العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد01 /01 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

بسم الله الرحمن الرحيم

الأسـس الإسـلامية لـنـبـذ الطـائفـية

يتهم العلمانيون جماعة الإخوان المسلمين بالطائفية ، وسبب ذلك أن هذه الجماعة إسلامية ، وبالتالي لأنهم يعتبرون الإسلام ـ وكل ديـن ـ لايمكن إلا أن يكون طائفياً ، ويؤسفني أن أقول أن هذا يدل على جهـل من يقول ذلك بالإسلام وتاريخه . ومن أشد الجهل أن تقيس الإسلام على الكنيسة في أوربا ، فالكنيسة الأوربية برأيي لاتمثل أي دين ، لاتمثل المسيحية ، ولاتشبه الإسلام . 

أماالإخوان المسلمون فينـذون الطائفيـة ، ليس تكتيكاً ، ولاخوفاً من الناس ، ولكن خوفاً من الله عزوجل ، لأن الإسلام يأمـرهم بنـبذ الطائفية .

أدلـة من القرآن الكريم :

قال تعالى في كتابه الحكيم : { لا إكـراه في الديـن ... } ـ البقرة 256 ـ ويقول سيد قطب يرحمه الله في تفسير هذه الآيـة  في الظلال ( 1/ 291) :  ( إن حريـة الاعتقاد هي أول حقوق الانسان التي يثبت له بها وصف إنسـان ، فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد ، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء ، ..... ) ، ( ... والإسلام وهو أرقى تصور للوجود والحياة ، ينادي بأن لا إكراه في الدين ، وهو الذي يـبين لأصحابه قبل سواهم أنـه لايجوز لهم إكراه الناس على هذا الدين ... ) . ( وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان ، واحترام إرادتـه وفكـره ومشاعره ، وترك أمـره لنفسـه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد ، وتحميله تبعـة عملـه وحساب نفسـه ، وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني ... ) .

ويقول الشيخ سعيد حوى يرحمه الله في الأساس (1/ 600) :  ( لاتكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام . فإنـه بين واضح ، جليـة دلائلـه وبراهينه ، لايحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه ، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينـة ....) . 

فأيـن الذين فرضوا المرسوم (49) لعام (1980) القاضي بإعدام كل منتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين ، أين هؤلاء من منهج الإسلام ، الذي لايكره على الدين ، فكيف يكرهون على المذهب أو الاتجاه السياسي !!!؟؟  وما موقعهم من الإسلام !!!؟؟

 

ويقول سبحانه وتعالى :  { ولو شاء ربك لآمن من  في الأرض كلهم جميعاً ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين  } ـ يونس 99 ـ

ويقول سيدقطب يرحمه الله في الظلال ( 3 / 1821) : ( ولو شاء ربك لخلق هذا الجنس البشري خلقة أخرى ، فجعله لايعرف إلا طريقاً واحداً ، هو طريق الإيمان كالملائكة مثلاً ، ..... ولكن حكمة الخالق ... اقتضت خلقة هذا الكائن البشري باستعداد للخير وللشر وللهدى والضلال ، ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو ذاك .... فالإيمان إذن متروك  للاختيار ، لايكره الرسول عليه أحداً ، لأنه لامجال للإكراه في مشاعر القلب وتوجهات الضمير ....) .

ويقول الشيخ سعيد حوى يرحمه الله في الأساس ( 5/2512) : ( ولو شار بك يامحمد لآمن من في الأرض كلهم جميعاً فيما جئتهم بـه ، ولكن له حكمة فيما يفعله ، ومن حكمته أنه لم يشأ ، وترك المسألة لاختيار الإنسان ... أي ليس ذلك عليك ، ولا إليك ، فلا إكراه في الدين ... ) .

وفي القرآن الكريم قوله تعالى : { لاينهاكم الله عن الذين لم يقانتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ، إن الله يحب المقسطين } ـ الممتحنة 8 ـ   ويقول سيد قطب يرحمه الله في الظلال ( 6 /3545 ) :  ( إن الإسلام دين سلام ، وعقيدة حب ، ونظام يستهدف أن يظل العالم كله بظله ، وأن يقيم فيه منهجه ، وأن يجمع الناس تحت لواء الله أخوة متعارفين متحابين . وليس هناك من عائق يحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه وعلى أهله ، فأما إذا سالموهم فليس الإسلام براغب في الخصومة ولا متطوع بها كذلك ... ) .

وفي الصحيحين أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت : قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا فأتيت النبي r فقلت : يارسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة  أأصلها ؟ قال : نعم صلي أمك .

ويقول الشيخ سعيد حوى في الأساس (10 / 5849 ) : ( فمواطنونا من غير المسلمين إذا لم يدخلوا في صراع معنا أو قتال ، وإذا لم يبذلوا جهداً من أجل إخراجنا من بلادنا فهؤلاء يجوز البـر لهم ، والعدل فيهم ، ... ومن ثم فالعمل الإسلامي المعاصر يجب أن يحدد علاقته ومواقفه من هؤلاء ، ولا بأ س بعقد ميثاق وطني مع الذين لايقاتلون ولا يظاهرون ، ومع الميثاق تكون صلات ومبرات وإقناع وبيان ... وهل يدخل في البـر توظيفهم واستعمالهم وإشراكهم في مجلس شورى القطر ، وإشراكهم في الوزارات والجيش ؟ الذي عليه العمل خلال العصور هو هذا مع اشتراط أن يكون السلطان للمسلمين ، والسيطرة لهم ، ومع الحذر من جانب هؤلاء ومحاسبتهم الدقيقة ...) .

وفي التاريخ الإسلامي نجـد أن كثيراً من أطباء الخلفاء العباسيين وفي الأندلس كانوا من اليهود ، ونجد وزراء من اليهود في  هذه الدول المسلمة .

وفي الســيرة النبوية :

وصل المهاجرون إلى المدينة ، وقامت الدولة المسلمة الأولى وفيها ثلاث قبائل من يهود هم بنو قينقاع ، وبنو النضير ، وبنو قريظة . فعاهد الرسول r يهود المدينة ، وكتب لهم صحيفة المدينة ، وهي أول ماكتب من العهود في الدولة المسلمة ، وحددت هذه الصحيفة ما لليهود وماعليهم ، مالهم من حقوق وهي حماية دينهم ، ودمائهم ، وأعراضهم ، وأموالهم ، وعليهم الدفاع عن المدينة ضد العدو الخارجي ، وعليهم عدم التحالف مع أعداء المسلمين ، وعدم الاعتداء على المسلمين ، ...... وعاش اليهود في المدينة ، ولما نقضت قبيلة قينقاع العهد أخرجها المسلمون وحدها ولم يتعرضوا لبني النضير أو بني قريظة بسـوء ، ولما نقض بنو النضير العهد أخرجهم المسلمون وحدهم ولم يتعرضوا لبني قريظة بسـوء ، ولما خان بنو قريظة العهد في أضيق الأوقات وأصعبها على المسلمين ، طبقوا فيهم حكم الله عزوجل .

وبقي في المدينة أفراد من اليهود مسالمين موادعين للمسلمين ، أي أخرج المسلمون اليهود الذين قاتلوا المسلمين ، أو ظاهروا عدوهم عليهم ، أما الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يظاهروا عليهم فتركوهم في المدينة ، والأدلـة :

    1 ـ توفي رسول الله r ودرعـه مرهونة عند يهودي .

    2 ـ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه  يجد يهودياً يتسول في شوارع المدينة فيأخذه ويحمل الكيس عنه ، إلى بيت المال ليخصص له راتباُ شهرياً في بيت المال ، ويضع عنه وعن أمثاله الجزية .

   3 ـ تقاضى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  رضي الله عنه ويهودي عند القاضي في درع فقدها علي رضي الله عنه ، ووجدها عند اليهودي من سكان المدينة .

وهذه الأدلـة الثلاثة أقصد منها أن اليهود المسالمين الذين لم يقاتلوا المسلمين مازالوا في المدينة بعد وفاة رسول الله r . حتى عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

ومن أروع الأمثلة على تعامل المسلمين مع غير المسلمين مايلي :

1 ـ جاء في مناقب عمر لابن الجوزي : كان أمير المؤمنين عمر  بن الخطاب رضي الله عنه يتفقد أحوال الرعيـة في المدينة فرأى شيخاً طاعناً في السـن يتسول ، فسأله عمر : ـ ماالذي ألجأك إلى التسول ؟ أجاب : السـن والجزيـة . فقال عمر : من أي أهل الكتاب أنت ؟ ( وهذا يدل على وجود نصارى أيضاً في المدينة ) . قال : من يهود . فأخذ أمير المؤمنين الكيس منه وحمل الكيس على كتفه ، واصطحبه إلى خازن بيت المال فقال له : انظر هذا وأمثاله ضع عنهم الجزية ، وعين لهم راتباً في بيت المال ، والله ما أنصفناه أكلنا شبابه وتخلينا عنه في شيبته .

2 ـ وجاء في العقد الفريد : فقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب درعاً له بعد موقعة الجمل ، ورآها عند يهودي من أهل المدينة ، فرفع القضية إلى القاضي شريح ، الذي أحضر اليهودي وأجلسه جوار خصمه ( أمير المؤمنين ) ، وطلب من علي شهوداً فقال : لا أحد يعرفها سوى ولديّ الحسن والحسين ( سبطي رسول الله r ) فقال شريح : ولكن لاتصح شهادة الولد لأبيـه ، هل عندك غيرهما ؟ قال علي : لا . قال شريح : إذن الدرع لليهودي .

وخرجا من عند القاضي ، اليهودي ينتصر على أمير المؤمنين في القضاء الإسلامي ، وتتحرك بقايا الفطرة عند اليهودي ويقول : أشهد أن لا إله غلا الله وأن محمدا رسول الله ، والله هذه أخلاق أنبياء ، إنها درعك سقطت من جملك الأورق يوم الجمل وقد خرجت أتعقب الجيش لمثل ذلك . فيقول علي : أما وقد أسلمت فهي لك .

هذا غيض من فيض ... يؤكد أن الإسلام ينبذ الطائفية ، وأن الإخوان المسلمين ينبـذون الطائفية خوفاً من الله عزوجل ، والتزاماً بدينهم ، التزاماً بكتاب ربهم وسنة رسولهم r ، فليعلم الجميع ، أن الإخوان المسلمين ليسوا طائفيين بل ينبذون الطائفية قولاً وعملاً ,

ولايحاربون إلا من يحارب الإسلام والمسلمين ، ويحاربونه بمثل مايحاربهم بـه ، ولايبدأون الحرب ، فإن حاربهم بالكلام والبيان حاربوه بالكلام والبيان ، وإن حاربهم بالسيف والسنان ردوا عليه بالسيف والسنان ( إن قدروا على ذلك ، ) ، أو ردوا بالكلام والبيان ، وهذا قريب من أضعف الإيمان  ( ولايكلف الله نفساً إلا وسعها ) ،  وهذا موضوع آخر في يوم آخر إن شاء الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين .

الدكتور : خالد الأحمــد 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ