانت مواقف بطولية ذكرت أحدها في رواية ( دماء على الجولان ) وسأذكر بعضها في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى ...

الدكتور خالد الاحمـد                   كاتب سوري في المنفى 


[1] ـ نقلاً عن عبد الغني النواوي في مؤامرة الدويلات الطائفية ص 419 .

[2] ـ في (23 شباط 1966 ) قاد سليم حاطوم مغاويره وهجم على منزل الرئيس محمد أمين الحافظ ، فدافع الجنود (حرس الرئيس ) وكثير منهم من البدو ، دافعوا حتى الموت ، وكان عدد القتلى أكثر من (200) عسكري ، أي أكثر من خسائر سوريا في حرب حزيران .

[3] ـ انظر رواية دماء على الجولان ، للكاتب خالد الأحمد . ومعظمها أخبار واقعية جمعها الكاتب ممن اشـتركوا في حرب (1967م) .


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ