العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30/12/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

شكر الله سعيكم.. خلوا بيننا وبين هذا الإرهابي القاتل

محمد فاروق الإمام

تتزاحم في هذه الأيام، وقد دنت ساعة الحسم، المبادرات المطروحة من هنا وهناك ومن خلالها كل يغني على ليلاه ويدعي حبه للشعب السوري وحقن دمه وإشفاقه على سورية ومنع تقسيمها، والكل في حقيقة الأمر يسعى من خلال هذه المبادرات لإيجاد مخرج آمن لسفاح سورية وكبراء عصابته والحيلولة دون سقوط النظام والضغط على المعارضة للجلوس مع هؤلاء القتلة للتفاوض حول تقرير مصير سورية ما بعد الأسد.

وقد صمت هؤلاء عن قصد أو غير قصد صمت أهل القبور عن نهر الدماء الذي تفجر من أجساد السوريين.. وعشرات الآلاف من الشهداء الذين أزهقت أرواحهم، وأضعافهم ممن فقدوا أو غيبوا في السجون والمعتقلات، وإجبار الملايين على ترك بيوتهم هرباً من براميل الموت وقنابل الطائرات ودانات المدفعية والدبابات داخل سورية وخارجها، وقد عم الخراب والدمار المهول جميع المدن والبلدات والقرى السورية التي غدت أطلال مدن وبقايا حياة، جعلت الناس يهيمون على وجوههم في كل الاتجاهات على غير هدًى، بحثاً عن ملجأ في كهوف الجبال ومنحنيات الوديان وفي ظل جذوع الشجر يحميهم من شظايا الصواريخ والقنابل ورصاص القناصة، يبحثون عن الأمن والأمان المفقود، وحتى عند عثورهم على هذه الأماكن فآلة القتل تلاحقهم أينما ارتحلوا وأينما حلوا.. وعندما كانوا يبحثون عن رغيف الخبز يسد جوعتهم وجوعة أطفالهم للبقاء في عالم الأحياء، كان القصف المجنون يحول القليل من رغفان الخبز التي تمكنوا من الحصول عليها بعد انتظار وعناء مغموسة بالدم النازف من أجسادهم بفعل القصف المجنون الذي لا يميز بين مسالم ومقاتل، وعندما كانوا يبحثون في الغابات عن بقايا أغصان الأشجار ليعودوا بها إلى أطفالهم ليتدفئوا على نارها كان الموت بانتظارهم على يد شبيحة النظام.

المأساة أكبر من أن يحاط بها أو الإتيان على مفرداتها فكل ما يجري في سورية مرعب ومخيف ويدمي القلوب، وكل هذا يجري منذ أكثر من عشرين شهراً دون أن تتحرك للمجتمع الدولي جارحة أو يهتز له ضمير، فكل الصور الحية التي تخرج من سورية وما تحمله من مآس وآلام وأحزان وخراب ودمار ونزوح وشتات ولجوء باتت جزءاً روتينياً من حياة أفراد هذا المجتمع البئيس يشاهدونه على الشاشات الفضائية كما يشاهدون مسلسلات الرعب وأفلام عصابات المافيا!!

في هذه الأجواء الرعيبة والمخيفة والمؤلمة والمحزنة شق أحرار سورية طريقهم ليسطروا ملاحم تقصر عند ذكرها كل البطولات الخارقة التي روتها لنا كتب التاريخ، ويبهروا العالم بما يحققوه من انتصارات سريعة وماحقة على جيش خائن أدار ظهره للعدو الصهيوني، وتوجه بفوهات مدافعه ودباباته وراجمات صواريخه وبنادقه إلى ظهور أبناء جلدته ومواطني بلده، يقتل ويدمر ويسبي الحرائر ويفعل ما لم يفعله التتار في بغداد وحلب ودمشق، والصليبيون في بيت المقدس، والفرنجة في غرناطة وأشبيلية لإرضاء نكرة لا أصل له، تربع على حكم سورية بقوة البسطار والبندقية، هذا الجيش الخائن الذي تنكر للقسم الذي ردده أفراده صباح مساء وفي كل المناسبات الوطنية، وتدفع له الرواتب وتشترى له الأسلحة والعتاد والتجهيزات من عرق وجهد هذا الشعب الصابر والمصابر ليحمي حدود الوطن ويذود عن الحياض، فلا يجد هذا الشعب في المحصلة أنه وحده المستهدف دون الأعداء!!

أقول في غمرة هذه الانتصارات الباهرة التي حققها ويحققها الجيش السوري الحر والثوار الأشاوس، وهم يتقدمون بخطى ثابتة نحو مخبأ هذا الأفاك المجرم ويضيقون الخناق عليه، يتسابق هذا المجتمع الدولي الذي غض الطرف عن هذا القاتل السفاح لأكثر من عشرين شهراً ليفعل ما فعل بسورية وشعب سورية.. يتسابق هؤلاء إلى طرح مبادرات من أجل تأمين مخرج آمن لهذا المجرم كي ينجو من القصاص.. ولكن هيهات هيهات لهذا الأخرق من قارب نجاة يحمله، وقد أعطب الثوار كل القوارب وقطعوا كل الحبال، حتى بات الطريق إليه سالكة للقبض عليه ودفعه إلى يد العدالة، التي لن يرضى الشعب السوري عنها بديلاً ولو تدخلت كل قوى الأرض، فوقوف هذا المجرم في قفص العدالة هو أقل ما يمكن أن تقبل به الثورة السورية وفاء لأرواح الشهداء الذين قضوا على مذبح الحرية ووفاء لدماء الأطفال وأعراض الحرائر وقباب ومآذن دور العبادة.

آن للعالم وما يسمى بالمجتمع الدولي أن يصمت خجلاً من موقفه المشين والغير أخلاقي مما يجري في سورية، ولعل هذا العالم وهذا المجتمع شاهد على شاشات التلفاز يوم أمس المجزرة البشعة التي ارتكبها النظام في مدينة حلفايا حيث أقدم طيرانه المجرم على قصف الطابور الذي ضم مئات الأطفال والنساء والشيوخ والرجال المصطفين أمام الفرن الوحيد في المدنية للحصول على رغيف خبز يسدوا به جوعتهم بثلاثة صواريخ أدت إلى استشهاد ما يزيد على مئة شخص وإصابة المئات بجروح مختلفة، تزامناً مع عرض وزير إعلام النظام في مؤتمره الصحفي الذي عقده في دمشق أمس، مستخفاً بدماء السورين وتضحياتهم داعياً المعارضة في الداخل والخارج للجلوس إلى طاولة الحوار وإن ينسوا إلى الأبد موضوع إسقاط النظام ورحيل بشار الأسد، وتزامناً مع عودة الإبراهيمي إلى دمشق للقاء مجرميها لعرض خطته المتضمنة – كما سربت وسائل الإعلام – أن يبقى بشار الأسد في منصبه حتى انتهاء مدته القانونية إلى عام 2014، فبالله عليكم أيها العالم وأيها المجتمع الدولي هل هناك في سورية مواطن واحد يقبل مثل هذا التخريف؟!

ختاماً أقول للمتسابقين والمتزاحمين على تقديم المبادرات وأطواق النجاة لهذا السفاح: (شكر الله سعيكم نرجو أن تخلوا بيننا وبين هذا الإرهابي القاتل!!)....

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سيناريو سوري قاتم بتوقيع روسي أمريكي

د. إبراهيم حمّامي

16/12/2012

واهمٌ من يؤمن بالصدفة في عالم السياسة، وأكثر وهماً من يعتقد أن ما يجري هو من قبيل التزامن "البريء" بين موقف وآخر، خاصة في ظل تبادل الأدوار الممارس في الشأن السوري بين الشرق والغرب وتحديداً بين روسيا والصين من جهة وبين الولايات المتحدة وأوربا من جهة أخرى؛ والذي ظهر جلياً في مهزلـة مجلـس الأمن وعجز العالم عن وقف نزيف الدم السـوري في مجلـس الأمن تحت حجـة الـ (فيتو)، وهو ما لم يكن سبباً للعدوان على العراق أو التدخل في البوسنة وكوسوفو!

فجأة لم يعد يشـغل كل هؤلاء إلا السـلاح الكيماوي الذي يسـتعد نظام بشـار لاسـتخدامـه..!! لم يبقَ مسـؤول أو زعيم إلا عبّر عن "قلقـه ومخاوفـه" من اسـتخدام الكيماوي، وهدد آخرون أنهم على أُهبـة الاسـتعداد للتدخل لمنع النظام السـوري من اسـتخدام الكيماوي ضد شـعبـه ـ وكأن اسـتخدام باقي الأسـلحـة الفتّاكـة مسـموح ومقبول..!!؟؟ ـ وبدأ الإعلام يتحدث عن خطط جاهزة ومناورات في الأردن، وقوات أمريكيـة إسـرائيليـة مدربـة للسـيطرة على الأسـلحـة الكيماويـة خلال دقائق بعد رصد أماكنها، إضافـة لأفلام إثارة على بعض المنابر الإعلاميـة.

وفي تزامن غير بريء وصدفة ليست بصدفة خرجت تصريحات وتقارير لمراكز أبحاث ومواقف جديدة نرصد منها:

ـ أعلن الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) اعتراف الولايات المتحدة بالائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة ممثلاً شرعياً للشعب السوري. ـ 11/12/2012.

ـ أقر المشاركون في اجتماع «أصدقاء سوريا» بمراكش، الذين مثلوا 114 دولة بالاعتراف به كممثلٍ شرعي ووحيد للشعب السوري ـ 13/12/2012.

ـ نقلت صحيفة (ديلي تلغراف) عن تقرير للمخابرات الأمريكية بأنها تُقدر نهاية الرئيس السوري بثمانية إلى عشرة أسابيع فقط بعد النجاحات التي أحرزها الجيش الحر ـ  07/12/2012.

ـ (روبرت فورد)، السفير الأمريكي لدى سوريا: "أيام نظام الأسد في الحكم باتت معدودة، خاصة مع تزايد وتيرة المعارك في محيط العاصمة دمشق" ـ 07/12/2012.

ـ رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي يتوقع "سقوط نظام الأسد في غضون أسابيع قليلة"، داعياً الثوار السوريين إلى "التعامل بحكمة مع أبناء الطائفة العلوية"، ومضيفاً "المعلومات تُشير إلى أن الأمور ستتغير في سوريا خلال أسابيع" ـ 06/12/2012.

ذكرت صحيفة "كومرسانت" الروسية، أن روسيا تقاوم ضغوط الولايات المتحدة؛ كي تُقنع الأسد بالإستقالة، وقال تقرير الصحيفة إن "روسيا لا تعتزم إقناع الرئيس السوريبترك منصبه طواعية" وأن "موسكو مقتنعة بأن الأسد لن يخرج طواعية"، وتابع التقرير أن وزيرة الخارجية الأمريكية (كلينتون) أبلغت نظيرها الروسي (سيرجي لافروف)، خلال اجتماعهما مؤخراً في دبلن أن حكومة الأسد ستسقط إن عاجلا أم آجلا، وأنه إذا لم تكن هناك حكومة إنتقالية فمن المرجح أن تسقط سورية في الفوضى والعنف والاقتتال الطائفي ـ 12/12/2012.

ـ قالت صحيفة (ذي كريستيان ساينس مونيتور) الأمريكية اليوم أن المشهد السوريالآن في ظل حصار المعارضة السورية للعاصمة دمشق، يُشير إلى أن أيام الرئيس السوري بشار الأسد باتت معدودة ـ 10/12/2012.

ـ اعتبر نائب وزير الخارجية الروسي (ميخائيل بوغدانوف) اليوم الخميس أن النظام السوري يفقد سيطرته على البلاد، من دون أن يستبعد احتمال انتصار المعارضة، ونقلت قناة "روسيا اليوم" عن (بوغدانوف)، قوله في كلمة ألقاها أمام الغرفة الاجتماعية الروسية: "يجب النظر إلى الوقائع... النظام والحكومة السوريين يفقدان السيطرة على البلاد أكثر فأكثر." ـ 13/12/2012.

ـ خبراء: سقوط نظام الأسد ليس وشيكاً، تقرير لصحيفة الحياة 16/12/2012.

مقابل ذلك، اتخذت الولايات المتحدة خطوة غير مفهومة ـ في حينها ـ بإدراج أحد التشكيلات السورية على "لائحة الإرهاب" الخاصة بها ـ "جبهة النصرة" ـ لتتبعها الاستخبارات الإسرائيلة بتقرير يتحدث عن قرب سيطرة "جبهة النصرة" ـ هكذا!!! ـ على أسلحة كيماوية، حيث ذكر تقرير إستخباراتي إسرائيلي نُشر الأسبوع الماضي أنه "إذا فشل الأسد في منع مقاتلي "القاعدة" من الوصول إلى مخازن السُم والأسلحة الكيمائية في "السفيرة" وبالتالي ينجح تنظيم "القاعدة" ويتسلح بالأسلحة الكيمائية لأول مرة، ساعتئذٍ تضطر الولايات المتحدة للقيام بهجوم جوي ـ ليس على جيش الأسد بل على مقاتلي المتمردين الذين يُقاتلونه، لانه إذا تمكن مقاتلو "القاعدة" من السيطرة على مخازن الأسلحة الكيمائية، فمن المتوقع أن يُطلقوا الصورايخ ذات الرؤوس الكيمائية ضد مراكز نظام الأسد في دمشق..!! فسقوط "السفيرة" يحول الحرب الأهلية السورية إلى حرب الصواريخ الكيمائية."

وتكتمل الصورة بالتحذيرات التي وجهتها أجهزة بشار الأسد حول احتمال إطلاق أسلحة كيماوية على المناطق السكنية من قِبل "مجموعات إرهابية" لاتهام النظام بها!!

زاوية أخرى لا تقل أهمية، وهي التقارير المتواترة التي تتحدث عن فرار قيادات "علوية" كبيرة مع عائلاتها إلى الساحل، وخبر آخر بالأمس عن فرار أحمد جبريل ـ الذي حوّل فصيله الفلسطيني إلى فصيل "شبيح" ـ من مخيم اليرموك إلى طرطوس، وأنباء  سابقة عن فتح فرع للمصرف المركزي السوري في منطقة الساحل، وتأهيل مطار زراعي في طرطوس ليُصبح مطاراً مدنياً ـ تصريحات نزار إسماعيل موسى محافظ طرطوس في 20/09/2012، وغيرها من الاستعدادات القائمة على قدم وساق لتجهيز جيب ساحلي ـ دويلة ـ يُشكل ملاذاً حصيناً لبشار وجماعاته، ومن ثم بداية تطبيق السيناريو المرسوم.

لماذا كل ما سبق!؟

نضع الإجابة في النقاط التالية:

ـ وقف العالم "المتحضر" متفرجاً تاركاً الشعب السوري يواجه آلة القتل والإجرام وحده!

ـ من مصلحة روسيا والولايات المتحدة، ومن أجل عيون (إسرائيل) أن يتم تدميرسوريا كبلد ووطن ومؤسسات!

ـ إطالة أمد الثورة السورية سيُحقق المزيد من الدمار، وإضعاف البلاد لسنوات طويلة!

ـ تبادلت الولايات المتحدة وروسـيا الأدوار لإجهاض أي قرار في الأمم المتحدة، ولتبرير عدم دعم الشـعب السـوري!

ـ التدخل سـيكون فقط في اللحظات الأخيرة لمنع تحقيق انتصار شـعبي على النظام، ولإبقاء الوضع في موضع المراوحـة، تماماً كما حدث في البوسـنـة!

ـ لا بد من إيجاد مبررات للتدخل في اللحظات الأخيرة!

ـ لذلك لا بد من وجود طرفين "رسميين" متحاربين، وهو الأمر الذي لم يكن حتى تم الاعتراف الأخير بالائتلاف الوطني قبل أيام!

ـ أصبح الآن هناك نظام رسمي هو نظام بشار، وائتلاف يُعتبر ممثلاً شرعياً لكن ليس وحيداً، وبالإمكان التدخل للفصل بين الطرفين!

ـ بعد الضربات والهزائم المتتالية سينكفيء بشار وجماعاته إلى الساحل لتنفيذ مخططهم بإقامة دويلة حصينة، وهو ما سبق وأوضحته تفصيلياً في تقرير مطول تحت عنوان خيار الأسد الأخير ـ الدولة العلوية:

http://www.drhamami.net/lasthope.pdf

ـ الخيار بات متداولاً وبشكل كبير، واليوم تتحدث احدى الصحف البريطانية وبوضوح، حيث تُشير صحيفة (صندي تايمز) إلى أنه "لن يعترف بدويلة الجيب العلوي في الساحل السوري لو قامت سوى إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا" ـ 16/12/2012.

ـ سيستخدم بشار الأسد السلاح الكيماوي من منطقة الساحل ضد باقي المناطق السورية، بعد أن يضيق عليه الخناق، وربما يتهم "العصابات المسلحة" الموضوعة على "قوائم الإرهاب" بذلك!

وهنا يأتي تنفيذ السيناريو المنتظر والمتفق عليه بين روسيا والولايات المتحدة، والذي هيأوا له الأسباب والمبررات على مدى الأسبوعين الماضيين!

سـيتم التدخل الدولي العسـكري المباشـر في سـوريا، ليـس دفاعاً عن الشـعب السـوري ولكن إجهاضاً لثورتـه، ومنعاً له من تحقيق الانتصار الكامل!

يقول ماجد آل عبد الجبار وباختصار شديد لهذا السيناريو "هجرة علوية إلى الساحل مع استعداد عسكري غربي وتهديد بالتدخل عند استعمال الكيمياوي! استخدام! فتدخل! ففصل بين الطرفين وحماية لدولة علوية".

ما يجري ليس صدفة أو تزامن...؛ لا التصريحات ولا التقارير ولا المواقف ولا الاعترافات ولا إدراج "جبهة النصرة" على "قوائم الإرهاب"، كله يأتي في إطار التمهيد والاستعداد!

هذا ما يُريدونه، وهذا ما يُخططون له....

لكننا على ثقـة من أن الشـعب السـوري البطل الذي سـجل أروع الملاحم في التضحيـة والفداء والإصرار على نيل الحريـة، لن يقبل أبداً بإجهاض ثورتـه، ولا بتدخل عسـكري سـافر يأتي فقط لتنفيذ مخطط حمايـة (إسـرائيل) بعد أن أصبح سـقوط النظام وشـيكاً، حتى لو تطلب الأمر ثورة أخرى جديدة ضد غُزاة جُدد، تآمروا عليـه وشـاركوا في ذبحـه!!!

لا نامت أعين الجبناء

DrHamami@Hotmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رغيف السوريين أخوة الخبز والدم

بدرالدين حسن قربي

يؤكد النظام السوري يوماً بعد يوم أبعاداً إجرامياً لامثيل لها في العصر الحديث، حتى بمقارنتها مع الجرائم الصهيونية التي نتعبرها كعرب هي الأبلغ والأكبر.  نقول هذا الكلام، لأنه يؤكد بصيغة ما أن الصهاينة مع كل إجرامهم هم منه أرحم.  فمجزرة دير ياسين تُعتبر أحد أشهر المجازر التاريخية التي ارتكبها الصهاينة بحق أهلنا في فلسطين، والتي قال عنها المؤرخ الفلسطيني في جامعة بير زيت الدكتور صالح عبدالجواد: أنا أجزم اليوم أن عدد شهدائها هو مئة فقط.

وعليه، فإذا علمنا أن عدد ضحايا مجازر النظام السوري المعروفين والمسجّلين من بداية الثورة السورية وحتى تاريخ الثالث والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر هو احدى وخمسون ألفاً، فيهم أربعة آلافٍ من الأطفال ومثلهم من النساء.  فهذا يعني أن نظام التشبيح والشبيحة قد ارتكب خمسمئة وعشرة مجازر من مثيل مجزرة دير ياسين، مع تميّز مجازره بالحرق والقصف بطائرات الميغ المقاتلة وغيرها.  ومن خلال الدراسة الإحصائية فإن نصف عدد هذه المجازر كان في الأشهر السبعة عشر الأولى للثورة، والنصفَ الثاني كان في الأشهر الأربعة الأخيرة، بمعنى أن النظام الفاشي ضاعف توحشه وإجرامه أربعة أضعاف عمّا كان قبل أشهر أربعة، اعتقاداً منه أن مضاعفة قتل المدنيين والإيغال في سفك دماء الأبرياء لسوف يكسر إرادة السوريين الصامدين والمصرّين على رحيله ونظامه من حياتهم إلى الأبد.

ولتوضيح ماقصدناه، فإننا نستدعي هنا آخر مجازره التي كانت الأحد الماضي التي ذهب ضحيتها قرابة 250 قتيلاً في بلدة حلفايا القريبة من مدينة حماة، كانوا في طوابير الانتظار لرغيف خبز يطعمونه أطفالهم وعوائلهم، قضوا مرةً واحدة من خلال أربعة صواريخ لطائرة ميغ سورية استهدفت تجمع الأهالي أمام الفرن الآلي وحوله، لنقارنها بمئة وستين قتيلاً  في ثمانية أيام من حرب متواصلة بكل أنواع الأسلحة على مدار اليوم والليلة، كانت آخر ضحايا العدو الإسرائيلي في تشرين الثاني الماضي في حربه على غزة، والتي عجز فيها أن يحقق فيها ماحققه النظام بدقائق على السوريين.

وبمناسبة استهداف النظام الجزّار لمخبز بلدة حلفايا، تأكيداً لاستمرار مسلسل الإبادة الجماعية للمدنيين وإجرامه في قصف المخابز العادية والأفران الآلية في عموم المدن السورية والتجمعات والطوابير التي تكون أمامها، ليجعل من خبزهم رغيفاً مغمّساً بدمائهم وشاهداً على فظائع جرائمه، فإنّي أستدعي محافظة حلب مثالاً لآتيكم منها بشواهد يمكن أن تتكرر في محافظات ومدن أخرى.  فلقد تمّ قصف عدد من المخابز الآلية فيها بالطيران والصواريخ لأحياء قاضي عسكر، وأَغْيُر، وأقيول في آب/أغسطس الماضي، وكذلك الفرن الآلي في مساكن هنانو، والأميري في الصاخور في تشرين الأول/أكتوبر، ومخبز البادي في حي الشعّار/طريق الباب، والفرن الآلي في الفردوس والأدلبي في بستان القصر الشهر الحالي، فضلاً عن قصف المخابز الآلية الضخمة في بلدتي مارع وأتارب واعزاز ودارة عزّة.  وهو دمار وقتل جعل من السوريين يدفعون ثمناً هو الأغلى في العالم لرغيف خبزهم ، ليس مالاً أو ذهباً بل أرواحاً ودماءً، ليس أقل من أربعمئة قتيل فضلاً عن مئات الجرحى. أرواح تشكو إلى الله قاتلها، ودماء خضّبت خبز أطفالها وجائعيها تلعن قاتلها، وتؤكّد أخوة الخبز والدم عندهم.

وبالمناسبة أيضاً، أستدعي هنا كلاماً مهماً قاله الشيخ البوطي يبتغي به وجه الله ويلقاه في آخرته، في خطبة الجمعة الأخيرة من رمضان الماضي دعماً لنظام فاشيٍ سفّاح متوحش: إني أعتقد أنه ليس في العالم كله بلد تُطبق الإسلام بحقيقته وجوهره وتعاليمه الكريمة وتسامحه كما تطبقها اليوم الدولة السورية بارك الله بقيادتها وشعبها، لنقول: إذا كان هذا حال السوريين مع تطبيق الإسلام وتعاليمه، فكيف سيكون حالهم مع من لايُطبق الإسلام ولايلتزم بتعاليمه وسماحته..!!

http://www.youtube.com/watch?v=b-938CSBJXM&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=T7ryGWGaNa4&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=uFxi_JxK_-I&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=HhWHNRO6lgQ&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=ekN6nGwOKEM&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=mfHi2FZ5u2o&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=iC7wVBSuJVE&feature=player_detailpage

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المهاجرون و الأنصار

مجاهد ديرانية

تتحدث التقارير عن مئات الآلاف من اللاجئين في تركيا والأردن ولبنان. هؤلاء تُحصيهم المنظمات الإغاثية وتمدّ لهم يد العون، ولكنْ مَن يُحصي اللاجئين الذين تدفقوا من المدن المنكوبة وتبعثروا في أنحاء سوريا، وهم بالملايين، ومَن يَمدّ لهم يد العون؟ مَن لأولئك المنكوبين -بعد الله- سوى إخوانهم من أبناء الوطن الكرام وإخوانهم في أمة الإسلام؟

 

ألا لقد دار الفلك دورته وعدنا إلى الزمان الأول، زمان المهاجرين والأنصار. فيا أهل سوريا الذين لم تُصبهم مصائب النظام: لقد أتاكم إخوانكم لاجئين محتاجين، فكونوا لهم كما كان للمهاجرين الأوّلين أخوانُهم الأنصار.

 

يوم أقبل مهاجرو مكة على إخوانهم في يثرب فتحوا لهم بيوتهم وقاسموهم أموالهم وأملاكهم، وما مَنَّ أحدٌ منهم على أحد، لأن الذي ترك بيتَه ومالَه وهاجر في سبيل الله لم يكن أقلّ عطاء من الذي ترك للمهاجر نصفَ بيته ونصفَ ماله. فافتحوا -يا أحرار سوريا- بيوتكم وقلوبكم لإخوانكم ولا تَمُنّوا عليهم، فإنهم تركوا بيوتهم وتركوا أموالهم جميعاً وراء ظهورهم، وليس لهم سواكم بعد الله.

 

يا أيها أهل سوريا الكرام: سارعوا إلى نجدة إخوانكم المهاجرين وافتحوا لهم الجيوب والقلوب، فوالله الذي لا إله إلا هو إنهم لَينامون الليلة على جوانب الطرق وفي الحدائق العامة، حيث لا وِطاء سوى الرصيف ولا غِطاء سوى السماء.

 

يا أيها الآمنون: لا تستكثروا إنفاق المال مهما كثر، فإنه هيّنٌ في جنب المآسي والأهوال التي ضربت حياة أكثر الناس. وليعلم المسلمون في كل مكان أن هذه ليست مشكلة سكان سوريا وحدهم؛ إنها مسؤولية كل سوري مغترب خارج وطنه بمقدار ما هي مسؤولية السوري المقيم في الوطن، ومسؤولية كل مسلم في الدنيا بمقدار ما هي مسؤولية السوريين.

 

يا أيها المسلمون: إن الذين هدم القصف بيوتهم من أهل سوريا والذين أوذوا وهُجّروا يبلغون اليومَ عدةَ ملايين؛ أولئك هم إخوانكم المهاجرون، فمَن منكم يريد أن يُكتَب اسمه في صحيفة الأنصار؟ من يريد أن ينال الشرف العظيم في الدنيا والآخرة؟ من يريد أن يفوز بالأجر العظيم؟ سارعوا -يا أيها الكرام- قبل أن تُطوى الصحف وتجفّ الأقلام.

 

اللهم إن المؤمنين المصابرين في أرض الشام قد بذلوا وُسْعَ الطاقة وفوّضوا الأمر إليك، فافتح لهم اللهمّ فتحاً مبيناً. اللهم إني أشهد أن عبيدك وإماءك في الشام قد ثبتوا عند اللقاء، وصبروا على البلاء، وأنهم ظفروا فشكروك، وأُصيبوا فحمدوك؛ اللهمّ أنت وليّهم، فلا تخذلهم ولو تخلّت الدنيا عنهم. اللهمّ ارحم شهيدهم، اللهم فُكّ أسيرهم، اللهم رُدّ فقيدهم، اللهم أنزل عليهم السكينة فلا يخافون، والطمأنينة فلا ييأسون، وأنزل عليهم ملائكتك بالنصر المبين.

 

اللهم إني ما شهدت إلا بما علمت وأنت أعلم، أنت المطّلع على السرائر وعلى ما تُخفي القلوب، فإن كنت علمت أنهم قد انقطعت من أهل الأرض آمالُهم ولم يعد لهم أملٌ إلا بك، وأنهم يئسوا من الناس وانحصر رجاؤهم في رحمتك، وأنهم علموا أنهم ضِعاف لا قوة لهم إلا من قوتك، وأنهم عاجزون لا قدرة لهم إلا من قدرتك... اللهمّ إن كنت علمت ذلك منهم فاجبُرْ كسرهم، اللهمّ وانصُرْ جمعهم، اللهمّ واقصِمْ جبّارهم، اللهمّ وأبدلهم بالهمّ فرجاً وأخرجهم من البلاء إلى العافية.

 

اللهم يا أرحم الراحمين ويا ربّ المستضعفين، إليك نشكو ضعف قوّتنا وقلة حيلتنا وهوانَنا على الناس. اللهم لا تَكِلْنا إلى عدو خصيم ولا إلى قريب لئيم. اللهم إنّا في ثورتنا ماضون وعلى البلاء صابرون، غيرَ أنّ عافيتك هي أوسع لنا. نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بنا غضبك أو تحل علينا سخطك، لك العُتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك، توكلنا عليك يا أيها الجبار القهار، يا رب العرش العظيم.

 

يا أيها المؤمنون المرابطون في أرض الشام: لا تهنوا ولا تحزنوا إن خذلكم أهل الأرض؛ إنكم لا تزالون بخير ما بقي معكم رب الأرض ورب السماء، وإنكم -إن شاء الله- لَمنصورون، وَرَبِّ السماء والأرض إنه لَحَقٌ مثلما أنكم تنطقون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية.. الحسم للقوة فقط..

يوسف الكويليت

الرياض

26-12-2012

الأخضر الإبراهيمي لا شك في خلقه وثقافته وتميزه الدبلوماسي على المستوى العالمي، لكنه أساء لتاريخه بقبوله مهمة ليس في إمكاناته القدرة على حلها، وقد سبقه «عنان» الهروب من الاستمرار بالمشكل السوري، وتعيينه بديلاً عنه، ما جعله مجرد حامل بريد لآراء وأفكار القوى الكبرى، والذي قد لا يعلم حتى ما هو داخل مظروف تلك الرسائل المتبادلة..

المهمة كانت ولا تزال فوق طاقته، لأن الرفض يأتي من النظام والذي يأتمر بما تمليه روسيا وإيران، ويتكئ على دعمهما، وهما في المجمل السياسي ترفضان مشروع السلام ورحيل الأسد، لأنه الضمانة الوحيدة لوجودهما في المنطقة، وعلى نفس الطريق فإن المعارضة تعتبره شخصاً منحازاً للأسد، وضد الشعب السوري ما خفّض نسبة الرضا عنه من طرفيْ العلاقة والخصومة، وطالما المشروعات ساقطة بفعل الرفض المسبق لها، وعدم جدية الدول الكبرى بما يرقى بالعملية المدعومة والناجحة، فقد كان الفشل هو العامل الحاسم..

سورية وشعبها الذي يخوض معركة تحرره من دكتاتورية عرقية وطائفية يذكّرنا بنضال الشعب الفيتنامي الذي حارب عدة جيوش في سبيل تحرره، وسورية المؤلم فيها أنها تقاتل حكومة بنت سلطتها على مبادئ الفصل التام بينها وبين القوى الاجتماعية الوطنية، واحتكار الامتيازات والهيمنة على العصب الأمني والعسكري بواسطة أبناء الأسرة والطائفة..

فإذا كانت دمشق هي أول من أعلن مذياعها الانقلاب الأول عربياً، فهي خاضت تجارب الحروب ضد الاستعمار الفرنسي، ثم نكبة حرب ١٩٤٨م وما تلاها، وحاولت أن تكون أول دولة عربية تؤسس لوحدة عربية مع مصر كنواة لوحدة أشمل، لكن ذلك كله جاء ضمن سياسات خاطئة وعاطفية، وقد قرأ الأسد الأب كل العوامل، قبل انقلابه وكيف يحكم شعباً عجزت كل الحكومات عن السيطرة عليه..

فقد بدأ بتصفية أو عزل المناوئين حتى من طائفته مثل صلاح جديد صاحب النزعة الماركسية، وتقريب بعض وجوه السنة كغطاء بأنه زعيم وطن لجميع السوريين وكان تكتيكه ناجحاً، لأن السوريين مهدوا له الطريق بالملل من الانقلابات وتعدد الأحزاب، وهذا ما يسّر له بناء دولة تقوم على الولاء الطائفي وأخذ الشعب بقوة السلاح مع دبلوماسية خارجية راعت كيف تحصل على التأييد من الخصوم والأصدقاء..

الابن لم يحسن سياسة والده، لكنه فوجئ بأن نظامه غير مرغوب فيه من قبل شرائح شعبية كبيرة، ولذلك استهان ببدايات الثورة معتقداً أنها مجرد فصيل من المتمردين يمكن احتواؤه بالقوة، أو طرح بعض الإصلاحات الشكلية، لكن تطور الأحداث فرض إيقاعاً آخر، فهو استمر في استخدام آلته العسكرية بسياسة الأرض المحروقة، لكنه لم يدرك أن طول المعركة غيّر المعادلات فصار الشعب والجيش، وقوى كانت تساند النظام، هي من تقرر المستقبل وبقوة السلاح أيضاً، وعملياً فسواء جاء الأخضر أو غيره فالموضوع متعلق بمن لديه القدرة على الصمود، وبالتأكيد فالكفة تبقى لصالح الأكثرية الوطنية ضد الأقلية الحاكمة..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا تنقذوا سورية... إنقذوا انفسكم

عبدالله إسكندر

الأربعاء ٢٦ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

لا مؤشرات الى ان الحرب السورية تتجه الى اي تسوية من اي نوع كان. رغم كل ما استخدمت فيها من اسلحة، وصولا الى ما تردد عن قنابل غاز، ورغم كل الجهود السياسية التي ما تزال تتعثر على اعتاب مهمة الاخضر الابراهيمي.

وغياب التسوية في ذاته يعني ان سورية مهددة بالدمار الشامل، حجرا وبشرا، بنى تحتية واقتصاد، مؤسسات ادارية وعسكرية. ولا مبالغة ان مشاهد من حمص وحماة وادلب ودير الزور ودرعا، وحتى في العاصمة، تناظر ما نراه من الصومال حيث تحول بلد باكمله الى ركام وشعبه الى مشردين.

وهذا ما ينتظر سورية، مع مرور كل ساعة من الوقت. ففي كل ساعة يقتل تدمر عشرات الابنية ويقتل عشرات الاشخاص ويهجر المئات من منازلهم. ومع مرور الايام باتت الحصيلة مروعة على المستوى الانساني والعمراني.

لكن سورية ليست الصومال. سورية كانت ولا تزال القلب النابض لحضارة المنطقة. وعمرانها كان الدليل على ما انجبته هذه المنطقة من رقي وتقدم. وشعبها كان الدليل على قدرة هذه المنطقة على التعايش والمواطنية. كل هذا مهدد اليوم بالصوملة.

قد نجد تبريرات للموقف اللامبالي للعرب من الصومال. فهو بلد طرفي وغير مؤثر في المنطقة، والاثار السلبية لتدميره وتشريد اهله انحصرت في القرن الافريقي ولم تمس المنطقة العرب، باستثناء اليمن الذي نزح اليه لاجئون صوماليون.

وعلى ذكر اليمن الذي عانى بدوره ازمة خطيرة لا يزال يبحث عن كيفية الخروج منها، يمكن ان نلاحظ ان حدا ادنى من الضغط والتدخل من مجلس التعاون الخليجي اقنع المجتمع الدولي بان يفرض على الرئيس السابق علي عبدالله صالح التنازل وتسهيل التسوية. اي ان تحركا عربيا يمكن ان تكون له انعكاسات على المواقف الدولية وعلى تسهيل الحلول.

المبررات التي جعلت العرب يبتعدون عن الصومال لا يمكن احضارها في الحالة السورية. واذا كان بعض العرب غير مهتم بسورية الوطن، كما اهملوا يوما لبنان الدولة وتركوه نهشا للاقتتال، فان من مصلحة العرب ان يهتموا بالآثار الناتجة عن المآل السوري، لانها ستنعكس مباشرة على دولهم ومصالحهم. والتدخل العربي في الشأن السوري لم يعد تدخلا في شأن داخلي لدولة مستقلة، انما بات ضرورة للدفاع عن المصالح الوطنية لكل دولة في المنطقة.

سورية تواجه، في ظل غياب الحل السريع، اسوأ السيناريوات. دمار كامل وشامل ولجوء اهلها الى الجوار الذي يعاني ما يعانيه من ضائقة ومعضلات، هذا الدمار الذي يفرخ كل اشكال الشلل الاجتماعي والتطرف الايديولوجي والتشدد الديني، ما سينعكس وبالا على الجوار العربي. او سينعزل الحكم السوري الحالي في منطقة ذات غالبية طائفية، ما يجعل البلاد في طور يدخل تعديلا جيو استراتيجية على منطقة تعاني من الهشاشة الشيء الكثير، ولن تتأخر بذور مماثلة في اكثر من بلد عربي في البزوغ.

لذلك لم يعد مفهوما ان يقتصر سلوك العرب وجامعتهم على تلمس كلمة ملتبسة من موسكو، علها تحرك حلا دوليا مبهما او توافقا اميركيا - روسيا على اقتسام المصالح. كما لم يعد مفهوما ان يقتصر السلوك العربي على دعوات الى مؤتمرات لمساعدة الشعب السوري او ارسال شاحنات الى هذا المخيم او ذاك للاجئين السوريين. فكل ذلك ليس اكثر من مخدر لضمير، ولا يتصدى لعمق الازمة ولضرورة محاصرتها وايجاد الحل السريع لها.

ليس من الواضح تماما ان قيمة الوطن السوري، بحضارته وتجربته وثقافته، مسألة تشغل كثيرا بال العرب. فالتجارب الكثيرة اظهرت ان مثل هذا الاعتبار ليس اساسيا، وتجربة العرب مع لبنان خير مثال على ذلك، لقد تدمرت هذه التجربة من دون ان تلقي وزرا عليهم. اما سورية فشأن آخر، فدمارها المستمر سيكون وبالا عليهم جميعا. وهم، إن لم يكونوا يرغبون في انقاذ التجربة السورية والوطن السوري، فعلى الاقل ان يعملوا على انقاذ انفسهم من ويلات تدميرها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: كيف فكر النظام؟

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

26-12-2012

قدم الأسد الابن، مباشرة بعد بداية الحدث السوري، رؤية النظام لما يجري، فإذا هو «حراك شعبي يتبنى مطالب حركات الربيع العربي المشروعة ليغطي مؤامرة تنفذها (عصابات إسلامية مسلحة) موجهة ضد آخر حصن للممانعة العربية، الذي لا يوجد أي سبب سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي يبرر القيام بثورة عليه أو ضده».

بقول آخر: إنه شعب سوريا، الذي يقدم مطالب تبدو ظاهريا محقة، لكن هدفه المضمر والحقيقي هو التغطية على مؤامرة تنفذها عصابات إسلامية، لصالح القوى التي تريد إنهاء دور النظام المقاوم، وهي بالتأكيد قوى إمبريالية وصهيونية.

لو أنك سألت أي مسؤول أمني سوري يوم 14 مارس (آذار) 2011 عن الإسلاميين في سوريا، لرد عليك دون أدنى شك بجواب من اثنين: إما أنهم ليسوا موجودين في بلادنا، أو أنهم مزق صغيرة ومتناثرة وخفية، لكنها تحت عين الأجهزة التي تخترقها، أو التي صنعتها وأطلقتها في المجتمع لصيد المتطرفين بواسطتها. ولختم كلامه بقول مطمئن: لا تقلق، كل شيء تحت السيطرة. ولو أنك سألت المسؤول ذاته بعد خطاب الأسد بيوم، لأجابك: العصابات الإسلامية في كل مكان، والشعب الغافل يغطي المؤامرة بشعارات براقة تتحدث عن الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة.

رغم الدلالات الهائلة الأهمية لهذا التناقض الفاضح، فإن أحدا من أهل السلطة لم يترك منصبه طائعا أو مرغما، بل استمر من كانوا ينكرون وجود أي مجموعة إسلامية مسلحة أو غير مسلحة في «سوريا الأسد، سوريا الأمن والأمان»، كما كانوا يسمونها، على رأس عملهم، واكتفوا بتحويل رؤوس حرابهم القاتلة نحو الشعب، الذي انقلب بقدرة قادر من شعب موالٍ ومحب ومخلص وأسدي إلى شعب متآمر أو مغرر به، وفي الحالتين إما أن يبقى خاضعا لسادته أو أنه يستحق القتل.

هذه الرؤية وقفت وراء المأساة القاتلة التي تعيشها سوريا منذ قرابة عامين، وراح ضحيتها ما يقرب من مليون سوري قتلوا أو جرحوا أو فقدوا أو اعتقلوا ولوحقوا وعذبوا... إلخ.. فضلا عن ملايين المهجرين والمشردين، الذين امتلأت بهم أرض سوريا والبلدان المجاورة، وتحولوا من سادة مضيافين في وطنهم إلى لاجئين تقول إحصاءات دولية إن مليونا منهم سيتعرضون للجوع خلال هذا الشتاء. في هذه الرؤية هناك مؤامرة من طابقين تنفذها جهتان متداخلتان: طابق يتحرك فيه شعب يقدم مطالب سلمية تبدو عادلة ومشروعة، وطابق تحتله عصابات إسلامية خفية تقوم بالعمل المسلح، ليتكامل نشاطهما ويؤدي في النهاية إلى تحقيق المطلوب: إسقاط النظام، الذي ليست لديه مشكلة مع شعبه، وليست لديه أزمة، لكن شعبه ثار عليه لأنه متورط مع الأعداء والأجانب، من دون أن يكون هناك مبرر داخلي أو وطني مشروع يسوّغ مواقفه.

بهذه النظرة، التي لا يوجد فيها ما هو صحيح، تم رسم استراتيجية مواجهة تتجاهل مشكلات سوريا الحقيقية وتعقد حلولها وتجعلها خارجية وعنيفة، إقليمية ودولية ومسلحة، وتدفع إلى العنف والسلاح بين الطوائف والكتل البشرية المتعايشة، وتصر على إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ثورة 15 مارس من العام الماضي، ولو كان الثمن تدمير البلاد وإبادة العباد.

هل كانت هذه الاستراتيجية من صنع قلة أرغمت أهل النظام على تنفيذها، رغم ما حملته من وحشية تجافي أي وعي أو شعور وطني ويصعب تصديق مفرداتها؟ هناك من يعتقد ذلك. وهناك من يرفضه ويتساءل باستهجان: كيف يقبل قادة الأجهزة الأمنية والجيش، الذين يفوق عدد سنوات خدمتهم وعملهم في الحقل العام عمر الأسد الابن، استراتيجية النظام وينفذونها، مع أن «الرئيس» لا يمتلك قدرات متميزة وخبرات واسعة، ودأب على معاملة من حوله من أهل السلطة، خاصة من ورثهم عن أبيه، بتعال واحتقار، ولم يخفِ يوما ازدراءه لهم واستخفافه بمؤهلاتهم وأدوارهم، واعتبرهم مجرد خدم لا أهمية لآرائهم ومواقفهم؟ وإذا كان هؤلاء قد قبلوا ما اختاره في بداية الأزمة بداعي وحدة السلطة، فما الذي يجبرهم على قبوله حتى اليوم، بعد أن تبين فشله وكانت نتيجته الوحيدة تهديد وجوده، وانحساره عن مناطق واسعة من سوريا، وإخفاق حله الأمني الذي صار عسكريا فحربيا فإباديا، من دون حدوث أي تغيير على أرض الواقع يرد الشعب إلى بيت الطاعة ويكسر شوكة مقاومته؟

مهما كانت الإجابة عن هذين الموضوعين المهمين، فإنه يبقى هناك سؤال ثالث محير هو: إذا كانت نخبة متمرسة في الحكم قد قبلت بشار الأسد باعتباره رجلا لا خبرة عنده، لا يمس وجوده في كرسي الرئاسة بتوازناتها، وتفتقر إلى بديل عنه يضمن استمرار النظام، فما الذي جعلها تواصل السير وراءه في أزمة فائقة الخطورة أدارها كهاوٍ لا يفقه شيئا في الشأن العام، لم يكن مؤهلا أصلا لتولي السلطة أو لفهم الملفات المعقدة التي تركها له أب أوصل السياسة السورية إلى ذروة لم تبلغها قبله، مما جعل مصير السلطة فاجعا بصورة خاصة، بالنظر إلى المكان الشاهق الذي أسقطها ابنه منه وهو يجرها معه إلى هاوية الفشل والسقوط الأكيد؟

قديما، قال أحد المفكرين السياسيين: عندما تنتهي أيام سلطة أو طبقة ما، فإنها تعجز عن فهم الواقع. بدا عجز النظام عن فهم الواقع جليا في كل ما قاله وفعله، وبان بصورة خاصة في رؤيته للحدث السوري، التي كانت خاطئة من ألفها إلى يائها، بنيت عليها استراتيجية خاطئة تبين خطؤها من ألفها إلى يائها، أدت إلى تدمير سوريا دولة ومجتمعا، وها هي تدمر السلطة نفسها، مع كل قنبلة مدفع تلقيها على مواطنات ومواطني بلاد لم تكن يوما أهلا لحكمها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تعبير عن مخاوف ومطالبة بتطمينات أو تمسكا بدولة الامتيازات ....زهير سالم*

 (( لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ..)) . وأي ظلم وقع وما يزال يقع على القائمين بعبء هذه الثورة السورية ؟! ثم ما نزال نسمع من يطالبهم في كل يوم بأفانين من المطالب والتنازلات طورا تحت عنوان التطمينات والضمانات ، وأخرى اتهاما لهذا المجتمع بما تعجز عن تخيله أبالسة الشر من الاتهامات ، وثالثا في لحن مقيت هو إلى تأكيد الاستضعاف والاستذلال والاستزلال أقرب حتى يكاد المواطن السوري المستضعف المقهور ينشد :

ولم أر ظلما مثل ظلم ينالنا .... يساء إلينا ثم نؤمر بالشكر

 

وكأن لسان حال المتخوفين والمشككين وطالبي الضمانات والتطمينات يقول إن سورية كانت في اليد الأمينة محمية بالعدل مظللة بالإخاء والمساواة وأنها اليوم إذ يحتمل أن تنتقل إلى يد أبنائها الحقيقيين ستصبح مهددة بما شاءت أوهام هؤلاء المتكافلين المتضمانين على ظلم الشعب السوري والاستئثار عليه في الداخل والخارج أن تفتريه ..

 

لقد طرح المشروع الثوري الوطني بصدق منذ اللحظات الأولى مشروع المجتمع المدني الموحد لفتح أفق على هذا المستوى . ليس لطائفة واحدة وإنما لجميع مكونات المجتمع السوري . نعتقد أن الإلحاح على طلب ما يسمى بالضمانات تحول في الراهن الوطني إلى ذريعة . ونعتقد أيضا وهذا الأهم أننا عندما نتوافق على المجتمع المدني الموحد المحكوم بقانون السواء الوطني فإننا نسقط تلقائيا مفاهيم الأقلية والأكثرية بكل أبعاده وأوهامه ..

 

إن المأمول منذ اليوم أن يتفهم العقلاء على كل المستويات أن الشراكة الوطنية لا يمكن أن تقوم وتستمر على أي قاعدة من قواعد الغبن . إن معنى أن تكون الثورة وأن يكون المستقبل لكل السوريين لا يجوز أن يترجم أن على فريق ما أن يخضع ، وأن من حق مكون مجتمعي مهما حظي به من دعم خارجي أن يستأثر . إن المجتمع المدني الذي يلغي مفهوم الأقلية والأكثرية على مستوى الحقوق والواجبات هو المخرج الذي يجب أن يقنع به الجميع . يبدو لنا حتى الآن أنه لا المجتمع الدولي مؤمن عمليا بهذا وجاهز للاعتراف به ، ولا المستفيدون من الواقع القائم الذين يستأثرون بشكل أو بآخر مستعدون أن يتنازلوا عما يستأثرون به .

 

 هناك فريق من المواطنين يغلفون تمسكهم بمكاسبهم الإضافية على حساب المطحونين والمستضعفين من السواد الوطني العام بغلاف القلق والخوف . نعتقد أن المنتظر من هؤلاء طوفان الدم في حياة السوريين إلى الحد الذي وصل إليه أن يتوقفوا عن هذه اللعبة ، وأن يكفوا عن الاختباء وراء عناوين الخوف من الآتي وطلب التطمينات . وأن يسقطوا من حساباتهم في سورية المستقبل أي تفكير بمجتمع أو دولة ( الامتيازات ) .

 

نحن نتذكر قانون الامتيازات الذي أصدره السلطان سليمان القانوني في عهد قوة دولة الخلافة حرصا على اجتذاب المزيد من العلاقات والاستثمارت ، وكيف تحول هذا القانون في عهود الضعف إلى معبر للتدخل السافر في شئون الدولة وإلى الاستعلاء والاستئثار على سواد المواطنين . لن يكون في سورية الغد أي قانون للامتيازات . وكما يحكم الأمريكيون والفرنسيون والبريطانيون والأتراك والإيرانيون وطنهم سوف يحكم السوريون وطنهم بنفس الطريقة واعتمادا على نفس المعايير . لن يحكمهم بعد اليوم ضابط مغامر اختطف دبابة في غفلة ، ولا قنصل متسلل عبر مجموعة اشترى ولاءها بأي ثمن .

 

وفي العصر الثوري الذي دفع فيه السوريون الأوفياء هذا الفيض من الدماء . يجب أن تسقط لغة المداورات والمداهنات الرسالة الوحيدة التي يجب على الجميع أن يتوقفوا عندها هي أن غدنا هو غد المجتمع المدني الموحد ، مجتمع أسنان المشط . وهو شرط الأفق الوطني الذي يجب على الجميع أن يقنعوا ويُقنعوا به من أمامهم ومن ورائهم أيضا. فمن زاد أو استزاد فهو من ربا الجاهلية ...

الأربعاء 26/12/2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحل المستحيل

امين قمورية

2012-12-25

النهار

بعد نحو سنتين من انطلاق الحراك في سوريا، يتأكد عقم الحل الامني الذي لم يكن من شأنه إلا تدمير البلد الذي صار فعلا خرابا.

الحسم العسكري من جانب النظام السوري بات مستحيلا، وهذا ما اعترف به صراحة نائب الرئيس فاروق الشرع قبل ايام. ولهاث المعارضة وراء السلاح كان على مايبدو اسوأ الخيارات، اذ يتأكد يوماً بعد يوم خطأ نظرية "عسكرة الثورة" التي لم تخفف وطأة الكلفة الباهظة بشريا وماديا، لا بل دفعتها صعودا الى ذروة الخسارة التي ينوء تحتها اي شعب.

خريطة الميدان لا توحي بقرب الحسم. صحيح ان النظام لا يزال يمتلك اكبر قوة عسكرية على الارض ويحظى بدعم فئات ودول عدة، لكنه حتما فقد زمام المبادرة من زمان. وصحيح ان قوات المعارضة تسيطر على مساحات واسعة من البلاد، لكنها لا يمكن ان تدعي السيطرة الكاملة على المدن الرئيسية التي يجري فيها القتال بين مد وجزر.

طوال 21 شهرا من القتال لم تشهد الساحة السورية وقفاً للنار، ولا هدنة استراح خلالها المتقاتلون لالتقاط الأنفاس. لم يكفّ الجيش عن تنفيذ عملياته العسكرية

في طول البلاد وعرضها، ولا تراجع تدفق المسلحين والمقاتلين ولا توقف نهر الدم والدمار. كلا الطرفين يرفض الحوار والجلوس الى طاولته وكلاهما يزداد شراسة.

وبينما المجتمع الدولي يتحدث عن حل او تسوية للازمة، تجد سوريا غارقة في القتال حتى النخاع. الخارج في واد والداخل في واد، فاما ان اللاعبين الكبار عاجزون عن وقف القتال واما ان الجميع منخرطون في لعبة التدمير والخراب، وهذا هو الارجح.

حال الحل السياسي ليس افضل من حال الحل الامني، التفاهم الروسي - الاميركي في جنيف لم يوضع بعد على السكة الصحيحة. كل طرف يتهم الطرف الآخر بنقضه. وفي الداخل ثمة سؤال لا جواب عنه عن ماهية الضمانات المقنعة والتي يمكن توفيرها للذين يقفون إلى جانب النظام من أجل التفكير في التخلي عنه، وفي المقابل ثمة اصرار من الطرف المعارض على رفض اي دور لرأس النظام في المرحلة الانتقالية وخصوصا في المرحلة التي ستليها.

في ظل مناخات كهذه، ليس مستغربا ان يغادر الابرهيمي دمشق من دون جواب حاسم عن خطته لحل يبدو مستحيلا اليوم.

الخوف، ان تكون زيارة الممثل الدولي والعربي هي الاخيرة لأرض سوريا تاركا اياها ملعبا رومانيا مفتوحا لاكثر انواع المصارعات شراسة وبشاعة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أيها الإبرهيمي"المتطفل" استقل؟

راجح الخوري

2012-12-25

النهار

عندما جاء هنري كيسينجر عام 1973 الى لبنان استقبل في مطار رياق، فسأل لماذا لم يهبط في مطار بيروت؟ فقيل له " لأن الفلسطينيين يسيطرون على طريق المطار"، فعلّق قائلاً: " إذاً لماذا لا يتسلمون السلطة في لبنان؟"

ولأن الشر يصنع حتفه بيده ها هو الاخضر الابرهيمي يدخل الى سوريا عبر مطار بيروت بعدما قطع الثوار طريق مطار دمشق بالنار، ذلك ان النظام السوري هو الذي صنع المحنة اللبنانية وحروب الآخرين في لبنان، وهو الذي يشكو الآن من حروب الآخرين على ارض سوريا ... فسبحان الله !

واذا كان دخول الابرهيمي الى سوريا عبر مطار

بيروت يشكل مؤشراً مهماً لواقع الوضع الامني في

دمشق، فإن تصريحات وزير الاعلام عمران الزعبي تشكل مؤشراً مهماً ايضاً ولكن لرغبة النظام السوري في نسف مبادرة "جنيف - 2" ( نشرت هذه الزاوية نص بنودها الخمسة الاسبوع الماضي) التي اتفق عليها الاميركيون والروس ويحملها الابرهيمي الذي كان قد طلب موعداً للقاء الرئيس بشار الاسد وإضطر الى ان ينتظر ثمانية ايام في القاهرة!

والابرهيمي الذي عمل وسيطاً في الازمة اللبنانية وعرف طريق دمشق - بيروت لم يكن ليتحمل عناء السفر الى سوريا عبر بيروت - دمشق، لو لم يكن قد حصل على موعد من الاسد، لكن عندما يقول الزعبي في اللحظة التي عبر الحدود "ان الحكومة السورية لم تعلن عن زيارة الابرهيمي ولا علم لها بما اذا كان قادماً الى سوريا ومتى "، فذلك يعني ان النظام يتعمّد توجيه صفعة قوية ومهينة الى الابرهيمي عبر إظهاره كديبلوماسي متطفل انتظر اسبوعاً في القاهرة لتحديد موعد مع الاسد ثم عبر خلسة الى سوريا !

واضح ان الهدف من إهانة الابرهيمي إحراجه لإخراجه ودفعه الى الاستقالة قبل ان يتمكن من تسليم الاسد نص مبادرة "جنيف - 2"، وبهذا لا يكون الرئيس السوري هو من رفض المبادرة لكنها سقطت في الطريق الى دمشق عبر استقالة الابرهيمي، الذي يبدو انه عرف ابعاد هذه اللعبة واراد إفشالها فذهب الى الاسد لتسليمه المبادرة رسمياً على طريقة " اللهم اني قد بلّغت"!

عندما يقرر النظام نسف مبادرته المعلنة على لسان فاروق الشرع والتي رفضتها المعارضة لأنها لا تنص على تنحي الاسد، ثم يحاول نسف مهمة الابرهيمي كي لا يتسلم المبادرة الاميركية - الروسية، فان ذلك يعني في شكل واضح ان قراره هو الاستمرار في الحل العسكري الى النهاية، بما يؤكد ان فصول المأساة ستطول في ظل موازين القوة الراهنة ... وان الطريق الى طرطوس تبقى ورقة الاسد الاخيرة !

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نهاية العالم...

بداية السوريين

عبد الله امين الحلاق

السفير

25-12-2012

نبوءة شعب المايا التي تقول بنهاية العالم وخرابه يوم 21 كانون الأول 2012 نتيجة اصطدام جسم فضائي به، جابت العالم من أدناه إلى أقصاه ليومي 20 و 21 من هذا الشهر، فيما وجد بعض البشر المهدّد وجودهم على سطح البسيطة تبعاً للنبوءة، في تلك الأخيرة مجالاً استثمارياً وباباً للربح العميم. الصينيون صاروا يروجون ما قالوا إنها وسائل إنقاذ من الكارثة المحيقة بالبشر، وسكان جبل «رتاني» في صربيا ما اعتبروا ان منطقتهم هي الأكثر أمناً لمن يرغب في تفادي الهلاك، وهلمجرا.

وإذ يصدر هذا المقال في «السفير» وقد مضى اليوم المرتقب وأيام بعده على خير، من دون أن ينتهي العالم لأي سبب كان، فإن ثمة مصيراً جديداً لبلاد العرب وشعوبها تصنعه اليوم هذه الشعوب معلنة فيه بداية عالم عربي جديد، في الوقت الذي يتحدث غيرهم عن نهاية العالم. سنتان تماماً من عمر ربيعها ولا تزال الشعوب تكابد معاناة دخولها التاريخ من جديد بعد أن أعلن فرانسيس فوكوياما نهايته قبل عقدين، وتعلن قبائل المايا نهايته بحكم الماورائيات الراسخة لديها. ذلك لا يعني بالطبع أن المجتمعات العربية قد غادرت باب الخرافات والجهل والتجهيل وأغلقته وراءها إلى الأبد كما حدث في بلدان انتصر التنوير فيها على سلطة الدين، لا بل إن الدين لا يزال يفعل فعله النكوصي احايين كثيرة في خضم الثورات العربية وما بعدها... إلا أن معركة الحرية والتحرر من انظمة الاستبداد والقمع والقهر والتجهيل المزمن تبدو اليوم معركة عودة إلى العالم تضع نفسها وجهاً لوجه مع شعوذات نهاية العالم وأطروحة نهاية التاريخ.

كان من الواضح قبل لحظة من إشعال محمد البوعزيزي نفسه بأن العرب محكومون بالبقاء خارج التاريخ وخارج دائرة الفعل فيه. الثورات العربية والثورة السورية أعادت العرب إلى الوجود الفاعل الذي يبدأ ببناء الديموقراطيات السياسية ونظم الحريات الاجتماعية. كان ثمة رد فعل في خطاب الأنظمة العربية قاطبة، يفيد بكوارث شتى قد تحيط بالمنطقة والعالم إن سقطت تلك الانظمة. النظام السوري بشّر العرب والمنطقة والعالم بحروب ضروس وفوضى وعدم استقرار مديد إن مس وجوده تهديد. فزاعة الإسلاميين والحرب الواسعة على مستوى المنطقة كانتا لسان حال مسؤولي هذا النظام وصولاً إلى رأس النظام، بشار الأسد. تلاقٍ لافت للانتباه ذلك الذي يجمع النظام السوري بقبيلة المايا وشعوذات نهاية العالم قريباً.

معركة العرب والسوريين من أجل الحرية والديموقراطية والعيش الكريم هي معركة ضد الزيف والخرافة بشكل ما. زيف عدم اهلية السوريين إلا ليكونوا في موقع العبد لحاكم احتل عرش الله على الأرض، وخرافة خراب البلد والمنطقة وربما العالم، إن زال هذا النظام وأقرانه: باقي الأنظمة العربية البائسة. كان السوريون يعيشون خارج العالم بكل معنى الكلمة، ذلك أن ما هو خارج الحدود السورية وما هو داخلها كان ممتنعاً عن السوريين إلا ما شاءت وسمحت به السلطة، في الوقت الذي كانت تجري فيه عملية تجهيل ممنهجة تلتقي مع الزيف والخرافة الدينيين في المآل والنتائج. فمثلما كان الإسلاميون ينسبون كل ما هو ماضٍ ويومي ومستقبلي إلى الغيب وإلى سلطات خفية حصرها الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي بالجن والأرواح، وهو يحاول استجلاب نصوص قرآنية وقَسْرها لتكون في موقع إثبات صحة رؤاه الصالحة... كان السوريون يعيشون في ظل نصوص ودساتير تديّن يومياتهم وتختزلها في فكرة ان وجودهم مرتهن فقط للبقاء في ظل حكم العائلة الأسدية. كيف لا وقد حاز الأسد خوارق ومعجزات تمثلت لدى البعض من المغرمين والمهووسين به وبابنه بظهور وجهه على سطح القمر، وغير تلك من مكرمات أبدعت المؤسسة الدينية المقربة والمتماهية مع «العلمانية الأسدية» في سردها وتقديم البراهين عليها.

طوبى إذاً لقبائل المايا والانكا والازتك تعويذتها وخرافتها القائلة بانتهاء العالم في يوم محدد، مقارنةً بانتهائه منذ 16 تشرين الثاني 1970 في سوريا، وفي تواريخ مختلفة في ملكيات وجمهوريات عربية يمسك زمام القمع فيها حكام بامر الله، وإن تكن كوة الضوء التي تلوح في بداية نفق العذابات الطويل أقرب بما لا يقاس اليوم من أي وقت آخر قبل بدء معركة العودة إلى العالم والأنسنة والتاريخ. كان الزمن يبدو سكونياً في بلدان السجون والقمع الرهيب، بقدر ما يكون ديناميكياً وذا دلالة على تقدم في مسيرة التاريخ وذهاب هذا العالم في سديم لا متناهٍ من الاحتمالات المستقبلية للبشرية جمعاء.

التهويل من نهاية المنطقة والعالم مع سقوط النظام السوري يستدعي رحيل رجال أعمال واقتصاديين وخبرات ومسؤولين من البلد إلى مناطق اكثر أمناً من التداعيات المحتملة لحظة سقوط نظام الزيف الأسدي وخرافاته القروسطوية. هؤلاء يدركون حجم الطوفان الهائل والتغييرات الزلزالية التي سيخلقها انهيار هذه العروش المدججة بالخرافة واستلاب العقل والارداة، عروش رسّخت القبَلية والعشائرية والطائفية، وكأن افتراس الإنسان للإنسان وقتله والتمثيل بجثته أمر عادي في ربوعها وفي معركتها ضد الشعوب الثائرة، بشكل تأنف عن ممارسته أي قبيلة بدائية كانت تنتظر انقراض الإنسان والعالم في 21 كانون الأول 2012.

في المقابل، يبدو أن البشرية استقرت على تطور ما في المفاهيم والأفكار والمعتقدات بما فيها المعتقدات الدينية، وصار من الضروري اللحاق بركبها وإن تأخر موعد الانفجارات الثورية التي تعيد البشر إلى عالم اليوم. وإذا كان ثمة مسيرة ما تصعب معها العودة القهقرى إلى البدائية رغم توزع بؤرها وانتشارها في أصقاع مختلفة على سطح هذا الكوكب، فإن عصراً جديداً يبدأ اليوم في سوريا وفي بلاد العرب يتلو بدائية وغرائزية عقود مديدة، وعنوانه أفول الاستبداد العربي إلى غير رجعة، شأنه شأن العصر الجوراسي والديناصورات، أو بدء العصور الحديثة التي صارت تؤرخ للحضارة البشرية... لا بل وحتى طوفان نوح العميم الذي يبدو ضرورياً اليوم في منطقتنا للعبور إلى بر الامان، وإن شحت سفن النجاة سريعاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السوريّة: العقل والقلب

حازم صاغيّة

الثلاثاء ٢٥ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

مدينة حلفايا الصغيرة ومقتلة فرنها هما السبب الألف للقول إنّ نظاماً كهذا لا يُساوِم ولا يُساوَم معه. والرمزيّة الكامنة في ذاك القصف الجوّيّ لطالبي أرغفة من الخبز باتت عزيزة إنّما تملك من البلاغة ما لا يملكه كلام.

هذا النظام يختطف اليوم مدينة دمشق، آخر معاقله العسكريّة. وهو، في مجرّد استمراره ومعاندته اليائسة، يُبدي الاستعداد الكامل لتحويل العاصمة السوريّة إلى حلفايا كبيرة، بمبانيها ومعالمها وآثارها وأسواقها ومقارّ مؤسّساتها. وحين نسترجع ما حصل في مدينتي حلب وحمص، يغدو الخوف ممّا قد ينتظر دمشق مشروعاً ومبرّراً.

لقد انتقلت الثورة السوريّة على امتداد الواحد والعشرين شهراً المنصرمة من طورها السلميّ إلى طورها القتاليّ، ومنه انتقلت إلى تحقيق تقدّم ميدانيّ ملحوظ أكلافه كانت، ولا تزال، باهظة جدّاً.

والكلفة الكبرى قد تكون تدمير العقل المفترض للدولة والمجتمع، أي العاصمة الحافظة للاجتماع السوريّ وللحظات اشتراكه ووثائق ذاكرته. والحال أنّ الاحتمال الأسود هذا يلاقيه في منتصف الطريق أنّ الثورة السوريّة هي ثورة قلب أساساً: ذاك أنّ التراكم الفكريّ الذي أتاحه نظام الاستبداد الطويل متواضع جدّاً، فيما انكفاء قطاع عريض من المثقّفين السوريّين عن الثورة أضعف ثقافيّتها لمصلحة الدفق المميّز في التعبير العاطفيّ والحميم الذي عبّر عنه سيل من الأعمال الفنّيّة والإبداعيّة. وهذا كلّه معطوف على أنّ الأرياف والبلدات والمدن الصغرى حلّت في المحلّ الوازن الذي انسحبت منه النُخب الدمشقيّة والحلبيّة.

وقد احتلّ موقعاً مركزيّاً من هذا كلّه المكان الذي شغله وعي دينيّ لم يتعرّض لأيّ إصلاح، فاقتصر على لفظيّة شعاراتيّة فقيرة، قليلة الحفول بالمعاني، أو بالآخر الدينيّ والمذهبيّ والإثنيّ، أو بالعالم الأوسع.

ويُخشى، مع تضخّم القلب وانكماش العقل، أن تكمّل بعضُ قوى الثورة فعلَ النظام، ولو من الموقع الخصم وبكثير من حسن النيات، بحيث يتقدّم الحقّ من دون وعي هذا الحقّ وإدراك مترتّباته. ولدينا في التاريخ السوريّ الحديث نفسه سابقة مخيفة، هي يوم مهّد الحقّ العلويّ في رفع الغبن والحرمان المديدين لحركة عسكريّة انبثق منها نظام استبداد كالح يخوض اليوم آخر معاركه وأكثرها تدميراً. ويعرف اللبنانيّون كم أنّ الحقّ الشيعيّ في الدفاع عن قرى الجنوب تحوّل رافعة لـ «حزب الله» الذي صار أكبر العوائق في وجه إقامة الدولة اللبنانيّة. ونعرف أيضاً كيف أنّ الحقّ الفلسطينيّ الذي لا يماري أحد فيه، خسر الكثير من حقّيّته حين انفصل عن الوعي بهذا الحقّ. هكذا تتالت الحروب الأهليّة والأعمال الإرهابيّة فيما تكرّست، تعبيراً عن هذا الحقّ، قيادات دهريّة لا تطالها المساءلة ولا يقربها التغيير.

ثمّ من الذي قال إنّ الذين ثاروا في روسيّا 1917، أو صوّتوا ضدّ النظام القديم في ألمانيا 1933، لم يكونوا ضحايا ومظلومين ومُضطَهَدين، ومع هذا نشأت عن طلبهم لحقّهم وعن رغباتهم المشروعة أنظمة عريقة للاستبداد وللحروب.

وما من شكّ في أنّ مسؤوليّة النظام الذي لا يساوم ولا يُساوَم معه تبقى الأساس في هذا كلّه. بيد أنّ تسجيل المسؤوليّات وتوزيع الحصص عنها لا يحولان دون كارثة تبدو وشيكة في سوريّة وعموم المشرق، كارثةٍ يفاقمها التفاوت بين قلب الثورة وعقلها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاستدارة الروسية

عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

25-12-2012

بحسب ما اتسم به أداء الدبلوماسية الروسية، من مكابرة وبطء شديدين، وعلى نحو ما تميزت به من تأخر وتسويف حتى ربع الساعة الأخير، جاءت استدارة موسكو حيال التطورات السورية المتسارعة، أخيراً، كعملية استدراكية كاشفة عن مدى خطل تلك السياسة المترعة بثقافة الحرب الباردة.

لسنا الآن في معرض التساؤل عن ماهية هذه الاستدارة، ولا عن مغزى حدوثها في هذه المرحلة الحاسمة، وإنما السؤال عن تلك النقطة التي فاضت معها كأس الشراب الروسية، وجعلت ميخائيل بوغدانوف يقول إن بلاده لم تعد تستبعد انتصار المعارضة التي تواصل التقدم على الأرض، ثم يليه فلاديمير بوتن قائلاً من موسكو ومن بروكسل: نحن لا نتمسك بالأسد ولا يهمنا مصيره، ناهيك عن قيام روسيا بإرسال سفنها إلى البحر المتوسط لإجلاء رعاياها عندما تدق الساعة السورية.

وبمعزل عن الهذر الذي يواصل سيرغي لافروف ترداده من أن روسيا لم ولن تغير سياستها تجاه سورية، وأن وريث الجمهورية لن يذهب إلى أي مكان آخر، فإن من المرجح أن موسكو قد استنتجت أن الاستثمار السخي في بشار الأسد كان بلا طائل، وأنه قد آن أوان وقف متوالية الخسائر الباهظة، والبحث عن مقعد حول مائدة المفاوضات الوشيكة، قبل أن يحدث الانهيار الذي بدأ الخبراء الروس في طرطوس وجوارها يرون تشققاته بأم أعينهم.

وبالعودة إلى ماهية النقطة التي ملأت كأس موسكو، فإن من المرجح ألا تكون هذه النقطة قد تكثّفت من أبخرة المفاوضات الروسية–الأميركية، أو تكونت من سحابة تفاهمات عبرت رواق عملية دبلوماسية تخص مسألة تأمين خروج آمن للأسد وبطانته، بقدر ما أنها خلاصة لحظة سورية صادمة لمطبخ القرار الروسي، ونعني بها لحظة قطع طريق مطار دمشق الدولي، وفشل قوات الأسد من إعادة فتحه بصورة آمنة ، الأمر الذي أشعل لمبة حمراء، وفتح العيون الزرقاء على اتساعها إزاء حقيقة أكبر من أن يتم التغاضي عنها.

ذلك أن مطار دمشق ليس معبراً حدودياً نائياً مع تركيا أو العراق، يمكن غض الطرف عن مدلولاته الجزئية، والتعالي عن نتائجه الهامشية، وإنما هو العلامة الفارقة في مسار أزمة خرجت تماماً عن نطاق السيطرة، بدت أشبه ما تكون بالهدف النهائي في مباراة كرة قدم أوشكت على الخاتمة. وهو متغير جوهري أحسب أن موسكو قد التقطت فحواه العميق، وكفت منذ تلك اللحظة عن سياسة الإنكار المديدة.

في غضون النصف الثاني من هذا العام، حدثت ثلاث وقائع مفصلية في مجرى الأزمة السورية، كانت كل واحدة منها ذات آثار بعيدة المدى. أولاها، إسقاط الطائرة التركية في حزيران (يونيو) الماضي، وهي إهانة ردت عليها أنقرة بتمكين الجيش الحر من بدء سيطرته على الشمال الحلبي وفرض معادلة عسكرية جديدة. والثانية كانت في تموز (يوليو) الماضي حين تم القضاء على خلية الأزمة، وهو الحدث الذي كسر صورة الأسد. أما الثالثة، فقد تمثلت في إغلاق الطريق إلى مطار دمشق، وأدت إلى حمل موسكو بعد لأي شديد على إحداث هذه الاستدارة.

قد يمر وقت إضافي حتى تستكمل روسيا استدارتها التامة، وترفع يدها عن أول حاكم مستبد في التاريخ يقصف عاصمة بلاده بالطائرات. إلا أن هذه الاستدارة قد بدأت عجلتها بالدوران البطيء، وستمضي إلى أن تكتسب قوة دفع ذاتي متدرج مع الزمن الذي لا ينتظر كثيراً، وتمخر البرزخ نحو أعالي البحار العميقة، مدفوعة بتيار جارف من التطورات السورية المندفعة حثيثاً نحو نقطة اللاعودة الناجزة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري وصناعة الفشل

تاريخ النشر: الثلاثاء 25 ديسمبر 2012

الاتحاد

مرت العقود الأربعة الأخيرة على المجتمع السوري وكأنها دهور بأكملها، حيث عانى فيها أبناؤه من أشد أنواع القمع والبطش ولم يعرفوا الراحة والسعادة ولو لفترة زمنية قصيرة، ولم يكن من الممكن لأي كان أن يتصور أن بنية سياسية وعسكرية مغلقة على ذاتها، ولها مراكز قواها وحلقاتها المتراكبة والمعقدة، مثل بنية هذا النظام الأسدي الديكتاتوري، ستبدأ بالتفكك والانهيار والذوبان ككثبان الرمل تحت ضربات سواعد أبناء هذا الشعب المظلوم، ومن دون أية تدخلات خارجية.

وهكذا فقد كانت سوريا -الوطن والإنسان والجغرافيا والدور والمكانة- مغيبة عقوداً طويلة عن ذاتها وتاريخها وهويتها الوطنية الحقيقية، هوية الحضارات العظيمة التي صنعها أبناؤها على مدى التاريخ كله... وكانت مستبعدة كذلك عن دورها ومكانتها الحيوية المعروفة والطبيعية التي وفرتها لها جغرافيتها وغناها البشري والطبيعي، بسبب ما فعله بها نظام البعث الانقلابي الذي دخل جسد هذا البلد في غفلة من الزمن، كداء الطاعون الذي لا يترك جسداً إلا بعد أن يصيبه بعاهات وأمراض مستديمة. وهكذا لم تستفد سوريا كدولة ومؤسسات وشعب ومجتمع من ثروات وموارد وطاقات البلد إطلاقاً، بل بقيت حكراً على نخبة خاصة وطبقة وفئة قليلة من أهل السلطة ومن لف لفهم من الأعوان والمحازبين والمنتفعين من هنا وهناك ممن كانوا يطبلون لنظام الأسد، ويزينون له أعماله وأفاعيله السيئة بحق المواطن والمجتمع والدولة السورية حتى وصل شره إلى كثير من دول المنطقة العربية. كما أن الشعب لم ينتفع أبداً من هذا الوجود الجغرافي الحيوي المهم لسوريا على مفترق وتقاطع طرق برية وبحرية وجوية حيوية ومميزة لم تتوافر لغيره كان يكفي نظامها أن يجلس بكل هدوء وأريحية، ويجبي الأموال التي يمكن أن تأتيه فقط كضرائب من حركة النقل وعبور الترانزيت (بكل أنواعه) عبر بلده. ولكن للأسف تحول هذا الموقع الاستراتيجي المهم والنوعي من نعمة إلى نقمة، ومن خير إلى شر في ظل وجود هكذا سلطة ديكتاتورية انعدمت عندها حتى أدنى درجة من درجات قيم الضمير الوطني.

وقد عطل هذا الواقع القسري المفروض على البلد حالياً نتيجة انعدام حس القيادة الواعية، وعدم وجود أدنى وازع أخلاقي مسؤول لدى النظام السوري، كافة مواقع التنمية والعمل والفاعلية والإنتاج لدى المواطن السوري، وضاقت به سبل الحياة والعيش حتى بأدنى مقوماته، وبدأ الجميع بالبحث عن ملاذات آمنة من هول البطش المفروض عليهم، يراه البعض في الدين والآخر في الطائفة... وثالث في انعدام العيش مع هذه الطائفة أو تلك… الخ.

وهكذا انطلق النظام ليستثمر في كل شيء قد يحقق له وجوده اللاشرعي في الحكم رغماً على إرادة الناس وأفراد المجتمع السوري... وها هو يستخدم الغول الطائفي والطائفية المقيتة كأسلوب سياسي للاستمرار في السلطة والتسلط على رقاب البشر.

أربعون عاماً لم ينفك النظام يلوك خلالها مقولات المؤامرة والاستعمار الخارجي والإمبريالية والصهيونية والتدخل الخارجي، المكشوفة من قبل هذا الشعب الذي قام لاحقاً بفضحها لا بل ثار عليها، وقال للنظام إن تلك اللغة باتت قديمة، وهي عدة معطوبة وبضاعة فاسدة غير نافعة، بعد أن فقدت مصداقيتها على الفهم والتشخيص، بقدر ما أصبحت أداة للحجب والتضليل والتحريف وتزييف الوعي. وهكذا ما كان من أنظمة حكمنا القومية في العراق وسوريا، حيث رأينا كيف أن النظام السوري عجز عن إدارة أزمته الوجودية بصورة يحفظ فيها أمن وحرية شعبه، وطالما أنه بات عاجزاً عن تأمين مبادرات حلول ناجعة منذ بداية الأحداث كان لابد من محاسبته ومساءلته. وسيكتب قريباً الانتصار لهذا الشعب العظيم، وتحقيقه للدولة المدنية القادرة والقوية، دولة العدالة والحرية والمؤسسات.

محمد عمر البستاني  

ينشر بترتيب مع مشروع «منبر الحرية»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في سوريا تدخّلْ ولا تتوقف!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

25-12-2012

ملخص ما يدور اليوم في الأزمة السورية أن الجميع بدأ يفكر، ويتحرك، من أجل مرحلة ما بعد الأسد، رغم كل ما قيل وما يقال، وبالطبع فإن هناك من يتحدث بسذاجة، وهناك من يتحدث بخبث. ولذا، فلا بد من التنبه للمرحلة القادمة بشكل حذر، وأفضل مما تم في تجارب أخرى، ومنها طريقة التفاعل مع الثورة السورية في بدايتها.

ففي تاريخنا الحديث تجربتان لا بد من تأملهما: الأولى أفغانستان، والثانية العراق، وفي كلتيهما كان التدخل العربي، والغربي، فاشلا، وكانت عواقبه وخيمة. في أفغانستان، إبان غزو الاتحاد السوفياتي، تم تصوير الأمر على أنه جهاد، وكان ذاك خطأ، وكان الخطأ الأكبر والقاتل هو ترك من سموا «المجاهدين» الذين ارتدوا بعد ذلك على من رعاهم، وسلحهم، سواء في المنطقة، من السعودية إلى غيرها، أو غربيا مثل أميركا وبريطانيا وآخرين. فنصف التدخل أخطر من عدم التدخل، وهذا كان درس أفغانستان التي تحولت إلى وكر للإرهابيين. أما العراق، فالخطأ الكبير كان هو عدم إدراك واقع أن الأميركيين عازمون على الغزو، وكان يجب التدخل عربيا، ليس لنصرة الغزو، وإنما لتعقيل الثور الأميركي الهائج، الذي قام بحل الجيش، وضرب النسيج العراقي، ثم سلم العراق كاملا لإيران، ومن هنا كان درس غزو العراق هو أن عدم التدخل تماما كان تضحية بدولة عربية كبيرة ومهمة.

اليوم ونحن أمام التجربة السورية، المختلفة عن كل التجارب العربية حيث إن سوريا مطمع لكل ذئاب المنطقة، وعلى رأسهم إيران، وحزب الله، وإسرائيل، وهي مطمع أيضا لـ«الإخوان»، والمتطرفين، خصوصا بما تمثله سوريا دينيا من الناحية التاريخية، حيث من السهل دغدغة مشاعر السذج حول دور سوريا التاريخي في الحروب، والفتوحات. والأخطر من كل هذا، هو الدعاية الخبيثة عن وجود تنظيم القاعدة في سوريا، والهدف من ذلك ليس اليوم، بل الغد. وللتوضيح، فإنه عندما يقال اليوم بأن هناك متطرفين في سوريا فليس بمقدور أحد أن يجزم بذلك، أو ينفيه، ولذا تجد كثرا من العقلاء يقولون: «في حال كان هناك متطرفون»، لكن الهدف الحقيقي لأصحاب الحملة الخبيثة المكرسة لقصة وجود «القاعدة» هو أنه بعد سقوط الأسد، واندلاع الأعمال الإرهابية، فحينها سيكون من السهل القول بأن من يقف خلف ذلك الإرهاب هو «القاعدة»، وعلى طريقة ما حدث في العراق. والحقيقة أن «القاعدة» في العراق لم تعمل إلا برعاية إيرانية، فالزرقاوي كان من ضمن زوار إيران، مثل غيره من قيادات «القاعدة» التي يقيم بعضهم في إيران الآن.

ولذا، فالمفروض اليوم أن تكون هناك استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعد الأسد من قبل العقلاء العرب، وتكون قابلة للاستمرار، حتى بعد سقوط الطاغية، وأيا كانت الأوضاع، وتكون استراتيجية واضحة للضرب بيد من حديد على كل من يحمل السلاح بعد سقوط الأسد، مع ضرورة تجنب كل أخطاء الربيع العربي، وأبرزها انقلاب مصر الإخواني. ولذا، فالمطلوب بكل بساطة هو أنه على من يتدخل في سوريا الآن أن يواصل التدخل حتى بعد سقوط الأسد، ولا يتوقف، فنصف التدخل أخطر من عدم التدخل الكامل، والعراق خير مثال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما بعد سقوط الأسد

أنور بن ماجد عشفي

عكاظ

24-12-2012

إن أهم ما يشغل الدوائر السياسية في العالم هو ما يحدث بعد سقوط النظام السوري، فهل سقوطه ينهي الحرب الأهلية؟ أم ينذر بفصل جديد من الأحداث هو الأخطر؟ فإذا كانت المعارضة المدنية تتقدم ببطء في ترتيب أوراقها لتشكل حكومة في الخارج تستطيع أن تمسك بزمام الأمور في الداخل بعد سقوط النظام، فإن المعارضة العسكرية الممثلة في الجيش الحر تتقدم بخطى أسرع، فهي تتقدم في دمشق وفي حلب ودير الزور، فتدمر المراكز العسكرية، وتستولي على القواعد ومخازن السلاح، وأصبحت تمتلك الصواريخ المضادة للطائرات، والدبابات، والمدافع.

لقد نجحت في طرد القوات الحكومية من قرية تلو الأخرى، واستطاعت بناء مؤسسات أولية في المناطق المحررة، فخرج بذلك قسم كبير عن سيطرة الحكومة، إن هذا النجاح إذا لم يتوج بحكومة مركزية قوية تنبثق من الحرب الأهلية القائمة فإن سقوط النظام المفاجئ سوف يعزز صراعا بين القيادات العسكرية، وقد تبرم تحالفات بين المجموعات العسكرية بحسب الروابط القبلية والمناطقية، ويظهر وقتها أمراء الحرب كما حدث في الصومال.

فإذا ظهرت دولة علوية، وأخرى كردية، ودرزية، فإن بريق الأمل سوف يدفع حزب الله إلى التحالف مع الدولة العلوية، وقتها تستطيع إيران أن تجد لها موطئ قدم من جديد على الأرض والساحل، وسوف يضمن الروس حليفا جديدا يتمتع بمواقع استراتيجية على البر والبحر، عندها يشتد الصراع مع إسرائيل، ويتم ابتزاز تركيا وإيران، خصوصا إذا تحركت القاعدة والمجموعات الإرهابية تحت هذه المظلة.

إن وقوفنا بأياد مكتوفة انتظارا للنتيجة، والدول الأخرى للمتابعة والتشجيع دون تحسب لما يحدث في المستقبل، فإن النتيجة قد تكون كارثية ليس على الأمة العربية وحدها بل حتى على الموقف الدولي، ولا بد من تسريع المعارضة السورية في الخارج كي تشكل حكومتها وتتفاعل مع الداخل وتستبق الحدث بعيدا عن روح الانتقام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صفقة الروس بالأسد!

حسين شبكشي

الشرق الاوسط

24-12-2012

سوريا والسوريون مستمرون في مخاض الخلاص من نظام مجرم خانق ضاق الجثام على صدورهم. الثورة السورية تبدو أنها تقترب بخطوات واثقة ومطمئنة وحثيثة نحو الخلاص من الأسد وزمرته المجرمة، وسط التذبذب الصادر والرسائل المتفاوتة التي تخرج من قبل المجتمع الدولي، وتحديدا من فرنسا وأميركا وروسيا، عن اتفاق ما بين هذه الأطراف بالخلاص من حقبة الأسد وتأمين خروج له، إلا أن روسيا سرعان ما تعود إلى مواقفها المتصلة في الدفاع عن الأسد بقوة وحسم؛ لتوضح أنها لن تتخلى عن الأسد.

روسيا كان لديها موضع قدم في الشرق الأوسط في مناطق مختلفة من بلاده؛ في مصر واليمن والعراق وليبيا وسوريا، وفعليا لم يتبقَّ لها من الوجود في الشرق الأوسط لها إلا سوريا، وهي تحس بالخديعة التي حصلت لها في القرار الأطلسي بالتدخل في ليبيا، وأن روسيا تم «الضحك عليها»، وهي بالتالي لن تسمح بالتضحية «بسهولة» بوجودها المهم في سوريا دون مقابل مهم. روسيا تدرك تماما أن لها مصالح كبرى ومهمة، وجالية يفوق تعدادها الـ200 ألف نسمة في سوريا، وتبادلا تجاريا قويا؛ ولذلك ومع قناعتها بأن حقبة بشار الأسد شخصيا قد انتهت، ولكن نظامه باقٍ ويجب إخراج شخصية منه لضمان استمرار النفوذ الروسي فيها لأطول حقبة ممكنة من الوقت.

الاتفاق لإخراج بشار الأسد كان يجب أن يمر عن طريق روسيا؛ لأن الروس «عمليون» ويدركون أن لكل شيء تسعيرة وفاتورة، فليس النظام السوري ذا عقيدة سياسية ولا دينية يضحي الروس لأجله، إلا أن المصالح الروسية هي الحكم في ظل تقلص رهيب لنفوذها في منطقة جغرافية من العالم كانت تقليديا هي الحصن الأساسي لسياساتها العسكرية والاستخباراتية.

الجيش الحر والمعارضة السورية السياسية لديها قناعات كاملة أن وقت الصفقات قد انتهى أوانه، وأن الأرض هي الحكم، ويستشهدون بذلك بالحراك المتطور والتقدم اللافت والمميز للجيش الحر في أكثر من موقع بالقرب من معظم المدن الكبرى بلا استثناء، وبشكل مهم، ويعتقدون أن الأمر برمته بات مسألة وقت بسيط جدا وتسقط المدن الكبرى في قبضة الجيش الحر والثوار. والنظام بمعونة الروس يعتقد أن العتاد الثقيل من صواريخ «سكود» وأسلحة كيماوية وغيرها لم يتم استخدامها حتى الآن ورقة أخيرة بيده وبيد من يؤيده، ولكنها مغامرة وخيمة العواقب في ظل وجود تهديد دولي، وكذلك توقع انشقاقات كبرى في الجيش إذا ما تم الإقدام على تلك المسألة الخطيرة.

سوريا دخلت نفقا أخيرا، وهناك مناخ الساعات الأخيرة والحاسمة يلوح في الأفق، جيوب داخل الجيش وداخل الاستخبارات مخترقة بوضوح من الثورة ومن الجيش الحر بتسريب كافة تحركات قوات النظام، وتمكن الثورة من الإجهاز عليها بشكل استباقي فعال ومدهش. الانهيار في الوضع الإنساني يزداد، والنقمة على النظام داخليا باتت بلا حدود. ومع ظهور قوات «جهادية» تقاتل مع الثوار داخل سوريا، إلا أن النظام استعان هو الآخر بقوات من حزب الله بلبنان وجيش المهدي من العراق، وغيرها من الميليشيات الطائفية؛ ليزداد السعير الطائفي في معركة سيئة وبشعة أسالت الدماء وقتلت الآلاف.

بشار الأسد انتهت أوراق اللعب من يده، وبات هو ورقة بالية في أيدي الروس يلعبون به لتنفيذ شروط قياسية لهم في صفقة سوريا الأخيرة، والغاية منها هو تحقيق أرباح ومكاسب في الغاز الآسيوي والصواريخ الأوروبية. سوريا والأسد هما مجرد ملعب لتلك الصفقة. الأسد مصيره حُسم، وسلاح الثوار سيخرجه من الحكم قريبا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية وحديث الصفقات والتسوية

خورشيد دلي

ايلاف

24-12-2012

لا يتوقف الحديث هذه الأيام عن صفقة روسية – أمريكية بشأن الأزمة السورية، بل ثمة قناعة عميقة لدى كثيرين بأن هذه الأزمة ليست لها حل دون صفقة أو تسوية يتفق عليها الجانبان، ولعل ما عزز من هذه القناعة المحادثات التي جرت مؤخرا في دبلن بين وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ونظيرها الروسي سيرغي لافروف، ومن ثم في جنيف بين نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف ونظيره الأمريكي ويليام بيرنز بحضور المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي، وقبل هذه المحادثات تلك التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تركيا وما قيل وقتها عن مبادرة تركية قال عنها بوتين إنها مبتكرة. في كل هذه المحادثات، ثمة عناوين أساسية تتقاطع مع مواقف سياسية للأطراف المعنية، وهي مواقف تبدو متغيرة مقارنة بالسابق. ولعل في أهم هذه العناوين : الدخول في مرحلة انتقالية، تشكيل حكومة وحدة وطنية بصلاحيات كاملة، التحضير لانتحابات عامة ورئاسية، ولعل النقطة الوحيدة غير المحددة أو الواضحة، هي مصير الرئيس بشار الأسد، على نحو هل سيكمل ولايته الرئاسية أم لا ؟ وكيف ستكون صلاحياته خلال الفترة الانتقالية ؟ وماذا بعد أنتهاء ولايته ؟ هذه العناوين هي أبرز نقاط التسوية المنشودة ، وهي عناوين تدعمها مواقف سياسية للأطراف المعنية بالأزمة ، ولعل من أهم المواقف :

1- التأكيد الروسي اليومي على أن موسكو ليست في موقع الدفاع عن النظام في سوريا وأن ما يهمها هو مصير سوريا وليس النظام، وهي هنا تتحدث بلغة المصالح والاستراتيجيات وحسابات الريح والخسارة ومحاولة الحد من التداعيات... طبعا كل ذلك من خلال التحول إلى طرف أساسي في التسوية المنشودة.

2– الموقف الأمريكي سبق الموقف الروسي بهذا الخصوص، فانتقادات كلينتون المبكرة للمجلس الوطني السوري الذي حل محلة عمليا ائتلاف الدوحة، ومن ثم وضع واشنطن جبهة النصرة على قائمة الإرهاب، كان ذلك بمثابة مسار أمريكي لترتيب البيت السوري المستقبلي بما يؤائم السياسات الدولية، وبما يعني رسالة أمريكية لروسيا، مفادها: ضرورة الانخراط في العمل من أجل إقامة دولة مدنية تعددية في سوريا وعدم الإفساح في المجال أمام دولة دينية تهدد مصالح الطرفين، ولعل ما زاد من خشية الطرفين بهذا الخصوص هو صعود نفوذ جبهة النصرة وغيرها من الجماعات الجهادية في سوريا.

3- على الصعيد السوري ، لايمكن النظر إلى التصريحات التي أدلى بها فاروق الشرع نائب الرئيس السوري حول عدم إمكانية حل الأزمة عسكريا من قبل الطرفين وضرورة التفكير بتسوية تاريخية الا كرسالة من النظام بالاستعداد لتسوية ما،على شكل قناعة بعدم جدوى النهج العسكري وذلك بعد نحو سنتين من تفجر الأزمة.

4- إيران بدورها التقطت الرسالة، فأرسلت نائب وزير خارجيتها عبدالله اللهيان إلى موسكو، حاملا معه ورقة للحل من ست نقاط، وهي تختلف عن الأفكار الأمريكية – الروسية في دبلن بطرح الحوار بين النظام والمعارضة، على ان تبدأ المرحلة الانتقالية من ما سيتم الاتفاق عليه خلال الحوار بين الجانبين حسب خطة الحل الإيراني.

5– الخطة التركية والتي لم يعرف منها سوى أن يسلم الرئيس الأسد سلطاته خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام المقبل والذي لم يبقى منه سوى أيام قليلة. في الواقع، من الواضح ان كل طرف يحاول في هذه الخطط تحقيق تسوية تتناسب مصالحه وحساباته السياسية ورؤيته الاستراتيجية، ومن الواضح أيضا ان النقاط التي تم الاتفاق عليها في دبلن باتت بعهدة المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي لنقلها إلى القيادة السورية خلال زيارته المرتقبة لدمشق. بما يعني ان مسار الأزمة باتت أمام احتمالين حاسمين: الأول : إمكانية دفع التسوية إلى أرض الواقع، وهذا يتوقف على رد القيادة السورية على ما سيحمله الإبراهيمي، ومثل هذه التسوية تبدو ممكنة التطبيق إذا وافقت عليها القيادة السورية، نظرا لوجود اجماعي دولي وإقليمي عليها، رغم الاختلاف بشأن بعض التفاصيل. الثاني : ان رفض ما سبق ، يعني فتح الأبواب على مصراعيه للميدان ، ولعل لكل من النظام والمعارضة العسكرية، القدرة على تدمير ما تبقى من سوريا، سوريا المدن والإنسان والتاريخ والجغرافية ..على شكل كارثة لم يشهد التاريخ لها مثيل. أسابيع وربما أشهر قليلة، سيتحدث التاريخ عن نهاية قصة، لعلها الأبشع في تاريخ سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

روسيا تخاف على سوريا وليس على نظام الأسد

جهاد المومني

الرأي الاردنية

23-12-2012

دخلت روسيا مرحلة الخوف على سوريا والقلق على مستقبلها بدلا من خوفها وقلقها على مصير النظام في دمشق كما كان الموقف الى ما قبل اسبوعين من الان ,وهذا بحد ذاته تطور يشير الى ان موسكو لم تعد تتمسك بنظام الرئيس بشار الاسد لكنها لا تنوي التخلي عن حصتها في سوريا بعد بشار مكررة بذلك مصابها في ليبيا التي خسرتها مع زوال نظام القذافي .

روسيا تعلن انها تتفق – الى حد ما – مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالحل الواقعي للأزمة السورية ,والحل وفقا لآخر تطورات الموقف الروسي يتمثل في انتقال سلمي على اساس الحوار ,هذا التطور حدث بعد لقاء واحد أميركي روسي خصص للبحث في المأزق السوري من وجهتي نظر متناقضتين تماما ,غير أن نتائج الحوار لا تظهر قدرا كبيرا من التناقض ,فلا الولايات المتحدة متمسكة باسقاط النظام لصالح الجماعات المسلحة , ولا روسيا متمسكة بالنظام لدرجة المجازفة بفرصة البقاء في سوريا بعد سقوطه المتوقع في اي وقت.

تريد موسكو ان تكون حاضرة في سوريا بالنظام الحالي او بدونه وهذا حق لها كدولة عظمى لها مصالحها في هذا البلد العربي, لكن تجارب روسيا قديمها وحديثها تشير الى ان موسكو لم تحتفظ بمصالحها في اي بلد في العالم بدون موافقة الغرب على ذلك ,او انها خسرت جميع معارك التزاحم على المناطق الحيوية مع الغرب ,حتى انها تظهر ضعفا امام الولايات المتحدة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي المستقلة التى تقع على حدودها وجميعها تسعى في العلن الى علاقات (حسن جوار ) مع روسيا ,وفي السر الى علاقات استراتيجية مع واشنطن ,وفي العشرين سنة الماضية خرجت روسيا عمليا من عشرات الدول حتى بصفة صديق او شريك ,فقد خرجت من اوروبا الشرقية سياجها الغربي ,ومن اسيا الوسطى ولم تعد حليفا موثوقا لا لكوبا ولا لفنزويلا ولا لكوريا الشمالية ,اما في زمن الربيع العربي فقد خرجت روسيا من ليبيا لصالح خصومها بعد سلسلة خسارات تاريخية في العالم العربي بدءا بمصر السادات ويمن عبد الله صالح ,وعراق صدام .

لقد اخرجت اموال العرب روسيا من افغانستان بشعب افغاني وسلاح أميركي,وهذا الهاجس لا ينفك يؤرق الروس الذين لا يملكون النفوذ ليفرضوا ارادتهم على بعض العرب,ولا المال ليدفعوا للبقية منهم كما تفعل الولايات المتحدة, وفي هذه الحالة تبقى من نصيبها الانظمة اليائسة ذات اللون الرمادي والتي تنتظر الدعوة من الغرب كي تحذو حذو مصر في عهد السادات وتقول لموسكو وداعا ومنها النظام السوري والسوداني والايراني وغيرها ,لكن الربيع العربي داهم بعضها قبل ان تتمكن من الانتقال الكامل الى الطرف الآخر.

ويمثل النظام السوري في هذه المرحلة النموذج الاكثر وضوحا لهذه الدول ,فلا هو قادر على اقناع الغرب بقدرته على أن يكون صديقا يحول دون وصول المتطرفين الى حكم سوريا ,ولا هو قادر على الاحتفاظ بتحالفه مع روسيا التي بدأت بالفعل البحث عن مصالحها في مرحلة ما بعد سقوط النظام,وهذه هي الترجمة العربية لتصريحات الرئيس فلاديمر بوتين الاخيرة حول سوريا ,ومن نبرة حديثة نفهم ان روسيا غير متمسكة بالرئيس بشار الاسد ولكنها مع ذلك لا تتخلى عن مستقبلها في سوريا ,ليس بهذه السهولة, حتى ولو في اطار تفاهم مع الولايات المتحدة .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حين تقاتل إيران لإسناد النظام السوري!! * ياسر الزعاترة

الدستور

23-12-2012

بات واضحا أن إيران وحلفاءها في العراق ولبنان قد باتوا يستشعرون أكثر فأكثر ثقل اللحظة الراهنة التي يعيشها النظام السوري، ولذلك لم يكن غريبا أن تتوالى المواقف والخطوات التي تحاول إسناده تحت وطأة الخوف من انهيار سريع ومفاجئ بسبب توالي تقدم الثوار مع الشعور بتقدم الائتلاف الوطني السوري كممثل شرعي للشعب السوري معترف به من العالم أجمع.

من المؤكد أن إسناد النظام ونخبته العسكرية والأمنية (غالبيتها من العلويين) معنويا قد بات أمرا ملحا، في ظل احتمال لم يعد بالإمكان استبعاده ممثلا في مبادرة تلك النخبة إلى تنفيذ انقلاب عسكري تعرض بعده على المعارضة تسليم السلطة مقابل ضمانات معينة تتصل بها وبالأقلية العلوية من ورائها، هي التي تدرك أن خيارا من هذا النوع سيحظى بدعم دولي كبير في ظل مخاوف كثيرين من سيطرة المجموعات الإسلامية على الوضع التالي بعض سقوط بشار، فضلا عن مخاوف وقوع الأسلحة الكيماوية بيد تلك المجموعات.

خلال أيام قليلة رأينا تأكيدات إيرانية متوالية تنفي تداعي النظام، وتصر على تماسكه العسكري، كما حصل مع تأكيدات نائب وزير الخارجية وآخرين، فضلا عن الخطة الإيرانية ذات الست نقاط التي عرضت وتنطوي على محاولة الإيحاء بإمكانية إيجاد حل سياسي، وهي خطة لا يمكن تجاهل ما تنطوي عليه من تراجع رغم استحالة قبولها من قبل المعارضة.

الأهم، هو دخول حسن نصر الله على الخط بتأكيده استحالة سقوط النظام عسكريا، وهنا يبدو من الصعب الجزم بطبيعة المساعدة العسكرية التي تقدمها إيران وحلفاؤها للنظام، مع علمنا بالمدد العسكري والمالي والتخطيطي الذي لم ينقطع، لكن تأكيد نصر الله يدخل في ذات السياق المتعلق بالإسناد المعنوي لنخبة النظام التي تقاتل الثوار، والتي تتحكم عمليا بالوضع أكثر من بشار نفسه، والذي يمكن القول بكل بساطة أنه أصبح رهينة بيدها لا أكثر ولا أقل.

لم يتوقف الأمر من طرف حزب الله على خطاب نصر الله، بل تجاوزه لترتيب مقابلة مع فاروق الشرع أجراها رئيس تحرير صحيفة الأخيار اللبنانية المعروفة بصلتها بحزب الله؛ تمويلا في السابق، وتحريرا في الوقت الحالي بعد أن ترأس تحريرها إبراهيم الأمين المقرب من الحزب، وإن سعت إلى إعطاء الانطباع بوجود لون يساري لتوجهها التحريري.

نعرف ما ورد في المقابلة، لكننا لا نعرف أصلا ما تم حذفه منها، وهل أعطاها فاروق الشرع للأخبار التي يعرف ماهيتها بإرادته أم لا؟! مع ذلك فما يعنينا أن المقابلة قد تمت، وهناك ما هو مهم فيها لجهة الاعتراف مثلا بأن النظام هو الذي سعى إلى عسكرة الثورة في البداية، أو تمنى ذلك، بينما يشتكي اليوم من كثرة المجموعات المسلحة.

في المقابلة الكثير مما لا يرضي النظام، لكن فيها ما هو مطلوب من طرف حزب الله وإيران ممثلا في التأكيد على استحالة الحسم العسكري للصراع، لا من طرف النظام، ولا من طرف المعارضة، وهي محاولة لدفع الجميع نحو البحث عن مخرج سياسي ينقذ إيران من هزيمة كبيرة تؤثر على منجزاتها في العراق ولبنان.

المشكلة أن إيران تبعا لهذه اللعبة لم تقدم للمعارضة ما يمكن أن يشكل أرضية للنقاش، ويبدو أنها بتأكيدها على قدرة النظام على البقاء إنما تسعى إلى دفع بعض أطراف المعارضة إلى الحوار معها على أسس للحل، وربما أرادت أيضا من خلال ذلك إطالة أمد المعركة من أجل مزيد من التدمير كي لا يكون البلد قادرا على التأثير على حلفائها، وربما مهدت للدويلة العلوية رغم عبثية هذا الخيار.

ما يمكن أن نقوله في هذا السياق هو أن إيران تتخبط في حركتها السياسية بشكل واضح، والسبب الأهم هو خوفها من سقوط بشار، وما سيترتب عليه، ليس فقط على منجزاتها في العراق ولبنان، بل وهو الأهم، تأثيره على وضعها الداخلي في ظل تصاعد العقوبات واحتمال اندلاع انتفاضة داخلية.

قلنا من قبل إن إيران ستدرك ذات يوم ليس ببعيد أن دعمها لبشار الأسد في حربه ضد شعبه سيكون القرار الأسوأ في تاريخها منذ انتصار الثورة نهاية السبعينيات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شعّار لبنان وشعّار سوريا

احمد عياش

2012-12-23

النهار

في الوقت الذي كانت الطائرة التي نقلت وزير الداخلية السوري محمد الشعار من دمشق تحط في مطار رفيق الحريري الدولي هذا الأسبوع، كانت الطائرة التي سافر على متنها مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار الى أوروبا تذهب وتعود من دون أن يكون الشعار من ركابها العائدين الى الوطن. انها مفارقة بلا ريب أن يشعر بالامان في لبنان الوزير السوري الذي فقد الأمن في عاصمة بلاده بعد الانفجار الذي استهدف وزارته وكاد أن يكون من الضحايا، فيما يغادر رجل الدين البارز والشيخ الجليل وطنه بعدما فقد الأمان فيه طلباً للسلامة في قارة أخرى.

قد تكون المفارقة محدودة لولا المعلومات الخطيرة التي أدلى بها مواطن سوري استطاع الفرار من جحيم بلاده وأماط اللثام عن معطيات محاولة الاغتيال التي كان يعتزم النظام السوري ان ينفذها بحق المفتي الشعار. وبالتالي فإن وزير داخلية هذا النظام الذي يدبّر الاغتيالات لرجالات لبنان يجد نفسه آمناً في مسرح الموت الذي يديره في البلد المجاور لبلده الذي أصبح مسرحاً لصراع البقاء بينه وبين شعبه.

الوزير السوري والمفتي اللبناني ينتميان الى أسرة واحدة وكما هو حال الكثيرين في سوريا ولبنان. لكنهما يفترقان وبينهما هوة شاسعة بسبب انتمائهما الى عالمين متناقضين: عالم الاجرام الذي يتصف به النظام السوري وعالم الحرية الذي أينع في لبنان منذ زمن بعيد وخرج من قبضة دمشق باغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005.

لأن الحديث يدور حول مفارقة فإن الذروة فيها هو أن يدير المسؤولون اللبنانيون على مختلف المستويات الأذن الصماء ليس للمعلومات التي تكشف ضلوع النظام السوري في محاولة اغتيال المفتي الشعار بل لصرخات طرابلس التي تحدث عدد من ابنائها عن ماضي الوزير الشعار الدموي بحق عائلاتهم عندما كان المسؤول السوري مكلفاً بادارة المدينة في زمن الوصاية السورية على لبنان. وأقل ما يمكن القيام به هو تسليم هذا المسؤول الى القضاء الدولي ليحاكمه على الجرائم التي ارتكبها في لبنان وسوريا معاً. عندما أحاط رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي نفسه بالعمائم خلال زيارته الاخيرة لمدينة طرابلس لم يكلف نفسه عناء السؤال عن العمامة الكبرى التي يمثلها المفتي الشعار الذي تفتقده طرابلس وكل لبنان. وكم تبدو ساذجة اسطوانة "النأي بالنفس" التي لا يمل ميقاتي من تشغيلها، حتى صار مفهوماً ان سياسة النأي بالنفس التي تصدح بها الجوقة الميقاتية تعني ان من يشعر بالامان في لبنان هو من قال له النظام السوري "عليك الامان" وإلا فإن الموت أو الاختباء او الابتعاد هو قدر الذين قرروا أن ينأوا بأنفسهم عن الارتهان للطاغية السوري. عندما يأتي اليوم الذي يهبط فيه المفتي الشعار في مطار بيروت آمناً ويغادر الوزير الشعار مقيّداً الى محكمة دولية يكون لبنان عندئذ قد عاد الى رشده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

2013 سنة التغيير في سوريا ولبنان

علي حماده

2012-12-23

النهار

مع نهاية العام الجاري لا بد من وقفة مع بعض اهم التحولات التي تؤشر الى تغييرات كبيرة في المنطقة، ولا سيما في لبنان وسوريا:

١- النظام في سوريا يصل الى نهاية الطريق مع بلوغ المعارك الدائرة الضيقة للعاصمة دمشق، وخروج مساحات واسعة من الاراضي السورية عن سيطرته المباشرة، وظهور علامات ضعف في القطع العسكرية التابعة له، ومع عجزه عن اعادة احتلال المواقع التي اخرج منها عنوة. ويتبين ان استخدام الطيران بكثافة وكذلك صواريخ باليستية من طراز "سكود" يعكس تقلصا في الخيارات العسكرية الممكنة.

٢- سقوط النظام في سوريا معناه تدمير "جسر" ايران الى قلب المشرق العربي، وانهيار اهم قواعده المتقدمة التي استثمر فيها ثلاثة عقود من الجهد والأموال. وهذه خسارة استراتيجية كبرى تتجاوز في اهميتها المكاسب التي حققتها ايران بسقوط عراق صدام حسين. ولا تملك طهران موقعا يضاهي سوريا أهمية، من هنا استبسالها في الدفاع عن بشار الاسد حتى النهاية، ودفعها إياه نحو خيار القتل بلا حدود ولا ضوابط، ربما من أجل فتح باب التفاوض على بقاء النظام ومعه نفوذ طهران العربي. ومعلوم ان غزة خرجت استراتيجيا من الحظيرة الايرانية مع خروج "حماس"، وما بقيت سوى "حركة الجهاد الاسلامي " التي لا تملك مفاتيح الحكم، ولا القاعدة الشعبية.

٣- في لبنان لا يخفى على احد ان الثورة في سوريا قلبت كل المعادلة التي قامت مع تنفيذ انقلاب الاسد - نصرالله وتطييرهما حكومة الوحدة الوطنية عبر التلويح للمترددين والخائفين والانتهازيين بالسلاح وسيلة يمكن الاحتكام اليها. وجرى تكليف "رجل بشار الاسد" الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل حكومة انقلابية على قاعدة "انتصار" محور طهران - دمشق اقليميا. في الخامس عشر من آذار ٢٠١١ طيّرت الثورة السورية كل هذه الحسابات وقلبتها رأسا على عقب. فصار بشار عبئا على التحالف مع ايران، وتحولت الذراع الايرانية في لبنان ("حزب الله" ) قوة مختل توازنها بفعل التحولات الكبيرة التي اصابت المحيط ولا سيما سوريا، الامر الذي حول حزب ايران في لبنان الى ما يشبه "الفيل الاعمى " الذي يتمتع بقوة هائلة لكنه لا يعرف كيف يوجهها وإلى اين. ومهما خرج منظرو الاستسلام في لبنان بخطاب يزعم أن سقوط بشار لن يغير في المعادلة اللبنانية فإن المؤكد هو ان سقوط الاسد ونظامه سيحرم "ايران اللبنانية" اي "حزب الله" عمقها الحيوي والاستراتيجي، فضلا عن انه سيورثها العداء المخيف مع الشعب السوري ومطلق اي نظام جديد سينشأ في سوريا. ان تورط "حزب الله" وهو ايران اللبنانية في سفك دماء السوريين سيكون ثمنه باهظا جدا.

4 - بناء على ما تقدم تبرز حقيقة مفادها ان كل المفاوضات الديبلوماسية التي تشهدها كبرى العواصم المعنية بالازمة السورية تنطلق من مسلمة ان بشار ونظامه صارا من الماضي، اولى النتائج التي قد تسبق السقوط او تتزامن معه سقوط حكومة الثنائي بشار - نصرالله ايذانا بتصحيح الخلل الفاضح في الحياة السياسية اللبنانية، وميقاتي رمزه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سيرة مدينة سورية في عامين

الشهيد الأول والكتيبة المقاتلة الأولى والانشقاق الأول

المستقبل

23-12-2012

دير الزور (سوريا) ـ خاص "نوافذ"

تعتبر محافظة دير الزور، وبخاصة ريفها، من أكثر المحافظات السوريّة تسلحاً من الناحيّة الشعبيّة أو العشائريّة؛ حيث توجد فيها أنواع مختلفة من الأسلحة التي زادت، وتنوّعت، خلال الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003؛ إذ كان يُسمح للمتطوعين من أهالي هذه المحافظة، التي تعتبر ثاني أكبر محافظة من حيث المساحة بعد حمص، بالتطوّع للجهاد ضد "الخنازير" الأميركيّة، لدرجة أنّ هناك معركة، جرت داخل الأراضي العراقيّة ضد القوّات الأميركيّة، كان جلّ المقاتلين فيها من "مجاهدي" دير الزور؛ وهي معركة "الفلوجة" الشهيرة؛ بعدما فتح الباب السريّ للتطوّع في المحافظة التي تملك، سوريّا من خلالها، أطول شريط حدوديّ برّي مع العراق، ما جعل القوّات الأميركيّة ترابط على طول تلك الحدود،؛ لمنع تدفق المسلحين وكذلك الأسلحة إلى العراق. وهذا ما سهّل، من جهة أخرى، تهريب السلاح إلى داخل سوريّة، وذلك بالاتفاق مع المفارز الأمنيّة، وحرس الحدود، لقاء نيلها حصّة نقديّة من صفقات السلاح.

عمليات التهريب تلك جعلت السلاح متوافراً للبيع حتى على الأرصفة في محافظة دير الزور، وكان البيع للجمهور علانيّة ولمختلف أنواع الأسلحة، التي كانت تستخدم للصيد والحماية واحتفالات الأعراس؛ فالعرس يختلف من ناحية قوّة السلاح ونوعه من عائلة إلى أخرى، ومن عشيرة إلى أخرى؛ فكانت هناك أعراس يُطلق فيها الرصاص من المسدّسات، وأخرى من الكلاشينكوف، وأخرى من قواذف الآر بي جي.

في بداية الثورة السوريّة، التي انطلقت في 15/3/2011، وحتى تاريخ 28/7/2011 لم تكن هناك مظاهر مسلحة في مواجهة التظاهرات التي خرجت ضد النظام، وبأعداد قليلة نوعاً ما، ومناصرة لباقي المدن المنتفضة. بل كانت تخرج وتتفرّق من دون حدوث مواجهات أو إصابات، سوى ما يليها من اعتقالات كانت تجري في الساعات المتأخرة من الليل.

تهديدات العماد علي مملوك

حضر العماد (أصبح برتبة لواء) علي مملوك، رئيس جهاز المخابرات العامة في سوريّا، إلى مدينة دير الزور في بداية الثورة، والتقى بشيوخ عشائر المنطقة ووجهائها، والعديد من الشخصيّات البعثيّة والمواليّة للنظام، وخلال تقديمه نظرة السلطة للأحداث، أو المؤامرة الكونيّة ضد البلد، مرّر الكثير من التهديدات إلى أهالي المدينة إذا هم وقفوا إلى جانب الثورة. لكن أحد شيوخ العشائر فاجأ العماد، بصراحة فجّة، بأنّ العشائر لو أرادت إسقاط النظام لأسقطته منذ زمن وبسلاحها فقط! ملمّحاً إلى ضعف النظام وضعف قوّته العسكريّة وأسلحته. ولمّا سأله العماد عن نوع الأسلحة الموجودة بحوزتهم، مع سخرية واضحة، وأعدادها، أجابه ذلك الشيخ بأنهم يمتلكون أسلحة كثيرة ومختلفة، ومن ضمنها سلاح (م.ط) المضاد للطائرات! فضحك العماد علي مملوك من فكرة وجود سلاح مضاد للطيران لدى عشائر متخلفة وأمّية، فما كان من شخص آخر إلا أن أوضح له بأن "الخير" في عناصر الأمن وضباطه لدى النظام؛ الذين يرضون بإدخال أيّ شيء للبلد، مهما زادت خطورته أو مخالفته لمهامهم وللقانون، مقابل حصّة نقديّة معينة.

التماثيل أهم من البلد ومن البشر

كان يوجد في مدينة دير الزور تمثالان كبيران، إضافة لملايين الصور الفسيفسائيّة والضوئية والورقيّة للعائلة الحاكمة، للرئيس الراحل حافظ الأسد، في ساحة الرئيس، ولابنه الراحل باسل الأسد، في الساحة العامة.

تمّ إسقاط تمثال الباسل في تظاهرة "الجمعة العظيمة" بتاريخ 22/5/2011 في الساحة العامّة، وتمّ مجابهة ذلك من رجال الأمن بإطلاق النار في الهواء فقط. ويٌقال إنه لم يتم إطلاق النار على المتظاهرين، ومنعهم من إسقاط تمثال الباسل، لأنّ القيادات الأمنيّة لم تكن تعرف، أو تقدّر، ردّة الفعل التي ستحصل من قبل أهالي المدينة عند مقتل أحد من المتظاهرين.

وهكذا بقي تمثال واحد في دير الزور، وهو تمثال الرئيس الراحل حافظ الأسد، في ساحة الرئيس، وصار الشغل الشاغل لعناصر الأمن حماية ذلك التمثال، كما في باقي المدن الأخرى، على حساب حماية المواطنين وأمنهم. وكان يبدو أنه من المسموح لأهالي دير الزور الخروج في التظاهرات في أي منطقة يشاؤون، ولكن مع عدم الاقتراب من ساحة الرئيس، ومن تمثال الرئيس الراحل.

تقع ساحة الرئيس، وهي نفسها ساحة السبع بحرات، بين أحياء الرشديّة وغازي عيّاش والقصور والجبيلة، وتحيط بها مراكز حسّاسة مثل المتحف الوطني، وقيادة الشرطة العسكريّة، وقيادة المنطقة الشرقيّة للجيش والقوّات المسلحة، وفرع المخابرات الجويّة، وهي قريبة أيضاً من فرع الأمن العسكريّ... لذلك كان يُعتبر إسقاط تمثال حافظ الأسد في تلك المنطقة المكتظة عسكريّاً وأمنيّاً، إهانة كبيرة للنظام، ودليل ضعف لهم، وبالتالي قد يؤدّي إسقاط التمثال إلى زلزال يودي بهم، وبمراكزهم القياديّة في الجيش والأمن. من أجل كلّ ذلك، ولحسابات خاصّة بها، أوصلت القيادات الأمنيّة رسائل إلى أهالي المدينة، من خلال المتعاملين معهم، وأصدقائهم من وجهاء المدينة، مفادها أنّ: "التمثال لنا والبلد لكم". بمعنى آخر. بأنهم لن يُطلقوا الرصاص على أي تظاهرة، مؤيّدة للثورة وضدّ النظام، شريطة أن لا تقترب من ساحة الرئيس، ومن تمثال الرئيس، وبالتالي فهم الناس، من هذا العقد الشفهيّ، أنّ عدم المساس بتمثال حافظ الأسد يعني عدم إطلاق النار عليهم خلال التظاهرات.

خرق الاتفاق والشهيد الأوّل

خرجت تظاهرة جمعة "أطفال الحريّة" في حيّ الجورة بتاريخ 3/6/2011، وكان عدد المشاركين فيها لا يتجاوز /15000/ متظاهر، مع العلم بأنّ عدد المتظاهرين قبلها كان أقلّ من ذلك بكثير. ورغم أنّ التظاهرة كانت بعيدة عن ساحة الرئيس، قام أحد عناصر الأمن العسكريّ بإطلاق رصاصة واحدة، من سلاح الكلاشينكوف، أصابت الشاب معاذ ركاض في عنقه، وأدّت لمقتله على الفور، فتراجع المتظاهرون وتفرّقوا، وقام الأمن بسحب جثة الشاب، بعد أن بقيت تنزف على الأرض لوقت ليس بالقليل.

كان لهذه الحادثة مفعول سحريّ في زيادة التظاهرات، وزيادة أعداد المتظاهرين فيها بشكل متزايد، وكذلك شكلت، فيما بعد، كتيبة، ثمّ لواء، من الجيش الحرّ سُمّي بلواء معاذ ركاض، وهو اللواء الذي يتمركز حالياً في محافظة دير الزور، وشارك مع لواء الفاروق في تحرير معبر تل أبيض الحدوديّ في محافظة الرقة.

تشييع الشهيد الأوّل وشهداء جدد

قام الأمن، في اليوم التالي السبت 4/6/2011، بتسليم جثة الشاب معاذ ركاض لذويه الذين يسكنون بالقرب من كليّة العلوم، في حيّ العرفي، وتوافد الناس إلى هناك، وخرجت تظاهرة قدّر عدد المشاركين فيها بأكثر من عشرين ألف مشارك، واتجهت من كليّة العلوم، سائرة في الشارع العام الذي يُعتبر من أطول وأضخم الشوارع في مدينة دير الزور، نحو الساحة العامة التي تمركزت فيها، حيث سبق أن تمّ إسقاط تمثال الباسل فيه. وخلال ذلك التمركز اتفق منظمو التظاهرة على التوجّه إلى ساحة الرئيس. وبالفعل غادرت التظاهرة الساحة العامة واتجهت إلى ساحة السبع بحرات، وقام المتظاهرون، في طريقهم إلى هناك، بتحطيم مكاتب ومحتويات شركة "سيريا تل" للاتصالات الخلويّة (المملوكة من قبل رجل الأعمال السوريّ رامي مخلوف قريب الرئيس السوري)، ومرّوا بقيادة المنطقة الشرقيّة للجيش والقوّات المسلحة، حيث اكتفى عدد من الجنود، التابعين للقيادة، بمراقبة التظاهرة والمتظاهرين من دون حمل أي أسلحة.

ساحة الرئيس تعتبر مرتفعة عن الشوارع والطرق التي تصبّ، أو تلتقي، فيها، وبالتالي كان بإمكان قوّات الأمن، المتمركزة لحماية التمثال، مراقبة كلّ التظاهرة من الأعلى، والتدخل في الوقت المناسب.

عند وصول مقدمة التظاهرة إلى نقطة قريبة من المكان، قام أحد ضباط الأمن باعتراضها، والطلب من المتظاهرين التراجع ومغادرة المكان. فقام أحد الشبّان، في الثلاثينات من عمره، وهو من السائرين في مقدمة التظاهرة، بإعطاء ظهره لعناصر الأمن، ووجهه للمتظاهرين، وألقى خطاباً مرتجلاً وبصوت جهوريّ، طالباً من المتظاهرين متابعة طريقهم وتحطيم تمثال حافظ الأسد، "لأنّ هذا النظام لن يفهم إلا بالقوّة"، على حد قوله. فتقدّمت التظاهرة من جديد باتجاه التمثال، فردّ عليهم عناصر الأمن بإطلاق النار بكثافة في الهواء، ومن ثم إطلاق الغازات المسيّلة للدموع لتفريقهم، بمؤازرة من عناصر كتيبة حفظ النظام؛ الذين هجموا على المتظاهرين وضربوهم بالهراوات. ومن أجل تفريق التظاهرة نهائيّاً قام أحد عناصر الأمن بإطلاق النار مباشرة على رأس الشاب محمد راغب الصيّاح (في الخامسة والعشرين من عمره)، بينما استهدف أحد القنّاصين رأس الشاب عبد المنعم الحبشان (في الثلاثينات من عمره)، وهو على دراجته الناريّة، ويعتبر أحد منظمي التظاهرات، وأرداه قتيلاً على الفور. إضافة لإصابة الكثير من الشبّان بجروح مختلفة.

في مساء ذلك اليوم اتصل العميد الركن جامع جامع، الذي يحمل رتبة لواء الآن، قائد الأمن العسكريّ في المنطقة الشرقيّة، بوالد عبد المنعم الحبشان، الذي ينتمي لعشيرة كبيرة في عددها ومصاهراتها، طالباً منه تهدئة النفوس، وبأنه مستعدّ لتسليمه قاتل ابنه. فرفض والد الشهيد هذا العرض، مشدّداً على أنّ مَن قتل ابنه ليس فرداً، وبأنّ رفاقه من المتظاهرين سيأخذون ثأر، ابنه عاجلاً أم آجلاً.

في الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد 5/6/2011 كان تشييّع ودفن الشهيد معاذ ركاض. بينما تمّ تشييّع الشهيدين الصيّاح والحبشان في الساعة الرابعة من عصر ذلك اليوم. وفي هذا التشييّع الأخير انتفضت دير الزور؛ إذ شارك في التشييّع أكثر من مئة ألف شخص، من داخل المدينة وريفها.

خلال التشييّع لم تكن هناك أي مظاهر أمنيّة؛ فقد انسحب رجال الأمن من كلّ مكان في المدينة، فيما عدا دوريّة واحدة بقيت كحامية لتمثال الرئيس، إلى داخل الفروع والثكنات.

مقبرة شهداء الحريّة

هناك تفصيل لا بدّ من المرور عليه؛ ففي صباح التشييّع ظهر شخص اسمه قيصر آصف هنداوي، سيصبح فيما بعد نائب رئيس المجلس العسكري وقائد لواء درع الفرات في الجيش السوريّ الحرّ، وقال لأهالي الشهداء الثلاثة بأنه يمتلك قطعة أرض في منطقة المقابر، مساحتها ثمانية دونمات، وبأنه تبرع بها لتكون مدفناً لشهداء التظاهرات، وبأنه سيقوم بوضع سور للمقبرة، ووضع لافتة كبيرة سيُكتب عليها :" مقبرة شهداء الحريّة". فوافق أهالي الشهداء على دفن شهدائهم في تلك المقبرة الجديدة.

بعد انتهاء دفن الشهيدين حصلت حادثتان مختلفتان: تتمثل الأولى في ذهاب /5000/ من المتظاهرين إلى مشفى "النور" الخاص، حيث عولج الجرحى، على حساب إدارة المشفى، وجلسوا أمام واجهة المشفى، وردّدوا هتافات وشعارات تحيّي موقف صاحب المشفى وأطبائه من جهة، وتدعو الأطباء إلى الالتحاق بالثورة كأطباء أحرار، من جهة أخرى.

هذه اللفتة من مشفى النور الخاص، ومن الاعتراف بالجميل من شباب الثورة بدور الأطباء، سارعت في صدور بيان تضامني من أطباء دير الزور مع مطالب الثورة، وحقوق الشعب في الحريّة، مع التعهّد بمعالجة كل الإصابات التي قد تحدث في التظاهرات مجاناً وعلى حساب أصحاب المشافي الأربعة الذين وقعوا على هذا البيان؛ وهم أصحاب مشفى النور ومشفى السعيد ومشفى السّاعي ومشفى السيّد.

استمرّ ذلك المشهد أمام مشفى النور الخاص ما يُقارب السّاعة، ثمّ توجّه أولئك المتظاهرون إلى الساحة العامة، حيث تمّ سابقاً إسقاط تمثال الباسل فيه ووضع سارية عالية بدلاً منه تنتهي بعلم ضخم للجمهوريّة العربيّة السوريّة، فقاموا بإنزال العلم الرسميّ ورفع علم الاستقلال بدلاً منه؛ حين لم يكن هذا العلم قد انتشر بعد، بشكل كبير في التظاهرات التي كانت تخرج كلّ يوم جمعة.

أمّا الحادثة الثانية فكانت في اجتماع العميد جامع جامع مع وجهاء مدينة دير الزور، مساء ذلك اليوم، والطلب منهم التدخل لتهدئة الشباب، ومنعهم من الخروج في تظاهرات "ضدّ الوطن". إلا أنّ وجهاء المدينة ردّوا بأنهم وجهاء البلد صحيح ولكنهم لا يملكون البلد، ولا يستطيع أحد منهم التأثير على قرار الشباب الثائرين في الخروج في التظاهرات من عدمه.

مفاجأة تمثال حافظ الأسد

في الساعة الخامسة من فجر الاثنين 6/6/2011 ذهبت رافعة ضخمة كي تزيل تمثال الرئيس الراحل حافظ الأسد من ساحة السبع بحرات، وقد أشرف على العمليّة كاملة العميد جامع جامع، وطائرة هيليوكوبتر كانت تساند المجموعة المكلفة بإزالته من الجو. وعندما ربط التمثال بحبال معدنيّة والبدء بإزالته، انزلق أحد الحبال من الرافعة وسقط التمثال على الأرض وتحطم! وتمّ الاحتفاظ بحطام ذلك التمثال، الذي أجبر الثوّار السلمييّن السلطات على إزالته، في مستودع متحف دير الزور.

ورغم أنّ التظاهرات ظلت تخرج بشكل أسبوعي، كلّ جمعة، في الساحة العامة، وبمشاركة لا تقل عن /50,000/ مشارك، إلا أنّ شباب الثورة شعروا بأنّ غضب الشارع قد خفّ بعد إزالة التمثال، فبدأ شباب الثورة يُفكرون بمبادرة جديدة، لضخّ التجديد في التظاهرات، وزيادة ضغطها في إسقاط النظام نفسه. ومنذ التحاق الشباب بركب الثورة السوريّة، كانت تُقابل كلّ بادرة جديدة من شباب الثورة بعنف متزايد من السلطات.

اعتصام جامع عثمان بن عفان

كانت البادرة الجديدة من شباب الثورة هي الدعوة لاعتصام مسائيّ دائم في الساحة المقابلة لجامع عثمان بن عفان بعد انتهاء صلاة العشّاء.

طوال الأيام الثلاثة الأولى، للاعتصام المذكور، كان عناصر الأمن يتواجدون، في سيّاراتهم بعيّداً عن مكان الاعتصام. ولكن في اليوم الرابع تمّ الهجوم من قبل شبيحة النظام، الذين كانوا مسلحين بالمسدسات والعصيّ والسكاكين، لتفريق الاعتصام بالقوّة. إلا أنّ أولئك الشبيحة تعرّضوا للضرب المبرّح من قبل المعتصمين؛ بسبب تعاظم أعداد المعتصمين من فور سماع الأهالي بتدخل الشبيحة واعتدائهم على المعتصمين. ومع تكرار تعرّض الشبّيحة للضرب قرّر الأمن التدخل بعناصره المسلحة لإنهاء الاعتصام بالقوّة. ونجح في ذلك.

إلا أنّ شباب الثورة ردّوا بمبادرة جديدة؛ وهي الاعتصام المستمرّ، ولكن المتنقل من ساحة لأخرى؛ فكان في كلّ مساء هناك اعتصام ولكن في مكان يتغيّر كل يوم.

الانشقاق الأوّل

في جمعة الشيخ صالح العلي بتاريخ 17/6/2011 خرجت تظاهرة مؤلفة من أكثر من سبعين ألف مواطن، وجابت كالعادة شوارع المدينة، وعندما مرّت من أمام مقرّ الهجّانة، إدارة تجنيد المنطقة الشرقيّة، هتف المتظاهرون بأنّ "الشعب والجيش يد واحدة"، مع الهتاف التاريخيّ بأنّ "الشعب يريد إسقاط النظام". خرج من البوّابة الكبيرة للهجّانة ضابط، برتبة ملازم أوّل، غير مسلح، مع خمسة من العناصر المسلحين بسلاح الكلاشينكوف. وعندما مرّت مجموعة من المتظاهرين يحملون علماً كبيراً، رسميّاً، أعطى الضابط إيعازاً لعناصره بالاستعداد، ومن ثمّ بأداء التحيّة العسكريّة؛ حيث ظلوا مؤدّين التحيّة حتى مرور نهاية التظاهرة، فما كان من المتظاهرين إلا أن هتفوا "الله محييّ الجيش"، قبل أن يتبناها موالو النظام في مسيراتهم المضادّة.

في هذه الأثناء جاءت سيارتان ممتلئتان بالجنود المسلحين، تابعة للأمن العسكريّ، وفتحت البوابة الكبيرة للهجّانة من جديد، لتخرج منها سيارة عسكريّة، يُعتقد أن مديرها كان قد خرج في تلك السيّارة، ثم دخلت السيارتان بعد أن طلبت من الضابط وعناصره الدخول إلى داخل إدارة الهجّانة. وبعد إغلاق الباب من جديد، سُمع، بعد مدة ثلث ساعة إطلاق نار داخل الهجّانة، يشتبه في أنه تمّ تصفية الضابط وعناصره الخمسة ميدانيّاً رمياً بالرصاص، وإذا صدق هذا التوقع، ونسبته كبيرة، يكون قد تمّ القضاء على أول انشقاق كان من الممكن حدوثه في الجيش.

شهيدان جديدان... ودير الزور تنتفض

عندما دخلت سيّارتا الأمن العسكريّ، والضابط وعناصره الخمسة، إلى داخل الهجّانة، قام عدد من المتظاهرين بتكسير اللوحة السيراميكية الكبيرة، لحافظ الأسد وولديه باسل وبشار الأسد، والتي تقع مقابل الباب الرئيسيّ لقيادة الهجّانة، وأثناء تكسير اللوحة سُمع إطلاق النار داخل الهجّانة، ثمّ قام قناص بقنص وقتل كلّ من الشّابين حسّان الدخول وعمر خرابة. فانسحبت التظاهرة مع جثماني الشهيدين إلى منازل ذويهما.

في الساعة الرابعة من عصر اليوم التالي السبت كان التشييّع، وانتفضت دير الزور من جديد؛ لتخرج في تظاهرة تشييع شارك فيها أكثر من مئتي ألف مشيّع، وتمّ ملء أربع دوّارات، كليّة العلوم والمدلجي والدلّة والمقابر، وأربع أوتوسترادات، البوسرايا ونادي الضباط وبور سعيد والانطلاق القديم، وشاركت فئات للمرّة الأولى؛ كالأطباء الأحرار بلباسهم الأبيض، والمحامين الأحرار بثوب المرافعات، ودكاترة جامعة الفرات الخاصّة، وتجمّع الشيوعييّن الأحرار، إضافة لأعداد كبيرة من النساء والشيوخ.

وبسبب الجوّ الحارّ الذي تتمتع به مدينة دير الزور، كمدينة صحراويّة، في ذلك الوقت من السنة، كانت النسوة يرششن المتظاهرين بخراطيم المياه من الشرفات، إضافة للزغاريد ورمي السكاكر والشوكولاتة، لإنعاش المتظاهرين من القيظ.

اعتصام المدلجي للثوّار وخيمة المؤيّدين

قرّر شباب الثورة طرح بادرة جديدة، مشابهة لبادرة سابقة تمّ إنهاؤها بقوّة السلاح، وهي اعتصام مسائيّ دائم في ساحة المدلجي؛ حيث تمّ تجهيز المكان بأجهزة الصوت والكراسي، وتقديم مقطوعات غنائيّة وموسيقيّة، تمجّد الثورة، مع عرض لقطات فيديو لتظاهرات المدينة والمدن الأخرى.

وظلّ هذا الاعتصام مستمرّاً بشكل يوميّ، وبمشاركة لا تقلّ عن /30,000/ مشارك، إلى تاريخ 28/7/2011 وهو تاريخ بدء العصيان المدنيّ.

على بعد أقلّ من كيلومتر من مكان الاعتصام الخاص بالثوّار، أقام مؤيدو النظام، من البعثييّن والمستفيدين والأمن والجيش، خيمة خمسة نجوم لتبجيل القائد والهتاف بحياته، وكان يتمّ إطعام الناس هناك وتسليتهم بوجود مطربين وراقصات.

الإضراب الشامل وتغيير المحافظ ودخول الجيش

ازدادت أعداد المشاركين في التظاهرات بشكل لافت؛ ووصلت لأكثر من خمسمئة ألف متظاهر، تزامناً مع تظاهرات ساحة العاصي في حماه، في جمعة أحفاد خالد بن الوليد وجمعة ارحل. وهذا ما أدّى إلى ازدياد غضب السلطات الأمنية المحليّة، وكذلك سلطات العاصمة دمشق.

في يوم الخميس 21/7/2011 تم تنفيذ إضراب شامل ناجح في مدينة دير الزور، تضامناً مع ثوّار حمص المحاصرين في مدينتهم، فأقفلت كافة المحلات والمدارس والإدارات العامة...، ونزل عناصر الأمن العسكريّ إلى الشوارع، وقامت بتكسير أقفال المحلات وواجهاتها، وأشرف على ذلك اللواء جامع جامع الذي قتل أحد الأشخاص، من عائلة زمزم، في الشارع بمسدسه الشخصي.

تمّ إعفاء محافظ دير الزور حسين عرنوس، الذي كان يلعب دوراً جيّداً ونشطاً في تهدئة الشارع، والتدخل لدى القيادات الأمنيّة لتخفيف عنفها ضدّ المتظاهرين، وذلك بعد يومين فقط من الإضراب الشامل؛ وتعييّن السيّد سمير الشيخ محافظاً جديداً لدير الزور، وهو مدير سجن عدرا سابقاً. وفي أوّل تصريح له، لمن التقاه من وجهاء المدينة، هدّد بقتل كلّ المعتصمين في ساحة المدلجي، إذا لم ينهوا اعتصامهم، وبأنه سيحرث تلك الساحة ويقلب عاليها سافلها.

في تلك الأثناء بدأ ترويج الإشاعات في الشارع بأنّ الأمن سيُهاجم الحارات، ويقتل ويعتقل وينتهك الأعراض، فما كان من أهالي كلّ حيّ سوى وضع حواجز، من إطارات وأخشاب وحجارة، في مداخل الحارات، وحراستها من قبل شبّان مسلحين بالسكاكين، وبنادق صيد على أكبر تقدير.

الأمن، من جهته، قام بافتعال اشتباكات وهميّة، من تاريخ 28/7/2011، وهو تاريخ انتهاء اعتصام المدلجي، وحتى تاريخ 1/8/2011، في حيّ الجورة، وإشاعة وجود عصابات مسلحة في مدينة دير الزور، وبالتالي إباحة اجتياح الجيش للمدينة، كما جرى في كلّ المدن السوريّة المنكوبة، بحجّة وجود نداء من الأهالي للجيش بدخول المدينة وتخليصهم من العصابات الإرهابيّة المسلحة.

الاقتحام الحقيقي للجيش إلى المدينة كان في يوم الأحد 7/8/2011، عندما جاءت /356/ مدرّعة ودبابة، دخل منها إلى الأحياء الداخلية /80/ مدرّعة. ومنذ ذلك التاريخ وحتى يوم 14/8/2011 قتل أكثر من /184/ شخصاً في دير الزور، واعتقل ما يُقارب /25000/ شخص.

الكتيبة المقاتلة الأولى وضرب الحواجز

مع تزايد العنف من قبل الأمن، ودخول الجيش، بدأ ضرب الحواجز عن طريق أفعال فرديّة، ومنها ما قام به الشهيد الشاب "مرعي الحسن"؛ فقد ركب خلف صديق له على دراجة نارية، معطياً ظهره للسائق، وقتل بمسدسه الشخصيّ خمسة عناصر أمنيّة على حاجز الدلة، في مدخل المدينة، في يوم "جمعة الصبر والثبات"، وقُتِل أيضاً مرعي الحسن، وأصيب صديقه برصاصة في ساقه، الذي تمّ اعتقاله ثم اختفى منذ تاريخ تنفيذ العمليّة بتاريخ 26/8/2011 وحتى الآن.

هذه العمليّة كانت الفاتحة لتشكيل مجموعات صغيرة، من ست دراجات ناريّة، تقوم بضرب الحواجز بالديناميت أو الرصاص، إلى أن تمّ تشكيل أوّل كتيبة مسلحة في دير الزور تحمل اسم "كتائب محمّد"، في 27/1/2012، بقيادة طالب الدكتوراه في اللغة الإنكليزيّة، ومدرّس الأدب الإنكليزيّ في جامعة الفرات الخاصة، الشهيد خليل البورداني.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : لا عذر ...... لمستنقع الطائفية .. أيها السوريون .. خذوا حذركم – نداء .. زهير سالم*

انطلقت ثورتنا المباركة سلمية وطنية ومنذ اليوم الأول بدأ الكيد لجرها إلى مستنقعي الدم والطائفية .

 

واستمر مكر الليل والنهار لغمس هذه الثورة في مستنقع الطائفية رغبة في الاستثمار فيما يعشش في هذا المستنقع من فرقة وكراهية وضرب أبناء المجتمع الواحد بعضهم ببعض .

 

ومع كل ذلك وعلى عكس ما أشار إليه التقرير الأممي الفاقد لمنهجية التقويم الموضوعي فقد حافظت هذه الثورة على وطنيتها ، واستعصى الوعي المجتمعي على إرادة المجرمين ومخططاتهم وسعيهم الدؤوب إلى جر المجتمع السوري إلى مستنقع الطائفية وخنادقها الضيقة ..

 

ما يقرب من عامين مرا على الثورة المباركة وما يزال هؤلاء المتسلطون على رقابنا يمكرون لتحقيق مرادهم فينا ، وما زالوا يفتلون من وبر الطائفية ما يظنونه حبل خلاصهم المستقبلي .

 

وهم يدركون أن نجاحهم في مشروعهم الطائفي المقيت سيمنح وجودهم مصداقية كثيرا ما ادعوها ، وسيؤمن لهم قواعد بشرية طالما احتاجوا إليها ؛ وسوف يمنح حربهم التي تكاد ثورة شعبنا تطفئ نارها بنصرنا جميعا بعدا مستقبليا ما زالوا يحلمون به..

 

أيها السوريون جميعا ...

 لقد تابعنا جميعا فصول الكيد المريب داخل الوطن وخارجه من تركية إلى لبنان ومن رأس العين إلى حمص إلى باب توما فجرمانا فالسويداء..إنهم سيستمرون في الدق على خطوط تنوعنا وتعددنا التي هي سر من أسرار قوتنا وتكاملنا وعنوان من عناوين تحضرنا هكذا كنا قبلهم ونفخر وهكذا سنبقى ونعاهد.

 

عامان مرّا ولم ينجحوا ولكن ..

ويوما بعد يوم يجب أن نكون أكثر حذرا ، وأكثر تحسبا على مستقبلنا وعلى تلاحمنا . فهم لم يتوقفوا عن الكيد ولن يتوقفوا قط . وأول الخطأ والغرور على هذا الطريق أن نبدأ بسماع المعاذير والتعلات يتعلل بها بعض الذين لا يدركون تبعات الكلمة وأبعادها ومواقعها.

 

وإنه لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا فرادى ومجتمعين أن عصابة الإثم التي تمكر بنا لن تعجز أن تجد في كل فرقة أو مجموعة هنا وهناك مطية مثل ( الوزير اللبناني ) السابق المنقلب على أهله ، الحاطب في حبال الفتنة بدمائهم . ستجد عصابة الإثم المطية تسخرها في مشروعها المقيت الكريه مشروع الفتنة والقتل فهل نقبل أن نكون من مطايا مثل هذا المشروع الأثيم أو من الوالغين فيه ؟!

 

أيها السوريون جميعا ..

في أي سياق كنا لا يجوز أن يُحمّل إثم الفرد على المجموع . وقاعدتنا الحضارية المطلقة (( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )) .. وأن ما يجري أمام أعيننا من رأس العين إلى السويدا بكل تفاصيله وأبعاده ومعاذيره وتعلاته ما هو إلا بعض فصول المؤامرة التي يدرك كل عاقل فينا من يكتب نصوصها ومن يخرجها ..

 

إن الانجراف إلى المستنقع الذي يريده لنا بشار الأسد هو شهادة منجرف على إيمانه وعلى عقله وكرامة نفسه وعلى وطنيته وعلى يومه وغده ..

 

ورب كلمة من سخط الله يتكلم بها المرء لا يلقي لها بالا يخر بها في جهنم سبعينا خريفا .. وأي كلمة أعظم إثما من كلمة تفرق الشمل وتبدد القوى وتشيع بين الناس العداوة والبغضاء بدلا من إشاعة الحب والود .

 

أيها السوريون جميعا وعدنا وعهدنا

مجتمع مدني نعيش في ظله جميعا مسلمين ومسيحيين وعربا وكردا وتركمان سنة وعلويين دروزا وإسماعيليين لا أثرة ولا استئثار ولا إكراه ولا إقصاء . مجتمع مدني موحد الدستور والقانون سقفه ، والسواء الوطني ( المواطنة ) قاعدته . لا وكس ولا شطط

 

 ولقد اضطرتنا عصابة القتل إلى مركب الأسنة فما كان للمضطر حيلة إلا ركوبها . أما أن تضطرنا إلى المستنقع الآسن مستنقع الطائفية المقيت الذي ما زالت تعمل عليه (( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )) ؛ فلا عذر لمن ينزلق فيه أو يستجر إليه منا ؛ لا عذر في هذا ولا معاذير ...

 

أيها السوريون خذوا حذركم ..

فحبال المؤامرة تضيق . نأخذ حذرنا حتى نبني مجتمعنا المدني الموحد تحت مظلة ( الناس سواسية كأسنان المشط ) مجتمع البر والقسط هو وعدنا ووعد شريعتنا (( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ )) ....

 

لندن : 9 / صفر 1434

23 / 12 / 2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انقسام المعارضة يثير أسئلة المستقبل

الثورة السورية... وتحديات ما بعد الأسد

تاريخ النشر: السبت 22 ديسمبر 2012

توم بيتر

الاتحاد

بدا واضحاً خلال الأسابيع الأخيرة أن عدداً من فصائل المعارضة السورية في مدينة حلب بدأت تستعد لسقوط نظام بشار الأسد على أساس أن انهياره قد بات عملياً مسألة وقت لا أكثر، ولكن قد تكون الإطاحة بالنظام هي الجزء الأيسر من التحديات بالنظر إلى ما ينتظر السوريين من مهام جسيمة في مرحلة ما بعد انهيار النظام، وأهمها توحيد الثوار الذين يبدو في بعض الأحيان وكأن ما يجمعهم في هذه اللحظة هو كرههم للنظام ورغبتهم في إسقاطه.

وبدون هذا الهدف الذي يوحد الجميع اليوم ليس معروفاً ما الذي سيُبقي فصائل المعارضة المختلفة صفاً واحداً لفترة طويلة، وهذه الرغبة في رص الصفوف والحديث بصوت واحد تحقق جزء منها على الأقل خلال الشهر الماضي عندما اتفقت المعارضة على توحيد صفوفها في الدوحة وتشكيل ائتلاف جديد للمعارضة يعبر عن الحساسيات المختلفة في الثورة السورية، وهي الخطوة التي رحب بها العديد من الثوار داخل سوريا معتبرين أنها الطريق الأمثل لإدارة البلاد بعد تنحي الأسد ومنع حدوث انشقاقات في صفوف المعارضة.

ولكن على غرار باقي مظاهر التفاؤل في سوريا التي لا تعمر طويلا سرعان ما بدأت الشكوك تتسرب إلى احتمالات الانقسام في مرحلة ما بعد الأسد وتداعياتها السلبية على الفترة المقبلة، ولعل مما أثار المخاوف من احتمالات الخلاف ما صدر عن مجموعة من قادة الثوار في حلب مباشرة عقب الإعلان عن تشكيل الائتلاف الجديد في قطر ومؤداه أنهم لا يوافقون على ما تم إنجازه في العاصمة القطرية، معلنين عن تشكيل مجلسهم الخاص وقيام «دولة إسلامية» في المناطق المحررة بحلب، وهو ما عبر عنه محمد عبده، قائد لواء التوحيد، أحد أكبر فصائل الجيش السوري الحر في حلب قائلا «إن الإسلام الحقيقي يقوم أصلاً على حقوق الإنسان وتحقيق العدالة، وهو ما نريده في الدولة الجديدة، نحن نريد أن تكون الشريعة هي دستور البلاد، أو نُطبق الحدود».

ومع أن باقي مكونات المعارضة السورية في الداخل، ولاسيما من المدنيين، لم تشارك في إعلان الدولة الإسلامية، ولم يؤخذ رأيها، إلا أن عبده أكد أنهم سيوافقون.

غير أن رأي المدنيين يبقى مختلفاً حسب ما أوضحه مثنى الناصر، المتحدث باسم جمعية المحامين الأحرار في حلب، واصفاً قرار تشكيل دولة إسلامية بالمتعجل، وأنه «لا يمثل المعارضة»، وهكذا بدا أن لحظة الاصطفاف وراء مواقف موحدة ومتفق عليها، التي جاء الائتلاف الوطني للثورة السورية في اجتماعه بالدوحة ليعززها، بدأت تواجه تحديات حقيقية على أرض الواقع بعد التصريحات المتضاربة لمكونات أخرى في الجيش الحر.

بل أكثر من ذلك فقد ظهرت أيضاً عناصر أخرى في كتائب الثوار ممن شاركوا في الاجتماع الذي أعلن الدولة السورية ليعلنوا أنهم قد غُرر بهم وضُللوا للمشاركة في التصريح، وهو الأمر الذي أكده أحد القادة الذين حضروا الاجتماع، واسمه أبو محمد، حين قال: «كان الاجتماع مخصصاً للحديث عن الاستراتيجية العسكرية، ولكن فجأة طلبت منا جبهة النصرة ما إذا كنا مع دولة إسلامية، ولأننا مسلمون كان علينا الرد بالموافقة»، وأضاف أبو محمد الذي ينتمي إلى «الإخوان» ويقود كتيبة دار الوفاء «كانت خطوة غير محسوبة من قبل جبهة النصرة، والعديد من الكتائب الأخرى نددت بالإعلان غير المتوقع للدولة الإسلامية».

والحقيقة أن تشكيل ائتلاف جامع للمعارضة في الدوحة بعد صعوبات كثيرة شابت العملية، ثم خروج بعض فصائل الجيش السوري الحر من الإسلاميين في حلب لرفض التحالف وإعلان الدولة الإسلامية، وتنديد البعض الآخر ضمن الجيش الحر بهذا الإعلان باعتباره متسرعاً ولا يعبر عن المعارضة في الداخل، يؤكد حجم الصعوبات التي تنطوي عليها عملية توحيد المعارضة في الداخل وبلورة خطة متفق عليها لرسم ملامح المستقبل في سوريا ما بعد الأسد.

وهذا الأمر قد يُحدث إشكالات كبرى في حال تمكنت الثورة من الإطاحة بالأسد وإزالته من السلطة، حيث سيكون على البلد حينها وضع خطة لإدماج القوات والفصائل التي حاربت في إطار الجيش السوري الحر.

وإذا كان العديد من هؤلاء الثوار يؤكدون استعدادهم للاندماج في صفوف الدولة الجديدة والرجوع إلى حياتهم المدنية، إلا أنه في ظل غياب رؤية واضحة واستراتيجية متماسكة لإدارة المرحلة المقبلة يصبح من غير المؤكد أن تعهدات الثوار بوضع السلاح ستتحقق على أرض الواقع، بحيث يبقى وارداً أن يشعر بعض الثوار بالإقصاء ليعودوا مجدداً لحمل السلاح.

وهذا الأمر يتطرق إليه «أرمان نيرجوزيان»، الخبير في الشؤون السورية بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية قائلاً: «نحن اليوم نصف الثوار الذين يحملون السلاح في وجه نظام الأسد بالكتائب والألوية، ولكن غداً قد يتحولون في الخطاب السياسي الجديد إلى ميليشيات، وعندما ينقشع غبار المعارك سيتساءل هؤلاء الثوار عن المغانم في الدولة الجديدة، وقد يجدون أنفسهم، أو على الأقل جزءاً منهم، في بلد يهيمن عليه أمراء الحرب والإقطاعات الخاصة، وشبكة من العلاقات الريعية القائمة على أسس جغرافية وقبلية واجتماعية».

وهذه الإشكالات بدأت تثير مخاوف محسوسة حتى في صفوف المدنيين، حيث برز قلق لدى البعض في مدينة حلب من تصرفات بعض عناصر الجيش السوري الحر التي تتخذ بمعزل عنهم ولا يشاركون في بلورتها.

ويبقى السؤال الحقيقي للنشطاء المدنيين في الثورة السورية ما إذا كان الجيش السوري الحر سيلقي السلاح بعد سقوط الأسد، أم أنه يستمر في ممارسة نفوذه على المدنيين والتحكم في مفاصل الدولة، ولذا فليس غريباً أن تعلو أصوات محتجة على بعض عناصر الجيش السوري الحر.

يقول الناشط وائل أبو مريم إنه مع أن الجيش السوري الحر ما زال يحظى في أنظار السوريين بمكانة مرموقة باعتباره الجهة التي تقف في وجه دبابات النظام وتعمل على حماية المناطق المدنية من تجاوزات الميليشيات التابعة للأسد.

إلا أن هناك من بدأ يرصد تسلل بعض العناصر إلى صفوفه لأغراض خاصة، بل إن هنـاك مخـاوف أيضـاً من احتمال نشـوب صراعات بين كتائب الجيش الحر المختلفة في الوقت الذي يسعى فيه كل طرف داخله إلى مراكمة القوة واستقطاب أكبر عدد من المتطوعين استعداداً، حسب ما يعتقد البعض، للمواجهة والصراع من أجل السيطرة بعد سقوط الأسد.

بيد أنه على رغم هذه المخاوف يرى أغلب السوريين أنه من السابق لأوانه تبني مواقف متشائمة لما سيؤول إليه الوضع السوري بعد الأسد، وإذا كانت بعض الخلافات الأيديولوجية بين عناصر الجيش السوري الحر واضحة ويصعب جسرها، إلا أن الناشطين والثوار يقولون إن تلك الخلافات تبقى في الوقت الراهن فرضيات نظرية فيما الأولوية هي القضاء على النظام وإسقاطه وتحرير سوريا من ظلم استمر طويلاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشرع حين يكشف أسرار الأسد

يحيى محمود

الرأي الاردنية

22-12-2012

الاهم في التصريحات الاخيرة لنائب الرئيس السوري فاروق الشرع هو تحميله الرئيس الاسد المسؤولية الكاملة عما تشهده سوريا الان.

فوفقا للتصريحات التي نشرتها صحيفة الاخبار اللبنانية ،المتعاطفة مع النظام السوري- ولكن الاقرب لايران- ونقلتها وكالة الانباء السورية الرسمية سانا ،هو قول الشرع ان الاسد ومنذ اللحظة الاولى اختار الحل الامني بمواجهة الاحتجاجات، وانه منذ اللحظة الاولى ايضا كان هناك اعتراض سياسي من داخل حزب البعث واخر عسكري من داخل القيادة العسكرية على مثل هذا الحل.

ولم يتوقف الشرع عند هذا الحد من التاشير الى دور رئيسه في تعقيد الموقف، بل تحدث بوضوح عن هيمنة الاسد المطلقة على قرار كل السلطات السورية وصولا الى الموظفين التنفيذيين الذين يبررون كل تصرفاتهم بالقول بانهم يتلقون اوامرهم من الرئيس مباشرة.

كما يعود الشرع بالذاكرة الى بدايات الازمة حين جرى تكليفه بادارة حوار وطني لتنتهي تلك المحاولة بالفشل، لان الاسد تمسك بالحل الامني العسكري . وفي معرض السخرية قال الشرع انه في بداية المظاهرات كان انصار الحل الامني يبحثون عن قناص او مسلح وسط المتظاهرين لتبرير وجهة نظرهم، الى ان وصل الوضع الى ما هو عليه الان من مواجهات مدمرة للجميع.

وفي ضوء هذه الرسائل الواضحة التي تضمنها حديث الشرع المفاجئ يتضح ان ما يجري الحديث عنه من اتصالات سرية اميركية روسية لحل سياسي يخرج بموجبه الاسد من موقعه هو امر يلقى صداه في الداخل السوري ،على المستويين السياسي والعسكري ،وان الشرع حين تحدث بمثل هذا الوضوح عن مسؤولية الاسد المباشرة تجاه ما تشهده سوريا يتمتع بحماية عسكرية سياسية منعت ،حتى الان، دفعه ثمن جرأته في كشف اسرار رئيسه وهو على بعد امتار منه في عاصمة بلاده.

وهنا يحضر الى الاذهان السؤال حول السبب الذي اخر الى الان تشكيل الحكومة السورية المؤقتة التي كان يفترض ان تنبثق عن الائتلاف السوري المعارض الذي اعترفت به مؤخرا اكثر من مئة دولة بمباركة وقيادة اميركية.فمثل هذا التاخير مرتبط على الارجح بما يجري خلف الكواليس بشان صفقة اقصاء الاسد مقابل الابقاء على دور ولو انتقالي لمن اختلفوا معه من سياسيين وعسكريين منذ بداية الازمة وفقا للشرع وصولا الى سوريا الجديدة. فلا عودة للوراءكما قال الشرع .

وعلى وقع السباق المحموم الذي يجري بين الاحداث على الارض وبين مشاريع الصفقات السياسية فان الايام المقبلة ستكون حافلة بالمفاجآت، لكنها ستلتقي عند شبه الاجماع الدولي على اهمية منع الفراغ والفوضى في سوريا، وان الرئيس الاسد لن يستمر في حكم البلاد ايا كان المآل الذي سينتهي اليه الوضع بالقوة او التوافقات ،والانتظار هذه المرة لن يطول.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا..هذا هو البديل!!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

22-12-2012

كَثُر طرْح سؤال :»ماذا بعد الأسد ومن هو البديل» وهو سؤال محقٌّ وضروري فالأوضاع في سوريا باتت تشبه لوحة «سريالية» كل من ينظر إليها يقرأها حسب رغباته وتوجهاته فـ»فلول» البعثيين يقولون أن البديل هو حزب البعث بعد أن يجدد نفسه و»الإسلاميون» يقولون أن تجربة نحو خمسين عاماً ،منذ الثامن منذ مارس (آذار) 1963، أثبتت فشل كل القوى والإتجاهات القومية وبالتالي فإنه لا يصح إلاّ الصحيح والصحيح أن الدَّور أصبح للإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين.

وحقيقة أن الوريث المفترض لا هو «البعث» ،الذي أكل نفسه قبل أنْ يأكله الآخرون والذي فشل في الإمتحان التاريخي فشلاً ذريعاً إن في العراق وإن في سوريا، ولا هو الإخوان المسلمون الذين أطاحت تجربتهم القصيرة العمر في مصر بكل المراهنات عليهم وأثبتوا أنهم لا زالوا غير مؤهلين للحكم وأثبتوا أيضاً أنه قد تكون لديهم برامج للهدم لكن ليست لديهم أي برامج للبناء وبالتالي فإنهم حتى وإنْ هم إغتنموا فرصة سانحة في لحظة إختلاط الأوراق ورمادية كل الألوان وتداخلها فإنهم سيفشلون حتماً كما فشل «إخوانهم» المصريون فالشعب السوري بعد كل هذه المعاناة الطويلة وبعد كل هذه التضحيات لا يمكن بإستبدال شمولية قومية وشعارها :»الوحدة والحرية والإشتراكية» بشمولية رجعية تستخدم الشعارات الإسلامية.

ولذلك وحتى وإنْ سقط بشار الأسد إنْ باتفاقٍ كاتفاق سقوط علي عبد الله صالح وإنْ بالضربة القاضية التي غدت متوقعة في أي لحظة فإنه لابد من ان تكون هناك مرحلة إنتقالية ستكون صعبة وقاسية بالتأكيد وقد تتخللها صراعات أكثر دموية من صراع العامين الماضيين والسبب هنا هو غياب التنظيم القادر على التوفيق بين كل هذه الإتجاهات التي تتكاثر يومياً وهو أيضاً أنَّ هذا النظام الأرْعن فعلاً قد لجأ ومنذ اليوم الأول إلى تحويل سوريا إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.

ستكون المرحلة الإنتقالية هذه صعبة بالفعل فالبلاد غدت مدمرة إقتصادياً وسياسياً.. وأيضاً إجتماعياً لكن ما هو مؤكد أن تحمل آلام هذه المرحلة الإنتقالية سوف يكون بداية لتحولات واعدة فهذا البلد لديه من الإرث الحضاري والثقافي ما يجعله مؤهلاً لطيِّ صفحة كانت قد بدأت مع أول إنقلاب عسكري في عام 1949 واستمرت إلى ان كتب أطفال درعا الباسلة بـ»طباشير» مدرستهم على جدران مدينتهم الحورانية البطلة :»الشعب يريد إسقاط النظام».

ستمر هذه المرحلة الإنتقالية ،التي ستتخللها أوجاع وعذابات كثيرة، بسرعة وستنهض سوريا من بين رماد النيران التي بقيت متأججة لأكثر من نصف قرن من الأعوام ذاق خلالها الشعب السوري العظيم مرارة القهر والقمع والإستبداد وستكون هناك ولادة جديدة ولن يكون هذا البلد إلاّ دولة ديموقراطية وتعددية ولكل أبنائها فإستبدال شمولية بشمولية غير ممكن على الإطلاق ومن المستحيل بروز «ديكتاتورٍ» لا بملابس عسكرية ولا بملابس مدنية فمواسم إنتاج الديكتاتوريين قد إنتهت وهذا العصر هو عصر صناديق الإقتراع والحريات العامة وحكم الشعب نفسه بنفسه.

كل الثورات الحقيقية التي عرفها التاريخ كانت قد مرَّت بمراحل إنتقالية صعبة ومؤلمة فهناك دائماً وأبداً قوىً مضادة للثورة وبإسم الثورة وهناك دائماً وأبداً نزعات إستئثارياً إن فردياً وإن تنظيمياً لكن هناك أيضاً أن الغلبة كانت لإرادة الشعوب المكافحة وحقيقة ان الشعب السوري بقدرته على التحمل وبإستعداده على الإستمرار بالبذل وتقديم المزيد من التضحيات قد أثبت أنه هو الرمز الحقيقي لهذا «الربيع العربي» وأثبت قدرته على تخطي كل الصعاب وعلى النهوض ببلده مرة أخرى ليُصبح أجمل البلدان وكما كان عليه قبل أن يُبتلى بلحظة تاريخية شديدة السواد استمرت لنصف قرن وأكثر.. إن هذا هو البديل الذي لا غيره بديل!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من المسؤول عن مأساة مخيم اليرموك؟! * ياسر الزعاترة

الدستور

22-12-2012

قد يبدو السؤال أعلاه مقبولا بالنسبة لمراقبين دوليين، أو صحافيين أجانب جاؤوا يتفحصون معالم المأساة وأسبابها، لكنه ليس كذلك بالنسبة لصاحب ضمير حي يعرف حقيقة ما يجري في سوريا منذ قرابة عامين؛ حقيقة أن هناك 40 ألفا سقطوا ضحية الإجرام الأسدي، وأن هناك مئات الآلاف من الجرحى ومثلهم من المعتقلين، فضلا عن أكثر من مليوني مشرد في الداخل والخارج. ثم يعرف إضافة إلى ذلك أن هناك أكثر من 700 فلسطيني قد قضوا نحبهم في الصراع الدائر في سوريا؛ كان نصيب مخيم اليرموك منهم وافرا إلى حد كبير.

كيف لمخيم يعيش وسط السوريين ويلتحم بهم وبأحيائهم أن يظل بمنأىً عما يجري في بلدهم؟! كيف له أن يمارس الحياد في معركة بين نظام مجرم وبين شعب يعيش معه وبين أبنائه؟! يثير الازدراء بالطبع أن يخرج عليك من يتحدث بلغة تحميل الجميل للفلسطيني، فيشير إلى وضعه الجيد في سوريا، لكأن بشار وأباه من قبله كانوا يدفعون للفلسطينيين من جيوبهم، أو لكأن اللجوء الفلسطيني قد تم في ظل حكم البعث (الأسدي)، ولم يبدأ في العام 48، ومعه طبيعة التعاطي الرسمي مع اللاجئين.

الأكثر سوءا من هذا وذاك، هو تجاهل حقيقة أن الذاكرة الفلسطينية لا تحتفظ لهذا النظام بالكثير من الود، لاسيما أنها ليست ذاكرة قصيرة يمكنها نسيان مجزرة تل الزعتر، أو حرب المخيمات مع قدر من التواطؤ على إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، حتى لو تحدثنا عن مرحلة جيدة من الدعم لقوى المقاومة خلال الألفية الجديدة.

مع ذلك، فقد حاولت المخيمات أن تنأى بنفسها عن المعركة الدائرة، أعني أن تنأى بنفسها ككتلة كاملة، وليس كأفراد، فبين الثوار هناك الكثير من الشبان الفلسطينيين الذي اقتنعوا بنبل الثورة ومطالبها المشروعة وانخرطوا فيها واستشهدوا مع إخوانهم السوريين، لاسيما أن الأعمى وحده هو من يعتقد أن هذه معركة ملتبسة (بعض اليساريين الذين يديرون الحملات لصالح بشار وضد “الإرهابيين” القادمين من الخارج، ينسون احتفالهم بجيفارا الذي كان يقاتل أنظمة ربما كان بعضها أفضل من نظام بشار بالنسبة لشعبه).

أيا يكن الأمر، فما جرى هو أن الثوار الذين سيطروا بشكل شبه جيد على الأحياء الملاصقة للمخيم (الحجر الأسود والتضامن والميدان)، لم يعملوا على احتلال المخيم، بل كانوا يعبرونه بشكل عادي نحو وجهتهم، فما كان من المليشيات المحسوبة على الجبهة الشعبية (القيادة العامة) وبعض المجموعات الأخرى إلا أن استهدفتهم، فقتلت بعضهم واعتقلت البعض الآخر، فكان طبيعيا والحالة هذه أن يردوا على ذلك.

في شهادة لأحد الفارين من المخيم أوردتها الغارديان تلخيص للحكاية. فقد قال الرجل إن النظام افتتح منذ الصيف مكتبين أمنيين تابعين للاستخبارات الجوية والسياسية لتجنيد أي راغب بالانضمام للجبهة الشعبية (القيادة العامة)، وأي شخص وافق على الانضمام أعطي بندقية. وأوضح أن المخيم لم يشهد أي معارك في داخله باستثناء مناوشات على مشارفه، ولم يدخله الجيش الحر إلا بعد تعرضه للقصف من قبل النظام.

رغم الجرائم التي ارتكبت بحق المخيم، وأفضت إلى نزوج جماعي لسكانه، إلا أننا لم نعدم “مقاومين وممانعين” يلقون بمسؤولية ما جرى على جبهة النصرة والإخوان والجيش الحر، مبرئين النظام من وزر الجريمة، مع أن قصف مسجد وقتل 25 إنسانا فيه، وجرح أكثر من 150 هو جريمة بشعة حتى لو كان المخيم كله يقاتل النظام.

خلاصة القول هي أن النظام هو الذي سعى إلى زج المخيم في الصراع، وليس الجيش الحر والثوار، بدليل أن الثوار اليوم لم يشترطوا شيئا للخروج من المخيم سوى إخراج كافة المقاتلين التابعين للنظام منه، وهم أحرص على دماء الناس فيه وفي سواه، مع أنهم لو استمروا داخله بحكم الاضطرار لأجل استكمال إسقاط نظام مجرم، لما كان في ذلك ما يدينهم أصلا.

أي منطق بائس هذا الذي يتبناه بعض أنصار النظام ومنهم فلسطينيون مع الأسف؟! إن ما يجري هو جريمة بحق الفلسطينيين، وقبل ذلك بحق السوريين، ودم الفلسطينيين ليس أغلى من دم إخوانهم السوريين، ومن يبرر لهذا النظام ما يفعله مجرم مثله مهما كان فكره، وأيا كان تاريخه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية الجديدة ومسألة العدالة الانتقالية

أنور البني *

السبت ٢٢ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

لعّل مسألة العدالة الانتقالية هي المسألة الأهم ومن أولى القضايا التي يتم العمل عليها بعد التغييرات الجذرية في المجتمعات التي يصاحبها اقتتال وضحايا وتدمير.

فإغلاق المرحلة السابقة وإعادة السلم الأهلي ووحدة المجتمع والمصالحة الداخلية يتطلبان أولاً تهدئة النفوس برد المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها والتعويض على المتضررين والكشف عن مصير المفقودين وإظهار حقائق ما جرى وتحديد المسؤوليات ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات والجرائم عبر المؤسسات القانونية والقضائية، وهذا شرط لازم وواجب وضروري، فلا يمكن أن تبرد روح الثأر والانتقام ومحاصرة الفوضى المحتملة، ما لم يشعر المتضررون بأن حقوقهم لن تضيع وأن المرتكب لن يفلت من العقاب، ولا يمكن الإنسان أن يغذي انتماءه إلى المجتمع ويساهم ببنائه إذا لم يطمئن إلى أنه سيحصل على العدالة.

ومفهوم العدالة الانتقالية هو مفهوم استثنائي للعدالة يختلف عن مفهوم العدالة العادي بالأهداف والقواعد والمعايير والهيئات والآليات، لأن الظروف الاستثنائية تفرض معالجة استثنائية ولا تصح أو تستقيم معها قواعد العدالة العادية وآلياتها.

فهدف العدالة الانتقالية ليس إدانة المجرمين وتطبيق القانون فقط بل أساساً هو إعادة السلم الأهلي وتحقيق المصالحة الوطنية ومحو آثار مرحلة سابقة تشجع على استمرار الخراب إذا لم يتم تجاوزها. فعلى سبيل المثل إن إسقاط الحق الشخصي أو عدم الادعاء من قبل المتضررين بالنسبة لعدد كبير من الجرائم الواقعة بحقهم قد يؤدي إلى إسقاط الدعوى كلها خلافاً للقانون العادي مع حفظ حقوق هؤلاء المتضررين بالتعويض الذي سيقع على عاتق الدولة عبر مؤسسة العدالة الانتقالية نفسها، وهنا لا دور لمؤسسة النيابة العامة كجهة مدافعة عن المجتمع إلا في القضايا التي تمس المجتمع كله. ونضيف أن هدف العدالة الانتقالية لا ينحصر في محاسبة مرتكبي الجرائم وبعث الطمأنينة في النفوس بأن حقوقهم لن تهدر بل ينسحب هدفها إلى إعطاء الطمأنينة لغير المرتكبين أنه لن تتم محاسبتهم أو الاقتصاص منهم عن جرائم لم يرتكبوها، مثلما تعطي ضمانة مهمة للمرتكبين أنفسهم بأنهم لن يكون تحت وطأة رد الفعل الثأري وأن مؤسسات العدالة والقضاء هي التي ستحاسبهم بالدلائل والقرائن المثبتة على ما ارتكبوه.

ولعل أهم تميز في القواعد والمعايير الحاكمة للعدالة الانتقالية أنها تستند إلى القواعد والقوانين العالمية، مع الأخذ في الاعتبار أن كثيراً من الجرائم المرتكبة في ظروف الصراع الأهلي الاستثنائي، قد لا تغطيها القوانين المحلية أو تطاولها أو تنص عليها لأنها جرائم تسمها هذه الاستثنائية وتتطلب مرجعية دولية أنتجتها ظروف وأحداث مماثلة.

والتميز أو الاختلاف الآخر هو أن مؤسسة العدالة العادية تستند إلى الهيئات القضائية الطبيعية وتقتصر على القضاة فقط الذين يديرونها بينما تتفرع عن مؤسسة العدالة الانتقالية هيئات عدة لها طراز مختلف عن التركيبة القضائية وتضم بعض ممثلي المجتمع وهيئاته المتنوعة لتشارك القضاة والمحاكم في تحقيق العدالة. وقد بدأت فكرة العدالة الانتقالية بفكرتها الأولى بعد الحرب العالمية الثانية بمحاكمة مجرمي الحرب بنورمبرغ وتطورت في سيراليون ورواندا، وحتى لبنان كان هناك تطبيق جزئي لها في وزارة المهجرين وصندوق الجنوب فيما أحيلت للقضاء العادي والعسكري مهمة محاكمة المرتكبين.

ويمكن تقسيم عمل مؤسسة العدالة الانتقالية إلى خمسة محاور:

أولاً: صندوق لتعويض الأذى الجسدي والمادي للمواطنين المتضررين إما بفقد أحد أفراد أسرتهم وأحبتهم وأيضاً التعويض للجرحى والمعاقين ولمن تدمرت منازلهم أو أماكن عملهم أو ممتلكاتهم كلياً أو جزئياً، ويتم ذلك عبر لجان فنية مختصة تقوم بالمسح الميداني لكل المناطق بوضع قائمة بأسماء الضحايا والمفقودين وتقدير قيمة الأضرار المادية وتحديد عدد المصابين والجرحى وتأمين استمرار علاجهم والبدء بإجراءات سريعة لإيواء المهجرين الفاقدين منازلهم وتسديد معونات سريعة لمن تضررت أوضاعهم جزئياً لترميم منازلهم والسكن فيها.

ثانياً: إنشاء محاكم خاصة ومستقلة عن القضاء العادي محكمة مركزية في دمشق للقضايا الكبرى ومحاكم فرعية في كل المحافظات للنظر بالجرائم المرتكبة خلال الأحداث وملاحقة المجرمين والقبض عليهم ومصادرة الأموال والأشياء المنهوبة والمسروقة. ويجب أن يكون قضاة هذه المحاكم من القضاة المشهود لهم بالنزاهة والحيادية والاستقلال.

ثالثاً: تشكيل لجان للسلم الأهلي والمصالحة الوطنية تضم شخصيات ثقافية وعلمية وقانونية وفنية ودينية واجتماعية ذات احترام للتوجه إلى المناطق التي شهدت نزاعات أو إشكالات دينية أو طائفية أو قومية لتهدئة النفوس وإرساء الصلح وتبديد الشكوك وإعادة الثقة بين مكونات المجتمع، وتكون من مهماتها هذه اللجان أيضاً المساهمة في الكشف عن المفقودين والمختطفين والمعتقلين وإعادتهم لأهلهم. كما العمل على إقامة لجان وجمعيات للدعم والعلاج النفسي لضحايا الانتهاكات.

رابعا: تشكيل مكتب إعلامي مهمته القيام بحملة شاملة لشرح مفهوم العدالة الانتقالية ووسائلها وهيئاتها ودورها واستخدام كل وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء من أجل ذلك يديرها مختصون قانونيون واجتماعيون. وتساعدهم في ذلك لجان من الشباب المتطوعين تشكل بالتعاون مع جمعيات أهلية ويجرى تدريبهم لإيصال فكرة العدالة الانتقالية إلى كل المواطنين ومساعدتهم للتفاعل مع هيئاتها والثقة بها وتقديم طلباتهم إليها ومتابعتها.

خامساً: إنشاء مكتب تخليد الذكرى، ومهمته توثيق الأحداث التي مرت وتوضيحها وتأريخها بما في ذلك تخليد أسماء الضحايا الذين قضوا عبر النصب التذكارية أو إطلاق أسمائهم على المدارس والأماكن والساحات في المواقع الجغرافية التي سقطوا فيها، وإدخال هذه المعلومات في كتب التاريخ للمدارس حتى يكون ما مرّ على البلاد درساً يستفيد الجميع منه ويشكل عبرة ومأثرة للأجيال المقبلة، ولا تضيع التضحيات الكبرى التي قدمت بل تكون صورتها ماثلة دائماً في ذاكرة المجتمع وخالدة في ذاكرة الوطن.

ويمكن الحديث هنا عن مسألة العفو ودوره في إرساء المصالحة وليس لتغييب العدالة، فاستخدام هذا الطريق ضروري ولكن، لا يمكن أن يكون عاماً بحيث تضمّد الجروح وهي ما زالت تنزف أو من دون أن تكون مطهرة فتشكل ناراً تحت الرماد يمكن تأجيجها في أي وقت بل يجب أن يكون محدوداً وخاصاً ويستعمل في شكل دقيق لإغلاق ملفات تم إنهاؤها أهلياً وتمت المصالحات في شأنها وليس كأسلوب تبويس اللحى وعفا الله عما مضى.

إن العدالة الانتقالية وتهيئة مؤسساتها وهيئاتها هي أولى المهمات في المرحلة المقبلة وعلينا أن نكون على أهبة الاستعداد والجاهزية، بل الشروع منذ الآن بتقديم المبادرات والاجتهادات لتهيئة الأسس والمقومات لها وخصوصاً البدء الفوري بحملة شعبية لنشر مفهومها وتعريف المواطنين بها لنضع اللبنة الأولى لإعادة بناء سورية الجديدة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا يمانع بوتين في إنهاء الحرب الأهلية في سورية؟

سليم نصار *

السبت ٢٢ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

في رسالته السنوية أمام المشرعين الروس، تحدث الرئيس فلاديمير بوتين عن برنامجه الاستراتيجي في ظل الأوضاع المقلقة والتناقضات الكبرى التي يشهدها هذا العصر. وقال إن بلاده، مثل سائر بلدان العالم، تواجه مرحلة انعطاف خطيرة داخل فلك دولي جديد تكثر فيه المتغيرات والهزات السياسية الشاملة.

وبعدما رسم بوتين ملامح المرحلة المقبلة، شدد على ضرورة تحديث المؤسسة العسكرية التي وصفها بأنها ضمانة أمن روسيا وعنوان استقلالها. وفي تعليقه على مطالب المعارضة أكد أن روسيا في عهده لن تتخلى عن الديموقراطية. ولكنه اشترط أن تكون ديموقراطية غير مستوردة من الخارج، وإنما مرتكزة على تقاليد الشعب والقوانين المطبقة.

وقرأ زعماء المعارضة في هذا الخطاب سلسلة مشاريع عسكرية ضخمة يصعب على الخزينة تحملها. كل هذا من أجل بناء ترسانة عسكرية ضخمة يمكن أن تحقق هدفين: الأول، إقامة نظام قمعي يحيي مبادئ مؤسسة الاستخبارات (كا جي بي) التي خدمها بوتين في برلين طوال فترة الحرب الباردة. الثاني، تشكيل حلف إقليمي قوي في الفضاء السوفياتي السابق، بهدف منع الغرب من اختراق دول الجوار وتطويق روسيا.

قادة المعارضة الروسية اعترضوا على مشاريع التسلح لاقتناعهم بأن المنافسة على خطة «حرب النجوم»، التي أطلقها الرئيس الأميركي رونالد ريغان، كانت بمثابة مطب اقتصادي دمر منظومة الاتحاد السوفياتي. وهم يلوحون بالإضرابات والاضطرابات في حال قرر بوتين تحدي دول الحلف الأطلسي وإرهاق البلاد ببرامج التسلح وحرمان المواطنين من فرص التنمية والازدهار.

المخاوف التي تعلنها المعارضة الروسية ضد سياسة بوتين الداخلية ليست أقل من مخاوفها حيال سياسته الخارجية في الشرق الأوسط. ذلك أن احتضانه لموقف النظام السوري في المحافل الدولية ومجلس الأمن يمكن أن ينعكس في شكل سلبي على مستقبل العلاقات مع دول المنطقة. لهذا كان الرهان على اجتماع بوتين ورجب طيب أردوغان، لعل الزعيمين، الروسي والتركي، يتمكنان من المساهمة في حل المعضلة السورية.

ومع أن المعلومات التي تسربت عن ذلك اللقاء كانت شحيحة إلا أن مصادر موثوقة، في موسكو وأنقرة، أعلنت عن بعض الإيجابيات والسلبيات بما يمكن اختصاره بالآتي:

أولاً، أعرب بوتين عن استيائه من تثبيت منصات صاروخية على الأراضي التركية، مذكراً بأن أزمة كوبا عام 1962 كانت بسبب نشر صواريخ على الحدود التركية المحاذية لروسيا. وأنكر اردوغان أن تكون نوعية الصواريخ هجومية، وقال إن الحلف الأطلسي وضعها على سبيل الاحتياط، أي في حال قرر النظام السوري استعمال أسلحته الكيماوية ضد تركيا أو ضد معارضيه. وفي نهاية اللقاء وعد أردوغان بسحب الصواريخ عقب انتهاء الأزمة السورية.

ثانياً، اتفق الرئيسان على زيادة التبادل التجاري والسياحي بحيث تحقق العائدات للبلدين كمية تصل إلى مئة بليون دولار، أي بنسبة ضعفي كمية التبادل لهذه السنة. كذلك وعد أردوغان بزيادة واردات بلاده من روسيا في مجال الطاقة، مقابل الحصول على تسهيلات لوجيستية في مضيق الدردنيل.

ثالثاً، بالنسبة إلى الأمور السياسية المتعلقة بدور روسيا في سورية، ظهر الخلاف واضحاً بين الزعيمين. ولم ينكر بوتين المكاسب الاستراتيجية التي وفّرتها لأسطوله تسهيلات الدولة السورية. واعترف بأنه لا يريد التخلي عنها لأسباب عسكرية، كونها أمنت له موقعاً جغرافياً متقدماً على البحر الأبيض المتوسط. وهذا ما يجعله شريكاً مع الولايات المتحدة في إيجاد تسوية مقبولة للقضية الفلسطينية أولاً... ولمستقبل سورية ثانياً.

رابعاً، لم يخفِ بوتين حذره من احتمال منح حزب «الإخوان المسلمين» دوراً مركزياً في النظام البديل لنظام البعث العلماني. خصوصاً بعد ظهور مجاهدين من القوقاز تطوعوا للقتال إلى جانب «الجيش السوري الحر.» وقال بوتين لأردوغان إن وجود التنظيم الإسلامي على رأس الحكم سيجدد القتال ضد قواته في الشيشان. وأكد في الوقت ذاته أن الصين تشاركه في هذه المخاوف لأن امتداد الإسلام السياسي إلى دول البلقان وآسيا يشكّل خطراً على استقرار دولتين كبيرتين.

المعارضة الروسية تدّعي أن موقف بوتين حيال أزمة سورية نابع من منفعة تجارية بحتة. ووفق تفسيرها، فهي ترى أن إطالة أمد الحرب الأهلية السورية تعود بالفائدة الاقتصادية على روسيا. ذلك أن الدول المستوردة للطاقة باتت تخشى من تورط دول مجلس التعاون الخليجي في الحرب القريبة من حدودها. وهذا ما دفع بعض الدول الآسيوية، مثل اليابان والهند وتايلند، إلى توقيع عقود مع موسكو بزيادة كميات إيراداتها النفطية. ورفض بوتين هذا التفسير، واتهم المعارضة بتضليل الرأي العام وحرف الحقيقة.

الطرف الآخر المعني بقضية الشرق الأوسط منذ أكثر من ستين سنة أبعدته مجزرة نيوتاون عن الاهتمام بالمسألة السورية، الأمر الذي وفَر للرئيس بوتين فرصة إضافية لاستغلال عزلة الرئيس بشار الأسد. علماً أن أوباما كان يسعى في مطلع ولايته الثانية إلى منع بنيامين نتانياهو من الإقدام على مغامرة حربية ضد إيران عقب فوزه بالانتخابات المقبلة (21 كانون الثاني – يناير– المقبل).

الصحف الإسرائيلية فسرت قرار رئيس الوزراء بإعلان تحالفه مع زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، بأنه قرار متهور وخطير. وتوقعت أن ينتهي بفصل السياسة الخارجية لدولة اليهود عن سياسة راعيتها وداعمتها الولايات المتحدة. وهذا ما فعله مناحيم بيغن قبل أن تتخذ حكومته عام 1981 قرارها بموعد ضرب المفاعل النووي العراقي. ذلك أنها جمدت تعاونها مع واشنطن، ورفضت إبلاغ الرئيس ريغان بساعة الصفر (الساعة 3 بعد ظهر 7 حزيران (يونيو) 1981). وقد نشرت إدارة الرئيس ريغان في حينه بياناً للرأي العام، قالت فيه إنها علمت بالأمر بعدما شكت الحكومة الأردنية من أن سرباً من الطائرات الحربية الإسرائيلية قد اخترق أجواءها.

يقول نتانياهو إن حربه مع ايران هي حرب وجود ضد نظام يُفاخر بأنه سيمحو دولة اليهود من الوجود. وعليه قرر مع حليفه ليبرمان استفتاء الشعب في انتخابات مبكرة على أمل استقطاب قاعدة شعبية واسعة تؤيدهما في عملية ضرب المفاعل النووي الإيراني. خصوصاً أن نتانياهو يصنف دوره بين أدوار المؤسسين من أمثال ديفيد بن غوريون ومناحيم بيغن. وهو دائماً يردد هذه العبارة: إذا كان المؤرخون يعتبرون بن غوريون... المؤسس. فأنا مستعد لأن أقنعهم بأنني المخلص. أي مخلص الدولة التي تهددها إيران بقنبلة الفناء.

الصحف الأميركية تشير إلى احتمالات حدوث خلاف آخر بين أوباما ونتانياهو، يتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية. ففي حين يرى الرئيس الأميركي أن نشر المستوطنات حول القدس الشرقية يعرقل مساعي التسوية مع الرئيس محمود عباس فإن نتانياهو يعتبر نفسه في حل من شروط استئناف العملية السلمية. وهو يتمنى لو أن أبو مازن تحالف مع خالد مشعل في غزة، لكان قاسمه شرعية النصر السياسي الذي أحرزته «حماس» في معاركها الأخيرة. أي شرعية الاعتراف بسلطة «حماس» في قطاع غزة. وكانت الوزيرة الأميركية هيلاري كلينتون قد فاوضت على إنهاء وقف العنف بدعم من الرئيس المصري محمد مرسي.

وعندما أعلنت إسرائيل عن وقف عملية «عمود السحاب»، جاء خالد مشعل من قطر إلى غزة ليشارك إسماعيل هنية فرحة الاحتفال بالنصر. وبعد أن قبَّل الأرض عند معبر رفح أعلن أن طريق المقاومة هي أقصر الطرق لاسترداد ما سلبته إسرائيل من حقوق وأرض.

وترجمت منظمات الأمن الإسرائيلية، «الموساد» و «الشاباك» و «أمان»، كلام مشعل بأنه دعوة لتفجير انتفاضة ثالثة داخل الضفة الغربية. وقد عزز هذا التصور اكتشاف بعض الخلايا الناشطة في منطقتي نابلس والخليل. كذلك ضبط الجيش الإسرائيلي، خلال هذا الشهر، عناصر من المجاهدين تخطط لانتفاضة ثالثة بقصد إرباك حكومة نتانياهو ومنعها من إجراء انتخابات هادئة وسليمة.

والمعروف أن ظروفاً مشابهة حدثت في مثل هذا الشهر من عام 1986، هي التي أطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى. وربما وجد أبو مازن أن الفرصة مواتية لتقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يدين عمليات الاستيطان الإسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة والعمل على وقفها. كما هدد أيضاً باللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية بعدما وافقت لجنة التخطيط على بناء 2610 وحدات سكنية في حي «جيفعات هامتوس».

وترى السلطة الفلسطينية أن مشروع البناء في هذه المنطقة المحتلة هو جزء من مشروع أوسع أقرته حكومة نتانياهو. أي المشروع الذي يتألف من 9600 وحدة استيطانية، ويفصل وسط الضفة الغربية عن جنوبها بطريقة تمنع التواصل في دولة فلسطين.

مرة أخرى كررت «حماس» رفضها كل مشاريع التوطين، وأعلنت أن أهدافها لا تتحقق إلا باستئناف عمليات الكفاح المسلح. وذكّرت بالكلام الذي نقله نتانياهو عن صديقه آرييل شارون، بأن إسرائيل أخطأت يوم ساعدت الأردن على التخلص من منظمة التحرير عام 1970. وبما أن رئيس الوزراء يُعتبر من مؤسسي جمعية «الأردن هو فلسطين»، فإن المحاولة التي أقدم عليها عام 1997 لقتل خالد مشعل بواسطة السم، لم تكن أكثر من شرارة لإحراق مشروع الدولتين. وهو حالياً يؤكد موقفه الداعم لمشروع «الأردن هو فلسطين». وليست سياسة تكثيف المستوطنات فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من تثبيت عملي لتلك السياسة.

وعليه، ترى «حماس» أن رئيس السلطة الفلسطينية يضيع وقته في الجمعية العامة ومجلس الأمن، لأن إسرائيل لا تفهم إلا بلغة البندقية لا بلغة غصن الزيتون. وهذه هي العبرة الوحيدة التي أخذها معه ياسر عرفات إلى القبر!

* كاتب وصحافي لبناني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأطراف الخارجية ومستقبل سوريا

فايز سارة

السفير

22-12-2012

لعل من بين اهم نتائج اطالة عمر الازمة في سوريا، انها اتاحت للعديد من الدول والقوى، ان يصير لها نفوذ في سوريا طالما رغبت تلك الدول والقوى في هذا، ذلك أن الانقسام الحاد وما رافقه وأعقبه من صراع عنيف ودموي، فرض على القوى المتصارعة، فتح الابواب امام قوى دولية واقليمية للدخول على الخط السوري، وكان الأمر ملحاً بل ومطلوباً من جانب قوى لها موقف من النظام وسياساته سواء كانت

دول لها علاقات قوية ووثيقة بالنظام كما هو حال روسيا والصين وايران، او اخرى طالما كانت علاقاتها مع دمشق في حركة نوسان وعدم استقرار على ما هو عليه الموقف الاميركي ـ الاوربي، وفي بعض الاحيان، ادت الازمة السورية وتطوراتها الى تبدلات دراماتيكية في مواقف بعض القوى كما حصل في موقفي كل من تركيا وقطر، فانتقلتا من موقع الحليف والصديق للنظام في دمشق الى موقف المناهض، ان لم نقل العدو على نحو ما تظهر بعض السياسات والمواقف التي اتخذها البلدان في فترة الازمة، وما كان للنظام في دمشق من مواقف وسياسات في مواجهة تركيا وقطر في الفترة ذاتها.

لقد انقسمت الدول والقوى من الناحية السياسية ازاء الوضع في سوريا. ورغم ان مؤيدي النظام كانوا قلة بين الدول، مقابل كثرة من وقفوا ضده مؤيدين للثورة، فان فاعلية مناصري النظام، كانت أقوى وأشد حضوراً في المجالات كافة. وعلى سبيل المثال فان روسيا والصين منعت مرات اية ادانة او قرار دولي بإكراه النظام وإجباره بوقف الحل الامني العسكري والذهاب مؤكداً الى حل سياسي، وزاد مؤيدو النظام على ما سبق تقديم امكانات عززت استمراره في مقاومة ثورة مواطنيه لأكثر من واحد وعشرين شهراً متواصلة، بما في ذلك دعمه بالاسلحة والذخائر والخبرات اللوجستية العالية، وهو ما ترافق بأوسع حملة دعاوية ضد معارضي النظام والتشهير بهم وبأهدافهم المعلنة.

اما القوى الدولية والاقليمية التي بدت مؤيدة للثورة ورغم كثرتها وأهميتها، فقد غلبت الضبابية على مواقفها، وأغلبها تأخر في إعلان موقفه ربما حذراً، أو ان الصورة لم تكن واضحة لديه. وهكذا جاءت المواقف في مواجهة النظام لفظية وضعيفة ومترددة ومحسوبة، يقابلها ضعف وتردد في تأييد المعارضة، وشح في المساعدات، وتحديد لمجالات صرف المقدم منها للمعارضة وتنظيماتها، وغالباً، فان سياسات ومواقف القوى المؤيدة للثورة على ضعفها وهشاشتها، أحيطت بإثارة ثلاث نقاط، اولها وحدة المعارضة بالقول، لأن المعارضة مقسمة، والثاني موضوع الاقليات والتخوف من طغيان الاكثرية، والثالث موضوع التطرف الديني وتسلل «القاعدة» واخواتها الى سوريا.

لقد تسلل نفوذ القوى الاقليمية والدولية الى بنى الدولة والمجتمع في سوريا، وان كان ذلك تم برضا النظام في علاقاته مع داعميه، ولاسيما ايران وروسيا، فإنه تم أيضاً بغياب او سكوت معارضي النظام وقبول بعضهم بما يتعلق بتسلل الداعمين والاقليميين وعلى سبيل المثال، لم يكن بإمكان قوى المعارضة وقف أو الحدّ من التدخل التركي في الشأن السوري، والأمر ينطبق على دول أخرى، بدا وان ثورة السوريين بحاجة الى دعمها ومساندتها السياسية والمادية.

خلاصة القول، إن ما تمّ من تدخلات دولية وإقليمية في الشأن السوري في فترة الصراع بين النظام والمعارضة، سيكون له حضوره وتأثيره في الفترة التالية سواء كانت فترة انتقالية قريباً من النموذج اليمني او فترة تغيير عاصف وفق النموذج الليبي، وفي كل واحدة من الحالتين سوف يكون الحضور مختلف للقوى الدولية والاقليمية في مستقبل سوريا مع ارجحية خاصة للقوى المناصرة للثورة، لأن النظام على ما هو عليه الآن، لن يكون موجوداً، اذ سيتغير كلياً او بنسبة كبيرة على الاقل.

ان ولوج سوريا في مرحلة انتقالية ناتجة عن حل سياسي رغم ما يحيط بهذا السيناريو من صعوبات، سوف يسمح لكل من روسيا وايران اللتين سوف تشاركان في صنع حل سياسي، بالحضور في السياسة السورية في المرحلة الانتقالية، وقد يتطور ذلك، اذا احسن البلدان تجديد سياستهما السورية وتقديم المساعدة الجدية في إعادة إعمار البلاد وتطبيع حياة السوريين، ليس انطلاقاً من واجبهما الانساني والاخلاقي، بل من جانب كونهما مسؤولين بدرجة ما، عما حلّ بسوريا والسوريين من دمار وقتل في الفترة الماضية، وهذا سيعطيهما دوراً نسبياً الى جانب القوى التي وقفت الى جانب الثورة وخاصة في الفترة الاخيرة للمشاركة في إعادة بناء المستقبل السوري.

اما في حالة ذهاب سوريا للتغيير وفق النموذج الليبي، فإن القوى الخارجية المؤيدة للنظام، لن يكون لها دور في مستقبل سوريا المنظور، وهي ستحتاج الى فترة وجهود مكثفة، لإعادة تطبيع علاقاتها مع السوريين، وسيكون الباب مفتوحاً للمساعدة في مستقبل السوريين امام كتلة الدول التي ناصرت ودعمت أهداف السوريين من اجل التغيير وإعادة بناء دولتهم الديموقراطية التعددية، دولة العدالة والمساواة وحقوق الانسان.

غير انه وفي الحالتين، فان دور الاطراف الخارجية في رسم المستقبل مرهون بوضع المعارضة السورية ووحدة قواها السياسية والعسكرية والشعبية، وقدرتها على التحول الى قوة جامعة وموحدة لكل السوريين ومسؤولة عن مصيرهم المشترك ومصير بلدهم، ليس في المفاوضات الصعبة، التي ستجري مع الأطراف الخارجية لرسم ملامح التعاون المشترك فقط، بل في الحد من تدخلاتها التي قد لا تتوافق مع محتوى السياسة السورية المطلوبة في المرحلة المقبلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ذبذبات سورية من قَطَر: قسوةُ قلوبٍ وعقول

جهاد الزين

2012-12-22

النهار

الكلام مع المثقفين - السياسيين السوريين الجدد حول شراسة النظام وقمعيّته... تحصيلُ حاصل. لذلك كلما كان الحديث يصل أسرعَ إلى "الثوار" كلّما ظهر "أنضج"! لا يغيب الحسُّ النقدي لديهم حول ممارسات الفصائل المسلّحة في المعارضة لكن المثير أنه لا تترتّب أية مسؤوليات عن هذا النقد مما يحوّله إلى مجرد روايات مقلقة لا إلى معطى سياسيٍّ يُبنى عليه.

علّمتني التجربة في الحياة العامة أن المثقفين – أعني هذا "القطاع" من ممارسي الكتابة - هم عادةً الفئة الأكثر قلقاً في خياراتها السياسية أفراداً وجماعة. لا يستقيم خطٌ سياسيٌّ يتبنّاه أو ينخرط فيه المثقّف بدون قدْرٍ من القلق الذاتي يسبغ على تناوله الشفهي أو المكتوب طابعاً يبلغ حدّ التردد الناتج بطبيعة الحال عن مستوى "تكويني" من عدم اليقين حيال الأفكار و التصوّرات المتبادلة.

واحدٌ من انطباعاتي التي كوّنتها خلال وجودي لبضعة أيام في مؤتمر في قطر، بعد لقاءات مع عددٍ من المثقفين السوريين المعروفين الذين وجدوا أنفسهم فجأة يلعبون أدوارا سياسية متفاوتة في المرحلة الجديدة التي نتجت عن اندلاع الثورة السورية كآخر موجات "الربيع العربي"... واحدٌ من انطباعاتي هو تلك "القسوة" التي باتت تًسِمُ مواقفَهم وتحليلاتِهم إذا جاز لي استخدام تعبير "قسوة".

سأسارع إلى شرح هذا الانطباع. نحن هنا نتحدّث عن مثقفين سوريين جاؤوا بمعظمهم من صفوف المعارضة قبل الثورة. بعضهم سُجن وبعضهم قضى معظم شبابه أو جزءاً منه منفياً أو هارباً في الخارج وبعضهم كان مقرّبا من مركز صنع القرار في النظام السوري أو حتى على صلةٍ شخصية بالرئيس بشار الأسد ثم انشقّ مبكراً عن النظام. كنا في الدوحة بدعوة من "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" الذي أسّسه في قطر ويديره السياسي والمثقف الفلسطيني عزمي بشارة في مؤتمرٍ رعاه شخصياً بشكلٍ لافت وليُّ العهد.

ومع أن البيئة العامة للمؤتمر تشكّل إطاراً مألوفاً لهؤلاء "الناشطين" السوريين لا سيما مع حضور مثقفين آخرين كثيرين من العالم العربي هم أيضا فتحَتْ ثوراتُ "الربيع العربي" البابَ أمامهم للتحوّل إلى سياسيّين "فاعلين" لا هامشيين أو مهمَّشين كما كانوا قبل سقوط أنظمة بلدانهم... مع ذلك فقد بدا المثقفون السوريون فئةً مختلفة عن الآخرين بسبب الوطأة الحربْ أهلاوية التدميرية الصارخة التي تلقي بظلّها على كل سوريا. بل بدا جميع السوريين الحاضرين ومنهم قيادات في"الإخوان المسلمين" فئة مختلفة موضعَ اهتمامِ و"مراقبةِ" الآخرين.

تحت هذه الوطأة هناك مفارقة في الوضع الجديد لهؤلاء وأمثالهم: هم الوجوه المدنية البارزة في الخارج لثورة – حرب أهلية لم يعد لديها سوى "وجوه" عسكرية على الأرض السورية. لهذا بالقدْر الذي ازدادت فيه الأهمية السياسية للعديد من المثقّفين السوريين وُلِد في حالتهم وضعٌ جديدٌ من الهامشية: قوة التعبير عن الحالة السورية وفي الوقت ذاته انعدام التأثير الميداني بل الفعلي... فكيف إذا كان المؤثِّرون الميدانيون في معظمهم من "جنس" أيديولوجي يتعلّم هؤلاء المدنيون (يساريون سابقون وليبراليون جدد) أن يتعايشوا معه عن قرب كـ"الإخوان المسلمين" وغالبا لا يعرفونه كـ"جنس" السلفيين.

الكلام مع المثقفين - السياسيين الجدد السوريين حول شراسة النظام وقمعيّته... تحصيلُ حاصل. لذلك كلما كان الحديث يصل أسرعَ إلى "الثوار" كلّما ظهر "أنضج"! لكن الذي لفتني هو تلك "القدَريّة" الكاملة في نظرتهم إلى تطور الصراع بدون أية أوهام أو "نظرة إلى الوراء": انخراط كامل. لا يغيب الحسُّ النقدي لديهم حول ممارسات الفصائل المسلّحة في المعارضة لكن المثير أنه لا تترتّب أية نتائج أو مسؤوليات عن هذا النقد على تصوّراتهم السياسية لمستقبل الوضع مما يحوّله إلى مجرد روايات مقلقة لا إلى معطى سياسيٍّ يُبنى عليه.

سُئل أحد البارزين منهم: ماذا سيكون ثمن سقوط النظام؟ فأجاب فورا: تدمير دمشق. مع الأسف لا خيار آخر في ظل كثافة القوة العسكرية للجيش النظامي فيها.

ألا يستحق وضعٌ تراجيدي كهذا – أي إنقاذ دمشق – تعديلٌ ما في خطط المعارضة؟ لا جواب.

سألتُ "ناشطا" قيادياً آخر: إلى أين سيصل هذا المسار التدميري؟ أجاب: أريد أن أعترف أمامك أنني أحيانا وعبر الاتصالات التي نجريها أو تُجرى معنا أرتاب أن الهدف "الدولي" الحقيقي هو تدمير سوريا وليس إسقاط النظام.

أحدهم، أي المثقّفون – السياسيون الجدد، يقول انه سأل مؤخّراً المبعوثَ الأخضر الإبرهيمي لماذا يتأخّر في إعلان موقف "أكثر تقدّما" ضد النظام السوري وأن الإبرهيمي أجابه بأن لديه أولوية رئيسية هي "منع صوملة سوريا".

لا ينضح من كلام الوجوه المدنية المعارضة هذه أيّة رغبةٍ بالتسوية – ومن هنا "الريبة" بالأخضر الإبرهيمي – لا بل إن "المناخ" السائد هو انتظار سقوط النظام عسكرياً لا غير. أما بأي ثمن؟ مجرى الدم لم يعد يسمح بالاستدراك في منتصفه حتى لو كان الاستدراك نظريا بسبب ضغط هائل ضاع فيه كلُّ فارقٍ بين الثورة و"لعبة الأمم". وهذا ليس فقط "مناخا" قطَريا وإنما اسطنبوليٌّ وباريسيٌّ بل أوروبي رغم أن مجرّد التواجد في بيئة سياسية كهذه في الدوحة يعني غلبةَ لغةٍ قاطعةٍ مع النظام السوري يبرّرها معارضو الخارج من المثقفين باعتبارها العقوبة الملائمة لنظام استبدادي لم يُصغِ طويلا للآخرين دون اعتراف بأنها تلبية لا خيار فيها لقرار قوى دولية وإقليمية هائلة ضد هذا النظام الذي اعتمدته هذه القوى لعقود.

باختصار: تُعلّمنا الثورة – الحرب الأهلية السورية أن بعض البلدان يدخل إلى مصيره القاتل كما لو أنه قضاءٌ وقدَر... فكيف إذا كان المنخرطون يشعرون بالقوة القِيميّة للشعار التعبوي التغييري بما يبرّر أمامهم الانهيار الكامل لبلد كسوريا بصفته انهيارا لاأخلاقياً بكل معاني الكلمة. هي قسوة قلوبٍ وعقولٍ معاً في واحدة من تلك "اللحظات" التي تبدو فيها كلمة كارل ماركس التي لا أكفّ عن تذكّرها (حتى في إمارة قطر) نفّاذةً إلى أعمق درجات النفاذ كأنها اختراق في جيولوجيا التاريخ. يقول: "التاريخ يتقدّم دائماً من ناحيته الخطأ".

هكذا كنا في لبنان في السنتين الأوليين للحرب الأهلية. والعياذ بالله من الأثمان التي بات علينا أن ندفعها لتغيير الأنظمة السياسية.

السؤال الأخير هنا هو: هل فات الأوان في المشهد السوري المروِّع أن نسمع موقفا يطالب بوقف القتال – التدمير مهما كانت الحسابات السياسية خاسرة؟

هذا موقف يحتاج إلى قائد سياسي "تاريخي" أو مثقف استثنائي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فيمَ يفكر الروس؟

سميح صعب

2012-12-22

النهار

إذا ما عطفنا كلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن ان موسكو لا تدعم بقاء الرئيس السوري بشار الاسد في السلطة بأي ثمن، على كلام مبعوثه الشخصي الى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف قبل أيام عن ان النظام السوري يفقد المزيد من الأرض وان المعارضة المسلحة يمكن ان تنتصر عسكرياً وان روسيا أرسلت سفناً لاجلاء محتمل لرعاياها، فإننا نتلمس بداية انتقال في الموقف الروسي قد يكون مبعثه ملاقاة المواقف الاميركية والاوروبية والعربية والتركية التي ترفض أي تسوية في سوريا تتضمن بقاء الأسد في السلطة.

وقد لا تكون ملاقاة الغرب والعرب وتركيا، هي الباعث الوحيد وراء اللغة الروسية الجديدة حيال سوريا. فروسيا ربما تأثرت بالتطورات الميدانية التي حصلت على الأرض السورية منذ صدور بيان جنيف في 30 حزيران الماضي. يومذاك كانت موسكو تقدم قراءة مختلفة لبيان جنيف. وردت واشنطن وأوروبا وتركيا والعرب المتحمسون لحسم عسكري (ولعل أكثرهم حماسة الامين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي) بدعم المعارضة السورية المسلحة التي حققت مكاسب على الارض أملت على موسكو تقديم قراءة مختلفة لذلك البيان.

وتبدو القراءة الروسية الجديدة لبيان جنيف أقرب الى تطبيق الحل اليمني في سوريا، الامر الذي كانت موسكو ترفضه بشدة منذ نشوب الأزمة في سوريا. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً في لحظة التحول الروسي، هل ان الكرملين مقتنع بان أي تسوية سياسية للأزمة السورية تنص على رحيل ولو تدريجياً للاسد عن السلطة، يمكن ان تضمن الحفاظ على المصالح الروسية في سوريا؟

ذلك انه من الصعب تخيّل اعارة الحكم الجديد الذي سيقوم في سوريا أي انتباه للمصالح الروسية. فالحكم الناشئ سيكون مديناً للولايات المتحدة وتركيا وأوروبا وقطر والسعودية، وموالياً لهذه الدول التي أتت به الى الحكم.

ومن هنا يبرز التباس في الموقف الروسي المستجد. هل هو مجرد مناورة في انتظار انقلاب في الموازين العسكرية في سوريا، ام هو بداية تغيير فعلي حيال النظام في سوريا املاً في ألا تخسر موسكو في سوريا بالقدر الذي خسرت فيه في ليبيا بعد سقوط معمر القذافي؟

وما يزيد الامر التباساً ان الغرب لا يقدم القدر نفسه من التنازل الذي تقدمه روسيا من أجل التسوية في سوريا. ومنذ بداية الازمة قال الغرب إن لا حل إلا باسقاط الاسد وإنه يمكن التفاهم على بقاء البعث في السلطة كما بقي حزب المؤتمر الشعبي في الحكم بعد علي عبدالله صالح. وأي تنازل روسي الآن سيفسره الغرب بأنه علامة ضعف وتالياً لا مكان للضعفاء في الصراعات الدولية. ولا بدّ ان بوتين يدرك ذلك أكثر من غيره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

محمد الشعار: العدالة الالهية حقيقة

علي حماده

2012-12-22

النهار

فيما يرقد وزير خارجية بشار اللواء محمد الشعار على سرير في مستشفى الجامعة الاميركية ببيروت، ويعالج من اصابات حارقة خطيرة اصيب بها خلال هجوم قام به "الجيش السوري الحر" على موكبه قبل ايام، تعود الذاكرة بأبناء طرابلس ولا سيما في باب التبانة الى كانون الاول ١٩٨٦ يوم ارتكبت القوات السورية مجزرة في باب التبانة ذهب ضحيتها العشرات من اهلها ممن نفذت في حقهم اعدامات ميدانية. يتذكرون ان المسؤول الاول الميداني عن المجزرة كان محمد الشعار الراقد اليوم بين الحياة والموت في قلب بيروت يعالجه اطباء ربما معظمهم مناوئ للنظام في سوريا، وبالتأكيد ان بعضهم يحتقر النظام واركان النظام من اعلاهم شأنا الى ادناهم، غير انهم يقومون بواجباتهم كأطباء يلتزمون قسم ابي الاطباء "ابيقراط"، ويستوي عندهم كأطباء اطيب الناس مع احقرهم واكثرهم اجراما ووحشية. من هنا نقول لابناء التبانة وعموم طرابلس، ان عدم الاقتصاص من مجرمي الحرب في النظام السوري ليست نهاية المطاف، ما دامت العدالة الالهية تمهل ولا تهمل. فها هو محمد الشعار محروقا، وها هم جنرالات بشار الاسد الذين قتلوا في تفجير مقر الامن القومي في دمشق مطلع الصيف الفائت يواجهون ربهم الاعلى. وها هو ماهر الاسد المصاب، بحسب معلومات استخبارية متقاطعة، بجروح بالغة من جراء التفجير عينه، وهو متوار عن الانظار لم يظهر منذ شهور طويلة. لذلك فاننا لا نشمت بل نقول ببساطة المؤمنين: لكم الله يا من ظلمتم. ولكم شعب سوريا العظيم الذي نتعلم منه في كل يوم دروسا رائعة في البطولة، والتضحية، والصبر، والتصميم والاصرار. لقد ناضل الاستقلاليون اللبنانيون طويلا من اجل المحكمة الخاصة بلبنان، بهدف تثبيت حقهم القانوني والانساني بالعدالة في قضية اغتيال رفيق الحريري وسائر شهداء "ثورة الارز" الذين سقطوا مضرجين بدمائهم في الوقت الذي كان نضالهم السياسي سلميا. لقد ناضلنا بكل الوسائل غير العنفية من اجل بلوغ المحكمة الخاصة بلبنان، كي نقول للعالم اجمع ان في لبنان مجتمعا يؤمن بحق لا يؤخذ وفق شريعة الغاب، بل يمكن ان يؤخذ بالقانون وبتطبيقه. سقط كثيرون على طريق المحكمة، في وقت كنا وما زلنا نجبه نوعين من القتلة: الاول أتى من الخارج شبيه بمحمد الشعار ورفاقه، والثاني، ويا للاسف، لبناني يقال انه شريك في الوطن من امثال مصطفى بدر الدين ورفاقه ومن يقف وراءهم او يحميهم. ومع ذلك قلنا دائما وكل منا على طريقته اننا مع ان تتحقق عدالة القانون على الارض، ولكننا في الوقت عينه مؤمنون بأن ثمة عدالة اخرى في السماء لن تتأخر حتى تسود من اجل بناء السلام.

محمد الشعار وقبله آصف شوكت وآخرون تتحقق عبرهم عدالة بيد الله لاجل كل لبناني ظلموه على مر عقود، ويد الله هذه تضرب بسواعد ثوار سوريا الذين قرروا ذات يوم انهم لن يكتفوا بانتظار جثة عدوهم تمر في النهر... بل نهضوا ليواجهوا. هكذا تبنى الاوطان وهكذا تُستحق الحرية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيرالله خيرالله / الأسد وروسيا ... والواقع والتمنيات!

الرأي العام

22-12-2012

أخذت روسيا علما بسقوط النظام السوري وأعلنت ذلك بحياء وحذر عن طريق نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف. يبدو أن العالم كلّه يدرك ان النظام في حكم المنتهي باستثناء بشّار الاسد الذي يعيش في عالمه الخاص، الذي لا علاقة له بما يدور حقيقة في العالم وداخل سورية نفسها.

سيعتبر الاسد الابن النفي الصادر عن وزارة الخارجية لكلام بوغدانوف دليلا على تراجع موسكو، في حين أن الكلام والنفي اقرب الى تحذير آخر موجه الى الرئيس السوري. فحوى التحذير أنه لم يعد مستبعدا دخول الكرملين يوما في مفاوضات تتناول الوضع السوري في مرحلة ما بعد سقوط النظام. والواقع أن هذه المفاوضات بدأت بالفعل بين الروس من جهة وكلّ من الاميركيين والاتراك من جهة اخرى.

قبل صدور النفي، رجّح نائب وزير الخارجية الروسي انتصار المعارضة السورية ممثّلة بـ «الجيش الحرّ» مشيرا الى ان النظام يفقد السيطرة أكثر فأكثر على الارض. كان كلامه منطقيا، خصوصا بعدما اقترب الثوار من مطار دمشق وباتوا يهددون العاصمة نفسها، بما في ذلك الاحياء الراقية التي يقيم فيها اهل النظام.

لم تمض ساعات على توزيع كلام بوغدانوف، حتّى صدر نفي له عن وزارة الخارجية الروسية. أكّد النفي أن موقف موسكو من النظام السوري «لم يتغيّر ولن يتغيّر».

لماذا هذا الامعان الروسي في تضليل الاسد الابن. أليس في موسكو عاقل يدرك ان مثل هذا النفي سيجعل بشّار الاسد يتمسّك أكثر فأكثر بالحل العسكري من منطلق أنّه لم يستطع يوما التمييز بين الواقع والتمنيات؟

يتمثّل الواقع في ما ورد على لسان بوغدانوف، في حين أن التمنيات تتمثل في أن موقف موسكو «لم يتغيّر ولن يتغيّر» على الرغم من التطورات التي تشهدها الارض السورية. وهذا يعني في طبيعة الحال أنّ لا تراجع روسيا عن الموقف المتذبذب الذي يدفع بشّار الاسد الى مزيد من العنف، في المواجهة مع الشعب السوري، من منطلق أن لديه غطاء روسيا ودعما ايرانيا لا حدود له.

كيف يمكن لموسكو التمسّك بموقفها من النظام السوري على الرغم من أن الوضع يتغيّر على الارض باعتراف نائب وزير الخارجية؟ لا جواب واضحا عن هذا السؤال. كلّ ما يمكن قوله إن الموقف الروسي محيّر الى حدّ كبير ولا يمكن ادراجه الاّ في سياق المواقف المتخذة منذ قيام دولة اسرائيل في العام 1948. كان الاتحاد السوفياتي من بين اوائل الذين اعترفوا بتلك الدولة. جاء اعترافه بها قبل الولايات المتحدة. هذه حقيقة. بعد ذلك، لم يتردد الاتحاد السوفياتي في بيع العرب الاوهام. لم يصدر عنه يوما اي موقف حازم من ارتكابات الانظمة العربية، بما في ذلك تلك التي طاولت الشيوعيين العرب الذين كانوا من ضحايا السياسة السوفياتية في المنطقة.

ابان الحرب الباردة، كان العداء للولايات المتحدة يتحكّم بالسياسة السوفياتية. بقي جمال عبدالناصر «بطلا قوميا» و«مناضلا» يقف في وجه الامبريالية على الرغم من ذبحه الشيوعيين العرب من الوريد الى الوريد... أو تذويبهم بالاسيد، كما حصل مع القائد الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو. أوقف الحلو في سورية في فترة الوحدة المصرية السورية التي استمرّت بين 1958 و1961. الى الان لم يظهر له اثر من ايّ نوع كان.

لم يصدر عن الاتحاد السوفياتي اي موقف له قيمة تذكر، في ما يتعلّق بالشرق الاوسط والعرب، في اي يوم من الايام. كلّ ما صدر هو شعارات لا قيمة لها على ارض الواقع وكأنّ بيع السلاح الى مصر وسورية والعراق وليبيا والسودان والجزائر واليمن اهمّ بكثير من دمّ الشيوعيين العرب وحقوق الانسان والحرية والعدالة والشعارات الاخرى التي كان يتشدّق بها الرفاق في موسكو. انهار الاتحاد السوفياتي وقامت روسيا الاتحادية. لم يتغيّر شيء في موسكو. لم يصدر يوما موقف من نظام ديكتاتوري ما بسبب حقوق الانسان او الديموقراطية، حتى عندما كان الامر يتعلّق بمناضل يساري او حزب صدّق في يوم من الايّام أن هناك مبادئ مشتركة تؤمن بها موسكو.

ما يفعله العرب حاليا هو عين الصواب. اتخذوا في اجتماع مراكش موقفا مؤيدا للشعب السوري وداعما له. انّهم يدركون أن لا أمل بروسيا، مثلما أنه لم يكن هناك أي امل بالاتحاد السوفياتي الذي شارك، عن طريق النظام السوري، في توريط العرب، على رأسهم مصر والاردن، في حرب 1967 من دون أن يرفّ له جفن. لو اتكل انور السادات على نصائح ولم يطرد الخبراء السوفيات من مصر في العام 1972، لما كانت حرب تشرين 1973 ولكانت سيناء لا تزال الى الان محتلة، كما حال الجولان!

لا قيمة للموقف الروسي إلاّ إذا اخذنا في الاعتبار ما يتعرّض له الشعب السوري على يد نظام امتهن الارهاب والابتزاز داخل سورية وخارجها. كلّ ما يمكن أن يؤدي اليه الموقف الروسي هو اطالة عذابات سورية والسوريين والمساهمة في تفكيك هذا البلد العربي المهمّ. ففي كلّ يوم يمرّ نرى مجموعات متطرفة، خصوصا في منطقة حلب، تلعب دورا اكبر في السيطرة على مناطق سورية معيّنة تنفيذاً لاجندة لا تصبّ بالضرورة في مصلحة سورية والسوريين والدولة المركزية.

هل تفكيك سورية هدف روسي او هدف روسي- ايراني؟ مثل هذا السؤال مشروع في ضوء اصرار موسكو وطهران على اطالة عمر النظام السوري مع ما ينطوي عليه ذلك من اخطار مرتبطة بتقوية التيارات الدينية المتطرفة التي لا هدف لها سوى اخذ المجتمع السوري وسورية الى مكان آخر لا علاقة له لا بالمؤسسات الديموقراطية ولا بحقوق الانسان... أو بما هو حضاري في هذا العالم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحروب التي تلوح في أفق 2013

الوطن السعودية

ميشيل ستاينبرج

2012-12-22 1:32 AM

إعادة انتشار قوات الناتو بحد ذاتها لا تسبب الكثير من القلق. لكن الولايات المتحدة تتحرك في نفس الوقت لوضع خطط عدائية لبناء دروع صاروخية واسعة في أوراسيا، بدءا من الشرق الأوسط والشرق الأقصى للمحيط الهادئ

بعض الأصدقاء المقربين من صفوف كبار ضباط الجيش الأميركي يعتقدون أن منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) فوتت فرصة العمر عندما انهار الاتحاد السوفييتي. كان الناتو يمتلك الفرصة لإعلان الانتصار التام في الحرب الباردة التي دامت 45 سنة – دون أن يضطر لإطلاق رصاصة واحدة. ربما كان يمكن إقامة عروض عسكرية في واشنطن، باريس، أو حتى برلين، احتفالا بالانتصار على الشيوعية. وبعد ذلك كان يمكن للناتو أن يحتفل بالانتصار وأن يعلن حل نفسه وعودة كل جندي إلى بيته.

الآن، بعد عشرين سنة من انهيار الاتحاد السوفييتي، تطور الناتو في الحقيقة إلى قوة شرطة عالمية. ومع أنه كان مفهوما أن أعضاء حلف الناتو الأوروبيين كان لديهم مخاوف مشروعة عندما اندلعت الحرب الإثنية في البلقان، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أصبح الناتو يتدخل الآن في مناطق من العالم لا تشبه منطقة الأطلسي ثقافيا أو دينيا أو سياسيا. النتيجة ستكون سيئة على الأرجح. ردا على طلب من تركيا، وهي عضو في الناتو، سيقوم الحلف بنشر بطاريات باتريوت متطورة في جنوب تركيا قرب الحدود السورية. أنظمة الباتريوت مصممة لإسقاط الصواريخ والطائرات القادمة. احتمالات أن تقوم حكومة الأسد في سورية بشن حرب تقليدية أو حرب كيماوية على تركيا قريبة من الصفر. سيكون شن حرب على الناتو بمثابة انتحار. هناك اعتقاد سائد بأن نشر صواريخ الباتريوت وطائرات الأواكس للاستطلاع في تركيا جزء من الاستعداد لعملية عسكرية هجومية ضد سورية و/أو إيران. بالإضافة إلى بطاريات الباتريوت وطائرات الأواكس، أعلن حلف الناتو أيضا خططا لإعادة نشر جميع قواته البرية الموجودة حاليا في إسبانيا وألمانيا، إلى تركيا أيضا. منظمة حلف الناتو تتوجه شرقا من المحيط الأطلسي وتتوجه إلى آسيا الصغرى ومناطق أخرى في الشرق.

ضباط كبار في الجيش الروسي قالوا في الأسبوع الماضي إن نشر الباتريوت والأواكس في تركيا هو استعداد للحرب ضد إيران في 2013.

أنا قلقة، مثل مجموعة كبيرة من كبار الضباط الأميركيين من أن خطر الحرب الحقيقية خلال الشهور والسنوات القادمة هو نشوب حرب أكبر بكثير، تشمل الولايات المتحدة وروسيا والصين، وجميع هذه الدول تمتلك ترسانات ضخمة من الأسلحة النووية الحرارية مع أجهزة توصيل مناسبة لها.

إعادة انتشار قوات الناتو بحد ذاتها لا تسبب الكثير من القلق. لكن الولايات المتحدة تتحرك في نفس الوقت لوضع خطط عدائية لبناء دروع صاروخية واسعة في أوراسيا، بدءا من الشرق الأوسط والشرق الأقصى للمحيط الهادئ، حيث التهديدات من كوريا الشمالية وإيران هي موضع التركيز الأول. في الأساس، من خلال اتفاقيات تمت مناقشتها في لشبونة، البرتغال منذ سنتين، فإن نظام الدفاع الصاورخي البالستي لأوراسيا كان يفترض أن يكون مشروعا مشتركا بين دول حلف الناتو وروسيا. عرضت روسيا تقديم منشآت رادار في أزربيجان من أجل جهود مشتركة للدفاع في حرب محتملة مع إيران في حال شنت ضربات صاروخية ضد جيرانها في منطقة الخليج.

قبل اتفاق لشبونة، كان لدى إدارة بوش- تشيني خططا أحادية لوضع أنظمة صواريخ دفاعية في أوروبا الشرقية، وهي حركة أغضبت كثيرا القيادة الروسية.

في بداية فترته الرئاسية الأولى، ألغى باراك أوباما تلك الخطط وطلب من واضعي الخطط الدفاعية الأميركيين إعادة وضع خطط جديدة. اتفاقيات لشبونة جاءت من تلك العملية من إعادة التفكير.

عندما سقطت الاتفاقية، لجأ الرئيس أوباما إلى نسخة معدلة من خطة بوش-تشيني بالذهاب إلى حل منفرد. روسيا ترى في ذلك انهيارا أساسيا لنظام الردع الذي جنب العالم حربا نووية خلال الحرب الباردة. الرئيس رونالد ريجان كان قد اقترح في 1983 بأن تعمل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي معا لتطوير نظام دفاع صاروخي عالمي يجعل من الحرب النووية أمرا غير ممكن –أو على الأقل مكلفة بشكل أكثر مما يمكن تبريره. في ذلك الوقت، رفضت القيادة السوفييتية عرض ريجان لأسباب لا تزال محيرة.

الآن، يتحرك الناتو شرقا إلى مناطق جديدة على الحدود الروسية. الخلاف على نظام الدفاع ضد الصواريخ البالستية يجبر الروس على تسريع تحديث ترسانتهم من الأسلحة النووية، وعلى التهديد بضرب أنظمة الدفاع الصاروخية التابعة للناتو القريبة من حدود روسيا.

هناك بعض المصداقية للاتهامات الروسية بأن نشر صواريخ الباتريوت والأواكس في تركيا مؤشر على أن الناتو يستعد لحرب قريبة الأجل ضد إيران. بعد النجاح الأخير للقبة الحديدية الإسرائيلية خلال الهجوم على غزة، قد يكون نظام باتريوت قرب إيران رادعا ضد ضربات صاروخية انتقامية ضد إسرائيل في حال هجوم إسرائيلي أو إسرائيلي-أميركي على إيران.

ما هو الهدف من كل هذا؟ ما لم تتحسن العلاقات الأميركية-الروسية فإن الصراعات في الشرق الأدنى يمكن أن تخرج عن السيطرة وتتطور إلى أزمة أكبر بكثير، وربما إلى حرب أكبر بكثير. سلسلة "الحروب الصغيرة" التي اندلعت في البلقان بين 1890 و 1914 أشعلت في النهاية الحرب العالمية الأولى. دعونا نأمل أن السنة الجديدة ستخرجنا من هذه الصراعات وتجنبنا حربا لا يريد أي عاقل حتى أن يفكر بها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. الآن المخرج الروسي!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

22-12-2012

الواضح أننا وصلنا الآن إلى مرحلة إيجاد مخرج للروس في الأزمة السورية، وليس مخرجا لبشار الأسد من سوريا، فالتصريحات الروسية الأخيرة، ومنها تصريحات الرئيس الروسي نفسه، تقول إن موسكو بدأت عملية النزول من السلم السوري، كما قال لي أحد المطلعين على هذا الملف.

الروس يحاولون الآن الظهور بأنهم يقدمون ما بوسعهم، دبلوماسيا، لتقديم حلول في الأزمة السورية، بينما يظل الرافض لكل ذلك هو الأسد نفسه. وعليه، يكون بمقدور الروس حينها الإعلان عن تحول جذري في موقفهم تجاه الأزمة السورية، وهذا تقريبا رأي من تحدثت إليهم من المتابعين للملف السوري، وخصوصا العلاقة مع روسيا. فهناك إجماع بين من تحدثت معهم على أن هناك موقفا روسيا متطورا، خصوصا أن الأوضاع على الأرض باتت تسير بسرعة كبيرة ضد النظام الأسدي.

ومن ضمن التحركات الروسية حديث عن مقترح روسي لتشكيل مجموعة مكونة من الدول الإسلامية، ودول ذات علاقة بالملف السوري، لمباشرة تشكيل حكومة انتقالية في سوريا، مع تشديد روسي على أن موسكو لن تقبل باستضافة الأسد! كما أن موسكو تتواصل الآن مع الأميركيين، من خلال اجتماعات جنيف، وأيضا مع الأتراك، مع الدفع بضرورة إعطاء فرصة للممثل الأممي السيد الأخضر الإبراهيمي، الذي سيلتقي الأسد، رغم اقتناع موسكو بأن الأسد سيرفض كل الحلول. وبحسب من تحدثت معهم، فإن الهدف الروسي هو من أجل أن يتسنى لهم القول بأنهم قد فعلوا كل ما بوسعهم مع الأسد، ثم تقوم موسكو بتغيير موقفها علنا. ويقول لي مسؤول مطلع على الملف، وعلى تواصل مع الروس إن «الروس يريدون النزول من السلم بكل هدوء، لكن بعد أن يقولوا، ويظهروا فعليا، بأنهم قد استنفذوا كل ما بوسعهم لإقناع الأسد»، مضيفا: «يجب عدم إغفال أن لدى الروس حلفاء آخرين، ولا بد أن يكون التحول بالموقف الروسي مقنعا لهؤلاء الحلفاء، وليس تحولا وحسب».

وبالطبع فإن هناك أسئلة مستحقة ستواجه الروس، في الداخل والخارج، وهو لماذا أطالت روسيا في الوقوف مع الأسد؟ وما الثمن لذلك؟ ولماذا تتخلى عنه الآن؟ وما الثمن لذلك أيضا، أي ما هي معايير الربح والخسارة في هذا الأمر؟

ولذا، فمن الواضح اليوم أن الروس هم الذين في حاجة إلى مخرج من الورطة السورية، وليس البحث عن مخرج للأسد من سوريا، خصوصا أن طاغية دمشق بات أقرب من أي وقت مضى للسقوط، سواء بوساطة روسية، أو من خلال فتح روسيا الطريق لقرار بمجلس الأمن، أو من خلال الثوار السوريين على الأرض، والذين يحققون تقدما مذهلا على قوات طاغية دمشق.

محصلة القول إنه من الواضح، وكل المؤشرات تقول ذلك، أن الروس هم من بحاجة لمن يوجد لهم مخرجا، وليس الأسد، في الأزمة السورية، ونحن هنا لا نتكلم عن ثمن، بل عن مخرج يحفظ ماء الوجه لموسكو، ويبرر إعلان تغير الموقف الروسي في سوريا بشكل جذري. وعليه، فمن الذي سيقوم بتوفير هذا المخرج للروس، هل هم الأميركيون، أم العرب، وتحديدا الخليجيين، أو قل السعوديين؟

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com