العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد01 /01 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

مأزق الشمولية الخانق

المستقبل - الاحد 11 كانون الأول 2005 - العدد 2123

علي العبد الله (*)

تلعب الآلة الإعلامية في النظام الشمولي دوراً رئيسياً في صياغة وعي المواطنين وتنميط ردود أفعالهم على التغيّرات في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إنها، وعبر ضخ متواصل لثقافة سياسية هدفها الرئيس تثبيت المشهد السياسي الوطني، تعمل على تكريس ثنائية "الأوامر ـ الطاعة" في الحياة الوطنية، جاعلةً من السلطة السياسية، ممثلة برئيسها، مركزاً يتوحد حوله المجتمع؛ فالعوامل الأفقية والعمودية التي تقوم، عبر عدد كبير من الدوائر المتفاعلة، بمهمة توحيد الكيان الاجتماعي تستبدلها بشخص الرئيس الذي تطلق عليه ألقاباً وصفات كبيرة وكثيرة مثل: "المثل" و"الأمل" و"القائد" و"الأب" و"المنقذ" و"الملهم"... إلخ، في إطار سياسة عبادة الفرد، كي تكرّسه ضرورةً مصيرية للكيان الوطني.

 

كان المفكر جان زيغلر قد عرض في وقت مبكر لهذه الظاهرة في التجربة الأفريقية في كتابه"سوسيولوجيا افريقية الحديثة" (وزارة الثقافة ـ دمشق 1967) في "غانا" أيام حكم كوامي نكروما، إذ قال: "إن اللقب الرسمي لرئيس الدولة هو "اوزاغيفو دكتور نكروما" الرئيس. فكل بلاغ حكومي وغالبية المقالات الصحافية والنشرة الإخبارية الإذاعية وتقريباً معظم الخطب جميعها تبدأ بهذا اللقب. وكلمة "اوزاغيفو"، وهي من لغة التشوي، تترجم في اللغة الرسمية أحياباً بـ"المنقذ" وأخرى بـ"الذي لايخطئ". وهناك ألقاب أخرى لنكروما هي: "المرعب" و"المنتصر" و"الرجل القوي" و"الصديق المخلص للفلاحين" و"الرجل الذي يطفئ النيران" و"المضحّي الكبير" و"ينبوع الشرف الوطني" و"الخالد". وجه نكروما بتقاطيعه المعبّرة موجود في كل مكان . إنه على طابع البريد الذي ثمنه شلن و3 بنسات أمام زمرة من الأطياف التي ترقص حول النار. وكذلك نجد رسم وجهه الجانبي على طابع الأربع بنسات أمام العلم. وصورته موجودة على أوراق النقد والقطع المعدنية. كذلك فان سيارات الأجرة تعلّق في مقدمها تمثالاً صغيراً له. كما تجد صورته في المخازن ببزة جنرال مطبوعة على الشال الذي يتدثر به فلاحو نزيما. كما نرى ميدالية "المنقذ" النصفية في رأس كل نشرة حكومية وكل وثيقة رسمية وعقد مسجل؛ وحتى على بعض تذاكر المواصلات. كذلك فإن الأطفال في شارع كوامي نكروما يبيعون البطاقات البريدية المتوجة بصورته. وترى صورة عامة له وهو يتطلع إلى السماء وفوق رأسه الهالة الذهبية للقديسين ويقول الشرح: المسيح الإفريقي يُسائل النجوم أو انه "مسيح غانا وهو يصلي"، أو يكون الشرح كلمات بسيطة ومثيرة من قبيل عبارة "ها هو المنقذ من كل شيء".

تكاد هذه الصورة، برغم انقضاء 4 عقود على هذه التجربة، تنطبق على التجربة السياسية السورية. وهذا يجعلنا نتساءل عن معنى هذا التطابق، وهل هو مجرد صدفة أم إنه تعبير عن قانون حاكم؟

قدم عدد من الباحثين إجابات ربط بعضهم من خلالها بين الظاهرة والطبقة القائدة في دول العالم النامي والمكوّنة من "أقلية محددة ومتماسكة، واعية لذاتها، وهي إذ تتسلم السلطة، تستغلّ أو تسيئ استعمال موقفها الممتاز لتستغل الجماهير وتضطهدها مدافعةً، بالعمل الجماعي، عن المصالح الخاصة لكل فرد من أفرادها" (الرابطة الفرنسية للعلوم السياسية ـ مؤتمر المائدة المستديرة ـ تشرين الثاني 1963) وهذا وَضَع الطبقة "القائدة" أمام احد خيارين: "فأما أن تنظر إلى الأشياء نظرة أنانية فتكيف عملها طبقا لحاجاتها الخاصة، وعندها يكون الهدف الأساس من سياستها هو المحافظة على امتيازاتها وتوسعها مما يؤدي إلى تراكم الثروات الخاصة وزيادة البؤس عند الجماهير والبطء في التطور الاقتصادي وتفاقم التوتر الاجتماعي. وأما أن تتذكر الطبقة "القائدة" مهمتها الأولية فتؤمن بضرورة التنمية الاقتصادية السريعة وتعمل على تحقيق هذه التنمية. إلا أنها برفضها إشراك غيرها في السلطة ـ وهي لا تستطيع ذلك إلا إذا ارتضت تجربة ثورية جديدة، أي إذا ارتضت بزوالها هي نفسها ـ ورفضها إعادة الحوار الجدلي مع المواطنين الذي يعرضها لتجاوز الأضداد لها في تركيب جديد، فإنها لا تحظى بأي تأييد اختياري، فالإجراءات البوليسية التي تضمن المشاركة الجزئية والقسرية للشعب، والجهد الجماعي الذي يتم على هذا النحو، يؤديان إلى آلام لا طائل تحتهما ويبقى الجهد غير ناجع جزئياً. (زيغلر ـ المصدر السابق ـ ص 41).

تعكس ممارسات السلطة السورية تبنيها للخيار الأول الذي يقوم على التمسك بالنظرة الأنانية التي تقدّم مصلحة فئة محدودة على حساب مصلحة المجتمع. وقد تجلى هذا الموقف في تعاطيها مع ملف التحقيق حول اغتيال الشهيد رفيق الحريري حيث فضّلت المغامرة بمصير البلد على تسليم عدد من المشتبه بهم للجنة التحقيق، ورفعت وتيرة السجال السياسي مع الداخل، حيث اتهمت المعارضة الديموقراطية بالتصعيد بالتوازي مع الضغط الخارجي في إيحاء واضح للطعن بوطنيتها، والخارج القريب (لبنان) والمجتمع الدولي، وتجاهلت الدعوات للتهدئة الداخلية بالتوازي مع المواجهة مع الخارج، وإغلاق ملف الاعتقال السياسي، حيث لم ترفض الإفراج عن المعتقلين السياسيين ـ خاصة معتقلي ربيع دمشق (وليد البني وفواز تللو وحبيب عيسى ورياض سيف ومأمون الحمصي) الذين استحقوا ربع المدة منذ أشهر ولكن السلطة أخضعتهم لمساومة مثيرة: الموافقة على ربع المدة مقابل التوقيع على تصريح ينطوي على إدانة لموقفهم السياسي وتجريم سلوكهم النضالي، وهو الأمر الذي رفضه المعتقلون الذين يقبعون في منفردات منذ الحكم عليهم قبل سنوات، والذين سينهون الحكم الظالم في شهر تموز 2006، (والدكتور عارف دليلة، المحكوم بالسجن عشرة سنوات، الذي يعاني من متاعب صحية تهدد حياته) ـ فحسب بل وأقدمت على اعتقال ناشطين جدد (نزار رستناوي ورياض الحمود الدرار ومحمد حسن ديب ومحمد عبد الحليم الكيلاني وكمال اللبواني وحبيب صالح) .

ما هو الجرم الذي ارتكبه هؤلاء الناشطون كي يعتقلوا؟ في حالة الناشط المدني رياض الحمود الدرار،الذي مثل أمام محكمة امن الدولة العليا يوم الأحد 4/12/2005، التي لي اطلاع كاف عليها، استطيع تقديم مطالعة كافية لكشف عقلية السلطة الأمنية التي ترى في كل تحرك، سلمي أو غير سلمي ـ بل لعلّها ترى في التحرك السلمي خطورة اكبر لما ينطوي عليه من مصداقية ولأنه يسحب من يدها ذريعتها المفضلة التي تبرر استخدامها للعنف: بدعوى إنها تواجه قوى إرهابية وخطراً داهماً. فرياض ناشط اجتماعي في لجان إحياء المجتمع المدني، وهو فوق ذلك مثقف وصاحب اجتهاد في الفكر الإسلامي يجمع بين العروبة والإسلام في تفاعل وتكامل بناء ويؤمن بالديموقراطية ويقول بعلمانية الإسلام ويقف بصلابة ضد الدعوات التكفيرية والخرافة التي تستبطنها بعض الدعوات الصوفية. وهو فوق ذلك مهموم بقضايا وطنه وأمته العربية و داعية تغيير وطني على قاعدة التغيير السلمي الديموقراطي، وقد لعب، كونه عضواً في اللجنة الوطنية الديموقراطية في ديرالزور، دوراً بارزاً في لقاء ديرالزور (20/5/2005) الذي جمع أكثر من 200 من نشطاء الطيف الديموقراطي السوري، اجتمعوا لمناقشة مستقبل بلدهم والتفكير في المخارج الممكنة من المأزق الذي أوقعه النظام فيه. ومن ذات الجذر الوطني الديموقراطي وجه رسالة إلى المؤتمر القطري العاشر للحزب الحاكم، دعاه فيها إلى الأخذ بوجهة نظر المعارضة الوطنية الديموقراطية في التغيير المطلوب . فقد لخص في رسالته ما اعتبره "أهم المطالب الإصلاحية" بما يلي:

1 ـ إصلاح دستوري يقوم على المشاركة الفاعلة لقوى المجتمع في نسق الحكم، ويبتعد عن التوجهات الإقصائية، ويكرس مبدأ المساواة بين جميع العناصر المكونة للمجتمع والتي يتشكل منها نسيج الوطن على أساس مبدأ المواطنة المتساوية للجميع.

2 ـ التعامل مع إرادة الشعب من منطلق الشراكة لا منطلق الوصاية، والإلتزام بنتائج تعبير الإرادة الشعبية عن نفسها، في إقامة أحزابها، ومباشرة نشاطها السياسي السلمي، وإنهاء احتكار الجهاز التنفيذي للسلطة بفصله عن سلطة الحزب الحاكم.

3 ـ الإصلاح المؤسسي للدولة وللمجتمع المدني والقطاع الخاص لتعزيز مبادئ الإدارة الرشيدة، والإصلاح السياسي الذي يقوم على إلغاء حالة الطوارئ، وضمان استقلال القضاء، وإصلاح التشريعات لتتناسب مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وضمان جميع الحقوق والحريات.

4 ـ إجراء إصلاح شامل في بنية الأجهزة الأمنية ووظيفتها، وإخضاع هذه الأجهزة للقانون، وأن تكون في خدمة الشعب والوطن لا في خدمة الشخص أو الحزب أو القبيلة أو الطائفة.

5 ـ الإعتراف بأن مؤتمر الحزب وحده لم يعد كافياً لإنجاز المهام المطلوبة في الإصلاح، والمواجهة مع العدو الخارجي، وإن يكن ذلك خطوة ضرورية في الإعلان عن هذه التوجهات الإصلاحية، وضرورة تبني الدعوة لمؤتمر وطني شامل يسعى للحفاظ على سوريا عربية ديموقراطية، ويقر بالتعددية، ويجمع على مواجهة المشروع الصهيوني الأميركي.

6 ـ إطلاق حملة مصالحة وطنية، تبدأ بعودة المنفيين وإطلاق المسجونين، والتعويض على المتضررين، وإلغاء القوانين التي تهدد حياة المواطنين في المشاركة السياسية أو التعبير عن آرائهم.

ـ والمصالحة الوطنية تقوم على أمرين:

ـ طي صفحة الماضي.

ـ تغيير الذهنية والمنهجية التي يتحرك على أساسها العاملون في الشأن العام...

هذه المصالحة تبدأ بالتصالح مع الذات الفردية والجماعية، في إطار الإخلاص لكل القيم التي يُراد تحقيقها في المستقبل (موقع الحوار المتمدن الالكتروني 4/6/2005).

فهل تستدعي دعوة لها هذه الروحية الوطنية والديموقراطية اعتقال صاحبها؟ أم أن الأمر يعكس مأزق الشمولية الذي وصفه الكسيس دوتوكفيل بقوله: "إن أكثر الأوقات خطراً لكل حكم سيئ هو الوقت الذي يبدأ فيه هذا الحكم في إصلاح نفسه" و"الشرّ المحتم الذي كان المرء يتحمله بكل صبر يصبح شراً من الصعب قهره منذ أن يتصور هذا المرء فكرة إصلاحه. وفي كل مرة يتم فيها إبطال إساءة أو إزالة تعسف يبدو الأمر وكأنما الهدف منه تسليط الأضواء على الإساءات الأخرى الباقية".

 (*) كاتب من سوريا


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ