العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30/09/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الشعب السوري هو مَن يقرر مصيره

أيّ نظام يستمد شرعيته من الشعب، وليس الشعب مَن يستمد شرعيته من النظام، هذه هي المعادلة الصعبة التي يتجاهلها النظام السوري وداعموه..

د. سلطان عبد العزيز العنقري

الثلاثاء 25/09/2012

المدينة

عبارة سمعناها من الصين وروسيا، وهي عبارة تنم عن مهزلة واستخفاف بالشعب السوري، وأن دمَ الشعبِ السوريِّ رخيصٌ جدًّا، وليس له الحق في العيش بحرية في وطنه!! أمّا النظام الفاشي في سوريا، فإن له الحق في أن يستمر في حكم الشعب السوري بالحديد والنار، وبأيِّ ثمنٍ كان، حتى ولو أُبيد الشعب بأكمله فهذا ليس بالمهم، هذا هو التفسير الحقيقي لتلك العبارة، فإمّا أن يرضخ الشعب السوري لحكم بشار الأسد، وحزب بعثه الدموي، ويقبل بالأمر الواقع، وإمّا القتل والتنكيل والتدمير للشعب السوري!! والأسئلة التي تطرح نفسها هي: كيف أن الشعب السوري هو مَن يُقرِّر مصيره بنفسه؟ هل تُرك بحاله لكي يقرر مصيره، وطيارون من روسيا، وأسلحة حديثة، وطائرات تزوّد بها روسيا نظام الأسد، وعسكريون من شبيحة حزب الله، واعتراف إيران بوجود جيش لها على الأرض وحرسها الثوري في سوريا ولبنان، بل إنهم هم مَن يديرون المعارك ضد الجيش الحر، وكذلك عسكريون عراقيون يرسلهم عميل إيران وديكتاتور بغداد «نوري المالكي»، ومرتزقة مقتدى الصدر العميل الآخر لإيران بدعم النظام الفاشي في سوريا!! كيف يختار الشعب السوري مَن يحكمه وهو محاصر بالفيتو التنيني الصيني، وفيتو الدب الروسي، وغرب متخاذل يتفرج على تلك المهازل، وتلك الانتهاكات الصارخة لأبسط حقوق الإنسان، وجامعة دول عربية تُسلِّم مصير الشعب السوري لمبعوثين لا حول لهم ولا قوة، وهي تتفرج وكأنها ليست معنية بشعب يذبح في كل لحظة؟!

تخلصنا من الجنرال السوداني الفاشل الدابي، لنقع في يد الفاشل الآخر كوفي عنان، والآن الأخضر الإبراهيمي، وأعتقد أنه سيفشل هو الآخر!! هل الهدف من هؤلاء المبعوثين إجراء تجارب وتدريب لهؤلاء المبعوثين على كيفية حل مشكلة شعب أعزل يبحث عن حريته، من عصابة اختطفت الحكم لأكثر من أربعين سنة؟!

أيّ نظام في الدنيا إنّما يستمد شرعيته من الشعب، وليس الشعب مَن يستمد شرعيته من النظام، هذه هي المعادلة الصعبة التي يتجاهلها الآن النظام السوري، وداعموه الروس، والصينيون، والإيرانيون. الواقع يقول لنا إن مهمة المبعوثين هي إضفاء الشرعية على نظام دموي قمعي، وإعطاؤه الفرصة بعد الأخرى لتصفية الشعب السوري، وإبادته، وتدمير وطن بأكمله وحرقه؛ من أجل أن يبقى حفنة في النظام على كراسيهم؟!

إيران دائمًا كلما وجدت عميلها بشار في ورطة فتحت ملفها النووي، وفزاعة مضيق هرمز لتشتيت الانتباه عن هذا النظام القمعي. مندوب سوريا بشار الجعفري يتبجح في اجتماع حقوق الإنسان ويقول: إن بنات سوريات أعمارهن بين (14- 16 سنة) يُغتصبن على أيدي حراس أتراك في مخيمات اللاجئين في تركيا!! وأنهن معروضات للبيع لمن يرغب الشراء!! إنها بالفعل قمة التبجح، وتناسى هذا المتبجح أن نظامه هو مَن أرغمهن على النزوح، والنفاذ بجلودهن من القتل على أيدي الشبيحة، واغتصابهن، واعتقالهن كرهائن، وقصف بالمدافع وبالطائرات الروسية الحديثة، التي لا تستطيع التحليق على هضبة الجولان السورية المحتلة منذ أكثر من أربعين سنة! وطالما أن مندوب سوريا الذي يمثل النظام يعترف بوجود مثل تلك الانتهاكات لبنات سوريا القاصرات، فلماذا لا يراجع النظام نفسه ويقول: آن الأوان أن نُسلِّم السلطة للشعب لكي يُقرِّر مصيره؛ حفاظًا على بنات سوريا القُصّر الذي يتحدّث عنهن الجعفري؟!

لماذا تتحدّث الصين وروسيا وإيران بهذه العبارة بين الفينة والأخرى. فكل يوم يخرج علينا مقاولو العقود مع النظام السوري في الصين وإيران وروسيا، وبخاصة لافروف وزير خارجية روسيا الذي يقول: إنه لا يتشبث ببشار الأسد؟!! وإذا كان هذا الكلام صحيحًا فأنت تتشبث بمَن يا سيد لافروف؟!! ما هذا الضحك على الذقون؟! أليس بشار الذي أتى به هو حزب البعث، أي النظام، أي أنك تتشبث بالنظام. الغريب والعجيب أن قنوات عربية محترفة وقعت في فخ هذا المتلاعب بالألفاظ، وانطلت عليها تصريحات لافروف، بل وروّجت تلك القنوات المحترفة أن روسيا تغيّر موقفها من دعم النظام السوري، وأنها لم تعد متشبثة في النظام؟! فعلا عصابات المافيا في روسيا ضحكت على بعض وسائل الإعلام العربي المحترفة بهذه الكذبة الكبيرة. ولكن نقول لروسيا وغيرها: إن الشعب السوري البطل سوف ينتزع أظافر الجلاد بشار، ونظامه البعثي العفن عاجلاً غير آجل، وبالفعل سوف يُقرِّر الشعب السوري مصيره بنفسه، معتمدًا على الله، ثم على نفسه، وعند ذلك سوف تدفع الصين وروسيا وإيران والعراق وحكومة حزب الله في لبنان ثمن ذبح شعب أعزل.

*-*-*-*-*-*-*-

نظام بشار وتبديد فرص الحل السلمي

الأهرام المصرية

التاريخ: 25 سبتمبر 2012

لا يبدو في الأفق‏,‏ حتي الآن ما يشير الي بادرة تنم عن امكان الحل السلمي لسفك دماء الشعب السوري ذلك أن نظام بشار الأسد قد اعتمد الحل الأمني والعسكري لمحاولة اخماد المعارضة لنظامه منذ قيام الشعب السوري بثورته في منتصف مارس ‏2011‏ وحتي الآن‏.‏

واللافت للانتباه أن بشار تعمد تقويض كل الجهود الاقليمية والدولية التي سعت لوقف سفك دماء السوريين, وليس أدل علي ذلك من موقفه المتعنت تجاه جهود جامعة الدول العربية فقد تطاول ووصفها بأنها لا جامعة ولا عربية, كما تسبب في إفشال مهمة المبعوث العربي والدولي كوفي أنان التي كانت تستهدف حل الأزمة سلميا, والاستجابة لتطلعات الشعب السوري.

وفي الوقت نفسه كان بشار يصعد هجمات جيشه علي القوي المعارضة لنظامه ويستخدم الأسلحة الثقيلة والطائرات في حربه ضد الشعب السوري ولا يزال سادرا في غيه, ويتصور ان في إمكانه إخماد الثورة وهو ما لا يحدث, خاصة وأن القوي الاقليمية والدولية تعرب عن استنكارها وادانتها لقتله للشعب السوري.

ولعل المهمة الجديدة التي يقوم بها المبعوث الدولي الجديد الأخضر الابراهيمي هي الفرصة الدبلوماسية الأخيرة أمام بشار لإمكان الخروج الآمن له ولأسرته من سوريا, غير أن الدلائل تشير الي أن بشار سيتعمد تبديد هذه الفرصة الأخيرة.

ولعل هذا ما دعا الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية الي الاشارة الي أن الفرصة الأخيرة للنظام السوري انتهت منذ عام ولسنا في انتظار فرصة أخري, وأوضح في مؤتمر صحفي عقده في القاهرة في 19 سبتمبر الحالي أن جميع الأبواب التي طرقناها حتي الآن موصدة ولا تقدم حتي الآن ولا توجد انفراجة.

وثمة إجماع اقليمي ودولي علي أن استخدام روسيا للفيتو في مجلس الأمن لمصلحة بشار ونظامه هو أحد الأسباب الجوهرية في تصلب موقفه واستمراره في قتال شعبه.

ولذلك فإن الأمر يقتضي تحركا دوليا واقليميا مكثفا في اتجاه إقناع روسيا والصين بالكف عن مساندة نظام بشار في مجلس الأمن, وأيا ما يكن الأمر ان نظام بشار مآله السقوط.. غير أن الطريق الي انهياره سيكبد الشعب السوري المزيد من الضحايا.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

نظرة في سيناريوهات حل الأزمة السورية

د. نسرين مراد

التاريخ: 25 سبتمبر 2012

البيان

كإحدى حلقات حركة الربيع العربي، برزت إلى السطح الأزمة السورية لتحتل مكانةً مميزةً في الذهنية السياسية الجديدة للمنطقة والعالم. تشغل القضية السورية منذ ما يناهز الثمانية عشر شهراً، أنشطة مؤسسات وهيئات إعلامية وسياسية وعسكرية، محلية وإقليمية ودولية. لا غرابة في ذلك، فالوضع في سوريا كان يجثم فوق بركان ديمغرافي سياسي هائل، ثمة كامن أو خامد بقوة السلطة، منذ عهود وعقود.

وضع مزيج من الاستبداد والتخبط والترهل والفساد الداخلي؛ مكلَّل بتدخل خارجي مرغوب فيه من طرف سياسي ضد آخر، من أطراف الوضع السوري العام.

منذ بداية الأزمة طُرحت عدة حلول على شكل سيناريوهات وآفاق لحل الأزمة السورية؛ جلها يصب في خانة تعقيد الأمور، لكن بدرجات متفاوتة، ولم تزل تراوح مكانها في الحسم. السيناريو المرغوب فيه لدى النظام السوري الحاكم خاصةً، هو أخذ الأمور على عاتقه في التعامل مع حركة الاحتجاج المطالبة بتفكيك النظام السياسي.

أسوةً بـ «أنموذج مدينة حماة». ظن النظام أن بإمكانه تكرار نفس التجربة، ضد مدينة أو مدن أخرى. ذلك ما يؤدي إلى حدوث كارثة اجتماعية وإنسانية ووطنية واحدة على الأقل، بمستوى كارثة مدينة حماة. في بداية الانتفاضة ضد النظام، كان هنالك تخوّف حقيقي لدى عموم السوريين، من أن تجربة حماة يمكن تكرارها، وبسهولة! أدى ذلك إلى بعض التباطؤ في الانضمام الجماهيري الواسع لحركة التغيير السورية.

السيناريو الثاني، هو تدخل عربي أو عربي - دولي، في محاولة لإقناع النظام بالتنحي عن السلطة، والاستفادة من نماذج تونس وليبيا ومصر واليمن، وبقية دول العالم. كان ذلك الاتجاه مرفوضاً من جانب النظام السوري، جملةً وتفصيلاً. فضّل النظام التعامل مع الأمور بطريقة غاية في القسوة والقمع، لوأد الثورة في بداية تكوينها. رفض النظام حتى فتح حوار خجول مع المعارضة، واكتفى بنعتها بالعمالة للقوى الخارجية والمعادية. من جانبها، فالمعارضة، وخاصةً الخارجية، رفضت التعامل مع نظام لا يقبل طرح بند جوهري يدعو إلى إمكانية تنحّي الرئيس كمقدمة للتخلص من النظام.

السيناريو الثالث، هو تدخل دولي أكثر حزماً، بالذات تحت مظلة البند السابع في قانون الأمم المتحدة، الذي يجيز استخدام القوة المسلحة إذا ما استدعى الأمر. الظروف المحيطة بالأزمة السورية تدعو بإلحاح إلى استخدام القوة العسكرية، لأن الأطراف المتصارعة ميالة لاستخدام القوة المفرطة ضد بعضها البعض. مدن بكاملها قد تُمسح من الوجود الفعلي، إذا ما أُطلقت أيدي النظام في استخدام الجيش بغية التخلص من خصومه السياسيين. يرى النظام أن المعارضة مسلحة، وتتخذ من التجمعات المدنية أمكنةً للاختباء والانقضاض على قوى الأمن الموالية للنظام. التدخل العسكري له من يؤيده ومن يعارضه، له سلبياته وإيجابياته. بالدرجة الأولى، يفتح الباب على مصراعيه لنشر الأزمة سياسياً وعسكرياً، خارج الحدود السورية.

السيناريو الرابع، هو ما جرى حتى الآن، وهو ترك الساحة للصراع، والمراقبة الفاعلة عن كثب. يجري ذلك من منطلق أن أهالي الشام أدرى بالشعاب، ويعرفون أقصر الطرق للتخلص من بعضهم البعض بالتدمير والإهلاك. الجيش السوري الحر الآن يقف على أرض وأقدام ثابتة ضد جيش عرمرم في المنطقة، ومزود بأسلحة متطورة كماً ونوعاً. ميزان القوى يميل تدريجياً إلى جانب الجيش الحر، مع تعاظم المد السياسي والإعلامي الإقليمي والدولي ضد النظام السوري «المتهالك».

في كل يوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحقق حركة التغيير المستعرة في سوريا المزيد من الانتصارات العسكرية والسياسية والإعلامية. انكفأ النظام على نفسه مع بدء تخلي أقوى الحلفاء عنه؛ روسيا والصين كالعادة. الوضع مشابه لما حدث في حلقات ربيع التغيير العربي الأخرى، وخاصةً في ليبيا، لما تحتويه من مشاهد وأعمال عنف دموية.

تجاهلت الأطراف المتنافسة كل أشكال ومقترحات الحل السلمي الوسط، وفضّلت اللجوء للعنف. بشكل خاص تجاهل النظام حقيقة فريدة من نوعها عن الشعوب؛ الشعوب على ضعفها العسكري والسياسي لا تُقهر.. قد تخسر أو تنتكس مؤقتاً، أو يفنى جزء منها، لكن نصراً محققاً مؤزّراً يظل في الانتظار.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

تأثير الجمود الأميركي في سوريا

المصدر: صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأميركية

التاريخ: 25 سبتمبر 2012

البيان

أهدر كثير من الحبر، في الآونة الأخيرة، على الخطر المتزايد لمقاتلي تنظيم القاعدة على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وإحدى الحجج العديدة التي جرى التقدم بها حول وجوب عدم تزويد أميركا للثوار السوريين بمزيد من المساعدة المباشرة، هي إمكانية أن يؤدي انتصار الثوار إلى وصول القاعدة والمتعاطفين معها إلى السلطة، في مرحلة ما بعد الأسد.

لكن وجهة النظر تلك، وللمفارقة، تجعل من تنظيم القاعدة الورقة الثمينة الأكثر فاعلية التي يملكها الأسد. وإذا كان وجود القاعدة يردع واضعي السياسات الأميركيين عن المزيد من التورط في الأزمة السورية، فإن هذا الوجود بالنسبة لنظام الأسد يستحق الحفاظ عليه.

والمشكلة الأخرى في ما يتعلق بالتركيز كثيرا على احتمال صعود القاعدة، هي أن كلفة عدم التحرك في سوريا غير ممثلة كما يفترض للأسف في السجالات الأميركية حول السياسات. وحتى إذا انتصر الثوار، فإن أميركا باستمرارها في الجلوس متفرجة فيما تزداد الخسائر البشرية، تواجه احتمال قيام حكومة معادية لها قطعا في دمشق، بغض النظر عن تولي المتشددين السلطة من عدمه.

وبالنسبة لنظام الأسد، لا يخدم وجود القاعدة في سوريا درء التهديدات الخارجية، مثل التدخل الأميركي، فحسب، وإنما يخفف أيضا من أثر أحد التهديدات الداخلية العديدة للأسد، لا سيما انشقاق الأقليات السورية إلى جانب الثوار. وكلما زادت الانتفاضة في اتخاذها للطابع الإسلامي، قل احتمال انقلاب الأقليات السورية على الأسد.

وطبعاً، فإن احتمال وصول القاعدة أو غيرها من التنظيمات المتشددة إلى السلطة، أو كسبها تأثيراً في مرحلة ما بعد الأسد، سيكون كابوساً أيضاً لمصالح أميركا الإقليمية. لذا يجب أن يأخذ مثل هذا السيناريو الحسابات السياسية في الاعتبار، حتى إذا لم يكن مرجحاً في مثل هذا الوقت. وبالتركيز على إمكانية استغلال القاعدة للصراع السوري، فإنه يجري صرف الانتباه عن التكاليف المتصاعدة سريعاً لكلفة عدم التحرك الأميركي. وفيما واشنطن تتردد في مواقفها، فإن مشاعر الاستياء ضدها تزداد بين أبناء الشعب السوري وشعوب الشرق الأوسط بشكل أوسع، وهذه ليست تكلفة محتملة، بل تكلفة في تزايد مستمر.

والمشاعر المعادية لأميركا تضعف الحلفاء الإقليميين لها وتعزز قوة أعدائهم، مثل تنظيم القاعدة. ويتراجع تأثير أميركا على القضية العربية الإسرائيلية، وعلى الإصلاحات السياسية العربية حديثة الولادة، وحتى على مستقبل العراق. ومن دون ارتباط أميركي أكثر وضوحاً في سوريا، فإن الصراع فيها على الأرجح سيطول.

واحتمال تسليح أميركي للمعارضة السورية وتدريبها، وتقوية القاعدة بشكل من الأشكال، يعد أمراً مخيفاً، لكن المخيف أيضاً هو القيام بتأسيس نظام معاد للمصالح الأميركية في مرحلة ما بعد الأسد.

وإذا سمح صانعو السياسيات الأميركيون للخوف من القاعدة بأن يمنعهم من تزويد الثوار السوريين بمزيد من الدعم المكثف، فإنهم بذلك ربما يساهمون في إيجاد الظروف نفسها التي يحاولون تجنبها.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

«الأمم» و «النظام»

الوطن القطرية

التاريخ: 25 سبتمبر 2012

ينطوي تمثيل سوريا لأول مرة في عمومية الأمم المتحدة بطرفين، أحدهما رئيس المجلس الوطني السوري المعارض، على دلالات طافحة بالمعاني، ومنها أن المجتمع الدولي لم يعد يسلم بشرعية مطلقة أو أحادية للنظام السوري، وأنه يجب الأخذ في الاعتبار الدولي إرادة الشعب السوري الذي يثور حاليا ضد نظام استشرش وحكمه بالحديد والنار وكمم الأفواه، وراحت عناصر من هذا النظام الفاسد تتربح على هواها، مستفيدة من مناخات اقتصادية وسياسية غير صحية.

ويعني هذا التمثيل المزدوج أن اليوم والغد لا بد أنه سيكون مختلفا عن الأمس، وأن التأييد الدولي للمعارضة السورية آخذ في النمو والاتساع، بينما العزلة الدولية للنظام تضيق من حول رقبته.

ولعل الرسالة الأممية في ذلك تتوجه كذلك إلى كل من موسكو وبكين، لتكفا عن التسبب في شق الموقف الدولي إلى فسطاطين، من خلال حق «الفيتو» الذي أرادا به باطلا وهو ما يطيل من أمد الأزمة، وعلى حساب الشعب السوري، الذي طالت عذاباته.

إن التقديرات الأممية التي أعلنت أمس، وتؤكد على أنه تم تدمير أكثر من 2,8 مليون مبنى في كل المدن السورية، على امتداد شهور الأزمة البالغ عددها نحو تسعة عشر شهرا، ينبغي أن تتوضح للعالم حتى تتبين الآثار الحالكة التي يتكبدها الشعب السوري نتيجة تشبث نظام غير شرعي بالسلطة، فالسوريون صاروا بالعراء، بينما يواصل النظام الذي يزعم الدفاع عنهم في اتباع سياسة الأرض المحروقة، من خلال ابتداع براميل البارود الملقاة من الطائرات.

ومن ثم فإن النظام هو الذي يقوض شرعيته، وهو الذي يحاصر نفسه بأفعاله، وهو الذي يستدعي غضب العالم، وهو أيضا الذي يصر على ألا ينظر إلى نفسه في مرآة الواقع، ليرى كم أصبح دميما ودمويا.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

هل من "دولة" طائفية محتملة؟

تاريخ النشر: الثلاثاء 25 سبتمبر 2012

د. طيب تيزيني

الاتحاد

مع تعاظم الصراع العسكري الأمني في سوريا تتعقد الأحداث على الأرض، كما تتسع رقعة التساؤلات حول مصير "الدولة" المحتملة، يداً بيد مع بروز مشكلات هي، في أساسها، غريبة على التاريخ السوري الحديث والمعاصر تحديداً، وفي مقدمتها مشكلة الطوائف والدول الطائفية. ولا سبيل هنا إلى تجاوز السؤال التالي، ذي البعدين الاثنين: هل استطاعت اتفاقية "سايكس بيكو" الفرنسية الاستعمارية تحقيق "دولة طائفية" في سوريا سُنيّة أو علوية أو درزية...إلخ، وفي الشق الثاني يبرز السؤال فيما إذا كانت هذه "الدولة" الطائفية قد مثّلت مشروعاً "وطنياً" لدى فريق أو آخر؟

إن الإشكالية السابقة، بما يلحق بها من حيثيات، ظهرت بالتاريخ السوري الحديث والراهن في حالتين اثنتين، حالة ارتبطت بالمشاريع الاستعمارية، وأخرى ظهرت مقترنة بحلول طرحتها نظم ديكتاتورية واستبدادية بوصفها (أي الحلول) طريقاً إلى إحكام السيطرة على الشعب السوري. وفي كلتا الحالتين، ظهر الانتماء الديني والآخر الطائفي بوصفهما طريقين إلى تحقيق ذلك. فكما أشرنا إلى "سايكس بيكو" على أنها المشروع الفرنسي لتفتيت سوريا وفق طوائفها (وهذا فشل فشلاً ذريعاً)، فكذلك نشير إلى ما أخذ يطرح نفسه بسوريا في سياق الانتفاضة الثورية وضدها تحت عبارة "ضرورة تحرير الطوائف الصغيرة من هيمنة الطائفة الكبيرة".

فإذا أخفقت الطائفية من الخارج، فإنها تجد نهاياتها في الداخل الآن وغداً. فلقد كان إجماع على إدانة الطائفية في سوريا بوصفها مشروعاً استعمارياً، وذلك الإجماع الذي ظهر خصوصاً عبر رجال سوريا الكبار في حينه: سلطان الأطرش، وصالح العلي، وفارس الخوري، ويوسف العظمة، وإبراهيم هنانو وغيرهم، كان هنالك المشروع الاستعماري ومنه الصهيوني، الذي حاول حتى بالسلاح إخراج سوريا من الامبراطورية العثمانية الآخذة بالتفكك ومن الحرب الأولى والثانية، مقسمةً متهالكة.

وإذ نجح الاستعمار الغربي في تمزيق الوطن العربي، إلا أنه ظل عاجزاً أمام تقسيم سوريا إلى دول أو كانتونات طائفية، بل إن تحقيق استقلالها عام 1946 كان منطلقاً لمشروع وطني، لم يستمر طويلاً. فلقد جاءت الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 لتحقق مدخلاً إلى الوحدة العربية، لكن بعد أن انتُزع من القطرين ما يوطّد وحدتهما، وهو المجتمع السياسي والحراك السياسي والتعددية السياسية الحزبية.

ولم يطل الأمر كثيراً، فجرى تفكيك الوحدة، لتدخل سوريا مرحلة جديدة اتّسمت بالضعف، بحيث قاد ذلك إلى إدخالها ثانية في عجلة الانقلابات العسكرية. وتأتي ثالثة الأثافي حين ينجح انقلاب عام 1963، لينشأ مشروع غير مسبوق يُدخل سوريا في حالة جديدة من الحكم السلطوي، ونعني بذلك حكم الدولة الأمنية، التي تتجاوز مطامع الدولة الانقلابية العسكرية. لتؤسس، بقوة وبشمول، لسلطة كلّية لم تعد تكتفي بالنظر إلى خصمها متمثلاً في طُغَمٍ عسكرية ومدنية انقلابية. لقد ظهر "الخصم الجديد" متمثلاً في المجتمع السوري برمته، وإذن يجب أن تجفف سوريا من كل المشاريع التغييرية الوطنية، لبقائها حقلاً جيوسياسياً يختزل تاريخها بمقولة "إلى الأبد".

أمّا ما لم يُؤخذ بالحسبان فهو إن التاريخ "القومي أو الوطني أو العالمي" لا يمكن أن يُغلق لصالح نسق واحد، وهنا المفاجأة لأولئك الذين وضعوا حساباتهم بمقتضى الأبدية. لقد أخفق فوكوياما، وكذلك أخفق هؤلاء. ها هنا برز ما كان غائباً نسبياً عن البال: إنه محاولة إنتاج رهانات تحافظ على الأبدية. ومن هذه الرهانات، راحت تبرز الحروب الطائفية، والأخرى الأهلية، والثالثة التحالفات مع قوى أجنبية تسعى، كذلك، إلى امتطاء الكون كله. لقد عادت رهانات الطائفية يداً بيد مع مشاريع الأبدية الزائفة المؤسسة على رباعية الاستئثار بالسلطة وبالثروة والإعلام والمرجعية الاجتماعية السياسية.

د. طيب تيزيني

أستاذ الفلسفة - جامعة دمشق

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الإبرهيمي: إطفائي ينتظر دعوة!

علي حماده

2012-09-25

النهار

لن يحصل اي تغيير فعلي في المعطى السوري قبل حصول تطور نوعي في موازين القوى على الارض. والتطور النوعي لن يحصل قبل ان يتغير موقف الدول العربية الداعمة للثورة ومن ورائها الولايات المتحدة لناحية رفع مستوى المساعدات العسكرية للثورة، عبر تسليم الجيش الحر سلاحا متطورا ضد سلاحي الطيران والدبابات. هذا هو الاستنتاج الاول الذي يخرج به المراقب لمسار مهمة الاخضر الابرهيمي الذي احاط مجلس الامن امس بالوضع في سوريا، واكتفى بالقول انه لا يملك خطة كاملة لحل الازمة السورية، وانه لم يسحب "خطة انان" ببنودها الستة عن الطاولة. ولعل كلام وزير خارجية المانيا الذي تحدث مباشرة بعد اجتماع مجلس الامن بالابرهيمي، والذي اكد فيه ان "لا بديل من خطة كوفي انان"، كان الاوضح لناحية عجز مجلس الامن والامم المتحدة عن القيام بعمل فاعل يوقف المذبحة القائمة في سوريا. وكان لافتا ان اجتماع مجلس الامن المغلق للاستماع الى الابرهيمي جاء على مستوى السفراء، ما خلا وزير الخارجية الماني، بما اوحى سلفا ان الامم المتحدة باقية على هامش الازمة ريثما تفتح كوة جدية يمكن العبور منها للعودة الى "خطة انان" بقيادة الابرهيمي الذي يوصف بالاطفائي الذي ينتظر دعوة لاطفاء الحريق!

إذاً لا جديد في ملف الازمة السورية. الامم المتحدة ومعها الابرهيمي في غرفة الانتظار، والارض هي المسرح الحقيقي للتطور المنتظر، وهو لن يكون الا عسكريا. وبالرغم من الدعاية التي احاطت انعقاد ما سمي "مؤتمر الانقاذ الوطني "الذي نظمته" هيئة التنسيق الوطنية "المعتبرة مجازا بأنها معارضة الداخل، فإن مشاركة سفراء روسيا والصين وايران فيه، واعلان سفير الاخيرة محمد رضا شيباني انه امن الضمانات الامنية اللازمة لانعقاد المؤتمر من دون ان يتعرض المشاركون لمضايقات النظام اضعف المؤتمر، ووضعه في مواجهة مع مناخ شعبي داخلي، يعتبر ان ايران تشارك في سفك دماء السوريين اما مباشرة واما عبر عناصر من "حزب الله". ومع ذلك كان لافتا ان يكون العنوان الابرز في المؤتمر المعارض المحمي هو "اسقاط النظام بكل رموزه ومرتكزاته" ليدل على انه، حتى محاولات شراء الوقت والمناورة الايرانية - الروسية - الصينية ما عاد في الوسع حرفها عن عنوان "اسقاط النظام". وهذا بالتحديد ما ينبغي لبشار الاسد ان يعيه اليوم. ان المعلومات المستقاة من الارض، تشير الى ان التطور الميداني المنتظر الذي سيبدل في المعطى الاستراتيجي سيركز على امرين: الاول، سقوط حلب بالكامل في ايدي الثوار. والثاني، سقوط كل المنطقة الشمالية الممتدة من ريف ادلب الى ريف حلب وعمقها الحدود مع تركيا.

في الانتظار: بشار يخسر مزيدا من الارض، وعبد الباسط سيدا يتلقى دعوة اممية رسمية لحضور اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة في موازاة مشاركة وليد المعلم ممثلا للدولة السورية: اقتربت النهاية!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الحل التفاعلي والقنابل البرميلية!

راجح الخوري

2012-09-25

النهار

كرر سيرغي لافروف الموقف الروسي من الأزمة السورية على مسامع وفد "مجلس العلاقات العربية والدولية" الذي زار موسكو في محاولة لكسر جليد "الفيتو"، الذي عطّل مجلس الامن ويدفع بالوضع في سوريا نحو مزيد من المآسي.

ليس جديداً ان تقول موسكو للوفد انها غير متمسكة ببقاء النظام او رحيله لأن هذا الأمر يقرره الشعب السوري بنفسه من دون أي تدخل يعيد سيناريو الحال الليبية التي ترفض روسيا تكرارها، ولكن ليس خافياً على احد ان هذا الموقف يشكل الغطاء المثالي لاستمرار المذبحة التي بدأت قبل 18 شهراً.

صحيح ان شعار”الشعب السوري هو الذي يقرر مصيره” يعكس مبدأ محترماً يفترض الا يجادل احد في احقيته، لكن كيف يمكن هذا الشعب ان يقرر مصيره فعلا اذا كان النظام يصر على انه هو الذي يملك الحق في أن يقرر له هذا المصير الذي يراوح بين أمرين:

إما ان يقبل باصلاحات على طريقة الباب الدوّار، بمعنى دخول المعارضة وخروجها من دون أي تغيير والاكتفاء باصلاحات شكلية تبقي النظام وآليات حكمه الشمولي، وإما ان يستمر في تطبيق الحل الأمني الذي يشهد العالم فصوله اليومية الكارثية!

ليس واضحاً ما معنى قول محمد الصقر الذي ترأس الوفد العربي ان “لافروف اعطى تفويضاً للمجلس لاعداد مبادرة تفاعلية بشأن القضية السورية وتقديمها الى روسيا لإيجاد وسيلة لحل الازمة وحقن الدماء”، ومن الضروري السؤال: “بأي حق ينصّب لافروف روسيا وصياً على الحلول في سوريا، ولماذا يسمح لموسكو بأن تقرر عن الشعب السوري وهل يظن ان كلامه يمكن ان يخفي تمسك بلاده بموقفها التعطيلي؟ ثم بأي حق يوافق الوفد العربي على البحث عن حل “تفاعلي”يرفعه الى روسيا وماذا يعني بالتفاعل بعدما وصلت الامور في سوريا الى معادلة مقفلة:

نظام مصمم على القتال حتى آخر سوري في معركة لن يكسبها، فحيث يسقط قتيل ينهض عشرة مقاتلين في مقابل معارضة مصممة على القتال حتى آخر نقطة دم في معركة لن تبقي حجراً على حجر؟

يجب ان نتذكر ان موسكو لم تتحدث قط عن قبولها بأن يقرر الشعب السوري مصيره وتغيير النظام إلا بعدما تجاوز عدد القتلى الـ15 الفاً أي منذ اشهر، وبعدما ثبت لها فشل الحل العسكري الذي اشترت له الوقت تلو الوقت وهي تعطل مجلس الأمن وتفشل مبادرة الجامعة العربية على يد لافروف الذي وصل الى القاهرة وقام بتفخيخ مضمون مبدأ “الانتقال السياسي” على الطريقة اليمنية، وقد تأكد هذا عملياً بعد استعمال الفيتو ثلاث مرات... فمن اين يأتي ايها السادة الحل التفاعلي ان لم يكن من القنابل البرميلية؟!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

تساؤلات لافتة حيال مؤتمر معارضي الداخل

هل عدّل النظام السوري سقف التفاوض؟

روزانا بومنصف

2012-09-25

النهار

استرعت اهتمام متابعي الوضع في سوريا، وهم كثر، جملة عناصر في اجتماع معارضة الداخل في مؤتمر عشية انطلاق اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة حيث يتوقع ان يكون الموضوع السوري على جدول اعمال كل اللقاءات ومحور كل الكلمات التي ستلقى فيه بما فيه اجتماع مرتقب للرباعية الاقليمية التي تضم ايران ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا سيعقد على هامش اللقاءات في نيويورك. فالمؤتمر بدا، وفقا لهؤلاء المتابعين ووفقا لتوقيته الذي لا يمكن عدم اخذه في الاعتبار، بمثابة رسالة موجهة الى مجموعة الدول المعنية والمتابعة للوضع السوري حملها مضمون المؤتمر ونتائجه كما الى الامم المتحدة التي كان يستعد مبعوثها الى سوريا الاخضر الابرهيمي لالقاء كلمة يعرض فيها خلاصة زيارته لسوريا والاتصالات التي اجراها وما يمكن القيام به. ووفقا لشكل المؤتمر وظروفه كما لمضمونه رصد المتابعون جملة ملاحظات حملت في طياتها استنتاجات هي اقرب الى التساؤلات منها الى الحكم عليها كاستخلاصات : اولا ان المؤتمر عقد في قلب العاصمة السورية على رغم ضغوط تمثلت في خطف النظام ثلاثة من المعارضين المشاركين فيه الى المطار نفى النظام مسؤوليته عن خطفهم فيما اكد المؤتمرون ضلوع هذا الاخير ومسؤوليته في هذا الاطار. لكن بدا في هذا الشق انه رسالة عن استعداد النظام للانفتاح بمقدار كبير حتى على معارضة تطلب رأسه. ثانيا انه ضم غالبية فصائل المعارضة الداخلية التي قالت او تبنت مضمون او خلاصة مضمون معارضة الخارج التي تقول برحيل النظام ورموزه ايضا بما في ذلك مؤتمر القاهرة الذي عقد قبل حين لفصائل المعارضة. وهذا المؤتمر وعلى عكس المؤتمر الذي عقد في حزيران الماضي لاطياف المعارضة نفسها التي طالبت حينذاك بالتغيير انما من ضمن النظام هو اكثر تقدما وتطورا لجهة مطالبها راهنا بتغيير النظام برموزه كافة ونزع علم المعارضة من الخارج ونقله الى الداخل. يضاف الى ذلك ان هذا المؤتمر الذي عقد بحضور الدول الداعمة للنظام اي روسيا والصين وايران والجزائر يفيد برعاية هذه الدول لهذه المعارضة ومساندتها لها في ما يعتقد انه عرض غير مباشر الى الدول الغربية بتبني هذا الخيار الذي يقوم على معارضة مختلفة عن معارضة الخارج او الثوار المسلحين من حيث عدم شمول معارضة الداخل او تضمنها عناصر من الاخوان المسلمين او من السلفيين او من القاعدة وفقا لما باتت تتهم به المعارضة الثورية والمسلحة اضافة الى ان هذه المعارضة تطالب بتغيير كامل للنظام ورموزه انما من دون حروب وعنف وسلميا اي من خلال التفاوض. ثالثا ان ما يدفع الى هذا الاعتقاد ان ما رفعته المعارضة الداخلية من عناوين هو جريء بدرجة كبيرة اي تغيير النظام بكل رموزه واتاحة النظام او سماحه بحصول ذلك في قلب العاصمة السورية يثير تساؤلات عن الهدف من هذا الهامش الكبير الذي اتاحه الرئيس السوري للمؤتمرين ورغبته في توظيفه لمصلحته. فليس هامش الديموقراطية او الحرية والتعددية الذي برز فجأة هو ما يثير تساؤلات، بل يتعدى هذا الهامش الى ما يمكن تقبله الى حدود هي بمثابة انقلاب لا يمكن النظام قبوله ما لم يكن يرمي الى هدف ما من ورائه. والمؤتمر يأتي غداة زيارة وزير الخارجية الايراني علي اكبر صالحي لدمشق حاملا ما قيل انها مبادرة ايرانية للحل من نقاط عدة بلورها على اثر اجتماع للرباعية الاقليمية التي انعقدت في القاهرة اخيرا وغابت عنها المملكة السعودية. وفيما وزعت وكالات الانباء الايرانية نقاط هذه المبادرة ومضمونها والذي كان ابرزها نشر مراقبين من الدول الاقليمية في سوريا، فان احدا لم يسمع عن هذه المبادرة بعد اللقاء الذي عقده وزير الخارجية الايراني مع الرئيس السوري بشار الاسد او ما اذا كانت عرضت عليه او لم تعرض او اذا قبلها او قبل بعض بنودها او لم يقبل.

في رأي هؤلاء المتابعين ان المؤتمر هو مؤشر على ضعف من النظام لجهة قبوله ليس بانعقاد المؤتمر بل بقبوله بتحديد سقف مطالبه بتغيير النظام. وهو ما يشكل نوعا من التراجع لدى النظام من حيث عدم قبوله سابقا الا اصلاحا من ضمن النظام. واستعداده راهنا للمفاوضة على تغيير النظام انطلاقا من استعداده للحوار مع معارضة الداخل كما سبق ان قال وليس مع معارضة الخارج يعني ان سقف التفاوض لديه قد تغير وبات مستعدا للتفاوض على تغيير النظام وليس فقط على اصلاح من ضمنه خصوصا ان كل الاصلاحات التي قال انه قام بها قد استنفدت ولم تنجح. وتاليا فان الاسئلة التي تثار في هذا الصدد تتصل بما اذا كان المؤتمر هو العرض الذي سيجذب الاميركيين والغربيين عموما الى حل في سوريا بناء على تفاوض يجري بين رأس النظام ومعارضيه في الداخل على تغيير النظام في ضوء خلو هذه المعارضة من العناصر الاصولية او السلفية التي تخشاها الولايات المتحدة والدول الغربية؟ او ايضا اذا كان هذا العرض يلقى وسيلقى دعما وتبنيا من روسيا والصين وايران على اساس انه الحل الممكن الذي يمكن السير به انطلاقا من انه يمكن ان يحفظ مصالح هذه الدول في سوريا المستقبل بعد رحيل النظام بالتفاوض معه في حين ان المعارضة الخارجية قد لا تفعل ذلك بعد الدعم العسكري والسياسي الذي قدمته هذه الدول ولا تزال للنظام السوري ومساعدته على البقاء؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*- 

في تقدير الموقف :
في فقه اليوم التالي
عدالة الغد تصنعونها اليوم
زهير سالم*

كأننا عشنا ونعيش في ظل الزمرة المجرمة التي تسلطت على وطننا على مدى أربعين عاما في أمن وأمان وسلامة وحب ووئام . فما أن يلوح في الأفق إمكان أن يعود الوطن إلى أيدي بنيه ، حتى يسارع البعض إلى حديث الهواجس ، والثرثرة حول العدل والأمن والمكانة والإمكان والكثرة والقلة . وكأن حكم هذه الزمرة التي عاثت في حضارة سورية وتاريخها وإنسانها فسادا كان هو بداية التاريخ وبنهايتها ستكون نهايته . وكأن هذا المجتمع السوري الواحد الموحد الممتد في عمق التاريخ والمتجدد على أيدي الفاتحين العظام من حملة حضارة ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا ) لم يبدأ في تصور هؤلاء إلا على يد زمرة الحقد والسخط . وكأن أكثر من مائة ألف سوري وقريبا منهم من اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين لم يذبحوا على يد هذه الزمرة الغارقة في الإجرام ، وكأن هذه الزمرة لم ( تشرعن ) الجريمة – كما يقول الأستاذ الحقوقي هيثم المالح – فتسنها قوانين تدين الأبرياء وتحمي المجرمين ؛ قوانين ليس أولها ولا آخرها القانون 49 / 1980 الذي حكم بالإعدام وبأثر رجعي على أبناء جماعة الإخوان المسلمين .

يقول لي أحدهم البعض خائفون !! فأقول له : كل الشرفاء من أبناء سورية كانوا خلال نصف قرن خائفين !! قتلوا أو اعتقلوا أو شردوا أو عاشوا خائفين ؛ يدخلون خائفين ، يخرجون خائفين ، ينامون خائفين ، يستقيظون خائفين ، يصمتون خائفين ، يتكلمون خائفين ، يصطفون في طابور الخبز والغاز والوقود وتحية العلم الوطني خائفين !! ومن لم يخف في سورية طوال ذاك العهد لم يكن منهم ؛ فهل هناك من يريد أن يقول إن خوف هؤلاء الشرفاء كان ثمن أمان بعض القلقين ؟! .

لا ينكر منصف أنه كان في تاريخ هذا المجتمع الممتد بعيدا بعض البغي والظلم والعدوان (( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ )) . ولكن أي منصف مطلع على حقائق التاريخ يستطيع ان يجزم أن الظلم الذي وقع على حضارة الوطن وإنسانه خلال نصف قرن من حكم هؤلاء الأشرار والمجرمين يتجاوز في حجمه وعمقه ما شهده تاريخ المنطقة على مدى ألف وخمس مائة عام من حكم أبنائها الحقيقيين ؛ من أمويين وعباسيين وسلاجقة وبويهيين وفاطميين وأيوبيين ومماليك وعثمانيين....

إن ترك ما نعيشه اليوم من واقع نازف والانشغال بهواجس ما يمكن أن يكون بالغد ليس فعل الراشدين . بل إن فعلنا الراشد اليوم هو الذي سيبسط ظله على الغد بلا شك . العقل العملي يفرض علينا أن نبادر ما نعيشه اليوم بما يستحق لا أن نترك الدم أنهارا تسيل ، ثم نظل نثرثر حول ما يمكن في الغد يكون . إنه مهما يكن شأن اليد التي سينتقل إليها أمر الوطن فلن تكون في سوءة اليد التي امتدت إلى جسد طفل طاهر اسمه حمزة الخطيب .
سينتقل أمر الوطن بلا شك إلى اليد الأكثر إحساسا بالمسئولية ، والأولى بأداء الأمانة والأوثق بالقيام على الضمانة مهما. وإن على كل الذين رأوا أو يرون في حكم زمرة الجريمة ضمانا لهم من جور أو أمانا لهم من خوف أن يراجعوا انتماءهم الوطني ، وأن يدركوا أنهم بموقفهم هذا يصنفون أنفسهم شركاء في كل الإثم الذي وقع على إنسان هذا الوطن خلال نصف قرن .

ومن العقل العملي ألا يُحجر على عاقل فيما يريد . وعلى الذين يتخوفون من غد يشعرون أنه قادم لا ريب فيه أن يبادروا مع المبادرين إلى وقف النفث في عقد الكراهية . فإنك لن تجني من الشوك العنب كما يقول السيد المسيح .

وقطع الطريق على طوفان الكراهية – الذي نأباه جميعا – لن يكون إلا بوقف مدده فورا ، أعني الآن ، أعني أن يترك كل الثرثارين ثرثرتهم ويبادروا بموقف واحد للأخذ على يد المسيء ، وأن يتفرغوا للتنديد بفعله ، ورفع الصوت الواحد في الإنكار عليه ، ودفع كل صاحب قدرة ليقول لفحيح الكراهية كفى أنت ستقتلنا بنتنك .

كتب إلي مواطن قتلوا ثلاثة من أبنائي أمام عيني بدون سبب إلى من أشتكي ؟! قلت والألم يعتصرني إلى الله ..فكروا فيه وفكروا بعقله وقلبه ونفسه وعلى طريقته . حاولوا إن كان في سورية ألف مثل هذا ألا يزيد الألفَ واحدٌ ؛ وإن نجحتم في صنع هذا فهذا خير لكم من ألف ورقة وألف ميثاق وألف عهد مكتوب ..

في القرية ( ع ..) بريف دمشق ، دخلوا على مواطن بيته هناك قام رجال الأسد باغتصابه أمام بناته وبنيه . لم ير الرجل لنفسه مكانا في الحياة فانتحر رحمه الله وتقبله في الشهداء . امنعوا هذا الحادث أن يتكرر ، انصرفوا إلى ذلك لا تضيعوا الوقت في التفكير كيف نجبر ما انكسر هذا لم يحن وقته بعد ، فكروا بل بادروا منع أي انكسار جديد .

بعض الناس لا يهمهم هذا الذي يحصل لأنهم لا يهمهم أمر الذين يحصل لهم هذا !!! من هؤلاء دول وحكومات وقيادات وممثلو أديان ونخب ؛ ولكن الذي يهمهم ما يمكن أن يحصل مع أنه احتمالي ، فقط يعنيهم لأنهم يتوقعون أن يمسهم من قريب أو من بعيد . عنصرية هي !! . أو هي نظرية شعب الله المختار في ثوب جديد !!

أسمع الكثير يحدثني عن عدالة وعن علاج عن طريق قضاء وطني نزيه وعن عقوبة وقصاص ؛ ولكن أي عاقل يريد هذا أصلا ؟ أي عاقل يفتح الباب للجريمة ليجد للقضاة شغلا ؟!! ولماذا لا نبادر إلى منع الجريمة ، والأخذ على يد المجرمين . في الشريعة الإسلامية التي يتخوف منها المتخوفون يقول الفقيه : ( العقوبة موانع قبل الفعل زواجر بعده ) . لماذا لا نترك الغد لواجبه ونبادر للتعاون على منع الاستغراق في الجريمة اليوم ؟! لماذا ..لماذا ؟!

الخوف من الغد وعليه يجب أن يجعل من مصادرة بذار الشر وبذار الخوف واجب اليوم . كلنا نسعى إلى الغد العادل الآمن الجميل الذي يعم كل المواطنين . والمقدمات الصحيحة هي التي تُوصلنا إلى النتائج صحيحة . من هنا نجدد الدعوة إلى وقف ضخ الكراهية ممارسة وسلوكا أولا ومن كل الأطراف ولا نبالي أن نقول لكل مخطئ أخطأت ولكل متجاوز تجاوزت .

نجدد الدعوة إلى بث خطاب وتعليم وتبشير ينطلق من ثقافة ومن واقع . نؤكد أن الواقع سوف يطغى على الثقافة . أي تفسير لقوله تعالى ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) يجرؤ معلم أن يقرره على أسرة الرجل في القرية ( ع ) الدمشقية ؟ كيف يمكن لمعلم مهما أوتي من الحكمة أن يزين الغفران لوالد الشباب الثلاثة الذين ذبحوا أمام أبيهم ؟!. أو لوالد أو والدة الطفلة ذات الرأس المقطوع ؟! يزعمون أن الرهبان في القسطنطينية كانوا ، والسلطان محمد الفاتح يحاصرها ، يتناقشون في جنس الملائكة ذكورا خلقهم الله أو إناثا أظن أن بعض الندوات هذه الأيام لا تفعل أكثر من هذا ...

والآن وليس غدا يجب أن ينطق الصامتون ...
وهذا بعض واجب الوقت الذي لا يجوز أن يشغلنا عنه التفكير بالغد . لا يمكن لإنسان يمتلك عقلا وقلبا وانتماء لهذا الوطن أن يسكت عن فصول الجريمة التي تدور تحت السمع والبصر ولا يكاد يخفى من أمرها شيء .ومرة أخرى تقول قواعد الشريعة التي منها يتخوفون ( والصمت في معرض البيان بيان ) . لا بد للجميع لضمان عدالة الغد وفتح آفاقه الزاهرة أن يقولوا كلمتهم في فصول الجريمة السوداء . لا يمكن للإنسان أن يعتلي صهوتين في وقت معا . والذين يغطون على الجريمة اليوم بأي شكل من أشكال التواري أو الصمت لا يمكن ألا يتحملوا مسئوليتهم عنها . ومرة أخرى نكرر الذي نريده هو تضييق دائرة الإثم ودائرة حامليه . على كل مواطن حر شريف أن يخرج نفسه من هذه الدائرة البغيضة السوداء . وعلى وجوه الناس ورموزهم ونخبهم ان تفعل هذا ، كلٌ على طريقته ، فتدين جريمة ، وتبرأ من إثم ، وتتعاطف مع ضحية ، وتتسخط على أمر نُكر . أما الصمت العريان اليوم فهو لن يساعدنا على العبور إلى الغد الذي نريد ..

أي رسالة سلبية يرسلها اللامبالون ...
وما يزال الذين يعتلون منابر المجتمع الدولي يقرؤون علينا رقاهم وتعاويذهم واشتراطاتهم ( امزجوا دم دجاجة سوداء مع ظلف نعجة بيضاء مع شيء من الطخا والنقاخ والعطلبيس وخصلة من شعر حيزبون أو دردبيس ) هذه الاشتراطات والمواعظ والرقى المشعوذة المعولمة لا يدري أصحابها أي رسالة سلبية إلى الشعب السوري يرسلون بلامبالتهم بعد سنة ونصف من سفك الدم البريء هم الاخرون يعبرون عن موقف مفروز على أسس إيديولوجية أو عنصرية .

الذي أريد أن أبدأهم به هو أن أرجوهم ان يتوقفوا عن الحديث عن الأقليات حبا مني وإيثارا لهذه الأقليات . أؤكد لهم أن تعاويذهم التي زادت عن حدها تكاد تنقلب إلى ضدها . يقول لك مواطن مفجوع بعرضه أو بولده إن الغرب لا يهمه أن يذبح 80 % من الشعب السوري كل الذي يهمه هو سلامة العشرين بالمئة ثم يغمز لك بعينه وأنت تعلم أنه لا يهتم كثيرا بشأن ...

رسالة اللامبالاة والسلبية أحدثت ارتدادات خطيرة على المفاهيم القيمية والكونية . الشعب السوري وهو شعب مسيس أكثر مما تتخيلون بدأ يعيد عملية التحليل والتركيب . يقول البعض ولذا نحن لا نريد مساعدته . وأقول لكم إذن معركتكم مع الشعوب ومع الشعب السوري الذي خذلتموه ستطول . لضمان بعض ما تتخوفون عليه في الغد اتركوا بينكم وبين هذا الشعب جسرا . أظنه لم يجرؤ أحد ليقول لكم أنتم تكادون تلحقون ببشار الأسد والروس والإيرانيين في تخريب كل الجسور .

قال لي أحدهم ألا تكتب عن استراتيجية اليوم التالي أجبته أنا مشغول باليوم الحالي .

لندن :7 / ذو القعدة / 1433
23 / 9 / 2012
____________
*مدير مركز الشرق العربي 

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

إيران والمنطقة ما بعد الأسد * ياسر الزعاترة

الدستور

25-9-2012

في غضون أقل من ثلاثة شهور وجه عدد من الوزراء والمسؤولين الإيرانيين رسالتين للمرشد خامنئي تتعلق بإدارة الشأن الداخلي في ظل أوضاع بالغة الصعوبة على الصعيد المعيشي للإنسان الإيراني، فيما يبدو أنه انتقاد خجول لإدارة أحمدي نجاد التي تعيش عامها الأخير في السلطة.

من المؤكد أن العقوبات الدولية قد ألقت بظلالها على الوضع الإيراني الداخلي، رغم أن السلطة لا زالت تفعل المستحيل من أجل الالتفاف على تلك العقوبات من خلال تهريب النفط بمساعدة دوائر عراقية، فضلا عن الجهود التي تبذل من خلال التجار الإيرانيين في الخليج.

يتزامن ذلك كله مع جهود استثنائية تبذلها السلطات الإيرانية لإسناد نظام بشار الأسد في سوريا، الأمر الذي يكلف الكثير من دون شك، لاسيما أن البعد الاقتصادي يبقى حاضرا إلى حد كبير؛ حيث تضطر إيران إلى ضخ الأموال من أجل الحيلولة دون سقوط النظام، الأمر الذي يضيف أعباءً إضافية على الاقتصاد الإيراني المتعب.

لا خلاف على أن إيران بدعمها الكبير لنظام الأسد إنما تحاول رفع سعرها في سوق التفاوض على مستقبل النظام، ولا يُعتقد أنها لا تزال مقتنعة بإمكانية بقائه إلى زمن طويل، لكنها تجاهد من أجل أن لا يكون سقوطه مدويا بما ينطوي على هزيمة لها من العيار الثقيل.

هي بكل بساطة تسعى لتأمين انتقال سلمي للسلطة لا يهمش العلويين الذين يهيمنون عمليا على المؤسسة العسكرية والأمنية، مع أن هناك من يرى أن نهج التدمير الذي يتبعه بشار الأسد إنما يهدف (بدعم وربما بمقترح إيراني) إلى إنشاء دويلة علوية تكون ركنا آخر لإيران في المنطقة تحول دون امتداد تداعيات سقوطه بشكل قوي على مصالحها في العراق ولبنان، إلى جانب تأمين الطائفة العلوية مما ترى أنه ينتظرها في حال سقوط النظام، مع أن ذلك قد يستخدم في سياق المساومة التالية أيضا.

والحال أن التفكير في الدويلة العلوية إنما هو نوع من العبث لأنها لن تصمد بأي حال مهما ضعفت الدولة المركزية بفعل نهج التدمير المتبع، أما الحديث عن صيغة سياسية تخفف من عبء الهزيمة على إيران، فهو نوع من العبث أيضا لأنها أصبحت العدو الأكبر في وعي السوريين، فضلا عن غالبية من العرب والمسلمين باتوا يقدمون العداء لإيران على العداء لأمريكا.

لا يتوقف الخوف الإيراني عند تداعيات سقوط الأسد، وإنما يتجاوزه إلى مسألة المشروع النووي الذي لا يستجلب العقوبات فحسب، وإنما يستجلب مخاوف من ضربة عسكرية إسرائيلية ستكون تداعياتها كبيرة بصرف النظر عن الردود العسكرية عليها.

إيران في هذا الملف حائرة بين خيارين؛ أولهما استمرار الصمود في مواجهة العقوبات وتحمل تداعياتها الصعبة داخليا، وثانيهما التراجع بما ينطوي عليه من هزيمة سياسية ستضاف إلى الهزيمة المتوقعة في سوريا، والنتيجة أن مشروع التمدد الذي اشتغلت عليه لمدة تزيد على عقدين من الزمان سينتهي إلى هزيمة صعبة، لا سيما أن سقوط الأسد سيتبعه من دون شك تصحيح للوضع السياسي في العراق ولبنان.

السؤال الكبير في هذا السياق هو تأثير ذلك كله على السياق الإيراني الداخلي، إذ لا بد أن يطرح المواطن الإيراني سؤالا كبيرا حول هذا المشروع الذي دفعت فيه إيران أثمانا باهظة وانتهى إلى فشل داخلي وخارجي.

مشاريع التمدد (الإمبريالية وفق التعبير المعروف) ينبغي أن تنتهي بثمار على الدولة صاحبة المشروع ومواطنيها، لأنها ليست للمباهاة فحسب، وحين ينتهي مشروع التمدد الإيراني إلى النهاية إياها فلا بد أن تتحمل القيادة التي تولت كبره كامل المسؤولية.

وفي حين يبدو أن المحافظين يمسكون بزمام الأمور بعد النجاح الكبير في تهميش ما يُعرف بالتيار الإصلاحي، فإن من غير المستبعد أن يفرز الشارع الإيراني قيادته الجديدة التي سترفع الصوت ضد ما يجري وتبشر بربيع إيراني يشبه الربيع العربي.

إذا لم يحدث مثل هذا التحول سلميا من خلال الانتخابات، وهو ما يبدو صعبا بسبب إمساك المحافظين بتلابيب الوضع الداخلي، فإنه سيحدث بثورة شعبية، والنتيجة أن إيران بعد هذه المرحلة لن تكون هي ذاتها قبلها.

إشكالية هذا التطور في المشهد الإيراني هو أنه قد يأتي بتيار لا يجد بعض رموزه حرجا في التحالف مع الأمريكان والصهاينة من أجل المصلحة القومية البحت، لكنه سيكون في نهاية المطاف مضطرا تحت وطأة التماسك العربي بعد الثورات ومعه الوضع التركي الصاعد، سيكون مضطرا لأن يتوصل لتفاهمات مع المحورين المذكورين. مع أن ذلك سيكون المسار الطبيعي لأي تيار في السلطة مهما كان لونه وشكله، اللهم إلا إذا قبل أن يلعب دور مخلب القط للمصالح الغربية كما كان حال الشاه.

الصراع بين محاور المنطقة الثلاثة لا يخدم غير الغرب الاستعماري المعني بسياسة فرق تسد، وحين تتواضع إيران بعد التطورات الجديدة سيكون بالإمكان التوصل معها لتفاهمات سياسية بعيدا عن الحشد المذهبي الذي يسود المنطقة.

خلاصة القول هي أن تطورات الربيع العربي، ومن ضمنها الثورة السورية ستكون خيرا على المنطقة، وبالضرورة على فلسطين أكثر من الوضع القديم الذي لم يهدد الكيان الصهيوني وإن حال دون تمدده كما خطط لذلك من خلال مشروع أوسلو وبعد ذلك حرب العراق التي انتهت بهزيمة أمريكية ساهمت في تحجيم نفوذها على نحو أضر وسيضر لاحقا بالمصالح الإسرائيلية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الرعاية الخارجية لمعارضة الداخل

وليد شقير

الثلاثاء ٢٥ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

كان من الطبيعي أن يتساوى الاهتمام بالحضور الديبلوماسي الروسي والصيني والإيراني، لمؤتمر «الإنقاذ الوطني» في سورية، مع سماح النظام بعقد هذا المؤتمر في قلب دمشق، وإعلان مكوناته أن التغيير والحل في سورية يتمان «بإسقاط النظام بكل رموزه ومرتكزاته».

بل ان هذا الحضور الثلاثي طغى على حضور ديبلوماسي لدول أخرى في المؤتمر وعلى قراراته، لأن منظميه أنفسهم، لا سيما هيئة التنسيق الوطني للتغيير، صرحوا بأنهم طلبوا من الدول الثلاث ضمان أمن المؤتمر وسماح النظام بعقده من دون التعرض لرموزه، كما حصل حين «خُطف» ثلاثة من رموزه قبل أيام.

وبصرف النظر عن السجال الدائر بين معارضي الداخل الذين تشكل منهم المؤتمر، وبين معارضي الخارج، ومهما كانت الاتهامات المتبادلة التي تكشف مرة أخرى ثغرة كبرى في قدرة معارضي النظام على التوحّد، لا بد من أن يلاحظ المرء بأن اضطرار النظام الى السماح بعقد هذا المؤتمر، مع ما خرج عنه، لم يكن ليحصل لولا التقدم الذي حققه معارضوه على الأرض وسيطرتهم عسكرياً على مزيد من المناطق، على رغم استمرار التوازن في ميزان القوى. وهو توازن قائم على أن الرئيس السوري بشار الأسد غير قادر على الحسم ضد المعارضة (بكل أشكالها) وأن الأخيرة غير قادرة بعد على إسقاطه، مع ما يرافق ذلك من مآس نتيجة إنكار الأسد لوجود ثورة وثوار ضده ولعمليات القتل المنهجي الذي يمارسه ضد شعبه.

وإذا كان الاستنتاج نفسه ينطبق على الرعاية الروسية – الصينية – الإيرانية للمؤتمر، لأنه لم يكن ممكناً للدول الثلاث أن تفعل ذلك لولا شعورها بأن نظام الأسد يخسر المزيد على الأرض وأن رقعة سيطرته تتآكل، فإن لتلك الرعاية وظيفة محددة في حلبة المداولات الدولية حول الأزمة السورية.

وعلى رغم أن الوثيقة السياسية الصادرة عن مؤتمر معارضة الداخل تبنت «وثيقة العهد» (اتفق عليها في القاهرة في 3 تموز/ يوليو) التي أقرتها أطياف معارضة الخارج والداخل والتي تنص على أن «الحل السياسي يبدأ بتنحية بشار الأسد ورموز السلطة ومحاسبة المتورطين منهم في قتل السوريين»، فإن موسكو وبكين وطهران تحتاج الى هذه اللهجة العالية لمعارضي الداخل، لتأخذ كل منها ما يناسبها من وثيقة المؤتمر ومنها وقف العنف فوراً من جانب النظام والتزام باقي أطراف المعارضة ذلك وقيام رقابة دولية وعربية على ذلك ومطالبة المبعوث الدولي العربي الأخضر الإبراهيمي بالدعوة الى مؤتمر دولي حول سورية للبحث في أفضل السبل السياسية للبدء بمرحلة انتقالية.

النقطة الأخيرة هي بيت القصيد بالنسبة الى موسكو وبكين وطهران، وهي الأهم في تبرير رعايتها للمؤتمر، والأرجح أنها مارست ضغوطاً على النظام كي يتيح عقد المؤتمر بسبب هذه النقطة بالذات متجاوزة إصرار مكوناته على إعطاء الأولوية لرحيل الأسد. فهي لم تغيّر موقفها الرافض لاعتبار تنحيه حجر الزاوية في الحل السياسي تارة بذريعة أن الشعب السوري هو الذي يفصل في الأمر كما تقول موسكو، وأخرى باعتبارها هذا المطلب «وهماً» كما تقول طهران (التي يتردد في بعض الأروقة الديبلوماسية أنها تتشدد في هذه المسألة الى درجة حديث مسؤوليها عن أن البديل هو ماهر الأسد).

هكذا يصبح «رفض التدخل الخارجي» في أدبيات الدول الثلاث وبعض المعارضة السورية، حيال الأزمة، شعاراً يناقض الدعوة الى عقد مؤتمر دولي مع رقابة دولية وعربية. وما يبرر هذا التناقض أن الدول الثلاث تسابق التطورات على الأرض التي تزيد إضعاف النظام، وتستبق بهذا الطرح الطروحات الغربية بإمكان رفع مستوى الدعم لـ «الجيش السوري الحر»، وتضع على الطاولة اقتراحاً مستنداً الى الداخل السوري، في مداولات نيويورك لمناسبة عقد الجمعية العمومية للأمم المتحدة والتي ستكون الأزمة السورية أساساً فيها، بين رؤساء الدول وفي مشاريع القرارات التي قد تُطرح.

وفضلاً عن أن فكرة المؤتمر الدولي هي توسيع لمؤتمر جنيف الذي عقد آخر حزيران (يونيو) الماضي والذي استبعدت عنه طهران (والسعودية)، فمن نافل القول إن عقد مؤتمر كهذا، يتطلب التمهيد له بتفاهمات أميركية – روسية وإيرانية – أميركية، إذا كانت الدول المعنية كافة تربط مواقفها من الأزمة السورية بالملفات العالقة بينها. كما أن جهداً دولياً بهذا المستوى يحجم المبادرة المصرية التي أفضت الى قيام مجموعة الاتصال الرباعية.

وفي الانتظار، بصرف النظر عن النية الحسنة عند معارضي الداخل في الدعوة الى وقف العنف فوراً، فإن الإجابة على المطلب أتت من الأسد نفسه حين التقى الإبراهيمي في 15 الجاري عندما قال له إن «المشكلة الحقيقية هي الخلط بين المحور السياسي وبين ما يحصل على الأرض». وهو ما يعني أنه يقبل بالحوار، بموازاة استمرار المعارك وعمليات القتل بلا هوادة. وهو سبق أن قال إنه سينتصر في الحرب عليه مهما كان الثمن.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سورية بين مطرقة التدخل وسندان التفتت

وليد محمود عبد الناصر *

الثلاثاء ٢٥ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

أدى التصاعد التراجيدي للأحداث وتضاعف حمامات الدم في القطر العربي الشقيق سورية على مدى الأشهر المنصرمة منذ آذار (مارس) 2011 إلى تدرج دراماتيكي مواز انعكس في المزيد من تراجع وتضاؤل الخيارات المتاحة أمام الأطراف الرئيسية المتصارعة للخروج من الأزمة المحكمة، والتي باتت في واقع الأمر أقرب إلى الدائرة الجهنمية المفرغة التي يرى كثيرون أنه لا فكاك أو خروج منها إلى حالة أفضل، وأن كافة السيناريوات ذات الطابع العملي المطروحة يؤدي كل منها إلى نتيجة أو أخرى قد تكون أكثر سوداوية وأبعث على التشاؤم.

ولا جدال في أن العوامل التي تؤثر على معطيات الوضع في سورية وتحدد مسار الأحداث كثيرة ومتنوعة، كما تختلف في حجم تأثير كل منها وتتفاوت في مدى الثقل، وبينما يعتبر بعضها من الثوابت يمكن أن يندرج البعض الآخر ضمن فئة المتغيرات، كما أن التفاعل في ما بينها يولد بشكل مستمر عوامل جديدة تدخل في المعادلة السورية بكل قوة، وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة التنبؤ. ومع أخذ كل ذلك في الاعتبار، فإننا سنحاول هنا أن نتناول عاملين قد يبدو أنهما مرتبطان بسيناريوَين مختلفين، مع الإقرار بأن أحد هذين العاملين هو بمثابة متغير ضمن متغيرات أخرى، بينما الآخر إحدى النتائج المطروحة للتردي الحالي والمتواصل.

والعاملان هما: التدخل الخارجي، والمقصود أساساً التدخل العسكري، والذي ينظر إليه البعض كوسيلة للتعامل مع الوضع الراهن بهدف وقف نزيف الدم وإيصال الأمور إلى نتيجة أفضل، بينما ينظر إليه البعض الآخر باعتباره متغيراً سوف يؤدي إلى المزيد من التدهور مستشهدين بما حدث في العراق وبما لا يزال يحدث في ليبيا. أما العامل الثاني فأشبه بالمحصلة التي يخشاها كثيرون وينظرون إليها باعتبارها كابوساً مظلماً مستحضرين الحال في العراق الآن، ومشتمّين حراكاً مشابهاً في ليبيا، ومحذرين من تنفيذ تدريجي لمخطط تفتيت للمنطقة العربية، وهو ما يراهن البعض على أنها نتيجة غير قابلة للتحقيق على أرض الواقع لأنها تناقض مصالح معظم الأطراف المعنية، ويعتبره البعض الثالث وسيلة لتحقيق أحلام تاريخية تداعب منذ زمن خيال جماعات قومية ومذهبية وأنه قد يكون مدخلاً للسلام والاستقرار، وأعني هنا انهيار الدولة وتفتت الكيان السوري إلى كيانات أصغر على أسس طائفية عرقية أو دينية أو مذهبية بما يعيد إنتاج سيناريو البلقنة القديم.

وقد يتساءل القارئ عن كيفية المقارنة بين وسيلة ونتيجة، حيث أن المقارنة تجوز عادة بين عاملين من نفس النوع، وهو تساؤل مشروع. إلا أن سبب المقارنة هنا أيضاً له وجاهته، وهو أن التدخل العسكري الخارجي، وهو الوسيلة هنا، يعتبر من وجهة نظر البعض السبيل إلى تفادي النتيجة، وهي تفتت الدولة السورية، بينما ينظر إليه البعض الآخر باعتباره سبيلاً سوف يؤدي إلى ضمان تحقيق هذه النتيجة، بل ربما الإسراع بالوصول إليها.

وإذا أردنا تناول التدخل العسكري، يتعين علينا بداية أن نعود بهذا المفهوم إلى أصوله. فقد كانت إرهاصات الحديث عما سماه البعض «التدخل الإنساني» قد تزامنت مع الغزو العراقي للكويت ثم حرب تحرير الكويت وما صاحب ذلك من قيام النظام العراقي حينذاك بعمليات واسعة ضد الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب، وقد أدت العمليات ضد الأكراد تحديداً إلى إثارة ردود فعل غاضبة على المستوى العالمي، خاصة في الدول الغربية، ما دفع، مثلاً، بالوزير الفرنسي آنذاك برنار كوشنير إلى الدفع بأطروحة «التدخل الإنساني» كغطاء يكتسب مشروعية قانونية دولية لتبرير تدخل عسكري أجنبي في الشؤون الداخلية لدولة يُفترض أنها مستقلة وذات سيادة تحت مبرر أن النظام السياسي الحاكم في هذه الدولة يمارس العنف ضد شعبه، أو ضد قطاعات منه.

ومنذ ذلك التاريخ، تم استخدام هذا المفهوم لتبرير تدخلات عسكرية خارجية في شؤون دول تعاني من درجة متقدمة من الاضطرابات والقلاقل، وذلك بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل، على رغم أن هذا المفهوم لم يتم تعريفه بشكل محدد منذ بدء الترويج له وحتى لحظتنا الراهنة.

والتدخل المطروح في الحالة السورية غير واضح المعالم بعد، في ضوء حقيقة أن الأطراف الرئيسية الفاعلة والقادرة عليه، سواء إقليمية أو دولية، تعلن حتى اللحظة، على الأقل في مواقفها الرسمية، عدم رغبتها في القيام به، مما يضفي المزيد من الغموض على حدوده وأبعاده والأهداف المتوخاة منه، وإن كان أحد هذه الأهداف المفترض تحققها ضمان إنهاء الصراع بشكل لا يؤثر سلباً على وحدة الأراضي السورية. إلا أن تحقيق هذا الهدف ليس أمراً مضموناً، فأطراف التدخل قد يختلفون في ما بينهم في دوافعهم للتدخل، كما أن الأطراف المحلية للصراع قد يسعى كل منها بدوره إلى توظيف هذا التدخل لمصالحة الضيقة مع الضرب بعرض الحائط لهدف الحفاظ على وحدة الدولة أو سلامتها الإقليمية، وقد علمتنا تجارب بعيدة وقريبة أن هذه المخاوف لها مبرراتها.

أما مسألة تفتت الدولة أو تعرضها للبلقنة فيشكل هاجساً ليس فقط لقوى سياسية في الداخل السوري، بل ربما أكثر لدى الأطراف الإقليمية، أو لنقل على الأقل غالبيتها، بخاصة العربية منها، التي تعتبر أي تقسيم لأراضي الدولة السورية استمراراً، بل وتسريعاً، لنمط بدأ منذ حوالى عقدين، وأنه يكسب هذا النمط زخماً وقد تترتب عليه تداعيات أخرى تؤدي إلى انتقال «العدوى» إلى أراضي دول أخرى في المنطقة، بخاصة دول مجاورة لسورية جغرافياً، وربما سيادة حالة من الفوضى الإقليمية، وربما حروب أهلية ممتدة زمنياً ومتسعة مكانياً.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل ستعيد أطراف إقليمية معينة النظر في مواقفها الراهنة الرافضة، أو على الأقل المتحفظة، تجاه التدخل العسكري في سورية بعد تجاوز استحقاقات معينة، مثل الانتخابات الرئاسية الأميركية، وربما تحت لافتة «إنقاذ الدولة السورية»، سواء كان الشعار حقيقياً أم لا، أم سيستمر تصاعد الاستقطاب الطائفي في الصراع داخل سورية ليصل إلى تقسيم فعلي، وإن لم يكن رسمياً، للأراضي السورية، أم ستستطيع أطراف إقليمية أو دولية، فرادى أو مجتمعة، بلورة تحرك في اتجاه ينأى بسورية عن الخيارين اللذين أحلاهما مر، وهما التدخل العسكري الخارجي أو ضياع وحدة الأراضي السورية؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مؤتمر دمشق

علي ابراهيم

الشرق الاوسط

25-9-2012

أيا تكن اعتراضات المعارضة السورية الرئيسية للنظام التي لجأت إلى السلاح على الأرض في وجه حملة القمع الشرسة، فإن ما طرح في «مؤتمر الإنقاذ» في دمشق أول من أمس بمشاركة 20 حزبا وتيارا سياسيا وشخصيات معارضة، له دلالته المهمة على أن النظام وحلفاءه بدأوا يدركون أنهم في طريق مسدود.

فقد لا يكون الحاضرون لهذا المؤتمر الذين تتهمهم بقية فصائل المعارضة بأنهم معارضة غير حقيقية، قد تحدثوا في بيانهم بشكل صريح عن رحيل الأسد، لكن بيانهم الذي جاء من قلب دمشق تحدث عن العمل على إسقاط النظام بكل رموزه ومرتكزاته، وذلك تحت عين وفي قلب عرين النظام وآلته الأمنية والاستخباراتية وبحضور سفراء إيران وروسيا والصين التي يعتمد عليها النظام.

بقية البيان كلام لا يستطيع أحد أن يختلف حوله مثل نبذ الطائفية والمذهبية، وحماية المدنيين وفقا للقانون الدولي، واعتبار سوريا جزءا لا يتجزأ من العالم العربي، واعتبار الوجود القومي الكردي جزءا أساسيا من النسيج الوطني السوري، والتأكيد على وحدة سوريا وسلامة أراضيها.

النقطة الأهم هي الدعوة إلى وقف العنف فورا من قبل قوى النظام والتزام ما سماها البيان بالمعارضة المسلحة بذلك فورا أيضا تحت رقابة عربية ودولية مناسبة. ويبدو أن هذه هي نقطة الخلاف الرئيسية مع بقية فصائل المعارضة إذا تركنا جانبا الوزن الحقيقي لكل فصيل من فصائل المعارضة بما في ذلك المشاركون في المؤتمر على الأرض وبين الناس.

نظريا ومنطقيا؛ لا أحد ضد مخرج وحل سلمي للأزمة التي جرت فيها أنهار من الدم وتسببت في دمار هائل في المدن السورية وأرقام مهولة من اللاجئين والنازحين بخلاف المعاناة الإنسانية، ولا أحد لديه حرص على المصلحة السورية يكون سعيدا وهو يرى قتالا داخليا هو في النهاية بين أبناء الشعب الواحد، أو أن يرى الجيش السوري المفترض أن يكون جيش كل السوريين يستنزف بهذا الشكل وتشوه سمعته في معارك ضد أبناء شعبه من أجل سلطة تتشبث بالكرسي ضد رغبة شعب قال كلمته.

لكن بين التمني والواقع مسافة كبيرة، فالثورة السورية بدأت سلمية واستمرت هكذا لشهور طويلة.. مظاهرات يرد عليها بالرصاص والقمع الشرس ومحاولات إشعال صراع طائفي، ودعاية إعلامية لطمس حقيقة الغضبة الشعبية المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية، عن طريق شعارات يستخدمها النظام؛ هو نفسه يعرف أنها جوفاء.

يحور من الدم جرت، وعشرات الآلاف من الأسر شردت وهجرت منازلها، وأحياء بكاملها في مدن رئيسية أصبحت صورها تذكر بمشاهد أحياء بيروت خلال الحرب الأهلية، أو سراييفو خلال الأزمة اليوغوسلافية، وما زالت المدن تقصف بالطائرات، والثارات تتراكم، والنظام يعاند بما يجعل الحديث عن مخرج سلمي شديد الصعوبة. مع ذلك، فقد يكون ما طرح في مؤتمر دمشق يشكل مخرجا إذا وضعت له خطة عملية واقعية لها مصداقية ودعم عربي ودولي يقنع المعارضة المسلحة بأن ذلك ليس فخا، وأول خطوة في هذا الشأن هو إعلان النظام وقف إطلاق النار من طرف واحد، وسحب قواته من المدن وقبول هيئة انتقالية تضم تمثيلا حقيقيا وواقعيا للمعارضة الحقيقية بما فيها الجيش الحر والضباط المنشقون، تمهد لعملية انتقال السلطة. سيحتاج ذلك إلى معارضة موحدة برؤية مشتركة تؤجل الخلافات الآيديولوجية، كما سيحتاج ذلك إلى شخصيات من النظام لديها الشجاعة لتقول لقيادتها التي تحرك آلة القمع: كفى ما سببتموه من دمار ودماء.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا: لا حل ممكن مع الاسد وكل شيء ممكن من دونه

برهان غليون

الشبكة العربية العالمية

الثلاثاء, 25 سبتمبر 2012

بينما اكدت تصريحات العديد من المسؤولين الايرانيين رسميا تورط ايران في الحرب التي يشنها النظام الاسدي على الشعب السوري، ردا على مطالبته بنظام ديمقراطي يليق بتضحياته الماضية والحاضرة، وكان اخرها تصريح ممثل مرشد الثورة بان حرب الاسد هي اولا حرب ايران،

قامت قوات امن النظام السوري باختطاف ثلاثة من قادة هيئة التنسيق الوطنية وعلى رأسهم

عبد العزيز الخير مسؤول العلاقات الخارجية فور عودتهم من زيارة للصين وقبل ان يجتازوا حدود مطار دمشق.

هذه هي المشاركة الرئيسية للنظام في مؤتمر الانقاذ الذي دعت له بعض اطراف المعارضة السورية في الداخل. والرسالة اكثر من واضحة لؤلئك الذين لاتزال لديهم اوهام في قدرتهم على توريط النظام في حوار، عمل المستحيل لتقويض اسسه منذ بداية الحركة الاحتجاجية، ولايزال يبالغ في تصعيد العنف ومنهجة القتل والدمار ليقنع الجميع بانه يرفض اي تسوية سياسية و لا يقبل ولن يقبل بغير ما اعتاد عليه منذ نشأته، اي تابيد البقاء في السلطة كما يقول شعار انصاره ومواليه: الاسد الى الابد. والعلاقة واضحة بين التصريحات الايرانية التي تهدف الى تعزيز موقف النظام في وجه الشعب الثائر وبين عملية اختطاف قيادات في المعارضة ومن قبل في تجاوز النظام جميع الخطوط الحمر في استخدام القوة المدمرة وجميع الاسلحة المتوفرة لديه للقضاء على مايريد ان يصوره لنفسه وللعالم على انه حركة تمرد صغيرة او ارهاب.

تختلف وجهات نظر اطراف المعارضة السورية حول العديد من النقاط ومن اهمها استعداد هذا النظام الآثم للدخول في اي حوار جدي يفضي، حتى على المدى الطويل، الى اي تغيير. وما حصل يؤكد ان مؤتمر الانقاذ المزعوم اصبح يحتاج هو نفسه، بوجود مثل هذا النظام الذي سممته ارادة القوة، الى انقاذ.

ليس هناك بين صفوف الشعب السوري، بما في ذلك اكثر الثوار رديكالية ولفظا للنظام، من يرفض طريق الانتقال السياسي او السلمي وتوفير الاف الضحايا على الشعب لو كان هناك فرص حقيقية لقيامه وللخروج من دوامة العنف التي يذهب ضحيتها سوريون من كل الاتجاهات والطوائف والديانات. لكن سياسة النظام لم تترك بصيص امل واحد. وكلما طرحت مبادرة عربية او دولية صعدت في حملة العنف والارهاب حتى وصلنا الى حالة يقف العالم باكمله مشدوها امامها: شعب يضحي بكل مالديه لإعلان حقه الطبيعي في الحرية ونظام لايتورع عن عن استخدام ابشع وسائل القتل والدمار والتهجير والتشريد لفرض ارادته عليه باسم الوطنية والحفاظ على الدولة وعلى القيم المدنية والعلمانية.

جميع النزاعات تنتهي لامحالة بالحوار، لكن بين اطراف وطنية تعترف بحقوق بعضها البعض ولا تقوم بما يهدد العيش المشترك في ما بينها، لكن ليس بين الضحية والجلاد ولا بين الشعب وقاتله. وللخائفين من سقوط النظام، مثلهم مثل الاخرين، كل الحقوق وفي مقدمها امنهم ومصالحهم وهويتهم. فهم جزء من الشعب ومصيرهم لا ينفصل عن مصيره. معهم لا يحق سوى الحوار لكن ليس مع رئيس أخرق لم يتردد في دفع شعبه الى الاقتتال وبلاده الى الدمار للحفاظ على سلطة لم يبق منها سوى الصغار والانتحار.

ليس لنا نحن السوريون مخرجا سوى في الاتحاد ضد من يفرقنا ويقسم صفوفنا ويدفع ابناءنا للاقتتال واحدهم ضد الاخر. ولا وحدة لنا ولا اتفاق بوجود الاسد لان استمراره نفسه في الحكم قائم على تقسيم السوريين وتمزيقً صفوفهم وبث الفتنة بين ظهرانيهم. وهذا هو الوضع اليوم. وبالعكس كل شيء ممكن برحيله. ورحيله بأي وسيلة حصل سيكون منطلق العودة الى الوطنية الجامعة واشارة الانطلاق لمسيرة المصالحة مع الذات التي طال انتظارها بعد نصف قرن من سياسات التمييز والتقسيم والتلاعب بمصالح المجتمع والجماعات على اختلاف منابتها واديانها.

ولا شيء يمنع ان يتم هذا المسار برعاية عربية شاملة وتحت اشراف دولي حتى تتعمق الثقة وتعود المياه الى مجاريها. ولا اعتقد ان العرب سوف يستكثرون ذلك او يضيقوا به ذرعا حتى لو اضطر الامر الى ارسال قوات عديدة لحفظ الامن والسلام في ربوع سورية الحبيبة، العزيزة على قلوبهم كما هي عزيزة على قلوبنا جميعا.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف
الخذلان العريان ...
آن لقوى المعارضة السورية أن تدير ظهرها ...
وأن تعيد اكتشاف وترتيب أوراق قوتها
زهير سالم*
كنت قد بدأت معالجة هذا المقال تعليقا على خطابات الزعماء المعنيين في الجمعية العامة للأمم المتحدة . منذ قليل انضم إلى سياق تلك الخطابات بيان السيد بان كيمون في جلسة مجلس الأمن الدولي . البيان أو المطالعة التي تقدم بها السيد بان كيمون إلى جلسة مجلس الأمن ، لا يسر أحد من المعارضة السورية أن يواجهها .

يقرر الأمين العام للأمم المتحدة أنه يجب أن تكون رسالة مجلس الأمن للطرفين في سورية بأنه لا نصر عسكريا لأحدهما . وقول السيد الأمين العام للطرفين هو نوع من الخداع السياسي . إذ المعلوم أن عصابات الإجرام الأسدية بما تستبد به من مقدرات الدولة السورية ليست طرفا موازيا بما يتمتع من شرعية. إن أي تسوية بين شعب أعزل مع عصابة خاضت في دماء ملايين السوريين وأعراضهم تعني تمكين هؤلاء المجرمين من أعناق ضحاياهم على المديين القريب والبعيد . هذه الرؤية التي يقدمها السيد الأمين العام للأمم المتحدة هي نوع من التهرب من تحمل المسئولية الإنسانية والقانونية أمام حرب إبادة ، يشنها مثلث الشر الروسي الإيراني الأسدي على شعب أعزل ، ودولة ذات حضارة ؛ فيقتل الإنسان ويهدم البنيان ويهلك الحرث والنسل . وفي الوقت الذي ما يزال فيه المجتمع الدولي يمطر الشعب السوري بألوان من المواعظ الأخلاقية . يحدثه تارة عن ضرورة الوحدة بين فصائل وقوى المعارضة وأفرادها . ويحدثه أخرى عن ضرورة استحفاظ أناشيد اتفاقيات ما يسمى بحقوق الإنسان ، هذه المواثيق التي بدأت تثير حفيظة الإنسان السوري وهو يراقب ظلها الممحوق على أرضه بشكل خاص . ويحدثه ثالثة بالإصرار على تلقين المجتمع السوري المتعدد المتآلف منذ فجر التاريخ دروس الأخلاق النبيلة في ضرورة الاعتراف بالآخر وحماية حقوق الأقليات ..

وإذا عدنا إلى خطابات الزعماء في مجلس الأمن سنجد أنفسنا أمام دوامة من التهويمات الحالمة التي لا يمكن للسوريين الذين يواجهون الموت ، ويعانون الانتهاك والجراح والمرض والتشرد والجوع والعطش ؛ أن يقبضوا منها غير الوهم . أدعياء صداقة الشعب السوري هم الآخرون يمتلكون لاءا تهم الأخلاقية يتناسون وهم يذرفون دموع التماسيح أن بعض الصواريخ المضادة للطائرات كفيلة بعصمة دماء مئات السوريين يوميا . وأن هذه الصواريخ حين تصل إلى أيدي المقاومين السوريين – وما أسهلها وأقربها – هي أجدى من مائة اجتماع رباعي وخماسي وسداسي .

الأنكى من كل ما سبق أن قوى المعارضة السورية التي تشبه إلى حد كبير المريض الذي يصر على طبيبه أن يكذب عليه ؛ ترفض هي الأخرى مواجهة الحقيقة ، تهربا منها هي الأخرى من تحمل مسئوليتها العملية والإنسانية والأدبية . ترفض الاعتراف بأن هؤلاء البعداء والقرباء قد قرروا خذلان الشعب السوري ، والتخلي عنه ، وتركه يواجه مصيره تحت وطأة تحالف الشر الثلاثي .

إن أعلى صوت سمعناه في الجمعية العامة للأمم المتحدة انتصارا للشعب السوري كان صوت سمو الأمير حمد أمير دولة قطر . لقد تقدم سمو الأمير بمقترحه العملي بتشكيل قوى ردع عربية تدخل إلى سورية لتشارك في وقف العنف وحماية المدنيين . ولكن ما أن تحول الاقتراح إلى الطاولة العملية على منضدة الجامعة العربية حتى رأينا هذا الاقتراح المهم قد فرغ من مضمونه على لسان نبيل العربي بتفسير بسيط هو أن قوة الردع هذه لن تكون قوة مسلحة . لا ندري أي دور يمكن أن تلعبه أي قوة وسط هذا الصراع المحتدم ، وأي ردع يمكن أن تحدثه صفارة حكم مباراة كرة قدم ..

ومن الحديث عن الاقتراح العملي لسمو أمير قطر يمكن لأي متابع سياسي سوري أن يتفحص المغزى السياسي العملي لأحاديث جميع الزعماء آخذا بالاعتبار معادلة القتل ومعادلة الزمن ومعادلة المعاناة .

إن جميع الذين تحدثوا عن الشأن السوري في فضاء الوعد المفتوح على الوهم . مهما كان حجم التأييد الأدبي والأخلاقي الذي قدموه ، ومهما كان حجم الإشفاق العملي الذي أبدوه ؛ فإن أي حديث لا يقدم خارطة طريق عملية يتحمل صاحبها مسئولية اللحظة التاريخية يبقى حديثا في فراغ لن يجني الشعب السوري من ورائه إلا المزيد من الخذلان ..
إن الاعتراف بهذا الخذلان العريان من كل الدول والحكومات لا يعني أن نيأس ولا أن نضعف وإنما يعني أن نواجهه . وإنما يعني أن تعيد قوى المعارضة السورية أجمع حساباتها ، وأن تعيد ترتيب أولوياتها . وأن تبدأ البحث عن أوراق قوة جديدة في اتجاهات أخرى . إدراك الواقع البئيس جزء من الانتصار عليه . ومواجهة المشكلة أول الطريق إلى حلها . والكذب على النفس بالجري وراء السراب هو نوع من الخذلان للمشروع الوطني ، والخيانة لدماء الشهداء . دائما هناك طريق للنصر بقليل من التفكير نكتشفه ، بكثير من العزيمة نسلكه . ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا .
لندن : 11 / ذو القعدة 1433
27 / 9 / 2012 
____________
*مدير مركز الشرق العربي 

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

رأي الراية..مسؤولية دولية مضاعفة

الراية

24-9-2012

البيان الذي أصدره الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والوسيط المشترك إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي اللذان اعتبرا فيه "الأزمة التي تتفاقم في سوريا تمثل تهديداً متصاعداً للسلام والأمن في المنطقة" يلقي مسؤولية كبرى ومضاعفة على عاتق المجتمع الدولي للتدخل من أجل توفير الحماية للمدنيين السوريين وحماية الأمن والسلم العالميين وهي المسؤولية الأساسية للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي المنقسم على نفسه بسبب الموقفين الروسي والصيني من الأزمة في سوريا.

ففشل المجتمع الدولي في الخروج بموقف موحد مما يجري في سوريا سيلقي بظلال من الشك على دور وفاعلية الأمم المتحدة في مجابهة الأزمات التي تعصف بالعديد من دول المنطقة.

إن اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يشارك فيه العديد من قادة الدول المؤثرة في المشهد الدولي يُعد فرصة للتقدم خطوة بل خطوات إلى الأمام من أجل سرعة التحرك لمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة والخطيرة في سوريا والتي بدأت آثارها تنتقل إلى دول الجوار السوري.

مجلس الأمن الدولي الذي سيستمع اليوم إلى تقرير يقدمه الأخضر الإبراهيمي عن مهمته في سوريا مطالب وبإلحاح أن يضع حداً للانقسام في مواقف أعضائه من الأزمة السورية والخروج بموقف موحد يؤكد ضرورة وقف العنف والقتال فوراً في سوريا وبدء مرحلة انتقالية تستجيب لمطالب الشعب السوري المشروعة.

ما يجب أن تدركه الدول لتي تصطف إلى جانب النظام السوري الذي يقتل شعبه ويقصف المدن والبلدات السورية بالطائرات والأسلحة الثقيلة أن النظام بات يعد أيامه الأخيرة وأن مصالحها ليست مع النظام الذي سيسقط عاجلاً أو آجلاً بل مع الشعب السوري الذي لن يغفر هذا التواطؤ الذي يكلفه انهاراً من الدماء.

لقد شهد الوضع الميداني تطوراً كبيراً خلال الأيام القليلة الماضية لصالح قوات المعارضة والجيش السوري الحر الذي بات يسيطر على مساحات واسعة من المدن والبلدات السورية وانتقال قيادة الجيش السوري الحر إلى المناطق المحررة يعزز الثقة بأن النظام يقاتل بمعركته الأخيرة التي لا بد وأن يخسرها لأن دروس التاريخ تؤكد أن إرادة الشعوب لا تقهر أبداً وأن الشعب السوري الذي انتصر على الاستعمار قادر على الانتصار على نظام ديكتاتوري مستبد رفض الإصغاء لصوت الشعب ومطالبه العادلة وفضل أن يواجهها بالرصاص.

إن توحد المجتمع الدولي خلف مطالب الشعب السوري وقضيته العادلة سيشكل عامل ضغط مهماً ومؤثراً على النظام من أجل وقف العنف والقتل والإصغاء لمطالب الشعب المشروعة فالشعب السوري ومن خلفه المعارضة السورية بات يدرك جلياً أن حسم المعركة لن يكون إلا على الأرض السورية وبأيدٍ سورية بعد إصرار النظام على رفض الاستجابة لمطالب الشعب السوري بالحرية والتغيير وتواصل قمعه للثورة الشعبية واستخدام العنف والقتل والتهجير والاعتقال في مواجهة الثوار كما أن الشعب السوري يؤمن أن استمرار انقسام الموقف الدولي حول سوريا لن يؤدي إلى منع النظام من السقوط فالنظام سيسقط عاجلاً أم آجلاً ولكن الثمن المدفوع سيكون غالياً والتضحيات كبيرة.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

لو كان من أمري

أفلام «الأسد» المسيئة ... من يحرقها؟!

بينة الملحم

الرياض

24-9-2012

كان اللقاء الصحافي الأحدث مع الرئيس السوري بشار الأسد غير مفاجئ. لأنه استطاع أن يكرر كلامه من دون أن يشعر بالملل، يضع كل مشاكله هو ونظامه على الخليج وعلى السعودية تحديداً. يحاول أن يخرج بالموضوع عن سياقه وأن يجعل الثورة حالة سياسية. بينما الثورة غضبة شعبية مشروعة من الشعب السوري المقموع والمسحوق على مدى خمسين عاماً.

يتحدث عن السعودية على أنها دولة عدوة لسورية، مع أن السعودية صديقة الشعب السوري، وفرق بين النظام وبين الشعب. والمملكة وقفت مع كل القضايا الإنسانية في البوسنة والهرسك وكوسوفو وأفغانستان والحرب الأهلية بلبنان، وقفت مع الإنسان بغض النظر عن أي نظامٍ أو أي قوة.

الفرق بين السعودية والنظام السوري هو فرق بين دولة متماسكة ذات شرعية اجتماعية وليست كالنظام السوري الميليشيوي الذي يقود الحروب ضد شعبه. لم يقم النظام السوري بأي عمل عسكري ضد إسرائيل، هذا النظام الذي يدّعي الممانعة والصمود والقوة بوجه العدو الإسرائيلي. بل على العكس قام بمجازر قتل فيها عشرات الآلاف، وهو يعيد الآن في حماة وحلب وحمص ودمشق نفس المجازر وأبشع. أكثر من ثلاثين ألف قتيل في الثورة السورية بقوات نظام الأسد ثم يأتي يتحدث عن إرهابيين يحاربهم ويريد القضاء عليهم وأن المعركة في نهايتها.

النظام السوري حاول أن يستثمر اللغط حول الفيلم المسيء لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه المحاولة واضحة ومكشوفة، وقد أدركها الثوار حين رفعوا اللافتات التي تحذر من الوقوع في فخ نسيان الحدث السوري كما يتمنى النظام ويريد.

غفل الناس في العالم عن الحدث السوري بسبب الأحداث التي وقعت خلال الأيام الماضية منذ مقتل السفير الأميركي وإلى اليوم حيث الاحتجاجات والأصوات المنددة بالفيلم المسيء، ومع فداحة الخطب في الفيلم المسيء، فعلينا وعلى الإعلام أن لا ينسى الأفلام البعثية المسيئة التي يخرجها وينتجها كل يوم في سورية، قتل أطفال وعجائز ومسنين وشباب، وكل هذا الخراب بإخراج وإنتاج النظام السوري.

المعركة قوية وحامية بين النظام السوري والمجتمع الدولي الإنساني. هناك قوى دولية غير إنسانية قامت بفرض الفيتو مثل الصين وروسيا وإيران، إذ يأتي الإنسان عندهم في مرتبة ثالثة أو ربما عاشرة.

المصالح لديهم أهم والسياسة أقوى من الأخلاق عندهم. المجتمع الدولي الإنساني أمام كارثة فيتو الصين وروسيا ليس أمامه سوى دراسة مقترح "هولاند" الرئيس الفرنسي، والذي طالب بإعادة النظر في نظام الفيتو في مجلس الأمن، وهي دعوة محقة، والنظام في الأمم المتحدة وتحديداً مجلس الأمن قابل للتطوير والتغيير، ومجلس الأمن أوجد أصلاً لحماية الإنسانية من الحروب طبقاً للدروس المستفادة من الحربين العالميتين.

وإذا كان هناك نظام يدعم الحرب أو لا يجعلها صعبة أو ممتنعة فلابد من تغييره.

النظام السوري اطمأن إلى الدعم الإيراني والروسي والصيني وأصبح قرير العين، لكنه أمان مؤقت لأن الناس حين خرجوا من بيوتهم لم تكن فكرة العودة إليها في أذهانهم. صحيح أن الثورة السورية دخلت فيها حالة من حربٍ أهلية أو من وجود عناصر متشددة لكنها ليست المركز بل الهامش.

العالم عليه مسؤولية حفظ الدماء السورية وأن يكون الحدث السوري الدرس الأول لتغيير بعض الأنظمة التي عفا عليها الزمن في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن.

الخيارات أمام النظام السوري محدودة جداً، الشيء الوحيد الذي يستطيع النظام أن يفعله هو القتل، وهذا ليس إنجازاً بل هو انتحار، والأيام القادمة ستثبت أن النجاة من دماء الناس ليست ممكنة، وله في الرئيس الصربي وغيره أكبر دليل وأوضح مثال..

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا والحل على الطريقة اليمنية

المصدر: صحيفة «غارديان» البريطانية

التاريخ: 24 سبتمبر 2012

البيان

أدرك بعض السياسيين الغربيين أن التدخل العسكري الشامل في سوريا والقصف الجوي على غرار ما حدث في ليبيا، ليسا خيارين عمليين على الساحة السورية، ومن هنا فإنهم يبحثون إمكانية تبني نقل السلطة في دمشق على الطريقة اليمنية.

وقد قامت الجوانب الثلاثة الأساسية في النموذج اليمني، على أساس إعطاء الرئيس حصانة من المحاكمة، ونقل السلطة السياسية إلى نائبه، وتشكيل حكومة إجماع وطني نصفها من الحزب الحاكم. غير أنه لأسباب عديدة، فإن مثل هذا النموذج سيكون صعب التطبيق على الساحة السياسية- الاجتماعية في سوريا.

أولاً، من وجهة نظر العلاقات الدولية، فإن اليمن يعد مختلفاً عن سوريا بشكل أساسي، وخريطة طريق للانتقال السياسي في اليمن أعدتها بصفة أساسية السعودية التي تعد عملاق شبه الجزيرة العربية، وتتميز بشبكة واسعة من العلاقات التي تربطها بالفاعلين الرسميين وغير الرسميين داخل اليمن، وتتمتع بالقدرة على أن تلقي بثقلها وراء التوصل إلى انتقال سلمي للسلطة في صنعاء.

أما الأزمة في سوريا فإن لها سياقاً دولياً أوسع نطاقاً بكثير من اليمن، حيث تدور حول التحالفات الاستراتيجية مع روسيا والصين وأطراف أخرى. وخلافاً لدول الجوار المتجانسة مع اليمن، فإن دول جوار سوريا متباينة ولها أجندات ومصالح متعارضة داخل سوريا.

ثانياً، تجاوزت الدرجة والمدى الزمني للرد الوحشي لنظام الأسد على الانتفاضات الشعبية، جميع ردود الأنظمة التي سقطت في تونس ومصر واليمن وليبيا، ونتيجة لذلك فإن التجربة الجماعية المريرة للمجتمع السوري اليوم، تعد أوسع نطاقاً وأعمق غوراً من نظيرتها في أي دولة من دول الربيع العربي.

ثالثاً، كان اليمن بالنسبة للرئيس علي عبدالله صالح، كياناً سياسياً هشاً تحكمه بنية عائلية- قبلية، تخللت المؤسسة العسكرية التي يغلب عليها الطابع القبلي. وفي المقابل فإن نظام الأسد، ذا القبضة الحديدية والطابع المركزي القوي، يدور حول السيطرة العسكرية ذات القاعدة الطائفية، التي تشمل المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى، وقد عمقت دولة المخابرات السورية الرهاب الطائفي في المجتمع السوري، وبالتالي فإن سوريا تغدو أكثر تعقيداً بكثير من اليمن، في إمكانية التعامل معها بعد إسقاط نظام يقوم على أساس طائفي.

إذا وافق الأسد على التخلي عن المقعد الرئاسي مقابل الحصانة من المحاكمة على نحو ما فعل صالح، ولم يتم تقديم مرتكبي المذابح والفظائع في سوريا للمحاكمة، فإن الدافع للانتقام من الطائفة العلوية سيصبح الطريقة التي يعتمدها الكثير من السوريين لتجنب المزيد من المعاناة، وسيؤدي تطبيق النموذج اليمني في سوريا إلى اندلاع معركة طائفية وجودية، لا يدري أحد إلام ستفضي في نهاية المطاف.

إن المعايير المزدوجة للمجتمع الدولي في ما يتعلق بقضايا الربيع العربي والنتائج المترتبة على إسقاط أربعة من القادة العرب، تعلمنا أن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لا يمكن أن يسقطا من السماء، أو أن يتحققا عبر التدخل الأجنبي.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

خصوم الأسد... معتدلون ومنفتحون

تاريخ النشر: الإثنين 24 سبتمبر 2012

الاتحاد

عادة ما تركز التغطيات الخبرية حول أحداث العنف في الشرق الأوسط على الإسلاميين المتطرفين، وهو ما ينطبق أيضاً، وبشكل متزايد، على الجزء الأكبر من تغطيات الانتفاضة السورية. والحقيقة أن التطرف الإسلامي في أوساط المعارضة السورية هو الاستثناء وليس القاعدة. فالغالبية العظمى من نشطاء المعارضة، وفقاً لمسح جديد أجري على ما يزيد على ألف شخص منهم، تعبر عن آراء معتدلة نسبية حول القضايا الإسلامية، وعن دعم للكثير من القيم الديمقراطية الأساسية، كما يتطلع معظمهم للغرب والديمقراطيات الأخرى طلباً للإلهام والحماية.

وهذه النتائج توفر إسناداً للرأي القائل بأن التيار العام من مقاتلي المعارضة السوريين، يستحقون المزيد من الدعم الذي يمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، وهزيمة ديكتاتورية الأسد، وحصر نفوذ أي عناصر متطرفة قد تتسرب إلى حركتهم.

ويشار إلى أن المسح الذي استكمل في يوليو الماضي، بموجب تكليف من المعهد الجمهوري الدولي، وهو منظمة غير حكومية، قد تم إعداده من قبل مؤسسة "بيتشر بولز" في برينستون- ولاية نيوجيرسي، بالتشاور مع "كونارد وين" من مؤسسة "كومباس ريزيرتش"، وجامعة كارلتون. وقام بالتنفيذ العملي للبحث وإجراء المقابلات الفعلية، مجموعةٌ من المواطنين السوريين الذين استعانوا بوصلات سكايب مؤمنة على الخط تستخدم اللغة العربية.

والنتيجة التي تم التوصل إليها من خلال المسح معبرة عن عينة تمثيلية (وإن لم تكن عشوائية) لـ1168 ناشطاً سورياً من نشطاء المعارضة يمثلون قطاعاً مستعرضاً من السكان السوريين: فهم ينتمون إلى كافة المناطق السورية، ويعيش البعض منهم في بلدان مختلفة من العالم. ومن حيث العرق؛ كان 80 في المئة منهم من العرب و14 في المئة من الأكراد، و5 في المئة من الأشوريين والتركمان والشركس وغيرهم. ومن حيث الدين، كان 80 في المئة منهم مسلمين سنيين والـ20 في المئة المتبقين من المسيحيين والعلويين والدروز وغيرهم من الطوائف. وبلغ عدد من لا يزال مقيما في سوريا منهم 315 في المئة بينما يعيش باقي العدد في بلدان مختلفة.

وعندما سُئلوا عما إذا كان ينبغي لقادة المعارضة دعم حقوق وحريات الأقليات أم لا؟ أجاب 6،6 من بين كل 7 أشخاص في المتوسط بالإيجاب. وعندما سُئلوا عما إذا كان ينبغي أن تحظى الأقليات الدينية بحقوق متساوية في جميع مناحي المجتمع، كانت الإجابة مماثلة في درجة إيجابيتها للإجابة السابقة، بل قال 64 في المئة ممن استطلعت آراؤهم إن الحقوق المتساوية يجب أن تعطى أيضا لـ"غير المؤمنين". وقال ما يزيد عن 51 في المئة من هؤلاء أنهم لا يمانعون من إعطاء أصواتهم لشخصية مؤهلة من الطائفة العلوية كي تحكم البلاد في أي انتخابات حرة.

وعلى نفس المنوال أعرب 80 في المئة ممن شاركوا في المسح عن دعمهم للفكرة القائلة بأن المعاملات الحكومية، والمناهج الدراسية، والدستور... يجب أن تتناول الشأن الديني باحترام، أما بخلاف ذلك فيجب أن تكون علمانية، ولا تعطي لدين معين أفضلية على باقي الأديان.

وبشأن القيم الديمقراطية الأوسع نطاقاً، كان هناك إجماع فعلي بلغ في المتوسط 5.2 من بين كل7 أشخاص، على الفكرة القائلة بأن الرئيس" يجب أن يحترم القانون مثله مثل أي فرد آخر في المجتمع".

وفي المقابل، بدت المعارضة السورية منقسمة انقساماً عميقاً بصدد موضوعات أخرى. فعندما سئلوا عن إمكانية استخدام نموذج فيدرالي في مرحلة ما بعد الأسد، أيد الثلث الفكرة وعارضها الثلثان، بينما عجز الثلث المتبقي عن تقديم إجابة. أما بخصوص مسألة البحث عن نموذج سياسي في الخارج، فقد كان هناك قدر أكبر من الإجماع حيث منح ثلاثة أرباع المستطلعة آراؤهم الولايات المتحدة وفرنسا تقييماً إيجابياً، أما بالنسبة للسوريين الذين يعيشون في دول إسلامية فقد حظيت السعودية ومصر بتقييمات إيجابية من ربع العدد الإجمالي في تلك الدول، بينما حظيت تركيا بتقييم إيجابي يفوق تقييم الدولتين المذكورتين ثلاث مرات.

وبخصوص السؤال: ما الذي تريده المعارضة السورية من العالم الخارجي؟ أعربت غالبية كبيرة عن أقوى دعم ممكن لفكرة إقامة منطقة حظر طيران، وزيادة تسليح وتدريب "الجيش السوري الحر". لكن ما يقل عن نصف المستطلعة آراؤهم عبروا عن دعمهم لفكرة غزو سوريا من أجل إسقاط حكومة الأسد، كما عارض 22 في المئة منهم أي تدخل عسكري خارجي. وعندما سئلوا عن الدولة التي يجب أن تقود التدخل الخارجي، حصلت تركيا على معظم الأصوات، تليها بفارق ضئيل فرنسا، والسعودية، وقطر، و"الناتو".

وبشكل مجمل يمكن القول إن القطاع الأعظم من ناشطي المعارضة السورية بعيد تماماً عن أن يصنف باعتباره إسلامياً متعصباً أو متطرفاً. فهم يؤيدون التسامح الديني تأييداً قوياً، كما يؤيدون المساواة القانونية، وحرية التعبير، والدستور الذي يتناول الشأن الديني باحترام، والعلماني فيما عدا ذلك. وهم يتطلعون للنموذج السياسي الغربي، والنماذج السياسية الإسلامية المعتدلة كنموذج تركيا مثلاً، كما يريدون الحصول على المساعدة الغربية، وفي الآن ذاته لا يريدون أي أقدام عسكرية أجنبية على الأرض ويرفضون الحجة القائلة بأن تقديم الدعم من الغرب لن يسفر عن شيء سوى استبدال ديكتاتورية الأسد العلمانية بديكتاتورية إسلامية معادية.

ديفيد بولوك

باحث بمركز الشرق الأدنى- واشنطن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ماذا تريد روسيا من سوريا؟ (I)

ايرينا زفياغيلسكايا

السفير

24-9-2012

تهدف سياسة روسيا في الشرق الأوسط إلى تحقيق مهمات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمصالح أمنها. ويمكن صياغة هذه المهام بوجه عام على النحو التالي: تجنبُ عدم الاستقرار الذي يمكن أن يقترب من الحدود الروسية، الحفاظُ على وضع دولةٍ، لها مواقفها من الأوضاع العالمية والإقليمية، قادرة على انتهاج خط مستقل، حمايةُ مصالح رجال الأعمال والشركات الروسية (التي تعمل قبل كل شيء في مجال الطاقة) والمجمع الصناعيى - العسكري، الذي يقوم بإمدادت السلاح إلى بلدان المنطقة. وتنعكس على المصالح الروسية في الشرق الأوسط إعادةُ تشكيل منظومة العلاقات الإقليمية والدولية بتأثير الثورات العربية، وظهورُ خطوط توتر جديدة، بما في ذلك تعميق المجابهة بين السنّة والشيعة، والمستوى العالي من الغموض.

تمكنت روسيا في السنوات الأخيرة من بناء علاقات مع مختلف اللاعبين في الشرق الأوسط، منهم إيران وإسرائيل والدول العربية و«حماس» و«حزب الله»، الأمر الذي يمكن وصفُه بخط إيجابي يأتي إلى روسيا بفوائد معينة. غير أن مشكلة «المصالح المستبعِدة لبعضهما البعض» قد تصبح بالغة الحدة في الظروف المعاصرة المتميزة، بتصاعد المجابهة في الشرق الأوسط على أساس رسمي (بين دولتين)، وطائفي على حد سواء. وفي الوقت نفسه، فإن العلاقات الجيدة بين روسيا وجارتها الأقرب إيران، التي تُعتبر اللاعب الفاعل في القوقاز وآسيا الوسطى، وموقفها الحاسم الداعي إلى عدم جواز التدخل العسكري الخارجي في سوريا والإطاحة بالنظام الحاكم فيها تحت ضغوط من الخارج، تعارضت مع مواقف المملكة العربية السعودية وغيرها من الأقطار العربية، وكذلك مواقف عدد من الدول الغربية.

أظهر الحراك في العالم العربي بداية عملية تحوّل لم تَعُدْ نتيجتُها غير معروفة؛ ففي كل بلد توفرت أسباب كفيلة بنشوب نزاع داخلي حاد، منها المشاكل الاجتماعية، والخلافات الطائفية والتنافس بين مختلف القبائل. وما زال الوضع هناك كفيلاً بنشوب خلافات جديدة، حيث تتشكل عدة توجهات (مسارات) للتوتر، من بينها: الانقسام الطائفي (تفاقم التناقضات بين السنّة والشيعة، وكذلك وقائع ضغوط على المسيحيين)، والفارق بين الأجيال (حيث يشكل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة، نسبة تتراوح بين 50 و60 % من سكان الشرق الأوسط)، والتناقضات الفكرية ـ السياسية بين الليبيراليين والمحافظين والإسلاميين. ومن الصعب تقييم الاحداث الجارية بدقة، من منظار مصالح روسيا، لأن هذه الأحداث ولّدت مستوى عالياً من الغموض. ويمكن لتنامي التطرف والنزعات القومية في العالم العربي أن يصبح مصدراً لتحديات ومخاطر جديدة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وأن يؤدي في الوقت ذاته إلى تصاعد التناقضات التقليدية.

تحتل الأوضاع في سوريا مكانة خاصة في سياق الثورات العربية؛ فإلى جانب الأسباب الداخلية التي أدت إلى تفجير السخط والاستياء فيها، فقد كان هناك عامل خارجي لعب دوراً هاماً في الأحداث تمثل في انخراط قوى وأطراف إقليمية ودولية فيها. ومن المعروف أن الوضع السياسي الداخلي في سوريا تفاقم بشدة في أواسط مارس/آذار العام 2011. فقد اكتسب الحراك الاحتجاجي فيها بسرعة طابعاً واسع النطاق، وتحوّل إلى اشتباكات باستخدام الاسلحة. وما تسبب في الطابع العنيف الخالي من السعي للوصول إلى حل وسط للصراع الجاري هناك، أخطاءُ الأجهزة الأمنية والجيش السوري، وردُّ فعل بطيء للغاية وغير متناسب من قبل النظام على الأحداث الجارية، وغيابُ الاستعداد (رغم الوعود) لتحقيق الإصلاحات الجذرية التي نضجت منذ زمن بعيد. والسعيُ بكل الوسائل، للحفاظ على نظام الحكم العلوي الذي يمثل الأقلية الطائفية، وزوال المبادئ الفكرية لحزب «البعث» وفقدانُ الحزب لوظائفه الإدارية، وأخيرا الدعمُ الخارجي المقدَّم إلى المعارضة. وأصبح الوضع في سوريا منذ زمن بعيد غيرَ قابل للتنبؤ بتطوراته المقبلة، حيث تتصل المخاوف الرئيسية بآفاق اندلاع حرب أهلية في البلاد. والحقيقة أن الحديث عن هذه الآفاق تأخر الآن، لكثرة ضحايا النزاع واتساع نطاق إراقة الدماء. ويثير قلقاً بالغاً قمعُ الانتفاضة بقسوة وأعمالُ المقاتلين واحتمال تولي السلطة في البلاد من قبل المعارضة العاجزة عن تحقيق مهمتي المصالحة الوطنية وإدارة البلد، الذي تم إضعافه جراء الاشتباكات التي وقعت فيه.

فرضت الضغوط، التى مورست على النظام السوري في ظروف عمليات التحالف في ليبيا، مشاكل جديدة على القيادة الروسية. فإن التجربة الليبية السلبية، وإحساس روسيا بأنها أصبحت مخدوعة بصيغ غامضة واردة في القرار 1973، حددا بدرجة كبيرة موقفَها من الوضع في سوريا. ان السياسة الروسية تجاه سوريا والهادفة إلى عرقلة الإطاحة العسكرية بنظام بشار الأسد وضمان مجيء المعارضة إلى السلطة استناداً إلى الدعم الخارجي، تحددت بالاعتبارات التالية:

أولاً، إن تكرار السيناريو الليبي يمكن أن يحوّل التدخل الخارجي إلى «وسيلة شاملة» كفيلة بتنحية أنظمة وحُكّام غير مرغوب فيهم.

ثانياً، عارضت روسيا مواقف «لامتماثلة» إزاء الحكومة والمعارضة، لأنها يمكن أن تغير ميزان القوى القائم، و تعطي التفوّق العسكري إلى أحد الطرفين، ما يقلل من حرص هذا الطرف على إيجاد حل سياسي للأزمة. فمثلاً، وقفت روسيا - ولا تزال - ضد ما يتعالى من نداءات يدعو أصحابها إلى تجميد إمدادات الاسلحة إلى النظام السوري، بينما يُتاح لمقاتلي المعارضة الحفاظُ على قنوات تهريب الأسلحة.

ثالثاً، إن الأحداث في سوريا، (إذا تمكنت المعارضة من تحقيق هدفها المتمثل في انهيار النظام، استناداً إلى الضغوط الخارجية)، قد تنطوي على عواقب تخريبية ضخمة ستنعكس على المنطقة بأسرها. فمن المحتمل، والحالة هذه، أن يتواصل تعمُّق التناقضات بين السنّة والشيعة، وتتنامى النزعات المعادية للمسيحيين، وتتصاعد الخلافات بين مختلف القوميات. كما من المحتمل أن ينتشر العنف في دول مجاورة (...)

تقدمت روسيا في 15 ديسمبر/كانون الأول 2011، أثناء المشاورات الجارية في مجلس الأمن الدولي بشأن الشرق الأوسط، بصيغة مجدَّدة من مشروع قرارها الخاص بسوريا، كان قد تم وضعُها بمشاركة فاعلة من الجانب الصيني، وناشدت كل الأطراف وقفَ العنف، وشددت على أن ما من أحد يمكنه التهرب من مسؤوليته عن القيام باعمال استفزازية ومنافية للقانون. وطال هذا المطلب بصورة كاملة متطرفين يعملون في سوريا، حيث ندّدت بهم الصيغة الروسية لمشروع القرار. ورأت الولايات المتحدة والدول الغربية أن مشروع القرار الروسي، وإنْ بيّن تغيراً معيناً في موقف روسيا، حمّل الحكومة السورية والمشاركين في الاحتجاجات مسؤولية متكافئة عن تصاعد العنف، ولم يتضمن مطلباً خاصاً بالعقوبات بوصفه مطلباً رئيساً طرحه الغرب، الذي تلقى في ذلك تأييدا من جانب الجامعة العربية.

وفي 4 فبراير/شباط 2012 صوتت روسيا والصين ضد مشروع القرار المغربي بشأن سوريا، الذي دار الحديث فيه عن إقالة بشار الأسد، وشكلت الدولتان أقلّيّة واضحة أثناء التصويت. ويمكن تفسير قسوة الموقف الروسي (إضافة إلى الأسباب الآنفة الذكر) بخصائص الوضع السياسي الداخلي، ومرحلة الصراع الانتخابي. فبعد الانتخابات التشريعية التي جرت في أواخر عام 2011، انتشرت في روسيا الحركة من أجل الانتخابات النزيهة وإشاعة الديموقراطية في النظام السياسي. ونشطت هذه الحركة أثناء حملة الانتخابات الرئاسية، وعندها راح «الحماة» يستخدمون بشكل مكثف مختلف العبارات الدعائية المألوفة، وحيث احتلّ مكانة خاصة بينها كل من «خطر الثورة البرتقالية» في روسيا و«السيناريو الليبي». واللافت أن هذين الاحتمالين لا يجمع بينهما شيء، لكن التهديدات التي أطلقها أولئك الذين اتهموا القوى الخارجية بالتدخل المتعمد في شؤون روسيا الداخلية واتهموا الليبيراليين الروس بـ «الخيانة»، ربطت بينهم بصورة منطقية تماماً. وأحيت الأحداث في الشرق الأوسط مخاوف تقليدية اعتيادية مميزة لبعض المراقبين السياسيين الروس، تتعلق بمخططات القوى الخارجية (الولايات المتحدة والغرب بوجه عام). فمثلاً، تحدث الكثيرون عن نظرية «الفوضى المسيَّرة»، التي تحققها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. من هنا ضاقت امكانية إيجاد حلول وسط بشأن قضايا دولية، واجهت روسيا في سياقها تلميحاتٍ إلى احتمال التدخل الخارجي. وثمة عنصر هام آخر للسياسة الروسية، يؤثر في تفسير الأحداث الجارية في العالم العربي، هو عامل الطاقة. لقد اكتسبت أسعار النفط في السنوات الأخيرة أهمية خاصة بالنسبة لروسيا، ولعبت دوراً هاماً في ضمان الاستقرار السياسي الداخلي، مُتيحةً للسلطات فرصة مكافحة الفقر والأجور المتدنية للعاملين بالقطاع العام ومؤسسات السلطة والحّاح القضايا الاجتماعية، بهذه الدرجة أو تلك من النجاح. وإلى جانب ذلك، ترتب على كوْن اقتصاد الدولة مرتهناً، في واقع الأمر، بأسعار النفط، ظهورُ مشكلات مبدئية واسعة النطاق للتنمية، يتعذر حلُّها بدون حساب الأموال النفطية حصراً. فخلال السنوات التي سُجلت فيها أسعار عالية للنفط، لم تتطور الصناعة المحلية إلّا قليلا، كما انتشر الفساد وتشكل فارق كبير بين شرائح غنية وفقيرة من السكان، ولم تتطور البنية التحتية بشكل كاف، وتقلصت الجاذبية الاستثمارية، وظهر وقت وُصف بالخلود إلى الراحة والثقة بأن الاحتياطات المتوفرة حتى في ظروف الآزمة العالمية ستمّكن روسيا من الخروج من الأزمة بأدنى خسائر ممكنة.

نظرت الأوساط الحاكمة إلى الحفاظ على أسعار النفط العالية في ظل غياب مصادر أخرى مماثلة لزيادة الميزانية، على أنه خير لا جدال عليه، من شأنه أن يتيح حل مهمات تكتيكية على الأقل. والأكثر من ذلك، فقد أصبحت موارد الطاقة أداة هامة للسياسة الخارجية، الأمر الذي يمكن رؤيته على سبيل المثال في العلاقات بين روسيا، وكل من أوكرانيا و بيلوروسيا (روسيا البيضاء). وبالنتيجة، فان مسألة أسعار النفط تصدرت تقييمات أهمية هذه الاحداث أو تلك بالنسبة لروسيا، والتي من شأنها أن تؤثر فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي مثل هذا السياق وُجِدَ هناك من ربط «الثورات العربية» (وإن لم تكن هناك أسس كافية لذلك)، بمحاولات الولايات المتحدة الأميركية إدامةَ سيطرتها على النفط الشرق أوسطي، وبالتالي، المساس بمصالح روسيا. ومن هنا ظهرت سيناريوهات «مبردة للدماء» لتقوية السيطرة الأميركية على أنابيب النفط وبيعه. ولا يجوز أن نتناسى أن الشرق الأوسط، وإنْ لم يتصدر أولويات سياسة روسيا الخارجية، حيث تكتسب العلاقات مع بلدان رابطة الدول المستقلة والولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي والصين أهمية أكثر بالنسبة لروسيا؛ إلا أن الشرق الاوسط ما زال يلعب دوراً هاماً كأداة محددة. ومن المهم لروسيا الإشارة إلى أن حل القضايا الدولية أمر مستحيل بدون أخذ رأيها بعين الاعتبار، وينبغي الاعتراف بأن الوضع المحيط بسوريا ما هو إلّا دليل على ذلك. مكن الموقف الروسي من سوريا موسكو من استعراض إستعدادها لممارسة نهج مستقل. فمن جهة، أحدث هذا الموقف تعقيدات معينة بالنسبة لموسكو؛ حيث ظلت الدول الغربية تركّز على تعنّت روسيا، التي لا تمانع - من أجل أغراضها - في مواصلة إراقة الدماء. وتعالت تلميحات إلى ازدواجية موقف روسيا إزاء الديموقراطية، على حد زعم البعض. ونظرت معظم الدول العربية إلى موقف روسيا على أنه موقف يتعارض مع أهداف سياسة هذه الدول في المنطقة. فقد تحددت قسوة مواقف المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، وعزمها على الإطاحة بالنظام العلوي لبشار الأسد، على الأرجح، بسياق أوسع لمواجهة هذه الدول للنظام الشيعي في إيران. فبعد تدمير آلة العراق الحربية، حيث لم يعد العراق يلعب دور «الميزان المعاكس»، راحت إيران تنتهج سياسة أكثر حريةً في الشرق الأوسط. إن النظام الحاكم في سوريا، الذي حظي بدعم من إيران، أصبح المستهدف في إطار الهجوم العربي العام الذي نال حافزاً جديداً سواء في سياق آفاق تقوية النفوذ الإيراني في العراق، أو في ظروف مكافحة برنامج إيران النووي بكثافة متزايدة.

للبحث صلة

ينشر بالاتفاق مع «شرق نامه» - القاهرة

[ باحثة في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ما دام لا جيش النظام انتصر ولا جيش المعارضة

هل يكون الحلّ في سوريا على الطريقة اللبنانية؟

اميل خوري

2012-09-24

النهار

هل يمكن القول ان مهمة الموفد الاممي الاخضر الابرهيمي تواجه الطريق المسدود للاسباب نفسها التي واجهت سلفه كوفي انان، واذا كان السؤال الذي طرح سابقا ماذا بعد فشل مهمة انان، وكان جوابه بتعيين خلف له يتابع المهمة علها تتكلل بالنجاح، فإن السؤال الذي يطرح الآن ما العمل اذا فشل الخلف في مهمته ايضا، وهل يصبح الحل العسكري الوسيلة الوحيدة المتاحة بعد فشل كل الحلول السياسية لانها ظلت على ورق ولم يتم التوصل الى اتفاق على وضع آلية فاعلة لتنفيذها بسبب المصالح المتضاربة لدول النفوذ في المنطقة؟

لقد تكررت الدعوات في كل حل سياسي الى وقف النار في سوريا من دون تكليف قوة عسكرية تتولى ذلك، كما يحصل عادة في مثل هذه الحالة، كما تكررت الدعوات الى سحب الاسلحة الثقيلة من المدن واطلاق المعتقلين السياسيين من السجون، ورد النظام السوري بوجوب انسحاب المجموعات "الارهابية" كما يسميها اولا والا استمر القتال، الى ان تهزم هذه المجموعات، ورفض الطرف المعارض الجلوس الى طاولة الحوار ما لم يتنح الرئيس الاسد عن السلطة، في حين اصر الطرف الآخر على الدخول في حوار من دون شروط مسبقة وان الشعب السوري وحده هو الذي يقرر مصير الاسد والنظام.

وفشلت الحلول السياسية حتى الآن بسبب الخلاف العربي والاقليمي والدولي على سبل تنفيذها ووضع جدول اولويات، فظل استمرار القتال المدمر لسوريا بشرا وحجرا البديل السيئ بل الاسوأ، واصبحت حرب "قاتل ومقتول" ولا تراجع لأي طرف عنها الى ان ينتصر احدهما على الآخر، ومضى ما يقارب السنتين على هذه الحرب ولم يتمكن اي طرف من حسمها لمصلحته، وهذا معناه المزيد من الدمار والخراب كما حصل في لبنان مدى 15 سنة الذي لم تتوقف حربه التي عرفت بـ"حرب السنتين" الا بعد قرار لقمة عربية مدعوم دوليا قضى بتشكيل "قوة ردع عربية" ما لبثت ان تحولت قوة سورية صافية حكمت لبنان 30 عاما...

والسؤال الذي لا جواب عنه حتى اليوم هو: ما العمل اذا فشلت كل الحلول السياسية بسبب تضارب الآراء والمصالح بين الدول العربية والاقليمية والاجنبية، وعدم اتفاقها على الآلية التي تضمن التنفيذ بحيث لا تظل حبرا على ورق؟ وما العمل اذا ظل التدخل العسكري لحسم الوضع في سوريا ممنوعا لئلا يؤدي الى مضاعفات وتداعيات تشعل حربا واسعة في المنطقة تفرض لتجنبها التوصل الى اتفاق على تسوية كبرى في المنطقة تنطلق من سوريا؟

ثمة من يعتقد بأن القرار في شأن الوضع في سوريا قد يتخذ بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية، لأن هذا القرار يحتاج الى رئيس جديد او مجدد له في اميركا سواء كان هذا القرار يعتمد حلا سياسيا يتفق على وسائل تنفيذه أو كان يعتمد التدخل العسكري المباشر او غير المباشر لحسم الوضع في سوريا.

وثمة من يقول ان الرئيس الاسد ومعه روسيا وايران ما زالوا يعتمدون على الجيش النظامي في كسب المعركة ضد المعارضة المسلحة، وعند ذلك يصير في الامكان وقف القتال والبحث عن حل متوازن لا يموت معه ذئب النظام ولا غنم خصومه ويترك للشعب السوري التعبير عن ارادته الحرة في انتخابات ديموقراطية نزيهة تختار صيغة النظام الجديد والحكام الجدد. وفي حال لم يتمكن الجيش النظامي من الانتصار على خصومه، فإن روسيا وايران تصبحان اقرب الى البحث عن حل سياسي بشروط غير تعجيزية، وإلا فإنهما تفضلان عندئذ الدخول في مغامرة عسكرية حتى وان عمت المنطقة، حتى اذا ما انهزم فيها نظام الرئيس الاسد فإنه يكون قد انهزم في معركة اكبر منه وليس في معركة داخلية اصغر منه...

اما المعارضة السورية فترى من جهتها ان ليس في امكان الجيش النظامي، الحاق الهزيمة بها، وان تدخلا خارجيا لدعم هذا النظام سيقابله تدخل مماثل لدعمها وقد يكون مجرد تسليحها بأسلحة ثقيلة كافيا لجعلها تنتصر على النظام واسقاطه.

الى ذلك، يمكن القول ان الاشهر المقبلة قد تكون اشهر انتظار وترقب.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

التصعيد الإقليمي و... أزمة سورية إلى منعطف جديد؟

جورج سمعان

الإثنين ٢٤ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

لا يحتاج العالم إلى تصريحات المسؤولين الإيرانيين لتأكيد حضورهم الميداني في الساحة السورية والساحة اللبنانية، بل في ساحات أخرى. ولا يحتاج العالم إلى تأكيدهم أن الحرب في سورية هي حرب ضدهم. أي ضد «محور المقاومة والممانعة». هم يكررون ما قاله الرئيس بشار الأسد قبل أيام، خلال استقباله وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي، «إن المعركة الحالية تستهدف منظومة المقاومة بأكملها وليس سورية فقط». قبله لم يكشف الجنرال محمد علي جعفري قائد «الحرس الثوري» جديداً بإعلانه أن أفراداً من «فيلق القدس» التابع للحرس يعملون مستشارين في سورية، لكن وجودهم لا يعني أن بلاده تخوض عمليات عسكرية هناك.

الجديد في المواقف الإيرانية أنها تحمل رسالة واضحة عنوانها أن الجمهورية الإسلامية طرف أساسي في الأزمة، سواء تصاعد العنف أو اتجه نحو تسوية ما قد يُسمح للمبعوث الأممي - العربي الأخضر الإبراهيمي بإخراجها ورسم أطرها بما يرضي جميع المتنازعين في الداخل والخارج. فهي جاءت عشية لقاء القاهرة لـ «مجموعة الاتصال» الرباعية التي اقترحها الرئيس المصري محمد مرسي، وغابت عنها المملكة العربية السعودية. والجديد أن إسرائيل لم تتأخر في الرد على هذه المواقف بمناورات مفاجئة في هضبة الجولان لتأكيد حضورها وجاهزيتها. ولتجديد التذكير بـ «الخط الأحمر» الذي رسم منذ بداية الأزمة في سورية، أي عدم التلاعب قرب الحدود ونقل الأزمة إلى ما ورائها. لأن ذلك يعني ببساطة جر المنطقة إلى حرب يكثر الحديث عنها لكن أحداً من المعنيين لا يبدي استعداداً لتحمل مسؤولية إشعالها. وكان النظام في دمشق حاول تحريك الجبهة في كل من الجولان وجنوب لبنان بتظاهرات ما لبثت أن اختفت نهائياً التزاماً لحدود اللعبة التي أُضيف إليها «خط أحمر» آخر هو حظر لجوء النظام إلى استخدام الأسلحة الكيماوية.

هذه التطورات قد تعزز توقعات كثيرين لا يجدون سوى الحرب الإقليمية الواسعة مخرجاً من مآزق كثيرة تواجه أزمات وقضايا معقدة في المنطقة. يمكنهم أن يجدوا شواهد عدة على توقعاتهم انطلاقاً من أزمة سورية والملف النووي الإيراني، وقرب طي صفحة «اتفاق أوسلو» وما قد تطرحه من تداعيات... فالمواجهة المحتدمة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والبيت الأبيض حول الملف النووي مستمرة. وليست هي الصورة الوحيدة. هناك التهديدات المتبادلة بين تل أبيب وطهران، و... المناورات العسكرية المتبادلة أيضاً في مياه الخليج وفوق هضبة الجولان... فضلاً عن مناورات مشتركة لـ 30 دولة على أبواب مضيق هرمز. وهناك الغضب الأميركي من سماح العراق بعبور شحنات من الأسلحة الإيرانية إلى سورية عبر أراضيه وأجوائه. وهناك تصريحات نوري المالكي بأن «المنطقة تعيش موجة خطيرة من التحديات جذرها الحقيقي طائفي»، وأن العراق «تمكن من محاصرة الفتنة الطائفية، أسقطناها، ولكن لا يكفي ما دام هناك بعض الذين يجدون الطريق إلى أهدافهم الشريرة عبر الطائفية». تناسى هجوم نظيره التركي رجب طيب أردوغان عليه قبل فترة متهماً إياه بأنه «يذكي التوترات الطائفية بين الشيعة والسنة والأكراد في العراق، من خلال تصرفاته مع شركائه في الائتلاف الحاكم». وبالطبع لا يتجاهل رئيس الوزراء التركي المشكلة المتصاعدة في بلاده. ليست المسألة الكردية وحدها، بل المواجهات والتظاهرات التي تعترض على مخيمات اللاجئين السوريين في مناطق تركية علوية!

لم تعد المنطقة تعيش على وقع قرع طبول الحرب بين إسرائيل وإيران فحسب، بل ما يشهده العراق وتركيا وما يعانيه لبنان وحتى الأردن ينذر بانزلاق المنطقة كلها إلى أتون حرب مذهبية لا حاجة إلى تحديد أطرافها وعناصرها. ولا حاجة إلى عود ثقاب ما دام تطور الأزمة في سورية ينذر بذلك. يمكن السوريين المتنازعين أن يصرحوا ليلاً ونهاراً بأن البلاد لا تخوض حرباً أهلية ذات طابع مذهبي أو طائفي. وبأنها لا يمكن أن تنزلق إلى ما شهده لبنان مثلاً في حروبه الأهلية. وهو تماماً ما قاله العراقيون بعد الغزو الأميركي الذي قلب مكونات الحكم والسلطة رأساً على عقب. لكن كلا البلدين خاضا ويخوضان اليوم حرباً مذهبية «معلنة» أو «مكتومة» يتحاشيان الاعتراف بها. فيما لا تخفى النار الكامنة في رماد لبنان على وقع ما يحدث لدى جارته الكبرى. فهل يحتاج اللاعبون إلى تذكير من الإبراهيمي بأن التطورات الميدانية في سورية «تمثل حرباً أهلية»، ليقروا ويعترفوا علناً بأنها ببساطة حرب بين طوائف ومذاهب؟!

لذلك لا عجب في أن تؤكد إيران حضورها الميداني في الساحة السورية. ليس لأن الحرب الدائرة فيها موجهة ضدها، أو لأن سقوط النظام في دمشق سيعني إضعافاً لحضورها ونفوذها في المنطقة فحسب، بل لأنها معنية بحماية طائفة تواجه تحدياً من أكثرية طائفية أخرى تحظى بدعم دول كثيرة في المنطقة. وتحظى بإمداد ميداني أيضاً من قوى إسلامية عربية باتت على الأرض تساهم في قتال نظام الرئيس بشار الأسد. ولا يعني ذلك أن الحسم لمصلحة هذا الطرف أو ذاك بات صعباً إن لم يكن مستحيلاً، بقدر ما يعني أن توازن القوى يترسخ على الأرض. وهو ما يفتح الأزمة على استهلاك مزيد من الوقت ويقرب المنطقة من حروب أهلية مدمرة، أو يدفعها إلى تسوية لا مفر منها لتحاشي الأعظم.

يسهل تعداد المؤشرات إلى اقتراب المواجهة الشاملة بين إيران وخصومها. كما يسهل رصد المؤشرات إلى اندلاع صراع مذهبي مرير في المنطقة يزيدها تشرذماً وضعفاً. ولكن في مقابل هذه المؤشرات ثمة ما يشي بأن اللاعبين الكبار في المنطقة قد لا يرغبون لا في هذا ولا في تلك... أقله في المرحلة الحالية. ولعل اللاعبين الإقليمين يبدون حرصاً على صد الصراع المذهبي عن ساحاتهم لئلا يصعب التحكم بتداعياته على بلدانهم نفسها. لذلك يمكن وضع المواقف الإيرانية الأخيرة في خانة أخرى. يمكن وضعها في خانة الإقرار بأن النظام السوري زائل لا محالة، ولا بد تالياً من حجز مكان في التسوية أو الصفقة. ألم تقترح طهران في لقاء «مجموعة الاتصال» إرسال مراقبين إلى سورية من الدول الأربع للمجموعة؟ تود القول إنها موجودة، أي أن النظام لن يسهل كسره ما دامت مستعدة لمده بالرجال بعد السلاح والمشورة والمال. وإن «حصتها»، أي حصة حليفها وما يمثل ومن يمثل يجب أن تتناسب وهذا الوجود. وإن روسيا لا يمكن أن تنوب عنها وعن دمشق في أي صفقة.

ليس هذا فحسب. الرئيس الأسد نفسه نقلت عنه مجلة «الأهرام العربي» إن الحسم «سيحتاج إلى وقت». والأهم من ذلك إقراره بأن «الحوار السياسي هو الحل الوحيد الممكن للأزمة». وأن «التغيير لا يمكن أن يتم من خلال تغييب رؤوس الأنظمة أو بالتدخل الأجنبي». وقبله أبلغ أردوغان «واشنطن بوست» الأميركية أن النظام سيرحل، وأن «بشار بات ميتاً سياسياً». ولفت إلى روسيا والصين وإيران تعتقد بأن الأسد سيرحل، وأن السؤال الذي يطرحونه هو «ماذا سيحصل بعد الأسد؟» وجدد رفض تركيا «أي تدخل خارجي في محاولة تشكيل نظام في سورية».

ما قاله أردوغان عن موقف الدول الثلاث التي تدعم النظام في سورية ليس جديداً كلياً. عبرت دوائر كثيرة في هذه البلدان عن عدم تمسكها بالأسد، لكنها تتمسك حتماً بمصالحها. فهل اقتربت الأزمة السورية في ظل غياب الحسم من نقطة تحول مفصلي، أو منعطف جديد عنوانه البحث في تفاصيل تسوية ما؟ وهل بدأت إيران تستعد لحجز حصتها، أم أن ثمة خلافات داخل أجنحتها الحاكمة؟ وماذا يفيد طهران وموسكو والعلويون بعد كل هذا الدمار والدم أن ينكفئ النظام إلى الشريط الساحلي؟ ألا تنتفي الحاجة إلى رئيسه إذا لم يتمسك بدمشق وحلب وإن مدمرتين؟ وأي ثقل يبقى في التفاوض للروس والإيرانيين والنظام نفسه إذا أخلى العاصمتين؟

قيل الكثير في أسباب اقتراب الحرب على إيران في هذه الظروف: من انشغال العرب بـ «ربيعهم» وارتفاع وتيرة التوتر بينهم وبين طهران، إلى عودة التأزم في العراق بين مكوناته المذهبـيـة والاتنية، إلى غرق سورية في دمائها ودمارها وما يلحقه ذلك من ضرر بموقع الجمهورية الإسلامية ونفوذها، إلى ما يواجهه «حزب الله» في لبنـان مـن مخـاوف بـسبب انـشغال النـظام في دمشق وربما سقـوطه المفاجئ، وما قد يستتبع ذلك من «نهوض سني» في لبنان والعراق وسورية نفسها يفتح باب الصراع المذهبي على مصراعيه بين جميع أهل المنطقـة. ولكن فـي مقـابـل هذه الأسباب ألا يكفي غيـاب سوريـة ودورها عن الإقليم وانشغالها غداً بإعادة إعمار يلزمها «مشروع مارشال»؟ ألا يشكل ذلك إضعافاً لإيران في سورية والعراق ولبنان؟ ألا يدفعها هذا معطوفاً على ما خلفته وتخلفه العقوبات إلى إعادة النظر في أسس حوارها مع الدول الست الكبرى حول ملفها النووي؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

«شبيحة» الأسد في لبنان!

جميل الذيابي

الإثنين ٢٤ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

قبل شهر تقريباً كتبت مقالة بعنوان: «شبيحة» في دول الخليج، ودعوت دول الخليج التي تتخذ موقفاً مناصراً للشعب السوري منذ اندلاع ثورته، إلى الحذر من «شبيحة» يتمترسون في العواصم الخليجية ويقومون بأدوار «نفاقية» للمنافحة عن نظام مجرم، وصل بهم إلى حد التعامي عن المجازر التي يرتكبها «شبيحة – الأسد».

مثل هؤلاء الانتهازيين القاطنين في دول خليجية يقفون موقفاً مخزياً من ثورة شعبهم وخياراته ومطالبه المشروعة، ولا تتوقف أدوارهم عند هذا الحد، بل يقومون بكتابة التقارير الاستخباراتية ضد أبناء جلدتهم المؤيدين للثورة؛ لمعاقبة عائلاتهم في المدن السورية. يتأبط «شبيحة – الخليج» سلاح الكذب والنفاق عند مواجهتهم بحقيقة مواقفهم، مبررين ذلك بأن «النظام لا يهمهم إن رحل أو بقي، لكن ما يهمهم سورية»، في مراوغة مكشوفة منهم، وكأن من يُقتل بسلاح شبيحة النظام ليسوا سوريين، ولم تحملهم أرحام سوريات.

لكن اللافت ظاهرة «شبيحة الإعلام اللبناني»، وهو ما لم يحظَ بتسليط الضوء، وهم من يمكن وصفهم بكبار الشبيحة وفقهاء التشبيح، فهم يكتبون ويتحدثون في وسائل إعلامية لبنانية وعربية، ويتهمون أية دولة عربية تستنكر المذابح الجماعية وقتل الأطفال الأبرياء بالمتآمرة والمتصهينة، ويصفون المحتجين بالإرهابيين، والقوى التخريبية التي تعمل لمصالح دول أجنبية!

منذ اندلاع الثورة وهؤلاء الشبيحة المسمون زوراً بـ «إعلاميين»، لا يتورعون عن بث الإشاعات وتسويق الأكاذيب التي تخدم النظام بعد كل استضافة على فضائيات سورية وأخرى إيرانية. يتطاول هؤلاء بالأكاذيب ويقفزون على حقيقة ما يجري على الأرض، ويتعامون عن المجازر والمذابح، وكأن ما يراق هو سطل من الماء لا دماء مدنيين أبرياء.

إذا أردت أن تعرف تلك الأبواق التي تنافح عن نظام بشار الأسد في غير إعلام «شبيحة» الأسد، فما عليك إلا أن تفتش بالريموت بين فضائيات لبنانية، وترصد تحليلات ثلة من المسؤولين والإعلاميين والنواب اللبنانيين، بخلاف «حزب الله» اليد السورية الفاعلة في المشهد برمته لا في لبنان وحده. ترتكز مهمة هؤلاء منذ اندلاع شرارة الثورة السورية على المنافحة عن نظام مجرم يقتل شعبه وينحر أطفاله ويدبر التفجيرات والاغتيالات، والدفاع عن جرائم «الشبيحة» اعتقاداً منهم أن نظام الأسد سيبقى للأبد. يعتقدون أن الجمهور العربي لا يزال مغيّباً، وعليه تقبل تشبيحهم وأكاذيبهم وعوراتهم وعلاتهم وصراخهم وجرائم كلماتهم وتحليلاتهم وفبركاتهم!

قبل أشهر شاركت في برنامج «ما وراء الخبر» على قناة «الجزيرة» الذي تقدمه الإعلامية اللبنانية المتألقة غادة عويس، امتد الحوار نحو ساعة، وكان من بين الضيوف إعلامي لبناني من بيروت يبدو أنه يعمل بمهنة «شبيح إعلامي»، كونه ظل ينافح طوال البرنامج عن جرائم النظام بلا حياء أو خجل. كان هذا «الشبيح» يشكك بكل الحقائق والصور والروايات والأرقام، ويتعامى عن مشاهد القتل وكأنه لا يشاهد الأشلاء وسفك دماء الأبرياء، وبدا همه الوحيد بقاء نظام يمارس أبشع أنواع الجرائم ضد الإنسانية، حتى شعرت بأن ذلك «الشبيح» موظف في بلاط «البعث»، ويطمح إلى منصب جديد في لبنان، خصوصاً وهو يبيّض صفحته على حساب إزهاق الأنفس البريئة وهدر الكرامة الإنسانية.

لبنان كحكومة دائماً ما تنأى بنفسها في الأزمة السورية في الاجتماعات العربية والدولية، سواء في هيئة الأمم المتحدة أم مجلس الأمن أم جامعة الدول العربية، وهو ليس في الحقيقة نأياً بالنفس، بقدر ما هو خشية «سليمانية - ميقاتية» من بطش الوحش (حزب الله)، وهو ما يندرج تحت الخوف والخيانة للإنسانية والدماء الزكية، وإلا فكيف بمن يشاهد الدماء تراق بجواره يومياً ويهز رأسه، وكأنهم لا يشتمّون رائحة الجريمة وحجم الكارثة الإنسانية التي تطاول الأخضر واليابس.

لا شك أن كما في لبنان إعلاميون شبيحة وانتهازيون ومنافقون، فهناك صحافيون نزيهون وإنسانيون ومؤثرون، كما يوجد صحافيون «رماديون» يحاولون عدم الزج بأنفسهم عبر تكرارهم «اسطوانة» أنهم مع حق الشعب السوري، فيما هم على الضفة الأخرى يميعون الرأي ولا يعبرون عنه بجلاء، إذ تجدهم يكتبون عمّا يجري في سورية من دون ملامسة عمق الجرح الشعبي، ويقتصر دورهم على إخبارنا بضرورة وقف العنف من أجل سورية حتى لا تقوم حرب طائفية وتتأثر المعادلة الإقليمية بسقوط النظام من دون إدانة أفعاله وجرائمه، وهم بذلك لا يقدمون رأياً حراً بغية بقاء «خط الرجعة» مفتوحاً، وقاية لأنفسهم في ما لو بقي النظام بحسب حساباتهم الرمادية لا الإنسانية.

الأكيد أن لا غرابة طالما الحديث عن حال لبنان وأحواله، وحال إعلامه المنحاز للطائفة، وبعض إعلامييه المنحازين للجزار، ورغبة حكومته في النأي بالنفس لتبقى بجوار الكرسي ولو رهينة لـ «حزب الله» وتابعة لإيران. وكما يقول صديقي اللبناني في رد على تساؤلاتي، لماذا تستغرب أن بين الإعلاميين اللبنانيين «انبطاحيين» وانتهازيين ومدافعون عن الشياطين، مثلما بينهم صادقون ووطنيون وعروبيون، طالما تم القبض على وزير الإعلام السابق ميشال سماحة وهو يخطط بنفسه لتنفيذ تفجيرات ويحضر لاغتيالات سياسية في بلاده عبر عملاء من أجل إنقاذ نظام الأسد. باختصار إنه خشية «الشبيحة» من «الشبيحة» على جمر كسيح وجداول دم!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا وتركيا والأكراد!

اكرم البني

الشرق الاوسط

24-9-2012

هدفان يتطلع إليهما النظام السوري من سحب قواته ومظاهر سلطته من أهم المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال وشرق البلاد، وترك إدارتها للعشائر والقوى السياسية الكردية وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردي، المتشكل من بقايا حليف النظام العتيق، حزب العمال الكردستاني..

هدف داخلي، وهو تحييد الحراك الكردي وعزله عن الثورة السورية، وتاليا تخفيف الأعباء عن قواته كي تتفرغ لمعارك ومواجهات في ميادين أكثر أهمية مع تراجع قدرتها، بعد تواتر الانشقاقات العسكرية، على فتح جبهة جديدة مع المكون الكردي وما قد يجره ذلك من تبعات لا تحمد، من دون أن نغفل رهانه على تفجر صراع داخلي كردي على خلفية الانقسام والاستقطاب الحاصلين حول الموقف من الثورة واختلاف ارتباطات القوى الكردية السورية بباقي أجزاء كردستان، أو رهانه على شحن الانفعالات الشوفينية لإثارة مزيد من الارتياب بين المعارضين العرب والأكراد، وتاليا على صراع محتمل بين بعض القوى الكردية ذات التطلعات الانفصالية والمعارضة والجيش السوري الحر اللذين يستندان إلى معنى للوطنية يرفض التقسيم أو التجزئة، وفي الطريق الترويج لفكرة الكانتونات في سوريا، إذ يعزز فتح الباب أمام الكرد للمطالبة بتمفصل سياسي في الحالة السورية ومغازلة حلمهم في سلطة ذات طابع قومي ما يثار حول التقسيم وإنشاء إقطاعات سياسية منسجمة قوميا أو طائفيا..

وهدف خارجي، هو استخدام الحدث كورقة ضغط على حكومة أنقرة، لإشغالها وإرباك دعمها للثورة السورية والذي بدأ يأخذ اليوم أشكالا أكثر عملية بعد اكتفائها في الماضي بالدعم اللفظي واستقبال اللاجئين والمعارضين، فجعل المناطق الكردية المتاخمة للحدود مع تركية خارج سيطرة السلطة يعزز دور حزب العمال الكردستاني وهو صاحب النفوذ الأكبر هناك، ويمكنه من تحقيق حلمه في تحويل شمال سوريا إلى قاعدة ارتكاز وانطلاق لعملياته بدلا من القواعد الموجودة في شمال العراق، والتي تحكمها اشتراطات القيادات الكردية في أربيل.

في المقابل لا نبالغ عند القول بأن حكومة أنقرة تواجه مأزقا في موقفها من الوضع السوري، فهي غير متحمسة لتجاوز سياسة «القوة الناعمة» أو «صفر مشاكل» التي اتبعتها، أو لا تستطيع إن رغبت، وتحاول تدارك حرجها وترددها بزيادة الدعم اللوجيستي للمعارضة السورية على اختلاف تياراتها ومكوناتها، ربطا بتصعيد النشاط الدبلوماسي خاصة مع القيادة الكردية في العراق لملاحقة الملف الكردي في سوريا وحصره في أضيق الحدود، وتشديد دعوتها لإقامة منطقة عازلة على الحدود المشتركة لإيواء اللاجئين وحمايتهم من البطش والتنكيل، كمدخل أيضا لمعالجة مستجدات المشكلة الكردية السورية والحد من تأثيراتها السلبية.

ثمة مخاوف وحسابات مصالح تلجم دخول أردوغان في صراع عسكري مفتوح مع النظام السوري حتى لو كانت الذريعة مواجهة العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستاني إن انطلقت من الأراضي السورية، فهو يتحسب من أن يفضي توغله في هذا الملف إلى خسائر لا تعوض، في حال اتسعت مساحة الاشتباك وشملت حلفاء للنظام، وما يستتبع ذلك من تداعيات ربما تستنزف قواه وتهدد موقعه ومستقبله في السلطة، وتحديدا إن طال زمن المعركة واتخذت مسارات غير محمودة، مما ينعكس سلبا على شعبيته وعلى وضع الثورة السورية، فالدخول العسكري الصريح سيفضي إلى تأليب الوضع الكردي عموما ضد أنقرة ويعزز العصبية القومية المتطرفة في مواجهتها، كما يضر بالثورة، بسبب الانقسام المحتمل بين معارضين يتعاملون مع تركيا كصديقة للشعب السوري ومن ستصبح عندهم أنقرة أشبه بعدو خارجي، وما يخلفه ذلك من شروخ على مستقبل العلاقات بين الشعبين السوري والتركي.

وبالطبع ليس من ضامن لأن تحافظ حكومة حزب العدالة والتنمية على ضبط أعصابها في حال هز الأكراد استقرار أوضاعها، وهي الخاضعة لضغط الشارع والمعارضة الداخلية المتحمسين لعمل رادع ضد الحزب الكردستاني في حال تصاعدت هجماته، مما يفسر الحشود العسكرية الواسعة التي امتدت على طول الحدود مع سوريا، وأيضا ما رشح عن وجود خيارات أمنية وسياسية ذكية قد تساعد أنقرة على تجنب خيار الحرب، أحد وجوهها ملاحقة مركزة وحازمة للمقاتلين الكرد داخل الأراضي السورية مستندة إلى اتفاقية أضنة الموقعة بين الجانبين السوري والتركي عام 1998.

والحال أنه يفترض أن يعي الأكراد السوريون التجاذبات القائمة وما ينتظرهم وما هي الفرص المتاحة أمامهم، وتاليا دورهم في الحفاظ على وحدة الموقف الداعم للثورة، لما له من أهمية خاصة، في ضمان وحدة الموقف الوطني الكفيل بإنجاح التغيير الديمقراطي الملح في البلاد.

إن القضية الكردية في سوريا لم تطرح يوما بمعزل عن الحالة الوطنية السائدة، كما لم يطرح حلها بمنأى عن المعاناة المشتركة لعموم السوريين، بل ظلت مرتبطة ارتباطا وثيقا بمجمل المعضلات السياسية العامة لدرجة أنها أصبحت قضية وطنية بامتياز. ولعل الأكراد يدركون أكثر من غيرهم دروس هزائمهم المريرة والتجارب التاريخية التي مروا بها، ليكونوا أشد المدافعين عن أولوية الانتصار للديمقراطية في أماكن وجودهم كمدخل لا غنى عنه لحل معضلتهم القومية ولمواجهة مختلف التحديات في عالم لا وزن فيه أو دور إلا للشعوب المتكاتفة والمتحدة، مما يوفر مناخا جديدا وصحيا يضع الجميع، عربا وكردا، على قدم المساواة في الحرص والمسؤولية الوطنية ويقطع الطريق، مرة وإلى الأبد، على مختلف الأنظمة لاستخدام المسألة الكردية كوسيلة أو ورقة ضغط في صراعاتها وتسوياتها الإقليمية.

ولكن للأسف، يبدو أن المعادلة الكردية هي أكثر وضوحا عند كلا الطرفين؛ نظام دمشق وحكومة أنقرة، فكما يبرر أنصار النظام انسحابه من المناطق الكردية بسهولة استعادتها بالتنسيق مع حلفائه هناك فور انتهاء معاركه في المدن الأخرى، يدرك أردوغان جيدا أن انتصار الثورة السورية يسهل مهمته في التعاطي مع التمرد الكردي، ولعل الجميع سيخفقون إذا لم تتصدر المشهد حلول سياسية جريئة ترضي خصوصية الأكراد، وتمنحهم كقومية ثانية ما يستحقونه من حقوق.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا واحتمالات حرب خارجية

فايز سارة

الشرق الاوسط

24-9-2012

لا تبدو فكرة احتمالات الحرب الخارجية بعيدة بالنسبة لسوريا، خاصة أن البلاد تعيش أجواء حرب داخلية منذ عام ونصف، لم تهدأ فيها أدوات الحرب من الجنود والمدافع والدبابات والطائرات، ولم تتوقف حركتها في مختلف الأنحاء السورية، وقد أصابت بدمارها مدنا وقرى وبلدات، قتلت وجرحت آلافا، ودمرت بنيات تحتية وممتلكات عامة وخاصة، بما فيها بيوت ومصادر عيش مئات آلاف العائلات، وشردت نحو ثلاثة ملايين نسمة داخل البلاد وخارجها.

وسط تلك النتائج من الحرب في الداخل السوري، تبدو احتمالات الحرب الخارجية كبيرة بل متصاعدة، نتيجة انعكاسات ما يحصل في سوريا على المحيطين الإقليمي والدولي، حيث تتوالى التأثيرات في تصاعدها الإقليمي كما هو الحال بين سوريا وتركيا، وبين سوريا والأردن، فيما تزداد العلاقات حساسية بين سوريا ولبنان، وتتكثف في الوقت ذاته جهود دولية لحشد تأييد لقرارات من مجلس الأمن الدولي تحت البند السابع الذي يعني استخدام القوة، بما فيها التدخل العسكري المباشر لمعالجة الأزمة في سوريا، فيما تجري دعوات من جانب بعض الدول لتدخل عسكري دولي خارج مجلس الأمن الدولي نتيجة الموقفين الروسي والصيني في مجلس الأمن.

وإذا كان التدخل العسكري الدولي عبر مجلس الأمن الدولي أو من خارجه، يمكن أن يجلب حربا على سوريا نتيجة سياسات النظام واعتماده الحل الأمني العسكري في معالجة الأوضاع السورية، وما تسبب فيه من نتائج كارثية، سوف يقع على المجتمع الدولي تحمل البعض من تبعاتها، فإن بعضا من نتائج ما جرى في سوريا وتداعياته على دول الجوار يمكن أن يدفع إلى حرب مع تركيا وربما مع الأردن، نتيجة ما يتحملانه من تبعات، أقلها تحمل كل منهما عبئا كبيرا في قضية النازحين السوريين، إضافة لما شهدته حدود البلدين البرية مع سوريا من تماسات أمنية وعسكرية وحشود توحي باحتمال نشوب صراع مسلح.

وعلى الرغم من تقارب الوضعين الأردني والتركي في العلاقة مع سوريا فيما يتصل باحتمال الحرب، فإن الوضع التركي أكثر حساسية واحتمالا للانفجار، ذلك أن الأتراك اتخذوا موقفا معارضا بقوة للسياسة السورية حيال الأزمة، وأعلنوا تأييدهم للثورة، وفتحوا أبواب تركيا أمام المعارضة، بما في ذلك الجيش الحر، بينما شددت السلطات السورية على اتهام تركيا بإدخال الأسلحة وعناصر مسلحة وأصولية من جنسيات مختلفة عبر أراضيها إلى سوريا، وقامت من جانبها بتنشيط علاقاتها مع المعارضة التركية، وقد تحدثت مصادر تركية عن دور سوري في إحياء وتعزيز نشاطات حزب العمال الكردستاني (PKK) والجيش الأرمني السري (اسالا)، وكلاهما حركة تمرد عسكري في تركيا، ولها علاقات قديمة وقوية مع السلطات السورية، كما أشارت المصادر التركية إلى تدخلات سورية في صفوف الأقلية من المسلمين العلويين الأتراك لتحريضهم ضد الحكومة التركية وفي مواجهة اللاجئين السوريين في تركيا.

إن المعطيات الأخيرة، إذا أضيفت إلى سابقاتها بما كان من احتكاكات عسكرية سورية - تركية قبل وبعد سقوط الطائرة التركية من قبل الدفاعات السورية، إضافة إلى قيام الطرفين بحشد قوات منوعة واستنفار على جانبي الحدود، تؤكد أن احتمالات حرب تركية - سورية تلوح في الأفق القريب، وربما هي بحاجة فقط إلى إشارة ما تصل الأتراك للبدء في الحرب، وقد تأتي الإشارة من جانب حلفاء تركيا الأطلسيين، وقد تكون ناتج تقديرهم ومعلومات تراكمت لديهم، أن الجيش السوري أعجز من أن يقابلهم بعد أن استهلك قوته في حربه الداخلية، وفي ظل واحدة من الإشارتين قد تندلع الحرب على الحدود التركية - السورية.

*-*-*-*-*-*-*-*-*
سوريا وصعوبة السلام

تاريخ النشر: الأحد 23 سبتمبر 2012

د. شملان يوسف العيسى

الاتحاد

نعى الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي الحلول العربية والدولية، وأكد أن الجامعة العربية والمجتمع الدولي فشلا في إنقاذ الشعب السوري، وأعلن عن إحالة القضية إلى مجلس الأمن، وهذا أمر حتمي لأنها وصلت إلى طريق مسدود.

وزير خارجية إيران علي أكبر صالحي، صرّح في دمشق بأن دعم إيران لسوريا غير محدود حتى تستعيد الأمن والاستقرار، وسوف تدعم إيران سوريا طالما أن ثمة قوى إقليمية وعربية تحاول هدم النظام والاستقرار في سوريا.

الدكتور أحمد رمضان، المتحدث باسم "المجلس الوطني السوري"، صرح بأن اللقاء السوري الإيراني، هو جزء من الدعم المستمر الذي تقدمه السلطات الإيرانية لنظام الأسد، بعد أن أقر قائد "فيلق القدس" قبل أيام، بوجود حرس ثوري إيراني داخل سوريا ولبنان.

تقارير الاستخبارات الغربية في العراق أشارت إلى تزويد العراق للنظام السوري بالسلاح والعتاد، بضغط من إيران.

ورغم الاجتماعات المنفردة التي عقدها المبعوث الأممي العربي المشترك إلى سوريا، الأخضر الإبراهيمي، بالرئيس الأسد والمعارضة، لم يحدث أي انفراج في الأزمة، لذلك ذهب إلى مجلس الأمن ولالتقاء بأمين عام الأمم المتحدة.

كل هذه المؤشرات تدل على تعقد الأمور أكثر في سوريا، فالثورة السورية التي بدأت سلميةً، تحولت اليوم بعد عام ونصف العام إلى ثورة مسلحة ساهمت فيها عدة جهات، منها "الجيش السوري الحر"، وفئات متطوعة من السوريين في الخارج، وبعض المتطوعين العرب، وغيرهم من الحركات الجهادية.

عاصم عبدالماجد، عضو مجلس الشورى المصري، صرح بأن هنالك مؤامرة على الشعب السوري، تساهم فيها إيران و"حزب الله" والصين، ضد الشعب السوري الأعزل، ودعا المسلمين للانخراط في العمل الجهادي لنصرة إخوتهم في سوريا.

دخول الجهاديين العرب وغيرهم ووجود "فيلق القدس" الإيراني في سوريا، يجعل من الصعب جداً الوصول إلى حلول سلمية، لأن كل طرف مع الأطراف المتصارعة في سوريا لديه مصالحه الخاصة في هذا البلد المنكوب.

والسؤال: إلى أين تسير سوريا إذا استمرت الحرب الأهلية الطاحنة لمدة طويلة؟ ما هو مستقبل سوريا بعد الحرب؟ هل تصبح سوريا صومالاً آخر، حيث تتصارع القوى الإقليمية فيها على حساب الشعب السوري؟

الأمر المؤكد بالنسبة لنا هو أنه لا توجد حلول سريعة للمشكلة، خصوصاً أن مجلس الأمن لم يتخذ خطوات عملية وفعلية لوقف سيل الدم... بسبب "الفيتو" الروسي والصيني.. ليس من مصلحة أحد استمرار القتل والتشريد والإبادة الجماعية، من قبل النظام ضد شعبه، كذلك ليس من مصلحة المقاومة إدخال المجاهدين من كل بقاع المعمورة للجهاد في سوريا لتحريرها من النظام الاستبدادي.

ما نتخوف منه في دول الخليج هو أن تتحول سوريا إلى عراق جديد يتقاتل فيها أبناء الوطن الواحد تنفيذاً لأجندات خارجية. دخول المجاهدين العرب والمسلمين إلى سوريا لمحاربة جيش النظام والكتائب الثورية الإيرانية، سيحول سوريا إلى مستنقع لحروب بالوكالة.

مطلوب من دول الخليج أن تحمي وحدتها الداخلية بتعزيز الوحدة الوطنية حتى لا نعطي إيران ذريعةً للتدخل، والاستقرار في علاقتنا الطبيعية مع الولايات المتحدة والغرب، لحماية أنفسنا من ويلات الحروب القادمة.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

المناطق المحررة تدير أمورها المحلية

المدن السورية وتجربة الحكم الذاتي

تاريخ النشر: الأحد 23 سبتمبر 2012

الاتحاد

بورزو داراجاهي

صوران - سوريا

قرر قادة المجلس الذي يحكم "صوران" وهي مدينة تقع في إحدى المناطق السورية التي تسيطر عليها قوات المعارضة، عقد اجتماع طارئ على أحد ممرات المشاة الممتدة على طول الطريق الرئيسي لتلك المدينة، في خطوة تدل على نظام الحكومة المفتوحة الذي تدار به البلدة المحررة، والذي يمكن أن يكون محلاً لإعجاب دول عريقة في الديمقراطية مثل السويد وكندا.

ويجمع القائمون على الاجتماع عدداً من الكراسي البلاستيكية وطاولة، ويبدأون في صب الشاي، ومناقشة أعمال الحكومة التي أقاموها لكي تحل محل مسؤولي حزب "البعث"، والجهاز الأمني التابعين لنظام بشار الأسد ، اللذين حكما المنطقة بيد من حديد لعقود طويلة.

ويقول "فايز حماشو" رجل الأعمال، وأحد أعضاء مجلس المدينة الأحد عشر: "هذا شيء جديد بالنسبة لنا، ولكننا اضطررنا إليه عندما فر رجال بشار هاربين، ولم يعد هناك أحد كي يحل المشكلات اليومية في المنطقة".

وفجأة يسود الاضطراب الجلسة، بعد أن تسربت أخبار بأن صاروخاً أطلقته إحدى مقاتلات الأسد القاذفة النفاثة قد أصاب قرية مجاورة ما أدى إلى إصابة العديد من الأشخاص.

وعقب ذلك بدقائق شوهدت أعداد كبيرة من الدراجات البخارية والسيارات المكتظة بالأطفال والمحملة بالحقائب وهي تمر أمام مكان الاجتماع، هرباً من القصف.

وفي أثناء ذلك كان يمكن سماع أصوات الطائرات وهي تحوم في السماء ما أثار موجة من الفزع بين الجميع.

وهكذا لم يكن أمام تلك التجربة في الديمقراطية المفتوحة سوى أن تعلق أعمالها ويهرع القائمون بها إلى داخل المباني طلباً للحماية.

وفي الوقت الذي تحتدم فيه نيران حرب ضروس بين الثوار السوريين ونظام الأسد، بدأت تجربة الحكم الذاتي ترسخ وجودها في تلك الأجزاء من سوريا الواقعة تحت سيطرة المعارضة، وخصوصاً المناطق الشمالية من البلاد.

وعلى رغم أن النظام ما زال يسيطر على العاصمة دمشق، إلا أن مناطق واسعة أخرى عديدة تحولت إلى بؤر للمقاومة.

وتحت تهديد مقاتلات الأسد، والقصف، والمروحيات، يقوم النشطاء الثوار، بإدارة الشؤون المحلية مثل جمع القمامة، وتوزيع الطعام، وإيواء المدنيين العزل ممن شردتهم الحرب، بالإضافة إلى أعمال عديدة أخرى مثل تحقيق العدالة، وحل الخلافات بين العشائر المختلفة التي يمكن أن تتطور إلى كوارث، وذلك قبل أن تخرج عن نطاق السيطرة.

ومن المعروف أن تجربة السوريين في الديمقراطية محدودة للغاية، وذلك بعد أن عاشوا لعقود تحت حكم نظام بشار، ووالده حافظ الأسد، المفرط في قمعيته ومركزيته. كما يشار كذلك إلى أن العديدين ممن يقودون المجتمعات المحلية الآن في أجزاء مختلفة من سوريا، قد شاركوا من قبل في الاحتجاجات السلمية العام الماضي التي يعتبرها كثيرون منهم فترة من التوعية السياسية، والحوار الحر المفعم بالروح الديمقراطية التي أطلقتها الثورات في بلدان مثل تونس ومصر.

ولكن عندما تدهور الموقف الأمني، اضطر العديدون من هؤلاء لحمل السلاح استعداداً لخوض المعركة ضد قوات الأسد، ولكن البعض منهم بدأ أيضاً في إعداد الخطط لتشكيل حكومات محلية، إذا ما تداعت سلطة الدولة.

وجميع أعضاء تلك المجالس -أو الغالبية العظمى منهم على الأقل- من الرجال. وهم يقولون إنهم يعملون بموجب تعاليم "الشريعة الإسلامية"، غير أن الحقيقة هي أن إلمام بعض منهم بتعاليم الدين محدود نسبياً، وهم عندما يشيرون إلى الشريعة فإنما يشيرون إليها كمصطلح شامل للتمييز بين حكمهم، وبين الحكم القسري، الوحشي، والفاسد لنظام "البعث".

ويشير "حماشو" إلى الكيفية التي كانت تدار بها الأمور تحت حكم حزب "البعث" فيقول: "في السابق كانت القيادة القطرية لحزب البعث تتحكم في كل شيء، وإذا ما كنت تعرف مسؤولاً في تلك القيادة فإن كل الأبواب المغلقة كانت تفتح أمامك، وتصير أمورك كلها على ما يرام... أما إذا لم تكن تعرف أحداً فإنك كنت تتعرض للتجاهل أو إلى ما هو أسوأ من ذلك".

وقد تكاثرت أعداد المجالس المحلية خلال الشهور القليلة الماضية في المناطق السورية المحررة الخاضعة لحكم المعارضة، واختصت في المقام الأول، كما سبقت الإشارة، بمعالجة الشؤون المحلية مثل توزيع المياه، والطعام ، وتوفير المأوى للنازحين عن ديارهم.

وأعضاء تلك المجالس ذوو خلفيات أيديولوجية متعددة، والبعض منهم أكثر تديناً من غيره. وفي بعض المناسبات يعترض المدنيون على سلوك مقاتلي المعارضة. ومن الأمثلة على ذلك أنه منذ عدة شهور، وفي مدينة "مارع" التابعة لحلب، طالب سكان المدينة المدعومين من قبل المجلس المحلي مقاتلي المعارضة بإيقاف ما يقومون به من إعدامات لأعوان نظام الأسد، والاكتفاء بحبسهم انتظاراً لمحاكمتهم فيما بعد.

ولم يجد مقاتلو المعارضة طريقاً آخر سوى الاستجابة لطلب السكان. وفي الوقت الراهن يتم توزيع قانون بقواعد السلوك التي يتعين على رجال المقاومة الاهتداء بها، ويتم وضعه موضع التنفيذ -اسمياً على الأقل- خصوصاً بعد أن نشرت منظمة "هيومان رايتس ووتش" تقريراً اتهمت فيه رجال المقاومة بتنفيذ عمليات إعدام والقيام بعمليات تعذيب خارج نطاق القانون.

ويعترف الناشطون والزعماء المحليون بدرجات -تختلف اختلافاً بيناً- بالسلطة المدنية على المقاتلين المسلحين في الخطوط الأمامية من المعركة ضد نظام الأسد.

ويقول "عمر بريمو" عضو مجلس مدينة صوران في معرض إشارته للتوتر الذي يحدث في كثير من الأحيان بين المقاتلين وبين السلطات المدنية: "ما نريده هو التفرقة بين ما هو عسكري وبين ما هو مدني". ويضيف بريمو: "لقد كافحنا كفاحاً مريراً كي نبعد العسكريين عن ظهورنا، ومن ثم فنحن لا نريد حكومات عسكرية مرة أخرى".

يشار في هذا السياق إلى أن المجالس المحلية في حلب تتبع للمجلس الثوري في مدينة "تل رفعت" غير أن الملفت للنظر أن التنسيق بين المجالس المختلفة يمضي أحياناً على نحو سيئ، وهو ما يمثل عرضاً من أعراض ظاهرة التشظي التي ابتليت بها الانتفاضة السورية. فبسبب ضعف التنسيق هذا يمكن لناشط، أو صحفي، أو عامل في مجال الإغاثة يعمل بحرية في قرية معينة أن يتعرض لاتهامات بالجاسوسية إذا ما نقل نشاطه إلى قرية مجاورة.

وكذلك تواجه عملية عقد الاجتماعات ذاتها صعوبات مختلفة بسبب الضربات الجوية، إذ يخشى المجتمعون أن ترصد طائرات الأسد أو مروحياته تجمع عدد كبير من السيارات في منطقة واحدة فتقوم بقصفها. وعلى رغم التهديد الذي تمثله تلك الطائرات، وتواجدها بشكل كثيف، إلا أن المجالس المحلية المكونة حديثاً عادة ما تنجح في عقد اجتماعاتها على نحو ما لمناقشة أدق تفاصيل المشكلات التي تعاني منها منطقة من المناطق.

ففي يوم الخميس الماضي، استمعت اللجنة القضائية لمجلس "مارع" لقضية "راجية طبشو" التي هجرها زوجها إلى امرأة أخرى من دون أن يترك لها ما يمكن أن تواجه به أعباء حياتها. ولعدة أسابيع ظل الزوج يتجاهل دعوات اللجنة للحضور -كما قالت أم الزوجة- قبل أن تقوم اللجنة بإرسال بعض المسلحين لضبطة وإحضاره.

ويقول إبراهيم النجار (وهو محامٍ) تعليقاً على ذلك: "تحت النظام القديم كان الأمر يستغرق شهرين حتى يتم إحضار شخص ما للمحكمة أما الآن فيتم إحضاره خلال يومين فقط".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس"

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا على مذبح انحطاط السياسة

المستقبل - الاحد 23 أيلول 2012 - العدد 4468 - نوافذ - صفحة 11

دمشق ـ غازي دحمان

ليس في سوريا شيء يجعلها تتميز عن غيرها من دول العالم، ثمة بلدان كثيرة تفوقها درجات بمزاياها، الطبيعية والتقنية ودرجة ومستوى تحضر شعوبها، حتى السوريين أنفسهم من أقل الشعوب إحساساً بالنرجسية.

أكثر من ذلك، فالسوريون مشهورون بلا وطنيتهم، بعكس أقرانهم في المنطقة، ذلك أنهم طالما تخلوا عن هذه الهوية الوطنية لصالح الإندماج في هويات أكثر إتساعاً وشمولاً ( كالهوية العربية )، وهو الأمر الذي عاق على الدوام تجذر السورنة، وبقيت قضية الإنتماء أكثر المسائل مرونة وسهولة، فالسوري يكتشف انتماءه لحظة يئن الوجع في الديار الأهلية له. فيصير عز الدين القسام فلسطينياً وجول جمال مصرياً ... وهكذا.

ليس ثمة ما يميز سوريا غير قدرة هذه الجغرافيا على إنتاج صيرورة حياة لا إنقطاع فيها، ونمط حياة انسيابي خال من التعقيد. تلك حقيقة لا تحتاج إلى عمليات بحث أركيولوجية لإكتشافها، ذلك أن هذا الأمر يكشف عن نفسه فور قراءة بسيطة لسيرة هذه المنطقة، ولا يحتاج الأمر إلى التوغل في بطون هذه السيرة، فعند حوافها سيجد الراغب ما يريد .

بالطبع ليس المقصود من وراء هذه المقدمة تخليق مجال نرجسي لشعب يعف عن هذا المقام، وليس المقصود أيضا المزايدة وإظهار مزايا متفردة لشعب لم يدّعها، وبخاصة أن السوري يعيش هذه اللحظة نكبة تطال روحه وإحساسه بالكرامة، فوق الموت الذي يلاحقه في مدنه وقراه، وتنبري العصابة الحاكمة لتصفه بأقذع الأوصاف، من التطرف إلى التخلف، بحيث تصبح القضية موتا وفضيحة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه بأن تتناوله أقلام وألسنة اللئام من العرب الموالين للنظام، في الجرائد والفضائيات، فذلك من يصف الثورة بالمؤامرة. موت السوريين مؤامرة، وعلى من؟ وذلك الذي يطاردهم في لجوئهم كما يفعل حزب الله، والآخر الذي يلفق التهم لنسائهم وبناتهم، ويصور اللاجئين السوريين وكأنهم ذاهبون إلى سوق لتزويج بناتهم. ولا ينقص إلا تصميم واجهات لعرضهن على كل راغب زواج، وتصبح القضية وكأنها هي المشكلة، لدرجة أنها تحتل إفتتاحيات بعض الصحف العربية، فيما الواقع أن القضية جرى صناعتها في مخابر النظام المخابراتية والإعلامية.

ميزة سوريا إذاً هي قدرة أبنائها على الصبر والتحمل والفاعلية في آن واحد، فرغم كل ظروف الإستبداد والفقر التي أحاطت بالسوريين إلا أنها لم تدفعهم إلى الإنغلاق على همومهم ومشاكلهم، التي قد تبدأ من تأمين لقمة العيش في ظروف صعبة ولا تنتهي عند الاستبداد بكل مستوياته وأشكاله والكفيل بتصحير الروح والعقل، بل إمتاز السوري على الدوام، بإبدائه صبراً عجيباً على تحمل المصاعب والقدرة على تحملها ومحاولة تطويع الظروف لصالحه، وتمتزج مع هذه الميزة قدرته على التفاعل الخلاق مع محيطه وجدانياً ومسلكياً، وهو ما أظهرته مناسبات عديدة.

وثمة ميزة أخرى أنتجتها الجغرافيا السورية وهي تلك المسحة الهائلة من التسامح، التي يمكن وصفها بأنها وليدة بيئتها الطبيعية، وليست نتاج إتفاقيات وتفاهمات سياسية مكتوبة أو ضمنية، وبناءً على ذلك ليس من المستغرب أن تجد سلطان باشا الاطرش أكثر زعيم وطني حوله إجماع، فيما يتحول صالح العلي إلى رمز للوحدة الوطنية، ويصبح فارس الخوري زعيماً وطنياً ويوسف العظمة بطلاً تاريخياً، ترى كم واحد في سوريا توقف عند طائفة أو ديانة أو قومية أي من هؤلاء الرموز!

ومن أسف أن جملة هذه المزايا افتقدت لحامل سياسي ينميها ويطور ممكناتها، أو على الأقل يستفيد مما توفره لتطوير صيغ لحياة وطنية مستقرة ومنتجة، كان من الممكن أن تغير وجه سوريا وتنقلها من واقعها المادي الصعب إلى ظروف أكثر رخاءً، وبخاصة أن هذه البيئة تريحه من مجهود سياسي لازم لدمج مكونات المجتمع، بما يتطلبه من موارد موازية لإنجاز مثل هذه الوظيفة.

السياسة ضيعت المجتمع في سوريا، وقد اعتاشت السلطة على هذه الوظيفة عقوداً طويلة، تلك على كل حال طبيعة إستبدادية حيث السلطة لا تنتعش إلا بمقدار استحواذها على المجال المجتمعي بكامله. وفي الشرق عموماً، وفي سورا على وجه الخصوص، لم تنتعش السياسة إلا على جثة المجتمع، وفي إطار تخريب أسس العيش وتدمير نسيجه ووحدته، وذلك بقصد ضمان إنهاك المجتمع وإخراجه من أمكانية إنتاج طبقة سياسية بديلة، وكأن حافظ الأسد كان يحلم بحكم سلالي يمتد لقرون من الزمن. ذلك الديكتاتور الذي يصفه أتباعه بالعبقري والحكيم، وكأن الشرور وتعميم الفساد والخداع والبطش غدت مؤشرات للعبقرية والإبداع.

اليوم تمارس السياسة "الأسدية" لعبتها ذاتها، بل وتعيد تزخيمها وترشيقها، بما توفره لها تقنيات الإتصال، عبر تشويه صورة الشعب السوري والاستعلاء عليه ومحاولة إظهاره كشعب متخلف. ووصل الأمر إلى حد استئجار قناة فضائية سورية بعضَ المنحرفات، وهن لم يزرن تركيا يوما، للقول إنهن من إدلب وذهبن إلى معسكرات اللاجئين وتم اغتصابهن؟!

سوريا ضحية السياسة التي أظهرت كل الأشياء السيئة، وحاولت أن تجعل منها مركبا يشكل عنوان الشخصية السورية وواجهتها، مقابل القضاء على كل الميزات الخيرة والنبيلة لشعبها. واليوم تحاول هذه السياسة صناعة وحوش فاتكة في كل جنبات سوريا وأركانها، لتخرج نفسها من الورطة التاريخية التي وضعت البلاد بها، وتدعي أنها تواجه إرهاباً، ولا ضير في استدعاء جيوش العالم لمساعدتها على ترويض الشعب السوري.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

استنزاف سوريا والعرب!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

23-9-2012

من ينظر بعين تاريخية ويتتبع تسلسل الأحداث والوقائع في منطقتنا العربية، سيلاحظ ظاهرة فريدة هي وقوع صراعات استنزافية تستمر لفترة طويلة في بلدان بعينها، يعني انفجارها جر بيئتها القومية والإقليمية والدولية إليها، وتحول صراع محلي صغير بالأصل إلى جرح مفتوح يمتص قدرات وطاقات البلدان التي يدور فيها وطاقات وقدرات محيطه الواسع، القريب منها والبعيد، ويعرضه لنزف لا يتوقف يستهلك قواه ويكبده هو أيضا خسائر فادحة في حرب هو طرف فيها لكنه لا يخوضها بصورة مباشرة.

هذا النوع من الأزمات الاستنزافية لا يحتاج لبدئه واستمراره إلى قوى كبيرة، لأنه يرتكز على عاملين هما: الاستمرار، والقابلية للتغذية الدائمة بقوى وعناصر جديدة تزج بنفسها، أو يزج بها، فيه.

أما الاستمرار، فهو يعني بقاء أبواب الصراع مفتوحة أمام جهات متنوعة هي أحزاب داخلية وهيئات ودول وأحلاف خارجية راغبة في أن تروض أو تحتوي أو تستهلك بواسطته قدرات جهات معادية أو منافسة لها، وأن تركعها أو تشغلها بمعارك لا تستطيع كسبها، لكنها تجد نفسها مجبرة على المشاركة فيها وعاجزة أكثر فأكثر عن الخروج منها، فكأنها طرف رئيسي فيها، مع أنها قد لا ترسل عسكريا واحدا لخوض غمارها.

في حين تعني التغذية الدائمة إمكانية دخول هذه القوى دخولا مفتوحا إلى الصراع، بالقدرات والإمكانات التي تكفل استمراريته، علما بأن دخولها إليه يعقده ويجعله عصيا أكثر فأكثر على التوحيد والإدارة. لا مراء في أن شَرْطي الاستمرارية والتغذية المفتوحة يتطلبان من جانبهما وجود بيئة تضم جهات متعادية إلى درجة تغريها بضرورة الدخول في الصراع، وتوسيعه وتعميقه ووضع قدرات متزايدة فيه، بصورة مباشرة وغير مباشرة، لأن مصالح مهمة تخصها، وأحيانا مصيرها ذاته، يتوقفان على نتائجه، رغم أنه قد لا يدور فوق أراضيها، ولا يستهدف في أحيان كثيرة غير استنزافها.

كانت الحرب الأهلية اللبنانية أحد أبرز هذه الصراعات، التي تخطت نتائجها العامة الأهداف الخاصة بالمنخرطين المباشرين فيها، وفاقت القوى الداعمة لهم قدراتهم المباشرة، بما غلب عليها من طابع محلي، وجعلها حربا منفتحة على معضلات إقليمية ودولية كانت خافية أو تعتبر ثانوية عند انفجارها. بدت الأزمة اللبنانية أول الأمر داخلية بحتة، وبدا أن أطرافا داخلية هي التي تتصارع على أدوار وتوازنات تحدد نمط النظام السياسي وحصة كل واحد من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين فيه، باعتبارهم ممثلي طوائف تنضوي مطالبهم وصراعاتهم في إطار مطالبها وصراعاتها. لكن تطور الصراع لم يلبث أن كشف عن طبقات متراكمة من المعضلات الداخلية والعربية والإقليمية والدولية الشديدة التعقيد المتنوعة المآلات، التي تداخلت وتراكبت مع مشاكل وتحالفات محلية أو تجلت من خلالها. لذلك أخذت الحرب في ظاهرها صورة صراع أو اقتتال بين قوى محلية أو جهوية محدودة القدرات، لكن أدوارها التي تمت بدلالات وسياسات ومصالح خارجية كشفت التعقيد والتشابك الكامنين وراء كل فعل من أفعال الصراع والقتال، مهما بدا بسيطا ومغرقا في المحلية. هذه الحرب، التي دارت بصورة مباشرة بين أحزاب وقوى لبنانية وبدت لبنانية بحتة، كان من أهداف قواها الخارجية غير المعلنة طي صفحة الصراع العربي - الإسرائيلي وفتح صفحة الصراعات العربية - العربية، التي تولى نظام حافظ الأسد رعايتها وإدارتها بموافقة أميركية - إسرائيلية، ونزع الورقة الفلسطينية من يد منظمة التحرير، وهيمنة النظام السوري على المشرق وعزل مصر والعراق وإخراجهما من المجال العربي، وفرض خطوط حمراء أميركية - إسرائيلية التزم الأسد ونظامه بالتقيد بها لفترة طويلة، من ضمن التزامه بالعمل لإعادة هيكلة موازين القوى داخل المجال العربي للإفادة من غياب أو تغييب مصر أميركيا وإسرائيليا والعراق إيرانيا وسوريا، واستنزاف طاقات الدول العربية إلى الحد الذي يمنعها من العودة في أي وقت إلى مصارعة إسرائيل أو التأثير إيجابيا في الصراع الدائر بين منظمة التحرير وبينها على فلسطين، ووضع مقدرات العالم العربي بين أميركا، التي ستستغل فرصة الصراع كي توطد تغلغلها إليها وتخترقها، لتعزيز مراكزها فيها وتصفية حساباتها مع الآخرين.

لا تختلف الأزمة السورية عن هذه الصورة إلا في نقطة رئيسية هي أن الأزمة السورية والحراك في سبيل الحرية لم يحدثا في حاضنة طائفية أو بدوافع طائفية، ولم يكونا نتاج تدخل خارجي أو مؤامرة مدبرة، كما ادعى قادة النظام. بدأت المسألة السورية بثورة شعبية تريد الحرية والإصلاح، رد النظام عليها بحرب شعواء استخدم فيها كل ما يملك من أسلحة حديثة اشتراها الشعب كي يسترد بواسطتها الجولان المحتل، فإذا بحكامه يوجهونها إلى صدره، بينما بقي العدو المحتل بمنأى عنها طيلة قرابة أربعين عاما.

تتقاطع في الأزمة السورية إرادات داخلية وعربية وإقليمية ودولية متناقضة، تخضع الشعب السوري لصراع إقليمي ودولي لا مصلحة أو يد له فيه، يدمر بلاده من جهة ويستنزف المنطقة العربية ومحيطها غير الإسرائيلي من جهة أخرى، ويستهدف بين ما يستهدف كبح التطور الديمقراطي في العالم العربي بعد إيقافه في سوريا بصورة خاصة، حيث يراد للفوضى أن تحل محل الحرية المنشودة، وشطب دولة عربية مهمة من معادلات القوة والصراع في المنطقة عموما، وضد إسرائيل خصوصا. المشكلة أن تدمير البلد يتم على أيدي النظام الحاكم، الذي يشن حربا فائقة الضراوة والتنظيم على شعب يفترض أنه مسؤول عنه، ووطن أقسم رئيسه يمين الولاء له وتعهد بحمايته، لاعتقاده أن أحدا لن يتدخل لوقفه، ولن يمنع القوى الإقليمية من التعارك فيه وعليه، قبل اكتمال تدمير البلاد بيد حكامها، وأنه بدأ يستنزف بالفعل قدرات قوى إقليمية وعربية كثيرة، مع تحوله إلى ساحة تجتذبها وتحتوي طاقاتها، وما يترتب على ذلك من خيارات تتراوح بين إطالة أمده إلى زمن غير محدود، وإنهائه لصالح فوضى سيكون لها النتائج ذاتها بالنسبة لعملية الاحتواء والتقويض الجارية على قدم وساق. هل يفسر هذا وقوف «المجتمع الدولي» متفرجا على صراع يدور بين أطرافه، التي تحل على ظهر الشعب السوري مشكلات لا علاقة له بها وليست من مشكلاته، وتجعل من الصعب، بل والمحال، إيجاد تسوية سياسية داخلية تتم بقدرات السوريين الخاصة، وتضع أقدار سوريا كبلد مستقل تحت رحمة خصوم وأعداء لا يهمهم من أمره غير استغلال مأزقه لتحقيق مآرب ومصالح تلحق به أفدح الأذى.

لم تعد مشكلة سوريا خاصة بها. إنها اليوم مشكلة عربية - إقليمية - دولية من طراز فريد، بما تضمره من مخاطر طويلة الأمد على بلادنا وبيئتها العربية، التي تمر في طور تحول تؤكد جميع علاماته أنه سيكون شديد الخطورة بالنسبة للجميع. والآن: هل يجوز أن تتعامى هذه البيئة عن مخاطر ما يجري، وأن تحجم عن حماية نفسها منه، بالعمل على وقفه بتصميم وحزم وسرعة، ما دام وقفه البديل الوحيد، قبل أن تجد نفسها في قبضة عواصف عاتية تذهب بعافيتها وتورطها في صراعات تقوض حريتها ومصالحها ووجودها، وتدفع بها إلى حيث تدفع بسوريا: إلى الفوضى والخراب.

هل تبدأ بيئة سوريا العربية بالعمل على إنقاذ نفسها من خلال عمل منظم وجماعي، يبدأ بإنقاذ سوريا من نظامها القاتل، وصولا إلى إخراجها من تواطؤ دولي يسهم بفاعلية في قتل شعبها ويهدد وجودها؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

انتقال قيادة الجيش الحر لسوريا!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

23-9-2012

أعلن الجيش السوري الحر المعارض للنظام الأسدي نقل قيادته المركزية من تركيا إلى «المناطق المحررة» داخل الأراضي السورية، حيث قال قائد مجموعة الجيش السوري الحر رياض الأسعد في رسالة موجهة للشعب السوري: «نزف لكم خبر دخول قيادة الجيش الحر إلى المناطق المحررة بعد أن نجحت الترتيبات في تأمين المناطق المحررة لبدء خطة تحرير دمشق قريبا».

وبالطبع فإن لهذه الخطوة دلالات كثيرة، عسكريا وسياسيا، وكذلك معنويا، خصوصا على مستوى الثوار السوريين، لكن من غير المعلوم ما إذا كانت هذه الخطوة تأتي بتنسيق دولي من قبل أصدقاء سوريا، خصوصا وقد تحدث الفرنسيون صراحة عن دعم المناطق المحررة في الأراضي السورية، وتحديدا المناطق المتاخمة للحدود التركية التي باتت مناطق تماس حساسة وخطرة مع سوريا اليوم، خصوصا في حال ما حاول نظام الأسد ارتكاب حماقة جديدة ضد الأتراك. انتقال قيادة الجيش السوري الحر للأراضي السورية المحررة، استعدادا لمعركة تحرير دمشق، كما أعلن العقيد رياض الأسعد، يعني أننا سنشهد أياما عصيبة في سوريا؛ حيث سيسعى النظام الأسدي إلى تصعيد حدة العنف بالأراضي التي يعتقد أن قيادات الجيش الحر موجودة فيها، وتدير المعارك ضد نظامه، لأن وجود تلك القيادات بسوريا من شأنه هز الروح المعنوية لقوات الأسد الإجرامية.

ومن هنا فإن الأمر غير المعروف هو هل جاء انتقال القيادة المركزية للجيش الحر إلى الأراضي السورية المحررة نتيجة تخطيط معد له، وبتنسيق تركي دولي، من قبل أصدقاء سوريا، أم أنها خطوة متسرعة، أم أن الهدف منها تسجيل نقاط داخلية ضمن التنافس المحموم في صفوف المعارضة السورية؟!

تساؤلات مستحقة بالطبع، وإلا كيف ستكون عملية التواصل بين قيادات الجيش الحر والفرق التابعة لها بكل سوريا، خصوصا في حال تعذر التواصل بسبب وسائل التواصل التكنولوجية، وكيف سيكون التنسيق من أجل إدخال السلاح، وخلافه؟ فإن بدت الأسئلة بسيطة فإنها تساعد على فهم هذه الخطوة، فإما أنها تفعيل حقيقي للخطة الفرنسية القاضية بتحويل الأراضي السورية المحررة إلى أراض آمنة، وعلى غرار بنغازي، وهذا يعد أمرا جيدا، ويدعو للتفاؤل، وإما أنها خطوة غير محسوبة وستكون عواقبها وخيمة.

وعندما نقول إن العواقب ستكون وخيمة فلسبب بسيط؛ فمنذ التفجير الذي استهدف قيادات أمنية كبيرة بمقر الأمن الوطني في دمشق كان النظام الأسدي يتداعى بشكل مذهل، حيث سقط جل حلب، وسقطت المنافذ الحدودية الواحدة تلو الأخرى، وانتقلت المعركة لدمشق، وكان الحديث حينها منصبا على مكان وجود الأسد وعائلته، اليوم بات من الواضح أن التدخل الإيراني قد ساعد على تمديد حياة الأسد فترة أخرى، ولكنها غير مضمونة، وقد لا تصل إلى مدة العام بأفضل تقدير، وبوجود القيادة المركزية للجيش الحر داخل الأراضي السورية المحررة فإن النظام الأسدي، وبمساعدة إيرانية أكيدة، سيقوم بإحراق الأخضر واليابس من أجل استهداف تلك القيادات.

ولذلك فإن تلك الخطوة كبيرة، ويمكن اعتبارها مؤشرا مهما على سير الأحداث بالثورة السورية الآن، ودليلا على ورطة الأسد وحلفائه، وأبرزهم إيران؛ حيث إن الدائرة بدأت تضيق على الأسد.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

«براءة المسلمين» وثورة السوريين!

أكرم البني

الشرق الاوسط

23-9-2012

يقف المرء حائرا ومندهشا وهو يرى صور الاحتجاجات العنيفة التي طوقت السفارات الغربية في ليبيا ومصر وتونس واليمن ضد «فيلم» مغرض ومشين، وقد طغت على مشاهد العنف والتدمير المروعة التي استباحت أرواح السوريين وممتلكاتهم.

وإذا نحينا جانبا فكرة المؤامرة، دون أن نبخسها حقها، وتجاوزنا الأسئلة المشككة عن توقيت إنتاج الفيلم وسرعة تعميمه ومن المستفيد من إثارة الغرائز وتشجيع هذا النوع من الغضب الشعبي وردود الأفعال الحادة ضد الغرب التي وصلت إلى أوجها في بنغازي بحرق القنصلية الأميركية وقتل السفير وبعض مساعديه، فإن ما شهدناه يعتبر عمليا أشبه بمؤامرة لتشويه سمعة الثورات العربية عموما، إذ شهدت مدنها أوسع الاحتجاجات وأكثرها عنفا، ولإيقاع أشد الأضرار بالثورة السورية على وجه الخصوص ومن زاويا متعددة.

اولا: إن تأجيج المشاعر والغرائز ضد فيلم قصير جدا تم تصويره على عجل يتوهم الإساءة للرسول، لأن لا أحد يستطيع الإساءة والتطاول على هذا المقام الكريم، كان غرضه إيقاع الشعوب العربية والإسلامية ضحية خداع من يضمر لهم شرا، وشحن انفعالات بعض المتزمتين ليعيثوا فسادا في الأرض، وما ترتب على ذلك من تحويل الانتباه عما يجري في سوريا من قمع وتنكيل مروعين لم يشهد القرن الحادي والعشرين لهما مثيلا، وزادت الأمر تعقيدا عبارة «إلا رسول الله»، التي تشي بإمكانية التغاضي عن غير ذلك من الموبقات والتجاوزات، واستسهال فظائع وأهوال يندى لها جبين الإنسانية!

ثانيا: تعزيز مخاوف الأقليات الدينية من التغيير والثورة، وهو الوتر الذي طالما عزف عليه النظام السوري، بأنه حامي الأقليات والتعددية في مواجهة طوفان إسلامي أكثري سوف يأكل الأخضر واليابس ويفرض مظاهر التضييق والتنميط على أسلوب حياة الناس وطرائق عيشها، والأهم أن العمل على إزالة هذه المخاوف يحظى بأهمية راهنة، جراء صعوبة تحقيق انتصار حاسم للثورة في مجتمع تعددي كسوريا، إذا لم تنجح في كسب الأقليات الدينية والعرقية وفك ارتباطها بالنظام وفضح ادعاءاته بأنه الضامن لحقوق هذه الأقليات وأن ما يواجهه هو عصابات سلفية وإرهابية تريد إعادة البلاد عشرات السنين إلى الوراء.

صحيح أن مطلب الدولة المدنية التعددية والديمقراطية هو مطلب مشترك لكل الشعوب الثائرة، وأن الجماعات الإسلامية التي نصبت من نفسها وكيلا عن شؤون الأكثرية لا تمل من تقديم الوعود والضمانات للأقليات وطمأنتها على حقوقها واحترام خصوصياتها، لكن الصحيح أيضا أن ثمة شكوكا بصدقية هذه الجماعات وارتيابا بأنها تضمر غير ما تظهر ولن تفي بما تعد به، خاصة أنها ليست قليلة التجارب التي يمكن أن يستند إليها للطعن بوفائها، ويزيد الطين بلة مظاهر استشراء العنف والثأر والتعصب لدى بعض أطرافها فيما تعتبره دفاعا عن دينها ومقدساتها.

ثالثا: إحياء مخاوف الدول الغربية من الإسلاميين وإثارة مزيد من شكوكهم بالثورات العربية وقدرتها على إنتاج الأفضل، الأمر الذي سينعكس في الحالة السورية بإطالة مخاض الثورة وآلامها، حين تترك وحيدة في مواجهة تحالف حربي، دولي وإقليمي، لا هدف له سوى محاصرتها وسحقها، في حال استندت بعض الدوائر الغربية إلى ما جرى لتمكين موقفها وتبرير تلكئها في دعم الحراك الشعبي والتدخل الحاسم لوقف العنف السلطوي، الأمر الذي ظهرت بوادره في تعليق الوزيرة هيلاري كلينتون على أحداث بنغازي، بتساؤلها عن دوافع وجدوى ما حصل «في بلد ساعدناه على التحرر، وفي مدينة ساعدنا على إنقاذها من الدمار».

«غضبكم كاذب» و«كرامة النبي في اتباع أخلاقه» هما عبارتان في لافتات رفعها السوريون إلى جانب تسمية يوم الجمعة المنصرم بجمعة «أحباب رسول الله في سوريا يذبحون». ربما كإشارة إلى نبذ صور العنف والثأر الجاهليين وإلى سلوك الرسول المترفع تجاه إساءات تعرض لها في حياته، وهو القائل «رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر». وربما كإدانة لصمت استمر عاما ونصف العام ولا يزال، تعرض خلاله الشعب السوري المؤمن والثائر، بأديانه ومذاهبه المختلفة، إلى شتى صنوف القهر والتعذيب دون أن تتحرك الشعوب العربية لنصرته أو تتظاهر وتطالب بوقف هذا العنف الأعمى، وتاليا كاستغراب وعتب على من غض الطرف عن إساءات واضحة طالت الله والأنبياء، وتكررت في سياق قمع المتظاهرين والمحتجين السوريين، فأهينت الأديان ودنست المقدسات بطرق أكثر استفزازا من صور الفيلم المفبركة، وربما ردا على من رفع صوته عاليا، وشجع العنف، وبدأ بالمزايدة في نصرة الأديان والأنبياء لكسب عواطف المسلمين، وربما دحضا لمحاولات توظيف هذه الإساءة لتأجيج المناخات والصراعات الطائفية المتوترة أصلا، إما لفائدة سياسية وإما لمنفعة شخصيات دينية، وأخيرا ربما لأن قدر الثورة السورية هو تسخير تضحياتها ودمائها الثمينة لنشر العقلانية في طرائق التفكير ورفض منطق الانتقام والغرائز العدوانية، والأهم لمحاربة زعامات دينية أدمنت الجمود والتقليد وتسعى لتجيير ما يحصل لتسعير صراعات هامشية وتحويل العالم إلى ساحة للتطرف والتعصب كي تكرس حضورها وامتيازاتها، فمصالحها تستدعي قتل الساسة وشعارات الحرية وشروط التعايش المشترك، وإلهاء الناس، تحت ادعاء وصايتها على كرامة الرسول والمقدسات، عن ممارسة دورهم الحقيقي في مقارعة المستغلين والمتسلطين وبناء مجتمع معافى يتشارك القيم الأخلاقية والإنسانية التي تجمع عليها كل الأديان.

يثير المتطرفون الإسلاميون مسألة الكرامة لرفض قيم الربيع العربي التي تضحي الشعوب من أجلها، ولسان حالهم يقول: لا نريد حرية وديمقراطية يهان بها رسولنا الكريم وتتعدى على مقدساتنا، وفي المقابل تقول الثورة السورية إن الحرية والكرامة ورفض العنف والقتل هي من جنس واحد في القيم الدينية، فلا كرامة بلا حرية، ولا حرية من دون رفض الاستبداد ولغة الثأر والقهر.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا وتركيا والأكراد!

فايز سارة

الشرق الاوسط

23-9-2012

هدفان يتطلع إليهما النظام السوري من سحب قواته ومظاهر سلطته من أهم المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال وشرق البلاد، وترك إدارتها للعشائر والقوى السياسية الكردية وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردي، المتشكل من بقايا حليف النظام العتيق، حزب العمال الكردستاني..

هدف داخلي، وهو تحييد الحراك الكردي وعزله عن الثورة السورية، وتاليا تخفيف الأعباء عن قواته كي تتفرغ لمعارك ومواجهات في ميادين أكثر أهمية مع تراجع قدرتها، بعد تواتر الانشقاقات العسكرية، على فتح جبهة جديدة مع المكون الكردي وما قد يجره ذلك من تبعات لا تحمد، من دون أن نغفل رهانه على تفجر صراع داخلي كردي على خلفية الانقسام والاستقطاب الحاصلين حول الموقف من الثورة واختلاف ارتباطات القوى الكردية السورية بباقي أجزاء كردستان، أو رهانه على شحن الانفعالات الشوفينية لإثارة مزيد من الارتياب بين المعارضين العرب والأكراد، وتاليا على صراع محتمل بين بعض القوى الكردية ذات التطلعات الانفصالية والمعارضة والجيش السوري الحر اللذين يستندان إلى معنى للوطنية يرفض التقسيم أو التجزئة، وفي الطريق الترويج لفكرة الكانتونات في سوريا، إذ يعزز فتح الباب أمام الكرد للمطالبة بتمفصل سياسي في الحالة السورية ومغازلة حلمهم في سلطة ذات طابع قومي ما يثار حول التقسيم وإنشاء إقطاعات سياسية منسجمة قوميا أو طائفيا..

وهدف خارجي، هو استخدام الحدث كورقة ضغط على حكومة أنقرة، لإشغالها وإرباك دعمها للثورة السورية والذي بدأ يأخذ اليوم أشكالا أكثر عملية بعد اكتفائها في الماضي بالدعم اللفظي واستقبال اللاجئين والمعارضين، فجعل المناطق الكردية المتاخمة للحدود مع تركية خارج سيطرة السلطة يعزز دور حزب العمال الكردستاني وهو صاحب النفوذ الأكبر هناك، ويمكنه من تحقيق حلمه في تحويل شمال سوريا إلى قاعدة ارتكاز وانطلاق لعملياته بدلا من القواعد الموجودة في شمال العراق، والتي تحكمها اشتراطات القيادات الكردية في أربيل.

في المقابل لا نبالغ عند القول بأن حكومة أنقرة تواجه مأزقا في موقفها من الوضع السوري، فهي غير متحمسة لتجاوز سياسة «القوة الناعمة» أو «صفر مشاكل» التي اتبعتها، أو لا تستطيع إن رغبت، وتحاول تدارك حرجها وترددها بزيادة الدعم اللوجيستي للمعارضة السورية على اختلاف تياراتها ومكوناتها، ربطا بتصعيد النشاط الدبلوماسي خاصة مع القيادة الكردية في العراق لملاحقة الملف الكردي في سوريا وحصره في أضيق الحدود، وتشديد دعوتها لإقامة منطقة عازلة على الحدود المشتركة لإيواء اللاجئين وحمايتهم من البطش والتنكيل، كمدخل أيضا لمعالجة مستجدات المشكلة الكردية السورية والحد من تأثيراتها السلبية.

ثمة مخاوف وحسابات مصالح تلجم دخول أردوغان في صراع عسكري مفتوح مع النظام السوري حتى لو كانت الذريعة مواجهة العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستاني إن انطلقت من الأراضي السورية، فهو يتحسب من أن يفضي توغله في هذا الملف إلى خسائر لا تعوض، في حال اتسعت مساحة الاشتباك وشملت حلفاء للنظام، وما يستتبع ذلك من تداعيات ربما تستنزف قواه وتهدد موقعه ومستقبله في السلطة، وتحديدا إن طال زمن المعركة واتخذت مسارات غير محمودة، مما ينعكس سلبا على شعبيته وعلى وضع الثورة السورية، فالدخول العسكري الصريح سيفضي إلى تأليب الوضع الكردي عموما ضد أنقرة ويعزز العصبية القومية المتطرفة في مواجهتها، كما يضر بالثورة، بسبب الانقسام المحتمل بين معارضين يتعاملون مع تركيا كصديقة للشعب السوري ومن ستصبح عندهم أنقرة أشبه بعدو خارجي، وما يخلفه ذلك من شروخ على مستقبل العلاقات بين الشعبين السوري والتركي.

وبالطبع ليس من ضامن لأن تحافظ حكومة حزب العدالة والتنمية على ضبط أعصابها في حال هز الأكراد استقرار أوضاعها، وهي الخاضعة لضغط الشارع والمعارضة الداخلية المتحمسين لعمل رادع ضد الحزب الكردستاني في حال تصاعدت هجماته، مما يفسر الحشود العسكرية الواسعة التي امتدت على طول الحدود مع سوريا، وأيضا ما رشح عن وجود خيارات أمنية وسياسية ذكية قد تساعد أنقرة على تجنب خيار الحرب، أحد وجوهها ملاحقة مركزة وحازمة للمقاتلين الكرد داخل الأراضي السورية مستندة إلى اتفاقية أضنة الموقعة بين الجانبين السوري والتركي عام 1998.

والحال أنه يفترض أن يعي الأكراد السوريون التجاذبات القائمة وما ينتظرهم وما هي الفرص المتاحة أمامهم، وتاليا دورهم في الحفاظ على وحدة الموقف الداعم للثورة، لما له من أهمية خاصة، في ضمان وحدة الموقف الوطني الكفيل بإنجاح التغيير الديمقراطي الملح في البلاد.

إن القضية الكردية في سوريا لم تطرح يوما بمعزل عن الحالة الوطنية السائدة، كما لم يطرح حلها بمنأى عن المعاناة المشتركة لعموم السوريين، بل ظلت مرتبطة ارتباطا وثيقا بمجمل المعضلات السياسية العامة لدرجة أنها أصبحت قضية وطنية بامتياز. ولعل الأكراد يدركون أكثر من غيرهم دروس هزائمهم المريرة والتجارب التاريخية التي مروا بها، ليكونوا أشد المدافعين عن أولوية الانتصار للديمقراطية في أماكن وجودهم كمدخل لا غنى عنه لحل معضلتهم القومية ولمواجهة مختلف التحديات في عالم لا وزن فيه أو دور إلا للشعوب المتكاتفة والمتحدة، مما يوفر مناخا جديدا وصحيا يضع الجميع، عربا وكردا، على قدم المساواة في الحرص والمسؤولية الوطنية ويقطع الطريق، مرة وإلى الأبد، على مختلف الأنظمة لاستخدام المسألة الكردية كوسيلة أو ورقة ضغط في صراعاتها وتسوياتها الإقليمية.

ولكن للأسف، يبدو أن المعادلة الكردية هي أكثر وضوحا عند كلا الطرفين؛ نظام دمشق وحكومة أنقرة، فكما يبرر أنصار النظام انسحابه من المناطق الكردية بسهولة استعادتها بالتنسيق مع حلفائه هناك فور انتهاء معاركه في المدن الأخرى، يدرك أردوغان جيدا أن انتصار الثورة السورية يسهل مهمته في التعاطي مع التمرد الكردي، ولعل الجميع سيخفقون إذا لم تتصدر المشهد حلول سياسية جريئة ترضي خصوصية الأكراد، وتمنحهم كقومية ثانية ما يستحقونه من حقوق.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

يسحقون الأكثريات ويشفقون على الأقليات

فيصل القاسم

الشرق القطرية 23/9/2012

من أكثر المفارقات إثارة للقرف والسخرية في مجريات بعض الثورات العربية أن الكثيرين في الداخل والخارج لا هم لهم إلا إبداء القلق والتباكي على مستقبل الأقليات في العالم العربي على ضوء وصول الإسلاميين إلى السلطة في بعض البلدان العربية. ويتزعم بعض "العلمانجيين" و"الليبرالجيين" الحملة المنادية بالحفاظ على حقوق الأقليات وأنماط عيشها، لا بل يطلقون صرخات ذعر سخيفة من أن مستقبل الأقليات في خطر شديد بسبب استلام أحزاب إسلامية مقاليد الحكم في هذا البلد أو ذاك. وكم سمعنا بعضهم يحذر من أن أقليات دينية وعرقية عديدة ستغادر أوطانها العربية إلى الخارج خوفاً من الاضطهاد والمضايقات. وكم شعرت بحنق شديد عندما سمعت أحد "المتعلمجين" وهو يحيك الأكاذيب عن وضع بعض المسيحيين في بعض الدول العربية، وكيف أنهم يتعرضون للقتل على الهوية، مع العلم، لو أن ذلك حصل فعلاً، فلن يكون عدد الذين لاقوا حتفهم من هذه الأقلية أو تلك أصابع اليد الواحدة، ناهيك عن أن الذي قتلهم ربما تكون بعض السلطات الحاكمة المحاصرة بثورات شعبية وذلك لتأليب الطوائف وضربها ببعضها البعض على مبدأ "فرق تسد" الذي أتقنه الطواغيت العرب القومجيون أكثر من المستعمر الغربي بمرات ومرات، فهم يتشدقون بالشعارات القومجية العريضة، ثم يحكمون على أسس طائفية وعشائرية وقبلية بائدة. وفيما لو كان هناك بعض المتطرفين من الأكثريات، فلا شك أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، وأن الأكثرية الساحقة من الأكثريات تتبرأ منهم ومن أفعالهم.

لا أدري لماذا صدّع بعض "العلمانجيين" رؤوسنا وهم يبدون قلقهم على مستقبل الأقليات بعد الربيع العربي، بينما لم يرف لهم جفن، ولم ينبسوا ببنت شفة عن المجازر التي تعرضت وتتعرض لها الأكثريات في بعض دول الربيع العربي. لم نر هؤلاء المنافقين الأفاقين يذرفون دمعة واحدة على الملايين الذين تشردوا في الداخل والخارج على أيدي العصابات الحاكمة هنا وهناك. هل يعقل أن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها لمجرد تعرض واحد من هذه الأقلية أو تلك للمضايقة، بينما يموت المئات يومياً من الأكثريات في طول البلاد وعرضها، ناهيك عن الجرائم الفاشية والنازية التي تعرضت لها مدن بأكملها في بعض الدول العربية. لماذا مقتل واحد من هذه الأقلية أو تلك يحظى بتغطية وتباك منقطع النظير، بينما يقضي عشرات الألوف من الأكثريات نحبهم بطرق وحشية بالدبابات والطائرات وراجمات الصواريخ والأسلحة المحرمة دولياً، وكأنهم مجرد أسراب من الذباب، ولا بواكي لهم لدى عصابات العلمانجيين والليبرالجيين ولاعقي أحذية الطواغيت؟ لماذا يخافون على مستقبل اثنين أو ثلاثة من مجموع هذا الشعب أو ذاك، ولا يعيرون أي اهتمام لمستقبل الأكثريات التي تشكل أكثر من ثمانين بالمائة في بعض الدول العربية، والتي عانت وتعاني الأمرين قتلاً وسحقاً وتشريداً لمجرد أنها طالبت باسترجاع أبسط حقوقها الإنسانية.

لماذا نسي بعض المتباكين على مستقبل الأقليات أن الأكثريات تعاني من ظلم واضطهاد وبطش الأقليات منذ عشرات السنين في العديد من الدول العربية؟ ألا يعلم هؤلاء السخفاء أن الأكثريات هي التي يجب أن تحكم في البلدان الديمقراطية عملاً بجوهر الديمقراطية القائم على حكم الأكثرية، وأن الأقليات في الغرب الديمقراطي لا تحلم أن تصل إلى البرلمانات، فما بالك أن تتسيد على الأكثريات لعشرات السنين؟ صحيح أنه من الواجب على الأكثرية في أي بلد أن تحفظ حقوق الأقليات، وأن تكون الأخيرة متمتعة بكل حقوق المواطنة دون أي تعرض للمضايقة أو الاضطهاد، لكن طبيعة الديمقراطية الغربية ذاتها لم تحمل زعيماً من طائفة دينية صغيرة تاريخياً إلى السلطة إلا من رحم ربي. ولنتذكر أن الرئيس الكاثوليكي الوحيد الذي وصل إلى سدة الحكم في أمريكا كان جون كندي، لكنه مات قتلاً. ولنتذكر أيضاً أن الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما فعل المستحيل كي يثبت للشعب الأمريكي أنه مسيحي مثل غالبية الأمريكيين، وليس مسلماً.

متى يعلم المتباكون على حقوق ومستقبل الأقليات في العالم العربي بعد الثورات أن الأكثريات لم تكن طائفية في تاريخها، وأن الطائفيين الحقيقيين في عالمنا التعيس هم أبناء الأقليات الذين ما إن يصلوا إلى السلطة حتى يصبح شعارهم سحق الأكثريات وترويعها بالويل والثبور وعظائم الأمور فيما لو فكرت يوماً باسترداد حقها الطبيعي في الحكم بموجب الديمقراطية؟ ألم نر ماذا فعلت بعض الأقليات بالأكثريات في بعض البلدان؟ ألا يهدد إرهابيو الأقليات بسحق الملايين من هذه الأكثرية أو تلك كي يبقوا في السلطة؟ أليست كل التخويفات من أن الإسلاميين سيسحقون أبناء الأقليات بعد الثورات كذب بكذب لتبرير بقاء هذه الأقلية أو تلك في الحكم في هذا البلد العربي أو ذاك، بحجة أنها تحفظ حقوق الأقليات الأخرى؟ متى كان الطواغيت المنتمون للأقليات أو الأكثريات يحفظون حقوق أحد أصلاً؟ ألا يستخدمون الجميع كأحذية لتحقيق أهدافهم الفئوية حتى لو داسوا على القاصي والداني؟

متى تدرك الأقليات في العالم العربي أنه لا أحد يحميها ويصون حقوقها ومستقبلها إلا الأكثريات التي تترفع عن الطائفية بحكم أنها الأغلبية؟ متى يعلمون أن الأغلبية لا تخشى الأقليات بحكم الكثرة؟ متى تصطف الأقليات إلى جانب الأكثريات وتتوقف عن مساندة الطواغيت الذين لن يجلبوا لها سوى الدمار والخراب؟ هل يعقل أن نضحي بحق السواد الأعظم من الشعب كي نحمي حقوق خمسة أو ستة بالمائة من أفراده من الأقليات؟ أليس من حق الأكثريات أن يجن جنونها من هذا المنطق الأعوج؟ متى تتوقف بعض الأقليات قصيرة النظر عن استعداء الأكثريات في الدول العربية؟ ماذا استفاد ذلك المصري الأحمق عندما أنتج فلمه المسيء للرسول عليه الصلاة والسلام سوى دق مزيد من الأسافين بين أهله الأقباط الأقلية والمسلمين الأكثرية في مصر؟

لنحتكم جميعاً إلى صناديق الاقتراع كما تفعل كل الديمقراطيات المحترمة في العالم. وليس هناك شك بأن الأكثريات العربية، على عكس الغربية التي لم تنتخب يوماً سوى أبناء الأكثرية إلا ما ندر، لن تمانع في وصول أبناء الأقليات العربية إلى سدة الحكم هنا وهناك فيما لو حصلت على الأصوات المطلوبة في صناديق الاقتراع. ولنتذكر أن السوريين اختاروا يوماً رئيس وزراء مسيحياً بكامل إرادتهم ورضاهم، مع العلم أن أغلبيتهم مسلمون. كم كان المجاهد الكبير سلطان باشا الأطرش رائعاً عندما سألوه إذا كان يوافق على تولي رئيس وزراء مسيحي مقاليد الحكم في سوريا، فسألهم:" وهل سيحكم بالإنجيل أو الدستور؟"، فأجابوا "بالدستور طبعاً"، فقال: "على الرحب والسعة".

وكي لا يظن البعض أنني أدعو إلى المحاصصة الطائفية. معاذ الله! فما أجمل أن نبني أوطاننا الجديدة على أساس المواطنة، وليس على أساس طائفي أو قومي، أو على أساس الأكثرية والأقلية، مع العلم أن معظم دساتير الغرب تؤكد على أن تكون مقاليد الحكم بيد الأكثرية الدينية. هل يمكن أن تكون ملكة بريطانيا من خارج الكنيسة الإنجليكانية؟ بالمشمش!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سوريا.. توثيق لجثث مجهولي الهوية

لارا حسن

2012/09/22

سكاي نيوز عربية

عدة شعرات وقطعة من الملابس الملوثة بالدماء، هذا كل ما يحفظ من الجثة مجهولة الهوية قبل دفنها ليتمكن أهل الضحية في يوم ما من معرفة مصيره.

يستيقظ سكان بعض المناطق بمدن سورية مختلفة كل يوم على جثث مجهولة الهوية مرمية في الأزقة الضيقة أو على قارعة الطريق.

لا تحمل الجثة أي دليل على خلفية صاحبها، أو انتمائه. والقاسم المشترك الوحيد الموجود هو أنه قد يكون أبا لأطفال ينتظرونه، أو أخا أو ابنا لأم تسأل عنه كل يوم.

يقوم سكان الحي بدفن الجثث إكراما للميت، ومع الدفن يدفن سر صاحبها وهويته دون أن يعلم أهله مصيره أو مكان دفنه، فيبقون في حالة من عدم تصديق موت ابنهم، خاصة مع وجود حالات الاعتقال طويلة الأمد لدى أفرع الأمن السورية، وبسبب حالات الاختطاف التي تنتشر بكثافة غير مسبوقة في البلاد.

وكبادرة لتوثيق القتلى المجهولين أطلق ناشطون صفحة على فيسبوك حملت اسم “توثيق جثث الشهداء مجهولي الهوية”، وتساءلوا على صفحتهم “هل تخيلتم معاناة ذويهم”.

ووفقا للنشطاء فإن الهدف من عملهم هو توثيق الجثث والاحتفاظ بعينات يستفاد منها لاحقا من خلال تحليل الحمض النووي (DNA) ومن ثم معرفة هوية القتيل وبالتالي شطبه من ملف المفقودين.

ويعتبر المشرفون على الصفحة أن “الأمر لن يتطلب إلا مجهودا ضئيلا، إلا أن أثره سيكون كبيرا جدا على حياة أهلهم خصوصا في غياهب حرب لا ندري متى تنتهي”.

ومن ضمن خطوات التوثيق اقتلاع من 10 إلى 15 شعرة جافة مع جذرها من رأس القتيل ولحيته، ومن ثم قص قطعة من ملابسه الملوثة بدمائه وحفظها بعد التأكد من جفافها الكامل.

وفي حال تعرض الجثة للحرق فيجب قلع 4 أسنان على الأقل، و يفضل أن تكون من الأضراس الخلفية، وفي حال تعذر ذلك يمكن الاستفادة من قطعة من عظام القتيل كعظم العضد مع التأكد من تجريد العظم من أي نسيج آخر عالق به كالعضلات قبل حفظه.

وبعد الحصول على العينات يجب حفظ كل منها في كيس ورقي منفصل، وإغلاقه جيدا بالشريط اللاصق، ثم حفظ الأكياس في مكان جاف و بدرجة حرارة الغرفة.

ومن بعدها يجب التقاط صورتين أمامية وجانبية لوجه القتيل، ثم يتم التسجيل على الكيس الورقي عمر القتيل التقريبي، والجنس، ولون الشعر، والبشرة، كما يفضل تسجيل أي من العلامات الولادية المميزة كالوحمات ومكان تواجدها.

ويؤكد الناشطون على ضرورة حفظ العينات والوثائق الخاصة بكل قتيل في مكان واحد، والاحتفاظ بها لحين الإعلان عن تسليمها لأحد أعضاء هيئة “توثيق الشهداء المجهولين في منطقتك”.

ويقتدي المشرفون على الصفحة بالتجربة البوسنية، فبعد انتهاء الحرب كان ثمة ما يقارب 40 ألف مفقود، وقد ساهم تحليل الـ (DNA) للتعرف على هويات الجثث المجهولة.

وبهذه الطريقة تمكنت الحكومة منذ عام 2001 من التعرف على هوية أكثر من 15 ألف جثة من ضحايا مجزرة سربرينتسا.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الأزمة السورية بين المسؤولية الدولية والرعاية الروسية

الوطن السعودية

تصدرت محافظة "الرقة" المشهد الدامي في سورية خلال اليومين الماضيين، فمن المعارك في مدينة "تل أبيض" الحدودية مع تركيا، إلى قصف طائرات النظام لمواقع عدة فيها مخلفة مئات القتلى، منهم حوالي ستين في محطة الوقود التي دُمرت في قرية عين عيسى أول من أمس. كذلك قتل عدد من أبناء مدينة الرقة إثر إطلاق النار على مظاهرات أبنائها الذين خرجوا احتجاجا على قتل أهاليهم في القرى والمدن المجاورة.

"الرقة" التي كانت هادئة إلى حدّ ما خلال الفترة السابقة إلى جانب مدن أخرى مثل طرطوس والسويداء والحسكة ولكل منها أسبابها، اضطرت لترك هدوئها لأن النظام كما يبدو عقد العزم على عدم الرحيل إلا بعد تخريب الدولة بأسرها.

الأسباب في "طرطوس" أقرب إلى كونها طائفية، والعدد الكبير للعرقيات والحضور القوي للأكراد جعل "الحسكة" تميل إلى الهدوء، ودروز "السويداء" لم ينخرطوا في الثورة لغاية اليوم عدا بعض المظاهرات المتفرقة. أما محافظة الرقة فأهم أسباب قلة مظاهراتها استضافتها لعدد كبير من لاجئي الداخل بحيث إن أي قذيفة تطلق عليها قد تقتل عددا هائلا من البشر بسبب الكثافة السكانية العالية حاليا. ورغم تضارب المعلومات، تشير مصادر "الوطن" إلى أن عدد اللاجئين في المحافظة اقترب من "المليون" أي أربعة أضعاف اللاجئين في دول الجوار، أغلبهم من حلب وحمص ودير الزور وحماة وإدلب، تحتضن مدينة "الرقة" حوالي نصفهم. أي ما يقارب ضعف عدد سكانها. ولذلك فإن أهاليها الذين تقاسموا البيوت مع ضيوفهم انشغلوا عن الثورة بتأمين موارد العيش للجميع بإمكانات ذاتية مع ضعف الموسم الزراعي وفقدان سبل الوصول إلى حلب، واستحالة وصول المساعدات الدولية، وعدم معرفة العالم الخارجي بما يجري في ظل القطع المتواصل للإنترنت والاتصالات عن المحافظة.

أمام هذه الحقائق، فإن تصعيد النظام السوري من حملته على المدن يشير إلى كوارث إنسانية تهدد تجمعات بشرية هائلة، فهل يقود ذلك المجتمع الدولي لأن يحزم الأمر باتخاذ قرار صارم قبل وقوع الكوارث التي تنذر بها مجازر النظام السوري الأخيرة، أم أن روسيا ستبقى ترعى المجازر ملوحة بـ"الفيتو" في مجلس الأمن لحماية النظام؟

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

«أسد» في قبضة إيران!!

يوسف الكويليت

الرياض

22-9-2012

قبل أن تعلن إيران تورطها في القتال الدائر في سوريا بين الجيش النظامي والحر والقبض على عناصر من حرسها القومي، كانت العراق قنطرة العبور، وكذلك لبنان بواسطة حزب الله، وعملية الاكتشاف الجديدة بأن طائراتها وناقلاتها تمر عبر العراق بجسر حربي معروف سلفاً، ولا تخفي روسيا أن أساطيلها وطائراتها للنقل تزود حكومة الأسد بالعتاد العسكري، وطالما هذا بالعرف العام تدخل مباشر لصالح طرف ما في حرب دائرة، ليأتي تمنع حلف الأطلسي بتجاهل الموقف، ثم الكشف عنه وإعلانه، دلالة أن كل الأطراف التي تدعي الخلاف على وفاق تام بجعل سوريا ساحة حرب طويلة..

من يفكر أن حكومة طهران شريك بالحل السلمي يناقض نفسه، فقد حددت موقفها سلفاً أن لا إزاحة للنظام القائم حتى لو دخلت حرباً مباشرة بقوتها كلها، وما يؤسف له أن من وضعها شريكاً ورسولاً للأسد لانتزاع بعض الكلمات المطمئنة يغالط حقائق موقف إيران فهي حليف يدفع فاتورة الحرب، وما لم يأت الموقف الدولي صريحاً ومتوافقاً مع المسؤولية الأخلاقية، فإن إيران وروسيا وحزب الله قوة مساندة متورطة في عمليات القتل والتجسس والامدادات المادية، والدفاع عن النظام سياسياً ودبلوماسياً..

دول حلف الأطلسي لا تخشى روسيا والصين وإيران، والذرائع التي تتكئ عليها ليست منطقية، فقد خاضت حروباً في العديد من الدول عارضتها روسيا، ومع ذلك نفذت ما تريد عسكرياً، واكتفت روسيا بالرد الدبلوماسي المعتاد وغير الفعال، وفي الحال السوري هناك لعبة تدار باتقان ضحيتها الشعب السوري نفسه، والذي حدد مطالبه بمناطق إيواء وحماية على أرضه، وبعض الأسلحة التي يدافع بها الجيش الحر عن مواطنيه، وليس في الأمر ما يناقض القوانين الدولية، إذا كانت منظمات حقوق الإنسان دانت فعل الأسد وقوته، وطالبت محاكمته في محاكم الجنايات الدولية..

المؤسف أن العراق الذي اكتوى من نظام الأسد، صارت دوافع حكم الطائفة المرتبط عضوياً وروحياً مع إيران، تحول نظامه عدداً مباشراً للشعب السوري، ولا ندري بماذا يبني تصوراته على المستقبل البعيد، فهو يعترف أن لا تحكم سوريا بالأكثرية السنية، أسوة بحكم العراق ذا الأكثرية الشيعية، لأن ذلك سوف يخل بالنظامين العراقي والإيراني معاً، ومسألة بقاء الأسد لا تقررها قوة البلدين حتى لو دام عدة سنوات أخرى، فالرفض جاء عاماً ومن مكونات الشعب السوري كله، وقد يكون المتضرر الأكبر في علاقاته العراق نفسه، وهو ما تؤكده الوقائع الراهنة والقادمة..

عموماً إيران ستذهب بعيداً في نصرة الأسد، ولن يخفف عنها أعباء الحصار رعاية حليف يطوي أوراقه ليذهب بدون رجعة وهو قانون الشعوب عندما تحدد ما تريد!!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ليست حرباً أهلية سورية!

ميشيل كيلو

السفير

22-9-2012

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن الحرب الاهلية في سوريا. وكثرت التحليلات والتقديرات حول هوية وطابع ما يدور في بلادنا المنكوبة بنظام يربط شرعية وجودها بوجوده غير الشرعي. ويتساءل حتى الخبراء عن طبيعة الصراع الدائر منذ عام ونصف العام بين شعب، كان عند بداية انتفاضته أعزل ومعاديا للسلاح، ونظام يمتلك آلاف الدبابات الحديثة والمدافع الثقيلة والطائرات القاصفة والمقاتلة، ويستخدم القوة بإفراط لا مبرر ولا مسوغ له ضد شعب، قال رئيسه في خطبته الأولى حول الأزمة: إن مطالبه محقة ومشروعة، لكنه رحب في الوقت نفسه بما أسماه «الحرب»، وهدده بها.

ترجع الحيرة في تشخيص ما يجري في سوريا إلى غرابة بنية وتركيب النظام السوري من جهة، وفرادة وجدة الثورة التي يقوم بها الشعب من جهة أخرى، كما ترجع إلى شدة وتضارب التداخلات والتشابكات العربية والإقليمية والدولية في سوريا، وإلى السياسات والرهانات التي تبناها طرفا الصراع السوريان منذ بدايته، وقامت من جانب النظام على مخطط نفذه بكل دقة، غرضه الاستراتيجي تحويل ثورة مجتمعية سلمية هدفها الحرية والمساواة والعدالة لكل السوريين إلى اقتتال طائفي يشق صفوفهم ويضعهم بعضهم في مواجهة بعضهم الآخر والسلاح في أيديهم، بينما ركز الشعب مطالبه في إصلاح يغيّر النظام، وعندما واجهه هذا بالعنف، وفقد الأمل في أي تغيير وفي وقف القتل المنهجي الذي يتعرض له، دعا إلى إسقاط النظام برمته واستبداله بنظام ديموقراطي. بما أن معظم متابعي الشأن السوري لم يقروا الاسلوب العنيف الذي عالج النظام من خلاله المطالب الشعبية السلمية والمشروعة، فإنهم حملوه بحق المسؤولية عن دفع البلاد والعباد نحو حرب مفتوحة على مختلف الاحتمالات السيئة والتصعيدية، وجعلوه الطرف الذي راهن على إثارة صراع طائفي وجهوي، يستند الى ما في المجتمع السوري وبين مكوناته من تناقضات وخلافات واختلافات طبيعية أو مصطنعة، بنى عليها طيلة نصف القرن الماضي بنية سياسية مشوهة قلبت شعار الحرية إلى أداة قمع معمم، وشعار الوحدة العربية إلى انقسامات وتصدعات عمودية وأفقية أريد بها تهشيم المجتمع السوري ومنعه من تعبئة قوى كافية تمكنه من التمرد على الأمر القائم، ومن الاشتراكية أداة إفقار للأغلبية وإثراء لأقلية تمسك بكل شيء وتضع أكثر فأكثر حصصا متعاظمة من ثروة البلد في جيوبها، أعدت للوقاية من المفاجآت جهازا قمعيا متشعبا ومتراتبا ومحدثا ومستعدا للتحرك في جميع الاتجاهات وضد سائر الخصوم المحتملين، له من العدد ما يجعله ضربا من شعب مسلح ومن التعبئة الفئوية، ما يجعل منه جيشا عدوانيا متأهباً للانقضاض على مجتمع شعبي محروم من كل شيء ويزداد حرمانا بمرور الأيام، فليس له من وطنه غير العبودية والإقصاء بأسوأ معانيهما، وليس من طريق يقوده إلى خارج مأزقه غير الموت في سبيل حريته التي كانت تبدو بعيدة المنال لأنه كان يبدو بعيدا عن التضحية بحياته في سبيلها.

في أجواء كهذه، من الطبيعي أن يتحدث من يراقبون الواقع السوري عن احتمال ان يكون ما يدور اليوم في سوريا حربا أهلية، أو اقتتالا يقود إلى الحرب الاهلية، فهل دخلت سوريا فعلا في حرب أهلية؟ وهل ما يجري فيها هو حقا الحرب الاهلية التي سعى اليها النظام ويريد منها ردع العالم وتخويفه من التدخل المباشر لوقف صراعه ضد أغلبية شعبها؟

وللعلم، فقد خطط أهل النظام لبلوغ الحرب الأهلية عبر عتبة اولى هي حرب طائفية يجب أن تنشب في مناطق معينة أهمها مدينة حمص ومحيطها المباشر، القريب منه وحتى البعيد، على أن يمهد القتال فيها لشحن نفوس وعلاقات المواطنين السوريين في بقية مناطق سوريا، بانفعالات تفجيرية تزين لكل واحد منهم اعتبار من هم مثله أخيارا يستحقون العيش، ومن لا يشبهونه أو يخاصمونه أشرارا لا بد أن يكون مصيرهم القتل، بحيث تؤدي سيطرة هذه الانفعالات على الأفراد والجماعات للقضاء على أية حسابات عقلانية تتصل بأواصر الوطنية أو تنبع منها أو تذكر بها، وتعزز فرص حرب محلية تمهد للحرب التالية، التي يجب ان تصير عامة، أي أهلية، يندفع المواطنون خلالها إلى اقتتال لا يعرف الرحمة، تضاف فيه إلى العوامل الطائفية مؤثرات سياسية واجتماعية وجهوية ومصلحية وشخصية متنوعة، ترفدها الأحقاد والمخاوف بكل ما من شأنه إغلاق الأبواب أمام الجوامع الوطنية والمجتمعية، التي من شأنها الإسهام في كبح الاقتتال أو التمهيد لوقف القتل أو للمصالحة.

لم تنجح خطة الوقيعة الطائفية التي يمكن أن تتحول إلى حرب أهلية، لسبب رئيس هو أن المعركة دارت أصلا بين النظام الحاكم وقطاعات واسعة من المواطنين ينتمون إلى طوائف وفئات وتوجهات ومصالح متنوعة، وأن السلطة كانت طرفا مباشرا ووحيدا فيها، لم يتح متسعا لأن تحل أية جهة مجتمعية محله، لتبدأ بوصفها جهة متماسكة ومعبأة تنظيميا وسياسيا وايديولوجيا قتالا مفتوحا يضم معظم المنتسبين إلى ما تنتمي إليه من مجال مجتمعي ضد جهة أو جهات أخرى موجودة مثلها عند قاع المجتمع، تكون بدورها متماسكة تنظيميا ومعبأة سياسيا وأيديولوجيا. ومع أنه من غير الممكن إنكار وجود بعض التنظيم والتوجيه العدائي لدى بعض قطاعات المجتمع السوري، فإن هذه لن تتمكن من الحلول محل النظام، لاتساع رقعة الصراع من جهة وحجم القوى المشاركة فيه من جهة أخرى، ولانخراط قطاعات من جميع مكونات المجتمع فيه مباشرة أو بالواسطة، عبر السلطة أو «الجيش الحر»، الأمر الذي يجعل الحرب الأهلية مرحلة تم تجاوزها بالمقارنة مع نمط القتال الدائر اليوم، وطرق الحرب التي يتم اتباعها في خوضه، وضروب الأسلحة التي تستخدم لحسمه من قبل النظام بصورة خاصة. فالحرب الأهلية ستكون خطوة إلى الوراء بالقياس إلى ما هو حاصل الآن، خاصة أن أحد أطرافها المفترضين غير موجود في معظم مناطق سوريا، بينما لم ينشب في أي مكان قتال مباشر ومستمر بين أنصار النظام وخصومه من الأهالي، لأنه ليس للنظام أنصار بين هؤلاء يمكن أن يقاتلوا دفاعا عنه، بعد أن ذاب واختفى حزبه أو كاد في معظم بقاع سوريا، واقتصر على المدن والمناطق التي تتوافر له فيها حماية سلطوية مسلحة. بالنظر إلى كل ما سبق. أعتقد أن نشوب حرب أهلية سورية يعتبر صعوبة موضوعية، لكونها تتعارض مع بنية البلاد السكانية وطبيعة النظام الشمولي القائم فيها، الذي نزل إلى ساحة الصراع منذ بدايته بكامل ثقله العسكري والأمني، بعد أن ألحق بأجهزته الأمنية قوى وجهات مناصرة له، كان يمكن أن تخوض حربا أهلية بالنيابة عنه، لكنه حال هو نفسه دون قيامها بذلك، عندما حولها إلى جهة أمنية شبه رسمية تشن بقيادته حربا ضد الشعب، لا تنطبق عليها أو تتوافر فيها معايير الحرب الأهلية.

يتحول القتال في سوريا أكثر فأكثر إلى حرب نظامية وتزداد مأسسة وتجييشا، يحد من طابعها الاهلي انخراط المواطنين بأعداد متعاظمة في «الجيش الحر»، في حين وحد النظام قواه العسكرية والأمنية منذ البداية ضمن مؤسساته القتالية. وأرجح أن لا تذهب سوريا إلى الحرب الأهلية، بل أن تزداد ضراوة الحرب النظامية مع تعاظم قوة المقاومة والجيش الحر وتراجع قوة نظام زج بكل ما لديه من أسلحة وقوى، لحسم الأمور ووقف الانشقاقات في صفوفه قبل ان تقوض ما تبقى من تماسك في قمة هرمه السياسي والعسكري، وتؤدي الى تصدع النظام من فوق، بعد ان تكاثرت علامات تصدعه من تحت، عند قاعدته، وينهار كل شيء بغتة، أو ينأى قادة نافذون عنه، ويبحثون عن حلول تحفظ حقوقهم في إطار وطني جامع سيكونون طرفا فيها، لأنهم أسهموا في تحقيقها.

في العادة، تتطور الحرب الأهلية إلى حرب نظامية. بما أن الحل الأمني حشرنا منذ البداية في نمط من المقاومة موجه ضد السلطة الحاكمة ومؤسساتها الأمنية، تطور أكثر فأكثر إلى حرب نظامية، فإن عودتنا إلى الحرب الأهلية تبدو مستبعدة، ما دامت الحرب الأهلية تعني انقسام المجتمع إلى أطراف متحاربة تحاول كل واحدة منها إفناء غيرها. تخطى السوريون هذا الوضع، ولا بد لهم من الإفادة من هذه الحقيقة المهمة عند إعادة بناء دولة الحرية والعدالة والمساواة، التي ستقضي على عوامل الفرقة بينهم وستحافظ عليهم في إطار وطني رفيع وجامع، ينتج سلاما أهليا أبديا، سينعمون في ظله بالأمان والكرامة والمساواة.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

حرب إيران في سوريا ولبنان

علي حماده

2012-09-22

النهار

قبل ايام قال قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري : "إن عناصر في الحرس الثوري موجودون في سوريا لتقديم العون غير العسكري، وإن إيران ربما تنخرط عسكرياً هناك في حال تعرض سوريا لهجوم".

و البارحة قال اللواء حسن فيروز آبادي، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، إن الحرب الجارية في سوريا هي حرب بلاده، وأيد ما صرح به الرئيس السوري بشار الأسد لدى استقباله وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي الذي قال :"ليست سوريا المستهدفة الوحيدة، بل الهدف هو القضاء على محور المقاومة بمجمله". واضاف فيروز آبادي: "ما قاله السيد بشار الأسد صحيح، لأن سوريا تشكل الخط الأمامي للمقاومة في التصدي للكيان المحتل للقدس، وقد حافظت على هذا الخط منذ أعوام".

بالطبع، لن نتحدث عمّا يقوله المسؤولون الايرانيون عن وجودهم في لبنان، وعن ان "حزب الله" سيدخل حربا ضد اسرائيل في حال تعرض ايران لاعتداء اسرائيلي. ولكن المثير في المسألة السورية هو ارتفاع منسوب المواقف الايرانية العالية النبرة، والاعتراف متكرر بإن ايران تخوض حربها الوقائية، (وثمة من يعتبر انها حرب استراتيجية) في سوريا وان سقوط نظام بشار الاسد هناك سينعكس مباشرة على كل البناء الاستراتيجي الايراني الذي قام على عملية تراكم استمرت اكثر من ثلاثة عقود، تمكّنت خلالها ايران من اختراق كل المشرق العربي وصولا الى الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، حيث حقق "حزب الله" المرتبط بطهران قفزات نوعية على طريق تطويع لبنان، والسيطرة على معظم مفاصل السلطة فيه، فضلا عن امتلاكه القدرة العسكرية والامنية الوحيدة القادرة فيه. ولعل حرب تموز ٢٠٠٦ التي افتعلها " حزب الله" مع اسرائيل شكلت تمرينا بالذخيرة الحية لحرب ايرانية - اسرائيلية مقبلة، ولقدرات ذراع ايران في لبنان على الحدود الشمالية لإسرائيل. بالنسبة الى الساحة السورية، فإن الثورة التي بدأت شعبية وسلمية ضد نظام حكم دكتاتوري دموي مافيوي الطبيعة، تحولت بقرار النظام وداعميه الايرانيين الى حرب محلية اقليمية، وخصوصا ان النظام المافيوي دفع السوريين دفعا الى حمل السلاح للدفاع عن ارواحهم وبيوتهم، على قاعدة ان معركة عسكرية بين طرفين غير متعادلي القوة ايسر من مواجهة ثورة شعبية سلمية كما كان الامر في الاشهر الثمانية الاولى. ومن المسلّم به ان ايران أدت ولا تزال دورا محوريا في تحويل سوريا ساحة حرب اقليمية كبرى من اجل تعقيد مسألة اسقاط نظام بشار الاسد.

لقد شكلت اعترافات القادة العسكريين الكبار في ايران، وهم واجهة النظام في طهران وعصبه،الاطار الامثل لرؤية حجم التورط في سفك دماء السوريين، وللدور الذي يشمل لبنان ايضاً، حيث لن يتأخر الايرانيون عبر "حزب الله" لحظة واحدة عن اغراق لبنان في بحر من الدماء لحظة يتعرض استثمارهم الاستراتيجي للتهديد. من هنا ضرورة دعم احرار لبنان والمشرق العربي الثورة في سوريا لانها حرب تحرير كبرى موازية للتحرير من الاحتلال الاسرائيلي نفسه.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

فرصة التدخل في سورية

منار الرشواني

الغد الاردنية

22-9-2012

لا يكشف إلا عما هو معروف بداهة التقرير الاستخباري الغربي حول الرحلات اليومية لطائرات إيرانية إلى سورية، محملة بمقاتلين من الحرس الثوري والأسلحة. الأمر الذي ينطبق، كذلك، على إقرار قائد الحرس الثوري، محمد الجعفري، قبل أيام، بوجود من سماهم "مستشارين" من الحرس في سورية لمساعدة نظام بشار الأسد. إذ تكفي ملاحظة الكفاءة التدميرية التي أصبح يتمتع بها جيش الأسد في مواجهة الثورة السورية بما لا يقارن بالسابق، وذلك على الرغم من الإجهاد الذي يفترض أنه أصاب هذا الجيش بعد ثمانية عشر شهراً من القتال ضد المدنيين والثوار، وأهم من ذلك بعد مقتل أربعة من كبار قادة النظام العسكريين والأمنيين في تموز (يوليو) الماضي.

ولعل عملية اغتيال هؤلاء القادة خصوصاً شكلت نقطة تحول حاسمة في الاستراتيجية الإيرانية الداعمة للأسد، بحيث لم يعد ثمة خيار غير الانخراط بشكل كامل في العمليات العسكرية ضد الثورة السورية.

لكن بقدر ما هو معروف تماماً عدم قدرة إيران على تحمل خسارة الأسد وزوال نظامه، فإنه لم يعد بالإمكان تصور قبول الولايات المتحدة باستمرار هذا النظام، طالما أن ذلك يعني حتماً نصراً لحكام طهران، تستتبعه هيمنة وسيطرة إقليمية إيرانية شبه كاملة. ومع ذلك، ففي مقابل التورط الإيراني المباشر في سورية، يبدو الموقف الأميركي حتى اللحظة ثابتاً على سياسة الإكثار من التصريحات الجوفاء، ربما بهدف التغطية على الانكفاء الأميركي الفعلي، ولاسيما من خلال رفض تزويد الثوار السوريين بالأسلحة الضرورية.

طبعاً، هناك تفسيران متداولان لسلوك إدارة الرئيس أوباما على هذا الصعيد. يتمثل الأول في اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، بما يحد من قدرة الرئيس على اتخاذ أي قرارات حاسمة، لاسيما في شأن غير حاسم انتخابياً. لكن هذا التفسير كان صالحاً إبان الحديث عن تدخل عسكري أميركي مباشر، الأمر الذي بات في حكم المؤكد أنه غير وارد أبداً لأسباب كثيرة، أهم الظاهر منها هو المعارضة الروسية-الصينية، وعدم قدرة الولايات المتحدة والدول الغربية، تالياً، على التصرف بشكل منفرد قد يهدد مصالحها المتنازع عليها مع روسيا والصين خصوصاً في أماكن أخرى من العالم بعيدة عن الشرق الأوسط. هنا يبدو التفسير الثاني المتمثل في أن من مصلحة أميركا، ومعها إسرائيل حتماً، تدمير سورية على النحو الذي يقوم به نظام الأسد منذ اندلاع الثورة. ومن ثم، يكون مفهوماً ومتوقعاً تماماً، وفق هذا الرأي، النأي الأميركي عن أي فعل مؤثر إلا بالقدر الضروري لمنع استعادة الأسد السيطرة الكاملة والفعلية على سورية.

لكن في مقابل هذين التفسيرين يظهر تفسير ثالث، ويتجسد في رغبة أميركا (ولربما حاجتها بسبب ما تعانيه من أزمة اقتصادية وتراجع دبلوماسي) في حصول التدخل (غير المباشر حتماً) في سورية عبر دول الإقليم التي تقف فعلياً على خط المواجهة المباشرة ضد نظام الأسد، والذي بات استمراره يهدد مصالحها بشكل خطير منذ الآن، فكيف في حال سحقه الثورة!

والواقع أن هذا التفسير/ السيناريو ينطوي على فرصة عربية خصوصاً، بدلاً من ترجمته –كما يوحي للوهلة الأولى- خضوعاً للضغوط أو الابتزاز الأميركيين. ويبدو ذلك في اعتبار إنهاء الأزمة السورية فرصة لتبني سياسة عربية-إقليمية واعية، تتضمن التعاون العسكري، لكنها تقوم أساساً على الإصلاح والتنمية الشاملين، مفهوماً وجغرافيا. فإذا كان الإصلاح والتنمية مطلبين للشعوب، فهما في الواقع، من خلال تكامل إقليمي، خيار الأنظمة الوحيد للتجدد والاستمرار.

manar.rachwani@alghad.jo

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مرة أخرى عن «طائف سوري» * عريب الرنتاوي

الدستور

22-9-2012

قبل أربعين يوماً بالتمام والكمال، وفي هذه الزاوية بالذات،نشرنا مقالاً بعنوان: “متى يصبح الطائف خياراً ممكناً لحل الأزمة السورية؟”..يومها تحدثنا عن تعذر خيار “الحسم” عند السلطة والمعارضة سواء بسواء، في ظل إحجام الجهات الدولية ذات الصلة، عن التدخل العسكري في سوريا..يومها أكدنا أن “الطائف 2” لم تكتمل شروطه بعد، بسبب غياب “التوافق” أو “التفاهم” الإقليمي والدولي، باعتباره شرطاً لتوافق أطراف الصراع المحلية واتفاقها، سيما بعد أن “تدول” الصراع على سوريا و”تأقلم”.

أمس، كنت استمع للدكتور ناصيف حتي سفير جامعة الدول العربية في باريس، يتحدث في ذات السياق، ويميز بين “طائفين”: الأول؛ إقليمي\دولي...والثاني؛ محلي\سوري...هو أيضاً لم ير أن شروط “الطائفين” قد نضجت بعد، بيد أنه توقف لشرح أطروحة صائبة في العلوم السياسية، مفادها أن “المصالح المشتركة” ليست وحدها ودائماً، السبب في بناء “التفاهمات” و”التوافقات” بين الدول...أحياناً تبني هذه الدول “تفاهماتها” على نظرية “المخاوف المشتركة”.

لا مصالح مشتركة للاعبين الإقليميين والدوليين في سوريا...تضارب المصالح وتناقضها كان قائما قبل اندلاع الأزمة السورية..وهو مستمر الآن...وقد يظل كذلك في المستقبل المنظور...لكن الجديد الذي طرأ خلال الأيام الأربعين الفائتة، أي منذ أن تحدثنا لأول عن “طائف سوري”، هو أن منسوب “المخاوف المشتركة” قد تنامى وتفاقم...وبات يشكل أساساً موضوعياً لـ”طائف إقليمي \دولي” مُحتمل حول سوريا.

وأحسب أنه يمكن النظر لأحداث بنغازي ومصرع السفير الأمريكي وصحبه في قنصليتهم هناك، بوصفها نقطة تحول حاسمة في الطريق إلى بناء “التفاهم الدولي” المبني على قاعدة “المخاوف المشتركة”، في غياب منظومة “المصالح المشتركة” وتعطل مفاعيل نظرية “توازن المصالح” الغورباتشوفية.

ليس خافياً على أحد، أن واشنطن تُجري الآن مراجعة وتقييماً دقيقين لعلاقاتها بـ”الإسلام السياسي” بعامة، العربي على وجه الخصوص....ولا شك أن نتائج هذه المراجعة ستراوح ما بين حدين: الحد الأعلى، إحداث تغيير “جوهري” في النظرة والمقاربة والعلاقة....والحد الأدنى إدخال تعديل على هذه المقاربة “Fine Tuning” ولقد شهدنا جملة مؤشرات دالة على هذه المراجعة، من اتهام جماعة الإخوان المسلمين بتبني “خطاب مزدوج” إلى وصف “حكمهم” في مصر بـ”اللا عدو واللا حليف”، فضلاً عن مراجعة المساعدات الإضافية وإلغاء لقاءٍ كان مرتقباً بين أوباما ومرسي...وهذا كله في العلن.

أما في الخفاء، فإن واشنطن باتت كما يقول حلفاؤها والمراهنون على تدخلها في سوريا بعد الإنتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم، أبعد أكثر من أي وقت مضى عن هذا التدخل...وهي باتت أقرب، وأكثر من أي وقت مضى كذلك، أكثر حماسةً لتحويل سوريا إلى ساحة مواجهة مع “القاعدة” والحرب على “الجهاديين”، ومصادر أنقرة تتحدث عن إلحاح أمريكي على تركيا لمواجهة “القاعدة” و”الجهاديين” في سوريا، الذين يستخدمون الأراضي التركية ويمرون منها إلى “ساحة الجهاد الجديدة”، كشرط أو “مطلب” أمريكي لدعم أنقرة في حربها على حزب العمال الكردستاني.

إذن، في غياب الحسم، حسم السلطة لحربها مع المعارضة، وحسم المعارضة لمعركة إسقاط النظام...ومع إطالة أمد الأزمة السورية واستطالتها..ومع تنامي دور الإسلاميين عموماً و”الجهاديين” خصوصاً في سوريا، فإن فرص بناء “التفاهم الدولي” حول سوريا، والمبني على “تفاقم المخاوف المشتركة”، قد باتت أعلى من أي وقت مضى...على أن ذلك لا يعني تلقائياً أن اللاعبين الإقليميين قد باتوا أقرب للتوافق والتفاهم...فالسعودية وقطر على سبيل المثال ، لا تستشعران المخاوف ذاتها التي بدأت تؤثر على المواقف الأمريكية والأوروبية، وهما ماضيتان في دعم “جناحي الإسلام السياسي، الإخواني والجهادي”...وتركيا أدخلت بعداً “شخصياً” و”حزبياً” و”مذهبياً” في مقاربتها للأزمة السورية، سيجعل دبلوماسيتها أقل مرونة في التكيف مع “جديد” الأزمة السورية المُتحركة، وستيعين على أطراف “التفاهم” الدولى المُحتمل، أن تبذل جهوداً كبيرة، لإخراج “التفاهم الإقليمي” إلى حيز التنفيذ.

في سياق “المخاوف المشتركة” وبوحيها...تتحرك روسيا وإيران والصين صوب “نقطة في منتصف الطريق” مع المحور الإقليمي والدولي الداعم للمعارضة السورية والمنادي بإسقاط النظام....وفي هذا السياق، يمكن التذكير بوقف روسيا المنفتح على “حلول” تستثني الأسد أو تنتهي بإخراجه من السلطة”...هنا أيضاً لا يمكن التقليل من شأن الحماس الإيراني لمبادرة مرسي “الرباعية الإقليمية” برغم المواقف “الجذرية” التي أطلقها الرئيس الإخواني لمصر ضد الأسد ونظامه.

حتى الآن، اصطدمت جميع المبادرات والمساعي الرامية حل الأزمة السورية بتباين مواقف الأطراف من مصائر الأسد الشخصية، يبقى أم يرحل...إلى متى سيبقى ومتى يرحل...الآن تتوفر فرصة، وربما لأول مرة، لـ”بناء التفاهم الدولي” ابتداءً، ولاحقاً “التفاهم الإقليمي” على معادلة تقول: “الإنتقال السياسي ينتهي برحيل الأسد ولا يبدأ به”...وللإنتقال السياسي شروط ومتطلبات، لا أحسب أنها كافية لتعطيل بناء التفاهمات والتوافقات...وربما يكون موعد الإنتخابات الرئاسية السورية المقبلة (2014) تاريخاً ممكناً، لاستكمال عملية “الإنتقال السياسي”، وموعداً لانتخابات برلمانية ورئاسية جديدة لسوريا، لا يشارك فيها الأسد مرشحاً، شريطة أن تسبقه إجراءات وقف العنف والقتال وإطلاق سراح المعتقلين وتشكيل حكومة وحدة انتقالية، وغير ذلك كثير من خطوات بناء الثقة.

لاحظوا أننا لم نأت على ذكر “التفاهم الوطني” السوري الداخلي...لقد أسقطنا هذا الأمر في هذه المرحلة من التحليل، ولم يسقط سهواً...ذلك أن مرور 18 شهراً على اندلاع “المسألة السورية” قد أفقد الأطراف المحلية قدرتها على التحكم بمسارات الأزمة...أفقدها “استقلالية قرارها”...وجعل منها أشبه ما تكون بأدوات ووقود للصراع الإقليمي \ الدولي على سوريا...وفي مثل هذه الظروف، فإن إنتاج “التفاهمين” الإقليمي والدولي، كفيل وحده، وبقليل من الجهود والضغوط، بإنتاج “التفاهم الوطني”.

التاريخ : 22-09-2012

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

العلل الأفغانية في الثورة السورية

السبت ٢٢ سبتمبر ٢٠١٢

جمال خاشقجي

الحياة

وجب التشاؤم حيال الأزمة السورية، ويجب الاستعداد للأسوأ، فعندما يترك المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي المكلف حل الأزمة، عمله الحقيقي ويزور مخيمات للاجئين في تركيا، فهذا لا يعني سوى أن الرجل ليس عنده أفكار، ويريد أن يبدو بمظهر المهتم النشط ريثما يقدر الله أمراً كان محتوماً.

وكذلك عندما تغيب السعودية عن اجتماع وزراء خارجية اللجنة الرباعية التي اقترحتها مصر لحل الأزمة، فهذا لا يعني غير أنها فقدت الأمل، فإذا كان هدف اللجنة إقناع إيران بتغيير موقفها، فلا أمل في ذلك فهي في مركب «بشار» حتى لو غرقت معه. وإن كان الهدف التوصل إلى حل، فكيف للجنة فيها إيران أن تتوصل إلى حل عجزت عنه مجموعة أصدقاء سورية التي تضم حوالى مئة دولة، وقبلها الجامعة العربية والأمم المتحدة.

إن مجرد استمرار هذه اللجنة من موجبات التشاؤم، على رغم تأكد فشلها للمصريين والأتراك، ليس بسبب غياب السعودية وإنما لـ «المسخرة» الإيرانية، والتي يعترف رئيس حرسها الثوري بوجود عناصره في سورية لمساعدة النظام «ولكنهم لا يقومون بدور عسكري»، ثم يقول إنهم لن يتدخلوا لإنقاذ النظام، ثم ينفي متحدث رسمي إيراني التصريحات ويؤكد أنهم لن يسمحوا بسقوط النظام، فلا تعرف ما الذي ينفون وما الذي يثبتون. ثم بكل وقاحة يعلنون من القاهرة مبادرة لوقف إطلاق النار، بشرط وقف دعم المعارضة وإطلاق حوار يؤدي إلى «إصلاحات وتعزيز الديموقراطية» في سورية!

وما دمنا بصدد معركة طويلة، من المفيد إجراء مقارنة بين الوضع السوري والجهاد الأفغاني، اللذين يزداد التشابه بينهما يوماً بعد يوم، على كراهية السوريين لذلك، فهم يخشون أن «تتأفغن» بلادهم وصراعهم، فيطول عمر ثورتهم، إذ استمر الجهاد الأفغاني 10 أعوام ضد الاحتلال السوفياتي، ثم عامين ضد حكومة كابل التي تركها الروس، ثم نشبت حرب أهلية يرى البعض أنها مستمرة حتى يومنا هذا. أي بحسبة سريعة، هي 33 سنة من المعاناة... عمر الثورة السورية، عام ونصف، ولا يبدو أن ثمة أملاً قريباً بانتهائها.

الصراع بين الميليشيات يمكن أن يستمر أعواماً، ولنا في لبنان عبرة. ها هو الجيش الحر يستعيد حي صلاح الدين في حلب، ثم يخسره ثم يستعيده، هكذا تمضي حروب الميليشيات. كما أن تعددها يخيف الداعمين، فمنع أسلحة ضروريةعنهم ، مثل صواريخ «المان باد» التي يحتاجونها لتحييد طيران النظام الذي فتك بالمدنيين أكثر مما قتل من الثوار، لخوف الولايات المتحدة أن تصل لليد الخطأ، فتعطل وصول نحو 100 صاروخ وفرتها دول خليجية، لأن الأميركيين يعتقدون أن ضوابط معينة في الداخل لا بد أن تتوافر قبل السماح بتسليمها للثوار. إنها ضوابط مستحيلة، الجميع يعلم أن ما من سبيل لضبط الأمر في بلد انفلت حبل أمنه بالكامل، بل إن هذه هي طبيعة أي ثورة مسلحة.

أحياناً يفكر الخبراء الاستراتيجيون بسذاجة ورومانسية وكأنهم يشهدون صراعاً لأول مرة، فيما يستطيعون العودة إلى ملفاتهم القديمة والاطلاع على ما سجلوه من علل الجهاد الأفغاني التي تتكرر اليوم في سورية:

- كل محاولة لتوحيد الثوار ستولد تنظيماً جديداً، فثمة أفراد في التنظيم القديم (الجيش الحر) سيرفضون الدخول في التنظيم الجديد (الجيش الوطني) فننتهي بتنظيمين، ومن حولهما عشرات الكتائب تحتار بينها ولكن تستغلهما، كما تحتار الأطراف الدولية الأخرى فيهما وأيهما أحق بالدعم.

- السوريون ليسوا مثل الفرنسيين يتفقون على «ديغول» واحد، وإنما هم مثل الأفغان وربما أكثر، كلهم يعتقدون أنهم زعماء.

- المعلومات التي تصل من الداخل دائماً متناقضة، ومبالغ فيها خصوصاً عندما يترتب عليها صرف أموال أو توزيع أسلحة.

- الأنشط إعلامياً ليس بالضرورة أنه الأنشط على الأرض (الذي لديه تسجيلات أكثر على «يوتيوب» لا يعني أنه الأقوى).

- الوسطاء الذين يزعمون أنهم يعرفون الساحة جيداً، إنما يعرفون مَنْ يعرفون جيداً، ويجهلون مَنْ لا يعرفون تماماً، وبالتالي ستتوجه مساعدتهم نحو من يعرفون، ويهملون من لا يعرفون. حينها ستتهم الدولة الموظفة للوسيط بالمحاباة، وتفريق صف الثوار. بل ربما أسوأ، قد تتهم بالتآمرعلى الثورة.

- الثورة للشرفاء، وعشاق الحرية، ولكنها أيضاً ساحة للانتهازيين والتجار والمقامرين، ومتقلبي الولاء، بل حتى المجرمين.

- فكرة توحيد الثوار في الداخل مُغرقة في الرومانسية، ولكن يجب الاستمرار في السعي نحو تطبيقها من باب ما لا يدرك كله لا يترك جُله، التنسيق هو الحد الأدنى، وقد تحقق بفضل الأجهزة المتطورة التي وصلت من الأميركيين والفرنسيين. صعوبة توحيد الثوار تكمن في أنهم أتوا من مشارب عدة، المنشقون من الجيش يأتون من وحدات مختلفة وعلى فترات متباينة، ومثلهم من المدنيين طلاباً وعمالاً وفلاحين، متدينين وغير ذلك. هناك منتمون سياسياً وآخرون لا تهمهم السياسة، وإنما هدفهم الخلاص من النظام أو الانتقام منه، وسيبقى من الصعب صف هؤلاء تحت إمرة مركز واحد للتحكم والسيطرة.

- من يقُلْ إن «الإخوان المسلمين» هم الفصيل الأكبر في الداخل فلا تصدقه، ومن يقُلْ العكس فلا تصدقه أيضاً، فلا أحد يعرف الحقيقة، ولن يُعرف الحجم الحقيقي لهم إلا بعد أول انتخابات حرة تجرى هناك. لذلك، من الأفضل ألا يؤثر السعي البائس للإجابة على هذا السؤال في قرار أي دولة في دعم الثورة السورية.

- قاعدة أن عمل «عنوان واحد» سيجذب له الجميع للحصول على المال والمساعدات غير صحيحة، لأن التجارب السابقة أثبتت أنه يستحيل عمل عنوان واحد.

لقد نجحت الثورة السورية حتى الآن في إقصاء «القاعدة»، حتى الجماعات السلفية المتشددة التي تتلقى تبرعات ودعماً من جهات خليجية غير حكومية، رفضت إغراء إعلان هواها «القاعدي» ولكن استمرار الأزمة، ومشاعر الإحباط التي تتنامى وسط السوريين والذين عبروا عنها بوضوح حين قذف اللاجئون الإبراهيمي بالحجارة عندما زار مخيمهم. لقد باتـــت الديبلوماسية تعني التسويف عند الشعب السوري الذي يكتوي يومياً بنيران قصــف النظام، ما يولـــد فيه غضباً ونقمة، وشعوراً متنامياً بتخلي العالم عنه. هذا الغضب مع العلل الأفغانية السابقة الذكر، قد يفتح الباب للتطرف الذي يركز الاستخباراتيون والعسكريون على منعه، ولكن سعيهم هذا أصبح سبباً لترددهم في اتخاذ إجراءات وإرسال أسلحة تحسم المعركة، وكأنهم يفرون من شيء يولدونه بترددهم وتأخرهم.

حينها يجب ألا يفاجأ الخبراء الذين يجتمعون في أضنة، عندما يسمعون البيان الأول لـ «أبو عمر النجدي» معلناً عن انضمام كتيبة صقور الجزيرة إلى كتائب صقور الشام، مع أسود أنبار العراق، ومعهم مجاهدو أكناف بيت المقدس، في جبهة الجهاد المتحدة... «لا... لا، الاسم يبدو كأنه وكالة سيارات، لا بد أن نبحث عن اسم ذي وقع أشد ويعبر عن تطلعاتنا المشتركة». أتخيل «أبو عمر» يقولها لرفيقه «أبو النصر المكي» ومن حولهم خليط من الشباب المتحمس من كل بلاد العرب وهم جميعاً في حلب الشهباء، أرض الجهاد والملحمة الكبرى التي يستعجلونها!



*-*-*-*-*-*-*-*-*-

بشار الأسد: التخلي عن الدولة العلوية

عبد الله بن بجاد العتيبي

الشرق الاوسط

22-9-2012

لم يزل بشار الأسد يتنقل في خياراته من مرحلة إلى مرحلة أخرى ومن نهج إلى نهج، وإن لم يكن ذلك في كل الخيارات ففي أجزاء مهمة منها؛ إذ يبدو أن الأسد في ظل المتغيرات الكبرى التي يشهدها داخليا وخارجيا بدأ إعادة التفكير في موقفه ومستقبله، وغير شيئا من خططه وأحلامه وأوهامه.

لقد تنقل الأسد في خياراته تجاه ما يجري في سوريا، فاختار الحل العسكري والأمني من أول لحظة واستمر عليه إلى اليوم، ولكن طرأت على هذا الحل وهذا الخيار تطورات ساهمت فيها الأوضاع الدولية والإقليمية والعربية والداخلية.

فبعد فشل الحل العسكري الأمني في قمع الحراك السلمي، ودفعه للتسلح الذي كان يريده الأسد لتبرير استخدامه القوات المسلحة ضد شعبه، إلا أن السحر انقلب على الساحر، فنشأت مجموعات مسلحة لم تلبث أن اتحدت في الجيش السوري الحر، مما أصبح يهدد كيانه من أساسه، وها هي الأنباء تتوالى عن محاولات حثيثة لجمع الجماعات المسلحة تحت لواء واحد يضمن عدم تشتتها ويقلل من حجم الأضرار اللاحقة التي قد تنشأ عن بعضها.

ثم جاءت مرحلة أخرى بعد تنامي المعارضة المسلحة وزيادة الضغوط الدولية وتصاعد التهديدات، وبعد بداية الانشقاقات العسكرية والسياسية - التي تصاعدت في وقت لاحق وشملت الدوائر المقربة منه - اتجه الأسد في صراعه الدامي لفكرة قديمة هي إقامة دولة علوية في جبال العلويين التي أصبحت تسمى محافظة اللاذقية، فتركزت عملياته ومجازره على السفوح الغربية والشمالية لجبال العلويين بغرض صنع حدود طبيعية لتلك الدولة المرتجاة.

ويبدو اليوم أنه، ومع تفاقم الأزمة، قد تخلى عن وهم الدولة العلوية، وهو ما قد يشير إليه اتجاه الأسد للتركيز على استخدام الطيران الحربي بالمروحيات والطائرات الروسية المقاتلة والصواريخ عن بعد، ولجوؤه للمدفعية الثقيلة وقذائف الدبابات، وتعميمه هذا النهج على كافة الخريطة السورية، وأنه قد اقتنع متأخرا بأن الدولة العلوية مجرد وهم تاريخي وعائلي لا صلة له بالواقع وأن عليه البحث عن مخارج أخرى.

مع كل مناوراته وتنقلاته بين استراتيجية واستراتيجية وتكتيك وتكتيك، فإن الأسد سيرحل لا محالة، فليس أمامه أي طريقة للبقاء، وقصارى أمره أن يظفر قبل النهاية بفرصة للفرار بجلده وعائلته القريبة لمنفى يختاره، ولكنه نجح في أمرين؛ الأول: خلق حالة عميقة من الفوضى العارمة والأحقاد المتقدة ورغبات الانتقام والتشفي، سمحت بدخول تنظيمات العنف الديني، كجماعات أو كأفراد، للقتال داخل سوريا لإقناع دول العالم بأنه إنما يقاتل الإرهابيين وتنظيم القاعدة. الثاني: التأسيس المنهجي لخلق بيئة تنتعش فيها كل بواعث اشتعال حرب أهلية حين تحين ساعة الرحيل.

التأثير الأسوأ والأكثر ضررا جراء رد الفعل المتهور والأحمق ضد الفيلم المسيء للرسول الكريم سينصب على الموقف الدولي تجاه سوريا، وسيصعد التخوفات الدولية من انتشار الفوضى الأصولية على الرقعة السورية، أي على مرمى حجر من إسرائيل، التي مع عداوتها الظاهرة للمشروع الإيراني إلا أنها غير مستعدة لمواجهة عدو أصولي مجهول جديد على جبهة الجولان، وبعد هذه الأحداث فإن الغرب سينصت لها مليا.

اعترفت إيران رسميا بوجود عناصر من الحرس الثوري داخل سوريا، وزعمت أنهم هناك لأغراض ادعتها، والحقيقة التي يعلمها الكثيرون هي أن هذه العناصر العسكرية المدربة التي نجحت من قبل في وأد الثورة الخضراء بإيران - لا عمل لها في سوريا سوى مشاركة نظام الأسد في قتل شعبه وتدمير بلده، لا بخبرتها وخططها فحسب، بل وبالعمل العسكري والأمني المباشر، ومعيب على بعض الدول العربية التي تفتش عن موضع قدم جديدة في توازنات المنطقة كمصر أن تمنح إيران غطاء عربيا في محاولات الأخيرة التدخل في الشؤون العربية، ويبدو أن إيران لم تقتنع بعد بأن عليها تجرع السم مرة ثانية وهو هذه المرة أكبر بكثير من السم الأول الذي تجرعه الخميني.

لقد اضطربت السياسات الأميركية والغربية عموما تجاه ما كان يسمى «الربيع العربي»، وهي بتخاذلها عن دعم الشعب السوري والاتجاه للمزيد من هذا التخاذل تجاه الأوضاع في سوريا إنما تزيد من الدخول في اضطراب الرؤية وتشتت الرأي، ولئن كانت لديها مخاوف محقة تجاه انتشار التطرف الديني المسلح داخل سوريا فإن ما دفع إليه منذ البداية هو هذا التخاذل السياسي الذي سمح له بالوجود ومن ثم التوسع.

إنما قلت إنها مخاوف محقة، لأن البشر حين يقعون تحت ضغوط هائلة واستثنائية يلجأون لإيمانهم ولا يكتفون منه بجوهره المعتدل، بل يذهبون به إلى حدوده المتطرفة، وكلما كانت الضغوط دموية ووحشية وقاسية بما لا يوصف كان الاتجاه للتطرف خيارا أقوى من غيره، ثم إن طول المدة وانسداد الأفق قد تدفع به ليصبح خيارا وحيدا وبلا بديل.

يعرف المراقب للأوضاع هناك أنه بعد عسكرة الحراك السلمي، بدأت المجموعات العسكرية ضد قمع النظام تتخذ أسماء ليس لها علاقة بالمدنية والسلمية، بل علاقتها الأكبر هي مع الأبعاد الدفينة في الأمة حيث الطائفية والإثنية والعنف، وقد تطور الأمر في هذا السياق لجهتين؛ جهة وصول مقاتلين إسلاميين من خارج سوريا، وجهة صعود نبرة خطاب «آخر الزمان» وتطبيق مفرداته على ما يجري على الأرض هناك، بمعنى نقل القتال من بعده المدني والسياسي إلى بعد ديني أخروي عنيف، وقد بدأ الجميع يسمع عن «أكناف بيت المقدس» ونحوها من التعبيرات الدالة والمنتقاة من نصوص آخر الزمان وتطبيقها بشكل عشوائي على أحداث سياسية ومتغيرات تاريخية.

مع تمني العكس، فإن الأوضاع والجو العام داخل سوريا يبدوان مشابهين بشكل كبير لما جرى من قبل في أفغانستان والبوسنة والشيشان، ويبقى الرهان على تحرك دولي أسرع لحسم الأوضاع هناك، وعمل جاد عربيا، وبالتعاون مع شتى القوى السورية الصاعدة، للجم أي تطور في هذا الاتجاه والتخطيط لمواجهته بدءا من الآن وليس من الغد.

أخيرا، لم يتخل الأسد عن وهم الدولة العلوية إلا ليتجه لمزيد تركيز على خيارات أكثر شرا وشررا كخيار شمشون، وكما تحمل «الدابي» وزر خيار الحل الأمني والعسكري، وتحمل «أنان» أوزار وهم الدولة العلوية، فيبدو أن «الإبراهيمي» سيجمع أوزار خيار شمشون.

*-*-*-*-*-*-*-*-*-

الحبل السري للمالكي في سوريا

عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

22-9-2012

كيف عادت قوات الأسد إلى الوقوف على قدميها بعد أن فقدت سيطرتها على معظم الأراضي السورية، وبعد أن دخل الثوار العاصمة دمشق؟ السر في العراق الذي لعب دور الممول المالي والنفطي والمعبر البري. وبعد أن تمكن الثوار السوريون من إغلاق المنفذ الحدودي البوكمال مع العراق بعد استيلائهم عليه، قطعوا الحبل السري وتوقف طابور الشاحنات. إنما فتح العراق أجواءه للطائرات الإيرانية، فأقامت إيران بالتعاون مع المالكي أسطولا جويا أعاد الحياة لقوات الأسد. إذن العراق يلعب دورا مهما في الحرب ضد الشعب السوري، هذا ما تؤكده المعلومات التفصيلية المدعومة برصد الاتصالات العراقية مع الطائرات العابرة، والمدعومة بمعلومات عن الاتفاقيات الثلاثية بين إيران وسوريا والعراق.

بهذا أصبح المشهد السياسي واضحا في انقساماته؛ دول في صف الشعب السوري الثائر، مثل السعودية وقطر والإمارات والأردن وتركيا، ودول مع نظام بشار الأسد، مثل حكومات إيران والعراق، وبدرجة أقل السودان والجزائر.

لكن لماذا يلعب العراق دورا بالغ الخطورة مع جارة نظامها يتهاوى وسيسقط؟ ربما بسبب الضغوط الإيرانية عليه أو رغبة قيادته السياسية، وتحديدا رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي وصل لمنصبه بفضل إيران التي ضغطت على بقية الأحزاب الشيعية التي كانت ترفض توزيره واضطرت لإعطائه أصواتها. ومن الطبيعي أن تؤول الأمور إلى ما هي عليه اليوم، أي أن يسدد المالكي فواتيره للنظام الإيراني الحليف، على الرغم مما قد يعنيه من مخاطر جمة على العراق وعلى حكومته الهشة. وبسبب تزايد طلبات إيران من بغداد، نتوقع لاحقا أن تخرج حكومة المالكي من صندوق ثيابها، وتكشف عن قناعها الذي لبسته طويلا، لتعترف بتحالفها مع طهران، الذي حولها إلى مجرد أداة للإيرانيين ومحفظة مالية لنشاطاتهم، وهذا ما كنا نظنه وكان الجانب الأميركي يستبعده. فقد اعتبروا تعاون المالكي مع الإيرانيين من ضرورات اللعب السياسي، وليس تحالفا. الآن يرون التصاقا شديدا يغسل أموال نفط إيران، ويدعم الأسد ماليا، ويفتح الممرات الجوية لدعم القوات السورية. عمليا رئيس الوزراء العراقي يضع نفسه هدفا في مرمى كثير من دول العالم!

على المالكي أن يعي حقيقة الوضع في سوريا وحقيقة الأسد. لا يمكن بأي حال أن يبقى الأسد في الحكم بسبب ضخامة الجرائم التي ارتكبها. وثانيا لأن كل من يستخدمه الأسد تلحقه اللعنة، والشواهد كثيرة أمامه في لبنان. وحتى مع هذه الصحوة اللحظية لنظام الأسد، فإنه يتهاوى ولن يستطيع البقاء طويلا. لقد أطال المالكي في عمر الأسد، بعكس الأسد الذي كان يعمل في السنوات الماضية على تقصير عمر النظام العراقي، من خلال تبنيه «القاعدة» والجماعات العراقية المسلحة التي كانت تتخذ من سوريا مقرا لها. هذا التناقض يمكن أن يفهم فقط في إطار السياسة الإيرانية التي كانت تريد الهيمنة على العراق، مرة من خلال سوريا باستخدام الجماعات المسلحة، ومرة لاحقة باستخدام المالكي الذي تحول إلى مجرد بيدق تلعب به.

والرئيس السوري الذي يسير على خطى الإيرانيين، يحاول مثلهم استمالة المصريين إلى جانبه. والمثير للضحك الحديث المنسوب إليه في «الأهرام الأسبوعي». فالأسد اتهم السعوديين بأنهم وراء حرب وهزيمة 1967، في حين أن عمره حينها كان نحو 10 سنوات فقط، فكيف يجزم بشيء كهذا؟! والذي يثير السخرية أن أباه حافظ الأسد كان وزير الدفاع ويفترض أنه من أدار المعركة وسبب الهزيمة. وقد كان موقف الأب مشبوها بعد الهزيمة، لدرجة اصطدامه مع حاكم سوريا الفعلي صلاح جديد «حيث انتقد صلاح جديد أداء وزارة الدفاع خلال الحرب، وخاصة قرار سحب الجيش وإعلان سقوط القنيطرة بيد إسرائيل قبل أن يحدث ذلك فعليا».

تآمر الأسد في الحرب على بلده، وتآمر على قائده، واستولى على الحكم في انقلاب. هذا هو تاريخ حافظ الأسد وتاريخ هزيمة 1967. في مصر، عاقب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وزير دفاعه عبد الحكيم عامر الذي وجد مقتولا، أو منتحرا، في زنزانته. أما في سوريا، فإن وزير الدفاع المهزوم كافأ نفسه بالاستيلاء على الحكم ورئاسة الجمهورية!

كيف لبشار أن يفتح سيرة هزيمة 1967، وهي أكبر فضيحة في تاريخ أبيه وتاريخ عائلته؟!

*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

سورية: في اليأس من الثورة

عمر قدور *

الحياة

الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٢

لم يعد التفاؤل حاضراً بقوة في أوساط الناشطين، أو بين متابعي الثورة السورية عموماً، وبدا كما لو أن الكثيرين استفاقوا فجأة على واقع مختلف عما تمنوا أو توقعوا منه. لم يعد مرد الإحباط فقط إلى تخاذل المجتمع الدولي عن حماية السوريين، وإن بقي على صلة بذلك، فثمة عوامل داخلية مستجدة بدأت تنال من الصورة الأولى الزاهية، والتي بدورها لم تكن نقية تماماً، ولا يجوز أن تكون كذلك، إلا كسردية ثقافية.

ومن المؤكد أيضاً أن الـــمزاج الثوري كان بـــدايةً بمثابة الرافعة الأخلاقية، فدفع مجتمع الثورة عموماً إلى بذل أفضل ما عنده، وحرّض نوعاً من التنافس الأخلاقي والجمالي معاً، لكن القمع والتنكيل الوحشيين اللذين لاقتهما الثورة كان لا بد أن يستنزفا مع الوقت قــسماً كبيراً من الطاقة الإيجابية، إن على مستوى الأفراد أو على الصعيد الكلي. طبعاً ليس المعني هنا نزيف الدم وحده، فآلة القـــمع أثبتت قدرتها على مختلف أنواع التدمير المادي والمعـــنوي بلا أي رادع، في الوقت الذي لم تستطع الأفضلية الأخـــلاقية للثورة أن تجنّب مجتمـــعها ذلك الأذى الهائل، ولم تتحصل الثورة بفضل أخلاقيتها على الدعم المرتجى، ولا حتى على سمعة حسنة توازي مناقبــيتها. باستثناء تعاطف ثابت محدود من قبَل أفراد ليسوا في مراكز القرار لم تلقَ الثورة حتى دعماً لفظياً ثابتاً، وتخبطت تصريحات المسؤولين الدوليين في أوحال النظام والسياسة، من دون أن تكون بوصلتها هي الحقوق المشروعة للسوريين في تحقيق مصيرهم بحرية تامة.

في المقابل من البذاءة التامة للنظام، وبذاءة ألاعيبه التي حملت دائماً استهتاراً مطلقاً بكرامة السوريين وحيواتهم، لم يقدم موالو النظام ولا المجتمع الدولي بما فيه «أصدقاء سورية» فضيلة أخلاقيةً تدعم فعلياً مُثل الثورة، بل سقطت السياسة سقوطاً ذريعاً في اختبار القيم والأخلاق. ومن ملامح السقوط أن تُطالب الثورة بإلحاح بالحفاظ على «صوفية» أخلاقية من قبل أولئك الذين لم تدفعهم أخلاقهم إلى تقديم أدنى عون مطلوب لها، الأمر الذي يضع ادعاءاتهم في خانة التواطؤ مع النظام، أو على الأقل في خانة التواطؤ البراغماتي مع أفعاله.

ليس عادلاً ولا واقعياً أن تُطالب الثورة بمكابدة ما لا تطيقه إلى ما لا نهاية، ومن دون أن تلوح بارقة أمل في نهاية النفق، وليس عادلاً ولا واقعياً أيضاً أن يُطالَب الثوار بأداء مثالي بينما ينشطون في ظروف أقل ما يُقال عنها إنها لاإنسانية. لكن الأقل عدالة مما سبق هو تناسي الحقوق الأساسية التي انتفض من أجلها السوريون، وأن يصبح مجرد وقف القتل مطلباً دولياً، وأن يجرى التفاوض عليه بصفته تنازلاً يقدّمه النظام من رصيده، أو أن يذهب التركيز نتيجة ذلك إلى حصر الانتباه بالقضية السورية بصفjها أزمة إنسانية أو أزمة لاجئين.

على رغم ما سبق سيبقى من حق، ومن واجب، أهل الثورة مطالبة أنفسهم بالحفاظ على سوية قيمية تليق بهم، وتكون قدر الإمكان على النقيض من النظام ومن تدني السياسة الدولية الخاصة بإدارة أزمتهم. انطلاقاً من هذا الواجب الذي لم يتخلَّ عنه قسم كبير من الثوار، وأيضاً قسم كبير من أصدقائهم الحقيقيين، بدأ بعض اليأس بالتسلل إلى النفوس من الفجوة التي تتسع أحياناً بين الواقع والمرتجى. وقد كان لنقد الثورة قسط في إشاعة اليأس، تحديداً عندما خضع للتسييس من قبل أعدائها، ومن قبل بعض أصدقائها المزعومين داخلياً وخارجياً، فتوقف النقد عن إنجاز مهمته في تصحيح مساراتها لينصبّ في الكثير من الأحيان على الطعن في جدواها أو في فكرة الثورة من حيث المبدأ.

لا شكّ في أنها كانت أكثر نقاء صورة ذلك المتظاهر السلمي الذي يتلقى الرصاص بصدره العاري، لكن هذه الصورة لم تكن لتصمد إلى ما لا نهاية من أجل أن يتغنى بها رومانسيون ثوريون، أو من أجل أن ينعم بنتائجها من يرغبون علناً أو سراً ببقاء النظام. كان من الواقعي أن يختبر الثوار مسالك لا يرغبون فيها أصلاً، وأن تأخـــذ بعض ردود الأفعال قسطاً من عنف النظام، وحتى أن لا يكون العنف «ذكياً» دائماً. بين المُثُل التي تقترحها غاياتها والواقع الوحشي الذي يفرضه النظام تكابد الثورة سلسلة من الخيارات المريرة، ولا يتاح لها أحياناً سوى انتقاء الأقل سوءاً. لا مكان هنا للمثالية التي لا تعني إلا التضحية بواقع الثورة كُرمى لنموذج لم يتحقق مطلقاً في مثل هذه الظروف، فضلاً عن أن المثالية في أعمّ حالتنا لا تعدو كونها ضرباً من ضروب التربية التوتاليتارية التي، بتعـــبير حنة أرندت، تقوم على اصطناع «إنسان الوحشة»، ذلك المنفصل عن الواقع ويصر طوال الوقت على قسره على صورة مثاله. أليست هذه أيضاً حال النظام؟

على صعيد متصل؛ سيكون من دواعي اليأس الشديد أن تُقاس الثورة بجدواها القريبة، إذ بات مؤكداً أنها لن تُختتم إلا بدمار شامل للبلد، فالنظام يمضي حثيثاً في تدمير الماضي والمستقبل. إننا أمام جريمة ممنهجة تطاول كلّ ما أنجزه السوريون قبل عقود طويلة من حكم البعث، فالدمار طاولهم فعلاً في عمرانهم واجتماعهم، ومؤسساتهم العامة التي أنجزوا الحد الأدنى منها على رغم فساد النظام. باختصار لن يكون من خيار فعلي للثورة سوى أن تعلن انتصارها فوق الأطلال، أما الأحلام الوردية التي راودت السوريين قبل سنة ونصف فعليها أن تنتظر طويلاً، ومن ذلك أن تقبع طويلاً للتسول أمام مؤتمرات الدول المانحة فيما بعد. في الواقع لا يوجد ما يفوق قتامة هذا المستقبل سوى تخيله مقروناً ببقاء هذا النظام الوحشي الفاسد؛ وحده هذا الخاطر كفيل بوضع الثورة في مقام الضرورة مهما كان حجم الدمار الإضافي المتوقع قبل سقوطه.

خلال سنة ونصف السنة نجح النظام في الدفع إلى مستويات أدنى من الطموحات، ونجح أحياناً في الدفع إلى عتبات اليأس وهذا ما يبتغيه أصلاً. إلا أن اليأس من الثورة ينبغي ألا يغيّب دوافعه الخارجة عنها، تلك العوامل التي تتعلق أساساً بالنظام ويتم ترحيلها إلى الثورة نتيجة للعجز أمامه، بل يبلغ الأمر أحياناً حد التعويض النفسي عن العجز بالانتقام من الثورة وتضخيم الظواهر السلبية فيه، وبحيث تغدو كأنها هي السبب وراء المصائب التي تلم بالسوريين. لم يعد ثمة فسحة كبيرة للأمل في سورية؛ هذا صحيح، وما يصحّ أكثر منه أن اليأس صناعة متجددة للنظام، ما يُبقي على التفاؤل في مقام الضرورة، وبشرط التنازل عن الكثير من الأوهام.

* كاتب سوري

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com