العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد01 /01 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

النخبة السورية والمهام الجسام

مروان  حمود

لايختلف إثنان أن سوريا تمر بواحدة من أصعب وأخطر المراحل ، وأنها على أبواب منعطف مصيري لم تشهده من قبل ، والكل يتفق أن تداعيات ومسارات هذا المنعطف سترسم خطوط مستقبل سوريا بأدق تفاصيله.

فالكيفية التي تعالج بها القيادة السياسية الحوادث والأحداث تتسم بالتخبط والإرتباك ، والذي إن دل على شئ فإنما يدل على عجز في القدرة على قراءة الحاضر والتوجهات المستقبلية للوضع العالمي الجديد ، وبالتالي أبعاده على الوضع الإقليمي والداخلي ، أو يدل على أن القيادة ذاتها قررت المواجهة مهما بلغ الثمن . الإحتمالان واردان ، وكلاهما لن يكون جيدا أو إيجابيا بالنسبة لشعب سوريا ، بل سبقود إلى رمي سوريا وشعبها في دوامات العزلة المدمرة وربما أخطر بكثير .

القيادة السياسية في سوريا ستكون بطبيعة الحال عاجزة عن قراءة وإدراك الأبعاد الحقيقية لأية مستجدات طالما هي إتخذت قرار تغييب السوريين عن المشاركة في النشاط العام ، وطالما هي نفسها التي عطلت مؤسسات الدولة والمجتمع وفقا لأسس وقوانين تتنافى وأسس بناء المجتمعات النشطة والفاعلة ، والقيادة هذه سترتكب أكبر خطيئة إن كانت فعلا قد قررت مواجهة المجتمع الدولي ، بل سيكون قرار كهذا بمثابة قرار بتدمير سوريا .

القيادة ذاتها ووفقا لممارساتها  وردود أفعالها حيال ماأفرزته السياسة العالمية الجديدة من مستجدات ومتغيرات في المنطقة وفي مقدمتها سقوط نظام البعث في العراق مرورا بتنامي معارضة اللبنانيين للوجود العسكري والأمني السوري في بلادهم وأيضا فقدان الورقة الفلسطينية ، كل ذلك أكد ويؤكد الدلالة الأولى . فالقراءة الخاطئة لإرادة عالم مابعد الحادي عشر من سبتمبر ، وعدم فهم معاني ودلالات إقرار القيادة الأمريكية بأن سياستها في الشرق الأوسط على مدار العقود الستة الماضية كانت خاطئة ، مشيرة وبوضوح إلى أن دعم ومساندة الأنظمة الشمولية ليس هو بالضرورة العامة والسند لحماية المصالح ، بل أشارت إلى إدراكها أن الشعوب الحرة هي وحدها تلك الدعامة والسند . .. تلك كانت الرسالة ، واضحة وبسيطة، ولكن ورغم كل تلك البساطة والوضوح فإن القيادة السورية عجزت عن قراءة مدلولاتها ، ليس ذلك فحسب بل وجدناها تمارس عرقلة الإرادة الجديدة وتتبنى دعم القوى والتنظيمات المتمردة والمارقة عليها ، فالارادة الدولية لعالم مابعد سبتمير إلتقت وتلتقي إلى حدود بعيدة جدا مع إرادة وطموحات الشعوب المقهورة وفي مقدمتها شعوب المنطقة وعلى رأسها شعبي كل من العراق وسوريا .

أما إحتمال أن القيادة في سوريا قد إختارت الوقوف في الصف المعادي للإرادة الجديدة ،  فهذا سيكون الخطأ الأفدح ، إذ هي بذلك تقود لأن يكون مصيرها ذات مصير القيادة العراقية السابقة بزعامة صدام حسين  أو ستقود إلى تدمير وخراب سوريا على أيادي الأجهزة الأمنية وتوابعها .

كلا الإحتمالين سئ ، وأحلاهما مر ، فقصور الرؤيا والأمية السياسية ، التي يتلمسها المتتبع لتصرفات وممارسات القيادة السورية ، لن تخدم ولا بأي شكل أي من مصالح الشعب السوري ، بل على العكس تماما .

سوريا تمر فعلا بواحدة من أخطر مراحل وجودها ، وإنه لمن المستغرب أن النخبة السورية لم تأخذ دورها ، رغم الحاجة الماسة لذلك ، فبرغم جسامة المخاطر ورغم إقتراب سوريا من حافة الهاوية ، أجد أن النخبة هي الأخرى عاجزة وفاقدة القدرة على أخذ زمام المبادرة .  فهل هذه النخبة معنية بما يجري ويدور داخل سوريا ومن حولها ؟ أم أن النظام السياسي ، خلال عقود هيمنته على الدولة والمجتمع ، جردها من دورها ؟

أية سورية وأي سوري ، بل والكثير من أصدقاء سوريا يسألون ويتساءلون عن أسباب ضعف أداء هذه النخبة ، وبغض النظر عن مكان وجودها ، سواء داخل سوريا أو خارجها . المتتبع والمعني بالشأن السوري يجد أن أداء النخبة يكاد يكون معدوما ، فلا هي أسهمت  أن تغيير القيادة نهجها وسياساتها  بما يجنب سوريا مخاطر مواجهة المجتمع الدولي ، ولا هي قادرة على إزاحة هذه القيادة وتشكيل قيادة إنقاذ وطني .

أما عدم المساهمة في دفع النظام إلى تغيير نهجه وسلوكه قد يعود إلى طبيعة النظام ، كونه مقولب ، وكونه ومنذ زمن بعيد قد ألغى المؤسسات التي تتيح للأفراد كما للقوى المنظمة المشاركة في إتخاذ وتنفيذ القرار ، إذ أن نظاما يقوم على أسس القطب الواحد وعلى مفاهيم قائد واحد للدولة والمجتمع لايسمح وفقا لتلك الطبيعة بأية شراكة أو مشاركة .

وعدم قدرة النخبة على إزاحة القيادة أو النظام وتشكيل قيادة إنقاذ أو وحدة وطنية ، فالأمر أكثر صعوبة ، ورغم ضرورة ذلك في مراحل معينة ، وأهميته لتخطي ظروف أو مخاطر محددة .

ولمحاولة إدراك ومعرفة مكامن الصعوبات لابد من قراءة ودراسة تجارب الشعوب والمجتمعات الأخرى التي لعبت فيها النخبة أدوارا أساسية ومهمة جدا، وخصوصا تلك التي خرجت للتو من هيمنة الأنظمة الشمولية وأنظمة الحزب الواحد ، القائد للدولة والمجتمع ، . هاهي تجربة جمهورية صربيا ( أكبر جمهوريات يوغسلافيا السابقة) ، ففي صربيا ، وإبان تكشف معالم النظام العالمي الجديد على أعقاب إنهيار الإتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الإشتراكية وحلف وارسو، عملت قيادتها آنذاك بزعامة صلوبودان ميلوشيفيتش على تمركز السلطات وإحتكارها لتكون حكرا على حزبه الإشتراكي ، وكما فعل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، فقد مركز ميلوشيفيتش السلطات والمؤسسات الرئيسية ، وخصوصا المؤسستين العسكرية ةالأمنية في قبضته وعبر ذلك ألغى أولا الرأي الآخر ، ولاحقا إستعمل العنف والتعسف كاسلوب في مواجهة معارضيه وكان يقف دوما بوجه المحاولات الداعية إلى ضرورة تغيير نهجه ورؤية المخاطر المحدقة بوجه صربيا وسلامة أراضيها ( حيث دعوات ألبان كوسوفو في الجنوب والأقلية المجرية في الشمال إلى الإنسلاخ عن صربيا ) ، وكلما إزدادت المطالبة بضرورة الإصلاح والتغيير درءا لمخاطر الحرب والدمار كلما إزداد نظام ميلوشيفيتش تعنتا وعنفا . النخبة الصربية أدركت مكامن ضعفها وضئالة تأثيرها إذا مابقيت مشتتة وغير متحدة ومنظمة ، وماكان منها إلا التوحد وإعلان إنطلاقتها المنظمة إذ أعلنت ماأسمته " حركة زايدنو" أي " معا أو سوية ، ضمت في صفوفها نخبا تمثل غالبية التيارات الفكرية هناك ، ووضعت التخلص من هيمنة الحزب الواحد كأحد أهم أهدافها محملة ميلوشيفيتش وجماعته مسؤولية تدهور الأوضاع وقيادة صربيا إلى مواجهة المجتمع الدولي وما ينتجه من مآس ، أيضا في الوقت نفسه عملت حركة " زايدنو" على التحرك خارجيا نحو التقارب مع الوضع العالمي الجديد والتفاعل الإيجابي مع معطياته وتحقيق مكاسب تدعم وتعزز مصالح شعوب صربيا ، حركة " زايدنو " تلك إستطاعت كسب تأييد غالبية مواطني صربيا ، وعلى الصعيد الخارجي قطعت أشواطا بعيدة في توثيق علاقات صداقة مع أوربا وأمريكا ، ورغم أنها لم تتمكن من إزاحة ميلوشيفيتش وإستباق الهجوم العسكري الجوي لقوى الحلفاء ، إلا أنها تمكنت من قيادة صراعها معه بحيث أرغمته لاحقا على البدء في التغيير والإصلاح الذي قاد إلى دمقرطة صربيا وتنظيم إنتخابات أبعدت لاحقا ميلوشيفيتش وحزبه عن مقاليد السلطة ، وكان لهذه الحركة وعلاقاتها الإيجابية الخارجية الدور الأهم في إعادة بناء صربيا وضمان وحدة أراضيها، وهاهي تبني وطنها الجديد على أسس متينة من الحرية والتعددية.

كانت تلك التجربة الصربية ، وقد رأيت أن من المهم دراستها نظرا لأوجه الشبه بين صربيا  آنذاك وسوريا اليوم . النخبة السورية مطالبة في أخذ زمام المبادرة والنجاة بسوريا إلى بر الأمان ، فالقيادة السياسية الراهنة كما أجده واضح ومعلوم لن تغيير من نهجها ولن تشرك شعب سوريا نخبته في الشأن العام إن لم ترغم على ذلك ، هكذا تشير المعطيات ، فهلا تتحرك النخبة السورية ترتقي بدورها ليتناسب وحجم المخاطر وأيضا الطموحات ، وهلا تحرر نفسها من قوالب العقائدية تنهض إلى مستوى رؤية وتبني الصالح  العام .

فلنتأمل ولنمهل علنا نرى نهاية النفق وبداية سعيدة لشعب سوريا .


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ