العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02 / 04 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

التكوين المجتمعي السوري والمسألة الطائفية:

رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية

لقد عاش الشعبُ السوريّ منذ نشأته متآلفاً موحّداً، بكلّ مكوّناته الدينية والمذهبية والعرقية.. ووقفَ بكلّ فئاته ضدّ محاولات التفرقة، وفي مواجهة الاحتلال والاستعمار. فمَن الذي أثارَ القضيةَ الطائفيةَ بين أطياف المجتمع السوري؟. إنّ الأوضاعَ الشاذّةَ القائمةَ في سورية منذ أكثرَ من أربعة عقود، وسياساتِ الإقصاء والاستئصال والتسلّط التي استأثرت بالوطن، على يدِ زمرةٍ حاولت حمايةَ نفسها بممارسات التمزيق والتفرقة.. أفرزَتْ حزمةً من المشكلات الوطنية، وعملت على تفتيت وحدة المجتمع، وإيجاد أزماتٍ بين مكوّناته؛ أزماتٍ إنسانيةٍ وحضاريةٍ وسياسيةٍ وطائفيةٍ وعرقيةٍ وتنموية..

 

أولاً - في التكوين المجتمعي العام:

يتكوّن مجتمعُنا السوريّ من نسيجٍ حيّ، يشكّل العربُ والمسلمون مركزَه وسوادَه الأعظم. وتعيشُ في إطار هذا المجتمع وفي بُنيته مجموعاتٌ دينية،ٌ ومذهبيةٌ، وعرقيةٌ، لها خصوصيّاتُها وتطلّعاتُها المشروعة.

ويشهدُ التاريخُ للدولة الإسلامية وللمجتمعات التي عاشت في ظلّها، أنها كانت من أكثر الأنظمة التي شهدتها الحضارةُ الإنسانيةُ اعترافاً بالآخر، وصَوْناً لحقوقه العامة والخاصة، طوالَ فترةٍ زمنيةٍ امتدّت خمسةَ عشرَ قرناً. ولا ينقضُ هذه الشهادةَ الكليةَ تجاوزاتٌ لحاكمٍ أو فئة، وقعت في عصرٍ ما أو بقعةٍ ما، أو تقريراتٌ نظريةٌ خطّها مفكرٌ أو عالمٌ هنا أو هناك. ويكفي أن نشيرَ إلى أنّ تواصلَ وجود هذه المجموعات - وبعضُها يتَحَدّرُ من أعماقٍ موغلةٍ في التاريخ - يؤكّد أنّ تاريخَنا أو مَنْ صَنَعَه، لم يكنْ قطّ استئصالياً أو نابذاً. وأمامَ كلّ شاهدٍ قاتمٍ قد ينتزعُه متصيّدٌ من وقائع التاريخ أو من بطون الكتب.. تنهضُ عشراتُ الشواهد الزاهية التي ترسمُ الخلفيّةَ الحضاريةَ اللائقةَ لمجتمعٍ كرّسَ التعايشَ المدنيّ الإيجابيّ المنتج، بين مختلِفِينَ في الدين أو في المذهب أو في العرق أو في الفكر.

إنّ صدقَ الانتماء إلى المجتمع التاريخيّ الذي ينتمي إليه الفردُ أو المجموعة، والحرصَ على حسن العلاقة بين أبناء المجتمع الواحد، يقتضي التركيزَ على الجوامع وتعظيمَها. والجوامعُ بين أبناء مجتمعنا أمتنُ وأقوى من أن يتجاوزَها متجاوز. إنّ حالةَ التماهي في المجموع العام لا يجوزُ أن يُنظَرَ إليها بريبٍة أو أنها محاولةٌ للتذويب. إن الاحتفاظَ بالخصوصيّات - وهي حقّ مقررٌ للجميع - لا يعني تكريسَ حالةٍ من التنابذ المجتمعيّ، بقدر ما يعني إبرازاً أزهى للألوان والتنوّع في الكلّ الملتحم المنسجم.

 

وفي إطار الحديث عن التكوين المجتمعيّ وقضية الأقليات، لا بدّ أن نؤكّدَ على الحقائق التالية:

1 - الحقيقةُ الأولى: هي أن مجتمعَنا مجتمعٌ له انتماء، وهو جزءٌ من كلّ، ينتمي إلى أمةٍ ذات أفقَيْن، تجمعُها في الأفقِ الأقربِ روابطُ الرّحِمِ واللغةِ والقُربى، والانتماءُ إلى واقعٍ إنسانيّ وحضاريّ وثقافّي واجتماعيّ. ويجمعُها في أفقها الآخر، الدينُ والعقيدةُ والرؤيةُ المشتركةُ للحياة والكون والإنسان. وهي عقيدةٌ وثقافةٌ شاركت في تكوين وعي الإنسان وإدراكه لذاته ولغاية وجوده ولدوره في هذه الحياة.

2 - والحقيقةُ الثانية: هي أن لمجتمعنا - بالإضافة إلى هويته المعبّرة عن انتمائه الدينيّ والقوميّ – انتماءً إقليميّاً، فقد كانت بلادُ الشام الممتدةُ من الشواطئ الشرقية للمتوسط حتى العراق، ومن جبال طوروس حتى العريش، وحدةً إقليميةً وجغرافيةً لها ظلّها الحضاريّ والسياسيّ والاجتماعيّ.

ولن يكون نزعُ الهوية عن مجتمعنا مقبولاً تحت أيّ ذريعة. إنّ انتصارَنا في الحفاظ على الخصوصيّات المميّزة لأيّ فريقٍ وطنيّ، وإصرارَنا على حماية حقوق المجموعات للتعبير عن ذاتها، التي نعتبرُها جزءاً من الذات المجتمعية الكلية؛ لا يمكنُ أن يكونَ مدخلاً لطمس الهوية العامة لمجتمعنا في بُعدَيْها الدينيّ والقوميّ.

3 - والحقيقةُ الثالثة: هي أنّ مجتمعَنا مجتمعٌ فيه أقلّيات، وليس مجتمعَ أقلّيات، وكلّ أقليةٍ في مجتمعنا هي - باعتبار الجوامع التي ينبغي أن تُعَظّم - بعضٌ من لُحمة الأكثرية في سوادِها الأعظم. إنّ فهمَنا للسواد الأعظم لمجتمعنا في إطارَيْه الدينيّ والقوميّ (الإسلاميّ - العربيّ) يؤكّدُ أن نسبةَ الأقليات التي لا تنتمي إلى أحد هذين الإطارين، هي نسبةٌ ضئيلةٌ جداً.

إن تعظيمَ جوامع الانتماء، والتماهي مع الكلّ العام، لا يُرادُ منه مصادرةُ أيّ خصوصيةٍ دينيةٍ أو مذهبيةٍ أو عرقية، إنما يُراد منه إبرازُ البعدِ الإيجابيّ في الكلّ الجامعِ لأبناء المجتمع الواحد. وببساطةٍ إحصائيةٍ متسامحةٍ نستطيع القول: إن مجتمعَنا عربيّ مسلم، يظلّلُ الإسلامُ بعقيدته السمحةِ ما يزيد على خمسةٍ وثمانين في المائة من أبنائه، وتربطُ وشائجُ العروبة نسبةً مقاربةً لهذه النسبة من المجموع العام.

ففي دائرة الإسلام يجتمعُ العربُ والكردُ والتركمانُ والشركس.. وفي دائرة العروبة يجتمعُ المسلمُ والمسيحيّ، كما يجتمع في دائرة الانتماء العام للإسلام جميع المذاهب والطوائف (خصوصاً إذا رجعنا إلى الإسلام الأول، قبل ظهور المذاهب والفرق السياسية في المجتمع المسلم). إنها خطوطٌ وألوانٌ في المظلة الجامعة، وليست ندوباً ولا أخاديدَ في الجبهة الوطنية. وإلى جانب هذين الانتماءين الجامعين، توجَدُ أقلياتٌ مجتمعيةٌ محدودة، تشتركُ في الانتماء إلى الحضارة والوطن، يكفلُ تأسيسٌ دستوريّ لدولة المواطنة حقوقَها، ويحمي مصالحَها، ويصونُ خصائصَها.

وفي هذا السياق لا ينبغي أن نُستجَرّ إلى المستنقع الذي استُجِرّ إليه أشقّاؤنا في العراق. أو نتتبّعَ الوحداتِ لنصغّرَها في إطار عزلٍ طائفيّ لا تخفى آثاره وانعكاساته. إنّ مبدأ تعظيم الجوامع وتقليل الفروق، مبدأ أساسيّ لقيام المجتمعات البشرية، يحول بيننا وبين أن ننظرَ إلى الدائرة الإسلامية الكبرى بعين التمزيق، كما يحول بيننا وبين أن نفعل ذلك مع أشقائنا المسيحيين فنوزّعَهم على مذاهب هي في واقع الأمر بعضُ ألوان الطيف المسيحيّ.

فالمسلمون في سورية سوادٌ عام، وهم مع المسيحيين في دائرة العروبة يشكّلون سواداً أعظم. والعربُ في سورية سوادٌ عام، وهم مع الكرد والتركمان والشركس في دائرة الإسلام يشكّلون سواداً أعظم. وهكذا تتحقّقُ لمجتمعنا هويتُه الجامعةُ التي تكادُ تستغرقُ معظمَ أبنائه. كلّ هذا في إطار حماية الخصوصيّات وصيانتها.

ثانياً - الطائفية بين النزوع الفطري.. والمرض:

إنّ الشعورَ بالارتياح إلى القريب المجانس أمرٌ فطريّ، وطبيعيّ أنْ يأنسَ الإنسان بمن شاكلَه نسَباً أو لغةً أو عقيدةً أو فكراً.. أو بمن ساكنَه مدينةً أو بلدةً أو قريةً.. وهذا الشعورُ تعبيرٌ طبيعيّ عن حقيقة الألفة ومعانيها. يُسهم في تعميق روابط الثقافة والعادات والتقاليد، ويؤكّدُ معانيَ التلاحم والاعتزاز بالانتماء الأصغر (أسَرياً كان أو عشائرياً أو دينياً أو عرقياً)، ويدفعُ المجموعةَ الصغيرةَ إلى التعاون والتناصر. وكلّ هذه المعاني الإيجابية التي تُنجِبُها هذه الحالةُ من التواصل الإنسانيّ، ليست موضعَ لوْمٍ أو تثريب. بل هي نوعٌ من صلة الرحم التي أمرَ بها الإسلامُ وحضّ عليها، وأكّد أنّ برّ الإنسان يجبُ أن يتوجّه أولاً إلى عشيرته الأقربين.

أما الطائفيةُ المرض: فتظهرُ عندما يتقدّمُ الانتماءُ الأصغرُ على الانتماء الأعظم، أو يتقدّمُ الرهطُ على المجتمع. وهذه الطائفيةُ المرضُ موقفٌ وسلوك؛ موقفٌ ينبعُ من شعورٍ بالاستعلاء يدفعُ صاحبَه إلى غَمْط الناس، والتجاوز على حقوقهم، أو من شعورٍ بالنقص يدفعُ صاحبَه إلى مكر السيّئ لاستدراك ما فات، أو للتعويض عما يشعرُ به من دونيّة أو حرمان. وفي كلتا الحالتين يعملُ الموقفُ الطائفيّ على إحداث التفسّخ في بُنية المجتمعات. وهو كالمستنقع الموحِل الذي لن تستطيعَ أن تقاربَه حتى تنغمسَ فيه!. وفي كلّ حالةٍ مجتمعية، ينبغي أن يبادرَ العقلاءُ إلى تجفيف هذا المستنقع، لتعيشَ المجتمعاتُ حالةَ العافية: لا بغيَ ولا عدوان، لا استعلاءَ ولا مكر، لا كراهيةَ ولا حقد.

وحين تتعمّقُ المشاعرُ الطائفيةُ في المجتمع، على أسُسٍ عرقيةٍ أو دينيةٍ أو مذهبيةٍ أو مناطقية.. يتحوّلُ المجتمعُ إلى مجموعةٍ من (الكانتونات)، كلٌّ ينهشُ من جسم المجتمع العام، دفعاً عن نفسه، أو استكثاراً لمصالحه. ومهما تكنْ نتيجةُ الصراع البينيّ فإن الخاسرَ فيه هو المجتمعُ والوطن.

إنّ رؤية جماعة الإخوان المسلمين للمسألة الطائفية تؤكد المبادئ التالية:

1 - الإنسانُ في عقيدتنا وفي شريعتنا مكرّمٌ بآدميّته أولاً، بغضّ النظر عن أيّ انتماءٍ إضافيّ.

2 - والمواطنُ مكرّمٌ بمواطَنَته. وهذه المواطنةُ هي مناطُ الحقوق والواجبات.

3 - إنّ مبدأ (لهم ما لنا، وعليهم ما علينا) يمثّلُ الأرضيةَ الحقوقيةَ للعلاقة بين المواطنين. علاقةٌ لا يدّعي فيها فريقٌ المنةَ على آخر. فالإنسانُ مولودٌ على أرض وطنه بحقوقه التي لا ينازعُه فيها إلا باغٍ أو ظالم.

4 - نسعى إلى بناء مجتمعِ اللُحمةِ الواحدة، تحتَ عناوينها الكبرى، ودائماً نعظّمُ أمرَ الجوامع ونقلّلُ من شأن الفروق.

5 - على الصعيد الاجتماعيّ والوطنيّ، نُسقِطُ شأنَ المكاثرة العددية التي لا طائلَ من ورائها، ونُعلي روحَ الفريق العامل على الساحة العامة بإخلاصٍ وإيثار.

6 - نتطلّعُ إلى مجتمعٍ تغيبُ فيه مصطلحاتُ (الأقلية والأكثرية) نهجاً وسلوكاً - وليس ادعاءً - ليسودَ العدلُ، ويزولَ الاحتقانُ، ويحلّ الحبّ والتعاونُ محلّ الكراهية والقطيعة.

7 - ننظرُ إلى التعدّدية على أنها ألوانٌ في اللوحة المتكاملة، تُضفي عليها البهجةَ والرونق. وتُعطي سنةَ الاختلاف التي فطرَ اللهُ الناسَ عليها، مغزاها ومعناها.

8- وإننا في هذا السياق لنقرّر أنّ موضوعَ الإثارة الطائفية، إنما هيّجَه - ابتداءً - النظامُ المتسلّط في سورية منذ أربعة عقود، وذلك لحماية نفسه وممارساته في القمع والنهب واغتصاب السلطة.. فجمع حوله في ذلك عائلتَه وقلّةً قليلةً من المتسلّقين.. في حين بقيَ جمهورُ الإخوة العلويين خارجَ إطار هذا التكتّل.. وتحمّلَ مع مجموع الشعب السوريّ نتائجَ ممارسات الزمرة الحاكمة من إقصاءٍ وقمعٍ وتهميش.

9- كما نؤكّدُ أن جماعتنا كانت طوالَ تاريخها حريصةً على اللُحمة الوطنية، وعلى الانخراط التامّ في نسيجها بكلّ مكوّناته، والتعامل معها بكلّ مرونةٍ وتعاونٍ وتآزرٍ لبناء وطن الجميع . كما كانت دائماً عاملَ جمعٍ وتوحيد، تشهدُ لها مواقفُها التي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

- دفاعُ مؤسّس الجماعة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله، عن كلّ مكوّنات المجتمع السوريّ تحت قبة مجلس النواب السوريّ في الخمسينات، وهو دفاعٌ موثّقٌ في محاضر جلسات المجلس في ذلك الوقت.

- الاشتراكُ والتعاونُ مع رموز معظم أطياف المجتمع السوريّ ومكوّناته، في التحالف الوطنيّ لتحرير سورية عام 1982، وفي مؤتمر الميثاق الوطنيّ عام 2002، وفي إعلان دمشق عام 2005.

- الاشتراكُ مع العديد من مكوّنات المجتمع السوريّ في القوائم الانتخابية في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. ودخولُ الإخوان مع العديد من إخواننا المسيحيين في هذه القوائم الانتخابية.

- العلاقةُ الطيبةُ الوثيقةُ مع الأستاذ الكبير فارس الخوري، والترحيبُ برئاسته للحكومة السورية.

- وللتذكير في هذا السياق: فإنه لم يتجرأ على الخروج في تشييع جنازة الإمام الشهيد حسن البنا إلاّ عملاقُ مصر الوطنيّ الأستاذ مكرم عبيد.

وبعد.. فتلك هي رؤيتُنا للتكوين المجتمعيّ في سورية ومسألة الأقلّيات، وللطائفية التي أصبحت وتراً تُعزَفُ عليه الألحانُ المقيتةُ فيما حولَنا. وحين ننظرُ إلى واقع قطرنا، نرى ما لا يمكنُ السكوتُ عنه، وما لا نحبّ أن نُطلقَ في هذا المقام القولَ فيه. وإذا كان العقلاءُ - كما سبق أن قررنا - هم وحدَهم القادرين على لجم نوازع الأثَرَة والأنانية، ووضع حدّ لسياسات المكر والتسلّط والعدوان؛ فإلى العقلاء من أبناء سورية أجمع، نتوجّه بهذا النداء، لنئدَ معاً مغذّياتِ الكراهية ودوافعَ الانتقام، ولنبنيَ معاً وطنَ الحبّ والمجد والإخاء.

لندن في 19 آذار (مارس) 2006

جماعة الإخوان المسلمين في سورية


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ