العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30-03-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

يورثها من يشاء من عباده

د. محمود نديم نحاس

جاءني تعليقات كثيرة على مقالتي السابقة التي تحدثت فيها عن مشروع طموح لإنشاء مستعمرة بشرية على سطح المريخ، وتمنيت أن تؤي تلك المستعمرة السوريين المشردين الذين يهربون من البراميل المتفجرة، كما تمنيت ألا يكون قابيل بين الذين سيتم اختيارهم للعيش في تلك المستعمرة، حتى لا يسنّ القتل على المريخ كما سنّه على الأرض ضد أخيه المسالم. وقد عنونت مقالتي "إن الأرض للجبناء"، أخذاً من قول الشاعر في رثاء صديقه المقتول غيلةً:

إصعـدْ، فموطنك السّماءُ، وخلِّنا *** في الأرضِ، إن الأرضَ للجبناءِ

أهم تعليق جاءني من عدة أشخاص هو تناقض عنوان مقالتي مع قول الحق تبارك وتعالى (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ، إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

وفي الحقيقة فإن قصد الشاعر هو - كما قال أحد المعلّقين على مقالتي - بأن الأرض اليوم أصبحت للجبناء من البشر، فأكثرهم لا يقولون الحق، ومعظمهم - إلا من رحم الله - لا ينصرون المظلوم، كما ظهر من طريقة تعاملهم مع قضية الشعب السوري.

أما الآية القرآنية فتتحدث عن الحقيقة الإلهية المطلقة، يرويها نبي الله موسى عليه السلام لقومه، يكلمهم بقلبه، ومن خلال معرفته بربه، وبسنته في الكون، فيوصيهم باحتمال الأذى، والصبر على البلاء، والاستعانة بالله، ويعرفّهم بحقيقة الكون، فالأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة لمن يتقون الله، ولا يخشون أحداً سواه. لكن قومه رفعوا شكواهم إليه أن هذا العذاب قد حل بهم من قبل أن يأتيهم، وهو يحل بهم كذلك بعدما جاءهم، فلا تبدو له نهاية، ولا يلوح له آخِر! فيرد عليهم بأنه يرجو الله سبحانه أن يهلك عدوهم، ويستخلفهم في الأرض، ليضعهم في اختبار آخر (فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ). فهل سيقيمون العدل بعد أن يورثهم الله الأرض؟

إن أصحاب الدعوة إلى الله ليس لهم إلا ولي واحد، الذي هو على كل شيء قدير. وعليهم أن يصبروا حتى يأذن بالنصر، في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه وحسب سننه في الكون. فعليهم ألا يعجلوا، فهم لا يعلمون أين الخير، ومهما بدا الظالم متمكناً في الأرض، فإن مالك الملك قادر على أن يطرده متى شاء. والعاقبة للمتقين، مهما طال الزمن، فلا ينبغي أن نقلق على المصير، مهما تقلب الطغاة في البلاد، وخُيّل إلينا أنهم باقون.

وما أجمل قول موسى عليه السلام وهو يعلّم قومه أن استخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء آخر لغاية يريدها الله. فهو سيحاسبهم على تصرفاتهم وإقامتهم للحرية والعدل في مجتمعهم. ومن هنا قال أحدهم في تعليقه على مقالتي : سينتصر السوريون على من ظلمهم، وسيعودون إلى ديارهم، وسيخيب كل من خذلهم، وسيكونون أوْلى من يعلي قيمة الحرية والعدل والمساواة بين الناس لما ذاقوا من ويلات الظلم.

وأخيراً كان هناك تعليقات لطيفة، مثل قول أحدهم: لا أظن أن سورياً واحداً، مهما ضاقت به السبل، يرغب في الرحيل إلى المريخ، لأن أكل المريخ لا يناسبه!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حكاية شهيد، تختصر قصة الثورة السورية

بدرالدين حسن قربي

لم يكن إطلاق النار على المظاهرات الشعبية، التي انطلقت في محافظة درعا مع بداية أيام الثورة السورية أمراً جديداً على نظام تاريخه معروف في قمع معارضيه وقتلهم حتى من قبل الثورة ولا يُعرف غير ذلك، بل جديدها خطف الجرحى والشهداء من الشوارع والمشافي الحكومية، وهو ماكان من بعد إصابة محمد أبو العيون المحاميد ابن الأربعة وعشرين ربيعاً، في 23 آذار/مارس 2011 من يوم أربعاء لن ينساه آل المحاميد ولا أهل حوران ولا أحرار سوريا، لأن الشهيد كتب فيه سِفراً من أسفار البطولة بدمه قصيدةً لا أجمل ولا أروع لعيون الحرية والكرامة.  أصابوه برصاصهم المتوحش القاتل، خطفوه من الشارع، وظنهم أنهم قد أجهزوا عليه.  وضعوه وهو على قيد الحياة جريحاً في أحد برّادات الموتى في مشفى درعا الوطني ليقضي فيه ماشاء الله له أن يقضي وحيدا داخل مستطيل مظلم وبارد، ذنبه أن نادى لنصرة أهله وناسه وحريتهم وكرامتهم، ينزف منه الدم مداداً، كتب بأصبعه فيه على حائط ثلاجة الموتى التي وضعوه فيها جملةً اختصرت فيها قصة نظام مستبد قامع قاتل جزّار بالوراثة، وشرحت حكاية ثورة من البداية إلى النهاية، وجعلت من قَدَرِه أسطورة مجدٍ، ومَطَر طهرٍ تنزّلَ على أرض شموخٍ وإباء، فاهتزت سهول حوران وَرَبَتْ، وأنبتت آلاف الشهداء نضارةً وبهجة. ذلك بأن الله هو الحق، وأنه جعل لكل طاغية أجلاً، ولكل ظالم يوماً هو ملاقيه. فويل يومئذٍ للمجرمين.

وضعوني هنا حياً…أنا عايش هسَّعْ، ورح أَموتْ بعْدينْ…

بَسْ بَعْدْني بدّي الحرّية…أمانة سلّمولي على أمّي.

كتب الشهيد العهد لمن بعده بدمه، وهو دين في رقاب السوريين الأحرار جميعاً بألا ينسوا الثورة، وألا ينسوا ماقاموا من أجله، فمن قضى فقد قضى شهيداً، ومن بقي على الطريق فهو على العهد حتى الخلاص ونيل الحرية.

سلام على الشهيد كتب العهد بدمه سَطْرَين، فكان معلّقةً ثامنة تضاف إلى معلقات العرب.  ولئن كانت معلقّاتنا من لغةٍ نثراً وشعراً وتراثاً يتعلمه الأبناء والأحفاد، فهي في معلّقة شهيدنا عزّاً ومجداً وتضحيةَ وفداءً، نتعلّم منه آباء وبنين وحَفَدَة، أن للحرية والكرامة على أرض البطولات السورية، رجالاً ونساءً وشباباً وصبايا، قدموا أرواحهم على طريقها أثماناً بالغة لاستعادة حريةٍ سباها المستعبدون وكرامةٍ سلبها الفجّار القامعون.

سلام على شهيدٍ لن تنساه درعا وسلامٌ على أمّه، وسلام على شهداء حوران جميعاً، سنابل قمح في كل سنبلة مئة حبة، تملاً سهولها نوراً لأبطال الحرية والكرامة ونيراناً حارقة للقتلة المجرمين.  وسلام على شهدائنا في سوريا أجمعين ورداً جورياً يملأ بعبقه البلاد، وشَجَرَ زيتون يضيء بزيته، ولو ولم تمسسه نار، سماواتِ الوطن، وكرومَ عنب وعرائشَ ياسمين في ساحاتنا وعلى جدراننا وشرفاتنا تغني للوطن أجمل القصائد، وتُسمع العالم أننا صامدون، وأننا باقون شجرة صبّار في حلوق القامعين والمستعبدين تغيظ الأعداء، ومن قضى منّا على الدرب فهم في حواصل طيرٍ خضرٍ في أكناف عرش الرحيم الرحمان، يطيرون في جنّة عرضها الأرض والسماوات. 

حكاية محمد المحاميد ابن حوران الأبيّة، اختصرت قصة الثورة السورية من أسبوعها الأول، فكانت رسالة بالدم لطاغية الشام أشعلت ثلج السوريين ناراً تحرق عرشة، وأتت عليه من القواعد، ليسجّل السورييون بدم شهدائهم جميعاً رابع المستحيلات. 

فيا أيها السورييون..!! مهما قالوا ونالوا من ثورتكم فلا تتشككوا بها أو تظنّوا السوء بأنفسكم، فأنتم الأنقى والأطهر في ثورة شعبية وطنية نقيّةٍ طاهرة على حكم عصابة طائفية قذِرة، انطلقت بإذن ربها سيلاً هادراً من أعالي الجبال وعبر الوديان عذباً فراتاً سائغاً للشاربين، وإنما مع طول المجرى وسعته ووقته، جرف معه في طريقه الكثير من الأوساخ والفضلات من المتسلقين واللصوص والمتطرّفين والمدسوسين والعملاء وغيرهم (زبداً رابياً)، كذلك يضرب الله حقّ الثائرين والمناضلين في سبيل حريتهم وكرامتهم بباطل المستبد الفاسد والمجرم القاتل وتوحشه، فأمّا ماينفع السوريين لسوف يمكث في الأرض، وأمّا الزبد والوسخ من سوريين وغير سوريين على اختلاف بلدانهم ومذاهبهم واستخباراتهم وانتماآتهم وأفكارهم وشعاراتهم ومسمّياتهم فلسوف يذهب جُفَاءً.

عهد الثوار في يوم ثورتهم الغرّاء أن يتنظفوا من أوساخ نظام أصابتهم جميعاً بسلوكهم وأفكارهم ويتطهروا بطهر ثورتهم ويتعطروا بعطرها، وأن يكونوا خميرة أرضهم حرية وكرامة. سوريا بدها حرية، والموت ولا المذلّة.

http://www.youtube.com/watch?v=gI7onqafOxs&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=2Ytq2TCOKSE&feature=player_detailpage

http://www.youtube.com/watch?v=chKDln4Tu60&feature=player_detailpage

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القضية السورية.. نهاية العام الثالث

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 21/3/2014

تحولت الثورة السورية إلى مأساة كبرى غير مسبوقة في التاريخ العربي، بل إن العالم يراها أخطر قضايا العصر، ويكاد يقف أمامها عاجزاً عن التقدم بأي حل عملي، وقد تجاوزت خطورتها ما حدث في نكبة فلسطين عام 1948 ونكسة عام 1967، بل إن ضحاياها تجاوزوا ضحايا الحرب الأهلية اللبنانية وضحايا الحرب على العراق. وستكون الفجيعة أكبر إذا بقيت جراح القضية السورية نازفة، وإذا استمرت حلولها معطلة أو مؤجلة كما هو الأمر في أفغانستان والصومال، وقد بت أخشى أن تنتقل المطالبة السورية بعد سنين إلى حق اللاجئين في العودة كما يسعى الفلسطينيون منذ ستة وستين عاماً، وقد سمعت مقترحات عجيبة تدعو إلى توطين اللاجئين السوريين في الفواصل الحدودية بين سوريا وبين دول اللجوء، مع بقاء ملايين من السوريين مهجرين ومغتربين يبحثون عن ملجأ أو إقامة أو تأشيرة لجوء أو هروب. والخطر الأكبر تنامي أعداد الأطفال الذين حرموا من دخول المدارس بعد أن تجاوزوا السادسة من العمر، ومن حرموا من المتابعة. وتشير التقارير الدولية إلى أن نحو ستة ملايين طفل سوري هم اليوم بحاجة إلى المساعدة بعد أن زاد عدد المحتاجين للعناية بنسبة مليون ونصف مليون خلال السنة الماضية التي شهدت مزيداً من النزوح الجماعي في الداخل والبحث عن أماكن لجوء في الخارج.

وإذا كانت المنظمات الدولية تتحدث عن 150 ألف شخص فقدوا حياتهم جراء الصراع الدامي فإن العدد الحقيقي لا يزال مجهولاً ولا يستبعد أن يكون عشرة أضعاف الرقم المعلن لأن من قضوا تحت الأنقاض لم يتمكن أحد من انتشال جثثهم لعدم وجود آليات تساعد على إزالة الأنقاض، كما أن أعداد من قضوا من الجيش السوري ومن مقاتلي النظام لا يزال خارج الإحصاء. وكذلك عدد من هم بحكم المفقودين يتجاوز عشرات الآلاف فضلاً عن المعتقلين الذين لا يوجد إحصاء مؤكد لأعدادهم ولكنها تقدر بمئات الآلاف.

ولابد من الاعتراف بأن غالبية السوريين يشعرون بانسداد الأفق واليأس من ظهور حل ينهي تصاعد المأساة التي لا يتحملها قلب ولا عقل، وما يحدث من فواجع يفوق في وحشيته كل ما سبق في تاريخ الحروب وما ينشر في مواقع الإنترنت من مقاطع مصورة عن أساليب القتل والترويع والإرهاب يفوق ما حدث في البوسنة بل ما حدث في العصور الوسطى في حروب المغول والصليبيين على رغم ما يرافق المأساة السورية من تدفق إعلامي غير مسبوق أيضاً، ولكن الضمير العالمي الذي لم يتحمل رؤية أطفال الغوطة وقد قتلوا بأسلحة كيماوية محرمة فقد حيويته وسلم الأمر لمؤتمر جنيف، الذي انتهى إلى مزيد من اليأس والضياع.

ومع أن مؤتمر جنيف حقق بداية للدخول في حل سياسي، حيث جلس فريقا المعارضة والنظام في حوار يعني اعترافاً متبادلاً، إلا أن إصرار وفد النظام على تحويل المؤتمر من كونه مؤتمر حل للقضية السورية إلى كونه مؤتمراً لمكافحة الإرهاب جعل المؤتمر فرصة ضائعة.

ولا أحد ينكر دخول منظمات إرهابية على خط الثورة الشعبية التي بدأت سلمية وكان من الممكن احتواؤها بذات القرارات التي جاءت متأخرة ففقدت صلاحيتها، ودخول هذه التنظيمات أفقد الثورة كثيراً من التعاطف في الداخل والخارج، وكثير من السوريين يعتقدون أن هذه المنظمات اصطنعت كي تشوه الثورة، وتأخذ أهدافها بعيداً عن الإرادة الشعبية، وتجعل السوريين يخشون الوقوع في فخ استبداد ديني متطرف يشهر عليهم سيف التكفير ويدعو إلى قيام خلافة إسلامية لا أحد يضمن أن يظهر فيها عدل عمر رضي الله عنه، أو إخلاص علي كرم الله وجهه.

والداعون إلى الخلافة يظنون أنها الشكل الوحيد للحكم في الإسلام، وهم يعيشون خارج العصر، بل خارج التاريخ.

والمؤسف أن دعاة الدولة المدنية الديمقراطية لم يجدوا دعماً دولياً يمكنهم من تحقيق هدفهم، في حين وجد الإرهاب من يدعمه ويقدم له المال والسلاح، وسرعان ما ظهر أمراء الحرب، وتحول كثير ممن يفترض أنهم يدافعون عن حقوق الشعب في الحرية والكرامة إلى حكام كانتونات، وزاد الأمر سوءاً ما وقعت فيه المعارضة السياسية في الخارج من تعدد الولاءات بسبب تعدد مصادر الدعم وغياب صندوق موحد يلم الشمل، ودخل في المعارضة من يشتتون وحدتها، مما جعل كثيراً من السوريين المتابعين عبر قنوات التواصل يمعنون في هجاء المعارضة ويعلنون فقدان الثقة فيها، حتى إن كبار شخصيات المعارضة باتوا يشكون غياب قيادة لها.

وكان مفجعاً أن يتجه النظام إلى سياسة كسر العظم بدل أن يلتقط اللحظة المناسبة حين جاءت المعارضة إلى حل وسط في جنيف، ذلك أن قبول المعارضة والنظام وقواهما العسكرية بالتفاوض هو مفتاح الحلول مع الاعتراف المحلي والعربي والدولي بأن الحلول العسكرية غير ممكنة، وقد كنت ممن تفاءلوا بمؤتمر جنيف، لقناعتي بأن الحل العسكري الذي (رفضته من البداية، وكان نقطة اعتراضي وتحذيري من كونه سيقود البلاد إلى الدمار، وسيفتحها أمام قوى الإرهاب، وسيحولها إلى صراعات طائفية، وهذا ما حدث) لم يعد قادراً على الحسم في كلا الضفتين، ولابد من إيجاد حل سياسي، وكنت وما أزال أرى أن انفتاح حرب الفوضى في سوريا لا منتصر فيه ولا مهزوم، فحتى المنتصر سيكون مهزوماً أمام فظاعة ما سيرثه من مسؤوليات وكوارث، من أخطرها تفتت الوحدة الوطنية، فعلى صعيد شعبي تحتاج سوريا إلى سنوات من العمل الجاد لتضميد الجراح وإعادة بناء الثقة، ولا تستطيع القوة العسكرية ولا القتل والاعتقال أو التهديد به، ولا قرارات المصادرة التي تشهر على معارضي الرأي والتعبير، أن تؤسس لمصالحة وطنية.

إن غياب الحكمة في البحث عن حلول هو ذاته ما كان سبباً في سقوط سوريا في مستنقع الفوضى، وغرقها في طوفان الدم.

واليوم مع بدء السنة الرابعة على تصاعد الفجيعة والتغريبة السورية الكبرى، ننادي كل حكماء سوريا وكل مثقفيها وقواها البشرية إلى مؤتمر وطني عام يتدارسون فيه مستقبل بلدهم، فالحل لن يكون إلا من الداخل وبيد السوريين أنفسهم، وها نحن نرى تراجع الاهتمام الدولي بالقضية السورية، وتراجع الدعم الإغاثي، وإن لم يجد السوريون على الضفتين فرصة لحل سياسي ينقذ سوريا، فإن الكارثة ستصبح أكثر فجائعية وربما تتعرض لإهمال دولي خطير مع انشغال العالم بما يحدث في منطقة القرم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الاستراتيجية المطلوبة في القمتين الخليجية والعربية

راغدة درغام

الحياة

الجمعة 21/3/2014

عشية القمة الخليجية في الكويت آخر السنة الماضية، طَفَت الاختلافات السعودية - العُمانية إلى العلن وكانت المسألة الإيرانية السبب الرئيس للخلاف. وقبل أيام من القمة العربية في الكويت الأسبوع المقبل، وقعت سابقة في تاريخ «مجلس التعاون الخليجي» حين سحبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية والبحرين سفراءها من قطر احتجاجاً على دورها في مصر بالدرجة الأولى. هذه ليست اختلافات طفيفة داخل التجمع الخليجي الذي يضم السعودية والإمارات وقطر والكويت وعُمان والبحرين، إنها سياسات متضاربة للدول الست التي كانت نصبت أمامها هدف التوصل إلى اتحاد خليجي يشابه الاتحاد الأوروبي الذي له ممثل واحد للسياسة الخارجية الأوروبية.

القمة العربية التي تعقد في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، ستليها زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الرياض في 28 منه حيث سيعقد اجتماعاً مع قيادات مجلس التعاون الخليجي إلى جانب اجتماعاته الثنائية مع العاهل السعودي. تأتي تلك الزيارة في أعقاب «التهام» روسيا القرم وما تلاه من عقوبات أميركية وأوروبية على روسيا ستعزز بالتأكيد أجواء المواجهة. التدهور في العلاقات الروسية – الأميركية، لا بد من أن ينعكس على القمة العربية والقمة الأميركية – السعودية والأميركية – الخليجية أقله من ناحية انحسار فرص التوصل إلى تفاهمات أميركية – روسية تؤدي إلى التسوية الكبرى. هذا تطوّر جذري سيؤثر في أجندة القمة العربية، وفي الطروحات الخليجية أمام الرئيس الأميركي، وكذلك في الحسابات الإيرانية. الحدث الأوكراني ليس عابراً، بالتأكيد، إنما السياسات الكبرى للدول العربية يجب ألّا تتهوّر إلى الاستنتاج أن العلاقات الأميركية – العربية والأميركية – الخليجية سترقى فجأة إلى عتبة جديدة، أو أن العلاقة الأميركية – الإيرانية ستنهار. الحدث الأوكراني يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند الإعداد للقمم المقبلة لأن صداه سيدوي في أكثر من بقعة عربية وفي مقدمها العراق ولبنان وسورية حيث ستشتد أواصر العلاقة الروسية – الإيرانية. والأرجح أن يتمكن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح من احتواء الخلافات ما بين دول مجلس التعاون الخليجي ليحول دون هيمنتها على القمة العربية. وقبيل القمة الخليجية عقد الشيخ صباح قمة ثلاثية مع العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأمير قطر الجديد الشاب الشيخ تميم بن حمد آل خليفة وتم التوصل إلى تفاهمات خلاصتها لجم الدعم القطري لـ «الإخوان المسلمين» الذين تجد فيهم السعودية – والإمارات – خطراً أمنياً واستراتيجياً في مصر وفي دول عربية أخرى.

التهمة السعودية والإماراتية والبحرينية لقطر هي أنها لم تنفذ التعهّد بعدم فتح أبوابها للمعارضين الخليجيين، ولم تكف عن تشجيع «الإخوان المسلمين» ودعمهم بمختلف الوسائل، ولم تتوقف عن الحملة على مصر بعدما أطاحت حكم «الإخوان المسلمين» الوجيز.

ما ستسعى إليه الوساطة الكويتية هو تخفيف لهجة الخلاف بدلاً من حله جذرياً في الأيام القليلة الباقية قبل موعد القمة العربية. ستعمل على إقناع قطر بقليل من الصمت بدلاً من الكثير من التصعيد في وسائل الإعلام ضد الحكم في مصر التي تتهمه بـ «الانقلاب» على «الإخوان» وتتعهد بإضعافه.

في المقابل، ستسعى الوساطة الكويتية وراء ضمان عدم توجه القيادة المصرية إلى القمة العربية بأية مطالب لتصنيف «الإخوان المسلمين» منظمة إرهابية. فمثل هذا الطرح سينسف القمة ويؤطر الانقسامات العربية.

في كلام آخر، ما سيتم التوصل إليه في أفضل الحالات هو الإقناع بالصمت بدلاً من الحملة الصاخبة. ففي هذا المنعطف، ليس المطلوب من قطر أن تكون إيجابية بمعنى التجاوب تماماً مع الطروحات السعودية والإماراتية تجاه مصر. المطلوب ألا تكون سلبية.

السعودية والإمارات والبحرين لا بد من أن تدخل في حوار معمق مع قطر في الشأن المصري وكذلك الشأن الإيراني. فقطر متهمة بالتعاطف مع القوى الخليجية الموالية لإيران وتشجيعها على أعمال تعتبرها الدول الثلاث تهدد أمنها واستقرارها.

موضوع مصر أصبح جذرياً للسعودية والإمارات ويبقى حقاً مهماً لبقية الدول الخليجية باختلاف النسب. وترى الرياض أن على الدوحة ألّا تفشل النظام في القاهرة ذلك لأن إفشاله يعني إفشال مصر الليبرالية، «اللاناصرية»، «اللاخونجية». مصر الليبرالية ومصر الاعتدال هي في عمق المصلحة الخليجية. ومصر اليوم هي وزن وثقل أساسي في حفر أساس ضروري لوزن عربي في موازين القوى الإقليمية.

لهذه الأسباب، فالسياسة السعودية صارمة في المسألة المصرية مع قطر بمقدار ما هي عازمة – سوياً مع الإمارات – على إفشال كل جهود إحياء «الإخوان المسلمين» على الخريطة العربية، قطرية كانت تلك الجهود أو أميركية الهوى.

ولأن إدارة أوباما ما زالت تبدو متعاطفة مع «الإخوان المسلمين» اليوم كما بالأمس، فإن الحديث مع الرئيس باراك أوباما سيتطرق بالتأكيد إلى المسألة المصرية بكثير من الحزم والإصرار بلا تراجع.

قد يؤدي هذا الإصرار السعودي والإماراتي إلى مقاومة قطرية له. وفي تلك الحال، سيبرز تصدّع في أسس مجلس التعاون الخليجي. فإذا رفضت قطر الانضمام إلى الموقف السعودي والإماراتي في الشأن المصري عند الاجتماع مع أوباما، فسيحدث انشقاق في الصف الخليجي في أول لقاء يجمع مجلس التعاون بالرئيس الأميركي.

المسألة الإيرانية قد تصبح نافذة الخطر الأخرى على تماسك مجلس التعاون ليس عبر قطر بالضرورة، إنما عبر عُمان التي لها علاقات مميزة مع إيران في خضم الاختلاف السعودي مع طهران. وفي العلاقة السعودية – العمانية طيات من التوتر بسبب إصرار الرياض على إنشاء «اتحاد» للدول الست ومعارضة مسقط فكرةَ الاتحاد وكذلك بسب الاعتراض السعودي على الدور الإيراني في العراق وسورية ولبنان مقابل التفهم العماني شبه الكامل لذلك الدور.

العراق ليس فقط مصدر قلق للدول الخليجية، إنما للقمة العربية أيضاً. الخلاف المذهبي السنّي – الشيعي يستعر، والقبضة الإيرانية على العراق تزداد شدة عبر رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يتمسك بالمنصب ويريده لولاية أخرى. العراق اليوم بات البوابة الإيرانية إلى سورية، وكلاهما – سورية والعراق – بات في الفلك الإيراني، وليس في البيت العربي حيث كانتا واجهته وصلبه.

قد تقفز القمة العربية على هذا الواقع لتتجنب المواجهة. قد ترى أن الأفضل لها الآن ألّا يحضرها الرئيس السوري بشار الأسد، لأنه لو حضر لعرقلها. قد تحتفي بعدم حضور نوري المالكي، لأنه بات طيراً يغرد في غير السرب العربي. كل هذا لا ينفي أن على القمة العربية أن تواجه بصدق واقع انفصال سورية والعراق عن البيت العربي وانتمائهما بدلاً إلى إيران. فهذا تطوّر له استحقاقات مهمة لن يجدي التظاهر بأنها هامشية أو عابرة.

على القمة العربية أن تطلق ورشة تفكير بما يحدث في العراق وسورية وما سيترتب على لبنان نتيجة واقعه السياسي والجغرافي في جيرة سورية وتحت النفوذ الإيراني عبر «حزب الله». فإذا قررت أن «لا حول ولا قوة» ويجب الاستسلام لخروج العراق وسورية من المظلة العربية، فإن استحقاقات هذا الإقرار فائقة الأهمية. وإذا قررت أن أمامها خيارات لاستعادة العراق وسورية إلى الهوية العربية والانتماء العربي، عليها أن تضع استراتيجية لكيفية استمالة هذين البلدين المهمين مجدداً إلى الحضن العربي.

في هذا المنعطف، ستبقى أن القمة العربية والقمة الأميركية – السعودية والأميركية – الخليجية مبعثرة وهائمة في الشأن السوري ما لم تتخذ قرارات مهمة.

وواضح الآن أن الاستراتيجية الإيرانية والروسية تقوم على ضمان انتخاب بشار الأسد لولاية من سبع سنوات جديدة عبر الإصرار على انتخابات رئاسية في حزيران/ تموز (يونيو/ يوليو) هذه السنة. هذه الانتخابات تنسف عملياً مسيرة «جنيف – 2» الهادفة إلى إنشاء هيئة حكم انتقالي بصلاحيات إدارية كاملة.

وأوضحت طهران منذ البداية أن هدفها هو بقاء الأسد حتى الانتخابات في 2014، وهي الآن واضحة في زعمها إجراء الانتخابات في موعدها. طهران منذ البداية أوضحت أنها لا تقبل بمرجعية جنيف، بالتالي تعارض إنشاء هيئة حكم انتقالي تحل مكان حكم الأسد. لذلك، رفضت الموافقة على المرجعية كشرط لحضورها مؤتمر «جنيف – 2» في مونترو.

روسيا راوغت. وافقت على «جنيف - 1» ثم تملّصت منه. راهنت على فشل عقد «جنيف – 2»، وعندما عُقد أقحمت عليه أولوية مكافحة الإرهاب لإفشاله. تظاهرت أنها ليست متمسكة بالأسد، ثم ها هي الآن تريد عقد الانتخابات الرئاسية لإعادة انتخابه.

الممثل الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي أدرك أن إيمانه بتفاهم أميركي – روسي سيؤدي إلى حلحلة الأمور لمصلحة الحل السياسي في سورية بات الآن أضعف. أدرك أن إجراء الانتخابات يعني القضاء على «جنيف – 2». وعندما تحدث عن ذلك علناً، انقلبت عليه دمشق واتهمته بالتدخل في شأنها الداخلي. والآن، ومع التطورات في أوكرانيا، يعي الإبراهيمي أن مسار التوافق الأميركي – الروسي وصل إلى حائط مسدود.

هذه الوقائع تتطلب استراتيجيات عربية غير تلك المعهودة. فإذا كانت السياسة السعودية في وارد الإقرار ببقاء الأسد رئيساً لفترة مقبلة، فلتوضح ذلك. وإذا كانت عازمة على تغيير النظام مهما كان الثمن، فلتأتِ باستراتيجية مضادة للاستراتيجية الإيرانية عبر تسليح نوعي شاءت واشنطن أو أبت.

المهم، ألّا يفكر أي كان بأن وسيلة «الانتصار» في سورية تكمن في المزيد من الأفغنة في سورية. كفى هذا البلد ما دفعه ثمناً لسياسات قاصرة ومُنتقصة. حان الوقت للحسم إما لجهة الرضوخ لأمر واقع مهما كان الأسد مرفوضاً، أو لجهة قلب المعادلة حقاً عسكرياً، أو لجهة العمل الجدي نحو تفاهمات جذرية مع إيران.

باراك أوباما قد يفضل استمرار الوضع الراهن المضني وقد يرحب بنقلة نوعية في العلاقة السعودية – الإيرانية. المهم أن أوباما لن يدخل الساحة السورية مباشرة مهما كانت علاقته بروسيا ومهما قررت موسكو وطهران أن فوزهما بسورية هو الأولوية القاطعة لهما في المنطقة العربية.

القمة العربية قد لا تضع سورية في مقدم أولوياتها سوى لغوياً وعاطفياً. القمة السعودية – الأميركية تتطلب دراسة معمقة في الخيارات العملية المتاحة كي لا «ترفّع» الخلافات وتتظاهر بأن المياه عادت إلى مجاريها. وسورية في طليعة التحديات.

لعل ما تتوصل إليه القمة الأميركية – الخليجية أو القمة الأميركية – السعودية هو التفاهم على ضرورة دعم مصر سوياً، والاقتناع بالحاجة إلى الصبر سورياً فيما تُتخذ الإجراءات لسحب البساط من تحت أقدام قوى الإرهاب وقوى التطرف التي صادرت الثورة السورية. إنما من المهم ألّا يُكلَّف الشعب السوري عبر المعارضة المعتدلة شن الحرب على قوى الإرهاب إرضاءً للأولوية الأميركية، فهذا انتحار آخر يُطالب به شعب دفع بلده فدية الأخطاء المحلية والإقليمية والدولية الفظيعة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما أسهل تغيير الرؤوس وما أصعب تغيير النفوس!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 22/3/2014

هل تغيرنا فعلاً، نحن العرب، بعد أن ثرنا على الطواغيت؟ هل ثرنا فعلاً كي نتغير؟ هل يمكن أن نتغير بمجرد الإطاحة بمن كانوا يحكموننا؟ أم إننا نسخة طبق الأصل عنهم، وبالتالي سنستنسخهم مرات ومرات بدل انتاج ثقافة جديدة؟ ما هو المدى الزمني الذي نحتاجه كي نتحرر فعلاً من الثقافة القديمة، التي زرعها في عقولنا وقلوبنا الطغاة الساقطون والمتساقطون؟

لا أحد يستطيع أن ينكر أن كل شرائحنا الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية هي عبارة عن نتاج الأنظمة، التي فرضوها علينا منذ عقود وعقود. إننا بلا أدنى شك نتاج الأنظمة التربوية والدينية والاجتماعية والثقافية التي حكمت بها الأنظمة الساقطة والآيلة للسقوط. وبالتالي: هل نحن قادرون على التحرر من تلك الأنظمة، ومتى؟ ألا يخشى أن نعيد استنساخها جيلاً بعد جيل؟ تقول إحدى الكاتبات: ‘نسمع صوت طبول الحريّة من بعيد. نعتقد أنّنا سنعيش بعد أيام لحظاتٍ لا تنسى، نعوّض فيها عقود القهر والاستبداد. لكن كلّ هذا مجرّد أحلام يقظة ليس إلا، فالمستبدّ مختبئ فينا ريثما تحين له الفرصة، ليخرج المارد من قمقمه ليصول ويجول، مكفّراً هذا بالدّين، وذاك بخيانة القضايا’.

لا شك أن الكثيرين ينتابهم مثل هذا الشعور بعد انقشاع غبار الربيع العربي، فقد ظن البعض أن مجتمعاتنا ستتغير مائة وثمانين درجة بمجرد تغيير أنظمتها السياسية، دون أن يعلموا أن أبسط أنواع التغيير هو التغيير السياسي، أما أصعبها فهو التغيير الاجتماعي والثقافي، فالثقافة التي أنتجت الطواغيت والمستبدين السياسيين يمكن أن تعيد انتاجهم طالما لم تتغير العقليات والذهنيات الثقافية السائدة في هذا المجتمع أو ذاك. لهذا لا بد أن تترافق التحولات السياسية مع تحولات اجتماعية وثقافية عميقة حتى لو استغرق ذلك وقتاً طويلاً، خاصة وأن العادات والتقاليد تموت بصعوبة بالغة، كما يقول غوستاف لوبون في كتابه الشهير ‘سيكولوجية الجماهير’.

لقد كان الكثيرون يتصرفون أيام الطغيان على أسس طائفية وعرقية ومذهبية وعشائرية وقبلية مفضوحة، وكانوا يبررون ذلك بأن الطغاة هم من قسّم المجتمعات إلى ملل ونحل متصارعة عملاً بمقولة: ‘فرق تسد’. ولا شك أن هذا صحيح تماماً.

لكن هل الأنظمة السياسية الجديدة تريد فعلاً أن تتخلص من ذلك الإرث السياسي والثقافي البغيض؟ بالطبع لا. ربما تحاول أن تغير في الشكل، لا في المضمون، خاصة وأن المجال الثقافي لم يتغير، بل سيبقى على حاله ربما لعقود وعقود. أضف إلى ذلك أن تلك الجماعات السياسية الجديدة التي بدأت تحل محل الأنظمة القديمة ربما تعمل على تكريس الثقافة السياسية القديمة مع تغيير بسيط في أسلوب العمل. ولعلنا لاحظنا كيف أن العراق مثلاً تطور طائفياً، ولم يتطور ديمقراطياً، لأن القيادات الجديدة عملت على تقوية الواقع القديم، لا بل أبرزته إلى السطح بطريقة مقززة من خلال المحاصصة الطائفية البغيضة.

هل ستقوم الطبقات السياسية الجديدة مثلاً بإجراء تغييرات جذرية على مناهج التعليم، بحيث تقطع تماماً مع العهود القديمة مرة وإلى الأبد؟ هل ستتحدى الثقافة الاجتماعية السائدة، كما تحدت الأنظمة السياسية؟

نستطيع أن نقول ببساطة إن تغيير الرؤوس دون تغيير النفوس بعد الربيع العربي هو أشبه بقطع رأس جبل الجليد الظاهر فوق الماء، والذي لا يشكل عادة سوى خمسة بالمائة من الجبل الذي يقبع جله تحت الماء.

إن أول ما ينبغي على الأنظمة الجديدة فعله، إذا كانت فعلاً صادقة في التغيير، ولا تريد فقط إعادة انتاج الأنظمة القديمة، هو القيام بثورات ثقافية عارمة تقلب رأساً على عقب أنماط التفكير والعقليات الاجتماعية المترسخة، إذا كانت صادقة في التغيير فعلاً.

لا بد أن نعلم أن التركيبة الاجتماعية في هذا المجتمع أو ذاك لن تتغير بمجرد سقوط النظام السياسي. ففي كل منطقة من بلادنا العربية نمط ثقافي واجتماعي يعتبره الناس العاديون قبل الوجهاء مقدساً. والسؤال إذاً: ما قيمة التغيير إذا كان إسقاط الرؤوس السياسية مباحاً، بينما إسقاط المقدسات الاجتماعية والثقافية المصطنعة محرماً؟

هل يقبل أعيان تلك المنطقة أو تلك في الجمهوريات العربية التي شهدت تحولات سياسية وثورية أن يتخلوا عن وضعياتهم الاجتماعية؟ هل يسمح أتباعهم بذلك أصلاً؟ بالطبع لا.

لقد أكد لوبون في كتابه المذكور أعلاه أن ‘القادة الحقيقيين للشعوب هي تقاليدها الاجتماعية والثقافية الموروثة’ التي لا تتغير بسهولة إلا شكلياً. ويضيف لوبون:’عندما يتيح شعب ما لأعرافه وتقاليده أن تترسخ بقوة زائدة طيلة أجيال عديدة، فإنه لا يعود يستطيع التطور، ويصبح عاجزاً عن التغيير والإصلاح’.

في الكثير من الجمهوريات التي حدث فيها التغيير السياسي هناك هرمية ثقافية واجتماعية لا تخطئها عين. هل يتجرأ أحد على تحطيم تلك الهرمية الاجتماعية والطائفية والعائلية بنفس الطريقة التي تم فيها تحطيم النظام السياسي؟ للأسف لا، فالموروث الثقافي والاجتماعي يحظى بقدسية أكبر بكثير من الموروث السياسي الذي رأينا الجماهير في أكثر من منطقة تحطمه وتدوس رموزه ببراعة عز نظيرها. السؤال المطروح الآن: هل تريد الجماهير الإطاحة بثقافاتها الاجتماعية الوضيعة، أم إن وقتاً طويلاً سيمر قبل أن تتجرأ على الاقتراب منها؟

ذات يوم سألت مسؤولاً كبيراً: ‘لقد جئتم إلى السلطة قبل عقود وأنتم تتوعدون الطبقات الاجتماعية والثقافية القديمة بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكنكم تحالفتم معها شيئاً فشيئاً، لا بل عززتم مواقعها ووظائفها’، فرد قائلاً:’ هذا صحيح، لكن ليس لأننا نريد تكريس وضع قديم، بل لأننا وجدنا أن هناك قطيعاً كبيراً من الناس يسيرون خلفها بشكل أعمى، ولا يريد أن يمسها بأي تغيير، فقلنا لأنفسنا: بما أن القطيع لا يريد التغيير، لا بل من الصعب تغييره هو نفسه، فلنسر وراء تلك الطبقات القديمة التي تقود القطيع، وتتحكم به طالما أنها تحفظ الاستقرار ولا تهدد النظام السياسي’.

لا شك أن كلام المسؤول أعلاه فيه الكثير من الخبث، فهو استغل تلك الطبقات القديمة للحفاظ على النظام الجديد. وهذا ما يجب على الأنظمة الجديدة بعد الربيع العربي أن تتجنبه، وأن لا تؤثر الاستقرار على التغيير الحقيقي.

لا شك أن الربيع العربي حدث عظيم في تاريخ المنطقة. وهو المقدمة الصحيحة للبدء بالتغيير الشامل. لكن يجب على من يريد التغيير الجذري فعلاً أن لا يكتفي بتغيير الأنظمة السياسية، ثم يقول لنفسه: سقط الطغاة وانتهت الثورات. لا لم تنته الثورات بسقوط الطغاة، بل بدأت. وإذا لم تستمر النخب الثورية بمتابعة المسيرة الثورية سيكون من حق المتشائمين أن يقولوا بحسرة: إن الطبقات والهياكل والأطر والعقليات والأشخاص الذين صنعوا العهود الساقطة مازالوا موجودين بيننا بعد الثورات، جاهزين لتطبيق قانون التّخلف والاستبداد مرة تلو الأخرى. إنه صراع مرير بين قوى الرجعية بمختلف أشكالها السياسية والثقافية والدينية وقوى التغيير. ولو نظرنا إلى طبيعة الصراع الآن في بلدان الربيع العربي نجد القوى القديمة تشن ثورات مضادة شرسة اعتماداً على الموروث الجاهز لديها. لاحظنا ذلك من قبل في الجزائر، حيث تمخضت الثورة على مدى التسعينات عن عودة كاملة متكاملة للنظام القديم بكل أشكاله. وكذلك الآن في مصر، حيث يعود النظام القديم بشراسة رهيبة وسط تصفيق نفس الشرائح التي ثارت عليه. ما أحوجنا إلى ثورات ثقافية عارمة قبل أن نحلم بالتغيير المنشود، وهو للأسف ممنوع حتى الآن!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الهجمة على الائتلاف السوري!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 23/3/2014

لا شك أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في سوريا يحتاج إلى نقد، ونقد الائتلاف يمكن أن يكون متعددا ومتنوعا. فهو نقد لا يقتصر على الموضوع السياسي، بل يشمل الموضوعات التنظيمية والنشاطات الجماهيرية إضافة إلى موضوعات أخرى، قد يكون من الصعب حصرها، لأن الموضوعات الواقعة في حيز اهتمام الائتلاف هي موضوعات الشعب السوري، لأن الائتلاف بما يحويه من تمثيل لقوى سياسية وشعبية وعسكرية وشخصيات وطنية، ظهر ونُظر إليه باعتباره ممثلا للشعب السوري، وهي صفة اعترفت بها عشرات من دول العالم بينها دول عربية وإسلامية وأخرى أوروبية وأميركية، وهذا بين عوامل تجعل من نقد الائتلاف وأداء الائتلاف ضرورة حقيقية، ينبغي أن تمارس علنا عبر كل الوسائل المتاحة خاصة في الإعلام.

غير أن نقد الائتلاف - بما في ذلك نقد شخصياته - أمر مختلف عما يتم من هجمات على الائتلاف وعدد من شخصياته، والأهم فيها ما يتم القيام به عبر الشبكة الإلكترونية سواء منها ما تقوم به مواقع إلكترونية، أو ما تسعى إليه صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي وأبرزها موقع «فيسبوك»، والتي تركز على الإساءة للائتلاف وشخصياته والتشهير بهم إلى أقصى الحدود عبر حملة من الأكاذيب والادعاءات والكثير منها غير أخلاقي وغير موضوعي.

ورغم أن نتائج الهجمة تصب في هدف رئيس هو السعي إلى تدمير الائتلاف وقياداته، فإن المشاركين في الهجمة متعددون متنوعون، وليس صحيحا أنهم جميعا من سدنة نظام الأسد وشبيحته والمنخرطين في إطار استراتيجية القتل والتدمير والتهجير التي يتابعها ضد السوريين، إنما بينهم – إضافة لما سبق - أشخاص عاديون من السوريين، وفيهم مقربون من الائتلاف وبعض من أعضاء فيه، وآخرون كانوا حتى الأمس بين قيادات الائتلاف.

ولا شك أن اختلاف المشاركين في الهجمة على الائتلاف يعني وجود اختلافات تفصيلية في أهدافهم، رغم التوافق في الهدف العام. والأساسي في هدف سدنة نظام الأسد من الهجمة هو تدمير الكيان الرئيس للمعارضة السورية وشخصياتها المنخرطة فيه، والإساءة إليه بأقصى الحدود الممكنة، أما هدف مقربي الائتلاف والأعضاء فيه فهو مواجهة القيادة الحالية للائتلاف والتشهير بها وبمواقفها السياسية، رغم أن مجيء القيادة وخيارات الائتلاف السياسية تم بالوسائل والأساليب الديمقراطية ووفق القواعد المتفق عليها وبحضور بعض أعضاء هذا الفريق من المشاركين في الهجمة.

أما القسم الثالث من المشاركين في الهجمة فهو الأكثر إشكالية، إذ إن المنتمين إليه لا يجمعهم رابط إلا مشاركتهم في الهجمة، بعض هؤلاء من أبناء الثورة الخلص والمخلصين الراغبين في الوصول بالثورة إلى غايتها النهائية في تغيير النظام وبناء نظام ديمقراطي جديد أساسه الحرية والعدالة والمساواة، وهناك آخرون قلقون مما صار إليه الحال السوري في مجالاته المختلفة، لديهم كل الرغبة في وقف التداعيات المدمرة والخلاص من الوضع الراهن، والبعض ليس لهم من مشاركتهم إلا الرغبة في الظهور، والقول إنهم حاضرون في قضية هي محط اهتمام وعناية السوريين من زوايا مختلفة.

ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تغيير أو تبديل موقف سدنة النظام وشبيحته في الهجوم على الائتلاف وشخصياته، لأن ذلك في صلب استراتيجية النظام في تعامله مع عموم السوريين ومع المعارضة والائتلاف بشكل خاص نظرا لما يشكله في أهدافه وفي أدواته من بديل منتظر لسلطة القتل والدمار والتهجير. أما احتمالات تغيير موقف مقربي الائتلاف والمشاركين فيه فتبدو ممكنة، إذا أدرك هؤلاء الكم الكبير من الأخطار المحيطة بقضية الشعب السوري وبالمعارضة وبالائتلاف، وما يمكن أن تلحقه الهجمات المعادية وغير الموضوعية بالائتلاف من خسائر جراء انخراطهم إلى جانب سدنة النظام في الهجوم على الائتلاف وشخصياته، والأمر في هذا ينبغي أن يكون موضع نقاش داخل الائتلاف عبر الشخصيات والمكونات مشاركة في الائتلاف، وينبغي إخراج الادعاءات والإشاعات والاتهامات، وكل ما هو شخصي وما له بتدخلات وأجندات إقليمية ودولية من النقاش، ليكون نقاشا حرا وموضوعيا ومرتبطا بالقضية وبالمصلحة السورية ليس إلا، وهو ما يضمن ليس عدم مشاركة هذا الفريق بهجمات لاحقة على الائتلاف، بل أيضا انخراطه بشكل فعال في قيادة وإدارة الائتلاف ودفعه قدما على طريق تحقيق أهدافه.

أما القسم الثالث من المشاركين في الهجمة فأكثرهم يمكن أن يخرجوا منها إذا توجه إليهم الائتلاف عبر شروحات وإيضاحات، تتصل بالموضوعات والمواقف السياسية والقضايا الإجرائية، وأوضح لهم الظروف والشروط التي يعمل من خلالها وهي شروط صعبة ومعقدة، تحتاج إلى شرح وتفصيل، يكون بين أهدافه تحشيد مزيد من السوريين ليس لفهم جوهر المشاكل التي يواجهها الائتلاف ومجمل المعارضة، إنما أيضا ما يواجهه الشعب السوري وقضيته، وهذا سوف يسهم في تخفيف أثر الادعاءات والأكاذيب والإشاعات، التي يجري بثها حول الائتلاف وشخصياته، ومنها ما يشاع عن الفساد والتبذير ونهب المال العام، وكلها أمور يمكن أن تحصل، لكن الأهم تأكيد الائتلاف رغبته في الوصول إلى معلومات تثبت ذلك ليتم التحقيق فيها ومحاسبة المرتكبين أيا كانت مواقعهم ومسؤولياتهم وبصورة علنية.

خلاصة الأمر أن الائتلاف كيان من بشر، يمكن نقده، بل إن نقده يقع في باب الواجبات السورية، وهذا مختلف عن الهجوم عليه بهدف تدميره، وإن كان هناك من يتعمد ذلك بصورة مؤكدة ووظيفية، فإن على المشاركين الآخرين التدقيق في مواقفهم ونتائجها وتغييرها، وعلى الائتلاف نفسه أن يساعد في خلق بيئة مساعدة عبر الانفتاح والنقاش والشفافية والوقوف عند الأخطاء ومحاسبة المرتكبين أيا كانوا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مأزق دبلوماسية تجارة الشنطة الروسية

مصطفى فحص

الشرق الاوسط

الاحد 23/3/2014

منذ اندلاع انتفاضات الربيع العربي تمسكت موسكو بأطر الأمم المتحدة ومجلس الأمن شرطا للتدخل الدولي في أي نزاع داخلي، وقد أتاح مجلس الأمن وحق النقض الذي تتمتع به موسكو وظيفة دولية لها تعوض ما فقدته من سطوة على الصعيد الدولي طوال عقدين من الزمن، وأداة غير مكلفة تعوضها أيضا ندرة الأدوات والإمكانيات التي تمكنها من المنافسة على الساحة الدولية.

ذهبت موسكو في سوريا حتى النهاية، واجهت محاولات الأمم المتحدة فرض إدانة على نظام الأسد ودافعت عن ارتكاباته بل غطتها، ولم تبالِ بالمناشدات الإنسانية وانتقادات الرأي العام الدولي لهذه السياسات.

لم يكترث الكرملين بمستقبل العلاقات ومنظومة المصالح الروسية العربية والروسية الإسلامية واستمر بسياسة انحياز مريب، توضع في خانة معاداة مصالح الأغلبية في المنطقة والوقوف إلى جانب طهران التي تستغل غياب التماسك العربي من أجل فرض إرادتها على دول المنطقة وشعوبها.

لكن المجتمع الدولي الذي تهاون كثيرا في سوريا، فرضت عليه الأزمة الأوكرانية الوقوف بوجه الغطرسة الروسية؛ فقد قوبل كلام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أثناء مؤتمر ميونيخ للأمن الجماعي حول أوكرانيا بالرفض من قبل الأوروبيين، خصوصا الألمان، عندما حاول الترويج لفكرة الخطر من جماعات اليمين الأوكراني التي تعمل على نشر العنصرية في أوروبا، وتحريض الرأي العام الألماني على دولته، باتهامها بأنها تدعم وصول جماعات نازية إلى السلطة في كييف، في استنساخ فاشل لـ«القاعدة» و«داعش» التي يروّج لها في سوريا.

هذا الفشل في ميونيخ سبقه فشل روسي في مؤتمر «جنيف 2» عندما وجدت موسكو نفسها وحيدة تدافع عن نظام أجمعت 40 دولة حضرت المؤتمر على أنه مصدر أول للإرهاب في سوريا، فيما لم تلقَ اتهامات روسيا للمعارضة السورية بأنها تدعم الإرهاب آذانا صاغية.

وفي مسلسل مأزق الدبلوماسية الروسية، فشل الرهان الروسي على تعامل الغرب مع الأزمة الأوكرانية والتدخل العسكري في شبه جزيرة القرم، على غرار التعامل مع أزمة جورجيا 2008 والتدخل العسكري في جمهورية أوسيتيا الجنوبية، الواقعة شمال القوقاز، فقد غضت الدول الكبرى الطَرْف خصوصا الولايات المتحدة، عن الرد العسكري الروسي على حكومة تبليسي، لكنها وضعت حدا لهذا التدخل عندما وصلت الدبابات الروسية إلى مشارف منطقة «غوري»، حيث يمر خط أنابيب باكو جهان ومنعت سقوط نظام الرئيس شيكاسفيلي الموالي للغرب.

في الأزمة الجورجية كانت النخبة الأميركية تحاول الحد من إفراط الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، في تدخله في الصراعات الدولية، وخوضه حربين مكلفتين على الخزينة الأميركية في أفغانستان والعراق، بينما تحاول النخبة السياسية الأميركية والأوروبية والأطلسية حاليا، وضع حد لتفريط الإدارة الأميركية الحالية في المصالح الأميركية والأطلسية المشتركة، التي تشكل التحركات الروسية في أوكرانيا أكبر تهديد جدي لها منذ الحرب الباردة.

لم تستطع الدبلوماسية الروسية إقناع حليفتها الصين بالتصويت إلى جانبها في مجلس الأمن أثناء مناقشة الأزمة الأوكرانية، فوقفت وحيدة أمام 13 دولة، بعدما اكتفت بكين بالحياد، وبدا موقفها رسالة واضحة لموسكو، تنبه فيها إلى عدم الرضا عن تصرفات الكرملين، ومحاولته الهيمنة على جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ولا تخفي فيها قلقها من انتهاج هذه السياسات في دول آسيا الوسطى، خصوصا في كازاخستان التي يشكل الروس نسبة 45 في المائة من مجموع سكانها، وتشكل أكبر الشركاء التجاريين لبكين في المنطقة وأحد أهم مصادر الطاقة لديها.

في جنيف استغل مساعد وزير الخارجية الروسي ريباكوف، الفجوة القائمة بين الوفد الإيراني ومجموعة 5الاحد 23/3/20141 حول ملف إيران النووي، وكشف عن أن بلاده سوف تتبع نهجا خاصا لمعالجة هذا الملف يخالف إرادة الدول الكبرى، مثل محاولة اللعب على التناقضات الإيرانية الداخلية، وتشجيع الرافضين لهذه الاتفاقية على مزيد من التشدد، واستدراجهم إلى الوقوف إلى جانب موسكو في مواجهتها مع الغرب، ووضع حد للتقارب بين طهران وواشنطن.

وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطابه الأخير أمام مجلس الدولة الاتحادي، الربيع العربي، بالشتاء العربي، إصرارا منه على تحطيم إرادة الشعوب وخشية وصول رياح التغيير إلى الجمهوريات الإسلامية جنوب روسيا، ولم يعد مستبعدا بعد أن اجتاحت أوكرانيا أن تطرق أبواب موسكو، خصوصا إذا فشل الكرملين في المواجهة.

يقول المثل الروسي: «إنها لعنة المرأة فلا تقف أمامها، فهي تريك وجهك الحقيقي». لعل هذا المثل هو أكثر ما ينطبق الآن على الدبلوماسية الروسية وممثلها وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي بدأ يواجه مأزق تراجع السطوة الروسية في المحافل الدولية، فهي منذ قرابة أربع سنوات، كانت أقرب إلى تجارة شنطة تبيع بضاعة لم تعد تلقى اهتمام المستهلكين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: من أسلمة الثورة إلى ثورةٍ في الإسلام (1)

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 23/3/2014

سوريا: من أسلمة الثورة إلى ثورةٍ في الإسلام (1)على مدى عامين من الزمان، ومنذ بدايات العام الثاني للثورة السورية، باتت (أسلمةُ) هذه الثورة (حلماً) لدى البعض و(كابوساً) لدى البعض الآخر.

واليوم، مع بداية عامها الرابع، تعود الثورة الولاﱠدة لتفرض منطقها وبرنامجها وأجندتها الخاصة، بعيداً عما يتمناه الكثيرون. فباستقراء سنن الاجتماع البشري وقوانينه، لايبدو أن الحلم، بشكله التقليدي، سيتحقق، ولايلوح أن الكابوس، كما هو في ذهن أصحابه، سيزول.

فكما يبدو أقربَ للمستحيل إلغاءُ كل طابعٍ إسلامي يتعلق بثورة سوريا ومستقبلها، يبدو أقربَ للمستحيل أيضاً إلغاءُ تنوعها الثقافي والقومي والديني، وحشرُها في فهمٍ محدد للإسلام ترسمهُ فئةٌ أو مجموعةٌ أياً كانت.

بدلاً من هذا وذاك، تبدو الثورة متجهةً بسوريا وأهلها نحو نقطةٍ وَسَطْ بالمعنى الحضاري والإنساني، لا بمقاييس الهندسة والرياضيات. نقطةٍ تليق بتاريخها وثقافتها وهويتها الحقيقية أكثر بكثير من الموقع الذي يريد أن يجرﱠها إليه هؤلاء وأولئك.

يحدث هذا ببطء كما هي العادة في مثل هذه الظواهر، وبشكلٍ لايراه بَصرٌ مُستعجل ولابصيرةٌ مشوهة. فمثل هذه التغييرات الكبرى في واقع الدول والحضارات تحدث بأثر فعلٍ تراكمي يُدرك البشرُ في نهاية المطاف أنه كان يسير في اتجاهٍ يعاكسُ كل مايوحي به ضجيج الأحداث الآنية وصخبُها المُلتبس في ذاته من جانب، والذي يدعو للالتباس من جانبٍ آخر.

قد يكون الأمر في وجهٍ منه أحد التفسيرات لتعقيد القضية السورية وطول مسيرتها وكثرة اللاعبين في شؤونها. بمعنى أنها فعلاً ظاهرةٌ حضاريةٌ كبرى سيكون لها شأنٌ في التاريخ الإنساني، وليست حدثاً عابراً فيه.

من هنا يأتي الحديث عن احتمال أن تقودَ ثورةُ سوريا إلى ثورةٍ حقيقيةٍ في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع، أكثرَ من أن تؤدي إلى أسلمةٍ يجري الحديث عن مظاهرها وتجلياتها بشكلٍ معروف اليوم، لاحاجة لتكرار التفصيل فيه.

فبعيداً عن العواطف والأمنيات، بات معروفاً أن (الإسلاميين) على تنوع خلفياتهم وشرائحهم المنظمة اليوم لم يكونوا في الصفوف الأولى للثورة يوم انطلاقها، فضلاً عن أن يكونوا وراء إشعالها.

نعم، يمكن القول أن الثورة استبطنت بعض قيم الإسلام الأصيلة كالعدالة والحرية والمساواة والكرامة، واستعملت رموزه من الشعارات إلى المساجد، لكن تلك القيم لم تُطرح يومها في إطارها الإسلامي، كما أن الرموز المذكورة استُعملت أيضاً في سياق إجماعٍ ثقافي واجتماعي وطني شامل. من هنا، سيكون من الإجحاف الادعاءُ بأن أي جهةٍ من تلك الجهات الكثيرة التي تتحدث باسم الإسلام اليوم كانت، باسمها ورموزها، في فعاليات الثورة يوم انفجرت منذ ثلاث سنوات.

يسري هذا على الإسلاميين الحركيين وعلى الإسلاميين التقليديين وعلى الإسلاميين الجهاديين وعلى الإسلاميين في المنفى ممن لم يكن لهم انتماءٌ محدد.

لايهدف هذا المقال إلى تأريخ الأحداث وإنما نشير هنا بشكلٍ سريع إلى بضع حقائق.

إذ لم يصدر مثلاً بيان واضح في تأييد الثورة من قبل الإسلاميين الحركيين إلا في أواخر نيسان / أبريل من عام 2011م، أي بعد قرابة شهرٍ ونصف من انطلاق الثورة.

أما ممثلو الإسلام التقليدي من العلماء والمشايخ فقد استغرق انخراطهم في الثورة أكثر من عام، رغم أن قلةً قليلةً منهم يعرفها الكثيرون باتت بسرعة في مقدمة الصفوف.

وثمة حادثةٌ معبرة عن علاقة الإسلاميين الجهاديين بالثورة، ففي شهر كانون الأول / ديسمبر من العام 2011م اتصل شخصٌ أطلقتهُ فجأةً السلطات السورية من السجن بأحد الزملاء ليخبرهُ بما حصل له، ويقول له أنه يخشى من حادثٍ تفتعله تلك السلطات وتُلصقه بـ (المتشددين) الإسلاميين، مؤكداً على أنه لايعرف ماسيفعله فيما يتعلق بشخصه وبما يجري في البلاد. كان الرجل مُعتقلاً بتهمة أنه ينتمي لتلك الشريحة، وبينما أجرى تلك المكالمة، بعد أكثر من تسعة أشهر من بدء الثورة، بعفويةِ من لاعلاقةَ لهُ بشيء، أصبح بعد ذلك من أكبر قادة الفصائل الإسلامية العسكرية.

في حين بقي الإسلاميون في المنفى يتباحثون لأشهر، في أدبياتٍ موثقة، حول ما إذا كانت الثورة مؤامرةً خارجية مدبرة أم أنها مجرد فوضى عارمة.

لانقصد هنا التعميم ولا إصدار الحكم على الأشخاص والمجموعات بالخطأ أو الصواب، فهذا شأن التاريخ وليس شأننا، ولاهو هدف هذا المقال. وإنما نُذكرُ هنا بحقائق وأحداث تاريخية يمكن التثبت من دقتها والبحث عن شواهدها بسهولة، لاستعمالها في شرح القراءة التي نطرحها عن واقع الثورة وعلاقتها بالإسلام.

رغم هذا، يمكن القول أن الإسلاميين دخلوا في مسيرة الثورة، وباتوا جزءاً رئيساً منها بهيئاتهم التنظيمية وبشخصياتهم الفردية والمعنوية. حصل هذا بشكلٍ واضح وجلي مع بداية العام الثاني لها.

وعلى مدى عامين، بدأت رواية (أسلمة الثورة) تأخذ زخماً متصاعداً بفعل وجودهم وحركتهم وممارساتهم، دون إغفال دعاية النظام التي كانت تعمل على تكريس تلك الرواية بأكثر تجلياتها الممكنة سوءاً، لتخويف السوريين والعالم.

لكن ملابسات الثورة وتطوراتها وضعت الإسلاميين أمام جملةٍ من التحديات، كلٌ على اختلاف موقعه ودوره. فمن التحدي الثقافي إلى التحدي الأخلاقي، مروراً بالتحديات التنظيمية والسياسية والعسكرية، طرحت قراراتهم وممارساتهم وأساليبهم في التفكير والعمل أسئلةً كبرى وأساسية لا تتعلق بطبيعة دورهم في الثورة فقط، وإنما بطريقة الفهم للإسلام وطريقة تنزيله على مثل هذا الواقع الفريد والمُعقد.

ومن هنا تحديداً سيكون مفرق الطريق. فهل يُعتبر هذا الوضع فعلاً تمهيداً لأسلمة الثورة بالطريقة التي يجري الحديث عنها؟ أم يكون مدخلاً لثورةٍ جذرية في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع؟ هذا سؤال سنحاول الإجابة عليه في الجزء الثاني من هذا المقال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إرحل.. لا شيء لك 

بشار عبود

المستقبل

الاحد 23/3/2014

كان أفضل رد يمكن لبشار الأسد أن يتخذه، عقب حملة ترشيح الشيخ معاذ الخطيب للرئاسة، هو ترك السلطة مباشرة والرحيل عنها. لكنه بدل أن يفعل ذلك ذهب إلى ما هو أبعد في الهمجية، وحصر المنافسة الرئاسية بشخصه! فهو لم يعتد العيش بغير «سوريا الأسد»، التي ورثها عن أبيه.

البلد تغيّر يا سيادة المرشّح، والسوريون لم يعودوا هم أنفسهم، والتاريخ لن يعود إلى ما قبل 2011 ، وعلى أجهزتك الأمنية أن لا تضحك عليك بتقاريرها الكاذبة، فلا العودة إلى الحكم، ولا استعادة السوريين إلى الحظيرة الأسدية، ولا إنهاء الثورة، أهداف يمكنك تحقيقها بعد الآن، المكابرة لن تفيدك في شيء.

فهل قتال شمشون الجبار الذي يشاهد نهايته الحزينة هو ما يريده الرئيس العتيد؟! أم أن الأمر لا يتعدى عربدة العصابات، عندما يضعها التاريخ أمام استحقاق لا بد منه؟

هل تعتقد أن استحضار الجنود الإيرانيين إلى سوريا، أو جلب مقاتلي حزب الله، أو حتى استعانتك الأخيرة بعبدة الشياطين، سيفيدك في تحقيق أيٍّ من أهدافك؟ هل تعتقد أن فتح سجونك أمام الإرهابيين الذين كنت تحتجزهم ـ لوقت الحاجة ـ أو فتح حدودك على مصراعيها للمجاهدين الإرهابيين، سيعيد الأمور إلى مجراها؟ الجرة انكسرت، وساحت دماؤها، وتشربتها أرضنا، ولا سبيل لجمعها مجدداً، كما كانت قبل آذار 2011.

لذلك، تعال لأقول لك ما لا تريد أجهزتك الأمنية أن تخبرك به. فبعيداً عن كذبة التآمر الكوني ضد البلد، وخطّها المقاوم.. ليس هناك سورياً واحداً ـ بمن فيهم مواليك ـ لا يعرف في أعماقه أن هدفك في قتلك وتدميرك للبلد، هو الحفاظ على كرسي ورثته عنوة عن أبيك، بتسهيلات لا ينساها السوريون من الحراس القدامى وبرعاية دولية وعربية ومحلية.. هذا أولاً.

وكذلك يعرف كل سوري أيضاً، أنك تحافظ على كرسيّك من منطق الذي فتح الخراب على مصراعيه ليطال الشعب والبلد، وأيضاً من منطق أن من قام بالثورة هم مجرّد رعاع، وكانوا إلى حين مجرد أشياء مكملة للمزرعة الموروثة.

قد تبرر وموالوك، بإن وجود مثل هكذا معارضة تدعو للتفكير في عودته إلى الحكم، فهي غير مهيأة لإدارة مدرسة فلمن ستترك البلاد؟ ولذلك لا يزال الأمل قائماً في إعادة تطويع الشعب، خصوصاً في ظل هذا الدعم اللامحدود من قبل روسيا وإيران، مستشهدين بتجربة حماه الدامية في ثمانينات القرن الماضي، حيث استطاع والدك إنهاء أمر المعارضة والقضاء على كل من قال لا.

الآن.. انطلقت الثورة، وحلّ بالبلد ما حل ولا يزال، من مآسٍ لن يستطيع السوريون تجاوزها قبل عقود طويلة من الزمن، وانسفكت دماء السوريين، وانفلش البلد أمام الغادي والبادي. لكن في المقابل أيضاً، فقد نظامك أكثر من نصف البلد، وأنشئت مجالس محلية بعيداً عن سلطتك المركزية، يُؤمّن من خلالها الناس احتياجاتهم اليومية.

ليكبر السؤال هنا.. على من ستطبّق حكمك فيما لو نجحت زوراً في الانتخابات المقبلة، إذا كان أكثر من نصف سكان سوريا قد خرجوا من منازلهم وأكثر من أربعة ملايين هاجروا البلد أصلاً، والعالم لم يعد قادراً على تصديق كذبة الـ 99 في المئة، فتلك الملايين مشغولة الآن بحمل نعوش أبنائها، تلوّح بأكفانهم، وتتجرع أساليب الموت تارة بالقنص، وأخرى بالجوع والمرض؟

بعد كل هذا.. هل بإمكانك وأجهزتك الأمنية ومعهم إيران، أن تتصوّروا بأن يقوم الشعب السوري من جحيمه ليعتذر عن ثورته؟ هل تتخيّل أنت وهم أن تعتذر الأمهات عن خسارة أبنائهن بطلقات قنّاصيك؟ هل تطالب أهالي ضحايا الكيماوي الاعتذار عن تلقيهم لسمومك؟ هل تريد أن يعتذر أهالي داريا والمعضمية ومخيم اليرموك وحمص القديمة عن تجويعهم أمام الملأ؟ هل تأمل أن تعتذر مدننا السورية عن عدم ابتهاجها وهي تتلقى هداياك السماوية البراميلية المتفجرة؟ هل تطالب سيف الله المسلول بأن ينفض الغبار عن جسده ليعتذر عن تدمير ضريحه بقذائفك الحاقدة؟.

هل فعلاً تتوقع أن تعتذر الطوائف السورية عن عدم استجابتها لأوامرك، في الانجرار إلى حرب أهلية، تأكل الأخضر واليابس؟هل تريد من أهالي جبل محسن وباب التبانة في طرابلس لبنان أن يعتذروا عن موت أبنائهم في سبيل اللاشيء سوى الخراب والفتنة وتفتيت المجتمع؟ هل تطالب الأسر العلوية في الاعتذار عن خسارة شبابها في الدفاع عن كرسيّك؟

ماذا ستقول، في برنامجك الانتخابي، لأكثر من خمسة ملايين طفل سوري، بعد أن جعلت بلادهم الأخطر على الطفولة باعتراف اليونيسيف؟

هل يمكنك أن تتصور، بعد كل هذا الخراب، أن يعلن السوريون توبتهم النصوح، في صلاة جماعية، عن خطئهم في تمرّدهم عليك يا إمام القتل والكراهية؟هل تتصور أنك ستعود يوماً لتقرأ خطابك في مجلس الشعب، ليصيح بك أحد قطعان مجلس التصفيق، بأنه قليل عليك أن تكون ملكاً على الكون؟

بشار الأسد .. إرحل، لا شيء لك.

كاتب وإعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
أسد في عرسال!

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 24/3/2014

تتسرّب اليوم تقارير صحفية تفيد بأنّ ‘حزب الله’، بإيعاز من طهران، وإذعان من النظام السوري؛ ينوي اعتماد ستراتيجية جديدة (لعلها، أيضاً، محض تكتيك عابر، أقرب إلى المناورة المكشوفة)، للانتشار السرّي في الجولان المحتلّ، وتنفيذ عمليات تحرّش بجيش الاحتلال الإسرائيلي، على غرار زرع العبوة الناسفة التي استدعت قيام الطيران الإسرائيلي بشنّ أربع غارات جوية انتقامية ضدّ اللواء 90. ومن الضروري، هنا، التشديد على مفردة ‘تحرّش’، لأنّ هذه هي الحدود القصوى لستراتيجية الحزب المزعومة؛ وهي، بالتالي، لا تشبه القتال المباشر الذي خاضه، ويخوضه، مقاتلو حسن نصر الله في القصير ويبرود وضواحي دمشق وريف حلب.

لكنّ الحال تذكّر بإشكالية قديمة ظلّت على الدوام واحدة من المظاهر الأبرز لإرث الازدواج الكلاسيكي الفاضح الذي اقترن بتاريخ ‘الحركة التصحيحية’، كما ابتدأها حافظ الأسد وتابعها وريثه بشار: أي رفع رايات ‘الممانعة’ و’المقاومة’، والجعجعة فيهما وعنهما صباح مساء، من جهة؛ والتواطؤ مع إسرائيل على النقيض، أي سلام الأمر الواقع، من جهة ثانية. والمرء، بادىء ذي بدء، يستذكر ‘فلسفة’ تطبيع شهيرة أطلقها الأسد الابن، قبل وقت ليس ببعيد أبداً، في تصريح إلى صحيفة ‘حرييت’ التركية؛ بأنّ نظامه يرحّب بتحسين العلاقات بين تركيا وإسرائيل، وفق قاعدة القياس التالية: ‘إذا رغبت تركيا في مساعدتنا في موضوع إسرائيل، فينبغي أن تكون لها علاقات جيدة مع هذه الدولة’؛ وإلا: ‘كيف يمكنها، في حال العكس، أن تلعب دوراً في عملية السلام ‘في الشرق الأوسط؟’.

تُستذكر حكاية أخرى، لأنها ذات دلالات تخصّ لبنان عموماً، و’حزب الله’ خصوصاً. ففي أواخر العام 2009، كانت الطائرة الخاصة للمخرج الأمريكي الشهير فرنسيس فورد كوبولا تهمّ بالهبوط في مطار بيروت، للمشاركة في مهرجان سينمائي يعرض فيلمه الجديد ‘تيترو’؛ حين تبيّنت سلطات المطار أنّ عدداً من قطع غيار الطائرة صُنعت في إسرائيل، فمُنعت من الهبوط تنفيذاً لبنود صريحة ضمن اتفاقيات مقاطعة إسرائيل. ولقد تفتّق ذهن صاحب ‘العرّاب’ عن حلّ عملي ـ ذرائعي أو مافيوزي، سواء بسواء ـ فأجرى اتصالاً من الجوّ مع بشار الأسد، الذي أمر بأن تهبط الطائرة في دمشق، ثمّ انتقل كوبولا بعدها إلى بيروت في طائرة أخرى، بعد وليمة رئاسية دافئة حضرتها أسماء الأسد، وكانت في حينه ما تزال تتمتع بلقب ‘وردة الصحراء’ الذي أسبغته عليها مجلة ‘فوغ’.

في قراءة أخرى للواقعة، اتضح أنّ بيروت، أو بالأحرى الجهة الأمنية التي تبسط نفوذها على المطـــــار، والمقرّبة من ‘حزب الله’ كما يتردد عادة، سلكت مسلكاً قانونياً صرفاً من جانب أوّل، يخصّ الالتزام بتعليمات مقاطعة إسرائيـــل؛ كما اتخذت، من جانب ثانٍ، خطوة تصحّ فيها صفة الممانعة، أو الرفض، أو التذكير بالسيادة الوطنية. وفي المقابل، وليس هذا سوى الاستطراد المنطقي، اتخذ الأسد قراراً نقيضاً، من حيث جانبَيْ الواقعة؛ فلا هو التزم بالقرارات العربية، ولا هو مانع أو امتنع، فضلاً عن أنه لم يحرص حتى على حفظ ماء وجه الممانعين في مطار بيروت.

مكسب الأسد، في المقابل، كان خبر علاقات عامة تافهاً، تناقلته بعض وسائل الإعلام الأمريكية؛ وتصريحاً منافقاً من كوبولا، من قبيل ردّ المعروف، جاء فيه: ‘لقد شعرنا بدفء الاستقبال، ومَن التقينا بهم كانوا لطفاء وكرماء. المدينة [دمشق] ساحرة لأسباب عديدة، تخصّ التاريخ. والطعام بديع. والرئيس، مع عقيلته وأسرته، اتصفوا بالوضوح والأنس والقدرة على الحديث في مستويات عديدة. وبهذه الطريقة أقنعني أنّ الرؤيا التي يحملها عن البلد إيجابية’. وبالطبع، لا ينتظر المرء من هذا الزائر بالذات، في سياقات زيارة على تلك الشاكلة تحديداً، أن يشير إلى حقوق الإنسان، أو الجمهورية الوراثية، أو… حال وأحوال السينما السورية، في أقلّ تقدير.

اللافت، في المقابل، هو تناقضات مواقف الأسد من العمل العربي المشترك: هاهنا يخرق أبسط مبادىء ذلك العمل، أو ما تبقى منه في سلّة القرارات العتيقة، فلا يكترث البتة بقواعد مقاطعة الصناعة الإسرائيلية؛ وهاهنا أيضاً، في دمشق إياها، عند افتتاح ما يُسمّى ‘مؤتمر الأحزاب العربية’، يلحّ على التضامن العربي ويطري شعار المؤتمر: القرار العربي المستقلّ. فإذا كان الإخلال صريحاً على هذا النحو بقرارات هي أضعف الإيمان في ممارسة الممانعة (والعاصمة السورية هي التي استضافت المؤتمر الأخير، الـ83، لضباط اتصال المكاتب الإقليمية العربية لمقاطعة إسرائيل، حيث جرى التركيز على الشركات العالمية التي تساهم في توسيع المستوطنات، وليس على منتجات الدولة العبرية وحدها)؛ فكيف يحقّ لنا أن نحثّ المجتمع الدولي على الانضمام إلينا، في تطبيق تلك المقاطعة؟

وفي انتظار أن تتضح ملامح ستراتيجية ‘الممانعة’ الجديدة في الجولان، أو تُطوى قبل أن تبدأ لأنها تفترض اللعب بالنار، تصلح طائرة كوبولا نموذجاً معبّراً عن طراز ‘المقاومة’ الذي يحلو للنظام أن يمارسه بين حين وآخر؛ على الأرض بالطبع، ولكن في السماء أيضاً (كما حين تحلّق الطائرات الإسرائيلية فوق القصور الرئاسية، أو حين تقصف وتعربد أنى وكيفما شاءت)؛ أو، أساساً، حيث لا يُشقّ للنظام غبار، ضدّ قدسيا والمعضمية ودرعا وحلب ودير الزور، و… عرسال!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أصداء الثورة السورية على المنطقة والعالم

فاضل الحمصي

القدس العربي

الثلاثاء 25/3/2014

بات واضحاً لجميع المتابعين لتطورات الثورة السورية أنها الحدث السياسي الأهم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، متجاوزة بذلك أحداثاً عالمية كبرى كحربي الخليج وأحداث سبتمبر/ايلول 2001 وغزو العراق، فقد اتسعت تأثيراتها لتشمل العالم بأسره، بدءاً من الدول الإقليمية وصولاً إلى أصقاع الأرض المختلفة، ولتشعل صراع المحاور مجدداً وتحشد دول العالم في تكتلات جديدة، وتكون كما يقول خبراء، المنطقة الحقيقية للبدء بمشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يعتقد أنه مشروع (بلقنة) وتفتيت للمنطقة وتقسيمها على أساسات عرقية وطائفية.

حركت الثورة السورية المياه الراكدة في السياسة العالمية، فقد اشتعل الصراع مجدداً بين القطب الواحد ومنافسه السابق، الذي نزعت أنيابه بداية تسعينيات القرن الماضي، فالتأثيرات التي بدأت إقليمية وصلت إلى أوكرانيا وفنزويلا، ولا ننسى بالتأكيد تأثيرها الكبير في الملف النووي الإيراني.

إرهاصات الثورة

عاشت سوريا 50 عاماً من الركود السياسي، سيطر خلالها حزب البعث على جميع مفاصل الدولة، بدءاً بالأمن والجيش، وصولاً إلى تعيين مخاترة الأحياء وعمال النظافة! ولم يكن الهدوء الذي عاشته سوريا حقيقياً، بل كانت النار تشتعل وتتوقد تحت الرماد بانتظار اللحظة السانحة. خلال 30 عاماً من حكم الأسد الأب لم تكن بوادر الثورة في الحسبان، فعلى الرغم من بطشه وقسوته إلا أن حافظ الأسد لم يسمح لعائلته والموالين لها بالسيطرة على جميع مفاصل الحكم، وبقيت هيبة الدولة محفوظة، كما لم يسمح حافظ الاسد بالاستفزاز الديني، فقد كان داهية حقيقياً وسياسياً بارعاً يحسب حساباً لكل شاردة وواردة.

بعد وصول الابن إلى الحكم تغيرت الأمور بالكامل، تغيرت أولاً ظروف العالم، وسمحت التكنولوجيا بوصول مزيد من المعلومات إلى كل بيت، وأصبحت الحقائق بمتناول الجميع، واعتمد بشار الأسد على الرعب والخوف فقط للاستمرار بالحكم، من دون القدرة على تغييب الحقائق كما كان في عهد والده. وفي عهد بشار تجرّأ آل الأسد ومخلوف وغيرهم على فعل ما منعهم منه أبوه، فباتوا بحق عائلة مسيطرة تنهب خيرات الوطن من دون أي رادع أو محاسبة.

النقطة الأخطر التي أهملها بشار كانت الاستفزاز الديني لمشاعر السوريين، فبعد غزو العراق ارتمى بشار في أحضان إيران، وتقرباً منها سمح لحملات التشييع بالعمل في طول البلاد وعرضها، وأنا هنا لا أتكلم من منطق ديني، بل اعتراضي على تسخير موارد الدولة بطريقة مستفزة لمشاعر مواطني البلد.

انطلاق الثورة

بعد انطلاق الربيع العربي، كان ينقص السوريون تلك الشعرة التي تقصم ظهر البعير، أو تلك الشرارة التي توقد النار في الهشيم، وكان ما كان في درعا، لتنطلق الثورة محملة بعذابات السنين وآلام 50 عاماً من الظلم والقمع. لم يكن السبب الرئيسي لانطلاق الثورة محدداً، فهو مزيج من أسباب اجتماعية واقتصادية ودينية، اجتمعت هذه الأسباب جميعاً لتشعل الثورة في وجه النظام، وطالب السوريون بالحرية والكرامة قبل كل شيء، ولسنا هنا بصدد ذكر الانحرافات التي تعرضت لها الثورة، ولكن مبدأها الأول كان الحرية والكرامة، شاء من شاء وأبى من أبى.

التأثيرات السياسية للثورة

لم تقتصر تأثيرات الثورة على سوريا فحسب، فقد أرعبت هذه الثورة العالم بأسره، وبدأ بالتآمر ضدها، حتى اكتشفنا متأخرين، أن أصدقاء الثورة المزعومين هم أعداؤها أيضاً!

انتقلت تأثيرات الثورة إلى دول الجوار أولاً، فلبنان يعيش أوضاعاً أمنية تجعله على شفير الهاوية، التفجيرات تنتقل من مكان إلى آخر، وحزب الله ومعارضوه قد تشتعل بينهم الحرب في أية لحظة، ما قد يجعل لبنان معرضاً لمحرقة أسوأ ربما من المحرقة السورية الحالية. أما الأردن فأوضاعه لا تقل سوءاً، فالنظام الأردني بات يرى في اللاجئين شراً يخشاه ويحسب له ألف حساب، والتأثيرات الاقتصادية تجعل الأردن على فوهة بركان لا يدري أحد متى يثور ليحرق الأخضر واليابس هناك.

أما في العراق فقد استغلت حكومة المالكي الثورة السورية لتحول ملامح بداية ثورة عراقية إلى صراع مسلح مع داعش، وقد انطفأت النار هناك، ولكن إلى متى؟ وفي شمال العراق، حيث الأكراد، الذين بدأوا بإعداد العدة لإنشاء دولتهم الحلم، خصوصاً بعد أن تمكنوا من السيطرة على المناطق السورية، التي يسمونها غرب كردستان، فالموقف هناك لا يبشر بخير أبداً، فدولة كهذه تهدد سوريا والعراق وتركيا وإيران، ومن المستحيل أن تسمح هذه الدول باقتطاع أجزاء منها، ما ينذر بحرب دموية طويلة يكون الشعب الكردي الضحية فيها كما كان عبر التاريخ!

وفي تركيا تعاني حكومة العدالة والتنمية ما تعانيه من خصومها بسبب موقفها المناصر للثورة، ومعارضو الحكومة يتربصون بها، محملين سياسة أردوغان وحزبه مسؤولية انخفاض سعر الليرة التركية، وما قد يتبعها من تأثيرات اقتصادية، وباتت البلاد فعلاً على صفيح ساخن، وأصبح المشهد معقداً إلى درجة يصعب تفسيرها.

أما إسرائيل، محور السياسة العالمية، فما زالت تحسب الحساب لسقوط عميلها (الممانع)! وتخشى فعلاً ممن تعتبره ‘الشيطان الذي لا تعرفه’، تخشى وصوله إلى الحكم، وترسم الخطط البديلة لعشرين سنة قادمة، فسياستها ليست اعتباطية أو وليدة لحظة تحت تأثير حدث. وقد دأبت إسرائيل منذ بداية الثورة على منع الولايات المتحدة وروسيا للحفاظ على المقاوم والممانع، منعتهما من أي عمل قد يؤدي إلى اهتزاز نظامه أو انهياره.

والخليج العربي يشهد اليوم أحداثاً عصية على التفسير، وقد كان للثورة السورية الدور الأكبر في التغييرات التي حصلت، فمن المناقشات للوصول إلى الاتحاد الخليجي إلى أزمة دبلوماسية تعصف بدول الخليج وتجعلها على خلاف! ومن استقالة أمير قطر وتسليم منصبه لولده، إلى سحب بعض السفراء من قطر نفسها. أمور قد لا تكون عابرة أو مؤقتة، وستتسع تأثيراتها وتستمر لعقود قادمة، ومن شأن هذه الأمور تغيير الاصطفافات والتحالفات الإقليمية، بما لا يخدم العرب ويمزق صفوفهم الممزقة أصلاً.

على المستوى الدولي كان الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى أحد أهم تأثيرات الثورة السورية، الاتفاق الذي غيّر سياسة تلك الدول مع إيران وجنّبها حرباً كانت كفيلة بإحراق المنطقة، ومخطئ كل من يعتقد ألا علاقة للثورة بما جرى في هذا الملف، وستثبت الأيام أن الدول الكبرى باعت سوريا لإيران مقابل ملفها النووي.

وعلى صعيد آخر، فأزمة أوكرانيا وما حملته في طياتها من صراع بين روسيا والولايات المتحــــدة كانت أيــضــاً امتداداً للصراع بين الدولتين في سوريا، وكذلك كانت الأحداث التي شهدتها فنزويلا.

المشهدان الإقليمي والدولي قبل الثورة السورية مختلفان تماماً عما بعدها، ومن لا يرى ذلك الفرق الهائل في السياسة العالمية فهو لم يدرك بعد تأثير الثورة في مسار السياسة العالمية، وتبقى كلمة السر في تلك السياسة منذ الحرب العالمية الثانية هي أمن إسرائيل وبقاؤها بعيدة عن أي خطر.

‘ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب على «داعش»

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 26/3/2014

من الضروري أن يتصدى المسلمون، مواطنين ورجال دين، لما ترتكبه عصابات »داعش» من اعتداء على الإسلام قبل المسيحية، ولا بد من إدانة فعلتها في خطب الجمعة ودروس التوجيه الديني، ومن الضروري أن يتبرأ المسلمون مما تقوم به، كي لا يحدث بعد ألف عام من العيش المشترك صدع لا يمكن رأبه بين المسيحية والإسلام، وبين المسيحيين والمسلمين، ونعود إلى حقب عصيبة حفلت بصراعات تجاوزناها بالتعاون والتفاهم والتسامح، وبتضافر الجهود والمواقف الواحدة حيال محاولات أرادت جر مسيحيتنا الشرقية إلى غير مواقعها وتراثها، وإجبارها على أن تكون جزءا من صراع مذهبي أو ديني ضد الإسلام والمسلمين، نجت منه بالحكمة والتعقل ووحدة الأصل والمصير، وها هم مجرمو «داعش» يعيدوننا إلى إشكاليات قاتلة، سيدمر أسلوب «داعش» في طرحها ما بين مواطنينا من شراكة في التاريخ واللغة والثقافة والإيمان، وسيدفع المسيحيين وقسما كبيرا من المسلمين إلى أحضان نظام فعل المحال لتخويفهم وإرغامهم على مساندته، بنجاح جزئي جدا في مناطق محدودة، ودون أي نجاح في معظم بقاع وطننا، بينما أيد الثورة خمسون مسيحيا مقابل كل مسيحي عارضها أو ساند السلطة، فما معنى أن تفعل «داعش» المستحيل اليوم كي تجبر مسيحيي سوريا على معاداة الثورة، وموالاة النظام بما يعنيه ذلك من رفد شبيحته بمادة بشرية جديدة وكبيرة العدد؟ وما معنى أن تساوي «داعش» بين انحياز المسيحيين إلى النظام، أو القضاء على دينهم وقمع إيمانهم، وتدمير وجودهم التاريخي في وطنهم؟

بيد أن حرب «داعش» لا تقتصر على المسيحية والمسيحيين، بل تشمل أيضا الإسلام والمسلمين، فقد سبق لها أن كفرت الجيش الحر وجميع الفصائل والقوى الإسلامية، وأعلنت الحرب عليها بوصفها تجمعات مرتدين لا بد من تخييرهم بين القتل والتوبة. ثم لم يقف موقف «داعش» عند التهديد والوعيد، بل سرعان ما قرنت القول بالفعل، والتهمة بالقتل، فلم تترك مسلما خالف رأيها، ثم وقع بين أيديها، إلا واعتقلته أو عذبته أو قتلته ذبحا، وليست المقابر الجماعية المليئة بجثث آلاف المسلمين، إلا دليلا من أدلة كثيرة على وحشية من حولوا دين التسامح والوسطية إلى آيديولوجية وظيفتها تسويغ ذبح وانتهاك حرمات المؤمنين واستباحة دمائهم وإعراضهم وممتلكاتهم، وفرض حجر عقلي وإيماني عليهم. ومع أن شيوخا أجلاء لفتوا أنظار التنظيم التكفيري إلى ضرورة الاعتدال والتقيد بنص وروح الدين، وحذروه من تبعات مخالفته لرسالة وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن مواقفهم انتقلت دوما إلى مزيد من الغلو، لذلك، كان من المنطقي أن ينفك المؤمنون والمسلمون عنه، وأن ينقلبوا عليه وينظموا مظاهرات حاشدة ضده في كل مكان ابتلي به، وخصوصا مدينة الرقة: الموقع الذي استولى عليه في غفلة من الزمن، وأخرج الجيش الحر والتنظيمات الإسلامية منه، مع أنه ليس هو الذي حرره، فمن الضروري إخراجه اليوم منه كي تستعيد الثورة هويتها الأصلية وعافيتها، ويعود الأمان إلى نفوس مواطني سوريا، الذين قدموا أغلى التضحيات من أجل حريتهم ولم يكن في حسبانهم أن يظهر بين ظهرانيها مجرمون يشوهون الإسلام، ويقتلون المسلمين ويقاتلون دفاعا عن النظام وضد الشعب.

لم تتوقف جرائم «داعش» عند قتل الأحياء من مسلمين ومسيحيين وعلويين ودروزا وإسماعيليين وأكرادا وتركمانا.. إلخ، بل تعدتها إلى قتل الموتى، ونبش قبورهم ثم هدمها، كيدا لكل من لا يتبنى رؤية «داعش» التكفيرية، وهذا مثل استفزازا لقطاع من السوريين ينضوي في إطار السعي إلى إثارة حرب دينية تسهم، إلى جانب خطط النظام وممارساته، والتدخلات الخارجية، في تدمير ما بقي من ثورة الحرية، وتماسك الشعب، ووحدة الوطن.

لا بد من تعاون ممثلي جميع الأديان لردع «داعش» وإحباط جرائمها ضد حرية الإيمان وكرامة وحياة المؤمنين. ولا مفر من رد قوي وموحد يشارك فيه كل مؤمن بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، يمنع «داعش» من الاعتداء على بيوت الله وحرية الناس، كي لا تسقط بلادنا في همجية دموية باسم دين سماوي سام حرم قتل النفس، وجعل من يقتل مؤمنا - وليس فقط مسلما - كمن يقتل الناس جميعا، أي مفسدا في الأرض عقابه جهنم.

لا بد من وقفة حازمة ضد جرائم «داعش» وأفعالها وشرها المستطير!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ولو «معجزة» في قمة الكويت

زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 26/3/2014

كان الحاضر الدائم في القمم العربية «ترتيب البيت العربي». بعد «الربيع» وثوراته وغليانه، بات المطلوب ترتيب غرف البيت... وفي قمة الكويت، قد يجوز القول إن المأساة السورية هي الحاضر الأكبر، بكل تداعياتها، خصوصاً لأن استمرارها لا يثبت فحسب قاعدة العجز العربي عن إخماد أي حريق، بل لأنه كذلك يقطّع ما بقي من خيوط الحد الأدنى من التضامن العربي وأي فاعلية له.

ليس متوقعاً أن تجد القمة حلاً وشيكاً لخلاف السعودية والإمارات والبحرين مع قطر التي تصر على سياستها، فيما تعتبر الدول الثلاث أن الدوحة ذهبت بعيداً في تغريدها خارج سرب مجلس التعاون، المنظومة الإقليمية العربية الوحيدة التي نجت من تداعيات نزاعات وحروب في المنطقة... وباتت اليوم في عين العاصفة. قد تفتح جهود الكويت على هامش القمة، ثغرةً في جدار أزمة تهدد مصير مجلس التعاون الخليجي، ووحدته، وهو القوة العربية الوحيدة التي تمتلك النفوذ الإقليمي والقدرة الاقتصادية على إنقاذ دول الربيع المحاصر معظمها بالفقر والاضطراب.

وإذا كان وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة بدا محبطاً في اجتماع وزراء الخارجية العرب عشية القمة، لأن «كل المسائل لم تناقش» خلال الاجتماع، حرصاً ربما على عدم إثارة أزمة جديدة تُضاف إلى عشرات المعضلات التي يفترض طرحها على القادة، فالحال أن الأزمة في مجلس التعاون هي الأكثر وطأة. وإذا استمرت، فلا مبالغة في القول إنها ستطيح معها ما بقي من جدران جامعة الدول العربية.

يمكن بداهة تصنيف قضايا القمة وملفاتها بين أزمات «تقليدية» لا تفارق جدول أعمال مؤتمرات القادة العرب، مثل السودان الذي بات سودانَيْن والصومال المنسي في تسونامي الفقر و «الإرهاب» والقرصنة... بل حتى مثل لبنان، رغم تبدّل الظروف وكابوس الحرب السورية على حدوده، وفي بقاعه وشماله، ونوافذ الإرهاب المشرّعة عليه، تجعل الدعم العربي لجيشه من قضايا الإجماع.

وأما فلسطين فحال مسار مفاوضاتها «السرية» يُسقِط في أيدي العرب، إلا الدعم المالي للسلطة. بنيامين نتانياهو دمّر المسار «الأميركي» علناً بدعوته الفلسطينيين الى شطب حق العودة، والأكيد أن لا الرئيس محمود عباس ولا سواه سيقبل بتجرّع هذه الكأس.

ماذا عن القضايا «الطارئة»؟ لم تعد الحرب السورية طارئة في بداية عامها الرابع، ولا الخلافات العربية- العربية على التعامل مع تمدد النفوذ الإيراني، فيما تصرّ دول على سياسة النوافذ المفتوحة مع طهران، وتميل أخرى الى التشدد بعدما اخترق ذاك النفوذ المنطقة من بواباتها العريضة. حتى الآن لا جواب عن طبيعة المخرج، ولا أفق لحل، بينما يتواصل العزف الإيراني على أوتار الاضطرابات والخلافات بين العرب.

وإن كان نتانياهو قدّم لأوباما «هدية» تفجير مسار المفاوضات مع الفلسطينيين، فالأرجح أنْ يصرّ الرئيس الأميركي على إنجاز اتفاق في الملف النووي الإيراني، الحاضر الغائب في قمة الكويت، ما دام السؤال الملحّ هو: أي ثمن ستدفعه المنطقة ترضية لطهران، يقدمها الأميركي على حساب العرب؟ ولعل ما يثير الفزع أن اضطراب المنطقة في ذروته سيُفقد دولها ما تبقى لها من مناعة، لصدّ الأطماع ورفض الخرائط التي تشطب أدوارها تباعاً.

لن يكون عقلانياً توقّع ولو «معجزة» واحدة من قمة الكويت، ويتمدد التيه العربي بين أميركي يزداد ضعفاً أمام إسرائيل، ويصبح أضعف مع إيران المنفتحة شهيتها على رسم حدود جديدة للعبة الإقليمية... وبين انهيارات «البيت العربي».

وأما مأساة الشعب السوري فلن تجد نهاية، لا مع غربٍ مذهولٍ بأطماع الروس وحمايتهم نظام دمشق، ولا مع مجتمع دولي ما زال يبرر عجزه بخبث الدُّب الروسي في مجلس الأمن الذي تحوَّل الى رهينة أخرس.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com