العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 31/3/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

هذه هداياك يا خنساء سوريا في يوم الأم

د. محمود نديم نحاس

الأخنس هو من انخفضت قصبة أنفه مع ارتفاع قليل في طرفي الأنف، والأنثى خنساء. وقد حازت الصحابية تماضر بنت عمرو على هذا اللقب لاتصافها بهذه الصفة. واشتُهرت قبل إسلامها ببكائها الشديد على أخويها صخر ومعاوية ورثائها لهما في قصائد عديدة، منها :

أَعينيَّ جودا ولا تَجمُدا *** ألا تبكيانِ لصخرِ النّدى ؟

ألا تبكيانِ الجريءَ الجميلَ *** ألا تبكيانِ الفَتى السيّدا ؟

لكنها بعد إسلامها وتغير نظرتها للحياة قالت عندما جاءها خبر استشهاد أولادها في معركة القادسية في السنة الخامسة عشرة للهجرة (الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأدعوه أن يجمعني بهم في مستقر رحمته). فذهب كلامها هذا مثلاً، وصار لقبها (الخنساء) يُطلق على كل أم صابرة محتسبة تستقبل خبر استشهاد أفلاذ كبدها.

قبل أربعة أيام طالعتنا الأخبار بوفاة خنساء فلسطين، مريم فرحات، التي كانت تزف أبناءها إلى الشهادة طالبة منهم أن يعودوا منتصرين أو شهداء، فهي لا تريد أن تراهم أسرى. وأنا أكتب هذه المقالة اليوم – الخميس الحادي والعشرين من آذار/مارس 2013م - يحتفل العالم العربي بيوم الأم وتُقدم الهدايا للأمهات من باب تذكّر فضلهن، لكن الهدايا المقدمة إلى خنسوات سوريا هي مزق من أجساد أولادهن تقدم لهن ليس اليوم فحسب بل على مدار عامين.

أيّ احتفال ينتظر الأم السورية وهي أم شهيد، أو والدة معتقل، أو ربة أسرة حملت أطفالها لتدفع عنهم شبح الموت، فتركت بيتها المدمّر لتقيم مع أولادها في مخيمات العراء في البلدان المجاورة. أي يوم للأم بشرى تلك الشابة ذات التسعة عشر ربيعاً والتي فقدت زوجها وخسرت كل ما كانت تملكه بعد أن أكلت النيران منزلها فاضطرت إلى بيع ذهبها لتنتقل مع طفليها إلى دولة مجاورة لتقيم مع عشرين فردا من عائلة زوجها، في منزل لا تتعدى مساحته عشرين مترا مربعا، أرضه مغطاة بحصائر تالفة، وسقفه من الحديد المثبت بإطارات مطاطية، ويقع في زقاق تغمره المياه الآسنة، لتصبح هناك "اللاجئة السورية رقم مليون" في الدول المجاورة كما أخبرها مسؤول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين. وحينها دمعت عيناها لأنها أدركت أن ثمة مليون سوري يعيشون التجربة نفسها، لكنه لم يقل لها أن هناك أربعة ملايين يعيشون في العراء داخل بلدها، وأن نصف هؤلاء - حسبما تقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) - هم من الأطفال دون سن الثامنة عشرة، ومنهم أكثر من نصف مليون طفل دون سن الخامسة.

هذا عدا عن الأطفال الذين قُتلوا خلال السنتين الماضيتين، والأطفال الذين أصيبوا بتشوهات وتعرضوا للإيذاء الجنسي والتعذيب والاحتجاز التعسفي، كما تعرضوا لصدمات نفسية من رؤية أفراد أسرهم وهم قتلى، ومن فصلهم عن آبائهم وترويعهم بواسطة وابل القصف الذي لا يقف عند حد. إضافة إلى تدمير مدارسهم وضياع أحلامهم ومستقبلهم، فأنّى لهؤلاء أن يقدموا لأمهاتهم هدايا؟. وتمتلئ صفحات الإنترنت بالحديث عن خنساوات سوريا الصابرات المحتسبات، وهن يستلمن كل يوم أشلاء أولادهن الذين يموتون من القصف، أو جثث أبنائهن الذين يموتون تحت التعذيب، أو مازلن يعشن الأمل بعودة فِلَذِ أكبادهن المعتقلين، أو ينتظرن من يعطف عليهن فيخبرهن في أي حفرة تم دفن أولادهن، فلعل دمعة واحدة على القبر تخفف من المصاب.

فمن يطبع القبلة على أيديهن أو جباههن في يوم الأم؟ ومن يقدم لهن وردة أو هدية؟ ومن يتذكرهن في هذه المواقف العصيبة ؟

فياربنا رحماك رحماك بالأمهات الثكالى، والأولاد اليتامى، والشيوخ الحيارى، والعجائز الركّع، والأطفال الرضّع، رحماك بالضعفاء، وبالنساء.

تحدّث الجرحُ يا أماه فاستمعي *** إليه واعتصمي بالله واحتسبي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار الأسد.. والنهاية المرتقبة؟!!

بقلم/ راكان عبد الباسط الجبيحي

كاتب صحافي- يمني

Aljubaihi11@gmail.com

عامان وأكثر على اندلاع شرارة الثورة السورية دون جدوه وحلول حاسمة تخرج سوريا من عنق الزجاجة والنفق المظلم إلى بر الأمان والاستقرار.. لم يستطيع العالم العربي والدولي بكل قواه الوقوف ضد ذلك النظام الوحشي الذي يقوم بقتل شبعه وهدم منازلهم وأراضيهم..

أصبح الوضع في سوريا يهدد بالانهيار والإنحطام شيئاً فشيئاً دون تحريك أي ساكن من قبل المجتمع الدولي.. لقد استطاع بشار الأسد دمج الأوراق وخلطها وربط عقدة العالم تحت السيطرة الخارجية التي تقوم بها إيران وحزب الله بطريقة غير مباشرة من خلال ردود الأفعال والضغوطات المتخذة من طرف الولايات المتحدة عن أفعال وجرائم بشار الأسد ضد الشعب السوري.. لكنه لم يدرك بتاً انه أصبح في دائرة مغلقة ولم يستطيع الخروج منها أو القضاء والسيطرة على ما تبقى من أحياء المدن السورية التي البعض منها دمرت والبعض الآخر أصبحت تحت قبضة الجيش الحر.. فقد استعان بالنظام الإيراني كونه هو من يعطي الأوامر والتعليمات ويدير الوضع في سوريا.. لكن كان عليه مراجعة حساباته بدقة والوقوف عند نقاط تمركز معينة.. لكنه تجاوز تلك النقاط ولم يعلم أنه قد دخل القفص وأصبحت الأحياء المجاورة له تحت سيطرة الثوار..

لقد ارتكب بشار الأسد ونظامه المنحط جرائم لا تعد ولا تحصى.. حيث قام بتحويل سوريا إلى حالة من الاحتقان والصراع والشلل الكلي وجعلها ساحة صراع دولي يدفع ثمنها الشعب السوري.. فتلك الأخطاء المتكررة والجرائم المستمرة الذي يرتكبها بشار الأسد ونظامه البائس تدل على أن نهايته باتت وشكا.. فقد وقف بصمت وأصبح يشكك في ما أن ليس لديه أي خيار أو قرار لاتخاذه أو نفق يخرج منه،، فقد أصبح يدعوا الدول الإقليمية والدولية إلى دعوة معارضيه وإقناعهم للجلوس على طاولة الحوار تحت سقف واحد لكنه فشل في ذلك ورفضت المعارضة بشكل نهائي وقاطعة دعوة الأسد ووصفوه بالسعي إلى ضياع مزيداً من الوقت كي يقضي على إنهاء سوريا ويخرج بعد ذلك من عبث الإنصاف والنجوى من قبضة الجيش الحر..

لقد سقطت أرياش الطير عن بشار الأسد بعدما فقد كامل شرعيته وسيطرته الميدانية والعسكرية وأصبح في حالة من التسرع وعجلة من الأمر حتى وصل إلى حد إخراج آخر وراقة من لإعماله الاستفزازية الوحشية في ضرب السلاح الكيماوي على أحياء سوريا.. لكن الوقت انتهى وعليه أن يدرك أن نهايته باتت قريبة كل القرب وليس على المدى البعيد..

لقد سقطت أوراق التوت من بين أيادي بشار الأسد حتى أصبح يتلطخ بدماء الشعب السوري وبكميات كبيرة وأسلحة كيماوية فتاته أشعلت نيرانها حرائق الفتنة الإيرانية الطائفية التي قضت على إنهاء سوريا بالكامل.. إن سقوط الأسد بات أمر سهل للغاية بعدما سقطت كل الحلول والأوراق من بين أجنحته حتى أصبح يتعامل بطريقة الدوران العكسي.. فقد سيطر الجيش الحر على معظم الأماكن والمعاقل التابعة للنظام السوري التي تقوم بحماية رأس الحية بشار الأسد وقد أصبح الثوار يزحفون نحو مقر إقامة رؤوس الثعابين والقبض على مكان السم الذي قام بقتلهم ودمار دولتهم ولم يضل لديهم فقط سوى بعض من أحياء مدينة دمشق،، وكما قال الكاتب والمعارض السوري/ حبيب صالح في برنامج الاتجاه المعاكس بكل ثقة وعزيمة "فقط أيام قلائل توصل الجيش الحر إلى قصر مدينة دمشق حيث يتواجد النظام السوري" وهذا من المتوقع حدوثه.. فقد آن الآوان لإنهاء ذاك الرجل المستفز حيث تم تغيير مسار اللعبة وعليه أن يعرف كيفية النصر ويدرك أن الثوار الأحرار على وشك طرق بوابة القصر بعجلات ثورية وبأسلوب على شكل حرب مفاجئة حينها رح يكون بشار الأسد قد سقط كلياً ونهايته أبشع من نهاية معمر القذافي على حد تعبير..؟

  

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم - (الحلقة السابعة)

محمد فاروق الإمام

انعقاد المؤتمر القومي السادس لحزب البعث

وسط تناقضات سياسية وإيديولوجية وتنظيمية

بعد أن استلم حزب البعث السلطة في سورية، وجد نفسه في وضع معقد ومتناقض إلى ابعد حدود التعقيد والتناقض.. وإذا نظرنا إلى ما يجري في الداخل، فإنه سيتضح لنا أنَّ حكم الحزب في الحقيقة إنما هو اسميّ. وأن السلطة الحقيقية، سلطة التقرير، فقد تمركزت تدريجياً في أيدي العسكريين.          

وبما أن الحزب كحزب لم يكن لديه قيادة مركزية كفؤة وقوية، فإنه لم يستطع أن يقيم إستراتيجية وتكتيكاً واضحين تمام الوضوح، أو صياغة برنامج سياسي تفصيلي موحد، فقد نجح من غير شك في إبعاد الخصوم، ثم الحلفاء الواحد بعد الآخر في مدة وجيزة. إلا أن (العدو الداخلي) أخذ يظهر على أنه الأكثر خطورة في المدى البعيد.

في هذه الظروف انعقد المؤتمر القومي السادس في دمشق من 5 إلى 23 تشرين الأول 1963م. وبلغ عدد المشتركين فيه (73) عضواً، يمثلون الحزب في العالم العربي، ولكن المندوبين العراقيين والسوريين واللبنانيين كانوا يكونون الغالبية العظمى بين الحاضرين. ولقد كان هذا المؤتمر في نظر البعثيين انعطافاً تاريخياً في حياة حركة البعث، حيث وجهت انتقادات في غاية العنف لسياسة الحزب العامة وإيديولوجيته وإلى مجموعة كتاباته السابقة. (تشدد إحدى التوصيات التي أقرها المؤتمر، على أهمية إعادة النظر في كل ما كتب، سواء ما نشر منه داخل الحزب أو خارجه، على ضوء ما يقرر الآن في مؤتمرنا القومي، لجعله منسجماً مع التطورات الفكرية الجديدة). أنظر مقررات المؤتمر القومي السادس-القيادة القومية-ص(60).

لقد طفت على السطح وانفجرت طوال انعقاد المؤتمر، التناقضات الداخلية، السياسية والإيديولوجية والتنظيمية. وكان الجو العام متوتراً إلى أبعد حدود التوتر. وتركزت المناقشات والمداخلات الطويلة كلها تقريباً حول (التقرير العقائدي). (كتب هذا التقرير بصيغته الأصلية ياسين الحافظ الماركسي الاتجاه من سورية، وقد انتسب إلى حزب البعث بعد وصوله إلى السلطة) هذا التقرير، أوجد تيارين متصارعين داخل حزب البعث السوري لأول مرة وجهاً لوجه في مؤتمر عام.

 

الأول: وهو يمثل الأكثرية، ويضم معظم المندوبين العراقيين والسوريين.. ويتمتع بتأييد القيادات القطرية وقواعد الحزب في العراق وفي سورية وفي لبنان أو في أي مكان آخر، ويحمل لواءه (علي صالح السعدي). والتيار الثاني: يمثل اتجاه القيادة القومية وأمينها العام ميشيل عفلق، وكل التأكيدات تشير، بالفعل إلى أن ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي، قد أبدوا معارضة قطعية للتقرير واعتبروه انحرافاً عن الخط السياسي والمبادئ الإيديولوجية للحزب.

لقد ركّزَ عفلق خلال المناقشات في المؤتمر على نقطتين أساسيتين: الأولى كان يحذر أعضاء المؤتمر من تغلغل الشيوعيين في الحزب الذين يهددونه من الداخل سياسياً وإيديولوجياً - وهذا تلميح واضح لوجود ياسين الحافظ الشيوعي عضواً فاعلاً في المؤتمر على الصعيد الفكري - ومن جهة ثانية، فقد شن عفلق هجوماً مضاداً ضد المتطرفين، مذكراً بنضال البعث في الماضي من أجل توضيح وبلورة أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية.

أما فيما يتعلق بأعضاء اللجنة العسكرية الذين اشتركوا في هذا المؤتمر، فإن موقفهم ظاهرياً كان موقف المتفرج أمام الصراع بين التيارات القطرية والقيادة القومية - يستثنى من ذلك اللواء محمد عمران الذي كان يدعم خط القيادة القومية في مواقفه - فهم لم يشتركوا عادة في المناقشات أو إلقاء الكلمات أو المداخلات. وذلك في السر ووراء الستار، كان همهم الأكبر ينحصر في أن يكونوا محور الرحى للسلطة والمرجع السياسي لها. فقد كانوا ينظرون بعين الرضى والسرور، للهجوم اللاذع والعنيف الذي كان يوجه من قبل البعثيين المتطرفين، إلى ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار على وجه الخصوص. وإذا كان هناك بعض الضباط البعثيين الذين كانوا لا يتأخرون في دفع وتشجيع التيار السعدي في خطه السياسي المتطرف، فإنهم لا يفعلون ذلك انطلاقاً من مواقف يسارية واضحة التحديد، وإنما لاعتبارات تكتيكية، حتى يضعفوا موقف القيادة القومية داخل المؤتمر. (يؤكد ياسين الحافظ، أن اللواء أمين الحافظ واللواء محمد عمران واللواء صلاح جديد، كانوا ضمنياً أو ظاهرياً ضد التقرير العقائدي، في حين أن عبد الكريم الجندي وسليم حاطوم وحمد عبيد، لم يتوانوا في السر في بذل تأييدهم ودعمهم لبعض البعثيين اليساريين، خاصة علي صالح السعدي. أما فيما يتعلق بنور الدين الأتاسي وإبراهيم ماخوس، فيظهر أنهما كانا من معارضي الاتجاه المتطرف والتقرير العقائدي، دون أن يدافعا مع ذلك عن اتجاه القياد القومية. أما بعض قياديي البعث العراقي، خاصة جواد وطالب شبيب، فيبدو أن موقفهم هو موقف المعارض للتيار اليساري وللتقرير العقائدي معاً).

ومما يزيد في وضوح ذلك، أن الأمين العام ميشيل عفلق ورئيس الحكومة صلاح الدين البيطار وأنصارهما بالذات، هم الذين كانوا يتصلبون في مواجهة تدخل العسكريين في شؤون السلطة المدنية.. ويكونوا بالتالي عقبة كأداء في سبيل سيطرة الضباط الكاملة على الحكم والحزب معاً في سورية.

لابد من التنويه إلى لفت الانتباه إلى أن العسكريين ولأول مرة في تاريخ الحزب.. قد اشتركوا في مؤتمر قومي وكونوا قوة خفية ضاغطة لا يستهان بها في سير أعمال المؤتمر ونتائجه. لهذا فإنهم أدخلوا أسلوباً ونمطاً جديداً وغريباً في العمل الحزبي. فهم يناقشون، فيما بينهم، وخارج المؤتمر، شتى القضايا المطروحة على بساط البحث، خاصة القضايا التي تخصهم بالدرجة الأولى. وبعد أن يعبر كل ضابط منهم عن رأيه ووجهة نظره بحرية كاملة، تؤخذ القرارات، بأغلبية الأصوات، وتلتزم الأقلية برأي الأكثرية. وعند حضورهم المؤتمر، فإنهم يدلون بأصواتهم ويقفون موقفاً موحداً كتكتل واحد، بغض النظر عن رأيهم ووجهات نظرهم الشخصية. وهذا يعني، بتعبير آخر، أن الضباط البعثيين السوريين كونوا عملياً حزباً خاصاً بهم داخل حزب البعث السوري يخدم أغراضه وأجندته.

بعد أن تأكد للجنة العسكرية أن هناك تأييداً قوياً للقيادة القومية من بعض العناصر المهمة، وخاصة في القيادة العراقية، أمثال اللواء أحمد حسن البكر واللواء صالح مهدي عماش، لذلك رأى أغلبية أعضاء اللجنة أنه من الضروري تعديل موقفهم العدائي للقيادة القومية والتخفيف من تشجيعهم الضمني لتكتل السعدي. غير أنهم وجدوا أن حلقة الضعف في القيادة القومية تكمن في شخص صلاح الدين البيطار فركزوا على مهاجمته. وبالفعل فقد أخفق البيطار في انتخابات القيادة القومية الجديد التي شكلت على النحو التالي: (ميشيل عفلق أميناً عاماً، وأمين الحافظ، وصلاح جديد، وحمودي الشوفي - سوريون - وعلي صالح السعدي، وحمدي عبد المجيد، ومحسن الشيخ راضي، وأحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش - عراقيون - وجبران مجدلاني، وخالد العلي - لبنانيان - ومنيف الرزاز وأسعد عكا - أردنيان. ولكن منصب الأمين العام الذي عاد وشغله عفلق اعتبر في تلك الظروف منصباً (رمزياً). يقول ميشيل عفلق في هذا الخصوص: (لم تكن لدي النية حتى قبل انعقاد المؤتمر القومي السادس في ترشيح نفسي لانتخابات القيادة القومية، لأنني سأُستغل كستار لا أكثر).

لقد أكد المؤتمر السادس عند مناقشة قضايا الحزب التنظيمية بشكل عام، على أهمية المحافظة على مبدأ القيادة الجماعية والمركزية الديمقراطية. وحدد في نفس الوقت صلاحيات القيادة القطرية والقيادة القومية وعلاقة كل منهما بالأخرى وبالحكم.

(فالقيادة القطرية - طالما أن الحزب حاكم في القطر - هي التي تضع الخطط المرحلية التفصيلية وتشرف على تنفيذها وتنفيذ البرامج التي تقرها القيادة القومية، وتكون هي المراقبة لتصرفات الحكم، أي أن الحكم مسؤول أمامها). و(للقيادة القومية حق الإشراف والتوجيه على القيادة القطرية ولها الرأي الأول على مستوى التخطيط العام وعلى مستوى التشريع والسياسة العليا. أما في الأمور الأخرى فلا يجوز ذلك حتى لا تصبح القيادة القومية هي أيضاً قيادة القطر..).

وعليه فإن ضعف القيادة القومية وعجزها وتركيبها المتناقض أدى إلى نتيجة جعل القيادة القطرية، السلطة الفعلية والأولى في نظام البعث، ولها الكلمة الأولى في تسمية أعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة وأعضاء الحكومة. كما أعلن المؤتمر القومي السادس في بيانه أنه: (أولى عناية خاصة للتثقيف العقائدي الإيديولوجي في الجيش.. وأكد حق العناصر العسكرية في ممارسة حقوقهم السياسية كاملة.. واعتبر المؤتمر دمج الطلائع الثورية العسكرية والمدنية دمجاً عضوياً هو الوسيلة لخلق تفاعل إيديولوجي بينهما…).

نستنتج من بيان المؤتمر القومي السادس رفض مبدأ إبعاد العسكريين عن الأمور السياسية، وصادق بالتالي على تدخل الضباط رسمياً في الشؤون العامة. وهو شيء لم يكن إلا تثبيتاً لأمر واقع منذ فترة زمنية طويلة. وأن توسيع صلاحيات القيادة القطرية خاصة في سورية، سيؤدي حتماً إلى دفع وضع السلطة بين يدي الضباط وأعضاء اللجنة العسكرية.

لقد كان المؤتمر القطري السادس مسرحاً لصراع مفتوح بين ما يسمى بالاتجاه اليساري المتطرف.. وبين ما يسمى بالاتجاه القومي الذي يخوض المعركة من مواقع دفاعية. ولكن في الحقيقة.. فإن هذه المجابهة تخفي صراعاً رهيباً من أجل الاستئثار بالحكم.. وهذا الصراع خاضه العسكريون لحسابهم الخاص. والجميع كانوا يعتقدون أن المؤتمرات الحزبية غير قادرة على حل التناقض.. وأن الحل لا يمكن أ يأتي إلا بالتآمر.. لا من وراء ظهر الجماهير فحسب بل من وراء ظهر القواعد الحزبية أيضاً. كانت مشكلة السلطة هي التي تشغل بال الطرفين. (وعلى هذا الأساس فإن القيادة القومية التي انتخبت جاءت هجينة متناقضة.. حيث لعبت التكتكة في الكواليس دوراً أساسياً في انتقاء أعضائها).

تمت في المؤتمر الموافقة على التقرير العقائدي الذي قدمه ياسين الحافظ لذلك لابد لنا أن نلقي الضوء على النقاط الرئيسية في هذا التقرير. وهو ينقسم إلى ثلاثة فصول كبيرة تتعلق بالوحدة العربية والديمقراطية الشعبية والاشتراكية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم - (الحلقة الثامنة)

محمد فاروق الإمام

الشعارات المضللة التي انطلق منها حزب البعث العربي الاشتراكي

الوحدة العربية

حتى قيام الوحدة السورية-المصرية عام 1958م، كان المفهوم القومي لحركة البعث ينبع من إيمان عميق يشبه إلى حد بعيد (العشق الصوفي)، في أن الوحدة العربية هي المهمة الأولى والوحيدة. وكان الحزب دائماً يعطي مسألة الوحدة أهمية ورجحاناً معنوياً على الحرية والاشتراكية.

إلا أن تركيز الحزب على أهمية الوحدة لم يدفعه بنظر التقرير العقائدي.. إلى صياغة دليل نظري يستبين الطريق إلى الوحدة ويرسم أسلوب تحقيقها وضمانات حمايتها وتطورها. من هنا -كما يقول التقرير - يأتي ضعف الأسس النظرية والعملية لوحدة عام 1958م، وبالتالي ضعف حمايتها من الانهيار والسقوط عام 1961م.

وفي مجابهة التحدي الشيوعي المحلي، أعطى الحزب نوعاً من القداسة للاتجاه القومي، ومفهوماً مثالياً للقومية العربية فتح المجال -كما جاء في التقرير- لتفسير مناف أحياناً للعلم ولتطور التاريخ، فتحولت القومية العربية إلى مفهوم متحجر جامد.. واعتبرت القضية الاشتراكية فرعاً من القضية القومية.. مما طمس في أذهان البعض حقيقة الصراع الطبقي لمحتوى حقيقي ومنطلق نضالي أساسي للقومية العربية.

غير أن المؤتمر القومي السادس يعتبر دائماً أن الوحدة العربية نظرية أساسية في العالم العربي وواقع يحرك أعماق الجماهير العربية من الخليج إلى لمحيط. ولكن المهم الآن هو تحديد أسسها السياسية ومضمونها الاجتماعي.

إن التجربة السياسية بين البلاد العربية خلال فترة زمنية طويلة.. أوجدت -تدريجياً- فوارق واختلافات في الفكر الاقتصادي.. انعكست في البنيات السياسية والاجتماعية والثقافية لكل قطر. وبسبب السيطرة والتدخلات الاستعمارية.. فإن الرأسمالية أو بالأحرى الرأسمالية العربية.. لم تستطع أن تنمو وفق متطلبات السوق الرأسمالي.. بمعنى أن تزيل وتهدم الحدود والحواجز السياسية بين هذه البلاد.

فالوحدة العربية ليست تحريراً قومياً فحسب وإنما هي أيضاً تحرر اقتصادي واجتماعي وقضاء على التخلف.. بمعنى آخر.. إن علاقة الاشتراكية بالوحدة هي علاقة جدلية -على ذمة التقرير العقائدي- فالوحدة العربية.. حيث إن مضمونها هو بناء الاشتراكية، تكوّن إطاراً بشرياً واقتصادياً أكثر ملائمة لمتطلبات التحويل الجذري والشامل للوطن العربي.

باختصار: الوحدة العربية والاشتراكية - بنظر المؤتمر القومي السادس- هما قضيتان متلازمتان من الناحية التاريخية والاقتصادية.

لهذا فإن الحركة القومية الوحدوية.. في مجرى تطورها الموضوعي.. سارت في اتجاه جديد.. وعملت على التخلص من السيطرة الاستعمارية باعتبارها الموجدة والمكرّسة للتجزئة والمحافظة على بقائها.. ومن سيطرة الإقطاع كأسلوب إنتاج متخلف وكطبقة سياسية عميلة.. ومن البرجوازيات كعامل تناقض سياسي وإقليمي بين البلاد العربية.

وهكذا ففي الوقت الذي تحقق فيه الجماهير الوحدة العربية.. تتجه وتسير في طريق الاشتراكية.. فإزالة البرجوازيات العربية يصبح عندئذ الشرط الأول لإقامة الوحدة.. وهذه الوحدة تأتي إذاً في الظروف الحالية ضمن أفق تاريخي اشتراكي صحيح وتعبّر بالتالي عن أمل الجماهير في التحرر الوطني والاجتماعي والاقتصادي.

كما يؤكد البيان العقائدي على أن بناء الوحدة بين بلاد تركت التجزئة السياسية رواسب إقليمية ومصالح ضيقة.. يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. على الأقل في الابتداء. وذلك حتى تستطيع فيما بعد أن تتغلب عليها تدريجياً. وهذا يعني أن الوحدة يجب أن تقام على مراحل. وإن إحلال الامتداد محل التفاعل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين مختلف التجارب الثورية العربية.. يؤدي عملياً إلى تعميق التناقضات الإقليمية وإبرازها بشكل عدائي ويهيئ الظروف لردة انفصالية كما حدث في 28 أيلول 1961م في سورية. وهي أكثر خطورة من التجزئة ذاتها.

الديمقراطية الشعبية (الحرية)

لابد في هذا السياق من أن نعود قليلاً إلى الوراء وان نشير تلميحاً إلى ما كانت تفهمه حركة البعث العربي.. منذ تأسيسها.. من اصطلاح (الحرية). في الحقيقة وواقع الأمر، كانت كلمة الحرية تأخذ دائماً في أدبيات البعث السياسية صفة (القداسة). ففي مقال للأستاذ ميشيل عفلق تحت عنوان: (لماذا نحرص على الحرية؟).. يعتبر مؤسس حركة البعث ومفكرها.. أن قضية الحرية هي قضية جوهرية في حياة الفرد الشخصية وفي حياة الأمة على حد سواء. ويؤكد بهذا الصدد على أن (الحرية لا تتجزأ فلا يمكن أن نثور على الاستعمار الأجنبي ثم نسكت عن الاستبداد الوطني. لأن الدافع الذي يحركنا ضد الاستعمار هو نفسه الذي يمنعنا الآن من الرضا بالاستبداد.. أما الذين لا يستطيعون أن يحكموا الشعب إلاّ إذا استعبدوه.. فهذا الشعب الذي غلب الاستعمار.. سوف يريهم كيف يستطيع التخلص من حكمهم والتحرر من عبوديتهم).

فحرص مؤسس الحزب على الحرية ودفاعه عنها -كما يقول- ليس شيئاً نظرياً (لا علاقة له بالواقع. فالحرية هي التي تسمح للشعب أن يعرف أين يذهب خبزه اليومي وكيف تبذر ثروته وثمار عمله وإنتاجه.. وتتيح له أن يعرف المدى الذي بلغه في تحقيق استقلاله والنواقص التي تشوب هذا الاستقلال..).

وهكذا فإن التعلق بالحرية والدفاع عنها إنما هو تعلق بحياة الفرد الشخصية وبحياة الأمة ككل.. وأن المعركة التي تخاض من أجلها ستكون والحالة هذه (معركة حياة أو موت). إذ أن (الحرية ليست مواد في الدستور ونصوصاً في القوانين وليست هي مجرد موضوع للخطابة والكتابة.. ولكنها عمل قبل كل شيء. إنما لن تدخل حياتنا ما لم نرخص الحياة في سبيلها ولن نفرض على الحاكمين احترامها وَنُشعر الشعب بقيمتها وقدسيتها إذا لم يكن إيمانا بها جهاداً ودفاعنا عنها استشهادا).

لذلك ومن هذا المنطلق.. فإن نهضة الأمة العربية لا يمكن لها أن تتحقق إلا إذا تمتع كل فرد بحريته الشخصية وبحقه في التعبير عن رأيه سواء في الصحافة أو عن طريق الاجتماعات العامة أو في تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية. وليس هناك من سلطة تستطيع أن تعطي لنفسها حق كبت الحرية الشخصية والحريات العامة لأي سبب كان. يؤكد حزب البعث.. في (الدستور) الذي أقره المؤتمر التأسيسي الأول في 7 نيسان 1947م.. (أن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير.. كما أن قدسيتها متوقفة دوماً مع نمو حرية الفرد.. لذا فإن حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأية سلطة أن تنتقصها).

لهذا فإن المؤتمر القومي السادس.. عند تحليله وتقييمه لمفهوم الحرية في إيديولوجية حركة البعث العربي.. يرى بأنه كان ينبع من مفهوم (رومانسي مجرد). وإذا كانت الحرية قد فهمت بشكل عام على أنها تحرير للإنسان العربي.. تحرير سياسي واقتصادي بكل صوره وأشكاله.. إلا أن الحزب (لم يتصد لمحاولة تصحيح مفهومها الاجتماعي والطبقي بشكل كامل وملموس). إذ أن (الحرية بشكلها السياسي لم تكن مفهوماً مجرداً مطلقاً.. بل هي دائماً حرية ملموسة ذات مضمون اجتماعي محدد.. منحت لطبقة ومنعت بشكل أو بآخر.. عن طبقة أخرى).

لقد اعتقدت حركة البعث ومنذ تأسيسها أن النظام السياسي الذي يجسد مفهومها لهذه الحرية.. يكمن في تطبيق الديمقراطية البرلمانية على النمط الغربي. وقد اعتبرت الديمقراطية البرلمانية هذه (ضرورة) لكي يستطيع الشعب (أن يحصل على حقوقه في جو من الحرية). فكل حكومة إذاً لا تكون منبثقة عن انتخابات عامة أو لا تمثل الشعب تمثيلاً صحيحاً (يجب أن تزول ويحل محلها حكومة من الشعب وللشعب) وتخضع لرقابته العامة.

وجاء ذلك صريحاً بصورة رسمية في مبادئ الحزب الأساسية التي يضمها (الدستور) حين يعلن أن (السيادة هي ملك الشعب وانه وحده مصدر كل سلطة وقيادة) وأن نظام الحكم (هو نظام نيابي دستوري.. والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة).. (والسلطة القضائية مصونة ومستقلة عن أية سلطة أخرى وتتمتع بحصانة مطلقة). وهذا يعني أن فصل السلطات:

السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية.. مبدأ أساسي وقاعدة تبنى عليها ديمقراطية البعث. كما أن الحزب سيعمل على وضع دستور للدولة العربية يكفل.. للمواطنين العرب المساواة المطلقة أمام القانون والتعبير بملء الحرية عن إرادتهم واختيار ممثليهم اختياراً صادقاً..).

وفي عام 1950م.. عندما كانت المعركة على أشدها في سورية حول قضية الديمقراطية البرلمانية والحكم الفردي.. اتخذ الحزب موقفاً صلباً وقوياً ضد أية فكرة تنسب مسؤولية التأخير وسوء الأوضاع السياسية في العالم العربي إلى النظام الديمقراطي البرلماني. وكان يرى البعثيون في ذلك الحين أن البلاد العربية.. بما في ذلك سورية.. لن تعرف في الواقع من الديمقراطية ومن النظام الدستوري سوى النواحي السيئة. لهذا فإن هذا (التشويه).. مع خطورته.. يجب أن لا يسيء إلى مبدأ الديمقراطية نفسها.

وكمثل على ذلك فإن البعثيين كانوا ينظرون إلى كيفية تطبيق النظام البرلماني في البلاد الغربية.. الذي هو نتيجة -برأيهم- للمشاركة الفعلية للشعب في الحياة السياسية.. في حين أن النظام النيابي الدستوري في سورية قد أفرغ من محتواه الديمقراطي الحقيقي. وهكذا.. فإن الحزب طوال تلك الفترة كان يقود الحركة التي تدافع عن الديمقراطية النيابية.. ويرفض رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال النظام الدكتاتوري والحكم الفردي.

في الحقيقة، هذا الاتجاه العام والرسمي لحركة البعث، فيما يتعلق بتبني مفهوم الديمقراطية البرلمانية، قد خضع لبعض التحولات إثر وصول بعض الأحزاب أو العسكريين إلى قمة السلطة في بعض البلدان العربية والنامية فقد ابتدأ الحزب في توجيه الانتقادات للنظام الديمقراطي البرلماني وأخذ يميل إلى تأييد ما كان يسمى بـ(الديمقراطية الموجهة).

غير أن هذا المفهوم الجديد، لم يوضح أبداً، ولم يضع البعثيون مفهوماً محدداً وملموساً للديمقراطية السياسية، كما أنهم لم يوضحوا المحتوى الاجتماعي لمسألة الحرية. لهذا فعندما قامت الوحدة في عام 1958م بين سورية ومصر، لم يكن لحزب البعث فكرة واضحة عن الأسس ولا الشكل السياسي للنظام الديمقراطي الذي يجب أن تبنى عليه هذه الوحدة.

وقد حاول (التقرير العقائدي) الذي أقر في المؤتمر القومي السادس، أن يضع الخطوط العامة العريضة لمفهوم الديمقراطية المسمى بالشعبية، إذ يرى أن الديمقراطية البرلمانية على النمط البرجوازي والتي نقلتها الدول العربية عن الدول الغربية، بقيت ديمقراطية شكلية مقطوعة من جذورها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

لهذا فإن البرلمانية في مظاهرها الأساسية كانت مرآة للواقع المتخلف، شبه (القبلي) وشبه (الإقطاعي). فإخفاق البرلمانية إذن لا يتأتى من تطبيقها السيئ، بقدر ما هو يعبر عن الحقيقة الموضوعية خاصة. وهكذا فإن ظاهرة الانقلابات العسكرية أصبحت الوجه الآخر للديمقراطية البرلمانية الغربية في كثير من البلاد العربية.

ولا يمكن لهذا المفهوم للديمقراطية، (برأي التقرير العقائدي)، من أن يأخذ أبعاده الواسعة وفعاليته في التطبيق، إلا إذا اعتمد على تنظيم جماهيري وهذا التنظيم السياسي الطليعي يجب أن يقوم على مبدأين رئيسيين: المركزية الديمقراطية والقيادة الجماعية. وحزب البعث هو المهيأ أن يلعب دور المحرك لهذه الجماهير الشعبية.

وإذا كانت القوى السياسية التقدمية يجب أن لا تزول من حيث المبدأ، إلا أنها ملزمة على أن تكون تحت قيادة حزب واحد، وهو (دون أن يسمي حزب البعث) ضمن جبهة عريضة من خلالها يمكنها أن تمارس نشاطاتها السياسية. من أجل ذلك فإن المؤتمر القومي السادس يعتمد لأول مرة مبدأ (الحزب القائد) الذي يملك السلطة المركزية الدائمة في حكم البعث.

منيف الرزاز عضو القيادة القومية المنتخبة في هذا المؤتمر والأمين العام الثاني للبعث بعد ميشيل عفلق يتخذ موقفاً متناقضاً كلياً لهذه الخطوة العامة التي أقرها المؤتمر القومي السادس، ويتوسع في توضيح المفهوم القديم للديمقراطية البرلمانية للبعث في كتابه (الحرية..) حيث يعتبر الصفة الأولى والأساسية للديمقراطية تكمن في حرية التعبير السياسية والتمثيل الانتخابي للشعب حسب الأعراف البرلمانية المعروفة. (فلا مجال لحرية تعبير في حكم غير ديمقراطي، كما أن لا مجال لحكم ديمقراطي مع فقدان حرية التعبير).. (بل لقد أصبح مقياس الحرية المادي إنما يعتمد على وجود النظام النيابي).. (وأن بلداً محروماً من التمثيل النيابي بلد لا يمكن أن يقال إنه يتمتع بالحرية). والرزاز في سياق دفاعه عن حرية تأليف الأحزاب السياسية، يؤكد أن تعدد الأحزاب، إذا كان يعكس تناقضات موجودة في المجتمع، فهو يعبر أيضاً عن (حيوية الأمة). وهو يضيف: (أن حرية التكتل في أحزاب سياسية أساس من أسس الحرية السياسية الحديثة، لا وجود لها من دونها. وكبت هذه الحرية بإلغاء الأحزاب أو إلغاء تعدد الأحزاب لا يمكن أن يعني إلا وقف الحريات السياسية للشعب وللمواطنين وحصر الحياة السياسية في الحكم أو مجموعة الحكام).. (ولا يمكن لحياة سياسية أن تقوم في أي قطر من غير أن تتمثل هذه الحياة السياسية في أحزاب قائمة. وإذا انعدمت الحياة الحزبية فقد انعدمت مشاركة الشعب في رسم مصيره السياسي). من أجل ذلك يقف موقفاً عنيفاً ضد مبدأ (الحزب الواحد)، لأن (حكم الحزب الواحد لا يمكن أن يكون حكماً ديمقراطياً بطبيعته.. إنه تعبير عن حكم كتسلط بجهاز شعبي). وبكلمة واحدة، إن عدم وجود أحزاب سياسية متعددة في حكم ما، إنما (هو إلغاء تام للحياة السياسية للمواطنين وإحلال الدولة محل الشعب).

 

الاشتراكية

لقد وجه التقرير العقائدي ولأول مرة رسمياً، ضربة قاسية لمفهوم (الاشتراكية العربية) للحزب. فبعد أن أشار إلى الجوانب الإيجابية لعمل حركة البعث السياسي، التي ربطت النضال القومي بالنضال الاشتراكي، يؤكد المؤتمر القومي السادس أن الحزب أطلق على الاشتراكية التي ينادي بها اسم (الاشتراكية العربية) في مواجهة سلبية للتحدي الشيوعي المحلي وفي محاولة لتأكيد القضية القومية.

إلا أن التأكيد على الصفة القومية للاشتراكية دون توضيح الأسس النظرية، أدى إلى نوع من العصبية القومية السلبية تجاه الفكر الاشتراكي العالمي. وبقيت اشتراكية الحزب التي سميت بـ(العربية) مجرد كلمة خالية من أي مضمون علمي، فصلت عن لحمتها الاجتماعية والطبقية. ويضيف المؤتمر القومي السادس بأن تعبير الاشتراكية العربية، كان من الممكن أن يكون نقطة انطلاق لتلمس الواقع العربي بكل تفاصيله وتناقضاته، وتحليل تكوينه الاقتصادي والطبقي. إلا أنه بقي هذا التعبير في كتابات البعث مجرد شعارات عامة وتسميات عاطفية حول (الخصائص العربية) للاشتراكية ومزاياها الأصيلة. كذلك فإن أعضاء المؤتمر بغالبيتهم يرفضون هذه (الخصائص الأصيلة)، ويتبنون تعبير (الطريق العربي إلى الاشتراكية) محل (الاشتراكية العربية). ذلك أن مضمون الاشتراكية واحد، لكن الطريق الذي يوصل إليها يختلف بين بلد وآخر، حسب ظروفه وأوضاعه الاجتماعية والتاريخية.

ومن ناحية ثانية، فإن المؤتمر القومي السادس يقوم بنقد مبدأ أساسي تقوم عليه اشتراكية البعث، وهو (الملكية الفردية) التي كانت تعتبر دائماً حقاً طبيعياً للإنسان. (إن الاعتراف بالملكية الفردية بشكلها المطلق ورغم تضييق نطاقها، هو ضرب من المفهوم البرجوازي الصغير. لأن المفهوم الاشتراكي العملي يعتبر العمل الإنساني المصدر الوحيد للقيمة. لذا فإن الملكية الفردية إذا تعدت نطاق الاستعمال الشخصي)، لا مفر من أن تصبح وسيلة لاستغلال الإنسان للإنسان.

ويشير التقرير العقائدي بعد ذلك إلى أن اعتراف الحزب بالملكية كحق طبيعي ترك آثاره السيئة والظاهرة في تركيبه وتكوينه الطبقي. وبما أن تكوين الحزب الطبقي والإيديلوجي بقي غير واضح، فقد اعتقدت البرجوازية والجماهير الشعبية على السواء أن اشتراكية البعث تلبي مصالح كل منهما، ونتج عن ذلك أن تنظيمات الحزب أحبطت من قبل البرجوازية والملاكين العقاريين من جهة، ومن قبل الجماهير الشعبية من جهة أخرى.. وهكذا استطاعت العناصر البرجوازية الصغيرة أن تصبح ذات أهمية رئيسية في قيادات الحزب على جميع المستويات، في حين أن العناصر من العمال والفلاحين كادت تكون غير موجودة.

ويعرّف التقرير العقائدي الاشتراكية بأنها (الملكية العامة لوسائل الإنتاج). وإنها نظام اجتماعي يخلق ظروفاً موضوعية، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، تحرر الإنسان من جميع أنواع الاستغلال والتسلط. وأن تحقيق المجتمع الاشتراكي - كما يقول التقرير - لا يمكن أن يأتي إلا عبر تعبئة الجماهير الشعبية من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين بقيادة طليعة منظمة تنظيماً قوياً.

ويعتبر التقرير أن من أهم الخطوات الأولى في تحقيق الاشتراكية هي في تأميم وسائل الإنتاج الكبرى والنقل والتجارة الخارجية والداخلية والملكية الزراعية الكبيرة، بتطبيق مبدأ: (الأرض لمن يحرثها).

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تشكلت حكومة...كيف ستسقط العصابة الاسدية?

غسان المفلح

السياسة 22/03/2013

بعد انتخاب رئيس الحكومة الموقتة قال الصديق برهان غليون:" الطريقة التي تمت بها اجراءات اختيار رئيس وزراء اول حكومة موقتة للثورة السورية لا تليق بثورة عظيمة كالثورة السورية, ولا تعكس الشعور الكبير بالمسؤولية تجاه معاناة ملايين السوريين المنكوبين وآلاف الشهداء والجرحى والمشردين". رغم صحة هذا القول لكنني أجد كما حال الصديق برهان اننا يجب اعطاء زميلنا في المجلس الوطني غسان هيتو فرصته, لأن السيد غسان هيتو كان مرشح المجلس الوطني والهيئة العامة للثورة السورية, بغض النظر عما قيل حول علاقته بجماعة الاخوان المسلمين, انتظرت لاستمع إلى كلمات ختام المؤتمر الذي انتخبه, وكلمته هو بالذات, جاءت اولا كلمة الشيخ معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية عصبية قليلا, ذات شحنة عالية النبرة في الهجوم على المجتمع الدولي عموماً, وهو هجوم يقوم به كاتب او صحافي او ناشط, لكن ممثل اعلى هيئة سياسية للثورة السورية, يصبح للكلام مغزى مختلف, وخصوصاً اذا اخذنا بعين الاعتبار المغزى السياسي للاجتماع والخطاب معا, وكيف يمكن ترجمة خطاب الشيخ معاذ بهذه المناسبة? خطاب الشيخ معاذ تحدث عن جماعات تكفيرية وسلفية وجهادية لاعلاقة لها بالجهاد كما قال, وطالب الدول التي تدعمها بسحب دعمها وسحب شبابها الذين ترسلهم كونها لاتريدهم, بالطبع كان الاجدى بالشيخ معاذ ان يكمل معروفه معنا ويخبرنا من هي هذه الدول? ربما هناك من سيقول ان هذا تكتيكاً سياسياً, حسنا تدين الثورة وقواها بوجود مثل هذه القوى التكفيرية والمقاتلين الاجانب, من دون ان تكشف عمن ورائها يصبح للحديث معنى آخر نتابعه الآن, رفض التدخل الدولي رفضا قاطعا وهذا ليس جديداً على خطابه عموماً منذ توليه موقعه هذا, مع انه ذكر العالم بالكذبة الاميركية لاحتلال العراق من دون ان يذكر الدور الايراني وغيره في سورية والعراق كونه عرج على الموضوع العراقي من زاوية رفضه للتدخل الدولي, وكل هذا يتناسب مع تصريحه الاول المشهور أنه يرفض وضع سورية تحت البند السابع, واعقبه باطلاق مبادرته للحواروفق معلوماتي المتواضعة لم يطالب الشيخ معاذ بأي دعم للجيش الحر من المسؤولين الدوليين الذين التقاهم, اتمنى ان تكون معلوماتي خاطئة كنت اتمنى ان استمع من الشيخ معاذ بعد كل هذه النبرة العالية, ذات النفحة الشعبوية الاجابة عن سؤال كيف سيسقط العصابة الاسدية? وعلى مبدأ" مقسوم لا تاكل وصحيح لاتقسم".

ثم جاءت كلمة الزميل غسان هيتو التي كانت مدروسة مسبقا, لتضع بعض النقاط على الحروف في بعض المسائل, وخصوصاً انه رفض رفضا قاطعا اي حوار مع العصابة الاسدية, وتحدث بلغة رجل دولة يريد اعمار وادارة المناطق السورية المحرر منها وغير المحرر, ولم يتم طرح مسألتين مهمتين في خطابه, الاولى لم يشر إلى مسألة رؤيته ورؤية حكومته إلى كيفية اسقاط العصابة الاسدية. والثانية لم يشر إلى مصادر دعم هذه الحكومة, التي من المفترض ان يكون لديها مليارات الدولارات كي تنفذ ولو جزءاً يسيرا من برنامجها, الذي طرح ملامحه في خطابه, وكيف سيتم تأمينها?

السؤال الاساسي الذي يواجه الثورة هو في كيفية اسقاط العصابة الاسدية بعد سنتين من الثورة وكل هذا القتل والدمار الذي الحقته هذه العصابة بسورية? بعد هاتين الكلمتين تم انتخاب هيئة سياسية لقيادة الائتلاف ستكون بمثابة اعلى هيئة سياسية بالمعنى القيادي للثورة السورية, وهي مطلوب منها الاجابة عن هذا السؤال, والعمل على تأمين مستلزماته الستراتيجية واليومية. بات لدى الثورة الان مكتب تنفيذي للمجلس الوطني اكبر تجمع معارض داخل الائتلاف, وهيئة سياسية تقود الائتلاف الوطني لقوى المعارضة, وحكومة موقتة فأين الطريق إلى دمشق بعد ذلك?

كاتب سوري

ghassanmussa@gmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا في شرق أوسط على حدود الكارثة

فايز سارة

المستقبل

يجتاز الشرق الأوسط مرحلة لعلها الاصعب في تاريخه الحديث. اذا هو عرضة لتغييرات عميقة، ستصيب البنى السياسية والاقتصادية والعسكرية لهذا التركيب المعقد. واذا كانت ثورة السوريين مؤشراً رئيساً لما يدور من تطورات واحتمالات في الشرق الاوسط، فان ما سبقها من مقدمات ويرافقها من تطورات في سوريا والاقليم، وما يترتب على ذلك من نتائج، تمثل حلقات في مسار المنطقة نحو كارثة، قد يكون من الصعب تقدير حدودها وحجمها، وما يمكن ان تتركه من ترديات على كيانات الشرق الاوسط وسكانه ومستقبل المنطقة وعلاقاتها الداخلية والبينية.

ففي المقدمات التي سبقت ثورة السوريين، يمكن ملاحظة جملة من الوقائع والمعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتعقيداتها، التي صارت اليها معظم بلدان المنطقة وانظمتها، واغلبها وصل الى انسدادات من مؤشراتها ازمات سياسية واجتماعية عميقة، ناتجة عن أنظمة حكم استبدادية دكتاتورية، تستند الى فئة او جماعة اقلوية، تحيط بسلطة تعيش خارج النظام والقانون، وتستحوذ على القرار السياسي- الاقتصادي، وتنفرد بالثروة في مواردها وحيازاتها واستهلاكها، وتسعى لاخضاع شعوبها بكل السبل الممكنة، وتستخدم اقصى درجات الحذر والريبة والامن في ضبط حراك وتفكير شعوبها، وهي مستعدة للقيام باقصى ما يمكن من خطوات واجراءات للحفاظ على السلطة والاحتفاظ بها.

وبحكم التجربة والوقائع، لم يعد من الممكن تجاوز الازمات القائمة وتعقيداتها، وماخلفته من انسدادات دون تدخلات خارجية عنيفة، كما حدث في العراق او عبر انفجارات داخلية، تبدو التدخلات الخارجية واحدة من لوازمها ومتمماتها على نحو ما كان المثال الليبي وعلى نحو ما يشير المثال السوري في تطوراته، وكلاهما درس عميق، يبدو عصياً على البيئات السياسية العربية ونخبها الحاكمة ان تفهمه، وقد اصرت كل منها في تجارب الربيع العربي على تذكير الآخرين باختلافها عنهم، وقولها "نحن غير"و"ظروفنا مختلفة" و"ماحدث في بلدان اخرى لن يحدث عندنا".

لقد بين صراع السلطة ومعارضيها كما بدا في ثورة السوريين ومجرياتها، انه صراع عميق وجذري، لا تراجع من طرف فيه في مواجهة الآخر، وان السلطة يمكن ان تستخدم اقصى طاقاتها في التدمير والقتل من اجل الابقاء على سلطتها ونفوذها، فيما أكد اغلب المعارضين اصرارهم على اسقاط النظام وخلق نظام بديل، وولدت من رحم الصراع، تدخلات اقليمية ودولية لديها استعداد للذهاب في الصراع الى نهاياته الحاسمة في الربح او الخسارة مستغلة كل العوامل والظروف المحيطة بالصراع الداخلي وتحويله الى صراع خارجي له ابعاد اقليمية ودولية، يمكن ان تؤدي الى تغيير في الخرائط السياسية للشرق الاوسط وبلدانه تحت لافتات صراعات دينية - طائفية، او قومية - عرقية، وقد بدأت ملامح من تلك الصراعات تتصاعد واضحة في لبنان والعراق وتركيا، تجد لها تجسيدات ومشاركات على مستويات رسمية وشعبية، ولاشك ان وصول تلك الصراعات الى مراحل متقدمة مع استمرار الصراع في سوريا، سيؤدي عبر العنف الى تكوينات كيانية جديدة متعادية، تقوم على اسس دينية طائفية وقومية -عرقية.

وتتزايد الأخطار المحيطة بالمنطقة باضافة الناتج عن الالتهاب السوري ومحيطه الى مايحصل في مصر، والتي لم تستطع ثورتها الخروج من اشكالات جوهرية، كانت قدر طرحتها الثورة في العامين الماضيين، وابرزها امران، يتصلان بعلاقة السلطة بالمجتمع، وعلاقات المسلمين بالاقباط، ويرتبط عدم حل المشكلتين بوصول الاخوان المسلمين الى السلطة هناك، ومحاولتهم ادارة السلطة الجديدة بروح الاستئثار والاخضاع الاكثري الذي يعكس وجهاً اقل مايقال فيه انه وجه آخر لسلطة العهد السابق، مما دفع بالبلاد الى غرق في المواجهات والفوضى الامنية والاختلاف السياسي الحاد، مما يكرس مشاكل سياسية واجتماعية قديمة ويراكم عليها، ويضع البلاد امام انفجارات خطيرة، خاصة وان ثمة مسارات تفتح خطوطها في مصر، تتقارب ومسارات الصراع الذي عاشته سوريا في العامين الماضيين مثل توجه النظام نحو الاستخدام المفرط للقوة، وتشكيل مليشيات موالية للنظام، يمكن ان تدعم توحش الاجهزة الامنية في وقت يقف فيه الجيش حائراً في حسم انحيازاته، وهو امر قد لا يطول، اذا تطورت الصراعات في البلاد.

ومما لاشك فيه، ان الصراعات بما تعنيه من حروب واقتتال داخل بلدان المنطقة او بين دولها، لن تدمر ماهو قائم في المنطقة من امكانات وقدرات بشرية ومادية فحسب، بل سوف تستنزف قدرات وامكانات المنطقة القائمة والمتاحة ايضاً، وترهن مستقبل المنطقة لاجيال قادمة على نحو ما فعلت حروب الخليج في العقود الثلاثة الماضية، وكان من ناتجها ان جعلت بلدين من اهم بلدان المنطقة في واقع متدهور بصورة خطيرة، ومنعت بلداناً اخرى من ان تكون افضل مما هي عليه الآن، وسوف تجر الصراعات الحالية في سوريا وفي العديد من بلدان المنطقة الاوضاع كلها الى الاسوأ، وقد بدأت بوادر ذلك في مؤشرات سورية متعددة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وثمة مؤشرات في لبنان والعراق بينها تصاعد صراع مذهبي بين السنة والشيعة، ومؤشرات صراع بين المسلمين والاقباط في مصر في وقت تتصاعد فيه حدة الصراع السياسي بين السلطة والمعارضة في اغلب بلدان المنطقة من ايران الى العراق وبلدان الخليج ولبنان الى مصر وشمال افريقيا.

ان تصاعد الصراعات في تنوعها وفي تعدد مستوياتها في ضوء ماحدث في سوريا وعجز المجتمع الدولي عن وضع حد له، يعني بالفعل ان الشرق الاوسط مقبل على كارثة كبيرة. والسؤال الطبيعي المطروح، هل يمكن للقوى الفاعلة في المنطقة اولاً وللمجتمع الدولي ثانياً القيام بما يمنع ذلك، خاصة وان المنطقة وكثير من الدول لن يكونوا بمنأى عن تداعيات كارثة كبيرة في الشرق الاوسط، بل ان تلك الكارثة ان حدثت ستترك اثارها المدمرة على دول وشعوب، ربما هي تفكر: انها بعيدة، وهي بمنأى عن آثار كارثة في الشرق الاوسط.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تحديات أمام حكومة الثورة

تاريخ النشر: الجمعة 22 مارس 2013

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

أبارك لشعبنا السوري ولادة أول حكومة تبدأ حقبة جديدة في تاريخ سوريا، وأدرك خطر ما ستواجهه من تحديات غير مسبوقة، ولاسيما أنها لن تكون حكومة منفى، وإنما ستكون في ساحة المعركة، ومع الثوار الذين يتعرضون للقصف المدفعي والصاروخي. وستكون مع المشردين الذين تهدمت بيوتهم وأسواقهم، وصاروا بلا مأوى وبلا عمل، وأعدادهم بالملايين، وقد باتت عملية البناء تعني البدء من الصفر في كثير من المناطق التي تعرضت لتهديم المدارس والمشافي والمخابز والمصانع وجل البنى التحتية ومصادر الطاقة من الماء والكهرباء. وستكون الحكومة بحاجة إلى ذراع تنفيذي، وإلى بناء السلطة القضائية، وسيكون التحدي أكبر مع تصاعد العنف، ومع ما تكنه بعض الدول الكبرى من مخططات لا نعلم كل خفاياها. لكن السوريين جميعاً باتوا قلقين من المواقف الغامضة والملتبسة التي تبدي دعماً كلامياً للشعب السوري، ولكنها تخاف من انتصار ثورته. وقد كثر حديث بعضها عن القلق على مستقبل الأقليات، والتخوف من الأسلمة والتطرف، ومن الصوملة والأفغنة، وكل ذلك يجعل الشعب السوري يخشى أن تكون هذه الأوهام المفتعلة ذرائع لتمرير خطط قد تظهر فجأة لتقضي على حلم السوريين بوطن مستقر ينعمون فيه بالحرية والكرامة.

وهذه الذرائع مجرد فزاعات لا وجود حقيقياً لها على أرض الواقع، فالتلويح بالخوف على الأقليات افتعال لمشكلة غير موجودة، فالسوريون الذين صهروا حضارات العالم في ثقافتهم العريقة عاشوا أسرة واحدة لم تفرقها الأديان والمذاهب عبر التاريخ إلا حين كان الغزاة يفتعلون ذلك، كما حدث يوم الغزو المغولي والصليبي والانتداب الفرنسي، ولم تنجح قط خطط التفرقة، لأن التفاعل الاجتماعي السوري كان أقوى من كل الفتن التي أثارها الغزاة.

ولقد عبرت هذه الأقليات عن انتماءاتها الوطنية الأصيلة، وعن انصهارها في اللحمة الوطنية منذ أيام جبلة بن الأيهم إلى أيام فارس الخوري وسلطان باشا الأطرش وصالح العلي إلى أيام جورج صبرا وميشيل كيلو، وعارف دليلة، وحبيب صالح وسواهم كثير من الذين يعتبرون رموز حركة المواطنة اليوم. وأما الأكراد - وأخصهم لكثرة ما يشاع عن طموحات بعضهم- فهم في قلب هذا النسيج وفي شريانه، من قبل عهد صلاح الدين الأيوبي إلى عصر إبراهيم هنانو، وصولاً إلى عصرنا اليوم، حيث اختار السوريون عبدالباسط سيدا رئيساً للمجلس الوطني قبل الشيخ معاذ الخطيب، وحيت يختارون اليوم أول رئيس لحكومة الثورة غسان هيتو وهما كرديان.

ولا أنكر أنني أغالب حرجاً في ذكر هذه التفاصيل وذكر الأسماء ببعدها الرمزي، ولكننا بتنا مضطرين أن نرد على من يفتعل خوفاً على الإثنيات والطوائف والأعراق ليمهد لطرح أفكار خبيثة، تحلم بالتقسيم أو المحاصصة، وتجعل نتائج الثورة كارثية على السوريين جميعاً.

وأما القلق من التطرف ومن الجبهات المسلحة فهو كذلك مفتعل، لأن الشعب السوري مضرب المثل عالمياً في تقديم الإسلام المعتدل، وهو الذي قدم عبر القرون نموذج الوسطية التي جعلت الإسلام راسخاً في عقول ووجدان السوريين. ولئن كانت بعض القوى قد أدخلت إلى الساحة السورية بعض المتشددين، فإنهم لا يشكلون أية ظاهرة خطيرة على المستقبل، لأن الحاضنة الاجتماعية الوسطية المعتدلة لا تقبل أي فكر متشدد أو متطرف. ويبدو أن كثيراً من الوهم والمبالغة يشوب التوصيف الراهن، إن من حيث العدد، أو من حيث قوة الحضور، وينبغي أن يفهم المراقبون أن لجوء الثائرين والناس عامة إلى الدين في ساحات الموت والشهادة أمر طبيعي، لأنه يشكل طاقة إيمانية ودافعاً روحانياً، ولولا إيمان الناس بربهم لما تمكنوا من الصبر على ما يذوقون من بلاء وفواجع غير مسبوقة. وينبغي أن يفسر هذا التدين في مساره التاريخي والوجداني دون التباس أو تزييف أو تهويل. وحسب السوريين مرجعية أنهم شهدوا ولادة أول دولة عربية مدينية أسسها الأمويون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أبنائهم في دمشق، وهي التي نشرت الإسلام بتمثل حضاري لكل ثقافات العالم في عصرها.

وأما تحذير السوريين من تحول سوريا إلى ساحة إرهاب، فإن معظم السوريين يدركون أن تردد المجتمع الدولي في دعم ثورتهم بشكل قوي وفعال هو الذي يتيح للفوضى أن تجد بيئة للإرهاب ولو أن الجيش الحر وجد الدعم المطلوب لتمكن من ملء كل الفراغات، وهو جيش وطني بامتياز، ومن يقلق حقاً على مستقبل سوريا، ويخشى من تداعيات الفوضى، فإن الوقاية الممكنة اليسيرة هي في دعم الجيش الحر وتمكينه، وهو القادر في المستقبل على لمِّ شمل الجيش السوري كله، وإعادة بنائه بما يضمن لسوريا أمنها واستقرارها.

وبالطبع لن نستبعد أن يدور حوار سياسي مضطرب بين فصائل الثورة ومكوناتها في المستقبل، ولكنني أتفاءل بأن يفيد السوريون من الدروس والعبر الراهنة في كل البلاد التي سبقتهم، مثل تونس وليبيا ومصر. وأعتقد أن توجه الأكثرية إلى نماذج الدولة السورية في الخمسينيات سيشكل ضمانة لرؤية وطنية قابلة للتطوير، فعلى رغم أن الخمسينيات السورية كانت مرحلة انقلابات عسكرية انتهت باللجوء إلى الوحدة مع مصر، إلا أنها شهدت تجربة ديمقراطية غنية بتنوعها وحيويتها، وشكلت حاضنة للقوى السياسية الوطنية، ولولا أن سمة العصر آنذاك فرضت على سوريا صراعات عسكرية بتداعيات نكبة فلسطين لكانت التجربة الديمقراطية التي أجهضها عهد الوحدة مع مصر قلد بلغت ذروة تضاهي ما بلغته أوروبا. وقد عادت سوريا إلى خبرتها الديمقراطية في فترة الانفصال القصيرة، حيث ابتعد العسكريون عن الحكم وسلموه للمدنيين قبل أن يعود العسكر إلى الحكم عام 1963 ويدفنوا التجربة الديمقراطية في سوريا خمسين عاماً.

ولكيلا لا تكون ولادة الحكومة الثورية الجديدة ترسيخاً لثنائية بغيضة تشكل مشهداً مخيفاً في وجود حكومتين لسوريا ونشيدين وعلمين، فإننا نحث المجتمع الدولي على تجسيد اعترافه بالائتلاف الوطني عبر الاعتراف الكامل بشرعية حكومية واحدة وتمثيل دبلوماسي واحد. ومع ثقتنا بصمود شعبنا وقدرته على تحقيق النصر، فإننا نتفاءل بأن يحسم المجتمع الدولي تردده، وأن يجد حلولاً سياسية يتوقف من خلالها شلال الدم، ويتم معها الحفاظ على ما تبقى من سوريا قبل أن يجهز عليها التدمير الشامل، مع تحقيق هدف الشعب في انتقال السلطة إليه ليبدأ مرحلة إعادة بناء الدولة والمجتمع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاستبداد في مواجهة الثورة السورية

د. عبدالله تركماني ()

المستقبل

23-3-2013

ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا هو ثورة على الاستبداد السياسي الذي كان منتشراً في عقود مضت، وإذا كان الإبداع الثوري الذي أظهره ربيع الثورات العربية مازالت تجلياته في تصاعد، فإنّ رياح التغيير تعصف في الأقطار العربية كلها، بحيث يمكن أن نقول: إننا دخلنا الموجة الرابعة من موجات التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي سوريا، في بداية السنة الثالثة للثورة السورية، وبعد سيل التضحيات التي قدمها أبناء الشعب السوري وبناته، فإنّ الثورة كغيرها من ثورات الشعوب العربية جاءت من وعي تشكّل في مكان عميق من العقل والوجدان الشعبيين، وهو مكان لم يعد قادراً على تحمّل أو فهم دواعي استمرار الاستبداد المستفحل منذ أربعة عقود.

فعلى امتداد 43 عاماً هيمن نمط من الأجهزة الأمنية الأخطبوطية، التي يبلغ عددها سبعة عشر جهازاً، على مجمل نواحي الحياة السورية، بحيث تم ابتلاع كل المظاهر الأولية لوجود المجتمع المدني السوري. فقد اعتادت السلطة على مصادرة المجتمع وإخضاعه كلياً، وأقامت في سبيل ذلك منظماتها الشعبية كامتداد لسلطتها، بحيث لم يعد من الممكن الحديث عن دولة ومجتمع بالمعنى الحديث. ومرد كل ذلك هو النظام السلطوي الذي حكم البلاد والعباد، والذي تميز بالتماهي بين الدولة والسلطة والمجتمع والحزب، واندمجت كلها في شخصية الحاكم المستبد، بعيداً عن أي مؤسسات رقابية حقيقية، بل بوجود مراتبية تلعب فيها الأجهزة الأمنية الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تقرّب أهل الولاء وتنفّر أهل الكفاءة.

إنّ نظام الاستبداد الذي نصّب من نفسه وصياً على مصالح الوطن السوري تمكّن من سحق وتفتيت بذور الحرية والتعددية السياسية، بدعوى أنها تهدد أمن المجتمع وتضعفه في مواجهة الهجمة الإمبريالية. والمؤلم أنّ سلطة الاستبداد لم تراكم سوى المحن، ولم تنتج سوى الأزمات، بما فيها العزلة الدولية والعربية، مما قاد إلى انسداد كل أفق ممكن لإيجاد حلول ومعالجات ناجعة للأزمات الناشئة في المجتمع السوري.

إنّ الطبعة الوحيدة من الوطنية التي يُطلب من جميع السوريين إعلان ولائهم لها وانتمائهم إليها، والالتحام عبرها بالرئيس والنظام والحزب، بصرف النظر عن موقعهم ومصالحهم وحقوقهم ومستقبلهم، لا تبدو الوطنية فيها مرتبطة بحقوق وواجبات ومصالح ومسؤوليات والتزامات تخص الجميع وكل مواطن، وتحتمل النقاش والتطوير والتجديد والتحسين، وإنما سقف تفرضه مقتضيات أمن النظام، ويتجسد عبر تعزيز القيود والحدود التي تؤمّن وحدها الوحدة والالتحام والانتظام.

وهكذا، في ظل احتكام سلطة الاستبداد إلى الخيار الأمني، كما وجدناه منذ انطلاق الثورة السورية في 15 آذار 2011، وغياب أي أفق حقيقي لإجراء إصلاحات عميقة، وصل الشعب السوري إلى قناعة مفادها أنّ انتهاء ثورته من دون الحصول على نتائج سياسية حقيقية، تنطوي على تفكيك النظام الأمني والتوجه نحو نظام سياسي معاصر قوامه عقد اجتماعي وسياسي جديد يقوم على تعددية سياسية حقيقية ومؤسسات تؤمّن الكرامة والحرية للمواطن السوري، سيؤدي إلى الانتقال لمرحلة أسوأ مما كانت عليه الأمور قبل بداية الثورة.

إنّ الثورة السورية تتصاعد وهي تشطب كل يوم أساطير شاعت عن المؤامرة الخارجية، وعن الجهات الداخلية التي كادت تبدو كأنها ميليشيات علنية مسلحة، أو خلايا سرية نائمة استفاقت فجأة لحظة اندلاع الحراك الشعبي. ويبحث نشطاؤها عن أفضل السبل لتفكيك "مملكة الخوف" وإعادة بناء جمهورية المواطنة، والانتقال بسوريا إلى دولة مدنية ديمقراطية لكل أبنائها.

إنّ عناد الديكتاتور السوري ووحشيته جعلا من الثورة السورية مدرسة في البطولة والتحدي، ففي مدن سورية وبلداتها وأريافها فرض النظام المتغول أشكالاً نضالية متنوعة، بدأت بالمظاهرات السلمية واتخذت أشكالا عسكرية متعددة للدفاع عن المدنيين العزل.

إنّ أغلب المشكلات التي تواجه سوريا في المجال الداخلي هي من ثمار النهج الذي اتبعه الحزب الحاكم خلال وجوده في السلطة منذ العام 1963 في إقامة نظام استبدادي استئصالي، حين حوّل سوريا إلى دولة فئوية تقودها نخبة من أصحاب الامتيازات الذين يرفضون المساواة بين السوريين. كما أنّ مجتمع الحزب الواحد أشاع حالة من السلبية والعزوف عن الانخراط في الشأن العام، إذ غابت لدى غالبية الأفراد والجماعات المبادرة الذاتية والتفكير المستقل، وحصلت حالة من القطيعة بين أغلبية أفراد المجتمع والنخبة السياسية، بعدما بطشت السلطة بقوى المعارضة وأماتت أي تعبير أو مؤشر على حياة سياسية طبيعية.

إنّ التغيير الشامل في سوريا، بعد سنتين من الحراك الشعبي المتواصل الذي تتسع قاعدته الاجتماعية، وبعد عشرات آلاف الشهداء والجرحى ومئات آلاف اللاجئين إلى دول الجوار وملايين النازحين داخلياً، أصبح مهمة إنقاذية لا تقبل التردد ولا التأجيل، وأي محاولة إلى إفراغه من محتواه الحقيقي، أو محاولة تقزيمه إلى إصلاح جزئي، أو تغيير أشخاص بآخرين، أو تلميع صور عتيقة، لن تفعل إلا أن تفاقم الأوضاع السيئة اصلاً، وتضع سوريا على حافة المجهول. وبالتالي فإنّ تعثر تلبية مطالب التغيير هو مجازفة خطيرة بمستقبل الدولة والمجتمع في سوريا. فالحاجة ملحة إلى إعادة بناء السلطة على أسس جديدة تعطي الدولة طابعاً آخر يوحد المطامح الوطنية العامة، ويؤسس لفاعلية جديدة تستوعب مكوّنات المجتمع كافة.

إنّ نجاح أي مشروع للتغيير في سوريا مقدماته الضرورية تقوم على الانتقال من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي، بما ينطوي عليه ذلك الانتقال من إلغاء كل القيود على الحريات الديمقراطية، وعلى الدعوة إلى استقلال القضاء وسيادة القانون، بما يضمن قيام دولة حق وقانون عادلة وقوية، دولة المواطنين الأحرار، من خلال صياغة معادلة جديدة في الحياة الداخلية تأخذ بالاعتبار تعاظم التحديات، في ظل علاقة بين السلطة والمجتمع قائمة على القناعة والثقة والتفاعل الحر، علاقة مقننة في إطار عقد اجتماعي جديد يوفر الشفافية والمؤسسية والقانون، هي وحدها الكفيلة بوضع سوريا على أولى درجات الإصلاح والتغيير المنشودين، وإلا فإننا أمام حالة إعادة إنتاج الماضي بكل مآسيه.

ولن ينعم المجتمع السوري بلحمة وطنية صحية إلا في حال البدء بتحرير السياسة من السيطرة الشمولية للسلطة، من الوصاية والنمطية، ومن سيادة الرأي الواحد والصوت الواحد والحزب الواحد، بما يعني الاستعداد لخطوات جريئة، على صعيد حقوق المواطنة والعدالة وسيادة القانون، والقبول بالتعددية والاختلاف كمقدمة لا غنى عنها لصياغة عقد اجتماعي متوازن يوفق بين نزاعات بشر تتباين همومهم ومصالحهم، ويضمن للجميع حقوقهم على قدم المساواة في المشاركة السياسية وإدارة الشؤون العامة.

ويبدو أنّ رفض الاتعاظ من مصائر المستبدين السابقين هو لعنة مسلطة على رؤوس الأنظمة المستبدة التي لا تنتهي إلا وفق سيناريوهات تراجيدية ومأسوية كان يمكن تجنبها بكل تكاليفها وتداعياتها مبكراً فيما لو اتعظ الطغاة، ولكن هيهات أن يفعلوا. فالنظام السوري، وهو يمعن في قتل الأبرياء ويحاول تخليد وحماية عرش سلطوي انتهت أيامه ودالت دولته، لا يقرأ التاريخ ولا يحسب حساب المتغيّرات، وهو بالتالي لا يقيم وزناً ولا احتراماً لدماء الشعب الذي يحكمه، ولا حرمة لأرواحه، وهو يبحث عن انتصار تاريخي مزيف على شعبه، وذلك معناه نهايته الحتمية التي لن تختلف عن نهايات الطغاة عبر التاريخ.

وبذلك فإنّ الثورة السورية تتجاوز ساحتها الأصلية لتتحول إلى الأداة الأهم في تغيير المشرق العربي ورسم صورته لعقود طويلة مقبلة، وربما هذا بالذات ما يجعلها على تلك الدرجة من الصعوبة وما يزيد من الآمال المعلقة عليها.

() كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تحدي “استقلالية” قرار الثورة السورية

التعامل مع مفهوم الاستقلالية لايكون بمنطق إنكار الطبيعة المعاصرة للعلاقات الدولية بشكلٍ كامل، ولا بعقلية الانغلاق على الذات، ولا بإنكار حتمية وجود المصالح المشتركة

د. وائل مرزا

الأحد 24/03/2013

المدينة

كثيرةٌ هي التحديات التي تواجه الثورة السورية، لكن تحدي الحفاظ على (الاستقلالية) بحساباتها وموازناتها الشاملة قد يكون أكثرها خطورةً وأهمية.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار الموقع الاستراتيجي لسوريا فإن التعامل مع هذا التحدي كان وسيبقى مهمةً لايمكن الهروب منها بأي شكلٍ من الأشكال.

فهذا البلد يقع في القلب من أكثر المناطق الإقليمية في العالم حساسيةً على جميع المستويات. وثمة تقاطعٌ معقدٌ في مصالح دول إقليمية وعالمية حين يتعلق الأمر بالقضايا العديدة المتعلقة بسوريا ودورها في المنطقة. من هنا، فإن ضمان المصلحة الوطنية السورية العليا لايتحقق بتجاهل تلك الحقيقة ومقتضياتها، ولا بالإصرار على مفهومٍ سكونيٍ انعزالي لموضوع الاستقلالية.

بل إن الأمر على العكس من ذلك تماماً. فنحن نعيش عالّماً لم تعد العزلة فيه فعلاً بشرياً ممكناً. ومامن إمكانيةٍ على الإطلاق لأن نغلق على أنفسنا الأبواب والنوافذ، ونعتقد أن هذا هو السبيل إلى ضمان الاستقلالية. وإذا حاولنا القيام بذلك، في عالمٍ سقطت فيه الحدود والحواجز ثقافياً وإعلامياً واجتماعياً واقتصادياً، فإن النتيجة ستكون أشبه بوجود فريسةٍ في خلاءٍ مفتوح تنتظر صيادها بعجزٍ وسلبية. إذ لن يتوقف العالم عن محاولة التدخل في شؤوننا والتأثير في توجهاتنا، بل والعمل على صياغة حاضرنا ومستقبلنا.

لهذا، يكمن البديل في أن نعترف بأننا نعيش في عالمٍ يموج بأعاصير المصالح، وفي أن ننتقل بوعيٍ إلى موقع الفاعل المُبادر، بدلاً من أن نكون مجبرين على التعاطي مع العالم بمنطق ردود الأفعال.

وإن نظرةً إلى الموضوع تنطلق من فهم الواقع الدولي وموازينه، وتنبع من الثقة الحقيقية بالنفس، وتتمحور حول إدراك مناط المصلحة الوطنية السورية العليا، يمكن أن توظف بفعالية مفهوم الاستقلالية بحيث تحقق تلك المصلحة المنشودة.

وإذا كانت تلك حقائق معادلة الاستقلالية في الأوضاع العادية، فإن المسألة تأخذ أبعاداً أكبر في ظروف الثورة التي تعيشها البلاد حالياً.

فالاستقلالية كمبدأ، وبدلالاتها العامة، مطلوبةٌ بشكلٍ لايقبل المساومة والحوار. وبعد عامين من العطاء والتضحية في سبيل الاستقلال من نظامٍ هو الأكثر دمويةً في تاريخ البشرية المعاصر، لايمكن لقوةٍ في العالم أن تحلم بأن يوجد في الشعب السوري من يستطيع أن يساوم على استقلاليةٍ كانت لاتزال وستبقى العنصر الأول في تحقيق ذلك الاستقلال المنشود.

لن تؤرق هذه الحقيقةُ الغالبيةَ العظمى من العاملين للثورة والمشاركين فيها، لأنهم ليسوا أصلاً في وارد التفكير بمثل تلك الممارسة. لكننا نعيد التذكير بها هنا للتأكيد بأنها سوف تكون سيفاً مُسلطاً على كل من تسوّلُ له نفسه ممارسة الارتهان الذاتي لإرادةٍ تضرّ بالثورة، فضلاً عن محاولة رهن القرار العام لمثل تلك الإرادة.

لكن التعامل مع مفهوم الاستقلالية لايكون، كما أوضحنا أعلاه، بمنطق إنكار الطبيعة المعاصرة للعلاقات الدولية بشكلٍ كامل، ولا بعقلية الانغلاق على الذات، ولا بإنكار حتمية وجود المصالح المشتركة، والغفلة عما يُقدّمه الآخرون، وعن إمكانية الوصول إلى تصوراتٍ مبتكرة وخلاقة لتحقيق تلك المصالح.

ولتأكيد الكلام وتوضيحه، فإننا ندرك مُقتضيات الواقع العالمي والإقليمي المعاصر، وما يفرضه من حدود وحسابات وتوازنات ومعادلات حسّاسة.. ونعترف بحقيقة وجود المصالح والاحتياجات والأدوار المتبادلة في عالم العلاقات الإقليمية والدولية.. غير أن علينا أن ننتبه وننبّه كل من له علاقة، أن قراءة منطق التاريخ ، تُبيّنُ أن هذا الواقع، مهما كانت طبيعتهُ، إنما هو في النهاية بَوتقةٌ و وعاءٌ إنسانيٌ لمجموعةٍ ضخمة ومتنوعة من الخصوصيات المحلّية التي تُشكِّلُه، وأنّ من قوانين العلاقات الدولية والإقليمية الأساسية، أن لكلٍ من تلك الخصوصيات وزناً ودوراً وتأثيراً يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار.. ولايصحُّ تجاوزهُ والقفز عليه بسهولة.. وأن الخصوصيات المحلية، الثقافية منها والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تَرسمُ أحياناً، وبعد استنفادِ كلّ ما فيها من مرونة.. سقفاً لا يُمكن تجاوزه لا من قِبلِ اللاعبين المحلّيين، ولا من قِبلِ اللاعبين الإقليميين والدوليين..

أهمُّ من هذا كله، يجب علينا الانتباه إلى أن التعامل بواقعية مع الحقيقة السابقة بحدّ ذاتها هو الذي يحفظ كثيراً من التوازنات والمعادلات التي أشرنا إليها قبل قليل،وهو الذي يحفظ، بالتالي، المصالح المشتركة..

ثمة حساباتٌ سياسية واجتماعية وثقافية وأمنيةٌ معقدة يجب أن تحصل في معرض أخذ القرارات المصيرية، فليس الأمر أمر عنادٍ من جانب، كما أنه لايجب أن يكون مجرد استجابةٍ تتعلق بمطامح فردية أو رؤيةٍ مجتزأة من جانبٍ آخر.

وفي نهاية المطاف، فإن على الأصدقاء الخُلّص للشعب السوري أن يدركوا أن الشرائح الفاعلة في الثورة السورية بشكلٍ عام، وفي المعارضة السياسية تحديداً، تُدرك تماماً حجم الدعم المقدم للثورة. أكثر من هذا، تدرك تلك الشرائح بشكلٍ دقيق مفاصل التداخل بين مصلحة الشعب السوري وثورته من ناحية، والمصالح الاستراتيجية للأصدقاء الخُلّص من ناحيةٍ أخرى..

وإذا كان الإصغاء لنصائح الأصدقاء طبيعياً، فإن (أهل مكة يبقون أدرى بشعابها) كما يقول المثل العربي العريق. وبالتالي، فإن اتخاذ القرارات النهائية بالنسبة للقضايا الحساسة تحديداً يتطلب معرفةً عميقة وتفصيليةً وشاملةً بتلك الشعاب لن يقدر على الإحاطة بها إلا أهل البيت..

والأرجح أن تكون هذه المعرفة سبباً للوصول إلى قرارات تحقق فعلاً تلك المصالح المشتركة. في حين يمكن أن يتسبب الاعتماد على معلومات جزئيةٍ لصناعة القرار في ضياع تلك المصالح على جميع الأطراف.. ومع تسارع الأحداث في كل مايتعلق بالثورة السورية، فإن شيئاً من الصبر الجميل قد يُظهر صدقية هذا التحليل بكل وضوحٍ وجلاء..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أبعد من الخرائط الميدانية للصراع في سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

24-3-2013

كانت بداية السنة الثالثة للثورة السورية فرصة للحديث عن الواقع الميداني للصراع بين النظام والمعارضة المسلحة، وفي إطار ذلك طرحت خرائط ميدانية للصراع، وبدا أن الهدف الأساسي للحديث عن الواقع الميداني وفق خرائط الصراع إعطاء صور تفصيلية عن توازنات القوة على الأرض عبر مقارنة مكثفة بين ما يسيطر عليه النظام بجيشه وقوات أمنه، وما تسيطر عليه قوى المعارضة المسلحة من مساحات في المحافظات والمدن والقرى والأحياء، وبالتالي حساب مقدار الربح والخسارة في صراع الطرفين، وتقدير مستقبل الصراع بينهما.

لقد أشارت الخرائط الميدانية للصراع، التي جرى طرحها أو رسم ملامحها، إلى تقاسم السيطرة على الأرض، حيث إن القسم الأكبر من مساحة البلاد، والممتد في شرق وشمال ووسط البلاد شاملا معظم محافظات الحسكة ودير الزور والرقة وحلب وإدلب، وأجزاء من محافظات حمص وريف دمشق ودرعا، يقع تحت سيطرة قوى المعارضة المسلحة، والقسم الثاني هو الأقل مساحة، ويمتد بصورة أساسية عبر الشريط الساحلي من طرطوس إلى اللاذقية وجبالهما، وتلحق به مناطق تمثل جيوبا في مدن وقرى في خط الوسط السوري مثل حماه، إضافة إلى مدن الجنوب الكبرى دمشق والسويداء ودرعا، التي تسيطر عليها قوات الأمن والجيش الموالية، والقسم الثالث في خرائط الصراع، وهو الأقل مساحة، يقع خارج سيطرة الطرفين السابقين من المعارضة والسلطة، ويمتد في المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال شرقي البلاد وجزئيا في مناطق الشمال السوري، وهو قسم أقرب في توجهه إلى المعارضة منه إلى السلطة. والخلاصة الرئيسية التي تشير إليها أو تؤكدها خرائط الصراع، وما صاحبها من تحليلات، تفيد بأن ثمة سيطرة متوازنة أو شبه متوازنة بين السلطة والمعارضة على الأرض، وهذا يجعل الصراع ممتدا في المستقبل، بل وقد يجعله أيضا صعبا على الحل في الأفق القريب.

ورغم أهمية تلك الخرائط باعتبارها ترسم لوحة الصراع السوري، وضرورة أخذ ما تطرحه من خلاصات بعين الاعتبار في واقع الأزمة واحتمالاتها، فلا بد من إشارة إشكالية تتصل بتلك الخلاصات باعتبارها مبنية على معطيات جامدة تبرزها الخرائط، أكثر مما تعتمد على حقائق أساسية في مقدمتها أن هذه الخرائط ليست ثابتة ونهائية، بل هي خرائط متحركة، يمكن أن تتغير بين أسبوع وآخر، بل بين يوم وآخر، وهو ما تؤكده وقائع الصراع العسكري على الأرض. فقبل أسابيع فقط كانت الرقة ومناطق من ريف حلب ودمشق ودرعا تحت سيطرة قوات النظام، لكنها انتقلت جميعها لتصير تحت سيطرة قوات المعارضة، ويمكن القول إن تطورات في هذا الاتجاه سوف تتزايد بعد التطورات الجارية في اتصالها بقوى المعارضة المسلحة، والتي تؤكد المعلومات أن تسليحا وتدريبا نوعيا أخذ يدخل في نسيجها، وأن زخما سياسيا يعزز موقفها وإرادتها في ضوء قيام الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بتشكيل حكومة، لاقت كثيرا من الارتياح الإقليمي والدولي، وكلها سوف تساعد في حدوث متغيرات على الخريطة الراهنة للصراع، تجعل من الممكن تمدد المناطق التي تسيطر عليها قوى المعارضة، وتراجع مساحة المناطق التي يسيطر عليها النظام.

والملاحظة الثانية في موضوع الخرائط أنها لا تعكس بصورة حقيقية روح وموقف سكان المناطق التي يسيطر عليها النظام، وبالتالي فإنها لا تعكس جدية وجدوى تلك السيطرة وقيمتها الفعلية. فمن المؤكد أن ثمة فرقا كبيرا بين سيطرة قوات النظام على محافظة درعا وسيطرتها على طرطوس، حيث الأولى بؤرة الثورة على النظام، فيما الثانية لها مظهر المدينة الموالية، مما يجعل سيطرة النظام في درعا تماثل سيطرة الاحتلال ليس إلا، والحالة في دمشق تقارب صورة سيطرته على درعا، وهي سيطرة أمنية محضة، ومثلها سيطرته على مدينة حماه في الوسط، وفي أغلب المناطق التي ما زال النظام يسيطر عليها. هناك بنى اجتماعية وسياسية، تشكل حاضنة للمعارضة المدنية أو للمعارضة المسلحة، أو هي رافضة لسياسات النظام وسلوكياته في القتل والتدمير اللذين لا يحيد عنهما.

أما الملاحظة الثالثة، التي لا تراعيها خرائط الصراع في سوريا، فإنها تتعلق بالمسار الطبيعي للصراع والذي تكرس خلال العامين الماضيين، وهو تقدم الحراك الشعبي بأشكاله المدنية والمسلحة مقابل تراجع النظام، مما جعل مصير النظام محسوما في كل الاحتمالات بعد كل ما فعله من أعمال قتل ودمار، فقد من خلالها كل أهلية سياسية وقانونية وأخلاقية للاستمرار في السلطة، خاصة أن ذلك تم تحت سمع وبصر العالم، والمعارضة هي القوة الوحيدة المرشحة لوراثة النظام، وهي تحظى بتأييد ودعم قوى إقليمية ودولية واسعة، عبرت عن نفسها وموقفها مرات ولا تزال في المستويين السياسي والعسكري.

وسط تلك الملاحظات، يمكن القول إن خرائط الصراع في سوريا، وما ظهر على جمودها من تحليلات، وما تم الوصول إليه من نتائج، يمكن أن يكون بعيدا عن الحقائق الموضوعية والتقديرات الصائبة، لأن تلك الخرائط ليس ثابتة، ويمكن أن تتبدل بين وقت وآخر، والأهم أنها لا تتضمن ولا تلاحظ روح السوريين وموقفهم من سيطرة النظام على مناطقهم، ولا طبيعة الأزمة، التي تؤكد أن النظام إلى سقوط، وإن احتاج بعض الوقت، وأن معارضيه يسيرون إلى نظام جديد يولد على أنقاض النظام الحالي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من الذي أوصل سوريا إلى هذا الحال؟

فيصل القاسم

    أخر مشاركة: 24/03/2013

الشرق القطرية

إذا أردت أن تتعرف على حقيقة الوضع في سوريا منذ بداية الثورة وحتى الآن، فلا تتحدث إلى المعارضين كي لا يتهمك أحد بأنك تستقي معلوماتك من طرف غير محايد، بل تحدث إلى المؤيدين العاقلين، بشرط أن تكون معهم على انفراد دون تسجيل أو تصوير، أو حتى موبايلات. لا شك أنك ستسمع انتقاداً عنيفاً لتصرفات النظام أعنف بكثير من انتقادات المعارضة. يقول رجل أعمال سوري كان على علاقة وثيقة للغاية بالنظام: "إن الأزمة السورية كان يمكن تفاديها بسهولة منقطعة النظير"، فقلت له: "كيف"، فقال: "لو كانت لدى القيادة ذرة حكمة بعد أحداث درعا الأولى، لذهب الرئيس برفقة زوجته إلى هناك لتبريد الأمور، خاصة أنه قبل أيام فقط كان يتجول هو وزوجته في قرى السويداء وسط إعجاب كبير من قبل السكان هناك دون أن يكون هناك أي سبب للزيارة سوى التعرف على أحوال الناس. فلماذا ذهب إلى السويداء في زيارة تفقدية، ورفض الذهاب إلى درعا، مع العلم أن الوضع في درعا خطير للغاية، ويمكن أن يتسبب في كارثة لا تحمد عقباها؟ لو توجه الرئيس إلى درعا ليقول لأهالي الأطفال الذين عذبتهم أجهزة الأمن، وأساءت إلى ذويهم بأن ما حصل كان خطأ، وأن المخطئين سيتعرضون للحساب لتم دفن الفتنة في مهدها".

 يتنهد المؤيد، ثم يتابع قائلاً: "لو كنت محل الرئيس وقتها لأتيت بمحافظ درعا ورؤساء الفروع الأمنية المتورطين في الحادث، وشنقتهم في وسط المدينة أمام أعين السوريين، فأكون بذلك قد ضربت عصفورين بحجر واحد، أولاً أكون قد قمت بتهدئة نفوس أهالي درعا، وثانياً فتحت صفحة جديدة في تاريخ سوريا تتمثل في توجيه رسالة للجميع بأننا نجاري الربيع العربي، وأن الزمن الأول تحول، وأن لا حصانة لأحد بعد اليوم، حتى ابن خالتي عاطف نجيب الذي كان رئيساً لفرع أمني في درعا. ولا شك أن ذلك الإجراء البسيط كان سيلقى رد فعل رائعاً من السوريين، وكان سيؤمن للرئيس حكماً لمدة عشرين سنة قادمة على الأقل".

"لكن الذي حصل"، والكلام لرجل الأعمال المؤيد، "أن النظام ركب رأسه، وأخذته العزة بالإثم، فأقنعه بعض المجرمين بأن عليه المواجهة، لا الاعتذار، مع أن الاعتذار كان سيجنب سوريا هذا الدمار والانهيار الرهيبين اللذين لم تشهدهما البلاد في تاريخها. وبدلاً من التهدئة، ظهر الرئيس في خطابه الأول مهدداً الشعب السوري بالويل والثبور وعظائم الأمور في مجلس الشعب، وقال إنه جاهز للمعركة مع الشعب المنتفض، بدل أن يقول إنه مستعد للنزول عند رغباته. والأنكى من ذلك أنه لم يترك فرصة أمام أحد، حيث قال للشعب: "إما أن تكون مع الدولة أو تكون ضدها، وهذا يعني أنك عدو جدير بالتصفية، مما فاقم الوضع وجعله يزداد اشتعالاً. لا بل إن الرئيس قال بلهجة انتقامية واضحة إنه سيعكس حركة دومينو الثورات العربية في سوريا بالاتجاه المعاكس".

 ويضيف رجل الأعمال أنه كان أثناء إلقاء الخطاب في مجلس الشعب يتناول الغداء في بيت صديق له مؤيد للنظام، فعندما سمعا الخطاب توقفا عن الأكل، لا بل إن صديقه خرج من الغرفة وبدأ يلطم قائلاً: "سوريا ستخرب". وهذا الذي حصل، فبعد أسابيع قليلة نزل الجيش إلى الشوارع، وبدأ العنف الدامي، ناهيك عن أن الدولة جندت حثالات المجتمع من قتلة ومجرمين وقطاع طرق وساقطين اجتماعياً وسجناء خطرين قدامى للتصدي لأي حراك شعبي، وكأنها بذلك تسكب الزيت على النار، وتستفز الشعب كي يثور.

لكنني ما لبثت أن سألت رجل الأعمال المؤيد: "لكن النظام يا صديقي يقول إن الجماعات الإرهابية المسلحة كانت تريدها حرباً مع الدولة منذ البداية، وإنها حفرت أنفاقاً وكدست أسلحة لهذه الساعة منذ عشر سنوات"، فضحك صديقي قائلاً: "مثل هذا الكلام يدين النظام أكثر مما يبرئ موقفه. وكم هو مضحك عندما تسمع المؤيدين وهم يؤكدون أن اللجوء إلى الجيش في الأسابيع الأولى لم يكن لإخماد الاحتجاجات الشعبية المشروعة، بل لمواجهة الجماعات المسلحة التي بدأت بالتخريب والاعتداء على الجيش منذ اليوم الأول. وأنا سأتفق مع هذه الرواية جملة وتفصيلاً. لكن السؤال: أين كانت أجهزة الأمن السورية المشهورة عالمياً ببراعتها وقدرتها على مراقبة دبيب النمل عن تلك "الجماعات المسلحة الخطيرة"، وعن تلك "المخططات الجهنمية" لتلك الجماعات لإشعال سوريا والاعتداء على جيشها وقتل شعبها؟ لماذا لم تتم معاقبة شخصية أمنية واحدة على مدى عامين من الذين يمسكون بزمام الأمن في سوريا منذ عشرات السنين؟ لماذا تم ترفيع بعض الشخصيات إلى مناصب عليا رغم فشلها الذريع في كشف "الجماعات المسلحة" و"الإرهابيين" الذين كانوا يتربصون بسوريا منذ عشرات السنين، ثم وجدوا في الاحتجاجات الشعبية فرصتهم لتنفيذ مخططهم؟ وحتى لو كانت هناك مؤامرات، وليس مؤامرة واحدة على سوريا، ألم يسقط النظام في كل أشراك المؤامرات التي نصبوها له بخفة عجيبة، وبرعونة عز نظيرها؟ ألم يتصرف كالفيل الهائج في محل للأواني الزجاجية؟"

ويضيف المؤيد أن النظام بدل أن يهدّئ الانتفاضة الشعبية راح يعمل على عسكرتها وتحويل مسارها السلمي إلى عنفي دموي، بدليل أن نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع قال في مقابلته الشهير قبل فترة مع صحيفة لبنانية إن الدولة كانت تتوسل رؤية شخص واحد يحمل السلاح على مدى ستة أشهر، لكنها لم تجد. بعبارة أخرى، فالنظام كان يتوق إلى عسكرة الثورة كي يجد مبرراً للقضاء عليها، لكن النتيجة أنه قضى على سوريا، بينما ازدادت الثورة توسعاً وقوة". وكأن أخانا المؤيد يذكرني بالقول الشهير: "من يصنع الأشباح تظهر له".

لماذا تحدى الرئيس السوري في خطابه الأول المنتفضين، وضرب عرض الحائط بكل النصائح الإصلاحية الحقيقية التي وجهها له العقلاء من الحكام العرب في الأيام الأولى من الثورة، ثم راح الآن بعد عامين من الدمار يعرض على معارضيه الحوار؟ لماذا لم يحاورهم قبل أن يحملوا السلاح في وجهه؟ لماذا لم يفكر بالحوار إلا بعد أن فقد السيطرة على معظم البلاد، وانحصر في دمشق ليصبح أشبه بمحافظ دمشق الصغرى، كما وصفه صديقه القديم المفكر السوري صادق جلال العظم؟ أليس في ذلك اعتراف بأن النظام كان مخطئاً في إدارة الأزمة، وأن كل ما حصل حتى الآن من خراب ودماء وانهيار هو المسؤول عنه بسبب تعنته وغطرسته وعناده الرهيب وانسياقه وراء شركاء السوء كإيران وروسيا والعراق؟

ليت النظام فهم المثل السوري الشهير: "دخول الحمّام ليس كالخروج منه"!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل أنجزت المعارضة السورية كل ما عليها ولم يبق إلا تشكيل الحكومة؟

بقلم الطاهر إبراهيم

كاتب سوري

النهار 2013-03-23

 

الحراك الشعبي في سوريا، ومنذ اليوم الأول لثورة الحرية والكرامة كان عفويا، ونموذجيا. في الوقت نفسه كان رد فعل النظام متوحشا عنيفا كما حدث في درعا منذ يوم الجمعة الأولى وحتى الآن، بينما كان تصرف المتظاهرين في الشارع منضبطا. سقط الشهداء واعتقل المتظاهرون. بقي التظاهر سلميا في كل المدن السورية، ولم يكن أمام المتظاهرين إلا هذا السلوك، فلم تكن أجندتهم تسمح بالرد على إجرام النظام حتى لا يعطوا الذريعة للنظام، ولأنهم لا يملكون السلاح فيما لو أرادوا أن يردوا على الرصاص بالرصاص.

التظاهر السلمي كان طابع تلك الفترة. الجيش الحر لم يكن يشكل إلا حيزا صغيرا من المشهد. كان معارضو الخارج والداخل يراقبون الوضع عن كثب. كان عليهم أن يتجمعوا، لكنهم كانوا من مشاربَ شتى. كان عليهم أن يرفدوا الحراك السلمي، وكان بعضهم  يبحث عن دور.

في ظروف ملتبسة وبشكل منفرد أعلنت مجموعة معارضة عن تشكيل مجلسها الوطني الخاص في 15 أيلول 2011. ذهبت لتفاوض بعض الطيف المعارض، واستطاعت أن تفرض رؤيتها، وأعلن عن تشكيل المجلس الوطني في 2 تشرين أول 2011، وكان للمجموعة نصيب الأسد فيه، لكن شخصيات معارضة كثيرة أقصيت عن المجلس الوطني.

مع الأيام أضيف الى المجلس آخرون من دون أن يكون هناك ضابط يضبط الطريقة التي يتم فيها إضافة هذا العضو ورفض ذاك. تضخّمَ العدد وكثرت مؤسسات المجلس الداخلية حيث عيّن فيها أناس مقربون من هذه الجهة أو تلك. عاش المجلس صراعا مكتوما حول النفوذ فيه، ما أضاع عليه خدمة المهمة الأولى له وهي كيفية رفْد الحراك الداخلي. وربما كان تشكيل “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” في تشرين الثاني 2012 منقذا للمجلس الوطني من تقديم “كشف حساب” كان عليه أن يقدمه للسوريين بعد عام، لم ينجز فيه إلا ما لا يكاد يذكر.

لكي يقبلوا المشاركة، أصرّ أعضاء المجلس الوطني على أن يكون لهم 40% من جسم “الائتلاف”. هذا وضع عبئاً آخر غير المهمات الوطنية الملقاة على المكون الجديد، إذ أصبح صوت المجلس الوطني قويا. ما أشعر الائتلاف أن نوعا من وضع العصي في العجلات يقوم به أعضاء في المجلس الوطني ممثلون في الائتلاف بعد أن شعروا بأن البساط سحب من تحت أقدامهم وأن المجتمع الدولي ما عاد يكيل في مكيالهم. كان على “الائتلاف الوطني” أن يتحاشى المطبات التي اعترضت طريق المجلس الوطني من قبله. 

رئيس الائتلاف الوطني “أحمد معاذ الخطيب” شعر، وآخرون معه، بأن المجتمع الدولي يريد أن يفرض على “الائتلاف الوطني” أجندة غير تلك التي ثار من أجلها الشعب السوري. فما هي تلك الأجندة التي لا يريدها الشعب السوري، وما هي التحديات التي تعترض طريقه؟

لعل أهم تلك العقبات التي تتم بفعل دولي، هي دحرجة الصخور في طريق الثورة، ليس تجفيف موارد الأسلحة من بين أيدي الجيش الحر فحسب، بل وصرف الثوار عن العمل على إرغام النظام على الرحيل، طوعا أو كرها، تمثل ذلك بسعي واشنطن وموسكو لتشكيل حكومة انتقالية حسب “وثيقة جنيف”، التي لا يعرف أحد من الثوار لمن تكون الكلمة العليا فيها.

تشكيل حكومة مؤقتة أمر مطلوب لكن على أن تحدد مهماتها ابتداء، وليس فقط أن تقوم الحكومة بتعيين مندوب يشغل مقعد سوريا في الجامعة العربية، ثم تضع يدها على خدها لا تدري ما هي الخطوة التالية. وهنا يصبح التساؤل مشروعا: هل أنجزت المعارضة السورية كل ما كان عليها ولم يبق إلا تشكيل الحكومة؟ صحيح أن مؤتمر روما أعلن أن الائتلاف الوطني ممثل شرعي ووحيد للشعب السوري، إلا أن الصحيح أن هناك من يعتقد أن تشكيل “الائتلاف” لحكومة مؤقتة سيكون افتئاتا على الشعب السوري صاحب الحق في ذلك. فلا بد أن يمهر الشعب السوري هذا الإعلان بموافقته عن طريق ممثليه الشرعيين المنتخبين عن طريق صناديق الاقتراع، وليس هناك حتى الآن من يمثل الشعب السوري بطريقة الانتخاب.

إذا كان تشكيل حكومة مؤقتة له فائدة واحدة أو أكثر فإن تشكيلها له محاذير كثيرة يجب اجتنابها. سوف يقف معارضون سوريون كثيرون من لا يسلم للائتلاف الوطني بتسمية الحكومة المؤقتة. ثم من هو الشخص الذي يمكن أن يحظى باتفاق أكثر أعضاء الائتلاف الوطني، فضلا عن كل المعارضين السوريين، على اختلاف مشاربهم؟ وما الفوائد التي ستجنيها الثورة ككل؟

الخطوة الأهم في نظرنا هي تشكيل سلطة محلية في كل بقعة إدارية (منطقة أو محافظة) تتحرر بشكل كامل، كما حصل عندما تم، مؤخرا، انتخاب مجالس محلية في ريف حلب.

 نذكّر بأن الثورة الجزائرية العملاقة التي كسرت أنف المستعمر الفرنسي وطردته من الجزائر، انطلقت عام 1954 وبلغ عدد الشهداء فيها أكثر من مليون شهيد، لكنها لم تقم بتشكيل حكومة مؤقتة لها إلا في عام 1958 حيث أعلنتها من القاهرة.

صحيح أن جبهات القتال لم يصدر عنها اعتراض على تشكيل الائتلاف الوطني، وأن الائتلاف حصل على موافقة “سكوتية”من فصائل الجيش الحر الذي لم يسمع منه اعتراض. لكن الصحيح أيضا أن الائتلاف لا يضم إلا مجموعة من المعارضين، وهناك أضعافهم خارج الائتلاف.

كان المتوقع أن يعتبر الائتلاف نفسه لجنةً تعمل على تحديد ضوابط وصفات أعضاء لتوسيع الائتلاف، بحيث يضم أكثر المعارضين ومن كل المحافظات السورية، حتى لا يقع الائتلاف في وقع فيه المجلس الوطني من قبل، إذ احتكر النافذون فيه حشد أنصارهم في المجلس. 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مقتل البوطي يكشف عمق الانقسام في سورية

وائل السواح *

الإثنين ٢٥ مارس ٢٠١٣

الحياة

ما إن أعلن عن مقتل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، أهم رجل دين سنّي مؤيد للرئيس بشار الأسد، حتى ضجّت الساحات الواقعية والافتراضية بالخبر وكُتبت عشرات آلاف التعليقات وجَرت آلاف الاتصالات الهاتفية والإلكترونية لنقل الخبر والتعبير عن عواطف السوريين تجاهه.

الصادم هو هذا الانقسام الكبير بين معسكرين من السوريين، رأى الأول في الرجل دمية بيد النظام وذكّر بدعمه المستمر له وبإدانته للثورة واعتبارها عملاً تخريبياً ومتآمراً مع الغرب على سورية وعلى الإسلام، ورفع المعسكر الثاني البوطي إلى مستوى القديسين، وذكّر بعلمه الرفيع ومنزلته العالية في الفقه الإسلامي.

والحق أن أحداً لا ينكر على الرجل عمق معرفته بالفقه الإسلامي ورسوخ قدمه في الدراسات القرآنية، ولكنه كان بالتأكيد مؤيداً للنظام السوري من دون مواربة أو تحسّب. وتحسب عليه كثرة من السوريين وصْفه الرئيسَ الراحلَ حافظ الأسد بـ «صاحب المواقف التي انبعثت عن إلهام رباني»، وابنه البكر باسل الأسد بـ «الشهيد الذي بكت عليه السماء»، والرئيس الحالي بشار الأسد بـ «المعين الذي لا ينضب».

وعندما خرج السوريون إلى الشوارع في آذار (مارس) 2011 طلباً للحرية والكرامة والمساواة، خرج البوطي يقول بحق من ضُربوا وعذِّبوا واعتُقلوا إن «جباههم لا تعرف الصلاة». وكان أول من أعطى ثورة السوريين بعداً طائفياً لم يكن وارداً في حساب المنتفضين، عندما خرج على شاشة التلفزيون ليقول إن الرئيس الأسد وافق على مطالب المحتجين، فأمر بإعادة المنقبات إلى وظائفهن وبإنشاء محطة تلفزيونية دينية ومعهد ديني، على رغم أن أياً من ذلك لم يكن وارداً في مطالب السوريين. وفي خطبته التي عنونها بـ «الإسلام والسياسة»، وألقاها يوم الجمعة 2 كانون الثاني (يناير) 2011، قال البوطي: «لم يشهد التاريخ مؤامرة على الأمة بحجم ما تتعرض له سورية اليوم، بما فيها الحروب الصليبية واحتلال المغول والتتار بلادَ المسلمين». وبعد ذلك بعامين، بقي الرجل على موقفه، فقال في خطبة يوم 4 كانون الثاني 2013 إن كل الذي يجري في سورية «من إرهاب وتخريب للممتلكات العامة والخاصة وقتل للأبرياء على يد المجرمين الحاقدين القادمين من كل أصقاع الأرض يتم تحت غطاء قانون الحقد الذي شرعن كل الوسائل لتدمير الدولة السورية التي وزعت الأمن والسلام على كل جيرانها».

لا يمكن أحداً أن يجزم بهوية من قتل البوطي. النظام اتهم مباشرة المعارضة المسلحة بقتله، بينما اتهمت المعارضة النظام بتصفية الرجل. وبينما قال وزير الأوقاف السوري إن القتلة أرادوا قتل «صوت سورية وحق سورية وصورة سورية وليكسروا به ثبات سورية وصمودها». ودان الشيخ معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني المعارض التفجير ورجح أن يكون النظام هو من قام بذلك.

يصعب تصديق أن النظام قتل داعيته ورجله وأهم مؤيديه من السنّة في سورية، ليس لأن لديه رادعاً أخلاقياً يمنعه، ولكن لأن ذلك يضعف هيبته المنهارة أساساً ويحرمه من سند قوي له في أوساط المتدينين السوريين الذين يكنون للبوطي تقديراً كبيراً.

ليست هذه أول مرة ينقسم فيها السوريون حيال أمر بعينه، فهم منذ اندلاع الثورة متخندقون حول موقفين متناقضين لا مجال للتلاقي بينهما. ولكن الشخصية الرمزية للشيخ البوطي أعطت هذا الانقسام بعداً آخر. فالرجل بتاريخه ومكانته بين المسلمين السنّة في سورية والعالم وبالأربعين مؤلفاً التي تركها خلفه، من جانب، وتأييده غير المحدود أو المشروط لنظامٍ قتل ما يزيد عن السبعين ألفاً من مواطنيه، جعل انقسام السوريين جرحاً غير قابل للاندمال.

وعلى ضوء اغتيال البوطي، ثمة حقائق من الخطأ الكبير تجاهلها. من هذه الحقائق أن النظام السوري واحد من أسوأ الأنظمة القمعية في العالم، فإضافة إلى السوريين الذين قضوا خلال العامين الفائتين، ثمة مليون مهجر في الدول المجاورة وضعفهم من المهجرين في الداخل، ومئات آلاف المعتقلين والجرحى. ومنها أن الثورة السورية بدأت انتفاضة سلمية مدنية ديموقراطية للمطالبة بالحرية والكرامة والمساواة، ولكن جزءاً كبيراً منها انجرف إلى مستوى قد يهدد في المستقبل القصير بدخول البلاد في حرب أهلية كارثية. وبلغ تهديم البنية التحتية مستوى صارت قضية إعادة الإعمار مسألة في غاية الصعوبة إن لم تغد أمراً مستحيلاً على المدى المنظور. ولكن الأدهى هو الخراب في البنية المجتمعية والأخلاقية التي قسمت السوريين عمودياً، وفي شكل يزداد عمقاً ومأسوية في شكل يومي، خراب صار يبرر القتل ويسمح للسوريين بالشماتة بعضهم من بعض حتى في مسائل كالموت والمصائب الكبيرة.

وباتت مصطلحات من مثل «العفس» و«الفطس» هي اللغة السائدة لدى شريحة واسعة من السوريين على صفحات التواصل الاجتماعي، التي أخرجت النميمة من مجالها الضيق المعهود في البيوت والمقاهي إلى مجال علني أوسع وأرحب.

إلى ذلك، فإن غالبية السوريين هي ضد النظام الحاكم في دمشق، ولكن نسبة السوريين التي تؤيد النظام ليست صغيرة لكي لا يحسب حسابها. فالنظام سواء، أحب المعارضون ذلك أم كرهوه، يتمتع بنسبة لا تقل عن 30 في المئة من السوريين. ويزيد الأمور تعقيداً أن هذا الانقسام يتخذ يوماً بعد يوم وجهاً طائفياً ومذهبياً يزيد في الانقسام المجتمعي ويجعل إعادة اللحمة أمراً شبه مستحيل.

من هنا، فإن الأطراف التي تستهتر بالسوريين وبمواقفهم السياسية ينبغي لها أن تعيد حساباتها لأن ما يقف في الميزان الآن ليس النظام السوري ولا عائلة الأسد وإنما الوطن بمجمله. لذلك، فإن استسهال رفض الحوار والمفاوضات حول مستقبل سورية لن يؤدي إلى مخرج من المأزق الدموي الذي يجد السوريون أنفسهم فيه. لقد جاء اغتيال البوطي، إذاً، ليبيِّن حجم الانقسام المخيف في المجتمع السوري، فهل يكون مقدمة لقناعة بأن الأوان قد آن لكي تتم مفاوضات جادة تؤدي إلى رحيل رموز النظام الأساسية، مع حل يضمن وجود وسلامة مكونات المجتمع السوري كافة؟ حل يقوم على العدالة والمساءلة بمقدار ما يقوم على المسامحة والمصالحة، وإدراك أن الحل ليس للثأر من الماضي وإنما لبناء المستقبل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية.. ملاحظات نقدية

التاريخ: 25 مارس 2013

حسين العودات

البيان

ارتكبت السلطة السورية خلال عامين، أي منذ قيام الثورة، كما ارتكب قادة الثورة، أخطاءً عديدة كان من شأنها أن تزيد الأزمة السورية تعقيداً، وتكلف الشعب السوري مئة ألف قتيل على الأقل، ومثلهم وأكثر من المعتقلين، إضافة إلى المفقودين، ومليون لاجئ في البلدان المحيطة، ومليوني مشرد داخل البلاد، وتدمير بلدات وقرى ومدن، إضافة إلى دمار اقتصادي واجتماعي ونفسي، وإقامة حواجز عالية بين التشكيلات الاجتماعية والمذهبية السورية، ودق أسافين تمزق النسيج الاجتماعي السوري.

بدأ الحراك الشعبي بانتفاضات سلمية عمت مختلف المحافظات السورية، وكانت مطالبها متواضعة: استعادة الكرامة التي هدرتها أجهزة الأمن، ورفع القمع والحيف عن الشعب السوري. ولم تلتقط السلطة الظروف الجديدة، فتجاهلت هذه المطالب ثم رفضتها، فرفع المنتفضون سقف مطالبهم إلى توسيع هامش الحرية، ووضع النظام السياسي على طريق الديمقراطية، ومحاربة الفساد.. وأخيراً.

وأمام صلف السلطة وعسفها وعنادها ورفضها أي إصلاح، طالب المنتفضون بتغيير النظام إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي، وصولاً إلى إسقاط جميع رموز السلطة القائمة.

ولم تدرك السلطة لا أحقية المطالب ولا خطورة رفضها، وبدلاً من دعوة تيارات المعارضة وأحزابها وقادة الحراك الشعبي إلى الحوار، قررت مواجهة أمنية كاملة، بل مواجهة عسكرية ضد المنتفضين والمدنيين الأبرياء والأطفال والنساء، وبدأت عملية منهجية لتدمير المساكن والمنشآت العائدة للناس، فتحولت الانتفاضة إلى ثورة.

كان من نواقص استراتيجية المعارضة، أنه لم يكن لها برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي واضح ومفصل، ولا برنامج مرحلي للنضال، ولا أساليب واضحة للوصول إلى أهدافها. وعلى ذلك مارست عدة نشاطات ورفعت شعارات غير مدروسة ولا تقع ضمن إطار واحد منسجم ومنسق، كما لم تستطع فصائل المعارضة والانتفاضة، أن تشكل قيادة مركزية واحدة قادرة على تحريك الانتفاضة في جميع أنحاء البلاد.

وزاد المشكلة سوءاً أمران: أولهما أن أجهزة الأمن اعتقلت الصف الأول من قادة الانتفاضة، ثم اعتقلت الصف الثاني وأصبح صف القيادة الأخير شباباً صغار السن قليلي الخبرة كثيري الحماس، مما أوقع الحراك المجتمعي في إرباكات عديدة. والأمر الثاني أن المعارضة السياسية، رغم خبرتها التاريخية ونضالاتها الطويلة وتضحياتها الكبيرة، لم تستطع أن تتوحد وأن تضع برنامجاً موحداً لأهدافها وأساليبها باستثناء شعارات عامة.

ولا أن تعقد صلات جدية مع الحراك الشعبي. وقد هرع سياسيون سوريون في الخارج، إلى تشكيل تنظيم خارجي معارض تحت اسم "المجلس الوطني"، الذي اعتقد أنه يمثل الثورة السورية، وأعلن متظاهرون عديدون في الداخل أنه يمثلهم. ولكي يثبت المجلس أنه قادر على تحقيق الأهداف وإسقاط النظام، بدأ يبيع الوهم للثورة؛ مثل قرب التدخل العسكري الخارجي الذي سيسقط النظام بكل رموزه، مما جعل هذا الهدف هو الحد الأدنى الذي دخل في وعي الجماهير

وقد اعتقد المجلس أنه حصل وحده على ثقة فصائل الثورة السورية، فتجاهل المعارضة الداخلية، وهي أكثر من عشرة أحزاب تاريخية تضم مناضلين أمضوا ردحاً طويلاً من أعمارهم في السجون. وأمام الشعارات المتطرفة ونقص الخبرة، اعتقد أبناء الثورة في الداخل أن النظام قاب قوسين أو أدنى من السقوط، ولم يعودوا يقبلون أقل من سقوطه بكافة رموزه، ويرفضون أية مفاوضات لتغييره أو إصلاحه إلا بعد سقوطه. وربما كان تشكيل المجلس بهذه الصيغة، وعدم توحيد المعارضة، وفقدان البرنامج الموحد والمنهاج المرحلي للنضال.

وعدم التأكيد على أن الحل يكون داخل الحدود، وعدم رؤية مخاطر التحالف مع الخارج، وتصرف المجلس الوطني كمجموعة من الهواة غير المسيّسين، شكلت جميعها أخطاء كبيرة أسست لتمزيق المعارضة وإضعافها وتيهها.

أما النظام، فلم يتخذ قراراً واحداً صحيحاً منذ بداية الثورة حتى الآن، وتصرف ومازال على أن الحل الأمني والعسكري والقمعي هو الحل الوحيد الذي يخمد الثورة، وأن لديه القوة العسكرية والأمنية القادرة على إخمادها، واستهان بالثورة والثوار. وكان أصحاب القرار في السلطة قصيري النظر صلفين يعشقون الاستبداد ويحتقرون الشعب.

ولم يستطيعوا تخليص أنفسهم من المستنقع القمعي والبطش واحتقار المواطنين، وكأنهم لم يسمعوا بمعايير الدولة الحديثة، فرفضوا الحوار، ولم يقبلوا أي تغيير لأهداف النظام ونهجه المعمول به منذ أربعة عقود، أو إجراء أية إصلاحات جدية فيه، ثم فيما بعد رفضوا كل المبادرات الداخلية للإصلاح، التي قدمها سياسيون معارضون عديدون، وتقوم أساساً على الحوار بين جميع فئات المجتمع، لإيجاد صيغة معقولة لنظام سياسي ديمقراطي تعددي.

كما رفضوا المبادرات العربية ممثلة بمبادرة الجامعة العربية، وكذلك المبادرات الدولية، واستهانوا بالرأي العام العالمي الذي يرى ممارسات السلطة وأعمالها ويشجبها، وهان على السلطة ورموزها ممارسة القمع والاعتقال والقتل والتدمير، تحت شعارات مفتعلة دعمتها فئات داخلية مستفيدة، وجهات خارجية لها مصالح مشبوهة.

وهكذا وقع الشعب السوري بين حجري الرحى؛ معارضة أخطأت ولم تستطع تصحيح أخطائها وتبعثرت وخسرت إمكانية تحقيق الحل السياسي وأوكلت أمرها إلى الصراع العسكري، وسلطة استمرأت تجاهل الشعب والولوغ في الفساد وممارسة القمع والقتل والتدمير ورفض الإصلاح والاستهانة بالرأي العام العالمي.

فوصلت الأمور الآن إلى اقتصاد منهار، وإنتاج زراعي وصناعي شبه معدوم، ومعامل مدمرة أو مهربة إلى الخارج، وبطالة وغلاء أسعار، وانعدام خدمات عامة (صحية واجتماعية وتعليمية وغيرها)، وملايين المشردين في الداخل والخارج.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أي خبر يقين عند بثينة؟

صبحي حديدي

2013-03-24

القدس العربي

للمرء أن يدع جانباً ما تقوله بثينة شعبان عن افتخار حافظ الأسد بها، كـ'أستاذة جامعية وكاتبة'؛ وكيف كان يضعها في مصافّ كوليت خوري، 'رغم فارق السنّ بيننا'، كما تقول في مقدّمة كتابها الجديد 'مفكرة دمشق: عرض من الداخل لدبلوماسية حافظ الأسد حول السلام، 1990 ـ 2000'، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية. ثمة، في المقدّمة ذاتها، ما هو أكثر طرافة، وأدعى للاقتباس هنا: الأسد، الأب دائماً، زار شعبان في المنام، بعد عام على وفاته، في حزيران (يونيو) سنة 2000؛ وسألها: 'بثينة، لِمَ لم تكتبي، بعدُ، عن فترة عملك معي؟'، التي تمتدّ على عقد من الزمان، كما تُعْلمنا شعبان، بين 1991 وحتى ساعة الوفاة.

'أجبتُ قائلة: لأنني لم أعرف من أين أبدأ، وأي نوع من الكتب ينبغي أن أكتب. هل يتوجب أن أكتب عن طفولتك، عن شبابك، عن عائلتك، عن مسارك المهني؟'؛ تقول شعبان، ثمّ تتابع ما أوصاه بها الأسد في الحلم: 'كلا، كلا. ليس مطلوباً منك أن تكتبي عن هذا كلّه. أربعة فصول سوف تكفي. شرح لي أنّ تلك الفصول ينبغي أن تركّز على سورية والغرب، وعلاقته بالغرب، ودوره في عملية السلام، وأخيراً: حافظ الأسد وبيل كلنتون. فهمت أنه يريدني أن أكتب الحقيقة عنه، وأن أبدّد نقاط سوء الفهم الهائلة التي سادت في الغرب حول سمعته ودوره في عملية السلام، وكذلك سوء الفهم حول دور بيل كلنتون، الذي كان الأسد قد منحه ثقة تامة'...

لكنّ شعبان، وبدل الفصول الأربعة، كتبت 11 فصلاً، غير المقدّمة والخاتمة، وملاحق مراسلات الأسد ـ كلنتون، فانتهى الكتاب إلى 245 صفحة ونيف. ثمة، كما للمرء أن يتوقع، تفاصيل مسهبة عن مؤتمر مدريد، و'شهر العسل' بين النظام وكلنتون، و'وديعة رابين'، ومحادثات رونالد لودير (الذي أجرى حوارات مع الأسد، بتكليف من بنيامين نتنياهو سنة 1998، وتواصلت بعد انتخاب إيهود باراك)، ومحادثات شبردزتاون؛ فضلاً، بالطبع، عن تضخيم شخصية الأسد إلى درجة مقارنته بوزير الدفاع السوري يوسف العظمة، الذي استُشهد في معركة ميسلون، صيف 1920، ضدّ الجنرال هنري غورو وجيوش فرنسا الغازية. أمّا ذاك الذي لن يعثر عليه القارىء، العادي المحايد الباحث عن 'حقيقة' بشّرت شعبان بأنها ستسردها طيّ فصول مكرورة إنشائية وصفية، ما، فإنها هذه بالضبط: الحقيقة!

ذلك لأنّ تلك الحقبة شهدت جديداً، غير مسبوق والحقّ يُقال، هو حكم القيمة الشخصي ـ الأخلاقي الذي أطلقه الأسد على باراك ('رجل قوي وصادق')، وحكم القيمة الشخصي ـ السياسي الذي ردّ به الأخير على الأوّل ('استطاع أن يبني سورية قوية ومستقلة وواثقة بنفسها'). الجديد الثاني، المتفرّع عن الأوّل، هو أنّ الأسد وباراك قلبا المنطق الدلالي البسيط لهذا النوع من أحكام القيمة: إذا افترض المرء أنّ 'حالة العداء' كانت ناظم علاقات القوّة بين البلدين، فإنّ وجود رجل 'قويّ وصادق'، خصمه دولة 'قويّة ومستقلة وواثقة بنفسها'، ينبغي أن يقلق الدولتَين المتحاربتَين، كلّ منهما على حدة؛ أليس كذلك، وفق المنطق البسيط؟

تلك، أيضاً، حقبة شهدت تصريح الأسد الشهير، في لقاء مع عضو الكونغرس الأمريكي توم لانتوس: 'إنّ مفهومي عن السلام واضح، وحين أتحدث عن السلام الكامل فإنني أقصد السلام الطبيعي من النوع القائم اليوم بين 187 دولة في العالم'. وبالفعل، منذ عام 1973 وافق الأسد على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338، فاعترف عملياً وحقوقياً بأنّ إسرائيل جزء لا يتجزأ من تكوين المنطقة السياسي والجغرافي؛ ومنذ عام 1974، إثر توقيع 'اتفاقية سعسع'، لم تُطلق في هضبة الجولان طلقة واحدة تشي بانهيار السلام المبرم؛ وبعد ثماني سنوات، وافق النظام على مبادرة الملك فهد التي اعترفت عملياً بحقّ إسرائيل في الوجود؛ وفي عام 1991 ذهب النظام إلى مؤتمر مدريد، ثمّ أرسل حكمت الشهابي، وبعده فاروق الشرع، إلى مباحثات مباشرة مع الإسرائيليين، برعاية أمريكية...

ما لا تقوله شعبان، حول 'فشل' قمّة جنيف بين الأسد وكلنتون، هو أنّ تحوّلاً عميقاً طرأ على تقديرات باراك لأوضاع النظام السوري، مفاده أنّ عزم الأسد على عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل لم يعد مجرّد 'خيار ستراتيجي'، كما يقول الأسد نفسه؛ بل صار حاجة ستراتيجية تخصّ الوضع السوري الداخلي، ومستقبل النظام، وتسريع إجراءات التوريث في ضوء اشتداد المرض على الأسد الأب. لقد أدرك باراك أنّ العدّ العكسي للعمليتين، ترتيب التوريث وترتيب السلام، لم يعد يتناسب مع العدّ العكسي الثالث: ما تبقى للأسد من زمن على قيد الحياة. وما دام التوريث له الأسبقية، وتنظيف بيت النظام الداخلي، تمهيداً لوراثة سلسة ما أمكن، لا تعلو عليه أولوية؛ فما حكمة تقديم تنازلات، أو أيّ تنازل في الواقع، مهما كان ضئيلاً؟

وهكذا، لم يكن تراث يوسف العظمة هو الذي حال دون توقيع الأسد على اتفاقية سلام، كما تزعم شعبان، بل هو الحرص على منجاة الوريث، وحفظ نظام الاستبداد والفساد، وإدامة شبكات الولاء. لا عجب، إذاً، أنّ طراز الخبر اليقين هذا، لم يجد طريقه إلى منام بثينة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية... إلى أين؟

تاريخ النشر: الثلاثاء 26 مارس 2013

د.طيب تيزيني

الاتحاد

ثمة ملاحظة منهجية عامة تقوم على أن الثورة المجتمعية، عموماً وخصوصاً، تمثل حالة مركبة أولاً، ومعقدةً ثانياً؛ كما قد تجسد خزاناً مفتوحاً لكم هائل من الصعوبات والإشكاليات والأخطاء، بقدر ما قد تحتمل أن تكون قادرة على مواجهة ذلك بكثير من الحكمة والدراية والعقلانية الحصيفة. يتحدر ذلك من عدة مسببات. أما هذه الأخيرة فتتحدر من التاريخ الذي انتهى إليها، ومن الحوامل السياسية والاجتماعية والثقافية التي تلتصق بها وتقودها، ومن القوى المجتمعية التي تناصرها والتي تناهضها، داخلاً وخارجاً؛ وكذلك وبكيفية خاصة من البنية المجتمعية التاريخية التي تمثل حاضنتها، ممثلة بكل المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية القيمية، وغيرها.

ونحن هنا لن نكون قادرين على معالجة ذلك كله وغيره. أما هدفنا الآن فهو محاولة ضبط ذلك الذي أتينا عليه في كلياته إضافة إلى خصوصياته السورية بقدر أوّلي. أما على هذا الأخير، فعليه في هذه الحال أن يسمح بفهم ما يحدث في حقل الثورة السورية، وخصوصاً في اللحظة الراهنة من تعقد الأمور التي تتصل بما يحدث ضمن أوساط القائمين على العملية الثورية من داخلها. يأتي ذلك رغبةً في ضبط ما يحدث الآن بالعلاقة بين «المجلس الوطني» و«الإئتلاف» والحكومة الانتقالية. فلقد برز الأمر الأول، حين ظهر إلى الوجود المجلس الوطني على نحو غابت عنه التجربة الديموقراطية، أي حين ظهر ذلك المجلس بعيداً عن ضوابط الانتخاب الحر وآلياته. وهذا قاد إلى نتائج خاطئة، تمثلت في كون الأعضاء «الناجحين» تمثلوا في من كانوا في معظمهم قد عاشوا في الغرب عقوداً بعيدين عن الوطن. وكان ذلك مسيئاً، بحيث وضعت هيلاري كلينتون يدها عليه حين غمزت من قناة «الناجحين»، في معظمهم، والذين أمضوا أربعة عقود خارج سوريا؛ مما قد يكون هشّم الرؤية الحسية «السورية» لدى فريق أو آخر منهم. أما الخطأ الثاني في الأمر المعني هنا، فقد برز في غياب فاضح إلى حد أدنى، من استراتيجية (أجندة) العمل المطلوب. ويأتي الخطأ التأسيسي الثالث في ترك المجلس الجديد يعيش تخبطاً بسبب غياب تقسيم العمل الجديد.

إن ذلك كله، في «ثلاثية الخطوات الثلاث» كاد أن يحول المجلس إياه إلى حالة قابلة للتحول إلى قصور سياسي ومعرفي وتنظيمي قابل للاختراق في عمومه. واستمر هذا الأمر في ظهور صيغة خفية من الرغبة في الاستئثار، عمل أعضاء من المجلس على التمنطق به للخروج من الحالة تلك المذكورة. وقد أثار تلك الحال من القصور في العمل استياء واستغراباً وغضباً في أوساط الحامل الاجتماعي الحقيقي للثورة، نعني أوساط الشباب، ولكن دون أن يقعوا في الفوضى والاضطراب. وقد ظهر خطأ آخر ثالث حين جاء «الخطيب» رئيساً للائتلاف فهذا الرجل النظيف الحاذق يمثل في ذاته حالة طيبة متقدمة، لكن دون أن يتاح له أن يمرّ وصوله إلى رئاسة الائتلاف في إطار آليات الديموقراطية وبكيفية دقيقة.

ويبقى الفصل الآخير، المتمثل في وصول غسان هيتو إلى رئاسة الهيئة التنفيذية للائتلاف. وأن أعتقد أن شخصية الرجل كما قُدّم، يحوز على فضائل جيدة خصوصاً في سيرته العلمية. ولكن ذلك ليس بإمكانه أن يجُبّ ما ينبغي أن يحوز عليه مسؤول في هذه الحال. فأنْ يكون الرجل ذا توطن أميركي عملياً ونظرياً، وأن يكون متوطناً في الولايات المتحدة بفترة أو أخرى جعلته، يضع خياراته في معظمها بل خصوصاً فيما يتصل بالقضايا المتمثلة ببناء الحداثة والتقدم والديموقراطية والمجتمع المدني والعلمانية والنهضة، بأشكال مُؤمركة تخدم بنية اجتماعية هي تلك التي نشأت في المجتمع الجديد الذي يعيش فيه، مع القول بالطبع بأن تلك المحاور الكبرى يمكن قراءتها نقدياً بنائياً، أي بمقتضى الوضع السوري الجديد. سوريا الجديدة القادمة لا نرى طريقاً محتملاً بالمعنى الإيجابي لها إلا طريق الديموقراطية والحداثة والنهضة والحرية راهناً ومستقبلاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com