العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 31 /07/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

خنساوات الثورة... محمد جميل جانودي

نعم يا خنساء ""كفر رومة""(  )  ... نعم أيتها الأم العظيمة... فما أحسب أنه يحنث من يُقسم أنَّ أولَ صدْرٍ يجبُ أن يُعلّق عليه وسامُ انتصارِ الثورة السورية (وهو قادم إن شاء الله) هو صدرك يا أم محمد(  ) ، وصدرُ أخواتك الأخْريَات اللواتي لم تخْل مدينة أو بلدة أو قرية سورية من وجود خنساء فيها...وما خنساواتُ درعا وجسرالشغور وحمص وحماة وبانياس واللاذقية وجبلة ودوما وداريا وقطنا والكسوة وكل ريف دمشق، ودير الزور وحلب وغيرها عنا ببعيدات...

أجل لقد كنتِ عظيمةً حينَ أخذتِ بيديك الحانيتين تمْسحين الدمَ الطاهر الذي صبغ وجه فلذة كبدك محمد بصبغة وردية، فوق بشرته الحنطية اللون، فزاده ذلك جمالاً، وبهاءً.. وكأنه يُهيّأ ليُزَفَّ إلى عروسه من الحور العين بعد أن أدى المهر كاملاً وزيادة...

لقد كنتِ عظيمةً حين كانتْ تنطلق منك كلماتُ الرضا بقضاء الله.. وأنتِ تخاطبين مَن حولك قائلةً: لا.. لا تُعَزّوني بل هنّئوني فالليلة ليلة عرس ولقاء، وليست ليلة مأتَمٍ وفراق...

وكنتِ عظيمةً حين بَرقتْ عيناك فرحًا وأنت تسمعين إحدى الحاضرات تقول لك: إنه يشفع في سبعين من أهله وأرحامه...

وكنت عظيمةً بحقٍّ، حين أخذتْ كلمة ""شهيد"" تنطلقُ من أفواه الحاضرين والحاضرات، فما كان منك إلا مسحت بيمناك على جبينه الغر المتألق وقلت بملء فيك وأنت فخورة ((نعم هو شهيد بإذن الله)) فلله درك من أم جلدة وصبور... ولله درك من أم عطوف وحنون.. ولله درك من أم عزيزة وكريمة... ولله درك من أم وقافة حيث يريد شرع الله أن تقف... فعلّقت شهادته بإذن الله.. وهذا منتهى التأدب مع الله... وهو شهيد بإذن الله تحقيقًا لا تعليقًا... أوليس كان يجهر بكلمة حق في وجه سلطان جائر!.. أوليس باع نفسه لله حين قام مجاهدًا لأجل كلمة واحدة يدعو بها إلى تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار...

فهلاّ دعوتِ أصحاب الفراسة في كل أرجاء الوطن الحبيب، ولاسيّما أولئك الذين ما زالت فراستهم محجوبة بظلمات الطاغي المستبد، قولي لهم تعالوا  وانظروا مليًّا في وجه محمد، لتقرؤوا فيه بشارات الملائكة له وهي تتلقى روحه بأطيب وأهنأ ما تتلقى به روح بشر.. جبين أغر، وبسمة خفيفة على الشفتين،ورائحةٌ كالمسك، وبدن كالحرير لم  يتيبس ولم يتصلب...

قولي لهم: أما تكفيكم هذه أن تكون بينات على صدق ما قضى من أجله محمد...ألا يكفيكم ما ترون من ألَقِ السكينة والطمأنينة اللتين قذفهما الله في قلبي فأصبحت أنظر إلى الشهادة على أنها حياة، وإلى الدم على أنه عطرٌ فواحٌ، وإلى الخروج من على أنه دخول فيالنعيم المقيم...أما يكفيكم كل هذا من بينات لتنطلقوا بها إلى طاغيتكم وتقولوا له: سسننحاز إلى الشعب، ولن نؤثرك على ما رأينا من البينات...فاقض ما أنت قاض...  

لست أدري يا خنساء ((كفر رومة)) أنهنئك بشهادة ابنك أم نهنئ ابنك بعظمتك... والحقُ أنّه لا مشاحة في الأمر؛ فالتهنئة لكما معًا...

بارك الله فيك وفي كل الخنساوات... وهنيئًا لكنَّ جميعًا... وباركَ الله في الثورة الأبية الطاهرة التي كانت سببًا في هذا الخير العظيم الذي حظي به شعب سوريا؛ شيوخًا وشبابًا، آباءً وأمهات، فتيانًا وفتيات...

رأيتُ بعيْنَيكِ عزَّ الوطَنْ        وعزْمًـا تَحَدّى أمـرَّ المِحَنْ

وصبْرًا يُغيظُ العِدا طولُه        وقلْـبًا لربّ الأنـامِ ارتَـهَنْ

فمَا لانَ إلا لذي وقْفَـةٍ        بوجْـهِ الأعادي ودحْرِ الوثَنْ

فبُوركتِ أمّ الشهيـدِ وقدْ      رأيْـتِ فتَـاكِ ازْدَهَى بالكفَنْ

طبعْـتِ على خدِّه قُبْلةً        فعَـمّ شـذاها ربُـوعَ الوطنْ

فأنْتِ الوَلودُ لِشَعْبٍ أبَى        قُيودَ الطّغَـاةِ وأنْ يُمْتهَــنْ

وأنْتِ الْودودُ لمَنْ يَفْتَديْ       بِــلادَ الشـآم بأغْـلى ثَمَنْ

لكِ اليومَ يا أُختُ في شامِنا    مقَـامٌ رفيْـعٌ وقـولٌ حَـسنْ

أأُمَّ الشَّهيْدِ علَيْكِ السَّـلام      نُحيـيْكِ يا أختُ طولَ الزمنْ

الأحد 23/شعبان/1432 الموافق لـ 24/تموز/2011

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأمة بين علماء يقبلون يد السلطان وعلماء يرفضون أن يقبل السلطان يدهم!! .. محمد فاروق الإمام

كلما حاق بالأمة خطب وأحدقت بها النوازل والإحن لجأ الناس إلى علماء الأمة يستنصحونهم ويستلهمون من مواقفهم العزيمة والثبات والصبر على الشدائد حتى يكشف الله عنهم هذه الغمة ويزيل عنهم هذا البلاء الذي حط ترحاله في بلادهم، وما أحوج سورية اليوم، وقد نُكبت بحاكم سادي أعلن الحرب على الله وعلى عباده، فقتل وذبح وشرد ونشر الفساد وحاصر المدن وأهلك الزرع والضرع والحجر والشجر، واستباح حرمة بيوت الله والعباد.. ما أحوج سورية إلى عالم يصدع بقولة الحق لا يخشى في الله لومة لائم يقف في وجه هذا السلطان وقفة شموخ وعز وإباء لا يخاف سطوته ولا جبروته، يصدح صوته بالحق في وجهه غير هياب أو آبه بما قد يُفعل به، وهو واحد من هؤلاء الذين ذبحوا وعذبوا وأهينوا وليس بأحسن منهم فهم وهو من أب واحد وأم واحدة والفيصل بين الجميع التقوى والعمل الصالح (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

هل عقمت أمهات أحفاد خالد وأبي عبيدة وعكرمة والقعقاع أن يلدن أمثال الشيخ العز بن عبد السلام الذي وقف وقفة شموخ وتحدي بوجه السلطان الكامل الأيوبي فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، ولم يكن موقفه أقل جرأة عندما تولى السلطان الصالح إسماعيل مقاليد الحكم في دمشق، الذي تحالف مع الصليبيين، وأعطاهم بيت المقدس وطبرية وعسقلان، وسمح لهم بدخول دمشق، فلم يرضَ الشيخ العز بن عبد السلام بهذا الوضع المهين، فهاجم السلطان في خطبه من فوق منبر المسجد الأموي هجومًا عنيفًا، وقطع الدعاء له في خطب الجمعة، وأفتى بتحريم بيع السلاح للصليبيين أو التعاون معهم، ودعا المسلمين إلى الجهاد.

غضب السلطان الصالح إسماعيل، وأمر بعزل العز بن عبد السلام من إمامة  المسجد الأموي، ومنعه من الفتوى والاتصال بالناس، ولم يكتف بذلك، بل منعه من الخروج من بيته، فقرر عز الدين الهجرة من (دمشق) إلى (مصر) فلما خرج منها

ثار المسلمون في (دمشق) لخروجه، فبعث إليه السلطان أحد وزرائه، فلحق به في نابلس، وطلب منه العودة إلى دمشق، فرفض، فقال له الوزير: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وإلى ما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان، وتعتذر إليه وتقبل يده لا غير.

فقال العز بن عبد السلام: والله يا مسكين، ما أرضى أن يقبل السلطان يدي، فضلاً عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ.. الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، فقال له الوزير: قد أمرني السلطان بذلك، فإما أن تقبله، وإلا اعتقلتك، فقال: افعلوا ما بدا لكم!!

العز بن عبد السلام لم يبع دينه بدنياه كما يفعل بعض علماء الشام اليوم الذين كانوا عوناً لجبروت الحاكم الباغي وطغيانه.. الذين يسوّقون فعاله الشنيعة بليِّ عنق الآيات والأحاديث النبوية الشريفة خدمة لأغراض هذا الحاكم السادي وتبريراً لجرائمه، ويصدرون الفتاوى التي تسهل عليه ارتكاب الفواحش والموبقات والمظالم والأحكام الجائرة، ويحللون ويحرمون ويلغون بعض الشعائر الدينية وتأديتها حتى لا يعرقلوا على هذا الحاكم ارتكاب المزيد من الجرائم.

فقد نشرت جريدة الثورة السورية الرسمية يوم 22 تموز الحالي أن وزارة الأوقاف السورية توجهت بدعوة لموظفيها من المشايخ والخطباء في دمشق إلى اجتماع في الجامع الكويتي يوم الأربعاء 13-7-2011، وقارب عدد الحضور 25 شيخ وخطيب، كان من أبرزهم د. محمد سعيد رمضان البوطي، ومفتي الجمهورية د. أحمد حسون، وعبد الستار السيد وزير الأوقاف، وعدنان أفيوني مفتي دمشق وريفها، والشيخ الجليل كريم راجح، والشيخ رشيد قلم وغيرهم، أفتتح المجلس بكلمة لمفتي الجمهورية د. الحسون أشار فيها لأهمية الإنسان، ومكانته... خلص منها إلى وجوب مساعدة الناس والتخفيف عليهم في هذا الحر وعليه اقترح فضيلته!! أن لا يصلي الناس التراويح في هذا العام بسبب الحر!! رد عليه الشيخ كريم: أن التخفيف يكون في عدد الركعات وليس عدم الصلاة مطلقا!!  فما كان من المفتي إلا أن أفصح عن الهدف من منع صلاة التراويح لا نريد للناس أن تخرج في مظاهرات، كما تحدث عن الفتنة وخطرها أنه بإلغاء صلاة التراويح يكون قد قدم المصلحة على المفسدة المتحققة بخروج المظاهرات وسفك الدماء... فجاء رد الشيخ كريم: أن الأولى أن يتوجه بكلامه للأمن الذي يستبيح دماء الأبرياء، انتهى النقاش وأعقبه كلمة لوزير الأوقاف عبد الستار السيد الذي أعلن خلالها بشكل قاطع قرار وزارة الأوقاف إغلاق المساجد في رمضان هذا العام!! وانتهت الجلسة بقول للشيخ رشيد قلم: سنصلي التروايح ولو في الشارع ثم انسحب جزء من الحضور معربين عن رفضهم لقرار وزارة الأوقاف.

هؤلاء العلماء المقوسي الظهر الذين باعوا دينهم وجثوا على ركبهم يقبلون يد السلطان لأجل دنياهم إرضاء للباغي وتغطية لجرائمه وفسوقه، هم من ابتليت بهم الشام كما ابتليت بحكامها الساديين الذين يشتركون معاً كل منهم باختصاصه، في ذبح السوريين اليوم الذين ثاروا على الظلم الذي حاق بهم وتقلبوا على جمره وتجرعوا مرارته لنحو خمسين عاماً، فلكم الله يا أهل الشام فهو كافيكم شر هؤلاء الشركاء ومنزل سكينته عليكم وناصركم عليهم، لأنكم في ثورتكم تنصرون الله ودينه، وقد بشركم بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قطار النظام السوري والإعلام الكاذب .. بدرالدين حسن قربي

الإعلام السوري من يوم يومه إعلام متميّز ومتفرد ومشهود له، وإنما مع ابتداء الثورة السورية المطالبة بإسقاط النظام زاد فيجرعات التضليل والإفتراء بصورة غير مسبوقة، فوصل الأمر إلى منع كل وسائل الإعلام العالمية والعربية من تغطية الخبر السوري حرصاً على نقائه وصدقهليبقى الخبر صناعة محلية خالصة كأسوأ أنواع منتجات النظام وأقبحها، حتى بات يُنادى عليه في المظاهرات الإعلام السوري كاذب، وصار قولهم: دخيل الله أوقفوا الكذب، مطلباً مضافاً إلى رحيل النظام. وقريباً من هذا الكلام أيضاً ماقاله بشار الأسد منتصف الشهر الماضي في لقاءٍ له مع وفد أهالي جوبر الضاحية الدمشقية الكبيرة الذين انتقدوا الإعلام السوري، وحدّثوه عن كذبه وتضليله وإثارته للفتنة، فوافقهم أن التلفزيون السوري لا يعمل بشكل جيد، فهناك مناطق نفى التلفزيون وجود مظاهرات فيها، وتبين لنا عكس ذلك.

ومع ذلك، فليس قطار الإعلام في كذبه ودجله بأحسن حالاً من القطارات الأخرى للنظام المهرهر أوالمهتري منها والشغّال، ونستدعي حادثة القطار قربمدينة حمص فجر السبت 23 تموز/يوليو الجاري دليلاً واضحاً على وجوب خروجها من الخدمة وقد انتهى عمرها الافتراضي منذ سنين طويلة، وأخذ النظام حقّه ومستحقه من عمر ملايين السوريين مما يستوجب عليه الرحيل، فيكفيه عشرات الآلاف ممن قتل من السوريين، وأمثالهم تعذيباً وسجناً، وأمثال أمثالهم تهجيراً ونفياً في الأرض طوعاً وكرهاً، بل يكفيه ماارتكبه في الأشهر الخمسة الأخيرة من الجرائم ليرحل ويرتاح منه الناس.

أقل مايقال في حادثة القطار أنها كانت فيلماً مليئاً بالأخطاء، سييء الإعداد ورديء الإخراج، نفذته سلطات نظام يودّع أيامه الأخيرة. أولها اختيار مكانٍ فيه سكك حديدية بديلة بجوار السكة التي تم تخريبها لتبقى حركة القطارات اللاحقة سالكة وهو أمر لايحرَص عليه المخرّب طبعاً إلا أن يكون عملاً مدبراً من قبل أجهزة رسمية متخصصة.  وثانيها الصورالإعلاميةالتي أظهرت أن القاطرة الروسية الصنع المستخدمة كانت من الصنف المنسّق من الخدمة من العام 1995،وعربات الركاب أيضاً منسّقة منذ عام 1998، وأن القاطرة والعربات بجملتها مما ظهر في الصور مستقدمة من مقبرة السكك الحديدية في حلب لأداء دورٍ مرسوم في فيلم قبيح، يُراد منه انتهاءً اتهام المتظاهرين وتشويه صورة احتجاجاتهم السلمية،ومن ثمّ تبرير الممارسات القمعية للنظام وتوحشه في القتل والاعتقال وغيرها من الممارسات الظالمة.  أما ثالثها فظنّهم أن المسّرح معدّ ومجهز، فتم إحضار المتفرجين من مراسلي وسائل الإعلام السورية وغيرها على غير العادة، وإنما لم يستطع أحد منهم البتة أن يرى أو يرينا ولو واحداً من مئات الركاب بل ولا أثراً لهم من متاع أو حقائب بجانب القطار المصاب مما يرى عادة في مثل هذه الحوادث.

بالمناسبة، ترتيب حادثة القطار وإخراجه عن سكته، وما قيل في المسألة على أية حال، يذكّرنا بما قيل عن تفجير كنيسة القديسَين في الاسكندرية عشية رأس السنة الحالية والاتهامات التي أطلقت، والاعتقالات التي كانت، وإنما بعد أربعين يوماً ليس أكثر، كانت تنحية مبارك عن الحكم.  ومن ثم انكشف المستور، وبان أن وراء التفجير جهات رسمية مافياوية إجرامية وعلى رأسها وزير الداخلية وقتها.  وعليه فإن أملنا كبير ألا تمضي أربعون يوماً على مافيا الجرائم السورية وشبيحتها أيضاً إلا وينكشف باطل قطار النظام الذي رتب له من قبل من اعتادوا الفبركة والتأليف والقتل والاعتقال والتعذيب، وتدور الدائرة عليهم، ويرى فيهم الشعب المضطهد يوماً أسود ينال فيه كل مجرمٍ منهم بسلطة العدالة والقانون جزاء مااقترفت يداه.  فيوم العدل على الظالم المفتري وإن تأخر قدومه، ولكنه أشد من يوم الجورِ على المظلوم.

إن نظاماً يستقدم قطاراً بقاطرته وعرباته من مقبرة السكك الحديدية، ليرتكب جريمة ينسبها إلى مواطنيه، ويلبّسها عليهم، ليبرر بها فظائع جرائمه وتوحش مجازره وانعدام انسانيته، هو نظام راحل وباتجاه واحد إلى مقبرة الأنظمةكما هي مقبرة القطارات ولكن روحة بلا رجعة، لأن صحيح أمر السوريين ومعهم عشرات الآلاف من أرواح شهدائهم ممن قضوا بفعل جرائمه وحقيقة قرارهم ليس قطاراً عابراً بالقرب من مدينة ابن الوليد، وإنما قطار النظام المستبد جملةً بقاطرته وعرباته.

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=NEXyN17Bq4U

http://www.youtube.com/watch?v=PW8RucxzlGM

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثورات وقودها (الخوف)! .. جواد البشيتي

العرب اليوم

2011-07-24

ربيع الشعوب العربية غزير المعاني; لكنَّ "كَسْر حاجز الخوف (الذي طالما حَجَز شعوبنا عن التعبير عن إرادتها السياسية الحقيقية)" كان من أهم معانيه; وأحسب أنَّ عِلْم النفس السياسي مَدْعوٌّ إلى أنْ يُوْلي هذه الظاهرة السيكولوجية اهتماماً أكبر.

وفي المثال السوري على وجه الخصوص, نَقِف على الأهمية السياسية والثورية ل¯ "الخوف" في إدامة الصراع بين الشعب ونظام الحكم, وفي إذكاء ناره; فإنَّ "قانون الخوف (الثنائي: خوف الثوَّار وخوف نظام الحكم)" هو الذي يَحْكُم هذا الصراع الآن, ويُفَسِّر لنا كثيراً من أوجهه وجوانبه وظواهره.

إنَّ الخوف, خوف الشعب السوري من عواقب وتبعات الثورة على نظام الحكم البعثي الأسدي الذي لا يملك من مقوِّمات البقاء والاستمرار إلاَّ الإرهاب الحر من كل قيد, هو الذي منع هذا الشعب زمناً طويلاً من أنْ ينتفض ويثور وينزل إلى الشارع; مع أنَّ لديه من قوَّة الدافع والحافز إلى تغيير نظام الحكم, أي إسقاطه وإطاحته, ما يكفي لإشعال ثورة تَعْدِل عشرات الثورات, أهميةً ووزناً وحجماً.

الخوف من البطش والقمع منعه زمناً طويلاً من "البدء"; فلمَّا كَسَر حاجز الخوف و"بدأ", استبدَّ به "خوف جديد", هو "الخوف من التوقُّف", أي خوف الثوَّار من عواقب وتبعات مغادرة الشارع, والعودة إلى بيوتهم, بدعوى أنَّ نظام الحكم البعثي الأسدي جنح أخيراً ل¯ "الإصلاح (السياسي والديمقراطي.." من طريق "الحوار مع الشعب وقياداته الثورية الشَّابة"; فنظام الحكم هذا "عَلَّم" شعبه أنَّ تصديقه, والثِّقة به وبنياته ووعوده, هما "الوهم القاتل (لصاحبه)" بعينه, وأنَّ "الفضيلة السياسية" التي قد يلبس لبوسها عن اضطِّرار الآن ليست (بِحُكْم كونها بِنْت الاضطِّرار) من الفضيلة بشيء, وأنَّ التغيير من طريق إطاحته فحسب هو وحده الذي يُشْعِر الثوَّار بالأمن والأمان, ويعيد عشرات ومئات الآلاف من السوريين المنتفضين الثائرين إلى بيوتهم.

لو اسْتَخْذوا لوهم أنَّ نظام الحكم يمكن أنْ يتغيَّر بما يلبِّي مطالبهم السياسية والديمقراطية إنْ هُمْ غادروا الشارع, وجنحوا للحوار معه, فإنَّ أحداً من العقلاء لن يشفق عليهم إذا ما وقعوا في شَرِّ نياتهم الحسنة الطيِّبة, وأسَّسوا للإرهاب والبطش والقمع عهداً جديداً.

سبب بقائه تحوَّل الآن, أو شرع يتحوَّل, إلى سببٍ لهلاكه; فإنَّ زمناً طويلاً من الحكم بالإرهاب والبطش والقمع قد جَعَل الشعب يؤمِن إيماناً لا يتزعزع بأنَّ مغادرته الشارع قبل أنْ يغادِر حاكمه سدة الحكم لن تكون إلى البيوت وإنَّما إلى جهنَّم, وبأنَّ نظام الحكم لا يمكنه أبداً الجَمْع بين أنْ يُصْلِح نفسه سياسياً وديمقراطياً.. بما يلبِّي مطالب الشعب وبين أنْ يبقى على قيد الحياة, وبأنَّ عدم الثِّقة به, وبنيَّاته ووعوده, هو الآن, أو من الآن وصاعداً, بأهمية "درهم وقاية", أي خيرٌ من قنطار علاج.

لقد ذَهَبَ الخوف من "البدء", من بدء الشعب السير في هذا المسار الثوري التاريخي, فحلَّ محلَّه الخوف (الشعبي) من التوقُّف في منتصف الطريق, أو على بُعْد شِبْر من "الهدف النهائي", والذي (أي هذا التوقُّف) يَعْدِل مَوْتَ المرء وهو على بُعْد شِبْر من "هدفه النهائي", وغدت الثورة كقطارٍ يتسارع وقد فَقَد الكابح لحركته; أمَّا "الخيار", خيار الشعب الآن, فَفَقَد من المعنى, واكتسب من المعنى, ما جعل تمييزه من "الاضطِّرار" من الصعوبة والاستعصاء بمكان.

والأزمة نفسها, أي أزمة "نفاد الخيار", و"تَعاظُم شأن الاضطِّرار", في التفكير والعمل, تعصف بنظام الحكم السوري; فهو, أوَّلاً, يبدي مزيداً من العجز البنيوي والخَلْقي عن أنْ يُصْلِح نفسه سياسياً وديمقراطياً.. بما يجعل ثورة شعبه عليه فاقِدةً الدافع والحافِز; وهو, تالياً, يستبدُّ به شعورٌ بالخوف من عواقب وتبعات الرحيل والسقوط; فإنَّ "المحكمة", وبأحكامها العادلة الصارمة, في انتظار الراحلين السَّاقطين.

وهذا الخوف إنَّما يشبه خوف الثوَّار والشعب من التوقُّف في منتصف الطريق, ويضطَّر نظام الحكم السوري, من ثمَّ, إلى خوض الصراع حتى النهاية, وبشتَّى الوسائل والسُّبل, وكأنَّ "الشمشونية" هي ما بقي لديه من "خيار".

وإنَّه لصراعٌ يشبه حرباً ضروساً يخوضها كلا الطرفين أو الخصمين من غير أنْ يَتْرُكَ للآخر مَنْفَذاً للنجاة; أمَّا سبب هذا المأزق فيَكْمُن في نظام الحكم الشمولي الدكتاتوري الاستبدادي في البلاد العربية, أو في "الطابع العربي" لنظام الحكم الشمولي الدكتاتوري الاستبدادي; فهو بالدم والسيف حَكَم, وبهما يَتْرُك الحُكْم, مقيماً الدليل على أنَّه قد نال ما يستحق من "عدالة التاريخ".

لو كان (هو وأمثاله) قابلاً للإصلاح السياسي والديمقراطي.. الذي يُقْنِع الشعب بانتفاء الحاجة إلى التغيير من الشارع, وبالثورة, لَمَا استبدَّ به هذا الخوف من كل حراكٍ شعبي, ومن كل اعتصام للشباب في ميدانٍ ما, ولَمَا سارَع, من ثمَّ, إلى الزجِّ بكل قواه "الرسمية" و"غير الرسمية" في الصراع ضدَّ جمهور صغير من الشباب الثوري المنادي بالحرِّية والديمقراطية والحياة الكريمة والأفضل, وكأنَّ نظام الحكم هذا يخوض معركته الأخيرة من أجل البقاء.

إنَّ أخشى ما يخشاه هو "الشارع", ونزول الشعب إلى الشارع, و"كرة الثلج المتدحرجة"; فهو يَعْلَم أنَّ جدوى القمع يتناسب عكساً مع تنامي "كرة الثلج", فكلَّما امتلأ الشارع بمزيدٍ من المواطنين الرافضين استمرار حُكْمِهم في الطريقة نفسها, ازداد عجز نظام الحكم عن قمعهم, وعَظُم خوفه من عواقب الأمْرِيْن معاً: عواقب الاستخذاء لمطالبهم ومشيئتهم وهُمْ متسلِّحون بهذا الضغط المتعاظم للشارع, وعواقب عدم الاستخذاء.

ومع تعاظُم هذا الخوف المزدوج لا يبقى لدى نظام الحُكْم من التفكير والتدبير إلاَّ ما هو أقرب إلى "الاضطِّرار" منه إلى "الاختيار", فينتهي به الإيمان بأنَّه يستطيع فعل كل شيء بالحراب إلى الجلوس عليها, غير عابئ بمصير الوطن والشعب, وكأنْ لا خيار لديه إلاَّ الكامن في قول الشاعر "إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر"! 0

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وزخم رمضان .. حسام كنفاني

الخليج 24/7/2011

تنوعت محاولات السلطات السورية لاحتواء الموجة الاحتجاجية، بداية من وعد الإصلاح، وصولاً إلى مسرحيات الحوار، من دون أن ينهي ذلك عمليات القتل والقمع، التي لم تتوقف منذ اليوم الأول . لكن المحاولات كلها كانت تؤدي إلى مكان واحد: الزخم الشعبي المعارض يزداد أسبوعاً بعد أسبوع، وجغرافيته تتسع يوماً بعد آخر .

ولا يخفى اليوم ان الخشية الأساس بالنسبة إلى النظام في سوريا هي من شهر رمضان، الذي يحل بعد أقل من عشرة أيام . الكلام في سوريا اليوم هو عن محاولات إضافية مرتقبة للاحتواء أو الحسم قبل بداية شهر الصيام، ولا سيما أنه قد يتحول إلى مناسبة للاحتجاج اليومي بشكل موسع جداً . ففي حين اقتصرت التظاهرات الحاشدة خلال الأشهر الخمسة الماضية على أيام الجمعة، من المرتقب أن تكون هناك أكثر من تظاهرة جمعة في اليوم الواحد، وخصوصاً مع صلاتي الفجر والتراويح التي تتبع العشاء .

الوقت يدهم النظام في سوريا، وأي مساع لإنهاء الحركة الاحتجاجية لا يبدو أنها ستفي بالغرض، وخصوصاً أن القمع الدموي ما عاد ينفع لبث الرعب في نفوس المتظاهرين، الذين أسقطوا جدار الخوف منذ اللحظة التي خرجوا فيها حاملين أرواحهم على أكفهم للمطالبة ببعض الحرية، غير أن أسلوب تعامل النظام معهم ساهم في دحرجة كرة الثلج لتصل إلى حدود المطالبة بإسقاط النظام سبيلاً لإنهاء الانتفاضة أو الثورة .

شبح الحرب الأهلية أو الطائفية هو أحدث ما يسعى البعض إلى الترويج له في الداخل السوري . قد لا يكون الترويج مجافياً للحقيقة، غير أنه من المؤكد مبالغ فيه إلى درجة كبيرة . قد تكون هناك بعض الأصوات الشاذة عن الخط العام للشارع الذي لا يزال يهتف “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”، ضمن إطار وعي جماعي مدرك لمحاولة إضفاء الطابع الطائفي على الحركة الاحتجاجية .

الخشية من الصراع الطائفي أو الحرب الأهلية تؤرق الكثير من المثقفين والناشطين السوريين، غير أن معظمهم مدرك أن مثل هذا التهديد هو الورقة التي يلوّح بها النظام من اليوم الأول، ولا يتوانون عن اتهامه بتذكية مثل هذه الصراعات، والسعي إليها، لحرف الحركة الاحتجاجية عن مسارها .

مثل هذا الأمر هو إحدى الوسائل التي قد يلجأ إليها الحكم في المرحلة المقبلة لتبرير عملية “حسم عسكري” كبيرة، لتجنّب الزخم الذي يراه آتياً مع شهر رمضان، غير أن الوعي الواضح لدى النخبة السورية، التي تحظى بالكثير من الاحترام لدى غالبية الشارع المحتج، لا شك سيبقي الثورة في مسارها، لتكون على موعد مع الزخم .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حوار ضد النظام! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

24-7-2011

يبدو لمن ينظر من بعيد وكأنه لا صوت يعلو على صوت الحوار في سوريا، فالكلمة تستخدم في جميع المناسبات وكأنها وصفة سحرية فيها شفاء البلاد والعباد من أمراض مزمنة وعلل مهلكة. ومن يستمع إلى إحدى محطات الإذاعة، التي تعهدت بأن تهتم بأي شأن سياسي ووقع أصحابها وثيقة مكتوبة التزموا فيها بذلك عندما منحوا رخصة تشغيلها، يجد أنها صارت تتحدث عن الحوار ليلا ونهارا فقط. أما من كان يجد حرجا في إيجاد عدد كاف من أغاني الحب لتقديمها إلى الشباب، لأنه ممنوع من الحديث عن أي مشكلة من مشكلاتهم تخرج عن نار الحب ولوعة الفراق، أخذ يحث الشباب على التظاهر من أجل الحوار، حتى إن محطات تلفاز متعددة بدأت تأخذ على المعارضة عدم جديتها في تناول مسائل الحوار، وتعيب عليها تبعثرها، الذي يقيد يدها خلال الحوار ويجعل مواقفها متباينة، علما أن هذه المحطات بالذات كانت تنكر إلى ما قبل أسابيع قليلة وجود أي نوع من المعارضة في سوريا، وتقدم صورة بلد تشكل سلطته وشعبه جسدا واحدا وإرادة واحدة، لا محل لأي كائن غيرهما في سوريا، مهما كان عدده قليلا ووجوده نادرا!

فجأة، صار الحوار موضوع الساعة، وصار له هيئة وأنصار ومروجون متحمسون، وصارت له خطة جعلته يمر بمرحلتين: واحدة تنتهي إلى «لقاء تشاوري» يحدد مواضيعه وآلياته، وأخرى إلى «مؤتمر وطني» يقرر نوع التغيير المطلوب لسوريا وحجمه وحدوده وقواه. ومع أن الحوار لم يكن في أي يوم فكرة السلطة أو مطلبها، فإن تهافت إعلامها عليه بالشكل الذي حدث، أراد الإيحاء بأنها هي الراغبة فيه والمصممة عليه، بينما يتهرب غيرها منه، أو يجد الحجج والذرائع كي ينأى بنفسه عنه. هذا الموقف الدعائي يتجاهل حقيقة يعرفها السوريون هي أن المعارضة طالبت بالحوار منذ عام 2000، دون أن تلقى أي استجابة، وقدمت رؤية تفصيلية له تقوم على تحديد مشترك لمواضيعه، وتوصيف متفق عليه لواقع سوريا، ينتهي إلى توافق عام وملزم حول سبل وآليات التصدي لمشكلاته الكثيرة والمعقدة، والقيام بعمل موحد لإنجاز المهام التي يتم التفاهم على تحقيقها، ضمن مهل زمنية محددة، على ألا ينظر الشركاء إلى أنفسهم بوصفهم معارضة موالاة، وإنما يرون في بعضهم البعض وطنيين سوريين يتعاونون لتخليص مجتمعهم ودولتهم من مآزق تسبب فيها النظام، يقر كل طرف منهم بشرعية الآخر، فتعترف السلطة بأحزاب المعارضة وتعترف هذه بشرعية السطة، وتصدر قوانين ومراسيم تبيح الحريات العامة كحرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي.. إلخ، على أن تحل قضية السلطة في حقبة زمنية انتقالية تمتد لفترة يتم التوافق عليها، كي تنزلق سوريا سلميا ودون صراعات داخلية إلى نظام جديد فيه خير ومصلحة جميع أبنائها وأحزابها ومكونات جماعتها الوطنية.

رأى المحاورون من أهل السلطة، الذين رفضوا طيلة عشرة أعوام ونيف أي حوار مع أي جهة داخلية، بحجة أن الشعب والنظام شيء واحد وأنه ليس هناك ما يستدعي الحوار، القفز من فوق هذه الخطة الواضحة، والعمل بأسلوب مفعم بالغموض، قسموه إلى مرحلتين، كما سبق القول: واحدة لتحديد المواضيع والآليات، والثانية لعقد مؤتمر وطني، بينما قصروا العمل في المرحلتين على عدد قليل من الأشخاص اختارهم النظام، استمعوا إلى آراء قطاعات متباينة من السوريين، بمن فيهم أهل المعارضة، قبل أن يقرروا مواضيع «اللقاء التشاوري»، مع أن أي موضوع منها لم يكن مقبولا منهم قبل فترة جد قصيرة، كما لم يكن من اختيارهم أو اقتراحهم، بل كانت جميعها من مطالب المعارضة الحزبية والثقافية، وتلك التي تحرك الشارع، والتي لم يستمع أحد من أعضاء الهيئة إليها أو يلتقي بممثليها أو يقر بشرعية وجودها. بعد شهر ونيف من تشكيل الهيئة، عقد «اللقاء التشاوري» بحضور قرابة مائتي شخص، اختارتهم جهات رسمية ولم ينتخبهم أو ينتدبهم أحد، بينما غابت جميع أطياف المعارضة، دون أن تغيب مطالبها ولغتها. وقد حدث خلال اللقاء صراع واضح وجلي في صفوف أهل النظام، انصب بالدرجة الأولى على الحوار ذاته، وبدرجة ثانية على مواضيعه، لأن الحوار نفسه كان محل اعتراض صاخب من جماعات أمنية وحزبية كثيرة، رأت أنها ستخسر امتيازاتها، إذا ما تم مثلا إلغاء المادة الثامنة من الدستور، التي تجعل «البعث» قائد الدولة والمجتمع، أو تم إصدار قانون إعلام عصري يقر بحرية الصحافة وحرية إصدار الصحف، وقانون انتخاب يقوم على حريته.

مثلما انقلب جميع المتحدثين قبل شهر إلى مؤيدين للحوار يزايدون على دعاته الأصليين، انقلب هؤلاء فجأة إلى مدافعين عن القيم والمبادئ التي تجعله حوارا شكليا، كلاميا وبرانيا وضارا ولا وطنيا، وأصدروا بيانات طويلة في هجائه وأنكروا أن يكون ما جرى في اللقاء حوارا، لأنهم غابوا عنه، مع أن من قاد الهيئة واللقاء كان نائب رئيس الجمهورية، الذي مثلهم وكان مفوضا بالحديث باسم الرئيس، كما أعلن الأخير لدى إعلانه عن تشكيل هيئة الحوار ومشاركته في جلستها الأولى.

بعد الهجوم الكلامي وقع الهجوم الفعلي، العنيف والدامي، الذي ركز على مدينة العيش المشترك «حمص»، وفتك بمواطنيها جميعهم أشد الفتك، ثم مر بوقف عمل اللجنة التي كانت تعمل على صياغة قانون الإعلام، وتلك التي عملت لقانون انتخاب حديث، ومنعت صحف لبنانية عرفت بقربها من النظام كـ«السفير» و«الأخبار» (القريبة من حزب الله)، لأنها كتبت مقالات نقدية ضد الحل الأمني ونتائجه الخطيرة على سوريا والعرب، بينما جرت ممارسات مناقضة تماما لتوصيات اللقاء، التي قالت بإطلاق سراح المعتقلين، وبالسماح بالتظاهر السلمي، وبحماية حرية القول والتعبير، فألقي القبض على معتقلين جدد يقال إن عددهم بالمئات، ووقع هجوم عام على مدن كانت بعيدة عن ويلات الحل الأمني، كالبوكمال ودمشق وبعض ضواحيها.. إلخ، وتعرض رئيس الهيئة نفسه لموجة من النقد الشديد، وانطلقت أصوات حذرت من «اجتثاث البعث» و«إلغاء الجيش العقائدي»، في حال تم إلغاء المادة الثامنة من الدستور أو تعديلها، الأمر الذي يعني، في نظر هؤلاء، القيام بانقلاب على الأمر القائم ظاهره إصلاحي وباطنه إسقاط النظام، الذي يطالب به الأعداء في الشارع.

تبخرت فجأة الحماسة للحوار، الذي انقلب إلى خطر قاتل وانقلاب لا بد من إحباطه بأي ثمن. وظهر أن العقل السياسي السائد ليس عقلا حواريا أو قابلا بالحوار، وتأكد ما كانت المعارضة تقوله دوما، وهو أنه ليس جادا في قبول التغيير ويعلق خطوته الإصلاحية على الحل الأمني، فإن حقق هذا النجاح المطلوب، كان التغيير شكليا وبرانيا. في هذه الأثناء، يكون النظام قد استخدم المعارضة لتغطية هذا الحل سياسيا، وحرق ورقتها عند الشعب. في الحالة الأخرى، يكون هناك ما يكفي من الوقت لإجراء حوار يحاول أهل الحكم خلاله إنقاذ ما يمكن إنقاذه منه.

كشرت قوى كثيرة عن أنيابها، واتخذت مواقف حادة ضد أهل الحوار من أبناء النظام ذاته، الذين صاروا بين ليلة وضحاها محل شك، واتهموا بأنهم يريدون الحوار لقلب السلطة وليس لإيجاد حلول لمشكلات الدولة والمجتمع. وظهرت الحقيقة، وهي أن عداء النظام القديم للحوار ما زال قائما، وأن من يرفضون الحوار يدافعون عن مصالحهم ولا يأبهون لأي مصلحة غيرها.. وطنية كانت أم حزبية أم شعبية.

واليوم، يقال إن قرابة ثمانمائة شخص سيحضرون مؤتمر الحوار الوطني، وإن هذا سيعقد بعد قرابة شهر، وإنه سيقول الكلمة الفصل في شؤون سوريا. يقال هذا بينما يتسع الحل الأمني ويزداد حدة وعنفا ويستهدف قطاعات أكبر من الشعب ويتعاظم عدد ضحاياه من الجانبين المدني والعسكري. فهل سيكون عائده، إن عقد حقا، أكبر من عائد «اللقاء التشاوري» بالنسبة إلى حقوق السوريين والإقرار بشرعية مطالبهم وبضرورة تحقيقها، علما بأن اللقاء قدم توصيات لا يعرف أحد مصيرها، مستمدة من مطالب المعارضة التي افترضوا أنها ستخلق بيئة حوار مناسبة تمكنهم من حضور اللقاء، لكنه يبدو أن رمال السياسة السورية المتحركة قد ابتلعتها كما تبتلع الصحراء نقطة ماء نزلت عليها في حر صيف ملتهب؟!

هذا هو السؤال الحقيقي، الذي لا يجيب عنه أحد، بينما يستمر الهجوم ويتصاعد على فكرة ومبدأ الحوار، وعلى المتحاورين من الحزب والسلطة والمعارضة، ويجتث من يتحدثون عن اجتثاث البعث أعدادا متزايدة من مواطني بلادهم، الذين لم يفكروا في اجتثاث أي شيء ولا يطالبون بغير الحرية، لهم ولغيرهم، رغم ما يعانونه من أذى وظلم وموت!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون الجدد .. ميسر الشمري

الحياة 25/7/2011

محافظتا حماة ودير الزور شبه محررتين. حمص تقاوم الفتنة بدماء أبنائها، وهي في طريقها إلى الحرية. الشبيحة وقوات الأمن الموالية للنظام تسابق الزمن لإخماد ما يمكن إخماده قبل حلول شهر رمضان، إذ من المتوقع أن تتعاظم الحشود في المساجد والساحات. أهالي حماة عام 2011 يختلفون عن أهاليها عام 1982، لكن لا يمكن لأحد أن يتنبأ بما سيقوم به «المحفل الأسدي».

«الحمويون الجدد» تمكنوا من تحصين مدينتهم من خلال تقطيع الشوارع، ونصب الحواجز وإدارة الحياة المدنية في المدينة. الحماصنة (أهل حمص)، وهم أهل نكتة قاوموا قوات الأمن والشبيحة بمدافع مصنوعة من أنابيب تصريف دخان المدافئ (بواري الصوبيات) وقذائفها من التفاح والبصل، كما استخدموا رصاصاً مصنوعاً من البامية، ورمانات يدوية مصنوعة من البندورة. أخوان بطة (وهو اللقب المحبب لأهالي محافظة دير الزور)، قاوموا قوات الأمن العسكري بالشعر والنكات والمسرحيات المرتجلة في الميادين وساحات التجمع، لكن لا أحد يمكن أن يتنبأ بما سيفعله مثلث الأسد، شاليش مخلوف.

المحفل الأسدي، يعلم أنه لن تكون هناك انشقاقات مؤثرة داخل صفوف الجيش، وذلك لأنه عزل الجيش السوري عما يجري على الأرض، وتركه يتلقى الأخبار من قنوات النظام، ولم يستخدم النظام سوى القوات الموالية له لقمع المتظاهرين، وهي: القوات الخاصة والفرقة الرابعة ومجاميع من الفرقة الثالثة عشر، بحسب بعض الناشطين، وجميعها قوات أسست لحفظ «المحفل الأسدي»، وأغلب قادتها وعناصرها من الدائرة القريبة من النظام، وهي دائرة مستفيدة من بقاء النظام، وبالتالي ستدافع عنه ولو أبادت مدن بأكملها، لكن النظام يدرك أن «السوريين الجدد» لا يمكن أن يتراجعوا عن ثورتهم وإن أبيد نصف سكان سورية. السوريون الجدد، وأغلبهم لم يعرف رئيساً لبلاده سوى عائلة الأسد، ماضون في ثورتهم ولسان حالهم يقول: «لا بد من دمشق وإن طال القهر»، إذ ليس لدى شبان سورية ما يخسرونه، وهم يرون السفارة الإيرانية والمكاتب التابعة لها، تحتل أجمل الأماكن في العاصمة دمشق وأكثرها رسوخاً في الذاكرة السورية. الفجوة بين «السوريون الجدد» والنظام لا يمكن ردمها بحوار شكلي وإصلاحات ليس لها وجود على أرض تعمدت بالدم السوري الطاهر.

الثورة السورية تعمدت بالدم منذ يومها الأول، وهي أعادت الذاكرة السورية إلى مربع الدم الأول من دون أن تحيي ذاكرة الثأر والانتقام. السوريون الجدد أكثر وعياً من النظام، حيث أصروا على سلمية ثورتهم على الرغم من المشاهد الدامية والمؤلمة، كما تمكنوا من رص النسيج الاجتماعي السوري، ووأدوا الفتنة التي حاول النظام إذكاءها مرات عدة. حاول النظام تلطيخ وجه الثورة السورية السلمية، من خلال غض الطرف عن زيارة سفيري الولايات المتحدة وفرنسا إلى حماة، فأدار المتظاهرون للسفيرين ظهورهم، وانقلب السحر على الساحر، وكادت الزيارة أن تتحول إلى أزمة ديبلوماسية. زار الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية دمشق، وقال كلمته غير الموفقة، فخرج المتظاهرون في كفر نبل في اليوم التالي وهم يحملون يافطات كتب عليها: «لا نبيل ولا عربي».

السوريون الجدد حصنوا ثورتهم، وتمسكوا بوحدتهم الوطنية، وهم لا بد وأن يصلوا بثورتهم إلى مبتغاها، إذا ما أصرت معارضتهم في الداخل والخارج على رفض التدخل الخارجي. على شبان سورية المحتجين وكذا المعارضة السورية أن لا يعولوا كثيراً على المواقف الإقليمية والدولية، وهي مواقف ستتغير في القريب العاجل لصالح الثورة السورية، إلا أن على الشبان السوريين أن لا يدعوا الولايات المتحدة تسرق ثورتهم، فالأميركيون يتحدثون عن ساسة «الباب الموارب» مع نظام الأسد وتغيير النظام من الداخل، وهو ما يعني الالتفاف على الثورة من جهة، وتأمين مصلحة أميركا من جهة ثانية، وعلى السوريين الجدد أن يدركوا أنهم لم يثوروا على نظامهم من أجل تأمين مصالح الولايات المتحدة، بل من أجل حريتهم وكرامتهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نصائح دبلوماسية لسوريا بتسريع الإصلاحات.. ورمضان اختبار للنظام .. داود رمال

السفير

25-7-2011

يعترف مصدر دبلوماسي في بيروت، سبق له ان شكك في قدرة النظام السوري على الصمود، «بأن توقعاته خابت وان إطالة امد الازمة لا يصب في خانة لا النظام ولا المعارضة ولا المجتمع الدولي لأنه لا مصلحة لأحد ببقاء الوضع في سوريا على حاله، مع بدء ظهور علامات تعب على الجميع بما في ذلك المعارضة السورية المنقسمة اصلاً على نفسها». ويتوقع أن يكون شهر رمضان منعطفاً في مسار الأحداث السورية، بحيث اذا استطاع النظام تقطيع الثلاثين يوماً المقبلة، فإنه سيكون قد بدأ برسم مسار الخروج من الأزمة، ولو أن الأمور ستحتاج الى وقت طويل.

ويقول المصدر «إن ما يؤخر التسوية في سوريا، هو نوع من عملية عض اصابع مكشوفة، وكما أن هناك في الوضع اللبناني دوراً لكل من سوريا وفرنسا واميركا والسعودية، فإن الوضع السوري يشهد تجاذباً بين التركي الذي يريد حصة عبر المشاركة في قرار الحل سياسياً وبين الخليج العربي المنقسم، بين امارات تدعم وسعودية تمارس سياسية الحرد السلبية وقطر التي تتدفق أموالها الى المعارضة السورية وتستنفر اعلامها من دون إغفال عدم وجود توجه دولي موحد للتعامل مع الواقع السوري».

ويوضح المصدر «ان اللعبة حالياً هي لعبة اقتصاد، فالنظام لا يريد أن يتخلى عن الخيار الأمني وهناك من يعتقد بصوابية هذا الخيار، وهناك من يقدم خيار الحرب الأهلية ليتبين انها تؤدي الى خسارة الجميع في سوريا والمنطقة. لذلك لا بديل من تفاهم سوري – تركي وهذا ممكن، على ان يكون تفاهما تركيا – ايرانيا – سوريا وليس تركيا – سعوديا – سوريا».

وحول كيفية ترجمة هذا التفاهم يقول «اذا بادر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان او رئيس الجمهورية عبدالله غول الى الاتصال بالرئيس السوري بشار الاسد وحيّاه على خطواته الاصلاحية، فان معارضي الداخل سيفهمون الرسالة، خصوصاً بعدما اعلنت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ان ادارتها لا تستطيع فعل شيء وعلى المعارضة الاتكال على نفسها، حينها يصبح الحل ممكناً ولكن الى الآن لا شيء من هذا القبيل، قد حصل، خصوصاً ان السوريين كانوا باتجاه اعطاء الاتراك ليس في السياسة انما في الاقتصاد عبر مجلس التعاون الاستراتيجي الذي يضم تركيا وسوريا والاردن ولبنان وهذا مخرج جيد على قاعدة إعطاء تركيا شيئاً اساسياً في الاقتصاد يؤدي حتماً الى دور في السياسة لاحقاً».

وعما اذا كانت هناك خشية من تطورات دراماتيكية في سوريا، اكد المصدر «الخشية من ازدياد التوتر الطائفي بالترافق مع عدم وضوح المشهد الاقليمي، فالتدخل الخارجي غير وارد، انما يبقى الخوف من الاقتصاد، فالمحاولات الجادة هي لوقف حركة الاقتصاد بما يؤدي الى مشكلة حقيقية في مسألة التبادل التجاري وحركة تصدير المنتجات السورية وانعدام السياحة».

ويتوقف المصدر مليّا عند الموقف الاميركي، «اذ ان الادارة الاميركية لم تذهب حتى الآن الى آخر الموقف مع سوريا واقصى ما وصلت اليه هو القول إن النظام قد فقد شرعيته بعين شعبه ولم تقل انه فقد شرعيته بعيوننا، مع تلمس بداية تراجع في الموقف الاميركي من دون اغفال احتمال أن يتحول شهر رمضان الى مناسبة لتحركات يومية مستمرة ليلاً ونهاراً على مدى ثلاثين يوماً».

ويرى المصدر «ان الرئيس الاسد لو عمد في الشهر الثاني لبدء الأحداث الى الدعوة لانتخابات او استفتاء بحضور مراقبين دوليين لكان نال على اقل تقدير أكثر من سـتين بالمئــة من الاصوات، ولكان اقفل الباب نهائياً امام كل محاولة لزعزعة استقرار النظام مستنداً الى شرعية شعبية متجددة مع الانصراف الى الاصلاحات بهدوء، لان المحاولات لتكبير كـرة الدم في وجه النظام متواصلة وهي الآن اخذت منحى العنف الطائفي وتحديداً في حمص، لكن لم يفت الوقت بعد اذ بالإمكان اجراء استفتاء بعناوين محددة ومعايير واضحة وبرقابة من المجتمع الدولي تؤسس لبدء عملية اصلاحية تصحيحية كبيرة بعيداً عن الضغطين الداخلي والخارجي».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الحرية والاستبداد ومعنى الاستقرار .. د. خالد الحروب

كامبردج

الدستور

25-7-2011

هناك حاجة لنقاش معمق لمقولة الاستقرار وموضعتها في إطار التغيرات الجذرية التي تشهدها المنطقة من منطلق ما تجلبه الثورة من فوضى مؤقتة يستغلها اعداء الثورات. المدخل الاساسي التوافقي هنا هو التأكيد على مركزية الاستقرار في حياة المجتمعات وبكونه الاساس الذي تنبني عليه اية حياة جماعية صحية وآمنة. الاستقرار والأمن والحرية والكرامة والعدالة هي مطمح نضالات الإنسان منذ فجر البشرية. وتحقيق الاستقرار وضبط اية عوامل تخل بأمن المجتمعات والحواضر كان, تاريخيا, هو المهمة التي تقوم بها اية فئة حاكمة, وهو المعيار الذي يحكم المجتمع من خلاله على حاكمية واهلية الحكم واستحقاقه البقاء على رأس السلطة. على مدار حقب البشرية كان هذا الاستقرار, وهو الذي يمثل رأس مال الحكم, يُنجز على الدوام عن طريق جبروت السلطة والقمع والفرض. والمساومة التاريخية التي عقدتها الشعوب مع من يسيطر على الحكم فيها كانت تحوم دوما حول الانصياع للأمر القائم وحكامه ما دامت الحدود الدنيا من العيش الآمن متحققه حتى لو كان ذلك مترافقا مع الاستبداد. قامت هذه المساومة على تجربة كثيفة ومريرة في تواريخ المجتمعات كان عنوانها ضرورة الاختيار بين أمرين يتقاربان في مستوى المرارة: إما الاندراج في صراعات متأبدة وتنافسات بين القوى والمجموعات المتنافسة داخل اي مجتمع بحيث تعم الفوضى وينعدم الاستقرار وتستحيل معه الحياة الآمنة والطبيعية, وإما التسليم لحكم قوي مستبد يحقق الأمن ويقضي على الفوضى.

بقيت هذه المعادلة هي المتسيدة في انظمة الحكم السياسي واغتنت بتنظيرات وتسويغات ربما في كل ثقافات وحضارات الإنسانية, من الصينية والهندية إلى الفارسية والعربية والإسلامية وصولا إلى الفكر الغربي مع ميكافيلي في كتابه الامير وتوماس هوبز في تنظيره لأولوية و»قداسة» الدولة ومبررات فرض الاستقرار. على ذلك يمكن القول ان الاستقرار والاستبداد ظلا من اشهر توائم التاريخ واطولهما عمرا. ولم ينفصل هذ التوأم إلا حديثا في تاريخ البشرية, فمع عصر الانوار انطلقت نظريات جديدة تعلي من إرادة الشعب وترفض فكرة الاستبداد المقيم الذي يفرضه الحاكم بمسوغ تحقيق الاستقرار. جاءت افكار الجمهورية والعقد الاجتماعي مع مونتسكيو وروسو لتنزع من ملوك اوروبا احتكارهم الحكم وتقوض كل الاسس التي قامت عليها, ولتشكل ثورة حقيقية في تاريخ الانسانية في اوجه عديدة, ومنها وعلى المدى الطويل بداية تفكيك العلاقة القديمة بين الاستقرار والاستبداد. مع افكار الارادة العامة واعلاء قيمة الفرد والشعوب بدأت العملية التاريخية المتمثلة في انتقال الافراد من مرحلة «الرعية» و»الاتباع» كما كان يُنظر إليهم من قبل الكنيسة وملوك اوروبا القرون الوسطى إلى مرحلة المواطنين كاملي الاهلية والحقوق والمساواة. وبدأت بالترافق مع ذلك عملية الانقلاب الهائل في الادوار حيث تبدل مفهوم وموقع «المواطن» متجها لاحتلال جوهر الاجتماع السياسي ومركز النظام السياسي القائم, وحيث تبدل مفهوم وموقع «الحاكم» كي يصبح مجرد مفوض مؤقت بعقد اجتماعي ذي فترة زمنية محدودة, ووظيفته خدمة المواطن وليس السيطرة عليه او الاستبداد به. لم يحدث هذا الانقلاب دفعة واحدة بطبيعة الحال, او في فترة زمنية قصيرة, او من دون اكلاف باهظة. بل استمر قرونا عدة وما زال قائما وتضمن حروبا دموية مديدة, دينية واقطاعية وملوكية, ذلك ان الاستبداد قاوم ولا يزال يقاوم بشراسة بالغة متدرعا دوما بمقولة انه الوحيد الذي يحقق الاستقرار.

لكن على طول تلك القرون كان الاستبداد يخسر ارضا جديدة في كل مرة, وكانت الحرية تتمدد. انتقل الفكر الانساني مدعما بالتجربة التاريخية إلى مرحلة جديدة هي إمكانية تحقيق الاستقرار مع الحرية. استقرار الاستبداد محتمل لكنه مؤقت ونهاياته دموية على الدوام. وسبب ذلك ان آلية الاستبداد تقوم على دفن المعضلات وحشرها تحت السطح والتظاهر بأنها غير موجودة. يتوازى مع ذلك خوف «الرعية», الافراد شبه العبيد, من مواجهة المُستبد ومطالبته بمواجهة تلك المعضلات التي يقع في جوهرها دوما الاستيلاء على الثروات العامة وانتشار الفساد وتفاقم سرطانات سوء استغلال السلطة بكل انواعها. على العكس من ذلك تشتغل آلية استقرار الحرية على مواجهة تلك المعضلات تحت الشمس ومحاولة حلها. كل فساد يظهر تتسلط عليه الاضواء ويُفضح. الشعب القائم على فكرة المواطنة القانونية والمساواة, اي الافراد الاحرار, هم من يحاسب الفاسدين والحكام, ومن خلال الفصل بين السلطات يمنعون اي تغول لفئة حاكمة او جماعة مستأثرة بثروة او قوة على حقوق الشعب وحرياته.

استقرار الاستبداد يستقوي بمسوغ دائم يقول ان المجتمع, اي مجتمع, فيه مكونات وطوائف وإثنيات واديان وجماعات منفصلة ومتعادية, جاهزة للإنقضاض على بعضها البعض فور إنزياح قبضة الاستبداد عنها ولو قليلا. لذا فالاستبداد, حتى لو كان على حساب حرية الافراد, يضبط مكونات المجتمع المتصارعة ويقلم اظافرها ويدفعها كي تبقى مرعوبة من بطش النظام القائم. وهكذا يتم قمع الحروب الاهلية المحتملة ويعيش الجميع في استقرار, لكن في جو من الخوف الدائم. الشكل العام لهذه الفكرة وتطبيقاتها التاريخية فيها قدر كبير من الواقعية. لكن مفعولها الإنساني انتهى ولم يعد لها رأس مال حقيقي في العالم المعاصر. فالاستقرار المتحقق من قمع كل مكونات المجتمع المتصارعة في عالم اليوم المعقد والمتداخل هو استقرار موهوم ومؤقت. ذلك ان حقيقة ما يتم لا تتجاوز دفن الخلافات واسباب الصراع تحت السطح وتأجيل انفجارها. لا يعمل الاستبداد خلال حقب الاستقرار التي حققها على إبطال مفاعيل الصراعات بين الجماعات المتنافسة في المجتمع, بل يشتغل في الغالب الاعم على الحفاظ عليها واحيانا تأجيجها لأن وجودها يبرر شرعية بقاء الاستبداد ذاته. واحيانا كثيرة اخرى يتحالف الاستبداد مع جماعة, او طائفة, او عصبية, تكون هي العمود الفقري الذي يستند إليه مستعديا بقية مكونات المجتمع مستأثرا بالحكم من ناحية ومانحا المزايا والافضلية للجماعة المُتحالف معها. وهكذا فإن العلاقات بين المكونات المتنافسة في مجتمع الاستبداد تقوم على العداء المبطن والتربص الدائم المقموع بآلية الضغط التي يفرضها الحكم. وهي بهذا تكون علاقات هشة قائمة على انتظار الانفجار القادم.

في الاستقرار المبني على الحرية تتصارع القوى المتنافسة داخل المجتمع بعنف شديد اولا, قد يتخذ اشكالا دموية, ثم يخف تدريجيا إلى ان تكتشف هذه القوى ان لا حل امامها سوى التعايش فيما بينها, والوصول إلى معادلات مساومية وتنازلات متبادلة. عندها يتم تقليم الزوايا الحادة والمتوترة والعنيفة لدى كل جماعة, او طائفة, او اثنية, بشكل طوعي وقناعي وتتجه الكتل الاساسية والكبرى للجماعات نحو الوسط المعتدل في النظرة لنفسها وللجماعات الاخرى. يبقى الصراع والتنافس في ما بينها قائما لكنه يتحول إلى صراع سلمي آليات التعبير عنه ديموقراطية وليست عنفية. وهكذا يتم الاعتراف بالصراعات والتنافسات والتخلي عن النظرة الطفلية الساذجة للمجتمع بأنه منسجم ومتناغم كأنه عائلة متحابة, وهي نظرة تروجها الانظمة المتسبدة التي تستند إلى ترسيخ الابوية السياسية في الحكم والمجتمع. يؤدي الاعتراف بالصراعات والتنافسات داخل المجتمع إلى صلابة في التمسك بالحل الديموقراطي لتنظيمها, ليس لأنه خال من النواقص, بل لأنه الافضل نسبيا بين كل الحلول الاخرى التي وصلت إليها البشرية. في مثل هذه الحالة يتم انجاز الاستقرار ليس على حساب الحرية بل معها ومعهما تُصان كرامة الفرد المواطن وتنطلق ابداعاته وطاقاته, على عكس استقرار الاستبداد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية بين حيرة السوريين وغيرهم ! .. فايز سارة

الحياة 25/7/2011

تبدو سورية اليوم في حيرة. وحيرة سورية، تستند إلى حيرة السوريين وغيرهم إلى معطيات وخلاصات أربعة اشهر مضت من الأزمة السورية وحراكها الشعبي الذي رافقها بتظاهراته وشعاراته، وبالرد الذي تواصله السلطة هناك في مواجهة الحراك الشعبي وفي إطار معالجة الأزمة بطريقة أمنية/عسكرية.

حيرة السلطة في إطار الحيرة السورية، تظهر واضحة في ارتباكها السياسي والإعلامي، وهي بالحالتين تمضي بطريقة متناقضة في سياساتها ورسائلها. ففي الوقت الذي تشير فيه إلى رغبة في معالجة سياسية للأزمة، تشمل إصلاحات على طريق تحول إلى دولة ديموقراطية تعددية، السلطة فيها للشعب كما قال نائب الرئيس وبين استمرار الحل الأمني العسكري الذي بدا انه غير قادر على تحقيق نتائج عملية في وقت يهدد استمراره سورية والسوريين بالذهاب إلى منزلقات أخطار الصراع الداخلي أو التدخلات الخارجية كلاهما أو احدهما، كما أن ارتباك السلطة الإعلامي واضح هو الآخر في نوسان الممارسات والتعبئة وبين استمرار التحريض ولغة التخوين الممنهجة والدعوة إلى الحوار والتهدئة.

وحيرة المعارضة ذاتها، تماثل حيرة السلطة وإن بدرجة اقل. إذ هي وإن كانت خياراتها المشتركة واضحة بصدد المستقبل وهي بناء دولة ديموقراطية تعددية برلمانية، دولة حق وعدالة ومساواة لكل السوريين، فإن حيرتها تتعلق في تفسير وفهم سياسة النظام الحاكم في تردداته وتناقضاته. وهي اقرب إلى إيجاد حلول سياسية للأزمة السياسية الاقتصادية والاجتماعية الثقافية العميقة، وهو أمر لا يمكن أن يتم خارج اطر الحوار، الذي يبدو مستحيلاً في ظل ذهاب النظام إلى ممارسة حدود غير مسبوقة في العنف والقوة باستخدام الجيش والقوى الأمنية إلى جانب عصابات الشبيحة، مع استمرار سياسة الاعتقال والاحتفاظ بالسجناء والمعتقلين والإصرار على منع التظاهر وغيرها، مما منع المعارضة من الذهاب إلى الحوار، لأنه نسف فكرته في توافق الأطراف المتحاورة للوصول إلى حل من خلال تأكيد السلطات استمرارها في السير على خط الحل الأمني.

ويزيد من حيرة المعارضة واقع تباين حراكها بين الداخل والخارج. رغم أن المعارضة، كانت قد أقرت بمعظم تمثلاتها منذ إطلاق إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي عام 2005، أن قيادتها في داخل سورية، وأن قسمها في الخارج متمم، ولايمكن أن يكون بديلاً لتلك القيادة، ورغم أن أحداً من معارضة الخارج، لم يطرح فكرة أن يصير قيادة للمعارضة، فإن في بعض ممارسات المعارضة في الخارج، يوحي بأن ثمة توجهات لدى البعض في تكثيف دور الخارج القيادي على حساب القيادة في الداخل وربما مصادرته، وهذا تحول يحير بعض قوى المعارضة وشخصياتها بفعل مايمكن أن يعكسه من آثار على المعارضة ومواقفها وحراكها.

وإذا كان الحراك العام في سورية قد حسم مواقفه في شعاره المركزي الذي تردده التظاهرات في المدن والقرى «الشعب يريد إسقاط النظام»، فإن ذلك لا يعني أن الحراك الشعبي هو خارج قوس الحيرة. ليس نتيجة عدم قدرته على تفسير سلوك النظام الذي أوصل الأزمة إلى الحدود الراهنة، التي تبين فاتورتها نحو ألفي شهيد وآلاف من الجرحى بينهم كثير ممن أصيبوا بعاهات دائمة، وعشرات آلاف من المعتقلين والمطلوبين، وخسائر مادية ومعاناة إنسانية كبيرتين، بل من خلال القلق عما بعد إسقاط النظام أو في الطريق إلى ذلك.

إن قسما مهماً من السوريين نتيجة عوامل الخوف المتأصل في النفوس والأرواح، وبفعل القلق من احتمالات المستقبل، أو بسبب تقليديته وميوله المحافظة وغير ذلك، يقف محتاراً بين خيارات السلطة والحراك الشعبي مراوحاً بين حدين مختلفين ومتباعدين، دون أن يعني ذلك، أن للقسم الأكبر من هذا القطاع رغبات ومواقف، يمكن أن يجري التعبير عنها في أي وقت تحت ظروف معينة. إن أوضاع سورية بما تفرضه من حيرة على السوريين وغيرهم من القوى الإقليمية والدولية، إنما تستند إلى هوية البلد المقبلة، والتي ستكون هوية مختلفة مهما كانت اتجاهات معالجة الأزمة، ذلك أن الكل مقتنع، أن سورية في المرحلة المقبلة لن تكون كما كانت في آذار الماضي وما قبله. ولكن كيف يمكن أن تكون؟. فإن هذا هو السؤال الذي يدفع إلى القلق والحيرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اغتيال الحقيقة .. د. عبدالرحمن الطريري

الاقتصادية

26-7-2011

يبدو أن الحقيقة مرة على البعض يسعون جاهدين لإخفائها والتستر عليها، وإن أمكنهم ذلك لقتلوها، لأن في الحقيقة كشفا لعورة يراد لها أن تبقى مطمورة، ولا يعلم بها إلا من هو ذو علاقة بهذه الحقيقة. المجرم يسعى جاهداً إلى إخفاء جريمته مهما كلفه ذلك من مال أو جهد، ويقوم بالقضاء على جميع المعالم والشواهد التي تدل عليها. ومع تقدم العلم والتطور الهائل والدقيق في التقنية أصبح إخفاء الحقيقة أمراً صعبا، لكن مع ذلك قد تختفي الحقيقة لبعض الوقت ويتأخر اكتشافها، أو قد تشوه الحقيقة وتستبدل بصورة مغايرة للناس ولعموم العالم وبشيء خلاف ما حدث.

منذ أن وجدت الصحافة والإعلام عرف أن الدور الذي تمارسه هذه الوسيلة هو السعي لكشف الحقيقة بكل الوسائل والطرق، وفي المجالات والميادين كافة، من سياسة واقتصاد وأوضاع اجتماعية وأخبار مشاهير، حتى أنه وجد في الغرب صحافة وصحافيون متخصصون في هذه المجالات يوجهون جهودهم وطاقاتهم للبحث عن هذه المواضيع التي قد تجذب القراء أو المشاهدين، وذلك رغبة في تبصيرهم بالحقائق، إضافة إلى استمتاعهم بها. وواجهت الصحافة والصحافيين صعاب جمة، منها ما هو تشريعي وتنظيمي يقيد عملهم، ويخضعهم لإجراءات معقدة تحول بينهم وبين كشف الحقيقة. وما مفهوم الرقيب إلا مثال حي على هذه الإجراءات، إذ بالرقيب تظن الجهات المعنية أنها حجبت الحقيقة وأخفت معالمها.

ومرت البشرية بممارسات بشعة استهدفت حجب المعلومات وتزويرها، وما جدار برلين إلا أحد الأمثلة التي أراد بها المعسكر الشرقي في وقته الحؤول دون معرفة ما يجري داخله من ممارسات وقمع وتنكيل بالناس، هذا الجدار أثبت أن من فكر فيه كان محدود التفكير، إذ إن الحقيقة كالشمس لا يمكن إخفاؤها بالغربال.

إن عدم سلامة الممارسات وعدم ثقة من يقوم بها تقوده إلى تزوير الواقع وإلباسه ثوباً آخر غير اللباس الذي هو عليه، وذلك بهدف تلميع الصورة حتى إن كان الوجه القبيح ظاهراً للعيان، ولذا يلجأ صاحب الممارسات السيئة إلى حيل عدة. وقد لاحظت خلال السنوات الماضية وخلال الأشهر الماضية شيئاً من هذه الحيل والممارسات، وما قتل الصحافيين أو منعهم من الاقتراب من أماكن معينة كما يحدث في العراق وأفغانستان من قبل الجيوش الغازية، إلا صورة من صور إخفاء حقيقة قتل الأبرياء وتدمير المنازل والمنشآت المدنية. عملية إخفاء الحقيقة تتكرر في كل يوم، وفي أنحاء العالم كافة. مع زخم الثورة في سورية وعمليات القتل والتعذيب والإهانات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين، منع النظام وسائل الإعلام الأجنبية من تغطية الأحداث، وجعل من وسائل إعلامه مصدراً وحيداً وحصرياً يتحكم فيما يشاهده الناس، وما يمكن أن يسمعوه بشأن الأحداث، ومنع وسائل الإعلام الأجنبية كافة من الدخول إلى سورية وتغطية الأحداث، لكن وسائل التقنية الحديثة من كاميرات وجوالات حالت دونه ودون تحقيق هذا الهدف، إذ شاهد الناس صور حمزة وثامر وصور الجنود، وهم يعذبون المعتقل ويرقصون على جسمه، كما شاهد الناس في أنحاء العالم كافة الجنود وهم يركلون كبير السن الذي اعتقلوه بالقرب من مدينة حمص.

ازاء هذه الفظائع التي انكشفت للناس حاول النظام السوري زرع الشك في وسائل الإعلام الخارجية، حيث أصبح المتحدثون باسمه يدعون أن هذه المشاهد مصورة خارج سورية، وما يحدث في الداخل ليس إلا أعداد قليلة لا تزيد على عشرات الأفراد الذين يجتمعون هنا وهناك، ولا يمثلون إلا نسبة قليلة من الشعب السوري، أما عشرات الشهداء فهؤلاء قتلوا على أيدي المسلحين المندسين، لكن آخر اختراعات طمس الحقيقة، وبهدف التشكيك في وسائل الإعلام الخارجية، لجأ النظام إلى أسلوب استخباراتي، حيث اتصلت سيدة على قناة ''فرنسا 24'' ادعت أنها سفيرة سورية في فرنسا، وأنها استقالت من منصبها احتجاجاً على أعمال القمع التي يمارسها النظام، وبعد انتشار الخبر سارعت السفيرة ونفت الخبر، وأكدت أن أحداً انتحل شخصيتها، وما لبث أنصار النظام السوري أن جعلوا من هذه الحادثة مادة يتحدثون بها ويستشهدون بها على تواطؤ الإعلام الخارجي على سورية، وسعيه إلى تشويه نظامه.

سكرتير الرئيس اليمني مارس مثل هذا الدور وادعى أنه شاهد عيان، لكن أمره انكشف حيث عرف صوته، ومن ثم اعترف بخطئه الذي أقدم عليه بهدف الإيقاع بالوسيلة الإعلامية بهدف تشويه سمعتها وأنها لا تتحرى الدقة في المعلومات التي تبثها للمشاهدين، ومثل هذا الفعل قامت به مراسلة إحدى القنوات العربية المشهورة في القاهرة أثناء الثورة المصرية، حيث ادعت في إحدى الليالي أنه لا توجد مظاهرات في القاهرة، وأنها هادئة وكانت تصوب الكاميرا إلى جهة لا توجد فيها أي حركة، وذلك إمعاناً في تضليل المشاهدين في حين القنوات الأخرى كالجزيرة، وBBC العربية تنقل الحدث مباشرة من ميدان التحرير. ومهما حاولت الأنظمة حجب حقائق الواقع المرير لشعوبها ومجتمعاتها فإن رهانها سيفشل حتماً مع التقنية الفائقة الدقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن متابعة الثورة! .. ميشيل كيلو

2011-07-25

القدس العربي

  كان لينين يقول: إن كل ثورة تتضمن سلسلة بدايات متتابعة، فالثورة ليست فعلا تاريخيا يتحقق لمرة واحدة أو من خلال فعل واحد، لذلك يمكن القول متى بدأ الفعل الثوري، لكنه يصعب القول متى ينتهي، ويمكن التأكيد على أن هذا الفعل يبدأ من مقدمات معينة، لكن من الصعوبة بمكان معرفة ما ينتهي إليه، ما دامت له بداية معلومة وليس له نهاية محددة، وما دام الواقع، الذي يجري فيه متطورا متغيرا، ويفرض عليه أن يتطور ويتغير بدوره.

وقد طرحت أسئلة كثيرة حول هوية الفعل الذي يجري في الواقع العربي الحالي، وهل هو ثورة، أو تمرد ناقص، أو احتجاج فاشل، أو انقلاب لم يكتمل ... الخ. وكان الميل إلى تقديم جواب سلبي على هذا السؤال ظاهرا للعيان في الآونة الأخيرة، فالذي وقع ليس ثورة، وهو لم يقلب النظام القائم وإن أبعد الرئيس وأسرته وبطانته، وبدّل بعض الشيء مواقع القوى داخل المجتمع والسلطة، وغير حسابات بعض السلطويين والمتسلطين، وأخاف أو شجع بعض المالكين والمحرومين، وأجبر عددا ضخما من الناس على تغيير لغتهم واستخدام مفردات كانوا يجهلونها أو يرفضونها، وألغى في الظاهر بعض المظاهر، التي كانت علامات فارقة للنظام القديم، الذي قيل إنه تمت إطاحته، لكن حضوره القوي ما برح ملموسا، وفاعليته راهنة وقبضته تمسك بأعنة أقسام ومناطق ومجالات واسعة من الحياة العامة، الرسمية والشعبية، فعن أية ثورة يتحدثون؟

سادت فكرة الثورة كفعل يتم في مرحلة واحدة خلال الحقبة التي تلت الثورة السوفييتية، وقدمت نموذجا محددا للثورة ما لبث أن انتشر إلى العالم بأكمله، واعتبر النموذج الثوري الوحيد الجدير بالتطبيق والمضمون النجاح، وكل نموذج آخر فاشل حكما. تركزت دراسة الثورة على شروط إعداد ونجاح الفعل الثوري، فلم يدرس أحد بما فيه الكفاية، وبما هي موضوعا قائما بذاته، الفترة بعد نجاح ضربته الحاسمة، التي تقلب النظام القائم وتعلن حلول نظام جديد محله. ولم يهتم أحد لهذه الفترة، لأنها اعتبرت فترة ثورية بالضرورة، ما دامت تلي الفعل الثوري / الانقلابي، رغم ما عرفه الواقع العالمي من نماذج دول وبناء متباينة هنا وهناك، ومن سمات خاصة برزت خلال التطور، الذي حكمته خصائص وطنية وقومية، تاريخية وسياسية، اجتماعية وقيمية، متباينة، طبعته بطابعها، وأضفت خصائصها على سماته العامة والمشتركة مع غيره، التي لم يقر مركز الثورة السوفييتي بغيرها، وسعى إلى فرضها على سواه، بحجة أن للثورة سمات واحدة وطريقا واحدا ونتائج واحدة، وأن أي نموذج يحيد عن النموذج السوفييتي لا يجوز أن يعتبر ثورة، مهما كانت خصائصه وإنجازاته الفعلية ودرجة ثوريته.

رغم هذا، عرفت المرحلة التالية للفعل الثوري حقب مد وجزر انتشرت في كل مكان، بل وشهدت حالات عادت فيها إلى أنماط من السلطة والممارسة كان يعتقد عموما أنها خاصة بالنظام القديم، وتنتمي إلى ما كان يسمى الثورة المضادة. ولو أخذنا الثورة الفرنسية كمثال، لوجدنا أنها كانت ثورة ضد الملكية المطلقة ومجتمعها الإقطاعي، وأن الأولى عادت مرات متتالية بعد نجاح ضربة عام 1789 إلى السلطة والحكم، وإن في صيغة دستورية مقيدة، ولم تغادر المسرح تماما حتى منتصف القرن التاسع عشر، بعد ثورة باريس الأولى بأكثر من ستين عاما. لكن اللافت أن أحدا لا يتحدث اليوم عن فشل الثورة الفرنسية، ولا يشكك في حقيقة وقوعها ونجاحها، بل ولا يرى أحد فيها شيئا آخر غير النموذج الأمثل والأكمل للثورة، الذي بدل العالم والتاريخ تبديلا لا يمكن مقارنته مع أي شيء سبقه أو ترتب عليه. هل أذكر في هذا السياق بالثورة من فوق، التي قامت في بلدان أوروبية عديدة بقوة السلطة القائمة، وكانت ملكية وإقطاعية، وأدت في النهاية إلى قيام مجتمع برجوازي / رأسمالي يشبه النظام الفرنسي الذي أنتجته الثورة من تحت، ولم يخجل مؤيدوها المخلصون للملكية والإقطاع من إطلاق اسم 'ثورة' عليها؟. فكانت نموذجا آخر، سلميا وتدرجيا، غير شعبي وغير مجتمعي، من الثورة، أفضى في نهاية الأمر إلى إقامة نظام حافظ على الأمر القائم في الشكل ونسفه في الجوهر!.

لو كان هناك دراسات للحقبة التالية للفعل الثوري بوصفها مرحلة قائمة بذاتها ومستقلة عن هذا الفعل، وتخضع لآليات تختلف عن الآليات التي أنتجته، لبدا جليا أن الثورة أخذت شكلا جديدا كانت له حركة خاصة كل مرة، وانه قام أساسا على التقدم لبعض الوقت والتراجع أو الركود لبعضه الآخر، وأن حركته تشبه موجات متتابعة تتقدم ثم تنحسر، لتندفع من جديد، وأن المهم هنا هو أن تكون الموجة التالية أعلى من التي سبقتها، مع أنها غالبا ما تعقب حالة انحسار مرت فيها يبدو معها وكأن الثورة بمجموعها تضيع الاتجاه أو تتراجع أو تفشل، بالنظر إلى أن الفكرة التي سادت عنها كانت ترى فيها فعلا متصاعدا لا يتراجع ولا يعرف البطء، هو مرحلة واحدة لا تقطّع فيها ولا تعثر، مع أن هذا ليس ولم يكن صحيحا في أية ثورة عرفها التاريخ.

ربما كانت الثورات العربية الراهنة قد بلغت لحظة كهذه في الفترة الأخيرة، التي قيل خلالها إنها لم تكن بالأصل ثورة، أو إنها ثورة ناقصة سرعان ما فقدت زخمها وبالتالي اتجاهها، إن كان لها أصلا اتجاه ... الخ. لكن الأحداث تؤكد أن الحراك عاود الانطلاق والصعود في موجة ثانية، بعد أن برز التفاوت الزمني في انطلاقته الأولى بين بلد عربي وآخر ؛ تفاوت زمني عبر عن تفاوت مجتمعي / سياسي يرتبط بعناصر كثيرة خاصة بكل بلد عربي، علما بأن تونس لم تكن أكثر البلدان العربية نضوجا للثورة، بل كانت أول من انطلق فيها لأسباب تميزها عن غيرها، وبأن نجاح ثورتها ذكّر بقية العرب بإمكانية نجاح ثورتهم هم أيضا، فكان هذا دورها في حراكهم، الذي تعين بأوضاع لم يقررها أساسا أي تأثير خارجي : دوليا كان أم عربي.

بسبب تفاوت الانطلاقة الزمنية والواقع المحلي، تفاوتت الحدة أيضا، فجاء كل ثورة أشد من سابقتها، خاصة وأنها تعلمت منها. واليوم، تتجدد انطلاقة الثورتين الرائدتين: التونسية والمصرية، بعد أن بان كم تحاول قوى النظام القديم والأمر القائم كبحهما ووضع العراقيل في سبيلهما، وكم يتهددهما خطر وقوعهما في رتابة وتكرارية الحياة السياسية اليومية ما بعد الثورية، وكم يواجههما من مقاومة على يد الأجهزة الحاكمة، الحاملة للنظام، الذي ما أن أسقطت رأسه حتى تقدمت كي تمسك بالوضع العام، وتنتزع عنان القيادة من يد الشباب الثائر والجماهير العريضة، وتعيد إنتاج النظام في الظرف الجديد، فيتمكن من احتوائه ورده إلى حال قريبة إلى الأصلية السابقة للثورة. ولعله ليس من المبالغة ما يقال اليوم حول عودة الروح إلى الثورة، وليس من المباغت ما نراه من تجديد زخمها في انطلاقة ثانية لا تقل تصميما عن الأولى، التي أطاحت بالرئيس ويعني تجددها إحداث اختراقات واسعة وحقيقية في جسد النظام من الضروري أن تستهلك بالتدريج عافيته وقدرته على البقاء والمقاومة، شريطة أن يتم ذلك وفق رؤية ذات مراحل معروفة سلفا، تتالى على شكل موجات لا بد أن تكون التالية منها أعلى من السابقة، وأن تقوم بتعبئة وحشد قوى كافية لإنجازها، وتمتلك برامج تفصيلية تقبل الترجمة إلى وقائع تترابط حلقاتها وتتماسك، أخذا بعين الاعتبار أن مصير الحركة كلها يتوقف على نجاح كل واحدة منها، فلا بد إذن من منحها أعظم قدر من الاهتمام، ومن دراستها بدقة قبل تنفيذها بأعظم قدر من التصميم والعزيمة، دون أن يترك أي فاصل زمني أو برنامجي بينها وبين الحلقة التي تليها، أو يتم القفز عن أية واحدة منها، أو يقع الثوار في خطيئة مميتة هي النظر إلى هدفهم باعتباره شعارا مرحليا يمكن بلوغه بخطوة واحدة، وتحقيقه بوصفه خطوة تكتيكية. إذا حدث هذا، كانت الثورة مهددة بالقتل على يد من يقومون بإنجازها، واكتفت الثورة المضادة بانتظار فرصة اقتناصها، التي ترتسم عندئذ في أفق الأخطاء القاتلة.

قامت الموجة الأولى من الثورة العربية بكنس رموز في النظام القائم، وها هي تنطلق من جديد كي تكنس بعض ركائزه وقواه وتحتل مواقعها، وهي ستدخل بعد زمن يقصر أو يطول في موجة ثالثة ستقضم خلالها المزيد من بنية هذا النظام وشخوصه، إلى أن تنجز ما وعدت نفسها والشعب العربي بتحقيقه : الحرية والعدالة والمساواة والدولة الديموقراطية المدنية، العدالية والوحدوية.

من هنا، أعتقد أن الثورة العربية الحالية ستستمر لفترة طويلة، وستعرف حالات تقدم وتراجع، صعود وهبوط، حماسة وفتور، نجاح وفشل، دون أن تفقد هويتها أو طابعها كثورة، مهما قال القائلون من خصومها والجاهلون من أنصارها!.

انطلق العرب في طريق جديدة لن يرجعوا عنها، مهما كانت المصاعب التي سيواجهونها. هذه الانطلاقة وهذا الطريق هما الثورة، التي ستنقلهم إلى مطلبهم : الحرية والكرامة!.

' كاتب وسياسي من سورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية بين مؤتمرين .. بشير عيسى

الحياة 26/7/2011

لا للحوار، هكذا ردت المعارضة بعد مقاطعتها اللقاء التشاوري من أجل مؤتمر الحوار الوطني الذي دعت اليه القيادة السياسية في تاريخ 10/7/2011، معتبرةً أن النظام يحاور نفسه. وقد اشترطت قبل الدخول في أي حوار، بسحب الجيش والقوى الأمنية إلى خارج المدن والبلدات، مع وقف عمليات المداهمة وإطلاق سراح المعتقلين على خلفية الأحداث، ومحاسبة كل من أطلق النار على المتظاهرين، بمعنى توفير مناخ ملائم يعكس جدية النظام للحوار.

هذه الشروط، يرى فيها معارضون كثر مدخلاً صحياً، يؤسس لحوار وطني حقيقي يمكن أن يشكل انعطافة في طريقة تعاطي النظام للأزمة، ويفتح الباب لحلول سياسية يعطلها الخيار الأمني، على خلفية فوبيا المؤامرة التي تماهى النظام معها، فغدت المنطلق والأرضية التي يتحرك عليها، مع إدراكه الضمني أن الشعب لم ينتفض من فراغ، والمطالب التي نادى بها محقة وعادلة.

غير أن النظام من موقعه وتركيبته، أسير ذهنية انقلابية أوصلته الى الحكم، فتمسك بها حتى تمكنت منه، ولأنه انقلابي، فقد أقصى معارضيه بدستور، ضمِنَ له استمرارية تحكمه بالدولة والمجتمع، فجاءت المادة الثامنة كتشريع لدفن الحياة السياسية وإحياء لأبدية حزب اختزل بشخص أمينه. وهو ما يفسر عجز النظام عن إجراء أي انتخابات، مكتفياً بالاستفتاء على الرئيس، الأمر الذي أنهى حتى الديموقراطية الحزبية، لتحل الولائية بديلاً وطريقاً للكسب وتبوّء المناصب، فغدا الفصل بين النظام والدولة استحالة. هذا النهج التوتاليتاري أدى الى ضمور الصيغة الأخلاقية في المجتمع. وبإتباع سياسة التدجين، القائمة على مبدأ الترهيب والترغيب، نشأت التقية المجتمعية، مشَكلةً الحاضن والمنتج للصيغة الانتهازية، كمعيار بديل عن الأخلاقية، أسست لتوغل الفساد الإداري والمالي في المجتمع والدولة.

والسؤال هنا: هل يستطيع هذا النظام أن يقوم بعملية بيروسترويكا تنقله من حالة النظام المأزوم، المساهم في إنتاج الأزمة إلى حالة المشارك في معالجتها؟ الإجابة بحاجة الى كثير من التمعن والترقب لما ستحمله الأيام، فالنظام ككل شيء موجود في الطبيعة، قابل للتغير والتبدل بحكم حركية الزمان والمكان، بالتالي هو أمام خيارين، إما أن يتغير أو ينفرط، نظراً للمأزق الوجودي الذي وصل إليه، إذ إن تماسكه لا يعني بالضرورة تجانس مكوناته، فالطارئ المستجد الذي أفرزه الحراك الشعبي استطاع خلخلته، وهو ما فرض عليه إعادة النظر في كل سياساته وممارساته. وأي مراقب للشأن السوري يلمس تحولاً في الخطاب الرسمي وإن من حيث الشكل، فالصدمة أيقظت النظام من مواته، فكان مؤتمر الحوار الذي أقر علناً بشرعية المعارضة، أول دليل لعودة النبض إليه، وإذا افترضنا أن النظام يحاور نفسه، فذلك شيء ايجابي يمكن البناء عليه كخطوة أولى. لذلك يجب التأني قبل إصدار الأحكام، كون العمل السياسي يستلزم جهداً عالياً من التركيز ينأى بنا بعيداً عن الأفكار والتصورات النمطية، إذا أردنا تغليب سلامة الوطن على القصاص من النظام. الشيء الذي يحتم على النخب القيام بدور أكبر لتغليب الواقعية السياسية وتخليصها من الانفعالية والكيدية، كي لا تنجر للفعل ورد الفعل، فتعيد من حيث لا تريد إنتاج خطاب مضاد لا يقل شمولية عن خطاب النظام، ويكون مقدمة لصدام يفكك المجتمع بدلاً من احتوائه بكل تناقضاته.

فالمعارضة بالمنطق السياسي لها الحق في عمل ما تراه مناسباً، لكن هذا لا يعفيها من تقديم تضحيات مضاعفة يخرجها من خندق المواجهة إلى العمل التواصلي، لتكون جسراً وممراً يفتح الطريق أمام حوار تناضل من أجله إذا أرادت العبور نحو دولة مدنية ديموقراطية، من دون أن يعني ذلك وقف الحراك، فالحراك يجب أن يستمر حتى تحقيق كل ما تحدث النظام به ولم يفعله. فمؤتمر الإنقاذ الذي دعت اليه بعض قوى المعارضة في اسطنبول في تاريخ 16/7/2011 وبحثه في تشكيل حكومة ظل تكون بديلاً للنظام وأن الأسد بات في حكم اللاموجود، قد أتى في سياق رد الفعل المتسرع على مؤتمر الحوار الوطني، وهو ما أوقع المجتمعين في خلافات حادة، نتج منها رفض لفكرة حكومة الظل، والاستعاضة عنها بهيئة إنقاذ، لم ترض الكثيرين، إضافة الى انسحاب الأكراد بحجة تهميشهم، في إشارة الى عروبة الدولة.

لذلك نأمل من المعارضة، إعادة تصويب خطابها بعيداً عن التشنج السياسي، وأن تتحرك في شكل جدي لتطويق واحتواء المناخ الطائفي والإثني الآخذ في التنامي، والذي بدأ يلامس حراكها، إذ إن التأكيد المستمر على نفي الشيء يدل على حضوره الطاغي، ولو افترضنا أن ما يتداوله الناس لا يشكل حقائق بقدر ما هو إشاعات يطلقها النظام، ففي ذلك إشكالية أخرى، لأن الإشاعة حين تلامس المخاوف والرغبات تصبح أقوى من الحقيقة، وعليه يجب التعاطي معها كحالة موجودة لها حضورها المحرك والمشكل للمخيال الشعبي. إن صور التظاهرات بين موالاة ومعارضة وتموضعها ضمن جغرافية ومناطق يدركها السوريون تذهب في السياق نفسه الذي نورده. من هنا يجب إعادة النظر في قول «الشعب قال كلمته» توخياً للدقة، لأن الأسد حين قدم نفسه كشخص «يريد الإصلاح» استطاع أن يجد له مكانة مضافة خارج النظام والطائفة، يستوجب الأخذ بها كمعطى، أعاد تشكيل أو تغيير الواقع، حيث طاول أوساطاً عريضة، تأمل بتغيير لا عنفي، يحفظ الاستقرار بشقيه الأمني والاقتصادي.

لقد أعاد خلاف المجتمعين في اسطنبول بالأذهان، خلافهم السابق في انطاليا، والسؤال: في حال تم إسقاط النظام كما يأمل المجتمعون، هل سيخوض الشعب «ثورة» أخرى على شكل الدولة المدنية؟ على اعتبار أن الخلاف لم يتم حسمه بين العلمانيين والإسلاميين، فالإجماع على إسقاط النظام على رغم أهميته، ليس كافياً ما لم ينجز التصور البديل، كبرنامج عمل جامع يتجاوز الانقسامات المؤجلة، والذي من شأنه طمأنة معظم أطياف المجتمع السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ستة أوهام سورية! .. محمد الرميحي

الشرق الاوسط

26-7-2011

هل يعقل أن يستمر القتل في سوريا إلى ما لا نهاية؟! وهل يمكن تبرير الصمت العربي والعالمي تجاه ما يحدث؟! هناك مجموعة من الأوهام التي آن لها أن تناقش بجدية، لإحلال العقل بدلا من التمني والتخيل. أولها القول إن هناك عصابات مختبئة بشكل ما في المدن والقرى السورية تطلق النار على الجنود والمتظاهرين في آن واحد، وهي التي تسبب كل هذا القتل أو معظمه! والسؤال: لم لا تظهر هذه العصابات عند خروج المظاهرات المؤيدة للنظام؟ فإن كانت معارضة للنظام، فهي أولى أن تظهر وتطلق النار هناك، تلك ذريعة لا تخفى على عاقل.

الوهم الثاني أن الحل الأمني هو الذي سوف ينتصر في النهاية. وهو قول ضد التاريخ المعروف للإنسانية، الحل الأمني يمكن، في أحسن الأحوال، أن يشتري بعض الوقت، ولكنه في النهاية يندحر ويفشل، ويستطيع أي عاقل أن يسرد عشرات النماذج على فشل هذا التوجه ضد الشعوب، المراهنة على الوقت لتأخير الاعتراف بالحقيقة سوف تزيد من الصراع وربما تحوله إلى أشكال أخرى أكثر عنفا. فالأصوات المطالبة بالحريات في سوريا، أصوات حقيقية نابعة من جموع الشعب، الذي صبر طويلا أملا في الإصلاح، وأعطى النظام لفترة طويلة، ما يسمى بفوائد الشك في أن إصلاحا ما سوف يحدث ولم يحدث، وكل الأحاديث القائلة إن حركة الاحتجاج الواسعة مدسوسة أو مغرر بها، أو أنها عميلة، قول لم يعد يصدقه العاقل المحايد، أمام هذه الصور التي تبث يوميا من مناطق سورية مختلفة تشير إلى التقتيل والاعتداء على الحرمات، وأمام هذه المسيرات التي تخطت حواجز الخوف، وعمليات التهميش بالغة الأذى وسجن الأجيال الطويل داخل أفكار البعث التي خويت على عروشها، فالحل الأمني يمكن أن يقتل عشرات، وربما مئات من الناس، ولكنه في الوقت نفسه يأكل من سمعة النظام ومن صدقيته على المدى المتوسط والطويل ثم يقتل أصحابه. الناس تطالب بالحريات لأنها حرمت منها طويلا وكثيرا.

الوهم الثالث أن سوريا «غير» مصر أو اليمن أو ليبيا أو تونس، ومختلفة عنها. هي «غير» من حيث الدرجة ولكنها ليست «غير» من حيث النوع، وقد أصبح الاعتراف بالخلل الحادث والمتراكم منذ سنيين هو طريق العودة إلى المنطق السليم. فتغييب الحريات تحت شعارات مختلفة وضبابية يفقد النظام على مر الوقت أنصاره، حتى المؤدلجون منهم لم يعد لهم ثقة بالإصلاح ولم يعد للشعب ثقة بهم.

الوهم الرابع أن المعارضة لها لون طائفي. ذلك بعيد عن الحقيقة لمن يعرف الأسماء المعارضة الظاهرة للعلن، ومن يعرف المناطق التي يخرج منها المتظاهرون، وحتى لمن يعرف تاريخ سوريا، فالسوريون لم يقبلوا التشطير تحت دويلات طائفية قبل قرن تقريبا، عندما حاوله المستعمر الفرنسي، وقتها لم يكن الوعي كما هو اليوم، فكيف يقبلون التفكك الطائفي اليوم بعد كل هذا الوعي الاجتماعي والسياسي؟! هناك تيار واسع من كل الطوائف والأعراق المعروفة في سوريا، من بينهم عدد كبير من العلويين، معارضون للنظام حيث يستهدف بعضهم وعائلاتهم خاصة بقسوة مفرطة.

الوهم الخامس هو الحديث عن الممانعة. وهو حديث استهلك لكثرة ما فرط في استخدامه، وحتى افتراض الممانعة لا يعني أن يحرم الشعب من حرياته ويهان في كرامته ويطارد في رزقه وتستباح أمواله، ويتحالف مع من لا يرتضيه، وهو شعار خبيث أن يكون فقد الحريات ثمنا للممانعة، ويعني، إذا قلبنا المعادلة، أن حصول الشعب السوري على حرياته يضعف الممانعة، وهو اتهام في وطنية هذا الشعب الصابر، وهو مخالف للحقيقة جذريا. شعار الممانعة سقط في أذهان الجماهير السورية ولم يعد يفي بغرض إسكاتهم والصبر على كل الإذلال الذي يعانون منه.

أما الوهم السادس والأخير، فهو الحديث عن قوى كبرى أو متوسطة أو صغيرة خارجية بعيدة أو قريبة تريد إلهاء سوريا لغرض في نفسها. تلك مقولة لم تعد تقنع أيضا، لأن هناك شعبا يخرج يوميا للمطالبة بحقوقه، يوما للاحتجاج والآخر لدفن الشهداء، إنها كربلائية مستمرة، ومهما كانت قوى الخارج فهي لا تستطيع أن تدفع شعبا للتضحية بهذا الحجم، ما يدفعه هو القهر وفقدان الأمل في الإصلاح الذي طال انتظاره.

الخطأ السوري هو نفس الخطأ المصري والتونسي للأنظمة السابقة، التقطير الشحيح في الاعتراف بالمشكلة أو المشاكل التي أثارت الناس. ليس من السهل في بيئة أمنية مغلقة كما هي البيئة السورية، أن يخرج الناس إلى الشوارع مضحين باحتمال فقد أرواحهم لأسباب جانبية أو صغيرة، المشاكل في سوريا طفح منها كيل المواطن وتراكمت وتجوهلت لفترة طويلة. صحيح أن ما حدث في تونس ومصر وفي مناطق عربية أخرى شجع الجمهور السوري وعرفه الطريق، إلا أن تراكم الأخطاء الكبرى، وتقع معظمها تحت مظلة حرمان الشعب من التعبير عن نفسه، حيث بعدها ينتشر وباء الفساد بأشكاله المختلفة، ويأتي وقت لا يمكن له إلا أن ينفجر، هو ما حدث ويحدث في سوريا. وكلما تجاهل النظام السوري الوصول إلى تلك الحقيقة، عظم الثمن الذي يدفع في اتجاهين: الأول هو دماء السوريين في القرى والمدن السورية المختلفة، والثاني استنزاف الاقتصاد السوري، فالنزيفان الدموي والاقتصادي، يشكلان مخاطرة كبرى على الدولة السورية الحديثة كما عرفت.

لا مخرج إلا بوقف مسلسل الحل الأمني، فالدنيا قد تغيرت تماما عما عرفه الساسة السوريون حتى الأمس، كل أشكال الحلول الأمنية لن تجعل المواطن السوري يعود إلى بيته ويرضى بالتصفيات والسجون والحرمان والإهانة في الوقت الذي يرى فيه العالم يتقدم إلى الحرية والمشاركة. شهر رمضان المقبل سيكون شهرا حرجا للنظام السوري، حيث من المحتمل أن تستمر المظاهرات، وأيضا من المحتمل أن تستمر التصفيات الجسدية، وهي دائرة جهنمية تتماس مع شعيرة دينية عميقة المعنى فتصبح بمثابة الصاعق للمفجر. وكلما روجعت تلك الأوهام واعترف بالحقيقة، أنه لا أسمى من الحرية، اقتربنا من الخروج من هذا المأزق الذي أوقع فيه أهل السلطة قصر النظر السياسي الذي حول الحقائق إلى أوهام، فعاشت السلطة السورية في عالم افتراضي، كلما حقنت الدماء وتيسرت الأرزاق.

آخر الكلام:

أقترح على كل المسؤولين العرب، قراءة مقال في مجلة الشؤون الخارجية الأميركية هذا العدد، وجاء بعنوان «التعلم من ألمانيا»، كيف حلت ألمانيا بنظرة ثاقبة من قبل المستشار غيرهارد شرودر، معضلة تصاعد البطالة في مجتمعها، عن طريق التخطيط لتعليم وتدريب فعال. لم ينظر شرودر إلى مصلحته، بل مصلحة شعبه، أقدم على الإصلاح وفقد وظيفته بسببه، ولكن بلاده نجت من الأزمة الطاحنة التي تجتاح أوروبا اليوم، إنه بعد النظر والتفكير الواقعي لا التوهم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد: فشل الإصلاح الموعود .. عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

26-7-2011

الأرجح أن للانتكاسة التي أصابت سوريا، بعد ثلاث سنوات على قرارات ووعود الرئيس السوري بشار الأسد الإصلاحية، أسبابا خفية، شخصيا أرجح أن خلفها دخول الأمن على خط القرار السياسي. فقد صار الرئيس بالغ الحساسية حيال ما يقال عنه في الغرف المغلقة، وقد عبر عن خيبة أمله بقوله إنه اكتشف أن هؤلاء ليسوا معارضين صادقين ويدري عن ماذا يتحدثون. لكن أن تدور النميمة والسخرية من السياسيين مع فناجين القهوة في الصالونات الخاصة فهذا أمر طبيعي جدا في كل المجتمعات. حوكم المعارض رياض الترك، الذي سمح له في البداية بممارسة نشاطه السياسي، وكانت الجناية ضده ترويج أنباء كاذبة توهن عزيمة الأمة ونفسيتها، وحكم بسجنه، وبعد نطق الحكم طلب القاضي أن يتناول معه فنجان قهوة! كانت تلك المحاكمة بداية نهاية الانفتاح القصير.

في مطلع رئاسته كنا مستبشرين لأن بشار لم يكن مسؤولا عما جرى في عهد والده، وعمره ودراسته ومظهره، وظهوره في المطاعم بلا حرس مدجج، أشاع مناخا من التفاؤل بأننا أمام سوريا عصرية. بدأ حكمه بزواج فتاة سنية، والدها فواز الأخرس طبيب قلب من طبقة متوسطة، شبه منفي في بريطانيا. كانت الزوجة السنية رسالة مصالحة مشجعة من ابن الطائفة العلوية تؤكد أنه ليس طائفيا. زد عليه أن والدها الذي التقيته في لندن راق لي اندفاعه في نقد النظام القديم مبشرا بأن سوريا مقبلة على عصر جديد. بالفعل، أطلق في الأيام الأولى سراح ستمائة سجين سياسي، وأغلق سجن المزة المروع، وعمت منتديات العاصمة أجواء حرة نسبيا، وإلى نهاية عام 2002 أطلق تسعة مساجين سياسيين، وسميت تلك الفترة بربيع دمشق.

ثم فجأة أطبقت أجهزة الأمن على الحياة وسط إشاعات عن مؤامرة انقلاب من الحرس القديم لم تكن صحيحة، الأرجح أنه كان انقلابا من فوق، مع استمرار التصفيات الداخلية بالعزل والمحاسبة وأحيانا بالانتحار.

وفي خضم أحداث جسام هزت العالم مثل غزو العراق استمر لبنان طبقا رئيسيا في مقابلاتنا. لبنان على الدوام ظل عقدة حكام سوريا. وقد لحظت مرة أحد مساعديه متأبطا كتابا عن تاريخ لبنان، قال مبررا، «يتعين علينا جميعا أن نتثقف في المسألة اللبنانية»! ومرة قال لنا الأسد مبررا اهتمامه، «تاريخيا لبنان كان دائما ممر المؤامرات على سوريا». لسوء حظ المرحوم رفيق الحريري أن الأسد كان قد صنفه كبير المتآمرين.

أظن أن بشار فسر ما يسمع ويرى بأن رجل الأعمال اللبناني هذا يبيت له أمرا. الحريري، هو الآخر، لم يفهم شخصية الرئيس الجديد، فالابن غير أبيه، ينقصه تاريخه وتجربته وولاء رجاله، ولديه مركب من الحساسية الشخصية من صغر عمره، وتوجس من الغير. لا ننسى أنه حتى يرث والده لجأ الأسد الابن إلى تغيير عمر رئيس الجمهورية في الدستور من الأربعين إلى الرابعة والثلاثين. وسمعت أن مقت بشار للحريري سببه ما نما إليه أن الحريري في حديث لصديقه الرئيس الفرنسي جاك شيراك قال له متذمرا، إن «بشار ولد». ما كان الأسد الأب ليبالي بمثل هذه الآراء لأنه رجل استراتيجي التفكير ويستخدم الناس لغاياته، والحريري كان من أدواته الأساسية. أظن أننا تحدثنا عن الحريري في كل المناسبات التي التقيت فيها الأسد الابن. وكان واضحا أنه قد حسم رأيه فيه سلبا، لكن للحقيقة لم نسمع من بشار قط أن تلفظ بلغة بذيئة أو حتى قاسية حيال أي موضوع أو شخص، حافظ على تهذيبه وأدبه حتى في المقابلة الماضية قبل ستة أشهر بعد قطيعة دامت ست سنوات. غدا، قراءتي عن حرب بالوكالة بين الاثنين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين الثورة والمعارضة .. د. برهان غليون

الاتحاد

تاريخ النشر: الأربعاء 27 يوليو 2011

بقدر ما تُظهر الاحتجاجات الحالية في سوريا قدرة استثنائية على التقدم في مواجهة عنف نظام استثنائي، وتثير بذلك إعجاب العالم، تبدو المعارضة السورية في نظر الجميع وكأنها الثغرة الرئيسية في منظومة التحرر التي وضعها الشعب السوري في الأشهر القليلة الماضية. وبالفعل ليس من الممكن لأي مراقب أن لا يقارن بين التقدم الكبير الذي حققته حركة الاحتجاج الشعبي في الأشهر الأربع الأخيرة، وبين الحصيلة الضئيلة لجهود أحزاب المعارضة وتشكيلاتها المختلفة في الخروج من القبر السياسي الذي وضعها فيه النظام في العقود القليلة الماضية.

والحديث عن المعارضة السورية، بالعلاقة مع الثورة المتقدمة، هو اليوم حديث يجمع بين الأطراف كافة. يطرحه شباب الثورة والمتحالفون معها، ويطرحه ممثلو الطبقات الوسطى والعليا في المجتمع السوري، ويطرحه السياسيون الأجانب المعنيون بالوضع السوري أو المرتبطين بعلاقات خاصة مع سوريا. وستطرحه قريباً تلك القوى العسكرية والأمنية السورية التي لا تزال صامتة بانتظار ما ستسفر عنه المواجهة بين القوى الشعبية الزاحفة على السلطة وقوى النظام المسلحة.

لا يتطلع شباب الثورة إلى المعارضة من أجل المشاركة في المسيرات والمظاهرات، وإن كان لمثل هذا العمل أثر كبير على تشجيع الناس والفئات التي لا تزال مترددة. بل لما يمكن أن تقدمه من مظلة سياسية تجمع أكثر ما يمكن من القوى الاجتماعية وراء الانتفاضة وتعبر عن هويتها الحقيقية في مواجهة الاتهامات التي يسعى النظام إلى رميها بها لتشويه صورتها وتقزيم معانيها. فكان مما وصفه بها أنها غطاء يقدمه سوريون سذج أو ملعوب بهم لمؤامرة أجنبية، وأنها تمثل فئات قليلة من حثالة الشعب، وأن ما يحركها هو الانتقام والأحقاد الطائفية، كما يميل إلى تسويده اليوم. فالمعارضة السياسية هي وحدها التي يمكن المراهنة عليها للدفاع عن مشروع الثورة هذه وإعطائه معناه الحقيقي بوصفه ثورة الكرامة والحرية كما أراد لها أصحابها أن تكون. وهم يتطلعون إلى المعارضة أيضاً لأن وقوفها إلى جانب الثورة، وهي المعروفة بنضالها التاريخي من أجل الحرية والديمقراطية، يقدم لهذه الأخيرة الشرعية التي تحتاجها، في مواجهة الإنكار الكلي من جانب السلطة. وهم ينتظرون من المعارضة أيضا، وهي أكثر تنظيماً وخبرة في الشؤون الخارجية وقدرة على المبادرة السياسية، مساعدتهم في التواصل مع العالم الخارجي ووضع الثورة السورية في إطارها الطبيعي كجزء من ثورات التحرر الإنسانية، وكسب الدعم والتأييد اللذين تحتاجهما خارجياً.

وبالمقابل تنظر قطاعات واسعة من الرأي العام السوري إلى موقف المعارضة لتحدد موقفها أيضاً من الثورة التي يقودها شباب لا يكاد يعرفهم أحد، وهم أيضاً ليس في مصلحتهم أن يظهروا مادامت المعركة لا تزال غير متكافئة والخطر كبير عليهم. فوقوف المعارضة مع الثورة يشكل ضمانة لمسيرتها وأهدافها، ولا يمكن إلا أن يطمئن أولئك الذين يخشون الفوضى، عن حق، على المستقبل ويدفعهم للمراهنة عليها والقطع مع النظام. بالإضافة إلى أن المعارضة تشكل بالنسبة لهذه القطاعات وسيلة التواصل الرئيسية بينهم وبين شباب الثورة الذين لا يعرفونهم ومن الصعب أن يصلوا إليهم اليوم. ويعني التواصل تبادل الأفكار والمعلومات وتلبية الحاجات. وهي أمور لا يمكن للثورة أن تستمر من دونها.

ولا يختلف الأمر فيما يتعلق بالقوى الدولية. فهي حريصة أيضاً على أن لا تتعامل إلا مع أطراف تعرفها وتعرف برامجها وتقدر سلوكها وأعمالها وتستطيع من خلالها الحفاظ على مصالحها، وربما كان أهمها اليوم معرفة ما إذا كانت هناك معارضة قادرة على إدارة البلاد بعد سقوط النظام. ومهما كانت ثقة الدول بثورة الشباب وتقديرهم لأعمالهم البطولية، فهم يريدون التعامل مع أطر منظمة معروفة ويمكن الاتصال بها والنقاش معها. فالمعارضة تلعب هنا أيضاً دور الوسيط التواصلي بين شباب الثورة وبقية القوى الدولية والإقليمية التي يتكون منها النظام الدولي الذي لا تعيش سلطة خارجه اليوم.

باختصار هناك مهام اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية وإعلامية ودبلوماسية لا يمكن لشباب الثورة العاملين في الميدان أن يقوموا بها، وهم في ما هم فيه من سرية وعمل يومي لتنظيم الشعب ومسيراته وشعاراته. وهم بحاجة من أجل تلبيتها لأناس أكثر خبرة في هذه الميادين وأكثر قدرة على التحرك والتواصل مع جميع الأطراف. وحتى تستطيع المعارضة القيام بهذه المهام ينبغي أولا أن تقف مع الثورة وهو ما فعلته منذ البداية ولو أن بعض أطرافها صرفت وقتاً طويلاً قبل أن تنخرط فيها وتساعد على تعزيز مسيراتها. وينبغي ثانياً أن تؤطرها سياسياً وفكرياً، أي أن تنشئ الإطار السياسي الذي يمثل مرجعية تضمن وحدتها واستمرارها وتواصلها مع العالم الخارجي. فوجود عنوان واحد وواضح للثورة، يضم إلى جانب ممثلي شباب الثورة الأطراف الرئيسية من المعارضة الحزبية، يساعد كثيراً في كسب الرأي العام العالمي إلى جانبها ويسهل التفاهم مع أطراف النظام الدولي، مما يضمن حصول التأييد وتحقيق الاعتراف، ومن ثم توفير الكثير من الضحايا والخسائر المادية. كما أن وجود مثل هذا العنوان الواحد، يساعد في منع المتطفلين على الثورة والمندسين في أوساطها من تشويه صورتها أو الحديث باسمها لتحقيق مآرب أخرى أو التسلق عليها وحرفها عن أهدافها.

وفي هذه النقطة تكمن أزمة المعارضة السورية. فجميعنا ندرك اليوم أنه رغم كل الجهود التي بذلت، ورغم إجماع أطراف المعارضة السورية وأحزابها، من دون تمييز بين يمين ويسار، على دعم الثورة والانتقال بسوريا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، لا تزال وحدة المعارضة، بل توافقها على أرضية مشتركة، والتنسيق بين أطرافها في خدمة الثورة الديمقراطية، تبدو أمنية بعيدة المنال، بينما أصبح تقدم الثورة الميداني يتطلب وجود إطار سياسي موحد يصد عن الثورة الهجومات السياسية المتواصلة ويطمئن الشعب أو أجزاء كبيرة منه على المستقبل، ويفتح باب الاعتراف السياسي الواسع بالعهد الجديد خارجياً. وستزداد الحاجة إلى معارضة موحدة قوية مع تقدم الثورة وتغير ميزان القوى وترنح النظام وتطلع الأطراف التي كانت تراهن عليه إلى التحلل من التزاماتها تجاهه، والتطلع إلى المستقبل. بمعنى آخر، لا يمكن من دون معارضة قوية ومنظمة في جبهة أو إئتلاف، قطف الثمار التي أنضجها كفاح الشباب السوريين بدمائهم وأرواحهم. وكل تأخر في تشكل مثل هذه الجبهة (المرجع) يعني بالنسبة لهم وللسوريين جميعاً تأخيراً في موعد النصر وتفريطاً بهذه الدماء والجهود العزيزة والتضحيات التي لا تقدر بثمن.

من هنا، لم يعد الأمر يحتمل الانتظار، وأصبح من الضروري التفكير ملياً في واقع المعارضة والعوائق التي تمنع المعارضين من التوافق على برنامج عمل مشترك وتكوين هيئة وطنية قادرة على حمل مسؤولية التغيير الديمقراطي المنتظر وانتزاع نصر للشعب السوري يستحقه، وتلك العوامل التي تفسر عجز المعارضة السورية عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التي تطرحها عليها الثورة الحالية وقد ضربت أعظم الأمثلة في التضحية والفداء ونكران الذات! هذا ما سوف أتناوله في مقال قادم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية ورهانات المرحلة  .. د. لطفي السنوسي

القدس العربي

27-7-2011

لفتت انتباهي مقولة ردّدها مبارك وولي عهده جمال قبل سقوط نظامه وهي 'مصر ليست كتونس'، و بالرغم من عدم صدق حدسه الا أن ما شهدته المنطقة من انتفاضات استُلهمت من الثورة التونسية في كل من ليبيا والبحرين واليمن وسورية يجعلنا ننظر الى هذه المسألة بأكثر واقعية بعيدا عن السيناريوهات العنترية التي تشبه الدراما السورية، فالمتتبع لطبيعة الأنظمة القائمة يدرك أن لكل منها بيئتها الخاصة محليا وإقليميا، واذا كان هذا منطلقا لتقييم ما يجري في سورية بالتحديد فلن يكون بالتأكيد صك غفران للنظام السوري الذي لم يتوان في استخدام الدبابات والذخيرة الحية في سحل شعبه.

لا شك بأن طبيعة النظام السوري البعثي الذي حكم سورية منذ سنة 1963 بعقيدة العنف الثوري، جعله يتفرد بالحكم ملغيا بذلك كل مقومات الحياة السياسية، فاعتمد الاقصاء المدني بل واستعمل كل الاساليب لتصفية خصومه من الاسلاميين والناصريين بل حتى من البعثيين أنفسهم، فكانت ممارساته أقرب الى محتل منه الى حاكم، وهذا ما يفسّر السّرعة المذهلة في استخدام القوة ضد المتظاهرين خلال انتفاضتهم باستعمال الدبابات والحوامات والمدرعات وكانه يواجه جيشا جرارا، فقتل واعتقل وهجّر وشرّد الآلاف من أبناء شعبه ممارسا بذلك سياسة العقاب الجماعي الذي استعمله الكيان الصهيوني إبان ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين على شعب فلسطين الأعزل.

ولعل اهم ما صنعته ثورة الأحرار في سورية هو انها كسرت جدار الخوف وزادت يقين كل الأحرار بأن لا ملجأ من الثورة الا الى الثورة، فسقطت كل آليات التنكيل والتسلط والإذلال بأيدي من واجهوا الرصاص بالدم، وأمام الصمت الخارجي يبقى السؤال الملح: هل ستتواصل ثورة الشعب السلمية على نفس الوتيرة، خاصة وأن فرضية التدخّل الخارجي كما في ليبيا تبدو غير مطروحة، بعدما عجز مجلس الامن عن اصدار قرار يدين هذه المجازر بسبب وقوف موسكو والصين امام اي إجراء محتمل ضد هذا النظام، ونحن نفهم جيدا الأسباب التي لم تعد خافية على أحد، فما شهدناه من تباعد في المواقف من الثورة الليبية يجعلنا ندرك أن لا قيمة لأي قيمة انسانية أمام المصالح الاستراتيجية والقومية،وهنااكتفت جامعة الدول العربية بإبداء النصيحة،حتى العقوبات المسلطة على مسؤولين سوريين ستكون في صالح النظام لا ضده.

إن ما يمكن استخلاصه هو أن الثورات العربية قد كشفت عورات وسوءات كل من لبس ثوب النزاهة والغيرة على الأرض والدين، وجعلتهم يقفون أمام من تبعهم موقف الخزي والعار، ولعل الواقفين وراء النظام السوري بل والداعمين له هم من جعلوه لا يتوانى في التنكيل بمن أراد أن يوهمنا بأنهم متآمرون على أمن سورية واستقرارها، لكن إرادة الشعوب في التحرر والانعتاق أبدا لن تقهر خصوصا بعد سقوط نظام بن علي ومبارك، إن إدراكنا لطبيعة النظام السوري يجعلنا نجزم بأن تزحزحه من العرش لن يكون بالأمر الهين، فهذا النظام تعود على الهروب من أزماته الداخلية من خلال فتح جبهة خارجية من شأنها أن تدير رؤوس الرأي العام عليها، فللنظام السوري في اعتقادي خياران، الأول يتعلق بالجولان هذه الورقة التي لعب عليها طويلا ولم يتجرأ طيلة هذه السنوات على إطلاق رصاصة واحدة من أجل سيادة بلاده، فربما حان الوقت ليتحرك في هذا الاتجاه ليطالب اليوم برسم الحدود مع ما يسمى 'بدولة إسرائيل'، أما الخيار الثاني فهو محاولة اقحام حركات المقاومة المدعومة من النظام السوري في هذا الصراع من خلا ل فتح جبهة مع اسرائيل بأية ذريعة، وهذا يدخل في نطاق تصفية حسابات قديمة لهذه الحركات مع اسرائيل، وهنا طبعا لست أتّهم حركات المقاومة بالتواطؤ وإنما توحد المصالح بين الطرفين، كل منهما يراها من أولويات المرحلة.

بالتأكيد أن الحديث عن قضية الجولان اليوم تعتبر ورقة ضاغطة على البيت الأبيض حتى لا يمضي في طريق تسليط عقوبات على النظام ورموزه، ولعل الاشتباكات التي شهدناها على الحدود تعتبر رسالة واضحة من النظام السوري لإسرائيل في هذا الاتجاه، وهنا يربح النظام السوري استبعاد الحل العسكري تجاهه، وهذا يعتبر ربحا للوقت في اتجاه قمع المنتفضين وترويعهم، فالسيناريو الليبي جعل النظام السوري يزداد قوة، فبالمقارنة نجد أن آلاف الليبيين سقطوا وهجّروا ودمرت بيوتهم وانتهكت أعراضهم، ثم نسمع اليوم فرنسا وأمريكا تتحدثان عن ضرورة التفكير في حلّ سياسي بين طرفي النزاع في ليبيا. أما الحديث عن حركات المقاومة في فلسطين ولبنان فالأمر يجب أن ينظر إليه بطريقة مختلفة، فهذه الحركات لا تتعامل مع ما يحدث في سورية من موقعها كدولة، وانما ككيان غير معترف به دوليا ولا بد لهم من المحافظة على أهم مقومات البقاء لديهم وهي الحياد في القضايا التي لا تمسها بطريقة مباشرة، وهذا لا يدينها في رأيي حيث أن هذه الحركات تعول دائما على شرعية قضاياها لا على التحالفات المشروطة، وأي تحرك أو موقف تتبناه هذه الحركات يعتبر دفاعا عن وجودها لا على النظام السوري الذي لن يتردد لحظة واحدة في التحالف مع الشيطان من أجل بقائه في الحكم حتى ولو كان ذلك على حساب حلفائه.

ان الخطر المحدق بسورية اليوم هو السير في طريق التناحر الطائفي والذي سيكون غطاء لممارسات هذا النظام الذي سيحاول تغذيتها بكل الأشكال وهذا ما سيمضي بسورية في اتجاهين محتملين، الأوّل هو دخول سورية في حرب أهلية والتي ستفتح الباب على مصرعيه أمام عدة قوى في الداخل والخارج من أجل تحقيق أهداف مرتبطة في الغالب بأجندات خارجية، وهذا ما يفسر وقوف حزب الله موقفا مختلفا عن مواقفه من الثورات السابقة، فما نعرفه على هذا الحزب منذ تحرير جنوب لبنان سنة 2000 مرورا بحرب تموز/يوليو عام 2006 وحرب غزة عام 2008 وبداية 2009وكيفية تعامله مع الازمات الداخلية يجعلنا ربما نثق في موقفه الذي يراه يخدم المنطقة ككل في هذه المرحلة من حيث رسم خارطة الأولويات، فموقف حزب الله وحماس يمكن أن يُفسر على أنه استراتيجي بالأساس لا مبدأي، بمعنى أنه يندرج تحت مبدأ الخوف من انفجار المنطقة ككل مما سيرجح كفة اسرائيل وحلفائها على حساب حركات الممانعة.

اما الاتجاه الثاني فيتعلق بتركيبة الجيش السوري الطائفية ، والذي من المحتمل أن يستغل انهيار الأوضاع الأمنية وانسداد الافق السياسي من أجل قلب نظام الحكم، وهذا طبعا لا يعتبر الحل الأمثل، لأن الشعب السوري لا يمكنه ان يعيش من جديد في ظل نظام يولد من رحم من سبقه بعدما رأى النموذج التونسي والمصري وهذا ما سيجعل البلاد تدخل من جديد في صراعات طائفية قد تمضي بالبلاد الى طريق غير مضمون العواقب، وأعتقد أن الوضع سيكون أتعس بكثير مما آلت إليه العراق وليبيا.

من هنا تأتي الحاجة الملحة لتدخل القوى الثورية التي ناضلت طيلة عقود في الداخل والخارج من معارضة وقطاعات رأي عام من أجل الخروج بسورية مما يحاك لها من مؤامرة قد تجرها إلى التمزق والتشرذم، فما نعرفه عن المعارضة السورية من تنوع على مستوى تركيبتها واختلاف مذاهبها وطوائفها وقومياتها ومشاربها الأيديولوجية يجعلنا ندرك أن مسؤوليتها تجاه سورية هي تاريخية بأتم معنى الكلمة، حيث أن المهمة الموكولة لها تتمثل في التخلص من كل ثوابتهاالايديولوجية والفكرية من أجل تحقيق الوفاق في اتجاه الوصول بسورية إلى مستوى الدولة المدنية الديمــقراطية، فالأكيد اليوم هو أن النظام قد اقتنع بأن لا سلطة لحزب البعث على الدولة كما في الماضي وهذا يعني بطريقة أو بأخرى أن نظام الأسد قد فقد شرعيته، فالمهمة الاكثر تعقيدا هو الوصول الى تكوين قيادة تمثل الشعب وقتيا و تتمتع بغطاء إقليمي ودولي،بحيث يمكن لها أن تشكل بديلا للنظام القــــائم في هذه المرحلة الانتقـــالية والتي سنشهد فيها ازدواجية الدولة كما هو الشأن في ليبيا، فلا تختصر المهمة اذا على بناء مستقبل سورية ما بعد حكم البعث بل يجب أن يكون موضوع كيفية الاطاحة بنظام الأسد بأقل التكاليف من أولويات قوى المعارضة وهو ما لم يطرح بصفة جدية في المبادرات الأخيرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قانون أحزاب جديد! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

27-7-2011

من المفرح حقا أن يصدر قانون أحزاب جديد في سوريا. من المفرح كذلك أن يصدر القانون عن جهة رسمية لطالما قالت إن حزبها وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية المتحالفة معه يمثلان سائر أطياف وطبقات ومصالح وآيديولوجيات المجتمع السوري السياسية والثقافية، والاقتصادية والاجتماعية، القائمة والمحتملة القيام، اليوم وغدا وإلى أبد الآبدين. في المقابل، من المحزن أن يصدر القانون بالطريقة التي قدمه من خلالها الإعلام السوري، وهو رسمي بنسبة ألف في المائة، وتحدثت عن «رعاية تأسيس الأحزاب وتنظيم عملها». الجهة التي تعترف بأن حزبها وحلفاءه ارتكبوا أخطاء جسيمة جعلتهم بحاجة إلى إصلاح جذري، بعد أن اكتشفوا أنهم لا يمثلون المجتمع السوري ومصالحه وطبقاته وآيديولوجياته، ولهذا تقر لأول مرة منذ قرابة خمسين عاما بحق السوريين في تكوين أحزاب أخرى، تريد – صدقوا أو لا تصدقوا - «رعايتها وتنظيم عملها»، وهذا يعني في واقع سوريا وفي ضوء خبراته أنها تريد، بكل بساطة، أحزابا محدودة الحرية، ناقصة المسؤولية عن نفسها ومقيدة الصلاحيات والإرادة والاستقلالية، قرر مصدر القانون أنها تحتاج إلى رعاية وتنظيم من الجهة الرسمية، التي لم يعرف عنها حسن رعاية أحزاب الجبهة، حليفتها، التي أسلمت أمرها لها، وألزمت نفسها برسم سياساتها في ضوء مقررات حزب البعث القطرية وبرامجه، وبالامتناع عن «النضال» بين الطلبة وفي الجيش، فكانت النتيجة تفتيتها – بمعنى الكلمة الحرفي - وغيابها عن الشأن العام، حتى إن أحدا لا يتعب نفسه اليوم لمعرفة كم صار عددها، وإن عرف البعض أنها كانت خمسة عند تأسيس الجبهة، ثم انشقت جميعها، حتى إن الحزب الشيوعي - على سبيل المثال - المعروف بصرامة تنظيمه وخضوع أعضائه شبه الأعمى لقادته، صار أربعة أحزاب وبعض الكسور. أما رعاية البعث نفسه من قبل قياداته، فتستحق أن يفرد لها كتاب طويل جدا، يبين كيف تحول من حزب جماهيري حقا قبل استيلائه بانقلاب عسكري على السلطة، إلى واحدة من أدوات سلطة أمنية صرف، وكيف فقد استقلاليته عن أهل الحكم وما كان له من رصيد جدي لدى الشعب، وعزل عن الناس ومشكلاتهم، كما ظهر خلال أحداث الأشهر الأخيرة في كل مكان، علما بأنه انقلب منذ سنوات كثيرة إلى ما يكاد يكون تنظيما افتراضيا، بدلالة دراسة أجريت عام 2006 حول نسبة حضور اجتماعاته، بينت أن من يواظبون عليها لا يتعدون في دمشق العاصمة، مركز السلطة الحديدية، 6.4% من أعضائه. وللعلم، فإن النظم الشمولية جميعها تقتل أحزابها وتقوض آيديولوجيتها، مع أنها لا تتوقف عن التحدث باسمها ومنح شرعيتها منها، على الرغم من أنها تفرغها من معانيها بل وتقلبها إلى نقيضها.

أنتقل الآن إلى رعاية تأسيس وتنظيم الأحزاب الجديدة، فمن الذي سيرعاها؟ يقول القانون الجديد إنه وزارة الداخلية، التي سيرأس وزيرها لجنة اسمها «لجنة شؤون الأحزاب» تضمه إلى نائب رئيس محكمة النقض عضوا، وثلاث شخصيات عامة مستقلة يسميهم رئيس الجمهورية لمدة ثلاث سنوات. إن لجنة الإشراف هذه هي إذن هيئة رسمية بنسبة مائة في المائة، ستكون الأحزاب التي تسمح بتأسيسها تحت يدها، كما ستبين تفاصيل الشرح.

سيقدم طلب تأسيس الحزب إلى هذه اللجنة، موقعا من خمسين مؤسسا لا يجوز أن يكون أي منهم محكوما بجرم شائن (المادة 9). بما أن السياسة كانت دوما «جرما شائنا» في سوريا، وبما أن معظم المهتمين سياسيا محكومون بهذا الجرم الشائن، فإن من يريد تأسيس حزب سيبحث على الأرجح، حتى لا أقول بالتأكيد، عن مؤسسيه خارج عالم السياسة، وإلا رفضت اللجنة منحه الترخيص القانوني، وآخذا بالاعتبار نقطة مهمة هي ألا يقوم الحزب «على أساس ديني أو قبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني» (المادة 5)، ويكون ملزما بممارسة نشاطه... «بهدف المشاركة في السلطة وفقا لقانون الانتخابات العامة» (المادة 4). بينما يجب على طلب التأسيس أن يتضمن (المادة 10):

- عنوان المقر الرئيسي للحزب ومقاره الفرعية إن وجدت، على أن تكون جميعها داخل سوريا، وألا يكون أي منها ضمن أبنية إحدى الجهات العامة أو المؤسسات الخاصة أو الهيئات التعليمية أو الأماكن الدينية أو الجمعيات الخيرية (ليس هناك أي حزب يخالف هذا الشرط اليوم غير حزب البعث الحاكم، الذي يبدو بوضوح أن القانون لن يطبق عليه). سؤال: هل يعقل أن يستأجر حزب قيد التأسيس مقرا أو مقرات (أجرتها ملايين الليرات سنويا) قبل الترخيص له؟

- الأهداف والمبادئ التي يقوم عليها الحزب والبرامج والوسائل التي ينتهجها لتحقيق هذه الأهداف.

- كيفية تنظيم هيئات الحزب... مع تأمين كامل الممارسة الديمقراطية داخلها.

- النظام المالي للحزب وتحدد فيه مختلف موارده، وكذلك قواعد وإجراءات مسك قيود حساباته.

هذه الشروط، التي تكون في العادة متغيرة ومرنة في الأحزاب كما في حياتها السياسية المتبدلة، يجب أن تتحقق قبل تقديم الطلب، كأن يكون للحزب مقرات وموارد مختلفة يعرفها وهو يحدد الوسائل التي سينتهجها لتحقيق أهدافه. اللافت هنا هو طابع الشروط الفضفاضة، الذي يسمح بتدخل لجنة شؤون الأحزاب في شؤونها، لترويضها وإبقائها تحت العين واليد، وإلا ما معنى شرط تأمين «كامل» الممارسة الديمقراطية داخل هيئات الحزب، ومن الذي سيحدد كمالها من نقصانها غير «لجنة الإشراف». يبدو، أخيرا، أن «تأمين الممارسة» المطلوب سيكون قبل تأسيس الحزب، ما دام أحد شروط الترخيص له!

بعد تأمين هذه الشروط، على الحزب الالتزام بما يلي (المادة 5):

- تشكيل هيئاته واختيار قيادته ومباشرة نشاطه على أساس ديمقراطي (تحدده لجنة إشراف شكلتها سلطة لا تطيق منذ 50 عاما سماع كلمة ديمقراطية!).

- ألا تنطوي وسائل الحزب على إقامة أي تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية علنية أو سرية، أو استخدام العنف بأشكاله كافة أو التهديد به أو التحريض عليه. (لن يطبق هذا المطلب المحق جدا والمهم جدا على البعث، لذلك سيكون لدينا حزب مسلح من أخمص قدميه إلى قمة رأسه، يواجه أحزابا منزوعة الأنياب؟)

- ألا يكون الحزب فرعا أو تابعا لحزب أو تنظيم سياسي غير سوري (مرة أخرى الازدواجية: بعث قومي وغيره قُطري حكما).

ما صلاحيات اللجنة ورئيسها؟ إنها هي التي تعطي الترخيص، وتراقب الحسابات، وتتدخل في حياة الحزب الداخلية مراعاة لـ«تأمين كامل الممارسة الديمقراطية في هيئاته»، وهي التي تشرف على موارده المالية، التي يجب أن يضعها تحت تصرفها في أي وقت، والتي من حقها الاعتراض على أي تغيير يطاول قيادته أو قوامه التنظيمي أو أنظمته الداخلية، ومراقبة مقراته ووثائقه ووسائل اتصالاته وتفتيشها أو مصادرتها بقرار قضائي، وهي التي تعتبر «أمواله في حكم الأموال العامة والقائمين على شؤونه في حكم الموظفين العامين» (المادة 24)، والتي لها حق حله بطلب معلل يقدم إلى القضاء، إن هو أخل (من وجهة نظرها طبعا) بأي شرط من شروط تأسيسه، وهي التي توقف نشاطه بصفة مستعجلة بطلب من المحكمة يوجه إلى رئيس اللجنة، والتي تفرض عليه عقوبات وغرامات مالية، بعد أن حددت هويته بطريقة تجعل من السهل اختراقه، إن حدث وتم الترخيص له أصلا.

تطرح نفسها هنا ملاحظات ثلاث لا ترد في القانون، أولاها: أن التداخل بين الأجهزة السورية، التي يخترقها الأمن جميعها بخبرته الواسعة في ضبط الحياة العامة خارج أي قانون، يمكن هذه الأجهزة من قراءة وتفسير وتطبيق نص القانون الجديد بالأسلوب الذي يروق لها، والذي سيؤدي، في حال عدم كبحه ووقفه، إلى تأسيس أحزاب ستغدو أدوات لها تشبه أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الحالية، التي ليست اليوم غير بؤر سلطوية تمد خيوطها الواهية إلى قطاعات معينة من المجتمع، لتضبطها قدر الإمكان وتعكس باقتدار ما يجري فيها مما قد يمس بالأمن. وثانيتها: أن تطبيق القانون على البعث يعني نهايته. وبما أن هذا يكاد يكون ضربا من المحال، فإن عدم تطبيقه عليه يعني إفراغ القانون من مضمونه، والحيلولة دون تأسيس أو نشوء أحزاب جديدة ومستقلة حقا في سورية. وثالثتها أنه سيسمح للبعث بامتلاك تنظيمات عسكرية وشبه عسكرية، وسيبقى حزبا قوميا، وستبقى وزارة الداخلية ولجنة الإشراف تابعة له، فيكون لدينا في الواقع نوعان من الأحزاب: حزب سلطة وأحزاب تحت رقابته وإشرافه، حزب أجهزة تسيطر على كل شيء باسم البعث، وأحزاب تابعة لها وظيفة قريبة جدا من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الحالية، لكنهم يسمونها جديدة، مع أنها ستلعب أدوارا قديمة وعفا عليها الزمن!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مزمار الطائفية في سورية .. عبدالرحمن الخطيب

الحياة 27/7/2011

بدأت بوادر الطائفية تلقي بثقلها على الثورة الشعبية السلمية في سورية. فالنظام لجأ إلى هذه اللعبة القذرة، لينجو بنفسه من الضغط الشعبي الداخلي، والضغط الغربي الخارجي، على حد سواء. إذ لجأ إلى تسليح الطائفة العلوية في كثير من المدن والقرى في محافظة اللاذقية، والقرى المحيطة بمدينة تلكخ، وفي بعض الأحياء التي تقطنها الغالبية منهم في العاصمة دمشق. وفي الأسبوع الماضي قتل (شبيحة) النظام ثلاثة من الطائفة العلوية في مدينة حمص، واتهموا الشباب السنة من أهل حمص، ليزيد إذكاء نار هذه الفتنة. وبالفعل انطلت الحيلة على بعض الشباب من الطائفة العلوية، فقرروا الأخذ بالثأر، فتجمع بضع عشرات منهم، ممن يتنسب إلى أجهزة الأمن المختلفة، وبدؤوا بإطلاق النار على حشد كانوا في جنازة أحد الشهداء، مما تسبب في مقتل نحو 50 شهيداً، وجرح المئات، بينهم نساء وأطفال. بل وذهب بعض الشباب من الطائفة العلوية إلى أبعد من هذا، إذ اختطف بعضهم العديد من الفتيات من طائفة السنّة. وهذا الأمر جعل أهل حمص ينتفضون عن بكرة أبيهم ذوداً عن عرضهم. وتفاقم الأمر وبدأ أهل الطائفة العلوية الذين يقطنون في أحياء يقطنها الغالبية من السنة في هجرها. وبدأت العنصرية الدينية والمذهبية تطفو على السطح.

وعلى رغم إنكار النظام أنه بريء من إشعال هذه الفتنة الطائفية، فالأمر لم يعد خافياً على المواطن السوري البسيط. فالنظام أضحى يطبق المثل القائل: «ضربني وبكى، وسبقني واشتكى». فهو ما فتئ يتهم المتظاهرين بأنهم طائفيون، أو ما أطلق عليهم «العرعوريين». على رغم نفي جميع أطياف المعارضة، ومعظم قادة المتظاهرين، أو ما سمي قادة التنسيقيات، لهذا الأمر.

بدأت معظم النقاشات الخافتة في أغلب المؤتمرات التي عقدتها المعارضة في الخارج والداخل، التي يملؤها الخوف منذ زمن بعيد وحتى الآن، تركز على الأزمة الطائفية في سورية، ومدى عمقها، وما تركته من احتقانات خطيرة داخل المجتمع، وحجم مساهمتها في شق صفوف ائتلاف شباب الثورة الشعبية. والكثير من المواطنين السوريين يدركون عمق هذه اللعبة القذرة التي يلعبها النظام، وانعكاساتها على الوحدة الوطنية للمجتمع، وضخامة هاجس الرعب الماثل للجميع، خوفا من وقوع كارثة عند التفكير في تغيير نظام الحكم.

الطائفة العلوية استوطنت سورية منذ مئات السنين، وهي تنتشر بشكل أساسي في الجبال الساحلية من البلاد، من عكار جنوباً، إلى طوروس شمالاً، ويتوزع بعضهم في ريف محافظات، مثل: حمص، وحماة، ودمشق، حيث تشكل هذه الطائفة نسبة 9 في المائة من عدد سكان سورية. إن سورية، منذ آلاف السنين، لم تعرف الطائفية إلا في العهود الأسدية، إذ اعتمد النظام، منذ عهد حافظ الأسد، على اللعب على الورقة الطائفية، لضمان بقاء سيطرتهم على الحكم. وخلق النظام الأسدي نوعاً من المحاصصة الطائفية والمناطقية، ووزعها بالطريقة التي تخدم نظامه. إذ ركز النظام على أبناء المنطقة التي ينتمي إليها بالدرجة الأولى (ريف جبلة)، وعلى أبناء العشيرة التي ينتمي إليها بالخصوص (عشيرة الكلبية – القراحلة)، وفرضهم قيادات عسكرية وأمنية في مفاصل أساسية. وسلمهم مفاتيح وحدات عديدة في الجيش، وأجهزة الأمن. ومن يراقب أسماء عناصر النظام الرئيسين في الجيش والأمن يجد أنهم، في غالبيتهم العظمى، ينتمون إلى أبناء المنطقة الممتدة بين نبع نهر السن ومفرق قرية القرداحة، ويمتد صعوداً حتى القرى التي تقع في قمة سلاسل جبال تلك المنطقة والتي لا يزيد عدد سكانها عن 300 ألف. وهي المنطقة التي ينتمي إليها أبناء عائلة الأسد، ومخلوف، وأصلان، ودوبا، والخولي، وحيدر، وجلول، وفياض، وخليل، ومعلا، وشاليش، وعباس...إلخ. بل إن معظم القيادات العليا في التشكيلات الميدانية، أي قادة الفرق، والألوية، والكتائب هم من الطائفة العلوية. كما يشكل صف الضباط والجنود المتطوعين العلويين 70 في المئة من تعداد المتطوعين في الجيش. كما أن رؤساء أفرع المخابرات والأمن وكبار الضباط، جلّهم من الطائفة العلوية. حتى إن الانتساب إلى الكلية الحربية، والكلية الجوية تقوم على أساس طائفي بحت.

إن المتابع لسيرة حافظ الأسد خلال مسيرته الطويلة وأساليبه الملتوية ودخوله في مؤامرات متواصلة، يكتشف أن همه الأساسي الذي كان يسعى إليه دائما، وبأي ثمن، هو بقاؤه في السلطة واستمرار صعوده وتحقيق طموحه الذي لا حدود له. لا يهمه في ذلك حزب البعث، ولا غيره من الطوائف غير السنية. ففي 23 شباط 1966 انقلب على زميله في حزب البعث سليم حاطوم من الطائفة الدرزية وقتله بدم بارد. وفي عام 1968 دبر اغتيال زميله عبد الكريم الجندي من الطائفة الإسماعيلية. حتى إن بعض الضباط والسياسيين المميزين من السنة الذين كانوا رفاق حافظ الأسد في حزب البعث، مثل: أمين الحافظ، وعبد الحليم خدام، ومصطفى طلاس، وحكمت الشهابي، قد تم التخلص منهم.

الطائفية السياسية للنظام السوري مكرسة من ساسة ليس لديهم التزام ديني أو مذهبي، بل هو موقف انتهازي للحصول على عصبية، كما يسميها ابن خلدون، أو شعبية، كما يطلق عليها في عصرنا هذا؛ ليكون هذا النظام الانتهازي قادراً على الوصول إلى السلطة، والتمسك فيها لسنوات طوال.

الانتماء إلى طائفة أو مذهب لا يجعل الإنسان المنتمي إلى تلك الطائفة طائفياً، كما لا يجعله طائفياً عمله لتحسين أوضاع طائفته، أو المنطقة التي يعيشون فيها، دون إضرار بحق الآخرين. ولكن الطائفي هو الذي يرفض الطوائف الأخرى، ويغمطها حقوقها، أو يكسب طائفته تلك الحقوق التي لغيرها، تعالياً عليها، أو تجاهلاً لها، وتعصبا ضدها.

شباب الثورة والمثقفين في سورية على دراية تامة بمخاطر المنزلق الطائفي، كما أن بعض المؤشرات تشير إلى محاولات للتنسيق السني العلوي في اللاذقية ضد العصابات الموالية للنظام، وانضمام بلدة «نُبُّل» الشيعية الإمامية إلى الحراك الثوري، ونزول الغالبية من الطائفة المسيحية، والأكراد، والدروز، والإسماعيلية بثقلهم وراء الثورة. وهذا ما سيضمن بقاء الثورة السورية، ثورة شعب بحق، ويجعل ترويضها أو حرفها عن مسارها أمرا عصيًّا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد: لا عودة إلى دمشق!.. علي حماده    

النهار

28-7-2011

في سوريا ثورة ضد نظام ستاليني ارساه الرئيس الراحل حافظ الاسد قبل اربعة عقود ثم أورثه لابنه الرئيس الحالي، وهذه الثورة تتسع اسبوعا بعد اسبوع في المجتمع السوري، وتتجذر في وعي الشعب السياسي. فقد انتهت مرحلة من عمر النظام بشكل حاسم. لا بل ان ثمة من يعتقد ان النظام في سوريا نفسه قد انتهى، وهو يعيش بالدم والمجازر التي يرتكبها في حق شعبه حشرجات الموت. يقاوم النهاية المحتومة، ويحاول ان يرفع ثمن رحيله، لكنه راحل مهما بلغت مستويات القتل. فمع كل سوري حر يقتل انما يقوم النظام بقتل نفسه قليلا. فلا افق لحمام الدم، ولا افق للتحايل على حركة التاريخ التي تسير في الاتجاه المعاكس.

في البداية، اي في منتصف آذار الفائت، كنا نظن واهمين ان ثمة عقلا راجحا بين اركان النظام. وكنا نتوهم ان بشار الاسد نفسه، رغم التجارب السيئة المخيبة معه في لبنان، يمكن ان يكون اقل تهورا واكثر حكمة في بلده. كنا نظن انه سيكون اكثر حرصا على دماء السوريين الاحرار من حرصه على دماء الاستقلاليين اللبنانيين. وكنا نظن انه سيكون اكثر دراية بما تشهده المنطقة من تحولات على عكس ما قرأه في خريف 2004 عندما رمى بنفسه في مواجهة اللبنانيين والمجتمع الدولي، ثم عندما تورط في دماء الاستقلاليين في لبنان مع قتل رفيق الحريري وبقية شهداء ثورة الارز. كنا نظن ان الاسد الابن، مع خروجه من مرحلة العزلة التي فرضتها عليه سياساته في لبنان، سيكون اكثر حكمة في التعامل مع حقوق السوريين الذين ما طالبوا سوى بالحرية والكرامة. والحق اننا كنا واهمين لمجرد انّا ظننا للحظة ان التغيير في سوريا يمكن الاسد الابن ان يقوده. والآن وصلنا الى نقطة اللاعودة في سوريا. فالبلاد لن تعود الى ما كانت عليه قبل الخامس عشر من آذار، والنظام لن يسيطر عليها بسياسة العصا الغليظة، بل انه سيدفع بسوريا نحو الهاوية، وفي كل الاحوال فإن النظام سيسقط. واما الاسد الابن فقد فوت على نفسه فرصة لا تعوض. وكما خرج من لبنان في 2005، فإنه سيخرج غدا من دمشق ليفقد "إرثاً" لم يحافظ عليه كرجل دولة.

نقول هذا الكلام ولا نجافي الحقيقة على الارض التي تشير انه في الايام القليلة الماضية بدأت النخب المهنية في سوريا في الانضمام الى الثورة. فمن محامي السويداء الذين يُخرجون مع منتهى الاطرش واصدقائها النظام من جبل العرب، يتحرك محامو حلب واطباؤها، كما يتحرك اقرانهم المحامين والاطباء في قلب العاصمة دمشق، حيث يفترض ان تكون قبضة النظام اقوى واشد تحكما بمسار الامور. هذه اشارات مشجعة جدا لأن النخب المهنية تمثل واجهة الطبقة المتوسطة وهي عصب المجتمع السوري، وبخروج هذه النخب على النظام ستتوسع مروحة الثورة اكثر واكثر.

إن سوريا تتغير وستتغير، والشعب يرسم مستقبله بالدماء التي يقدمها على مذبح الحرية والكرامة. اما النظام، فإنه يتراجع شيئا فشيئا ليصير جزءاً من الماضي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران و«المسألة السورية»  .. عريب الرنتاوي

 الدستور

28-7-2011

تخوض إيران «حربها» على جبهة التغيير والإصلاح في سوريا، كما لو أنها «أم المعارك وأبوها»، ولا نبالغ إن نحن قلنا أن «المسألة السورية» بالنسبة لطهران، تكاد تكون «مسألة حياة أوموت»..ولهذا شهدنا كيف أضاءت طهران كل «اللمبات الحمراء»، وكيف رفعت الدبلوماسية الإيرانية من درجة استنفارها خلال الأشهر الأربعة الفائتة، وكيف خاضت معارك الدفاع عن النظام في سوريا، بكل ما أوتيت من قوة واقتدار.

ليست سوريا الدولة العربية الوحيدة التي وقفت إلى جانب الجمهورية الإسلامية زمن «حرب الثماني سنوات» بين العراق وإيران فحسب...سوريا ظلت على امتداد عقود ثلاثة، الحليف الإستراتيجي الأول لطهران، في منطقة المشرق العربي..ولقد حافظ هذا الحلف على ثباته وصلابته، برغم هبوب الريح العاتية التي مرت في سماء المنطقة وأجوائها، وبرغم تعاقب مراحل الصعود والهبوط، المد والجزر، في العلاقات الإيرانية السورية.

قيمة سوريا بالنسبة لإيران، تتخطى وزن سوريا وموقعها ودورها...فسوريا بوابة إيران إلى لبنان، وهي «شريان الحياة» الذي يغذي عروق حزب الله بنسغ الحياة...ودمشق حاضنة حركة المقاومة الفلسطينية حماس، ومن خلالها يصعب على أحد إنكار الدور الإيراني في المسألة الفلسطينية...ولسوريا «دالّة» لا يمكن إنكارها على «سنّة العراق» من أحزاب وقبائل وحركات، وهي «دالّة» لا يمكن الاستغناء عنها من قبل أي «لاعب» على المسرح العراقي، فما بالك حين يكون هذا اللاعب من نوع إيران (بينها وبين سنّة العراق، حاجز مذهبي)، أو بوزنها (أكبر لاعب خارجي على الساحة العراقية).

تدرك إيران، أن بلوغ الثورة السورية هدفها في «تغيير النظام أو إسقاطه»، من شأنه أن ينعكس بأوخم العواقب على دور إيران في هذه الملفات مجتمعة...فأي بديل للنظام، لن يواصل ما سبق أن بدأه نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد، واستكمله باندفاعة أكبر، نجله الرئيس السوري بشّار الأسد...النظام المقبل في سوريا، قد يرتبط بعلاقات طبيعية مع إيران، لكن من المرجح أن يكون «خصماً» لطهران، حتى وإن جاء «التيار الإسلامي» إلى رأس السلطة في بلاد الشام.

إن قُدر للحراك الشعبي السوري أن يُحدث التغيير الذي يستهدفه في سوريا، فإن إيران ستخسر نفوذها في لبنان...وسيجد حزب الله نفسه في صدارة قائمة المتضررين من سقوط النظام، سيكون الخاسر الأكبر الثاني بعد النظام نفسه...كما أن قدرة إيران على التأثير في «الملف الفلسطيني» ستتضاءل، وهي على أية حالة ليست ذات تأثير وازن، بخلاف كل الدعاية المضادة لحماس، والتي تضعها في «السلطة الإيرانية»...وسيجد المشروع الإيراني في العراق، قوى مناهضة له، ستستقوي بلا شك، بتداعيات التغيير المنتظر في دمشق...ولا ندري في واقع الحال، كيف ستكون انعكاسات التغيير في سوريا، على «توازن القوى الإقليمي»، خصوصاً لجهة العلاقة بين أطراف المثلث غير العربي: تركيا، إيران وإسرائيل، فالكثير سوف يعتمد على طبيعة التغيير في سوريا وطبيعة النظام القادم، وأدوار القوى الإقليمية والدولية في صنعه.

لكل هذه الأسباب، وأخرى غيرها، تحرص إيران أتم الحرص، على «إدامة نظام الرئيس الأسد»، وهي من أجل هذه الغاية، تجند جُلّ مواردها، من مالية ونفطية و»غازية» ودبلوماسية..فهي من جهة «تطلق التحذيرات» في وجه أي عمل عسكري ضد سوريا، وتحذر تركيا والغرب من مغبة المضي في ترجمة «سيناريو بنغازي» في سوريا...وهي تهب برغم ضائقتها الاقتصادية، لمعالجة الضائقة الاقتصادية في سوريا...وهي تضغط على حلفائها في العراق، لمد يد العون للنظام السوري، معنوياً وسياسياً واقتصادياً...وهي تضخ نفطاً رخيصاً (يقال مجانياً) لسوريا...وهي تفكر بمد خطوط إنابيب للغاز عبر العراق إلى سوريا، ومنها إلى لبنان والأردن إن «تيسّرت المهمة»...وهي تحاجج في كل المحافل والمنابر بأن سوريا ليست مصر أو تونس، والأكيد أنها لن تكون «ليبيا ثانية».

والحقيقة أن «موقع سوريا وقيمتها» في منظومة «الممانعة والمقاومة» أو «الهلال الشيعي» أو «المحور الإيراني» في المنطقة، لم تكن خافية على أطراف عربية وإقليمية ودولية، سعت منذ سنوات عدة، بالأخص بعد حرب الخليج الثالثة وسقوط بغداد، من أجل «فك الارتباط» بين سوريا وإيران، ولقد استخدمت في سبيل ذلك مختلف وسائل الترغيب والترهيب، من الوعد بالمال والتجارة والنفط والمساعدة وفك العزلة وإدماج النظام وإعادة تأهيله...إلى التلويح بورقة المحكمة الدولية الخاصة وقرارات مجلس الأمن في لبنان وقانون محاسبة سوريا وتحرير لبنان والعقوبات الدولية والقوائم السوداء، وصولاً إلى الاستهداف العسكري والأمني لسوريا في عقر دارها، كما تبدّى في ضرب المفاعل النووي واغتيال شخصيات سورية ولبنانية وفلسطينية على الأرض السورية، وضرب معسكرات للمقاومة الفلسطينية فيها.

لم تفلح كل المحاولات السابقة، في زحزحة سوريا عن موقعها أو موقفها، لم تفض كل الجهود تلك إلى دفعها لتغيير تحالفاتها أو التخلي عن حلفائها، فقد كان هؤلاء ذخراً للاستراتيجية السورية، لم تقلل من قيمتهم، مناورات النظام فيما خص مفاوضاته مع إسرائيل، وجنوحه لـ»التنسيق الأمني» في الحرب على الإرهاب، أو حتى تقاربه الحثيث مع أنقرا.

اليوم، تبدو الفرصة متاحة لتجريب ما سبق تجريبه، ولكن تحت ضغط التهديد من الداخل هذه المرة، ومن خلال وضع رأس النظام ، لا أطرافه فحسب، تحت المقصلة...اليوم تُستنفر كل الأطراف والأوراق، من مال وسلاح و»سلفيين» وعقوبات وضغوطات من أجل إنجاز تلك المهمة التي طال انتظارها...وثمة ما يشي بأن المعركة التي بدأت دامية، ستكون مكلفة للغاية، ولا ندري ما إن كان بمقدور النظام الذي أجاد لعبة البقاء، أن يخرج رأسه من تحت «شفرة» المقصلة، أم أن هامش المناورة قد ضاق، وتقطعت به سبل المناورة وحيلها وحبالها ؟!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تجاوز السوريون الحوار أم لم يصلوا إليه بعد؟ .. عمر قدور

الحياة 28/7/2011

كما هو متوقع، رفضت الشخصيات والهيئات المعارضة حضور اللقاء التشاوري، أو اشترطت لحضورها تنفيذ خطوات تعبّر عن حسن النية، مثل سحب الجيش من المدن ومحاكمة القتلة. إلا أن تنفيذ هذه المطالب ليس وارداً، ولا تبدو هناك نية للتراجع عن «الحملات التأديبية» التي يقوم بها الجيش والأمن في المناطق التي تشهد انتفاضة عارمة، أي ما يمكن تأويله بأن النظام لم يقرر اعتماد الحل السياسي. في الواقع؛ مع الوقت يزداد تورط النظام في الحل الأمني، وتتلاشى فرصة العودة عنه، إن لم تكن قد انعدمت بالفعل بحكم انسداد الأفق السياسي، فالكلفة الباهظة التي دفعها الشارع حتى الآن نتيجة القمع لا تسمح من وجهة نظر المتظاهرين بأية تسوية مبرَّرة أخلاقياً، فضلاً عن غياب الثقة المزمن.

كعربون متواضع أعلن رئيس اللقاء عن إلغاء قرارات منع السفر لأسباب سياسية وعن السماح بعودة المنفيين، هذا القرار أسوة بالكثير من الإجراءات المطلوبة جاء متأخراً جداً، وفي ظل تطورات لا تحتمل التسويف. من جهة أخرى؛ لا تزال آلية صنع القرار في سورية تفتقد الشفافية، إذ لا يُعرَف موقع نائب الرئيس الذي يترأس المؤتمر من مركز صناعة القرار الفعلي، وبالتالي ليس من المستغرب أن يُعرقل تنفيذ إجراء كهذا في أي وقت من جانب الأجهزة الأمنية التي ثبت أن لها اليد الطولى حتى الآن. وحتى إن لم تعرقل الأجهزة الأمنية بعض الإجراءات، فذلك لا يغير من الواقع، إذ إن المطلوب هو تفكيك النظام الأمني برمته، لأن بقاءه يعني تجاهل جذر الأزمة.

لم يعد حل الأزمة السورية رهناً بإجراءات توحي بإطلاق بعض الحريات، ففقد ثبت خلال الأشهر الأخيرة أن النظام الأمني لا يقوم بدور القمع وحسب، بل إنه يهدد السلم الأهلي أيضاً بدلاً من أن يكون حامياً له. من هنا لم يعد الإصلاح مجدياً، ربما يكون ضرورة للنظام الأمني من أجل إطالة أمده، بخلاف ذلك لا مناص من التغيير، وهذه القناعة آخذة في الاتساع لتضم المجتمع السوري بغالبيته وبمختلف تكويناته، بما فيها الكتلة الصامتة حتى الآن. وليس من باب المغالاة القول إن شريحة لا بأس بها من الموالين للحكم تبني موقفها على الخوف من التغيير لا على رضاها عن النظام، وبات واضحاً أن النظام الأمني فقد شرعيته الأخلاقية، إن كان قد امتلكها يوماً لدى البعض، ويتجه باضطراد ليصبح عبئاً على شريحة واسعة من الموالين أنفسهم.

في بداية الانتفاضة لم يستند شعار إسقاط النظام إلى قوة فعلية داعمة على الأرض، فالشعار رُفع كرد فعل على ارتفاع منسوب العنف الذي تعرض له المتظاهرون. وقد يجوز القول إن الشارع استُدرج، عبر إيقاع عدد كبير من الضحايا، إلى رفع سقف مطالبه، فأضحت المعركة مع الحكم معركة وجود. لم يكن الشارع مهيأً لهذا التحول الدراماتيكي، على العكس من القوى الأمنية التي امتلكت زمام المبادرة إزاء التطور وكأنها كانت تتحفز للاستخدام المفرط للعنف. لقد أعفى شعار إسقاط النظام الحكمَ من الإحراج الذي واجهه أمام مطالب الإصلاح التي رافقت بداية التظاهرات، وقد كان من الأسهل له الدخول في معركة حياة أو موت بدلاً من مواجهة مطالب تودي بالنهاية إلى تفكيكه من دون أن تجهر بذلك. أما بعد مضي أشهر، بما تخللها من قمع خرج عن كل الضوابط، فقد اكتسب الشارع قوة أخلاقية أكبر مدعومة بانتشار متزايد للانتفاضة وبمشاركةٍ تزداد كثافة مع الوقت، وبهذا انتقل الشعار من حيز النقمة إلى البحث في ترجمة عملية له.

يمضي الحكم في لقائه التشاوري متجاهلاً رفض المعارضة لهذه الصيغة المتواضعة، ومن دون التفات إلى خطوات بناء الثقة التي طالبت بها، ويبدو أن هناك من لا يزال يقرأ ميزان القوى على الأرض بمنطق القوة العارية الذي يميل الى مصلحة الحكم، إلا أن الإيغال في استخدام القوة أفقده هامش المناورة، بحيث أصبح أسير الخيار الأمني على رغم إدراكه فشله في حل الأزمة. في الواقع، أثبت استخدام القوة ضعف فاعليته منذ تعدى مرحلة الترهيب الأولى من دون الحصول على النتائج المرجوة، ومع توالي الأحداث والضحايا اتخذ استخدام العنف طابعاً انتقامياً ليدلل على الافتقار إلى البدائل، لذا من المرجح استمرار القمع المجاني ما دام الحكم «عاجزاً» عن إعلان هزيمة النظام الأمني أو بالأحرى سقوطه.

ثمة ما لا يحتاج إلى حوار لأن الحوار لا ينبغي أن يكون على الحقوق الأساسية للمواطنين، وهي حقوق يجب ألا تخضع للمساومة والتجاذبات، ومن المخجل أن تضع السلطة إطلاقَ الحريات العامة أو إلغاء الإجراءات التعسفية في سلة الحوار الوطني، فإعادة الحق ليست منّة أو مكرمة، ومن حيث المبدأ لا يحق لأية جهة أن تفاوض على هذه الحقوق. قد يكون الحوار الوطني في سورية ضرورة لتجنب السيناريوات الأسوأ، وهذا يتطلب أن توضع على الطاولة الأجندة النهائية بلا مواربة، وأن يجلس إلى الطاولة أصحاب القرار الفعليون. حتى الآن لا يبدو النظام قادراً على الاعتراف الجاد بأزمته، وبأنه هو الذي يواجه انسداداً في الأفق كلما تقدمت حركة الشارع خطوة جديدة... ضمن هذه المعطيات لا يجد السوريون أنفسهم في موقع الحوار، فهم إما لم يصلوا إليه بعد أو أنهم تجاوزوه؛ ذلك يتوقف على الوقت الذي ستستمر فيه سياسة المكابرة والإنكار.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قانون الأحزاب في السياسة السورية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

28-7-2011

أقرت الحكومة السورية مؤخرا قانون الأحزاب السياسية في البلاد، وهو خطوة تمهد لصدور القانون لاحقا بعد أن يصدق مجلس الشعب السوري على قرار الحكومة، ليصبح قانونا نافذا يمكن تنظيم الأحزاب السياسية ونشاطها على أساسه.

وأهمية هذه الخطوة أنها تكسر النمطية السياسية، التي اختطها حزب البعث منذ استيلائه على السلطة في عام 1963، عندما استأثر بالحكم وحيدا، ثم أفسح حيزا هامشيا لأحزاب شكلية، قبلت أن يكون البعث «حزبا قائدا للدولة والمجتمع» حسب نص المادة الثامنة من الدستور، التي كرست هامشية الأحزاب المتحالفة مع البعث، فيما كان الواقع يحظر ويجرم عمل أي حزب أو جماعة سياسية أخرى، تنشط في سوريا.

وإذا كان قانون الأحزاب قد كسر تلك النمطية السياسية في سوريا على قسوتها وشدتها، فإنه في الوقت نفسه لا يمثل تقدما كبيرا على صعيد التحولات المطلوبة في سوريا بالنظر لما آلت إليه الحالة السورية بعد أربعة أشهر من حراك شعبي واسع، ورسم ملامح مختلفة للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في البلاد، بحيث لم يعد صدور قانون للأحزاب السياسية فيه سوى تفصيل صغير في إطار لوحة عامة، مثله مثل قانون انتخابات برلمانية مرتقب، وقانون للإعلام مثله، وعشرات من قوانين سائدة، صار تغييرها مطلوبا، أو قوانين جديدة صار من المطلوب صدورها.

إن صدور قانون الأحزاب الجديد، والقوانين الأخرى المطلوبة، يفترض أن يتم وسط بيئة سياسية، ترسم ملامح وأسس الدولة، التي بات السوريون في السلطة والمعارضة والحراك الشعبي يتحدثون عنها، وهي الدولة الديمقراطية المدنية، والتي باتت حسب التصريحات والتأكيدات موضع توافق الأكثرية السورية، وعلى اعتبار أن الدستور - أي دستور كان - بمثابة مولد لكل القوانين، فإن البداية تكون منه في رسم ملامح الدولة الجديدة، بمعنى أن المطلوب إصدار دستور جديد لسوريا، وهو مطلب جرى التركيز عليه في النقاشات والحوارات، وفي الكلام الرسمي في الفترة الأخيرة، لأن صدور أي قوانين تقدم باعتبارها «خطوات إصلاحية» سوف يصطدم بمحتويات دستور، إذا لم يتم استبداله أو تعديله فإنه سيؤدي بصورة طبيعية إلى تعطيل القانون أو القوانين الجديدة مهما كانت.

إن ملامح التصادم بين محتويات الدستور وقانون الأحزاب الجديد كثيرة ومتعددة، لكن الأهم فيها يتمثل فيما أشير إليه بصدد موقع حزب البعث في قيادة الدولة والمجتمع، وهذا يجعل أي كلام عن أحزاب أخرى غير ذي معنى، إذ هي في مرتبة التابع للحزب الحاكم الذي يتولى طبقا لمحتويات الدستور الحالي ترشيح رئيس الجمهورية، كما أن محتوى الدستور فيما يتعلق بطبيعة النظام السوري، من حيث هو «نظام اشتراكي»، يمنع قيام أحزاب غير «اشتراكية»، بل إن القانون السوري يحيل المواطنين والأحزاب إلى المحاكمة بتهمة «مناهضة النظام الاشتراكي»، وهي تهمة قد تؤدي في الظروف المشددة إلى الإعدام. وباستثناء فكرة التصادم بين محتويات الدستور وقانون الأحزاب، فإن في محتويات القانون الجديد ما يجعله متصادما مع روح التحولات المطلوبة في سوريا، ومنها تخفيف قبضة السلطة التنفيذية، حيث يضع القانون الأحزاب تحت هيمنة الحكومة من الناحيتين الإجرائية والقانونية، إذ يعطي وزارة الداخلية حق ترخيص الأحزاب، وذلك من خلال تولي وزير الداخلية رئاسة لجنة الأحزاب، وهي لجنة يعينها رئيس الجمهورية. وتم إخضاع تشكيل الأحزاب إلى نسق من المبادئ ثبت في نحو خمسين سنة من حكم البعث أنها خضعت لاعتبارات ياسية، وجرى تعويمها لترتيب إدانات لكل من عارض النظام من الأحزاب والشخصيات، وهي اعتبارات لم يتم احترامها من قبل النظام وحزبه الحاكم وفي مقدمتها «الالتزام بأحكام الدستور ومبادئ الديمقراطية وسيادة القانون واحترام الحريات والحقوق الأساسية..».

والأمر في جوانب أخرى لا يقل عما سبق في علاقته بالمبادئ المتصلة بـ«الحفاظ على وحدة الوطن وترسيخ الوحدة الوطنية للمجتمع»، وهذه مبادئ عامة، يمكن استخدامها بطرق ملتبسة، وثمة جانب آخر في مبادئ قيام الأحزاب وهو «عدم قيام الحزب على أساس ديني أو قبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني، أو على أساس التمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللون»، و«ألا يكون الحزب فرعا أو تابعا لحزب أو تنظيم سياسي غير سوري»، وهذا الجانب من المبادئ يمثل تعارضا في الأهم من جوانبه بين محتويات القانون ووقائع وجود حزب البعث الحاكم الذي لا شك أنه لن يقوم بتسوية أوضاعه مع محتويات القانون، لأنه لن يتخلى عن هويته العروبية «القومية» ولا عن تنظيمه القومي في البلدان العربية الأخرى، وفوق ذلك، لم يقل القانون شيئا عن سيطرة البعث المطلقة ودوره في المجتمع والدولة وفي اختيار رئيس الجمهورية.

القضية الأساسية في سوريا اليوم هي إعادة بناء البنية السياسية للبلاد، وهو أمر يتطلب دستورا جديدا، وبالاستناد إليه تتم صياغة قوانين جديدة تنظم مختلف جوانب الحياة في السياسة والاقتصاد والمجتمع أولا، ومع ذلك، فإن محتوى قانون الأحزاب الجديد فيه خروقات لطموحات السوريين التي يعبرون عنها اليوم، وهو في بعض جوانبه، يكرس بعضا من ملامح السياسة التي سادت في السابق وأدت إلى الأزمة الحالية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تركيا و«المسألة السورية»  ..  عريب الرنتاوي

الدستور

29-7-2011

المتتبع للسياسة التركية حيال سوريا، تسكنه القناعة بان أنقرة بدأت منذ مؤتمر أنطاليا، تتعامل مع «سوريا ما بعد الأسد»، على الرغم من أن الخطاب الرسمي التركي لم ينطق بعد بأي «جملة مفيدة» تعكس هذا المعنى، فيما السلوك الدبلوماسي التركي ما زال محافظاً على «أدبيات» التعامل مع «الحكومة الشرعية» في سوريا، ويتواصل معها، عبر القنوات المعتادة وغير المعتادة.

هذا ما انتهت إليه السياسة التركية، بعد أشهر أربعة حافلة بالصدامات والاحتجاجات والتظاهرات وأزيد من ألف وخمسمائة شهيد، وعشرات ألوف الجرحى والمعتقلين والمهجرين أو اللاجئين، داخل وطنهم وإلى دول الجوار القريبة.

تشاء الصدف، أن أكون في أنقرة واسطنبول، مع اندلاع شرارة الأحداث السورية في المنقلب الثاني من شهر آذار / مارس الفائت...وتشاء الصدف أن أكون في عداد وفد عربي أكاديمي/ حزبي / زائر لتركيا لقراءة ما يمكن وصفه بـ»دروس التجربة التركية»، ما أتاح لي فرصة اللقاء بعشرات المثقفين والأكاديميين والنواب والناشطين والمسؤولين الأتراك في أسبوع واحد حافل فقط...وكان من الطبيعي أن تحتل أحداث سوريا درجة متقدمة في أحاديثا مع مضيفينا الأتراك، نظراً لمركزية وضع سوريا عندنا وعندهم على حد سواء.

يومها، بدت أنقرة، وحزب العدالة والتنمية، في ذروة القلق والاستياء...النظام السوري لا يتحرك كما ينبغي على طريق الإصلاح...النظام يدير ظهره للنصائح المخلصة التي تأتيه من أصدقائه وحلفائه والغيورين على مصالح سوريا...النظام السوري يطلق الوعود البرّاقة من جهة ويطلق أيدي قواته الأمنية والعسكرية، لقمع الانتفاضة والمنتفضين من جهة ثانية.

أجزم أن أنقرة، لم تكن راغبة – ولا مصلحة لها – في تطور الأحداث السورية وانتقالها إلى ما آلت إليه...أقطع بأن قيادة حزب العدالة والتنمية، كانت ترغب في أن ترى الرئيس السوري، يتولى بنفسه، وشخصياً، قيادة دفة السفينة السورية إلى بر الأمان، وبر الأمان هنا، له مرسى واحد: الإصلاح السياسي الشامل والعميق، والتحول الديمقراطي ذي الاتجاه الواحد، غير القابل للنقض والتراجع وغير الخاضع لبازار السياسة وتقلّباتها.

ولقد استعجلت القيادة التركية، نظيرتها السورية، لأخذ زمام المبادرة، وإطلاق ورشة التحولات والإصلاحات، ووعدت بوضع كل ثقل تركيا تحت تصرفها، إن هي قررت ولوج هذا الطريق، وهي في كل هذا وذاك، لم تكن تصدر عن موقف «أخلاقي وقيمي مجرد»، بل تعبر عن عميق مصالحها، وتدافع عن أمن تركيا واستقرارها ومستقبلها هي بالذات.

لم تكن القيادة التركية على استعداد للمقامرة برصيد هائل أنجزته العلاقات التركية السورية، في ظل حكم الرئيس بشار الأسد، حيث انتقلت العلاقة بين أنقرة ودمشق، من حال إلى حال...صحيح أن الأسد الأب الراحل هو من طوى صفحة الخلاف مع تركيا، وأنه هو من أبرم «إتفاق أضنة» الذي أنقذ البلدين الجارين والشقيقين من خطر الانزلاق إلى حرب دامية، لكن الصحيح كذلك، أن هذه العلاقات في عهد الأسد الإبن، تطورت على نحو لم يكن يخطر على بال، وفي شتى المجالات والميادين، والأهم، أنها كانت مفتوحة على شتى الفرص والإمكانيات المستقبلية.

لم تكن تركيا راغبة في فقدان شريك بات – استراتيجيا – في السياسة والأمن والتجارة والسياحة والمشاريع المشتركة...لكنها لم تكن أيضا في وارد المقامرة بكل منظومة المصالح هذه، كرمى لعيون نظام أصر على انتهاج «الحل الأمني» حتى النهاية، وعندما لاحت في الأفق، إرهاصات هزيمة هذا الخيار، ذهب إلى «الحل العسكري» مع أن كل أصدقاء سوريا وحلفائها والغيورين عليها، ألحوا عليه أن يجرب ولو لمرة واحدة، «الحل السياسي» المخلص والنزيه.

هنا، وعند هذه النقطة بالذات، بدا أن الوضع الداخلي في سوريا يتجه لا للمقامرة بكل ما أنجزته العلاقات التركية – السورية منذ «أضنة 1997» فحسب، بل ويذهب باتجاه «المسّ» بصميم مصالح تركيا وحسابات الأمن القومي الناظمة لحركتها وحراكها...هنا، وهنا بالذات، بدا أن الملف السوري المتفجر، سوى يفتح ملفات تركية عديدة، تجهد أنقرة لتفادي فتحها...من الملف الكردي الضاغط، إلى ملف «الأقليات عموماً»، إلى تداعيات الاشباك «القاري» بين السنة والشيعة، فضلا عن حسابات الأمن والحرب على الإرهاب و»الوحدة الوطنية» إلى غير ما هنالك.

لقد بدت أنقرة «مصدومة» بإطلالة شبح «الفوضى» و»المجهول» على جارتها الجنوبية...ما قد يحمل في طيّاته مخاطر انتقال شرارات الأزمة وعدواها إلى الداخل التركي ذاته، سيما وأن الروابط الجغرافية والديمغرافية التي تربط سوريا بتركيا، أقوى من أن تجعل «النخب السياسية والأمنية التركية» مطمئنة إلى المستقبل.

وكأي دولة في هذا العالم، ينطلق «تفويضها» الأساسي من مسؤوليتها في حفظ أمنها واستقرارها ووحدة شعبها وترابها، وصون مصالحها القومية العليا، بدأت تركيا تسبر أغوار مرحلة «ما بعد الأسد»، وتتعرف عن كثب على هوية القوى التي قد تشكل ذات صباح قريب، النظام البديل للنظام القائم في دمشق، بدا أن تركيا لا تريد أن تؤخذ على حين غرة، وهي التي حصلت على موطئ في سوريا الأسد، تريد أن تحافظ على هذا «الموطئ» وأن توسع رقعته في «سوريا ما بعد الأسد»...من هنا انطلقت الانتقادات التركية اللاذعة للنظام في دمشق، ومن هنا بدأت فكرة الانفتاح على المعارضة السورية...ومن هنا تطور الموقف إلى دعم المعارضة وتنسيق جهودها وتعزيز كفاءتها كما تبدى في المؤتمر الثالث لها في اسطنبول المنعقد هذه الأيام.

لقد فعلت تركيا ما يتعين على أية دولة في موقعها أن تفعله...فهذا البلد يقدم نفسه على أنه «نموذج» في الانتقال إلى الديمقراطية الحقيقية، ومن الطبيعي أن يدافع عن الديمقراطية في المنطقة والعالم...وأنقرة دفعت ثمناً باهظاً من رصيدها عندما ترددت لأسابيع قليلة في الانحياز إلى جانب ثورة الشعب الليبي، وقد فعلت ما يمكن فعله لتدارك هذا الخطأ ومحو آثاره...وكان طبيعياً أن تتلافى «مد اليد إلى ذات الجحر الذي لدغت منه مرتين»...وتركيا التي تقدم نفسها كشقيقة كبرى لدول المنطقة، ولديها مسؤولية تاريخية حيال شعوبها، لا يمكن لها أن تجلس على «مقاعد النظّار والمشاهدين» فيما ألوف اللاجئين يعبرون الحدود صوبها، ومئات القتلى والجرحى والمعتقلين يتساقطون بصورة يومية...وفي ظني أن النظام السوري عجز عن فهم كنه «نظرة تركيا لنفسها»، وبدل أن يتجاوب مع بعض نصائحها المخلصة، حرك ماكينته الإعلامية للحديث عن «الغدر التركي»، وبصورة تذكر بحديث نظام صدام حسين عن «الغدر الإيراني» الذي لم يقابل يده الممدودة لطهران عشية حرب 2003، ضارباً – النظام السورية - عرض الحائط، بتلال التصريحات والبيانات المُمَجّدة بتركيا و»العدالة والتنمية» و»الطيب أردوغان».

إن كان هناك من يتعين إلقاء اللائمة عليه فيما آلت إليه العلاقة بين دمشق وأنقرة، فهو النظام السوري، الذي لم تصله بعد أنباء «إنهيار جدران السيادة الوطنية»، وسقوط نظرية «اليد الطليقة في حكم البلاد والعباد» بحجة «السيادة الوطنية»، فنحن في زمن، تكاد تمّحي فيه الفواصل والتخوم، بين الوطني والإقليمي والدولي، وما كان يعد «شأناً داخلياً» من قبل، بات اليوم مسألة أمن إقليمي وموضع بحث واهتمام دوليين، وهذه ربما مسألة ثانية، أخطأ النظام السورية في إدراك كنهها، فخسر صديقاً كبيراً وحليفاً استراتيجياً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية وحركات الاحتجاج الشعبي .. اكرم البيني

الشرق الاوسط

29-7-2011

لعل أهم ما يميز الثورات العربية أنها جاءت مفاجئة وعفوية، وتجاوزت كل الحسابات والتوقعات، أشبه باندفاعات أو حركات تلقائية لم يخطط لها مسبقا أو تحضر إراديا، وبدت كأنها نهضت بمعزل عن الأيديولوجيات والبرامج الحزبية، ومن دون قوى سياسية عريقة تقودها، ومن غير شخصيات تاريخية أو كاريزمية تتصدر صفوفها.

وإذا كان أمرا مفهوما أن تتدارك قوى المعارضة هذه النقيصة وتسارع لاستحضار دور سياسي نشط يتفاعل مع مطالب الناس وهمومهم، وهو ما حصل بأشكال متنوعة في تونس ومصر واليمن وغيرها، فإن ما ليس مفهوما أن تستمر هذه المفارقة في الحالة السورية وبعد أكثر من أربعة أشهر من بدء الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية وفداحة ما قدم من دماء وتضحيات! والحقيقة أنه ليس أمرا مألوفا في التاريخ السوري، الذي يشهد له بأنه تاريخ الأحزاب السياسية، تلك المسافة التي رسمها حراك الناس مع قوى المعارضة التقليدية، وكيف بدت هذه الأخيرة كما لو أنها تركض لاهثة لتلحق بنبض الشارع، حتى بات من الصعوبة بمكان أن يتبجح طرف سياسي ويدعي أنه صاحب هذه التحركات الشعبية وراعي ما يحصل من تطورات!

ولا يغير من هذه النتيجة بل يؤكدها تكاثر اللقاءات التشاورية والحوارات والمؤتمرات التي عقدتها قوى من المعارضة السورية، إن داخل البلاد أو خارجها، ما دامت لم تنجح في توحيد صفوفها وبلورة كتلة موحدة، قادرة على التفاعل مع المتظاهرين المطالبين بالحرية ومدهم بأسباب الدعم وسد فراغ كبير بلعب دور سياسي هم في أمس الحاجة إليه.

هل يرجع السبب إلى خصوصية الوضع السوري التي لا تضاهيها خصوصية أي وضع عربي آخر؟! إن لجهة شدة إحكام السيطرة على المجتمع وما خلفته عقود طويلة من سيادة منطق القوة والوصاية والاستئثار وتغييب الحريات الأساسية في تجفيف الحقل السياسي وإقصاء أهله، أم يصح التذكير هنا بما ذهب إليه البعض، من تحميل المناخ الأمني الضاغط مسؤولية هذا الإخفاق اليوم، في إشارة إلى جهود قمعية استثنائية توظف لمحاصرة الحراك الشعبي وعزله عن محيطه السياسي، ومثلا إلى شدة الردع والتنكيل وحتى استخدام القوة بلا حساب لمنع المحتجين من التجمع والاعتصام الدائم في ساحة عامة، كي لا تتحول إلى مكان لعقد اللقاءات والحوارات والتفاعل بين المعارضة والناس، كما كان حال ساحة التحرير في مصر أو ساحة التغيير في اليمن!. أم لعل السبب يعود إلى أحوال المعارضة ذاتها وما تركته المعاناة المريرة في سراديب العمل السري أو في غياهب السجون من آثار سلبية على صحة أحوالها، لتبدو بطيئة في قراءة المتغيرات الحاصلة والتكيف معها، وعاجزة في غالبيتها عن انتزاع زمام المبادرة والتحول من حالة نخبوية إلى حالة جماهيرية.

ما سبق لم يحد فقط من فاعلية المعارضة السورية ويربك دورها، وإنما خلق ما يشبه الهوة بين الناس والسياسة يصعب ردمها بسرعة أو على الأقل التخفيف منها، وأشاع أيضا حالة من عدم الاطمئنان حول مواقف أحزابها ومدى جديتها في قيادة عملية التغيير الديمقراطي، ولنقل حالة من الشك بأن بعضها قد يركب الموجة ويبيع ويشتري، على حساب التضحيات التي يقدمها المحتجون، ليجني أرباحا سياسية خاصة! وإذا أضفنا ميول التحركات الشعبية بكتلتها الشبابية الكبيرة نحو التحرر من أي رقابة أو إكراه حزبي، أو من أي إلزام بمعتقدات وبرامج محددة أو بقرارات موجبة التنفيذ دون نقد أو اعتراض، يمكن أن نقف عند أهم الأسباب التي تفسر استمرار حالة الجفاء والافتراق بين أهم قوى المعارضة السورية وبين الفعاليات التنظيمية التي أفرزها الحراك الشعبي وظهرت على السطح بأسماء متنوعة، كلجان التنسيق المحلية، واتحاد التنسيقيات وائتلاف شباب الثورة أو التغيير وغيرها، والتي لا تزال تقود الاحتجاجات والمظاهرات على الأرض. والنتيجة، فإن ضعف القوى السياسية، وأكثرها عريق وتاريخي، وعجزها عن تحريك الشارع وقيادته، أفسح المجال لظهور جماعات شبابية، تقدمت الصفوف وأمسكت زمام المبادرة، ونالت ثقة الناس بسلوكها اليومي المثابر واستعدادها العالي للتضحية. وبنجاحها في الالتفاف على آليات الرقابة الأمنية وأساليب التعبئة والصراع التقليدية.

هي مجموعات حديثة التكوين ولدت وترعرعت في ظل الشروط الاستثنائية، لا تنتمي إلى أي حزب أو تجمع سياسي، وليس عندها ما تخسره مع انسداد الأفق أمامها وتعاظم شعورها بالظلم وغياب العدالة، فنأت بنفسها عن الأيديولوجيات الكبرى وشعارات الهوية العريضة، واستعانت بما راكمته تجارب شعوب عاشت ظروفا مشابهة من خبرات في خلق أشكال متنوعة لرفض الواقع القائم والدفاع عن مصالحها وحقوقها، وخاصة استثمار فضاء المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي عبر شبكة الإنترنت، لخلق مساحة من التفاعل فيما بينها ومع الآخرين، حول همومها المشتركة وسبل حل القضايا التي تشغلها وتتحكم بمستقبلها، وربما لن يتأخر الوقت كثيرا حتى نسمع أن هذه المجموعات أصبحت الرقم الفاعل في تحديات الراهن السوري ومستقبل تطوره الديمقراطي.

إن استمرار حركة الاحتجاجات الشعبية واتساع رقعتها يزيد، كل يوم، من حجم الضغوط على المعارضة السورية كي تتجاوز حساباتها الضيقة وخلافاتها وتسارع لتوحيد صفوفها وتنسيق جهودها لمتابعة ما يحدث بأكبر قدر من المسؤولية، وأساسا لتطوير لغة مشتركة للتواصل والتفاعل مع الحراك الشعبي ودعم مطالبه المحقة، فلم يعد ثمة متسع من الوقت لمزيد من الانتظار، وما يحصل من متغيرات نوعية في المجتمع السوري سيكون شديد التأثير على أحزاب المعارضة التقليدية ويرسم أمامها أفقا جديدا، ولنقل يضعها أمام مفترق وعلى محك اختيار وفرز بين قوى وأحزاب يمكن أن تخوض غمار «أزمة نمو» تظهر خلالها العزم على الوقوف نقديا من تصوراتها الإيديولوجية وبناها التنظيمية العتيقة وعلى تقديم التضحيات من أجل إنهاء مرحلة الركود والتخلص من العوائق التي تعيقها عن ممارسة دورها الحيوي وبين من ستشهد مسار «أزمة انحطاط وتفكك» ربما تنتهي بها إلى الموت الرحيم!

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com