العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 7 /3/ 2010


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

خلل بنيوي في السياسة الاقتصادية السورية

اقتصاديات

الثلاثاء 2-3-2010م

سمير سعيفان

يبرز بوضوح اليوم خلل في رسم وتنفيذ السياسة الاقتصادية السورية ينتج اثاراً سلبية اقتصادية واجتماعية ويتجلى الخلل في اختلال التوازن بين القطاعات الاساسية المنتجة للدخل والتي لا تنمو بالمستوى الممكن والمطلوب مثل الزراعة والصناعة والبناء والتشييد

وبين القطاعات الخدمية التي تحصل على دخلها من خلال اقتطاع جزء من ناتج القطاعات الاساسية المنتجة لقاء الخدمات التي تقدمها لها والتي تنمو وتتوسع باسرع واوسع من القطاعات الاساسية المنتجة للدخل مثل المصارف والتأمين والصرافة وسوق المال والتجارة وهذا الخلل يضعف قدرة الاقتصاد السوري على انتاج الدخل مما ينتج اثارا اقتصادية ضارة تتجلى بقوة اكبر مع مرور الزمن.‏

حتى الان يتم تركيز برامج الاصلاح الاقتصادي على اصلاح قطاع المال والنقد والتجارة فتم وضع السياسات واصدار التشريعات وتنفيذها على الارض ومتابعة احتياجات استكمالها بينما لم تحظ القطاعات الاساسية المنتجة للدخل اكثر من خطط بقي تنفيذها ضعيفا على الارض نقول هذا ونحن نعلم ان تنمية القطاعات الاساسية اكثر صعوبة لانها هي المولدة للدخل هنا يظهر التأثر بالسياسة الاقتصادية لليبرالية الجديدة في النمط الانكلوساكسوني.‏

تراجع الاقتصاد الحقيقي‏

ان سياسة الاصلاح الاقتصادية الجديدة في المجمل وخاصة بعد 2005 لم تؤد الى تطوير القطاعات الاساسية المنتجة للدخل فمقابل نمو القطاع المالي وهو الجزء الاسهل من الاصلاح لم يتحقق اي نمو في الزراعة بل ادى الى تراجعها ويلقي بعضهم اللوم على السماء ليغطي العيوب الجوهرية في رسم السياسة الاقتصادية وتنفيذها وانتاج النفط مستمر في تراجعه مما يرتب فاتورة باهظة التكاليف على اقتصادنا.‏

ورغم التقدم في انتاج الغاز فانه يسد حاجتنا حتى 2015 فقط وسنعود بعدها الى استيراد الغاز باسعار مرتفعة والصناعات التحويلية بعد ان شهدت نموا حتى عام 2006 بدأت تتراجع بعد تحرير الاستيراد المستعجل وغير المدروس اذ يتم التضحية بالصناعة على مذبح اوهام ليبرالية صندوق النقد الدولي الذي يكيل الثناء لسياستنا الاقتصادية الجديدة فدول العالم تحرر التجارة كي تصدر اكثر بينما حررنا التجارة فاستوردنا اكثر بينما تراجعت صادراتنا وقد وصل عجز ميزاننا التجاري عام 2009 حتى 130 مليار ليرة سورية ولم تؤد سياستنا الاقتصادية الجديدة الى نمو قطاع البناء والتشييد ليقدم عرضا كافيا من المساكن لمختلف الفئات وخاصة للشريحة الواسعة من السكان وتؤدي السياسة الحالية لتراجع دور القطاع التعاوني واصبح سعر المسكن في سورية يفوق سعره في دول يرتفع متوسط دخل الفرد فيها عدة مرات عن مثيله في سورية.‏

تطور عقاري رأسمالي‏

هذا عدا الفوضى العمرانية واحياء المخالفات الجماعية الواسعة وعجز الحكومات خلال عقود عن وضع حد لهذه الظاهرة.‏

ونفس الامر ينطبق على العقارات التجارية بينما يتم التحضير لتنمية شركات التطوير العقاري الرأسمالي بوقف منح تراخيص للجمعيات التعاونية السكنية وهذا مثال على تفضيل لمصالح الفئات الغنية الضيقة على الفئات الشعبية الواسعة ولم تؤد السياسة الاقتصادية الى تطوير قطاعات خدمية منتجة مثل صناعة التصاميم والدراسات الهندسية الميكانيكية والمعمارية وخلق سوق دولية لها تعود بعوائد على السوريين واقتصادهم وبقيت صناعة البرمجيات متواضعة ولم تولها الدولة الاهتمام الذي تستحقه ولم ينم قطاع نقل سوري بالسيارات برأسمال سوري وعبر سورية من اوروبا نحو البلدان العربية او العكس ولم تنم تجارة ترانزيت تنظمها شركات سورية وتخلق فوائض تعود على السوريين واقتصادهم.‏

ولم ينم قطاع سياحي قادر على جذب اعداد كبيرة من السياح الذين ينفقون انفاقا ذا جدوى بدلا من سياحة المجموعات الرخيصة غير المجدية.‏

ولم تنم القدرة الاستيعابية لاماكن المبيت التي تستوعب السائحين الا بشكل محدود حتى الان لذلك فإن القليلين يصدقون تصريحات وزارة السياحة عن ستة ملايين سائح.‏

ولم ينم قطاع بحث علمي بما في ذلك البحث العلمي الزراعي بالتعاون مع مؤسسات بحث في دول متقدمة بما يخلقه من قيم مضافة مرتفعة وبقيت القدرة العلمية لسورية متخلفة وتعاني سورية من تبعية تكنولوجية وعلمية شديدة.‏

إصلاح في القطاع المالي‏

ومقابل اهمال القطاعات المنتجة السلعية والخدمية تم التركيز على اصلاح القطاع المالي والتجاري ورغم اهمية وضرورة تطوير القطاع المالي والتجاري لنشاط الاقتصاد الوطني وقطاعاته الاساسية المنتجة فإن هذا لا يشفع للسياسة الاقتصادية عدم نجاحها في تنمية القطاعات المنتجة فالقطاعات اساسية منتجة قوية سلعية وخدمية فان القطاعات الخدمية رغم ضرورتها فإنها تقوم على القطاعات المنتجة و على خدمتها فإن لم يكن ثمة قطاعاً تفقد المالية ساحة نشاطها والكثير من دورها وحتى هنا فإن مساهمة المصارف الخاصة وهي الجزء الاهم في القطاع المالي مازالت متواضعة جدا في تمويل الاستثمارات اذ لا تقوم عموما باقراض المشروعات الاستثمارية بل تركز نشاطها في تمويل التجارة وتجارة المفرق .‏

اي تساهم في تحريض الاستهلاك بينما ايداعاتها المرتفعة خلقت فيضا في سيولة المصارف الخاصة بالعملات الصعبة والعملة السورية فتقوم باستثمار ايداعاتها بالعملات الصعبة خارج سورية اما فائض سيولتها بالعملة السورية فهي تطالب بان يصدر المركزي سندات ايداع كي تكتتب المصارف الخاصة بها كي تؤمن ربحا مضمونا لها دون مساهمة فعلية في تنمية الانتاج مما يعظم سمة الريع في الاقتصاد وهذا عكس الهدف الذي قامت من اجله المصارف وهو تمويل التنمية وتنمية القطاعات الاقتصادية الاساسية المنتجة للدخل بما فيها التمويل الاستثماري.‏

ومقابل هذه القدرة الحكومية المرتفعة والتصميم على اقرار وتنفيذ اصلاح مالي ونقدي وتجاري واقرار سياسة التشاركية وهي تسمية دبلوماسية لاحد اشكال الخصخصة فان الحكومة تظهر ضعفا وترددا في الاصلاح الاداري واصلاح القطاع العام الاقتصادي فيستمر في تحقيق المزيد من الخسائر ويكون الان ومستقبلا تصفية شركاته هو الملاذ الوحيد.‏

ولعل ابرز شواهد خلل السياسة الحكومية ان تحرير التجارة الواسعة جرى مجانا وبارادة سورية منفردة اذ اضافة لاتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى 1997 واتفاقية الشراكة السورية التركية المؤسسة لمنطقة التجارة الحرة 2005 المرحب بهما فقد تم فتح باب الاستيراد على مصراعيه منذ 2005 ودون ان يرافقه اي برنامج لدعم قطاعات اقتصادية سلعية وخدمية مختارة ذات وزن واهمية وقدرة وقابلية يتم اختيارها بدراسات وفق معايير علمية وتطوير برامج خاصة بكل منها لرعايتها.‏

فاصبحت السلع تغزونا من الصين ومن اوروبا ومن غيرها دون القيام باصلاح الجمارك التي ينخرها الفساد فتصبح كجدار البيت المثقوب يدخل منه اللصوص بشهادات المنشأ المزورة او تهريبا عبر الحدود او عبر البوابات الجمركية او بطرق ملتوية اخرى للتهرب من دفع الرسوم الجمركية ما يلحق اكبر الضرر بالصناعة السورية وبخزينة الدولة ان ما جرى يمثل اختلالا في التوازن بين مصالح الصناعة ومصالح التجارة انه انتصار للتاجر على الصناعي انه غلبة للريع على الانتاج.‏

ومن الشواهد على اختلال السياسة وتنفيذها تراخي الحكومة في اصلاح الجمارك وفي اتمتتها وتراخيها في مكافحة التهرب الضريبي المرتفع اذ رغم خفض معدلات الضرائب في سورية الى مستويات ادنى من مستوياتها في الدول الرأسمالية فقد بقي التهرب الضريبي مرتفعا ولم يتم تنظيم جهد حقيقي لمكافحته بل جرى توسيع ضرائب المبيعات والاستعداد لتطبيق ضريبة القيمة المضافة وهي ضريبة غير عادلة بالتعريف اذ يدفعها المستهلك العادي غير القادر على الدفع لتعويض العبء الذي ينزلونه عن كاهل من يحققون الارباح الكبيرة القادرين على الدفع وان كان لابد من الاخذ بها فيجب ان لا يكون بمبالغة والا تكون تعويضا عن اعفاءات او تهرب من يحقق ارباحاً كبيرة.‏

والمثل الذي نكرره ان تحرير التجارة لم يفلح بزيادة صادراتنا وجعل التجارة مولدة للقيم المضافة عبر زيادة المتاجرة مع الخارج وتحسين شروطها بل تتراجع الصادرات السلعية ولم تنم الصادرات الخدمية والميزان التجاري يزداد عجزا وتضطر الحكومة لاستعمال جزء كبير من احتياطي الدولة لتغطية جزء من عجز الموازنة وتلبية احتياجاتها للسيولة اما الجزء الاخر من عجز الموازنة فيتم حله بطرق ضارة اجتماعيا اي بتقليص الانفاق الاستثماري وتقليص الدعم الحكومي للسلع الاساسية وخاصة الطاقة دون تعويض اصحاب الاجور عن كامل تأثير ارتفاعات الاسعار وارتفاع التضخم التي حدث ويحدث وهذا يخلق اثار اجتماعية ضارة.‏

خلل بين الاجور والاسعار‏

والمثال الاخر على الخلل هو الخلل بين الاجور والاسعار حيث يتم تحرير الاسعار بدون تحرير الاجور فقد بنيت معادلة نظام الاجور والاسعار في سورية في الستينات والسبعينات على اجور قليلة مقابل سلع وخدمات اساسية منخفضة السعر او مجانية واليوم يتم تحرير احد طرفي المعادلة اي اسعار السلع والخدمات وتقليص الدعم بينما يحتفظ بالهيكل الاساسي لنظام الاجور السابق بضغط من قطاع الاعمال وبدوافع خفض التكلفة وخفض نفقات الخزينة بدلا من العمل على زيادة ايرادات الخزينة من مكافحة التهرب الضريبي والجمركي ورفع الانتاجية.‏

اختلالات السياسة الاقتصادية تنعكس مزيداً من الاختلالات الاجتماعية فالبطالة وفرص العمل في الخارج تتقلص و خاصة بسبب الازمة الاقتصادية العالمية بينما لدينا فائض عمالة كبير سنويا تسببه معدلات الولادة المرتفعة التي عجزت الحكومة عن خفضها والتي تلتهم كل فوائض التنمية وليس لدى الحكومة رعاية قوة العمل السورية العاملة في الدول العربية لزيادة حصتها ولم يأخذ الاهتمام بالمغتربين بأكثر من ضجيج اعلامي لوزارة كل موازنتها لا تزيد عن 78 مليون ليرة سورية.‏

ارتفاعات اسعار لا تعوضها ارتفاعات في الاجور والنتيجة ارتفاع معدلات الفقر ويحدث اختلال اخر في توزيع الناتج حيث تنخفض حصة الاجور وترتفع حصة الارباح وتتجمع الارباح بأيدي اقل فأقل ويظهر هذا في نمو مظاهر الاستهلاك الباذخ مكونا قشرة سطحية وواجهة أمامية بينما يختفي تحت القشرة وخلف الواجهة بؤس يتزايد وتكون النتيجة في مثل هذه الحالات تزايد الجريمة وان كانت مازالت غير مرتفعة قياسا بدول اخرى ولكن الاتجاه هو الزيادة في الكمية وتغيير في النوعية الى جرائم اكثر تنظيما واكثر بشاعة.‏

من المتعارف عليه ان تقييم أي سياسة انما يقاس بنتائجها وهذه هي نتائجها ولا تختلف التقارير الحكومية غير المنشورة عن هذا التقييم.‏

ويبدو ان لا مصلحة لمن رسموا الخطط واكثروا من الوعود الوردية حينذاك ان يظهروا لنا النتائج.‏

وبمناسبة ذكر الخطط الخمسية نذكر ان خلل رسم السياسة يبدأ من وضعها فالخطة تشكل نظريا دليل لتوجيه النشاط الاقتصادي السوري على المستوى الكلي والقطاعي وهي تعد بعيدا عن اشراك قوى المجتمع بل وحتى اشراك الخبراء السوريين وهذا كان احد اسباب خلل الخطة الخمسية العاشرة ويبدو ان الامر بل وحتى اشراك الخبراء السوريين وهذا كان احد اسباب خلل الخطة الخمسية العاشرة ويبدو ان الامر يتكرر في الخطة الخمسية الحادية عشرة الان فاعدادها يحدث بصمت بينما المطلوب مشاركة اوسع واعداد ندوات وورش عمل اثناء اعداد الخطة لمناقشة توجهاتها ومحتواها فهي وثيقة وطنية وليست وثيقة حكومية داخلية فقط، لتجنب مزيد من الاختلال ونتائجه السلبية نعتقد ان هذا الوضع يتطلب اعادة نظر في رسم السياسة الاقتصادية بمجملها بدءا من الالية التي ترسم بها والاهداف الاقتصادية على المستويين الاجمالي والقطاعي القريبة والبعيدة.‏

وان تصاغ توجهات السياسة السورية اولا ضمن مابات يعرف بنموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الذي اعلنت سورية تبنيه دون ان تتصدى اي مؤسسة حكومية او حزبية حتى الان لتحديد ماهيته والمقصود به واهدافه وسياساته العامة والقطاعية الخ. ونعتقد ، ورغم أن الوقت اصبح ضيقاً، فإن ثمة فرصة مازالت أمامنا.‏

samirseifan@adc.com.sy

---------------*********--------------

دمشق و"قواعد اللعبة الجديدة"

عريب الرنتاوي

تباينت القراءات واختلف المحللون في فهم ما جرى في دمشق خلال الأيام القليلة الفائتة: المحللون الإسرائيليون تحدثوا عن قمة لقادة "محور الشر"، تقرع طبول حرب مقبلة، وبعض رأى فيها اجتماعا استعراضيا يخفي من التباينات في مواقع الأطراف ومواقفهم، أكثر مما يدلل على وفاقهم وتوافقهم، أما بعض المحللين العرب فتحدثوا عن "مجلس حرب"، وآخرون (المحافظون الجدد) قدموا المسألة برمتها في صورة كاريكاتورية من نوع: أحمدي نجاد يوزع الأدوار والتكليفات على حلفائه وأتباعه ؟!.

 

في ظني أن ما جرى في دمشق، هو إعادة تعريف ل"قواعد اللعبة" مع إسرائيل في المرحلة القبلة، هدفه الأول والأخير منع الحرب، وليس التجهيز لإشعالها، فالاجتماعات المكثفة بين قادة سوريا وإيران والمقاومتين اللبنانية والفلسطينية في دمشق، جاءت تتويجا لسلسلة من المواقف والخطوات التي صدرت عن هذه الأطراف، والتي أوحت بمجملها، بأنها بصدد "وضع قواعد جديدة للعبة".

 

لبنانياً، تضمن خطاب زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله في ذكرى "القادة الشهداء" قبل أسبوعين، قواعد اللعبة الجديدة، إذ وضع مطار بن غوريون في تل أبيب مقابل مطار رفيق الحريري في بيروت، وأدخل الضاحية الجنوبية في صلب ميزان الردع المتبادل، بناية ببناية، مطار بمطار، مصفاة بمصفاة، مصنع بمصنع، مذكرا بما سبق أن تعهد به عندما قال بأن المواجهة المقبلة مع إسرائيل ستنتهي بهزيمتها و"ستغير وجه المنطقة".

 

سورياً، تضمنت تصريحات الرئيس السوري ومعاونيه (بالأخص وزير الخارجية)، القواعد ذاتها تقريبا: الحرب المقبلة إن اندلعت، ستكون مدن إسرائيل ساحة لها، والحرب المقبلة إن اندلعت من لبنان، فستشمل سوريا كذلك، وعلى "زعران" إسرائيل التوقف عن إطلاق التهديدات يمنة ويسرة.

 

إيرانياً، دخلت طهران على خط عملية "بناء قواعد اللعبة الجديدة"، أولاً بالقول بأنها ستكون طرفا في أي حرب مقبلة، وثانياً: بالتأكيد أن هذه الحرب ستنتهي بهزيمة إسرائيل، وثالثاً، وهذا أمر لافت للانتباه، دعوة الرئيس الإيراني شعب العراق لكي يكون جزءا من هذه المعركة، في سابقة استوقفت جميع المراقبين من دون استثناء.

ثمة رسالة واحدة مبثوثة في ثنايا مختلف المواقف التي تصدر عن هذه الأطراف مفادها: أنه من غير المسموح الاستفراد بطرف منها، وأن الحرب المقبلة إن هي اندلعت ستكون شاملة وذات طبيعة "استراتيجية فاصلة"، وستمتد لتشمل الجبهة الداخلية الإسرائيلية كذلك.

 

هي رسالة "ردعية"، ذات طبيعة دفاعية إن شئتم، توجهها أطراف لا مصلحة لها في إشعال فتيل حرب جديدة، حزب الله المنهمك في لملمة ذيول السابع من أيار 2008، والحفاظ على تجربة الوحدة الوطنية وتفادي استحقاقات القرارين 1559 و1701، وحماس المثخنة بجراح حرب إسرائيل وحصار مصر والأكلاف الهائلة لاستمرار الانقسام، وسوريا الفرحة بخروجها من عنق زجاجة الحصار وأطواقه، والمتجهة لقطف ثماره الاقتصادية والسياسية، وإيران المنقسمة على نفسها، المنهمكة بتثبيت دورها الإقليمي كجزء من الحل وليس كجزء من المشكلة.

 

 ما جرى في دمشق، ليس قرعا لطبول الحرب كما يظن البعض، بل رجع صدى لطبول حرب قرعت في تل أبيب، وما عاد ممكنا التظاهر بعدم سماعها، أو انتظار وقوع المحظور، هو الاستعداد للحرب لمنع اندلاعها من خلال التلويح بميزان رعب جديد، وإرساء قواعد مختلفة للعبة مع "زعران" إسرائيل.

 

هل ستفلح هذه الاستعدادات، وهل وصلت رسالة دمشق إلى من يعنيهم الأمر، هل ستفلح قواعد اللعبة الجديدة في ردع إسرائيل ووضع حد لغطرستها وعدوانيتها...أسئلة ستجيب الأشهر القادمة على البعض منها، فيما بعضها الآخر لن نعرف له جوابا إلا في ميدان القتال، وبعد أن تخرج المدافع عن صمتها.

---------------*********--------------

داعية سعودي: إيران تبذل جهوداً جبارة لتشييع العوام في سورية

خدمة قدس برس

حذر كاتب وباحث سعودي في الشؤون الإسلامية من نتائج ما قال إنها "جهود جبارة من إيران لتشييع عوام السنة في سورية"، وأعرب عن أمله في أن تتخذ دمشق موقفاً حازماً من ذلك حفاظاً على السلم الاجتماعي للبلاد.

وأكد أستاذ العقيدة في جامعة الإمام سابقاً المحامي عوض القرني، في تصريحات خاصة ل "قدس برس" أن سورية تشهد عملية تشييع كبيرة، بما يهدد مستقبل السلم الاجتماعي في البلاد، وقال "حسب المعلومات التي تأتينا من سورية فإن هناك جهوداً جبارة تبذلها إيران، والحكومة السورية للأسف إما غاضة للطرف أو متواطئة، لتشييع أهل السنة في سورية، وكثير من المناطق السورية حصل فيها اختراق شيعي، وهذا سيهدد السلم الاجتماعي في سورية مستقبلاً، ولذلك أظن أن أهل السنة مهددون مما تمارسه إيران في بلادهم. وهذا على خلاف لبنان الذي استقرت أوضاعه وتعايش الناس فيه على التعددية الطائفية وأصبح الجميع يدرك حدوده".

ونفى القرني وجود أي دعم مادي علني أو غير علني من السعودية لأهل السنة في سورية، وقال: "أتمنى أن يكون من السعوديين من يدعم أهل السنة في سورية دعماً علنياً، لكن الحقيقة على الأرض، أن أهل السنة في سورية لا بواكي لهم، وذهبت مصالحهم في سوق النخاسة بين الأنظمة"، على حد تعبيره.

03/03/2010

---------------*********--------------

 12 مليون سوري يعيشون على 13% من مساحة البلاد

هذه هي المظاهر السبعة لإخفاقات التنمية الإقليمية في سورية

03/03/2010

كتب زياد غصن

حدد باحث اقتصادي سبعة مؤشرات و مظاهر لإخفاقات التنمية الإقليمية في سورية، و تبين عدم نجاعة السياسات و الإجراءات المتبعة حتى الآن للحد من التفاوت التنموي الكبير بين المناطق و الأقاليم المختلفة.

و قال الدكتور رسلان خضور الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق خلال ندوة الثلاثاء الاقتصادية أنه ورغم الحديث عن التخطيط الإقليمي منذ عقود و إحداث وزارة الإدارة ، و صدور مرسوم الإدارة المحلية عام 1971، و وجود إدارة كبرى في هيئة تخطيط الدولة معنية بالتخطيط الإقليمي، إلا" أننا لم نحقق نجاحات متميزة في مجال التنمية المحلية والإقليمية، فالنتائج على الأرض تظهر إخفاقات واضحة، و الإخفاقات هي على مستوى الأقاليم وليس على مستوى المحافظات و المدن فقط".

و أولى مظاهر تلك الإخفاقات كما قال الباحث اختلال العلاقة بين عدد السكان/ النمو السكاني و الحيز الجغرافي، فعدد سكان سورية يبلغ نحو 23 مليون نسمة حسب سجلات الأحوال المدنية في ر1/1/2010 وعدد المقيمين بحدود 20.4 مليون نسمة و يتوقع أن يتراجع معدل النمو السكاني من 2.45% حالياً إلى 1.94% عام 2005 و هذا المعدل الأخير هو معدل النمو الحالي لأغلب دول الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، أي أن معدل النمو الحالي ورغم انخفاضه عن المعدل الذي كان سائداً في الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي 3.35% فهو لا يزال مرتفعا مقارنة بالدول المجاورة، و تعد سورية من الدول قليلة الكثافة السكانية إذا أخذنا بالمقياس الحسابي الكيلو متري الإجمالي (اقل من 100/نسمة كم2)إلا أنها تنتمي إلى الدول عالية الكثافة السكانية في مناطق الشبكة العمرانية المأهولة(أكثر من 250 نسمة/كم2) حيث تبلغ الكثافة السكانية في مناطق الشبكة العمرانية 273 نسمة/كم2 وهذا يعادل ثلاثة أمثال الكثافة السكانية الكيلو مترية التي تبلغ 98 نسمة /كم2، و يتركز 60% من سكان ( أي نحو 12 مليون نسمة) في أجزاء محددة من محافظات دمشق، ريف دمشق، حلب، حمص، حماة وعلى مساحة 13% من مساحة سورية.

في ثاني المؤشرات يأتي انحسار الأراضي الزراعية وتراجع حصة الفرد منها، إذ أدى الضغط السكاني و التوسع العمراني غير المخطط في المراكز الحضرية إلى ابتلاع مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.

الهجرة من الأرياف إلى المدن ومن المحافظات إلى مراكز الاكتظاظ البالوني جاءت ثالثاً في المظاهر، فهناك عوامل عديدة أدت إلى تحول الريف إلى طارد للسكان باتجاه المدن الكبرى و أحزمتها العشوائية، حيث القطاع غير المنظم و اقتصاد الظل، ويلاحظ انتشار غير متوازن للشبكة العمرانية و سيطرة وهيمنة مدينتي دمشق وحلب ومجالهما الميتروبولي على الصعيد السكاني و الوظيفي، إذ وصلت نسبة سكان حلب ودمشق وريفها إلى 44% من مجموع السكان عام 2004، وهذا التركز السكاني يجعل المقدرة على حل المشاكل الناجمة عن ذلك عرضة للشك.

و أشار خضور إلى مظاهر أخرى كالتلوث و التدهور البيئي، تراجع الخدمات، النمو السريع للتجمعات العشوائية و قال هنا إن عدد التجمعات السكنية العشوائية في سورية يبلغ نحو 131 تجمعاً و عدد سكانها 2.5 مليون نسمة أي ما يعادل 14.6% من إجمالي عدد السكان و في تقديرات أخرى يبلغ سكان العشوائيات 20% من إجمالي السكان، و أخيراً كان التوزع الاستفزازي غير المتوازن للاستثمارات و الذي نتيجة لعدم وجود سياسة واضحة للتنمية الاقليمة من جهة و سبب للتفاوت التنموي الكبير بين الأقاليم.

---------------*********--------------

من ينتظر "عفوا" عن معتقلي الرأي؟!

موقع أخبار الشرق – الثلاثاء 2 آذار/ مارس 2010

افتتاحية موقع النداء الناطق باسم إعلان دمشق

صدر قبل أيام المرسوم التشريعي رقم 22، والذي قضى بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 23-2-2010، فشمل الجنح والمخالفات وجرائم الفرار من خدمة العلم، كما استثنى منها تلك المتعلقة بالدعارة وبعض الجنح الاقتصادية والمرتبطة بالمخالفات البلدية، إلى جانب جرائم مرتبطة بالفساد الوظيفي والإداري ومخالفات الجمارك وأخرى متعلقة بالآداب العامة.

وهذه هي المرة الثانية بعد مرسوم العفو الصادر في العام 2007 التي تشمل فيها مثل تلك الحالات، علماً أن آخر مرسوم عفو شمل الجرائم والعقوبات الجنائية صدر في العام 1988.

أما عدم شمول هذا المرسوم جرائم اختلاس وسرقة الأموال العامة فقد لقي ارتياحا واسعا، وهو أمر يتكرر للمرة الثانية في مراسيم العفو الرئاسية، بينما كان شمولها سابقا يلقى أشد الاستنكار، و تتبعه سرديات ساخرة ومؤلمة حول المستفيدين منه وشبكاتهم.

من حيث المبدأ، منح الدستور السوري الراهن رئيس الجمهورية سلطات واسعة، وسمت النظام الجمهوري بالطابع الرئاسي، فأخلّت بالتوازن بين السلطات الثلاث، وجعلت من السلطة التنفيذية سلطة مهيمنة على باقي السلطات، وتضاعف ذلك بما أضفته عليها الثقافة السياسية والتأخر التاريخي المجتمعي من صفات أبوية.

وهذا ما أعطى مراسيم العفو الرئاسي في بلدنا دورا كبيرا ينتظره مواطنونا بشكل شبه دوري، بدءا من مرتكبي مخالفات المرور مرورا بالجانحين إلى المهربين حتى عهد قريب!

بموازاة ذلك، صارت مناسبة مراسيم العفو تلك، نافذة الأمل الوحيدة لآلاف الأسر السورية التي طالما اعتقل أبناؤها تعسفيا، بموجب الأحكام العرفية وسطوة الأجهزة الأمنية المستمدة من سريان مديد لحالة الطوارئ، وبالتالي فإن عدم شمول مرسوم العفو الأخير لأي من المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، شكل خيبة أمل حقيقية لتلك العائلات، ورمى بها من جديد في دائرة المعاناة والانتظار الممض!

علما أن وظيفة العفو الرئاسي قد شرعها القانون أصلا، كي تفتح باب الأمل للمخطئين وتمنحهم فرصا جديدة لاستعادة المواطنة الصالحة، انطلاقا من منظور تربوي تسامحي لا يغلق باب العودة إلى حاضنة المجتمع الوطني الكبير.

وذلك لا ينطبق بحال من الأحوال على معتقلي الرأي من مختلف المشارب، والذين جردوا من حريتهم لمجرد ممارستهم حقوقهم المشروعة بالتعبير والمشاركة في الحياة العامة، واتهموا زورا بجرائم "تنال من الوحدة الوطنية أو تعكر صفو الأمة" بعد محاكمات صورية هزلية !

أولئك بأشخاصهم كمواطنين وأفراد، وبما يمثلونه كرموز للتيار الداعي إلى التغيير الديمقراطي السلمي وإقرار حقوق المواطنة والحريات العامة، لا ننتظر لهم "عفوا"، بل قرارا سياسيا على مستوى الأزمة التي أوصلتنا السلطة إليها وطنا ومجتمعا، وهو قرار برد حريتهم إليهم كخطوة أولى على طريق تصحيح ما تراكم من أخطاء ومظالم، ووقف سياسة الاعتقال التعسفي لكل رأي مخالف أو معارض، والشروع بفتح باب المصالحة الوطنية بما يعيد الوطن لأبنائه جميعا بعد طول إقصاء واحتكار!

------------------------*********--------------

المشهد الدمشقي: لا راحة لإسرائيل بعد اليوم

نصري الصايغ

I جديد... ولأول مرة

الرئيس أحمدي نجاد في دمشق يقول كلاماً جديداً.. يسمع العالم ويصمت.

الرئيس نجاد يلتقي السيد حسن نصر الله. يرى العالم ذلك ويفهم.

الرئيس نجاد يستقبل فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة.. يعرف العالم فلسطين بطريقة أخرى.

حصل كل ذلك في ضيافة الرئيس بشار الأسد.. بدا الأسد مرتاحاً جداً، فأدرك العالم، أن سوريا مفتاح المنطقة وبابها المشرّع: للحرب والسلم. ولعله أدرك، أنه أكثر استعداداً للحرب وأقل اهتماماً بالسلم.

هل تغيّر العالم قليلاً؟

الجواب: العرب عربان، عرب بائدة، أميركية الصنع، وعرب حاضرة لتصنع المستقبل.

II حوار مكتوم، وكأنه تفكير بطريقة سرية

منذ شهر تحديداً، التقيت بناء على همّ أحمله، وبحاجة إلى أن أفضفض بالكلام فيه، أمام خبراء ومتابعين وعارفين بنسج السياسات السرية. قلت باختصار: «إسرائيل تقود حلفاً عربياً، من أنظمة فاشلة، وتعوّل في استراتيجيتها على أربعة أطراف اقليمية، بالتتابع.. استفردت بحزب الله في تموز 2006.. استفردت بغزة في 2008 2009. تستعدّ لاستفراد سوريا.. تحرّض لاستفراد إيران.. فمتى ينشأ حلف استراتيجي، سياسي عسكري، يعتبر فيه أي عدوان على طرف، عدواناً على أعضاء هذا الحلف؟». واستطردت قليلا: «هذه ليست أمنية بل حاجة فعلية، يقتضي من الأطراف المنتظمة في هذا الحلف، ان تكون في مستوى التحدي عسكرياً وأن يكون لها القدرة، إما للجم العدو، أو لتكبيده حرباً فاسدة، إن لم تكن هزيمة كبرى».

العارف والمتابع واللصيق بالملفات الساخنة قال: «كأنك تهدس بما يصار إلى تحقيقه». وَسَكَت.. فهمت ولم أكتفِ.. ألححت على التفصيل. قال: «سبقوك. هذه الأطراف التي تسمّيها، قطعت شوطاً كبيراً. انتهت من مسألة التنسيق ووضع الخطط والتسليح والتدريب. إنها في صدد إنشاء شبه قيادة موحدة للمعركة.. وهذا ما يدفع إسرائيل إلى الإسراف بالتهديد، والخوف من الفعل«.

وسمعت منه تحليلاً في السياسة لمحطات بارزة عربياً واسرائيلياً ودولياً: قال: «تعلمت اسرائيل درساً من عدوان تموز، ولكنها طبقته بشكل رديء جداً في غزة.. وهي تتعلم من العدوانين، لتأجير حربها لسواها.. تريد استئجار واشنطن، وفتات «المجتمع الدولي»، لإلزام إيران بالتراجع، عبر الحصار والتهديد الدائم بالعقوبات، إلى ان يحين الظرف لضربة عسكرية، تتوفر لها شروط النجاح».. فهمت أن النووي الإيراني في زمن الشاه، كان مرغوباً فيه. والنووي الراهن، مدان، لأن له فقهاً سياسياً مختلفاً. ايران تعاقب فيها «ولاية الذرة» لا ولاية الفقيه، لأن فلسطين عاصمة المعركة.. وليس من الضروري ان تكون إيران نووية عسكرياً.. وقد لا تكون كذلك.

ساعدته قليلاً في رسم صورة اسرائيل الكالحة: «انها تشعر أنها في خطر وجودي.. الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان، باءت بالفشل. الشرق الأوسط الأميركي الاسرائيلي الجديد انتهى.. أميركا اليوم بلا استراتيجية، وتتخبط كالأعمى.. تريد انسحاباً لا يكلفها خسارة جسيمة من العراق.. تسعى إلى انتصارات بربرية ودموية في أفغانستان لتطويع الطالبان.. كان لأميركا خطة هجومية مع بوش، وليس لها خطة انسحاب مع أوباما.. هي في مستنقع سياسي. فإذا كانت هذه هي حال واشنطن، فكيف ستكون حال إسرائيل؟».

ولما هممت برسم الصورة العربية قاطعني: «وفّر عليّ الوقت، العرب خارج كل حساب.. يمكنك التعويل على «الرباعية» الفاشلة، أكثر من العرب.. إنسَ الموضوع.. محور «الاعتدال» بلا خطة. هو ملحق ويسير خلف أميركا، حذو النعل بالنعل... التاريخ يا صديقي ليس عربياً.. التاريخ في هذه اللحظات، تنسجه استراتيجيتان: إسرائيلية من جهة وقوى الممانعة، المتحوّلة فعلاً إلى قوى مجابهة».

كان بودّي، أن أستفيض في ذم المسيرة العربية.. لجمت نفسي وقلت استمع، وأصغيت لاحتمالاته: «اسرائيل تفكر كل يوم بالحرب. ولكنها لا تعرف كيف ومتى ولماذا وأين، وتحسب ألف حساب، وتخلص في كل حساب إلى سؤال: ماذا لو فشلنا؟ هذا السؤال يقضّ مضاجع العسكريين كثيراً.. لا تعلق كثيراً على تصريحات السياسيين.. وعليه، أنا أميل، ليس بناء على معلومات، بل على قراءات ومتابعات يومية، إلى أن إسرائيل تستعدّ لحرب لن تشنها.. وهي مطمئنة فقط، إلى أن إيران وسوريا وحزب الله لن يشتركوا في شن حرب عليها ويبادئوها القتال. انهم قوة صدّ.. قوة دفاع.. والظرف الدولي لا يسمح بأكثر من ذلك«.

III حرب أخرى... وتربح اسرائيل

فاجأني صديقي بأن اسرائيل، ليست في حاجة إلى حرب قد تخسرها.. انها تقوم بحرب رابحة جداً... كان التوازن العسكري الشامل ممنوعاً.. كان يجب ان تبقى اسرائيل متفوقة وهي لا تزال كذلك، غير انها لا تستطيع صرف هذا المنسوب العالي من القوة والتقنية. لأنها قد تتعرّض إلى هزة عنيفة في عقيدتها الأمنية.. العمود الفقري للعقيدة الصهيونية، هو القوة العسكرية والمجتمع المطمئن إلى أمن مثالي... الصهيونية هي روح اسرائيل، وجسدها هو الأمن.

قلت: «انها أمام الجدار.. لن تتقدم ولن تتأخر.. هل تستطيع الحفاظ على وجودها في وضعية القوة العظمى العاجزة؟».

قال: «تصرف قوتها في معركة سهلة ومربحة.. الاستراتيجية الاسرائيلية الراهنة، هي في استعجال صهينة الأرض الفلسطينية عبر تهويدها.. ألا يقول زميلك حلمي موسى، «ان خطط التهويد مزمنة؟» اليوم، جاء وقت تسريعها.. تريد اسرائيل ان تنتهي من ثنائية الأرض، لإلغاء ثنائية الشعب.. عاشت اسرائيل بعد العام 1967، وهي تجيب عن سؤال: ماذا نفعل بالأراضي؟ تباطأت كثيراً.. موعدها اليوم مع «يهودية الدولة التامة» وهذا يقتضي الإسراع في تهويد الأرض.. وإذا استمرت حركة التهويد في القدس بهذه الوتيرة، سيتم فصل المسجد الأقصى عن المسلمين.. لن تعود الطريق إليه سالكة.. ممنوع العبور في «أراض يهودية» من القدس وجوارها، إلى المسجد.. وسيسقط المسجد الأقصى بالهجران. لن يعود الحفر تحته خطراً.. عدم قدرة المصلين على أن يؤموه، يجعله عاطلاً عن «العمل».. علّقتُ: «قد يصبح أندلس الروح».

تساءلت: «ألا تخشى اسرائيل من انتفاضة؟ من عقوبات دولية؟ من وقف مسار التفاوض؟» ابتسم صديقي ولم يجب. كأنه كان يقول لي، على ما أظن وأرجح.. «أبو عمار راح. أوباما المسكين في غيبوبة شرق أوسطية. التفاوض سيكون في خاتمة المشروع الاسرائيلي.. ستتفاوض إسرائيل مع نفسها ومع من تبقى داخل «باندوستانات» ابو مازن وسلام فياض.

ختم صديقي قوله: «لم نعد نخشى حرباً تخوضها إسرائيل ضدنا.. خشيتنا من عجز إنقاذ فلسطين من التهويد الكامل».

قلت: ستربح إسرائيل حرباً لن تخوضها... إلا... ولا أعرف وضع كلمة بعد إلا...

IV مراجعة لواقع عربي بلا عرب

ما أغرب النتائج التي تحصل عليها بوضوح: إسرائيل قوية، وقد لا تشن حرباً، وقوى الممانعة قوية أيضاً، ولا تتجرأ على شن حرب. توازن رعب.. وفلسطين متروكة لقدرها الصهيوني؟

تستعيد في لحظة مراجعة ما توصلت إليه بعد سؤال: «متى تنتهي إسرائيل من تهويد فلسطين؟» وكان الجواب نظرياً ومقنعاً لي: «تنتهي من التهويد عندما تهوّد العرب سياسياً».

هل يمكن مواجهة «حرب التهويد الإسرائيلية»، عبر إثارة الغريزة الدينية والمذهبية سياسياً وعقائدياً وحركياً؟ هل هذا العمل التخريبي السائر حالياً، يفضي إلى الخروج من العجز؟ قلت في نفسي: «لا بدّ من تخريب هذا الركام العربي السياسي، إنما من دون استبداله بتخريب المجتمع العربي وإسقاطه من الداخل بحروبه الدينية والمذهبية... يبدو أن الفعل هذا سبق العقل الذي غيّبته، بسبب يأسي المتسرّع من العرب.. لا، العرب راهناً، ليسوا أمواتاً، إنهم في الأسر. يكفي أن يخرجوا، حتى تصير دمشق وطهران وجنوب لبنان، مواقع التقاء الممانعين المقاومين.

وساءني أن أحكم على الحراك الدموي المذهبي العشائري حكماً قيمياً أخلاقياً، أكثر مما هو سياسي. ومن دون أن يكون لي يد في ذلك.. المجتمعات العربية تغلي بالفوضى والعنف، ولا يبدو أنها ستستقرّ على مخاض سليم. غير أن اللافت في هذه المعارك المتنقلة، أن فلسطين حاضرة في جانب منها، ولو من بعيد.. إنها حاضرة في حركات مقاومة عراقية، حاضرة في حركات ثقافية تنويرية سعودية، حاضرة عند الحوثيين الطفار في صعدة وجوارها، حاضرة في مخيمات اللجوء الفلسطيني، حاضرة في الحركات الدينية في مصر، حاضرة لدى النخب العربية الملتزمة، وهي حاضرة اليوم في أوروبا وبعض دولها وتنظيماتها الحقوقية والإنسانية.

اتضحت الصورة لديّ.. ستعود فلسطين، بعد الركام العربي الرسمي الأخرس لتحدث ضجيجاً وصخباً ووعياً. وعندها سيسمع العالم ما يذهله. ولكن، سيفوته أنه أمضى زمناً يراهن على أنظمة السوء، ولم يسمع أو يلتفت أو يستقصي، حال الشعوب العربية في المستقبل، ومقام فلسطين العربية عندها.

زمن المهانة قد يمتدّ أزمنة.. بهدوء وسكينة وخضوع، إلا أن زمن الانفجار سيكون دويّه كبيراً.. فهذا القطب العربي المتجمّد، ستذيبه حرارة فلسطين، عندما تشهر العروبة، مرة أخرى، وبطريقة غير خطابية.

V القوة والحكمة

لقد نضج التاريخ العربي.. المشهد الدمشقي لم يكن خطابياً.. تعلمت هذه القيادات، أن الفعل يسبق الكلام.. وزمن المقاومة يسبق وقت الإعلان عنها.. وزمن الحلف الاستراتيجي الجديد، يسبق أوان الحديث عنه.

إنها مرحلة الإمساك بزمام الواقع بعمق، وتحديد أولوياته، والعمل التأسيسي المنظم، لاستعمال قدرات هذا الواقع، وتوظيفها، في خدمة الأولويات: التحرير ومقاومة الاحتلال ورفض الهيمنة..

إنها حقبة النضج السياسي، عبر التأكيد على السلوك العقلاني، والفعل الموضعي، والمرحلية المتقنة، والبناء على الثابت، والتخطيط عبر توظيف إبداعي للإمكانات المادية والروحية معاً. إنها مرحلة تقول: لكل معركة سلاحها، ولكل ظرف أدواته، ولكل حالة سياستها، في تناغم بين دقة استعمال الوسائل وعظمة بلوغ الأهداف.

قدّمت المقاومة الإسلامية نموذجاً لهذا المزج الرائع، بين معطيات المادة وقضايا الروح ونسبية الوسائل وغائية امتلاك القوة، وكيفية توظيفها دائماً، في خدمة الأولوية... وليست السلطة من أولوياتها.

انتهت «الثورات الخطابية».. انتهت فلسطين كمنصّة لبلوغ السلطة والعبث بها وشعبها.. وانتهت كذلك، النظرة الدونية التي تتعامل فيه أنظمة مع شعوبها. لأن معظم هذه الشعوب، ينظر نظرة دونية جداً لحكامه وأنظمتهم.. وانتهت «الفورات الغضبية المجانية»، و«السلاح زينة الشوارع والأزقة» في بيروت وسواها.. وانتهت المغامرات التي أنهت المعركة قبل وقوعها.

والمشهد الدمشقي يُسفر عن خطوات لحماية الأولوية الفلسطينية والأولوية الاستراتيجية، وأولوية الحفاظ على عناصر القوة والمكتسبات الناتجة عن أخطاء الآخرين.

وعليه، ستزداد القبضة السورية الناعمة في لبنان، لحماية المقاومة، وهذا أقلّ الإيمان، ولاستمرار احتضانها ودعمها و... وسيزداد الحضور الإيراني أكثر، ومن حق «دول» الخليج، ان تشعر بالخوف، إلا إذا خرجت، ولا نقول تحدّت، من الخيار الاميركي. اما العراق فسيكون التفاحة التي ستسقط في السلة الإيرانية، بعد انسحاب جنود الغزو البربري الأميركي.

---------------*********--------------

المراجعة المطلوبة هي باتجاه الشعب

فبراير 28, 2010

مازن كم الماز

تعليق على ما كتبه محمد سيد رصاص و غسان المفلح

من يقرأ ما كتبه محمد سيد رصاص و رد غسان المفلح يستنتج أن سوريا تتألف من نظام و معارضة فقط , و لما كان من المستحيل أن تكون سوريا أرضا مملوكة لنظام أو لمعارضة بلا شعب فهذا يعني أن الشعب ليس أمامه إلا الاختيار بين النظام و المعارضة , أن القضية من منهما على حق , النظام أم المعارضة , و من خلفهما إيران أو أمريكا , من هو الأكثر قوة و من القادر على أن يحسم المعركة من أجل السيطرة على الشرق الأوسط و بالتالي من سيفرض حليفه المحلي , هكذا ننتهي فعلا إلى لب الموضوع , الشعب السوري ليس مخيرا في الأصل بين النظام و المعارضة , إن حسم هذا الصراع لا يرتبط به و لا يتعلق به حتى , فسيد رصاص يرى أن الخيار حسم تقريبا مع تراجع المشروع الأمريكي لصالح النظام بالطبع و غسان المفلح يرى أن المشروع الأمريكي بخير و أن تعثره مؤقت , من قال أن على الشعب السوري أن يختار ؟ فعليه إما أن يكون وطنيا على طريقة النظام السوري أو ديمقراطيا على طريقة من يسمي نفسه معارضة سورية , لكن هذا يتحدد فقط نتيجة الصراع على السيطرة على الشرق الأوسط , الخلاف هو من الأقوى و من الذي يحق له أن يعتبر نفسه منتصرا في هذا الصراع : أمريكا أم إيران ؟ لكن الشعب السوري لا يبدو فقط كغنيمة للمنتصر وفقا لخطاب الكاتبين , إنه “منتصر” ضمنيا , مرة لأنه ربح وطنيا و مرة لأنه ربح ديمقراطيا , و هل من انتصار أروع من ذلك الذي تحققه دون أن تشارك حتى في المنافسة الأمر الذي لا يعني أبدا ألا تقدم “التضحيات” المطلوبة لانتصار هذا الطرف أو ذاك , هذا الوطن أو تلك الديمقراطية التي سيقدمها للشعب السوري المنتصر في ذلك الصراع , و منطق الخضوع و السمع و الطاعة جاهز في الحالتين…..من المؤسف أن يستحضر في هذا الصراع لعبة خشبية مثل جورج بوش لفظه الجميع يريد غسان المفلح أن ينصبه سبارتاكوس أو صلاح الدين الديمقراطية , يسهل الكاتب المفلح الإجابة علينا جدا عندما يقوم بهذا و يسأل : هل الخارج هو سبب الفقر أو القمع ؟ و يمكن هنا توجيه ذات السؤال لملايين الأمريكان الذين فقدوا بيوتهم و وظائفهم و استبدلوها بخيام على قارعة الشارع , عن فساد وول ستريت و المدراء التنفيذيين الذي دمر حياة الملايين لسنوات قادمة , لم يعد استخدام بوش كمثال يغيظ كما كان في السابق , لقد أصبح مثيرا للسخرية ( يذكرني استمرار الليبراليين العرب الجدد في استخدامهم لمثال بوش اليوم بعد سقوطه السريع باستخدام المصريين الفقراء الذين عملوا في العراق أيام حكم نظام صدام بمثال صدام كنموذج يحتذى أو بقصة الستالينيين العرب مع ستالين )…نعم , إن سيد رصاص على حق , فالمنطقة تتغير , و القوى المتنافسة تعيد قراءتها للواقع و تعيد إنتاج خطابها من جديد , يكفي كمثال أن نرى الانتخابات العراقية , عندما نجد الجميع يحاول التخلص بأية طريقة من إرث السنوات الأولى للاحتلال بما في ذلك موضوعة الديمقراطية نفسها و أن يعيد تصوير نفسه على أنه الخصم الأول للفساد و للمحاصصة و حتى للطائفية مهما كان فاسدا أو طائفيا , أمريكا نفسها تعيد قراءة تحالفاتها المحلية عراقيا و تغازل أطراف كانت في السابق معادية بشدة لها خاصة من النخب السنية السياسية و الطائفية , و أنا أزعم أن هذا بالضبط ما قصده سيد رصاص , لكن إذا هذا صحيحا على مستوى القوى المتنافسة مع تراجع إمكانيات أمريكا على فرض مشروعها إقليميا و صعود النظام التركي والإيراني يبحث عن دور أنشط في ملء الفراغ الذي يتشكل , لكن إذا كان هذا صحيحا بالنسبة للنخب فالقضية مختلفة جدا بالنسبة للناس , للبشر المهمشين , للمجتمعات أو الشعوب , فالآن بعد أن ذهبت فقاعة الديمقراطية المحمولة على الدبابات الأمريكية على وقع ضربات الأزمة المالية , يبقى أمامنا السؤال الأزلي عن الحرية , ما هي , و لمن , و إذا تجاهلنا الخطابات التي تتجاهل الشعب كحقيقة هامشية تستحق ما هو أكثر من السمع و الطاعة لهذا السيد أو ذلك , يمكننا القول , أن هناك شكلين للسياسة , نموذجين لممارسة السياسة , شكل تكون فيه السياسة وظيفة عدد محدود من الأفراد و النخب الذين يكونون إما مناضلين أو وزراء أو نواب و حتى وزراء داخلية أو أبواق لهذا النظام أو ذاك , شكل يكون فيه على الناس أن يمارسوا فيه السمع و الطاعة للحاكم الرشيد أو للخيار الأفضل أو الأقل سوءا , شكل يمكن فيه للجدال أن يدور و كأنهم غير موجودين أساسا , و شكل آخر تكون فيه السياسة مهمة كل إنسان عبر مؤسسات قاعدية غير نخبوية , يصبح فيها الناس أنفسهم في مركز هذا الحراك اليومي , أي ما معناه أن تندمج السلطة و النخبة بالناس لا أن تتغول إحداها على البشر و تهمشهم وفق خطابات و تبريرات جاهزة….من المؤكد أن المراجعة مطلوبة , لكنها ليست باتجاه النظام أو إيران أو أمريكا أو أي خارج آخر , إنها ملحة جدا باتجاه الشعب , باتجاه الداخل الحقيقي , باتجاه المهمشين , أي باتجاه إلغاء النخبة لنفسها كممثل وحيد و إلزامي عن المجتمع سواء في مواجهة استبداد النظام أو بتواطؤ صامت معه , و تخليها عن مهمة قيادة المجتمع و توجيهه إلى مهمة تحفيزه من الداخل على مواجهة القمع و الاستبداد و الاضطهاد و انتزاع حريته و حاضره

خاص – صفحات سورية

------------------------*********--------------

سورية وإيران: الجزرة.. والصفعة

فبراير 28, 2010

الشرق الأوسط يشهد تحركات دبلوماسية محمومة تترافق مع تحضيرات عسكرية قد تؤدي في أي لحظة إلى نشوب حرب.. أو سلام

بيروت: ثائر عباس

بشكل واضح، تريد الولايات المتحدة من سورية أن تبتعد عن إيران، في إطار مساعيها لعزل طهران وتشديد الخناق عليها، وعلى طموحاتها بأن تصبح قوة عالمية نووية. ورغم أن هذه الخطة تعتبر «طموحة للغاية»، وفق المتابعين للسياسة السورية منذ عهد الرئيس الأسد الأب، فإن إدارة الرئيس أوباما تجد فيها «بذرة» قد تصلح لإنبات التغيير في المنطقة.

وتشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تحركات دبلوماسية محمومة، تترافق مع تحضيرات عسكرية متقابلة قد تؤدي في أي لحظة إلى نشوب حرب.. أو نشوء سلام.

فوزيرة الخارجية الأميركية وعشية زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى دمشق صرحت علنا بأن واشنطن طلبت من السلطات السورية «البدء بالابتعاد عن إيران»، لافتة إلى أن «الولايات المتحدة الأميركية ترغب في أن تبدأ دمشق بالابتعاد في علاقتها عن إيران التي تتسبب في اضطرابات للمنطقة وللولايات المتحدة». وأضافت كلينتون «أكدنا للسوريين الحاجة إلى المزيد من التعاون حول العراق ووقف التدخلات في لبنان، ووقف نقل أو تسليم سلاح إلى حزب الله، كما شددنا على أهمية استئناف المحادثات الإسرائيلية – السورية».

وقد شهدت منطقة الشرق الأوسط منذ بداية العام حركة زيارات لافتة للمسؤولين الأميركيين تحديدا، بالإضافة إلى حركة أوروبية متممة لها، تقابلها تحركات إيرانية، تهدف إلى بناء «خط دفاع موحد»، يجعل من «الاستفراد» بها أمرا صعبا للغاية، بعدما ضم نجاد وحلفاؤه سورية وحزب الله وحماس، بالإضافة إلى طهران كأطراف حتميين في أي نزاع ينشب على أي جبهة من الجبهات الأربع، وأسخنها الملف النووي الإيراني والملف اللبناني.

ويقول الصحافي البريطاني أندرو تابلر، صاحب كتاب «داخل الحرب الأميركية على سورية الأسد»، إن واشنطن تقوم بقفزة في المجهول بالتقرب من دمشق في خطوة أحد أهدافها فك تحالفها مع طهران. ويشير إلى أن «اليد الأميركية الممدودة لسورية تحاول في الوقت أن تصفع إيران التي تواصل تحديها للغرب بالمضي قدما في برنامجها النووي وعملياته»، داعيا إلى مراقبة ما إذا كانت اليد الأميركية الممدودة لدمشق ستؤدي إلى ما تتمناه الولايات المتحدة، وهو رؤية دمشق تمنع تسلل المقاتلين من أراضيها إلى العراق، والعودة إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل، إذ يعتقد الأميركيون أن ذلك هو السبيل الوحيد لفك ارتباط سورية بكل من حماس وحزب الله، خاتما بالقول إن «تحسن العلاقات الأميركية السورية مرتبط مباشرة بمدى واقعية توقيع معاهدة سلام إسرائيلية سورية». فيما يصف محرر الشؤون الأميركية في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية ديفيد أوزبورن التقارب الأميركي مع سورية بأنه «مقامرة إزاء قدرتها على اتخاذ خطوات لتعزيز مقومات نجاح جهود السلام في الشرق الأوسط».

ويرى الكثير من المحللين في الانفتاح الأميركي على دمشق إقرارا بفشل سياسة العصا مع سورية التي أظهرت قدرة لافتة في التأقلم و«القدرة على البقاء». فبعد الغزو الأميركي، بدأت الولايات المتحدة حملة «ترهيب» واسعة النطاق على سورية التي أصبحت «جارتها»، واستهدفت وجودها في لبنان ساحبة منها تفويضا عمره أكثر من ربع قرن. وأتى اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري ليدفع خطوات واشنطن قدما باتجاه سورية التي انكفأت من لبنان، لكنها رفضت الاستسلام، فحاربت للحفاظ على هذا الدور، كما سبق لها أن فعلت في عام 1982، ثم في عام 1989.

واستبدلت سورية حضورها العسكري في لبنان بحضور سياسي لافت من خلال حلفائها الأقوياء على الساحة اللبنانية، كحزب الله وحركة أمل، وضمت إليهم «في ضربة معلم» خصمها السابق الذي طردته من لبنان بدعم أميركي النائب ميشال عون، مما أعطاها قدرة تعطيل لافتة منعت المحاولات الغربية من تحقيق مرادها. وتمكنت سورية أيضا من تمتين تحالفها الذي بدأه الأسد الأب مع إيران كسند إقليمي ومادي وعسكري له بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، في ظل مصلحة مشتركة بين الطرفين، تؤمن إيران من خلالها الدعم، وسورية الموقع الجغرافي الذي يقع على تماس مع القضيتين الفلسطينية واللبنانية، وهما جوهر ما تسعى طهران إلى التأثير فيه في المنطقة.

وبالإضافة إلى سحب واشنطن سفيرها من دمشق منذ عام 2005، تخضع سورية لسلسلة من العقوبات الاقتصادية الأميركية، وما زالت مدرجة في قائمة الدول الراعية للإرهاب، حسب تصنيف واشنطن منذ عام 1979، كما أصدر الكونغرس الأميركي «قانون محاسبة سورية» عام 2004 الذي يمنع تصدير الغالبية العظمى من المنتجات الأميركية إليها أو السلع الأجنبية التي تشارك الولايات المتحدة ب10% من مضمون تصنيعها مثل طائرات «الإيرباص» الأوروبية، مما جعل الأسطول السوري المدني يعاني من مصاعب جمة. وقد شملت إجراءات الانفتاح الأميركية على سورية، إضافة إلى تعيين سفير جديد في دمشق، ما لا يقل عن 7 زيارات رفيعة المستوى لمسؤولين أميركيين إلى سورية منذ انتخاب أوباما، كما قام وفد بقيادة القيادة المركزية الأميركية بزيارة دمشق وعقد اتفاق تجريبي مع سورية للقيام بتقويم تقني للمواقع الموجودة على الحدود العراقية – السورية. وقد خففت واشنطن من القيود المفروضة على رخص التصدير على إصلاح الطائرات المدنية السورية، وهي تدرس أيضا إعطاء المزيد من المنح الدراسية للسوريين من أجل الدراسة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى إقامة تبادل ثقافي وتجاري، وإلغاء معارضتها طلب سورية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

ويقول أندرو تابلر، من برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن لدى واشنطن «الوسائل للتقليل من العبء الاقتصادي السوري، لكن قائمة متطلباتها من نظام دمشق طويلة. فعلى المدى القصير، تريد الولايات المتحدة أن تعاود سورية محادثاتها مع إسرائيل، وتقطع الطريق أمام تدفق الجهاديين إلى العراق. وعلى المدى البعيد، ترغب واشنطن في أن تقوم دمشق بتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل وتوقف دعمها لحزب الله وحركة حماس»، معربا عن اعتقاده أن هذا سيخلق توترا بين سورية السنية وإيران الشيعية، التي يرتبط بها الأسد بعلاقة عسكرية وثيقة وبعدة صفقات لتقديم المساعدات والاستثمارات الواعدة، مشيرا إلى أنه لهذا السبب تبحث واشنطن عن طرق مبتكرة لتحويل «العصي»، أي العقوبات، إلى «جزر» – كل ذلك مقابل حصول تغييرات تدريجية في سلوك الرئيس الأسد.

لكن تابلر يشير إلى «حقيقة» مفادها أن واشنطن سارت في هذا الطريق من قبل، ولهذا السبب هناك الكثير من المتشككين في واشنطن أولئك الذين يعتقدون أنه حتى لو قمنا بتمويل احتياجات الحكومة السورية بكاملها، فإنها لن تغير من سلوك الرئيس الأسد، موضحا أنه بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، قدمت الولايات المتحدة مساعدات إلى دمشق بلغت 534 مليون دولار، حيث أملت أن تجذبها بعيدا عن المدار السوفياتي، وباتجاه توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل. وبدلا من ذلك، أصبحت سورية من أبرز المنتقدين لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وحصلت على تسمية «دولة راعية للإرهاب»، وقُطعت عنها المساعدات الأميركية. وعندما عادت واشنطن وبدأت في التعاطي ثانية مع دمشق في التسعينات من القرن الماضي، التف الدبلوماسيون الأميركيون على الحظر المفروض على المساعدات الخارجية عن طريق إغراء الشركات الأميركية بالاستثمار في قطاع الطاقة في سورية، بما في ذلك صفقة الغاز مع شركة «كونوكو فيليبس» بقيمة 430 مليون دولار. ولم تسفر هذه «الدفعة الأولى» عن شيء عندما رفض الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد، قبول معاهدة سلام بين سورية وإسرائيل كان قد اقترحها الرئيس كلينتون في جنيف في مارس (آذار) 2000.

ولا يرى الباحث والمحلل السياسي اللبناني سركيس نعوم «إمكانية» حقيقية لقيام سورية بفك عرى تحالفها مع إيران، مشيرا إلى أن هذا «قد يكون أحد الأهداف الأميركية»، لكنه بالتأكيد ليس الهدف الوحيد، مشيرا إلى أن الفصل «ليس سهلا على الإطلاق»، ويقول «الأميركيون يعرفون هذا، والسوريون لم يغشوا أحدا في هذا المجال بتأكيدهم متانة التحالف مع إيران». وفيما يخص العلاقات مع إيران، قال الأسد في 19 أغسطس (آب) الماضي خلال زيارته الرسمية الخامسة إلى طهران، إن إعادة انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد تعني أنه «على إيران وسورية أن تتابعا السياسة الإقليمية كما في الماضي». أما وزير الخارجية السوري وليد المعلم فقال بعد استقباله مسؤولا أميركيا إنه لا تأثير لتطور العلاقات السورية الأميركية على العلاقات السورية الإيرانية، مشددا على أنه «ليس لأي طرف ثالث صلة بالعلاقة السورية الأميركية، وسورية تقيم علاقات مع كل دول العالم بما يخدم مصالح شعبها، ولا تقبل شروطا من أحد لتقييد علاقاتها»، مشيرا إلى أن «سورية بالمقابل لا تفرض على الآخرين تقييد علاقاتهم مع من تراهم سورية خصما»، في إشارة إلى العلاقات التي تجمع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتأتي زيارة نجاد إلى سورية في وقت ترتفع فيه لهجة التهديدات المتبادلة في المنطقة، والتي يراد منها على ما ظهر من التصريحات التي سبقتها، وخلالها، توحيد «الجبهة» المناوئة لإسرائيل، إذ أكد الرئيس السوري في مؤتمر صحافي مع نظيره الإيراني «اننا اليوم في محطة نقيم فيها الوضع السياسي ونحن نرى المحطات السابقة التي مرت، وعلى الرغم من الإحباطات التي مررنا بها فإننا نقول إن المصلحة كانت للقوى المقاومة في هذه المنطقة»، مشيرا في المقابل إلى أن «الفشل أتى من الذين وقفوا في الجهة الأخرى». ولفت إلى أن «ما يحاولون تطبيقه على إيران بالنسبة إلى الملف النووي الإيراني سيسعون إلى تطبيقه على الدول الأخرى غدا». من جهته، أكد أحمدي نجاد أن طهران ودمشق لديهما أهداف ومصالح مشتركة وأعداء مشتركون، في ظل تحولات إقليمية، مشددا على أن «عامل الوقت يعمل لصالح شعوب المنطقة، والكيان الصهيوني ذاهب إلى الزوال وفلسفة وجوده قد انتهت وهو في طريق مسدود». وفي المقابل، تقول مارينا أوتاوي، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط بمؤسسة «كارنيغي»، إن أي مقاربة دبلوماسية أميركية فعالة تجاه إيران يجب أن تشمل بلدانا أخرى في منطقة الخليج، معتبرة أن «واشنطن لن تحقق النجاح إذا ما واصلت السعي إلى تشكيل تحالف مناهض لإيران». وترى أوتاوي أنه «لا ينبغي على الولايات المتحدة أن ترغم دول مجلس التعاون الخليجي على الانحياز إليها أو إلى إيران، ولا إلى العراق أو إيران»، مشيرة إلى أن لهذه الدول دورا مهما تؤديه في العملية الصعبة المتمثلة في إعادة دمج إيران في المجتمع الدولي».

وتأتي الاندفاعة الإيرانية في مسعى واضح لتطويق اندفاعة أميركية لافتة، تمثلت في خطوات قامت بها الإدارة الأميركية الجديدة حيال طهران، والسعي لتشديد العقوبات عليها، بالتوازي مع رفع الاستعدادات العسكرية الأميركية في منطقة الخليج العربي. ففي الوقت الذين كانت فيه وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تزور المنطقة، كان رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي الأدميرال مايكل مولن، يقوم بجولة مماثلة قال فيها بوضوح إنه يسعى لإقناع إسرائيل بلجم رغبتها في التحرك العسكري ضد إيران. وإذ نجحت السياسة الأميركية في جعل المواقف الروسية تقترب من الموقف الأميركي ضد إيران، والداعي إلى ضرورة فرض عقوبات على طهران، فإن واشنطن تأمل في الحصول على دعم صيني لموقفها الداعي إلى فرض عقوبات على طهران.

ورغم أن الزيارة التي قام بها نائب وزيرة الخارجية الأميركي وليم بيرنز إلى لبنان وسورية حملت «عناوين ثنائية»، فإن المسؤولين اللبنانيين الذين التقوا بيرنز قالوا إن محور البحث الأساسي كان «الملف النووي الإيراني»، باعتبار أن لبنان عضو في مجلس الأمن الدولي، وسيكون رئيسا له قريبا. وكشف مصدر لبناني بارز ل«الشرق الأوسط» أن بيرنز «وجه أسئلة واضحة» إلى مسؤولين لبنانيين عن موقف لبنان من العقوبات على إيران في مجلس الأمن، وحضهم على «درس الموضوع جيدا»، فيما لمحت مصادر أخرى إلى أن بيرنز كان واضحا في إعلان التزام بلاده ب«الإصرار على تنفيذ القرارات الدولية وبينها القرار 1559، وعدم نية واشنطن الضغط من أجل توطين الفلسطينيين في لبنان»، مشيرا إلى أن على اللبنانيين تنفيذ ما يتعلق بهم في مقابل التزام الدول الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة تنفيذ التزاماتها في هذا الإطار.

وتزامنت زيارة كلينتون للمنطقة مع حركة كثيفة في المنطقة، فقد سبقتها وتزامنت معها زيارات لكبار الدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين الأميركيين إلى المنطقة، بينهم نائب وزيرة الخارجية جيمس ستاينبرغ، ونائب وزير الخارجية الأميركية للشؤون الاقتصادية والإدارة جاكوب ليو، ووليام بيرنز، بالإضافة إلى مايكل مولن وديفيد بترايوس، وبالتزامن مع الجهد الدبلوماسي، نشرت الولايات المتحدة أنظمة صواريخ دفاعية متقدمة في أربعة بلدان خليجية عربية، وعددا إضافيا من السفن الحربية التي تحمل صواريخ متوسطة في مياه الخليج تحسبا لأي هجوم محتمل قد تشنه إيران. وقالت صحيفة «الغارديان» إن واشنطن سترسل مزيدا من صواريخ باتريوت الدفاعية لأربع دول هي قطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت، كما ستحتفظ بسفينتين حربيتين في الخليج قادرتين على إسقاط الصواريخ الإيرانية، كما ستساعد المملكة العربية السعودية على بناء قوة عسكرية قادرة على حماية منشآتها النفطية. أما «الإندبندنت» فرأت في هذه التحركات تأكيدا على فشل مبادرة أوباما لإعادة وضع العلاقات مع إيران على أساس جديد، حيث «يواجه التهديد الحربي بتهديد حربي مماثل بدلا من الثرثرة غير المجدية». وقالت إن تحول الإدارة الأميركية إلى سياسة الاحتواء العسكري مع تشديد العقوبات كان أمرا حتميا، وإنه ظهر في خطاب حالة الاتحاد للرئيس أوباما وفي تصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وقائد القيادة العامة الجنرال ديفيد بترايوس.

وقد وصفت إيران الأنباء عن قرار نشر الولايات المتحدة لمنظومة صواريخ دفاعية في أربع دول خليجية، بأنه «يعد ضربا من الاحتيال السياسي الجديد. ويقول الصحافي البريطاني المتخصص بالشؤون الإيرانية روبرت تيت، نقلا عن «محلل إيراني محنك»، إن ما حدث كان أوضح مؤشر لنظام طهران يبين أن إدارة أوباما قد تخلت عن الأسلوب الدبلوماسي في التعامل مع إيران، وعادت إلى المواجهة التقليدية التي سادت بين البلدين طوال السنوات الثلاثين الماضية. ويشير تيت إلى أن عملية نشر الدرع الصاروخية الأميركية على الضفة الأخرى للخليج يمكن أن تعزز موقف العناصر الراديكالية في الحرس الثوري، والتي تدعو لرد قوي يتجاوز حدود إيران إذا سمحت الدول العربية في الخليج لأميركا بإقامة قواعد عسكرية على أراضيها، مشيرا إلى أن الخط الرسمي في إيران يقوم على الآتي «إذا تعاونت دول الخليج مع أعدائنا ضدنا سنحتفظ عندئذ بحق الدفاع عن أنفسنا حتى لو اقتضى ذلك مهاجمتها».

ويوضح تيت أن حرس إيران الثوري كان قد أجرى دراسة بعد حرب العراق، خرج منها بدرس واحد هو أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه صدام هو محاولته الدفاع عن نفسه داخل حدود العراق. وهذا يعني بالنسبة لهم أن عليهم الآن الدفاع عن أنفسهم، ليس فقط داخل إيران بل وخارج حدودها أيضا إذا ما تعرضوا لأي تهديد، معتبرا أن الوجود الأميركي في الخليج والشرق الأوسط «يوفر فرصة وتهديدا للإيرانيين في آن واحد. فهم يرون في حلفاء الولايات المتحدة وقواعدها أهدافا محتملة من جهة ويعتبرونها أيضا تهديدا من جهة أخرى».

كذلك استأنفت الولايات المتحدة وإسرائيل حوارهما الاستراتيجي خلال لقاء بين مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيمس ستينبرغ ونائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون في القدس. وهذا اللقاء، وهو الأول على هذا المستوى منذ تسلمت إدارة الرئيس باراك أوباما مهامها، يتناول مسائل استراتيجية بالغة الأهمية. فيما أوضح متحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية أن المحادثات ستتمحور حول الخطر الذي يشكله البرنامج النووي الإيراني. وسيصل نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في مطلع مارس (آذار) المقبل إلى إسرائيل، فيما يعتزم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كما قال مسؤول حكومي إسرائيلي، القيام بزيارة إلى واشنطن للمشاركة في اجتماع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) أبرز لوبي يهودي أميركي، وقد يلتقي الرئيس أوباما في هذه المناسبة. وكان مستشار الأمن القومي الأميركي جيم جونز قال إن إسرائيل والولايات المتحدة تتشاوران عن كثب بشأن البرنامج النووي الإيراني. ووصف سلوك إسرائيل بأنه «مسؤول».

وقد نشر مركز الإجراءات الوقائية التابع لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية دراسة بعنوان «ضربة إسرائيلية محتملة لإيران» للباحث ستيفن سيمون، الذي أشار إلى أن «إسرائيل لن تسمح لأحد بأن يمحوها من الوجود وستتصدى له بكل قوتها». ولقد عبر المسؤولون الإسرائيليون عن خوفهم من دعم إيران للجماعات المسلحة والمعادية لإسرائيل، وأن نجاح إيران في كسب الوقت لامتلاك السلاح النووي وانتقال هذه التقنية لأيدي الجماعات المسلحة سيكون أهم الأسباب لتوجيه ضربة إسرائيلية لإيران.

وفى إطار رصده للمؤشرات التي تنذر باحتمال توجيه ضربة إسرائيلية لإيران، يشير سيمون إلى أن عنصر المفاجأة هو عنصر حيوي إذا ما قررت إسرائيل توجيه ضربة عسكرية لإيران. ويرى كذلك أن التعزيزات العسكرية الإسرائيلية في الفترة الأخيرة هي دليل قوي ومؤشر خطير على تطور موقف الإدارة السياسية في إسرائيل نحو اتخاذ قرار الهجوم، مشيرا إلى أنه في يوليو (تموز) 2008 قامت إسرائيل بتدريبات جوية عسكرية طويلة المدى تضم سربا مكونا من 100 طائرة، وكذلك تدريبات على عمليات الإنقاذ باستخدام طائرات الهليوكوبتر، وأيضا تدريبات على عمليات إعادة التزود بالوقود نظرا لطول المسافة بين إيران وإسرائيل ولضمان سرعة تنفيذ العملية، موضحا أن الاستعدادات الجوية ليست هي وحدها المؤشر، بل المؤشر المفاجئ هنا هو ما أرادت إسرائيل إبرازه للعالم وهو أن لديها خيار الهجوم البحري، وذلك من خلال مرور غواصات بحرية من قناة السويس في يوليو (تموز) 2009.

الشرق الأوسط

---------------*********--------------

مجزرة السجود الجماعي ...!!

غسان مصطفى الشامي

ghasanp@hotmail.com

مطرٌ، ودماء على الأرض، وغيوم في السماء، والناس تجري هناك وهناك ... أركان المكان وأرجائه بقع دماء .. سيارات وإسعافات تصرخ .. أغيثونا .. أغيثونا .. ومآذن مساجد خليل الرحمن تصدح بالحق المنير .. الله أكبر .. الله أكبر ..

هذهِ الكلمات الجَريحة وصفٌ بسيط لما حدث في ذلك اليوم المشؤوم في الخامس والعشرون من فبراير / شباط من العام 1994 عندما قام السفاح المجرم الصهيوني "باروخ غولدشتيان" بفتح نيران رشاشه صَوب المُصلين الرُكع السُجود فجر يوم الجمعة العظيم ..

هذه عقيدة بني يهود لا يَرقبوا فينا إلا ولا ذمة .. يَعيشون على دماء البشر ... ولا يُفرقون في قتلهم بين صغير ولا شاب ولا رضيع .. ويدمرون الحجر والشجر ..

الحرب بينا وبين بني صَهيون عَقائدية.. فهم يَكرهوننا ويَمقتوننا .. بل عندما يَسمعون مَآذننا تَصدح بذكر الحق .. الله أكبر ... الله أكبر ... يزدادون غضباً وحنقاً على كل العرب والمسلمين...

سجل بني صهيون الماضي والحاضر حافل بآلاف المجازر بحق المصلين الركع السجود.. ومساجد غزة ومآذنها خير دليل وشاهد ..

نعيش اليوم ذكرى أليمة على قلوبنا، ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف ، التي ارتقى فيه إلى العلا أكثر من خمسون شهيداً، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من ثلاثمائة جريح نزفت دماءهم في ذلك اليوم الأليم .

ها هم الصهيانية يحيون ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي بعد 16 عاما بجريمة جديدة بحق الآثار والتراث الإسلامي الفلسطيني، حيث قرر رئيس الحكومة " الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو ضم المسجد الإبراهيمي الشريف ومسجد بلال بن رباح على مدخل بيت لحم، إلى لائحة المَواقع الأثرية التاريخية "الإسرائيلية"، كَما رَصدت حُكومة الاحتلال مُوازنة تَبلغ أكثر من مائة مليون دولار أمريكي للحفاظ على 150 موقعا تاريخيا.

فيما قامت السلطات الإسرائيلية بالسابق بتقسيم المسجد الإبراهيمي الشريف إلى جزأين، أحدهما للمصلين المسلمين، والآخر للمتطرفين اليهود لأداء صلواتهم " التلمودية" ، وذلك منذ ارتكاب المجزرة بحقِِ المصلين المسلمين في الحرمِ الشريف.

إن هذا يا سادة يُمثل أكبر اعتداء على التاريخ والآثار الإسلامية بهدف طمس الحقيقة و تزيفها ، وطمس الحقائق عن عيون العالم، وتدمير المعالم التاريخية..

إنني في هذه الذكرى الأليم أوجه دعوة للمفاوض الفلسطيني بأن يتذكر المجازر " الإسرائيلي" بحق أبناء شعبنا الفلسطيني، وان يحافظ على التاريخ والآثار وأرض فلسطين الإسلامية من البحر إلى النهر، وألا يفرط بشبر من أرض فلسطين الحبيبة.

إننا إمام هذه الذكرى الأليمة بحاجة ماسة إلى الوحدة والتعاون من اجل الوقوف بوجه المؤامرات " الإسرائيلية "والدسائس التي تكال على القضية الفلسطينية والقدس والمسجد الأقصى المبارك..

أقولها للكثير من أبناء جلدتنا لا داعي للجري واللهب وراء بني يهود ومشاركتهم في احتفالاتهم وأعيادهم وتهنئتهم بها .. إن هذا تساوق وتأييد لاحتلال أرض فلسطين، ودعم للمشروعات الصهيونية الإجرامية من اجل الانقضاض على الأمة العربية الإسلامية والسيطرة على مقدرات وطننا العربي ..

يجب علينا أن لا ننسى أن الغرب وأعوانه زرعوا الكيان الصهيوني المسخ في فلسطين قلب العالم العربي الإسلامي لكي يفرقوا العرب ولكي يمنعوا وجود وحدة إسلامية متواصلة وأمة متكاملة لها تاريخ وجذور .. فهم يخافون من الإسلام هذا المارد ..

وهنا أذكر مقولة بن غوريون احد رؤساء " إسرائيل " " نحن لا نخشى الاشتراكيات, ولا الثوريات ولا الديمقراطيات في المنطقة نحن نخشى الإسلام هذا المارد الذي نام طويلاً, وبدأ يتململ من جديد" .

إلى الملتقى ،،

------------------***********---------------

التعصُّب ... ذلك السوس الذي ينخر عظام الحضارات

عمار علي حسن *

صحيفة الحياة – لندن - السبت, 20 فبراير 2010

لا يمكن لعاقلين أن يختلفا على أن التعصب آفة، لأنه يأكل عقل الفرد وروحه، ويشتت جهد الجماعة الوطنية في معارك فرعية، بعضها قد يتسع ويستفحل ليهدد مصير الوطن. لهذا علينا أن نتعلم كيف نتسامح مع الآخرين، وندرك أن هذه فضيلة لا يمكن التفريط فيها، وأنها كعادة كل الفضائل تقع في منزلة بين المنزلتين، أي في منتصف المسافة بين التعصب واللامبالاة.

إن التسامح هو صورة التكيف التي بمقتضاها تميل الجماعات المتعارضة إلى الانسجام المتبادل، وتحاشي الصراع من أجل التوصل إلى حل عملي، في ظل مبدأ عدم التدخل في معتقدات وتصرفات الآخرين التي لا يحبذها المرء، ولا تروق له. ومن ثم فإن عبارة «عِش واترك الآخرين يعيشون» تعتبر مثالاً مبسطاً وجلياً على التسامح. وتوجد درجات متنوعة لمبدأ عدم التدخل، أولها أن يتجاهل المرء الآراء والأفعال التي لا تُناسب طبيعته، وثانيها أن يعبر عن عدم تحبيذه لها، وثالثها أن يحاول دحض الآراء والأفكار التي لا يستسيغها.

والتسامح، الذي كرس الديبلوماسي والكاتب الإيطالي مايكل أنغلو ياكوبوتشي كتابه «أعداء الحوار: أسباب اللاتسامح ومظاهره»، لمدحه وتعظيمه، هو من القيم الأصيلة في ثقافة الديموقراطية، إذ إن الحريات الثلاث المرتبطة بالتفكير والتعبير والتدبير، تنطوي على تسامح مع المعارضة السياسية، أو مع الآخر المختلف معنا في الاتجاهات والتوجهات. ويوصم بالتعصب والاستبداد كل من يحاول أن يحرم المعارضين من التعبير اللفظي والحركي عن أنفسهم، ما دام قولهم وفعلهم لا يخالفان القانون، ولا يشكلان اعتداء على حريات ومصالح الآخرين.

وكتاب ياكوبوتشي هو نتاج خبرته العريضة التي استقاها من أعمال ومناصب متعددة شغلها في مسيرته الطويلة، فهو درس القانون والعلوم السياسية، وعمل في مطلع حياته ضابطاً في سلاح الجو الإيطالي، ثم قنصلاً في ملبورن وممثلاً دائماً لإيطاليا لدى الوكالة الدوية للطاقة الذرية في فيينا، ثم مستشاراً سياسياً لسفارات إيطاليا في دبلن وبكين وواشنطن، وسفيراً لبلاده في الجزائر واليونان والبرازيل، وبعدها متحدثاً رسمياً باسم الرئيس الإيطالي الأسبق ساندرو بريتني، فعضو المجلس التنفيذي ل «يونيسكو»، ورئيساً للمجلس التنفيذي للاتحاد اللاتيني.

ولو عدنا إلى الوراء قليلاً، نجد أن جون لوك وهو من كبار الفلاسفة المدافعين عن التسامح الديني في وجه تعصب الكنيسة وتجبرها، وضع في كتابه الصغير المهم «رسالة في التسامح»، مجموعة من الضوابط، التي لا يمكن تعديها حتى يصبح التسامح قيمة إيجابية، ولا ينزلق إلى التساهل أو اللامبالاة أو حتى ما هو دون ذلك بكثير. ومن هذه الضوابط رفض الترويج لمعتقدات وأصول تهدد بتدمير المجتمع، وإشاعة الإلحاد والفوضى، وتدمير بنية الدولة وتعريض مصالحها الوطنية للخطر، والتعدي على أموال الآخرين وحرماتهم، وإبداء الولاء لحكام أجانب، ما يعني خيانة الوطن، والخيانة ليست وجهة نظر، بل جريمة بشعة، لا يجب التساهل أبداً في عقاب مقترفيها.

وأقر الإسلام في نصه ثقافة التسامح بتأكيده على مبادئ الإخاء الإنساني، والاعتراف بالآخر واحترامه، والمساواة بين الناس جميعاً، والعدل في التعامل مع الناس بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية واللسانية، وإقرار الحرية المنظمة. وهناك عشرات الآيات القرآنية التي ترسخ هذه المبادئ. أما على مستوى الفلسفة الإسلامية، فربما يكون الكِندي من أكثر من أقروا ثقافة التسامح حين دعا إلى خمسة منطلقات هي: ضرورة البحث عن الحقيقة لذاتها، وعدم إحاطة رجل واحد بالحقيقة بل قد لا يحيط بها الجميع، وتعرض الكل للخطأ، كما أن الوصول إلى الحقيقة يتطلب مشاركة الناس جميعاً، وأن التسامح ضرورة من أجل تحصيل التقدم. لكن كثيراً من الممارسات التي قام بها أغلب حكام المسلمين، ومن تحلق حولهم من الولاة والأتباع، افتقدت إلى روح التسامح، وخالفت الكثير مما جاء في النص القرآني الكريم.

واختلف مفهوم التسامح في الماضي عما هو عليه الآن. فمن قبل اكتسى هذا المفهوم بطابع أبوي، ولم يكن ناجماً عن تطبيق مبدأ أو فكرة عظيمة وعميقة إنما مجرد سلوك فاضل، ما يعني أن هناك طرفاً لديه اليد الطولى على طرف آخر، وأنه يتسامح معه من قبيل العطف والشفقة أو فعل الخير. من هنا تبدو فكرة التسامح مرتبطة بالتعالي والازدراء بل والطغيان، إذ إننا حين نقول لشخص إننا نتسامح مع ما يفكر فيه، فهذا معناه أن تفكيره لا قيمة له، لكننا سنغض الطرف عن ذلك من قبيل المجاملة. أما اليوم فتغيرت النظرة إلى المفهوم منذ أن ارتبط بشعار «الحرية والمساواة والإخاء» الذي رفعته الثورة الفرنسية، حيث تخلى عن الطابع الأبوي، وأصبح يقوم على «الحق» الذي لا تفريط فيه، ويرتبط بالمواطنة، التي تعني عدم التمييز بين الناس على خلفيات تتعلق بالدين والمذهب والعرق واللغة والوضع الطبقي، ولا يرتبط بالمزاج الشخصي ويجعل منه أساساً لإقرار التسامح وكفالته.

وفي دورته الثامنة والعشرين التي استضافتها باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1995 اعتمد المؤتمر العام لمنظمة ال «يونيسكو» تعريفاً شاملاً للتسامح يرى فيه ما يلي:

1 - التسامح هو الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا، ولأشكال التعبير، وللصفات الإنسانية لدينا. ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال، وحرية الفكر والضمير والمعتقد. وإنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجباً أخلاقياً فحسب، إنما هو واجب سياسي وقانوني أيضاً. والتسامح هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام، يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب.

2 - لا يعني التسامح المساواة أو التنازل أو التساهل، بل هو قبل كل شيء اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته المعترف بها عالمياً. ولا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير القيام بهذه القيم الأساسية. والتسامح هو ممارسة يجب أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول.

3 - إن التسامح مسؤولية تُشكل عماد حقوق الإنسان والتعددية، بما في ذلك التعددية الثقافية، والديموقراطية وحكم القانون، وهو ينطوي على نبذ الدوغماتية والاستبدادية، ويثبت المعايير التي تنص عليها الصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

4 - لا تتعارض ممارسة التسامح مع احترام حقوق الإنسان، ولذلك فهي لا تعني تقبل الظلم الاجتماعي أو تخلي الفرد عن معتقداته أو التهاون بشأنها، بل تعني أن المرء حرّ في التمسك بمعتقداته، وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم. والتسامح يعني الإقرار بأن البشر المختلفين بطبعهم وفي مظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهم الحق في العيش بسلام، وفي أن يطابق مظهرهم مخبرهم، وهو يعني أيضاً أن آراء الفرد لا ينبغي أن تفرض على الغير.

وعلى رغم الإيجابية التي ينطوي عليها مصطلح «التسامح» فإن الناقد الإيطالي أمبرتو إيكو له فيه رأي سلبي لافت حيث يقول في معرض تقديمه لكتاب ياكوبوتشي: «هو مصطلح مبهم، وهو بإيحاز، مصطلح لا متسامح، حيث إنه يفترض بالفعل، وفقاً لرافضيه، بأنه يمكن لنا الاعتقاد بأن شخصاً ما غير مقبول بشكل أساسي، أو أنه أدنى منا مرتبة، ولذا فمن الأفضل تحاشيه، بيد أننا نتسامح معه من باب الأدب، أو إيثاراً لمبدأ السلامة». لكن إيكو يمقت العنصرية البدائية أو«اللاتسامح الحيواني» الذي يُعزى إلى أسباب بيولوجية، ويراه الأخطر بين ألوان التعصب قاطبة. إذ يمكن مواجهة «العنصرية العلمية» بإبداء الحجج العقلية المقنعة.

ويعود جانب كبير من اللاتسامح في رأي ياكوبوتشي إلى غريزة العنف لدى الإنسان، التي بدأت معه منذ بدء الخليقة، وهو عنف ذو طابع فلسفي وأخلاقي يتصل بالطبيعة البشرية، وبقدر الإنسان على الأرض، لكنه من الناحية العملية يأتي في صيغة مأزق سياسي في الغالب الأعم، وهو يتوزع على أربعة اتجاهات، تتعلق باللاتسامح الديني، المرتبط باليقين المطلق في تصور حقيقة تأتي من الله تعالى، واللاتسامح الثقافي وهو اليقين المطلق لحقيقة واحدة تنحدر من الآباء، واللاتسامح السياسي وهو اليقين المطلق لحقيقة واحدة تأتي من عند الرئيس، وأخيراً اللاتسامح الأيديولوجي وهو اليقين المطلق أيضاً لكن لحقيقة تأتي من العقل.

وينطلق ياكوبوتشي من هذا ليتتبع استمرار قيم اللاتسامح وأعراضه في الأديان والمذاهب والفلسفات والممارسات البشرية، في مشارق الأرض ومغاربها. وهو بحث عريض ومطول وعميق يصفه هو قائلاً: «بحثي هذا لا يسعى وراء عرض صنائع السوء، والنفس السوداء لهذا الدين أو ذاك، أو لأيديولوجية أو لأخرى، أو لعرق أو لآخر، أو لحركة سياسية أو لأخرى، بل إنه يسعى للتأكيد على أننا كلما مددنا أعيننا في الزمان والمكان، أدركنا أنه لا يوجد بشر أو شعوب، فقط من حيث الجوهر، أخيار أو أشرار، وأنه لا توجد عقائد أو أيديولوجيات حسنة تماماً أو سيئة تماماً، بل يوجد فقط أناس على قناعة راسخة بأن بعض الأفكار تمثل الخير المطلق، والأفكار المعارضة تمثل الشر...».

ويعود اللاتسامح الذي تنتجه الممارسات الدينية المجافية لمقاصد الأديان وغاياتها، في نظر ياكوبوتشي إلى ثلاثة أسباب رئيسة، أولها: تسييس الدين، وهو بدأ في اتحاد مهام الحاكم والكاهن في شخص واحد أو التحالف بينهما، الذي استمر قروناً عانت فيها شعوب الغرب من تبادل المنافع بين السلطتين الكنسية والزمنية، وتسخير مختلف السلطات للدين بتحويله إلى أيديولوجيا واستغلاله في كسب الشرعية، والتلاعب بالجماهير، ورفع الغطاء عن المعارضين باتهامهم بالرفض أو الهرطقة أو الردة. وثانيها: هو قيام بعض رجال الدين في المسيحية واليهودية، بالحيلولة دون العلاقة المباشرة بين الإنسان وربه، عبر الكهنوت. وقيام بعض علماء الدين ورموزه في الإسلام بمحاولة لعب الدور نفسه. أما السبب الثالث، فهو قيام أتباع كل دين برفض «الأغيار» أو أتباع الديانات الأخرى، فاليهودية رفضت المسيحية، والأخيرة ترفض الإسلام، والأخير لا يرفض الاثنين لكنه يعتمد مساراً معيناً لهما، انطوى عليها القرآن الكريم، الذي يقول: «لا نفرق بين أحد من رسله».

كما أن أتباع الديانات السماوية الثلاث يرفضون الأديان والمذاهب الوضعية، ويطلقون على أتباعها اسم «الوثنيين». وقد بلغ هذا الرفض ذروته في مصر القديمة، حيث تم هدم معابد المعرفة الكلاسيكية، وتحويلها عنوة إلى كنائس، علاوة على قتل العلماء والفلاسفة، وفي مقدمتهم هياباتيا. وهنا يقول ياكوبوتشي: «بداية من عام 609 م، ومع تكريس البانثيون في روما أثناء بابوية بونيفاتشو الرابع بدأ افتتاح كنائس عديدة فوق المعابد، كنيسة تلو أخرى». ثم يسرد موجات أخرى من التعصب باسم المسيحية، مثل الصراع بين المسيحيين أنفسهم حول الثوابت العقدية، وموضوعات الهرطقة الكبرى، ثم حرب الفرنجة التي رفعت شعار «الصليب»، وبعدها محاكم التفتيش في القرون الوسطى، والتي تعد أكثر النقاط سواداً في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وتلاها مطاردة الساحرات، ثم ظهور البروتسانتية التي أدت إلى أن تصير أوروبا مسرحاً لحرب دينية طويلة، أظهر فيها الطرفان أدلة متساوية على البشاعة والغلظة، لم تنته الفصل الأكثر دموية فيها إلا مع صلح وستقاليا عام 1648 الذي أنشأ مجتمعاً دولياً جديداً يقوم على أساس الدولة القومية.

لكن قيام الدولة القومية وانتشار التحديث والحداثة لم يقضيا على الأصولية المسيحية، التي ولدت في الولايات المتحدة، وظلت تترعرع فيها حتى أوصلت أحد رجالها وهو جورج بوش إلى سدة السلطة، والذي سعى إلى تنفيذ أكثر أطروحات الإنجليين تعصباً، باحتلال العراق وأفغانستان، لتعبيد الطريق أمام الحرب الأخيرة التي تشهد عودة المسيح، كما يعتقد هؤلاء. وجاءت الأصولية الإسلامية لتجنح بعيداً عن تعاليم الإسلام التي تحض على الرحمة، وتؤمن بحرية الاعتقاد، وتمنع الواسطة بين الإنسان وخالقه. وأخذت هذه الأصولية، لاسيما في شقها السياسي، تنتج خطاباً معادياً للآخر، سواء من بين المسلمين الآخرين، الذين يشكلون التيار العريض والعام من بين شعوب العالم الإسلامي، أو أتباع الجماعات والتنظيمات الإسلامية الأخرى، دعوية كانت أم مسيسة، أو أتباع الديانات الأخرى.

أما التعصب المبني على الثقافة، فيتعلق بالإجابة على تساؤلات محورية من قبيل: كيف يمكن قتل شخص ما لمجرد أنه مختلف عنا؟ وما هو الشيء الذي يعطي كلمة ثقافة القوة نفسها التي يتصف بها التعصب الديني؟ ويدور حول اتجاهين رئيسيين أولها يطرحه عالم الأنثربولوجيا جيمس لوفلوك ويرى أن الإنسان سفاحاً بطبعه، وأن غريزة الصراع ولدت معه وتظل مدفونة في جيناته الوراثية. وثانيها يبديه جان جاك روسو الذي ينظر إلى الإنسان بوصفه «المفترس الطيب» الذي صار عنيفاً بالتدريج بسبب تأثير المجتمع.

وينحصر اللاتسامح الثقافي في متقابلات ومفاهيم وتصوات من قبيل الأنا والآخر، والرغبات المتعاظمة في إثبات الذات، والدفاع الأعمى عن الهوية، والتمركز حول الجماعة، والتخوف من الأيديولوجيات المضادة، مثل الهواجس المتبادلة التي كانت بين الشيوعية والرأسمالية، والتي طالما صبت مزيداً من الزيت على نيران صراعات عديدة في العالم، ثم فكرة صدام الحضارات التي صاغها صمويل هنتنجتون ليبرر بها سياسات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية.

وهناك أيضاً فكرة «خلق العدو» أو تفصيله على المقاس، المتوارثة منذ قديم الزمان. فالإغريق الأقدمون تحدثوا عن التهديد الفارسي، والرومان تكلموا عن خطر أهل قرطاجنة، وتناول الأوروبيون في زمن نهضتهم أحاديث مسهبة عن العدو التركي، ثم شهدنا الخطر الأصفر، ومن بعده الأحمر، وأخيراً «الخطر الإسلامي»، الذي لم يقتصر على تبشيع تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات السياسية المتطرفة ذات الإسناد الإسلامي، بل امتد إلى غيرهم من المسلمين.

ويأتي اللاتسامح العرقي ليريق دماء غزيرة في تاريخ الإنسانية، بدءاً بما جرى للهنود الحمر لدى اكتشاف أميركا في 1492 على أيدي الإنكليز والفرنسيين والأسبان والبرتغاليين، وانتهاء بما وقع للمسلمين في البوسنة والهرسك على أيدي الصرب، مروراً بالصراعات العديدة في القارة الأفريقية مثل ما جرى لليهود على يد النازي، وما وقع بين الهوتو والتوتسي في رواندا وبورندي، وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين.

وإذا أمعنا النظر في الجانب الثالث المتعلق باللاتسامح المستمد من اليقين العقلي، فنجد أنه على الرغم من أن العقل يبدو للوهلة الأولى مناصراً للحوار ومرادفاً للحكمة والاعتدال والانفتاح ومؤمناً بالشك الذي هو توأم التسامح، فإنه لا يخلو من إنتاج التعصب. ويظهر هذا في لا تسامح الأنظمة الشمولية المستمدة من الإيديولوجيات مع ادعاء العقلية أو حتى العلمية، ولا تسامح العنصرية التي تتوهم أن لون البشرة أو شكل الجمجمة هو سر التميز أو الانحطاط، وتسعى إلى البرهنة على ذلك بقياسات علمية مزعومة، ترمي بها إلى التحايل على مبدأ المساواة، والاستمرار في عمليات التمييز والقهر. وفي ظل هذا يقوم بعض الأيديولوجيين والسياسيين بالضغط على علماء لتوفير معطيات حسب الطلب تخدم الرؤى والمسالك التمييزية، وقد يحدث العكس حين يشعر الأيديولوجيون والسياسيون بالرعب من تبعات الاضطهاد العنصري، ويلجؤون إلى العلماء ليوفروا أدلة على المساواة بين البشر.

أما اللاتسامح السياسي فتنتجه الأنظمة المستبدة والشمولية، التي يميز بعضها بين المواطنين على أساس النوع أو العرق أو الدين أو اللغة أو الجهة أو اللون، ويقوم بعضها بممارسة أقصى وأقسى درجات التعصب ضد قطاعات من الجماهير باستبعادها وتهميشها. ولا يبدو أن هناك من سبيل لإنهاء اللاتسامح السياسي سوى التعمق في الديموقراطية، على مستوى المفاهيم والتطبيقات، لأن الديموقراطية، مثل التسامح، هي وسيلة وحل وسط لتحقيق أقصى خير ممكن لأكبر عدد ممكن من الناس، من زاوية احترامها للمختلفين في الرأي والموقف.

وما ورد في الكتاب يجعلنا نقول بصراحة ووضوح جليين إن ترسيخ قيمة «التسامح» باتت ضرورة في العالم العربي، الذي يواجه استراتيجيات «الفوضى الخلاقة» وتتعرض بعض بلدانه للتجزئة والتقسيم جراء التعصب المذهبي والعرقي واللغوي، ويستشري العنف الاجتماعي في بعض أقطاره حتى صار مرضاً مزمناً. كما أنه ضروري لنزع الأوهام والحمولات الزائفة والافتراءات التي لصقتها قوى معينة في الغرب بالإسلام، إما لوقف تمدده في القارة الأوروبية، أو لتبرير الموجة الجديدة من الاستعمار. لكن في المقابل فإن العرب بحجة ماسة إلى التخلص من أي مسرب ولو ضيق يودي بهم إلى الوقوع في «التساهل»، الذي طالما أضاع حقوقهم ابتداء من «سايكس بيكو» وحتى «أوسلو»، ولا يبدو في الأفق طريق لاستردادها إلا بالإيمان القاطع والجازم بأن التفريط بدعوى «التسامح» و«قبول الآخر» فكراً وجسداً وقوة، رذيلة يجب أن تدفن إلى الأبد، وأن «التطبيع» مع العدو الصهيوني هو أقصى درجات هذا التفريط.

* كاتب مصري

--------******-------

إعلان دمشق: أنقذوا حياة هيثم المالح

موقع أخبار الشرق – الثلاثاء 23 شباط/ فبراير 2010

دمشق – أخبار الشرق

دعا إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في سورية إلى العمل على "إنقاذ" حياة الناشط الحقوقي البارز المحامي هيثم المالح الذي يعتقل منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والذي حركت السلطات السورية بحقه قضية جديدة

وبدأت الاثنين الماضي أولى جلسات محاكمة جديدة بحق المحامي المالح (79 عاماً) أمام قاضي الفرد العسكري الأول بدمشق بتهمتي تحقير رئيس الجمهورية ووالده الراحل، وذم إدارات عامة، وذلك استنادا إلى إخبار قدمه أحد السجناء الجنائيين ويدعى أحمد نهار إلى إدارة السجن.

وقالت الأمانة العامة لإعلان دمشق في بيان إن "التهم الجديدة الملفقة مبنية على تقرير كيدي لسجين قضائي، قامت إدارة السجن بتنظيم ضبط بموجبه. وبغض النظر عنها وعن مجريات المحاكمة، فقد لاحظ بعض من تيسر لهم حضور الجلسة، من بين المتضامنين من الناشطين والأهل والمحامين (وبينهم محاميان إيطاليان من الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان) والدبلوماسيين الأجانب، أن الأستاذ المالح كان في وضع صحي متدهور، يكاد لايسمع له صوت من شدة وهنه وضعفه العام، وهو لايحصل على الرعاية الصحية والأدوية الضرورية له".

ونفى المحالح التهم الموجهة له ونُقل عنه قوله للقاضي: "لا صحة لما نسب إلي ولم أقدم على التلفظ بأي عبارة تسيء إلى السيد الرئيس أو أي عبارة قدح، إذ ليس من عادتي هذا الأسلوب الهابط، وان اتهامات أحمد نهار غير صحيحة وأعتقد أنها بقصد الابتزاز". بعدها قرر القاضي تأجيل القضية إلى جلسة 28/2/2010 وذلك من أجل الاستماع إلى شهادة السجين أحمد نهار بصفته شاهداً للحق العام ومقدم الإخبار بنفس الوقت.

وقال البيان: "إن الأمانة العامة لإعلان دمشق التي تؤلمها حالة هذا الحقوقي الكبير والشيخ الجليل الذي قارب الثمانين من عمره، إذ تعبر عن شجبها الشديد لهذه المعاملة اللاإنسانية والمتعارضة مع أبسط شروط الاعتقال القانوني، فهي تستنكر إحالته ثانية إلى المحاكمة بقصد التنكيل والإذلال، و تدعو جميع هيئات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في الوطن والعالم، وكذلك جميع المهتمين وذوي الضمائر الحرة، إلى رفع الصوت عاليا والتدخل من أجل إنقاذ حياة الأستاذ المالح، ومن أجل إيقاف هذا المسلسل الكيدي تجاه معتقلي الرأي السوريين والمتمثل بإضافة تهم حديدة لهم وهم داخل المعتقل، كما جرى مع الدكتورين كمال اللبواني ووليد البني والأساتذة أنور البني وفائز سارة، وكما يجري حاليا مع الأستاذ المالح".

وكان المالح قد اعتقل في 14 تشرين أول/ أكتوبر الماضي وأحالته في 27 تشرين أول/ أكتوبر الماضي إلى النيابة العسكرية التي استجوبته حول عدد من اللقاءات الإعلامية ومجموعة من المقالات التي كتبها. وفي 31 كانون الثاني/ يناير الماضي رفضت محكمة النقض الطعن المقدم من قبل هيئة الدفاع عن المالح وصدقت القرار الصادر عن قاضي التحقيق العسكري الاول، والذي قضى باتهام المحامي هيثم المالح بجناية "نشر أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة" والظن عليه بجرم ذم إدارة عامة، الا انه منع محاكمته بجنحة الاساءة لرئيس الجمهورية. وسوف تحدد جلسة لمحاكمته أمام محكمة الجنايات العسكرية في وقت لاحق.

والمالح من مواليد دمشق 1931 حاصل على إجازة في القانون، ودبلوم القانون الدولي العام، بدأ عمله كمحام عام 1957، واعتقل لمدة 6 سنوات بين عامي 1980 - 1986 مع عدد من المحامين والناشطين السياسيين المعارضين بسبب مطالبته بإصلاحات دستورية، وساهم المالح في تأسيس جمعية حقوق الإنسان في سورية.

--------******-------

الشباب يشكلون 67% من عمالته .. الحكومة تطلق صافرة البدء لتقليص اقتصاد الظل

دمشق

اقتصاديات

الأربعاء 24-2-2010م

مرشد النايف

شهد مطلع الشهر الجاري التأسيس رسميا لآليات عمل مشروع تنظيم القطاع غير المنظم في سورية , فقد تم توقيع وثيقة « التمكين المؤسساتي وتنظيم القطاع غير المنظم» بين هيئة تخطيط الدولة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (U N D P ) ,

وهذا الحدث هواخرالاخبار عن التوجهات الحكومية لتقليص مساحات اقتصاد الظل المحلي. ومنتصف اذارالمقبل سيكون المشروع قد استكمل كادره الفني.‏

ووفقا للدكتور أسامة ماء البارد , مديرمشروع تنظيم القطاع غير المنظم, التابع لرئاسة مجلس الوزراء, فان وثيقة» التمكين المؤسساتي وتنظيم القطاع غير المنظم» التي وقعت أوائل الشهر الجاري تعني ان البدء في العمل أصبح واجب التنفيذ , والبدء سيكون رقميا , من خلال المسوحات الإحصائية الميدانية والتحليل الإحصائي , وهذه العمليات ستجري في محافظات ( دمشق وريفها – حلب- حمص- اللاذقية- الحسكة).‏

تحقيق الاهداف بنسبة60%‏

ويتوقع ماء البارد الا تظهر نتائج المشروع قبل مرور 4- 5 سنوات , ومرد ذلك ان الاعمال الإحصائية ستطول كل قطاع محلي غير منظم, ويعتبر مدير المشروع ان العملية الإحصائية هي التحدي الأكبر في حيثيات العمل, بسبب تنوع الشرائح التي سيطولها المسح, وفي ذات السياق يتوقع ماء البارد انه بعد مرور خمس سنوات من نفاذ العمل , يمكن للمشروع ان يحقق أهدافه بنسبة تتراوح بين 60-70 بالمئة , وبالمقابل تحفظ مدير المشروع عن النسبة المستهدف تقليصها من القطاع غير المنظم بنهاية عمل المشروع.‏

ويضيف ماء البارد في حديثه ل « الثورة» ان وثيقة « التمكين» ترتكز على أربعة مكونات أولها رسم خارطة تواجد القطاع غير المنظم في سورية , لمعرفة حجم هذا القطاع في الأنشطة الاقتصادية المختلفة , بغية التوصل الى المعلومات المطلوبة, وسينجز هذا المكون خبراء محليين وأجانب بالتعاون مع المكتب المركزي للإحصاء . ويستهدف المكون الثاني تنظيم حملات توعية للقطاع غير المنظم للتعريف بمخاطره , وعقد مؤتمر للمانحين لجمع الموارد المالية اللازمة لتنفيذ المشروع.‏

فيما يستهدف المكون الثالث القيام بدراسات جدوى اقتصادية واجتماعية وبيئية لقياس مدى اثر تنظيم القطاع غير المنظم على مجمل الأنشطة الاقتصادية المحلية كالزراعة والصناعة والخدمات. والمكون الرابع سيتضمن التوصيات والنتائج التي تم حصادها من المكونات الثلاثة السابقة, وذلك للبدء بعملية دعم القطاع غير المنظم.‏

وتبلغ كلفة انجاز المشروع , على مدى عامين 475 الف دولار أمريكي مساهمة الحكومة السورية فيها تبلغ 300 الف دولار و 50 ألف دولار من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي , والباقي سيتم تأمينه لاحقا.‏

بعيدا عن سجلات الحكومة‏

التناقض هو السمة المكونة الأولى لاقتصاد الظل, فهو يجمع الاعمال الشريفة والقذرة في سلة حسابية واحدة , فبائع الكلسات في الشارع ,يتساوى ,من منظور اقتصاد الظل, مع المهرب الذي يخرج ويدخل سلعا من والى دول الجوار. والخيط الناظم لممارسة اقتصاد الفيء هو تفويت الموارد على الخزينة العامة وحجب بيانات وأرقام صحيحة تستهدي بها في خططها المستقبلية.‏

واقتصاد الفيء ليس حكرا على دولة بعينها , مهما كانت سويتها الاقتصادية, فهو منتشر في جميع الدول والفارق الوحيد بين دولة واخرى , هو نسبة تفشيه فيها.‏

ومنذ فترة قريبة تناقلت وسائل إعلام محلية ان اقتصاد الظل يستحوذ على نسبة 40 بالمئة من حجم الأنشطة الاقتصادية في سورية , ليعلن على اثرها,وزير المالية, الدكتور محمد الحسين , ان نسبة الاقتصاد الخفي تتراوح بين 30- 35 بالمئة فقط , وهذا يعني ضم هذه النسبة الى مجمل الناتج الإجمالي المحلي لسورية.‏

وفي سياق متصل نشير الى دراسة أنجزها مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية عن القطاع غير المنظم في سورية تناولت حصته من إجمالي تشغيل اليد العاملة, وتوزيع العاملين فيه حسب القطاعات.‏‏

الشباب يستفيئون في الظل‏

ففي عام 2007 كان قطاع البناء والتشييد يستحوذ على الحصة الأكبر من القطاع غير المنظم في نشاطه , ووصلت نسبة غير المنظمين فيه الى 83% تلاه النقل والمواصلات بنسبة70% فالزراعة والصيد 64%,‏

وأشارت الدراسة أن غالبية عمال القطاع غير المنظم هم من شريحة الشباب، ففي عام 2007بلغت عمالة من تقل أعمارهم عن 34 عاما ما نسبته 67% من إجمالي عمال « الظل»، ووصلت نسبة الكهول ممن يتجاوزون 50 عاما 7% فقط, في حين حازت فئة صغار السن ممن تراوح اعمارهم بين 15- 17 على نسبة 6%.‏‏

ولفتت الدراسة ان نسبة من يحصلون على دخل شهري يتجاوز 8000 ليرة وصلت الى 42% من إجمالي العاملين في القطاع الخاص المنظم, وتتقلص هذه النسبة في القطاع الخاص غير المنظم الى مستوى 30% فقط , وبلغت نسبة من تقل أجورهم الشهرية عن 5000 ليرة نحو 19% في القطاع الخاص المنظم, و22% في القطاع الخاص غير المنظم.‏

و المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة تحوز السبق في مزاولة اقتصاد الظل وتصل نسبة المشتغلين, منها, في « الفيء» إلى 95% من إجمالي المنشآت .ووفقا لبيانات وزارة الصناعة هناك101 ألف منشأة(من أصل 153 ألف منشاة) تمارس « صناعتها وتجارتها» بعيدا عن دفاتر الحكومة.‏‏

--------******---------

يصل لنحو 5 آلاف دولار

سورية تحتاج لعشرين عاماً ومعدل نمو 8.5% حتى تصل لمعدل دخل الفرد الماليزي

24/02/2010

كتب زياد غصن

قال باحث اقتصادي إن محاولة سورية اللحاق بدخل الفرد في ماليزيا عام 2008 يتطلب منها تحقيق معدل نمو في دخل الفرد يصل لنحو 6.3% خلال السنوات العشرين القادمة أي بمعدل نمو إجمالي قدره 8.5% الأمر الذي يتطلب رفع معدلات الإنتاجية بشكل كبير.

و أضاف ربيع نصر في مقاربة للحالة النمطية مع الفعلية للتحول الهيكلي في سورية، و ذلك خلال محاضرة له في ندوة الثلاثاء الاقتصادية،أنه من خلال مقارنة النمط المعياري مع الفعلي فغن الاقتصاد السوري يحقق تفوقاً في مجال الادخار والاستثمار و التجارة الخارجية و يضاف إلى ذلك معدلات ايجابية للتمدرس والأمية و وتوزيع الدخل، إلا انه يعاني من ضعف في حصة قطاع الصناعة التحويلية من الناتج ومن العمالة، ومن جهة أخرى فإن معدل مشاركة في قوة العمل يعد ضعيفاً خاصة عند الإناث كما أن معدلات البطالة تعد مرتفعة نسبياً.

و ذكر انه إذا ما أردنا المقارنة مع الفئة المستهدفة للمستقبل أي مع الدول الصغيرة و المصنعة و المنفتحة مع دخل يبلغ 5 آلاف دولار للفرد بأسعار 2000( قريب من دخل الفرد في ماليزيا وتركيا) تظهر الايجابية الرئيسية المتعلقة بتوقع الحياة عند الأفراد، إلا أن الفجوات تصبح أكبر فيما يتعلق بمعدلات الاستثمار والادخار ومشاركة في قوة العمل و الصناعة التحويلية ونسب الأمية و التمدرس، مشيراً في هذا السياق إلى أن اللحاق بدخل الفرد في ماليزيا عام 2008 يتطلب منها تحقيق معدل نمو في دخل الفرد يصل لنحو 6.3% خلال السنوات العشرين القادمة أي بمعدل نمو إجمالي قدره 8.5% الأمر الذي يتطلب رفع معدلات الإنتاجية بشكل كبير.

محاضرة نصر التي حملت عنوان (التحولات الهيكلية في إطار الخطة الخمسية العاشرة) بدأها الباحث الشاب بتعريف التحول الهيكلي و الذي يتمثل في تعريف واسع هو : مجموعة التغييرات الاقتصادية و المؤسساتية الضرورية لاستمرار نمو الدخل القومي(شينيري 1989) و تعريف ضيق وهو الذي تبنته دراسة نصر و يقول أنه عملية زيادة تراكم رأس المال المادي و البشري و تغيير هيكلية الطلب و الإنتاج و التجارة وتوسع للحضر ومعدلات أمية أقل وحياة أطول بالتوازي مع زيادة مستوى دخل الفرد للوصول إلى مرحلة تنموية متقدمة(شينيري 1989).

ثم تطرق إلى النظريات التي تعرضت لأنماط التحول الهيكلي و المنهجية و النموذج التي اعتمدت في دراسته ( نموذج شينيري) و الذي يحدد العلاقة بين مستوى الدخل و التغير الهيكلي.

و صنف متغيرات التحول الهيكلي في خمس فئات هي:

-الإنتاج

-الطلب

-التجارة

-العمالة

-المتغيرات السكانية و الاجتماعية

--------******---------

مرسوم العفو ليس عاماً.. ولا يشمل قضايا النشاط العام.. وسجناء الرأي والضمير

تصريح من الناطق الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين في سورية

تعليقاً على المرسوم رقم (22) الصادر بتاريخ / 23/ 2/ 2010 القاضي بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره.. أدلى السيد زهير سالم الناطق الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين في سورية، بالتصريح التالي:

 توضيحاً للرأي العام، وللمتابعين المهتمين الذين اتصل كثيرٌ منهم مستفسراً عن حقيقة العفو العام الذي تناقلته بعض وسائل الإعلام، كما اتصل بعضهم مهنئاً بما ظنه استجابة من النظام الحاكم لمقتضيات السياق العام في المنطقة، وحاجة سورية إلى وحدة الصف، ومداواة الجراح..

نبين أن العفو المشار إليه بالمرسوم المذكور، لا يمكن أن يوصف بأنه عفو عام.. لأنه اقتصر على بعض الجنح والمخالفات، وعلى حالات الفرار من خدمة العلم، بالإضافة إلى بعض الحالات الخاصة المتعلقة بكبار السن، أو المصابين بأمراض لا يرجى لها شفاء.. ولأنه استثنى من أحكامه قضايا التعبير عن الرأي، والقضايا السياسية..

إن جميع فقرات المرسوم المذكور لا تتناول أي جانب من جوانب الحياة العامة التي أسنت فيها الجراح، وأصبحت حالة مقلقة للرأي العام العربي والوطني على السواء.

إن الاستفسارات العديدة التي تلقيناها من الأصدقاء، ومن الجاليات السورية والعربية في مختلف الدول، ومن شخصيات عامة لها مكانتها ودورها.. كلها تؤكد على اهتمام الرأي العام العربي بسورية وبأوضاع حقوق الإنسان فيها.

كثيرٌ من التساؤلات كانت حول الأستاذ هيثم المالح ابن الثمانين عاماً، والمعتقلات من النساء وفي مقدمتهم السيدة فداء الحوراني، فلا يزال للمرأة حظها من خصوصية الكرامة في الوعي العربي، وكذلك عن معتقلي الإخوان المسلمين، والتيار الإسلامي، وقيادة إعلان دمشق.. وعن مدى استفادتهم من هذا العفو (العام)!.

وبياناً لكل هؤلاء الأعزاء الذين تساءلوا عن حقيقة مرسوم العفو العام، وللكثيرين الذين تلقوا المعلومة باستبشار.. نوضح للرأي العام أن المرسوم التشريعي رقم (22) وتاريخ 23/2/2010، ليس عفواً عاماً بأي مفهوم من مفاهيم هذا العنوان..

وأن المرسوم التشريعي المذكور لا يتضمن في تطبيقاته العملية حالة الموقوفين والمعتقلين والمحكومين بالمحاكم الاستثنائية، على خلفية عقائدهم الدينية، وآرائهم السياسية، وأنشطتهم الإنسانية..

وإننا نقدر أن سورية، في الخضمّ الذي تعيش فيه، وفي إطار ما يسمعه الشعب السوري والرأي العام العربي، من إلحاح على التفاهم مع العدو الصهيونيّ، وداعميه العالميين، نقدّرُ أن سورية بحاجة إلى سياساتٍ داخليةٍ أكثر عقلانية، وأكثر قدرة على استيعاب المتغيرات، والاختلافات..

إنّ سورية بحاجة إلى ما هو أكثر من عفو عام أو عفو خاص، مع أن هذا العفو لم ينجز بعد. وإن كنا - في حال إنجازه، ولأسباب إنسانية محضة - سننظر إليه على أنه خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح.

لندن في 24/2/2010

المركز الإعلامي

لجماعة الإخوان المسلمين في سورية

--------******---------

ذكرى الوحدة العربية/ مصر وسوريا ما كان يجب أن تسقط (*)

منير شفيق

السفير

سأبدأ بنقد النقد الذي وُجّه ضد الوحدة المصرية السورية، وأوجد المسوغات للانفصال، واعتبره الجواب الطبيعي لما أسماه أخطاء الوحدة.

لقد ارتكز أغلب ما وُجّه من نقد على:

1 اتهام الوحدة بالارتجال والاستعجال، فيما كان يجب أن تتم بالتدرج وتهيئة مجموعة شروط مسبقة، وفي مقدمتها الشرط الاقتصادي، كما المصلحة الاقتصادية الآنية.

2 اتهام نظام الوحدة بالاستبداد والدكتاتورية، وعدم إقامتها على أساس نظام ديموقراطي.

3 الإكثار من التركيز على أخطاء البيروقراطية المصرية في تعاملها مع النخب السياسية والبيروقراطية السورية. فيشار إلى العليائية والتمييز والإهمال وعدم المشاركة في القرار.

4 اعتبار الانفصال قد تم بإرادة شعبية سورية وليس من خلال انقلاب عسكري مشبوه قام ضد الإرادة الشعبية السورية والمصرية والعربية، وبدعم مباشر، وغير مباشر، من أميركا والغرب وإيران وتركيا وعدد من الدول العربية الأخرى. بل حتى بدعم من الاتحاد السوفياتي السابق كذلك.

نظرة سريعة إلى هذا النقد وما شابهه، وما يدخل في نطاقه لا علاقة له بتجارب كل الوحدات التي قامت في التاريخ الحديث. فالغالبية الساحقة من الوحدات القومية فرضت بالقوة المسلحة، وحمتها القوة المسلحة، ثم كان التدرج وتوفير الشروط الأخرى في ظلها. بل ما يُشار إليه من اتهامات حول الوحدة المصرية السورية، لو صحّ، لا يُشكل عُشر معشار أمثالها وقرائنها في الوحدات الأخرى التي لم يكن مصيرها الانفصال.

إن من يتأمل بألوان النقد الذي وجه للوحدة لا بد له من أن يخرج بأن قيامها كان خطأ، وان الانفصال كان لا بد منه، وهو الأفضل من استمرار الوحدة على ما كانت عليه من علاّت.

أما النتيجة الثانية التي سيخرج بها، فهي عدم الإقدام على وحدة، ما لم تؤمن الشروط الديموقراطية والاقتصادية والإدارية والقانونية، والتدرجية، أي مجموعة شروط تعجيزية لم تتوافر لأية وحدة قومية من قبل.

والنتيجة الثالثة إسقاط أهمية القرار السياسي وإرادة الوحدة وميزان القوى المناسب من الداخل ومن الخارج العالمي والإقليمي.

إن هذه النتائج الثلاث كانت، عن قصد أو من دون قصد، في خدمة التجزئة والبرنامج القطري الضيق. وها نحن أولاء نعيش في أكثر حالات القطرية والتجزئة جنوحاً. بل أوصلت الدولة القطرية نفسها الآن نتيجة الإيغال في القطرية والابتعاد عن الوحدة وعن أي مستوى من التضامن الوحدوي إلى مرحلة تفكك الدولة القطرية وإلى تعاظم التبعية، في أكثر الحالات، إلى الخارج، وإلى العجز أو التخاذل أمام المشروع الصهيوني. ولولا ما انبثق من مقاومات وممانعات متعددة لكان الانهيار شبه كامل. أي لو ترك الأمر للدول القطرية.

وهنا يجب التأكيد على ما يلي:

أولا: قامت الوحدة بقرار سياسي شجاع من قيادتي مصر وسوريا. فكانت قيادة مصر بقيادة عبد الناصر قيادة وحدوية مقدامة حققت إنجازات على طريق التحرير والاستقلال وصد العدوان. وكانت القيادة السورية مناضلة حققت إنجازات في الصمود ضد مؤامرات حلف بغداد والتهديدات الصهيونية.

وكان ميزان القوى من حول مصر وسوريا مؤاتياً، إذ اتسم بانهيار الاستعمار القديم بريطانيا وفرنسا، وبسعي أميركا للحلول مكانه في مستعمراته السابقة، وصعود الاتحاد السوفياتي قوة عالمية، لا سيما بعد تفجيرها للقنبلة الهيدوجينية وإنذارها الحاسم ضد العدوان الثلاثي.

هذه المعادلة سمحت، وضد القرار الدولي، بالإقدام على وحدة مصر وسوريا وبدعم شعبي مصري سوري عربي لم يتوافر مثله لأية وحدة أخرى، ولا في ظل أي استفتاء ديموقراطي، لإقامة وحدة حتى على طريقة الاتحاد الأوروبي الحالية. علماً بأن الاتحاد الأوروبي اتحاد أمم ودول وليس وحدة أمة واحدة.

إن وحدة مصر وسوريا يجب أن تقوم باعتبارها إنجازاً استراتيجياً وتاريخياً وكانت في مكانها ويجب أن تتكرر عندما تسمح موازين القوى وتتوافر القيادة الشعبية الوحدوية. علماً بأن الإرادة الشعبية الوحدوية العربية متوافرة على الدوام، ولكنها تحتاج أحيانا إلى نفض الغبار عنها.

كان يجب أن يُلعن الانفصال ويُدان إلى أبد الدهر. فالوحدة ضُربت بانقلاب عسكري من قِبل شرذمة ضعيفة معزولة، وما كان له أن ينجح لولا ما حدث من تغير في ميزان القوى الدولي والإقليمي، ولولا ما تلقى من حماية دولية أميركية عسكرية، إذ تحرك الأسطول السادس لمنع أي تحرك مصري، كما تلقى حماية سياسية من الاتحاد السوفياتي ودعم إقليمي وبعض العربي المعادي للوحدة.

وبالمناسبة كل الأسباب التي يُعزى لها وقوع الانفصال ما كان لها، لو توفر عكسها، ان تمنعه. فالانقلاب العسكري لا يُمنع إلا بقوة عسكرية. فالوحدة، للأسف، لم تبنِ القوة الشعبية الوحدوية المسلحة: «قوات حرس الوحدة»، بموازاة الجيش لسحق الانقلاب إن لم تتوافر شروط سحقه من قِبل الجيش نفسه.

هذه هي الملحوظة الوحيدة التي أعزو لها سبب نجاح الانقلاب داخلياً. فالانقلاب العسكري في تشيلي لم تمنعه الديموقراطية في تشيلي، ولا أية حالة تحررية في إندونيسيا، أو عدد من بلدان حركة عدم الانحياز. الانقلاب العسكري لا تمنعه إلا قوة عسكرية مثله أكانت شعبية أم نظامية.

وخلاصة:

أولا: الموقف يجب أن يكون في منتهى الإيجابية إلى جانب الوحدة المصرية السورية، وبلا شروط ولا تحفظات. ويجب أن يكون ضد الانفصال ويدينه بإطلاق وبلا تأتأة.

ثانيا: إن دروس كل الوحدات ودروس تجربة وحدة مصر وسوريا ودروس تكريس التجزئة والدولة القطرية طوال الخمسين سنة الماضية تعلم، يقيناً، بأن الوحدة لا تقوم إلا بالقرار السياسي المستند إلى الإرادة الشعبية والقوة العسكرية وضمن موازين قوى مؤاتية، وليس موافقة، دولية وإقليمية. أي حدوث فراغ في ميزان القوى الدولي والإقليمي يسمح بالاختراق الذي يجب أن يحدث في لحظته بلا تردد أو تأخير. ويجب أن يُحمى بالقوة الشعبية المقاتلة ولا يعتمد على الجيش فقط.

ثالثا: ينبغي ألا توضع أية شروط على وحدة محققة أو جاءت لحظة تحقيقها في ما يتعلق بنوع النظام، أو بما يجب أن يكون عليه الحال. فكل تصحيح وإصلاح من مثل العدالة أو المساواة أو الديموقراطية أو توافر الشروط الاقتصادية والإدارية والقانونية يناضل من أجله في ظل الوحدة. ولا يكون شرطا لها أو لتحقيقها. فالوحدة قضية وجود الأمة أولا وقبل كل شيء. وهي فوق السياسة ونظام الحكم وغيره.

رابعا: الوحدة أصبحت اليوم ضرورة حياة وبقاء. وذلك بعد النهايات التي أخذت تتجه إليها الدولة القطرية العربية من عدم قدرة حتى في الحفاظ على وحدة ترابها وشعبها، كما عدم القدرة في أغلب الحالات القائمة على حماية الاستقلال وتحرير الإرادة من سطوة أميركا، كما الفشل في مشاريع التنمية أو الإصلاح ناهيك عن الفشل أمام الاستبداد والفساد والانحطاط المتعدد الأوجه.

خامسا: الوحدة الآن أصبحت بأمس الحاجة إلى أن تعود مناخا سائدا في الفكر والسياسة والموقف والبرنامج القطري على مستوى الأحزاب والمنظمات الشعبية كما على مستوى الموقف من السياسات القطرية للأنظمة. نعم يجب أن يعود المناخ الوحدوي وتحول الوحدة إلى مطلب شعبي كاسح من قِبل الرأي العام ومن بعد ذلك، وفي ظله، وفي أثنائه ومعه، يُجاب عن السؤال كيف وما هي الوسائل والأساليب. لأن الأولوية اليوم هي للرد على اتجاه الإيغال في القطرية المؤدي إلى دمار القطر نفسه، كما إلى الدمار العام. ومن ثم ضرورة إعادة الاعتبار لمبدأ الوحدة العربية والتقدم باتجاه مشروع وحدوي عربي.

(*) محاضرة في ندوة «المنتدى القومي العربي»

--------******---------

بين الحرب والسلام أي خيار لسوريا والسوريين؟

موقع أخبار الشرق – الاثنين 22 شباط/ فبراير 2010

افتتاحية موقع النداء الناطق باسم إعلان دمشق

منذ أسابيع عادت طبول الحرب تقرع عاليا في منطقتنا، وأخذت وسائل الإعلام المحلية والدولية تتناقل يوميا تزايد التوترات فيها. شمل ذلك قيام اسرائيل بمناورات عسكرية على الحدود مع سورية ولبنان، كان من الطبيعي أن ترد عليها سوريا باستنفار عسكري واستدعاء لقوى الاحتياط، وما رافقه من رفع مستوى التهيؤ لدى حزب الله.

توّج ذلك التوتر صدور التهديدات الاسرائيلية بشن الحرب على سوريا ولبنان، بذريعة متكررة عن دعم القدرات العسكرية لحزب الله، ومّده بمنظومات الصواريخ المتطورة. وكان أعنف تلك التصريحات ما صدرعن الوزيرالاسرائيلي المتغطرس ليبرمان، والذي تضمن رد السلطات السورية عليها التهديد بتحويلها حربا شاملة. وبينما اكتفى الأمين العام لحزب الله بالرد على طريقة العين بالعين والسن بالسن ندا لند، شارك الرئيس الإيراني في قرع الطبول على وعد بإبادة اسرائيل إلى الأبد هذه المرة.

وكالمعتاد، سعى مسؤولون غربيون واسرائيليون إلى تهدئة تلك التوترات، فحاولوا متابعة حديث مفاوضات السلام. واندرجت في إطار ذلك زيارات مسؤولين أوروبيين وأمريكيين إلى دمشق، كان أهمها زيارة "بيرنز" وكيل وزارة الخارجية وما رافقها من عودة معلنة للتنسيق الأمني معها، وقرار تعيين السفير الأميركي الجديد فيها.

وإذا كانت دواعي التبجح، التي هي عدة شغل طبيعية لهذا المجال، واردة في كثير من التصريحات الحربية المذكورة على الجانبين، خصوصا في شحن الخطاب التعبوي المعتاد للقيادة الإيرانية، سواء في أزمتها النووية مع الغرب، أو في أزمتها الداخلية مع التيار الإصلاحي. فمن الراجح أنه لا يمكن الركون إلى أوهام التهدئة مع العدو، ويلفت النظر بهذا الصدد تعليق للناطق باسم البيت الأبيض، قال فيه أن لاخيارات مستبعدة!

هذا الأمرأكدته أساسا التجربة الطويلة لشعوبنا مع العدو الاسرائيلي، وهي تجربة مريرة كما نعلم جميعا، عانت فيها بلادنا الكثيرمن الدمار وهدر الطاقات ونزف الدماء، وكانت الحروب هي الحقيقة الوحيدة في النهاية بخلاف فترات السلام الهش.

وقد شهدنا بالأمس القريب لاتراجع العدوعن خديعة وديعة (رابين) فقط، بل عن خديعة المفاوضات غير المباشرة عبر العديد من الوسطاء وآخرهم أو أكثرهم علنية (تركيا). كما نشهد حاليا إقلاع أكبر عملياته الاستراتيجية الاستيطانية لأراضينا المحتلة (مشروع سي هغولان: قمة الجولان) والذي سيتم عبره محو آخر آثار الوجود السوري هناك، مما يقطع من جديد مع أي زعم بإدراج أرض الجولان على جدول أعمال أي مفاوض اسرائيلي مفترض، بل يؤكد أن مطالبة ليبرلمان بنسيانه لم تكن زلة أو خروجا عن النسق.

وهذا لايعني ضرورة تخلي خطابنا عن ورقة السلام أو ما اصطلح على تسميته بخيار السلام الاستراتيجي، لكنه يعني ضرورة عدم التخلي عن باقي الأوراق كما حدث بعد حرب 1973، فمن يطلب السلام العادل عليه أن يستعد للحرب، لأن السلام ومفاوضاته ليسا لعبة كلمات وشطارة ديبلوماسيات فقط بل هو لعبة موازين قوى وأوراق ضغط في النهاية، أو هو ممارسة للحرب لكن بوسائل أخرى بالاستفادة من القاعدة الشهيرة للاستراتيجي (كلاوزفيتز).

هنا، تصبح الأسئلة مشروعة حول شروط استعداد سوريا للحرب ومعادلها. وإذا كانت الأسئلة العسكرية في هذا الجانب مغلقة وخاضعة لرقابة مفهومة، خصوصا منها المتعلقة بتحديث سلاح الجيش السوري وكفاءة تدريبه، فإن أسئلة أخرى كثيرة يجب أن تكون مفتوحة، ومنها ما يتعلق بالروح المعنوية للمواطنين العسكريين والمدنيين الذين عليهم أن يقاتلوا ويصمدوا كل في مكانه وبدوره! لكن ما يحيط بهم من فساد معلن وضائقة معيشية وتمييز مقونن يوشك أن يغلق عليهم حلقة القيود، ومن المعروف أن الأحرار وحدهم هم الذين يقاتلون دفاعا عن حريتهم.

في هذا الصدد، فإن قيام السلطة السورية، وبعد طول تأخروإهمال، بدعم المواطنين العائدين للإقامة في الجولان (عندما أصدرت قبل أيام مرسوم اعتبارهم على رأس عملهم) وبالعفو مؤخرا عن الداعية عبد الرحمن الكوكي (رغم الحكم عليه واتهامه بمثل ما اتهم به عشرات معتقلي الرأي وأولهم قادة إعلان دمشق!) لا يعبّرعن تغيير جدي في علاقة السلطة مع مواطنيها بالمقارنة مع استمرارالفساد وانتهاكات الحقوق!.

وكما أن زهرة واحدة لاتصنع ربيعا، لكنها يمكن أن تبشر به، فليبدأ ذلك بإطلاق سراح معتقلي الرأي، ثم إطلاق الحريات الأساسية، كي يشارك جميع أبناء سوريا بدون أي تمييز وبحرية في تقرير وصنع مستقبل بلدهم إن سلما وإن حربا، وهو ما تشتد الحاجة إليه اليوم.

--------******---------

محاكم التفتيش واجتثاث المعارضين

حسين العودات

أنشئت محاكم التفتيش (سيئة الذكر) في بداية القرن الثالث عشر بقرار من البابا غريغوار التاسع، وحدد مهمتها بمحاكمة (الهراطقة) المخالفين لرأي الكنيسة في تفسيرها للنص الإنجيلي أو بمواقفها من القضايا الاجتماعية والعلمية والثقافية والفلسفية بل والسياسية، وأعطى البابا للسلطات المحلية حق محاكمة المخالفين أو ما سموا (الهراطقة) والحكم عليهم بمختلف أنواع العقوبات، بدءاً من التعذيب وصولاً إلى الحرق ومروراً بقطع الأعضاء من جسمهم وخاصة الألسن والأيدي.

 

وقد استمرت هذه المحاكم بتأدية مهماتها (المشؤومة) من مطلع القرن الثالث عشر حتى القرن الثامن عشر، وبعضها طاول مطلع القرن التاسع عشر في بعض مدن أوروبا.

كان كهنة محاكم التفتيش مغرمين بتعذيب المتهمين بمختلف أصناف التعذيب التي يمكن أن تخطر على البال بهدف إجبار المتهم على (الاعتراف) والحال أن قسماً كبيراً من المتهمين الأبرياء كانوا يعترفون من شدة التعذيب بتهم لم يرتكبوها، ثم تجري محاكمة المتهم (المعترف) محاكمة صورية، تُطلب منه التوبة ثم يحكم عليه بعدها (حتى لو تاب)، ولم يكن للأحكام ناظم أو معيار أو مرجعية أو مقياس أو قانون أو تقليد سوى رأي الكاهن القاضي، الذي كان يرتاح أكثر ويفتخر أكثر بقدر ما تتزايد أحكامه بالحرق أو قطع الأيادي والألسن، أما الحكم بالإقامة الجبرية، فقد كان مخصصاً للعلماء وعلية القوم فقط، وكان نادراً على أية حال.

حكم على عشرات آلاف النساء بالحرق وهن كاثوليكيات، كما تعرض للتعذيب مئات آلاف البروتستانت، ومنهم من تم حرقهم، وكذلك مئات آلاف بل ملايين المسلمين فيما بعد في نهاية القرن السادس عشر الذين إما اجتثوا (استؤصلوا) وطردوا من الأندلس إلى بلدان شمال أفريقيا أو أحرقوا، أو قطعت أيديهم وأرجلهم مع أنهم تنصروا وتعمدوا هم أو آباؤهم قبل ذلك، ولكنهم اتهموا بالتنصر الكاذب وسارت عمليات اجتثاثهم واستئصالهم وتعذيبهم إلى أبعد مدى، ولاقى عشرات الألوف من اليهود الأندلسيين ما لاقاه ملايين المسلمين.

لم تقتصر مهمات محاكم التفتيش على محاسبة مخالف الرأي، بل كلفت بالرقابة على الكتب وتحريم نشر وتوزيع الكتب (الضارة) بالعقول أو (الخطرة) على العقيدة، وبقي هذا القرار معمولاً به حتى عام 1965 حيث ألغاه البابا، وفي ضوء ذلك حوكم الراهب المصلح، رئيس جامعة براغ، جان هوس في مطلع القرن الخامس عشر، وحكم عليه بقطع لسانه وتعذيبه ثم حرقه، ومثل أمام هذه المحاكم العالمان (غاليلو) الذي حكم بالإقامة الجبرية واعتذر منه البابا عام 1983 بعد عدة قرون، و (كوبرنيكوس) صاحب نظرية دوران الأرض حول الشمس (الذي اضطر لعدم نشر نظريته سوى يوم وفاته بعد أن اضطرته المحاكم للتراجع عنها).

كان الشخص يحاكم على الشبهة أو استناداً إلى وشاية من أحد الجيران أو على نياته، وإذا لم يعترف بالتحقيق العادي يتعرض للتعذيب الوحشي، وإذا أعلن التوبة قد يحكم ويعاقب، ونادراً ما يعفى من ذنبه، وإن رفض التراجع عن آرائه يحرق، وفي الخلاصة كانت محاكم التفتيش محنة على المسيحيين الكاثوليك وعلى البروتستانت وفيما بعد على المسلمين واليهود، وقد تسببت ليس فقط في قتل وحرق عشرات الألوف، بل أيضاً أشعلت حرباً بين الكاثوليك في جنوب أوروبا والبروتستانت في وسطها وشمالها دامت مئة عام. وحرباً أخرى بين الكاثوليك والأرثوذوكس البلغار خاصة بلغ ضحاياها مئات الألوف.

دامت سياسة الاجتثاث (أو الاستئصال) عدة قرون، وظهرت مرة أخرى في أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، وخاصة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية ثم في العالم الثالث، مع إعادة تقسيم العالم القديم من قبل المستعمرين الأوروبيين وترسيم حدوده، واللعب بواقعه الاجتماعي والديني وإحياء الطائفية والعشائرية، وتفتيت الأمة الواحدة، وتنامي التطرف وهيمنة العولمة وقيمها وتقاليدها ومعاييرها.

حيث تم إحياء الاجتثاث والاستئصال والقمع والعنف والقتل والتعذيب ومحاكمة النيات والشبهة والاشتباه بأي كان، حتى كأن التاريخ يعيد نفسه بعد سبعة قرون، ومع أن البابوية اعتذرت عن الجرائم التي ارتكبتها محاكم التفتيش وحكامها، ووصفت أعمالها بأنها خزي وعار، إلا أن حكام المحاكم المعاصرين لا يخجلون من كونهم يمارسون أبشع الأعمال بل يفتخرون بأعمالهم هذه، ويتناسون أننا في عصر جوهره حرية الفرد وخاصة منها حرية التعبير، والديمقراطية وتداول السلطة، وفصل السلطات، وسيادة القانون، ومن قواعده (درء الحدود بالشبهات).

صرح المسؤول المحلي في مدينة النجف الأشرف بالعراق، أن على البعثيين أن يغادروا المدينة خلال أربع وعشرين ساعة، ثم صرح مسؤول حكومي كبير في العراق (بل عدة مسؤولين ) أن لا إمكانية لاستمرار البعثيين في المجتمع أو لعودتهم إلى السلطة منفردين أو شركاء، حتى لو انتخبهم الشعب، ومهما تكن جرائم البعثيين، ومهما يكن موقفنا منهم، فينبغي أن نقول للسادة المسؤولين (المتحمسين ) في العراق، حاكموا المتهم من البعثيين محاكمة عادلة واحكموا عليه بما يستحق، أما من لم يرتكب ذنباً فما شأنكم به وبرأيه؟ ثم أين يذهب من تجتثونه والإقامة في بلده حق له.

وينبغي أن تتذكروا أن المتواجد في دولة أوروبية بشكل غير قانوني، تحتاج تلك الدولة إلى القضاء (لتجتثه أو تستأصله) من بلدها مع أن إقامته غير قانونية، فكيف إذا كان ابن البلد؟

كان بعض رجال الكنيسة يقولون لنقتل المشبوه، فإن كان بريئاً دخل الجنة وإن كان مجرماً لقي عقابه، وقد تبنى بعض المتطرفين الإرهابيين باسم الإسلام هذه الفرضية، فهل وجدت صدى لها في العراق؟

المصدر:صحيفة البيان الاماراتية

--------******---------

مثقفون سوريون يثيرون مع رسمي إيراني قضايا "التشيع"

العربية. نت – الاثنين 22 شباط/ فبراير 2010

في عدة جلسات حوارية جرت قبل يومين في العاصمة السورية دمشق فاجأ مثقفون ومسؤولون سوريون نائب وزير الخارجية الايراني بجملة من الاسئلة والاستفسارات "الجريئة" مطالبين بموقف علني من القيادة الايرانية بشأن قضايا يتداولها الشارع السوري بدءاً من حملات تشييع في العالم العربي ومروراً بموضوع الجزر الاماراتية الثلاث وانتهاء بأسباب عدم اصدار المرجع الشيعي علي السيستاني فتوى لمقاومة الامريكيين. وأشار النائب الإسلامي في مجلس النواب السوري محمد حبش إلى وجود "اتهامات بأن ايران معنية بنشر المذهب الشيعي في سورية"، مع ملاحظته ان امريكا "تريد مباشرة إشعال الفتنة الطائفية"، وقال إن التجاهل الرسمي الايراني لهذا الموضوع ليس مفيداً لأن "المطلوب من ايران موقف يقول انها مهتمة بالشأن السياسي وليس بالخلاف المذهبي"، وذلك وفقا لتقرير أعده الزميل ابراهيم حميدي ونشرته صحيفة "الحياة" اللندنية.

ولكي يبرهن على عمق هواجس الناس في الشأن المذهبي، قال وزير النفط السابق مطانيوس حبيب: "انا لست مسلماً، انا عربي مسيحي واتهمت بأنني شيعي لأنني دافعت عن موقف إيران"، وذلك ليصل الى استنتاج مفاده ضرورة "أخذ هموم السنة في سورية في الحسبان، لأنها لا تعبر عن موقف المثقفين بل رأي الشعب، ما يتطلب موقفاً واضحاً لقطع دابر الفتنة".

لكن نائب وزير الخارجية الإيراني، دعا حبش والباحثين الآخرين الى ضرورة "التوحد" لأن هدف الأطراف المعادية بث الفرقة وفق مبدأ "فرق تسد"، قبل ان يقول: "لا نسعى لأن نجعل من السني شيعياً، ولا نعلم ان هناك حركة كهذه. في الحقيقة، نحن لا ننظر الى الخلاف على انه خلاف في العقيدة، بل انه اختلاف في وجهة النظر السياسية".

وطلب وزير سوري سابق آخر محمدي بأن تلعب بلاده دوراً لدى المرجع الشيعي علي السيستاني كي يصدر فتوى تحض الشيعة على مقاومة الاحتلال الامريكي للعراق باعتبار ان ذلك "يدرأ الفتنة الطائفية".

في المقابل، فتحت باحثة سورية موضوع الجزر الاماراتية الثلاث، مطالبة بموقف، لأن "الصمت نقطة قاتلة واستعدائية، وتعيد للذهن العربي ان ايران تريد استعادة أمجاد فارس والحضارة الساسانية".

لكن محمدي، اقترح ايضاً العودة الى الجذور وهو أن "نعرف جبهة العدو وجبهة الصديق. نحن نعرف العدو من الصديق. جبهة العدو هي الاستكبار"، قبل ان يقول إن الغرب أعطى الجزر الى ايران زمن الشاه وأن إعادة طرحها تستهدف "بث الفرقة". وزاد ان "أي تغيير في وضعها في ضوء وجود قواعد امريكية سيكون في خدمة امريكا. ويبدو ان أحد الحضور لم يقتنع كثيراً بالاجابة، فانطلق من المثل القائل "صديقك من صدقك وليس من صدّقك"، ليقول: "أتمنى ان لا يتم التركيز على أن الثورة الايرانية تريد الحفاظ على الوضع السائد، لأن ذلك ليس في مصلحة العرب ولا في مصلحة ايران ولا في مصلحة التقارب الاسلامي بمجمله".

--------******---------

ذكرى الوحدة: بكائية على الأطلال أو محطة لتجديد العزم

بقلم: زهير سالم *

أخبار الشرق – 22 شباط/ فبراير 2010

تمر بنا ذكرى الإعلان عن الوحدة العربية الأولى بين سورية ومصر منذ اثنين وخمسين عاماً. يقول البعض: كانت الوحدة.. ويكثر البكاء على ملك مُضاع، وحلم مفقود. ويقول آخرون: كانت الوحدة.. ويتناوب كتاب ومثقفون على تداول المواقف، وتبادل الاتهامات. يتباكون أو يتساءلون: من دمر الوحدة؟ ولماذا؟ يؤثر البعض الوقوف على أطلال الذكرى وقفة الشاعر العربي على أطلال خولة وأم أوفى، أو أن يجعلوا من رحاب الذكرى مجلس عزاء كربلائي تُلطم فيه الخدود وتُشق الجيوب..

ويلتفت آخرون إلى وجوه كئيبة في تلك الذكرى، فيُسرون حسوا في ارتغاء، ليتخلصوا من خلال نقد موضوعي أو غير موضوعي للمرحلة، إلى التشكيك في الوحدة؛ الهدف والأمل والإمكانية والجدوى، وليزيّنوا القناعة بالواقع الذي صنعته رؤوس رماح الغزاة والطامعين، والذي يشكل مصالح راهنة لفرقاء متشاكسين، ليس منهم بالطبع الأمة التي تمثل جسد الوحدة وقوامها..

في ذكرى الوحدة علينا أن نعترف بأن الوحدة، على الرغم من كل ما صاحبها وما شابها، كانت إنجازاً قومياً ضرورياً ومهماً يستحق أن نضحّيَ من أجله بالكثير..

وعلينا أن نعترف أن كل المعاذير التي يُشار إليها كمسوّغات للانفصال، والتي يمكن أن تختصر في عناوين مثل الاستبداد والفساد والاستئثار، لا تزال جزءاً من واقعنا في مصر وفي سورية على السواء. خسرنا الوحدة، ولم نربح ما يقابل ذلك البلاء. فقد كان للبلاء أسبابه التي كانت وما تزال.

وعلينا أن نعترف أن الذين انقلبوا على الوحدة، انقلبوا على التجربة الأفضل في تاريخ الأمة المعاصر، وتركوا للتكريس كل ما يُشتكى منه من أمرها، ولو على أيدي أشخاص آخرين..

في ذكرى الوحدة، علينا أن نعترف بأن الوحدة كانت محاولة عربية جماهيرية. ودرس الوحدة العربية الأول، أن دور الجماهير في صناعتها كان أكبر من دور القيادات. كان سيل الوحدة الجماهيري هادراً يسوق القيادات إلى الخيار الذي لم يكن لهم منه بدّ..

وفي ذكرى الوحدة علينا أن ننظر إليها (كتجربة) ربما لم تكتمل شروطها، وأن تكون وقفتنا عند الماضي لاقتناص العبر، واستخلاص الدروس وليس فقط لتمجيد التاريخ والغزل بالأشخاص..

مهما اختلفنا في تقويم الماضي، والحديث عن إيجابيات التجرية وسلبياتها، لا ينبغي أن يصل بنا الاختلاف إلى حد التشكيك في (الوحدة) الهدف الجامع الذي كان جامعاً ويجب أن يتحول واقعا. لم أستطع أن أقول حسب مقتضى السياق: الهدف الذي كان جامعاً وما يزال!! وليس من المقبول تحت أي مدخل وعنوان التشكيك في الهدف أو النيل منه أو إضعاف الإيمان به، أو تبريد الأشواق التي تدعمه.

في ذكرى الوحدة نتمنى أن يكون المستقبل الواحد للأمة الواحدة، في أفقيها العربي والإسلامي هو محور خطابنا. في رؤية علمية موضوعية مركّزة. أن تكون (الوحدة) استراتيجية عربية جامعة على مستوى التثقيف وعلى مستوى التبشير وعلى مستوى التخطيط. تلك هي ابتداء مهمة النخبة المثقفة الطليعية من أبناء الأمة. النخبة التي تؤمن أولا بوجود الأمة. وبرسالتها. ومكانتها. لا بد من إعادة طرح المدخلات الثقافية الأولية لإعادة التأسيس للفكر الوحدوي الذي اغتاله الواقع السياسي المدمر، واغتالته أيضاً توظيفات سياسات العولمة السلبية على يد بعض المغرضين من أتباعها..

الوحدة التي صنعتها الجماهير سنة 1958 أسّس لها جيل من المفكرين والكتاب والسياسيين والشعراء. حالة النكوص القومي تدعونا إلى استئناف التأسيس الثقافي الذي يعيد للوحدة مكانتها في رأس الأجندة الجماهيرية.

وأول الطريق إلى ثقافة التأسيس هذه أن يتوقف الكتاب والمثقفون عن تكريس الحالة القطرية. وعن اعتبارها حالة ثابتة ومستقرة، والتغني بجمال عينيها..

الوجود القطري.. وجود طارئ. والهوية القطرية بالمعنى الضيق حديث عن وهم. وترداد أن الوحدة تصنعها المصالح فقط يحتاج إلى التمعن في (التفقيط) هذا..

للتأسيس للخطاب الوحدوي المعاصر نقترح على الكتاب والمثقفين والمفكرين وضع أبجدية عربية لخطاب عربي جديد، خطاب عربي يشدنا إلى المستقبل، ويشحذ في أجيالنا العزيمة، ويعود بنا وبهم إلى فضاءات:

لنا العراق والشآم ومصر والبيت الحرام

__________

* مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

--------******---------

الصحافة السورية بالإنكليزية... «تتعثر»

الإثنين, 22 فبراير 2010

دمشق – رنا زيد

لم يعد بائع الصحف ينادي الطلاب الراغبين بشراء صحيفة Syria Times الحكومية السورية، في كلية الآداب في دمشق، بعدما توقفت الجريدة الوحيدة الناطقة بالانكليزية في البلاد... منذ أكثر من سنة.

 إيقاف صدور «سيريا تايمز» أحدث فراغاً نوعاً ما، اذ كانت الجريدة الناطقة بلغة شكسبير تملأه في سورية منذ ثمانينات القرن الماضي.

أما الآن فصندوق بلاستيكي بجوار منزل المشترك يمكّن المهتم بالصحافة المكتوبة بالإنكليزية في سورية، من الحصول على نسخة من صحيفة «بلدنا» الإنكليزية الخاصة، ذات القياس الصغير الحجم. بدأت المطبوعة الصدور أخيراً عن «المجموعة المتحدة للنشر والإعلان والتسويق» (ug)، خمسة أيام أسبوعياً.

المقارنة بين المطبوعتين غير جائزة إلا من ناحية كونهما الوحيدتين المتوفرتين للقارئ السوري. الضعف في مستوى Syria Times صحافياً جعل استمرارها مرهوناً بالتطوير الداخلي لصفحاتها، فيما تبقى عودتها قائمة، لأن توقيعاً على مشروع دعمها جرى بين وزارة الإعلام وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لاستدراك أي خلل مهني فيها.

صحيفة «بلدنا» بدأت مشروعها الورقي كجريدة سورية محلية باللغة العربية. اتسم فحواها خلال السنوات الأربع الماضية بالتنوع البصري، وكسر رتابة وجدت في الإعلام الرسمي.

وتحاول النسخة الإنكليزية من «بلدنا» الابتعاد عن نقل الأخبار المحلية فقط، من خلال أقسام السياسة والاقتصاد والتنمية والفن والرياضة، يضاف إليها قسم «لايف ستايل»، كما تطرح ذاتها للقارئ العربي على موقعها الإلكتروني www.baladnaenglish.com.

«لا أخفي أننا قوميون وعرب، يهمنا التعبير عن سياسة بلادنا ضمن الشرق الأوسط، كما أننا لا نميل إلى حزب سياسي معين»، تقول مديرة تحرير «بلدنا» الإنكليزية ريم مغربي ل «الحياة»، نافية فكرة تكبير حجم الصحيفة مستقبلاً كما جرى مع النسخة العربية منها.

ويغطي فريق الصحيفة المكون من عشرة محررين (سوريين وأجانب) ما يستطيع من النشاطات العامة في سورية. ويمضي هؤلاء الجزء الأكبر من نهارهم في المكاتب لإخراج صفحاتها على برامج التصميم الحديثة، باذلين جهداً كبيراً لإصدار المطبوعة اليومية.

وترد مغربي على بعض الانتقادات الموجهة إلى فريق العمل الذي يعتمد على المعلومة المتوافرة على شبكة الإنترنت، بأن «الصدقية المهنية حاضرة في ذكر مصدر الخبر، بينما لا تفعل ذلك بعض وسائل الإعلام الأخرى في سورية»، مستدركة بالقول ان «المجموعة المتحدة لديها سجل صحافي طويل يمنعها من كسر حاجز الاحترام لوسائل الإعلام الأخرى، حتى من دون وجود قوانين سورية تطبق عقاباً صارماً على التجاوزات».

أخطاء في الإصدارات الأولى لم تخجل منها مغربي، حاصرة «الخلل باستدراكه بعد تلقي أي إرشاد من المهتمين أو القراء».

مواضيع السياسة في «بلدنا» الإنكليزية حاضرة عبر أخبار داخلية وعربية وعالمية: «مقالاتنا تهم الدولة، ونكتب بطريقة مختلفة عن المتداول عبر إبراز نقاط جديدة لم يتطرق لها أحد». التعريف بسورية هو إحدى مهمات الصحيفة الخاصة، بحسب مغربي، خصوصاً أن «الوفود الرسمية الموجودة في شكل موقت لزيارة سورية تطالب بالاطلاع على صحيفة يومية تسلط الضوء على الواقع المحلي».

«حيز الحرية» للاهتمام بحياة المواطن السوري موجود أيضاً وهو «وسيلة لرصد الشأن المحلي بطريقة تهم القارئ الغربي في الوقت ذاته»، إلى درجة أن موضوعاً محلياً صرفاً مثل «أزمة قسائم مادة المازوت» كان على أولويات التحقيقات في «بلدنا» الإنكليزية «خدمة للمواطن وبغية تعريف الآخر على أدق تفاصيل الحياة السورية وصعوباتها».

«يجب أن نكتب عما يجري ليعرف المسؤولون كيفية دعم المواطنين اقتصادياً و تنموياً وثقافياً»، تختم مغربي حديثها متوقعة أن تجذب وفريقها من الصحافيين الشباب «القارئ السوري، والغربي الموجود في سورية»، فهل تصل التجربة إلى نضوجها المنشود ضمن حركة إعلام سوري محلي (مكتوب بالإنكليزية)، خاص في غالبيته، ومتوجه إلى الجاليات الأجنبية، وسفارات الدول العالمية؟ لا يزال صدى هذا الإعلام ينتشر ببطء بعد فترة وجيزة على تأسيسه، مقتصراً على مطبوعة يومية واحدة، فضلاً عن مواقع الكترونية ومجلات شهرية... لا يزيد عددها مجتمعة على أصابع اليد الواحدة.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com