العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 31-08-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل من مقارنة ؟ .. د. محمود نديم نحاس

فلسطين جرحنا الدائم، تحرق قلوبنا منذ أن فتحنا أبصارنا على الدنيا، أبكتنا دماً في سنوات كثيرة، ومزقت نفوسنا في مناسبات عدة. وما كنا نظن أن مأساتها ستتكرر في مكان آخر، حتى جاءت أحداث سوريا، فأدمت قلوبنا، وملأت بالدمع مآقينا، ومزقت مشاعرنا، ألماً وحزناً، ونحن كل يوم ننتظر الفرج، لعل الله يكشف الغمة، فتبرأ الجراح، ويعود للشام تألقها الذي كانت عليه على مدى التاريخ، ويخرج حفيد أمير الشعراء أحمد شوقي ليطربنا بقصائد يضاهي بها قصائد جده الذي قال :

كانوا مُلوكاً، سَريرُ الشَرقِ تَحتَهُمُ *** فَهَل سَأَلتَ سَريرَ الغَربِ ما كانوا ؟

من حقنا أن نتساءل هل من مقارنة بين المأساتين. فقد أرسل لي صديق إحصائية عن أحداث فلسطين الأخيرة تقول: بلغ عدد القتلى من الأطفال 561 طفلاً، ومن النساء 344 امرأة، ومن الذكور 1184 رجلاً، في حين بلغ عدد المصابين 10500 شخص. أما البيوت التي أُصيبت فبلغ عددها 36700، تهدم منها 5622، والمساجد التي أُصيبت 152، تهدم منها 64. كما أصيبت 230 مدرسة، و 33 مركزاً طبياً.

وأرسل لي صديق آخر إحصائية بعدد القتلى من الفلسطينيين منذ 1948 وحتى 2012 وهي ثلاثون ألفاً. أما عدد المعتقلين الفلسطينيين طوال تلك المدة فبلغ 800 ألف. ولم يتعرض منهم لاعتداءات إلا كبار قادتهم، والاعتداءات غالبها في فترة التحقيق، ثم تتوقف بعد نطق المحكمة بالحكم. وأما الأغلبية من الأسرى الفلسطينيين فلديهم تلفاز ويتمتعون بثلاثة وجبات يومية ويخرجون الى الساحة كل يوم، ولهم رعاية طبية، ومن يريد إكمال تعليمه فالأمر متاح للأغلبية، وكثير منهم أنهوا تعليمهم وحصلوا على بكالوريوس وماجستير!

ونكاد لم نسمع عن حالات اغتصاب لنساء فلسطينيات على يد الصهاينة إلا في حالات نادرة. فهناك أوامر صارمة لتجنب إثارة غضب وحمية الشعب الفلسطيني الغيور.

أما إحصائيات الثورة السورية فتتفاوت بين الأعداد التقديرية والأعداد الموثقة. إذ يُقدر عدد الشهداء بـ 238 ألفاً، تم توثيق أسماء 125 ألفاً منهم. بينهم 2350 فلسطيني، و 15000 طفل، و 14000 امرأة. وعدد الجرحى التقديري هو 200 ألف. وعدد المعتقلين التقديري هو 260 ألفا، بينهم عشرات الآلاف من النساء و 9 آلاف طفل. ويُعتقد أن كثيراً منهم ماتوا تحت التعذيب دون أن يتم تسليمهم لأهاليهم.

ويروي الذين نجوا من المعتقلات السورية قصصاً هي أقرب للخيال. وأسوأ طرق التعذيب هي الاعتداءات الجنسية على الرجال والنساء على حد سواء. هذا عدا عن حالات الاغتصاب التي يقوم بها الجنود على الحواجز، أو عندما يهاجمون البيوت. وقد تم الكشف عن 3500 حالة اغتصاب، وما خفي أعظم بكثير، لأن الناس يتجنبون الحديث عما يصنفونه من الفضائح.

وعند الحديث عن التدمير فتقدر نسبة الدمار في أحياء حلب وحدها 65%، كما يُقدر عدد المنشآت الصناعية التي دُمرت بشكل كلي أو جزئي بـ 60 ألف منشأة، وعدد المساجد المدمرة بألفي مسجد، وعدد المدارس المدمرة بحوالي أربعة آلاف مدرسة، مما حرم ثلاثة ملايين ونصف مليون طفل من التعليم، منهم أكثر من مليون بحاجة لدعم نفسي مما رأت أعينهم من الفظائع وعلى الأخص قتل ذويهم أو اغتصابهم أمامهم. هذا عدا عن عشرات الآلاف من المحاصرين، وملايين النازحين في الداخل، وملايين اللاجئين في دول الجوار.

المقارنة بين ما أصاب الفلسطينيين وما أصاب السوريين تبدو غير ممكنة من خلال هذه الأرقام، لكن المؤسف أن المعتدي على الفلسطينيين هو الذئب الذي من طبعه العدوان، أما المعتدي على السوريين فهو من نصّب نفسه مكان الراعي. ولذا قال الشاعر عمر أبو ريشة في قصيدته بعنوان (أمتي) :

لا يُلامُ الذئبُ في عُدوانه *** إنْ يكُ الراعي عَدوَّ الغنمِ

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تراجعات إيرانية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

28-8-2014

يتأكد، يوماً بعد يوم، تعاظم عجز إيران عن مواصلة معركة كسر العظم التي تخوضها على محور طهران/ بيروت ضد شعوب سورية والعراق ولبنان، وفي مواجهة ما يمارسه البيت الأبيض عليها من ضغوط، عبر الصراع الدائر على هذا المحور الذي كانت قد اندفعت بحماسة وتصميم إليه، اعتقاداً منها بأنها تستطيع حسمه لصالحها، مع ما سيعنيه ذلك من استمرار النظام الأسدي، وتوطيد وجودها ودورها في المنطقة الواقعة بين المتوسط وجبال هندكوش.

وقع التراجع الإيراني الأول أمام واشنطن، بعد قصف الغوطتين الشرقية والغربية ليلة 21 أغسطس/ آب 2013 بسلاح الأسد الكيميائي، وعقد صفقة أميركية/ روسية، ألزمت النظام السوري بتسليم مخزوناته منه إلى أميركا وإسرائيل، بينما قبلت إيران صفقة تسلّم بحق وكالة الطاقة الذرية في تفتيش منشآتها النووية دون إعلام مسبق، وتخلّت عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وخفضت كمياته المطلوبة لصناعتها النووية، وارتضت بشرائه من الأرجنتين.

ووقع تراجع إيران الثاني، عقب انهيار جيش نوري المالكي أمام هجومٍ، يكاد يكون افتراضياً، شنته تنظيمات لديها آلاف قليلة من المقاتلين. آنذاك، أي قبل نيّفٍ وشهرين، دخلت أميركا، التي كان يقال إنها أُخرجت من العراق الذي صار فارسياً، بقوة على خط الأزمة، وفرضت خياراتها هناك، ومنها تخلي المالكي، رجل إيران "القوي"، عن السلطة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تمثّل جميع العراقيين، وإقامة تعاون متبادل بين بغداد وأربيل، وشن ضربات جوية ضد "داعش" تغطي شمال العراق وغربه. في المقابل، عجزت إيران عن التمسك بالمالكي، وعن إبقاء الأميركيين خارج اللعبة، أو عن إضعاف دورهم في بلد قيل كثيراً إنهم فقدوه لصالح إيران: صاحبة القول الفصل في بغداد. بذلك، بدا دور طهران باهتاً منذ أيام الأزمة الأولى، قبل أن يستسلم لفشله بعد حين، ويتخلى عن الجنرال قاسم سليماني، جنرال الحرس الثوري الذي سيّر العراق طوال العقد الماضي، وها هي إيران ترسل، اليوم، وزراءها لعقد صفقات إنقاذية مع مسؤولي بغداد الجدد، بعدما وجدت نفسها معزولة عن القوى المقررة هناك: بما في ذلك الشيعية منها.

والآن: ماذا يمكن أن يكون تراجع طهران القادم؟ هل ستقبل دوراً إقليمياً تربط أميركا به إنهاء تصفية حساباتها معها في سورية والعراق، يخرجها من ورطتها فيهما، ويطبّع علاقاتها وعلاقات إسرائيل معها؟ يبدو، اليوم، جليّاً أن الصراع سيستمر في سورية، إلى أن توافق إيران على تراجعٍ كهذا، وأن سلوكها في المسألتين، النووية والعراقية، يؤكد أنها ستقبله خلال زمن قد لا يكون طويلاً، ليس فقط بسبب وطأة الحرب السورية عليها، بل كذلك بسبب ضعف نظامها المتزايد، وحاجته إلى تحصين نفسه ضد مخاطر تهدده، بينها اليوم مخاطر الإرهاب والأصولية التي أسهمت في إطلاقها من قمقمها، وتهدّدها، الآن، في عقر دارها.

لم يعد تراجع طهران الثالث مستبعداً. أعتقد أنها مسألة وقت، بعدما أدارت أميركا بنجاح أزمة سورية، وعادت بقوة إلى العراق. إنها مسألة وقت، يُقاس بالأشهر، وليس بالسنوات!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مواجهة «داعش».. قدَر أميركي .. ترودي روبن

الاتحاد

28-8-2014

كيف يمكن التعامل مع مجموعة إرهابية مقيتة تحولت إلى دولة في الشرق الأوسط تمتلك أموالا وجيشاً؟ الواقع أنه منذ عملية ذبح جيمس فولي النكراء، انكب المسؤولون الأميركيون على مناقشة ما إن كان من الممكن احتواء «داعش» أم أنه يجب دفعها وحملها على التراجع على المدى القريب. هذا فيما يبدو أوباما مقتنعاً بنجاعة استراتيجية الاحتواء حتى الآن.

غير أني فوجئت بالقوة التي وصف بها مسؤولون حكوميون وعسكريون حاليون وسابقون التهديدات التي تطرحها «داعش» على المصالح الأميركية؛ وهو ما يشير إلى أن ثمة انفصالاً تاماً بين التهديد الملح الذي يصفونه ورد الإدارة عليه. وفي هذا السياق، قال الجنرال مارتن ديمبسي، قائد هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الأسبوع الماضي: «إن الأمر يتعلق بتنظيم لديه رؤية استراتيجية كارثية لابد من هزمها في نهاية المطاف». وقبل ذلك، كان ديمبسي قال لمؤتمر أمني الشهر الماضي إن الجيش الأميركي يعِد خيارات من أجل «احتواء، وتعطيل، وأخيراً هزم داعش». ومن جانبه، وصف وزير الدفاع تشاك هيجل «داعش» بأنها «من أكثر القوات وحشية وهمجية في العالم اليوم».

أما السفير الأميركي السابق إلى العراق، ريان كروكر، فقال لي «إن داعش هي عدونا الاستراتيجي. إنها بمثابة (قاعدة) تتناول المنشطات؛ وهي تطرح تهديداً حقيقياً بالنسبة لنا».

غير أن «داعش» لن تتوقف عند العراق. فبعد أن سيطرت على ثلث سوريا وثلث العراق المجاور ومحت الحدود بين البلدين، ستحاول توسيع سيطرتها. ويعتقد كروكر أن هدفيها المقبلين سيكونان حليفي الولايات المتحدة: الأردن والسعودية.

وفي غضون ذلك، ستستمر «داعش» في استهداف الأقليتين المسيحية والإيزيدية في العراق، والسعي لتعزيز سيطرتها على المناطق السنية في البلاد. لكن التهديد لا ينتهي عند هذا الحد. فقد أوضح زعماء التنظيم أنهم سيركزون على الأهداف الغربية والأميركية حالما يعززون مكاسبهم الميدانية، هذا علماً أن «داعش» تدرِّب في قواعد تابعة لها في سوريا آلاف الأوروبيين والأميركيين الذين قد يعودون إلى بلدانهم ويعيثون فيها فساداً.

وعليه، فإن استراتيجية الاحتواء جد سلبية حتى توقف تقدم دولة جهادية لديها مثل هذه الأهداف العدوانية. ولابد، بالتالي، من العمل على وقف مخططات زعمائها ومقاتليها بسرعة.

وحتى الآن، يراهن أوباما على أن العراقيين سيستطيعون احتواء «داعش» مع مرور الوقت، بمساعدة محدودة من الأميركيين. وهو الآن ينتظر تشكيل حكومة عراقية جديدة يُؤمل أن تكون مستوعِبة للسنة، حتى يقلص هؤلاء دعمهم لـ«داعش». كما يراهن على إمكانية إعادة إحياء قوات الأمن العراقية المنهارة.

ووفق أفضل السيناريوهات، سيتسنى وقف «داعش» على أيدي قوات عراقية أعيد تنظيمها -إلى جانب مقاتلي البشمركة والقبائل السنية التي تنقلب على «داعش»– بمساعدة من الضربات الجوية الأميركية. هذا هو المؤمل، لكن السياسات الأميركية لا يمكن بناؤها على الآمال والتمنيات. وأي استراتيجية لوقف «داعش» على المدى القريب يجب أن تركز على كل من العراق وسوريا، ودول المنطقة.

على الجبهة العراقية، لا يمكن لأوباما الانتظار إلى حين تشكيل حكومة في بغداد؛ إذ يجب على الولايات المتحدة الشروع في تزويد الأكراد بالسلاح مباشرة حتى يضاهوا الترسانة الأميركية التي حصلت عليها «داعش» عندما سيطرت على قواعد الجيش العراقي. كما يجب عليها مساعدة القبائل السنية التي كانت لديها الشجاعة للوقوف في وجه «داعش»؛ علماً بأن العشائر التي قامت بذلك خلال الأسابيع الأخيرة تتعرض للقتل حالياً. ولذلك، فهي تحتاج دعماً جوياً وأسلحة. ويشار هنا إلى أن مدينة الرمادي بمحافظة الأنبار باتت على شفا السقوط تحت سيطرة «داعش»، وهو ما سيمنح التنظيم سيطرة على معظم المناطق السنية في العراق.

وأخيراً، على أوباما أن يعالج صميم المسألة: الحاجة إلى ضرب قوات «داعش» في ملاذها الآمن في سوريا. وفي هذا الصدد، قال الجنرال ديمبسي صراحة هذا الأسبوع إن «داعش» لا يمكن هزمها «بدون معالجة ذلك الجزء من التنظيم الموجود في سوريا». ففي الوقت الراهن، تستطيع «القاعدة» إعادة تنظيم صفوفها بأمان في سوريا بعد أي ضربات جوية أميركية في العراق. غير أنه حتى الآن، لم تُبدِ الإدارة الأميركية أي اهتمام بمهاجمة «داعش» داخل سوريا. وإذا كان متحدث باسم الإدارة أعلن يوم الجمعة أن تلك السياسة تخضع لإعادة تقييم حالياً، فإنه لا يوجد أي مؤشر حتى الآن على أن أوباما قد غيّر موقفه.

وإذا كانت لدى الإدارة استراتيجية لتعطيل «داعش»، فإنها لا تستطيع تحاشي التعاطي مع المسألة السورية، خاصة أن تردد أوباما السابق في انتهاك سيادة سوريا لم يعد الآن في محله، نظراً لأننا بتنا نعلم أن قوات خاصة أميركية نفذت هجوماً داخل سوريا في محاولة لإنقاذ فولي.

ويتعين على أوباما أن ينسق مع بلدان عربية أخرى تشعر بتهديد «داعش» مثل الدول الخليجية والأردن. ولاشك أن إظهار الولايات المتحدة للشجاعة والتصميم سيساعد على دفع هذه البلدان إلى تقديم الأموال اللازمة لمساعدة اللاجئين العراقيين والسوريين ومنع سقوطهم فريسة عمليات التجنيد التي تقوم بها «داعش». ثم إن مثل هذه الزعامة الأميركية قد تدفع إيران وروسيا إلى البحث عن بديل للأسد.

بيد أن لا شيء من ذلك سيحدث إلا إذا أخذ أوباما خطر التهديد على محمل الجد واقتنع بالحاجة إلى وقفه قبل أن يزداد قوة. وفي هذا الإطار، يقول كروكر محذراً: «إننا نصيب داعش بخدوش فقط وهي تستطيع التخطيط للمكان الذي ستضرب منه خلال المرحلة المقبلة. لذلك، علينا ملاحقتها حيثما ذهبت».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نكتة أوباما لا تُضحِك «داعش» .. زهير قصيباتي

الحياة

28-8-2014

لا تُفهَم رسالة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى نظام الرئيس بشار الأسد برفض التنسيق معه في الحرب على «داعش»، ثم إبلاغه معلومات عبر بغداد وموسكو حول مواقع لهذا التنظيم، إلا بمثابة نكتة سمجة سوداء، فيما معلومات الأمم المتحدة تصفع أوباما وكل أركان إدارته. إذ لم تمضِ أيام معدودة على إعلان المنظمة الدولية استكمال تدمير الترسانة الكيماوية السورية، حتى كشفت الأمم المتحدة استخدام النظام السوري مواد كيماوية في نيسان (ابريل) الماضي. فمَنْ يثق بمَنْ، ومَنْ يمكنه طي هذا الملف، وقبل ذلك، إنقاذ الشعب السوري من ويلات «كيماوية» تبدو محتملة؟

وإذ يسرد آخر تقرير للمنظمة الدولية معطيات عن ممارسات النظام، والتصفية المنهجية للمعتقلين، والإبادة بالتقسيط للمدنيين بواسطة البراميل المتفجّرة، يعطي نظرياً مزيداً من المبررات الأخلاقية لأوباما في رفض التنسيق مع النظام السوري الذي ما زال يرتكب فظائع، لمواجهة «داعش» وفظائعه ووحشيته.

أما أن تسارع واشنطن إلى إيهام نفسها بالتشاطر وباستخدام النظام ذاته كأداة في الحرب على «الدولة الإسلامية» بتزويده لوائح بمواقعها في سورية، عبر بغداد وموسكو، ففي ذلك بدعة النكتة السوداء... وفيه ايضاً جهل مطبق بطبيعة النظام في دمشق الذي لا يعمل إلا لحسابه. فلنذكر ببساطة كم هو الفاصل الزمني بين عرض وزير الخارجية السوري وليد المعلم التعاون مع كل الدول، بما فيها الولايات المتحدة، لمكافحة إرهاب «داعش»، وبين نبأ تمرير الأميركيين معلومات جمعتها طائرات لهم حلّقت فوق مناطق لـ «الدولة الإسلامية».

لا تحتاج النتائج التي استخلصها محققو الأمم المتحدة إلى عناء في المفاضلة بين جرائم سوداء وأخرى لا تقل عنها بشاعة، تُرتكب باسم «تطويع» الناس في سورية أو تأهيلهم لـ «تطبيق الشريعة». في «الدولة الإسلامية» تجنيد أطفال لممارسة القتل، في ما تبقى من دولة «البعث» التي ترعاها جمهورية المرشد خامنئي، لا تفرّق البراميل المتفجّرة بين مسلحين ومدنيين، بين كبار وأطفال «إرهابيين».

بكل بساطة، ما يريد أوباما إبلاغنا إياه، أن تنظيم «داعش» يهدد المصالح الأميركية وأما نظام الأسد فلا. لذلك يجوز تفويضه بالواسطة (عبر العراق وروسيا) الاستفادة من المعلومات الاستخباراتية لخوض حرب على «داعش» يراهن عليها النظام لاستعادة اعترافٍ غربي به. وبالطبع، لم يتأخر الروس في التطوّع لنقل رسالة الأسد إلى الولايات المتحدة، أليس الجميع أمام «عدو مشترك» هو «الدولة الإسلامية»؟

صحيح أن كثيرين، وربما مئات الآلاف من السوريين فقدوا حياتهم في المعتقلات وسجون التعذيب، ولكن فلنتوهّم أن الفارق كبير بين مأساتهم ومآسي المدنيين والعسكريين الذين جزّ «داعش» رؤوسهم علناً، في ساحات الرقة وشوارعها.

كل ما يعني الرئيس الأميركي اليوم هو «سرطان داعش» وكيفية استئصاله، أما الوحشية التي أُبيد بها حوالى 190 ألف سوري، فمرشحة حتماً إلى الاستمرار إلى أن يتحقق ذكاء البيت الأبيض من هوية أي فصيل معارض يستحق الدعم والتسليح، لئلا يقع السلاح في الأيدي الخطأ. والبرهان على ذكاء هذه الاستراتيجية أن ترسانة أسلحة أميركية سقطت في أيدي «داعش» خلال غزوها الموصل وتكريت، كان العراقيون دفعوا ثمنها البلايين من الدولارات، وأنهاراً من الدم.

ولكن، أليس من الإنصاف الاعتراف بتعلّم الإدارة الأميركية من الدروس الإيرانية؟ ألا تقاتل طهران حتى الآن على جبهات واسعة في المنطقة بدماء «وطنية»... عراقية ولبنانية وسورية ويمنية، وإلى وقت قريب فلسطينية؟ هكذا تفرض «الحكمة» استخدام نظام بشار رأس حربة في استئصال «سرطان داعش»... مطاردة الإرهاب بالإرهاب، واستئجار آلة القتل الأعمى لتصفية الطغاة الجدد.

فلنتعلم إذاً من «حكمة» أوباما، وقبله دهاء إيران وتشبّث الروس بتوازن العالم على مقياس الكرملين وطموحات سليل الـ «كي جي بي». رغم كل القتل على امتداد مساحات عربية شاسعة، سكت الأميركي عن وحشية الطاغي وإرهاب القتلة، إلى أن أقضّ مضجعه «السرطان». واليوم لا يشكو إلا من قلة جواسيسه في سورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : حول الدعوة الأمريكية إلى تحالف دولي للحرب على الإرهاب  .. الاختلاف على أولويات الاستهداف جذري وجوهري .. أيها العرب ..أيها المسلمون .. احذروا .. زهير سالم

وعد الرئيس أوباما العالم وسكان منطقتنا بشكل خاص بإيفاد وزير خارجيته جون كيري للدعوة إلى تحالف دولي للتصدي لتنظيم الدولة بما يمثله من تهديد إرهابي للعالم أجمع ..

ومن طرفه أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنه سيتوجه مع وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل إلى الشرق الأوسط لتشكيل هذا التحالف الدولي الواسع للتصدي ( لحرب الإبادة ) التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية في سورية وشمال العراق .

إنه من مكرور القول أن نؤكد رفض مجتمعاتنا وبالأخص أصحاب المشروع الإسلامي الوسطي فيها وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين لمشروعات ( المنبتين ) بكل ما فيها من غلو وتطرف وخروج على مبادئ الإسلام الحنيف ودعوته السمحة . والتزام أبناء هذه المجتمعات بقواعد الدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة ..

وإنه من مكرور القول أيضا أن نؤكد إدانتنا التامة لفقه هذه الجماعات ، ولرؤيتها ، ولسياساتها وأساليبها ، واعتبار ما ترتكبه بحق الإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء جرائم تشويه وتنفير ، جرائم دينية وجرائم مدنية ترتكب بحق كل ما هو خير وجميل في دعوة الإسلام وفي حياة الناس .

إن سياسات القتل الممنهج والمفتوح ولأهون الأسباب لهي بحق سياسات إرهابية ، وإن مرتكبي أعمال القتل هذه ضد ( إنسانية الإنسان ) مسلما ومسيحيا سنيا وشيعيا هم إرهابيون يشكلون خطرا على الحياة الإنسانية وعلى الحضارة الإنسانية ، كما يشكلون خطرا بشكل أكبر على الإسلام عقيدة ًوشريعةً وعلى المسلمين وجودا حاضرا ومستقبلا على السواء ..

ولا شك يمتلك أي مشروع للتصدي لهؤلاء ، ولوضع حد لشرورهم وآثامهم مشروعيته وجدارته وأهميته . و مع تقريرنا المسبق أن انطلاق هؤلاء من خلفيات فكرية ضالة ومنحرفة يعطي الأولوية الأولوية في التصدي لهم ومقاومة مشروعهم لحملات التوعية الفكرية التنويرية التي يمكن أن يقوم بها العلماء الأثبات والدعاة المؤهلون .

كل الحقائق التي سبقت هنا مشتقة من بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين . وهم أعلى وأوثق مرجعية شرعية في عالم الإسلام والمسلمين اليوم . هم مرجعية دينية في تجمع فقهي وعلمي ليس للحكومات عليه سلطان .

 إن الحقيقة التي يجب أن نتوقف عندها ونلح عليها في هذا المقام هي أنه وكما كانت هذه التجمعات والتنظيمات ضحية لأفكار ضالة منحرفة عن الإسلام وفقهه وشريعته ؛ فإنها في الوقت نفسه ثمرة مرة لواقع سياسي مليء بالظلم والقسوة والتوحش والتمييز ضد الإسلام وأهله وثقافته وشريعته على كل خطوط الطول في هذا العالم .

وإذا كان للدعوة إلى التحالف للتصدي لهؤلاء أن تبلغ مداها فإنه وكما أنطنا بعلماء المسلمين ودعاتهم أن يبذلوا جهدهم في التوعية والتنوير والتصحيح والإنكار فإنه من الواجب في الوقت نفسه على صناع السياسة الدولية أن يتوقفوا عن الكيل بمعاييرهم المزدوجة ضد الإسلام وأهله . في الكثير من الوقائع والمواطن لا يجد الباحث لها تفسيرا إلا في الروح العنصرية والتعصب الديني المقيت .

لقد كان جميلا من الرئيس اوباما أن يبادر بحركة سريعة تحت عنوان حماية الأقليات في الموصل و في جبل سنجار ؛ ولكن السؤال الذي يقفز إلى عقل كل مسلم وقلبه بالانعكاس الشرطي : أين كانت مبادرة السيد أوباما حول ما يجري على المسلمين : في ميانمار وفي أفريقية الوسطى وفي غزة وفي سورية ..

وهل ما وقع وما زال يقع بحق هؤلاء ( البشر ) في هذه الأقطار ليس حروب إبادة ، ولا هو جرائم حرب ، تستحق الأخذ على أيدي مرتكبيها المجرمين الأشرار . ..؟!

هل لدى الرئيس الأمريكي والغرب المصطف خلفه تمييز عنصري بين الإرهابيين على خلفية عنصرية وبين الضحايا على خلفية دينية ؟! وهل الإرهابي فقط هو المسلم إذا كان سنيا وما يفعله نتنياهو وبشار الأسد وعصابات حسن نصر الله ليس إرهابا ، وضحاياهم لا يستحقون مبادرة ولا إنقاذا ؟!

إن ما ارتكبه هؤلاء الذين يتداعى العالم اليوم لتشكيل حلف للتصدي لهم لأنهم كما يقول كيري يرتكبون (حروب إبادة ) لا يبلغ – منذ سمع العالم باسمهم - عشر معشار ما ارتكبه الإرهابي بشار الأسد القاتل المبير من حرب إبادة بأشكالها وجرائم ضد الإنسانية من قتل بكل وسائل القتل ، ومن اعتقال وتعذيب ، وتدمير وتشريد ضد الإنسان في سورية . نقول الإنسان ونصر على تجريده من أي وصف آخر .

وبالإضافة فإن الإرهابي بشار الأسد وداعميه الروس في العالم ، والإيرانيين وأذرعهم في المنطقة يمتلكون من وسائل الجريمة وأدواتها وأسلحتها مائة ضعف عما يمتلكه هؤلاء الذين يحرص الإعلامي الدولي الموجَّه إلى النفخ في إمكاناتهم ، وتعظيم مخاطرهم ، وتجسيم جرائرهم ، وإلصاق بهم الكثير مما لم يفعلوه على شناعة ما يفعلونه ..

من كل ما سبق نؤكد أن الاستجابة إلى المشاركة في أي تحالف دولي تتزعمه الولايات المتحدة أو غير الولايات المتحدة ، ولا يستند في تأسيسه على محاربة الإرهاب المطلق بحسب جرائمه وجرائره ، وبغض النظر هوية مرتكبيه أو ضحاياه الدينية أو المذهبية أو القومية هي استجابة للانخراط في فعل إرهابي إجرامي عنصري ، يلتحف للقانون الدولي الذي يدوسه المتغطرسون عندما يشاؤون ويطبقونه حيث يشتهون .

ونؤكد أن الاستجابة ، من أي طرف مسلم أو عربي رسمي أو شعبي ، لأي تحالف لا يضع على رأس أولوياته وأهدافه إسقاط بشار الأسد الإرهابي الأول في العالم . والقاتل لأكبر عدد من البشر يمشي على الأرض في هذا العصر ، هي استجابة لدعوة للقتل توظف عنوان الحرب على الإرهاب لقتل الناس على خلفية دينية مذهبية عنصرية استعلائية منحازة ..

كما نؤكد أن إي استجابة ، من أي طرف مسلم أو عربي رسمي أو شعبي ، لأي تحالف لا يأخذ في اعتباره التصدي للإرهابيين الصهيوني والصفوي ويضع حدا لهذين المشروعين الخطيرين اللذين يستهدفان وجود أمتنا ، العربية المسلمة ، وهويتها وثقافتها وكرامة أجيالها هو اشتراك في مؤامرة على الذات سوف يعض المنخرطون أصابعهم ندما حين لا ينفع الندم ..

لم يكن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين رحمه الله الرجل الذي تريده أمته عدلا ورشدا وصلاحا وإصلاحا ، ولكنه كان ( جبل النار ) الذي أراده عمر رضي الله عنه بيننا وبين الصفويين الأشرار . ودخل الكثير من أبناء الأمة وحكامها في التحالف ضده ، وكسروا شوكته فإذا هم شوكتَهم يكسرون وهم لا يشعرون !!

وأنتم أيها المنبتون الضالون المتطرفون ثوبوا إلى أمتكم وعودوا إلى رشدكم ، التزموا أمر الراشدين من علمائكم ودعاتكم ونهجهم وفقههم، وكونوا جند بر وقسط وطاعة ، وانبذوا عقائد التكفير والتنفير ، وتوقفوا عن سياسات القتل والتدمير والترويع ، انبذوا من صفوفكم المندسين من عملاء الإيرانيين والأسديين الذين يزينون لكم الشر والقتل والقسوة والتوحش من حيث تعلمون أو لا تعلمون .

تقوا الله وكونوا مع الصادقين . واعلموا أن معركتنا ليست معكم ، فلا تكونوا الوجه الآخر لرحى الشر والإثم التي تطحن أبناء شعوبكم . ولا تضعوا أنفسكم في طريق ثورتنا تشغلونها عن عدوها ، وتبددون طاقاتها ، وتقطعون عليها طريق انتصارها ، وتجلبون عليها وعلى أمتكم أشرار العالم وأنتم تعلمون أو لاتعلمون ..

نحن أول من حارب الإرهاب في تاريخ هذا العالم ، ونحن أول من يعلن جاهزية لمحاربته. نحارب الإرهاب المتمثل في العدوان على الإنسان : دمه وعرضه وعقيدته ورأيه وماله . وندافع عن إنسانية الإنسان من كل هوية ، ونحارب الإرهابيين من كل هوية ، وننتصر للضحايا على كل هوية . والأولوية دائما للإرهابيين الأخطر فالأخطر ، والأعظم جريرة فالأعظم ، ولن يجد الصادقون في هذا العالم من قتل من الأبرياء رجالا ونساء شيوخا وأطفالا مجرما مثل بشار الأسد ، وستكون البداية به وعنده امتحانا لصدق الصادقين .. لمثل هذا التحالف ندعو ولمثل هذا التحالف نستجيب ..

لندن : 5 ذو القعدة / 1435

31 / 8 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كي لا تبقى "داعش" في سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 27-8-2014

ما إن أعلنت "داعش" عن هجومها في شمال العراق، حتى خرجت أميركا عن سياساتها الانسحابية المعلنة، وبدأت ردود أفعالٍ تنضوي في ما يمكن اعتباره تدخلاً عسكرياً وسياسياً مباشراً في الوضع العراقي.

 في الأيام الأولى، أخذ التدخل صورةً أثارت استغراب مَن سمعوا الناطقة الرسمية باسم واشنطن، وهي تعلن تنسيق الرد الأميركي مع حكومة نوري المالكي وجيشها الذي انهار بسرعة حزيرانية مباغتة. بعد أيام، وقع ابتعاد رسمي عن هذا الخط، اقتربت واشنطن معه من فكرةٍ رفعتها المعارضة العراقية، تقول بتشكيل حكومة وحدة وطنية متوازنة، تلبي رغبات الشعب العراقي ومطالبه، وخصوصاً منه السنّة الذين استبعدهم المالكي من الحكم والسلطة، وعرّضهم لمطاردات وتصفيات أمنية غير مسبوقة في تاريخ العراق، تقوّض ما بين مواطنيه من علاقات وطنية.

أخيراً، ابتعدت أميركا في خطوة ثالثة عن المالكي، وفهمت أن تمسكها به، أو بما أعلن عنه إياد علاوي من تفاهم مع طهران بشأن اتفاق على دعمه، يعني غرقها في مشكلاتٍ تفرض عليها إجراء تغيير جذري في استراتيجيتها الدولية ورفد "الخبراء" الذين أرسلتهم إلى بغداد وأربيل بجيوش محاربة تعود إلى العراق، وربما إلى سورية، مع ما سيعنيه ذلك من نقض لسياسات باراك أوباما، وتخلٍّ عن نظرياته في السياسة الخارجية.

انفكّ الأميركيون عن المالكي، واتخذوا موقفاً قوياً منه، كشف حجم دورهم ونفوذهم في بلد احتلوه، وخرجوا منه بطريقة خُيّل لبعضهم أنها سلّمت بأرجحية الدور الإيراني فيه، لكن سرعة تدخل البيت الأبيض أكدت ما كان يقال عن مسؤولياته الأمنية الوازنة تجاهه، واظهرت أنها مَن سيعيد، من الآن، ترتيب أوضاعه وليس إيران، حتى إن حدث ذلك بالتفاهم معها.

وقع التدخل، إذن، وكان هدفه داعش، التي تتعرض، منذ أسابيع، لغارات جوية أميركية يومية، كبحت هجومه على أربيل ومناطق النفط و"الأقليات" في سهل نينوى وسنجار، وأخرجته من مناطق استراتيجية وحسّاسة، كسد الموصل، ضمن خطة لاحتوائه وقصقصة أجنحته، مفتوحة على تصعيد محتمل سيفضي، إن وقع، إلى تطوير التدخل العسكري وتوسيعه ضده.

تقول المعلومات إن التنظيم يعيد ترتيب أوضاعه، ويعمل لتعويض هزائمه العراقية بانتصاراتٍ يحققها في سورية، حيث امتنعت واشنطن عن إعلان موقفٍ صريحٍ منه، أو أعلنت مواقف تفتقر إلى الانسجام، حرصت فيها على إبقاء ضربٍ من الغموض الخلاق في ما يتعلق بمواقفها المقبلة في بلاد الشام، على الرغم من أنها أبدت خشيتها من أن ينقل التنظيم ثقله الأكبر إليها، ويحولها إلى ركيزته الرئيسة، الأكثر تطرفاً وعنفاً، بينما يغدو العراق ساحة مناوشة وعراك مساعدة أو جانبية.

مهما كانت حسابات أميركا السورية، من الضروري أن يبادر "الائتلاف"، خصوصاً، والمعارضة عموماً، إلى القيام بكل ما من شأنه تشجيع العالم على نقل معركته ضد التنظيم إلى سورية، وذلك لا يكون فقط بعقد مؤتمرات صحافية، تطالب بتدخل عسكري، بل يتحقق في خطوات عملية فورية، عسكرية وسياسية، تبدأ بوضع برنامج عمل وطني مشترك، ومُلزم لقوى المعارضة الفاعلة والرئيسة، تتم بلورته بتعاون وتشارُك أطرافها، هدفه المباشر توحيدها، وفتح طريق الوحدة أمام المقاومة المسلحة، المتمثلة، أساساً، في الجيش الحر والتشكيلات التي تنسب نفسها إليه، مع إيلاء حرصٍ خاص على إحياء الحراك المدني والسلمي، وتوحيد حركة وأنشطة ما يسمونه الخارج والداخل. قد يقول قائل إن هذا الدرب سيكون طويلاً، وهذا صحيح قطعاً، لكن درب الألف ميل يبدأ بخطوةٍ يعني القيام بها البدء بجعله قصيراً، فكيف إن كانت صائبةً ومحكمة، علماً أن طول الطريق لا يعفي أحداً من طرقه، وفعل كل ما هو ضروري لاجتيازه بأقل قدر من الأخطاء والانقسام.

هذا المطلب العملي يُلزم قيادة الائتلاف وكتله إلى التواصل مع جميع أطراف المعارضة، ودعوتها إلى حوار وطني فوري، لوضع مسودة تتضمن ملامح من برنامج عمل وطني، يشارك الجميع في مناقشته واعتماده، تشجع النتائج التي ستترتب عليه، وطنياً، العالَم على الانخراط في الشأن السوري، وفق شروط سورية، وتدفعه إلى رؤية الأمور بأعيننا، ما دمنا سنقيم بفضل إرادتنا الموحدة أوضاعاً توحيدية، تنبذ التشتّت والتمزّق، تؤسس علاقات قوى داخلية محض سورية، تخدم شعبنا وثورته، وتضع حداً للاستقطاب الثنائي المتزايد بين النظام والتنظيمات الأصولية، والذي يخيف العالم من أن يورطه التدخل في قتال معهما، فيتحمل عبء القتال بالنيابة عن معارضةٍ لا تستحق أن يموت من أجلها جنوده، تفتقر إلى الأفكار والخطط والممارسات اللازمة، للوقوف على قدميها، ناهيك عن إغراء العالم بمساعدتها، بالنظر إلى أن أوضاعها الذاتية المتردية تحول دون قيامها، هي نفسها، بجهود مؤثرة ومنظمة، وتحول بين العالم وإمدادها بعونٍ يساعدها على حسم الصراع في سورية لصالح شعبها.

من المستبعد أن تقبل واشنطن انتقال قوة داعش الرئيسة من العراق إلى سورية، إلا إذا كان صحيحاً ما يقال عن نيتها إثارة حرب سنية/ شيعية عامة، سيكون وأشباهه من تنظيمات التطرف والقتل الأعمى رأس حربة السنّة فيها. في هذه الحال، لماذا تسمح أميركا له بالخروج من العراق، إذا كان من الواضح أن خروجه سيقيّد قدرته على خوض حرب كهذه؟ لننسَ، الآن، هذه الفرضية التي تتحدث عن احتمال بعيد التحقُّق اليوم، ولنتذكر أن هناك مَن اتهم أميركا بضرب داعش، لأنها ضد انتشاره في كردستان ومناطق النفط، وتريد إرغامه على البقاء في غرب العراق، المجاور لشرق وشمال شرق سورية، أي لمناطق انتشار قواته قرب بلاد الشام.

ليس مؤكداً بعد أن أميركا ستكرر في سورية ما فعلته في العراق ضد داعش، خصوصاً إن كانت إيران ستتعاون مع واشنطن في بلاد ما بين النهرين، وكان وضع الائتلاف والمعارضة السورية سيبقى على ما هو عليه من تشتّت وعجز وحيرة، وكان التنظيم، السوبر/ قاعدي، سيقبل البقاء غربي العراق، حيث يُراد له أن يرابط، ريثما تتّضح صورة الوضع النهائية مع طهران في الأشهر المقبلة، ويكون في وسع أوباما تقرير خطواته اللاحقة في ضوء التفاهمات التي يجري التفاوض عليها منذ بعض الوقت مع طهران وإسرائيل، فإن حدث ووقع تدخل، فلكي تثبت أميركا للجميع أن دورها المباشر يبدّل أدوارهم، ويحجّم قدراتهم ونفوذهم، وأنها ليست مجرد متفرّج عن بُعد على حدثٍ خطير النتائج على الأوضاع الدولية، بل هي طرف فاعل، لا شبيه لقدراته، يلعب في كل مكان الدور الحاسم الذي يرسمه لنفسه ولغيره.

أما نحن، أهل الصبي، فلا يجوز أن نبقى على الحال الراهنة من الضعف والتمزّق، لأنها تعني انتفاء قدرتنا على التأثير في أي شأن من شؤوننا، بما في ذلك الأخطر والأكثر مصيرية بينها، وعجزنا عن الإفادة من أي موقف، مهما كان مؤيداً لنا، ونجاحنا في جعل الآخرين ينفرون منّا، ويحجمون عن التعامل الجدي معنا، لأننا لن نكون أهلاً للثقة بالنسبة إليهم، لكوننا لسنا أهلاً للثقة في ما بيننا، ولا نعرف ما نريد، ولا كيف نحقّق مصالحنا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مواجهة «داعش» وإعادة فتح الملف السوري .. لؤي حسين

الحياة

الاربعاء 27-8-2014

لم يأتِ تحرك الولايات المتحدة العسكري الأخير ضد «داعش» في العراق ضمن سياقات حربها ضد الإرهاب، بل لحماية الأكراد ومصالحها المباشرة في الإقليم الكردي، ولحماية الصيغة السياسية للدولة العراقية التي أسستها واشنطن بعد غزوها العراق. فنجاح «داعش» في إسقاط الدولة العراقية، أو تغيير صيغتها، أو حتى تثبيت استقرار «الدولة الإسلامية» التي أعلنت عن تأسيسها في العراق وسورية، سيكون إخفاقاً حقيقياً لغزو الولايات المتحدة العراق وإقامة الدولة «الديموقراطية» فيه.

أما «داعش» في سورية، من وجهة النظر الأميركية الحالية، فليست سوى أحد عناصر الفوضى العنفية التي لا تعتبر واشنطن نفسها مسؤولة عنها أو عن تبعاتها، بل تحيل مسؤوليتها إلى النظام السوري وحلفائه الرئيسيين، روسيا وإيران.

بهذا الشكل يبدو واضحاً التمييز الأميركي، وكذلك الغربي، بين «داعش» في العراق و «داعش» في سورية. لكن «داعش» حالة واحدة ممتدة بين العراق وسورية، ولا تمايز نفسها بين البلدين ولا تعترف أصلاً بوجود حدود بين البلدين، بل قامت في فترة سابقة بإلغاء هذه الحدود. وهذا يعني أنه لا يوجد أي إمكانية أمام الولايات المتحدة، إذا أرادت القضاء على «داعش» وإنهاء خطرها على العراق وعلى مصالح واشنطن فيه وفي إقليم كردستان، أن تحاربها في العراق فقط. وهذا ما صرح به مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأميركية، حين قال بإمكانية السيطرة على «داعش» في العراق وإلحاق الهزيمة به، لكن القضاء عليه يتطلب «مهاجمته في سورية وليس في العراق فقط».

غير أن ملاحقة مقاتلي «داعش» من قبل الولايات المتحدة داخل سورية ليس بالأمر البسيط. فالنظام السوري لن يسمح بذلك إطلاقاً. فهو رعى، بشكل أو بآخر، نشوء المجموعات المتطرفة الإرهابية في سورية بهدف استعادة الشرعية الغربية، والدولية عموماً، التي رُفعت عنه جراء إفراطه في مواجهة وقمع الحراك الاحتجاجي المعارض. وبقي يسعى منذ أكثر من ثلاث سنوات للحصول على تكليف غربي بمحاربة الإرهاب، الذي استمر بالتحذير من أنه سيشكل خطراً مستقبلياً على دول الجوار وعلى المجتمع الدولي. لهذا فالنظام السوري لا يحتاج الى ضربات جوية أميركية على قواعد التنظيمات الإرهابية، فهو قادر دوماً على توجيه مثل هذه الضربات بطيرانه، بل يحتاج إلى تكليف علني بمحاربة هذا الإرهاب، الأمر الذي يعيد له الشرعية الدولية ويطوي صفحة وجود معارضة سياسية أو شعبية له، الأمر الذي لا يبدو أن الولايات المتحدة ومِن خلفها الدول الغربية جاهزون له.

النظام السوري ليس سيد قراره في هذه الأمور، بل موسكو وطهران هما مقررتا هذا المستوى في الموضوع السوري. واشنطن تعرف هذا، وتعرف أنهما لن يقبلا منها اختراق الأجواء السورية لضرب «داعش» في سورية من دون اتفاق يشمل كل الأزمة السورية، أي بالنسبة إليهما إعطاء الشرعية للنظام السوري وتكليفه علناً بمحاربة الإرهاب الداعشي وسواه.

إيران، من ناحيتها، قلقة جداً من وجود «داعش» في العراق، ومن اتساع مساحات سيطرته فيه. ولا يمكنها قبول وجود دولة لداعش بحدود طموحة قد تطاول بغداد في لحظة ما. وتدرك طهران أن القضاء على «داعش» في العراق لا يمكن أن يتم من دون القضاء عليها في سورية.

هنا، تتوافق الرؤيتان الأميركية والإيرانية، بل تتقاطع مصالحهما في هذا الموضوع. لكن مجرد وجود مصلحة مشتركة بينهما، في ما يتعلق بداعش، لن يتعدى تلقائياً حدود التعاون والتنسيق في الساحة العراقية ليطاول الساحة السورية. إذ أن ما يجمع أو يفرّق بين هاتين الدولتين، والدول الأخرى - الأطراف في الأزمة السورية، لا يقتصر على الموقف من داعش وكيفية التعامل معها، بل الاشتباك في الموضوع السوري أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

ربما يكون الموقف من «داعش» وكيفية التعامل معها مناسبة لإعادة فتح الملف السوري بعد أن تم السكوت عنه بُعيد مؤتمر جنيف2 ومحادثاته، لكن لن يعني هذا بالضرورة أي تقدم في مسارات حل الأزمة السورية، كما يأمل البعض. فصحيح أن مفتاح حل الأزمة السورية هو توافقات دولية بين الدول الرئيسية في الأزمة، روسيا والولايات المتحدة وإيران والسعودية، لكن المضي في مسارات الحل يحتاج إلى أطراف سورية جاهزة وقادرة على حمل وتحمل مشروع تسووي لا غالب فيه، يكون في مقدوره حماية البلاد من الأخطار التي يولدها «داعش» وتقويض أسس النظام الاستبدادي الذي كان سبباً رئيساً في نشوء «داعش» وأخواته وفي كل الخراب السوري.

لكن مثل هذه الأطراف السورية غير موجودة الآن، فالنظام مقتنع تماماً بأن الولايات المتحدة، ومن خلفها الدول الغربية والإقليمية، ستكون مضطرة لتفويضه بمحاربة «داعش» تحت ضغط خطر «داعش» عليها في العراق. وهو ليس في وارد أي حل آخر غير ذلك. ومن ناحيتها تتأمل المعارضة السورية أن تضطر إيران، تحت ضغط تمدد «داعش» في العراق، إلى التخلي عن بشار الأسد كما تخلت عن نوري المالكي. وهي ليست في وارد أي حل آخر غير ذلك.

إن غياب أي طرف سياسي سوري فاعل في شكل حقيقي في الساحة السورية، ومدرك للمهمات الوطنية الكبرى التي عليه التصدي لها، سيبقي المستقبل السوري غير واضح الآفاق، وعرضة للتقلبات الحادة وفق مواقع القوى الدولية ورؤيتها لمصالحها.

* رئيس تيار بناء الدولة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إعدام شخص واحد جريمة لا تغتفر وقتل أهل غزة مسألة فيها نظر! .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الاربعاء 27-8-2014

بعد أن كادت فصائل الجيش الحر تسقط نظام بشار، خرج إلى ساحة القتال في سورية تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام (داعش)، وبدلا من أن ينضم هذا إلى الجيش الحر في قتال النظام، حاول أن يستولي غدرا على مدن كانت حررتها جبهة النصرة والجيش الحر، مثل مدينة الرقة، بل استعمل القتل لتخويف المواطنين وتثبيت سلطته بتلك المدن. كان بشار الأسد يتفرج على ما يفعله تنظيم الدولة وهو مسرور، بل كان يقصف فصائل الجيش الحر ويتجنب قوات «داعش» لا يمسها بسوء، وبدأ التنظيم بقتال وحدات الجيش الحر وجبهة النصرة.

ومع أن أمريكا كانت قد وضعت تنظيم الدولة على لائحة الإرهاب، وكانت توسعاته في سورية مرصودة بالأقمار الصناعية، الا ان التنظيم قام باجتياح شمال وغرب العراق، واستولى على كميات كبيرة من أسلحة الجيش العراقي المرابط هناك، وأصبحت حكومة نوري المالكي بين عشية وضحاها على كف عفريت أو قاب قوسين أو أدنى من استيلاء «داعش» على بغداد، وأمريكا لا تحرك ساكنا.

وحين قام تنظيم الدولة بقطع رأس الصحافي الأمريكي جيمس فولي، قامت قيامة أوباما ولم تقعد بعد، وأعلن أن «داعش» سيزول من الوجود، وكأن الذين قتلهم التنظيم قبل ذلك لم يكن لهم أدنى اعتبار عند أوباما.

كي لا يفهم أحد خلاف ما أريد، فإني أستعجل القول إن من استحل دما حراما فقد اقترف كبيرة من الكبائر، فقد قال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دماً حراماً». ما ينقل لنا عما يفعله «داعش» مع من خالفه ومع الآمنين، من ان سوق القتل على قدم وساق، يعد جرأة على ارتكاب ما حرمه الله ورسوله، وهو قتل للنفس المعصومة بنص الكتاب والسنة، وإن الإدانة لهذه الأفعال هي أقل ما يقال، بما فيها قتل الصحافي الأمريكي جيمس فولي، لإنه إنسان مستأمن على روحه، مثل باقي الأجانب في سورية والعراق.

صدق الشاعر حين قال: قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن قضية فيها نظر. فقد بقيت الطائرات الإسرائيلية تقصف غزة فتقتل الآلاف وكلهم مدنيون وأكثرهم أطفال ونساء، فماذا فعل الرئيس الأمريكي باراك أوباما لإدانة هذا القصف؟ بل إن أوباما وبان كي مون سارعا لإدانة «حماس» لاختطافها ضابطا صهيونيا، ليتبين بعد ذلك أنه قتل ولم يختطف.

استطرادا؛ إن ما تقوم به إسرائيل من حصار وتجويع لأهل غزة، ومنع الدواء وحليب الأطفال من أن يصلا إليها، لم يحرك شعرة في رأس أوباما. وحتى زوجة محمد الضيف القائد العسكري لحماس وطفله اللذين قتلتهما إسرائيل وهما نائمان، فقد كانت جريمة أكبر من ذبح جيمس فولي على فظاعتها. كل ذلك تحت سمع وبصر زعيمة العالم الحر، ثم تمنع مجلس الأمن من أن يتخذ قرارا واحدا يدين إسرائيل.

دعك من مئة وتسعين ألف سوري (آخر تقرير لحقوق الإنسان) قتلهم بشار الأسد، لم نسمع من أوباما إلا الشجب.. وحتى هذا الشجب لم نعد نسمعه منه اليوم. أما في العراق فقد قضى المالكي ثمانية أعوام في رئاسة الحكومة العراقية مستعملا اسوأ تصرفاته في الفصل الطائفي، فقد قتل عشرات الآلاف من أهل السنة في المعتقلات مستخدما المادة 4 إرهاب، بحق كل من يشعر بمعارضته للمالكي أو أقرباء هؤلاء المعارضين، حتى كادت تصل يده إلى نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، لولا أن الهاشمي هرب خارج العراق ولجأ إلى تركيا، ممارسات المالكي كانت تحصل تحت سمع وبصر الاحتلال الأمريكي قبل خروجه من العراق. فماذا فعل أوباما لإيقاف عمليات الفصل الطائفي بحق أهل السنة؟

التهديد الذي أطلقه الرئيس أوباما مؤخرا ضد «داعش» تأخر كثيرا ولم يعد يجدي. فقد تمكن هذا التنظيم من أراض واسعة احتلها في العراق وسورية، وأصبح إخراجه منها يحتاج إلى تحالف دولي، مثل التحالف الذي تم به احتلال العراق. وحتى تحالف كهذا فإن أقصى ما يمكن أن يفعله تمزيق التنظيم وتحويله إلى دواعش كثيرة، ما يحمّل سورية والعراق عبئا أكبر. لقد بح صوت رجال الثورة في سورية وهم يناشدون أمريكا وأوروبا تسليحهم لمقاومة جيش بشار، ومؤخرا تنظيم «داعش»، ولكن لا حياة لمن تنادي.

يبقى أن نقول إن سياسة واشنطن الخرقاء، خصوصا في فلسطين، جعل الشباب الجهادي يشعر بالإحباط، فيفتش عن الطريقة التي توصله للانتقام من واشنطن. وقد ظنوا ـ خطأ- أن التحاقهم بتنظيم الدولة «داعش» سوف يوصلهم للانتقام من واشنطن. في استبيان على تويتر وعلى ذمته أكد أن 90% من الشباب الجهادي في بعض الدول يسعى للالتحاق بـ»داعش»، ما يحمل الدول التي ينتمي إليها هؤلاء عبئا كبيرا. يقول بعض الباحثين ان واشنطن تعرف ذلك، وتريد خلق الاضطراب في هذه الدول ليسهل عليها الهيمنة عليها، وتلك قضية أخرى!

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إنقاذ ما تبقى من سوريا .. د.خالص جلبي

الاتحاد

الثلاثاء 26/8/2014

طرح معاذ الخطيب مبادرة تحت عنوان «نحو إنقاذ سوريا»، أو بالأصح ما تبقى من سوريا، كما أن مستشاراً سابقاً للأسد دعا إلى شيء شبيه بهذا، وضرورة أن تتحرك الغالبية الرمادية لتشكيل حكومة جديدة وجيش وطني خارج الموالاة والمعارضة.

وحسب الاستراتيجي الصيني القديم «صن تزو» Sun Zu في كتابه الشهير «فن الحرب» Art of War فالفوز في الحرب أربع مراحل، أكثرها مكراً وذكاء، هو الهجوم على الاستراتيجيات، ثم التحالفات، ثم الجنود، وأصعبها وأحفلها بالمعاناة مهاجمة القلاع الحصينة.

ينقل المفكر الجزائري مالك بن نبي عن فيلسوف صيني أنه رأى امرأة تبكي! فأرسل تلميذه يسألها عن سبب البكاء؟ قالت إنه الأسد! البارحة أكل زوجي، وقبله أبي، ومن قبل طفلي! عجيب قال الفيلسوف ولماذا تسكنين هنا حيث الأسد؟ لماذا لم تغادري هذه الأرض حيث يفترس الناس؟ أجابت لأنه توجد حكومة ظالمة! ضرب الفيلسوف يداً على يد، وقال الحق أقول لكم إن الحكومة الظالمة أفظع على الناس من الضواري والأسود!

وفي سؤال ثانٍ من الفيلسوف أيهما أهم الثقة أم المعدات، والأسلحة أم الغذاء؟ احتار التلاميذ في الجواب! قال الفيلسوف كله قابل للتعويض إلا الثقة، فإذا غابت هي غابت معها شمس الإبصار فدخل الناس الظلمات. وفي كتاب «القوة» للفيلسوف «برتراند راسل» فصل عن جدلية الخروج من الغابة وبناء الدولة، وأنها معضلة حقيقية بين فوضى الغابة وطغيان الدول. وأن الجنس البشري تورط في بناء الدول فدخل قفصاً حديدياً محكماً محروساً بلهيب نار يتقلب.

وحسب «ديفيد ليش» في كتابه «سقوط مملكة الأسد» نقلاً عن جورباتشوف، وكيف وصلوا إلى التخلص من الستالينية باتجاه الديمقراطية، أن هذه المرحلة الانتقالية تحتاج إلى قيادتين، الأولى قادرة على التنازل عن السلطة، والثانية طبقة منظمة وواعية وقادرة على أن تتحمل ثقل السلطة الجديدة.

ومن خلال القوانين السابقة يمكن ضغط معنى هذا الكلام في ثلاث معادلات: أن الوصول إلى وضع جديد في سوريا من خلال حوار يحتاج إلى جسر متين من الثقة. وأن الحوار يجب أن يكون من أطراف المعادلة الحاكمة في الصراع. وأن من يصل إلى قرار ينبغي أن يكون عنده من وسائل التنفيذ ما يمكن أن يحيله إلى واقع وتطبيق.

ولو طبقنا هذا على النخبة الموجودة في سوريا، وهل عندها قدرة على التنازل ولمن؟ لكانت الإجابة أنه لا توجد حتى اليوم لا نخبة تتنازل، ولا نخبة تتسلم، وأرجو أن أكون مخطئاً.

ومبادرة الخطيب أخلاقية وكذلك أفكار المستشار السابق، ولكن السياسة، على الأقل حتى اليوم، لا تخاض بالمواعظ، بل بقوانين التوازنات والمصالح.

وحسب قوانين المنظّر الصيني «صن تزو» فإنه من الضروري أن تدخل دماغ خصمك لتعرف كيف يفكر؟ ثم يجب أن تفهم طبيعة التحالفات وضغوطها؟

ثم يبقى السؤال.. من يحكم سوريا يا ترى؟ كان هذا هو السؤال الذي وجهته يوماً إلى طبيب علوي في مرتفعات عسير؟ كان جوابه: هم بالتأكيد ليسوا علوية حمص؟ ومن العجيب أن الاقتتال الذي نراه في ليبيا يقول إنه لا يوجد علوية هناك؟ فلماذا يقتتل الليبيون إذن؟

من ماذا يخاف النظام السوري؟ ما ذا يأمل بعد ثلاث سنوات من الصراع ودخول السنة الرابعة؟ كم عدد الأصابع التي تلعب بالنار في الساحة السورية؟

من أجل إنقاذ سوريا، بكل أخلاقية، وأن النظام قبل التفاوض بل التنازل، لنفترض أن المستحيل ليس مستحيلاً! هل يا ترى سيقف الاقتتال، وكلا الطرفين يرى أنه على حق، وأن الآخر باطل ومجرد عصابات إرهابية؟ بعد بحر الدماء هذه، وكل الدمار، هل ثمة طريقة للغفران؟

هل يمكن الوصول إلى صيغة تفاوضية كما حصل في جنوب أفريقيا من خلال ما عرف بالمصالحة والتأهيل، فكان من قَتَل يحضر أمام من خسروا ابنهم ليسامحوه؟ هل يمكن أن يحصل مثل هذا في سوريا؟ أم أننا في طريق اللاعودة؟ لنفترض كم سيموت بعد حتى نتوقف عن القتل؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بحثاً عن بقايا ضمير بشأن سورية .. ريما فليحان

العهد العربي

الثلاثاء 26/8/2014

لم يكن من الحكمة يوماً ما أن نصدّق أنّ آلافاً خرجوا إلى الشوارع، في معظم الدول العربية، ليتظاهروا ويطالبوا بإسقاط النظام. ولم يكن، أيضاً، مألوفاً أو قابلاً للتصديق سماع ورؤية رئيس دولة عربية يعلن، على الملأ، أنه لم يكن "ينتوي" الترشح لولاية رئاسية جديدة، تحت ضغط المتظاهرين في أحد ميادين العاصمة.

ما كان مألوفاً وقابلاً للتصديق فقط هو ما حصل في سورية، لأن المواطن في هذه البقعة من العالم يدرك، تماماً، أن خروج الناس إلى الشوارع خارج مسيرات التهليل والقرقعة، يعني مباشرة الاعتقال والقصف والتصفية، وعلى الرغم من أن هذه الحقيقة الراسخة عبر الوقائع التاريخية المثبتة، وليس النظريات، تعتبر من البديهيات في ذهنية قاطني هذا الجزء من العالم، إلا أن عقول كثيرين من سياسيي المنطقة ومثقفيها ما فتئت تتفتّق عن نظرياتٍ تبدأ من المؤامرة على النظام العروبي القومي الممانع، المتمثل بالأسد الابن هنا، ولا تنتهي بارتباطها بالماسونية العالمية والإعياء في بحث عن مؤيدات لتلك النظرية.

نعم، أعترف أن المسائل في سورية تأزّمت، واختلط الحابل بالنابل، وباتت الثورة تصارع للحفاظ على بقايا نبض بين سندان النظام والتطرّف من جهة، ومطرقة التدويل والتدخلات الخاطئة من جهه أخرى.

لكن، ما لا يسعني، أبداً، أن أتفهّمه هو التواطؤ الكامل على دمنا. لا يمكنني أن أفهم، مثلاً، أن 1507 من الناس، أكثر من نصفهم أطفال، قضوا نائمين، بينما كانوا يستنشقون الموت في الغوطة، قبل عام، بعد ضرب تلك المناطق بالسلاح الكيماوي، ثم تسير الحياة كالمعتاد، ويبقي أبواق النظام، من مثقفي العالم العربي، أفواههم مفتوحة لدعم القاتل، بل يزدادون وقاحة في اختلاق سيلٍ من أكاذيب يعجز عن قبولها هواة أفلام الخيال العلمي والأطفال، وأقصد الأحياء منهم.

لا يمكنني أن أتفهّم أن جزءاً من هؤلاء المناضلين القدامى في دول المنطقة باتوا يدافعون عن القاتل، ويرحّبون بجرائمه، ويتناسون تاريخه الديكتاتوري المليء بممارسات بشعة، طالت حتى بعضهم يوماً، بل وقضى بعضهم شهوراً في سجون اعتقال الطاغية الأب.

تمر المنطقة، اليوم، بخطر داهم قد يعني تفكيك المجتمع والدول، وإحداث شرخ حقيقي، يحتاج زمناً طويلاً لإصلاحه، إن كان قابلاً للإصلاح، ويحتاج تآزر كل المكونات المجتمعية والسياسية والثقافية، إن كنا نريد فعلاً منع الإمعان في تفتيتنا.

"ترك الانشقاق الذي حصل في المسألة السورية بين المثقفين العرب أثراً كبيراً بالغ الأذى على الرأي العام العربي والعالمي، ولدى السوريين، وساهم في تعقيد الحالة السورية، وتشتيت النظر عن وجع السوريين ودمائهم وتطلعاتهم المشروعة للديموقراطية والحرية والتعددية والمدنية"

ولكن، علينا أن ندرك أن هذا الخطر لا تتحمّل مسؤوليته الثورات، بعمقها المعنوي والفكري والشعبي، لأنها جاءت ارتكاسة طبيعية لسنوات طويلة من القمع والظلم، ولأنها تأتي ضمن السياق التاريخي للأمم وانتفاضاتها في وجه الأنظمة الديكتاتورية.

مَن يتحمّل وزر هذه المرحلة هي الأنظمة الديكتاتورية التي استدرجت كل تلك الفوضى، بسياسة العنف والإقصاء، والمجتمع الدولي الذي أخطأ في سياسته وتعامله مع ما يحصل في سورية، كما سبق وأساء وأخطأ بحق الشعب الفلسطيني، عبر دعم سياسي تاريخي منقطع النظير للصهاينة، والذين كان وجودهم في المنطقة ككيان نتيجة، أيضاً، لسياسات خاطئة في المنطقة، بدأت بوعد بلفور.

نتحمّل جميعنا جزءاً من مسؤولية ما يحصل، بغضّ النظر عمّا إذا كنّا معارضين للأنظمة أم موالين لها، لكن، مَن يتحمل المسؤولية، الآن وفي المستقبل، هم السلبيون من تلك الشريحة التي كان من المنطقي التعويل عليهم، لرفع حامل الوعي والفكر والتنظير، بالمعنى الإيجابي لثورات الربيع العربي، لمنع انزلاقها مثلاً، أو تعثرها، أو وقوعها بأي أخطاء، بدلاً من الإطلال عليها من علِ.

نعم، هناك مثقفون ومناضلون عديدون وقفوا، بإخلاص، إلى جانب انتفاضات الشعوب ضد الديكتاتوريات في ثورات الربيع العربي، وكان لهم دور مشرّف في الاضاءة على ألمنا كشعوب، ونقد الأخطاء وتصويبها. ولكن، ترك الانشقاق الذي حصل في المسألة السورية بين المثقفين العرب أثراً كبيراً بالغ الأذى على الرأي العام العربي والعالمي، ولدى السوريين، وساهم في تعقيد الحالة السورية، وتشتيت النظر عن وجع السوريين ودمائهم وتطلعاتهم المشروعة للديموقراطية والحرية والتعددية والمدنية. وهنا، أتحدث عن ثورتنا البكر التي ولدت، في البداية، بإرادة السوريين، والتي أرادت السلمية والتغيير، قبل أن تعبث بها أيادٍ كثيرة، عدوّة وصديقة وشقيقة، بقصد أو بدونه، وقبل أن تحيلها إلى عشرات الرؤى، وقبل أن يدخل سارقو الثورات من المتطرفين على أجندة السوريين، من أجل تعقيد إضافي يستفيد منه النظام السوري، كما يستفيد منه التطرف، ونخسر به جميعاً على المستويين الوطني والإنساني.

وعلى الرغم من أن السيناريو الذي حصل في سورية، بما يعنيه من سلوك الأسد وأجهزته تجاه الثائرين، كان الأكثر منطقيةً، مقارنةً بسلوك عائلة الأسد تاريخياً في وجه أي تحرك معارض، الا أن هؤلاء، وأقصد الشريحة السلبية من النُّخَب التي وقفت إلى جانب الديكتاتور، تبنّوا نظرية الإنكار التي سوّقها النظام السوري، في إعلامه المسيّس بأجندة أجهزة الاستخبارات، وما تلا ذلك من تخوين المتظاهرين، وربطهم بمؤامرة كونية على بشار الأسد، القائد الفذّ الخارق، إلخ. والذي لا يمكن للسوريات إنجاب مَن يخلفه، فهو القائد "الأبدي" الجديد، بعد موت "الأبدي" السابق.

ما زال الدم السوري مباحاً للجميع، فبين قاطعي الرؤوس وقاذفي اللهب والبراميل المتفجرة عامل مشترك، هو الدماء المسفوحة والبريئة لنساء وأطفال ورجال، كانت لكل منهم ابتسامة وفسحة من حياة قبل أن تُنْتَهب، ولأن الدم السوري ما زال مباحاً ومهدوراً من الجميع، فإنني أناديكم، أنادي بقايا ضمير وفكر حقيقيين، ينتميان للإنسانية والشعوب، ولا يلحق ظلال الطغاة، ألا هل تنتصرون لإنسانيتكم؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : نصف قرن من الخيانة والعمالة بالتنسيق ووزير خارجية بشار الأسد يؤكد " من يريد العدوان على سورية فلينسق معنا " .. زهير سالم

لعلها أصدق كلمة قالها وليد المعلم وزير خارجية بشار الأسد منذ ولدته أمه . فحافظ الأسد من قبل وولده بشار الأسد من بعد ، والجوقة العاملة معهم من وزراء وكبراء ورؤوس للشر كلهم يؤسسون معادلتهم على تمكين الآخرين من غرفة نوم سورية ، وطارق يطرق في ليل وطارق يطرق في نهار ..

ومنذ أطيح بالحكم الوطني في سورية في الثامن من آذار 1963 وغرفة النوم السورية حمى مباح ، ومرتع للأغراب والفرق بين القيادة ومشتقها هو رفض البعض تحكما إقلاب الواو إلى ياء ..

نصف قرن من الخيانة والعمالة وكل شيء يتم في سورية بالتنسيق ،ولو تتبعنا المفردات لضاق بنا المقام ولطال بنا الحديث وكان البيان الأخطر في بيانات الثامن من آذار : حل الأحزاب ، وإغلاق الصحف ، وتهجير الأحرار ، وتهميش شعب فاعل بإخراجه من الفعل الإنساني والحضاري والقومي والوطني ، وإعدام المجتمع الأهلي ، وتجريم المجتمع المدني وكل أولئك ما كان يتم تحت سمع المجتمع الدولي وبصره لولا التنسيق الذي كان أول الأمر ويريد أن يكون اليوم آخره

 واستقبال المهاجر العربي كامل أمين ثابت ( وشبكته ) الممتدة عبر المحافظات ، وتمكينه من أخص خصوصيات الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية كان أيضا بالتنسيق ؛ التنسيق الذي لم يكتشف السوريون تفاصيله وأبعاده حتى اليوم ..

وجريمة السابعة والستين بكل أبعادها وتداعياتها وآثارها الكارثية تمت بالتنسيق...

تم العدوان والتوريط في الحرب بالتنسيق ...

وتم سحب طعام الطوارئ من الجندي السوري قبل الحرب بأكثر من شهر بالتنسيق ..

 وصدر البلاغ 66 معلنا سقوط القنيطرة قبل سقوطها عن حافظ الأسد بالتنسيق ..

 وتم الانسحاب الكيفي بالتنسيق ..

 وتم التمكين من الجولان وبالمقابل من أعناق السوريين بالتنسيق ؛ بالتنسيق نفسه الذي يدعو إلى مثله وزير خارجية بشار الأسد اليوم ..

ثم ...

تم تسعير الحرب الأهلية في لبنان وتغذية أطرافها بالتنسيق ..

 و تم احتلال الأسد للبنان بالتنسيق ..

وتم إخراج ياسر عرفات ومنظمة فتح من لبنان تم بالتنسيق ، ونُزع سلاح المقاومة الفلسطينية بالتنسيق ، وشُرذمت منظمة التحرير بالتنسيق ، ونُفذت مذابح تل الزعتر والكرنتينا بالتنسيق ...

وبالطبع تم الاحتلال الإسرائيلي للبنان بالتنسيق ، ودخل الإسرائيليون لبنان بالتنسيق ونفذت مذابح صبرا وشاتيلا بالتنسيق ...

بالتنسيق تم قمع ثورات الشعب السوري في القرن العشرين ، وبالتنسيق نفذت مجازر حماة وجسر الشغور وحلب ، وبالتنسيق ظل حافظ الأسد ينفذ حفلات الإعدام الأسبوعية ضد أحرار سورية ورجالها في سجن تدمر الرهيب . وبالتنسيق صدر القانون 49 / 1980

وبالتنسيق كُرّس احتلال الجولان ، ومنع السوريون من أي مقاومة لتحرير أرضهم . وبالتنسيق تم إخلاء لبنان من كل مقاومة صادقة . وبالتنسيق تم تأسيس وتغذية وتقوية حزب حسن نصر الله ، وبالتنسيق تم العدوان التمويهي على لبنان وبالتنسيق ذاته تم انتزاع وسام البطولة وصياغة تفاهمات إنهاء العدوان ..

وبالتنسيق تم احتلال العراق ، وبالتنسيق تم تدمير الدولة العراقية ، وبالتنسيق تم استخدام قوى التطرف كأوراق ابتزاز ..

بالتنسيق حصل بشار الأسد أخيرا على فرصته في تدمير الثورة السورية ، وفي إبادة الشعب السوري ، وبالتنسيق أطلقت يد بشار الأسد لشن حرب الإبادة ضد السوريين وبكل أنواع السلاح

بالتنسيق اعتدت عصابات حسن نصر الله على سيادة سورية، وكذا بالتنسيق قامت كتائب ( أبو الفضل العباس ) و( عصائب الحق ) بذبح السوريين ..

وبالتنسيق قام بشار الأسد بالتأسيس والتعهد لكل أوراق التشويه والتخويف والابتزاز ..

وحين يسأل الكثيرون اليوم عن الجديد في كلمات وليد المعلم نقول لا جديد في هذا الكلام بالنسبة للعاملين على بشار الأسد على الإطلاق . كل ما في الأمر أن ثورة الشعب السوري الحر الأبي قد أحرقت الكثير من الأوراق ، وأثارت في الفضاء الرحب على أدعياء الوطنية والسيادة والريادة والمقاومة والممانعة والعداء للشيطان الأكبر الكثير من الغبار فأحرجتهم واضطرتهم إلى ترداد ما كان يقال بليل في وضح النهار ..

مستعدون وأهلا وسهلا بالجميع يقولها وليد المعلم ، والكل يعلم ، أن كلمة الجميع تشمل جارهم الحبيب القريب ساكن الجولان بدون فاتورة ماء ولا كهرباء منذ أربعين عاما .

مستعدون لاستئناف الدور الوظيفي فقط جددوا العقد يقولها بشار الأسد بكل لغة وعلى كل لسان ..

والجواب : حتى يثبت المتعاقد كفاءته وقدرته ولو بقتل وتهجير من تبقى من الملايين العشرين ...

لندن : غرة ذو القعدة 1435

27 / 8 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

متى ينتهي الأبد؟ .. رشا الجندي

(سورية)

العربي الجديد

الثلاثاء 26/8/2014

انطلقت الثورة السورية في 15 آذار 2011، وبمنتهى الرُّقي عبّر الشعب السوري لأول مرّة عن أحلامه في دولة كرامة، دولة حرّة يتساوى فيها السوريون ولا يعتدي أيّ منهم على حقوق الآخر تحت أي مسمى. واليوم بعد مرور ما يناهز الثلاث سنوات، يجلس كل واحدٍ منا ليسأل كيف وصلت سورية من مظاهرات سلمية شعارها "الشعب السوري واحد" إلى أرض جهاد تلتحق بفصائلها أشكال مختلفة من أسوأ البشر، منهم جند حرب ممن يقتات على الكسب السريع في بلد الفوضى والنّهب، ومنهم المجرم الذي وجد في أرضنا مرتعاً لأمراضه النفسية بدءاً من الشعور بالقوّة إزاء ضعف المدنيين العزّل، وانتهاءً بكل ما قد يحلم به من شذوذ.

وفي حين تقف دول الخليج والأردن في مقدمة الدول المصدّرة لمنظري الجانب العقائدي لحلم الخلافة وللمجاهدين الأكثر تمسكاً بناحية الواجب الشرعي في هذه المعركة، فإنّ أفغانستان وباكستان والشيشان تعتبر من الدول المصدّرة للعناصر الجهادية المحروقة، أي إذا اعتبرنا العرب الجهاديين ضباطاً في الحملة، فإنّ هؤلاء المجاهدين هم جنودها الصغار، وكما يبدو فإنّ المغرب العربي، مثل تونس والمغرب، يصدّر العناصر ذات الطموح المادي البحت، بمعنى آخر، المرتزقة، أكثر من السعي إلى إقامة دولة إسلامية، تتمدد على طول المشرق العربي وعرضه، فليس لهؤلاء ولاء مطلق، بل يستمرون بالسرقة، ثم الانشقاق عن الفصائل التي يقاتلون تحت لوائها، ليعودوا أغنياء إلى بلادهم، ويروجوا موجة نهبٍ جديدة.

في ظلّ هذا المشهد المقلق، نقف لنبدي خوفاً كثيراً، فلسنا فقط في حرب أهلية، يقاتل فيه السوريون بعضهم بعضاً، بل إننا في حالة مقلقة قد ينقلب فيها الجنود على ضباطهم العرب، بحكم الغلبة العددية، واستمرار التوافد بشكل واسع إلى أرض "الخلافة" في العراق والشام، بحيث نخسر أرضنا، ليس لصالح أي مشروع جهادي، بل لصالح مشروع جهادي أجنبي مستعمر. والصعود المضطرد لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) التي تضم أعداداً كبيرة من القوات الأجنبية التي تزداد كلّ يوم، يحمل لنا مستقبلاً لحرب استقلال جديدة، لكن نسأل من سيقوم بهذه الحرب!

نعلم، اليوم، أنّ النظام السوري كان قد تغاضى بهدوء عن عمل "مكتب الفرقان" التابع للدولة الإسلامية الحالية بين 2006 و2009 في حمص، ثم أطلق أخطر العناصر الجهادية، بعد اندلاع الثورة، والتي كانت متروكة للتعفّن في سجون النظام السوري.

بكل واقعيّة؛ نحتاج، من جهة، وبإلحاح، إلى مصالحة وطنيةٍ تجمع كل أطراف النزاع، التي تعبت حتى الرمق الأخير من الحرب والتهجير والموت، ومن جهة أخرى، ماذا نفعل مع هذا النظام؟ لقد آذانا أيما إيذاء، ولم يترك للثورة سوى السقوط في فخّ السلاح والدّم، وفُتح الباب على مصراعيه، أمام دول الجوار لإدخال الأجانب الذين يقاتلون لتحرير سورية من الجيش الحرّ، وليس من النظام السوري!

أما النظام السوري، فقد ترك هذه التنظيمات، لعلّها تقضي على الجيش الحرّ، ومن ثمّ يُترك له تصفية الجهاد في سورية، الجهاد نفسه الذي أطلقه وشجع عليه بنفسه.

في النهاية، يعلم السوريون عُمق الورطة التي وقعت فيها الثورة، فقد تمت محاربتها من قوى إقليمية، طامعة بحصّة ما في سورية، ونظام يقف على رأس حكمه ولد مستعدّ لدفع أي ثمن مقابل عدم التفريط بإرث والده، ويتساءل السوريون "متى ينتهي هذا الأبد؟".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تنظيم الدولة ونظرية المؤامرة .. غياث بلال

(سورية)

العربي الجديد

الثلاثاء 26/8/2014

منذ الصغر، تعلمنا في المدارس والمساجد، أن اليهودي ابن سبأ هو من أشعل الفتنة بين مسلمين من الرعيل الأول، تسببت، في نهاية المطاف، بمقتل سيدنا عثمان بن عفان، وأشعلت فتيل الصراعات بين الأجيال التالية من المسلمين إلى اليوم. وكأن جيل الصحابة الذي فتح الشرق والغرب، وهزم الروم والفرس، كان من السذاجة إلى حد استطاع فيه يهودي واحد أن يقلب دولة الخلافة الراشدة رأساً على عقب. ثم نتعلم في المدارس والجامعات أن يهود الدونمة كانوا وراء سقوط الخلافة العثمانية، وأن وعد بلفور سبب ضياع فلسطين، وأن أميركا وراء تفتيت العراق، وأن اسرائيل وراء انتكاسات الثورات العربية أيضاً، وأن الغرب والروس والكفار واليهود والشيوعيين هم دائما سبب تخلفنا وضعفنا وهزائمنا.

هذه سردياتنا للتاريخ. تنحو دائماً إلى البحث عن أسباب الهزيمة لدى الآخر الذي لا قدرة لنا على التأثير عليه. يتبناها النظام السياسي العربي الرسمي، لتبرير فشله في تحقيق الاستقرار والنمو في المجتمعات العربية، ويستبطنها خطباء المساجد، في كل يوم جمعة، في خطاب يدّعي الطهورية المطلقة والمظلومية التاريخية. يزرعها النظام التعليمي الرسمي، ويرعاها الإعلام العربي، حتى تنغرس في وعي الجيل الناشئ، وتصبح من المسلمات. ثم تعضدها التربية المنزلية اليومية التي تبحث عن المتهم لدى نشوب أي أزمة، وتتجاهل أسبابها.

تتعامل هذه العقلية السائدة مع التاريخ ومع الواقع، بمنطق المفعول به الذي لا حول له ولا قوة، وتنتظر ممن تعدهم أعداء الدين والأمة، أو أعداء الوطن، أن يقدموا لأصحابها الورود، ويمدوهم بأسباب النجاح. تتناسى هذه العقلية أنّ تقدم الأمم والمجتمعات والأفراد مبني على التدافع والتنافس، وأن الغرب الذي نتهمه بالتآمر علينا هو المنافس الحضاري الأول، الذي يشاركنا حدود الجغرافيا ووقائع التاريخ، ومن الطبيعي، إن لم نقل من حقه، أن يتصيّد عثراتنا ويستغل هفواتنا، لكي يحافظ على تفوقه وتميزه على من سينافسه الصدارة والحضارة فيما لو استقام حالنا.

 لو قيض لمالك بن نبي أن يدرس هذه الظاهرة، لخرج علينا بنظرية جديدة، مشابهة لنظريته "قابلية الاستعمار"، حيث لا يمكن للمؤامرة أن تنجح من دون أن يكون لدينا من أسباب الفشل والوهن والضعف ما ييسر لها أسباب النجاح والتحقق.

 ولعل أخطر تجليات هذه الذهنية في قراءة التاريخ ومحاكمة الواقع تكمن في حرمان الأجيال من التعامل معهما بحس نقدي، يمكن هذه الأجيال من التحليل الصحيح لأسباب الفشل. فطالما كانت أسباب فشلنا هي تآمر الآخر علينا، فليس أمامنا سوى الانتظار حتى يسمح لنا ذلك الآخر بأن ننتصر، وحتى ذلك الحين، سنشبعه شتماً ولعناً في خطاب لا يكف عن ادعاء الصلاح، ولا يكل عن شكوى المظلومية. أو ربما علينا أن نمحو هذا الآخر من الوجود، لكي يبقى هذا الوجود لنا وحدنا، وعندها، لن يتآمر علينا أحد. فخطباء الجمعة يرددون الأدعية المشهورة في كل أسبوع، فيلعنون هؤلاء "الآخرين"، ويدعون الله أن يفرق شملهم ويستأصل شوكتهم، إلا أن دوائر التعريف لهؤلاء "الآخرين" تضيق باستمرار، حتى أصبح الشريك في الوطن، أو الأخ في الدين والعقيدة هو ذاك الآخر. بل أثبت تنظيم الدولة الإسلامية أن إخوة البارحة أصبحوا، اليوم، هم ذاك الآخر الذي يجب أن يقطف رأسه، لكي يستطيع هذا التنظيم النجاح والتمدد وبناء دولة العدالة والإسلام، حسب فهمه.

لا تخرج تحليلات مختصينا، اليوم، في غالبها عن هذا السياق، فالمعارضون للنظامين السوري والعراقي يعتقدون أن إيران والنظام السوري يقفان وراء ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وتمويله وتوجيهه، فقد حقق لهم مكاسب ما كان لهم أن يحققوا معشارها بدونه، ووضع العالم أمام خيارين: الإرهاب أو الاستبداد.

وفي الوقت نفسه، تعتقد إيران، ومعها النظام السوري وأتباعهما، أن السعوديّة وأميركا وقطر يقفون وراء نشوء هذا التنظيم وتضخمه. من النادر أن نجد تحليلاتٍ، تحاول فهم الأسباب الذاتية التي أدت إلى ظهور هذا التنظيم، والتي تكمن، أساساً، في الثقافة العامة التي ساهم الاستبداد في تخلفها، وتكمن في التعليم وفي الخطاب الديني السائد في بلداننا. في حين تجد محللين عديدين يرجعون أسباب ظهور هذا التنظيم وتمدده إلى السياسات الأميركية المقصودة، أو غير المقصودة، وإلى التخاذل الدولي وفشل الأمم المتحدة، ونقص المدد والسلاح لدى الثوار في سورية. مع العلم أن هذه العوامل الأخيرة لم يكن لها لتنجح، لولا وجود الأسباب الذاتية التي تولدت منها مصائب التطرف والغلو الذي لم يبدأ مع تنظيم الدولة، وإنما ساقه هذا التنظيم إلى أقصى أشكاله وأبشعها.

لا نسعى، هنا، إلى نفي وجود المؤامرات في التاريخ وفي السياسة الدولية المعاصرة، إلا أن الاعتقاد المطلق بنظرية المؤامرة مع الغياب الكامل لأي عملية نقد ذاتي حقيقي، هو النتاج المباشر لغياب روح المبادرة، ولضعف الثقة في النفس، الناجمة عن عقود الاستبداد، والناجمة، قبل ذلك، عن حالة إنكار واقع الانكسار أمام ذاك الغرب، المتفوق علمياً وعسكرياً.

 نظرية المؤامرة هي الناتج العملي للخوف من تحمل المسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل. فهي تمنح أصحابها شعوراً براحة الضمير، ويخفف عنهم ثقل الشعور بالذنب، إذ إنهم ليسوا مسؤولين عما آلت له الأوضاع، الأمر الذي يحرمهم بالضرورة من فرصة المراجعة والتصحيح، فالشعور بالألم الناتج عن تحمل المسؤولية عن الفشل يعد شرطاً لإدراك ضرورة التغيير وتوليد الدوافع للعمل من أجله.

كل قصة نجاح تسبقها حتما تجارب عديدة فاشلة. ولكن الاعتراف بالفشل حين وقوعه، ثم البحث عن أسبابه الحقيقية، من خلال تقييم التجربة والتعلم منها يعد شرطاً أساسياً للوصول إلى النجاح. وهذا لن يتحقق، قبل أن نمتلك روح المسؤولية عن واقعنا وعن مستقبلنا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المتطرفون.. والإسلام الحنيف .. حسين العودات

البيان

25-8-2014

لم يخطئ من قال إن الإرهابيين والمتطرفين قد اختطفوا الإسلام وأضافوا إليه وانتقصوا منه، حتى غدا إسلاماً آخر لا علاقة له فعلياً بصحيح الدين، مما أدى إلى تشويه الإسلام الحقيقي من جهة، والإساءة للمسلمين في مختلف أنحاء العالم من جهة أخرى، ووضع المسلمين الحقيقيين أمام معضلة كبرى. وتبدّت انحرافات هؤلاء المنحرفين واضحةً في تعاملهم مع أتباع الديانات الأخرى، وخاصة من ينتسبون للهوية العربية ويعيشون على الأرض العربية منذ آلاف السنين، وقدموا للحضارة العربية وللثقافة العربية ما لا يمكن حصره من الإنجازات والنجاحات.

نلاحظ أن المجموعات الإرهابية التي استولت على أراضٍ وسكان في سوريا والعراق، اهتمت بأمرين بالدرجة الأولى، وتناست القضايا الأساسية الأكبر والأهم التي تتعلق بمصير الأمة والناس. وهاتان المسألتان هما: شؤون المرأة، والموقف من المسيحيين.

ولم يكن أي من الأمرين ذا أولوية في الإسلام الأول ولا في التاريخ الإسلامي اللاحق، وتناسوا ضرورات التحرر والعدل واحتياجات الناس ورفاههم وتراثهم.

لقد فرض هؤلاء المتطرفون على المرأة لباساً لم يفرضه الإسلام، ولا حتى الفقهاء المتشددون مثلهم عبر التاريخ الإسلامي، وخالفوا الحديث النبوي الشريف الذي أباح كشف وجه المرأة ويديها، ومنعوا تواجد الرجال والنساء في مكان واحد، والبيع للنساء أو العمل معاً، حتى لو كان ذلك لتأمين لقمة العيش، وعاقبوا المرأة على الشبهة، وباعوها سبية بالمزاد العلني، متجاهلين مئات السنين من التقدم الإنساني والقيم الإنسانية والإسلامية أولاً، وفرضوا الجزية في القرن العشرين (مع أن الجزية لها شروط أخرى مختلفة إسلامياً، وفرضت قبل أربعة عشر قرناً.

حيث لم يكن موضوع المواطنة واضحاً، ولم يطبقها الخليفة عمر بن الخطاب على بني تغلب، مراعياً الظروف). هدم المتطرفون الكنائس، مع أن جميع الخلفاء الراشدين والأمويين من بعدهم، لم يهدموا كنيسة واحدة إلا برضى المسيحيين، ومقابل تعويض مجزٍ يساوي أضعاف ثمنها. كما قتلوا المسيحيين من دون ذنب ولا محاكمة، ونعتوا مخالفيهم بالكفر والزندقة والخروج من الدين.

ينبغي أخذ العبر من الإسلام الأول، من عصر الخلفاء الراشدين والقرن الأول الهجري. فقد احتُرمت الحقوق الفردية والجماعية لأهل الكتاب، تنفيذاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: »من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه«، ووصيته بأن »لا يُظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بالحق«. ووصية الخليفة عمر بن الخطاب »أن يقاتل من وراءهم ولا يكلفوا فوق طاقتهم«.

ولهذا كان ضجيج أجراس الكنائس أيام معاوية، يقطع على هذا الخليفة المتقدم في السن قيلولة يحتاج إليها، وعليه وقف المسيحيون أيام الحروب الصليبية مع بني قومهم، وحسب المؤرخ زابوروف فإن »السكان في القسم الشرقي من حوض المتوسط المنتسبين إلى مختلف التيارات والطوائف المسيحية، لم يفتشوا يوماً عن الحماية، لا في الشرق ولا في بيزنطة«. وفي عصر النهضة قال الإمام محمد عبده، إن انتساب غير المسلمين إلى الأمة لا يقل أصالة عن انتساب المسلمين أنفسهم إليها.

وقال نجيب عازوي في القرن الثامن عشر، وهو من النهضويين العرب: »إن هناك أمة عربية واحدة تضم مسيحيين ومسلمين على السواء، وإن المشاكل الدينية التي تنشأ بين أبناء الأديان المختلفة، إنما هي في الحقيقة مشاكل سياسية تثيرها اصطناعياً قوى خارجية لمصلحتها الخاصة«، ويبدو أن الحال ما زال هو الحال، بعد ما يقارب القرنين.

لقد أساء الإرهابيون المتطرفون للإسلام وأعطوا صورة عنه بأنه دين العنف والإقصاء، وعن المسلمين بأنهم قتلة متشوقة للدماء، إضافة للخرافات التي نشروها ونفذوا مضمونها زاعمين أنها أحكام شرعية، ومعظمهم أشباه أميين لا يعرفون عن الدين شيئاً، نصبوا أنفسهم مجتهدين وفقهاء ومفتيين، واستسهلوا قتل الناس من كل الأديان.

وربما كان هؤلاء الإرهابيون والمتطرفون هم الوليد الشرعي للجمود الفقهي الذي حرّف الإسلام وأحكامه الشرعية الحقيقية، وأضافوا إليها بعض السياسة والمواقف التي لا تخرج عن إطار فكرهم المتخلف.

إنهم في الواقع يخترعون ديناً جديداً، لا هو من الإسلام ولا من تعاليمه، ويتجاهلون أربعة عشر قرناً من التطور والتقدم الثقافي والإنساني، ويبتعدون عن أسس الإسلام الصحيح، ويتلاعبون بالدين كله ويؤسسون ديناً جديداً بدائياً!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية والحنين إلى النضال السلمي .. أكرم البني

الحياة

25-8-2014

بعد أن طغى العنف وتجبر، وكاد الناس ينسون النضال السلمي، تبدو حالةً غريبة ومفاجئة صورُ التظاهرات الشعبية وهي تعود في غير منطقة من أرياف دمشق وحماة وإدلب، وكأن الزمن رجع سنوات إلى الوراء، إلى مشهد وسم حياة البلاد في الأشهر الأولى من انطلاق ثورتها.

صحيح أن هذه التظاهرات بدت بسيطة ومحدودة واقتصرت على أيام الجمعة في الأسابيع القليلة المنصرمة، وصحيح أن عدد المتظاهرين قليل ولا تجوز مقارنته بتلك الحشود التي عمت معظم المدن والبلدات قبل أن يحاصرها القمع ويحطمها، لكن كان لافتاً تراجع الشعارات الاسلامية والرايات السوداء في هذه التجمعات أمام تقدم الشعارات القديمة عن الحرية والكرامة والشعب الواحد، مثلما كان لافتاً ظهور إشارات متعمدة لروح الالفة والتضامن، ربما لأن هذه القلة لا تصدق أنها تجمعت من جديد وعادت لتهتف وترفع شعاراتها، وربما لأنها تدرك بأن ما تقوم به يشكل تحدياً كبيراً في مواجهة حملة السلاح وقد باتوا كثراً ويحاصرونها من كل حدب وصوب ولن يتورعوا عن ممارسة أشد أنواع القمع والقهر لإخراسها.

تحار من أين تبدأ في تفسير هذه الظاهرة وتحديد أسبابها، هل تتعلق بشوق وحنين إلى ماضٍ كانت فيه حشود الناس وشعاراتها ترسم حدود التغيير وآفاقه في البلاد؟ أم ترجع إلى النتائج المأسوية التي نجمت عن عسكرة الثورة والثمن الباهظ لاستمرار الصراع الدموي؟ أم هي وجه من وجوه الرد على دور العنف في تنحية الحقلين المدني والأهلي وفي تمكين التنظيمات الاسلاموية المتطرفة من خطف إرادة التغيير وتشويهها وتحويل مناطق واسعة من البلاد إلى ما يشبه الخربة الإنسانية؟ أم هي مجرد اعتراض على تسلط وفساد جماعات أخرى من المعارضة تسيطر في بعض المناطق وتعمل على الاستئثار بكل شيء على حساب حاجات البشر وحقوقهم؟ أم لعلها، في المحصلة، رغبة في استرداد روح الثورة ودور الناس في التغيير، وكأن سنوات العنف الدامي شكلت درساً بليغاً أعاد البشر إلى قناعتهم الأولى بالأهمية الحيوية للنضال السلمي، وبأن طريق السلاح والعنف مسدودة ومحفوفة بالتضحيات والآلام المجانية؟!.

من هذه القناة يمكن النظر إلى الانتقادات التي بدأت تتنامى ضد دعوات تسعير العنف المضاد، أو تطعن بالتكتيكات العسكرية التي اتبعتها جماعات المعارضة المسلحة في دخولها مدناً وبلدات سورية ثم تركها عرضة للحصار والدمار من دون أن تترتب على ذلك أية نتائج سياسية، ومن القناة ذاتها يمكن تفسير تواتر المصالحات أو هدن وقف العنف التي جرت ولا تزال بين السلطة وبعض الأحياء والبلدات المتمردة، على رغم تباين شروط هذه «المصالحات» بين منطقة وأخرى تبعاً لموقعها ولطبيعة الوجود المسلح فيها.

في ما مضى تراجع النهج السلمي للثورة تحت وطأة الخسائر الفادحة التي تكبدها الناس من دون أن يقطفوا ثماراً مستحقة لقاء رهانهم، مرة على هذا النهج في استمــالة الفئات المترددة وتعديل التوازنات القائمة وتبديل المشهد اليومي الذي كان يكتظ بصور تظاهرات تمتد وتتسع وتجر وراءها مزيداً من الضحايا، ومرة في استجرار تعاطف خارجي عربي أو أممي يساهم في وقف العنف والقمع المعمم ويفرض مسارات سياسية لمعالجة الأوضاع المتـــفاقمة، وارتفعت وقتئذٍ اصوات تعلن عجز الطريق السلمي عن إحداث التغيير وتدعو للرد على العنف بعــنف مضاد، متوسلة تنامي الجرعة الانفعالية الطائفية وشدة الغبن جراء عقوبات انتقائية حرمت بعض مناطق الاحتجاج من أهم الحاجات الانسانية، زاد الطين بلة الافتتان بما سمي انتصارات ميدانية حققتها العسكرة، ثم الدور الذي لعبته بعض مصادر التمويل في التشجيع على لغة السلاح.

واليوم تبدو الصورة مغايرة، فثمة حالة من اليأس والإحباط لدى الناس من النتائج الوخيمة التي سببها اللجوء إلى السلاح، ومن سلبية المجتمع الدولي وعجزه عن وقف العنف وفرض حل سياسي، والأهم من تحول أهم المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة إلى بؤر لاستبداد جديد أكثر عشوائية وبربرية.

واستدراكاً يصح السؤال، هل لا تزال ثمة فرصة للعودة إلى الروح السلمية، وهل لا يزال بالإمكان الرهان على دور لمعارضة سياسية مستعدة لتحمل مسؤولية نبذ العنف وإعادة بناء ثقة الناس بوحدتهم وبجدوى نضالاتهم السلمية وبقدرتهم على نقلها إلى أطوار مدنية جديدة تحقق لهم أهدافهم وتبعدهم عن مخاطر الاستمرار في تغليب منطق المكاسرة والغلبة، أم فات الأوان على ذلك وبات مصير المجتمع وما وصل اليه رهينة بيد حملة السلاح وما يخلفه ذلك من مخاطر على وحدة الوطن والدولة؟!

هو درس تاريخي عتيق سطرته دماء الشعوب الثائرة من أجل حريتها، بأن لا سبيل لقيام بديل ديموقراطي من طريق القوة والعنف وتدمير دور المجتمع والسياسة، وليس من خيار لحماية قيم الحياة والعدالة ونصرة حقوق الإنسان سوى خيار النضال السلمي والمدني، أياً تكن التضحيات والآلام.

وإحصائياً كشفت أبحاث متزامنة عن الثورات في العالم، أن 25 في المائة فقط من الثورات المسلحة في القرن المنصرم عرفت النجاح، بينما بلغت نسبة نجاح الثورات السلمية في الفترة ذاتها قرابة الـ80 في المائة، وأظهرت هذه الأبحاث أن الكلفة البشرية كانت باهظة للغاية في الثورات العنيفة والعسكرية، حيث بلغت في بعض الحالات مئات الألوف من الضحايا وملايين المشردين، مقابل أعداد أقل بكثير في الثورات السلمية حتى تلك التي تعرضت لقمع شديد ومديد.

وخلصت هذه الابحاث إلى أنه من بين حوالى 60 ثورة ضد الأنظمة في الربع الأخير من القرن الماضي، كانت هناك 20 حالة لجأت إلى الحل العسكري، 4 منها فقط نجحت في التأسيس لمجتمع مدني وحر، بينما نجحت 32 ثورة سلمية من اصل 40، في بناء مجتمعات تتمتع بالحرية وتحترم قواعد الحياة الديموقراطية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية ليست ملكاً للمعارضة .. آسيان مراد

(سورية)

العربي الجديد

24-8-2014

تحول كل من مفهوم الشعب السوري الثائر، ونظرته تجاه معارضته "السياسية"، التي يجب أن تدافع عن حقوقه، وتمثيله في المحافل الدولية، وتحافظ على زخم حراكه وثورته، إلى مفهوم المافيا! فكثيرون من الشعب السوري يرون أنه لا فرق بين المعارضة والنظام، ما دام المدنيون في الداخل السوري، والمهجرون إلى دول الجوار، هم الخاسرين.

كما يدعي السوريون: أصبحت المعارضة مافيا، تساهم في تأخير إسقاط النظام، وتؤجل النصر عليه، بشخصنة العمل الثوري، وممارسات غير لائقة بها كمعارضة، تعبر عن ثورة شعبية، كما إنه كان في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، أو الحكومة المؤقتة، وخصوصاً بعدما كشفت مصادر عن خروق وفساد داخلهما، التهاء بمشكلات ومناكفات، لا طائل منها، يجب نسيانها وتغليب مصلحة الشعب وثورته عليها.

ليست الثورة السورية ملكاً لشخص ولا منظمة، ولا أي جهة تملك سلطة التحكم بها، مهما ادعت الحق في ذلك، فلم يسمح الشعب السوري لأحد بأن يفرط في حقوقه المشروعة التي قام بالثورة لأجل تحصيلها.

انتفاضة السوريين "الثورة" قضية أمة وشعب وجيل قادم، وإذا فرط بعضهم، لضعف في الهمة، وخور في العزيمة، أو بسبب اليأس المميت الذي يخيم على النفوس المنهزمة، في وقت من الأوقات، فالشعب سرعان ما ينتفض ويفيق وتنهار مشروعات التسوية والتنازلات على رؤوس أصحابها، وتبقى الثورة السورية قضية حية في نفوس السوريين، وقضية لن تموت، حتى يسقط النظام وزبانيته، ويسترد السوريون حقوقهم كاملة، ويعود المهجرون منهم إلى ديارهم الأصلية، حاملين شعلة النصر بأيديهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل ستقوم منطقة عازلة في سورية؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

24-8-2014

في اليوم التالي لسقوطه في الانتخابات التي اختارت مرشح الكتلة الديمقراطية لرئاسة ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، أعلم هادي البحرة أعضاء الكتلة بوجود خطة متّفق عليها مع الأميركيين والأتراك والفرنسيين.. إلخ. لإقامة منطقة حظر جوي، أو منطقة عازلة، بعرض عشرين كيلومتراً على امتداد الحدود الشمالية لسورية، وأضاف أن هذه المهمة كانت ستُنجز في الأشهر الستة المقبلة، في تلميح صريح إلى أننا أحبطنا، بعدم ترشيحه للرئاسة، هذا الإنجاز الحاسم بالنسبة لسورية وثورتها.

سألتُ البحرة إن كان التوافق الدولي على منطقة حظر جوي هو التزام دولي تجاهه شخصياً وليس تجاه الائتلاف ومؤسساته، وأن فشله في الترشّح لرئاسة الائتلاف يمنع تنفيذه، فصمت. وعندما أضفت أن هناك استراتيجية مختلفة، كل الاختلاف، يجري تنفيذها على الأرض اليوم، وافق على قولي.

على ماذا تقوم حكاية الحظر الجوي؟ في الظاهر، تقوم الخطة على الرغبة في نقل الائتلاف والحكومة المؤقتة إلى الداخل السوري، فهل هذا هو حقاً السبب الحقيقي لاختلاق هذه القصة؟ وهل يكفي لقيامها فرض حظر جوي على امتداد حدود سورية الشمالية التي تقع بكاملها تقريباً بين أيدي تنظيم داعش وجبهة النصرة؟ ومَن الذي سيمنع النظام من استخدام مدافعه البعيدة المدى، وطائراته، المزوّدة بصواريخ وقنابل روسية ذكية، من قصف مقرات الائتلاف، الشجاع، من مسافات بعيدة عن منطقة الحظر؟ وما هي القوة التي ستحول دون تقدّم قواته البرية إلى منطقته؟ وهل تفاهم الأميركيون والبحرة مع داعش والنصرة على السماح للائتلاف بالعمل ضدهما والقضاء عليهما، انطلاقاً من المنطقة التي يحتلان معظمها؟

إن أي حديث عن منطقة حظر جوي، يعني الحديث عن تدخلٍّ خارجي، واسع المدى، يغطي مطارات وقواعد صواريخ ورادارات النظام، ومعسكرات جيشه ومناطق انتشاره، فهل العالم عامة، وأميركا خاصة، قررا القيام بتدخل كهذا، لطالما أكّدا أنهما لن يقدما عليه تحت أي ظرف، لأن جيش أميركا ومجتمعها لا يريدان حروباً جديدة، بعدما تعبا من الحروب، وليس في نيتهما الانخراط في حربٍ جديدةٍ، لأسبابٍ كثيرةٍ، منها أنهما يعطيان الأولوية في خططهما لمشكلات الداخل الأميركي، الكثيرة والصعبة، كما قال لنا باراك أوباما، بلسانه، خلال استقباله في البيت الأبيض وفد الائتلاف الذي كان البحرة من أعضائه؟

أخيراً، هل يملك البحرة قوات تمكّنه من الانتقال إلى الداخل وتحميه، في حال تمسك الأميركيون بموقفهم، وبقي الأوروبيون على ضعفهم وتردّدهم؟ وهل يجوز بناء خطة وطنية على خيار خارجي صرف، خصوصاً إن كان أميركياً، يدير أزمة سورية، ولا يرى لها حلاً قريباً؟

رسمت أميركا استراتيجية جديدة لدورها السوري، تقوم على تأهيل وتدريب وتسليح وحدات موثوقة سياسياً وأيديولوجياً، تتكفّل زيادة عديدها وعتادها وارتفاع مستواها القتالي وقدراتها القيادية بتغيير موازين القوى على الأرض، لصالح قوة جديدة، تتحدّر ممّا كان يسمى الجيش الحر.

هذه الاستراتيجية، القائمة على تدخل مباشر تخطيطاً وقيادة، وغير مباشر، في ما يتعلق بالمقاتلين الميدانيين الذين سينفذون الاستراتيجية، هي بديل التدخل المباشر الشامل الذي لا بدّ أن يتم بقوى جوية وبرية وبحرية أميركية وأوروبية، من أجل كسر موازين القوى القائمة على الأرض، وتعويض الضعف الذي أصاب الجيش الحر.

هل ستضع واشنطن حداً لتعبها من الحروب، وستتخلى عن استراتيجيةٍ اعتمدتها بنجاح، حتى الآن، رسمت دورها في سورية، تقوم على نصف تدخل، أو على تدخل محدود وعن بُعد؟ وهل ستتدخل بسلاحها الجوي أولاً، ثم بسائر أسلحتها بعد حينٍ، قد يطول أو يقصر، لأن هادي البحرة لا يملك خطةً لإخراج الائتلاف والعمل الوطني من أزماتٍ قاتلة، أوصلته إليها سياسات كان أحد الضالعين فيها؟

لذلك، ابتكر تقسيماً جديداً للعمل بينه وبين العالم، دوره فيه الحديث عن نقل الائتلاف والحكومة إلى الداخل، ودور العالم فرض منطقة حظر جوي، يدخل من خلالها في حربٍ تُبدّل دوره وحساباته وخياراته، تلبية لرغبة شخص اسمه هادي البحرة، يريد الانتقال إلى مكانٍ لا يمون فيه على دجاجة، دخوله إليه يستدعي تدخلات جوية متكررة، لا يضمن أحد أن تنتهي بقيام منطقة الحظر المطلوبة، وبامتناع مَن تستهدفهم عن القيام بردود فعالة على الغارات.

كأن أميركا لا تعرف أن قيام الائتلاف بمهامه، كمؤسسة عمل وطني، ممكن تماماً من خارج منطقةٍ يحتلها أعداء له ولها، وأن الأخطاء الكارثية التي ارتُكبت، خلال العام الماضي، لا تعود إلى موقع الائتلاف الجغرافي، بل إلى خيارات قيادته وممارساتها. أو كأن البيت الابيض سيسارع إلى تلبية ما يُطلب منه، لأنه يجهل كم ستكون صعبة مهمته في تقسيم العمل المقترح من البحرة الذي توكل إليه مهمة سهلة، هي خوض حربٍ قال دوماً إنها لن تغيّر شيئاً على الأرض، ولن تسهم في إيجاد حل، كي يتجنّب البحرة حرج خلوّ جعبته من أية حلولٍ لأية مشكلات سورية. وأخيراً، كأن واشنطن لا تعرف حجم  التغيير الهائل الذي سيصيب استراتيجيتها العامة حيال المشرق، وما وراءه من إقليم ودول كبيرة ومتوسطة القوة، في حال قررت إقامة منطقة حظر جوي، ستكون، بالتأكيد، صعبة التطبيق إلى أبعد الحدود، من دون تغيير جدي في مواقف إسرائيل وروسيا وإيران، وفي حال تمسكت بخططها الهادفة إلى تقويض دور الأخيرة على محور طهران/ بيروت، هذا إذا ما صرفنا النظر عن تكاليف منطقة الحظر المالية والبشرية.

ولعلم مَن ادّعى أمام الكتلة الديمقراطية أن هناك توافقاً أميركياً/ أوروبياً/ تركياً/ خليجياً على إقامة المنطقة العازلة، فقد أبلغ الاميركيون وبعض الاوروبيين أكثر من جهة في الائتلاف أن ما سمّوها "خطة البحرة" غير واقعية وغير قابلة للتطبيق، وأكدوا أن ما تضمنته من تشكيل فرق شرطة وقوات أمنية أخرى، لا يتطلّب منطقة عازلة، فالشرطة موجودة، وتعمل في حلب وإدلب ومناطق أخرى، وليس عملها بحاجة إلى تدخل عسكري جوي أو بري، بل إلى أموال وتجهيزات حديثة ووسائط نقل وتدريب.

أما دور البحرة في إقامة المنطقة، فسيكون قريباً من الصفر، ليس فقط لأنه لن يجد في نفسه الجرأة على الدخول إليها، بما أنها محتلة من قوى مقاتلة معادية، بل كذلك لأن بعض هذه القوى قد يتعاون مع النظام ضد العدو المشترك، ليورط الأميركيين في حرب مفتوحة على جميع الاحتمالات، في ظل تقدم إرهاب عابر للحدود، لا يبدو أنه سيستسلم للبحرة، أو لأميركا، بعد أول غارة جوية يتعرّض لها، مع أن لدى الأخيرة خيارات أفضل بكثير من الخيار الذي ستطبّقه إكراماً للبحرة.

عندما أبلغنا البحرة بوجود الاتفاق على إقامة المنطقة العازلة، سئل: إذا كان الكلام صحيحاً، وكانت تركيا موافقة على إقامتها، كما تقول، لماذا انسحب مقاتلو المعارضة من منطقة كسب والكيلومترات العشرة إلى غربها وجنوبها من دون قتال؟ هل ستقوم المنطقة خارج الرقعة التي احتلها هؤلاء، أم أن تركيا ليست على اطلاع على الاتفاق المزعوم، أو لم توافق عليه؟ بانتظار الجواب الذي لم ياتِ آنذاك، من المحتّم القول إن الحكاية وما فيها ستنتهي إلى تحميل العالم المسؤولية عن فشل البحرة في الداخل السوري بالذات: حيث يتطلّب خروجه من حال تراجعيةٍ عصيبةٍ ومكلفةٍ، وضع وتطوير خطط عملية وناجعة ترتّب علاقاته وأوضاعه بطرق تمكّنه من وقف تدهوره، وتحقيق غلبة مناطقية، ثم عامة، على النظام والإرهابيين، تشجع العالم، أو تجبره، على دعمه بكل ما هو ضروري لإسقاط نظامه وانتزاع حريته، بدل التلهّي بخطة هَمَيونية وملتبسة، لا قدرة لدى البحرة والائتلاف، في حاله الراهنة، على تنفيذها، أو جعل من يطالبهم بتحقيقها ينفذونها، كلياً أو جزئياً، تصلح للحكي، وتمضية الوقت، ولا تصلح إطلاقاً لإخراج بلادنا من مأزقها المرعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الغرب والرسائل الخاطئة مرةً أخرى: قضية جيمس فولي .. د. وائل مرزا

المدينة

24-8-2014

الغرب والرسائل الخاطئة مرةً أخرى: قضية جيمس فوليأيﱡ رسالةٍ تُرسلها أمريكا، والغرب بشكلٍ عام، للعرب والمسلمين، حين ننظر في ردود الأفعال على مقتل الصحفي الأمريكي على يد (داعش) بطريقتها الوحشية المعروفة؟

مرةً تلو أخرى، تضعُنا ممارساتُ مَن يُفترض بهم أن يكونوا (عالَماً أكثرَ إنسانيةً)، لكي لانقول بابتذال (أكثرَ تقدماً).. تضعُنا وجهاً لوجه، لا أمام نفاقهم وانتهازيتهم وازدواجية معاييرهم فقط، بل أمام مأزقٍ بشري يبدونَ، بأفعالهم، مصممين على ترسيخه وتعقيده على جميع المستويات، حتى لو أدﱠى، في نهاية المطاف إلى انفجارٍ عالمي، من الواضح أن غرور القوة يوهمهم باستحالة حصوله.

كل شيءٍ نتج عن الغدر بهذا الإنسان البريء يمكن أن يصبَّ في خيرٍ ما للإنسانية، إلا المعاني الخسيسة الكامنة في الموقف السياسي لأمريكا وأوروبا من هذه القضية. فهي تؤدي إلى عكس ذلك بالتأكيد.

فبعد وفاته، جاءت كلمات والدته لتُعبَّر عن مشاعر عفوية، فيها الكثير من تلك (الإنسانية) التي نبحث عنها، عندما قالت: "لم نكن فخورين بـ (جيمس) أكثرمن فخرنا به اليوم. لقد وهب حياته ساعياً لإطلاع العالم على معاناة الشعب السوري.نرجو من الخاطفين أن يحفظوا أرواح الرهائن الباقين.هم مثل جيمس أبرياء.ليس لديهم القدرة على التحكم بالسياسة الأمريكية الخارجية في العراق وسوريا وأي مكان في العالم.ممتنون لجيمس للسعادة التي وهبنا إياها.حقاً كان ابناً وأخاً وصحفياً وشخصاً استثنائياً."

هكذا، بينما دفعَ جيمس حياته ثمناً "لإطلاع العالم على معاناة الشعب السوري"، جلست الحكومات، في أمريكا وأوروبا، تتفرج على هذه المعاناة قرابة أربع سنوات الآن، بغض النظر عن كل الشعارات والوعود الكاذبة، وكل الممارسات السياسية التي لا تدخل إلا في إطار (التهريج) تجاه الشعب السوري في مأساته.

قبل مقتل فولي بقليل، لم يطرف جفنٌ لأمريكا وأوروبا حين قررت الأولى، ولَحِقتها الثانية، تسليح حكومة كردستان، وضرب داعش جوياً، وإرسال المستشارين العسكريين إلى العراق، وإلقاء شحنات مساعدة جوية إلى المهجرين والمتضررين.

حصل هذا بسهولةٍ لاتُصدﱠق، فقط لأن داعش اقتربت من خطوط حمراء حقيقية تتعلق بالمصالح الأمريكية..

لم يحتج الأمر لا إلى اجتماعات مجلس أمن، ولا لمؤتمرات دولية، ولا لتشكيل جماعة أصدقاء.. ولم يتطلب استخدام الكذب والنفاق والمناورات السياسية وتوزيع الأدوار بخصوص التعنت الروسي والرفض الصيني، و..(التعقيدات) الداخلية في أمريكا وأوروبا.

وبعد مقتل الرجل، أمكن بسرعةٍ قياسية عقدُ اجتماعٍ لمجلس الأمن تبنَّى في جلسةٍ واحدة، دون كثيرٍ من الجدال، وبالإجماع، وتحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح استخدام القوة لتنفيذه "نزع سلاح وتفكيك داعش وجبهة النصرة.. بشكل فوري و وقف الأعمال الإرهابية"!..

ينظرُ الشعب السوري، الذي قدمَ أكثر من مائتي ألف شهيد على مذبح الحرية، وعلى يد نظامٍ رسمي إرهابي، إلى هذا المشهد السوريالي وهو لايكاد يُصدق ماترى عيناه.

أيﱡ رسالةٍ يُرسلها هذا المشهد، بكل مفارقاته وتناقضاته مع الحد الأدنى من مقتضيات الأخلاق والقانون، ليس فقط إلى الشعب السوري، بل وإلى جميع شعوب العالم؟

"نحن لا نتحرك إلا عندما تُمس شعرةٌ في رأسنا، أما غير ذلك فلتذهب الشعوب الباحثة عن الحرية إلى الجحيم، ومعها كل شعاراتنا عن الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان. هكذا كانت القاعدة دائماً، وهكذا هي الآن، وهكذا ستكون. افهموها أيها الأغبياء".

هذا، بكل اختصار ووضوح، مضمون الرسالة الكامنة فيما يجري من مهزلةٍ تُسمى "سياسة دولية" في منطقتنا العربية.

كيف يمكن لأحدٍ، بعد هذا، أن يحارب التطرف في المنطقة بشكلٍ حقيقي؟ كيف يمكن لكل المعتدلين الإسلاميين، ومعهم المعتدلون الليبراليون والعلمانيون والديمقراطيون وو.. أن يُقنعوا ملايين العرب والمسلمين بأن قَدَرهم مع الغرب، تحديداً، والعالم بشكلٍ عام، ليس الخصومة والحربَ والصراع؟ كيف يمكن، في ظل هذه المهزلة العالمية القميئة، أن يُركِّز هؤلاء، وأي مُصلحٍ كان، على إصلاح الفكر التقليدي السائد، دينياً كان أو غير ذلك، وفي تبيان إشكالاته والإشارة إلى جذور ظاهرة التطرف والإرهاب فيه؟

لسنا هنا في معرض الشكوى أو استجداء الحلول ممن كانوا ولايزالون جزءاً كبيراً من المشكلة: حكومات وساسة أمريكا وأوروبا. وسيظل من يحاولون الإصلاح من أهل المنطقة، أياً كانت خلفيتهم وانتماؤهم، يبذلون مايستطيعون من جهد على طريق الإصلاح.

لكن المطلوب في هذا المقام يتجاوز ذلك إلى أمرٍ، قد يبدو مثالياً، لكنه بالتأكيد أحد الخيارات القليلة المتاحة: التحالفُ مع الضمير الأخلاقي والحقوقي والإنساني في أوروبا وأمريكا، والعالم، والذي تُمثله كلمات والدة جيمس فولي والمعاني الكامنة فيها.

فغرورُ القوة، لدى تلك الحكومات وهؤلاء الساسة، كبيرٌ فعلاً إلى درجةٍ تُعمي أعينهم عن المأزق (الأخلاقي) العالمي الذي يسحبونَ البشرية بأسرِها إليه. ومن الطبيعي، تبعاً لذلك، افتقادُ القدرة لديهم على رؤية احتمالات تحوﱡل ذلك المأزق إلى مأزقٍ سياسي وأمني عابرٍ للقارات، في ظل عولمةٍ غابت معها الحدودُ والموانع، وأصبحت أدواتُها مُتاحةً لكل إنسان وجماعة.

يُغفِلُ هؤلاء، تحت ضغط غرورهم بالقدرة على التحكم بالظواهر البشرية، وعلى ضبطها واستيعابها، أنﱠ الاجتماع البشري مُعقدٌ إلى درجةٍ تجعله، في ظروف معينة، طليقاً جداً من كل القيود. وأن الضغط المستمر، خاصةً حين يحصلُ بوقاحةٍ وصفاقةٍ ليس لها نظير، يمكن أن يُفجِّر في ذلك الاجتماع البشري طاقةً هائلةً تخرج في شكل رد فعلٍ على ذلك الضغط. وأن هذا قابلٌ للحصول بتسارعٍ وقوةٍ يكونان خارج أي حسابات.. حصلَ هذا عشرات المرات في تاريخ البشرية، ويمكن له أن يحصل على الدوام.

ثمة ضميرٌ أخلاقي وحقوقي وإنساني كبيرٌ في هذا العالم الواسع يجب التفكير في التواصل معه بجدية، وهذا الضمير موجودٌ في أوروبا وأمريكا رغم كل الظواهر، فكما كتب أحد الأصدقاء: "التعليقات الغربية، التي جاوزت ستة آلاف تعليق، على صفحة الحرية لجيمس فولي كانت تتمحورحول التعاطف مع الشعب السوري والصلاة لروح جيمس.نادراً ما تجد غضباً أوانفعالاً يتعلق بوصف الإسلام بأنه شرير. ربما تكون استفاقةً مهمة في الوعي الغربي العام ضد التنميط الذي تجذرلعقود".

ذَكَرنا من قبل أن كل شيءٍ نتج عن الغدر بهذا الإنسان البريء يمكن أن يصبَّ في خيرٍ ما للإنسانية. لم لا نحاول إذاً أن نصل إلى ذلك الضمير العالمي، ونتحالف معه، كأحد الخيارات القليلة المُتاحة أمام الجميع؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

21 آب.. يوم لن ينساه السوريون .. نصر الحريري

الشرق الاوسط

الجمعة 22/8/2014

  في الساعة الثانية والنصف فجرا من يوم الأربعاء الموافق 21 آب (أغسطس) 2013، استيقظ أهالي غوطتي دمشق على أصوات انفجارات الصواريخ والقذائف، وهي مأساة اعتاد ألمها السوريون منذ انطلاقة الثورة السورية، لكن ما لم يعتده السوريون هو غاز السارين الذي حملته هذه الصواريخ التي انطلقت من اللواء 155 المتمركز في منطقة القلمون. استمر قصف النظام للغوطتين بالصواريخ المحملة بغاز السارين حتى الساعة الخامسة والنصف فجرا، وفي غضون ساعات رأى العالم أجمع مظاهر الهلع وأجساد الأطفال والنساء والشيوخ تتلوى على أرض المشافي الميدانية في المنطقة.

وفي الذكرى الأولى لهذه المجزرة؛ يستعيد الشعب السوري أحداث المأساة التي نفذها نظام بشار الأسد بحق أهالي الغوطتين، ويتذكر أن تلك المجزرة أدت إلى استشهاد 1507 أشخاص معظمهم من الأطفال والنساء قضوا خلال ساعات خنقا بالسارين.

كان للوعيد الذي أطلقه الرئيس الأميركي باراك أوباما باعتبار استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين خطا أحمر لن يقبل بتجاوزه، أن يقدم نوعا من أنواع العزاء للشعب السوري، لكن لم يكن يخطر ببال أحد من أهالي الضحايا وكافة أبناء سوريا وصولا إلى جميع المتابعين للثورة السورية وحرب النظام على الشعب السوري حول العالم، أن يتمخض الجمل فيلد فأرا، وأن يكتفي المجتمع الدولي، حتى اللحظة على الأقل، بتسليم أداة الجريمة دون معاقبة الجاني، فاتحا الباب على مصراعيه أمام المجرمين والقتلة ليأخذوا عبرة واضحة لا لبس فيها.

لقد أبدت قوى الثورة بالتنسيق مع قيادة أركان الجيش الحر والائتلاف الوطني منذ الأيام الأولى، استعدادها الكامل للتعاون مع لجنة تحقيق منظمة حظر السلاح الكيماوي وتسهيل عملها في المناطق المحررة، وتوجهت اللجنة إلى الغوطة الغربية والغوطة الشرقية بريف دمشق، بالإضافة إلى خان العسل في ريف حلب، وانحصر دورها في تأكيد استخدام السلاح الكيماوي فقط دون تحديد الجهة التي قامت باستخدامه أو تأكيد التهمة على نظام الأسد. وكانت النتيجة قرار مجلس الأمن رقم 2118 الذي يقضي بتسليم نظام الأسد سلاحه الكيماوي. جاء القرار دون تفعيل الفصل السابع في حال تخلف الأخير في تسليم أسلحته، أو تجرأ على إعادة الكرّة في المستقبل، مما فتح الباب واسعا للنظام كي يماطل ويتلاعب بموضوع تسليم الأسلحة ويستخدم هذه القضية ورقة للمساومة.

ورغم أن المجتمع الدولي تمكن من تحييد قدرة نظام الأسد على تصنيع الأسلحة الكيماوية واستخدامها، وبالتالي جنّب الشعب السوري خطر استخدامها ضده، فإن هذا التنازل الذي قدمه النظام بمباركة إيرانية وتنسيق روسي أمده دون شك بأسباب جديدة للاستمرار وقتل الشعب السوري بالأسلحة التقليدية، بل إنه تجرأ على استخدم المواد السامة، كمادة الكلور التي لا تصنف دوليا جزءا من ترسانة النظام الكيماوية نظرا لاستخداماتها المتعددة في الصناعات المحلية، وبهذه الطريقة يكون نظام الأسد قد التف على إرادة المجتمع الدولي واستمر في انتهاكاته ضد المدنيين دون حساب. أما الشعب السوري فلا يمتلك اليوم غير الأمل بالخلاص من المجرمين وتقديمهم إلى العدالة؛ أمل يدخل السكينة إلى أرواحهم المعذبة بعد أن خسروا أحباءهم وبيوتهم ومستقبلهم.. أمل يمنحهم القدرة على الاستمرار في النضال ضد جلادهم.

لكن مثول الجناة، وعلى رأسهم بشار الأسد المسؤول الأول عن القرار السياسي والعسكري بضرب الغوطتين بالكيماوي، أمام العدالة لا يبدو قابلا للتحقيق اليوم، فنظام الأسد، كما هو حال إسرائيل، ليس عضوا في محكمة الجنايات الدولية، ولم يوقع على أي من مواثيقها واتفاقياتها. أما مجلس الأمن فهو معطّل بالفيتو الروسي والصيني، ومن الواضح أنه لا توجد إرادة دولية حقيقية لاستنساخ تجربة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وفي هذا المقام يجدد الائتلاف مطلبه لدول أصدقاء الشعب السوري بتخطي جميع المعوقات والعمل على تطوير دعمهم لقضية الشعب السوري وراء حدود تقديم المعونة الإغاثية بالتوازي مع الدفع باتجاه تفعيل محاسبة مرتكبي الخروقات عن طريق كافة الوسائل المتاحة.

ويبقى دعم الجيش السوري الحر وتزويده بالسلاح النوعي الحل الوحيد لحماية المدنيين من إجرام نظام الأسد الذي يتلقى كافة أشكال الدعم اللوجيستي والمادي والسياسي من روسيا وإيران، دون إغفال دوره في التصدي لجرائم التنظيمات المتطرفة التي أصبحت خطرا حقيقيا يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في سوريا.

* الأمين العام للائتلاف الوطني السوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ذكرى المجازر الكيماوية: أوباما ليس أفضل من أدونيس! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 22/8/2014

محطة CNN الأمريكية شاءت إحياء الذكرى السنوية الأولى للهجمات الكيماوية الوحشية، التي شنّها نظام بشار الأسد على الغوطتَين الشرقية والغربية، فجر 21 آب (أغسطس) 2013؛ بطريقة مبتكرة حقاً، أخلاقياً ومهنياً أيضاً: استضافة بثينة شعبان، مستشارة الأسد الإعلامية، وصاحبة الهرطقة الأشدّ بؤساً وابتذالاً وخبثاً حول تلك الهجمة (أنّ المعارضة السورية خطفت أطفالاً ونساءً وشيوخاً من منطقة الساحل، ونقلتهم إلى الغوطة، ثمّ قصفتهم بالأسلحة الكيماوية)؛ لا لكي تعلّق شعبان على تلك الذكرى، حتى من باب نفيها أو تكرار التخرصات إياها، بل لكي تشرح للمشاهدين دور «حكومة الرئيس بشار الأسد» في مكافحة «داعش»!

في عبارة أخرى، اختارت أتيكا شوبيرت، مذيعة الـCNN التي حاورت شعبان، أن تستذكر الهجمة الكيماوية عن طريق… عدم استذكارها نهائياً، وعدم إحراج شعبان بأيّ سؤال عنها، وعدم إثارة الرابط (كما صارت الموضة الرائجة اليوم) بين إخفاقات سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول سوريا، واستفحال جرائم «داعش» وانتقال أخطارها إلى الجوار… مدهش، في جانب ثانٍ خاصّ، ومهني وأخلاقي أيضاً، أنّ شوبيرت (أندونيسية الأصل، وبنت العالم الثالث على نحو ما) اشتُهرت بتغطيات صحافية دراماتيكية، حول الذكرى الستين لإسقاط القنبلة الذرية على هيروشيما؛ وكذلك محاكمات شوكو أساهارا، مهندس هجمة غاز السارين الإرهابية على طوكيو، سنة 1995؛ والتوتر النووي في شبه جزيرة كوريا، سنة 2006.

ولكن لماذا يعتب المرء على شوبيرت في هذا التقصير، إذا كان المواطن السوري علي أحمد سعيد إسبر (أدونيس)، لم يكتفِ بتجاهل هذه الذكرى، فحسب؛ بل تفادى نهائياً أية إشارة إليها منذ وقوعها، ويتباكى اليوم على ويلات سنجار وقراقوش والموصل، بل ويترحم على أيام «جنكيز خان وهولاكو وبقية الطغاة قبلهما وبعدهما»، ممّن «كانوا على بدائيتهم ووحشيتهم أكثر إنسانية وأصدق إسلاماً من الطغاة الجدد في القرن الحادي والعشرين»؟ ثمّ، في مستوى آخر سوري بدوره، لماذا يُلام أدونيس إذا كانت جهة معارضة مثل «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي» قد تجاهلت الذكرى ـ حتى ساعة كتابة هذه السطور على الأقلّ، واعتماداً على موقع الهيئة الرسمي ـ ولم تنسَ، في المقابل، الترحيب بقرار مجلس الأمن الدولي 2170، «المتعلق بالجماعات الإرهابية المتطرفة في كل من سوريا والعراق»؟

انعدام الاكتراث، أو ندرته، أو قلّته، بصرف النظر عن النوازع الأعمق خلف كلّ مستوى؛ ليس جديداً على مأساة السوريين مع نظام لم يعد يأبه لرادع، أو يقيّده وازع، حتى حين تكون المجازر بين الأشدّ وحشية وبربرية. هنا استعادة، وجيزة، لنماذج من جرائم النظام، ابتداءً من كانون الثاني (يناير)، 2013، وحتى مجازر الغوطتين: مصرع 87 من طلاب جامعة حلب، و106 من أبناء حمص، بينهم نساء وأطفال قُتلوا حرقاً أو بالسلاح الأبيض، والعثور على 80 جثة في نهر قويق بحيّ بستان القصر في حلب؛ وفي شباط (فبراير)، مقتل 83 من المدنيين، بعضهم سقط جراء تفجير قرب مقرّ حزب البعث في دمشق؛ وفي نيسان (أبريل)، أكثر من 483، بينهم نساء وأطفال، في مجزرة «جديدة الفضل» التي ارتكبتها وحدات الحرس الجمهوري؛ وفي أيار (مايو)، إعدام قرابة 50 من السجناء في سجن حلب المركزي، ومقتل 145 رمياً بالرصاص في مجزرة شهدتها مدينة بانياس الساحلية؛ وفي حزيران (يونيو) أجهز الجيش النظامي على 191 مواطناً في مجزرة قرية «رسم النفل» في ريف حلب؛ وفي آب (أغسطس) أسفرت الهجمات الكيماوية على الغوطة عن أكثر من 1500 ضحية.

على صعيد مواقف قوّة كونية عظمى مثل الولايات المتحدة، تحيل ذكرى المجازر الكيماوية إلى ذلك الخطاب المخاتل، والمتحذلق، الذي اعتمده الرئيس الأمريكي في هذا الملفّ. كان النظام السوري قد استخدم الأسلحة الكيماوية مراراً، في مناطق سورية مختلفة، حين أصرّ أوباما على أنّ استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا ما يزال مسألة «تصوّر»، واحتمال «انطباعي» فقط، وليس واقعة ملموسة ومرئية، تستند على أدلة مادية قاطعة. الإدارة، استطراداً، لم تكن متأكدة، أو ليست متأكدة نهائياً وقطعياً، من أنّ النظام السوري قد تجاوز ذلك الخطّ الأحمر الشهير الذي رسمه سيّد البيت الأبيض. لهذا يصعب «تنظيم تحالف دولي» حول أمر «مُتصوَّر» فقط؛ و»لقد جرّبنا هذا من قبل، بالمناسبة، فلم يفلح على نحو سليم»، قال أوباما، في إشارة (صحيحة) إلى الخطأ الذي ارتكبه سلفه جورج بوش الابن في العراق.

هذا بالرغم من أنّ أوباما كان المعنيّ الأوّل بتداعيات ما وقع بعدئذ، وقبلئذ، من استخدام للأسلحة الكيماوية، لأنه كان صاحب الوعد الشهير بأنّ اللجوء إلى هذا السلاح سوف يغيّر قواعد «اللعبة»، وبالتالي سوف يستدعي خطوات أخرى تصعيدية من جانب واشنطن، ضدّ النظام السوري. وقبل شهرين، فقط، من وقوع مجازر الغوطتين، كان أوباما قد أعاد التأكيد على هذا الخطّ، ثمّ تابع طرائق الالتفاف على تبعاته (التي كان هو الذي ألزم نفسه بها!)، حين أكّد: «مهمتي هي أن أزن المصالح الفعلية الحقيقية والشرعية والإنسانية لأمننا القومي في سوريا، ولكن أن أزنها على أساس الخطّ الأساس الذي رسمته، وهو البحث عمّا هو أفضل لمصلحة أمن أمريكا والتأكد من أنني لا أتخذ قرارات مرتكزة على أمل وعلى صلاة، بل على تحليل صلب بمصطلح ما يجعلنا أكثر أماناً، ويكفل استقرار المنطقة».

وفي أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية تقريراً بالغ الأهمية، حول مجازر الغوطة، وقّعه ثلاثة من خيرة أعضاء الفريق الذي يغطّي الشأن السوري: آدم إنتوس، نور ملص، وريما أبوشقرة. الخلاصة، التي تتكىء على شبكة من التفاصيل المترابطة والمتقاطعة، تفيد التالي: كان البنتاغون قد علم بالضربة مسبقاً، وبالتالي يصعب القول إنه لم يسكت على مذبحة كانت وشيكة، كفيلة بالانقلاب إلى صيغة إبادة جماعية؛ تماماً كما حدث بعدئذ، باعترافات مسؤولي البيت الأبيض أنفسهم، ابتداءً من أوباما نفسه، وانتهاءً بوزير خارجيته جون كيري، مروراً بمستشارته للأمن القومي سوزان رايس. الفارق أنّ ضجيج الإدارة وعجيجها لم يصطخب إلا خلال مراحل التلويح بضربة عسكرية ضدّ نظام الأسد، ثمّ خفت وخمد تماماً حين استدار أوباما على عقبيه، وصرف النظر.

أخيراً، كان الموقف الشعبي العامّ في أمريكا، وضمنه معظم التغطيات الإعلامية، يذكّر بمناخات ما بعد انكشاف مذبحة «ماي لاي»؛ التي نفّذتها قوات أمريكية نظامية في فييتنام، سنة 1968، ضدّ المدنيين العزل، وأسفرت عن مقتل قرابة 500 شيخ وامرأة وطفل، وارتكاب فظائع بربرية كالإعدام الجماعي والاغتصاب واللواط والتمثيل بالجثث. ذلك لأنّ عشرات الأصوات الأمريكية، التي ترتدي اليوم أقنعة الطهارة، وتحضّ على تجريد حملات صليبية ضدّ مَنْ تصنّفهم في خانة «الإرهاب»، عشوائياً وكيفما اتفق؛ هي نظائر الأصوات ذاتها التي لم تكتف بالسكوت عن مجرمي الحرب، منفّذي مجزرة «ماي لاي»، فحسب؛ بل حاولت تبريرها ومباركة أبطالها طيلة أسابيع، قبل انكشاف الحقائق على النحو المروّع المعروف.

وفي هذا السياق، تظلّ الدلالة الأهمّ هي الاجذاب الأمريكي، الجَمْعي والهستيري، الشعبي وليس الشعبوي فقط، نحو قراءة المذابح الجماعية بوصفها سيناريوهات لا مفرّ منها؛ أو، في خطّ تأويل آخر، أنها أقلّ ويلات من سواها. الأمر الذي يسمح بتساؤل مشروع: لماذا يتوجب أن يكون الأمريكي أوباما، أفضل من السوري… أدونيس؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من الثورة إلى الحوار .. د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 22/8/2014

ما يزال الغموض يلف حكاية ظهور «داعش» ونموها ومفاجأتها المدهشة للعالم بإعلان دولة «الخلافة»، وقد كبرت الاتهامات والتكهنات، فهناك من يرون أن التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي خرجت عن شعارات الشعب السوري لقيت تشجيعاً من النظام وغض الطرف عنها كي يجد مبرراً لمتابعة قمع الثورة، وإحراج داعميها الذين سيجدون أنفسهم يدعمون إرهاباً. وهناك من يرون أن الولايات المتحدة نفسها عملت على تشتيت المعارضة وإضعاف الجيش الحر، وإهمال المعتدلين من المطالبين بدولة مدنية وبالحرية والديمقراطية، فجاء المتطرفون من كل أصقاع العالم واختطفوا الثورة السورية وأهدافها ليعلنوا دولة الخلافة وليبدؤوا مسيرتهم السياسية بقطع الرؤوس وبتر الأيدي دون محاكمات علنية! ويرى بعض المحللين أن دعم تنظيمات التطرف كان الوسيلة الأنجع لجعل المجتمع الدولي يعيد النظر في موقفه من القضية السورية، ومن ثم يعيد تأهيل النظام ويدعو إلى التحالف معه في حرب أشمل ضد الإرهاب، وهذا ما حدث. ولكن لا توجد أدلة قوية على هذه الفرضيات، وبالوسع نقضها بكون النظام يعرف أن هذه التنظيمات ستنقلب عليه، وستكون في حربها ضده أشد شراسة من الحرب ضد ضباط الجيش الحر الذين هم جنوده وضباطه أصلاً، وخلافهم مع النظام على رغم التراكمات كان منحصراً في رفضهم للحل الأمني الذي طالبهم بقتل أهلهم وقصف مدنهم، ولولا هذا الحرج لبقوا في جيشهم النظامي، وكان بوسع النظام أن يجد حلاً سياسياً معهم لو شاء لأنهم معتدلون ومطالبهم مدنية صرفة.

ومع أن المعارضة والجيش الحر مسؤولان عما حدث بينهم لاحقاً من شقاق وتنافس على المال والسلاح والمناصب إلا أن أصدقاء سوريا مسؤولون أكثر منهم عن حالة التشتت والضياع التي تمت صناعتها قسراً وعبر خطة مدروسة أفقدت المعارضة السياسية والعسكرية كثيراً من مكانتها عند الشعب السوري قبل أن تفقد ما لقيت من احترام دولي.

ولم يعد السوريون يطمئنون إلى دعم المجتمع الدولي منذ أن غض بصره عن جريمة الكيماوي في غوطة دمشق واكتفى بمصادرة السلاح دون أن يعاقب الذين ارتكبوا الجريمة، وهي إلى اليوم أخطر من كل جرائم «داعش» و«حالش» الإرهابية؟ وقد فجع السوريون منذ أن أعلن أصدقاؤهم أنهم قلقون فقط على مستقبل إسرائيل، فهم يخافون أن تقع الأسلحة النوعية في اليد الخطأ التي يمكن أن تستخدمها ضد إسرائيل إذا سقط النظام! وتم التغاضي الدولي عن القتل والتدمير اليومي بالبراميل المتفجرة التي لا تحدد أهدافاً، وكلها سقطت على المدنيين، وتضاعف عدد المعتقلين والموتى تحت التعذيب، وصار المشردون والنازحون واللّاجئون يعدون بالملايين. وبعد فشل مؤتمر جنيف في الوصول إلى حل سياسي فقد السوريون الأمل بالوصول إلى حل، فنشطت التنظيمات المتطرفة للتغرير بالشباب اليائسين، وعزفت على لحن أمجاد الدين والتاريخ، وأفادت من وضع التهميش القاتل لأهل السُّنة في العراق وسوريا، ونهض مشروع «الدولة الإسلامية» المزعومة، ولكنه بدا مشروعاً خاوياً من الحكمة ومن السياسة ومريباً في خوائه، ولا أظن ذلك جهلاً أو غباء سياسياً فحسب، وإنما بدا الخطاب كأنه مشهد تمثيلي من مسلسل دموي يراد أن تغرق فيه بلاد الشام والعراق.

وكان الحديث عن السيف مرجفاً ومثيراً، وقد جاءت ممارسات «داعش» عجيبة كأنها تتقصد الإساءة للإسلام، وجاء طرد المسيحيين وقتل الإيزيديين والتحرش بالأكراد دليلاً واضحاً على أن الهدف ليس بناء «دولة»، وإنما هو فتح ساحة فوضى وتمهيد لحرب دولية ضد العراق وبلاد الشام ستمتد إلى سنوات طويلة، كما كان الأمر في أفغانستان يوم ظهرت «طالبان» فكان أول ما فعلته هدم تمثال بوذا وملاحقة ممرضات مسيحيات والبدء بالجلد وقطع الرؤوس وحظر تعليم النساء، ولهذا لم تنجح «طالبان» سوى في القتل والإجرام، وما أظن أن الأفغان كانوا يحتاجون لمن يقول لهم ما هكذا تبنى الدول. والأمر يتكرر اليوم، وقد بدأ يحقق مآرب من يدعمون «داعش»، فقد استدعت تصرفاتها المحسوبة على الإسلام هجوماً واسعاً على الدين كله، وعلى أهل السنة الذين قد تحسب التجربة عليهم، دون وجه حق، فتقدم حجة للوزير لافروف الذي قال قبل عام: «لن نسمح لأهل السنة أن يصلوا إلى الحكم في سوريا»!

ومهما تكن الظروف الراهنة قاسية فإن المطلوب عمله على الصعيد السوري هو مواجهة هذا التحدي الأكبر الذي يهدد سوريا بأن تكون ساحة حرب عالمية ضد الإرهاب يقتل فيها من لم يقتلوا بعد من المدنيين الأبرياء الباحثين عن الحياة وعن الكرامة الإنسانية، ويتم تدمير ما بقي قائماً من البنى التحتية والمدنية، ويتم نسيان وإهمال فواجع المشردين فيبقون في المخيمات عقوداً قادمة كما بقي الفلسطينيون. وستدفع كل الطوائف ثمن هذه الحرب، ثم لا ينفع ندم ولا رثاء، والحل المتاح أن يسمو السوريون جميعاً إلى مرتبة فوق المعارضة والموالاة، وأن يخرج الرماديون من صمتهم، وأن يتداعى جميع السوريين إلى مؤتمر وطني شامل جامع، يكون مضمون شعاره الحفاظ على سوريا. ويمكن التأسيس على ما وافق عليه العالم في مؤتمر جنيف مرة أخرى، فالأحداث الراهنة تستدعي أن يراجع النظام موقفه، وأن تراجع المعارضة أداءها، ولابد من تقديم تنازلات من الطرفين، كما يحدث في كل مؤتمرات السلام، فقد كفانا ما خسرنا من دماء أبناء شعبنا، وما تعرضوا له من فواجع ومن فقر وتشرد وإذلال، ولابد من الاعتراف بأن مزيداً من العنف لن يحقق نصراً للنظام أو المعارضة، وإنما يحقق مزيداً من الدم المراق. وأدرك أن كثيراً من قادة المعارضة سيرفضون هذه الدعوة كما يرفضها النظام، وأذكّر بما قلت في هذه الصفحة مرات منذ ثلاث سنوات، إن سبب ما وقعنا فيه من كوارث هو الغرور والعناد، ولا حل إلا بالحوار، ولا بديل عنه سوى التقسيم واستمرار الحروب. ولكي ندرأ هذا المصير المحتمل يجب أن يتوافق السوريون على حل وسط، يتم من خلاله تشكيل جمعية وطنية تدعو لمراجعة الدستور، وأن تشهد سوريا مرحلة انتقالية ضمن رؤية جنيف، يتم فيها تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كل الأطياف بصلاحيات كاملة، ويعاد بناء الجيش الوطني وقوى الأمن بقيادة الحكومة وتحت سقف البرلمان، ولن أستبق ما يمكن أن يقرره السوريون، فهذه أفكار يتداولونها كل يوم، ولا طريق إليها سوى الحوار، قبل أن تلتهم النار ما تبقى من سوريا.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com