العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30/6/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مهمة عاجلة وضرورية

محمد أبو رمان

الغد الاردنية

الجمعة 28-6-2013

بالرغم من عدم عدالة الصراع بين الثورة السورية المسلّحة وبين قوات النظام ومعها ميليشيات حزب الله؛ لا من حيث الإمكانات ولا العدة والعدد، إلاّ أنّ ما تكشفه حوارات مسجّلة لثوّار شاركوا في معركة القصير، تؤكّد أنّ سقوط المدينة كان أيضا بسبب خلافات واختلالات جوهرية في رحم الفصائل المسلّحة نفسها.

تؤكّد هذه النتيجة التصريحات المهمة والجريئة التي يقدّمها العقيد عبدالجبار العكيدي، أحد أبرز قادة الجيش الحرّ، لإذاعة محليّة، ويتحدّث فيها بمرارة عن معركة القصير وما حدث فيها، وحجم سوء التخطيط داخل فصائل المقاومة نفسها. يضاف إلى ذلك تفاوت هذه الفصائل في القدرات والتوجهات، و"الشكوك" المتبادلة فيما بينها.

ربما ينظر البعض إلى هذا الموقف بوصفه يخدم النظام السوري، الذي تقوم دعايته السياسية على الإساءة للثورة، وبث الفرقة والاختلافات في صفوفها. لكن الوجه الآخر الذي علينا اليوم الاعتراف به، هو أنّ الخلط وعدم التمييز داخل صفوف الثوّار أنفسهم يضرّان الثورة أكثر من أي شيء آخر، وهما أخطر عليها من النظام نفسه.

ما يفوت فريق المتحمّسين للثورة السورية اليوم أنّها ليست ملائكية، ولا خالية من الأخطاء، بل فيها دَخَنٌ كبير، ويختلط الحابل بالنابل؛ ليذهب الصالح في عرى الطالح. فالثورة حركة شعبية تلقائية، دخل فيها عدد كبير جداً من المواطنين والقادمين من الخارج، ورفعوا السلاح ردّاً على استعصاء الحل السلمي الحضاري الذي قُدّم في البداية، ما دفع بأعداد كبيرة غير مؤهلة في كفاءتها وإعدادها لمثل هذه المواجهة.

يعزّز من هذا الالتباس دخول القوى الدولية والإقليمية على الخط، ونشوب حالة من الفوضى في أغلب المناطق، خلق مجموعات كبيرة تتدثّر بعباءة الثورة، وهي ليست بالضرورة متفقة مع أهدافها الأصيلة النبيلة، ولا تلتزم بالقيم السامقة لها!

الآن، الثورة السورية على مفترق طرق خطر جداً؛ فإمّا بالفعل أن تذهب نحو طريق خاطئة وكارثية، يصعب بعدها ترتيب البيت الداخلي وفرز الصف للتخلّص من الأمراض القاتلة، أو أنّها تستفيد من درس القصير ومما يحدث من اختلالات فجّة في العديد من المناطق، فتتفق القوى الرئيسة التي تلتزم بهذا الخط النقي الصحيح، منذ البداية، على توحيد المرجعية القيادية والسياسية، والتنسيق بدرجة أكبر فيما بينها، وترتيب البيت الداخلي.

ذلك يقتضي أن تضع الفصائل المسلّحة المعتبرة مع قيادة الأركان ميثاق شرف يُلزَم به الجميع؛ يستند إلى المعايير القانونية والإنسانية وقيم الثورة نفسها، ويحدّد ما هو مقبول وغير مقبول في العمل المسلّح، ويمنع الاختلالات والانحرافات، ويعزل من يقومون بها عن المسار الثوري. وإن لم يتمكنوا من تحقيق ذلك على أرض الواقع، نتيجة الشروط الراهنة، فليكن عزلاً سياسياً وأدبياً وإعلامياً حتى لا يحسب هذا العمل والسلوك على الثوّار!

لا يعني توحيد المرجعية والتنسيق إنهاء الاختلافات الأيديولوجية والفكرية بين الفصائل المسلّحة، فذلك أمر غير واقعي على الإطلاق، وليس مطلوباً. وإنما المقصود الالتزام بالحدّ المعقول من الأخلاق والأهداف التي قامت الثورة من أجل تحقيقها، وفي مقدّمة ذلك حماية المدنيين، واحترام حقوق الإنسان، ورفض صبغ المعركة بالطائفية، عبر خطاب واضح وصريح بشأن ذلك. ثم بعد التحرّر من هذا النظام المستبد، يُترك للشعب أن يختار بنفسه نظامه السياسي الذي يحقّق الأهداف الأصيلة للثورة منذ البداية!

أمّا استمرار الصمت على ما يحدث، وتمادي حالة الانحراف نحو مسار أخطر، فذلك سيضرب صورة الثورة والثوّار، حتى داخل الشارع السوري الذي دفع كلفة إنسانية باهظة جداً، ليرتقي بحياته ويتخلص من ربق الاستبداد، لا ليقع في حالة أسوأ من الوضع السابق!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لمن تتركون سوريا؟

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 28-6-2013

السؤال موجه للعرب الذين يدركون أهمية سوريا موقعاً وتاريخاً وعمقاً واتساعاً ومكانة ورمزاً، وهم يرونها تحتضر، وقد باتت مستباحة ينهش في جسدها الطامعون، ويحلم بتقاسمها أصحاب النفوذ، بينما أهلها العرب يكتفون بالتعاطف والدعاء، والخيرون منهم لا يجدون من إخوانهم الآخرين عوناً يمكنهم من التصدي لمن يريد بهم وبسوريا شراً مستطيراً سيطال الأمة كلها.

والعجب أن تبدو جامعة الدول العربية أشد ضعفاً مما كانت عليه قبل ظهور «الربيع العربي» الذي سرعان ما تحول إلى شتاء مكفهر تثور فيه عواصف هوجاء تكاد تقتلع جذور الحياة قبل أن تقتلع الآمال التي حلم بها الثائرون، وهم يتطلعون إلى إشراقة وعد بالحرية والكرامة، وإلى خلاص من الفساد الذي نخر عظام الأمة وأوهن ما كان فيها من قوى.

لقد كان تدويل القضية السورية تعبيراً عن عجز عربي مفجع، جعل قلب الأمة بيد الغرباء، يعبثون به، ويكبتون ما تبقى فيه من نبض حياة. والعجب ألا يدرك بعض القادة العرب أن سقوط سوريا سيعني سقوط العرب، ولاسيما بعد أن ضاع العراق كما ضاعت من قبل فلسطين، فوصل الحال بالنظام العربي إلى هوة سحيقة من الضعف والهوان.

ويبدو مثيراً أن تهمل الأمة ما تمتلك من مَواطن قوة كبرى بوسعها أن تعيد لها اعتبارها على رغم كل ما يحيط بها من تهديد، فماذا لو أن وفداً رفيع الشأن يضم كل العرب يمضي إلى طهران ليناقش موقفها من الشأن السوري، ويعلن أن العلاقات العربية الإيرانية كلها ستكون موضع نقاش إن لم تتوقف إيران عن حربها ضد الشعب السوري وإن لم تأمر «حزب الله» بالانسحاب الفوري من الأراضي السورية؟

وماذا لو أن الوفد ذاته مضى إلى روسيا ليعلن أنه رافض لتدخلها في الشأن السوري، وأن حضورها العسكري في الصراع السوري هو المسؤول عن سفك الدماء، وأن إعاقتها لقرارات مجلس الأمن تسببت بتشريد ثمانية ملايين من الأبرياء السوريين الذين دخلوا في التيه والشتات وقد دمرت بيوتهم، فضلاً عن مقتل واعتقال وفقدان مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري، وأن استمرار الموقف الروسي العابث بدماء السوريين يدعو العرب جميعاً إلى اعتبار روسيا عدواً لهم، وإلى إنهاء كل أشكال التعاون مع روسيا؟

وماذا لو اتخذ العرب الموقف ذاته من الصين، فقاطعوا بضائعها وقطعوا علاقاتهم معها إن لم تشعر بأن موقفها يدفع إلى مزيد من القتل في سوريا؟

وحين ينهض العرب بهذا الدور لن يحتاج السوريون لدعم من أوروبا أو أميركا، وسيجد الجميع الحل داخل البيت العربي، وما دام الحل المنشود سياسياً، فإن ما يمكن أن يسفر عنه مؤتمر جنيف المرتقب، لا يحتاج إلى تدخل الأمم، ويخطئ من يظن أن العرب عاجزون عن فعل ذلك، فالعجز الظاهر مرتبط بالإرادة وليس بمكامن القوة.

لقد بدت أوروبا في كثير من مراحل الصراع في سوريا أشد اهتماماً بالقضية السورية من بعض الدول العربية، وحين وجد الأوروبيون أن العرب لا يولون القضية جل اهتمامهم فترت همتهم، وهم لم يجدوا قط ضغطاً عربياً لإيجاد حل سريع، ويبدو أن شحنات الإغاثة قد أغاثت المواقف المضطربة وخففت من الشعور بالإثم، لكنها مجرد مسكنات تخفف الإحساس بالألم أحياناً، لكنها لا تعالج المرض المستفحل.

وأجزم بأن الأمة إن اتخذت مواقف صارمة وحاسمة من تدخل إيران وروسيا فإن هذه الدول ستعيد حساباتها، وستدرك أن سورية ليست جذعاً مقطوعاً من شجرة مرمية في شارع مهجور من العالم، بوسع الطامعين أن يقطعوا أوصالها كما يشاؤون، بل سيدركون أن سوريا هي جذع السرحة الوارفة المسماة أمة عربية، وأن وراءها أشقاء أقوياء يفزعون لها وينصرونها، ويدركون أن مصابها هو مصابهم جميعاً.

لا أطلب في هذا من أشقائنا العرب جيوشاً ولا أسلحة، فأنا شخصياً ضد العنف وضد القتل، وقد أعلنت من البداية موقفي الرافض لما يسمونه الحل العسكري لأني كنت أدرك أنه سيوصل البلاد إلى الدمار، إنما أطلب من العرب أن يقفوا موقفاً سياسياً قوياً أمام العالم، فيكفوا أيادي الآخرين من فرس وروس يعبثون بمصير خمسة وعشرين مليون إنسان سوري، وبمقدرات بلد عربي هو البوابة على الشرق والغرب، وهو القلب الحي النابض في جوف كل عربي مخلص لأمته.

والخطر الراهن اليوم هو تحول تلك المظاهرات الاحتجاجية السلمية التي بدأت مطالبة بالحرية والكرامة (وكان بالإمكان تلبيتها ببساطة وحكمة) إلى صراع طائفي محتدم بين السنة والشيعة، وهو خطر يهدد الأمة كلها، وتريد إيران منه عبر تدخل «حزب الله» وفصائل من جيوشها بشكل علني أن تستغل الضعف العربي لتمزيق المجتمعات العربية، وقد بدأت ملامح ذلك في جرائم ترتكب في بعض المدن العربية لتحريض الغوغاء وإثارة الحمقى لإشعال الفتن، وكان هدف رايات الحسين التي يرفعها المحاربون الباحثون عن ثأر للحسين في سوريا هو إثارة الفتنة الطائفية، وتحويل الصراع في سوريا من صراع سياسي إلى صراع ديني مذهبي.

والخطر الثاني هو اختلاط الحابل بالنابل في سوريا، فتحت مسميات الثورة وكتائبها وفصائلها يسهل أن تدخل تنظيمات إرهابية، وأن تجعل في سوريا قواعد لها، فتعمّي على أهداف الثورة الوطنية الشعبية، وترتكب جرائم وفظائع باسمها، لتشويه صورة الثورة والثوار، ولإثبات أنهم مجرمون وأشرار.

وربما اتهمني كثير من القراء بأني واهم حين أحسن الظن بالأمة العربية، وسيقول قائل «لا حياة لمن تنادي»، لكنني واثق من أن الأمة حية، وأن لديها من القوى ما يجعلها قادرة على فرض شروطها. ولكن من سوء حظ السوريين أن تغيب مصر وتغرق في حمى صراعات السلطة والمعارضة، وأن تنشغل ليبيا وتونس واليمن بتداعيات النقاهة بعد ثوراتها، وأن تخضع الحكومة العراقية لسياسة إيران، وأن يصير لبنان والأردن مهددين حذرين من لهيب النيران، وأن يغلب قرار السلطة رأي الشعب في الجزائر، وأن يكون المغرب بعيداً عن الحدث على رغم تعاطف شعبه مع قضية السوريين. ولم يبق في ساحة القرار غير دول الخليج العربي والسعودية. ويزداد الحظ سوءاً بانشغال تركيا الصديقة بما جدّ فيها من احتجاجات، ويجد الفرس والروس فرصة تاريخية لتقاسم النفوذ في أهم موقع على شرفة المتوسط، ويبتهج الإسرائيليون لأن ما يحدث من دمار لسوريا يفوق ما كانوا لا يجرؤون حتى على أن يحلموا به.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في السابع والعشرين من حزيران .. إنهم يهتفون :الله أكبر هل تسمعونهم ؟!

27.06.2013

زهير سالم

يقولون يوم للذكرى . والسابع والعشرون من حزيران / 1980 ليس ذكرى . إنه مشهد حي حاضر ...  بأحلام أبنائه في سجن تدمر بآمالهم بآلامهم بصيحاتهم بشلال دمائهم بصيحات الله أكبر تنطلق من قلوبهم وترددها حناجرهم ..

 

إنه مشهد حاضر بمجرميه ...  بقلوبهم السوداء ، بعقولهم المنغلقة بوجوههم الشائهة بأيديهم الآثمة ، بضحكاتهم المتوحشة تؤكد انتماءهم إلى حالة من الهستيريا المنفلتة من مختبرات الحقد والكراهية والغدر .

 

المشهد حاضر بأوامر المجرم المأفون وبهدير طائراته وبأزيز رصاصه وبوقع بساطير جنوده المتوحشة على أرض الشام الطهور ..

 

المشهد حي وحاضر والصور تموج أمام الأبصار والأصوات تملأ الأذان والقلوب يملؤها تأميل وإشفاق وعزيمة وإصرار أن بعد اليوم غدا هو لناظره قريب .

 

المشهد حي وتحط  طائرات الجريمة والإثم عند الفجر . ويخترق الرصاص اللحم الحي ، ينفذ إلى الرؤوس حيث العلم والمعرفة وإلى القلوب حيث الحلم والحب . ينطلق الرصاص ويضحك المجرمون ويصبغ الدم الزكي جبهة الأفق . ويهتف قلب مؤمن واثق بالله : الله أكبر. . الله أكبر وتعلق الصورة في الفضاء . ثلاث وثلاثون سنة مرت والصورة ما تزال هناك . ما تزال بدمائها وأصواتها تأخذ على أبناء سورية سجف الرؤية فلا يرون إلا صورة اللحم والحلم قد اختلطا بعضهم ببعض لام وحاء وميم ، وحاء ولام وميم فهل تجد هناك من فرق  ..؟!

 

 صلوا الفجر وجلسوا يحلمون بعود حميد إلى الأهل والدار فهم لم يجنوا إثما ، ولم يرتكبوا جريمة ، ولم يقدموا لأوطانهم إلا جميلا كان من حقهم أن يحلموا بجناه ..

 

 ( حسان ) في تلك الزاوية يحلم أنه قد عاد إلى البيت الأم تحتضنه عن اليمين ، والزوجة تحف به عن الشمال ، والطفل بين يديه ينادي با.. وتقطع الباءَ الثانية عن حلمه رصاصة مجرم غادر فيختلط الحلم باللحم بالدم ، وتُسقى شجرة الحب في السماء ، وتغرز شجرة الكراهية مخالبها في الأرض أكثر .

 

و (عثمان ) يدندن بلحن قصيدة يعارض فيها من قال قبله :

 فأطلق لروحك أشواقها تر الفجر يرمقنا من بعيد ..

 

 يرى الفجر قريبا فيمد يده يداعب غرته الشقراء يستمتع بأفراح الروح في عوالمها الفريدة ، وفي مدار من مدارات معراجه السامي تعالج الحلم رصاصة الإثم فترديه ، ويتضرج بالدم يروي هو الآخر شجرة الكلمة الطيبة مكتوب على كل ورقة من أوراقها : الإثم لا يبلى ، والجرم لا ينسى ، والديان لا يموت ، وكما تدين تدان ..

 

آمال وأحلام وأرواح وألف قلب ينبض بالحب هم هناك مازالوا هناك وسيظلون هناك إنهم :  عمر وعثمان مصطفى وكمال محمد وإبراهيم ، ستظل أصواتهم  تنادي على المجرمين أسكرهم خمر السلطة:

يا أيهـا الجاني على قومه      جناية ليس لهـا بالمطيـق

جناية لـم يدر  ما كنههـا      جان ولم يصبح لها بالخليق

جناية الأجيال لو دروا ولو عقلوا ولو تدبروا ليست كجناية الأفراد . والجيل يطوي الجيل

 

السابع والعشرون من حزيران وستبقى الصورة بكل معطياتها،وبكل تفاصيلها، بكل ما كان فيها من مرئي ومسموع ومحسوس ومتخيل ومتصور عالقة في الأفق ، ما تزال تسد مدى الرؤية فلا يرى سوري حر شريف الغد إلا من خلالها ، ولا يسمع الشعر إلا على وقع ألحانها ..

 

تدمر .. وحماة .. وكم من تدمر وحماة بعد تدمر وحماة قد شهدنا وما زلنا نشهد ..

 

ما زالت أصوات الشهداء عالقة تجددها اليوم حنجرة إبراهيم قاشوش وغياث مطر وتطرزها بسمة حمزة الخطيب وثامر الشرعي ومائة ألف قلب خفق للحب وللعدل وللحياة كلها تنادي اليوم على المجرم الأثيم : أزفت الآزفة ... 

 

في السابع والعشرين من حزيران الثالث والثلاثين : عهد من جيل الثورة ، وحُق للثورة في السورية أن تبقى حالة ، وبكل الثقة والعزم :  لا والذي اصطفاكم فاتخذكم شهداء لن ننساكم وإنها لثورة حتى لا يبقى للشر على الأرض السورية ساق ولا جذر ..

 

عهدا للأرواح التي وفت وقضت فمضت صبر وثبات ووفاء حتى يأتي وعد الله أو نستعيد الحلم الذي مزقه رصاص الكفرة الفجرة : نستعيد الشام لأهله وطنا عزيزا سيدا واحة للعدل والحرية وللأمن وللأمان ..

لندن : 18 / شعبان / 1434

27 / حزيران / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تسليح المعارضة السورية... أهداف ومحاذير

جيفري كمب

الاتحاد

الجمعة 28-6-2013

ما لم يتم اتخاذ خطوات عاجلة لإيقاف الحرب الأهلية في سوريا، فسوف يلقى آلاف المدنيين الإضافيين مصرعهم، ويخرج جيش الأسد والقوى المؤيدة له، بما في ذلك «حزب الله» وإيران، وقد دانت لهم الغلبة، على الأرجح. ليس من الواضح بعد، ما إذا كان تدفق كميات جديدة من الأسلحة على المعارضة السورية المسلحة سيساعد على احتواء هجوم القوات الموالية للنظام على المدن الرئيسية مثل حلب أم لا؛ لكن مما لا شك فيه أن إجراء حوار جاد حول نوعيات الأسلحة التي يتعين إرسالها لمجموعات المعارضة المسلحة المختلفة قد تأخّر طويلاً. وإعلان إدارة أوباما أنها، وبعد الكثير من التريث، ومراجعة النفس، سوف توافق الآن على تزويد القوات المناوئة للأسد، بأنواع معينة من الأسلحة، حفّز على ما يبدو دولًا ومجموعات أخرى، على زيادة مشاركاتها في دعم المعارضة السورية المسلحة.

والمعضلة التي تواجه هذه الدول الداعمة للمعارضة، سواء في الإقليم أو خارجه، هي أن المجموعات الأكثر قدرةً منها على محاربة قوات الأسد، ترتبط بالعناصر الأكثر تطرفاً في المعارضة، بما في ذلك تنظيم «القاعدة» على سبيل المثال لا الحصر. والخوف هو من احتمال وقوع الأسلحة، التي يمكن أن يكون لها تأثير فوري في ساحة المعركة، كصواريخ أرض- جو المضادة للطائرات التي تطلق من الكتف، في أيدي «القاعدة» في نهاية المطاف، ليتم استخدامها بعد ذلك ضد صناعة الطيران المدني العالمي، بما ينطوي عليه ذلك من أخطار جسيمة.

ومن هنا نجد أن ثمة مناقشات مكثفة تجري في الوقت الراهن، في محاولة للاتفاق على أصناف الأسلحة التي يمكن أن تكون فعّالة ضد نظام الأسد، ولكنها ذات درجة خطورة أقلّ إذا ما وقعت في الأيدي الخطأ، مقارنة بتلك النوعية من الصواريخ المضادة للطائرات المشار إليها.

وإدارة أوباما نفسها في حيرة من أمرها في الوقت الحالي بشأن ما يتعين عليها عمله. فالمقربون من دوائر صنع القرار في الإدارة يزعمون أن أوباما نفسه يفضل إبقاء الأميركيين خارج دائرة الصراع المندلع في سوريا، بناءً على الدروس المستفادة من تجربة الانخراط العسكري للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا والتي تعرضت فيها لخسائر فادحة في الرجال والمال من دون أن تنجح في تحقيق الأغراض التي كانت قد تدخلت من أجلها في بادئ الأمر. فالعراق يعاني حالياً من الفوضى العارمة، ويشهد موجة لا تتوقف من التفجيرات، وربما يكون على حافة الانزلاق لحرب أهلية جديدة على غرار تلك التي اندلعت خلال عامي 2006 و2007. وفي أفغانستان لا توجد لدى قوات «الناتو» وحكومة كرزاي خطة مشتركة لترتيب خروج آمن للجيوش الأجنبية منها العام المقبل. وفي ليبيا تواجه تجربة الولايات المتحدة القدر نفسه من الالتباس. فمع أن القوات العربية والغربية تمكنت من إلحاق الهزيمة بالقذافي، من دون حاجة لوضع جنود على الأرض، إلا أن ليبيا تبقى مع ذلك دولة خطرة وغير مستقرة حيث تتصارع فيها حالياً مجموعات مختلفة من أجل السيطرة على المدن الكبرى، وعلى وجه الخصوص بنغازي التي شهدت اضطرابات عديدة في الفترة الأخيرة.

وبمعنى آخر، فإن أوباما ينظر إلى سجل التدخلات الأميركية العسكرية السابقة، ويسأل نفسه: ما الفارق الذي سيحدثه انخراط أميركي جديد في سوريا، في المدى البعيد، حتى لو أُطيح بنظام الأسد أو أجبر على الدخول في تسوية مع المعارضة؟ كما أنه يواجه في الوقت الراهن ضغوطاً شديدة لأظهار المزيد من الصلابة في تعاطيه مع المسألة السورية، سواء من جانب الصقور الليبراليين في حزبه، أو المحافظين الجدد، وغيرهم من الصقور في الحزب الجمهوري كالسيناتور «جون ماكين» على سبيل المثال لا الحصر، بل ومن بعض شركائه الأوروبيين بمن فيهم، وهو ما يثير الدهشة حقاً- الرئيس الفرنسي أولاند.

إذا ما أخذنا في الاعتبار هذا الضغط، وادعاء أوباما أن الأسد قد استخدم أسلحة كيماوية ضد شعبه، فإن الاحتمال الأرجح هو أن الأسلحة الأميركية ستبدأ في الظهور في أيدي مقاتلي المعارضة المسلحة قريباً. وفي بداية الأمر سوف يشمل ذلك الأسلحة الصغيرة، ومدافع الهاون، وأدوات الاتصال والسلامة الشخصية. أما الصواريخ المضادة للدبابات، والمدافع الرشاشة الثقيلة، والمدفعية الخفيفة المضادة للطائرات، فيمكن إدراجها في القائمة تمهيداً لإرسالها في مرحلة تالية. والمدافع المضادة للدبابات على وجه الخصوص، يمكن أن تكون ذات فعالية كبيرة في مواجهة قوات الأسد البرية أثناء محاولاتها استرداد السيطرة الكاملة على المدن الكبرى، مثل حلب ودمشق.

وإذ ما افترضنا أن عملية التزويد بتلك الأسلحة قد جرى تنسيقها بشكل دقيق مع دول أخرى، وأن هناك تأكيداً على أنها ستعمل بكفاءة وفعالية، فإن النتيجة التي ستتمخض عن ذلك هي أنها ستؤدي لإبطاء المكاسب التي حققتها قوات الأسد، واستعادة نوع من التكافؤ على الأرض، تمهيداً لاستخدامها فيما بعد في عملية جدية لاستنزاف القوات النظامية. وأي خطوات يتم اتخذاها لإلحاق خسائر كبيرة بالقوات الموالية للأسد، بما في ذلك «حزب الله»، سوف تؤدي على الأرجح لتكثيف النقاش الدائر داخل المجتمع السياسي الشيعي اللبناني، حول حكمة انخراط الحزب في مغامرات خارجية.

ليس هناك من يعتقد في النقطة الحالية من الزمن أن تلك الأسلحة سوف تضمن النصر لقوات المعارضة، لكنها يمكن أن تؤدي لتجنب تعرض المعارضة المسلحة لهزيمة كبيرة، سوف تكون ذات أصداء بالغة الخطورة في مختلف أنحاء المنطقة، كما ستؤدي لتعزيز قوة ونفوذ إيران، في منطقة الشام والخليج، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات لا يمكن حسابها بدقة في الوقت الراهن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تسليح على الجانبين: نهاية مؤجلة للصراع

عبدالوهاب بدرخان *

الحياة

الخميس 27/6/2013

في بداية الثورة ومع اشتداد العنف من جانب النظام، كان مَن يعرفون تاريخه يعتقدون بل يتوقعون أنه لن يتأخر في طرح تسوية داخلية إن لم يكن لإجهاض الحراك الشعبي فأقلّه للحفاظ على الحكم والسلطة، وكانوا يقولون إنه انحنى سابقاً للأعداء والخصوم ومنهم اسرائيل وتركيا العسكر والولايات المتحدة وسعى الى تسويات معهم فلا شك أنه سيتصرّف إزاء الأزمة بالاسلوب نفسه، خصوصاً أن لديه الكثير مما يتنازل عنه لأن بقاءه أهمّ عنده من أن يخوض حرباً ضد الشعب لا بدّ من أن يخسرها في نهاية المطاف. لكنه لم يفعل، ومرّت فترات كان الغرب يناشده فيها أن يعود الى رشده ويجنح الى التصالح، بل كان يصف له خريطة الطريق ويرشده اليه على نحو كان يثير قلق المعارضين الذين أدركوا أنه اذا أخذ بالنصائح فسيكتب عمراً جديداً لحكمه حتى لو تخلّى لهم عن بعض المواقع الهامشية. لكنه لم يفعل، واعتبرها من اللحظة الأولى معركة وجود.

بعد مرور عام ونيّف كان هناك من يعتقد أن ايران، التي تدعم النظام وتستجلب العون من مصادر اخرى مثل العراق، هي التي ستُعمل براغماتيتها وواقعيتها وتتوصل الى ترشيد تهوّره، طالما أنها أخفقت في استخدام مفاوضاتها النووية لإنقاذه، لكنها تعرف أن ثمة مؤشرات مواتية يمكن استغلالها مع روسيا وبعض الدول الغربية غير المتحمسة لإسقاطه من أجل تسوية لا تخلو من المعقولية. لكن ايران لم تفعل، بل على العكس سارت في ركاب خططه وزادت عليها التصميم على دحر «المؤامرة على محور المقاومة»، وها هي باتت تنافسه في التعصّب وفي السعي الى «إشعال المنطقة» وفي تأجيج الاحتقان الطائفي والمذهبي حتى لو أدّى ذلك الى تحطيم سمعة «حزب الله» وجعله مجرد ميليشيا مسلحة تلوّثت بندقيتها بدماء الشعبين السوري واللبناني.

حتى أسابيع قليلة مضت كان هناك أيضاً من يعتقد أن اشارة التغيير ستأتي من روسيا، فهي دولة كبرى وعليها من المسؤوليات ما يلزمها بوقف اراقة الدماء، ولديها من المعطيات ما يوضح أن كل «التدخلات» الخارجية التي يُحكى - وهي تحكي بدورها - عنها لا تعدو الاستغلال العشوائي للأزمة، اذ لم يتعرض النظام في أي مرحلة لتهديد حقيقي مباشر لإسقاطه، ثم إن الاتصالات التي لم تنقطع مع الاميركيين أفهمت الروس أن الغرب لن يتدخل وأن الهدف الثابت لإدارة باراك اوباما كان ولا يزال ايجاد حل سياسي. لكن روسيا لم تلعب اللعبة، لأن في اطالة الصراع مصلحة مباشرة لها طالما أن النظام صامد، وفيها أيضاً إرباك يشعر الغرب بأنه في صدد خسارة مكانة ومواقع له في المنطقة. وها هي روسيا تسعى الى مصالحها كدولة كبرى، لكنها تهبط بسياستها الى مستوى الدول المارقة ولا تتردد في استنساخ العقلية السياسية للنظامين السوري والايراني لتدير بها الأزمة على طريقتها.

وهكذا فإن هذا الرمق من الاتزان والتعقّل والواقعية الذي توقعه الباحثون عن «حل سياسي» لم يتوافر في أي مرحلة، لا عند النظام ولا عند أي من حليفيه الأساسيين، بل اتخذ التطرّف عند كل منهم منحىً تصاعدياً. واذا كان هناك انطباع خرج به الرؤساء السبعة من أداء زميلهم الروسي، في قمة الدول الثماني، فلا بدّ من أنهم تأكدوا أن «جنيف 2» و «الحل السياسي» هما عنده مجرد وسيلة للاستمرار في الحرب. فهو «شريكـ»هم ضد «الارهابيين»، لكنه يستخدمهم ضدّهم. وهو شريكهم في تصوّر نهاية سياسية للأزمة لكنه شريك النظامين السوري والايراني في إبعاد هذه النهاية أو تطويعها عسكرياً لمصلحته مع حليفيه. وهو «شريكـ»هم في الحديث عن استقرار المنطقة عموماً، لكنه شريك حليفيه في جعل المنطقة مصيدة للغربيين ومشروع هزيمة جديدة لحلفائهم العرب في شكل خاص. وهو «شريكـ»هم في رفض انزلاق الصراعات في سورية وحولها الى الدرك الطائفي - المذهبي، لكنه أيضاً شريك وحليف من يزكي نار الحروب الدينية. وهو شريكهم في ضمان أمن اسرائيل ومصالحها، ويُفترض أن اسرائيل شريكتهم أيضاً في ما أعلنوا أنهم يريدونه لسورية والسوريين، لكن أهداف روسيا وإسرائيل تلتقي أكثر حالياً مع أهداف النظامين السوري والايراني.

بعد قرار تسليح المعارضة، من المؤكد أن روسيا وإيران تتهيّآن لمستوى تسليحي أعلى للنظام منعاً لأي توازن ميداني. اذ أصبحت لعبة الحرب بالواسطة مكشوفة على نحو مروّع، لأن المساعي السياسية بما فيها الاتصالات الاميركية - الروسية باتت أكثر إيحاءً بأنها تتم على خلفية خلاف ولا تنطلق من اتفاق صلب كما أشاع الطرفان في بداية أيار (مايو) الماضي. مرةً اخرى اين الخطأ، بالأحرى أين الخلل؟ وهل يتعلّق فقط بالشأن السوري أم بأهداف اخرى تحاول روسيا تحقيقها من خلال سورية؟ يُفترض أن الاميركيين فهموا أن «شريكـ»هم الروسي ليس معنياً بـ «جنيف 2» إلا اذا كان سيكرّس بقاء النظام بشكل أو بآخر... وفيما حذّر بوتين من «الفراغ» الذي يمكن أن يتركه تنحّي بشار الاسد، تولى وزير خارجية النظام وليد المعلم اعلان مفهوم الأسد للحل: «نحن ذاهبون الى جنيف من أجل شراكة حقيقية وحكومة وحدة وطنية واسعة تضم جميع أطياف الشعب السوري»، أي أن المطروح توسيع الحكومة الحالية التابعة للأسد وأجهزته الأمنية، وهو ما كان عرضه قبل معركة القصير وأيام كان هناك «توازن» على الأرض. أما الإصرار عليه الآن فيبدو إحباطاً لمساعي جنيف واستعداداً للذهاب الى جولة دموية ضارية. متى تقرر مجموعة «أصدقاء سورية» أن التوازن عاد، اذا أُفشل أي هجوم على حلب وحمص، أم اذا سيطر «الجيش الحر» على مواقع جديدة وأوقف عمليات النظام في ريف دمشق واستعاد محاصرة العاصمة؟ وعندئذ ماذا سيحصل، هل سيكون الاسد أكثر استعداداً للتنحي؟ هذا يتطلّب أكثر من مجرد تجهيز المعارضة لتصمد في مواقعها في انتظار «جنيف 2».

أصبح واضحاً أن النظام وروسيا وإيران راهنت وتراهن على أن «الطرف الآخر» بجناحيه المحلي والدولي عاجز عن تغيير المعادلة وعن ترشيد أدائه وتوكيد تماسكه، وأنه لم تكن ولن تكون له رؤية لتنفيذ أهدافه. فالنظام وحليفاه لديهم خطة للقتل والتدمير الى ما لا نهاية من أجل «الانتصار» على الشعب السوري، وقد توقفوا منذ زمن عن عدّ الضحايا، وأعطوا مثالاً غير مسبوق لما يمكن أن تكون عليه دولة منبثقة من الارهاب. ولا شك في أن المسؤولية الحاسمة باتت ملقاة على عاتق المعارضة أكثر من أي يوم مضى، وعليها أن تستكمل جاهزيتها للتفاوض اذا آن أوانه أو لاستثمار أي تحسن لوضع عسكرييها في الداخل. وقد عوّل الداعمون طويلاً عليها لتصنع كياناً يمكن الاعتماد عليه، صحيح أن تدخلاتهم لم تساعدها دائماً لكن الصحيح أيضاً أنها لم تتمكّن من التغلّب على انقساماتها وطموحات أفرادها وصراعاتهم اللانهائية، حتى كأنهم وطّنوا أنفسهم على إبقاء شعبهم مشرداً ومشتتاً كما لو أن تضحياته الكبيرة لم تكف هذه المعارضة لتكون صوتاً واحداً. فهذا الرفض التلقائي لكل شخص قادر على اشاعة شيء من الثقة والصدقية، والتهافت على تحطيمه، لا يحول دون بناء كيان فاعل للمعارضة فحـسـب، بل يـشي بأنها لن تـتمـكن من بـناء أي بـديل للنـظـام وهـذا في حد ذاته يـخدم النظام الحالي من حيـث يـراد تغييره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا انقلاب على بشار الأسد قبل القناعة بسقوطه «لا محالة»

صالح القلاب

الشرق الاوسط

الخميس 27/6/2013

حسب «التايمز» اللندنية، في عدد سابق، فإن «الغرب»، ومن ضمنه الولايات المتحدة، قد تبنى خطة، يبدو أنها لم تعد سرية، لتشجيع كبار الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري بشار الأسد على الانشقاق والانقلاب على رئيسهم ليلعبوا دورا في بناء سوريا الجديدة. وعلى ذمة هذه الصحيفة العريقة والمعروفة باتزانها، فإن قادة «مجموعة الثماني» قد وعدوا كبار الجنرالات والشخصيات البارزة في أجهزة الأمن والقوات المسلحة السورية بأنهم سيحصلون على ضمانات كافية، إنْ هم قاموا بمثل هذه الخطوة الانقلابية.

ومما يؤكد جدية هذه المبادرة، التي بقيت مجرد خبر مثير في هذه الصحيفة البريطانية الوقورة ولم يجرِ التطرق إليها في أي وسيلة إعلامية أخرى، أن «التايمز» نفسها قد نسبت إلى رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، أنه قال إن قادة «مجموعة الثماني» قد اتفقوا خلال قمتهم الأخيرة في آيرلندا الشمالية على إقناع كبار المسؤولين السوريين الموالين للرئيس السوري، الذين باتوا يدركون أن بشار الأسد زائل لا محالة، بضرورة الانقلاب عليه كي لا تسقط سوريا في مستنقع الفوضى الذي سقط فيه العراق.

وحقيقة، إن هذا يدل، إن صحت هذه المعلومات، على أن هذه الدول الثماني، التي غير معروف ما إذا كانت روسيا من بينها أم لا.. والمؤكد أنها ليست من بينها وأن العدد يقتصر على سبع دول فقط، على أنه لم يعد هناك أي أمل بانعقاد مؤتمر «جنيف 2» وأي أمل بتحقيقه أي تقدم فعلي في حال انعقاده، والسبب كما قالت «التايمز» البريطانية هو إصرار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على تحدي الضغوط الغربية التي تمارس عليه لحمله على التخلي عن دعم بشار الأسد والاستمرار في مساندته.

وإزاء هذه الصحوة المتأخرة لهذه الدول الغربية، ومن بينها الولايات المتحدة التي بقيت مترددة وغير قادرة على اتخاذ موقف جدي من المفترض أن مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط والمنطقة العربية تتطلبه، فإنه يمكن القول: «في الصيف ضيعت اللبن»؛ إذْ إن مثل هذه الفرصة كانت ممكنة، وإنْ على نطاق ضيق في البدايات عندما أصيب نظام بشار الأسد بالارتباك وعندما لم تكن بعد قد خلصته الانشقاقات الفردية، إن على مستوى كبار وصغار الضباط وإن على مستوى الأفراد، من كل غير الموالين له ولنظامه وتركت له قوات مسلحة وأجهزة أمنية مسيطرا عليها بصورة عامة لأسباب، بالدرجة الأولى، طائفية.

إنه ضرب من الخيال، أن يكون هناك تفكير منطقي وجدي من قبل الولايات المتحدة، ومعها الدول الأوروبية المعنية بهذا الأمر، بعد عامين وأكثر من التصفيات المتلاحقة التي لجأ إليها هذا النظام والتي تسببت فيها الانشقاقات الفردية إنْ داخل الجيش والقوات المسلحة وإنْ في الأجهزة الأمنية السورية، وهنا ومع التقدير والاحترام لكل الذين تبنوا تلك العملية التي قتل فيها عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين ومن بينهم آصف شوكت، الذي كانت قد قيلت عنه روايات غير مؤكدة كثيرة، فإنه لا يمكن إلا ترجيح أن نظام بشار الأسد نفسه هو الذي قام بهذه العملية، وأن الهدف هو قطع الطريق على محاولة انقلابية، ربما كانت قيد التحضير والإعداد.

إن المؤكد، وهذا يعرفه المطلعون من قرب على كيفية انتزاع حافظ الأسد السلطة والحكم من بين أيدي رفاقه البعثيين في انقلاب نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970 الذي أطلق عليه اسما تجميليا خادعا هو: «الحركة التصحيحية»، أن الجيش السوري قد خضع، بدءا بانقلاب الثامن من مارس (آذار) عام 1963، مرورا بحركة الثالث والعشرين من فبراير (شباط) عام 1966، وانتهاء بهذه الحركة التصحيحية آنفة الذكر، لعمليات «تطهير» متلاحقة قد أوصلته إلى هذا الذي وصل إليه؛ أي تحوله إلى جيش طائفي يتحكم فيه الضباط العلويون، من أصغر وحدة عسكرية في قوات الاحتياط والخدمة الإلزامية وحتى قيادته العليا ورئاسة أركانه.

لقد جاء تدفق الشبان العلويين، الذين كانت تغلق في وجوههم الوظائف الحكومية والذين اتجهوا بأغلبيتهم إلى حزب البعث بعد اغتيال الضابط البعثي الدمشقي اللامع عدنان المالكي في عام 1955 على أيدي من ساد اعتقاد أنهم ينتمون إلى الحزب القومي السوري، على الكليات العسكرية ليعزز سيطرة لاحقة لأبناء هذه الطائفة على الجيش السوري وعلى الأجهزة الأمنية السورية. وحقيقة، إن هذا هو ما جعل انقلاب الثامن من مارس عام 1963 يبدو كأنه انقلاب علوي، كان من أهم رموزه محمد عمران، الذي جرى اغتياله بقرار من حافظ الأسد في طرابلس اللبنانية في عام 1972، واللواء صلاح جديد الذي أودعه حافظ الأسد مع رئيس الدولة الدكتور نور الدين الأتاسي والكثير من القيادات الحزبية والعسكرية زنازين «المزة» الشهيرة، وبقي فيها إلى أن اغتالته الأمراض مثله مثل الكثير من رفاقه. وهذا ينطبق أيضا على حركة الثالث والعشرين من فبراير التي أوصلت حافظ الأسد إلى وزارة الدفاع، بالإضافة إلى قيادة سلاح الجو، وذلك مع أنه كان في بريطانيا ومعه ثلاثة آخرون في مهمة لا تزال غامضة وغير معروفة في فترة الإعداد لهذه الحركة، التي يرى حتى بعض كبار الضباط الذين قاموا بها من حزبيين مدنيين وعسكريين أنا استكملت سيطرة «العلويين» على سوريا، ولم يعد إلا قبل هذا الانقلاب، الذي أحدث أكبر وأخطر انقسام تنظيمي وسياسي في حزب البعث، بأربع وعشرين ساعة.

كان حافظ الأسد قد تحالف مع صلاح جديد بعد انقلاب مارس عام 1963 إلى أن انتهى من محمد عمران، ثم بعد حركة فبراير عام 1966 بدأ بالحفر تحت قدميّ حليفه هذا إلى أن تمكن عمليا من تهميشه وإبعاده عن مراكز القرار والتأثير، وخاصة في الجيش والقوات المسلحة، في عام 1968، وهكذا إلى أن تمكن من القيام بحركته التصحيحية بعد نحو عامين بانقلاب أبيض نفذه في وضح النهار، فأصبح يسيطر على كل شيء بعدما وضع كل منْ من المفترض أنهم رفاقه في السجون والمعتقلات ليقضوا في زنازينها سنوات طويلة.

والمهم هنا، هو أن حافظ الأسد، ومع أنه كان قد استعان بـ«ديكور» سني من بين رموزه، كل من عبد الحليم خدام الذي أصبح نائبا له، ومصطفى طلاس الذي كاد يصبح وزيرا للدفاع إلى الأبد، وحكمت الشهابي الذي أصبح بعد هذه الحركة التصحيحية رئيسا للأركان، فإنه خلال سنوات حكمه جعل «الجيش العربي السوري» واقعيا وعمليا جيشا للطائفة العلوية، وحيث بات في استطاعة ضابط صغير من أبناء هذه الطائفة الموالين له أن يتحكم في فرقة عسكرية كاملة، على رأسها قائد سني يحمل كتفاه وصدره أعلى الرتب وأهم الأوسمة العسكرية.

إن هذا واقع الحال، ولذلك وعندما تفجرت الأوضاع في سوريا بعد الحادثة المعروفة في مارس (آذار) عام 2011، وتمادى نظام بشار الأسد في ارتكاب كل هذه المجازر البشعة ضد الشعب السوري، فإن أقصى ما كان بإمكان الضباط الوطنيين من سنة وعلويين فعله هو الانشقاق فرديا، فالجيش السوري كان مسيطرا عليه ولا يزال سيطرة طائفية كاملة وكذلك الأجهزة الأمنية، ولذلك فإنه كان من المستحيل القيام بانقلاب عسكري في بلد الانقلابات العسكرية، وخاصة أن هذا النظام، بدعم من روسيا وإيران ومن نوري المالكي والتشكيلات الطائفية العراقية، بقي متماسكا بصورة عامة.

والآن، إذ يعود الغرب، ومعه الولايات المتحدة، بعد سبات عميق طويل، إلى الحديث عن أن هناك إمكانية لتشجيع كبار الجنرالات في الجيش السوري وكبار الشخصيات «البارزة» في الأجهزة الأمنية السورية على الإطاحة ببشار الأسد، فإنهم يبدون بدعواتهم هذه كمن «يغمس خارج الصحن».. اللهم إلا إذا بادروا وبسرعة إلى تقديم دعم فعلي للجيش السوري الحر يحدث تغييرا حقيقيا في المعادلة الحالية بين النظام والمعارضة، ويجعل هؤلاء الجنرالات، ليس يشعرون وفقط، بل يتأكدون من أن هذا النظام زائل لا محالة، وأن عليهم أو على بعضهم أن يغتنموا فرصة سانحة قبل أن يغتنمها غيرهم ويبادروا إلى القيام بانقلاب إنقاذي استجابة للدعوات والتطلعات الغربية وأيضا العربية وقبل كل هذا لتطلعات الأكثرية السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعلم يرى الحل بتعديل وزاري

طاهر العدوان

الرأي الاردنية

الاربعاء 26-6-2013

قبل ساعات من اجتماع في جنيف يحضره المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي وكل من نائب الوزير الأمريكي والروسي للتحضير لاجتماع جنيف ٢ خرج وزير الخارجية السوري وليد المعلم بجملة تصريحات تتلخص بان الحل هو « بحكومة شراكة وطنية وانه اذا كانت المعارضة تريد حلاً بدون الأسد عليها ان لا تذهب إلى جنيف « . أي ان المعلم يرى ان الصراع المدمر المستمر منذ عامين والذي قتل فيه ١٠٠ ألف سوري ودمرت فيه نصف البلد وتحول ربع شعبه إلى لاجئين سيحل بمجرد الاتفاق مع المعارضة على ( تعديل وزاري ) على طريقة شراكة احزاب الجبهة الوطنية مع حزب البعث التي نجحت في ان تكون ديكوراً لحكم وراثي استبدادي .

 هذه التصريحات وغيرها تؤكد بان المجتمعين في جنيف ( يخضون في قربة مثقوبة ) فمنذ ان اعلن كل من كيري ولافروف الاتفاق على عقد جنيف ٢ تعقدت وتدهورت الأوضاع في سوريا بسبب انطباعات تكونت في كل من دمشق وموسكو وطهران بان الولايات المتحدة سلمت الملف إلى روسيا وبان جنيف ستكون مكاناً لنصب الموائد الذي ستوقع عليها المعارضة وثائق خضوع الشعب السوري للديكتاتور ، لهذا زاد هوس آلة القتل ، وتكالب الأسد وحلفاؤه على القصير وباقي المدن السورية بهدف دفع المعارضة إلى الهرولة للمؤتمر وهي ترفع الرايات البيضاء .

 بمثل تصريحات المعلم سيستمر القتال في سوريا والسبب ليس فقط نتيجة تدفق السلاح الروسي إلى الأسد ، والأمريكي إلى المعارضة انما لان العقلية المتحكمة بالنظام السوري لم تتغير ولا تريد ان تتغير ، فهي لم تر في ربيع الشعب السوري الذي استمر ٧ اشهر سلمياً الا مؤامرة أمريكية صهيونية على سوريا الأسد سوريا المقاومة والممانعة . ولو ان الأسد لم يرتكب هذا الخطأ وتوجه إلى تحقيق مطالب الشعب الإصلاحية ، كما اعترف بوتين في احد تصريحاته ، لكان قد وفر على سوريا والمنطقة كل ما تمر بها الآن من كوارث وأحقاد وثارات مذهبية .

 عقلية تريد ان تخرج الشعب السوري قسرا من دائرة الربيع العربي على اعتبار انه شعب سعيد في ظل حكم آل الأسد وعليه ان يصلى كل يوم لله لانه انعم عليه بحكم القادة الملهمين الذين لا تلد بطون السوريات غيرهم حباً بالوطن والعروبة والذين تغطيهم غبار المعارك وأكاليل النصر في ميدان المقاومة خاصة في مرتفعات الجولان !!.

 عقلية لا تريد استيعاب ان الشعوب العربية كبرت ونضجت وكسرت القيود وان موجة الربيع هي حركة تاريخية عميقة انطلقت من مستنقعات الاستبداد الوحيدة الباقية على وجه الارض في القرن الحادي والعشرين . وبانه لا عودة عن مطالب التغيير والإصلاح التي تقوم على المواطنة ومبادئ الحرية والكرامة ، والديموقراطية السياسية بمفاهيمها وتطبيقاتها العالمية القائمة على إرادة الشعوب وليس على خرافات القائد الملهم والزعيم الأوحد والرئيس إلى الأبد .

 في سوريا المطلوب بناء نظام سياسي جديد قائم على هذه المبادئ وليس المطلوب تعديل وزاري مع الحزب القائد ولا استبدال طاغية بأمراء حرب يستغلون معاناة الشعب السوري من اجل تمرير أجنداتهم بتنصيب طغاة آخرين ، وهذا الأمر هو ما يريده الشعب المصري اليوم والشعبان التونسي والليبي حيث لم يتوقف الربيع العربي في هذه الدول أمام عقليات لا تريد ان تتغير باستبدال استبداد متوحش باستبداد ناعم ، باسم الدين او باسم الإخلاص وغير ذلك من شعارات تعيد انتاج سابقاتها التي أذلت الأمة واغتصبت استقلالها الوطني وحولتها إلى ملطمة هزائم ومطية لكل أجنبي ، فقط هي الشعوب الحرة الكريمة التي تملك إرادتها من يصنع القوة والتقدم والأمن والاستقرار وكذلك المقاومة والممانعة .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسلحة الحديثة وأمراء الحرب!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 26-6-2013

تفاقمت ظاهرة أمراء الحرب واستشرت وغدت معضلة خطيرة تتحدى اليوم الثورة، وتهدد مستقبلا فرص انتقال سوريا من الاستبداد إلى الديمقراطية. ومع أن أحدا لم يعالج هذه الظاهرة أو يبادر إلى التصدي لها، فإن تأثيرها على سير العمليات القتالية صار واضحا لكل من يريد أن يراه، فأمراء الحرب يبيعون ويشترون من دون حرج أو وازع، ويتسببون في هزائم قوضت انتصارات كان غيرهم على وشك تحقيقها، لكنهم تخلوا عن دورهم في المعارك المشتركة، وانسحبوا من دون إعلامه بقرارهم.

ورغم الشكاوى الكثيرة التي صدرت عن جهات ميدانية ومقاتلة، فإن ظاهرة الأمراء ظلت من دون معالجة، فبدا تجاهلها وكأنه يؤكد عجز القيادات عن الإمساك بالوضع وتوجيه أحداثه الوجهة المطلوبة، وانزياح المقاومة عن طابعها الوطني والشعبي وأخذها إلى حيث لم يكن أحد يتوقع أو ينتظر قبل أشهر قليلة.. إلى حال تمكن النظام من اختراقها، هذا إذا كان لم يفعل ذلك منذ وقت طويل، عندما أخرج من سجونه مجموعات مجرمين جنائيين، وأخذهم إلى معسكرات دربهم فيها وسلحهم وكلفهم مهام أمنية محددة. ومع أن بعض هؤلاء لم يقم بما طلبه النظام منه، فإن بعضهم الآخر عمل على تحويل النضال الثوري إلى دكاكين فتحها لحسابه الخاص، بينما التزم بعضهم الآخر ما كلف به، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى.

واليوم، يبدو أن الفرج آت من جهة لم تخطر على البال، هي الأسلحة الحديثة نسبيا، التي يقال إن الجيش الحر تسلمها وشرع في استخدامها، ويتيح وجودها للأركان العامة استبعاد الأمراء ووحداتهم من توزيعها، مع ما سيحدثه ذلك من تخلف في مستوى تسليحهم بالمقارنة مع مستوى تسليح الجيش الحر الحقيقي، الذي سيتسلمها ويستخدمها، ومن إقصاء فعلي ممكن عن صفوف المقاومة، نتيجة لما يتطلبه السلاح النوعي من تنظيم حديث وخبرة ومعرفة عسكرية متخصصة يفتقر غير العسكري من أمثال الأمراء إليها، ولما يفضي إليه ذلك من فرز يضعهم في صف المتخلفين عن القتال ويكشف أمرهم ويفضح أدوارهم، ويعزلهم عن المقاومة الحقيقية، التي بدت خلال العام الماضي وكأنهم غدوا ركنا رئيسا من أركانها، بينما لم يكونوا في الواقع غير عبء ثقيل الوطأة عليها، أساء إليها وأحدث ثغرة بين الشعب وبين العديد من وحداتها، في لحظة فقد خلالها سوريون كثيرون بعض قدرتهم على التمييز بين الجيش الحر ومن يتكنون باسمه من قطاع طرق وشذاذ آفاق. ومع أننا رفعنا الصوت، مع كثيرين، فإن أحدا لم يكن قادرا على وقف هؤلاء عند حدهم، بسبب انشغال المقاومة بما هو أهم وأكثر خطورة منهم: هجوم النظام العام على الشعب والمقاومة بمعونة إيران وحزب الله وروسيا ومرتزقة من شتى الأصناف والبلدان يعدون بعشرات الآلاف. واليوم، ونحن على مشارف منعطف مفصلي في القتال ضد الاستبداد، يصير من مستلزمات النصر التفرغ لمعالجة مشكلة أمراء الحرب، والقضاء عليها بصورة تامة وناجزة خلال فترة زمنية غير طويلة، عبر خطط منظمة تضعهم أمام خيار من اثنين: ترك سلاحهم الموجه إلى صدور أبناء الشعب، أو توجيه سلاح المقاومة إلى صدورهم. بغير ذلك، سيورثنا النظام الحالي هؤلاء الأمراء، الذين سيسببون لنا من المشكلات خلال مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية ما قد يفضي إلى اقتتال أهلي، بعد أن أربكوا المقاومة وأساءوا إلى سمعتها، وأدخلوا كثيرا من اليأس إلى نفوس مواطنين مناصرين للثورة، نفرتهم ممارسات من خالوه منتميا إليها من قطاع طرق أشبعوا المواطنين إذلالا ونهبوا القليل الباقي في حوزتهم.

لا شك أن السلاح الحديث سيساعد على فرز الصالح من الطالح في ساحة المقاومة، وأن توزيعه يجب أن يلعب دورا حاسما في تحديد الجهات التي ستضمن مستقبلا السلم الأهلي والأمن الوطني، وتلك التي سيكون عليها إلقاء سلاحها، لخطورته على الوطن والشعب، فلا أقل من أن نبدأ بذلك منذ الآن، عبر فرز هدفه المباشر والآني إضعاف أمراء الحرب وتعزيز فارق القوة بين المقاتلين الشرفاء وبينهم، تمهيدا لإخراجهم من صفوف الثورة والثوار.

هذا هو الوقت، ولا بد من استغلال فرصة استخدام السلاح الحديث للانتقال إلى حماية الشعب من أمراء حرب هم أعداء له، ينبع خطرهم من كونهم منبثين في صفوفه!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"دولة العلويين" موقتة... مثل "مارونستان"!

سركيس نعوم

النهار

الثلاثاء 25/6/2013

بدأ الديبلوماسي، الذي يتابع قضايا الإرهاب وارتباطه بما يجري في سوريا وقضايا المنطقة، من "الإدارة" الأميركية المهمة جداً نفسها لقائي معه بالحديث عمّا يجري في سوريا، قال: "ما يجري في سوريا "سيطرطش" لبنان والأردن والعراق. مصر تهتز، والسعودية، والمنطقة كلها. لبنان "حزب الله" متورط في سوريا، والإسلاميون السنّة اللبنانيون متورطون أيضاً فيها. لن يربح بشار الأسد. أميركا لن تقبل ذلك ومعها السوريون. لكن سيراق دمٌ كثير. دولة العلويين في سوريا ستكون مثل "دولة مارونستان" المسيحية التي قامت في لبنان في اثناء حروبه بين 1975 و1990، أي ستكون موقتة".

ماذا عن الدول الأخرى في المنطقة طالما أنك تتكلم بايجاز وسرعة؟ سألتُ. أجاب: "قيل إن شمال السودان سينقسم الى خمسة كيانات. لم يحصل ذلك. حصل انقسام واحد بقيام دولة الجنوب. الشعب السوداني أظهر أنه قادر أكثر من غيره على اللعب على حافة البركان من دون الوقوع فيه. الحق في ما يجري في سوريا حالياً ليس على أميركا وحدها، فتركيا تشاركها فيه. هناك حرب سنّية – شيعية طويلة. في النهاية ستربح الغالبية في العالمين العربي والاسلامي، ويصبح شيعة لبنان أقلية. ربما يُعطَوْن كياناً ذاتياً في إطار سوريا الكبرى. سيقوم كيان كردي في سوريا وكيان مماثل في العراق. أميركا في النهاية تدافع عن إسرائيل، وتحمي منابع النفط، وتترك الجميع يتقاتلون لمدة طويلة جداً، ويستنزفون قدراتهم ويُنهكون. مصر ستقع في الفوضى، لكنها ستبقى مصر. النظام في الأردن مُهدَّد. ملكٌ ضعيف ونظام فاسد. أردنيو الضفة الشرقية لم يعودوا يحبونه. الشمال في سوريا ضاع لمصلحة "جبهة النصرة" وحلفائها. في الجنوب والوسط إسلاميون معتدلون حتى الآن مثل ألوية الفاروق وإدريس وغيرهما. ستعم الفوضى وربما الاقتتال سوريا "المحررة" من النظام".

ماذا في جعبة مسؤول في "الإدارة" الأميركية المهمة جداً نفسها على تماس مباشر مع العراق ومحيطه؟

تحدث بداية عن نصائح قدمتها أميركا الى شيعة العراق، قال: "نحاول أن نقول للشيعة العراقيين يجب أن تتخذوا إجراءات تلبي عدداً من مطالب مواطنيكم السنّة الذين يتظاهرون منذ اشهر، مثل المساءلة وإجتثاث "البعث" وإطلاق معتقلين غير صادرة أحكام قضائية في حقهم. وإذا لم تفعلوا ذلك فإن غضب السنّة سيعطي المبرر لـ"القاعدة" كي تتحرك وتستقطب الناس. وهو تنظيم موجود في العراق وجاهز لاستعادة السيطرة والنفوذ اللذين كانا له على السنّة العراقيين، وجاهز لاستعمال هؤلاء في محاربة لا أميركا التي انسحبت من العراق لكن الشيعة وحكومتهم. ونقول في الوقت نفسه للسنّة عليكم أن تضعوا آلية وتتفاهموا مع الشيعة، وأن لا تكونوا أدوات في صراع مذهبي قاتل. وربما يكون مقبولاً اقتراح عدم جواز حصول رئيس الحكومة العراقي الشيعي على أكثر من ولايتين في مقابل أمر مساوٍ آخر يتعلق بولاية رئيس مجلس النواب (السني)". علّقتُ: هذا الاقتراح يُذكِّر بلبنان. النموذج اللبناني فاشل في رأيي ولا يصح اعتماده. فشِل في لبنان، فكيف سينجح في العراق؟ أجاب: "نعرف أنه فاشل في لبنان، ونعرف أنه غير ديموقراطي. لكن ظروف العراق تحتِّمه على الأقل في المرحلة الراهنة وحتى إجراء الإنتخابات. هناك انتخابات محلية قريبة، وانتخابات نيابية عامة في ربيع الـ2014. علّقت: ربما يحذون في العراق حذو لبنان أي يؤجلون الانتخابات المقررة في حزيران المقبل أو يمددون ولاية المجلس. على كل، لا يزال هناك وقت أمام الانتخابات العامة العراقية. ما أريد قوله هو ان الدستور نصّ على فيديرالية في العراق، لماذا لا يُطبَّق وكل "فريق" يحكم نفسه باشراف حكومة فيديرالية؟ وبعد ذلك لا بد ان تفرض المصالح المشتركة على الجميع التفاهم. ردّ: "عال. يعني ذلك ان المناطق التي فيها نفط سيستأثر بهذا النفط ابناؤها وحدهم، ويرفضون مساعدة اخوانهم في المناطق غير النفطية". علّقتُ: في هذه الحال لا تكون هناك دولة عراقية. ردّ: "الذين يعتبرون المالكي دمية إيرانية مخطئون. والذين يلوموننا لتعاوننا معه مخطئون. إنه عراقي (Nationalist). نطلب منه عدم نقل سلاح بطائرات عراقية أو عبر الأجواء العراقية إلى الأسد في سوريا. يتجاوب أحياناً ولا يستطيع التجاوب أحياناً أخرى". هل قدَّم الأميركيون نصائح أخرى إلى العراقيين استناداً الى المسؤول نفسه الذي يتابع العراق في "الإدارة" الأميركية المهمة جداً إياها؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عندما يتماهى بوتين مع الأسد

عبد الوهاب بدرخان

الاتحاد

الثلاثاء 25/6/2013

يبذل الرئيس الروسي جهداً ملموساً في سبيل تجميل وجه النظام السوري يتنقل في الحديث من الإرهاب والإرهابيين إلى السخرية من «آكلي الأحشاء البشرية» إلى تخويف الأوروبيين من تسليح الذين سيعودون إليهم لاحقاً حاملين الأسلحة التي زوّدوهم بها ليقتلوهم. ولعله استلهم الفكرة الأخيرة من تصريحات الرئيس السوري إلى صحيفة ألمانية. فالاثنان يعرفان أن استطلاعات الرأي أظهرت الأوروبيين معارضين لأي تدخل في سوريا، لكنهم واقعياً لا يمانعون مساعدة الشعب السوري لمعارضة حرب الإبادة التي يتعرّض لها.

والأكيد أن كل شعوب العالم لا ترى أن «بوتين» يقدِّم السلاح - بالأحرى يبيعه - إلى الجهة الصالحة، فثمة مقاتل صار مجرماً إذ أكل قلب ضحيته، لكن ثمة نظاماً تصنعه تقارير محققي لجنة حقوق الإنسان مجرم حرب، إذ لا يتوقف عن القتل والتدمير، وصار الآن يستخدم السلاح الكيماوي ضد شعب سوريا وليس ضد الإرهابيين.

عشية وصوله إلى بلفاست (أيرلندا الشمالية) للمشاركة في قمة الدول الثماني، أنذر بوتين بأن تسليح المعارضة السورية سيؤدي إلى تدمير «كل سوريا». ويمكن فهم ذلك بأكثر من صيغة، لكن بوتين بلغ خطاً «أيديولوجياً» لا رجعة عنه في إدارته للأزمة، إلى حدّ أنه يبدو كمن يقول «سأدمر كل سوريا طالما أنكم تسلحون أعداء حليفي».

وبالتالي انتقل بوتين من النأي عن النظام، وإبداء عدم الاكتراث به، إلى التماهي معه. وهذه هي الحقيقة، فالمسألة غدت أكثر من مجرد علاقة بين تاجر سلاح وزبون، لتصبح تحالفاً سياسياً واستراتيجياً تتجند الدبلوماسية الروسية بكامل طواقمها لخدمته والدفاع عنه. حتى أن نظرية المؤامرة تقول إن روسيا نفسها ستكون التالية بعد سقوط نظام بشار، وإضعاف النظام الإيراني. ويساق في هذا المجال أن التظاهرات التي قامت بعد انتخاب بوتين استهدفت زعزعة رئاسته وصورته لكنها أجهضت قبل أن تتوسع، غير أن هذا التبرير يرمي خصوصاً إلى الترويج للسياسة الروسية التي فقدت معقوليتها وتوازنها في سوريا.

يبقى الروس الأكثر معرفة الآن بالضعف والتراجع اللذين أصابا نظام الأسد، بحيث إن إنجازاته العسكرية، مهما بلغت، لن تبقيه حاكماً، ولولا الدور الروسي في تعطيل مجلس الأمن وأي نوع من التدخل الخارجي لاختراق الأزمة سياسياً، لكانت أوضاع النظام أكثر تدهوراً. لكنهم يحتاجون إليه للمساومة، ويبدون حالياً حماسة ملموسة لإطلاق عملية «جنيف 2»، طالما أن الوضع الميداني لمصلحته، ما يعني أن «الحل السياسي» يمكن أن يأتي لمصلحته. ولأجل ذلك، يرفض الروس أي حديث عن «مصير الأسد»، لأنه ومصيره محور كل المناورة التي يلعبونها تحت عنوان «دعوا الشعب السوري يقرر»، وهم يعرفون طبعاً أن هذا مجرد شعار صحيح سياسياً لكنه معدوم المعنى واقعياً، إذا كان سيخضع لموازين القوى العسكرية.

فالشعب لم ينتفض على النظام بغية الحصول على ترسانة أسلحة، وإنما ليقول إنه لا يريد أن يُحكم بهذه الترسانة.

بعد انتهاء قمة الدول الثماني، سئل بوتين وأجاب بأنه كان معزولاً من جانب نظرائه السبعة ودليله أن البيان الختامي لم يشر إلى تنحي الأسد، أي أنه على العكس نال ما يريده، وأنه سيتابع تطبيق سياسته السورية من دون تعديل.

لم يُعزل بوتين في القمة، لكنه وُضع أمام ضغوط استطاع أن يحبطها، مدركاً أن الجميع يريد الخروج بصيغة توافقية، أما الضغوط فتناولت تحديداً «عدم التعاون الروسي» في تهيئة مناخ مؤات للمضي نحو «حل سياسي» للأزمة، إذ لا يستقيم استمرار روسيا في توفير السلاح للنظام، وفي تقديم خبراء، بل في القتال معه عملياً، مع ادعائها السعي إلى «مؤتمر للسلام» في جنيف. كذلك لا يمكن موسكو حتى النظام على مواصلة العمل للحسم العسكري، فيما هي تحاضر الآخرين بأن «الشعب هو الذي يقرر». ثمة مسؤولية ينبغي أن تتحملها روسيا بالنسبة إلى سلوك النظام، ولا تزال تتهرب منها.

للأسف، افترق القادة الثمانية بعد القمة من دون التزامات، ليتابع كلٌ منهم سياسته السورية كما فعل منذ عامين ونيف. هناك من يريد «انقلاباً يطيح الأسد»، ومن سيمضي في تسليح المعارضة - ومن لم يفعل شيئاً وليس لديه اهتمام خاص بسوريا. وحده الرئيس السوري يعرف من الذي يفعله ولماذا، فلديه ما يكسب على حساب الآخرين. لا يعني ذلك أن سياسته خالية من التناقضات، فهي بمجرياتها الحالية لا تقود إلى حل سياسي بمشاركة جميع الأطراف، ولا إلى استعادة النظام السيطرة والحكم، بل إلى أفغنة سوريا، أو صوملتها. لكن بوتين لا يهتم، فهو لم يتعوّد على تعداد الضحايا، كما أن أحداً لا يستطيع اتهامه بأنه يؤمن بأي قيم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المحنة السورية والإرادة الدولية!

أكرم البني

الشرق الاوسط

الثلاثاء 25/6/2013

يتفق الكثيرون على أن المجتمع الدولي يستطيع إن أراد وبما يملكه من قوة ونفوذ فرض حل يوقف دوامة العنف في سورية، ويتفقون أيضاً على صعوبة حصول موقف عالمي موحد ينعكس بخطة جدية لإخماد هذه البؤرة من التوتر، والقصد أن الوقت لن يتأخر حتى يصل مؤتمر جنيف 2 إلى طريق مسدودة، كاشفاً حقيقة لا تحتمل التأويل في الخصوصية السورية، بأن باب الحلول السياسية مغلق بسبب غياب إرادة أممية حازمة تجبر أطراف الصراع على ترك ميدان الحرب والالتفات نحو المعالجات السلمية، وخاصة النظام، الذي لا يزال يعتقد بإمكانية تحقيق الانتصار، ويخوض معركته كمعركة وجود وإفناء للآخر.

وإذا تجنبنا التحليل التآمري عن تواطؤ خفي أو تقاسم للأدوار بين الأطراف الدولية الفاعلة لتطويع الثورة السورية، فثمة ما يصح اعتباره توافقاً موضوعياً بينها جوهره عدم تعجل حسم الصراع وإدارته بالنقاط لا بالضربة القاضية، من دون اعتبار لما يخلفه من ضحايا ودمار وآلام، وعليه لن تسمح روسيا وإيران بهزيمة النظام، لكن الغرب لن يسمح في المقابل بانتصاره.

خلافات المعارضة السورية وتفككها والتخوف من اليوم التالي لسقوط النظام، وخصوصية الصراع السوري ومخاطر ارتباطه العضوي مع محور نفوذ في المنطقة، ثم الخشية ليس من التنظيمات الجهادية المتطرفة فحسب، بل من كل حركات الإسلام السياسي التي بدأت تظهر سمات ديكتاتورية مقلقة بعد وصولها إلى السلطة، وإذا أضفنا حاجة الغرب لاستثمار الساحة السورية في استنزاف خصومه وإضعافهم، كروسيا وإيران، ولتصفية الحساب مع تنظيم القاعدة وأشقائه من الجماعات التي بدأت تتسلل إلى بلاد الشام لنصرة أهلها، وأضفنا أيضاً حسابات الأمن الاسرائيلي التي تحتل مركز الاهتمام الغربي، والرغبة المضمرة عند البعض بأن تكون الثورة السورية المحطة الأخيرة لقطار الربيع العربي ودرساً بليغاً يلقن للشعوب عن الثمن الفادح الذي يتوجب دفعه لقاء مطالبتها بالتغيير والحرية والكرامة، يمكن أن نقف عند أهم العوامل التي تعيق التوصل إلى وحدة الموقف الأممي من الصراع السوري، وتفسر استمرار سلبية الدول الغربية وتسليمهم بدور مفتاحي لموسكو كشفت عنه سياستهم لأكثر من عامين من عمر الثورة وكرسته قمة الثمانية الكبار في بيانها الختامي، وأكدته التصريحات المتكررة عن عدم وجود نية التدخل العسكري، ونكثها الوعود ولمرات حول دعم المعارضة وحماية المدنيين، وزيف التهديدات الغربية بعقاب رادع في حال تكرار المجازر أو تزايد أعداد اللاجئين أو استخدام السلاح الكيماوي.

واستدراكاً، طالما يطمئن النظام السوري لدعم حلفائه ولعطالة المجتمع الدولي ويتوهم بأن خياره الأمني والعسكري لا يزال مجدياً، فلا قيمة عنده لأية مؤتمرات دولية أو مبادرات سياسية، وهاهو يوظف نتائج معركة القصير في حمص والانخراط المباشر لقوات حزب الله وبعض الميليشيا العراقية من أجل بعث الروح في هذا الخيار بعد أن جرب على أشده ولزمن طويل ولم ينجح في سحق الاحتجاجات أو الحد من قدرة الثورة على التجدد، وهاهو أيضاً يستثمر إلى الحد الأقصى بعض الممارسات العدوانية والطائفية التي تتباهى بها جماعات متطرفة من المعارضة المسلحة كي يزيد من مخاوف الغرب عن تحول البلاد إلى مجتمع طالبان جديد وإلى منصة انطلاق للتنظيمات الجهادية.

لكن مع ما تشهده هجمات ما بعد القصير من صد وانكسار ووضوح عزيمة لا تلين لدى الحراك الثوري وإصرار على الاستمرار مهما تكن التضحيات، ومع تكاثر حالات التهرب من المسؤولية وتخلخل مرتكزات السلطة، ومع وضع اقتصادي مرشح لمزيد من التدهور في ظل انهيار أهم القطاعات الانتاجية الصناعية والزراعية وتدهور قيمة الليرة السورية التي خسرت حتى الآن أكثر من 70 % من قيمتها، وأيضاً مع تزايد الحرج الأخلاقي من التوغل السلطوي المفزع في العنف وما يخلفه من مشاهد للضحايا والدمار وأعداد ما فتئت تتزايد من المشردين والمنكوبين، ومع انكشاف مزاج شعبي ايراني يميل نحو الاعتدال بعد انتخاب روحاني رئيساً، والأهم مع تنامي مخاطر امتداد الصراع الى بلدان الجوار بسبب تداخل المكونات الاثنية والطائفية، وتهديده استقرار المنطقة والأمن الاسرائيلي، يمكن توقع تبدل في الموقف الدولي قد يتمخض أخيراً عن إرادة أممية حازمة لوقف العنف وفرض الحل السياسي فرضاً على الجميع.

والحال لم يشهد التاريخ بؤرة صراع دموي عرفت هذا الاستهتار الدولي المخزي بالأرواح التي تزهق كما الحالة السورية، والأنكى حين يجري ذلك في ظل ثورة الاتصالات ومشاهد مروعة تصل إلى كل بيت وتكشف للجميع محنة إنسانية يعجز اللسان عن عرضها ووصفها، فإلى متى تبقى سورية أسيرة هذا المصير المرعب، وإلى متى يبدو العالم، عرباً وعجماً، غير مكترث، وكأنه بحكوماته وشعوبه يتعيش على أنات الضحايا والمعذبين؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب الله.. قيادة بلاد الشام!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

الثلاثاء 25/6/2013

على مدى العقدين الماضيين، وأكثر، شغلت إيران وحلفاؤها في محور الممانعة والمقاومة الكاذب المنطقة، وبمساعدة من قبل تنظيم الإخوان المسلمين، حول خطورة القواعد العسكرية الأجنبية بالمنطقة، وهو الشعار الذي تبنته «القاعدة» أيضا من خلال زعيمها أسامة بن لادن، بينما كانت إيران تبني أهم قواعدها العسكرية، حزب الله!

ومثلما أن هناك القاعدة الأميركية العسكرية الوسطى في قطر فإن هناك القاعدة الإيرانية الكبرى في لبنان، وكل الوقائع اليوم تقول إن القاعدة الإيرانية هي التي تكسب، ولو كان مكسبا بطعم الهزيمة، وهذه قصة ثانية، لكن الواقع يقول إن إيران، ومن خلال قاعدة حزب الله في لبنان، هي التي تحكم بلاد الشام وتدير أمنه، بل إن قاعدة إيران العسكرية، أي حزب الله، يمتد نفوذها إلى العراق واليمن من خلال دعم الحوثيين بالتدريب وخلافه. حزب الله اليوم هو من يساعد الأسد على البقاء، وهو من يحدد من هم «التكفيريون»، ومن هم العملاء، ومن هم الوطنيون، وها هي الأنباء تتردد عن مشاركة الحزب بالقتال في صيدا بين الجيش اللبناني وجماعة أحمد الأسير. وهذا ليس كل شيء بالطبع، فبحسب ما نشرته صحيفة «الأهرام» المصرية فإن العلاقة بين حماس وحزب الله قد وصلت إلى طريق مسدود، وإن الحزب ينوي طرد حماس من بيروت عقابا لها على مواقفها الأخيرة ضد تدخل حزب الله في سوريا.

كل ذلك يظهر ويؤكد ما كتبناه قبل أسبوع هنا عن أن تدخل حزب الله في سوريا وسط العجز الدولي يعني انتصار إيران، واليوم كل الحقائق تؤكد أن قاعدة إيران بالمنطقة، أي حزب الله، هي التي تنتصر وليس القاعدة الأميركية، كما كانوا يخوفوننا، حيث نجحت إيران وحلفاؤها في تجييش الرأي العام العربي ضد القواعد الأميركية، ودورها المزعوم، ونجح كثير من قادة الرأي العام الإسلاميين، كالإخوان المسلمين، في ترويج الفكرة الإيرانية تلك، كما ساهم كثير من القوميين العرب في ترويج نفس الفكرة بدافع الحفاظ على القومية العربية وخلافه، بينما تسنى لإيران أن تدعم أهم قواعدها العسكرية بالمنطقة حزب الله بالمال والسلاح ليكون هو الحاكم لبلاد الشام، وممارسة نفوذ هائل بالعراق، بل إن نفوذ حزب الله بلغ أيضا حد مقدرته على تهريب سجنائه في مصر بعد ثورة 25 يناير ونقلهم إلى الضاحية الجنوبية في بيروت في غضون أيام بسيطة!

كل ذلك لا يقول لنا إن انتصار إيران وحزب الله سيطول، بل يقول لنا إن منطقتنا مقبلة على انفجار طائفي خطير سببه تغول إيران، وتردد أميركا، وإهمال العرب، مثقفين وساسة ودولا على مدى سنوات في مواجهة الخطر الإيراني، وكشف حقيقة حزب الله، الذي كنا نحذر منه ونجابه بالتخوين والشتائم. هذا هو الواقع اليوم، ولحماية السلم الاجتماعي في كل منطقتنا فلا مناص من سقوط الأسد، وذلك تجنبا للانفجار الطائفي الكبير الذي سيقضي على مفهوم الدولة بمنطقتنا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سباق التسلح مدخل نحو الصفقة السياسية؟

مطاع صفدي

القدس العربي

الاثنين 24/6/2013

كان عالمنا العربي طيلة سبعة عقود متوالية، يشكو من طغيان أمريكا وتدخّلها السيىء في مختلف شؤونه المصيرية. وهاهو اليوم بات يشكو من التخلّي الأمريكي. كأنما لم يعد للعرب من طاقة استقلالية في إدارة أمورهم (الوطنية) المستعصية لوحدهم، فهم محتاجون إلى أنواع من النجدات الأجنبية، منذ أن تدوَّلت ثورة سورية أصبح الفعل العالمي عنصراً بنيوياً في أهم تطوراتها، خصوصاً مع غَلَبَة جانبها العسكري على جانبها السياسي أو المدني. ذلك أنه لا نشاطٌ عسكري من دون أسلحة، ولا أسلحةٌ من دون أنواعها المتفوقة والمتقدمة. فهل أمست الثورة السورية شأناً مُدَولناً خالصاً، يظل هذا الاستفهام قابلاً للإنكار بقدر ما يبرهن شباب سورية أنهم مازالوا ثواراً في ميادين الوطن الجريح، ولم يصيروا مجرد أنفار في ميليشيات فوضوية، تديرها خيوط المخابرات الأجنبية.

مؤتمر القوى الدولية الماضي منذ أسبوع، لن تساهم نتائجُه الملتبسة إلى حد بعيد في استعادة الثورة لشخصيتها السيادية على ذاتها، هؤلاء القادة العالميون يعلنون بكل صراحة، وهم مجتمعون أنهم مستقيلون عملياً من أهم مبدأ لما يدعى بالقانون الدولي، وهو حماية إنسانية هذا العالم.

فلقد اعترفت لجانُ حقوق الإنسان المنبثقة عن الأمم المتحدة بالمعدلات الرهيبة غير المسبوقة في عدد القتلى الأبرياء، المتساقطين تحت القنابل العشوائية للنظام السوري الجهنمي، وكشفت هذه التقارير عن وحشيات المجازر الجماعية وضحاياها من الأطفال والنساء، غالباً. أما قادة العالم (المتقدم) هؤلاء فقد تباحثوا في مختلف قضاياهم التي تخص مصالح حكوماتهم، في حين غابت عنهم كلياً مصلحةُ الإنسان في ظل هذا الخليط من الصفقات الدلوماسية المشبوهة. لم يخطر ببال أحدهم أن يقدم اقتراحاً واحداً آمراً بوقف المذبحة السورية المستديمة.

ألم يكن مشروعاً ومفروضاً أن يتفقوا على استخدام السلطة الدولية لوقف الإجرام اليومي الذي استنكرته مجتمعات الأرض كافة.

بدلاً من ذلك النقاش الدموي حول مصالح التسليح، ألم يكونوا قادرين، لو أرادوا، أن يتفقوا على منع التسليح مُوَّرداً من أية دولة كانت. ألم يكن ياستطاعة أقوى قوى الأرض إصدار أوامرها بإغلاق مذابح سورية، هذا البلد الصغير والوحيد مقارنة بحجم العمالقة المتنادين لتفاهم حول ما يسمونه بالقضايا السياسية والاقتصادية العالقة، أليست الحرب السورية هي من أتعس المصائب الكونية الكبرى، كما تتبارى صحافتهم في تداول عناوين هذه المصائب، وتقرأها جماهيرهم العاتبة والغاضبة من لامبالاة الوجدان الإنساني في كل أصقاع العالم المُتَمَدين..

إذا كان أطراف المذبحة السورية القريبون والبعيدون منهم لا تحركهم أو تقلقهم سوى الرغبة في الانتصار علي الآخر، أو الخوف من انتصار هذا الآخر على (الذات)، فلا أحد من أكبر كبراتهم يفكر بالنصر الآخر. لماذا لا يفكرون بأسباب أخرى للانتصار على المذبحة الكلية الشاملة، أليس بمقدور هذا (المجتمع الدولي) أن يستخدم شرعيته العالمية في معاقبة قتلة الإنسانية، حتى وإن لم يعتمد وسائل الحرب نفسها.

لكن للأسف فإن عظماء القادة مشغولون بصراعات الحصص الدبلوماسية الموبوءة بأخطر المصالح القوموية والفئوية الضيقة. احتكارات الصناعة السلاحية لا تزال هي القوة الدافعة والمركزية في كل من الرأسمالية الأمريكية العريقة والرأسمالية الروسية المستجدة. فلن تكون هذه الاحتكارات غائبة أبداً عن أسواق الصفقات الكبرى التي توفرها خاصة حروب (الشرق الأوسط)، بأنواعها المختلفة من إقليمية وأهلية، وهذه الأخيرة هي المتواترة الحدوث، وهي المستديمة أكثر من الأولى. والروسيا القيصرية الجديدة، عازمة بكل ضغائن هزائمها الماضية على استرجاع أدوار الاتحاد السوفيتي بدون حزبه وأيديولوجيته، ولكن بكل غطرسة ذي لسعة قوموية وطبقية عائدة إلى الجذر القيصري واقطاعه الاستبدادي المطلق.

أمريكا المترنحة تحت أصداء هزائمها العسكرية والاقتصادية، تعيش أدق لحظات الانعطاف، بل الانحدار من مستوى الدولة الأولى الحاكمة للعالم، إلى مستوى الدولة المحكومة بضرورات هذا العالم المختلف، المتمرد على الواحدية والطامح إلى تعدديات التوازنات الجديدة مابين كل أعضائه كبارهم وصغارهم.

أما (شرقنا الأوسط) فهو الساحات المتقدمة لما هو أوسع وأعمق منه، إنه قارة العرب والإسلام. ولعل الكثيرين من قادة الغرب خاصة لا يمانعون في أن تحترق هذه القارة من أقصاها إلى أقصاها. ليس تجّار السلاح الرابحين وحدهم، بل هنالك أيضاً هذه الجماعات من الأتباع الصغار المنخرطين في تجارات الموت المحلية والإقليمية. سلسلة من حلقات لا تنتهي من سماسرة المال والسلاح، والدين أو .. (المبادئ)، تشتغل في خبايا المنعطفات الحدثية، لا تتحرك في هوامشها فحسب، بل تكاد تتغلغل في منعطفات الثورة، تستبدّ بإرادة الثورة من وراء ظهرها، وما فوق رؤوس البعض من قادتها الرئيسيين.

… أخيراً يكاد الجميع يصلون إلى اعتقاد مشترك، أنه لا منتصرٌ ولا مهزومٌ في سورية منذ سنتين ونصف، وسيظل الوضع هكذا إلى ما لانهاية. معنى ذلك أن المقتلات المتبادلة باتت مطلوبة في ذاتها، إنها الحرب العبثية إذن التي لا طائل تحتها، سوى أنها تستهلك البشر والحجر، وتبدد المال والسلاح في معاركها العقيمة عسكرياً واستراتيجياً.

إذا ما حزم الغربُ أمرَه، أمريكياً وأوروبياً معاً، وسمح بتوريد الأسلحة التي يطالبه بها زعماء الميادين الثائرة، فلن يكون هذا التوريد من دون تقنين بالنوع والكم. وفي كل الأحوال قد يعدّل السلاحُ الجديد بضعَ درجاتٍ من مستويات المقاومة والدفاع، والهجوم المحدود دائماً، لكنه لن يأتي بمعجزة ما يسمّى بالحل النهائي. كل ما هنالك أنه سيفجّر سباقاً مريراً ورهيباً في التسلح والتزود حتى بأعلى تقنيات الفتك، بما فيها أسلحة الدمار الشامل. وقد يندفع الطرفان: النظام والثورة، في غماره، بما يجعل مرحلة الحسم النهائي لأي منهما ضرباً من المستحيل.

قد تكون لمشكلة التسلّح أهمية فاصلة، عندما يقتصر سيْرُ المعارك على المقاتلين وحدهم. لكن دَوْلَنَة الصراع في سورية جعل الأفرقاء العالميين شركاءَ منخرطين بالقوة والفعل، في حدثيات المعارك اليومية عينها. أما مسؤوليات النتائج فلم تعد حملاً يخصّ العدويْن المباشريْن فقط، إذ وراءَ كل منهما هناك اصطفافٌ كامل من الدول ذات الحجوم المتنوعة، لكنها الفعالة في مجالاتها، وليس بينها من يتقبل هزيمة الذات مقابل الآخر. هل نتصور مثلاً أن روسيا أو إيران ستخرجان من المعمعة صفر اليدين كل منهما، بعد أن كاد نظامهما يرتبط عملياً بمصير النظام الأسدي.

فقد باتت سورية أشبه بخط الدفاع الأول عن شرعية القيصيرية الروسية الجديدة، والخمينية الصفوية. كل منهما لن تتخلى عن مشروعها الكوني لمجرد التفريط بالمصير الأسدي الذي أضحى بذلك أقرب إلى موضوع رهان عالمي منه إلى مجرد مصير لرئيس فاشل أنجز مهمته، أو لم ينجزها ومشى.

جماعة الأسد الدوليين لا يفرّطون بنظامه وإن اضطر بعضهم إلى التفريط بشخصه، وفي المرحلة الراهنة التي لها عنوان واحد: سباق التسلّح، تتجدد إشكالات الاستعصاءات القائمة والنامية، منذ انطلاق الأحداث، سواء منها تلك الأوضاع المعقدة بين أجنحة الثوار من مقاتلين وسياسيين، وما بين الوطني والأجنبي، ومنها ما هو فكري وأيديولوجي. هذا وإن كانت الأفكار قد لعبت حتى الآن أدوارَها الأضعف في التحزبات القائمة.

لذلك يطفو العمل السياسي فوق ماهو سواه، وتحديداً في الخطوط الخلفية من ميادين النار، حيثما يسود منطق الصفقات وحده، ليس فقط في مجال عَقْد أو فكّ التحالفات أو الولاءات، ولكن فيما يتخطى هذه الهامشيات صورياً على الأقل، نحو تسليط الانتباه حول أسئلة الكينونة الثورية نفسها. أفعال هذه الكينونة أو ما يتكنَّى باسمها، سبقت أفكارها، وحين تتردَّى هذه الأفعال في مهادي الخطأ قد يتصاعد أحياناً صوت النداء على الفكر المنسيّ؛ فما نفْعُ الفكر بعد فوات الأوان ما أن تقع الواقعة، أو أن الفكر لن يكون له نفعٌ إلا في هذه اللحظات العصيبة، فلننظرْ ولننتظرْ..

سباقُ التسلح سيفرض سباقَ التصاعد بين المعارك والتباري بين نوعيات الفظائع المبتكرة. وسوف ينخرط الجميع في هذا السُّعار المجنون، لن تطلَّ العقلانية إلا عندما تصبح الصفقة السياسية هي مطلب الجميع، وإن لم تتلفّظ بها كل الألسنة، لكن لماذا لا يولد العقل إلا بعد العنف، فليأت إذن وإن وصل متأخراً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بوتين و"الشرعية" السورية

..لماذا لا يستحي؟

خيرالله خيرالله

المستقبل

الاثنين 24/6/2013

في سياق دفاعه عن النظام السوري وتبريره تزويده اسلحة متطورة يقاتل بها شعبه، لم يجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما يقوله سوى أنه يتعاطى مع "حكومة" شرعية. كيف يمكن أن تكون الحكومة السورية المنبثقة عن نظام غير شرعي، قائم على العائلة والطائفة، على علاقة بالشرعية من قريب أو بعيد؟ انه السؤال الذي لا يمكن أن يجيب عنه الرئيس الروسي، اللهم الاّ اذا كان ما زال يعتبر نفسه رئيسا للاتحاد السوفياتي ووريثا للينين وستالين وخروشوف وبريجنيف...الذي توقّف عنده التاريخ السوفياتي تمهيدا لبدء انهيار الامبراطورية التي حاولت التمدد في كلّ الاتجاهات استنادا الى ايديولوجية قائمة على القمع ولا شيء آخر غير ذلك.

يمكن اعتبار بريجنيف آخر زعماء الاتحاد السوفياتي. كان الجمود الذي شكّل سمة فترة حكمه الطويلة التي بدأت في 1964 وانتهت بوفاته في العام 1982 من بين الاسباب الاساسية لزوال القوة العظمى الثانية في العالم وتفكّكها. خلفه يوري اندروبوف ثم قسطنطين تشيرنينكو قبل أن ينتهي كلّ شيء عند ميخائيل غورباتشوف الذي أدرك أن لا أمل في انقاذ النظام القائم على القوّة العسكرية والاجهزة الامنية تحت غطاء الحزب الواحد الحاكم باسم البروليتاريا. من يتذكّر البروليتاريا والاهداف التي وظّفت من أجلها؟

من الواضح أن بوتين لم يتعلّم من تجربة الاتحاد السوفياتي. جاء الى بلفاست حيث انعقدت قمة الدول الثماني الكبار يردد الكلام نفسه الذي كان يردده أي مسؤول سوفياتي. حلّت سوريا والنظام فيها مكان إحدى الجمهوريات السوفياتية أو أحد بلدان اوروبا الشرقية، علما أن العالم تغيّر وأنّ الشعب السوري، مثله مثل أي شعب حيّ في العالم يرفض العيش في ظلّ نظام لا همّ له سوى إذلاله واستعباده وسلب خيراته في ظلّ شعارات عفى عنها الزمن وأكل عليها الدهر وشرب، شعارات من نوع "المقاومة" و"الممانعة".

لو كانت هناك مقاومة أو ممانعة، هل كان الرئيس الروسي عرض ارسال قوات الى الجولان للحلول مكان الوحدة النمسوية العاملة مع الامم المتحدة في المنطقة. هل من هدف آخر من العرض الروسي سوى تقديم ضمانات لاسرائيل بأنّ لا خطر من النظام السوري عليها وأن في استطاعتها البقاء في الهضبة المحتلة منذ العام 1967 الى أبد الآبدين... آمين.

ليس في الغرب، أي في اميركا واوروبا من هو على عجلة من أمره في الموضوع السوري. ما الفارق بالنسبة الى الرئيس باراك اوباما اذا انتهى النظام السوري، وهو انتهى فعلا، ورحل عن دمشق بعد قتل مئة ألف سوري أو مئتي ألف سوري؟ من الواضح أن مئة ألف قتيل سوري زيادة لا تعني له شيئا ما دام لا تهديد لأمن اسرائيل!

كان مفترضا في الشعب السوري أن يجد في روسيا الاتحادية داعما له ولثورته، فاذا به في مواجهة حلف روسي- ايراني لا همّ له سوى تدمير سوريا وتفتيتها في حال لا يستطيع وضع يده عليها كلّها.

المؤسف أن روسيا التي تخلّصت من ديكتاتورية الحزب الواحد واجهزته الامنية لم تشفَ بعد من عقدة الاتحاد السوفياتي الذي لم يمتلك فيه نظام الحزب الواحد الحاكم أي نوع من الشرعية في أي يوم كان...الاّ اذا كان القتل والسجن والمعتقلات والمستشفيات العقلية التي أقيمت في سيبيريا وغيرها تصنع شرعية من نوع خاص جدّا.

كان الامل كبيرا في أن يطرأ تغيير على تصرف فلاديمير بوتين، خصوصا أنه يعتبر نفسه صاحب شرعية حصل عليها من الشعب الروسي الذي انتخبه رئيسا. لا يستطيع المراقب المحايد الشكّ في شرعية الرئيس الروسي على الرغم من أن قسما لا بأس به من الشعب الروسي يمتلك اسبابا وجيهة تسمح له بالاعتراض على الطريقة التي وصل بها بوتين الى الرئاسة مرّة تلو الاخرى.

ظاهرا، يمتلك بوتين شرعية ما ولكن ماذا عن شرعية النظام السوري القائم والحكومة المنبثقة عنه التي تصرّ روسيا على بيعها اسلحة؟

في الواقع، لا وجود لأيّ شرعية لدى النظام السوري الذي هو نتاج انقلاب عسكري قامت به مجموعة من الضباط في الثامن من آذار- مارس 1963. غطى الضباط انفسهم بحزب البعث ومدنييه في البداية وما لبثوا أن انقلبوا عليه. أما ما جرى بعد ذلك، فهو معروف جيدا مع صعود الثلاثي العلوي( صلاح جديد ومحمّد عمران وحافظ الاسد) الى الواجهة ثم إبعاد عمران وسجن جديد وصولا الى استحواذ حافظ الاسد على السلطة كلّها في العام 1970.

ومعروف جيّدا أيضا كيف خلف بشّار الاسد والده وكيف جرى تعديل الدستور ليلائم عمر الرئيس الجديد...وكيف صار الحكم في يد العائلة بعدما كان في يد الطائفة وبعض الضباط من سنّة الارياف الذين ارتضوا لعب ادوار معيّنة من أمثال حكمت الشهابي أو مصطفى طلاس...

وما هو معروف أكثر من ذلك كلّه أن الشرعية الوحيدة التي يمتلكها النظام السوري هي تلك التي يستمدها من سفكه لدماء السوريين واللبنانيين والفلسطينيين وعددهم بعشرات الآلاف. هؤلاء قضوا على يد نظام لم يتردد يوما في استخدام المدافع وراجمات الصواريخ السوفياتية او الروسية، لا فارق، لقصف مدن وقرى سورية ولبنانية ومخيّمات فلسطينية.

ما ليس معروفا، كيف لا يستحي رئيس روسيا عندما يتكلّم عن "شرعية" في سوريا؟ كيف يمكن أن يسمح لنفسه بتجاهل ما يدور على الارض السورية منذ سنتين واربعة أشهر. لم يعد السؤال: هل تعلّم بوتين شيئا من تجربة الاتحاد السوفياتي؟ السؤال كم عدد القتلى الذي يحتاجه ليقتنع بأن ليس في استطاعة نظام انتصار على شعبه مهما امتلك من السلاح المتطور ومهما استعان بالغرائز المذهبية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا والقرارات السرية!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

الاثنين 24/6/2013

أقر وزراء خارجية إحدى عشرة دولة في مجموعة أصدقاء سوريا بالدوحة خطة لتقديم مساعدات عسكرية نوعية للجيش السوري الحر من شأنها تحقيق التوازن على الأرض، ودفع بشار الأسد للاستجابة لجهود السلام، إلا أن المشاركين بمؤتمر الدوحة لم يعلنوا عن تفاصيل هذا الدعم!

الشيخ حمد بن جاسم، رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها، قال بعد المؤتمر، إن الاجتماع اتخذ «قرارات سرية في كيفية التحرك العملي لتغيير الوضع على الأرض في سوريا»، والإشكالية مع «سرية» القرارات هذه أنها ترفع سقف التوقعات، وتمنح الأسد وحلفاءه الفرصة لتضليل الرأي العام، وتحديدا الموالي لهم، فمنذ اندلاع الثورة والأسد يحاول تكريس صورة طائفية عن الثورة، وهو ما نجح فيه للأسف ليس لدى البعض في سوريا، أو الطائفة الشيعية، فقط، بل وحتى بدول الغرب التي ثارت على «جبهة النصرة»، مثلا، بينما كانت ردود فعلها على تدخل إيران وحزب الله، واستخدام الأسلحة الكيماوية، باردة، بل ومستفزة.

والواضح الآن أن إيران والأسد، ومعهم الموالون لطهران بالعراق، قد استثمروا مطولا إرهاب 11 سبتمبر (أيلول) في أميركا، وأجادوا في تكريس أن جميع السنة إرهابيون، وهذا ما يتضح اليوم بردود الفعل الغربية حيال جرائم الأسد وإيران وحزب الله في سوريا. وعليه، فمن الصعب تقبل فكرة «قرارات سرية» في معركة رأي عام تمس ديانات، وطوائف، وتيارات، متباينة، كما أن خطورة سرية القرارات هذه أنها ترفع سقف التوقعات، ومن دون بينة واضحة، وخصوصا أن السوريين قد ملوا الوعود طوال العامين الماضيين، حيث كان الغرب، وتحديدا فرنسا وبريطانيا، يطلقون التصريح تلو الآخر من دون فعل شيء ملموس، بينما كانت شحنات الأسلحة الإيرانية والروسية ترسل بتزايد للأسد، حتى وصل الأمر لتدخل حزب الله علنا.

ما يجب أن يدركه أصدقاء سوريا، والمعارضة، أن المعركة ليست بالميدان فحسب، بل وفي الإعلام أيضا، وهذا ما أدركه جيدا كل من إيران والأسد الذي يلتقط نظامه كل صغيرة وكبيرة للنيل من سمعة الثورة، وأبسط مثال قصة أكل قلب أحد جنود النظام، والتي لا نعلم مدى حقيقتها، وخصوصا أن أكاذيب نظام الأسد لها أول وليس لها آخر، لكن رأينا كيف تحدث الرئيس الروسي عن تلك الحادثة، ومثله وزير خارجية إيران، والآن وبعد كل ذلك يخرج علينا مؤتمر الدوحة متحدثا عن «قرارات سرية»، وما سيحدث الآن هو أن نظام الأسد وإيران، ومعهم الروس، سيتولون القيام بشرح هذه القرارات السرية كيفما شاءوا، ويشوهون صورة أصدقاء سوريا، إعلاميا، ويستغلونها بعد ذلك دبلوماسيا، ثم يجد أصدقاء الشعب السوري أنفسهم في حالة دفاع ويخرجون مبررين، ونافين!

الحقيقة أن مدى، وفاعلية، الدعم المقرر للجيش الحر سيتضح من خلال ما يتم على الأرض، وهذا لن يكون سرا، لكن القلق هو من إعطاء الذرائع للأسد وحلفائه، لتشويه سمعة الثورة والثوار، وما علينا الآن إلا مراقبة كيف سيستغل الأسد وحلفاؤه عبارة «قرارات سرية»!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أيديهم أوكت وأفواههم نفخت .. هذه المخرجات هي بنت المدخلات

27.06.2013

زهير سالم

يشتكي الكثير من المعارضين السوريين مما آل إليه حالهم . يشكون على كل صعيد  ويضعون  الحق في شكواهم على الطليان ..!!

 

ولنواجه الحقيقة عارية – والعري فاضح – كما يقولون فعلى الممسكين بقرار المعارضة كل في دائرته أن يعترف أنه المسئول عن معطيات الواقع بكل ما فيه . وأن اللجوء إلى الحديث عن المؤامرة الكونية الكبرى هو خُلُق من ثرنا عليهم من أمثال بشار الأسد ..

 

 كل التجارب العلمية المادية والإنسانية  تقول لنا إن المدخلات هي التي تحدد المخرجات . و التشكيك في هذا يعني هروبا من الحقيقة ومن الاعتراف بالمسئولية  ..

 

أولا على مستوى البنى السياسية :

مهما يكن حجم التدخل الخارجي – المعترف به – في شأن الائتلاف الوطني . فإن وضع الائتلاف الوطني لا يسر الصديق ولا يغيظ العدا . الشللية أنجبت شَللا . غياب العقلاء عن المشهد ، تغليب المصالح الآنية والشخصية ، والجري وراء سراب الأمجاد الفردية ، وتواري الحكمة ؛ كل أولئك الأمور وضعت الائتلاف في الوضع الذي نرى . ولو أنجز قادة الائتلاف فيما بينهم  موقفا وطنيا منيعا لتعاملوا مع كل التحديات التي تواجههم  بالحكمة وبما يعود على الثورة بالخير وعلى المعارضة بالقوة ..

 

وثانيا – على مستوى القوى الثورية :

وبدل أن يكون دور المعارضة البالغة الراشدة ضبطا وربطا وتوحيدا للقوى المتشكلة بفعل الثورة  على الأرض فإن الذي حدث ويحدث هو العكس ، فقد انعكس شتات المعارضة تشتيتا للواقع على الأرض . وثمن الفرقة على الأرض ليس أصواتا تعلو على الفضائيات وإنما هو مشكلات من نوع آخر وكلفتها أخرى . كلفتها صعبة على كل المحاور والمستويات .

 

حين تسأل أصحاب القرار من المسئول عن كل هذا تسمع تعليلات وتحليلات من نفس تحليلات وليد المعلم كل شيء يحل بإطلاق المزيد من الاتهامات ...

 

ثالثا - على مستوى العلاقات السياسية ..

لم تستطع قيادات المعارضة السياسية على اختلاف دوائرها أن تؤسس تحالفات إقليمية يعتد بها . مواقف كل دول الإقليم التي كانت مؤيدة للثورة تراجع وما يزال يتراجع . السبب مرة اخرى تخبط أصحاب القرار في سياساتهم . أو تعاطيهم بضلالة سياسية مع دول الإقليم : الموقف التركي والموقف السعودي والموقف القطري والخليجي والمصري مواقف هذه الدول يتراجع ، أو يحجّم أو يدخل في إطار من المنافرات بسبب غياب الحكمة عن صانع القرار السياسي ، أو تخبطه في طرائق تأتيه ، أو ضعف إدراكه لقواعد وأصول العمل السياسي .

 

وبدلا من أن تسبق قيادات المعارضة إلى أن تكون ( ملاطا ) يجمع بين ركائز الموقف الإقليمي لمواجهة تحدي المحور( الروسي – الإيراني وتوابعه ) فقد رهن كل فريق من المعارضة موقفهم لمصلحة هذه الدولة أو تلك مما زاد الموقف الإقليمي نفارا والصراع استعارا فلا تكاد تسمع إلا معارضين سوريين يردون على معارضين أو يسفهون موقفهم وآرائهم أو يتهمونهم بما لا يحمد بل بما يعاب  ..

 

لا يستطيع عاقل أن يخلي قادة المعارضة في مواقعها ودوائرها الهرمية من مسئولية . إن السياسات الاعتباطية والمرتجلة والتي لا تقوم على قواعد العمل السياسي والدبلوماسي الركينة هي المسئولة عما آلت إليه علاقات الثورة السورية السياسية .

 

وعلى مستوى رابع ..

نراقب حجم البرود الإعلامي العربي والإسلامي في التعاطف مع ما يجري في سورية . وبينما يقر كل فقهاء الإسلام أن الإثم والمنكر الواقع على أهل سورية هو أكبر من الإثم الذي وقع على الأمة  بالرسوم المسيئة بمرات ومرات يعجز إعلام المعارضة شكلا ومضمونا عن إيصال صوتها  لأمة الإسلام وملايين المسلمين . بغير الضعف والعجز وفقدان البوصلة لا نستطيع أن نفسر المشهد الإعلامي في التعاطف مع الثورة السورية مع حجم المأساة وعمقها .

 

في يومين من العدوان على غزة منذ أشهر هاجت الجماهير العربية وماجت وهذا حق وواجب ولا مرية فيه ، ولكن الشعب السوري يبقى بلا نوائح لأنه لا نوادب حقيقية له.

 

ليس هناك هيئة إعلامية راشدة تأخذ على عاتقها وضع رسالة إعلامية والتحرك بها على مربعات الجغرافيا الإنسانية بحجم أهميتها . لا عجب أن يجد كاميرون وأولاند عوائق من الرأي العام في بلادهم تمنعهم من تأييد الثورة ما دامت جيوش بشار الأسد تعمل بجد وعلمية وتخطيط وإعلام ثورتنا يختار طرائق التخبط والتخبيط ..

 

ليس هذا جلدا للذات ، ولا هو انضماما لمشروع تقاذف الإدانات بل هي طريقة من الاعتراف الذاتي – المونولوج الداخلي – لا تتطلع إلى إدانة شخص أو مجموعة أو فريق بل هو دعوة للمراجعة . دعوة للانخراط عمليا في عصر العقل والعلم والتخطيط والتحرك ضمن شروطه وإهابة للانحياز إلى صف الكبار ؛ الكبار الذين يمكن أن يكونوا سياسيين وثوريين ، وأن يكونوا إسلاميين وعلمانيين ومدنيين وقوميين وليبراليين، وأن يكونوا مسلمين ومسيحيين وسنة وعلويين ودروزا وإسماعيليين، وأن يكونوا عربا وكردا وتركمانا وشركس .

 

هذه ثورة كبيرة عظيمة لا يحمل عبئها إلا الكبار وخلاف ذلك فلن يقال لنا إلا أيديكم أوكت وأفواهكم نفخت ...

لندن :  18/ شعبان / 1434

27 / 6 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حين يكون الجهاد في خدمة النظام!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 23/6/2013

تسير ثورة السوريين ضد نظامهم نحو إتمام عامين ونصف من عمرها بمزيد من الغموض الذين يلف مصير سوريا والسوريين. ففي اللوحة العامة للصراع بين النظام والثورة، ثمة توازن للقوة أو للضعف بحيث إن أحدا منهما، ليس بمقدوره التفوق على الآخر، وليس بقدرة طرف أن يهزم الطرف الخصم، وأن الصراع بينهما في حركة مد وجزر، يتقدم أحدهما في منطقة، ويتراجع آخر في غيرها، ثم يحدث عكس ذلك في منطقتين أخريين في وقت لاحق. غير أن ذلك التوازن مهما كانت تفاصيله، لا يعني، أن طرفي الصراع في سوريا متساويان. فالجوهري أن النظام بما كرسه من سياسات وممارسات في قتل الشعب وتدمير البلد، يسير إلى هزيمة مادية وسياسية بعد هزيمته الأخلاقية، وأن الثورة بما فيها من مطالب للحرية ورفض للظلم والقهر والاستعباد، تذهب إلى نصر، رغم كل الترديات الأخلاقية التي باتت تحيط بواقع الصراع في سوريا ولا سيما لجهة ما يرتكبه النظام القاتل.

ووصول الصراع في سوريا إلى وضعه الراهن، إنما هو ثمرة لتحولات جوهرية في ثورة السوريين وعلاقاتها في المستويات كافة. ففي طبيعة العلاقات الداخلية بين الثورة والنظام برز التفوق السياسي والأخلاقي للثورة على النظام منذ اللحظات الأولى، التي كرست جبهتين واضحتين؛ جبهة تطالب عبر نضال سلمي بالحرية وبالحق في اختيار النظام والقادة والمستقبل، وجبهة يطلق القائمون فيها وعليها النار على الحشود السلمية من المتظاهرين والمعتصمين وغيرهم.

ورغم تفوق القوة وجبروتها في أدوات القتل والإكراه التي يملكها النظام، فإن الثورة استمرت في تقدمها وتعزيز صفوفها باتجاه تحقيق أهدافها، مما دفع بالنظام إلى تغييرات في سياسته وتكتيكاته، كان الأبرز فيها خطين أساسيين؛ الخط الأول السعي نحو نقل الصراع في سوريا من طابعه السياسي بين النظام والشعب إلى صراع طائفي ديني بين أطراف في النسيج الوطني الجامع للسوريين. والخط الثاني كان السعي إلى إخراج الصراع من طابعه الداخلي وتحويله إلى صراع له امتدادات خارجية، بمعنى إعطاء الصراع بعدا إقليميا ودوليا، عبر إدخال أطراف خارجية في صراع له طبيعة داخلية.

ورغم أن ثمة انفصالا قائما بين الخطين في البعدين الداخلي والخارجي، فقد استطاع النظام اللعب على المشترك فيهما، فأخذ الطابع الطائفي الديني المحلي إلى امتداده الخارجي، فلجأ إلى تحالف عميق مع كتلة إقليمية أساسها إيران وحزب الله وميليشيات مسلحة في العراق وأدخلها إلى عمق الصراع المسلح وإعطائه طابع الصراع السني - الشيعي، ثم عزز الدور والوجود الروسي - الصيني في تحالفه الدولي، ولكل من الطرفين تخوفه من الإسلام عبر التركيز على الطابع الإسلامي - السني للثورة في سوريا، وجمع إلى ما سبق المستوى العالي من العداء العالمي للتطرف الإسلامي، ليصل في دعايته وادعاءات حلفائه إلى التركيز على الثورة السورية باعتبارها «ثورة إسلامية سنية متطرفة»، تستجر العداء لها من أطراف خارج تحالفات النظام.

ولئن كانت محصلة مساعي النظام في جهده عبر الخطين كانت محدودة، ولا سيما في الخط الأول، فإنها كانت كافية للحفاظ على وجوده من جهة وعلى استمرار الصراع في سوريا وتصاعده بهدف إحداث تحولات في الوضع القائم، تسمح للنظام باستعادة سيطرته على الوضع، وإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل انطلاق الثورة في مارس (آذار) 2011. وهذا النجاح الجزئي، ما كان ممكنا لولا موجة دعوات الجهاد، التي بدأت في العام الأول من الثورة، وما زالت تتواصل حتى الآن.

لقد بدأت الدعوات من جانب جماعات متطرفة من أخوات تنظيم القاعدة بهدف تصعيد الصراع، وجلبت معها جهاديين في جماعات متطرفة، وآخرين أسسوا لجماعات تطرف في سوريا، ثم امتدت الدعوات إلى هيئات إسلامية من مناهج أخرى بهدف مساندة السوريين في الصراع فجلب متطوعين، ليصيروا متطرفين محتملين، فيما كانت أغلب دعوات الجهاد داخل الثورة السورية هدفها الوقوف في وجه النظام وإسقاطه، لكنها هي الأخرى لم تكن بعيدة عن توفير بيئة تدعم وتساعد في التطرف.

واستجرت دعوات الجهاد السابقة وبصورة موازية دعوات جهاد من الطرف الآخر المعادي للثورة في سوريا، لم يكن هدفها تعزيز سبل وقوى الدفاع عن النظام فقط، وإنما تصعيد الصراع وديمومته وخلق امتدادات له، وهي أهداف مقاربة لمحتوى أهداف دعوات الجهاد لدى الأطراف الأخرى. وكان بين هذه الدعوات ما صدر عن إفتاء النظام وأبواقه الدينية من أجل الدفاع عن النظام، ثم توالى صدور فتاوى إيرانية وأخرى في أوساط حزب الله وبعض المرجعيات «الشيعية»، التي وإن لم يكن الدفاع عن النظام هدفها المباشر، فقد كانت محصلتها في ذلك السياق سواء كان هدفها حماية «السكان الشيعة» أو حماية «المراقد الشيعية» في سوريا، وكلاهما عاش مئات السنيين دون أن يحيطه أو يتهدده الخطر فيها.

لقد عززت دعوات الجهاد في جانب منها الجهود إلى عسكرة الثورة والتسلح في سوريا، ثم جلبت أوساطا من المتطرفين إليها، وكانت عاملا مهما في استيعاب وتنظيم أخوات لـ«القاعدة»، وتجاوزت ما تقدم في خدمة التطرف «السني» إلى خدمة التطرف «الشيعي»، وتتجاوز في الحالتين خدمة النظام مباشرة أو بصورة غير مباشرة إلى تصعيد حمى الصراع الديني والطائفي في المنطقة وفي العالم، لكنها في الأهم من ذلك كله، لم تنفع في الدفاع عن السوريين، ولا استطاعت أن تحقق انتصارا لثورتهم، التي تحتاج بالفعل إلى دعوات وجهود مختلفة وكثيرة من أجل الانتصار على النظام القاتل والمدمر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية.. وقصة البشرية على الأرض

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 23/6/2013

}وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء ونحنُ نُسبّحُ بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلمُ ما لاتعلمون{.

بغضّ النظر عن الحشو الذي يملأ بتفاصيله التفاسير التقليدية للقرآن الكريم بخصوص الآية المذكورة أعلاه، يكفينا أن نعرف من الآية أن ثمّة جانباً في طبيعة الإنسان يتعلق بالإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها، وأن البشرية عاشت وستعيش آثار هذا الجانب إلى أن يشاء الله. لكن الآية ومايتلوها من آيات في سورة البقرة تعطينا مؤشراتٍ قاطعة على أن هناك حكمةً كبرى من وجود هذا الإنسان على الأرض، وأن هذه الحكمة مقرونةٌ بالعلم بكلّ معانيه وتجلّياته.

لانريد الدخول في جدلٍ فقهي أو فلسفيٍ في هذا المقام، وإنما حسبُنا أن نُذكّر كل من يلطمُ نفسه ويندبُ حظّه ويجلدُ نفسه وغيره من السوريين، ثم يمتدُّ بعمليات اللطم والنّدب والجلد إلى الثورة السورية، نُذكّرُه بأن مايجري في سوريا منذ عامين ونيّف هو جزءٌ من قصة البشرية على هذه الأرض. وأن لديه واحداً من ثلاثة خيارات: فإما أن يستقيل من هذه القصة البشرية بطريقةٍ ما، أو أن يصمتَ وينزوي في عزلةٍ تمنعهُ من القيام بممارسات التخذيل والتيئيس، قصداً أو عن غير قصد،أو أن يتماسكَ بشكلٍ يليق بإنسانيته وبنفخة روح الله فيه، ويستفرغَ الوسع ليحاول أن يكون جزءاً من الحلّ بأي طريقة.

وحتى لا نُفهم بشكلٍ خاطىء في مثل هذا الموضوع الحسّاس، نؤكد على أن كلامنا السابق موجهٌ تحديداً للسوريين الموجودين خارج سوريا، أما أبناء سوريا الأبرارُ المرابطون على أرضها، من الصابرين على الثغور في كل مجال، فما من كلمةٍ تُقال لهم يمكن أن تفيهم ولو جزءاً يسيراً من حقّ تضحياتهم وبطولاتهم.

بل إن حديثنا أعلاه يُمثّلُ دعوة للملمة الصفوف نفسياً وفكرياً وعملياً، وعلى جميع المستويات، للتركيز على خدمة ثورةٍ كان مصيرُها منذ البداية أن تكون تمهيداً لصفحةٍ جديدةٍ في التاريخ الإنساني. .

لايعني كلامنا السابق أيضاً رفضَ الحديث عن أخطاء الثوار . فمثلُ هذا الرفض لن يكون بحدّ ذاته سوى خطيئةٍ هي أكبرُ من كل تلك الأخطاء. لأن من ملامح مسيرة الثورة السورية نحو كمالها أن تُراجع نفسها وتنفي عنها الخبَث في الأفكار والممارسات والأشخاص والمواقف.

لايهمّنا هنا على الإطلاق أيُّ اتهاماتٍ تُحيل كلامنا في هذا المقال إلى الأحلام أو التفكير الرغائبي، ولن نقف لحظةً عند أي تفسيراتٍ تضعه في خانة (عدم الواقعية) و(العاطفية) .

ولن نتزحزح قيدَ أُنملة عن يقيننا الجازم بخصوصية الثورة السورية بشكلٍ عام، وبأنها خطوةٌ على طريق تغييرٍ تاريخي، سيكون طويلاً، وسيكون مليئاً بالتحديات، لكن الإنسانية لم تعد فقط بحاجةٍ إليه، بل إنها صارت جاهزةً له وتنتظره

لهذا، يبدو طبيعياً، أن نرى قصة البشرية تتجسّدُ في أحداث الثورة السورية بشكلٍ لايراه ولن يراهُ إلا أصحاب البصائر.

ففي هذه الثورة، تتكرر قصة قابيل وهابيل..

وفي أجوائها نعيش قصة نوحٍ عليه السلام يدعو قومه تسعمائة عام للخير والحق والعدل! وهم مُعرِضون، فلا يكون الحلُّ معهم إلا بـ(الطوفان)..

نعيش في الثورة السورية نماذج من صبر أيوب على بلائه.. ومن رحلات خليل الرحمن إبراهيم بين الشك والإيمان.. وصولاً إلى انبلاج يقينٍ يدفعهُ إلى تحطيم الأوثان.. ثم نعيش معه رحلته اللاحقة إلى حيث يجب أن تُوضع اللبنة الأولى للبيت الحرام.

نعيش مع هاجر (تسعى). وحدها.باحثةً لصغيرها عن نقطة ماءٍ لم يرد الله له أن يتفجّر بالخير والبركة، إلا من خلال ذلك السعي الإنساني الطويل الشاق..

نتذكر قصة يونس، النبي الصالح من نينوى، (ذا النون)الذي (ذهب مُغاضباً).. فلم يجد نور الحقيقة ويُدرك طبيعة مهمته إلا عندما أصبح في بطن الحوت..

نتأمل في قصة هود مع قومه عاد } إرمَ ذات العِماد، التي لم يُخلق مثلها في البلاد{. قومٌ استكبروا واستعلوا بغرورهم وظُلمهم حتى صار بهم ماصار.. ليأتي بعده صالح إلى قوم ثمود الذين خلَفوا عاداً في الأرض، وكان المفروض أن يتعلموا منهم الدرس، ولكنهم لم يفعلوا..

نعيش في الثورة السورية مع عجائب رحلة كليم الله موسى والدلالات الكبرى لقصته مع فرعون من جانب، ومع قومه بني إسرائيل من جانبٍ آخر.

لنصل في نهاية المطاف إلى محمد، عليه وعلى الرسل كلهم السلام.

فنعيش معه في الثورة السورية كيف يُحاربه قومهُ ويحاصرونه ويجوّعونه وينشرون عنه الأكاذيب ويُشوّهون سمعته، لأنه جاء يهدم كل الأصنام الفكرية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تُحقّقُ مصالح زعماء قريش. يذهب إلى مكان اسمه (الطائف) ليعرض على أهله دعوته، فيلاقوه بالسخرية والاستهزاء والإيذاء حتى يُضطرّ إلى أن يدعو ذلك الدعاء العجيب: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهَوَاني على الناس..... إلى من تكِلُني؟ إلى عدوٍ يتجهّمُني، أو إلى قريبٍ ملّكتهُ أمري..... «.

يُرسل القلّة المؤمنة إلى مكانٍ آخر اسمه (الحبشة) لأن فيها ملكاً نصرانياً عادلاً «لا يُظلم عنده أحد». فيجدون الأمن والأمان لفترة من الزمان.

ثم نعيش في الثورة السورية أجواء قصة الهجرة الكبرى.

حين يخرج الرسول من مكة (مهاجراً)، لكنه يخرج منها كارهاً. ينظر إليها حزيناً ويخاطبها قائلاً: «والله إنك لأحبُّ بلاد الله إلي، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أُخرجتُ منكِ ماخرجت».. لكنه يتوجه بعدها إلى حيث يبني (المدينة). مدينة النظام والميثاق مع الآخرين. . لتُشعّ منها بعد ذلك خلال عقود أنوار الحضارة في كل مجال.

وبعد قرون طويلة، يبسَت خلالها جذور تلك الحضارة. وأصاب العفنُ ملامحها الثقافية والاجتماعية والروحية والاقتصادية والسياسية، يدور الزمن دورةً أخرى، لتبدأ رحلةُ الاستعادة.

وليس كثيراً على الله أن تبدأ، ولو جزئياً، ولو بشكلٍ من الأشكال، رحلةُ استعادةٍ حضارية تنتظرها البشرية من سوريا. بكل مايحملهُ تاريخُها من خبرةٍ ومحبةٍ، وإبداعٍ وجمال، ومحبةٍ للعمل والإنتاج، وتآلفٍ إنسانيٍ بين مكونات شعبها لايمكن أن تمحوه الأيام.

هذه هي قصة الثورة السورية، تختصرُ التجربة البشرية على هذه الأرض..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا والعرب... قبل وبعد مؤتمر الثماني

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 23/6/2013

ما اتفقت الدول الصناعية الكبرى في مؤتمرها الأخير في 17/6/2013 بشأن سوريا إلا على أمرين اثنين: إصدار قرار دولي بلجنة تحقيق في استخدام الكيماوي في سوريا، وإنفاق مليار ونصف المليار دولار على الشؤون الإنسانية في سوريا. وفي المؤتمرات الصحفية أصرَّ الغربيون، وخاصة أوباما وكاميرون وهولاند، على أنهم اختلفوا مع الرئيس الروسي على مصير الأسد. فقد ظلّ الروسي مصراً على اعتبار الأسد جزءاً من التسوية أو من المرحلة الانتقالية؛ بينما ظل الآخرون مصرين على أن الأسد ما عاد له مكان لا في المرحلة الانتقالية ولا بعدها. وقد تابعتُ الإعلام الغربي خلال الأيام الماضية فاختلفت وجهات النظر في وقائع النقاش حول سوريا، وفي النتائج الحقيقية. فكان هناك من قال: بل إن المؤتمر أنجز أموراً أُخرى إلى جانب القرارين المعْلَنين. فقد تقدم كاميرون بخطة من خمس نقاط للحل السياسي تجاهل فيها ذكر مصير الأسد. وما اختلف بوتين مع تلك الخطة إلا في دور الأسد خلال المرحلة الانتقالية، ومعنى أن تكون الحكومة الانتقالية كاملة الصلاحيات، وبيد مَنْ تكون الإمرة على قوات الجيش والأمن. وفي كل هذه النقاط رأى الروسي أن للأسد دوراً مهماً، وإلا فما معنى أن تتشكل الحكومة المرتجاة من قوى النظام والمعارضة. إذ لا نظامَ بدون الأسد ومعاونيه السياسيين والعسكريين والأمنيين. والأمر الآخَرُ الذي اتفق عليه المجتمعون هو إبداء القلق من صعود التطرف الإسلامي، وتحول النزاع إلى طائفي في الكثير من جوانبه، مما يهدّد المصير إلى مستقبل ديمقراطي في سوريا. وهذا كله يعني أن مؤتمر جنيف2 يظل ممكن الانعقاد وبحضور إيران!

بينما رأى إعلاميون غربيون آخرون أن مساحة الاتفاق كانت ضئيلة، وأن البيان الختامي أُريد منه سَتْر الخلاف من أجل الموضوعات الأُخرى المشتركة، والمصالح الكبرى بين الغرب وروسيا. ولذا فقد انتهى هؤلاء إلى أنّ مؤتمر جنيف 2 صار بعيداً، وبعيداً جداً، دون أن يعني ذلك قطيعةً مع روسيا. فبين الأطراف عدة موضوعات لا يمكنهم الاختلاف عليها، وفي طليعتها النووي الإيراني، وأمن إسرائيل. والمفهوم أنّ إسرائيل ما رأت حتى الآن مصلحةً لها في زوال النظام السوري، دون أن يعني ذلك أنها ليست منزعجةً من زيادة نفوذ إيران في سوريا، ونقل السلاح الكثيف من سوريا إلى «حزب الله». وبالإضافة إلى التعاون الروسي الضروري في النووي، هناك الفكرة التي صارت سائدةً بعد فوز روحاني، وضرورة إعطائه فرصة لعدة أشهُر، لاستيضاح نياته وخططه المغايرة لخطط نجاد والحرس الثوري في هذه المسألة بالذات. وقد استمع الجميع إلى الرئيس الجديد في مؤتمره الصحفي، والذي بقي خلاله في العموميات باستثناء سوريا التي قال إنّ شعبها هو الذي يقرر مصائر نظامه، والأسدُ رئيسُهُ الشرعي حتى عام 2014!

إنّ الاستنتاج الأول إذن، رغم اختلاف الآراء، هو أن الملف السوري ما تغير فيه شيء بارز. فروسيا ستظل ترسل السلاح الثقيل للأسد، بينما يبدأُ الغربيون بإرسال أسلحة دفاعية فعالة للمعارضة (المعتدلة)، أي «الجيش السوري الحُر». أما إيران فستظل تندفع أكثر في إرسال السلاح والعتاد والخبراء والمقاتلين، من الحرس الثوري و«حزب الله» وميليشيات العراق وبعض الشيعة العرب الآخرين. وما عاد أحد من الغربيين يتحدث عن إسقاط النظام، ليس خوفاً من الفوضى فقط، بل ولأن النظام وإن لم يبق منه الشيء الكثير، فهو قوي بفرق النخبة، وبروسيا، وإيران، ولا يمكن إسقاطُهُ إلا في حرب ضَروس ومباشرة بين الأطلسي والروس، وهذا أمر لا يريده أو لا يستطيعه أحد!

بعد كل هذه التفصيلات، السلبية وشديدة العُسْر؛ أين هي الثورة السورية الآن؟ وأين هُمُ العرب، قبل مؤتمر الثماني وبعده؟

أولُ ما يمكن قوله إن الصراع تحوَّل في جوهره أو أساسه إلى صراع بين إيران والعرب، ساحتُه الرئيسية الآن سوريا، لكنها كانت قبل الآن في العراق ولبنان حتى انحسمت مؤقتاً بعد عام 2009/2010 على تسلم العراق، وما شهدوا تحدياً عربياً عندما استولوا من بعد على حكومة لبنان وسائر مؤسساته ومرافقه. الثورة السورية وجّهت ضربة قوية للنفوذ الإيراني، ليس في سوريا فقط؛ بل في لبنان والعراق أيضاً. لذلك سارع الإيرانيون للتصدي بالتدريج وصولا لإرسال الجيوش والميليشيات. وفي الوقت نفسه سارع الشبان العرب، وبقدر ما استطاعوا، في لبنان والعراق والأردن، لمساعدة الثوار السوريين، ولتصعيد الاحتجاج في بلدانهم ضد السيطرة الإيرانية على الأنظمة القائمة في لبنان وسوريا والعراق. ورغم ظروف وفوضى «الربيع العربي»، فإن الشباب العرب خارج سوريا تقدموا أيضاً لدعم الثورة في سوريا. إنما للمرة الأولى بعد الغزو الأميركي للعراق، ما ظل الأمر قاصراً على مزاج الجمهور الشاب وإمكانياته، بل تدخلت أطراف عربية خليجية رسمية لصالح الثوار السوريين من خلال الجامعة العربية، ومن خلال المؤسسات الدولية، وبطرائق غير مباشرة ومباشرة عبر الأردن وتركيا. وبالطبع ما كان الدعم العربي للثورة مُضاهياً للجهدين الإيراني والروسي. لكن رغم ذلك فإن إيران اضطرت لاعتبار الحرب حرباً دينية أو طائفية، وبفتوى من الخامنئي أعلنها «نصر الله» حرباً شيعيةً على التكفيريين لحماية المزارات المقدسة، ولحماية الشيعة، ليس في سوريا فقط؛ بل وفي كل مكان. لقد قال لمقاتليه في إحدى المرات قبل ستة أشهر: قاتِلوا عن مقدساتكم في سوريا، قبل أن تُضطروا للقتال عنها في النجف وكربلاء وقم!

والشيعة في سوريا أقلّ من واحد في المائة من عدد السكان، وكما أنهم ليسوا في خطرٍ هناك، فهم ليسوا في خطر في لبنان أو العراق، الخاضعين لهم منذ مدة. فالمسألةُ مسألةُ مناطق النفوذ التي اصطنعتْها إيران خلال العقد المنصرم، وهي تريد الاحتفاظ بها بأي ثمن. وإلا فكيف وهي المحاصَرة والمتعبة اقتصادياً، أن تُنفق ليس على نظام الأسد فقط؛ بل وعلى شراء السلاح له من روسيا ومن كلّ مكان. وهذا الأمر الذي أدركه الشعب السوري منذ مدة، ما أدركناه نحن العرب الآخرين إلا قبل نحو عام. بالنسبة لإيران فالصراع يدور على مناطق النفوذ، لكنه بالنسبة لنا نحن العرب صراع على الأوطان والدول والهوية والانتماء. ويريده شباننا المتحمسون، إسلاميون وغير إسلاميين، صراعاً على التسنُّن والتشيع والتشييع. ويوافقُهم على ذلك بعضُ المشايخ، تبعاً لخطابات «نصر الله» وآخرين، بنفس المعنى. والطريف أن الروس والغربيين يصدقون شباننا المتحمسين ولا يصدقون «نصر الله» وخامنئي الذي سارع للتهنئة بالانتصار على بلدة القُصير، ونشر الرايات السود على جامع عمر بن الخطاب فيها! ومع ذلك، ورغم تأجج الدعاوى من الطرفين؛ فإن الصراع ليس بين الشيعة والسنة، بل هو صراع على الهوية والانتماء والأطان والبلدان والدول وبقاء المجتمعات. ولأنه كذلك، يفعل النظام السوري والإيراني و«حزب الله»، ما لم يفعلْهُ أحد في العالم بعد الحرب الثانية، ربما باستثناء التوتسي والهوتو برواندا وبوروندي، أي أنهم يشنون حرباً لإبادة وتهجير على الشعب السوري، ويهددون بهذه الإبادة وهذا التهجير اللبنانيين والعراقيين والأردنيين والفلسطينيين أيضاً!

قبل مؤتمر الثماني وبعده يبقى النزاع في سوريا وعليها نزاعاً بين إيران والعرب. ولأنه كذلك، فلابد من الانتصار فيه، لإرغام إيران على الانكفاء عن بلداننا ومجتمعاتنا وإنساننا. إنها بالنسبة لإيران حروب نفوذ، وبالنسبة لنا نحن العرب، حرب وجود!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا تكرر إيران أخطاء الاتحاد السوفياتي؟

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 23/6/2013

الكثير من القوى عبر التاريخ اختلقت لنفسها أساطير خرافية معينة لتحكم بها شعوبها، أو لتستخدمها خارج حدودها بهدف التمدد والسيطرة على الآخرين. فمن المعروف مثلاً أن الاتحاد السوفيتي اختلق لنفسه أسطورة الشيوعية ليحكم بها، ليس فقط السوفيات، بل ليحاول من خلالها السيطرة على بقية بلدان العالم. وقد شاهدنا على مدى أكثر من سبعين عاماً كيف عمل السوفيات على تعميم نموذجهم الأسطوري المعروف بالشيوعية الأممية على العالم، لكن دون جدوى طبعاً.

ولا يقتصر الأمر على الروس في تصنيع الأساطير كأدوات للهيمنة والسيطرة، فحتى القوى الصغيرة لعبت نفس اللعبة باستخدام الأيديولوجيات الدينية والحزبية لتثبيت دعائم حكمها في الداخل وتصدير فائض قوتها إلى الخارج. باختصار شديد، فإن كثيرين اصطنعوا الأساطير السياسية والأيديولوجية والدينية واستخدموها كأساس لمشاريعهم السياسية والتبشيرية والتوسعية والاستعمارية.

وبينما استخدم السوفيات أسطورة الشيوعية لخلق قوة عالمية، ها هي إيران تستغل الأيديولوجية الدينية المذهبية للتمدد في أكثر من مكان في هذا العالم، فهي لا تكتفي بتطبيق نظرية ولاية الفقيه داخل البلاد والحكم بموجبها، بل تحاول تصدير ثورتها التي لطالما هددت الجيران بها، لكن هذه المرة بطرق جديدة تقوم على دعم المذهب الشيعي هنا وهناك، وإذا لزم الأمر لا بأس في تشييع الآخرين، تماماً كما كان يفعل السوفيات الذين جندوا ملايين الأشخاص في العالم تحت راية المطرقة والمنجل.

لو نظرنا إلى الإستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مثلاً لوجدناها تقوم بشكل مفضوح، إما على دعم الشيعة في هذا البلد أو ذاك بهدف إيصالهم إلى سدة الحكم، حتى لو تطلب ذلك الانقلاب على الأنظمة الحاكمة كما في العراق والبحرين ولبنان، أو العمل على نشر التشييع حتى لو كان في شمال إفريقيا كالمغرب واليمن ومصر وبلدان أخرى.

لقد شكل العراق على مدى فترة حكم الرئيس الراحل صدام حسين عقبة كأداء في وجه التمدد الإيراني وتصدير الثورة خارج الحدود، فما كان من الزعيم الإيراني آية الله الخميني إلا أن فتح جبهة ضد العراق بمجرد وصوله إلى السلطة في إيران بعد سقوط الشاه. وكلنا يتذكر رسالته الشهيرة التي أرسلها للقيادة العراقية آنذاك وختمها بعبارة تهديد واضحة، حيث انتهت الرسالة بعبارة "والسلام على من اتبع الهدى"، وكأنه كان يقول للعراقيين إنكم لا تتبعون الهدى، وبالتالي لا بد من محاربتكم. وفعلاً، فقد نفذ الخميني تهديده الشهير بمحاربة العراق لمدة ثماني سنوات، لكنه فشل في فتح الطريق أمام الإمبراطورية الإيرانية التي كان ينوي بناءها، فما كان منه بعد ثماني سنوات من الحرب إلا أن اعترف بفشله عندما شبّه وقف إطلاق النار بتجرع السم. لكن المؤسسة الحاكمة في طهران لم تيأس من الاستيلاء على العراق، فقد تحالفت مع الأمريكيين عندما غزوا العراق بشهادة نائب الرئيس الإيراني علي أبطحي الذي قال حرفياً: "لولا إيران لما استطاعت أمريكا غزو العراق وأفغانستان". وبعد خروج الأمريكيين من العراق وقعت بلاد الرافدين كالثمرة الناضجة في الحضن الإيراني كما كان يطمح ويخطط الإيرانيون منذ عقود. وبذلك أزاحوا كل ما يمت بصلة للنظام السابق، وعينوا مكانه أزلامهم ممثلين بحزب الدعوة والمالكي تحديداً، رغم أنه فشل في الانتخابات. وقبل استيلاء الإيرانيين على العراق طبعاً، كانوا قد استولوا على سوريا من خلال معاهدات إستراتيجية، ناهيك عن أنهم ثبتوا أقدامهم في لبنان منذ السبعينيات. وقد ظهر نفوذهم في بلاد الأرز بشكل صارخ بعد أن أصبح حزب الله الحاكم الحقيقي للبنان بقوة السلاح.

وبعد أن استحوذوا على العراق وسوريا ولبنان، راح الإيرانيون يعزفون على الوتر القديم في البحرين من خلال مظلومية الشيعة وأحقيتهم في حكم البلاد، وذلك من خلال إثارة القلاقل ودفع أتباعهم للثورة على نظام الحكم. ففي الوقت الذي كانوا يعاونون النظام السوري لإخماد ثورة شعبية حقيقية، راحوا يساعدون شيعة البحرين للانقلاب على الدولة. ولولا الجهود الغربية والعربية لتمكن أتباعهم من الوضع في البحرين، كما تمكنوا في العراق ولبنان.

وكما فعلت في لبنان، ها هي إيران تقتحم اليمن من خلال تشييع مذاهب قريبة من مذهبها. ويبدو أنها نجحت في الاستحواذ على الحوثيين الذين تحولوا إلى شوكة في خاصرة الدولة اليمنية وبقية الدول المجاورة. وقد تحدثت الأنباء أخيراً عن مشاركة قوات حوثية إلى جانب قوات حزب الله والعراق وإيران في سوريا كدليل على تعاضد "الهلال الشيعي" الذي تحدث عنه العاهل الأردني من قبل.

لا شك أن إيران بشهادة كبار علماء المسلمين تعمل جاهدة في معظم البلاد العربية على نشر التشيع. وقد وصلت محاولاتها إلى المغرب الذي شعر بالخطر، وقام بطرد السفير الإيراني من البلاد. وحدث عن التغلغل الإيراني في مصر وغيرها، ناهيك عن التلويح بخطر المجموعات المذهبية التابعة لإيران في دول الخليج.

لكن رغم تشابه التجربتين السوفيتية والإيرانية في التمدد خارج البلاد عبر الأساطير الأيديولوجية والروحية، إلا أن التجربة الإيرانية تعتبر أكثر خطورة، فالانتماء العقائدي السياسي السوفيتي انتهى في كل أنحاء العالم تقريباً بسقوط الاتحاد السوفيتي، بينما الانتماء المذهبي الذي تعتمد عليه إيران في المنطقة لتوطيد نفوذها سيكون شرارة قد تشعل حروباً مذهبية لا تبقي ولا تذر. وتتجلى ملامح هذه الحروب في رد الفعل العربي والإسلامي على التورط الإيراني والعراقي وحزب الله على أساس طائفي الأزمة السورية، حيث بات غالبية العرب والمسلمين يعتبرون حزب الله مثلاً عدواً مبيناً حسب آخر استطلاع شامل شارك فيه حوالي سبعمائة ألف شخص من عموم المنطقة.

كتبت قبل سنوات مقالاً بعنوان: "كي لا يخدعوكم بالخطر الشيعي كما خدعوكم بالشيوعي". وحذرت وقتها من خلاله من محاولات الغرب ضرب مكونات المنطقة ببعضها البعض. لكن يبدو الآن أن الغرب لم يعد بحاجة لضرب أحد بأحد بعد أن باتت إيران تلعب بالنار على المكشوف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل من موجة جديدة تعيد الثورة لأبنائها؟

المستقبل

دمشق ـ عمر قدور

الاحد 23/6/2013

لسنا بخير. هذا ما يمكن أن يقوله الكثيرون من السوريين المعنيين بالثورة الآن، وكلٌّ من موقعه. هذا أيضاً ما يقوله سوريون يدّعون انتسابهم للثورة ويصبّون جهدهم للتبرم والانقضاض على كل شاردة وواردة فيها تحت ستار النقد من دون تقديم جهد، ولو ضئيل، لمواجهة النظام. لسنا بخير. هذه المرة لا لأن نصف السوريين بين منفي في الداخل ومنفي في الخارج، ولا لأن الذين في الداخل معرّضون لأقسى حالات الحصار والاستنزاف، ناهيك عن القتل. لا لأن وزير إعلام النظام أعلنها صراحة قبل ثلاثة أيام وقال إن النظام سيقاتل حتى آخر سوري، ولا لأن العون الذي يُلوَّح به للسوريين أقل بكثير من التصريحات الطنانة. لسنا بخير، لأننا نحن لم نعد ما كنا عليه قبل سنتين، ومن المرجح ألا نعود كأفراد إلى الحال الذي كنا عليه من قبل.

لسنا بخير، أولاً لأن طول مدة الثورة لا بد أن ينعكس سلباً على الآمال المعلقة عليها، وبالتأكيد يزداد الحال سوءاً مع مسلسل الإبادة والتدمير اليوميين، لكن خيبة الأمل وحدها لا تفسّر العديد من الظواهر المَرَضية المتفشية في صفوف المعارضة السياسية، وفي صفوف من يعدّون أنفسهم نخبة ثقافية، وبخاصة لا تفسّر الانقضاض الذي يقوم به البعض على الثورة ذاتها. لا يكفي هنا أن نأخذ ردود الأفعال على محمل جلد الذات أو الانتقام منها بداعي الفشل، فالجلد عندما يُوجّه غالباً إلى الآخرين ليبرّئ الذات يصبّ مباشرة في عقلية النظام التي انتفض ضدها السوريون، وعندما تأتي ردود الأفعال هذه لتنقض على الثورة فهي تخدم النظام سياسياً بلا مواربة، أي أن أصحابها يقومون بفعلهم بوعي تام يتضح من خلال إلحاحهم عليه وتكراره طوال الوقت.

منذ البداية قال الكثير من النشطاء إن النقد جزء من الثورة، ومن دونه لن تكون نقيضاً للنظام. ذلك كان يعني اكتساب المعرفة والأدوات النقديتين والارتقاء بهما لمواكبة تطورات الواقع الميداني، وذلك يتطلب أيضاً قيادات تصغي إلى النقد وتعرّض أداءها له طوال الوقت، مع الرغبة الجادة في تحسين أدائها أو الانسحاب في حال الفشل. لم يحدث ذلك، ويمكن القول بأسف إن تسلل النظام إلى الثورة بات جلياً وينهكها بثقله، بل ويهددها جدياً ما لم تتحرك المياه الراكدة وتعود إلى مجراها الأصل.

ربما صار السؤال ملحاً عما "اكتسبته" الثورة من النظام بخلاف المكاسب التي يجري التحدث عنها عادة، وربما أصبح ملحاً الحديث عن أولئك الذين أتوا إلى الثورة محملين بسيئات النظام ذاتها، ولن يتوانوا عن فرضها عليها ليغدو الأمر مجرد استبدال لأشخاص بآخرين، أو حتى مجرد الموافقة على تحسينات شكلية في النظام لا تطاول بنيته. لا ينبغي الخجل من مواجهة الواقع كما هو، فبعض من يدّعون الانتساب إلى الثورة لا يحملون من أخلاقياتها المفترضة ولو قليلاً؛ بعضهم كان شريكاً تجارياً معروفاً لشخصيات أمنية في النظام، ومن المرجح في ظل ما نعرفه أن شراكته لا تبتعد عن الفساد الذي يعرفه عموم السوريين. بعضهم الآخر كان معروفاً بعلاقته الشخصية الوطيدة مع ضباط معروفين في المخابرات، وبعضهم يشهد له تاريخه كمُخبر صغير لتلك الأجهزة. العبرة في الحالتين ليست في المحاسبة على الماضي، وإنما في حاضر أولئك الذين جلبوا إرثهم الشخصي إلى الثورة، وقسم منها لا يخفي تعطشه للمناصب منذ الآن، ولا يفهم التغيير إلا بوصفه تحقيقاً لمكاسب أعلى من الفتات الذي حصل عليه من النظام.

لا يُستبعد أن يكون بعض هؤلاء على صلة وثيقة حتى الآن بأسيادهم السابقين، ولا يُستبعد منهم مدّ أسيادهم بتقارير عن الناشطين، ولا يُستبعد أن الدور المناط بهم أصلاً هو التغلغل في الثورة لتخريبها. هؤلاء لا يقربون الثورة بوصفها ثورة شعب إلا عند الضرورة القصوى للكلام، أما جل همهم فينصبّ على مؤسسات الثورة والإجهاز عليها أو التسلط عليها إن أمكنهم ذلك؛ هم لا يرون سوى السلطة أصلاً أينما حلوا وارتحلوا. "نخب" ثقافية ترعرعت في مؤسسات النظام، وتشرّبت بممارساتها، وتشرّبت بخاصة بأساليب الدسائس والمؤامرات من أجل الحصول على الفتات، جلّ همها القضاء على الثقافة السورية الأخرى لأن فعلاً ثقافياً جاداً سيفضح دورها السابق ويهدد بشكل جدي نمطاً ثقافياً اعتاشت عليه.

نعم، لسنا بخير، لأن الكثيرين يسعون بكل ما أوتوا من عزم لوضع الثورة على السكة نفسها التي يسلكها النظام. لا يحدث هذا لأن النظام نخر في عقولهم ولا يستطيعون التخلص منه فحسب، بل لأنهم يقصدون جادين تلك الخلاصة التي تنصّ على أن لا أحد أفضل من الآخر وأن النظام والثورة متساويان أخلاقياً، وبالتالي يسقط حق السوريين بالمطالبة بحقوقهم، وتسقط أحقيتهم كشعب؛ أحقيتهم المطلقة تجاه أية سلطة وأي نظام. سنضع أنفسنا في موقع الغفلة إن نظرنا إلى هذا النمط من السلوك على أنه مجرد تناذر عارض من الآثار المديدة للديكتاتورية، فتراكم سلوكيات مماثلة، والإصرار عليها، لا يتوسل الجزئيات أو اختراعها وتلفيقها لغاية صغيرة أو مكسب شخصي؛ إنه النظام بثورته المضادة، وبفلوله الذين أودعهم في جسد الثورة الحالية منذ البداية.

هؤلاء لا يريدون النصر، وتراهم عندما تتقدم الثورة قليلاً يبدؤون بالزعيق والعويل مركزين على أخطائها، وفقط عندما يتأذى المدنيون عقاباً لتقدم الثورة يصبح لهم قيمة. هذا أيضاً ليس عفوياً، وليس بعيداً عن الحسابات الشخصية بالضرورة، فانتصار الثورة قد يكشف الملفات السرية الكاملة لحقبة النظام، وهو كما يعلم السوريون سيكشف عن التعاملات القذرة السابقة، وإذا كان موظفو النظام يقومون بدورهم علناً فإن مَن يقومون بأدوارهم سراً هم الذين سيفتضح أمرهم ساعتئذ، ومرة أخرى سيفتضح دورهم الحالي الذي ستكملون به مسيرتهم السابقة.

للأسباب السابقة، وغيرها كثير، لسنا بخير. وقد يكون أول ما ينبغي إعادة الاعتبار إليه، الآن ودائماً، هو حق السوريين بالحرية والديمقراطية، وهو حق لا يسقط بالتقادم أو بممارسات من يرون أنفسهم أوصياء على الثورة والشعب. الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية هو أن الحراك الثوري لم يتح له أن يفرز قياداته الحقيقية ضمن ظروف صحية، وأغلب المنخرطين فيه مشغولون بالعمل الميداني، ما يجعل أية صفة تمثيلية للحراك مرهونة فقط بتمثيل تطلعاته وبالحفاظ على القيم المشتركة للحراك السوري ككل.

قد يحتاج الأمر موجة جديدة تعيد الثورة لأبنائها، وهي مهمة غير سهلة كما كل المهمات المناطة بها، لكن من الأفضل مواجهة هذا الاستحقاق بدلاً من مواجهة النظام وفي الثورة شيء منه. لا نتوهم في خطوة كهذه، أو نتوسل، النقاء. الأمر يتعلق بالتخلص من ودائع النظام المؤثرة على سير الحراك، أشخاصاً وممارسة، بحيث لا يكونون في موقع المسؤولية المباشرة، أو في موقع مخادع للآخرين، فصورة الثورة تأذت كثيراً حتى الآن، وفي الأساس يحق لأصحابها الفعليين أن يمثلوا أنفسهم وأن يوصلوا صوتهم بلا وصاية من أحد، ولن يكونوا أيضاً بمنأى عن النقد، لكنهم على الأقل سيسترجعونها من أيدي الانتهازيين وممثلي النظام على أكثر من وجه.

موجة جديدة، ربما باتت ضرورية لئلا تتشتت الجهود في خضم الأمواج الارتدادية، تماماً بالمعنى السلبي للوصف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إذا سقط ( بشار ).. سقطت طهران وعملاؤها ؟

داود البصري

الشرق القطرية

السبت 22 /6/2013

الخطاب المسعور الأخير لزعيم عصابة حزب الله الإيراني في لبنان حسن نصر الله كان تعبيرا عن الرؤية (التكفيرية) الواضحة والبشعة التي أظهرها بكلماته الفاشية وروحه العدوانية وتطاوله الفج والقميء على خيار الشعب السوري الحر في الحرية والكرامة والتخلص من حكم القتلة واللصوص والمجرمين، فإزاء الخسائر البشرية المروعة التي تكبدتها عصاباته الإرهابية المتلاحمة مع قوات الحرس الثوري وكتائب المجرم بشار أسد والتي جعلت الجماهير الشيعية المغلوب على أمرها في لبنان تتساءل عن جدوى التورط في معركة خاسرة سلفا يدفع أبناؤهم أثمانها من دمائهم وأرواحهم ومستقبل عوائلهم ويقبض (نصر أغا) الثمن سلفا بالدولارات الإيرانية المباركة، خرج علينا الأغا الإيراني ووكيل بلاط الولي الفارسي الفقيه بنظرية (تحصين ظهر المقاومة) كتبرير لجريمة وقوفه مع النظام وتكفيره الفظ للشعب السوري بعباراته المتشنجة والمعبرة عن عمق الأزمة البنيوية الخانقة التي يمر بها وهو يشاهد تقوض وتهاوي أسطورة حزبه وميليشياته وهي تتهاوى وتأكل التراب من تحت أقدام وضربات رجال سوريا الحرة الذين يكتبون بدمائهم اليوم تاريخا جديدا في سفر الحرية لشعوب الشرق القديم، فحسن أفندي بعد أن فقد ماء وجهه وأريقت كرامة ميليشياته الإرهابية لم يعد تنتابه حمرة الخجل من جرائمه الشنيعة ضد الشعبين اللبناني والسوري ومن رغبته في تحويل لبنان لقطعة من الجحيم وتوريطه في حروب لا ناقة له فيها ولا جمل، بل تعدى كل المسموح والخطوط الخضراء والحمراء ليصنف المعارضة السورية الحرة ويصفها بالتكفيرية وليسفر عن وجهه التكفيري الحقيقي الذي كان يختفي خلف أزيز وطنين الشعارات الطائفية، لقد وعد نصر الله شبيحته وعصاباته بالنصر المؤكد وهو يعلم علم اليقين بأن هزيمة عصاباته الإرهابية التكفيرية قد حطت رحالها، وبأن أسطورة قواته النخبوية المدربة في معسكرات الحرس الثوري الإيراني قد طارت مع الريح وبأنه يحصد اليوم حصاد هزيمته المرة بعد أن اختار خيانة الشعب السوري والانضواء والانضمام تحت راية قاتل أطفاله ومدمر مدنه بشار أسد بأوامر وفتاوى واضحة من وليه الفارسي الفقيه، فالمهزوم نصر الله وهو يبالغ في النفخ في الروح المعنوية المهزومة لعصاباته قد حاول أن يكون متساميا على الطائفية ومغردا للوحدة الإسلامية ولكنه فشل في ذلك فشلا ذريعا ولم تعد تنفعه كل عبارات التزويق اللفظية المنافقة التي تفضح أكثر مما تخفي، فقد سقط القناع التمويهي عن وجه الشيطان التكفيري الذي يقبع في داخله، وبات بعد خطابه العاصف اليائس الأخير عاريا حتى من ورقة التوت، وظهر أمام الملأ وهو يهذي بأوهام النصر الكامل بينما هو وعصاباته يتخبطان في أوحال الهزيمة الكاسحة التي أوقعهم بها أحرار الشام، لقد وضع (مقاول الحرس الثوري الإيراني في لبنان) كل بيضه في سلة النظام السوري المهزوم وباتت الهزيمة الشاملة القادمة لنظام بشار تعني النهاية الحتمية لسطوة عصابات الحزب وبلطجته، لذلك لم نستغرب أبداً سماع صراخه وهو في حالة الهذيان ويختبئ في أحد جحور الحزب وهو يعلن بأن سقوط نظام دمشق يعني سقوط فلسطين!! رغم أن بطل وقائد نظام دمشق لم يطلق إطلاقة واحدة باتجاه فلسطين بل وجه جميع رصاصه وفروع مخابراته ضد الفلسطينيين ولم يبق لفلسطين في دمشق سوى فرع بائس للمخابرات يدعى (فرع فلسطين) للقتل والتعذيب!! فعن أي فلسطين يتحدث حسن أغا إذن؟ الحقيقة العارية التي لم يقلها حسن أفندي رغم أن الجميع يعرفونها تتمثل في أن سقوط نظام دمشق يعني أساسا سقوط أحلام نظام طهران، وكذلك السقوط المدوي لمجاميع ووكلاء وعملاء النظام الإيراني في العالم العربي وفي طليعتهم حزب نصر الله ذاته والذي سيظل أحرار الشام وأبطال الثورة السورية يلاحقونه باعتباره مركزا لوجستيا مهما من مراكز (الشبيحة) والقتلة والإرهابيين والتكفيريين، لقد حجز حزب حسن نصر الله لنفسه موقعا متقدما في الجحيم، وأستحق عن جدارة لعنات السوريين والعرب الأحرار في كل مكان، وقد شرب من كؤوس الهزيمة المرة التي شربها أسياده ذات يوم، وهاهو التاريخ يعيد نفسه بصورة مأساوية ليصعد حسن وجماعته بكل اقتدار نحو الهاوية، ويزحف سريعا وبالبريد المضمون نحو مزبلة التاريخ وهو المكان الذي يجب أن يكون وعصابته فيه.!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سقوط غير متوازن!

ميشيل كيلو

السفير

السبت 22 /6/2013

لو رسمنا خطا بيانيا للحدث السوري لوقعنا على ثلاث حقب او منحنيات متباينة:

1 ـ حقبة اولى تصاعد فيها خط الثورة وتراجع خط النظام، وبدا وكأن منظومة قيم تتصل بالحرية والمواطنة والدولة والمجتمع المدني تحل في الوعي وستحل في السياسة محل منظومة رسمية سائدة لا تعرف شيئا من هذا كله، تقوم على التسلط والقمع والتخويف والنهب والتنكر لاية حقوق خاصة بالانسان كمواطن. هذه الحقبة شهدت اعمال عنف سلطوي اعتبرت العلاج الشافي لأدواء سوريا، التي تجرأت وتمردت على النظام، وصار من المبرر بالنسبة له معالجتها بطريقة لا تعود ترغب معها في غير العودة الى بيت الطاعة الأسدي، راضية مستسلمة. ومع أن فشل هذه الطريقة بدا واضحا وحتميا بالنسبة إلى كثيرين، بينهم كاتب هذه المقالة، فإن النظام اندفع الى تطبيقها بحماسة الواثق من انتصاره، فكان سلوكه افصح دليل على عجزه عن فهم ما يجري، والتعامل معه بعقلية لن تفلح في التصدي له او حتى في الحد منه.

2 ـ حقبة ثانية شهدت توازنا عاما نتج عن تنامي الثورة وارتباك النظام وتراجعه مناطقيا وشعبيا، وتبلور صورة اوضح عن ثورة لن تكون سلمية وقصيرة، ستفرض تطوراتها الناجمة عن اصرار السلطة على الحل الامني تحولات جدية على مسارها واهدافها. وستعبر عن نفسها في التحول من السلمية الى المقاومة فالعسكرة من جهة، وفي التخلي عن فكرة المصالحة مع النظام لاجباره على قبول الاصلاح، ومن ثم في رفع شعار اسقاطه، الذي ما لبث ان طاول كل رموزه واركانه. في هذه الحقبة، صعد النظام جهوده لاحتواء الثورة، التي تسارع تصاعدها وانتشارها وصار عاصفا، وفاضت امواجه عن جميع السدود التي حاولت احتجازه. ولكن، وبالنظر الى حجم القوى الهائل الذي وظفه النظام، فإن التوازن بين السلطة والمعارضة لم ينكسر، وساد الساحة ما اسماه صاحب هذه الكلمات: "عجز النظام عن اخراج الشعب من الشارع، وعجز الشارع عن اسقاط النظام"، ودخول المواجهة بينهما في حقبة من التراكم الكمي، فقدت الاحداث معها قدرتها على إحداث تراكم نوعي. رغم ما انجزه المقاومون من انتصارات محلية، ونجاح «الجيش السوري الحر» في احتواء العنف الرسمي المتصاعد بلا حدود، واستخدام جيش النظام المفرط لكميات هائلة من الاسلحة والذخائر، كانت لديه، او تم إمداده بها خلال المعركة، من روسيا وايران. هذا التوازن استمر رغم انحسار رقعة المناطق التي يسيطر النظام عليها، وظهور مناطق محررة لم تعد له اليد العليا فيها، ولم تعد مؤسساته وتنظيماته السياسية والشعبية ممسكة بها، وإن كان قد عاد إليها من حين لآخر. كما استمر التوازن رغم توسع رقعة انتشار قوى المقاومة، لأسباب بينها أن كثيرين من قادتها هم زعماء محليون، لم يضمهم نسق سياسي تنظيمي وطني او واحد، ولم يلتزموا ببرنامج عمل موحد أو بمصالح عليا حسنة التعريف ومقبولة من الجميع. وقد حكم هؤلاء مناطقهم وحولوها في أحيان كثيرة إلى اقطاعات أداروها كأمراء حرب فقدوا الرغبة والمصلحة في الخروج منها، والمشاركة في المعركة ضد النظام بما هي معركة وطنية عامة وملزمة لهم ايضا. كما اكتفوا بالدفاع عنها عندما كان الجيش الرسمي يهاجمها.

هذا التوازن تخلخل من دون ان يلاحظه القادة، من جهة، بسبب ظاهرة أمراء الحرب هؤلاء، ومن جهة اخرى نتيجة للطابع المحلي ـ الحاراتي لكثير مما سمي" كتائب الجيش الحر". تلك لم تكن كتائب حقيقية ولم تنتسب يوما الى اي جيش، وطاب لقادتها ان يمثلوا جيشا لا وجود حقيقيا له، لهم غنمه وليس عليهم غرمه، افادوا من سمعته الوطنية كجيش يقاتل دفاعا عن الشعب، دون أن يلتزموا بأية مدونة وطنية أو اخلاقية، أو يكلفوا أنفسهم عناء الحرص على حياة وممتلكات وحقوق الشعب. أكل امراء الحرب وزعماء الحارات المسلحة وجود "الجيش الحر" وحالوا دون تحوله إلى جيش وطني، بينما كان جيش السلطة يعيد تأهيل وتجهيز نفسه، ويعد لمعركة فاصلة تفيد من ثغرات ونواقص وعيوب عسكرة شوهت المقاومة، وجعلتها عبئا على السكان في مناطق كثيرة، وقلبتها إلى بعبع مخيف يفترسهم، مثلما حدث في قرى مختلطة مذهبيا، او حكمها أمراء حرب منافقون ادعوا الإسلام كي يغتنوا ويضطهدوا اتباع المذاهب الأخرى. وإلا ما معنى أن يمنع فلاحون مسيحيون في ريف جسر الشغور من فلاحة ارضهم، وأن يتصدى لهم "الجيش الحر"، فيصادر آلاتهم ويعتقلهم ويعذبهم، رغم أن بعضهم طاعن في السن (لدي اسماء هؤلاء، إن حدث وكان هناك من يهمه الأمر). وكيف تقبل اركان الجيش العامة ممارسات كهذه باسمه، وتتهاون مع المقاومة التي يبديها هؤلاء حتى اليوم لإعادة تجميع المقاتلين الذين انشقوا عن الجيش الرسمي، وتحويلهم إلى جيش وطني حقيقي؟

3 ـ حقبة ثالثة تباطأ فيها سقوط النظام، الذي كان ملحوظا في فترة غير قصيرة من المرحلة الثانية، وبدأ سقوط ما صار يعرف بـ"الثورة"، الذي انطلق في القسم الثاني من المرحلة الثانية، وتسارع خلال الأشهر الاخيرة حتى صار خطرا داهما لا مفر من التصدي له. من علاماته أن السلطة تنقض بنجاح ملحوظ على مواقع استراتيجية وحاكمة في المناطق المحررة، وتنشر جيشها في كل مكان. حيث اخذ يطوق ويحاصر بؤر المقاومة الجدية، ويشن هجوما عاما ومتزامنا امتد من حوران إلى دير الزور والحدود التركية، استعاد بفضله مناطق مهمة، أو هز وضعضع وخلخل وجود الثورة فيها وسيطرتها عليها، مستفيدا من فترة ركود وتوازن، أفلح خلالها في إحداث اختراقات أمنية واسعة ومؤثرة في الصف المقاوم، كانت بديلا فاعلا لوجوده العسكري المباشر، أمدته بقاعدة معلومات وبيانات مهمة جدا عن عدوه، ومكنته من استغلال التناقضات والتباينات والخلافات السياسية والعسكرية والتنظيمية داخل ما سمي «الجيش الحر»، وبينه وبين ما صار يعرف بالأصولية، وداخل التكوينات التي تتكون هذه منها، مدعوما بالطبع من إيران وروسيا، بالسلاح والخبرات والرجال، واخيرا بمقاتلين متعددي الجنسيات تزايد عددهم إلى أن صاروا جيشا بكل معنى الكلمة، وشرعوا يخوضون قتالا ضاريا كانت القصير أحد ابرز مواقعه، تجلى فيها الشلل الذي سببه الارتجال والفوضى داخل" كتائب" الجيش الحر، الذي تأكد مرة اخرى عجزها عن إجراء ما هو مطلوب من تنظيم وتخطيط.

في مقابل هذا الصعود السلطوي، الذي ترتب على تدخلات إقليمية ودولية واسعة، وقع هبوط تدريجي في قدرات المعارضتين السياسية والعسكرية، تجسد في تهميش «الائتلاف الوطني» وانعدام فاعليته وتركيز معظم جهوده على صراعات تياراته ومكوناته الداخلية، وفي تفتت وانفلاش عمل عسكري محلي الطابع غالبا، وخروجه عن أي تخطيط استباقي وتنسيقي، وأية سيطرة ميدانية مباشرة، وأي تعاون عملي ورؤية شاملة ومترابطة لمجريات القتال والسياسة. هكذا بدت سوريا المعارضة طيلة عام ونيف وكأنها دويلات متلاصقة لا رابط بينها، يسوسها إما «ائتلاف» لا قدرة لديه على الإمساك بزمامها، او قادة عاجزون عسكريا، وامراء حرب محليون يعطلونها أو يخضعونها لأهوائهم وأمزجتهم وما ينتمون إليه من ايديولوجيات مغلقة لا يعرفون منها غير اوجهها التعصبية والتهويشية.

واليوم، وبعد أن كشفت معركة القصير وما رافقها من تقصير عسكري وسياسي، تمس الحاجة إلى وقفة صدق مع الذات، والى مراجعة تبتعد عن الرغبات، وتتأمل بإمعان ما هو قائم على الأرض من وقائع، لتضع يدها على سبل وآليات تعديل الموازين لصالح الشعب الثائر، وتعيد النظر في تموضعات القوى السياسية عموما والصف المعارض والمقاوم، وتوحد قواه وجهوده حول حدود دنيا ملزمة لاطرافه جميعا، وتعيد للسياسة مكانها القيادي والمعياري في العمل الوطني، وتساعد «الجيش الحر» على أن يصير جيشا وطنيا بحق، ينتهي بوجوده سلطان امراء الحرب وتزول سيطرة بعض ارباب الحرف الدنيا على العسكريين والعمل الميداني، وتنتهي عمليات "السلبطة" على المواطنين وجرائم التمييز الطائفي بينهم، وتسود علاقة انضباط وتراتب عسكرية، مهنية وقانونية، في علاقات المقاومة وتنظيماتها.

اذا لم يحدث هذا الانقلاب في المعارضة، واذا لم تقع ثورة في الثورة، فإن التطور المتفاوت الحالي، الذي نقل السقوط من النظام الى المعارضة، سينتهي بهزيمة الثورة، او بدخولها في سياقات تحولها إلى عمليات عنف اعمى، اجرامية الطابع غالبا، يكون لها ضحية واحدة هي: الشعب. عندئذ، لن يكون هناك من "مخلص" غير تدخل خارجي سيكون بالتأكيد والقطع واحدة من أعظم المصائب التي يمكن أن تحل بوطننا.

هل بلغت، اللهم فاشهد !

بدت سوريا المعارضة طيلة عام ونيف وكأنها دويلات متلاصقة لا رابط بينها، يسوسها إما «ائتلاف» لا قدرة لديه على الإمساك بزمامها، او قادة عاجزون عسكريا وامراء محليون ينتمون إلى ايديولوجيات مغلقة لا يعرفون منها غير وجوه التعصب والتهويش.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيارات العمل العسكري في سوريا

فايز سارة

المستقبل

السبت 22 /6/2013

تقول المعلومات المسربة من مصادر اميركية وروسية، ان الطرفين الاساسيين المعنيين بالوضع السوري في واشنطن وموسكو يشعران بتعب شديد، وهو امر طبيعي في ضوء ما شهده الوضع السوري من تطورات وتفاصيل، تواصلت بشاعاتها وقسوتها على مدار نحو عامين ونصف، وتمثلت في قتل وجرح وتهجير ملايين السوريين، وتم فيها تدمير امكانيات وقدرات شعب وبلد، كانا خارج توقعات الدمار الحاصل.

ان تعب الاميركيين من الوضع السوري، ناتج طبيعي عن غياب سياسة واضحة ازاء الملف السوري، بل هو ناتج عن تناقضات سياسة واشنطن ومواقفها، وعدم وجود اي مصداقية لادارة اوباما وكبار المسؤولين في تعاملهم مع الملف السوري، وهذا كله يناقض مكانة واشنطن باعتبارها الدولة العظمى في العالم والمعنية في مستويات مختلفة بمعالجة الموضوعات الساخنة، وابرزها في العقد الماضي، كان الملف السوري.

اما التعب الروسي فله أساس آخر. ذلك ان موسكو غرقت في التفاصيل السورية، اذا هي معنية في كل المستويات الدولية والاقليمية والداخلية بالدفاع عن النظام، وتبرير مايقوم به من جرائم في قتل الشعب وتدمير البلد، وهي تدعم قوته العسكرية بتزويده بالاسلحة والمعدات والذخائر للاستمرار بمعركته ضد الشعب، اضافة لما تقوم به من جهد سياسي واعلامي في الهجوم على المعارضة السورية بتكويناتها المختلفة الشعبية والسياسية والعسكرية، وشن اوسع عمليات تحريض عليها في العالم كله وفي هيئاته الدولية، وطالما لم يؤد الجهد الروسي بما يعني من دعم وتقوية للنظام واعطائه مزيد من الوقت للوصول الى اهدافه في القضاء على ثورة السوريين، فكان من الطبيعي، ان يصيب التعب موسكو كما أصاب واشنطن لاعتبارات مختلفة.

ولان، التعب الاميركي الروسي ادى الى توافق الطرفين على الذهاب الى جنيف2 وفتح الابواب لمعالجة سياسية للملف السوري، فان ذهابهما لم يكن مخلصاً، فليس ثمة توافقات جوهرية في المسار الذي ينبغي المضي فيه خاصة لجهة موضوع الرئاسة وصلاحيات الحكومة الانتقالية وغير ذلك. بل ان هناك ماهو اهم وهو استغلال فكرة الذهاب الى جنيف2 وقيام النظام وتحالف الاقليمي الدولي، ولاسيما مع حزب الله بتصعيد عسكري في عموم الاراضي السورية لجلب المعارضة الى طاولة جنيف في اضعف حالاتها، وهو ما لايتوافق وفكرة الوصول الى حل سياسي. اذ ان ذلك يزيد جرائم النظام كمقدمة للحل.

لقد اجلت التناقضات في الموقفين الاميركي والروسي وتحالفاتهما، وكذلك التطورات السابقة ولاسيما الميدانية منها مؤتمر جنيف2، ووضعت الملف السوري امام وقائع جديدة، جوهرها تأسيس مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعسكري في سوريا كما في محيطها، الامر الذي يفترض ان يؤدي الى تغييرات في توازنات القوة الحالية القائمة، وهو امر يفسر مواقف وسياسات وخطوات اجرائية كثيرة تتوالى في سوريا وفي دول الجوار منها استنفار سياسي كبير في معظم دول المنطقة، وتحشدات عسكرية وتدريبات نوعية في بعض دول الجوار، واعلانات عن بدء تسليح قوات المعارضة باسلحة نوعية، وهي بالمحصلة تعني ان الخيارات العسكرية تتقدم، ان لم يكن لحسم الوضع في سوريا بالقوة، فعلى الاقل من اجل التمهيد لحل سياسي قد يأتي من جنيف او غيره.

واذ كان الخيار العسكري يتقدم في سوريا، فان من المهم رؤية احتمالات هذا الخيار، والتي يمكن اختصارها في احتمالين، الاحتمال الاول، تطوير عمليات عسكرية محدودة هدفها الوصول الى ذروة، تفتح الباب لعملية سياسية، والاحتمال الثاني تطور العمليات المحدودة الى حرب شاملة، يمكن ان تكون سوريا ميدانها، كما يمكن ان تمتد الحرب الى بعض دول الجوار.

ان العمليات العسكرية الجزئية وبمحصلة تجربة نحو عامين ونصف، لم تثبت قدرتها على إحداث تحول حاسم لافي الاتجاه العسكري ولا السياسي، والسبب الجوهري في ذلك ان البنية الشعبية للثورة، صار من الصعب تطويعها، واخضاع تشكيلاتها العسكرية او تدميرها، فيما تتواصل المساعدات غير المحدودة للنظام شاملة الاموال والاسلحة والذخائر والخبرات وصولاً الى إرسال مقاتلين ومرتزقة، ليس فقط لتعويض خسائر النظام، انما لمساعدته في حسم معركة لن تحسم بالقوة، وفي ضوء هذه المعادلة الصعبة، فان من الطبيعي عدم توقع تحول نوعي في التوازن العسكري الداخلي، لكن دخول أسلحة حديثة مضادة للدروع وللطيران للجيش الحر، ومع فرض مناطق حظر جوي ولو جزئياً، تصبح هذه الامكانية أعلى بكثير، وهذا قد يفتح الباب مجدداً الى جنيف2 او نحو مبادرة سياسية أهم لمعالجة الوضع السوري وإخراجه من انسداداته.

غير ان مسار العمليات الداخلية، قد لا يسير بالصورة المقدرة. لان بعضاً من الجوار صار في عمق الموضوع السوري، والاشارة هنا الى لبنان، حيث يتحشد حزب الله وحلفاء له، وقد صاروا طرفاً في معارك سوريا، كما ان النظام الحاكم في العراق ينخرط أكثر في الملف السوري، ليس بسبب جعله العراق ممراً لمساعدات ايران للنظام في دمشق، وانما لما يقدمه في هذا السياق من مساعدات لوجستية وتسهيلات لذهاب عناصر المليشيات العراقية، وتنظيم حملات التطوع لمرتزقة يقاتلون في سوريا، وهذه العوامل جميعها يمكن ان تؤدي الى انفجار اقليمي، خصوصاً وان النظام في دمشق، يرى ان انفجار الوضع الاقليمي، قد يكون حبل نجاته الاخير الذي ينبغي اللجوء اليه.

خلاصة القول، ان تصاعد العمليات العسكرية في سوريا هو الاحتمال الاكثر رجحاناً في الفترة المقبلة، وهذه العمليات يمكن ان تتسع لتشمل مختلف الانحاء السورية بما فيها مناطق كانت حتى الان خارج العمليات العسكرية، وهذا التطور النوعي، سوف يمنح فرصة اكبر لامتداد العمليات الى المحيط الاقليمي شمالاً بعض دول الجوار السوري، والامر في هذا لايمثل مخاوف، بل احتمالات قابلة لان تصير بنسبة مهمة، مما يفسر الاحتياطات التي يتم اتخاذها للحماية في دول الجوار السوري وهي كثيرة ومتزايدة.

غير انه وفي كل الاحوال، فان مصلحة السوريين والمنطقة، السعي إلى تجنب حرب واسعة سواء في الداخل او المحيط، ما يجعل من الواجب الذهاب الى تكثيف كل الضغوط السياسية وربما العسكرية المحدودة لاجبار النظام للقيام بتحول نحو عملية سياسية، تؤدي الى التغيير المطلوب في سوريا باقل الخسائر البشرية والمادية، حيث لم يعد الوضع السوري قادر على تحمل المزيد منها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 34)

حافظ الأسد ينحني أمام العاصفة ويتقدم ببرنامج مصالحة وطنية

محمد فاروق الإمام

نشطت المعارضة غير المتجانسة بشكل خاص في شباط عام 1980م، وطرحت كتلة التجمع تحويلاً ديمقراطياً شاملاً وعميقاً بالأساليب السلمية بما فيها الإضراب الشعبي والعصيان المدني، كمخرج وحيد لحل الأزمة. في حين لم يكن لدى الطليعة أي برنامج سوى إسقاط (النظام) بأسلوب (الكفاح المسلح).

وفي هذا السياق تقدم حافظ الأسد في 13 شباط عام 1980م من خلال (الجبهة الوطنية التقدمية) التي تمثل الإطار المؤسسي الرسمي الوحيد الذي يقوده حزب البعث، للعمل السياسي في سورية، بما يمكن أن يسمى بإعلان (مصالحة وطنية)، يشكل نوعاً من حل وسط بين الكتلتين الأساسيتين (الإسلامية) و(الجبهة الوطنية). وحدد البيان الإجراءات التي قامت بها السلطة وستقوم بها بـ:

تشكيل حكومة (تكنوقراط)، وتبني سياسة القضاء على نشاط رأس المال الطفيلي والوسطاء والسماسرة في دوائر الدولة ومؤسساتها، وحصر اختصاص محكمة أمن الدولة في الجرائم التي تقع على أمن البلاد، وإعلان إيقاف العمل بقانون الطوارئ والأحكام العرفية، إلا في الحالات الخاصة التي تتعلق بأمن البلاد وسلامتها، وتنفيذ الأحكام القضائية أياً كان نوعها وحجمها، وتطبيق أحكام القانون على الجميع، ومنع إعطاء أي استثناء لأي إنسان، وضبط سلوك العاملين في مختلف أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، وتشكيل لجان خاصة لدراسة أضبارات الموقوفين واتخاذ الإجراءات الفورية لإطلاق سراح من ثبتت براءته منهم، أو إحالتهم إلى القضاء.

و(تطوير الجبهة الوطنية التقدمية بحيث تأتي ممثلة لأوسع الجماهير، ومعبرة عن الاتجاهات الوطنية ومهما تعددت أصدق تعبير).

كان هذا البيان وما رافقه من إجراءات حسن نية إعلان تسوية يقع في فضاء سياسة (المصالحة الوطنية).

كما أقر البيان بعدم كفاية الأطر المؤسسية القائمة للمشاركة السياسية وإعادة النظر بآلياتها والاستعداد لتطويرها، وإرساء دولة القانون على أساس يوفق ما بين متطلبات استقرار النسق السياسي السائد واستمراره وبين جزء كبير من تطلعات القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة في سورية، سواء كانت إسلامية أم قومية ويسارية معارضة أم إصلاحية في إطار السلطة نفسها.

ولم يستثن البيان من دائرة الحوار سوى ما سماه (عصابات القتل المأجورة) التي تقوم بـ(أعمال التخريب والقتل وزرع الفتن الطائفية في الداخل) دون الإشارة إلى المقصود بهذه التسمية.

وتجسيداً لوضع البيان موضع التنفيذ، فقد تم فعلياً في شباط عام 1980م إطلاق سراح النقابي البارز (عمر قشاش) عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المعارض، والإفراج عن حوالي (500) من كوادر التنظيم العام لجماعة الإخوان المسلمين، الذين اعتقلوا بدءاً من حملتي شباط ونيسان عام 1979م، عقب مفاوضات مكثفة بين الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين المعتقل (عبد الله الطنطاوي) ورئيس جهاز الأمن السوري (اللواء علي دوبا) في سجن (المسلمية) شمالي مدينة حلب، وألف هؤلاء المفرج عنهم الصف القيادي الأول والثاني في التنظيم العام.

وفي هذا السياق قامت عدة وساطات لتقريب وجهات النظر وجسر الهوة بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام، كان من أهمها وساطة نائب المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين (أمين يكن). وعلى ضوء هذه الوساطة دخل (علي صدر الدين البيانوني) نائب المراقب العام في أوائل شباط عام 1980م إلى مدينة حلب، وأقام في القاعدة المركزية بحلب، واتصل بـ(عدنان عقلة) بغرض استيعابه وإعادته إلى صف الجماعة، ولكنه أخفق في ذلك أمام رفض عقلة أي لقاء مع المتخاذلين، جماعة (التنظيم العام) – على حسب قوله – مما جعل نائب المراقب العام البيانوني يطلب إلى الأمين العام للجماعة عبد الله الطنطاوي (الذي أجرى المحادثات مع دوبا وأفرج عنه مع من أفرج) أن يغادر سورية حفاظاً على حياته، كما طلب إليه الإيعاز إلى كوادر الإخوان الذين يشعرون بالخطر إلى مغادرة البلاد. وفي تلك الأثناء تشكلت (لجنة العلماء)، وترأسها الشيخ (أبو النصر البيانوني) التي أصدرت بيان تهدئة ساهمت أجهزة الأمن السورية في توزيعه، في الوقت الذي عممت فيه أجهزة الأمن على مخبريها خطياً بإشاعة أن (الدكتور إبراهيم سلقيني) الشخصية الإسلامية البارزة والمحترمة أنه سينضم إلى (الجبهة الوطنية التقدمية).

إضراب عام يشل الحياة العامة في سورية

شكل الإضراب العام الذي دعت إليه (النقابات المهنية والعلمية) في سورية محور التحدي للسلطة بشكل علني وسافر، وشاركت (الطليعة) بضغطها على التجار لإغلاق الأسواق في مدينة حلب، ثم أصدرت بياناً في حلب سخرت فيه من المطالب الديمقراطية الليبرالية للنقابات، ودعت إلى مواصلة المجابهة المسلحة حتى إسقاط النظام. فقد رأت (الطليعة) في برنامج (النقابات) وتبني (التجمع الوطني الديمقراطي) له، محاولة قومية يسارية لاستثمار ما قامت به وأدت أعمالها إليه، والاستيلاء السياسي عليه. ولم تفلح محاولة بعض الإخوان النقابيين من إقناع (الطليعة) بتأييد برنامج الإضراب العام. وشهدت معظم المدن السورية خلال النصف الثاني من شباط، والنصف الأول من آذار عام 1980م حلقات هذا الإضراب العام الذي لم تكسره سوى العاصمة دمشق، وهذا ما جعل المعلومات عن هذا الإضراب شحيحة ومحدودة في غياب وسائل الإعلام المستقلة. وكان هدف (التجمع) يذهب إلى تطوير الإضراب إلى أن يصل إلى عصيان مدني شامل وعام يتم من خلاله فرض (التحول الديمقراطي) على السلطة، أما (الطليعة) فقد تمكنت من تحويل الإضراب إلى حركة عصيان وتمرد وإحداث شغب وإرباك للسلطة وتقليم أظافر أجهزة الأمن وإسقاط هيبتها. وقد تصور (عدنان عقلة) في حينها أن سقوط النظام بات مسألة وقت.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 33)

حزب البعث يعقد مؤتمره القطري السابع

ويكشف في تقريره الختامي عن بروز طبقة حزبية جشعة نمت كالطفيليات

ويعترف بوقوع الحزب في أخطاء قاتلة في تطبيقه للديمقراطية الشعبية

ويقر بانتشار المحسوبية والرشاوي في مؤسسات الدولة

محمد فاروق الإمام

في هذه الأجواء المكفهرة والمضطربة دعا حافظ الأسد حزب البعث إلى عقد مؤتمره القطري السابع في (22 كانون الأول عام 1979- 6 كانون الثاني عام 1980م) لانتخابات حزبية. وقد واجه المؤتمر نقداً لأخطاء قيادة الحزب للدولة والمجتمع، وتبنى تقريره الداخلي تحليلاً أعمق من التحليل الإعلامي التعبوي والسياسي لما سماه بحركة الإخوان المسلمين.

لم يشخص المؤتمر الحركة كمجرد ظاهرة (تآمرية خارجية) بل كظاهرة (داخلية) أنتجها الواقع الاجتماعي الذي يعيش (إشكالات معاشية) و(بروز طبقة جديدة في المجتمع ذات ثراء وجشع كبيرين نمت كالطفيليات) و(الأساليب الخاطئة في تطبيق الديمقراطية الشعبية) و(بروز ممارسات غير ديمقراطية تحت عناوين ديمقراطية) وشيوع (النزوع نحو تجاوز الأنظمة والقوانين وحقوق المواطنين.. وانتشار الوساطة والاستثناءات والرشاوى.. وتدني الشعور بالمسؤولية وقلة المحاسبة)، واعترف التقرير أن (هذه المساوئ وإن وجدت سابقاً في قطرنا.. لكنها لم تكن معروفة داخل سورية بهذه الشمولية يوماً من الأيام).

شجع حافظ الأسد نفسه هذا التقييم ودفع به كثيراً، إلا أنه ورغم بروز التيار الراديكالي في المؤتمر الذي نادى باستخدام العصا الغليظة فإن الأسد تبنى خلال النصف الأول من عام 1980م بشكل خاص سياسة معقلنة يمكن تسميتها بسياسة الحمائم داخل الحزب بالدعوة إلى (المصالحة الوطنية) الذي تبناه معه (محمود الأيوبي) نائب الرئيس و(عبد الله الأحمر) الأمين العام المساعد للحزب الذي راح يطرح (المصالحة الوطنية داخل الحزب وخارجه).

لقد أوضح صراحة التطور المتسارع والحاد للعنف السياسي وما أثاره من إضعاف لهيبة الدولة وكسرها، خلخلة في الجهاز السياسي للدولة نفسها، لاسيما في الاتحاد الاشتراكي العربي الذي كان أمينه العام يومئذ (أنور حمادة) أحد رموز الانشقاق الذي حصل في جماعة الإخوان المسلمين عام 1954م، وأبدى نوعاً من رهان على الحركة الإسلامية في أجواء إشعاع الثورة الخمينية، ورفض أن يوقع على قرار حكومة (عبد الرؤوف الكسم) بحل مجالس النقابات المهنية والعلمية.

وامتد هذا التخلخل إلى بعض كوادر حزب الوحدويين الاشتراكيين المتحالف مع حزب البعث في (الجبهة الوطنية التقدمية)، حيث شكل أحد أعضائه تنظيماً سرياً صغيراً معارضاً حمل اسم (الحزب العربي الإسلامي) وضم بعض الضباط. أما الجهاز البعثي القيادي والقاعدي نفسه فيمكن القول بدقة إنه قد وصل في مدينة حلب في آذار عام 1980م إلى انهيار شبه تام. ولم يعد يعول عليه بعد أن قدم العشرات استقالاتهم من عضوية الحزب. فمن بين كل التنظيم البعثي في جامعة حلب لم يبق في أوائل آذار عام 1980م سوى سبعة أعضاء عاملين فقط، تولوا حراسة مبنى الفرع في الجامعة. إلا أن الضغط الأكثر خطورة أتى من كتلتين داخليتين أساسيتين هما:

أ- التكتل الحركي الإسلامي الذي تقوده (الطليعة).

ب- تكتل التجمع الوطني الديمقراطي الذي أعلن في منتصف آذار عام 1980م، وضم كلاً من الاتحاد الاشتراكي العربي جناح (جمال الأتاسي)، وحزب العمال الثوري، والبعث العربي الاشتراكي الديمقراطي جناح (الشباطيون) وحركة الاشتراكيين العرب جناح (أكرم الحوراني). إضافة إلى بعض التنظيمات الصغيرة القومية مثل (حركة الأنصار) وهي حركة ناصرية تتبنى منهج عصمت سيف الدولة، والتنظيم الشعبي الناصري (الدكتور خالد الناصر). وأما حزب العمل الشيوعي الذي لم تكن له صلة بالتجمع، فقد تبنى مؤتمر له في بيروت حمل السلاح بدعوى مقاومة (الإخوان المسلمين) مما أدى إلى تفكيك السلطة له منهجياً وجماعياً ووفق حملات متتالية.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com