العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30/10/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الأزمة وراءنا .. د / نور الدين صلاح

عبارة سمعها السوريون من بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري بعد أول أسبوع من الثورة السورية وكررها (المعلم) وزير الخارجية في حديثه الشهير للصحافة الذي نسي فيه أوربا من الخارطة ويكررها الرئيس بشار لكل من زاره هذه الأيام فقد نقلها (الحص) رئيس وزراء لبنان الأسبق ونقلها كل من يزور دمشق في هذه الأيام ويسعد بلقاء الرئيس، ويعبر عنها بعبارات مختلفة كعبارة الأصعب مضى، والأخطر ولى، والأزمة وراءنا، وهنا أريد أن أثبت النقاط التالية:

الأولى : إذا كان الرئيس يقصد الوضع الداخلي فأعداد القتلى بازدياد، ورقعة الاحتجاج تتسع، وجيش السوري الحر بدأ ينظم صفوفه وبدأ يزعج النظام بعملياته وكمائنه، والجيش يقتحم المدن، والدبابات في كل مكان، ورائحة القتل تشم من كل حارة وطريق، والاعتصامات تتوالى، والإضرابات تزداد يوماً بعد يوم، والغضب يزداد، والحقد ينمو والمجتمع ينقسم، والوضع الاقتصادي يزداد بؤساً، والحصار الاقتصادي يشتد، وهناك أزمة الوقود ونحن قادمون إلى الشتاء عما قريب، وما زال الرئيس يقول الأزمة وراءنا

الثانية : وإذا كان يقصد الوضع الخارجي، فالضغطان السياسي والاقتصادي يزدادان يوماً بعد يوم، بل وبدأ النظام يرضخ للتدخل الذي يعتبره (خارجيا) ويصفه السفير السوري في الجامعة العربية بأنه (مؤامرة) ويخدم (أجندة غربية) بعد استخدام (الفيتو) المزدوج من روسيا والصين، وإذا كان التحرك العربي عن طريق الجامعة مؤامرة فلماذا قبل به النظام السوري بعد رفضه ورحب باللجنة الوزارية، وهل القادم سياسياً بالنسبة له هو الأفضل فلو قبل النظام بالحوار في الخارج فليس هذا هو الأفضل وهو ما كان يرفضه ويعتبره خطاً أحمر، ويرفض كل حوار خارج سقف الوطن ويعتبره خيانة فما باله (يشرعن) الخيانة !!!! ولعله يقبل أن يفاوض من كان ينعتهم عبر وسائل إعلامه بالخونة ويعطيهم شرعية واعترافاً، وإذا رفض قرارات الجامعة العربية ومبادرتها فلن يكون القادم (عربياً) و (دولياً) أفضل ولن تكون الأزمة وراءه بل أمامه

الثالثة : وأما إعلامياً فكل يوم تتكشف عورة النظام وتنكشف كذبة (الممانعة) الكبرى، ويظهر زيف وهشاشة الرواية السورية في إدارة الأزمة، فالشهود على ما يجري على الأرض صاروا في كل المدن وكل القرى ولم يعد يستطع الإعلام السوري أن يكذب على شعب بأكمله، وبدأت فضائح ممارسات النظام القديمة والحديثة تظهر، وكل يوم تزداد القنوات والمواقع المؤيدة للثورة والفاضحة للنظام، والانشقاقات الأمنية والعسكرية وما يعقبها من فضائح واعترافات عبر (اليوتيوب) لا يبشر أن القادم هو الأحسن والفائت هو الأسوأ، والفضيحة تزداد كل يوم بفتح ملفات جديدة ورفع غطاء الستر الدولي عنه

الرابعة : وسقط القذافي وهو أقرب الطغاة شبهاً بالأسد، ونظامه أقرب الأنظمة إلى نظامه، وانتهى بهذه النهاية المهينة بنفس الطريقة واللغة التي وصف بها ثوار شعبه بأنهم (جرذان) وقد استخرجوه من عبّارة المجاري في المواضع التي ترتع بها (الجرذان) وكما كان يقال (البلاء موكل بالمنطق) وكان يبشر القذافي الزعماء العرب في مؤتمر القمة الذي عقد في دمشق (بأن الدور جايه عليكم) وهذه أصدق كلمة قالها القذافي، فقد جاءه الدور ولاحقه الثوار مدينة مدينة وقرية قرية ودار دار وزنقه زنقه حتى وقع وحيداً في قبضة الثوار، والأسد على قائمة الانتظار ولعل من تدبير القدر أن تكون آخر مكالمة أجراها القذافي بهاتفه النقال (الثريا) كانت لسوريا قبل أن يقع، والأسوأ لن يكون وراءك يا بشار بل سيكون أمامك

الخامسة : هذا الاستخفاف بالثورة والثوار مارسه كل الطغاة قديماً وحديثاً، فرعون قال عن المستضعفين (إن هؤلاء لشرذمة قليلون) وقذف البحر ببدنه غريقاً ليجعله آية لمن يأتي بعده من الطغاة الجبابرة، وطاغية تونس فهم بعد فوات الأوان لكنه نجا بجلده وهرب ولم يكابر ولكن ستطاله يد القضاء والعدالة في يوم من الأيام وليس ببعيد، وطاغية مصر الذي كابر بخطاباته واستخف بشعبه وسلط عليهم البلطجية والسيارات تدوسهم والخيل تطؤهم بحوافرها في الميادين، رأيناه في سريره داخل قفص الاتهام لا يهش ولا ينش، وقد جعله الله عبرة بعد العظمة والكبر والغرور، وقبله السادات قال عن أحد الفضلاء (رميته في السجن زي الكلب) ورأيناه كيف سحب من بين الكراسي في المنصة وقد خرج على قومه في زينته، و(صالح) اليمن يتهم المعتصمين بالخيانة والعمالة ويخبرهم بأنهم (فاتهم القطار) وقد رأيناه كيف سحب من مسجد النهدين بين الموت والحياة وكاد قطار الحياة أن يفوته وليطل علينا بعد عمليات التجميل بمنظره الذي يثير الشفقة، وقد عاد اليوم ليعربد من جديد وهذا ممن ينطبق عليه قوله تعالى (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) وسوف نرى كيف ستكون نهايته وهو يتنافس مع الأسد على الدور، والأسد ينعت الثور بالجراثيم والمندسين والإرهابيين، وننتظر قدر الله فيه فلعله يموت بسبب جرثومة أو يستخرج من أماكن تكاثر وتجمع الجراثيم، وسوف (يضل الله الظالمين) لأنه سبحانه وتعالى (لا يصلح عمل المفسدين) وسوف يمضي هؤلاء الطغاة إلى حتوفهم بأظلافهم وإلى مصارعهم بما كسبت أيديهم، وسوف يبقى الغرور (غرور القوة) و (جنون العظمة) و (آفة الاستعلاء) تمضي بهم بخداع وتسوقهم بمكر إلى يوم الأخذ كما قال تعالى (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أذناهم بغتة وهم لا يشعرون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين)

وأخيراً الأسوأ للنظام قادم والأزمة ليست وراءك يا بشار، بل تتعقد حلقاتها وقد وقعت في شراكها ولن تنفع سياسة التهوين ولا التسطيح، ولن ينفع دس الرؤوس في الرمال بما يعرف بسياسة الزرافة، وإن من تغافل عن السنن فإن السنن لن تتغافل عنه، والأيام بيننا وسيكون التعبير الصادق الأزمة وراءنا وأمامنا

مركز الدراسات الإستراتيجية لدعم الثورة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

“السلميّة” مرة أخرى وأخيرة .. مجاهد مأمون ديرانية

فأما أنها مرة أخرى فلأني سبق وأن كتبت مقالة كاملة عنوانها “إعادة تعريف السلمية” ومقالة كاملة عنوانها “حماية الثورة وحق الدفاع عن النفس”، ولأني كرّرت ما أقصده بالسلميّة حتى مللت من نفسي قبل أن تملّوا أنتم مني. وأما أنها المرة الأخيرة فلأني أدرك أنكم ستتوقفون عن قراءة ما أكتبه لو مضيت بتكرار المعاني نفسها بلا نهاية، ولأن علينا أن ننتقل إلى الخطوات العملية المفيدة لا أن نستمر بالدوران في تلك الحلقة المفرغة: سلمية، لاسلمية، سلمية، لاسلمية…

سأعرّف “السلمية” المقصودة للمرة الألف، واسمحوا لي أن أنقل فقرتين من مقالتين سابقتين:

قلت في مقالة “إعادة تعريف السلمية” التي كتبتها يوم الجمعة 9 أيلول: السلمية موقف تُمليه المصلحة ويُختار بمفاضلة أقل الضررين وليست مبدءاً أخلاقياً مطلقاً، والسلمية لا تعني الاستسلام لأن الاستسلام سلوك قبيح لا يلجأ المرء إليه إلا مضطراً وتجنباً لشر كبير. وقلت في مقالة “حماية الثورة وحق الدفاع عن النفس” التي كتبتها يوم السبت 17 أيلول: الفرق بين الثورة السلمية والثورة العسكرية هو في آليات التغيير. الثورة المسلحة تسعى إلى إسقاط النظام بالقتال والقتل، فتحمل جماهيرُها السلاحَ وتخوض معارك مسلحة ضد الخصم (النظام) فتقتل عناصره وتغتال رموزه وتهاجم مراكزه بالسلاح، ويمكن أن تلجأ إلى العمليات الانتحارية لاستهداف مراكز وشخصيات أمنية، إلى غير ذلك من أوجه استعمال السلاح بكل شكل متاح. بالمقابل فإن الثورة السلمية ترفض أن تستعمل السلاح في فعالياتها الثورية وتعتمد على الضغط الجماهيري البشري السلمي كما رأينا في سوريا حتى اليوم. لكن أجهزة النظام المجرمة لا تقتصد في حمل السلاح واستعماله، فتهاجم المتظاهرين العزّل بالرشاشات والقنّاصات وتقصف القرى والمدن بالمدافع وتقتحمها بالدبابات، أليس من حق الثورة السلمية أن تدافع عن نفسها ولو بالسلاح؟ وهل تتحول إلى ثورة مسلحة لو فعلت؟ بلى، من حق الثورة أن تدافع عن نفسها ولو بالسلاح. ولا، لن تتحول إلى ثورة مسلحة بمجرد الدفاع عن النفس.

* * *

أرجو أن يكون في الاقتباسَين السابقين ما يُغني عن أي تكرار لاحق وأن يوضح تماماً ما أعنيه كلما كررت مصطلح “سلمية” من الآن إلى آخر يوم في عمر الثورة بإذن الله، إذ لا يُعقَل أن أشرح المصطلح كلما استخدمته، ولا أريد أن يضيع الوقت في خلافات ومناقشات على الألفاظ لا على المعاني.

الذي أتمناه وأرجوه من إخواني الثوار الأحرار الكرام في سوريا هو أن لا يُعَسكروا الثورةَ نفسها، بمعنى أن لا يحوّلوها إلى ثورة عُنفية تسعى إلى التغيير بالسلاح، لا أن يتوقفوا عن الدفاع عن أنفسهم وعن ثورتهم. أنا لا أدعو إلى “السلمية المطلقة” ولم أكن يوماً من دعاتها، ورأيي أنّ مَن ضربني على الخد الأيمن فإني أضربه على خدّيه الأيمن والأيسر معاً، وإذا استطاع الثوار أن يدافعوا عن أنفسهم وعن أعراضهم وممتلكاتهم بالسلاح فليدافعوا بالسلاح، بشرط أن لا يتسبب دفاعهم المسلّح في ضرر أكبر من ضرر عدم الدفاع. فلا تخلطوا بين ما يروّجه البعض على أنه مبدأ أخلاقي صارم وبين ما نختاره لثورتنا من باب المصلحة.

للتوضيح وليفهم كل الناس الفرق بين الثورة السلمية والثورة المسلحة يكفي أن أقدم بعض الأمثلة على الثورات المسلحة، وبعد تأملها سنجد أن الثورة المسلحة تتميز بخمس خصائص تجعلنا نفكر ألف مرة قبل اختيارها طريقاً للتغيير في سوريا:

(1) النسبة الأعلى من الثورات المسلحة تنتهي إلى فشل.

(2) أكثر الثورات السلمية انتهت في أسابيع أو شهور، أما الثورات المسلحة فمن النادر أن تنتهي قبل مرور سنوات طويلة، ربما عشر سنوات أو أكثر.

(3) محصلة الضحايا في الثورات المسلحة تزداد على الأقل بمقدار خانة واحدة عنها في الثورات السلمية (أي أنها تتضاعف عشرة أضعاف فأكثر)، ودائماً يكون أكثر الضحايا من المدنيين.

(4) ليست الزيادة والمضاعَفات هي في أعداد القتلى فقط، بل تشمل جميع أنواع الإصابات، بما فيها أعداد الجرحى والحوادث البشعة كالتعذيب والاغتصاب، وأيضاً الخسائر المادية من نهب وتدمير.

(5) أخيراً فإن تسليح الثورة يحوّلها في أغلب الأحوال إلى حرب أهلية، وذلك لأن انتشار السلاح يشجّع على استثمار التناقضات الكامنة -من اختلافات عرقية ودينية وطائفية- واستقطاب أطرافها لهذا الطرف أو ذاك.

* * *

وإليكم -ختاماً- قائمة بعدد من الثورات المسلحة التي يعيها الكبار من أمثالي لأننا عاصرناها، وأكثرها تنطبق عليه أكثر الخصائص الخمس السابقة، أسردها فيما يأتي -مرتّبة تاريخياً- بلا تعليق وأختم بها المقالة:

(1) الثورة الكردية المسلحة بقيادة مصطفى البرزاني ضد نظام البعث في العراق (1961-1970): لم تحقق الثورة أي نتيجة تُذكَر. الضحايا من الطرفين 105 آلاف.

(2) ثورة الشيوعيين في ظفار أيام السلطان سعيد بن تيمور (1962-1975): انتهت بهزيمة الثورة. الضحايا من الطرفين 10 آلاف.

(3) الثورة اليمنية على النظام الملكي (1962-1970): شاركت فيها قوات مصرية، انتهت بسقوط النظام الملكي وولادة الجمهورية العربية اليمينة. الضحايا من الطرفين 126 ألفاً.

(4) ثورات مسلحة في كولومبيا (1964 إلى اليوم): لم يتحقق أي حسم بين أيّ من أطراف النزاع حتى اليوم، وغرقت البلاد في حكم العصابات وتجّار المخدرات. الضحايا 200 ألف أو أكثر.

(5) بيافرا (نيجيريا) (1967-1970): كانت ثورة مسلحة هدفها فصل إقليم بيافرا عن نيجيريا في دولة مستقلة، انتهت الثورة بالفشل وعاد الإقليم إلى نيجيريا. الخسائر نحو مليون قتيل.

(6) الصحراء الغربية (1975-1991): الثورة قادتها جبهة البوليساريو بهدف الانفصال عن المغرب، انتهت بلا نتيجة وبقي الإقليم تحت السيادة المغربية. الضحايا بحدود 24 ألف قتيل.

(7) ثورة موزمبيق (1977-1992): انتهت بانهيار النظام الماركسي الحاكم وإنشاء حكومة برلمانية. الضحايا 900 ألف قتيل.

(8) أفغانستان (1979-1989): انتهت الثورة بانتصار المجاهدين الأفغان وهزيمة الحكومة الشيوعية وانسحاب الجيش الروسي من أفغانستان. الضحايا أكثر من مليون.

(9) سيريلانكا (1983-2009): انتهت الثورة قبل نحو سنتين بالقضاء على جبهة نمور التاميل المتمردة وتصفية المتمردين والقضاء على قياداتهم. الضحايا نحو 100 ألف قتيل.

(10) السودان (1983-2005): النتيجة انفصال جزء من السودان في دولة مستقلة بدعم ورعاية غربية أميركية. الضحايا نحو مليونين.

(11) ثورة الأكراد في تركيا بقيادة حزب العمال الكردستاني (1984-اليوم): لم تحقق الثورة أي نتيجة حتى الآن. الضحايا 56 ألف قتيل.

(12) الثورة المسلحة في الجزائر (1992-2002): بدأت بسبب إعلان حالة الطوارئ وإلغاء الانتخابات التشريعية التي فاز فيها الإسلاميون، واستمرت عشر سنوات دون أن تحقق أي نتيجة. الضحايا نحو 200 ألف قتيل.

وبطبيعة الحال فإننا نعتبر الأحداث الدامية التي وقعت في سوريا في السبعينيات والثمانينيات نوعاً من أنواع الثورات المسلحة، وقد نتج عنها عشرات الآلاف من الشهداء وعشرات الآلاف من المعتقَلين والمعذَّبين ومئات الآلاف من المشردين خارج سوريا، دون أن تؤدي إلى أي تغيير حقيقي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

زيارة وفد 'اهل الكهف' إلى دمشق .. خضير بوقايلة

2011-10-25

القدس العربي

لماذا تصر الجامعة العربية على إتمام هذه الزيارة إلى دمشق؟ وهل من بين السوريين نظاما ومعارضة من يؤمن أن وساطة الجامعة العربية أو أية وساطة في الدنيا من شأنها أن تعيد الأمن والطمأنينة إلى مراتع سورية؟ بل هل لا يزال هناك أمل في أن تهدأ النفوس ويعود الوئام بين السلطة الحاكمة وشعب سورية؟

الجامعة العربية بات حالها كحال أهل الكهف الذين أرسلوا مبعوثا عنهم يشتري لهم طعاما من المدينة بنقود مضت على إصدارها ثلاثة قرون، ولنا أن نتصور بقية القصة وحال المرسول وهو ينزل مدينة لا يعرف عنها شيئا وأهل المدينة الذين يشاهدون آدميا يبعث إليهم من قرون خلت. وفد الجامعة العربية يحمل معه مبادرة للم شمل السوريين نظاما ومعارضة وكأنه نسي أن عصر المعجزات لم يعد له ذكر، بل حتى لو كانت هناك معجزة مرتقبة فإنها لن تأتي على يد جهة اسمها الجامعة العربية، والمعجزة هي أن يلتقي الأسد والغزال تحت سقف واحد ويعيشان متاحبين على قلب رجل واحد، أم لعل أهل الجامعة يريدون أن يحولوا الأسد إلى حمل وديع رغما عنه لكي يتمكن من إراقة دم الغزال؟

الشعب السوري يصرخ ويهز الأرض على وقع مطلب واحد ووحيد هو إسقاط النظام إلى غير رجعة ولن يوقفوا مسعاهم حتى تحقيق مطلبهم كاملا أو يفنون دون ذلك، ورجال الحكم في دمشق يؤكدون من جهتهم أنهم في مواجهة حازمة مع جماعات إرهابية ولن يضعوا السلاح حتى تصفية آخر رضيع يحمل رشاشا في وجه الدولة ويعبث بأمن بلد الصمود والتصدي. ولنا أن نتصور حال وفد الجامعة وهو يحاول أن يقنع الرئيس الأسد أو من ينوب عنه بضرورة التفاوض مع الإرهابيين والاستماع إلى انشغالاتهم وإشراكهم في الحكم، وبعد ذلك يتحول إلى المعارضة ليقول لها إن الأسد تاب وهو جدير بالاستمرار في حكم البلد وعلى الجميع أن يهبوا لنصرته والاستمرار في الخضوع له، لأن ذلك كله يصب في خانة المصلحة العليا لسورية ومستقبلها المشرق.

لماذا رفضت دمشق المبادرة العربية عند الإعلان عنها ولم تعد إلى القبول بها إلا بعد الإعلان عن فناء القذافي؟ هل لأنها تفطنت إلى أنها قد تحمل فعلا حلا للأزمة، أم لأنها انتبهت إلى أن الجموع التي تخرج إلى الشوارع صباحا ومساء منددة بالنظام ومناضلة من أجل الإطاحة به هي جموع مخلصة وينفع أن تشرك في الحكم؟ وفرضا أن النظام جاد في التوجه نحو الاستماع إلى المعارضة والتعامل إيجابيا مع المبادرة العربية فلماذا لم يلجم زبانيته ويحقن دماء المدنيين الأبرياء في انتظار نزول الطائرة العربية؟

لا أحد يجهل أن رحلة وفد الجامعة العربية عديمة الفائدة ولعل جميع أعضائه مقتنعون هم أيضا أنها مهمة فاشلة لإصلاح حال ميؤوس منه، لكن مع ذلك تغلبت الدبلوماسية على ما هو واقع، والعرب لا يزالون لحد الآن يرفضون الاعتراف أن الواقع العربي تغير أو هو ماض في ذلك الطريق، وقد تحدثت في مقال سابق إلى أنه إذا لم يكن هناك بد من هدم صرح هذا الهيكل نهائيا وإقامة بناء جديد وفق متطلبات المرحلة الراهنة فإن هناك حلا بديلا وهو أن يصطف العرب وراء فسطاطين، الأول يضم الأنظمة أو الدول التي جرت عليها سنة التغيير وتلك التي تؤمن بضرورة ذلك وتعمل من أجله، والثاني يلم الأنظمة التي لا تزال مصرة على أن الدكتاتورية هي الوصفة الرئيسية للحكم في المنطقة، على أن يصير الأمر حتميا إلى تلاقي الجمعين تحت سقف واحد بعد أن تنقرض الديكتاتوريات وتتولى الشعوب مصيرها بنفسها. قد يستغرق الأمر بعض الوقت، لكن في انتظار ذلك يبقى مهما أن لا يستمر اللبن مخلوطا بالمازوت وأن تنتهي حالة النفاق التي تطبع مسيرة الجامعة العربية منذ نشأتها.

لا شك أن ضمن قيادات أعضاء الجامعة الآن من هم متحمسون لتبني قرار ضد نظام الأسد لا يختلف عن ذلك الصادر قبل أشهر في حق نظام القذافي، كما أن هناك من بين القادة العرب متحمسون لاستعادة مجد التعاون الأمني العربي من أجل كتم كل نفس يبغي الحرية وتغيير الوضع الراهن، إلا أن حالة النفاق جعلت هؤلاء وهؤلاء يلتقون في طريق وسط لكنه للأسف من دون مخرج وليس بإمكانه تحقيق أي هدف من أهداف المجموعتين، أي أن الحالة الزئبقية التي تطبع تعامل الجامعة العربية مع الوضع الراهن في المنطقة لن يفيد لا في إكمال مسيرة التغيير والتحرر ولا في إطالة عمر الأنظمة الطاغية. والواضح من خلال منح مزيد من السعة لنظام دمشق للمناورة والتلاعب بالرأي العام دون التوقف عن ارتكاب جرائمه ضد أبناء الشعب أن الغلبة في حظيرة الجامعة العربية لا تزال في صالح قوى الاستبداد والطغيان التي لا تزال تسعى بكل ما أوتيت من حيل إلى إعادة الحياة إلى أجساد تحتضر رغم أن الواقع أمامها يبين لها أن الغلبة لن تكون هذه المرة إلا للشعب بمشيئة الله.

النظام الحاكم في سورية قد يعلن صاغرا أنه مستعد للتعامل إيجابا مع خطة الجامعة العربية وأنه سيقبل مبدئيا بفتح باب الحوار مع المعارضة، لكن الأكيد هو أنه لن يتخذ أي قرار من شأنه أن يحقق للشعب رغبته في الانعتاق، وكل ما يمكنه أن يقدم من تنازلات هو مزيد من المماطلة والخداع لعل الوقت يتكفل بإخفات شعلة الثورة الشعبية ثم إطفاء وهجها نهائيا بعد ذلك. النظام سيطلب مزيدا من الوقت، وكمبادرة حسن نية سيعلن عن تأسيس لجان من أجل التكفل بمختلف الإصلاحات، ولأن الرئيس بشار الأسد لا يكره التسرع ولا يقبل العمل تحت الضغط فإنه سيحدد وفق مزاجه المواعيد المناسبة لبداية عمل كل لجنة ونهايته على أن يكون للحديث عن تطبيق النصوص الإصلاحية شأن آخر، وسيجد شعب سورية نفسه مجبرا على انتظار شهور أخرى مترقبا إصلاحات لن تأتي وقائمة مفتوحة من الضحايا وأنهرا أخرى من الدماء. هذه هي النهاية المحتومة لأي حل يخالف ما يطالب به الشعب الآن، فهل هذا هو أيضا ما تريده الجامعة العربية؟

' كاتب وصحافي جزائري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحظر الجوي أم الدفاع الجوي؟ .. مجاهد مأمون ديرانية

في المقالة السابقة طالبت الجيش السوري الحر الباسل بمهمة عظيمة، وهو أهلٌ لها إن شاء الله، لأن ما رأيناه من ضباطه وجنوده إلى اليوم يدل على أنهم أشجع الشجعان، فإنهم يدركون تبعات قرارهم ويعلمون أنهم يتحولون إلى شهداء أحياء من لحظة انشقاقهم، ومع ذلك ينشقّون ويعلنون انشقاقهم على الملأ، حماهم الله. طالبتهم بهذه المهمة الجليلة النبيلة، حماية الثورة وجمهور الثورة السلمي، لكنْ ليس من الإنصاف أن يُكلَّفوا بها بلا مساعدة، والمساعدةُ علينا نحن أن نقدمها لهم، بل عليكم تقديمها أنتم يا ثوار وأحرار سوريا بالمقام الأول.

أولاً أعترف بأنني أقلّ بكثير من أن أتدخل في قرارات العسكريين المحترفين من قادة الجيش السوري الحر وضباطه الكبار؛ إنما أتجرأ فأقدم اقتراحاً، وبما أنني لا طريقَ لي إليهم لأقدّم لهم اقتراحي فإنني أنشره على الملأ، لعل بعض من يقرؤه يستطيع توصيله إليهم. أرجو أن تعتبروا -يا أيها العسكريون الشرفاء- ما أكتبه مجرد اقتراح من أخ محب حريص، وأن تدرسوه لعل الله ينفع به، فإذا اقتنعتم به فانقلوا قناعتكم إلى الشارع ليعلنَها ويطالبَ مجلسَه الوطني بالسعي إلى تحقيقها، وليضغط المجلسُ بعد ذلك على الدول الغربية لتمدّ جيشَنا الحرّ بما هو محتاجٌ إليه حتى ينجح في حماية المدنيين. أرأيتم كيف أن لكم دوراً في تقديم المساعدة يا ثوار سوريا الأحرار؟

* * *

الجيش بحاجة إلى السلاح والذخائر، وقد ناقشت ذلك بإيجاز في المقالة الماضية، وهو يحتاج إلى أرض يرتكز إليها (منطقة آمنة)، وهو ما ستناقشه المقالة القادمة بإذن الله، ويحتاج إلى حماية من القصف الجوي، وهو موضوع هذه المقالة.

الحماية المطلوبة يمكن الحصول عليها بواحد من طريقَين، أحدهما مُكلف وطريقه طويل، والثاني رخيص نسبياً وطريقه قصير. الأول هو “الحظر الجوي” الذي يطالب به الأكثرون، والثاني هو “الدفاع الجوي” الذي لم يتحدث عنه أحدٌ حتى الآن.

الحظر الجوي معناه منع الطيران فوق منطقة محددة جغرافياً، وغالباً يترافق مع تدمير كلي أو جزئي للدفاعات الأرضية، ويحتاج إلى قرار دولي لتطبيقه (وهو قرار ستعطله روسيا أو الصين كما عهدنا في الماضي)، كما أنه يستدعي تطيير دوريات دائمة من طائرات الاستطلاع والطائرات الحربية لتطبيقه بصورة فاعلة، فترتفع كلفته ارتفاعاً كبيراً. انظروا -على سبيل المثال- إلى تكلفة الحظر الجوي الذي طبقته أميركا وحلف الناتو في البوسنة (1993-1995) وفي كوسوفو (1999)، كلّف الأول 3,4 مليار دولار والثاني 2,3 مليار دولار.

وماذا عن الكفاءة؟ هل يُعتبَر “الحظر الجوي” وسيلة مضمونة لمنع الطيران؟ غالبية القراء سوف يستغربون من السؤال لأنهم يعتبرون الجواب تحصيل حاصل، لكنه ليس كذلك، فلم يحصل في الماضي أن نجح أي حظر نجاحاً تاماً. على سبيل المثال: في البوسنة سجّلت وثائق الأمم المتحدة أكثر من 500 خرق للحظر بين عامَي 1993 و1995.

البديل الأرخص والذي يمكن الوصول إليه بسرعة وبلا حاجة لقرار دولي هو تأمين أسلحة مناسبة للدفاع الجوي، أسلحة يمكن أن تحمينا من شرّ الطائرات المقاتلة، النفاثة والعمودية على السواء. إنه بديل جيد ورخيص نسبياً، وقد يكون أنسبَ كثيراً في الحالة السورية من الحظر الجوي الذي سيكلفنا المليارات ويحتاج إلى وقت طويل لتنفيذه بشكل فعال وإلى تجاوز عقبات دولية كثيرة، ليس أقلها الفيتو الروسي المشهور والمشهَر دائماً فوق رقابنا.

هل تذكرون الحرب الأفغانية؟ لقد نجح المجاهدون الأفغان في تحييد سلاح الطيران الروسي وحماية أنفسهم من الغارات الجوية بصواريخ “ستينغر” الأميركية المضادة للطائرات التي حصلوا على عدة مئات منها من الأميركيين. هذه الصواريخ تشبه قذائف “الآر بي جي” المشهورة وتُحمَل مثلها على الكتف، إلا أن تلك مضادةٌ للدروع ومداها الفاعل نحو نصف كيلومتر وهذه موجَّهةٌ ضد الطائرات ومداها الفاعل ثمانية كيلومترات، بالإضافة إلى الفرق في وزن الرأس المتفجر ونوعه وطريقة التوجيه.

نحن بحاجة إلى أي نوع من أنواع أنظمة الدفاع الجوي المحمولة (مانبادْس) (Manpads: Man Portable Air Defense Systems)؛ صواريخ ستينغر الأميركية مثلاً، أو مِسترال الفرنسية أو ستريلا الروسية، أو ما يشبهها.

قيمة الصاروخ الواحد من هذه الصواريخ هي نحو مئتَي ألف دولار. لو حصل جيشنا الحر على خمسمئة منها وأحسنَ توزيعَها واستخدامها فإنه سيحمي كل مناطق الثورة من الغارات الجوية المحتمَلة، وسوف تُنَفَّذ خطة الحماية بأيد وطنية مخلصة بكلفة لن تتجاوز مئة مليون دولار بدلاً من مليارات الدولارات.

* * *

كما قلت في أول المقالة: أنا أقترح فقط، والعسكريون المحترفون من قادة الجيش السوري الحر وضباطه الكبار أدرى بالمصلحة، فإذا اقتنعوا بهذه الفكرة فليطالب بها الشارعُ وليسعَ المجلسُ الوطني من أجل تطبيقها، وليبذل جهدَه -من خلال علاقاته واتصالاته- لتأمين صواريخ محمولة مضادة للطائرات وأنظمة رادار بسيطة، فإنها تتميز (1) بمرونة في التنقل والحركة، و(2) بكلفة متدنية نستطيع احتمالها، و(3) توفّر قدراً معقولاً من الحماية ضد الطائرات المقاتلة، و(4) يمكن الحصول عليها بسرعة هائلة مقارَنةً بالحظر الذي لا بد أن يمر عبر قنوات رسمية أممية طويلة قبل إقراره وتطبيقه (لو أنه أصلاً قُرِّر وطُبّق).

أما إذا رفض أحرار الجيش من العسكريين المحترفين الفكرة وأصرّوا على الحظر فلا قولَ لقائل بعد قولهم، وسوف أتبنى مطلبهم (رغم اقتناعي بأنه خيار مَفضول وأن خيار امتلاك أسلحة دفاع جوي هو الأفضل)، وسوف أدعو -أنا وغيري- المجلسَ الوطني إلى تبنّي ما يريدون وما يطلبون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أوراق عن الحالة السورية .. إعداد : زهير سالم

أوراق عن الحالة السورية تم إعدادها لمهتمين من غير السوريين

إعداد زهير سالم - مدير مركز الشرق العربي

الوضع العام – النظام - المجتمع والجماعة – خيارات واحتمالات – احتياجات

الوضع العام: مفارقات على مستوى الربيع العربي:

لقد تم إعداد هذا التقرير على عجل. في محاولة لسد ثغرة . فالوضع في وطننا سورية أشبه بسفينة يتقاذفها الموج، حيث يغيب أو يضعف الربان. كان الهدف من التقرير شرح أبعاد الحالة السورية لطبقة من المهتمين من غير السوريين، وبالتالي فقد غاص التقرير في بعض التفصيلات، وشرح بعض المتطلبات. وأشار إلى بعض الثغرات. بروح الناصح المشفق.

جرأة الشباب السوري وثباتهم وتضحياتهم تذهب صعدا يوما بعد يوم وهذا الذي يزرع في القلوب الأمل والعزيمة ويفرض على أصحاب الشأن أن يبحثوا عن دورهم الحقيقي وعن استطاعتهم الوفاء به.

ليس من موضوع هذه الورقة البحث في الأسباب التي أدت إلى انفجار ثورة الربيع العربي. ولكن لا بد لمحاولة الفهم أن نشير إلى بعض المفارقات الأساسية بين الوضع العام في سورية وأوضاع بقية الأقطار العربية التي شملها الربيع العربي.

المفارقة الأولى أنه بينما كان الرأي العام العربي يكاد يجمع على إدانة أنظمة مبارك وابن علي والقذافي وصالح فقد ظل نظام بشار الأسد محميا من كل نقد على مستويات إسلامية وقومية بل ظل الكثيرون يتسترون عليه وينظرون إليه بإكبار وإعجاب ويسوقون هذا الموقف بطرق مباشرة وغير مباشرة. ندرك أنه قد كان لهذا الموقف أسبابه ودواعيه التي تجعله مفهوما عند الذين كانوا يتبنونه وأن بعض هذه الأسباب كانت موضوعية وأكثرها كان متوهما أو مبالغا فيه إلى حد كبير. إن الذي يجعلنا نشير إلى هذه المفارقة هو أن هذا الموقف – على ما فيه من خذلان لأبناء الشعب السوري – ما تزال له آثاره وانعكاساته على مواقف بعض القوى على الساحتين العربية والإسلامية.

ولعل الأخطر في هذا الموقف هو أنه شارك في نفخ روح الغرور في شخوص النظام. وجعلهم يديرون ظهورهم لآلام المواطنين بل ويزدادون استهتارا وجرأة على التمادي في الظلم والفساد. فقد اعتقد القائمون على هذا لنظام أنه بالقليل من الشعارات بإمكانك أن تضلل رجالات الأمة من المحيط إلى المحيط، وأن تمتلك ولاءهم. كان لسان حال الشعب السوري يردّد قول الشاعر:

وأقتل شيء رؤية العين ظالما يسيء ويُتلى في المجامع حمده.

وبالمحصلة فإن المواقف على الساحتين العربية والإسلامية لم ترق إلى أفق أن تصلح ما تسببت به من ضرر جراء المواقف غير المتوازنة، بل مازال بعض هذه القوى يهيم في ضلاله القديم بعيدا عن تطلعات الشعب السوري وآلامه.

والمفارقة الثانية بين الحالة السورية وغيرها من حالات الربيع العربي هي أن النظام السوري يتحمل دورا وظيفيا في المنطقة ما يزال يصعب على الكثيرين تفهم أبعاده. أيّ حقيقة يمثلها تخلي الغرب والولايات المتحدة عن حسني مبارك خلال عشرة أيام، وتمسكه ببشار الأسد لأكثر من سبعة شهور؟! حيث ما يزال التردد بشأن الرئيس الشاب!!!! يحيط بمواقف الكثيرين على المستويات الرسمية : العربية والإقليمية بما فيها موقف تركية وإسرائيل والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة.. هل السر في ذلك كون النظام ممانعا وحاميا للمقاومة ومدافعا عن مشروع الأمة؟! إن تباين مواقف هذه الدول من ابن علي، ومبارك، والقذافي، وبين موقفها الذي ما يزال عالقا من بشار الأسد يجسّد حقيقة المفارقة المضمرة في حقيقة الدور الذي نجح النظام في إخفائه عن الكثيرين.

إن التفكير بالبديل للنظام يربك هذه القوى على تباين ما بينها: حيث تتفق على أهمية دور النظام السوري: إيران وتركية وإسرائيل والعديد من دول الجامعة العربية وروسيا والصين ودول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة. وحيث ما يزال المطلب الإسرائيلي الوجيز والصريح: أضعفوه ولا تكسروه.

لن ننسى في هذا السياق أن نؤكد على دور النظام كحامل خفي لجوهر المشروع التغريبي والصهيوني من جهة، وكحلقة وسيطة وقوية في دعم المشروع الصفوي الإيراني وإحكام حلقاته بين العراق ولبنان من جهة أخرى..

وهذا سيقودنا إلى المفارقة الثالثة والأساسية في طبيعة النظام السوري، وهي ارتكازه على أقلية مذهبية ضيقة تتعصب له وتدافع عنه. إنه مهما قلنا إن الطائفة ليست مسئولة بجملتها عما يجري في سورية - وهذا كلام حقيقي إذ لا يعقل أن ينطوي قرابة مليوني إنسان على موقف واحد ورؤية واحدة وأن يكونوا جميعا مستفيدين من النظام وعلى قلب رجل واحد- فإن الوجه الآخر لهذه الحقيقة هي أن كل مفاصل القوة في سورية هي بأيدي رجال من الطائفة الحاكمة. وأن معظم مفاصل القوة العسكرية والأمنية التي يرتكز عليها النظام هي بأيدي أبناء الطائفة.

 لن نستطيع أن نغفل في تشخيصنا للحالة السورية عن أن هناك أكثرية مدنية من سائر الطيف السوري مضطهدة عقائديا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا ضد استئثار الأقلية المتحالفة مع قشرة رقيقة من المنتفعين على مستوى أوسع وهذا يصعّب مهمة الثورة السورية ويجعل المستقبل أكثر ضبابية. إن حجم المصالح التي تستأثر بها هذه القوى من جهة وحجم المفاسد والجرائم التي ارتكبتها بحق المواطنين من جهة أخرى؛ يجعل هذه القوى تتخوف أكثر من المستقبل. وهذا يدفع الحاملين لمشروع التغيير دوام التأكيد على البعد الوطني لمشروعهم الوطني. ورفض أي خطاب يبث الكراهية أو التمييز أو يدعو إلى الثأر أو الانتقام.

ولعل المفارقة الأخيرة التي يقتضينا المقام أن نشير إليها ولاسيما بالمقارنة بين الحالتين المصرية والتونسية أن نظام الاستبداد في نسخته السورية قد أفقر البلد بالفعل من الطاقات الفكرية والعلمية على حد سواء. لن تستطيع أن تجد طبقة من قادة الرأي والفكر والثقافة في سورية الأسد، إذ غابت عن سورية الوطن أسماء لامعة على المستوى العلمي بكافة الميادين. تحولت الجامعات السورية من معاهد للبحث والفكر إلى مدارس لمنح الشهادات، وغاب عن سورية المفكر والقاضي والقانوني والباحث والطبيب والأديب والصحفي، وتخلف في سورية كل شيء - إلا ونقولها للإنصاف ما يقال عن فن صناعة الدراما السورية.- إن الفقر الفكري والسياسي والثقافي على الصعيد الوطني يشكل أزمة وطنية خانقة تستشعرها اليوم المعارضة السورية والمشروع الوطني بكافة أبعاده وهذا يحمّل رجال المعارضة الشريفة المزيد من المسئولية.

نعتقد أن المعارضة السورية أو أن سورية بشكل عام بحاجة إلى جيش من الكوادر من الخبراء والعلماء لبناء سورية الحديثة. يجب أن يهتف الجميع مع المطالبة بسقوط النظام الممطالبة بسقوط الغرور. وعلى القوى المعارضة أن تحشد شبابها على مقاعد الاختصاص في جميع العلوم والفنون.

النظام: طبيعة الأزمة:

حين نشير إلى النظام السوري فإن اللفظ يمكن أن يفسر على عدة مستويات، المستوى الأول هو المعنى الذي أشار إليه رامي مخلوف والذي يعني ( بشارا وأخاه وأمه وأخته وصهره وابن خاله وأحيانا ابن عمته ). بمعنى آخر يمكن أن ينضم إلى هذه المجموعة زمرة من كبار الضباط الأمنيين وفي دائرة ثالثة مجموعة أوسع من كبار القادة العسكريين، ومعظم هؤلاء بالطبع - إن لم يكن كلهم - من رجال الطائفة الذين يستأثرون بالحكم.

خلال واحد وأربعين عاما هي عمر نظام بشار الأسد مع أبيه لم يتوجه هذا النظام يوما إلى الشعب السوري لا بتحية ولا بموقف. كل سياسات النظام الأساسية إنما كانت تتشاغل باللعب في المساحات الدولية والإقليمية المتاحة مع مزاج يميل إلى الشغب الذي يجذب الأنظار.

ومنذ استلام بشار الأسد السلطة – وعلى سنة أبيه – كان دائما يتشاغل عن مواجهة أي استحقاق وطني داخلي. ومع نظام جمهوري رئاسي يضع جل مسئوليات الدولة في يد رئيس الجمهورية تحولت الحكومات السورية المتعاقبة إلى حكومات إدارة خدمات. ومع نظام شمولي مستبد لحق مجلس الشعب في اهتماماته بالحكومة، ونخر الفساد جسد مؤسسة القضاء والمؤسسات الوطنية الأخرى التعليم والصحة والاقتصاد والزراعة والصناعة وتضخم دور المؤسسة الأمنية حتى على دور المؤسسة العسكرية التي همّشت لحساب فرق خاصة سيطر عليها رؤوس النظام. وعند كل محطة أو استحقاق للحديث عن إصلاح داخلي كان بشار الأسد يتهرب من مواجهة هذا الاستحقاق حتى على مستوى الخطاب.

مع اغتيال الحريري سنة 2005 أعلن في المؤتمر القطري العاشر من وعود هلامية للإصلاح لم تلبث هذه الرؤى أن ذوت أو انزوت في الأدراج.

في الحقيقة يدرك رؤوس النظام أن مقتلهم الحقيقي يكمن في أول خطوة على طريق إصلاح حقيقيّ جاد. إن عقودا مرت على ما جرى في تدمر وحماة مع رفض النظام أي محاولة لتدارك ما حصل لم تكن تنبع من جهل وإنما من وعي حقيقي إن الخطوة الأولى على طريق الإصلاح هي الخطوة الأولى على طريق النهاية.

حين تكون المقدمة الأولى في منطق النظام هي الأسد للأبد، وحين يتحكم شعور اللاإنتماء لهذا الشعب بأصحاب هذه المقولة يدرك هذا النظام أن طريقه إلى العقول والقلوب مسدود، وأنه لا سبيل له إليه لا بالأشخاص ولا بالسياسات. لا نظن أن بشار الأسد فد فوجئ بشيء من حدة الهتافات التي تنطلق بها حناجر الشباب هذه الأيام. بل هو يقرأ هذه الهتافات في قلوب وعقول الصامتين أيضا.

إن إدراك هذا الواقع يضعنا أمام عبثية انتظار الإصلاح من النظام. إذ أنّ أيّ مشروع حقيقي للإصلاح سيرتبط عملياً بانهيار سريع أو وشيك للنظام. والمعارضون الذين كانوا يطالبون بإصلاح متدرج خلال السنوات الماضية كانوا يراهنون على هذا: دائرة من الحرية ولو بمساحة موطئ قدم ستتسع سريعا وتسحب البساط من تحت أقدام مشروع الفساد والاستبداد. وفي الوقت نفسه ومن واقع إدراك النظام لهذه الحقيقة أيضا كان يرفض بل يصر على رفض التنازل عن هذه المساحة ليس للإسلاميين فقط بل لقوى معارضة تعتبر رديفة للنظام إيديولوجيا وسياسيا إلى حد كبير.

واليوم حين يتحدث النظام عن مشروع إصلاح يتحدث عن مشروع التفافي يريد من خلاله امتصاص الصدمة ليبقي كل شيء على ما هو عليه مع بعض التغيير في العناوين واللافتات..

ترفض القوى الشعبية الثائرة أن تنظر في أيّ من التفاصيل التي يقدمها النظام بسبب انعدام الثقة وفقدان المصداقية أصلا. ونحن مع تأييدنا لها في هذا الموقف نقوم مع كل وعد بالإصلاح أو قرار، بتفحّص هذه التفاصيل. تابعنا مثلا طريقة إلغاء حالة الطوارئ والتعويض عنها بتعديل المادة 55 من قانون العقوبات لتغطي الأثر الحاصل عن غياب هذا القانون وتابعنا قانون الانتخابات وقانون الإعلام وقانون الأحزاب وطريقة الدعوة للحوار وأرضيته وأفقه. كل هذه المتابعات تؤكد القناعة أن النظام لا يريد أن يتنازل عن أي مساحة من الحرية أو من الأمن أو من السلطة بل هو مصرٌ على الاحتفاظ بسلطاته المطلقة خارج إطار القانون حتى النهاية، وأن على المجتمع السوري أن يقبل العيش في ظل سلطات أجهزة الأمن والشبيحة والفساد الاقتصادي. الوضع الذي ترمز إليه الصورة الملتقطة من قرية (البيضة): وجوه تحت البسطار، أو تلخصها ضمنا عبارة: لا إله إلا بشار التي أكره المعتقلون على تردادها.

المعادلة المطروحة اليوم مع إصرار الشعب السوري على المضي في طريق ثورته هي: هل يمكن لأحد أن يخذل هذا الموقف الوطني ليمضي مع وعد خلبي بالإصلاح؟ ندرك أن في الاختيار بعض المراهنة. وندرك أن بعض القوى ما تزال تتردد آخذة بعين الاعتبار الكلفة من الضحايا والمفاسد التي يمكن أن تنعكس على الوطن بخسارة الرهان.

نعتقد أن التخلص من هذا النظام يستحق التضحية. وأن الخلاص من هذا النظام هو أول الطريق لاقتلاع شجرة الفساد من المنطقة. و التعايش مع هذا النظام سيكون ربما أكثر كلفة على المدى الطويل على المستوى الوطنيّ والإقليمي أيضاً، حيث سيتمدد هذا النظام ليزجّ المنطقة في صراعات مذهبية، وسيحرض على إثارة الفتن في الخليج العربي والجزيرة العربية والعراق ولبنان وفي غيرها من الأقطار.

على مستوى الصراع مع العدو الصهيوني سيستمر النظام في أداء دوره الوظيفي في حماية دولة العدوان، واللعب بالأوراق لهدر طاقة الأمة وضرب أبنائها بعضهم ببعض. إن مراجعة دور نظام حافظ الأسد في تفتيت الموقف الفلسطيني وخذلانه في محطات كثيرة أمر بالغ الأهمية..

وعلى المستوى الوطني سيظل الشعب السوري أسيرا لقوة باغية مسيطرة ولفتنة عمياء. وستظل سورية بثقلها وشعبها خارج إطار الفعل العربي والإنجاز الحضاري. إلى جانب ألوان الفتنة التي ستضرب على الشعب السوري في كل مرحلة بما يتاح لقوى البغي التي يمثلها النظام..

نعتقد أن إدراكنا لطبيعة النظام ولآفاق المعركة ترجح لدينا على المستوى الوطني أن يكون خيارنا منحازا إلى الخيار الشعبي بكافة أبعاده وأن نبذل كل الوسع في نصرته وتأييده ودعمه سائلين الله أن يمدنا بالعون والتأييد.

ومن بعض العرض الذي تقدم عن طبيعة النظام وعن طبيعة المفارقات بين الحالة السورية وشقيقاتها العربية نعتقد أنه قد آن الأوان لتشتق القضية السورية مكانتها من القضية الفلسطينية ولاسيما في بؤرة هذا الصراع لتكون قضية نصرة الشعب السوري قضية من قضايا الأمة المركزية يبذل في دعمها ما تستحق من دعم وتأييد على المستويين العام والخاص.

المجتمع وجماعة الإخوان المسلمين:

المجتمع السوري بشبابه المسلم في توجهه العام هو الحامل الأساسي لهذه الثورة. بدقة وموضوعية لا يمكن لأحد أن ينسب هذه الثورة لتنظيم أو قوة سياسية منظمة تحت أي اعتبار. ثمة حقائق أساسية لا بد من توضيحها لتكتمل الصورة عن أبعاد الصراع:

 الخارطة الديمغرافية..

يسمع الكثيرون عن أن سورية مجتمع من الأقليات. ويعلق المعلقون على الفضائيات بالحديث عن فسيفساء وطني، ويضطر البعض إلى مجاراة مثل هذه المصطلحات لئلا يتهم بالإقصاء. يسمع الكثير في سورية عن ملل ونحل وأديان وأقوام. لتصحيح التصورات ينبغي أن نعيد رسم الخارطة الرقمية لسكان سورية ، وهي خارطة تؤكد أن المسلمين السنة العرب يمثلون السواد العام من المجتمع السوري. الأرقام التي سنوردها هي أرقام تقريبية نظرا لغياب الإحصاء.

كان في سورية في مطلع القرن الماضي ثلاثة أديان: مسلمون ومسيحيون ويهود.

أما اليهود فقد هاجروا بجملتهم عن سورية تباعا وخرجت الدفعة الأخير في أول التسعينات بعد أن استجاب حافظ الأسد لضغوط وزير الخارجية الأمريكية كريستوفر وسمح لبقيتهم بالرحيل...

كانت نسبة المسيحيين في سورية في القرن الماضي تقارب10% من السكان إلا أن هذه النسبة تناقصت تحت تأثير الهجرة للغرب طلبا لسعة العيش، كما تحت تأثير الاقتناع بأفكار الغرب حول تحديد النسل فتناقصت النسبة إلى 5% فقط.. وهؤلاء يتوزعون على مذاهب متعددة أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وآشوريين وكلدان وأرمن فمن يسمع تعداد هذه الطوائف يظن أنه أمام ملل ونحل متكاثرة ولكن الحقيقة أن كل هذه الأسماء لا تشكل 5% من سكان سورية..

وهذا يعني بالتالي أن نسبة المسلمين في سورية اليوم هي 95 % وهذه النسبة تتوزع على المذاهب التالية:

10% علويون – 4 % دروز% - 1% إسماعيليون 1% مذاهب وطوائف أخرى

بمعنى أن المسلمين السنة في سورية يشكلون 85% من جملة المسلمين أي 80% من جملة السكان

على مستوى آخر هناك أقليات عرقية في سورية معظمهم من المسلمين السنة وهم أكراد وتركمان وشركس يشكلون في جملتهم 10% من سكان البلاد. الأكراد من هؤلاء بشكل خاص وهم النسبة العظمى يشكلون حالة من المظلومية الفاقعة التي تحتاج إلى مشروع وطني للاستيعاب والإنصاف.

هذه هي الحقائق الديمغرافية عن سورية أو عن بلاد الشام العربية المسلمة التي يثور شبابها اليوم طلبا للحرية والعدل وانتصارا للدين والهوية.

لقد استطاع المجتمع السوري خلال ثلاثة عقود من غياب الجماعة أن يجدد لنفسه قنوات ووسائل خاصة للفكر والدعوة ووجد في الإسلام الحصن الهوية والدرع والرمح. لا نستطيع أن نزعم أن هذا الشباب الذي ظل لسنوات طوال يسمع هجاء الجماعة يحمل ولاء لهذه الجماعة ولكنه في جملته يحمل ولاء لا حدود له للإسلام. إن أحد الأهداف الأساسية لمرحلة التعاطي مع هذا المجتمع أن نبادر إلى إجراء مصالحة بين هذا الشباب وبين الجماعة وفكرها واسمها وتاريخها.

قبل الانتقال إلى الحديث عن دور الجماعة لا بد من الإشارة إلى المفارقة بين وضعنا ووضع إخواننا في مصر حيث أنهم كانوا يعيشون في وطنهم وبين ظهراني قواعدهم وجماهيرهم وحيث كانت المعارضة المصرية بمن فيها الإخوانية تتمتع بهامش من الحرية لم تظفر المعارضة السورية بمثله حتى اليوم.

في حديثنا عن المجتمع السوري لا بد أن نشير إلى أنه لا يزال هناك أكثرية مجتمعية صامتة لم تنخرط في النشاط المعارض وهذه الأكثرية تتمركز في العاصمتين السياسية والاقتصادية للدولة وهما المدينتان اللتان تشتملان تقريبا على ثلث سكان سورية. كما أنه لا بد أن نشير إلى امتناع طبقات كاملة في سورية من الانخراط في النشاط وإذا ضممنا إلى هؤلاء طيف من بعض أبناء الأقليات التي ما تزال تعلن ترددها وتخوفها، ندرك أن المجتمع السوري ومع شدة القمع وقسوته ما يزال متربصا أو مترددا عن الانخراط في الصراع بكليته. ولم تستطع قوى المعارضة المنظمة أن تقنع بقية القوى المجتمعية بالانخراط عمليا في الثورة...

تحناج الأكثرية الصامتة إلى تشجيع ويجب أن يتم ذلك وفق خطاب مدروس ومنهجي. ويحتاج أبناء الأقليات الذين يشتركون في حمل الهم الوطني إلى تطمينات حقيقية على حقوقهم ودورهم عبر شبكة من العلاقات التي توثق العرى الوطنية، دينية كانت هذه الأقليات أو مذهبية أو قومية عرقية. كان المسيحيون في مطلع القرن الماضي في مقدمة من حمل عبء مشروع التنوير. وكان الأكراد في عصر غزو الفرنجة في مقدمة من قاد مشروع التحرير. إن التأسيس لثقافة المواطنة يحتاج إلى برامج تأصيل شرعي ومدني لدى أبناء الجيل.

الجماعة ودورها

على الحقيقة فقد كانت هذه الثورة وليدة عوامل تراكمية منها من جهد المعارضة وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي حملت راية المعارضة وتزعمتها طوال ثلاثين عاما، ومنها ما نتج عن حزمة ضخمة من المظالم أدمن على ممارستها النظام. ومع ذلك فقد تفجر الحدث في سورية كما تفجر من قبل في تونس ومصر وليبية بدون فعل مباشر لأي قوة معارضة على الأرض. وما تزال القوى المعارضة ومنها جماعتنا تحاول اللحاق بركب الثورة والاندماج فيها وتقديم العون والمساندة لها. لقد فاجأت الثورة الجميع وفرضت عليهم جملة من التحديات لم تستطع جملة القوى المعارضة أن توفي بها. إن أبرز التحديات التي تواجه المعارضة هي توحيد صفها واجتماع كلمتها على برنامج وطني موحد. إنه ولوجه الحق ومع اجتماع المعارضة في الإطار العام على توافقية وطنية إلا أن التنافسات الشخصية ما تزال تحول بين المعارضة وبين التوحد في أفق وطني جامع ومكافئ للتحديات.

لقد تم انعقاد العديد من المؤتمرات المعارضة، وانبثق عنها العديد من المجالس والتشكيلات. وشاركت الجماعة في جميع هذه المؤتمرات ولكن أيا من هذه المؤتمرات بمن فيها المجلس الوطني الأخير لم يتحصل حتى الآن على الاعتراف الدولي المناسب. مع إقرارنا بأنه شكل نقطة تحول في عمل المعارضة السورية ويمثل معظم أطيافها.

وما قلناه عن المعارضة بشكل عام نستطيع أن نقوله – مع الأسف الشديد – عن الجماعة. فهي ليست في خير حالاتها. ومع ما تقتضيه المرحلة من حشد الطاقات وتوظيفها فإن الجماعة مع كل ما تقوم به لم تتمكن حتى الآن من حشد كافة طاقات شبابها وجماهيرها المنتشرين في أصقاع الأرض.

وإن كنا نقر بأنه ليس في صف الجماعة من ينازع الأمر أهله لأن جميع الإخوة يدركون خطورة المرحلة، وهم في نفس الوقت مشفقون على جماعتهم، فإن ذلك يدعونا للحديث عن ضرورة تطوير الجماعة لوسائل عملها وآلية اتخاذ القرار فيها عبر شورى ومشاورات حقيقية واسعة، وإلى الإنفتاح على جميع أبنائها وتوظيف طاقاتهم، وعدم ترك أي مجال للتفرد والاستئثار والإقصاء. والعمل على استقطاب دائرة مفتوحة من أبناء التيار الإسلامي العام للتعبير عن نفسه وإثبات وجوده وللتعاون من موقع المكافئ مع التيار العلماني الذي سبق إلى التعبير عن نفسه من خلال العديد من الهيئات.

إن حديثنا عن قلة الطاقات في المجتمع السوري وضعفها ينطبق بالتبع على أبناء الجماعة وهذا يؤكد على ضرورة تدارك مثل هذا النقص بتوسيع دائرة الشورى، والاستعانة بخبرات وطاقات إضافية وطنية سورية وعربية . والسعي الجاد والحادث إلى اكتشاف الطاقات الصديقة والوطنية وتوظيفها في مواقعها وإلى المبادرة في إعداد الكوادر عبر الجهد المكثف لتغطية حاجة الساحة الوطنية من الخبرات. سورية الجديدة لن تبنيها الأماني الطيبات وإنما سيبنيها رجال العلم والخبر ة في كل ميدان.

إن الذي يدفعنا إلى تقديم هذه المطالعة هو الأمل والإشفاق وطلب الإعذار أمام الله والناس دون أن يعني ذلك أي انتقاص من مكانة أحد.

الثورة: الخيارات والاحتمالات...

منذ البداية أكّد الشعب السوري خياراته الأولية في وطنية الثورة وسلميتها وسعيها إلى الدولة المدنية التعددية والتداولية. بعد عرضنا لأفاق هذه الخيارات سنضطر للتوضيح أنه وتحت وطأة القمع الذي رد به النظام جرت بعض التطورات على هذه الخيارات.

لقد أشعلت القسوة البالغة التي عومل بها طلاب مدرسة ابتدائية، كتبوا على الجدار: الشعب يريد إسقاط النظام، شرارة الثورة في سورية فقلعت أظافر الأطفال، وشوهت أجسادهم وغيبوا في السجون، وطُلب من آبائهم نسيانهم ووجهت لهم إهانات أبلغ من ذلك. ومنذ البداية هُرع النظام إلى فزاعتين ليختبئ وراءهما فاستدعى فزاعة المؤامرة الخارجية، واستدعى فزاعة الفتنة الطائفية، وظل يردد هذا الكلام ويجهد لإعطائه شواهده ولو باختلاقها، لتوظيفها كذرائع للقمع والقتل الذي يمارسه. ورد الشباب الثائر على ذلك بخياراتهم الأساسية:

وطنية الثورة:

وكان البعد الأول لمفهوم (الوطنية) هو رفض الطائفية. والدعوة إلى دولة مدنية تجعل من المواطنة المجردة أساسا للحقوق والواجبات. رفض الشباب الثائر ومن قبله ومن بعده القوى السياسية بمن فيها الجماعة المنطلق الطائفي، إلا أن النظام ظل يلجأ إلى أشكال الاستفزاز الطائفي ليشعل فتيلة فتنته، ويوظف في هذا السبيل ممارسات ما يسمى جيش الشبيحة، وما يسجل على أفراده من ممارسات وإهانات وتفوّهات خارجة عن كل سياق، وعندما يواجه بها النظام يتبرأ منها ويظهر عدم رضاه عنها، وتمادى هؤلاء في تصرفاتهم وأساليبهم حتى وصل الأمر إلى سياسات الانتهاك بكل انعكاساتها المثيرة للانفعالات.

 ثم بالغ النظام أكثر في استدعاء معاني الفتنة ففزع إلى بعض الأقليات ليعلن نفسه حاميا لها، وليجعل بعض قياداتها تعبر عن تخوفاتها من المستقبل المخيف، واصطنع بعض الشعارات الطائفية ليلقيها على الفضائيات على أنها شعارات متظاهرين. لقد أراد النظام من التخويف على المسيحيين بشكل خاص، وتعيين وزير دفاع سوري من المسيحيين أن يجعل دول الغرب تتعاطف معه ولكنه لم ينجح في ذلك ومازالت الثورة متمسكة بهذا البعد الوطني، وإن لم يغب عن المشهد بعض الأصوات التي يحاول النظام توظيفها ويساعد أحيانا في إطلاقها...

والبعد الثاني لمفهوم وطنية الثورة هو رفض التدخل الخارجي والاستعانة بالأجنبي. فقد ارتبطت الثورات العربية منذ البداية برفض التجربة العراقية والتخوف من سيناريوهاتها. وظلت الثورة السورية في الشارع الثائر وعلى ألسنة القوى السياسية تؤكد على وطنية الثورة بهذا المفهوم.

إلا أنه وتحت وطأة القمع والعنف الممنهج والمبالغ فيه بدأت الأصوات في الشارع السوري تتلمس النصرة من (تركية) بحكم الجوار وحسن الظن، ثم من الجامعة العربية بحكم الرحم، ثم من الشعوب العربية بحكم شعور الوحدة . وإزاء اليأس من كل ما مر انطلقت في سورية وعلى ألسنة الثائرين جمعة ( طلب حماية المدنيين ). فدخل الموقف الوطني في شيء من الارتباك والاضطراب على مستوى التفسير والتبرير وتحديد المواقف. ووضعت هذه الحالة على المحك علاقة قوى المعارضة المنظمة بالشارع الثائر: قيادة الشارع أو الانقياد له.

قيادة الشارع أو الانقياد له:

وضحنا أن هذه الثورات انطلقت بعيدا عن سيطرة أو توجيه القيادات السياسية للقوى المنظمة. وأن جميع هذه القوى أعلنت دعمها للثورة والتحامها بها على المستوى العام ولكن ومع تطورات الحدث والتقدم أكثر على طريق التفاصيل بدأت تتضح معالم هذه المزدوجة: قيادة الشارع الثائر أو الانقياد له. لقد وقعت أمام شعار طلب حماية المدنيين العديد من المفارقات على مستويات تفسير حقيقة الطلب أو تبريره أو التماهي معه أو تقييده أو الذهاب أبعد منه، ولم تكن جماعتنا بعيدة عن هذا التجاذب فقد صدرت بعض التصريحات التي تماهت مع الشفاعة للتدخل العسكري المشروط، وغابت الحكمة عن تقييد مفهوم طلب الحماية للمدنيين، في حين أصرت بعض القوى السياسية على الإصرار على موقفها في رفض أي تدخل عسكري.

وللحقيقة فإن الحديث عن التدخل الخارجي على مستوى تطور الوضع في سورية ما يزال حديثا (أرأيتيا) يوظفه النظام لإدانة المعارضة، وشق صفها، والتأليب عليها، وتحقيق معنى المؤامرة التي استدعاها منذ البداية النظام.

لا يزال مجلس الأمن مترددا في إدانة القتل في سورية. مازالت بعض دول الجامعة العربية والقوى العربية تؤيد مشروع النظام في القتل والقمع والاضطهاد. ليس مطروحا على أي مستوى من المستويات الدولية والإقليمية والعربية أي صورة من صور التدخل بينما تدخل إيران وحزب الله المعركة بالعدة والعدد والتأييد المادي والمعنوي.

نعتقد أن الانعكاسات العامة لأي تدخل عسكري في سورية ستكون غاية في السلبية. ونعتقد أن إصرار النظام على الذهاب في معركة القمع حتى النهاية يتطلب مواقف أكثر حزما وحكمة وواقعية. نعتقد أن ضغط الجماهير والقوى العربية في الشارع العربي سيكون لها دورها في جعل النظام يتوقف عن المضيّ على طريق القتل، ويقنع الشارع السوري بأنه يأوي إلى ركن شديد من نصرة عربية حقيقية.

سلمية الثورة وانشقاقات العسكريين:

كان الشعار الأول الذي تمترس خلفه المتظاهرون هو: سلمية سلمية. ولكن حجم القمع، والقتل الممنهج، وسياسات الانتهاك، دفعت منذ البداية إلى انشقاق بعض العسكريين وفتح بابا جديدا للصراع.

كان الانشقاق يتم برفض تنفيذ الأوامر بقتل المدنيين. وجاء رد الفعل على هذا الموقف بالقتل الفوري لكل عسكري يتردد أو يتلكأ. ووجد المجند أو الضابط السوري الشريف نفسه بين نارين قاتل أو مقتول ومن هنا نشأت فكرة الانشقاق على الجيش التي بدأت منذ الأيام الأولى في درعا ثم تنامت وامتدت إلى حمص وجسر الشغور ثم وجدت لها مواطئ قدم في بعض الأطراف والمواقع التضاريسية المناسبة.

إن تقويم ظاهرة انشقاقات العسكريين وتداعياتها قابلة للكثير من التأمل. فحرج الموقف الأخلاقي والشرعي للعسكري السوري يحمل النظام السوري أولا المسئولية المباشرة والكاملة عن هذه الظاهرة.

إن هذه الانشقاقات تدخل بعض الضيم على شعار سلمية الثورة الذي ما يزال يصر عليه آلاف المتظاهرين الذين يملئون الساحات. وتعطي النظام مبررات لمطاردتهم تحت عنوان مطاردة العصابات المسلحة..

من جهة ثالثة لا يمكن التعويل على هذه الانشقاقات في حجمها الحالي لإحداث أي تغيير عملي على الساحة السورية، ولكنها يمكن أن تكون بداية لتطورات قد تقود إلى حسم المعركة.

ومع ذلك فإن الحديث عن الانشقاقات العسكرية لا يمكن أن تغطي على جرائم النظام في إصراره على قتل المتظاهرين السلميين بمن فيهم الأطفال كطريقة لإرهاب المتظاهرين. تجاوز عدد القتلى من الأطفال المئتي شهيد حتى الآن ؛ إن سائر القتلى الذين يسقطون يوميا هم من المدنيين والمتظاهرين السلميين. وهذا ما يفرض على الٍمجتمع الدولي والعربي أن يتحمل مسئولياته أمام القتل اليومي والمنهجي على الساحة السورية.

لقد حسمت الجماعة أمرها بإعلان تمسكها بسلمية الثورة. والفصل بين المسارين المدني والعسكري. والتحامها بالمسار المدني وتأييده. إن انعكاسات عسكرة الثورة في الظروف المحيطة سيكون لها انعكاسات بالغة الخطورة وإن أي محاولة لربط الجماعة بها ربما تحمّل الجماعة أعباء لا قبل لها بها. وهذا ما يمكن تجنبه بشفافية القرارات والمواقف.

الدولة المدنية...

سبق للجماعة أن طرحت في مشروعها السياسي عنوان الدولة المدنية كمقابل موضوعي للدولة (الثيوقراطية) بمفهومها وأبعادها. لقد ساهم هذا الطرح في تشكيل التوافقية الوطنية مع القوى الأخرى في وقت تبدو فيه الساحة الوطنية أحوج ما تكون إلى التوافق ولو على العناوين. نعتقد أن الفكر السياسي الإسلامي بحاجة إلى دراسات أكثر منهجية لشرح أبعاد الدولة المدنية والتأسيس لها في العقل السياسي لأبناء الجماعة وجماهيرها على السواء...

الاحتمالات...

الحديث عن احتمالات المستقبل ربما يكون هو الثمرة لكل ما قدمناه.

ربما لا أحد يراهن في سورية بعد كل الذي جرى على نسخة معدلة للنظام. فبعد هذا الحجم من القمع والقتل والانتهاك الذي تجاوز في انتشاره وامتداده - وإن لم يكن في حجمه - ما جرى في الثمانينات، فإن القادم في سورية سيسير في أحد طريقين: إما أن ترتدّ سورية إلى وضع أسوأ مما كانت عليه من ظلمة وظلم في حال انتصر النظام - لا سمح الله - وإما أن تسير سورية في طريق أخواتها العربيات في مصر وتونس وليبية.

لقد نجح بشار الأسد خلال أحد عشر عاما من حكمه في شيء واحد هو أن يجعل الناس ييأسون منه. لقد رد كل الأيدي التي امتدت إليه خائبة. وأسقط كل الرهانات على معطيات الشباب والثقافة التي رأى فيها البعض أملا لمشروع إصلاحي. حين نذكر ما تقدمت به الجماعة من ميثاق الشرف الوطني، ثم المشروع السياسي، ثم تعليق الأنشطة المعارضة، هذه الخطوات التي قوبلت بترحيب كبير على المستويات العربية، وأن كل تلك المبادرات لم تلق أي التفافة من بشار الأسد، نزداد يقينا أن أيّ مراهنة على الحوار أو الإصلاح هي مراهنة على باطل وغرور. ويوما بعد يوم نزداد قناعة أن خياراتنا محاصرة من قبل بشار الأسد نفسه إما انتصار مشروع الثورة أو الردة إلى عصر أشد ظلمة لا سمح الله.

 يدرك الشباب الثائر أن كلفة التراجع ستكون أعلى أضعافا مضاعفة من كلفة الاستمرار. ولكن إن وجد النظام فرصة، في ظل التراخي العربي والدولي، لتوجيه ضربات قاصمة وخاطفة كالذي جرى في حماة.. فإن مستقبل سورية سيكون مظلما لعقود قادمة. ومن هنا تبدو فظاعة هذا التراخي الذي يمارسه البعض تجاه ما يجري على أرض الشام.

إن أكثر الاحتمالات عملية هو أن يبادر بعض قادة الجيش إلى القيام بحركة لفرض مخرج ما وإن لم يكن في حقيقته في مستوى ما جرى في تونس ومصر نظرا لتركيبة القيادات المسيطرة في الجيش السوري. إن التفكير بهذا الاتجاه ليس إيجابيا وقد يكون مجرد محاولة التفافية، أو قد يقدم أنصاف حلول، ولكنه يبقى المخرج الأقرب والأيسر وربما الأسلم أيضا.

إن الحديث عن عصيان مدني شامل قد يشكل مخرجا للتخلص من النظام، ولكنه في الوقت نفسه سيكون بالغ الكلفة، و قد يفتح الباب لحرب أهلية تشنها القوى التي تستشعر الخطر على مصالحها. وتشارك بها القوى المهددة أو التي تعرضت للتهديد. وقد يفضي هذا السيناريو إلى محاولات جدية لتقسيم البلد وإن لم تكن العوامل الدولية والإقليمية مساعدة على مثل هذا التفكير ولاسيما في ضوء التخوف من سيطرة لإيران وموطئ قدم لروسيا على شاطئ المتوسط.

إن المصلحة الوطنية تكمن في ألا يحدث أي انفلات، قبل أن تملك القوى الوطنية مداخل التأثير العملية لحماية البلد مما يمكن أن يكون. إن على جميع القوى الوطنية أن تكون مستعدة لتحمل المسئوليات في الساعات الصعبة. وسيكون المطلوب من جماعتنا أكبر. ليس للسيطرة والاستحواذ ولكن للتضحية وحماية كل ما يجب حمايته. حين تتنافس القوى السورية على الظهور والعمل العلني ولا تجند طاقتها العملية في الإعداد للساحة والساعة العملية سيكون وضع المعارضة وضع من يحرث في الهواء.

إن احتمال التدخل الخارجي لتغيير النظام في أي مستوى من المستويات بعيد الوقوع. ربما تضطلع تركية - بترتيب دولي - بدور على مستوى ما، وقد يكون منها التدخل لحماية منطقة محررة ، أو لمنع التقسيم نظرا لشراكة تركية في الشريط الحدودي.

نعتقد أن طريقنا في سورية سيكون طويلا وشاقا، ما لم تحدث مفاجآت على الطريق، والطريق الطويل يحتاج إلى التعاون والعدة والعدد والصبر والمصابرة.

إننا مع استشعارنا أهمية التحالفات الوطنية وتوسيع دوائرها ندرك كما يدرك النظام أن المعركة محددة الأطراف بدقة ومن هنا يحاول النظام كسب بعض القوى وتحييد أخرى وكل هذا يفرض علينا أن ندخل المعركة بروح أكثر انفتاحا واستعدادا وحشدا وتعاونا. يجب أن نعمل نحن أيضا على الكسب والتحييد.

الاحتياجات

نعتقد أن لإخواننا في الحركات الإسلامية على المستوى العام حيثما كانوا دورهم في نصرة القضية السورية. ننتظر منهم موقفا من كل فقرة عرضناها. إن اعتبار القضية السورية قضية مركزية كما القضية الفلسطينية هو بعض الحق. إن تشبيه بشار الأسد بابن علي أو بمبارك فيه تجاوز كبير. إن ما عاناه الشعب السوري طوال أربعين عاما أكثر تعقيدا من أن يحيط به الوصف. إن سورية هي البلد العربي الوحيد الذي لديه أرض محتلة مع غياب أي مشروع حقيقي للتحرير مع نظام يرفع راية الممانعة!!!!

إن طبيعة المعركة وأبعادها وانعكاساتها وانغماس أطراف إقليمية فيها.. كل هذا يخرج ما يحدث في سورية من إطاره المحلي.

إن المشاركة في متابعة الشأن السوري من خلال لجنة إسناد ومتابعة من خبراء وأصحاب رأي ورجال تدريب في ميادين الخبرات المدنية يمكن أن يساعد الحالة السورية على سد بعض الفقر الذي نعتقد أنه ليس من العيب الاعتراف بها.

وقد يكون من مهمة هذه اللجنة تقديم المشورة في تحديد المواقف من القضايا الكبرى والشائكة بما يتلاءم مع التوجه الإسلامي العام.

ثم إن الاطلاع على المجريات للمساعدة على تأمين الاحتياجات هو جزء من المنتظر من الأشقاء في العالم.

يؤسفنا أن القضية السورية لم تتحول حتى الآن إلى قضية رأي عام لا على المستوى العربي ولا على المستوى الدولي نعتقد أن للحركات الإسلامية دورها في طرح القضية والاشتباك معها وشرح أبعادها والتعاطف مع ضحاياها...

ننتظر منها جميعا.. أن يكون لها دورها في التأثير على المواقف الرسمية للحكومات والدول. مع الأسف ما تزال حكومات مثل حكومة الجزائر والسودان تصوت في الجامعة العربية لمصلحة النظام. ما هو الأثر السياسي لبيان يصدر عن تلك الحركات والتنظيمات ضد الفيتو الروسي والصيني؟ تتجلّى أهمية مثل هذه الخطوات أنها ستكون جسرا إلى قلوب أبناء الشعب السوري قبل أن تكون رسالة سياسية لأصحابها.

وأخيراً نختم بقوله عليه الصلاة والسلام: إذا فسد الشام فلا خير لكم. وفي رواية فلا خير فيكم.

القاهرة 24/10/2011

زهير سالم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مصائر المستبدين .. عبد الوهاب بدرخان

تاريخ النشر: الثلاثاء 25 أكتوبر 2011

الاتحاد

كثيرون تذكروا المشهد قبل أن تستعيده الشاشات: معمر القذافي يقول للقادة العرب الحاضرين قمة دمشق عام 2008: "يمكن الدور جاي عليكم كلكم". كان يتحدث عن المصير الذي آل إليه صدام حسين. وكان بين الذين تضاحكوا على ملاحظته زين العابدين بن علي وعلي عبدالله صالح فضلاً عن مضيفهم بشار الأسد.

لم يشعر أي منهم، بمن فيهم القذافي نفسه، أنه معني بهذا التحذير. ربما لأن صدام سقط بفعل الغزو الأميركي، كونه عاند الولايات المتحدة وتحداها، أو لأنه خاض مغامرة إقليمية وخسرها.

في ذلك الوقت كانت سوريا وإيران منتشيتين بنجاح مناورتهما الكبرى لتحويل غزو العراق والتهديد الأميركي المباشر لهما كابوساً لجورج دبليو بوش. وكان اليمن استهل استضافة بعض فلول "القاعدة" استدراجاً لاهتمام الولايات المتحدة بتطوير علاقتها مع نظام صنعاء. أما تونس فلم يكن نظامها يعاني أي نوع من المشاكل. وأما النظام الليبي فسارع إلى رمي "برنامجه النووي" واستكمال إقفال "ملف لوكيربي".

وعندما تفجّرت الأوضاع الداخلية، بدءاً من تونس، حاول هؤلاء وغيرهم توسل مؤامرات خارجية لاستقطاب شعوبهم وراءهم، ولم يوفقوا. قابلوا الانتفاضات بالتجاهل والاحتقار، ثم بإنكار حق الشعب في المطالبة بتنحي الحاكم أو رحيله، ودائماً باستخدام القوة لاستعادة الثائرين إلى جدران الصمت والخوف، ولم يوفقوا.

دخلوا مساومات من أجل البقاء في مناصبهم، ناوروا وراوغوا، اعتقلوا وضربوا، نكّلوا وقتلوا وقتلوا وقتلوا. وصار القتل عنوان النهاية رغم أنه بدا لزمن طويل جداً عنواناً للاستمرار والتجبّر. ارتسمت المصائر: التنحي، السجن، الرحيل، الفرار والتواري، والموت.

حتى الآن، كان القذافي أول من اختار، من بينهم جميعاً، سبيل الموت. بل اقتاد مدينته وقبيلته وعائلته إلى معركة قسرية ومعروفة النتائج. لم يتنحَّ عندما كان ذلك ممكناً، ولم يغادر بضمانات عندما كان ذلك ممكناً، وفوّت الفرصة الأخيرة التي أتيحت له لإعلان نهاية القتال إثر دخول الثوار طرابلس، بل لجأ إلى رهان أخير على إحداث شرخ أهلي من خلال التمترس في سرت وبني وليد. لم يرد أن يفهم مغزى الحدثين التونسي والمصري، ولا مغزى ثورة شعبه عليه، فسقط في سياق القصف والقتال كما لو كان يشخّص دور رجل آخر غير معني بالبلد الذي يفترض أنه بلده.

قتل القذافي منتصف نهار جمعت فيه جريدة "الاتحاد" كتابها للبحث في مستقبل التغيير الذي طرحته الثورات والانتفاضات على العالم العربي. وكان طبيعياً أن يتأثر النقاش بالحدث المستجد، فالأنظمة المأزومة كانت تتشابه شكلاً وتختلف في كثير من التفاصيل، وكذلك الانتفاضات لإطاحتها تتقارب وتتباعد، ومثلها استطراداً المراحل الانتقالية هنا وهناك.

لكن ما اتفقنا عليه أن الأنظمة الجديدة التي لا تزال في إرهاصاتها ومقدماتها لابد أن تحظى بقبول الجميع على اختلاف تياراتهم لصيغة الديمقراطية المدنية، فالعسكر أعطوا ما عندهم طوال العقود الماضية وأصبح لزاماً عليهم أن يعودوا إلى الدور الأكثر أهمية المتوقع منهم، وهو صون السيادة وحماية النظام والسهر على السلام الأهلي.

كما أن استحقاقات ما بعد التغيير ألقت على التيارات الإسلامية مهمة ومسؤولية جسيمتين، فهي قويت وانتظمت بفعل قسوة الأنظمة السابقة وهناك خشية كبيرة من أن يكون الإسلاميون الوجه الآخر لتلك الأنظمة نفسها، وبالتالي فإن مجيئهم بديلاً منه حتى ولو بات بالانتخاب يكثّف المخاوف من "سرقة الثورات" أو مصادرتها.

فلا أحد سمع خلال تلك الثورات من يطالب ب"إمارة" أو "دولة" إسلامية، بل سُمع بوضوح من يُطالب ب"دولة للجميع" و"دولة القانون" التي تساوي بين جميع المواطنين.

ولعل هذا هو الرهان الأكبر لنجاح التغيير.

لا شك أن سقوط أي نظام مستبد شق الطريق لسقوط متوقع للآخرين مهما حاولوا تأخير هذا المصير أو تأجيله. لكن سيبقى مقلقاً ومؤرقاً البحث في جذور هذه الثقافة التي زينت لهذا الحاكم أو ذاك أن يقتل بلا رحمة، أن يتمسك بالحكم رغم تأكده بأنه بات مرفوضاً، وأن يفضل التخريب أو الحرب الأهلية أو زرع بذور الشقاق كأنه يريد الانتقام من مستقبل الوطن والشعب.

لا يمكن ضمان عدم تكرار هذه المخاطر المفزعة إلا بتعاقدات اجتماعية نابعة من الحوار، ودساتير تُحترم وتُلتزم وتطبق، وقوانين يخضع لها الكبير قبل الصغير. فهذه أدوات الثقافة النافية للدكتاتورية.

مع الإيذان بنهاية مقررة لعمليات حلف الأطلسي في ليبيا، كترجمة للنهاية الفعلية للقذافي ونظامه، تتجه الأنظار إلى سلوك الليبيين لجعل خاتمة الثورة بداية قصة نجاح أخرى عناوينها: الوحدة الوطنية، إعادة الإعمار، ضمان المستقبل. انتهى الكابوس فلتضمّد الجراح وليبدأ العمل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الديكتاتوريات لحماية الأقليات العربية! .. خيرالله خيرالله

الرأي العام

25-10-2011

إلى إشعار آخر، تظلّ الديكتاتوريات في أساس المآسي التي غرقت فيها الأقلّيات في كل أنحاء العالم العربي. وحدها الدولة المدنية العادلة الخالية من السلاح الميليشيوي والمذهبي تحمي الأقلية والأكثرية. وهذا يعني بكل وضوح أنه ليس صحيحا أن هناك خطرا على الأقليات مصدره الثورات العربية، أي «الربيع العربي». من يتذرع بما حصل في مصر حديثا لتبرير دعمه لهذا النظام الديكتاتوري أو ذاك في سورية أو غير سورية، لأسباب خاصة به على الأرجح، يتجاهل عن قصد أو قلة خبرة، على الأرجح، أن في أساس مشكلة الأقليات في العالم العربي غياب الديموقراطية والدولة المدنية التي يتساوى فيها المواطنون. في مثل هذه الدولة لا تستقوي طائفة على أخرى، لا باسم العدد ولا باسم السلاح المذهبي كما الحال في لبنان حاليا!

ما حصل في مصر، وهذا ما يفترض أن يستوعبه شخص مثل البطريرك الماروني الجديد في لبنان بشارة الراعي، نتيجة نحو ستة عقود من التراكمات أدّت إلى جعل الأقباط مواطنين من الدرجة الثانية. ترافق ذلك مع نشر ثقافة شوفينية في البداية، أيام جمال عبد الناصر، ثم تغلغل التطرف الديني في كل أجهزة الدولة من دون حسيب أو رقيب ايّام أنور السادات وصولا إلى مرحلة من الجمود في عهد حسني مبارك الذي لم يدرك يوما خطورة التحولات داخل المجتمع المصري معتقدا أن في الامكان معالجة التطرف عن طريق الحل الامني من جهة واسترضاء المكلفين نشر ثقافة رافضة لأي نوع من الاعتراف بالآخر والانفتاح على كلّ ما هو حضاري في العالم من جهة أخرى.

في السنوات الثلاثين التي كان فيها حسني مبارك رئيسا، كان هناك اهتمام بالقشور هربا من الواقع الأليم المتمثل في نموّ الفقر وزيادة عدد السكان وهبوط مستوى التعليم. كانت الصحف ووسائل الإعلام الأخرى تعبّر، مع بعض الاستثناءات طبعا، عن رغبة في جعل المجتمع المصري منغلقا على نفسه أكثر فأكثر. أصبح المجتمع متخلّفا إلى حد كبير، هذا اذا وضعنا جانبا طبقة جديدة من الأغنياء، لم تحاول في ايّ وقت تمويل مشروع جدّي يهدف إلى نشر ثقافة مختلفة تقوم على احترام الآخر ونشر القيم الديموقراطية، اي تلك التي يفترض أن تسود في اي مجتمع مدني. كانت هناك بعض الجزر في أوساط المثقفين والفنانين والإعلاميين المصريين تسعى إلى إعادة انتاج ثقافة الحياة في مصر ولكن من دون تحقيق نتائج تذكر إلاّ في دوائر وأوساط ضيقة جدا.

جاءت المجزرة التي تعرّض لها الأقباط في القاهرة اخيرا تتويجا لسنوات طويلة من القمع مارسه نظام ديكتاتوري لم يستطع في أي وقت استيعاب معنى خروج الجاليات الأجنبية من القاهرة والاسكندية وبور سعيد ومدن أخرى في مرحلة معينة. فرح النظام في مصر برحيل الجاليات الاجنبية في عهد عبد الناصر. أدّى ذلك إلى تصحّر تدريجي للمدن المصرية التي كانت في ما مضى مدنا كوزموبوليتية غنية بانتاجها الثقافي والتفاعل الحقيقي بين الأديان بعيدا عن أي نوع من التزمت. صارت الصحراء هي التي تؤثر في المجتمع المصري وتعمل على تغييره، بعدما كان المجتمع المصري المنفتح على العالم والذي يشرب من ماء النيل يؤثر في الصحراء ويعمل على تغييرها...

على الرغم من المأساة التي تعرّض لها الاقباط اخيرا في ماسبيرو، قرب مبنى التلفزيون المصري، وعلى الرغم من أنه لا يمكن إلاّ إدانة المجزرة باشدّ العبارات، لا يمكن في الوقت نفسه تجاهل أن قضية الأقباط في مصر ما كانت لتصبح قضية علنية لولا ثورة الخامس والعشرين من يناير. لو لم يصل الربيع العربي إلى مصر، لما كان الأقباط تجرّأوا على التظاهر والاعلان صراحة أنهم مظلومون وأنهم يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية. كان المشهد نفسه الذي تلا تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية ليلة رأس السنة الماضية سيتكرّر. كان سيتكررالكلام عن مجرم مجهول... ولكن سيلقى القبض عليه قريبا!

صحيح أن المؤسسة العسكرية والأمنية في مصر لا تزال ترفض تحمل جانب من مسؤولية ما حصل في ماسبيرو، لكنّ الصحيح ايضا أنه خلافا لما جرى بعد تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية، قد يصل التحقيق في مجزرة ماسبيرو إلى نتائج خلال فترة معقولة. فالموضوع لم يعد موضوع الأقباط وحدهم. الموضوع صار موضوع مصر ومستقبل مصر. هل تتحوّل مصر إلى دولة طبيعية فيها مجتمع مدني حقيقي ومؤسسات ديموقراطية أم يستمرّ التآكل من داخل، هذا التآكل الذي تسببت به سنوات طويلة من الديكتاتورية ولّدها انقلاب العام 1952 الذي سمّي «ثورة يوليو».

ليست مصر وحدها التي تتغيّر. ليست مصر وحدها التي بدأت تطرح فيها مواضيع كان ممنوعا التحدث عنها في الماضي. في كلّ مكان من العالم العربي، هناك كلام علني أحيانا وهمس في أحيان أخرى عن ضرورة التغيير. لبنان نفسه، الذي حافظ مجتمعه على الحريات بفضل التنوع، عرف كيف يطلق الربيع العربي عن طريق «ثورة الارز» وكيف يتكيف معه بعدما أصابت العدوى دولا عربية أخرى. ولذلك، شهدنا قبل ايام في بيروت انطلاق «تجمع لبنان المدني». بين الذين لعبوا دورا في إطلاق التجمع شاب شيعي اسمه مالك كامل مروة يؤمن بالدولة اللبنانية ولبنان العربي، أي «الدولة المدنية الديموقراطية السيدة على حدودها وداخل حدودها». ويؤمن، حسب البيان التأسيسي للتجمع، بأن «أيّ وهم بخلاص فئوي تسعى اليه الجماعات اللبنانية كلّ بمفردها ليس مغامرة فحسب، بل هو مشروع انتحاري يدمّر أصحابه قبل سواهم».

كانت إلى جانب مالك مروة عشرات الشخصيات الشيعية والمسيحية والسنية والدرزية. كانت الرسالة الخارجة من بيروت واضحة كلّ الوضوح. فحوى الرسالة أن لبنان لا يخاف الربيع العربي بل أن حراك المجتمع المدني فيه، بما في ذلك المجتمع الشيعي، يصب في رفض هيمنة الحزب الواحد على الطائفة.

هناك استيعاب واضح لدى مجموعة كبيرة من شيعة لبنان لمدى خطورة «المشاريع المذهبية» بكل اشكالها على لبنان ووحدته. هذا ما نبه إليه أيضا البيان التأسيسي للتجمع الذي يريد أن يكون «قوى وتحالفات خارقة للطوائف» وأن يؤكد أيضا أن لا بديل من الدولة المدنية لا في مصر ولا في لبنان ولا في سورية ولا في العراق.

كلّ كلام عن خوف على الأقليات من الربيع العربي مرفوض. أنه كلام يصب في العجز عن استيعاب أن ما قتل المسيحيين في العراق هو اضطرارهم إلى الاحتماء بنظام ديكتاتوري دموي قضى على النسيج الاجتماعي للبلد، وذلك قبل ان تستولي الميليشيات المذهبية المدعومة من النظام في ايران على مقدرات العراق.

أمّا أكثر ما أساء إلى مسيحيي لبنان ومستقبلهم فهو السلاح الذي لم يتوقف النظام السوري عن إرساله إلى البلد منذ ما يزيد على أربعين عاما. وما يمكن أن يقضي على مسيحيي سورية الربط بينهم وبين نظام لا يؤمن سوى بالغاء آخر.

في وقت، يؤكد فيه اللبنانيون الواعون، من كل الطوائف والمذاهب والمناطق، أنهم جزء لا يتجزّأ من الربيع العربي، هناك من يدعو بوقاحة، ليس بعدها وقاحة، إلى إعادة عقارب الساعة إلى خلف. إلى مرحلة لم يكن فيها القبطي يستطيع القول انه قبطي، وانه يطمح إلى دولة مدنية يتساوى فيها الجميع بديلا من دولة العسكر والأجهزة الأمنية.

خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري والجامعة العربية مَن يقبض على الآخر؟! .. غازي دحمان- دمشق

المستقبل

25-10-2011

أفادت تسريبات إعلامية من دمشق أن السلطات السورية تدرس إمكانية استقبال وفد من الجامعة العربية في محاولة لاستدراك فرصة يبدو أنها تقدم لدمشق طوق نجاة مهم للخروج من الأزمة، أو تمنحها وقتاً إضافياً تعتقد السلطات أنه ضروري لها في هذا الوقت.

وحسب ما سُرّب فإن دمشق، التي أبدت نوعاً من التشدد الظاهري تجاه التحرك العربي، قرأت المشهد بشكل عملي واكتشفت إمكانية تحقيق اختراقات مهمة فيه لمصلحتها ترتكز على جملة من المعطيات:

1 إمكانية تدوير الزوايا الحادة في المبادرة العربية ما قد يسهل تمييع هذه المبادرة عبر التحفظ على بعض النقاط فيها أو إضافة بعض المطالب، التي قد تبدو بالشكل العام تمس قضايا سيادية، من دون أن تتعارض مع جوهر المبادرة، مثل قبول الحوار مع المعارضة ولكن على الأراضي السورية، وهنا تقدر السلطات أن الرفض سيأتي من المعارضة الممثلة بالمجلس الوطني السوري، وقد تستطيع دمشق إقناع بعض أطراف المعارضة الداخلية، وهي متعددة ومتباينة في مواقفها من النظام.

2 إدراك دمشق حالة الانقسام العربي الحادة تجاه الوضع السوري وتباين المواقف بخصوص القرارات الواجب اتخاذها، واستغلال حالة التردد لدى بعض الأطراف التي تبني مواقفها انطلاقاً من تقديرها بأن النظام يسير بالأمور إلى حافة الهاوية مع إدراكها بأن النظام يضع الشعب السوري رهينة مقابل إخراجه من الأزمة تحت أي ظرف.

3 من الواضح أن أطرافاً عربية، ويُشار هنا إلى مصر بالتحديد وأمين عام الجامعة العربية، لعبا أدواراً سلبية، كان من نتيجتها تحييد أي دور للمجلس الوطني السوري ومنع تواصل هذا المجلس مع رئاسة الجامعة وعدم إطلاعه بالتالي على طبيعة التحرك العربي ومضمونه، الأمر الذي نتج عنه رد فعل متوتر من قبل المجلس الذي سارع إلى رفض المبادرة من دون تقديم المبررات الكافية، على الأقل من الناحية الشكلية، وهو الأمر الذي من الواضح أن السلطات السورية ستستثمره لمصلحتها.

من الواضح أن النظام في سوريا لا زال يرتكز على الموقف الروسي والذي لا يزال يمنحه حتى اللحظة هامشاً من المناورة أمام الضغوط العربية والدولية التي يواجهها، وإن بدا أن هذا الهامش بات يضيق، خصوصاً وأن معلومات أفادت بأن الرئاسة الروسية أعطت مدة شهر واحد بعد استخدام الفيتو لكي تنهي السلطات السورية الأزمة، أو على الأقل تخفف من حدتها وزخمها.

وقد سعى النظام إلى ترجمة هذا الأمر على أرض الواقع من خلال ضغطه العنيف على حركة الثورة عبر اجتياح المناطق الساخنة ومحاولة إخضاعها، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية وفاتورة الدم التي قد تسببها، ويراهن النظام على إمكانية إنهاء الثورة بعد أن تم حصر زخمها في مناطق جغرافية معينة يقع أغلبها تحت نطاق انتشار قواته العسكرية والأمنية.

لكن الأمور على الأرض لا تسير وفق هوى النظام وتصوراته، وقد أثبتت وقائع الثورة السورية أنه ما أن يتمكن النظام من السيطرة على منطقة احتجاج معينة حتى تتصدر منطقة جديدة قيادة الحراك بما يشبه دائرة مغلقة من الفعل ورد الفعل لا يبدو أنها في طريقها إلى الحسم، الأمر الذي يشكل حاضنة خطيرة لتوليد المزيد من الاحتمالات السيئة على المشهد السوري برمته.

في المحصلة، ومن خلال ردود فعل الشارع السوري السلبية تجاه الحراك العربي، ثمة مؤشرات بأن الجامعة، ونتيجة الانقسام بين أطرافها، وحالة التردد والحذر الشديد لدى أطراف عربية أخرى، وقعت ضحية واقعها، وأنها في طريقها إلى الخروج نهائياً من دائرة الفعل تجاه الأزمة السورية، وهي تعطي فرصة مهمة للنظام السوري لتفكيك آليات القوة الممكنة في الحراك العربي وتمييعها، وإن لم يكن تجييرها لمصلحته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بدر الدين حسن قربي: المسيرات العفوية للمنحبكجية

موقع أخبار الشرق - الأحد، 23 تشرين1/أكتوير 2011

في الوقت الذي تحاصر فيه مئات الدبابات العديد من المدن والأرياف السورية، وتعيث أجهزة القتل في شوارعها على امتداد الوطن، تعمد سلطات النظام وقواته الأمنية إلى ترتيب تظاهرات مؤيدة وداعمة ولكن بشروط عفوية تأكيداً على امتلاكها قلوب الناس وحبهم لها. وعليه، فقد سُيّرت المظاهرات الدمشقية لتتجمّع في ساحة السبع بحرات الأربعاء في 12 تشرين الأول الجاري، ثم المظاهرات الحلبية في الأربعاء التالي قبيل مصرع القذافي بيومٍ واحد، تأكيداً على أن النظام في أمان واستقرار، وهو مايعمل عليه إعلام التشبيح في تصريحات مكرورة منذ أشهر على أن الأمور ليست أكثر من سحابة عابرة، يخرج من بعدها النظام أشد وأقوى، رغم أنهم يرون بأم أعينهم، تواصل أعمال التظاهرات المناهضة وتصاعدها ويكذّبون، وتكسير هيبته وشتمه يومياً والمطالبة بإسقاطه ويمارون، وهذا حالهم بل ولن يصدقوا أو يعتبروا حتى يروا صاعقة الرحيل الأليم.

المظاهرات التي تُنسب إليها العفوية هي دليل قاطع على أن النظام ماض في شر أعماله إلى أسوأ أحواله على طريق الانهيار والسقوط، فهو كلما ضاقت عليه يعمل على تحريك مثل هذه المسيرات متوهماً القوة وتأييد الجماهير، وهي ظاهرة ينقلها المستبدون عن بعضهم. ومن ثم فلم يكن غريباً أن يُطلق القذافي أكبر مسيراته في طرابلس أول أيام تموز/يوليو الماضي في الساحة الخضراء ويخطب فيها ويتوعد، تعبيراً عن مثل هذه التوهمات التي كذّبها هربه بعد خمسين يوماً، ثم بعد شهرين تاليين أيضاً ليُخرَج من مجرى صرف صحي ويُقتل على يدي أبناء شعبه الثائرين ممن أذاقهم المرارات والأهوال خلال سنوات حكمه.

خروج الليبيين أحفاد المختار ممن سمّاهم القذافي الجرذان، بملايينهم إلى الشوارع والساحات بما فيها الساحة الخضراء ابتهاجاً بسقوطه ورحيله، تأكيدٌ غير قابل للمراجعة من قبل الشبيحة والمنحبكجية على أن الناس يوم يُتركون وحريتهم تتعرىّ الزعامات والانتخابات المزوّرة، والمظاهرات المليونية والاحتفالات المسيّرة، وهو دعوة مفتوحة أيضاً للنظام السوري الذي يعلم حقيقة التسيير والتزوير فيما يكون من مسيرات، لأن يتعظ ويعتبر مما حصل لنظيره القذافي وينزل على إرادة السوريين.

لقد قال بشار الأسد ومعه الكثير من الشبيحة على اختلاف تخصصاتهم وأعمالهم نحن لسنا تونس، ثم قالوا: لسنا مصر، ثم أكّدوا أنهم ليسوا ليبيا ظنّاً أن مقاومةً عمادها القمع والاستبداد تقيهم ثورة الجماهير وغضبها، وممانعةً حقيقتها النهب والفساد تمنع عنهم السقوط والرحيل. ولقد ثار البركان السوري وتظاهر الناس بجرأة من يقتحم الموت وبمئات الألوف، وهتفوا ضد النظام، ولعنوا الوالد وماولد، وحطموا تماثيلهم ولوحاتهم وجدارياتهم، وتحدوا رصاص الأمن ودبابات الحرس الجمهوري وإرهاب الشبيحة، لاليوم واحد ولا لأسبوع بل لثمانية أشهر حسوماً صامدين أمام فظائع التوحش والقتل والاعتقال.

ليس سراً أن كل ماحدث ويحدث في سوريا، كان النظام وأنصاره يعتقدون باستحالته وقد حدث، ولم يبق من هذه المستحيلات لمن يفهم إلا اللقطة الأخيرة التي اقترب موعدها. ولئن كانوا يتهددوننا بقيامة في أحلامهم لاتبقي ولاتذر، وحريق يأكل الأخضر واليابس، فإن القذافي قد تهدد العالمين من قبلهم بحرب إلى يوم القيامة ولم ينفعه صَلَف أو كِبر، ولا آخر مكالمة له كانت مع النظام السوري، من أن يحترق بما تهدد به الناس وأن تكون نهايته والعياذ بالله على الشكل الذي رأته الخلائق على الفضائيات.

إن الشعب السوري الأبقى من حاكمه مهما بلغ جبروته وطغيانه وقمعه، قد أصدر حكمه بعد مداولات دامت اثنين وأربعين عاماً بين حكم الأب والابن، وقال برحيل النظام. وعليه، فلن تنفعه مجازره ولاشبيحته، ولا قوات أمنه ولا آلات قتله، ولا مسيرات عفوية للمنحبكجية يسوق الناسَ إليها وقد أزف الرحيل. فلو أنها كانت تنفع لنفعت القذافي رغم تناحته وكذلك الذين من قبله، ولكن ماأكثر العبَر وأقل المعتبرين…!!؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جمعة النصرة للشعب السوري دلالات وأحكام.. د. عامر أبو سلامة

المركز الإعلامي

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين, برئاسة العلامة يوسف القرضاوي- حفظه الله- يعتبر أعلى هيئة شرعية تمثل علماء المسلمين في العالم, وذلك لسببين رئيسيين:

الأول- أنه ضم نخبة كبيرة من كبار علماء الأمة, من الذين نحسبهم على خير كثير, وفضل واسع, وعلم غزير, وغيرة على الأمة ومستقبلها, وبعد عن هيمنة الحكومات والهيئات والشخصيات.

الثاني- المنهج الصادق في تحقيق الأهداف المرسومة, والعمل بدأب من أجل تحقيق هذه الأهداف, ومنها العناية بقضايا المسلمين في كل مكان, وسطر التاريخ المعاصر صفحات, للاتحاد في هذا الشأن, وخصوصاً القضية الفلسطينية, وغيرها من قضايا المسلمين.

واليوم يقف موقفاً من هذه المواقف, التي تضاف إلى صفحاته الناصعة, إذ يعلن وقوفه وانحيازه إلى صف الشعب السوري, المنكوب المقهور, الذي ابتلي بهذا النظام الغشوم, الذي سامه سوء العذاب, ونكل به على كل الصعد, والميادين كافة, والاتحاد وهو يرقب الوضع عن قرب, ويلاحظ ما يجري على الساحة السورية, رأى أنه لا يجوز للمسلمين أن يقفوا متفرجين على هذا الذي يجري في سورية, وإن نصرة الشعب المظلوم في ذلك البلد المسلم, فريضة شرعية لا يجوز التقصير بها, أو الإهمال لها.

وعلى نفس الدرب مضى جماعات من العلماء والدعاة والمفكرين, في كثير من بقاع العالم الإسلامي, على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم الاجتهادية, لا أستثني من هذا سوى نفر قليل من أهل البدعة, الذين تعودنا منهم خذلان المسلمين, ونصرة الظالمين, وتاريخهم يحكي هذه القصة, من أيام التتار والصليبيين, إلى عصر الاستعمار الحديث بكل أشكاله, وما عرفنا لهم موقفاً واحداً يشهد لهم بفضيلة في هذا الذي نذكر, ولا غرو فالعرق دساس, والمدرسة ذاتها تعمل, والتربية عينها تتكرر.

المسلم يجب أن ينصر أخاه, ويقف إلى جانبه, في ساعة العسرة, ووقت الضيق, ولا يجوز له أن يخذله, أو يسلمه, أو يتركه لعدوه. قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) [الحجرات] وفي الحديث المتفق عليه, عن أبي موسى- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه-: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وفي الحديث المتفق عليه, عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم, لا يظلمه, ولا يسلمه, من كان في حاجة أخيه, كان الله في حاجته, ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله به كربة من كرب يوم القيامة).

وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون, فإن لم يكن كذلك, عليه أن يراجع دينه, ليدرك أين الخلل لتجاوزه, قبل أن يلقى الله وهو على هذه الحال الخطيرة على مستقبله عند الله تبارك وتعالى. وإخواننا أبناء الشعب السوري, يمرون بمحنة غير عادية, يقودها النظام الجاثم على صدر هذا الشعب منذ أكثر من أربعين عاماً, قتلاً وتشريداً ومفقودين, أرامل وثكالى, دموع وآهات وأنات, ومصادرة للحريات, قمع وإرهاب, نازحين وخائفين, مطلوبين وترقبين...إلخ فهل يجوز لمسلم يسمع بهذا الذي يحدث لإخوانه أن يسكت ولا ينصر؟ كيف يهنأ عيش لمسلم وهو يرى إخوانه على هذه الحال دون أن يقف الموقف الذي يساند به إخوانه هؤلاء؟؟

وقد يقول قائل: وماذا أصنع, وأنا في بلدي؟ نقول لهم يمكن أن تقدموا الكثير, ومما يمكن أن تقدموه ما يأتي:

الدعاء لإخوانكم, وهو سهم الغيب الصائب, لأنك تطلب من الذي بيده كل شيء, ورب دعوة لإخوانكم في ظهر الغيب, تفتح لها أبواب القبول, فيحدث الله بها تغييراً يعجز الناس أن يفعلوه مجتمعين.

التعريف بالقضية السورية, عند الناس, فكونوا ألسن إعلام لإخوانكم, وهذا أمر له بالغ الأهمية, يمكن أن يكون بقصيدة تكتب, أو مقالة تسطر, أو خطبة تلقى, أو محاضرة تسمع بالخبر من لم يسمع.

عقد الندوات والمؤتمرات, التي تساهم في الدفع نحو فهم هذه القضية, واستيعاب أبعادها, وسيكون لهذا الأثر الأكبر في نصرة هؤلاء الإخوة.

- مد يد العون المادي, خصوصاً لأبناء الشهداء, وللنازحين. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) [البقرة]. وفي الحديث المتفق عليه, عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال:(ما من يوم يصبح فيه إلاّ ملكان ينزلان, فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً, ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).

التظاهر أمام السفارة السورية في بلدك الذي أنت فيه, وتسليم السفير رسالة تنديد وشجب, ووقوف مع الشعب السوري.

توقيع البيانات, التي تقف إلى جانب الشعب السوري في معاناته.

وغير ذلك من الوسائل والأساليب, التي من خلالها تساند إخوانك, وتقف إلى جانبهم في مصابهم الأليم, فيا أيها المسلمون في العالم, استجيبوا لدعوة إخوانكم العلماء, في نصرة الشعب السوري, فهم أولي الأمر فينا في طيف من أطياف الفهم لهذا المعنى, والعلماء ورثة الأنبياء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قراءة في المشهد السياسي السوري .. علي صالح العبد الله

من المسلم به أن ما يجري في سوريا الآن هو ثورة شعبية نمت عوامل تفجرها وترعرعت داخل فضاءات القهر والظلم والتمييز والقمع، وداخل أسوار الخوف على المستقبل الذي ابتلعت إرهاصاته قوى النظام ورجالات السلطة، أطلقها احتقان دام عقودا ويأس عميق ساوى بين الحياة والموت في نظر المتظاهرين، تكثفا وانطلقا في لحظة تاريخية مهدت لها ثورات عربية أعطت المثال، وصلف سلطوي لم ير في الثورات العربية إلا ذاته ورؤاه مما أجج حنق المواطنين وقاد إلى تفجر غضبهم.

وقد دخلت المواجهة بين الثورة والنظام مرحلة كسر عظم، كما يقال، ولم يعد للعودة إلى الوراء مكان، فالشعب يريد الحرية، والنظام يريد البقاء في السلطة بنفس الصيغة والآليات، الشعب بات على قناعة بأن العودة إلى الوراء تعني دمارا وليلا سيطول، والنظام استنفر قوى السلطة وسخر إمكانيات الدولة العسكرية والمالية والإعلامية للبطش بالمواطنين لإعادتهم إلى القمقم، أصبح القتل المباشر أداة النظام لدفع المواطنين للعودة إلى القمقم، وأصبح تقبل الموت أداة المواطنين لقهر السلطة وكسر صلفها وعنجهيتها.

"أفرزت الثورة معادلة سياسية جديدة عناصرها قوى شعبية تريد الخروج من حالة الاستبداد إلى فضاء الحرية، ونظام يصر على البقاء في السلطة رغم الرفض الشعبي الواسع وعلى الضد منه

"أفرزت الثورة معادلة سياسية جديدة عناصرها قوى شعبية تريد الخروج من حالة الاستبداد إلى فضاء الحرية ونظام يصر على البقاء في السلطة رغم الرفض الشعبي الواسع وعلى الضد منه، وكتلة شعبية كبيرة صامتة ومعارضة حزبية وثقافية تبحث عن دور.

 عند دراسة الواقع القائم نجد أن المعارضة الحزبية والثقافية تواجه حالة دقيقة ومعقدة وتواجه تحديات ومصاعب حقيقية، فالثورة التي انطلقت في سوريا ليست ثمرة نضالها الذي طال وتعمد بالتضحيات الجسام، دون أن نغفل دورها الإيجابي في إبقاء جذوة المعارضة متقدة وتغذيتها بالرؤى والتصورات، بل فجرتها قوى شبابية وغذتها قوى اجتماعية متضررة من النظام السياسي الذي يحكم سوريا منذ قرابة الخمسة عقود، مما رتب وجود خطين معارضين متوازيين في نقاط ومتقاطعين في نقاط أخرى، خط قوى المجتمع، وخاصة الشباب، الذي يخوض مواجهة مباشرة مع النظام وأدواته القمعية ويقدم التضحيات: شهداء بالآلاف، ومعتقلين ومهجرين بعشرات الآلاف.

وخط المعارضة الحزبية والثقافية التي جعلها موقعها -ناهيك عن حساباتها السياسية والأمنية- شريكة من الخارج، وقاد بعضها على خلفية جدية موقفه من التغيير، إلى السعي، وبطرق متعددة، ليصبح "شريكا من الباطن" -كما يقال في عالم التعهدات- بأخذ دور في الثورة عبر نسج علاقات، أو في بعض الحالات الشاذة ادعاء وجود مثل هذه العلاقات، مع قوى الثورة، والسعي للعب دور سياسي أو لوجستي فيها.

وفي هذا السياق يمكن أن نقول إن قوى المعارضة الحزبية والثقافية قد قدمت في سياق نضالها المديد أساسا للثورة برفعها شعار التغيير الشامل، والدعوة إلى الانتقال بالبلاد إلى نظام ديمقراطي والمعبر عنه بلغة الثورة السورية ب"الشعب يريد إسقاط النظام"، وسعت في إطار تفاعلها مع الثورة إلى دعم خيار سلمية الثورة، الذي تبنته قوى الثورة إلى الآن، مؤكدة على ضرورة المحافظة على سلمية الثورة ورفض العسكرة والتركيز على التظاهر والاعتصام والإضراب والعصيان المدني والعمل من أجل تأمين ضغط عربي إقليمي دولي للحد من بطش النظام بالمتظاهرين وتقييد قدرته على استخدام القوة، كوسائل للمطالبة بالتغيير الديمقراطي.

لكنها لم تنجح إلى الآن في تبني قراءة موحدة للثورة وقواها السياسية والاجتماعية، كما لم تنجح في تبني موقف موحد من النظام وطرق التعاطي معه ومع المواقف العربية والدولية منه ومن الأزمة التي ترتبت على خياره الأمني في مواجهة الشعب، حيث تعددت الرؤى والقراءات وتباينت الخيارات والتكتيكات التي جسدتها المؤتمرات والهيئات والائتلافات التي تشكلت، فهناك من يسعى -لاعتبارات السلامة الذاتية- إلى مهادنة النظام والترويج لفكرة الحوار مع النظام بذريعة الحفاظ على البلد والخوف من حرب أهلية أو حرب طائفية متوهمة أو الخوف من البديل المجهول على مصير الأقليات الدينية والمذهبية والتعاطي مع الأزمة على خلفية هذه الهواجس>

وهناك من يقبل ببقاء النظام بشرط إشراكه في السلطة، لأنه يعكس على نحو ما رؤاه العقائدية والسياسية وحنينه الدفين لماض "جميل" ينتمي إليه ويريد استعادته، وهناك من يسعى للاتفاق مع النظام على حل وسط خوفا من الخطر القادم الذي يجسده -كما يرى- السلفيون الذين "يهيمنون" على قوى الثورة، ويرى أن خطرهم أكبر من خطر النظام، فهو يقبل بقاء النظام معدلا، أو دون تعديل إن لزم الأمر، على وصول قوى سلفية إلى السلطة.

وهذا حدّ من قدرتها على تشكيل ائتلاف واحد أو جبهة سياسية واحدة من جهة، وحدّ من قدرتها على التفاعل العميق مع قوى الثورة الشبابية والمجتمعية من جهة ثانية. علما بأن أي دور يمكن أن تلعبه المعارضة أو تفكر في لعبه مرتبط بحل عقلاني وعملي لهذا التفارق والتفاضل.

"نجاح المعارضة الحزبية والثقافية في تبني قراءة موحدة للحظة السياسية والتخلي عن القراءات الذاتية وعن التقديرات الخاطئة أول عوامل نجاح الثورة السورية

"أما المطلوب لخروج سوريا من المأزق الراهن وتحاشي أخطار وعواقب وخيمة سوف تترتب على استمرار الأزمة وعلى مواصلة النظام لخياره الأمني فجملة عوامل، لعل أولها نجاح المعارضة الحزبية والثقافية في تبني قراءة موحدة للحظة السياسية والتخلي عن القراءات الذاتية وعن التقديرات الخاطئة، مثل التخوف من سيطرة القوى السلفية على الثورة وعلى الحياة الوطنية بعد انتصار الثورة، إذ من المعلوم أن القوى السلفية في سوريا لا تشكل ظاهرة سياسية كبيرة وهي ليست موحدة، فهي مجموعات صغيرة يتجمع عناصرها حول أشخاص/شيوخ، وليس لديها رؤية موحدة وخلافاتها مع بعضها أكبر من خلافاتها مع القوى غير السلفية من جهة، وقد أثر مناخ الثورة وتداعياتها وضروراتها العملية بهذه المجموعات وغير مواقفها من الآخر غير السلفي من جهة ثانية، ناهيك عن ما فعلته الثورة في الواقع الشعبي من نهوض إنساني واجتماعي وما أشاعته في المواطنين من ثقة بالنفس، جعلها لا تعول على غير قواها الذاتية وتتخلى عن مواقفها السابقة في المراهنة على قوى بعينها للثأر لها وتحقيق مطالبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا واضح في تلاشي التعاطف الشعبي مع تنظيم القاعدة وتبني مواقفه وتصوراته في الصراع.

 وتبني -المعارضة- لموقف موحد من الثورة والنظام وإقامة شكل من أشكال التعاون أو الائتلاف أو التنسيق يتيح لها لعب دور شريك قد يبدأ من الباطن ثم يتحول إلى دور شريك حقيقي بعد أن يعطي الشراكة كل استحقاقاتها ويوفر كل مستلزماتها، وخاصة إقناع قوى الثورة، حيث هناك حذر وشك في قوى المعارضة الحزبية والثقافية، بصدقية الخيار وجدية التوجه، وهذا سيعيد تشكيل المعادلة بتغير علاقات أطرافها لتصبح معارضة/ثورة في مواجهة النظام، وكتلة صامتة تنظر جلاء الموقف لتنحاز إلى جانب المنتصر.

 إن نجاح المعارضة الحزبية والثقافية في تحقيق هذا التحول في المعادلة، وتشكيل المجلس الوطني السوري بداية فعلية لهذا التحول، وبدء العمل المباشر في تكثيف الضغوط على النظام ميدانيا وسياسيا ودبلوماسيا لكسب التأييد العربي والدولي وإعلاميا لإخراج قطاعات من الكتلة الصامتة من صمتها وإقناعها بالمشاركة في الثورة على طريق الوصول إلى الهدف المنشود.

 وأما العامل الثاني لإخراج سوريا من المأزق الراهن فمرتبط بالطرف الثاني: السلطة والكيفية التي ردت بها على الحراك الشعبي والكيفية التي سوف تستجيب بها لتحرك المعارضة الحزبية والثقافية/الثورة ومطالبتها للنظام بقبول التغيير الديمقراطي وحقن دماء السوريين من جهة، وتحول الموقف العربي والإقليمي والدولي الذي سيلعب دور القوة المرجحة في حال استخدم إمكاناته في لجم النظام وشل حركته العسكرية بحيث يسمح للحراك الشعبي بالتظاهر الحر مما يسمح بإبراز مدى الرفض الشعبي للنظام، من جهة ثانية.

 "اختار النظام البقاء في السلطة بغض النظر عن الثمن الذي يمكن أن يدفعه المواطنون والبلد، وبتجاهل تام للكوارث الداخلية التي ستنجم عن الرد العسكري الذي اختاره لمواجهة حركة الاحتجاج

"لقد اختار النظام البقاء في السلطة بغض النظر عن الثمن الذي يمكن أن يدفعه المواطنون والبلد، وبتجاهل تام للكوارث الداخلية التي ستنجم عن الرد العسكري الذي اختاره لمواجهة حركة الاحتجاج التي انطلقت منذ حوالي السبعة أشهر، بما فيها تدويل الملف السوري واستدراج تدخل دولي غير معروف النتائج، بالإضافة إلى التعقيد الذي يضفيه تداخل الملف السوري مع ملفات إقليمية: قضية الصراع العربي الإسرائيلي، الدور الإيراني في الإقليم وتداعيات الملف النووي الإيراني، الاستحقاق الأميركي في العراق وأفغانستان، الصراع الدولي على الحصص والأدوار التي تسعى قوى دولية (روسيا والصين بشكل خاص) للعبها في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى مما يقودها لعرقلة تحركات دولية لإدانة النظام السوري على خلفية الربط بين الملفات أو المساومة على ملفات أخرى، الأزمة المالية التي تهدد الاقتصاد الأميركي والعالمي مما يجعل الإدارة الأميركية راغبة عن القيام بخطوات قد تزيد في حدة أزمتها الاقتصادية.

 بالإضافة إلى شبكة العلاقات التي يقيمها النظام السوري مع حركات "جهادية" ومسلحة، وقدرته على توظيفها لخدمة أجندته مما يثير مخاوف دول عربية وإقليمية وحتى دولية، ويجعلها تتبنى خيارات حذرة إزاء الملف السوري وتبطئ في خطواتها إزاء هذا الملف، وهذا يجعل الاستنتاج الأولي: استمرار الثورة واستمرار بطش النظام وعدوانيته، واستمرار المواجهة وامتداد الأزمة لفترة ستطول ما لم يحدث متغير غير مرئي أو تغير فجائي في العوامل التي تحكم معادلة الصراع محليا وعربيا وإقليميا ودوليا.

المصدر:   الجزيرة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نعم للسلاح، نعم للحماية.. مجاهد مأمون ديرانية

المركز الإعلامي

المتظاهرون في سوريا يرفعون منذ أسابيع لوحات تطلب “الحماية الدولية”. لو كنت مكانهم لطلبت الحماية أيضاً، وربما ذهبت في طلبها -من فرط اليأس- كل مذهب، فمَن يتلظّى بالنار لا يبالي من أي طريق تكون النجاة ويكون الفرار.

لو كنت معكم -يا أيها الكرام- لصنعت ذلك، لكني لست معكم، ليتني كنت معكم، أنا أعيش آمناً وأراقب من بعيد. من المُعيب أن أتفلسف وأفكر وأقترح وأنا آمن بعيد، لكنْ يشفع لي أني لم أهرب من المعركة مختاراً، وأني أتمنّى أن أكون اللحظةَ بينكم لأعيش كما تعيشون وأحمل معكم العبء الذي تحملون، ويشفع لي أني عشت معكم كل لحظة من عمر الثورة من أول أيامها إلى اليوم، وأني أشارككم بعقلي ومشاعري، وبدمع العين وخفقات القلب.

أنتم طلبتم الحماية الدولية، وأنا أتفق معكم في الشطر الأول من الطلب وأختلف في الثاني: نعم للحماية، لا للدولية. بالطبع يجب أن تتوفر للثورة السلمية حمايةٌ من أجهزة النظام المجرم، لكني كلما فكرت عدتُ إلى النتيجة نفسها التي فصّلتها في مقالة سابقة (تفريغ الجيش ج1): أشد الأعداء عداءً للثورة وأكثرهم شراسة في محاربتها -الأمن والمخابرات والشبيحة- سينجون من التدخل العسكري الأجنبي لأنهم سيختلطون بالمدنيين ويذوبون وسطهم، فيما ستوجَّه الضربات الرئيسية إلى الجيش السوري ويتعرض للدمار.

ستقولون: إذن ما معنى “نعم للسلاح، نعم للحماية”؟ اسمحوا لي أن أعود مقالتين إلى الوراء، فأنسخ هنا الفقرة الأخيرة من مقالة “تفريغ الجيش ج2 حيث قلت: إن الجيش ليس عدواً أصلياً للأمة والثورة، وكيف يكون كذلك وهو مكوّن في أكثره من أبناء الشعب البسطاء الشرفاء المرغَمين على الخدمة العسكرية بالإكراه لا بالاختيار؟ لذلك أرجو أن تجعلوا تدمير هذا الجيش هو آخر الحلول. وبما أن الأكثرين ينادون بحماية الثورة (ولكنهم لا يتصورون كيف يمكن توفير الحماية للثورة) فليكن شعارنا منذ اليوم: نطالب جيشنا الحر بحماية ثورتنا. أليس جيشُنا أَولى بحمايتنا من جيش غيرنا؟

هذا هو جماع الأمر: يجب أن نطلب الحماية ولكن ليس من الغرب، بل من جيش البلاد الحر. لو قلت هذا الكلام قبل شهرين لما كان له معنى، أما اليوم فإنه يبدو منطقياً تماماً، فكل مَن يتابع أخبار الثورة منكم سيلاحظ أن الانشقاقات صارت أخباراً روتينية لا يخلو منها يوم، وأنها تتزايد من حيث الأعداد والانتشار الجغرافي، وأنها تشمل الجنود والضباط، والخبر الجيد هو أن الجيش الحر يتعامل مع الانشقاقات بكفاءة، فمن المنشقين مَن توفَّر لهم الطرق الآمنة للانسحاب إلى مدنهم وقراهم، ومنهم من يلتحق بكتائب الجيش الحر مباشرة، وهو أمر صار ميسوراً مع انتشار كتائبه وسراياه في أكثر مناطق سوريا.

أعترف بأن قدرة الجيش الحر على حماية الثورة ومناطق الثورة وجمهور الثورة أقل بكثير من قدرة حلف الناتو عندما نقارن القوة والأعداد، ولكن الاعتماد عليه لا على القوة الأجنبية آمَنُ وأضمن على المدى القصير وعلى المدى الطويل؛ فجنودنا سيكونون أحرصَ علينا من الجنود الغرباء، ولن نرى -بإذن الله- إصابات عشوائية وقتلاً للمدنيين بطريق الخطأ (كما حصل في ليبيا)، ولن يتسلى الجنود الغرباء بقنص الأبرياء في أوقات فراغهم (كما فعل الجنود الأميركيون في العراق، وقد رأيتم ذلك في الفيديوهات الكثيرة المسرَّبة). ثم إن جنودنا هم أبناء هذه الأرض ويعرفون تضاريسها وتفاصيلها ويعرفون أعداء الثورة، من مخابرات وشبيحة أو قوات عسكرية موالية (الفرقة الرابعة والقوات الخاصة)، وهؤلاء يختلفون -في موقفنا منهم- عن القوات المسلحة السورية الوطنية (الجيش البري وأسلحة الطيران والبحرية والصواريخ) التي هي “الخزّان الإستراتيجي” للجيش الحر، حيث يُنتظَر أن تتزايد فيها الانشقاقات وأن يكون لها أثر كبير في حسم المعركة مع النظام.

الأمر الآخر هو الكلفة، فلا شك أن تسليح الجيش الحر أرخص بما لا يقاس من التدخل الغربي. ألا تتذكرون كيف بلغت الأرقام المعلَنة لتكلفة الحملة الأميركية على ليبيا قرابة المليار دولار قبل أيام من تسليم القيادة للناتو؟ لقد نشروا حينها معلومات تقول إن صاروخ التوماهوك الواحد كلّف نحو مليون وثلاثمئة ألف دولار! لو قسمنا هذه الكلفة على ألف فسوف نحصل على مبلغ يكفي لشراء قاذفة “آر بي جي” ومعها ثلاثمئة قذيفة، أي أننا نستطيع -بقيمة صاروخ واحد من الصواريخ الأميركية التي سيطلقون منها المئات لو تدخلوا في سوريا عسكرياً- أن نسلّح ألفاً من المقاتلين الأحرار بمخزون من القذائف المضادة للأبنية والدروع تكفي لمدة ثلاثة شهور من الاشتباكات والغارات على عصابات النظام.

* * *

قرأت أن الملازم الشهيد البطل أحمد الخلف كان قناصاً ماهراً، وكان حلمه أن يحصل على قنّاصة ليقنص بها المجرمين الذين يقنصون المتظاهرين. باع ذهب زوجته بسبعين ألف ليرة سورية وكان بحاجة إلى خمسين ألفاً أخرى لشراء القناصة، وانتظر بعد انشقاقه أكثر من أسبوعين فلم تصله ليرة واحدة لأن تنسيقية الرستن -التي طلب المبلغ منها- ما طرقت باباً إلا وأُغلق في وجهها، فذهب إلى درعا واشترى “روسيّة” بما معه من مال، فقاتل الشبّيحة ومجرمي الأمن وقتل منهم قبل انتقاله إلى الرستن لاحقاً، حيث قاتل حتى الشهادة عليه رحمة الله.

أرأيتم ماذا يمكن أن يصنع الرجال الصادقون بالمال القليل؟ فكيف بالكثير وكيف لو توفر لهم السلاح؟ جيشنا الحر يملك الكثير من الرجال والكثير من الأبطال، وفّروا له السلاح وهو سيحمي الثورة بإذن الله.

هنا نصل إلى الفكرة الرئيسية في المقالة وخلاصتها: استمروا في طلب الحماية، ولكن لا تضعوا أملكم في الغرب الذي سيبتلع خيرات سوريا واستقلالَها ثم لن يحسن الدفاع عنكم، بل ضعوه في جيش بلادكم الحر الذي سيتضخم مع الوقت بإذن الله -بالانشقاقات حالياً وبالتطوع في مرحلة لاحقة إذا لزم الأمر- ويصبح قادراً على حماية الثورة في كل أنحاء سوريا، واضغطوا على القوى الخارجية لتقدم الدعم لهذا الجيش الباسل. وفي المقالات الآتية مزيد من التفصيل لهذا الإجمال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

و«دمع لا يُكفكف يا دمشق»!! .. يوسف الكويليت

الرياض السعودية

التاريخ: 24 أكتوبر 2011

 الشعب العربي السوري العظيم صاحب البدايات المنفردة بأولوياتها القومية والتحررية، ومن سجل كبرياء العروبة، والوعي المبكر بالحرية بشروطها الحضارية والثقافية والحقوقية..

هذا الشعب بقواه المختلفة يقف ضد أشرس حكم عرفه التاريخ يتمظهر بالعروبة وتحرير فلسطين وشعارات النضال، بينما عمّق الطائفية ضد الأكثرية الوطنية التي لم تعرف الفروق في نسيجها الاجتماعي على مدى العقود التي سبقت حكم هذه العائلة..

أدبياتنا قالت إن العرب لا يُحكمون إلا بدكتاتور عادل، وهذا النموذج لا يوجد إلا في الخيال، فمرحلة ما بعد الاستعمار كانت توجد البرلمانات والمحاكم المستقلة، والأحزاب الوطنية ونقابات العمال، التي قضى عليها أصحاب النياشين والقبعات ممن طبقوا نظام الحكم العسكري المنغلق ثقافياً ووعياً، وقد كانت سورية مضرب مثل في اتجاهها السياسي ونظامها الاجتماعي، حتى إنها ظلت القاعدة الصناعية والتجارية التي تغذي الشارع العربي بسلعها الغذائية والصناعية، وحرية اقتصادها المتطور الذي نافس الدول المتقدمة..

الثورة الراهنة لم تأت بإيحاء من دولة أجنبية رغم إصرار النظام على تأكيد هذه التهمة، فصار الشبيحة ورجال التعذيب في أجهزة الأمن والجيش شهداء، والشعب متآمر يتحرك بضمير غيره، وهي تهمة طالما ردّدتها أنظمة سقطت بنفس الفعل، فالمظالم التي تستخدمها الدكتاتوريات أياً كان نموذجها، هي من أعطى الحافز لأنْ يذهب الشعب إلى التضحيات الكبرى، وينفجر لأخذ إرادة التغيير بنفسه، وهذا ما شرّف الثورة السورية بأن تكون بلا رافد حتى من الجامعة العربية التي حاولت أن تلعب الدور الخاسر بوساطتها غير المقبولة من المعارضة السورية..

من ينتظر الفزعة العربية عليه أن يفتش في آثار أوضاعهم لأكثر من نصف قرن، ومن يتذكر الحصار العسكري لدكتاتور العراق يفهم كيف دفع الشعب الثمن ثم الاحتلال، وسورية بلا غطاء دولي رغم ما تملكه من مبررات حماية المدنيين التي هي في قواميس من يعالجون السياسة، ويقرون العقوبات الدولية اسم بلا مسمى، إلا عندما تكون الأهداف تركض خلف المغانم التي تشكلها الثروات الوطنية، وسورية لم يطالب شعبها بتدخل عسكري وإنما باتخاذ وسائل تضييق على النظام وهي متاحة عربياً ودولياً، ومع أن الصين وروسيا تقفان مع السلطة ضد الشعب السوري، فالتأثير لا يأتي من دعمهما السياسي والمعنوي، وإنما بدعم النظام بالأسلحة وتسويق النفط، وربما ما يجري خلف الكواليس أخطر من ذلك، لكن الشعب العظيم يصر على الانتصار، وهي ليست مسألة أماني، وإنما هي فرضيات عاشتها الدول والأمم، وأقربها ما جرى في الساحة العربية الراهنة..

نغمة أن كلّ من يفضح ممارسات الحكم هو عميل ممنهج لم يعد يصدقها أصحاب أنصاف العقول بانتشار وعي جديد ومختلف تسيّسه رغبة الحرية، وليس اليمين واليسار وغباء الشعارات، والاستقواء بنظم دولية وإقليمية ستبقى عاجزة عن قتل الحرية في روح ونفس شعب ثائر..

من حوّل المدارس والملاعب إلى سجون فهو يحيط نفسه بسجن أكبر، والوعود بالإصلاحات تجردت من قيمتها لأن الدولة تريدها برغبتها ومواصفاتها، وهذا ما رفضه الشارع، والعجز لا يأتي من النوايا بل من صدقها الذي كشف اللعبة وعرّاها، وحتى معارضة الداخل التي ملكت القدرة على الرفض، جاءت من التجربة التي تعيشها لأن الثقة معدومة بالنظام الذي دخل مآزق أخرى أهمها انشقاقات الجيش وبقية الأحرار عن سالبي حرياتهم وكرامتهم..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدولة المدنية ليست اكتشافاً إنها دستور سوريا الذي نسيناه! .. محمد م. الارناؤوط()

المستقبل - الاثنين 24 تشرين الأول 2011

العدد 4154 - رأي و فكر - صفحة 19

في صيف 2001، حين كان لا يزال الحديث عن "ربيع دمشق"، تلقيت دعوة من مركز الدراسات الحضارية في دمشق لإلقاء محاضرة هناك فانتهزت هذه الفرصة لأتحدث عن الذكرى الثمانين لمشروع الدولة العربية الذي سقط في ميسلون 1920، وذلك بمناسبة صدور كتاب كان قد نُشر لي حديثاً في عمان ولم يصل دمشق، ألا وهو "دراسات حول الحكومة/ الدولة العربية في دمشق 1918-1920".

كانت تلك فترة مخاض جديد في المنتديات الجديدة بعد ثلاثة عقود من الحكم الشمولي المغلف بدستور 1973 الذي أعطى صلاحيات رئاسية لم يسبق لها مثيل لحافظ الأسد الذي تولى الحكم بعد انقلاب عسكري على قيادة الحزب في ما سمي "الحركة التصحيحية". وقد اخترت هذه المناسبة لأذكّر السوريين بأي دستور كان لهم في 1920 وأين أصبحنا بعد ثمانين سنة من ذلك الدستور.

وكان الأمير فيصل قد أعلن في بلاغه الأول بعد دخوله دمشق على رأس قوات الثورة العربية في 5/10/1918 عن تشكيل "حكومة دستورية" في البلاد، وحين افتتح "المؤتمر السوري" الذي كان بمثابة برلمان في 7/5/1919 وسّع من مهامه لتشمل "سنّ القانون الأساسي ليكون دستور سوريا المستقبل". وبعد إعلان الاستقلال في 8/3/1920 ألّف "المؤتمر السوري" لجنة لوضع الدستور برئاسة هاشم الأتاسي التي استغرق عملها عدة أسابيع درست فيه دساتير الدول الأوروبية، وقدمت مشروع الدستور السوري الأول للمؤتمر الذي أخذ بمناقشته والمصادقة عليه مادة مادة منذ مطلع تموز 1920.

وقد استثارت المادة الأولى من الدستور التي تتعلق بنظام الحكم مناقشات النواب في البرلمان عدة أيام الى أن أقرت في 12 تموز 1920، حيث تضمنت ما يلي "حكومة المملكة السورية العربية حكومة مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين ملكها الإسلام". ويلاحظ هنا أن هذا النص الدستوري كان الأول من نوعه في البلاد العربية سواء في ما يتعلق بنطام الحكم (حكومة مدنية) أو العلاقة بين الدين والدولة التي اقتصرت على ذكر دين رأس الدولة. ومن البنود التي أثارت نقاشاً حامياً البند(10) الذي انتصر لحق المرأة في الانتخاب والترشيح للمجلس النيابي وأُقرّ في 15 تموز 1920.

وللأسف فإن النواب كانوا يناقشون ويقرّون مواد الدستور واحدة بعد الأخرى مع تهديد الجنرال غورو ومن ثم تقدم القوات الفرنسية الى ضواحي دمشق لتنهي في ميسلون صباح 24 تموز هذا الحلم السوري المبكر بالاستقلال والحكم الدستوري. ومع ذلك فإن المواد التي أقرت حتى ذلك الحين من مشروع الدستور الأول الذي وصل الينا، توضح أن فكرة "الدولة المدنية" لم تكن غريبة عن السوريين في 1920، بل إن المناقشات التي دارت حولها وكانت تنقلها الصحافة يوماً بيوم تدل على أن أجداد السوريين الحاليين الذين يطالبون بالحرية والديموقراطية كانوا قد وضعوا الأسس لأحفادهم، ولكن الحكم الشمولي الذي دام عدة عقود أنسى الناس دستور 1920 وغيره. فقد ولد جيل كامل في سوريا بعد 1970 يمثل ثلث السكان في سوريا لا يعرف شيئا سوى دستور 1973 الذي أعطى صفة دستورية للحكم الشمولي.

ومن عجائب الصدف أن أحد المستمعين لمحاضرتي عن دستور 1920 عرّفني عن نفسه في نهاية المحاضرة واعترف لي أنه كان أحد أفراد المجموعة الضيقة التي جُمعت في مطلع 1972 لتضع للرئيس الجديد حافظ الأسد أقصى ما يمكن من صلاحيات رئاسية لم تجتمع لغيره، وذلك باسم الانتقال من "حكم الدستور المؤقت" الى "حكم الدستور الدائم". فقد أصبح وضع "الدستور الدائم" إنجازاً في حد ذاته، ولم يعدّل إلا في 10 حزيران/ يونيو 2000 ليسمح للابن بوراثة الوالد في أول تحول من نوعه نحو الجمهورية الوراثية في العالم العربي.

المطلوب من السوريين أن يعتزوا بالسبق لتبني نوابهم "الحكومة المدنية" في دستور 1920 وألا يتعاملوا مع "الدولة المدنية" في 2011 باعتبارها تنازلاً من بعضهم لحساب بعضهم الآخر في المعارضة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مراحل السلمية في الثورة السورية (السلمية الواقعية أو المنضبطة ) - 2 .. شامي متحضر( د. فارس )

لقد أسست مرحلة السلمية العفوية لمرحلة نشأت فوقها يمكن أن نطلق عليها السلمية الواقعية, وهي كانت كذلك من خلال التنظيم والحماية اللتان بدأتا تصبحان السمة الأساسية بحكم ضرورة المرحلة المفروضة من قبل السلطة, أن هذه المرحلة تكون في بدايتها فاعلة ومفيدة لكنها تصبح مع مرور الزمن خطيرة جداً ,كون باب الحماية الذي بدأ بالأساس لتأمين المظاهرات السلمية وكقوة ردع تجاه الشبيحة والأمن إن هم أوغلوا في القتل, وذلك لإرباك صفوفهم ومساعدة المتظاهرين السلميين على الفرار, ولهذه الحماية أوجه منها:

_ الحواجز والمتاريس التي كانت تغلق الشوارع في وجه عصابات الشبيحة.

- تعطيل الآليات التي تحمل عناصر القتل من خلال وضع المسامير ثلاثية الرؤوس في طريقها.

_ وفي بعض الأحيان يتم استخدام السلاح كرد فعل تجاه القتل المفرط في صفوف المتظاهرين السلميين والممارس من جانب أذرع الموت التابعة للسلطة.

ظهور السلاح في هذه المرحلة يعتبر مصدر الخطورة الحقيقية على المسار اللاعنفي للثورة فهو - استخدام السلاح - يبدأ بشكل بسيط ألا انه وفي ظل غياب هيكلية سابقة التنظيم لدى الثوار تمتلك الخبرة في كبح جنون استعماله, وعدم الوصول إلى حالة فوضى استخدام السلاح التي ستحرق الأخضر واليابس أن هي حصلت -لا قدر الله- ونكون بذلك قد منحنى السلطة الفرصة التي طالم بذلت وسعها لكي تتحقق فتكون مبرراً لتدمير البلد بمن فيه.

هذه المرحلة لاتزال مستمرة وهي الآن مصدر خطر حقيقي على سلمية الثورة وعلى الثورة نفسها بل وعلى البلد ككل لعدة أسباب:

1- تكرار حالات الاختطاف التي تطال الفتيات, وما يلحق بذلك من ممارسات لإنسانية, تدفع بالأهالي إلى الانتقام الذي قد يأخذ شكلاً طائفياً أن لم يحصل الآن فلن تأمن عدم حصوله في المستقبل.

2- قيام السلطة بتسلح أطراف بعينها في مناطق شديدة الحساسية, مما يؤكل سعيها لأثارت الإنتمات الطائفية, وقد ظهر ذلك جلياً منذ أول تصريح لمستشارة الرئيس بعد اندلاع الثورة, عندما هددت بالحرب الطائفية.

3- المواجهات التي يخوضها عناصر من الجيش المنشق مع قوات السلطة في معركة غير متكافئة, سواء أكان ذلك من جانب العدد أو العتاد.

4- النجاح النسبي الذي حققته السلطة في تقليص عدد المتظاهرين في كل من حماة ودير الزور واللتان كانتا تحشدان ما يقارب المليون في مظاهرات الجمع, وذلك بعد العملية العسكرية الشرسة التي طالت كل منهما.

5- عدم التمكن من إلحاق حلب بركاب الثورة رغم كل المحاولات التي جهدت لاستنهاض همم أهل حلب, وقصور المظاهرات في مدينة دمشق على عدد محدود جدا من الأحياء.

لذا يطلب الآن منا أن ننتقل إلى المرحلة التالية وهي مرحلة السلمية الفاعلة:

يتبع ... في المقال القادم مرحلة السلمية الفاعلة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يا دعاة السلمية: انظروا ماذا فعلت سلميّتكم .. مجاهد مأمون ديرانية

الذين اخترعوا هذا التعبير دأبوا على استعماله تعليقاً على كل خبر مؤلم، كأخبار التعذيب والقتل والاغتصاب وأمثالها. وهذا السياق مضلّل لأنه يعتمد على “مفهوم المخالفة” ليوحي بأن الثورة المسلحة لا تتسبب في أيّ قتل وتعذيب واغتصاب، فهل هذا الإيحاء صحيح؟

يجب أن يدرك الناس أن السبب في المعاناة هو الثورة ذاتها وليس شكلها، فلو رضي السوريون بأن يستمروا في الحياة عبيداً للأسد وآل الأسد وعصابة الأسد هم وأولادُهم وأولادُ أولادهم لما قُتلوا وجُرحوا وعُذّبوا واغتُصبوا، أمَا وقد قرروا أن يكسروا تلك الحلقة الشريرة، حلقة الاستعباد والاستبداد، وأن يولَد لهم في الحرية والكرامة أولاد، فإنهم قد وافقوا -ضمناً- على دفع الثمن ولو غلا ولو زاد.

المنطق إذن هو المقارنة بين حجم الإصابات والآلام التي سيتحملها الشعب السوري في حالة الثورة السلمية وتلك التي سيتحملها في حالة الثورة المسلحة، وليس تحميل أيّ من الطريقين المسؤوليةَ عن تلك الإصابات والآلام حَصْراً وكأنّ الطريقَ الآخر لا آلامَ فيه ولا إصابات، وهذا الأمر يستحق نقاشاً واعياً عميقاً منصفاً ليس هنا محله.

حتى الآن لم أسمع أن أحداً سجل حقوق المُلكية لاستعمال التعبير السابق، فهو إذن تعبير مباح يستطيع من شاء أن يستعمله كيف يشاء، ومن ثَمّ فإن من حقي أن أستعمله بطريقتي كما استعمله غيري بطريقته، فاسمحوا لي أن أتحدث عمّا فعلته سلميّتكم يا دعاة السلمية، وهذا هو باختصار:

(1) أخرجتم إلى شوارع سوريا ملايين الشرفاء ليطالبوا بحرّيتهم غيرَ هيّابين موتاً ولا اعتقالاً ولا تعذيباً، من رجال ونساء وصغار وكبار في مدن ونواحي سوريا كلها.

(2) بدأتم بثلّة صغيرة من “المحتجّين” وانتهيتم بأمّة كاملة من “الثائرين”، ورفعتم سقف مطالب الشارع من عزل محافظ مدينة صغيرة إلى إعدام رئيس البلاد.

(3) حررتم مناطق واسعة من سوريا من سيطرة النظام جزئياً أو كلياً، لفترات قصيرة أو طويلة، وبالمحصّلة جعلتم النظام عاجزاً عن استعادة كامل سيطرته على كل المناطق في كل الأوقات.

(4) أدخلتم في قلوب جبابرة النظام الرعبَ وحَرَمتم مجرميه -صغارهم وكبارهم على السواء- من هناءة النوم في الليل وراحة البال في النهار، وصيّرتم حياتَهم قلقاً متصلاً من غد مظلم مجهول.

(5) بدأتم بتصديع الجيش السوري الذي أنفق النظام أربعين سنة في بناء ولائه المطلق، حتى صارت الانشقاقات وحوادث التمرد في صفوف العسكريين أخباراً عادية بِتنا نسمعها كل يوم.

(6) نقلتم سوريا إلى واجهة أخبار العالم، فصارت مظاهراتكم في صدر صفحات الجرائد وعلى رأس نشرات الفضائيات في شرق العالم وغربه.

(7) دخلت ثورتكم إلى المجتمع الدولي من أوسع أبوابه، فوصلت إلى الأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن، وصارت الشغلَ الشاغل للمؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية والعالمية.

(8) حركتم بضحاياكم وشهدائكم ضمير الأمة الإسلامية، حتى صارت “القضية السورية” في هذه الأيام قضيةً محورية من أهم قضايا الأمة وصارت شغلاً شاغلاً للمسلمين في كل البلاد.

(9) فضحتم كذبة النظام السوري الكبرى التي أنفق عشرات السنين في ترويجها، فانقلب عليه الملايين من العرب والمسلمين الذين خدعَتهم في الماضي شعاراتُه الكاذبة عن الممانعة والصمود.

(10) القناع سقط بفضلكم عن وجه حلفاء النظام في لبنان الذين نسبوا حزبهم لله كذباً زوراً، وأحبطتم في أشهر قليلة خطةً أنفقت إيران في تنفيذها -لمدّ نفوذها في المشرق الإسلامي- ثلثَ قرن ومئات الملايين من الدولارات.

* * *

ما سبق ذكره قليلٌ من كثير مما صنعته الثورة السلمية حتى الآن، فيا دعاةَ السلمية: ارفعوا رؤوسكم عالياً وتيهوا فخراً على كل ثوار العالم؛ لقد صنعتم بسلميّتكم أعظمَ الثورات وأعجب الثورات في هذا الزمان. يا أيها الأحرار: احفظوا عني هذه الجملةَ فإني أحاججكم بها أو تحاجّونّي في الغد القريب: ثورتكم السلمية في وجه طاغية الشام الأكبر ونظامه الفاجر ليست لها سابقة وقد لا تكون لها لاحقة، فلا تعجبوا إن رأيتموها غداً مادة تُدْرَس في معاهد الدراسات وتُدرَّس في كبريات الجامعات.

على أنني قلت من قبل وسأكرر مرة ومرات: السلمية قرار تفرضه المصلحة، فالثورة اختارتها لأنها أقل كلفةً من المواجهة المسلحة، ولو ثبت العكس لتركتها وانتقلت إلى العمل المسلح.

حتى الآن يبدو أن السلمية أفضل وأقل كلفة، فأرجوكم حافظوا عليها حتى يثبت العكس. لكن لا تنسوا أيضاً أن السلمية المحمودة تختلف عن الاستسلام البغيض، وأن من حق الثورة أن تدافع عن نفسها وأن تطلب الحماية من عدوها السفاح. تحدثت عن هذه المعاني في مقالة سابقة كتبتها قبل شهر (حماية الثورة وحق الدفاع عن النفس)، ولكنها ما تزال حديثَ الساعة ومحلّ الخلاف الأكبر بين أطراف الثورة، فاسمحوا لي أن أناقشها مرة أخرى في المقالة التالية والتي بعدها، مع اعتذاري المسبق عن بعض التكرار الذي يفرضه السياق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاحتمال الوحيد في مسار ثورة شعب سورية .. تعدّد الاحتمالات لدى القوى الاخرى وليس لدى الشعب الثائر .. نبيل شبيب

الذين يتكلمون عن طريق مسدودة وصلت إليها الثورة الشعبية في سورية ما بين تضحيات بطولية وقمع همجي.. ينطلقون من روح اليأس والتيئيس التي سادت وانتشرت قبل ربيع الثورات العربية، أو يتعمّدون سدّ الأبواب ليفتحوا في النهاية بابا مرفوضا لدى الشعب الثائر: باب التدخل العسكري الخارجي.

إنجازات الثورة تصنع المستقبل

ليست ثورة شعب سورية ثورة التضحيات البطولية المتواصلة فقط، ولا القمع الإرهابي من جانب بقايا ما كان يسمّى نظاما هو طاقة قمع لا ينتهي، وليست حتمية انتصار الثورة مجرّد أمل تصنعه الثقة المطلقة بالله ووعد المظلوم بالنصرة إذا انتصر لنفسه.. وإن كان هذا الأمل منبع قوّة لا تنضب (يا ألله.. مالْنا غيرك يا ألله.. كما تهتف الحناجر يوميا) فإلى جانب ذلك حققت الثورة خلال سبعة شهور إنجازات كبرى، ووصل النظام القمعي إلى ضعف شديد، ممّا يجعل توقعات انتصار الحق على الباطل توقعات موضوعية بمختلف المعايير.

نعدد إذن الإنجازات.. ليس "دفاعا" عن مسار الثورة، ولا "ردّا" على إنكارها يأسا وتيئيسا، بل لتثبيت معطيات موضوعية لاستشراف معالم المرحلة التالية، فتراكم المنجزات عامل حاسم في تحديد "اتجاهها"، وبالتالي في تحقيق المزيد نحو الهدف.

من هذه الإنجازات بإيجاز:

1- كسر حاجز الخوف.. لدى الإنسان الفرد، بدءا بالأطفال انتهاء ببعض من كان جزءا من الآلة التي يعتمد عليها الاستبداد في وجوده واستمراره، وهذا ما ينعكس في ثبات الثائرين (ومن ذلك في حمص التي أصبحت رمزا تاريخيا منذ الآن) وازدياد أعدادهم، وانتشار الثورة جغرافيا، وتتابع التصدّع في بنية الهيمنة الإرهابية والاستخباراتية التي أقيمت عبر نصف قرن على الأجهزة.. العسكرية والأمنية والإدارية.

2- الارتقاء بفعاليات الثورة.. عبر إبداع الأساليب والأشكال التطبيقية للتظاهر الشعبي، وابتكار الآليات والوسائل العملية، ليس في نوعية المظاهرات فقط (كالأمسيات الليلية والمظاهرات الطيّارة والمواعيد التمويهية) بل ما شمل مؤخرا مظاهر جديدة للاحتجاج والمقاومة (كفعاليات روزنامة الثورة) للوصول إلى أحياء سكنية، ومناطق تجارية، وفئات شعبية، بقيت خلال الشهور الأولى من الثورة إمّا محاصرة أو معزولة أو متردّدة، ولتفعيلها في مسار الثورة.

3- تحطيم أسوار التعتيم الإعلامي.. والوصول بالحدث بتفاصيله إلى مختلف أنحاء العالم، وتطوير ما بات يوصف بالإعلام الشعبي الشبكي مضمونا وتقنية وتوزيعا، بل الوصول به إلى مستوى البث المباشر عبر بعض الفضائيات، واقترن بذلك انهيار مصداقية كل تضليل إعلامي أتقنته الوسائل التابعة للاستبداد القمعي، انهيارا كاملا.

4- نشأة شبكة تعاطف وتضامن ودعم.. على نطاق واسع، من أبرز ميزاتها الاعتماد على جهود أفراد ومنظمات أهلية ومدنية في كل مكان من العالم (مثال ذلك ساعة كتابة هذه السطور: فعاليات دعم الثورة في المعرض الدولي للكتاب في فرانكفورت بألمانيا) ممّا حوّل قضية سورية من ثورة شعبية محلية في قطر من الأقطار، إلى قضية إنسانية مشتركة، وضاعف الضغوط على مستوى الرأي العام العالمي ليساهم في فتح أبواب دعم الثورة رسميا ايضا.

5- استعادة مقوّمات الوحدة الوطنية لشعب سورية.. رغم جميع المحاولات الاستبدادية المضادّة، فظهرت تلك المقومات تدريجيا، عبر اهتراء المفعول العتيق لفزّاعة التطرّف (مندسون.. سلفيون.. إمارات إسلامية.. إلى آخره) وعبر إفشال محاولة الوقيعة "القومية" فثبت المسار السوري بأجنحته العربية والكردية وغيرها، ثمّ تجميد مفعول ما صنعه الاستبداد من "أبعاد طائفية" اعتمادا على قسم من المواطنين العلويين، وجميع ذلك يشهد جولات متتالية، ليس بين فئات الشعب المتعددة -كما أراد ويريد الاستبداد- بل بين جبهة شعبية ثائرة من مختلف الأطياف، وجبهة الاستبداد واستماتته في اختلاق مسبّبات الفتن، ولا يزال الاستبداد يخسر هذه الجولات تباعا أيضا.

6- تصعيد ضغوط الثوار داخل سورية.. عبر فعالياتهم الميدانية، وتضحياتهم الجسيمة، وجرأتهم البطولية، ومصابرتهم المذهلة، لتترك تلك الضغوط أثرها المباشر، على أطياف المعارضة التقليدية، بأقطابها وتنظيماتها، داخل الحدود وخارجها، فظهرت البذرة "الأولى" للتلاقي على كليات كبرى، وتأجيل الاختلافات الأخرى، وتمثلت في المجلس الوطني السوري، وحصوله على تأييد شعبي مشروط بمتابعة الطريق خلف الثورة، دون تمزيق نسيجها الشعبي، وبالتزام مسارها وإنجازاتها، دون الانزلاق إلى مسارات أخرى من صنع مساومات سياسية، ولا ريب في ضرورة توسيع نطاق المجلس، وزيادة قوته، لدفع المعارضة داخل الحدود، إلى التخلي عن استعدادها لحوارٍ مرفوض شعبيا مع الاستبداد القمعي.. عدوّ الشعب، ويعني مجموع ذلك أنّ الثورة حققت أوّل إنجاز سياسي وطني كبير، إذ أصبحت الشرعية الثورية تحدّد وجهة السير السياسية نحو مستقبل سورية.

7- اختراق النظرة القطرية الضيقة.. بعد أن كادت النظرة القطرية الموروثة من حقبة الاستبداد، تهيمن على مسارات ثورات الربيع العربي المشترك، فأمكن العبور -رغم ظروف داخلية شديدة الوطأة- إلى نظرة عربية أشمل، بالتوافق مع ثوار اليمن على "جمعة نصرة شامنا ويمننا"، واستمرت روح تلاقي الثورتين حتى الآن، ويضاف إلى ذلك التحرّك الشعبي والنيابي المبكّر في الكويت، ومسارعة المجلس الثوري الانتقالي في ليبيا ليكون أوّل من يعترف بالمجلس الوطني السوري (وأضيف إلى ذلك بعد كتابة هذه السطور تأثير السقوط الأخير لرؤوس الطغيان في ليبيا على الثورة داخل سورية)، وصدور الاعتراف أيضا من جانب غالبية أحزاب ثورة مصر (رغم ظروف المرحلة الانتقالية بعد تحقيق أوّل أهداف الثورة) ناهيك عن تأييد شعبي يتجلّى في أكثر من بلد كمصر والأردن ولبنان وغيرها.

8- اهتراء أساطير دعم المقاومة والممانعة.. وما زال بعض المخلصين لقضية فلسطين، ورفض الهيمنة الأجنبية الدولية وعدوانيتها العسكرية، يتعلّقون بنسيج "وهم كبير" صنعه الاستبداد الفاسد في سورية على مدى عقود مضت، فلا يمكن تقويضه بين ليلة وضحاها، ولكن تبيّن -بفضل ثورات عربية أخرى كما في مصر مثلا- أنّ الاعتماد الأعظم في نهج دعم المقاومة للتحرير لا التصفية، وفي نهج مواجهة الهيمنة الأجنبية، هو على الإرادة الشعبية المتحررة.. وليس على قمع استبدادي يغتال الإمكانات والطاقات الذاتية ويمنع تعبئتها، بل تركت ثورات الربيع العربي أثرها في "تحرير الإرادة الشعبية" في دول الهيمنة الأجنبية نفسها، كما تؤكّد الأحداث في أسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية وسواها..

9- تفعيل سياسات دولية متردّدة.. فالموقف الدولي الراهن على علاّته- جزء من إنجازات الثورة، وليس مجهولا أنّ مواقف التأييد، أو المقاطعة، أو الضغوط، أو القرارات والإجراءات العملية، جميع ذلك لا تتخذه القوى الدولية إلا وفق موازينها القائمة على المصالح المادية من جهة، والمآرب الذاتية الأمنية والاقتصادية والسياسية وغيرها من جهة أخرى، وهذا ما ينعكس في "المماطلة"، بينما بات مسار الثورة في سورية مصدرا فاعلا من مصادر التأثير على توجيه ردود الفعل الدولية، وزيادة الحصار على القوى المماطلة، وحتى على القوى التي تريد ربط كلّ دعم للثورة بشرط من الشروط وفق منظورها الذاتي.

الدعم مشروط بشروط الثورة

تجاوزت الثورة الشعبية البطولية في سورية مرحلة اليأس والتيئيس من أن يصنع الشعب بنفسه ثورته، ويحقق أهدافها وفق رؤيته، ويمضي بها في الاتجاه الذي يحدّده، وهذه نقطة حاسمة لرؤية مسار ربيع الثورات العربية، فانطلاقته المفاجئة في تونس ومصر، حققت الإنجاز الأول سريعا وما زالت الثورة تخوض الجولات التالية لتحقيق إنجازات أخرى، ثم كانت محاولة الانحراف الفوري بثورة شعب ليبيا وثورة شعب اليمن واضحة -بعد خروج قوى إقليمية ودولية من مفعول المفاجأة الأولى- بينما انتزعت ثورة شعب سورية مواقف التفاعل الخارجي معها انتزاعا، وهو ما يفسّر تلك المماطلة إلى درجة لا تُصدّق عند مقارنة بعض المواقف الرسمية والإجراءات المحدودة، مع "مشهد الثورة" العلني بشقيه: بطولات وتضحيات مذهلة.. وقمع إجرامي همجي لا يكاد يمكن تصديقه.

إنّ كل خطوة جديدة مهما كانت محدودة، على المستوى العربي، والإقليمي، والدولي، هي خطوة تفرضها الثورة، فتمنع تلقائيا أن تكون نتيجة "مساومات سياسية" ما على مسار الثورة وأهدافها.

لهذا أصبح القول بالوصول إلى طريق مسدودة، يوظف للضغط على "إرادة شعبية ثائرة" لتقبل بقرارات تصنعها المساومات، لا سيّما ما يتعلّق بتدخّل عسكري أجنبي، فالمعادلة في هذه المساومات هي:

1- جوهر المطالبة بهذا التدخل هو القول بعجز الثورة عن تحقيق أهدافها دونه، أي ضرورة القبول بشروط القوى التي تمارسه..

2- جوهر الرفض الشعبي لهذا التدخل هو رفض الثوار لمآرب التدخل على حساب أهداف الثورة..

البديل المطروح واضح قاطع، ويشهد على وعي القيادات الشبابية للفعاليات الميدانية داخل الحدود:

- من يريد دعم الثورة من قوى عربية وإقليمية ودولية فالمطلوب "حماية المدنيين" وليس "التدخل العسكري"..

وحماية المدنيين تعني "الضغوط" عبر قرارات إقليمية ودولية حول لجان التحقيق، ورقابة دولية، وفتح الحدود أمام وسائل الإعلام دون شروط، وتأمين الإغاثة، والوصول إلى قلب المعتقلات الرسمية وغير الرسمية (كالمدارس والمؤسسات..) فضلا عن المطالبة بوقف العدوان (العسكري والقمعي باسم أمني) على الشعب الثائر، وعلاوة على قطع العلاقات الديبلوماسية، والتجارية، والمالية، ليس بصورة تدريجية بل حاسمة وشاملة لكلّ ما يعتمد الاستبداد الحاكم عليه لتعبئة قوّته القمعية ضد الشعب الثائر.

أما الحديث عن حظر جوي، فلا ينبغي للمعارضة السياسية أن تنزلق إلى القبول به، مع اتخاذه ذريعة لضرب سلاح الجو والمنشآت الدفاعية الجوية وما شابه ذلك، كما قيل مع الشروع بفرض حظر جوي في ليبيا، فجميع ما في سورية ملك للشعب السوري، وللغالبية الكبرى من قواته العسكرية، فهذه تحمل وصف الجيش الوطني وحماة الديار، وبدأت تتحرّر ممّن يتسلّط عليها من ميليشيات صُنعت لاعتقال الجيش والشعب معا على مدى نصف قرن مضى.

الدعم الخارجي واجب دون أن يدمّر الطاقات السورية، والثورة الشعبية منتصرة عاجلا لا آجلا، فمن يدعم يفتح باب "علاقات مستقبلية قويمة" ومن لا يدعم مماطلا، أو يعرقل متواطئا، فسوف يقرر شعب سورية بعد تحرير إرادته وانتصاره، كيف ستكون طبيعة العلاقات المستقبلية معه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وحدها الثورة السورية ليست مباركة! .. سعيد شهاب

عكاظ

23-10-2011

هلل الإيرانيون لاندلاع الثورة الشعبية في تونس على اعتبار أنها انتصار لإرادة الشعب وتوجه مبارك للتحرر حسب المفهوم الإيراني، ثم كالوا المديح للثورة المصرية ووصفوها بالانعتاق التاريخي من ربقة التبعية للغرب وبالثورة المشروعة على النظام التعسفي الذي جثم طويلا على صدور المصريين ثم أثنوا على ما تلاها من ثورات عربية أخرى واجتهد إعلامهم في ربط ما يحدث في العالم العربي بتأثير الثورة الإيرانية ومدها المزعوم، لكنهم توقفوا حين تعلق الأمر بالثورة الشعبية ضد النظام الذي تربطهم به الأحلاف في سورية ولم يروها بذات العين رغم تشابه أو تطابق الظروف والمعطيات بل أدانوا خروج المواطنين العزل في تظاهرات سلمية تطالب بتغيير النظام الذي يحكمهم رغم إرادتهم، ولم يعتبر الإيرانيون ذلك ثورة مشروعة مع كل ما لها من مقومات الثورة الشعبية، إنما بادروا بوصفها مؤامرة خارجية تسعى لتقويض أسس الدولة الوحيدة التي ما زالت تقف في وجه المخططات الأمريكية الإسرائيلية وتحمل لواء المقاومة والتحرير مع أننا لم نشاهد مقاومة حقيقية ولا تحريراً خلال خمسين سنة من عمر النظام حتى أن الجبهة السورية ظلت أهدأ الجبهات فلم تشهد إطلاق رصاصة واحدة منذ حرب أكتوبر 73، راح النظام الإيراني يكيل التهم للدول التي تململت من تزايد عمليات العنف والقتل الممنهج وحصار واقتحام المدن واتهمها بالسعي لخدمة المخططات الصهيونية، سالت أنهار الدماء في شوارع المدن والقرى السورية وتساقط آلاف القتلى والجرحى بنيران أمن النظام وعصابات الشبيحة وتتابعت قوافل الشهداء وانتهكت حرمات البيوت والمساجد، ومع ذلك لم ير الإيرانيون سوى عصابات المخربين والإرهابيين الذين لم ترصد وجودهم أجهزة استخبارات العالم ولا تقارير وكاميرات الإعلام الفضائي، وحده النظام السوري وحلفاؤه شاهدوا تلك العصابات وتحققوا من وجودها في استغباء واضح لشعوبهم وللمجتمع الدولي الذي سئم مراوغتهم وتضليلهم، وحقيقة الأمر أن إيران تحاول الإبقاء على النظام السوري الآيل للسقوط بكل وسيلة ممكنة فترفد خزينته بالمال رغم حاجتها وعوزها وتمده بالخبراء وبالمعدات العسكرية التي تمكنه من قمع شعبه للحفاظ على بذور الطائفية المذهبية التي ظلت تغرسها في الأرض السورية على مدى عقود وتتشبث بالحلف المشبوه الذي أدارت به سورية ظهرها لمحيطها وعمقها العربي وشرعت الأبواب لقوافل الإمدادات التي طالما أشعلت الفتن وغذت النزاعات الطائفية في لبنان وفي غيره من بلاد العرب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تحدّيات المعارضة السورية بعد تأسيس المجلس الوطني .. غازي دحمان - دمشق

المستقبل

23-10-2011

يثير إعلان تأسيس "المجلس الوطني السوري" المعارض في إسطنبول، إهتمام الكثير من السوريين، ليس بصفتهم المعارضة لنظام الحكم أو دليلاً على رغبتهم بظهور بديل سياسي له، ولكن تعبيراً عن حاجة السوريين إلى نمط جديد من التعاطي السياسي. فلأول مرة يظهر جسم سياسي معارض وحقيقي يمثل سوريين ويعبر عن رغبات شرائح منهم، وثمة أجيال، ومنها الجيل المنتفض، لم تعرف عن السياسة إلا النظام الحاكم وأجهزته، ولم تتح لها فرصة للإطلاع على فكر سياسي أخر بإستثناء تلقينيات البعث وحب القائد الذي يضمر بالبديهة الوطنية والعروبة، وكذا الممانعة والنضال.

في الستة الأشهر الأولى من عمر الثورة في سوريا، لم تكن المعارضة السورية، المنظمة والمؤطرة، سوى حالة إفتراضية إستلزمتها ضرورات نظرية للتمكن من مقاربة الحدث السياسي الحاصل في البلاد بوصفه حراكاً او حركة إحتجاج أو إنتفاضة وثورة، ولهذا فإن الأمر إستدعى إفتراض طرف اخر مقابل للسلطة، وعلى أساسه جرى إفتراض وجود معارضة، وغالباً ما كان يتم إطلاق هذه الصفة على أساس قاعدة الغموض الإيجابي، الذي يتقصد عدم الإفصاح عن مكونات هذه المعارضة وآليات عملها وماهيتها.

ولا شك أن هذه الوضعية ترافقت مع حالة نهوض جماهيري وزخم في الحراك الشعبي إستطاع أن يفرز القيادات الضرورية واللازمة للمرحلة، من دون الوقوع في حالة الترهل القيادي. فقد كان المطلوب تنظيم حركة التظاهر وترديد شعاراتها ونقل صورتها إلى وسائل الإعلام، ولم يكن المطلوب في حينه الدعوة للتظاهر أو صناعتها، ومن هذه البيئة وللقيام بهذه المهمات، ظهرت من بين ظهراني التجمعات المحلية المنتفضة ظاهرة التنسيقيات، مجموعات من الشباب، بين سن العشرين والثلاثين في الغالب، تميزوا بقدراتهم التقنية في التنظيم وإستخدام تقنيات الهاتف المحمول والأنترنت، فضلاً عن ميزة الشجاعة النادرة.

ولأنهم كذلك، فقد أصبحوا هدفاً للنظام، حتى ان أغلب إجتياحات المدن والأرياف كانت للبحث عنهم وإصطيادهم، ولأن طبيعة عملهم تتطلب الإنكشاف والتماس مع الشارع، فقد أدى ذلك إلى مقتل الكثير منهم، فضلاً عن إعتقال أعداد أخرى منهم وإضطرار جزء كبير من هذا الجسم إلى التخفي. ولعل هذا ما أدى إلى تخفيف زخم الحركة الإحتجاجية، ودفع بعض المراقبين إلى وصف التظاهرات بالرتيبة وتوقع إنسداد الأفق في وجه الحركة الإحتجاجية.

من هنا يأتي مبعث الأمل الجماهيري بتبلور المعارضة وإصطفافها، وليس مهماً، خلف أو أمام الحركة الإحتجاجية. وعند هذا المفترق الحاسم تتشكل اول التحديات التي تواجه "المجلس الوطني"، الذي نفترض أنه لو إستطاع الوصول إلى حالة التوحد هذه والإنخراط في العمل المنظم قبل ذلك لكانت مهمته أقل صعوبة ولكانت فعاليته أكثر وضوحاً... لماذا ؟.

لأن ثمة متغيرات مهمة إستجدت على الواقع، وهي في الحقيقة جملة المعطيات التي باتت متوفرة في واقع الحراك وسبق ذكرها، وبالتالي فإن المطلوب اليوم من المعارضة إعادة صياغة الحركة الإحتجاجية، وربما إعادة تبويب وترتيب فعالياتها، وخاصة بعد أن تكيف النظام وأجهزته مع أساليب الحركة، وإستطاع إنتاج أنماط دفاعية وهجومية لنزع دينامياتها وتفكيك مفاصل القوة فيها، وهي حالة إن إستمرت، ربما لن تؤدي إلى القضاء على الحراك، لكنها لن تعني سوى شيء واحد، وهو إستمرار حالة النزف، والإقتراب أكثر وأكثر من المخاطر التي إتفق على رفضها أغلب السوريين ( الإقتتال الأهلي التدخل الخارجي - ).

ولعل التحدي الاكبر الذي يواجه ( المجلس الوطني ) بوصفه حاضنة المعارضة السياسية، يتمثل بالقدرة على الإندراج في الواقع السياسي السوري ونزع إعتراف النظام بهذه الحقيقة، وفي هذه الحالة يتطلب الأمر من كافة المكونات السياسية المنضوية تحت عباءة المجلس أن تثبت وجودها وفاعليتها في الشارع السوري، ليس بوصفها منابر إعلامية، ولكن بصفتها الحركية والتنظيمية الفاعلة والمؤثرة والقادرة على الإستقطاب والتنظيم والتأثير في الحراك وقيادته، من أجل إنجاز أهدافه العليا. بإختصار المطلوب من معارضة المجلس الإنتقال بالحالة السورية من مأزقها الدامي إلى حالة ذات أثر أكبر في السياسية وأقل في النزاع الدامي .

وبالطبع، يتساوق هذا المنطق مع بيان المجلس وسياساته المعلن عنها، فطالما أن المجلس أصر على سلمية الثورة ورفض التدخل الخارجي، فإنه يكون قد إختار طريقاً يعتمد المقاربة السياسية للأزمة. وليس ذلك سيئاً بالنتيجة على إعتبار أن شرائح كثيرة من المجتمع السوري تفضل هذه الخيارات إنطلاقاً من إدراكها للنتائج السلبية التي قد يخلفها إستخدام السلاح والتدخل الخارجي على بلد من نمط سوريا، بما يتضمنه من تعددية عرقية وطائفية وإنقسامات فكرية وثقافية. كما أن الأنظمة لاتسقط بالسلاح وحده أو بالتدخل الخارجي، والتجربتان المصرية والتونسية خير دليل على ذلك، بالرغم من كل ما يقال عن إختلاف طبيعة النظام السوري إذ ثمة وجود معايير وشروط حاكمة لبقاء الانظمة وسقوطها، لعل من أهمها طرق إدارة هذه الأنظمة للأزمات التي تواجهها، وقدرتها على التكيف والإستمرار، وخاصة أننا بتنا نعيش في بيئة دولية طاردة للنظم التي لاتحقق الكثير من المعايير المقبولة لبقائها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أزمة سوريا تضع المنطقة على صفيح ساخن! .. فايز سارة

الشرق الاسط

23-10-2011

عشية دخول الأزمة في سوريا شهرها الثامن، تبدو الأزمة مرشحة أكثر من أي وقت مضى للتأثير في محيطها الإقليمي، بل بعض التأثيرات المباشرة وغير المباشرة، صارت واضحة، وهي آخذة في التفاعل ليس في تجلياتها السياسية/ الاقتصادية والاجتماعية، بل أيضا في تجلياتها الأمنية/ العسكرية في تزايد قعقعة السلاح، وعبر عمليات عسكرية اتخذت من العراق وتركيا ولبنان ميادين لها، إضافة لما يحصل في سوريا وتداعياته.

في الجوانب السياسية والاقتصادية الاجتماعية لما أفرزته الأزمة السورية على محيطها الإقليمي، يمكن ملاحظة الترديات في العلاقات السورية – التركية، التي كانت حققت ازدهارا ملموسا في السنوات الأخيرة، قبل أن تصيبه تداعيات الأزمة بالعطب الشديد، فتترك فيه افتراقا سياسيا بين موقفين متناقضين، يسير كل منهما نحو تصادم لا يستبعد منه الصدام العسكري، كما أدت الأزمة إلى إغلاقات اقتصادية لا تطال العلاقات السورية – التركية في مجال التبادل التجاري والمشاريع والاستثمارات المشتركة فقط، وإنما تترك تأثيرات على حركة المرور التركي الاقتصادي والمالي إلى بلدان العمق العربي في الخليج ولبنان والأردن، ومنها باتجاه تركيا، مما يترك آثارا على البنى والحراكات الاجتماعية في بلدان الجوار السوري.

ولا يقل أهمية عن التأثيرات السابقة للأزمة السورية على محيطها، تأثيراتها على إعادة ترتيب خريطة التحالفات في المنطقة. ففي الوقت الذي كانت فيه سوريا تمثل الركن المشترك في العلاقة بين إيران وتركيا نتيجة علاقاتها القوية بالجانبين، تم قطع التواصل الإيراني - التركي، وبدء تبلور قوتي تجاذب في إطار علاقاتهما العربية: إيران وتحالفها مع سوريا والعراق ولبنان المحكوم من تحالف يقوده حزب الله، وتركيا التي تمثل بعلاقاتها مع أغلبية البلدان العربية ولا سيما مع مصر والسعودية القوة الأخرى، ومن الواضح، أن قوتي التجاذب تتجهان نحو تصادم لا يستبعد فيه الصدام العسكري مدعوما من إرادات ومصالح دولية ومتقاطعا معها.

وعلى الرغم من أن إسرائيل تبدو كأنها خارج سياق التأثيرات التي تتركها الأزمة السورية في المحيط الإقليمي، فإن ذلك المظهر، ليس أكثر من مظهر خادع، إذ هي مستفيدة من احتدام العلاقات الإقليمية في جوانبها السياسية/ الاقتصادية والاجتماعية، ومن احتمال انزلاق المنطقة وبعض بلدانها إلى أتون الصراعات العنيفة سواء كانت حروبا بين تحالفات ودول، أو جاءت في سياق حروب وصدامات داخلية.

غير أنه وخارج الإطار العام لما تخلفه الأزمة السورية من تداعيات إقليمية في الجوانب السياسية/ الاقتصادية والاجتماعية، فإن من المهم التوقف عند التداعيات الأمنية/ العسكرية، وفي هذا الجانب لا بد من ملاحظة أن ذلك التطور الخطر يتخذ من سوريا مركزا لانطلاقه، طبقا لما تشير إليه الوقائع. ومن حيث المبدأ تتوالى الأحاديث اللبنانية عن عمليات أمنية/ عسكرية سورية في لبنان ولا سيما في المناطق المجاورة للحدود بين البلدين، التي تستهدف منشقين ومعارضين سوريين اتخذوا من لبنان ملاذا آمنا، وهو وضع يتقارب بدرجة أقل مع كلام تركي عن سلوكيات سورية تستهدف منشقين ونازحين سوريين في الجانب التركي من الحدود مع سوريا.

وبالتزامن مع تلك التطورات، ظهرت اتهامات تركية باتجاه سوريا وإسرائيل، مع تركيز خاص على سوريا، بأنها المسؤولة عن العمليات العسكرية الأخيرة لعناصر حزب العمال الكردستاني (p.k.k) التي استهدفت أهدافا عسكرية ومدنية، أحيت سنوات الصراع بين الدولة التركية وأكرادها، وقد استمرت بين مطلع ثمانينات القرن الماضي وأواخر التسعينات، وكان لسوريا فيها دور معروف وتأثير كبير في دعم (p.k.k)، قبل أن تقوم سوريا بتسليم قادة ذلك الحزب وبدء مسيرة تعاون مع الأتراك، وأدت عمليات (p.k.k) في تركيا إلى استعادة وتنشيط روح العسكرية التركية بعد أن شهدت تراجعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، واندفعت قوات كبيرة باتجاه منطقة شمال العراق للقضاء على الوجود المسلح لعناصر (p.k.k)، ولا سيما منطقة زاب بشمال العراق حيث توجد قواعد للحزب، ولا شك في أن هذه العمليات ستشكل مدخلا لتصعيد المشاكل بين تركيا وجوارها سواء مع أكراد العراق وحكومتهم في الشمال أو مع حكومة بغداد.

لكن الشق الأهم في الأثر الأمني/ العسكري للأزمة في سورية على تركيا تمثله احتمالات تطور الموقف التركي حيال الأزمة السورية. فإضافة إلى مخاوف التهاب المناطق الحدودية بين البلدين التي تمتد على طول يقارب الألف كيلومتر وأغلب سكانها من الأكراد، فإن القادة الأتراك معنيون بالتجاوب مع محيطهم الشعبي الذي يؤيد مطالب وأهداف الشارع السوري في ثورته على النظام، والأتراك في الأبعد من ذلك معنيون بالموقف الدولي الذي تميل أغلبيته إلى مساندة الحراك الشعبي ومطالبه، والمحصلة العامة، تتمثل في توافق المخاوف مع المصالح في المستويين الداخلي والخارجي، وتدفع تركيا إلى تجذير موقفها وتشديده، جاء في إطاره سلسلة إجراءات منها فرض حصار على مرور الأسلحة إلى سوريا، وعقوبات اقتصادية منها وقف تبادلات وتنفيذ عقود، والأهم أن العقوبات دخلت حيز التنفيذ العملي.

وقد يكون الأخطر في تداعيات الأزمة على تركيا، هو دور محتمل، إذا تقرر في وقت لاحق الأخذ بالخيار العسكري الدولي لمعالجة الأزمة السورية سواء من خلال قرار لمجلس الأمن تحت البند السابع، أو بقرار من خارج الشرعية الدولية، وتركيا هي الدولة المحتملة لتكون بوابة ذلك التدخل ليس بسبب موقفها من الأزمة، ولا بسبب كونها العضو المجاور الوحيد لسوريا من دول «الناتو»، وإنما لأنها من أقوى دول الجوار ولديها تجربة في ممارسة قوة الإكراه على سوريا. في ظل هذه المعطيات، فإن تركيا يمكن أن تذهب إلى أبعد البعيد في تأثرها بالأزمة السورية الراهنة، تلك الأزمة التي جعلت المنطقة من إيران شرقا وحتى ليبيا غربا، ومن تركيا في الشمال إلى حدود بحر العرب في الجنوب أمام عواصف سياسية/ اقتصادية واجتماعية، وصولا إلى احتمال عواصف أمنية/ عسكرية، تبدو مؤشرات تسخينها اليوم حاضرة وواضحة بصورة لا التباس فيها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا لا يمكن إنقاذ بشار؟ ولماذا الإصلاحات مستحيلة في دمشق؟ .. جمال أحمد خاشقجي *

السبت, 22 أكتوبر 2011

الحياة

مهلة أخرى أمام النظام السوري للإصلاح تقدمها هذه المرة الجامعة العربية. سبق لتركيا أن قدمت مهلة أسبوعين، فهل هذه المهل للنظام أم أنها للأطراف التي تعلنها لكسب الوقت بحثاً عن الحل الأقل كلفة للخروج من الأزمة السورية؟

بعد إعلان مهلة الأسبوعين التركية وانتهائها من غير اتخاذ أي قرار، عاد الشعور بأن هناك من يريد إنقاذ بشار. قيل إن عرَّاب السياسة الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو وعلى رغم إسلاميته وقربه من «الإخوان»، لا يريد إسقاط النظام ويسعى لإقناعه و «الإخوان» للإصلاح من الداخل. أعتقد أن من يتداولون هذا القول يبنونه على رغبة قديمة سبقت الثورة السورية الحالية. نعم كان السيد أوغلو يسعى لمصالحة بين «الإخوان» والنظام، ولكن كان ذلك في العهد العربي القديم الذي جبّه «الربيع العربي» تماماً.

وهناك من اعتقد أن صمت المملكة العربية السعودية وعاهلها الملك عبدالله بعد بيانه الشهير الناقد للنظام، كان فرصة لبشار ليمضي في إصلاحاته عسى أن ينجح في مصالحة شعبه ومعارضته ويطور نظاماً بديلاً يحمي سورية من الانقسام والفتنة والمفاجآت.

ولكن جاء الموقف السعودي الحاسم في الجامعة العربية الأسبوع الماضي والمؤيد لقرار تجميد عضوية سورية في الجامعة لينفي ذلك، ويؤكد أن السعودية باتت مقتنعة باستحالة إنقاذ النظام. مرة أخرى فإن القائلين بنظرية «الفرصة السعودية لنظام بشار» يقرأون في أوراق نظام عربي قديم، عندما فاجأ العاهل السعودي المؤتمرين في قمة الكويت قبل عامين وقاد مصالحة سعودية تاريخية مع سورية وليبيا. كان ذلك من لزوميات ومصالح النظام القديم وهو نظام تدرك السعودية أنه مضى وانقضى ويحل محله نظام عربي جديد بقواعد وشروط جديدة.

يبدو أن الجميع اقتنعوا أنه لم يعد ممكناً إنقاذ بشار، لأن النظام الذي أتى به ويستند إليه قد انهار، لم يبق منه سوى «آلة القتل» فيه وهذه بدأ الإنهاك يصيبها.

في ما يلي بعض من الصورة الحقيقية للدولة السورية الحديثة. لقد اختفت الدولة فسادت الفوضى، ارتفعت مثلاً أسعار الاسمنت في لبنان، لأن سوقاً سوداء سورية رفعت الطلب عليه. اليوم فرصة لكل من يريد أن يبني على أرض متنازع عليها، أو يتوسع ببيته غرفة أو اثنتين يمنة أو يسرة أو يرتفع بعمارته بضعة أدوار في غفلة عن أعين البلدية. خلال معركة إسقاط مبارك في مصر والتي استمرت نحو 3 أسابيع فقط، سجلت 30 ألف مخالفة بناء على الأقل. هذا في 3 أسابيع. كم مخالفة ستسجل في سورية خلال 7 أشهر والأزمة ما زالت مستمرة. لم يعد هناك من يطبق القانون فالجميع مشغول بقمع المتظاهرين وهذا أدعى وأهم لنظام يتهاوى.

في سوق الحميدية، أخبرني من زاره أخيراً أن الباعة الجوالين عادوا إليه، إذ ليس هناك من يمنعهم رغم ضيق التجار. التضخم في ازدياد، شحّ السلع، زيادة التهريب من لبنان، الرواتب غير منتظمة، أحياناً يأتي ذلك كإجراء عقابي في المدن والقرى «المتمردة» وأحياناً نتيجة الفوضى الحاصلة، ومن يتسلم راتبه من بين 800 ألف سوري هم جيش البيروقراطية المتضخم هناك، فإنه يتسلمه مخصوماً منه «تبرع» الموظف في دعم الليرة.

إيرادات 300 ألف برميل من النفط اختفت وهي التي كانت تصب في جيب الرئيس والمقربين منه. الأهم منها أن الموازنة السورية اعتادت على دفعات بليونية تضخ فيها بعد «أحداث مفصلية تاريخية» ستختفي تماماً، فكم بقي من تلك البلايين وقد اغلقت الأبواب على سورية لتنفق منها في سنواتها العجاف المقبلة؟

سورية اليوم تقع تحت عقوبات اقتصادية شتّى، تجعلها «شمال كوريا» الشرق الأوسط، فكم شهراً أو عاماً تستطيع الاستمرار وسط شرق أوسط نشط ومتغير؟

الوضع الأمني مخيف أكثر، كم يمكن أن يستمر على هذا الحال؟ لقد تحولت سورية إلى بلد تحت الاحتلال، وتمدد الأمن بكل أجهزته من استخبارات إلى جيش إلى أقصى مداه. وجود وتيقظ على مدار الساعة من القامشلي حتى اللاذقية، ليس فقط في مواجهة المتظاهرين السلميين، بل لمراقبة «شركائهم» المفترضين الذين بات من الوارد انشقاقهم، خصوصاً الغالبية السنية في الجيش. أخطأ الرئيس بالاعتماد الكامل على أبناء الطائفة العلوية في المواجهة على غير ما فعل والده في مواجهة حماة عام 1982 والتي استخدم فيها الأكراد والعشائر. استخدام الطائفة ولّد حالة استقطاب حادة في المجتمع وفرزاً طائفياً، وصل إلى داخل الأحياء، وعزز حالة الشك من الجيش رغم أنه تحت قيادة أبناء الطائفة فمن بين 1200 من أصحاب الرتب العليا الذين يسمونهم «الضباط الأمراء» فإن ألفاً منهم من الطائفة. هذا الوضع غير الطبيعي زاد من الضغط عليهم للتيقظ والتحسب من الانشقاقات التي ازدادت وتيرتها، والتي يتوقع أن تزداد في شكل خطير فور توافر جيوب آمنة في الداخل السوري. وعلى رغم حماسة أبناء الطائفة لحماية نظامهم، إلا أن الإجهاد بلغ بهم كل مبلغ، وبدأ التقصير يظهر في الإمداد والتموين، إلغاء الإجازات، فتحول بعضهم إلى ناقمين على النظام!

على رغم أن الإعلان الرسمي للمعارضة هو رفض العمل المسلح، إلا أن إشارات كثيرة تشير إلى توجه لعسكرة الانتفاضة. السلاح تضاعفت أسعاره في الأنبار العراقية وفي لبنان لارتفاع الطلب عليه في الداخل السوري. فبينما يستمر التظاهر السلمي فإن هناك من يحمل السلاح لحماية هذه التظاهرات. المنشقون من الجيش لا يملكون أيضاً غير حمل السلاح، فهم مقتولون لو وقعوا في يد النظام مرة أخرى. إلى متى تستطيع منظومة أمن النظام احتمال حالة التمدد الأقصى هذا قبل أن تظهر تشققاتها؟ قبل أسابيع خرج مدير الأمن الأردني حسين المجالي أمام الإعلاميين واعترف للأردنيين بشجاعة قائلاً إن جهازه «اُستنزف» في الأحداث الأخيرة التي جرت في بلاده، ومعروف أن ما حصل في الأردن لم يكن بقدر ما يجري شمالاً في سورية.

ولكن هل يمكن أن يقوم النظام بإصلاحات كما تطالبه الجامعة العربية وآخرون؟ هل ثمة ما يمكن توقعه من وفد الجامعة الوزاري الذي قبلت دمشق على مضض باستضافته وبالتأكيد لن تسمح له بالعمل بحرية، بالطبع لا. لو توقف النظام قليلاً وتراخى سينهار. لو اختفت الدبابات من حماة ونقاط التفتيش ستعود تظاهرة نصف المليون حموي المطالبة بإسقاط النظام إلى ساحة العاصي فوراً مع قدر كبير من الغضب والرغبة في الانتقام.

لا يمكن إذاً غير توقع الأسوأ، بالتالي فإن أصعب الاختيارات وهي التدخل المباشر ستبدو قريباً أنها الأفضل والأرحم لسورية وشعبها وجيرانها، وكذلك نظامها الذي يحتاج إلى من يطلق عليه رصاصة الرحمة.

* كاتب سعودي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاحتمال الوحيد في مسار ثورة شعب سورية../ نبيل شبيب

مداد القلم

تعدّد الاحتمالات لدى القوى الأخرى وليس لدى الشعب الثائر

الذين يتكلمون عن طريق مسدودة وصلت إليها الثورة الشعبية في سورية ما بين تضحيات بطولية وقمع همجي.. ينطلقون من روح اليأس والتيئيس التي سادت وانتشرت قبل ربيع الثورات العربية، أو يتعمّدون سدّ الأبواب ليفتحوا في النهاية باباً مرفوضاً لدى الشعب الثائر: باب التدخل العسكري الخارجي.

إنجازات الثورة تصنع المستقبل

ليست ثورة شعب سورية ثورة التضحيات البطولية المتواصلة فقط، ولا القمع الإرهابي من جانب بقايا ما كان يسمّى نظاماً هو طاقة قمع لا ينتهي، وليست حتمية انتصار الثورة مجرّد أمل تصنعه الثقة المطلقة بالله ووعد المظلوم بالنصرة إذا انتصر لنفسه.. وإن كان هذا الأمل منبع قوّة لا تنضب (يا ألله.. مالْنا غيرك يا ألله.. كما تهتف الحناجر يومياً) فإلى جانب ذلك حققت الثورة خلال سبعة شهور إنجازات كبرى، ووصل النظام القمعي إلى ضعف شديد، ممّا يجعل توقعات انتصار الحق على الباطل توقعات موضوعية بمختلف المعايير.

نعدد إذن الإنجازات.. ليس "دفاعاً" عن مسار الثورة، ولا "ردّاً" على إنكارها يأساً وتيئيساً، بل لتثبيت معطيات موضوعية لاستشراف معالم المرحلة التالية، فتراكم المنجزات عامل حاسم في تحديد "اتجاهها"، وبالتالي في تحقيق المزيد نحو الهدف.

من هذه الإنجازات بإيجاز:

1- كسر حاجز الخوف.. لدى الإنسان الفرد، بدءاً بالأطفال انتهاء ببعض من كان جزءا من الآلة التي يعتمد عليها الاستبداد في وجوده واستمراره، وهذا ما ينعكس في ثبات الثائرين (ومن ذلك في حمص التي أصبحت رمزا تاريخيا منذ الآن) وازدياد أعدادهم، وانتشار الثورة جغرافيا، وتتابع التصدّع في بنية الهيمنة الإرهابية والاستخباراتية التي أقيمت عبر نصف قرن على الأجهزة.. العسكرية والأمنية والإدارية.

2- الارتقاء بفعاليات الثورة.. عبر إبداع الأساليب والأشكال التطبيقية للتظاهر الشعبي، وابتكار الآليات والوسائل العملية، ليس في نوعية المظاهرات فقط (كالأمسيات الليلية والمظاهرات الطيّارة والمواعيد التمويهية) بل ما شمل مؤخراً مظاهر جديدة للاحتجاج والمقاومة (كفعاليات روزنامة الثورة) للوصول إلى أحياء سكنية، ومناطق تجارية، وفئات شعبية، بقيت خلال الشهور الأولى من الثورة إمّا محاصرة أو معزولة أو متردّدة، ولتفعيلها في مسار الثورة.

3- تحطيم أسوار التعتيم الإعلامي.. والوصول بالحدث بتفاصيله إلى مختلف أنحاء العالم، وتطوير ما بات يوصف بالإعلام الشعبي الشبكي مضموناً وتقنية وتوزيعاً، بل الوصول به إلى مستوى البث المباشر عبر بعض الفضائيات، واقترن بذلك انهيار مصداقية كل تضليل إعلامي أتقنته الوسائل التابعة للاستبداد القمعي، انهيارا كاملا.

4- نشأة شبكة تعاطف وتضامن ودعم.. على نطاق واسع، من أبرز ميزاتها الاعتماد على جهود أفراد ومنظمات أهلية ومدنية في كل مكان من العالم (مثال ذلك ساعة كتابة هذه السطور: فعاليات دعم الثورة في المعرض الدولي للكتاب في فرانكفورت بألمانيا) ممّا حوّل قضية سورية من ثورة شعبية محلية في قطر من الأقطار، إلى قضية إنسانية مشتركة، وضاعف الضغوط على مستوى الرأي العام العالمي ليساهم في فتح أبواب دعم الثورة رسمياً أيضاً.

5- استعادة مقوّمات الوحدة الوطنية لشعب سورية.. رغم جميع المحاولات الاستبدادية المضادّة، فظهرت تلك المقومات تدريجياً، عبر اهتراء المفعول العتيق لفزّاعة التطرّف (مندسون.. سلفيون.. إمارات إسلامية.. إلى آخره) وعبر إفشال محاولة الوقيعة "القومية" فثبت المسار السوري بأجنحته العربية والكردية وغيرها، ثمّ تجميد مفعول ما صنعه الاستبداد من "أبعاد طائفية" اعتماداً على قسم من المواطنين العلويين، وجميع ذلك يشهد جولات متتالية، ليس بين فئات الشعب المتعددة -كما أراد ويريد الاستبداد- بل بين جبهة شعبية ثائرة من مختلف الأطياف، وجبهة الاستبداد واستماتته في اختلاق مسبّبات الفتن، ولا يزال الاستبداد يخسر هذه الجولات تباعا أيضاً.

6- تصعيد ضغوط الثوار داخل سورية.. عبر فعالياتهم الميدانية، وتضحياتهم الجسيمة، وجرأتهم البطولية، ومصابرتهم المذهلة، لتترك تلك الضغوط أثرها المباشر، على أطياف المعارضة التقليدية، بأقطابها وتنظيماتها، داخل الحدود وخارجها، فظهرت البذرة "الأولى" للتلاقي على كليات كبرى، وتأجيل الاختلافات الأخرى، وتمثلت في المجلس الوطني السوري، وحصوله على تأييد شعبي مشروط بمتابعة الطريق خلف الثورة، دون تمزيق نسيجها الشعبي، وبالتزام مسارها وإنجازاتها، دون الانزلاق إلى مسارات أخرى من صنع مساومات سياسية، ولا ريب في ضرورة توسيع نطاق المجلس، وزيادة قوته، لدفع المعارضة داخل الحدود، إلى التخلي عن استعدادها لحوارٍ مرفوض شعبيا مع الاستبداد القمعي.. عدوّ الشعب، ويعني مجموع ذلك أنّ الثورة حققت أوّل إنجاز سياسي وطني كبير، إذ أصبحت الشرعية الثورية تحدّد وجهة السير السياسية نحو مستقبل سورية.

7- اختراق النظرة القطرية الضيقة.. بعد أن كادت النظرة القطرية الموروثة من حقبة الاستبداد، تهيمن على مسارات ثورات الربيع العربي المشترك، فأمكن العبور -رغم ظروف داخلية شديدة الوطأة- إلى نظرة عربية أشمل، بالتوافق مع ثوار اليمن على "جمعة نصرة شامنا ويمننا"، واستمرت روح تلاقي الثورتين حتى الآن، ويضاف إلى ذلك التحرّك الشعبي والنيابي المبكّر في الكويت، ومسارعة المجلس الثوري الانتقالي في ليبيا ليكون أوّل من يعترف بالمجلس الوطني السوري (وأضيف إلى ذلك بعد كتابة هذه السطور تأثير السقوط الأخير لرؤوس الطغيان في ليبيا على الثورة داخل سورية)، وصدور الاعتراف أيضاً من جانب غالبية أحزاب ثورة مصر (رغم ظروف المرحلة الانتقالية بعد تحقيق أوّل أهداف الثورة) ناهيك عن تأييد شعبي يتجلّى في أكثر من بلد كمصر والأردن ولبنان وغيرها.

8- اهتراء أساطير دعم المقاومة والممانعة.. وما زال بعض المخلصين لقضية فلسطين، ورفض الهيمنة الأجنبية الدولية وعدوانيتها العسكرية، يتعلّقون بنسيج "وهم كبير" صنعه الاستبداد الفاسد في سورية على مدى عقود مضت، فلا يمكن تقويضه بين ليلة وضحاها، ولكن تبيّن -بفضل ثورات عربية أخرى كما في مصر مثلاً- أنّ الاعتماد الأعظم في نهج دعم المقاومة للتحرير لا التصفية، وفي نهج مواجهة الهيمنة الأجنبية، هو على الإرادة الشعبية المتحررة.. وليس على قمع استبدادي يغتال الإمكانات والطاقات الذاتية ويمنع تعبئتها، بل تركت ثورات الربيع العربي أثرها في "تحرير الإرادة الشعبية" في دول الهيمنة الأجنبية نفسها، كما تؤكّد الأحداث في أسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وسواها..

9- تفعيل سياسات دولية متردّدة.. فالموقف الدولي الراهن على علاّته- جزء من إنجازات الثورة، وليس مجهولا أنّ مواقف التأييد، أو المقاطعة، أو الضغوط، أو القرارات والإجراءات العملية، جميع ذلك لا تتخذه القوى الدولية إلا وفق موازينها القائمة على المصالح المادية من جهة، والمآرب الذاتية الأمنية والاقتصادية والسياسية وغيرها من جهة أخرى، وهذا ما ينعكس في "المماطلة"، بينما بات مسار الثورة في سورية مصدراً فاعلاً من مصادر التأثير على توجيه ردود الفعل الدولية، وزيادة الحصار على القوى المماطلة، وحتى على القوى التي تريد ربط كلّ دعم للثورة بشرط من الشروط وفق منظورها الذاتي.

الدعم مشروط بشروط الثورة

تجاوزت الثورة الشعبية البطولية في سورية مرحلة اليأس والتيئيس من أن يصنع الشعب بنفسه ثورته، ويحقق أهدافها وفق رؤيته، ويمضي بها في الاتجاه الذي يحدّده، وهذه نقطة حاسمة لرؤية مسار ربيع الثورات العربية، فانطلاقته المفاجئة في تونس ومصر، حققت الإنجاز الأول سريعاً وما زالت الثورة تخوض الجولات التالية لتحقيق إنجازات أخرى، ثم كانت محاولة الانحراف الفوري بثورة شعب ليبيا وثورة شعب اليمن واضحة -بعد خروج قوى إقليمية ودولية من مفعول المفاجأة الأولى- بينما انتزعت ثورة شعب سورية مواقف التفاعل الخارجي معها انتزاعاً، وهو ما يفسّر تلك المماطلة إلى درجة لا تُصدّق عند مقارنة بعض المواقف الرسمية والإجراءات المحدودة، مع "مشهد الثورة" العلني بشقيه: بطولات وتضحيات مذهلة.. وقمع إجرامي همجي لا يكاد يمكن تصديقه.

إنّ كل خطوة جديدة مهما كانت محدودة، على المستوى العربي، والإقليمي، والدولي، هي خطوة تفرضها الثورة، فتمنع تلقائيا أن تكون نتيجة "مساومات سياسية" ما على مسار الثورة وأهدافها.

لهذا أصبح القول بالوصول إلى طريق مسدودة، يوظف للضغط على "إرادة شعبية ثائرة" لتقبل بقرارات تصنعها المساومات، لا سيّما ما يتعلّق بتدخّل عسكري أجنبي، فالمعادلة في هذه المساومات هي:

1- جوهر المطالبة بهذا التدخل هو القول بعجز الثورة عن تحقيق أهدافها دونه، أي ضرورة القبول بشروط القوى التي تمارسه..

2- جوهر الرفض الشعبي لهذا التدخل هو رفض الثوار لمآرب التدخل على حساب أهداف الثورة..

البديل المطروح واضح قاطع، ويشهد على وعي القيادات الشبابية للفعاليات الميدانية داخل الحدود:

- من يريد دعم الثورة من قوى عربية وإقليمية ودولية فالمطلوب "حماية المدنيين" وليس "التدخل العسكري"..

وحماية المدنيين تعني "الضغوط" عبر قرارات إقليمية ودولية حول لجان التحقيق، ورقابة دولية، وفتح الحدود أمام وسائل الإعلام دون شروط، وتأمين الإغاثة، والوصول إلى قلب المعتقلات الرسمية وغير الرسمية (كالمدارس والمؤسسات..) فضلاً عن المطالبة بوقف العدوان (العسكري والقمعي باسم أمني) على الشعب الثائر، وعلاوة على قطع العلاقات الدبلوماسية، والتجارية، والمالية، ليس بصورة تدريجية بل حاسمة وشاملة لكلّ ما يعتمد الاستبداد الحاكم عليه لتعبئة قوّته القمعية ضد الشعب الثائر.

أما الحديث عن حظر جوي، فلا ينبغي للمعارضة السياسية أن تنزلق إلى القبول به، مع اتخاذه ذريعة لضرب سلاح الجو والمنشآت الدفاعية الجوية وما شابه ذلك، كما قيل مع الشروع بفرض حظر جوي في ليبيا، فجميع ما في سورية ملك للشعب السوري، وللغالبية الكبرى من قواته العسكرية، فهذه تحمل وصف الجيش الوطني وحماة الديار، وبدأت تتحرّر ممّن يتسلّط عليها من ميليشيات صُنعت لاعتقال الجيش والشعب معاً على مدى نصف قرن مضى.

الدعم الخارجي واجب دون أن يدمّر الطاقات السورية، والثورة الشعبية منتصرة عاجلاً لا آجلاً، فمن يدعم يفتح باب "علاقات مستقبلية قويمة" ومن لا يدعم مماطلاً، أو يعرقل متواطئاً، فسوف يقرر شعب سورية بعد تحرير إرادته وانتصاره، كيف ستكون طبيعة العلاقات المستقبلية معه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"مبادرة الجامعة العربية" بين قراءتين.. عقاب يحيى

المركز الإعلامي

احتجّ الشباب ومعهم الشعب السوري الثائر على قرار (مبادرة) الجامعة العربية، إن كان لجهة المضمون الظاهر الداعي للحوار مع نظام طغمة القتل، أو لمنحه فرصة أخرى لمدة خمسة عشر يوماً.. وكأنه ضوء أخضر جديد للإمعان في نهجه الدموي العنفي.. ثم..!!

لنقل إن غضبة الشباب والشعب في مكانها لجهتين:

الأولى: أن مجرد طرح فكرة الحوار مستحيلة التحقيق، تثير المشاعر، وتدلل على مستوى التفكير بجوهر الأزمة التي قادها النظام وواصلها، وكأنهم يعطونه صكّ غفران عن كل الجرائم والموبقات وعمليات القتل العمدي، والاعتقال الفظيع، والتقطيع والتمثيل بالجثث، وهذا الدمار لبعض المدن.. وجملة نتائج النهج الدموي.. وكأنهم يقولون له: عفا الله عن كل آثامك وما اقترفته يداك الملطخات بالدم، ودع عنك ذلك وافتح صفحة جديدة.." صالح فيها شعبك".. وتحوّل من قاتل، ومجرم، وسفّاك للدماء، ومنتهك للحرمات إلى "حضاري" يؤمن بالحوار والمصالحة.. والجلوس"هادئاً" مع قوى المعارضة لمعالجة الوضع "المتفجر" والكفّ عن القتل والعنف.. على طاولة مستديرة مثلك مثلهم.

 هذا كلام كان يمكن أن يقال، ويمكن سماعه، وربما التعاطي معه لو جاء في الأيام الأولى لانتفاضة الشعب السوري.. وهو دوماً يثير تساؤل من لا يريد فهم جوهر وتركيب الطغمة التي لا تملك، ولا تعرف سوى نهجاً وحيداً: القوة، والقمع، والفتك، والقتل، والتخويف، وإركاع البشر، والتعامل معهم كرعاع، وحشرات.. وهل يمكن لهكذا طغمة أن تنقلب على ذاتها وتصبح أخرى؟؟..

أمّا وقد سالت الدماء للركب، أمّا وقد فظّعت الطغمة بالشعب تنكيلاً، وقنصاً، واغتيالاً للناشطين، واعتقالاً لعشرات الآلاف. أمّا وقد أغلقت كل المنافذ على كل من راهن على حوار ومصالحة..

أمّا وقد قدّمت الثورة آلاف الشهداء، والمفقودين.. وعشرات آلاف المعتقلين، وأثبتت جدارتها وتصميمها على تحقيق شعارها الوحيد: إسقاط نظام الطغمة بكل مركباته ورموزه، وبات الهدف أمام الأنظار، وبين أيدي الشباب الثائر، والشعب المؤمن بالتغيير..

فإن دعوات الحوار ليست باطلة وحسب، بل تصل في نظر الشعب السوري الثائر إلى مرتبة الخيانة لكل شخص، أو طرف معارض يرتكبها، فيقبل أن يمدّ يده، أو يجلس مع الطغمة.. فكيف إذاً هو حال قوى الثورة الفعلية وأطرافها الرئيس؟؟.. وهل يمكن لأحدهم أن يعبر بفكره، مجرد عبور، خاطر الصفح عن الدماء التي أريقت.. وهذا الكمّ من الآثام المقترفة بحق شعبنا"ليصفح" و"ينسى" والسؤال البسيط المطروح: من يعوّض أولئك الشهداء الذين أزهقت أرواحهم لأنهم طالبوا بالحرية؟؟.. وكانوا سلميين يواجهون الرصاص بصدورهم العارية، وحناجرهم المؤمنة بقدر التغيير؟؟..

 لنضع جانباً الشعب السوري وثواره في الهيئة العامة للثورة السورية وبقية التشكيلات الأخرى، ونطرح السؤال على أصحاب المبادرة: هل تعتقدون وتتصورون للحظة واحدة أن الطغمة الغاطسة بالدماء، المتعجرفة بزهو ما تملك من وسائل القتل، المتكبّرة، المتغطرسة، والمصابة بجنون الانفصام، وأوهام الإخضاع.. يمكن أن تقبل بمبادرتكم فتلتزم بالشروط الموضوعة.. وأولها: إيقاف العنف، وسحب الجيش وأجهزة الأمن من المدن.. ثم "الجلوس" إلى طاولة الحوار مع جميع أطراف المعارضة؟؟.. (لاحظوا تأكيد المبادرة على جميع وما تعنيه من خلفيات)..

 النظام يخشى أشباحه التي تطارده، وهو على يقين بأن مجرد إرخاء قبضته الأمنية، وعمليات القتل اليومي، وسحب الجيش وأجهزة الأمن والشبيحة.. سيسقط فوراً.. حين سيخرج شعبنا بأغلبيته الساحقة في جميع المدن، ومن مختلف المكونات السياسية والدينية والمذهبية(وأولهم في الطائفة العلوية) معلناً قراره بإسقاط النظام..

والنظام الطغمة العائلة الفئوية لا يعترف بمعارضة صلبة تضع إسقاطه في أول أهدافها، بل ما هو أدنى من ذلك.. إنه يريد" معارضة" حلزونية رخوة من تلك التي يولدها من رحمه، وتلك الخارجة من بطنه وعلى حوافه، وبعض المرتبطين به وبأجهزته الأمنية وتصديرها وتصويرها كمعارضة يتحاور ويتفق معها على بقائه وفق منظوره، وما يريد.. بينما استبعد ويستبعد حتى القوى الوسطية في المعارضة، فكيف بقوى الثورة الشبابية، والمجلس الوطني المتناغم مع أهدافها: إسقاط النظام هدفاً مركزياً؟؟.

الثانية: تتعلق بالمهلة.. التي تذكر شعبنا بمهلة وزير خارجية تركيا بعد زيارته لرأس النظام ومنحه مهلة /15/ يوماً.. وكأننا أمام مناقصة للعروض التي تتعدد فيها المُهل، وكلما تأخر الإنجاز مددت ثانية حتى إنجاز المطلوب، ولسنا إزاء قضية شعب تسفك دماؤه يومياً ويسجل العداد قائمة جديدة كل يوم، وكأن وزراء الخارجية العرب، وقد أمهلوه قبلها، يعتقدون أن مهلة الخمسة عشر يوماً كافية لأن يُجهز النظام على الثورة فيئدها، أو أنه جاد، وصادق، ويحسّ بالمسؤولية تجاه شعب، ووطن يتعرض للدمار ولعديد المخاطر التي تلوح في أفق يستدرجه منذ اليوم الأول للانتفاضة الثورة.. كي يصدّق فهلويته وعبقريته حين اعتبر الانتفاضة فتنة، ومؤامرة...

 شعبنا، بل ووزراء الخارجية والداخلية العرب.. وكل مخلوقات الدنيا.. تعلم علم اليقين أنه مع هكذا طغمة لا تنفع لا مهلة ولا فرصة (أخيرة)، لأنها مركّبة هكذا، ولأنه يستحيل أن تسلك غير نهجها الدموي.. الذي يمكن أن تطعّمه بلون القتل حين تزعم أنها تقوم بإصلاحات، وأنها تحاور نفسها وتبعياتها وملحقاتها.. وفق أوهام لا تعني سواها..

 * * *

لكن لو وضعنا الظاهر في المبادرة جانباً، وحاولنا قراءة مضمونها بتأنٍ، وما بين وخلف السطور سنجد لوحة أخرى مخالفة للنقطتين اللتين ذكرناهما، والتي تتصف ب:

1) جميع وزراء الخارجية العرب ومعهم الأمين العام الذي زار دمشق مرتين يعلمون علم اليقين طبيعة تركيب الطغمة الحاكمة، واستحالة الاستجابة لما ورد في المبادرة، إن كان لجهة المهلة الممنوحة، أو لجهة الشروط التي تتضمنها، أو لقبوله بالحوار مع كافة أطياف المعارضة، أو للنيّة بعقد اجتماع طارئ في أي وقت قبل المهلة، أو بعيدها، الأمر الذي يطرح السؤال المشروع: طالما أنهم يعرفون ذلك، ومتأكدون من رفضه لمبادرتهم، ومن استحالة تحقيق الشروط الواردة فيها.. فلمَ إذاً هذه المبادرة؟، ولماذا لم يضعوا اقتراح تجميد عضوية نظام الطغمة موضع التنفيذ؟؟..

2) إن مجرد انعقاد مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية بدعوة استثنائية يحمل بحد ذاته معنى كبيراً. إنه إنذار واضح بأن الوضع غير المحتمل للشعب السوري لا يمكن السكوت عليه، وأنه يجب وضع حد قاطع لفعل النظام ونهجه الدموي. وأن الجامعة العربية معنية باتخاذ ما تراه ضرورياً حيال نظام لم يستجب لأدنى المبادرات، ورفض حقن الدماء ودرء المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها البلاد.

3) في أكثر من مقال، ومقطع صغير لي، وعبر قراءتي لتطور لوحة الوضع في بلدنا: تناغماً بين وتيرة الثورة الصامدة التي تثبت جدارتها، وقدراتها الفائقة على إفشال مخططات النظام لإخمادها بالقتل والاعتقال والترويع، وهذه الشجاعة النادرة لشعب مصمم على انتزاع حريته مهما غلت وبلغت التضحيات، وبين لوحة الوضعين العربي والدولي نقرأ حقيقة ساطعة تتلخص في فرض الثورة واقعها على الجميع: عرباً ودولاً أجنبية، ودفعهم عبر تضحياتها وصمودها إلى اتخاذ مواقف متدرجة، متصاعدة من نظام الطغمة، اتصفت بالقوة في الأشهر الأخيرة، بالقياس إلى ما سبق، وشمولية هذا التطور عديد الدول، رغم الموقف الروسي والصيني، ودخولهما مرحلة السمسرة، والبحث عن المخارج.

4) لوحة الوضع الدولي، ومعه العربي الرسمي، تشير إلى ما يمكن اعتباره بسياسة الدحرجة التي تعني أمرين واضحين:

الأول: قناعة أطراف تلك اللوحة باستحالة أن يبدّل نظام الطغمة نهجه، وبالتالي ممارسة نوع من التضييق والحصار عليه بما يدفعه لردود فعل عصبية تغرقه أكثر بالعنف والدماء حتى يصبح أسيرها تماماً، وغير قادر على الخروج من مغطسها، وبحيث يستحيل عليه معها التراجع، أو الانتقال إلى ما يمكن اعتباره مصالحة، أو حوار (مع أطراف الأزمة). وبالتالي: تسقط كل إجراءاته التي يعتبرها إصلاحية في مستنقع ممارساته الدموية وتغرق فيها.. وبما يقوده للاختناق.

الثاني: نقمة الشعب السوري على النظام الطغمة وما يمارسه من قتل يومي، تصبح معها المطالبة بالحماية الدولية أمراً ضرورياً للحفاظ على أرواح وحياة البشر، وتطوير هذا المطلب إلى آخر يمكن أن يكون مفتوحاً على أشكال من التدخل الخارجي.. الذي يساعد الشعب في التخلص من طغمة القتل.

على الأرض: النظام يغرق بالدماء التي تحاصره، فتطارده أشباحها ولا يملك غير الإيغال فيها، وتصعيد فعل العنف كرهان وحيد، وبالتالي فإن كل قراراته وإجراءاته الإصلاحية هي جوفاء ولا تهمّ سواه، ولا تنفعه بشيء لأنها باتت وراء الشعب وثورته، وحتى وراء النظام ذاته، ولهذا لم يعد سوى السقوط مآلاً وحيداً.. بغض النظر عن زمن وآليات، وثمن السقوط..

 وبالوقت نفسه لقد شرعنت الثورة الثورية مطلب الحماية الدولية وطلب مراقبين دوليين لحماية المدنيين وأرواحهم تحت وقع الواقع، وكرد فعل طبيعي على ممارسات النظام الدموية، واليوم فإن الأغلبية الساحقة من قوى الحراك الثوري تضع هذا المطلب في صلب مواقفها.

5) إن النصّ في المبادرة العربية، وفي أكثر من مكان، على وجوب قيام النظام الطغمة بالحوار مع كافة أطراف المعارضة السورية (وتعني ضمناً وتحديداً قوى الثورة والمجلس الوطني، إلى جانب القوى الوطنية الأخرى المعارضة) بعد تلبية الشروط التي نصّت عليها، تعني في قراءة سياسية واضحة أن الجامعة العربية تضع النظام أمام الفرصة الأخيرة، وكأنها تقول له: أعذر من أنذر، وأنها بحلٍ من أية اعتبارات حينما ستقدم هي، وربما المجتمع الدولي، على اتخاذ إجراءات نوعية تقطع نهائياً الصلة به، ولا تتوقف عند تجميد عضويته فيها..

6) هذه القراءة واضحة لما بين السطور وما خلفها، وهي تتلاقى مع ملامح التحولات في المواقف الدولية التي من المنتظر أن تخطو خطوات جريئة في نزع الغطاء عن نظام الطغمة، وربما ما هو أكثر، وأشمل.

7) بقي القول: أن الطغمة هي المسؤول الرئيس عن إيصال الأمور إلى هذا الوضع، وهي من قادت إليه برعونتها ودمويتها ونهجها وعقلها المريض الحاقد، وهي من يتحمل تبعات ما يحصل لها، ولبلدنا العزيز.. لأنها لم تفكر إلا بالقتل، وكسر إرادة المواطنين بالقوة، وإلا بالاستفشار والتكبّر الذي يحتقر البشر ويستهين بحقوقهم وكرامتهم وحلمهم وإرادتهم.

كما أنه يجب تسجيل كلمة أخيرة: بأن صمود الشعب السوري وبسالته التي تصل حد الخوارق، واستعداده المفتوح للتضحية، وإصراره على سلمية ثورته، وعلى شعار إسقاط النظام.. هو العامل الحاسم في جميع تطورات المواقف العربية والدولية، وهو الرهان للحفاظ على الثوابت السورية الوطنية في حرية بلادنا، واستقلال قرارها الوطني، وفي وحدة سورية السياسية والجغرافية للدولة المدنية الديمقراطية، التعددية القادمة.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com