العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29/12/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

موسكو وحدود الضغط على الأسد

مصطفى فحص

الشرق الاوسط

السبت 21/12/2013

لم يكن كلام الرئيس السوري بشار الأسد مفاجئا، حول رغبته في الترشح لولاية رئاسية جديدة، فهو يكرر ذلك منذ اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، ولكن ما لم يكن متوقعا، هو رد نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بغدانوف على ما قاله الأسد، كذلك رد الخارجية السورية على بغدانوف، الذي يطرح الكثير من التساؤلات

تعرضت موسكو لأكثر من صفعة من الأسد؛ الأولى، كانت عندما أعطت ضمانات للمعارض العلوي اليساري، عبد العزيز الخير بالعودة إلى سوريا، لكن الأسد أمر باعتقاله بعد وصوله إلى مطار دمشق الدولي، ولم يزل مصيره مجهولا حتى الآن. الثانية، قد لا يستبعد خبراء روس في مجلس الأمن القومي، أن تكون الحلقة الضيقة حول الأسد، هي من قامت بتدبير انفجار خلية الأزمة، التي قضت على رموز القوات المسلحة السورية، المرتبطين تاريخيا بموسكو، ولهم علاقات عربية ودولية، تمكنهم من لعب دور في مرحلة ما بعد الأسد، أو أن يكون لهم دور فاعل في المرحلة الانتقالية، وقد يكونون قد شكلوا الخطر الأكبر على سلطة العائلة، لو قاموا بتنفيذ (انقلاب قصر) يقضي على الأسد وينهي الأزمة. والثالثة، عندما فشلت موسكو في انتزاع أي ضمانات ولو شكلية من الأسد، حول بعض مقررات «جنيف 1». إضافة إلى أنها تعرضت لصفعة كبرى، بعد أن تحول الوجود المحدود لحزب الله في سوريا، إلى تدخل عسكري مباشر، وهو وإن ضمن بقاء مؤقتا للأسد، إلا أنه أدى إلى إعادة رسم الأحجام والمصالح والنفوذ، بين موسكو وطهران، وهما وإن توافقا بالرأي، إلا أن عامل الثقة غير موجود بينهما، لقناعة الطرفين بأن لكل منهما مصالح تختلف عن الآخر، وبأنهما يتسابقان من أجل صفقة مع واشنطن، حول الأسد ومستقبل سوريا.

هذه الصفقة تختلف قواعدها بين موسكو، التي ترغب في الإبقاء على المؤسسة العسكرية السورية، بعد تطهيرها من الذين تلطخت أيديهم بالدماء، وإعادة بنائها من أجل محاربة الإرهاب و«القاعدة»، وإعطاء ضمانات لحلفائها العلويين في السلطة، والمرحلة الانتقالية وحماية المسيحيين، وبين إيران التي تريد الحفاظ على المنظومة الأمنية، التي أمنت لها نفوذا واسعا في سوريا ولبنان، وهي الركيزة التي يقوم عليها نظام الأسد، والتي سوف تتعرض لأكبر عملية تطهير في المرحلة المقبلة في سوريا.

تتعامل موسكو مع الأسد كآخر أوراق الحرب الباردة، التي لا ترغب في خسارتها مجانا، بعدما تعرضت لخديعة دولية في ليبيا، وخسرت نظام القذافي، وقد عبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في حوار أجراه مع شخصيات إعلامية قريبة من الكرملين، نقلت له قلق بعض النخب الروسية، حيال الثمن الذي قد تدفعه موسكو جراء تأييدها للأسد، إلا أن بوتين اعتبر في رده على هذه التساؤلات، أن هذا الفتى قد جلب إلى موسكو أكثر من 15 زعيما عالميا، وأجل البحث مع الكرملين حول مستقبل سوريا.

وفي تصريحات لم تأخذ الاهتمام الكافي، مرر رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، رسائل سياسية حول مستقبل الأسد، عندما قال منذ قرابة شهرين، بأن الأسد يحتاج إلى ضمانات شخصية من أجل مغادرة السلطة، لخصها موفدون روس جالوا على عواصم المنطقة، بأنها تتصل بالمحكمة الدولية حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وعدم مثول الأسد أمام محكمة الجنايات الدولية، بتهمة الإبادات الجماعية، واستخدام الكيماوي ضد مواطنيه، إضافة إلى ضمانات الخروج الآمن لأفراد عائلته وأقرب مساعديه.

لا يكفي كلام بغدانوف الأخير حول مستقبل الأسد، من أجل الرهان على موقف روسي جديد من الأزمة السورية، لأن صناع القرار في موسكو يعون جيدا، أن الأسد لن يفسح في المجال لمرحلة انتقالية تفضي بالنهاية إلى رحيله عن السلطة بهذه السهولة، فهو لن يستجيب أصلا لأي طلب روسي بالرحيل، وسيرمي بطلبهم عرض الحائط، عندها سوف تفقد موسكو مصداقيتها أمام المجتمع الدولي، الذي يتعامل معها على أنها صاحب القرار الحاسم، في مستقبل الأسد ونظامه، إلا أن موسكو تعرف جيدا، أن الأسد يتكئ برفضه طلبها، في حال حصوله، على موقف إيراني متشدد، يستند إلى تحكمه الفعلي بجبهات القتال، ويتحرك وفقا لوقائع ميدانية يفرضها بقوة إيران النارية، مما يخول طهران فرض شروطها السياسية، ولا يسمح للروس بالتفرد في القرار السوري.

* زميل سابق في معهد العلاقات الدولية - موسكو

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

داعش ضد الإسلاميين: الانشقاق الثالث

نائل حريري *

الحياة

السبت 21/12/2013

منذ أشهر عدّة، لم تعد أخبار سورية تخلو يوماً من أخبار عن «داعش» ونمط نشاطها الاحتلالي، وغالباً لا تتحدّث عن انتصاراتها على النظام السوري أو استهدافها وحدات جيش الأسد، بل على العكس، عن اعتدائها على تشكيلاتٍ معارضة، وغالباً ما تنتشر هذه الأخبار عبر وسائل إعلامية «ثورية».

التطور الأهم مؤخراً اشتعال الحرب بين داعش والكتائب السلفية في الشمال، في سابقةٍ تشي بأنّ داعش فتحت الجبهة لتطاول الجميع، بمن فيهم «حركة أحرار الشام الإسلامية» الأكثر سلفيّة بين كتائب الشمال.

بدأت بوادر هذا النمط مع مشاحناتٍ وخلافاتٍ بين «داعش» و «النصرة» مع أواسط العام الحالي إثر دخول التنظيم الوليد الأراضي السورية. ويبدو أنّ «الدولة» لم تقبل الدخول بصفتها شريكاً لـ «النصرة» في مشروعٍ ينضوي تحت مصلحة التنظيم الأكبر، وبسبب رغبة «داعش» في تسلّم مقاليد الأمور بالكامل بحجّة «تأخّر النصر»، استعرت نيران المشاحنات إلى حدّ تطلّب تدخّل وليّ الأمر الأعلى لحلّ الخلاف، فأصدر الظواهري بياناً مسجلاً معلناً فيه رفضه هذا التشكيل الوليد واعتراضه على عدم استشارته فيه، وموضحاً أن دولة العراق الإسلامية هي ممثلة التنظيم في العراق، وأن النصرة ممثلته في سورية.

تضمّن ردّ «الدولة» على الظواهري رفض حكمه والتنصل من إمرته، بل وصل إلى حدّ تكفيره واعتبار أن «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فبات واضحاً أنّ الانشقاق الأول لداعش في تشاحنها مع النصرة تجاوز الاختلاف على الشكل أو المنهج إلى انشقاق ثانٍ أعلنت فيه خروجها عن سطوة تنظيم القاعدة بأكمله.

بدأت داعش على الفور باستئصال «أسباب تأخر النصر» بنفسها ووفق رؤيتها، فهاجمت كتائب مختلفة في الشمال، بدءاً بشكلٍ خاص بلواء عاصفة الشمال ولواء أحفاد الرسول ثمّ لواء التوحيد، ودخلت مناطق عدّة «محرّرة» في حلب وريفها خصوصاً مستهدفةً أكثر من 15 ناشطاً من الإعلاميين بالخطف أو التصفية في أيام عدّة، وباسطةً سيطرةً من حديد مشروطةً بمبايعتها حاكماً وولياً للأمر.

لأسبابٍ تتعلق بحساسية الجبهات الممتدة على مناطق واسعة يحظى فيها الإسلاميون بالغالبية الساحقة، اكتفت كبرى الكتائب الإسلامية ببيان للتعبير عن امتعاضها ورفضها الأسلوب التكفيري الذي تعتمده تجاه الكتائب «غير الإسلامية»، لكنّها في الوقت ذاته حافظت على «مسافة أمان» بينها وبين «الدولة»، وحافظت داعش على مكاسب هذه التنظيمات، وعلى رأسها «حركة أحرار الشام الإسلامية» الذي قامت داعش بتسليمه الإشراف على أغلب المعابر التي استولت عليها، كما أبقت له السيطرة على مواقعه ولو أنّ الحركة لم تعلن رسمياً مبايعتها لداعش.

لكن بعدذاك، اختطفت داعش عناصر من حركة أحرار الشام الإسلامية في سابقةٍ لها، ثمّ اختطفت الوفد الإسلامي الذي قدم إليها للتفاوض، وزادت بمهاجمة عددٍ من حواجز أحرار الشام والاستيلاء عليها وقتل عدد من عناصرها وإعلان رفض الاحتكام إلى المحكمة الشرعية، وهي ليست المرة الأولى التي ترفض فيها سلطة المحكمة الشرعية، بل سبق لها اختطاف عدد من قضاتها. وبوصولها إلى هذا الحد، تعلن داعش انشقاقها الثالث إذ تتبرأ من الكتائب الإسلامية، حتى السلفي المتشدد منها، وتفتح جبهة الصراع مع الجميع دفعةً واحدة، وبهذا تعلن أنّ مشروعها مشروع دولةٍ خاص بها، لا يشاركها فيه معارضون ولا ناشطون مدنيون ولا كتائب إسلامية. ويبدو أنّ موقفها هذا يستند إلى قوّة ضخمة ودعم هائل لا تجد معه حرجاً في ألا تبقي لها حليفاً على الأرض السورية.

الساحة السورية التي أصبحت فعلياً ملعباً للإسلاميين، قد تشهد تغيراً جديداً إذ تنضمّ إلى «أعداء داعش» سلسلة من التنظيمات الإسلامية التي لا يستهان بها قياساً بالدور الضعيف للجيش الحر. وبعدما تداعت سابقاً الجهات الدولية لمحاولة إعادة تفعيل دور قيادة أركان الجيش الحر والسعي لإعادة هيكلتها، ثبت أنّ هذه المساعي لن تفلح في ظلّ الدعم الكبير للإسلاميين ووصولهم إلى مرحلةٍ تسمح بتمويل نفسهم ذاتياً اعتماداً على المعابر التركية والنفط السوري. الآن يظهر خيار جديد يتضمّن تحالف الجيش الحر والكتائب الإسلامية ضدّ عدوّ ليس الأسد، ويبدو الأمر أكثر معقوليّةً من تصريح رئيس أركان الجيش الحر سليم ادريس مؤخراً الذي لم ينف إمكانية تعاون الجيش الحر مع النظام السوري في «حربه ضد الإرهاب».

 

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وحشية النظام السوري ونهاية الإجرام

 داود البصري

الشرق القطرية

السبت 21/12/2013

ما حصل للجراح البريطاني عباس خان وهو المتطوع لعلاج جراح السوريين، من عملية اغتيال مبرمج في زنزانته في المخابرات العامة بكفر سوسة، رغم تدخل أصدقاء النظام السوري للتوسط والإفراج عنه وفي طليعتهم النائب البريطاني العمالي السابق جورج غالاواي، أمر يؤكد بأن طريق الإرهاب والإجرام الشامل الذي يسير على نهجه جلاوزة النظام السوري قد وصل لحدود لا يمكن التراجع عنها، وبما يدعم الشواهد الميدانية بأن رأس النظام الإرهابي قد فقد السيطرة على عناصره الذين يحمون عرشه الملطخ بالدماء، فماكينة قتل المخابرات السورية لا يمكن أن تتوقف في ظل الحساب العسير الذي ينتظره جلاوزة النظام على يد عدالة الشعب السوري بعد الانتصار المؤكد والقريب، فالطريقة الفجة والرخيصة التي حاول النظام تصويرها لمصرع الجراح البريطاني وإظهارها على كونها عملية انتحار هي طريقة قديمة ومستهلكة ولم تعد تصلح للعرض أبداً في بازار الإعلام!، فمن الواضح بل المؤكد بأن الرجل قد ذهب ضحية تعذيب بشع هو كل ما يتفاخر به أهل النظام السوري العريق في الإرهاب والإجرام وتقطيع الأوصال البشرية، لقد شاهد العالم بأسره قبل شهور منظرا بشعا لأحد جلاوزة شبيحة بشار أسد وهو يستعمل المنشار الكهربائي ليقطع به رؤوس المعارضين الذين وقعوا في الأسر!، ولا نتجاهل حملات المجازر الجماعية المستمرة حاليا بوتائر متصاعدة وبمساعدة ميليشيات الإرهاب الطائفي الإيرانية القادمة من لبنان والعراق، وهي مجازر تطهير طائفي وعرقي بشعة يشاهدها العالم بأسره وعلى الهواء مباشرة دون أن يتحرك أو يبدي موقفا لوقف ومنع ما يحصل فالنظام على ما يبدو بات يمتلك رخصة دولية للقتل واستئصال السوريين دون حسيب ولا رقيب بل في ظل تغطية شاملة من شياطين موسكو وطهران وبغداد، وكل أراذل وعملاء المشروع الصفيوني الشيطاني في الشرق القديم، وهي رخصة لم يكن يمتلكها أو يمارسها أي نظام قمعي في الشرق، بما فيهم نظاما صدام والقذافي!، النظام لا يأبه لقتل بريطاني ولا أي شيء آخر، لأنه نظام قد أدمن القتل ويعيش عليه، ولا يمكن أن يتنفس أوكسجين الحياة بدون رائحة الدماء وسحق العظام البشرية !، وله تاريخ حافل ومجيد في هذا المضمار منذ أن تسلط على الشعب السوري المنكوب قبل نصف قرن من الزمان في انقلاب 8 آذار/ مارس 1963 وحتى اليوم...!. 

من يتابع فصول الملاحم الدموية القائمة في أرض الشام اليوم يخرج بحصيلة نهائية مفادها بأن النظام القمعي الإرهابي الأسدي لن يرحل قبل أن يحول سوريا لأكبر خرابة في التاريخ وبعد أن يستعمل كل أسلحة الصمود والتصدي والتوازن الإستراتيجي مضافا لها أسلحة الولي الفقيه وغلمانه لإبادة السوريين في أكبر مجزرة لنظام في تاريخ البشرية وفي زمن الحرية وحقوق الإنسان المزعومة!! فيا لسخرية الأقدار ؟ ويا لبؤس المجتمع الدولي العاجز ؟ وواخيبتاه من موقف أمة العرب المخزي والمكتفي بالتفرج على مصارع السوريين وتشريدهم!، النظام لن يتوقف عن ارتكاب المجازر وحرق الديار وتخريب كل ما هو قائم لكونه يعتبر نفسه قدر سوريا الأوحد ؟ ولا يتصور قيام الوطن السوري العريق بدون آل الأسد ؟ وتلك وصفة جنونية مهلكة وحالة من السعار المرضي غير المقبول تقتضي من دول العالم التدخل لكبح جماح المسعورين ومعاقبتهم على غرار ما تم مع الفاشيين والنازيين في العالم، الشعب السوري لا يفتقد لا الرجال ولا الشجاعة لإنزال القصاص والانتقام من جلاوزة النظام المجرم فهو يعيش ثورة جبارة زلزلت الأرض تحت أقدام الطغاة وأثارت الرعب في نفوس الفاشيين والقتلة والحاقدين من طهران وحتى دمشق وضمن إطار دول حلف نوروز أو محور الشر الطائفي المعروف إياه!، ولكن هذا الشعب الحر الأبي يقاتل وحيدا وفي أصعب الظروف وفي مواجهة جيوش قمعية وإرهابية وفي ظل نقص في الإمدادات وعجز وتلكؤ بل تواطؤ دولي وإقليمي توضحت معالمه وأسسه ومقوماته، ومع ذلك فالثورة مستمرة والمجازر قائمة وإرهاب النظام في توسع حتى وصل لإعدام من يقدمون الخدمات الإنسانية المحضة للسوريين كما حصل مع الجراح البريطاني ؟

من يعلم لربما تكون مأساة مصرع الجراح عباس خان المدخل المهم لتغيير إستراتيجية الصمت الدولية من جرائم النظام، تحرير سوريا بات اليوم مهمة دولية مقدسة وعاجلة لا تحتمل التأخير ولا المماطلة...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا تحلموا بالديمقراطية طالما إسرائيل جارتكم ولديكم نفط!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 21/12/2013

لا شك أن من حق الشعوب العربية أن تحلم بالديمقراطية والتحرر من نير الديكتاتورية والطغيان، خاصة وأنها ترزح تحت حكم أنظمة عسكرية فاشية فاسدة غاشمة، منذ عشرات السنين، دون أي أمل بإصلاح حقيقي يعيد للشعوب أبسط حقوقها. صحيح أن الشعوب انتظرت طويلاً، لكنها ما لبثت أن استجمعت قواها، وانطلقت تهز عروش الطواغيت، فكان ‘الربيع العربي’.

لقد أخذت بعض الشعوب العربية القوى الدولية المتحكمة بالمنطقة على حين غرة. ويقال إن الاستخبارات الأمريكية لم تستطع استشراف بعض الثورات، فتفاجأت بها، على عكس ما يشيعه القومجيون بأن الربيع العربي ‘مؤامرة’.

لكن ضباع العالم لم يتركوا الثورات تأخذ مجراها، وتحقق مطالبها، وتمسك بزمام أوطانها بدل الطواغيت، الذين كانت دوائرهم الانتخابية، وما زالت خارج بلادنا في واشنطن وتل أبيب ولندن وباريس وموسكو وطهران.

البعض مثلاً، يعزو عدم وصول الثورة السورية إلى مبتغاها حتى الآن إلى قوة النظام، أو إلى تدخل حلفائه لجانبه من إيران ولبنان والعراق. والبعض الآخر يضع اللوم على الإسلاميين، الذين اختطفوا الثورة، أو على المعارضة المفككة، التي لم تستطع أن تجمع كل السوريين تحت لواء واحد.

لكن الكثيرين يتناسون شيئاً أهم من كل ذلك، ألا وهو أن سوريا جارة مباشرة لإسرائيل. ولا يمكن لتل أبيب أن تقبل على حدودها بوجود شعب حر يمسك بزمام أموره الاقتصادية والسياسية والعسكرية. فلو حدث ذلك، فإنه بلا أدنى شك، سيشكل تهديداً وجودياً على إسرائيل. ومن الأفضل لتل أبيب أن تتعامل مع ديكتاتوريات عسكرية تكتم أنفاس الشعوب، وتدوسها، وتفعل ما تريد في بلادها مقابل أن تحمي أمن إسرائيل لعشرات السنين.

وقد لاحظنا كيف أن إسرائيل نعمت بالأمن والسلام منذ أكثر من أربعين عاماً بعد توقيع معاهدة سلام مع النظام السوري، تحت غطاء ‘اتفاق فك الاشتباك’، بحيث غدت الحدود الإسرائيلية والجولان تحديداً أهدأ منتجع سياحي في إسرائيل لا تمر فوقه حتى العصافير عبر الحدود السورية.

ويعترف باحث أمريكي بأن النظام السوري سبق أنور السادات بسنوات إلى توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل غير معلنة، لكن بهدوء وبعيداً عن الضجيج.

لم يعد خافياً على أحد أنه تجب هندسة الشرق الأوسط برمته سياسياً واقتصادياً وعسكرياً كي تنام فيه إسرائيل قريرة العين، بلا منافس اقتصادي أو ديمقراطي أو عسكري، وهو الأهم. فقد ظن البعض، وكل الظن إثم في هذه الحالة، أن الربيع العربي سيحوّل البلدان التي وقع فيها الربيع إلى ديمقراطيات بسرعة البرق، بحيث لا تعود إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. لكن هيهات، فقد كان الكثيرون حالمين ومتفائلين أكثر من اللازم بكثير. ففي سوريا مثلاً تكالب على ثورتها القاصي والداني كي لا يجهضها فقط، بل كي يجعل الشعب السوري يندم على الساعة التي ثار فيها على نظام الأسد الذي أمّن الحماية لإسرائيل على مدى عشرات السنين.

فلم يعد حلم السوريين، بأي حال من الأحوال – على الأقل في اللحظة المأساوية الراهنة – بناء نظام ديمقراطي ينافس إسرائيل، بقدر ما يريدون أبسط أساسيات الحياة التي دمرها النظام، طبعاً بمباركة إسرائيل وأمريكا والغرب عموماً. ومن مصلحة إسرائيل أن يبقى السوريون مشغولين بجروحهم وصراعاتهم الداخلية لعقود وعقود.

قلناها مرات ومرات إن إسرائيل لا يمكن أن تسمح بنشوء ديمقراطيات حقيقية على حدودها، ومن الأفضل لها ألف مرة أن تكون دول الطوق محكومة بديكتاتوريات عسكرية حصراً تكتم أنفاس الشعوب، وتدفع من يعارضها خلف الشمس بأبشع الطرق الوحشية والفاشية. طبعاً، من حق إسرائيل أن تدعم بقاء الديكتاتوريات في المنطقة، خاصة أنها عاشت أهدأ وأهنأ سنواتها في ظل الحكم الديكتاتوري الاستبدادي العربي المحيط بها.

وما ينطبق على سوريا ينسحب على غيرها مما يسمى بدول الطوق، وخاصة مصر. لاحظوا كيف أعادوا الثورة المصرية إلى المربع الأول. هل ثارت الشعوب لتعود إلى قبضة أجهزة الأمن والعسكر؟ بالطبع لا، لكن المصلحة الإسرائيلية، كما في سوريا، تقتضي أن لا يصل المصريون إلى الديمقراطية الحقة، وأن يبقوا تحت حكم عسكري يؤمن حماية إسرائيل قبل كل شيء.

ولو ذهبنا إلى ليبيا لوجدنا كيف يحاول سادة العالم تحويل ذلك البلد الخارج للتو من ربقة عقود من الديكتاتورية إلى ساحة تناحر وحرب أهلية قد تودي أخيراً بتفكيكه إلى إقطاعيات. والسبب بسيط، فلا يمكن لبلد عربي يمتلك النفط أن يمسك بزمام أموره، ويدير ثروته النفطية لصالح شعبه، لا بل عليه أن يحكمه نظام يمكن أن تحصل منه على كل ما تريد بمكالمة هاتفية بعيداً عن البرلمان وسلطة الشعب.

لاحظوا كيف بدأوا يربطون ليبيا الآن بصندوق النقد الدولي وبالبنك الدولي كي لا تستقل اقتصادياً بعد نجاح ثورتها. وهم يدفعون السلطات هناك إلى الاقتراض من البنك الدولي، مما يعني بأنها أصبحت بلاد ناقصة السيادة، لأن الدول التي تمول البنك الدولي ستصبح هي التي تتحكم بالسياسة الليبية وفق مصالحها وأهوائها، كما يرى بعض الليبيين.

باختصار، فإن منطقة تعوم على بحر من الثروات النفطية وغير النفطية لا يمكن أن يتركوها وشأنها، كي تتحكم بثرواتها لصالح شعوبها وأوطانها. ولو ثارت شعوبها على أتباع الغرب الذين يحكمونها، فالغرب قادر أن يحول حياة تلك الشعوب إلى جحيم من خلال دفعها إلى التقاتل والتناحر الداخلي، كما يفعلون اليوم في ليبيا، بحيث تنشغل بجروحها وصراعاتها الداخلية لعشرات السنين، مما يسهّل على الخارج التحكم بثرواتها ونهبها. وكذلك الأمر بالنسبة للبلدان الواقعة بجوار إسرائيل، فلو هي أيضاً فكرت بتغيير الأنظمة التي تحمي إسرائيل منذ عشرات السنين، فإن إسرائيل وأتباعها في الغرب قادرون بدورهم أن يجعلوا الشعوب التي ثارت على الديكتاتوريات العسكرية بهدف الإمساك بزمام أمورها السياسية والعسكرية والاقتصادية وتحويل بلدانها إلى ديمقراطيات مستقلة، قادرون على جعلها تلعن الساعة التي ثارت فيها على طغاتها، كما هو الوضع الآن في سوريا، حيث جعلوا السوريين يحلمون بلقمة الخبز، بدل التفكير ببناء نظام ديمقراطي والتحرر من ربقة الطغيان.

باختصار شديد فإن هناك رسالتين مبطنتين ترسلهما إسرائيل وأمريكا للشعوب العربية يوماً بعد يوم: الرسالة الأولى موجهة لشعوب البلدان الغنية بالثروات النفطية وغيرها. تقول الرسالة:’ لا تحلمي بأن تسيطري على ثرواتك، وتتحكمي بها لصالح أوطانك، فإما أن نسيطر عليها نحن ونعطيك الفتات، أو أننا سنحولك إلى ليبيا أخرى’ إذا لم تسيري على الطريق المرسوم.

أما الرسالة الثانية، فهي موجهة لشعوب البلدان المحيطة بإسرائيل. وتقول: ‘أمن إسرائيل أهم منك بكثير، فلا تحلمي بالديمقراطية، وعليك أن تقبلي بالديكتاتوريات التي نباركها، وإذا ركبت رأسك، وحاولت تغيير تلك الديكتاتوريات، فانظري وخذي العبرة ما حصل للسوريين’!

إذن أصبح لدينا نموذجان يهدد بهما الغرب الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. إما القبول بالطواغيت الذين نعينهم لكم، أو سنحول حياتكم إلى جحيم.

الرسالة واضحة جداً. لكن هل يمكن أن تخضع الشعوب العربية لها؟ المستقبل وحده كفيل بالإجابة على هذا السؤال العويص.

 ‘ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : وماذا لو انتصر مجرم الحرب على شعبه ؟!

25.12.2013

زهير سالم

ماذا لو انتصر هولاكو .. ماذا لو انتصر هتلر

يتساءل بعض المحللين أو الدارسين وماذا لو انتصر مجرم الحرب النازي بشار الأسد ؟! ومع أنه يستحيل على مجرم الحرب في سورية أن ينتصر . ولن تستطيع كل قوى الشر المتحالفة والمتواطئة معه حول العالم  أن تمنح مجرم الحرب القاتل المبير أي قدرة على الانتصار ومع ذلك فلا يجوز التهرب لا من السؤال ولا من الجواب .

إذ يتهرب بعض الناس من السؤال ويعتبرونه فأل شؤم لا يجوز لثائر أو مساند للثورة أن يفكر فيه ولو على سبيل الافتراض الجدلي ..

ويتهرب آخرون من الجواب لأن متضمنات الجواب ستكون من النوع الذي تقول عنه وكالات الأنباء : وتعتذر الوكالة أو القناة عن بث صور الخبر الرعيبة لقسوتها أو لبشاعتها أو لعدم قدرة المشاهدين على احتمالها ..

وفي الوقت الذي تدير دول كثيرة في العالم سياساتها على أساس دعم هذا (التوجهالشؤم ) منها من يدّعي صداقة الشعب السوري ؛ فإن قوى معارضة سورية أخرى تدعم بطرق أدائها عمليا هذه الصيرورة المقيتة للثورة السورية . قوى سياسية بقواعدها وقياداتها تفضل أن تهوّم مع سمادير الوهم والحلم الذي تؤثر أن تتعلق به . وأحيانا بذريعة رفع المعنويات ، وتشجيع الناس ، والبعد عن أطروحات التيئيس ..

ويوما بعد يوم يكتشف السوريون حقيقة مواقف  الكثير من الدول التي راهن  سياسيوهم عليها . وتعلقوا بها ، ونفذوا برامجها ، وحرصوا على رضاها ، وداروا توابع في مداراتها ، كانت تفتلهم بالذروة والغارب لتعود بهم بعد عمليات : تيئيس وتدويخ وإنهاك إلى بيت الطاعة في ظل جريمة الحرب ومجرمها على نحو أشد عنتا وأقسى مما كان عليه الأمر قبل الثورة . ولتدخل سورية في مرحلة تعتبر فيها ثمانينات القرن العشرين وما جرى فيها المرحلة الأكثر ديمقراطية وانفتاحا في تاريخ سورية الحديثة . ولو نجحوا في دفع سورية إلى هذا الذي يخططون  فإن الذي حصل في سجن تدمر في تلك المرحلة ، حيث كان يروق للسجان الأسدي اللعين أن يبول على المساجين النائمين ، سينفذ بعد ( انتصار مجرم الحرب )  في كل سورية وعلى كل المسلمين فيها .

أقول المسلمين عن وعي وعن قصد لأن الذي يجب أن يستخلصه كل السوريين الشرفاء من تعاطي المجتمع الدولي مع الشعب السوري هي الحقيقة النيّرة التي أبرزها السيد سمير جعجع والتي يجب أن يشكر عليها : أن اهتمام قوى الشر في العالم بمعلولا وما تمثله معلولا هو أكبر بمرات كثيرة من الاهتمام بالشعب السوري كل الشعب السوري إنسانا وعمرانا وحضارة وثقافة . ينصب اهتمام المجتمع الدولي من كيس القمح على حفنة يعرف كيف يمكّنها ويؤثرها ويوفر مصالحها ويديرها ..

 السجان الأسدي الذي كان مدعوما من السفير السوفييتي في المرة السابقة ، لن يكتفي بالبول على الناس فقط وإنما سيتعدى ذلك وهو مدعوم بقوة من السفراء الأمريكيين السابقين واللاحقين إلى الفعل الذي يليه ..

ولو انتصر مجرم الحرب فإن بسطار ( عسكري الأسد ) الذي كان يدوس وجوه المسلمين في البيضاء سيدوس من أبناء سورية في الشمال والجنوب وبقوة البراءة الأمريكية المعتمدة في جنيف وجوه كل المسلمات والمسلمين.

لو حصل أن انتصر مجرم الحرب  - ويجب أن أقول لا قدر الله - فسيؤذنون على كل مآذن الشام : أنهم يشهدون أن لا إله إلا بشار ، وسيدعمهم في هذه الشهادة وفي هذا الأذان شريك الجريمة المقاوم الممانع في لبنان وفي العراق وفي قم ..

ولو حصل أن انتصر مجرم الحرب فسيجري على المدن السورية الكبرى في درعا دمشق وحمص واللاذقية وحماة وحلب ودير الرقة ودير الزور والقامشلي والحسكة ما جرى على القدس يوم دخلها المجرم الصليبي وكتب إلى سيده أوربان : لقد خاضت خيولنا في دماء المسلمين إلى الركب ... 

لو حصل أن انتصر مجرم الحرب فسيكون في تاريخ سورية الحديث ما توقعه كل المؤرخين من سوء يوم تساءلوا : ماذا لو انتصر أعداء المسلمين في الزلاقة وملاذكرد وعين جالوت ؟! ماذا لو انتصر النازي والفاشي بكل عنصريتهما المقيتة ؟!

لو حصل أن انتصر مجرم الحرب صاحب السارين وعصابته على المسلمين في سورية فلن يترك بين أقطارها الأربعة من يشهد أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله . سيتأصل الشأفة ويبيد الخضراء وسيذبّح البنين والبنات . وستكون أرض الشام كما يخطط لها نتنياهو والروسي والصفوي والأمريكي والفرنسي أندلس المسلمين الجديد . ...

لو انتصر مجرم الحرب صاحب البراميل المتفجرة سينتصر التوحش على الآدمية ، والغابة على المدينة ، والبدائية على الحضارة ، والغرائز على القيم ..

لو انتصر مجرم الحرب فسينتصر بانتصاره الذئب على ليلى والغولة آكلة لحم البشر بثينة على حسحس وبسبس وحباب ورباب

لو انتصر مجرم الحرب على المسلمين في هذه الجولة كما انتصر أبوه من قبل فستصبح سورية وطنا للمستوطنين الشيعة الصفويين كما أصبحت فلسطين أرضا للمستوطنين الروس والبولنديين والألمان والإيرانيين ..

أيها المسلمون في سورية ...

لا تقولوا لي إنك تبالغ وتتوهم وتضخم لقد أعلنها حسن نصر الله صريحة واضحة مدوية مجلجلة على رؤوس العالمين إن حربهم في سورية وجودية ..

فإما وجودهم وإما وجودكم . ولن يقبل حسن نصر الله ولا بشار الأسد ولا خمنئي ولا بوتين ولا صناع السياسة الأمريكيون أن يكون على أرض الشام وجودان ..

إما أنتم والإسلام الذي جاء به محمد والقرآن الذي أنزله الله عليه وتاريخ حضارة ومجد أثّله أبو بكر وعمر وعثمان علي والأمويون والعباسيون والأيوبيون والعثمانيون وإما هم والمجوسي أبو لؤلؤة وابن سبأ ابن اليهودية اللعين والكيساني الكذاب والقرمطي أبو طاهر وابن العلقمي الخائن والخميني صاحب إيران غيت وبشار الأسد وشيعته والمدافعون من أشرار العالم أجمعين ...

كم كنا نتمنى أن يتركوا لنا غير هذا الخيار. ونحن الذين طالما أنشدنا :

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها .. ولكن أخلاق الرجال تضيق ..

ويبدو اليوم أنهم وقد تحالف أشرار العالم وحثالاته كلهم معهم لم يبق لنا خيار : نكون أو لا نكون.

ولا نملك إلا أن نناشد ربنا كما ناشد محمد ربه يوم بدر : اللهم إن تخذل هذه الثورة فلن تعبد في الشام بعدها أبدا ..

22 صفر / 1435

25 / 12 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا اليوم:مجازر في كل مكان

فايز ساره

المستقبل

السبت 21/12/2013

كيف يبدو المشهد السوري اليوم، سؤال يستحق ان يطرح. والجواب عليه بسيط للغاية، المشهد السوري اليوم، مجازر متنقلة في كل مكان من البلاد، لكن الفصول الاكثر قسوة فيه، أكثر حضوراً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حيث مسلسل القتل اليومي، يتواصل من حلب في الشمال مروراً بحمص الى درعا في الجنوب ومن دير الزور شرقاً الى الرقة وصولاً الى ادلب في الغرب، تستمر عمليات القتل الجماعي، وفي مدينة حلب وحدها سقط أكثر من الف ومئتي شخص في ثلاثة ايام من الاسبوع الاخير بفعل قصف الطائرت بالبراميل المتفجرة، وفي ريف دمشق سقط مئات السوريين ما بين القلمون والغوطة نتيجة هجمات جوية وصاروخية على مناطق الغوطة ومدن القلمون، التي شهدت اضافة لما سبق، هجمات برية لقوات النظام بدعم من مليشيات حزب الله اللبناني ولواء ابو الفضل العباس العراقية.

ومقتلة مئات السوريين اليومية، التي يقوم بها النظام وادواته، سلوك متعمد ومقصود، هدفه الرئيس ايقاع اكبر عدد من الضحايا وخاصة في صفوف المدنيين، وبينهم اطفال ونساء عبر اختيار الاحياء السكنية والمدارس ووسائط النقل العام اهدافاً لهجمات البراميل والصواريخ، بل هي هدف للاقتحامات التي تم تنفيذها في القلمون وغوطة دمشق بعد حصارها ومنع المدنيين من مغادرتها وخاصة في مدينة النبك، التي فيها قتل مئات الاطفال والنساء في اقبية المدينة التي استخدمها السكان ملاجئ للهروب من القصف، فماتوا ذبحاً بالسكاكين قبل ان يتم حرق جثث كثيرين منهم.

والهدف الثاني للمجازر، كان ضرب الحاضنة الشعبية، التي تتواجد فيها بقايا تشكيلات الجيش السوري الحر، بل وضرب تلك التشكيلات وخاصة الموجودة في القلمون، والتي مازالت تحافظ على الحد الادني من وجودها المسلح منفصلة في الافكار والممارسة والتنظيم عن جماعات التطرف الجهادي مثل دولة العراق والشام "داعش" وجبهة النصرة في بلاد الشام، وعن التشكيلات الاسلامية، التي تشكل بيئة حاضنة للتطرف، تستمد الجماعات الجهادية منها المقاتلين المحتمل انضمامهم الى صفوفها.

اما الهدف الثالث لمجازر النظام اليومية، فهو خلق وقائع جديدة على الارض اساسها الاستيلاء على مواقع جديدة، كانت لفترة طويلة خارج سيطرة النظام كما هي النبك قارة في القلمون، او اضعاف مناطق مثل مدينة حلب تمهيداً لشن هجمات هدفها الاستيلاء عليها وعودة قوات النظام للسيطرة فيها، قبل الانتقال الى مناطق جديدة خارج سيطرة النظام، وقد اوضح الاخير، ان درعا في الجنوب، ستكون هدف الهجمات اللاحقة بعد الاستيلاء على القلمون شمال دمشق.

ان الاسباب التي عززت ذهاب النظام نحو مزيد من المجازر والهجمات الاخيرة كثيرة ومتعددة، لكن الابرز فيها ثلاثة، اولها تلقي النظام دعماً بشرياً ومالياً وتسليحياً من حلفائه في المحيط الاقليمي والدولي، حيث يتواصل تدفق المساعدات بالقوات على النظام. وبالاضافة الى الخبرات الروسية والايرانية من المستويين الامني والعسكري والتقني، فان مزيد من قوات الحرس الثوري الايراني يتوافدون الى سوريا، بينما يزج حزب الله اللبناني ولواء ابو الفضل العباس مزيد من عناصرهما، وتتواصل بدعم خفي من ايران والسلطات العراقية وبعض المرجعيات الدينية الشيعية، عمليات تجنيد وتنظيم آلاف العراقيين، ودفعهم للمشاركة في حرب نظام الاسد ضد السوريين لاسباب ودواعي طائفية.

كما ان بين اسباب تصعيد هجمات النظام ومجازره، تصاعد حالة الفوضى في المناطق الخارجة عن سيطرته، خاصة في ضوء تنامي نفوذ وحضور جماعات التطرف وتشكيلاتها الجهادية من داعش والنصرة، وهجماتها على تشكيلات الجيش الحر، ومحاولاتها المتواصلة لفرض نفسها وسلوكياتها على السكان في المناطق التي تسيطر وتنتشر فيها.

وترتبط هجمات ومجازر النظام مع محاولات توسيع سيطرته على الارض بالظرف السياسي الذي يحيط بالقضية السورية. اذ يستعجل النظام في استعادة سيطرته على مناطق هي خارج سيطرته مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمر جنيف2 الذي من المفترض عقده اواخر الشهر القادم من اجل تعزيز اوراقه التفاوضية مقارنة باوراق المعارضة التي يمكن ان تحضر المؤتمر لتكون اضعف، مما يمكن مما يؤثر على موقفها التفاوضي، ويجعلها اقرب الى الانصياع الى فرضيات النظام ومطالبه.

غير ان اهداف النظام الكامنة وراء الهجمات والمجازر التي ينفذها بالتزامن مع تطورات سياسية داخلية وخارجية، لايمكن القول انها سوف تتحقق، لان مثل هذه هذه الاهداف كانت اساس سياسة، تم اتباعها على مدار اشهر الثورة وفي اغلب المناطق السورية، لكن شيئاً منها لم يتحقق باستثناء عمليات التدمير الواسع وقتل واصابة مزيد من السوريين، وكلاهما لم يؤد الى استسلام السوريين، ولا الى انتصار النظام، بل يمكن القول ان النتيجة الوحيدة التي تحققت هي تزايد ازمة النظام الناتجة عن اجرامه ودمويته، والذي سيضاف الى هذه النتيجة القديمة الجديدة، ان النظام وهو سيذهب الى جنيف2، سيكون محملاً بمزيد من الجرائم ليس الا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

طلعنا عالحرية .. قراءة أولية في الإعلام السوري الجديد

(إلى رزان وسميرة ووائل وناظم ومازن)

ماجد كيالي

المستقبل

الاحد 22/12/2013

أثار اختطاف رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم الحمادي مجدّداً مسألة العلاقة التكاملية أو التنافسية أو التعارضية بين الوجه الشعبي، أي المدني والسياسي والديموقراطي، لهذه الثورة، ووجهها العسكري، أي المسلح والعنفي والمتطرّف.

ربما يجدر بنا هنا أن نأخذ في الاعتبار أن هذا التأزّم، بحدّ ذاته، ليس جوهرانياً، ولا ثابتاً، إذ هو ناجم في الأصل، عن تأزّم الثورة والمجتمع السوريين، بمعنى أنه نتاج عديد الأسباب، داخلية وخارجية، ضمنها العنف التدميري الذي انتهجه النظام ضد السوريين، وحثّه على إضفاء طابع طائفي عليها، إضافة إلى طول أمد الثورة، وتصدّع اجماعات السوريين، وغياب غالبية المجتمع عن معادلات الصراع، وخذلان المجتمع الدولي.

يتفق كثيرون بأن رزان باتت بمثابة الوجه الأبرز الذي بات يعبّر عن الوجه المدني لهذه الثورة، في طورها الأول، حسب تعبير لحازم صاغية، ليس لأن رزان حقوقية وكاتبة وناشطة سياسية، فقط، بل ولأنها أصرّت، أيضاً، على البقاء في سوريا، ولم تخرج، رغم كل التهديدات التي تعرّضت لها. " أنا هنا لأنني هنا في سوريا بلدي"، هكذا أجابت رزان، التي كانت أسّست "لجان التنسيق المحلية"، وأنشأت "مركز توثيق الانتهاكات في سوريا"، وسهرت على اصدار مجلة "طلعنا عالحرية".

عموماً، ليس القصد هنا الحديث عن رزان، وإنما عن الوجه المغيّب لهذه الثورة، الذي تمثله رزان وأمثالها، والذي تدين له هذه الثورة بوجودها، وبشرعيتها. فهؤلاء الشبان الشجعان هم الذين كسروا حاجز الخوف، وتحدّوا جبروت النظام، وأجهزة المخابرات وعصابات الشبيحة، وخرجوا الى ساحات المدن، يهتفون: "الشعب السوري ما بينذل" و"سوريا بدها حرية"، مع أن سلاحهم الوحيد كان يتمثّل بالمتظاهرات والتجمعات الشعبية، التي كانوا يصدحون فيها بحناجرهم بأناشيد الحرية، ويلوحون فيها بقبضاتهم.

طبعا، ليست هذه مفاضلة بين الوجه الشعبي والمدني للثورة وبين وجهها العسكري والمسلح، فمن السذاجة الاعتقاد بإمكان إسقاط هكذا نظام بمتظاهرات واعتصامات وشعارات، وإنما الغرض هنا يتعلق بالتنويه إلى مخاطر تغليب وجه على آخر، ومخاطر إزاحة البعد الشعبي للثورة وتهميشه لصالح البعد المتعلّق بالعسكرة والجماعات المسلحة.

وفي مراجعة لمسارات الثورة يمكننا ببساطة ملاحظة أن النظام اشتغل بحرص ودأب شديدين، منذ البداية، على إزاحة البعد الشعبي، المدني والسلمي والديموقراطي للثورة.

فقبل بروز ظاهرة العسكرة، والصراع المسلح، كان معدل الشهداء برصاص رجال الأمن والشبيحة يبلغ نحو 600 شخص شهريا. وكان النظام أنكر الثورة، حتى أنه اعتبر التظاهرات العارمة، التي شهدتها ساحات مدينتي حمص وحماه، مجرد فبركات تلفزيونية، قبل أن يفضّها بالرصاص والدبابات، علماً أنه حال دون تمكين جماهير حلب ودمشق ودرعا واللاذقية من إيجاد ساحة لهم. وإلى هذا وذاك فقد سعى النظام لدفع السوريين في المناطق الحاضنة للثورة إلى ترك أحيائهم، وحتى تهجيرهم خارج البلد، ضمن استراتيجيته الرامية لإفراغ الثورة، بتقويض طابعها الشعبي، وذلك بتعمدّه تدمير الأحياء الشعبية، ومحاصرتها، وتعريضها للقصف المستمر.

ما يلفت الانتباه، أيضاً، أن النظام الذي أطلق من معتقلاته بعض منتسبي أو مناصري تنظيم "القاعدة"، والجماعات الدينية العنيفة والمتطرفة، في الأشهر الأولى للثورة، اشتغل في المقابل على إخفاء الناشطين الثوريين السلميين، الذين كانوا يقودون المتظاهرات، ويلهمون الناس بالشعارات، المتعلقة بالحرية والكرامة والديموقراطية.

هكذا كان نصيب مئات الناشطين القتل برصاص القناصة أو بهراوات الشبيحة أو التعرض للاعتقال، أو دفعهم إلى الخروج من البلد، وهو ما حصل بقتل الناشط من داريا غياث مطر وعديد من قادة المتظاهرات في دمشق وحلب وحمص وحماه ودرعا واللاذقية والرستن، وباعتقال كثر من أمثال مازن درويش (رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير)، والكاتب علي الشهابي، وبإجبار مئات من النشطاء للخروج الى المنافي.

في هذا الإطار، فقد اضطلعت الأنشطة الإعلامية بدور متميّز، إن في مواجهتها حال الانكار، والحجب، والتشويه، التي حاول فيها النظام محاربة الثورة، أو في سعيها لكسر حاجز الخوف، وإشاعة مظاهر التمرد والعصيان، بغرض تحرير الوعي الشعبي، والمجال العام، من احتلال النظام. وفي هذين الحالين استطاعت الثورة، لأول مرة، فتح الفضاء العام أمام السوريين، من خلال مناخ الحرية الذي اتاحته، وأيضاً من خلال هذه الورشة الهائلة والمدهشة للأنشطة الإعلامية التي حفلت بها، والتي انخرط فيها كتاب وفنانون ومصورون، مع أخذنا في الاعتبار الظروف الصعبة التي اشتغلوا فيها، في وضع كان فيه فيلم الفيديو على موبايل، يعرض صاحبه للقتل أو للإعتقال، وفي وضع كان فيه أي شخص يلتقط صورة، أو يرسل بريدا الكترونيا، كأنه يقوم بعملية انتحارية.

بالمحصلة، فقد اضطلعت مجموعة من الشباب الشجعان والرائعين، الذين يتوقون للخلاص والحرية، في سوريا مغايرة، بدور هو في غاية الأهمية، يتمثل بخلق التواصل بين السوريين، وفيما بينهم وبين العالم، في تحد لكل حواجز النظام العسكرية وأجهزته الاستخباراتية، وخبراته في القمع والحجب والتورية والتزييف والتلفيق.

والحال، ففي معمعان الثورة، نشط هؤلاء الشباب على شبكات التواصل الاجتماعي لسد الفراغ المتعلق بغياب التشكيلات السياسية، وبإنشاء التنسيقيات، والمواقع الإعلامية على الشبكة العنكبوتية، وتم انشاء بعض اذاعات FM، وثمة تجارب أقل لمحطات تلفزيونية.

ولعل التجربة الأكثر تمايزاً وإدهاشاً، من وجهة نظري، تمثلت في إصدار الصحف والمجلات، التي عرفت السوريين على كتابات جديدة، لكتاب شباب لم يكونوا معروفين من قبل، يطرحون أسئلة من خارج الصناديق المعروفة والمعهودة. وكانت تلك مفارقة لافتة حقاً، فسوريا التي كانت فقيرة في الصحافة، والتي ظلت لعقود مقتصرة على ثلاثة صحف تشبه بعضها البعض (تشرين والبعث والثورة)، مع صحف محلية لبعض المدن، والتي كان كتابها، غير المحسوبين على النظام، يجدون متنفساً لهم في الصحافة اللبنانية والخليجية، باتت فجأة تعجّ بالحياة الصحفية ومليئة بالصحف والمجلات.

ولعل المقارنة في العمل الصحافي ما قبل وما بعد الثورة تبيّن الفارق الكمي والنوعي بين الحالين، وتبيّن كم كان السوريون يفتقدون لحرية التعبير، وللرأي الآخر، وتبين كم تم تضييع مواهب وطاقات لأجيال من الشباب في العقود الماضية، بسب نظام الاستبداد.

هكذا، ففي غضون هذه الثورة، تعرّفنا على إعلام آخر، يضجّ بالحرية، وعلى شباب مليء بالحماسة، وبالنضج السياسي، وبالأسئلة الفكرية، حتى عناوين هذه المجلات والصحف بدت لافتة وجميلة ومعبرة. ففي غضون هذه الفترة، من عمر الثورة، بتنا أمام صحف ومجلات من مثل: "طلعنا عالحرية"، و"سوريا بدها حرية" و"شرارة آذار"، و"أوكسجين"، و"جسر" و"البديل"، و"ثوري أنا"، أو مثل "حنطة"، و"زيتون"، و"عنب بلدي"، و"ياسمين"، ثمة أيضا "شام" و"سوريتنا"، و"دمشق"، و"زمان الوصل"، و"تواصل"، و"عهد الشام" و"ضوضاء"، و"عين المدينة"، و"الغربال"، و"صدى الشام"، و"تمدن"، و"المسار الحر"، و"ولات"، و"صور"، و"بناة المستقبل"، و"طيارة ورق" (للأطفال).

كما يجدر التنويه إلى وجود مراكز دراسات، صدر عنها مؤلفات متميزة عن الواقع السوري، مثل "مجموعة الجمهورية للدراسات"، و"المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية"، و"مركز المجتمع المدني والديمقراطية"، و"مركز دراسات الجمهورية الديموقراطية". (مع الاعتذار عن أي سهو)

هذا واحد من أوجه الثورة السورية، المستحيلة واليتيمة والمدهشة، يستحق التقدير، ويؤكد بأنها ثورة ولّادة وواعدة، رغم كل ما ينجم عنها من تداعيات، وما يحيط بها من مشكلات، وما تواجهه من تحديات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجولاني: خطابٌ لا يليق بسوريا وحضارتها

 وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 22/12/2013

حريٌ بأبي محمد الجولاني أن يتواضع كثيراً وهو يتحدث عن حاضر الشام ومستقبلها، وعما يريده أهلُها ولايريدونه. وأكثرَ من ذلك، حريٌ به أن يراجع كلامه ألف مرة ومرة عندما يتصدى للحديث عن مشروع الجهاد في الإسلام، والذي قال إنه مشروع جبهة النصرة التي يترأسها، وهو مشروعٌ حسب قوله: "ليس وليد اللحظة، بل نتاج تاريخ طويل من الجهاد، يعود إلى زمن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته فهم ينتظرون من ذلك الوقت هذه اللحظة ومن بعد سقوط الدولة العثمانية لإعادة سلطان الله على الأرض"!

لم تقم الثورة السورية إرضاءً لأحدٍ في الشرق أو الغرب، ولا نتخذ، كسوريين، مواقفنا منها ومن أحداثها وأطرافها تجنباً لغضبِ فلانٍ ورضا علانٍ كائناً من كان.

من هنا، ورغم الموقف الدولي القانوني المعروف من جبهة النصرة، لم نكن نُشير في نقدنا إليها بالاسم، بل كنا نشير إلى بعض ممارساتها وممارسات أشباهها بثقافة (مابالُ أقوامٍ) النبوية الحضارية. وما ذلك إلا لتواتر أخبارٍ عنها من أرض الواقع كانت تُرجح أن كُلﱠ همها يتركز على محاربة نظام الأسد، وأنها لم ولن تتدخل من قريبٍ أو بعيد في خيارات السوريين السياسية والثقافية والاجتماعية، وأنها تتجنب الظهور الإعلامي وتسعى إلى أداء مهمتها بصمتٍ وهدوء.

أما وقد خرج علينا الجولاني في لقاء تلفزيوني لمدة ساعةٍ كاملة، يجول فيها ويصول متحدثاً عن حاضر سوريا ومستقبلها، وعارضاً لما يريده أهلها ولما يرفضونه، وشارحاً لمشروع الجهاد، ومقدماً لمواقف حاسمة حول كثيرٍ من القضايا الأساسية التي تبدأ بجنيف ولاتنتهي بوضع الأقليات في المستقبل، فإن الأمر يدفعنا لوقفةٍ معه نطلب منه فيها أول مانطلب أن يحترم الشام وتاريخها وحضارتها وإنسانها، وقبل هذا وبعده، فهمها المتألق والعفوي للإسلام ولطريقة تنزيله على الواقع.

لم يأتِ هذا الفهم عبثاً وإنما تكوﱠن من وجودٍ تاريخي مستمر لرموز دينية وفكرية وثقافية واجتماعية متميزة على أرض سوريا، ومن انتماء هؤلاء للحضارات والأديان الكبرى في التاريخ، ومن التفاعل المستمر بينهم من جهة، وبينهم وبين متغيرات الواقع من جهةٍ أخرى.

وللتذكير، فإن سوريا مثوى لعدد كبير من الأنبياء والصحابة والأولياء الصالحين، ومن ذلك مقام نبي الله هابيل، ونبيه إبراهيم الخليل، وأهل الكهف، وأم المؤمنين السيدة (أم حبيبة) زملة بنت أبي سفيان، زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والسيدة زينب، والسيدة رقية، ابنتا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

وذكر ابن سعد في طبقاته مايزيد على مائة رجل من الصحابة الكرام دخلوا الشام منهم: أمين الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح، وأحد العشرة المبشرين بالجنة سعيد بن زيد، ومؤذن الرسول الكريم بلال بن رباح، وأعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وزاهد الأمة أبو الدرداء، وأحد النقباء عبادة بن الصامت، وسيف الله المسلول خالد بن الوليد، وابن عم الرسول الكريم الفضل بن العباس، وأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، وأبو أمامة الباهلي، وأسامة بن زيد، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعمرو بن عنبسة، والعرباض بن سارية، وحجر بن عدي، وخالد بن سعد، وغيرهم كثير.

أما التابعون والعلماء فكان منهم مثلاً لا حصراً كعبُ الأحبار وابن قدامة المقدسي وغيره من المقادسة، والأوزاعي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والنووي، والطبراني، والذهبي، وسلطان العلماء العز بن عبدالسلام، والفارابي، وغيرهم كثير.

وبمناسبة اللقب المُعبر للجولاني والذي يسبق اسمه، بكل تواضع، وهو (الفاتح)!؟ نذكر أن ممن عاشوا في سوريا أمراء وخلفاء واستحقوا ألقابهم دون حاجةٍ للتعريف بهم وبإنجازاتهم الناصر صلاح الدين، والمظفر قطز، والظاهر بيبرس، وغيرهم كثير.

والذي يبحث في سيرة وكتابات وممارسات هؤلاء الذين تكونت ثقافة سوريا وتاريخها، بناءً على عطائهم وعطاء أمثالهم من رموز الإسلام، يرى إسلاماً ينبض بالحياة والكرامة والحرية والعدالة والتسامح والمحبة والبناء، يختلف بالتأكيد عن الإسلام الذي نفهم أن الجولاني يؤمن به، ويراه الأصلح لسوريا ولأهلها، ولحاضرها ومستقبلها.

ثمة كثيرٌ يمكن نقده ونقضه في حديث الجولاني ومقولاته لقناة الجزيرة مما لايتسع له هذا المقام. والمُفارقةُ تكمن في حقيقة أن أي طالب علمٍ جدﱢي يمكن له أن يقوم بتلك المهمة، وبسهولة

لكن المُفارقة تبلغ حد المأساة حين ندرك أن الجولاني يضع نفسه رغم ذلك عملياً، وبغض النظر عن كل شعارات التواضع، في مقامٍ أكبر منه بكثير، لأنه بمنطق القوة يؤثر بشكلٍ أو بآخر في مصير بلدٍ كامل، ليس كأي بلد، هو سوريا.

قد يكون للجزيرة عذرٌ في بحثها عن سبقٍ صحافي يبحث عنه الإعلاميون المِهَنيون في كل مكان. وقد يكون ثمة تبريرات لدى تيسير علوني وهو يحاول أن يسند ضيفه من هنا وهناك، ويعيد عليه السؤال عشر مرات حتى يفهمه، ويحاول جاهداً توجيهه ليُعطي الإجابات التي (يجب) أن يُعطيها.

لكن المقابلة بأسرها تبين بجلاء أن رجلاً يضع مستقبل بلاده على المحك لايرقى لأن يكون تلميذاً للأعلام الذين صنعوا تاريخ سوريا وحضارتها وذكرنا بعض أسمائهم أعلاه.

نعلم أن هناك دائماً فرقاً بين الإخلاص والصواب. وهاتان صفتان لاتجتمعان بالضرورة لدى كثيرٍ من الناس. لكن المأساة تظهر، مرةً أخرى، حين يكون هذا حالُ إنسانٍ يضع نفسه في موقعٍ يؤثر في البلاد والعباد، وهو يجهل تلك الحقيقة.

من هنا، نقوم بواجبنا، ونؤكد على أن الصواب يجانب الجولاني إلى درجة كبيرة، وكبيرةٍ جداً. وعلى أنه يرتقي مركباً صعباً، ويضع نفسه أمام مسؤولية نؤكد أمام الله والتاريخ أنه لايعرف حجمها. كما نُشهد الله والسوريين على هذا الكلام.

لكن هذا لايمنعنا من أن نقول: إذا كان لدى الجولاني إخلاصٌ يشعر المرء به من طريقة كلامه ورنة صوته، فإنه مدعوٌ لأن يقوم، ببساطة، بكثيرٍ من المراجعات.

وربما كان مفيداً لو بدأت هذه المراجعات بمقولة الإمام ابن القيم، تلميذ ابن تيمية، الذين كانا ممن صنع تاريخ الشام، في كتابه إعلام الموقعين تحت فصل (في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد): "هذا فصلٌ عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلطٌ عظيمٌ على الشريعة أوجب من الحرج والمشقّة وتكليف ما لاسبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالحُ كلها، وحكمةٌ كلها. فكل مسألةٍ خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل..... فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلّهُ في أرضه، وحكمته الدّالةُ عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتمّ دلالةٍ وأصدقها".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة وتحديات «جنيف 2»

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 22/12/2013

تبدو المعارضة السورية وكأنها قد حسمت أمرها في الذهاب إلى مؤتمر «جنيف 2» باعتباره بوابة لحل سياسي للقضية السورية، على نحو ما يراه المجتمع الدولي اليوم ممثلا بالأمم المتحدة والدول الراعية، حيث إن أغلب قوى المعارضة السورية أبدت موافقتها للذهاب إلى هناك ودخول التجربة المرّة، بما في ذلك الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الذي اتخذ قرارا بالذهاب إلى «جنيف 2»، وإن كان ذهابه ضمن محددات، تستند إلى محتويات «جنيف 1» ومضمون التوافقات الروسية - الأميركية وبيان لندن لأصدقاء الشعب السوري وقرار مجلس وزراء الخارجية العرب بالقاهرة، الخاص بالموقف من «جنيف 2» وتأييد مشاركة المعارضة السورية فيه.

غير أن توافق المعارضة السورية في الذهاب إلى «جنيف 2»، ما زال محاطا بتحديات كبيرة، يتداخل فيها السياسي والتنظيمي، وهي تحديات تجعل من انعقاد المؤتمر في وقته المعلن أمرا غير محسوم، بل إنها قد تجعل مستقبل المؤتمر في مهب الريح، ما لم تتم معالجة هذه التحديات.

أول هذه التحديات تحدّ سياسي إنساني، لا يتصل بالمعارضة وموقفها، وإنما بالبيئة التي ينعقد فيها المؤتمر؛ إذ من المستحيل انعقاد مؤتمر يفتح بوابة حل سياسي للقضية السورية، لا تسبقه خطوات تدلل على إمكانية نجاحه، والإشارة هنا إلى استمرار نظام الأسد، باعتباره طرفا أساسيا في المؤتمر، بحصار وقصف مناطق مدنية وآهلة بالسكان، في أنحاء مختلفة من البلاد، ولا سيما في غوطة دمشق وحمص، ومنع وصول المساعدات الإنسانية الطبية والغذائية لسكان هذه المناطق، تحت أي حجة كانت، لأن استمرار هذه الحالة مع استمرار قصف المدن والقرى بالصواريخ والبراميل المتفجرة، لا يدلل أبدا على إمكانية قبول النظام بالمضي إلى حل سياسي من أي مستوى كان، وهو أمر خارج محتويات «جنيف 2» وأهدافه.

والتحدي الثاني يمثله ضعف التوافقات الروسية - الأميركية، التي ينعقد «جنيف 2» في ظلها. بل إن مواقف موسكو وواشنطن ما زالت متناقضة في كثير من جوانب رؤية المؤتمر، وما يمكن أن يصل إليه من معالجات وحلول، حيث يترك الأمر للمفاوضات، التي، كما هو معروف، لا يمكن أن تصل إلى نتائج، بسبب تعنت النظام وتشدده، بل وإعلاناته المسبقة، بأن «جنيف 2»، لن يكون مؤتمرا لتسليم السلطة، مما يشكك في فكرة هيئة الحكم الانتقالي وصلاحياتها الكاملة، وهي محور «جنيف 2»، وأن المؤتمر ستكون مهمته «الحرب على الإرهاب»، مما يعني أنه ليس معنيا بالحل السياسي للقضية السورية إلا من هذا الجانب.

وتحدي «جنيف 2» الثالث، يبدو في وضع المعارضة، التي وإن وافقت على المشاركة، فإن الوصول إلى المشاركة دونه مشكلات كثيرة. أولى المشكلات أن موافقة المعارضة تكاد تكون مقتصرة على المعارضة السياسية، وعلى الرغم من أن ذلك هو أمر مهم وأساسي، لكنه وفي ظل وجود معارضة مسلحة، فإن من المفترض مشاركة ممثلين عن الأخيرة، وهذا أمر تحيطه صعوبات كثيرة، مما يجعل من غياب ممثلين عن المعارضة المسلحة مشكلة حقيقية. وثاني المشكلات انقسام المعارضة السياسية في موضوع المشاركة، حيث يصر البعض على عدم الاندماج في وفد واحد على نحو ما يبدو موقف الأكراد بالإصرار على أن يكون هناك وفد مستقل للأكراد السوريين، على الرغم من أن أكثرهم حاضر في تحالفي المعارضة السورية الرئيسين الائتلاف الوطني، وفيه المجلس الوطني الكردي، وهيئة التنسيق التي تضم في عضويتها حزب الاتحاد الديمقراطي (pyd). بل إن ثمة خلافات حول حجم وموقع أطراف المعارضة في الوفد الذي يُفترض أن يكون برئاسة الائتلاف ومشاركة الآخرين، وهو أمر لا إجماع حتى الآن عليه.

وتشكل هذه التحديات، إلى جانب تحديات أخرى، ثقبا أسود في احتمال انعقاد مؤتمر «جنيف 2» الذي لا يمكن أن ينعقد أصلا بغياب المعارضة، وهي طرف رئيس ومهم لتحقيق هدف المؤتمر في فتح بوابة لحل سياسي للقضية السورية والسير فيه، كما أن غياب قوى رئيسة فيها، مثل الائتلاف الوطني، سيؤدي إلى النتيجة ذاتها.

وتشكل هذه الوقائع السابقة مدخلا إلى ضرورة معالجة التحديات التي تواجه «جنيف 2» قبل الدخول إليه، وهذه مسؤولية مباشرة للقوى الراعية للمؤتمر من الأمم المتحدة إلى كل من روسيا والولايات المتحدة والمشاركين الآخرين، والاعتقاد المؤكد أن الوقت لن يسمح بذلك، مما يجعل «جنيف 2» مؤجلا إلى حين، أو أنه لن يُعقد ما لم تحدث معجزة دولية أو إقليمية كبرى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أغاممنون الأسد

صبحي حديدي

القدس العربي

23/12/2013

من إنتاج الشركة البريطانية ‘رفيوج’، شهدت العاصمة الأردنية، عمّان، عرضاً مسرحياً بعنوان ‘نساء طروادة’، نفّذه فريق عمل سوري تألف من ماري الياس(التي قدّمت ترجمة جديدة لنصّ يوربيديس الكلاسيكي)، عمر أبو سعدة (المخرج، الذي يُعرف له تعاون مميّز في المسرح التفاعلي، مع عدنان عودة ومحمد العطار في ‘المرود والمكحلة’، 2006)، و48 لاجئة سورية يصعدن للمرّة الأولى على خشبة مسرح (تولت تدريبهن الممثلة ناندا محمد)، وعُهد بالسينوغرافيا إلى بيسان الشريف. ردود الفعل على العرض، كما عكستها التقارير والتغطيات الصحفية، تفاوتت بين الترحيب والرفض، لاعتبارات فنّية تخصّ المسرح والنصّ في المقام الأوّل؛ وأخرى سياسية وأخلاقية تنبثق من إشكاليات الاقتباس، والتطابق أو التنافر، بين المعطيات الإغريقية والمأساة السورية.

ولأني لم أشاهد المسرحية، وقراءة الكتابات التي تناولتها، أو مشاهدة بعض أشرطة الفيديو التي عرضت مشاهد من أطوار عمل الفريق، لا تكفي لإطلاق أيّ طراز من أحكام القيمة؛ فإنّ هذه السطور لن تكون، بالطبع، طرفاً في السجال النقدي حول العمل. الأمر الذي لا يلغي الحقّ، المبدئي، في التعليق على الفكرة الطروادية ذاتها، بصفة مستقلة، والترحيب، استطراداً، بمبادرة فنّية وثقافية وتربوية، قد تنطوي أيضاً على العنصر النفسي والعلاجي الذي يمكن أن يوفّره العرض للاجئين السوريين في الأردن (الذين سُمح لهم بحضور العرض مجاناً)، فضلاً عن المردود المادّي الذي سيُخصص لتحسين شروط لجوئهم (حسب وكالة أنباء ‘رويترز، حقّقت المسرحية، في يومين، مبلغ 100 ألف دولار أمريكي).

أعود إلى طروادة، إذاً، لأشير إلى أنّ وقائع حصار هذه المدينة، ثمّ سقوطها وتدميرها بعدئذ، صنعت الحكاية غير الدينية الأكثر سرداً وتناقلاً وإلهاماً واستلهاماً على مدى التاريخ. ولقد توفّرت، في كلّ الأحقاب الرئيسية من عمر البشرية، هذه الحزمة أو تلك من الشروط التي تشجّع على استعادة الحكاية وتوظيفها بما يخدم سلسلة من الوظائف الإيديولوجية والأخلاقية والسياسية والتعبوية والمعنوية والثقافية. وإذا كان من غير المدهش أن تتحوّل أمثولة طروادة إلى مصدر للاقتداء والتماهي عند الشعوب والجماعات المقهورة، أو تلك التي تعيش مأزق هوية من أيّ نوع، أو تبحث عن أصل تليد أفضل ممّا تنتسب إليه فعلياً، فإنّ من غير المدهش، على قدم المساواة، أن يكون القاهر نفسه محتاجاً، بدوره، إلى الأمثولة ذاتها!

لقد سقطت طروادة على أيدي الإغريق، الذين كانوا المجموعة الأقوى شوكة في تلك الأحقاب، ثمّ فرّ الأحياء من أبناء طروادة إلى إيطاليا، بعد أن مرّوا بمملكة قرطاجة وعاثوا فيها فساداً، لتأسيس الإمبراطورية الرومانية التي لن تغرب عنها الشمس، بحيث انقلب المقهور إلى قاهر (كما تروي ملحمة فرجيل ‘الإنيادة’).

وعلى مرّ العصور احتاجت الزعامات الإمبريالية إلى ملاحم من طراز الحروب الطروادية. وحين وطأ الإسكندر المقدوني سهل طروادة الذي شهد سفك دماء الآلاف، كانت أوّل خاطرة تعبر ذهنه هي التالية: من أين لي بهوميروس جديد يفعل معي ما فعل ذلك الشاعر الأعمى مع آخيل! وفي مسرحية شكسبير الشهيرة، لكي يقدّم هاملت العرض المسرحي الأكثر تأثيراً في النفوس، يطلب من الممثلين أداء ذلك الجزء من ‘الإنيادة’، حين يروي إينياس لملكة قرطاج، ديدو (إليسا، عليسا، أليسار…)، وقائع خراب مدينته طروادة واجتياحها وتدميرها.

وفي سنة 2004، حين شهدت صالات العالم عروض فيلم ‘طروادة’، أحدث اقتباس هوليودي للملحمة الطروادية وأكثرها كلفة (175 مليون دولار) وفخامة وسطحية، لم تكن المصادفة الزمنية هي وحدها التي جعلت الكثيرين يربطون بين الملك الإغريقي أغاممنون كما يظهر في شريط ولفغانغ بيترسن، ووزير الدفاع الأمريكي دونالد رمسفيلد كما يظهر في أشرطة البنتاغون! وفي قلب مهرجان كان الفرنسي، اعتبر النجم براد بيت، الذي يؤدي دور آخيل في الشريط، أنّ هذه الحكاية التـــي تروي التعطـــش للدماء، وحصار الشعوب، وشهوة السلطة، وجشع الملوك، لا يمكن إلا أن تتوازى، مباشرة وبوضوح، مع ما يفعله زعماء أمريكا وبريطانيا في العراق.

وذات يوم، في برهة حاسمة من تاريخه الشخصي الوطني والجمالي، حين كان مكتبه في رام الله محاصراً من دبابات أرييل شارون، قال محمود درويش: ‘خياري أن أكون شاعراً طروادياً. أنا منحاز تماماً إلى الخاسرين، الخاسرين المحرومين من حقّ تسجيل خسارتهم’. وأيضاً: ‘أنا فعلاً منحاز إلى طروادة لأنها الضحية، ولأنّ تربيتي وتكويني النفسي وتجربتي هي تجربة الضحية. وصراعي مع الآخر محوره: مَن منّا هو الأحقّ بموقع الضحية؟’. كذلك، أخيراً: ‘أختار أن أكون طروادياً. أختار أن أكون شاعر طروادة، لأنّ طروادة لم ترو قصتها. نحن حتى الآن لم نرو قصتنا رغم كل الكتابات التي كتبناها. وهذا ما يفسّر مقطعاً قلت فيه إن من يكتب حكايته يرث أرض الكلام’.

لا يُلام السوريون، إذاً، حين يلتمسون في التاريخ الطروادي قبسة ارتقاء بالحسّ التراجيدي، الإنساني الكوني؛ أو حين يبدو الغزو الخارجي في طروادة وكأنه طبعة معاصرة من الاحتلالات العسكرية والأمنية والمذهبية الداخلية في سوريا، فيتماهى أغاممنون مع بشار الأسد؛ أو حين يتنبه السوريون، الآن وليس غداً، على نقيض ممّا فعل الطرواديون، إلى الأخطار المحدقة التي تحملها أحصنة كثيرة مطهمة، دخلت إلى قلب الانتفاضة، أو تتزاحم على البوابات!

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل ستتحول سوريا إلى ‘وادي الذئاب’ بعد حكم الأسد؟

محمد عالم

القدس العربي

23/12/2013

لعل الحديث عن سوريا ما بعد الأسد لا يزال مبكراً قليلاَ، ولكن في ظل وجود أطراف داخلية وخارجية عديدة محسوبة على الثورة واتهامها المتكرر بالتبعية لسياسات دول مختلفة وبالعمل لمصالح شخصية، وفي ظل ما يجري على الأرض من اتهامات لبعض قادة الكتائب بالعمل لصالح الثروة وإعمار الجيوب، وفي ظل ما جرى من انشقاقات عن النظام لا يزال البعض يشكك في مصداقيتها وولائها للثورة، كان هذا السؤال المبكر: هل ستتحول سوريا إلى وادي الذئاب بعد الإطاحة بالأسد؟

إن معرفة الإجابة على هذا السؤال وأرجحية احتمال نشوء مجلس ذئاب يحوي على كل هؤلاء من العاملين لمصالحهم على حساب مصلحة الوطن، مستفيدين ربما مما ستشهده سوريا الثورة من اضطرابات ما بعد ولادة الحرية، تكمن في طرح عدة أسئلة ذات صلة..وإجاباتها هي برسم النزيهين من كتائب الجيش الحر قادة وثوار وبرسم الشعب السوري فقط، ومن هذه الأسئلة:

هل ستكون الأولوية بعد إسقاط النظام في ملاحقة ومحاكمة من ثبت أنه تورط في خيانة الثورة وتسبب بتعثر جوادها؟

هل سيتجسد الوعي الشعبي كاملا بلفظ أي ترشح للأطراف السياسية من هؤلاء لسدة السلطة وإبعاد الأطراف العسكرية منهم عن أية مناصب في الجيش؟

هل سيتم غض الطرف عن هؤلاء أو البعض منهم لاحقاً تذرعاً بوجود أولويات أخرى كثيرة؟

هل ستُمني سوريا النفس بظهور (مراد علم دار) سوري لاحقاً يتولى القضاء على مجلس الذئاب؟ وبناء عليه، هل سنشهد حلقات كثيرة لمسلسل وادي الذئاب السوري التي قد لا تنتهي أجزاؤه أبداً؟

هل سيقوم السوريون بإعادة منح الثقة لبعض هؤلاء أملا في إنصلاح حالهم وقبول توبتهم المشفوعة بتبريراتهم؟

هل سيتابع السوريون إساءة الظن بمن كان يُشكَّك في ولائهم ومصداقيتهم من المنشقين عن النظام، عملا بما يقال: إن إساءة الظن عصمة ومنجاة؟

وأخيراً وليس آخراً، هل سنشهد دعماً والتفافا شعبيا كاملا حول قيادة وطنية منتخبة نزيهة ونظيفة، وحول الكتائب الثورية التي أثبتت إخلاصها وتفانيها للثورة السورية لتشكيل حلقة وطنية نارية تلهب ظهور الذئاب الجائعة من ‘فلول’ الثورة قبل فلول النظام؟

إن الأمل في جواد الثورة السورية وفارسه السوري ينصّب في متابعة العدو إلى ما بعد خط نهاية الثورة، فهناك مضمار آخر للجري فيه لا يقل أهمية عن مضمار الثورة..ألا وهو مضمار إعادة الأمن والاستقرار قبل إعادة البناء والإعمار. وعلى هذا، وجب هنا طرح هذه الأسئلة والتذكير مرة أخرى خشية تواجد حالة تأنيث رقيقة ساكنة بعد الثورة تطيح بالفعل والفاعل!

أكاديمي وكاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
قصة المعارضة السورية

حسين العودات

البيان

23/12/2013   

بقيت الانتفاضة السورية دون قيادة موحدة أكثر من أربعة أشهر، وكانت تقودها في كل منطقة أو محافظة لجنة من شبابها (غالباً)، ومن أهلها عموماً. ويتركز اهتمام هذه اللجنة على تحديد أساليب إدارة الاحتجاج والمظاهرات التي كانت يومية وغير مسلحة مطلقاً، مع أن النظام السياسي قابلها منذ الأسبوع الأول، بالعنف وإطلاق النار على المتظاهرين واعتقالهم وتعذيبهم.

وكان أول فصيل موحد ومركزي تأسس للمعارضة هو "هيئة التنسيق الوطنية"، التي تشكلت من عشرة أحزاب عربية وأربعة أحزاب كردية، تمثل مختلف أنواع الطيف السياسي السوري، باعتبارها أحزاباً قومية ويسارية وليبرالية، بالإضافة إلى شخصيات إسلامية.

 وكانت لها صلات بتنسيقيات الحراك الشعبي السوري في مختلف المحافظات، وعقدت مؤتمرها الأول في يونيو 2011، وأصدرت بياناً أكد على شعارات ثلاثة هي: لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل العسكري الأجنبي.

وما أن انتهى مؤتمر هيئة التنسيق حتى بدأ نشاط خارجي كثيف من سوريين يعيشون في الخارج منذ زمن طويل، يهدف لتشكيل تنظيم سوري معارض آخر خارج البلاد، بمساعدة بعض الدول العربية والأجنبية. وبالفعل تم تجميع عشرات من السوريين في الخارج، التقوا جميعاً تحت الخيمة التنظيمية للإخوان المسلمين وحزب الشعب (الشيوعي المعارض)، وبعض الأفراد المثقفين الوطنيين والليبراليين،....

واجتمعوا على عجل ودون اتفاق مسبق على برنامج أو أسلوب عمل أو منهج نضال، أو إدراك جدي للوضع السوري الداخلي أو للوضع الإقليمي والدولي، أو حتى لعنف النظام وقسوته. وسارعوا لعقد مؤتمر في إسطنبول بدأ أعماله بانتقاد هيئة التنسيق (أي المعارضة الداخلية) وإدانتها، وفتح صناديقه للمساعدات المالية من بعض الدول العربية وغير العربية..

وشكل ما سمي "المجلس الوطني السوري"، دون أن تكون له أية تنظيمات حقيقية في الداخل، أو حتى صلات منهجية وجدية، وبدأ يتصرف كالهواة، وحاول كسب "الجماهير" وثقتها وتأييدها وإبعادها عن هيئة التنسيق، وطرح شعارات متطرفة، وأوحى للنشطاء في الداخل ولجماهير الشعب، بأن التدخل العسكري الخارجي على الأبواب، ونادى بضرورة إسقاط النظام بكل رموزه، متجاهلاً الحل السياسي والنتائج المحتملة لهذه الشعارات كرد الفعل لدى نظام مستبد قمعي متعسف..

وقد أعطته هذه الشعارات المتطرفة المبررات التي يبحث عنها لممارسة العنف والقتل والتدمير. وحرص بعض أنصار "المجلس" على تخصيص إحدى المظاهرات الأسبوعية التي كانت تحصل أيام الجمع، لطرح شعار "المجلس الوطني يمثلني".

وكان القصد إقناع الداعمين العرب والأجانب بأن المجلس هو الذي يحرك المظاهرات، مع أن المظاهرات كانت في الواقع تحرك نفسها. وافترض أعضاء المجلس أنهم وحدهم يمثلون فعلا الشعب السوري، وطالبوا المجتمع الدولي بأن يعتبرهم ممثلاً شرعياً للشعب السوري، بل الممثل الوحيد، ورفضوا اللقاء أو التحالف مع أي فصيل من المعارضة الداخلية..

وأخذ الغرور أعضاء المجلس، وكانوا يرفضون أي لقاء أو تنسيق مع هيئة التنسيق، بحجة أنها متخاذلة ومتواطئة مع النظام.

وكان السبب بالتأكيد غير ذلك، فمن جهة كان الإخوان المسلمون يرفضون الوحدة مع هيئة التنسيق التي تضم أحزاباً قومية وليبرالية ويسارية، كي يبقوا وحدهم الأكثرية والموجه الحقيقي للمجلس الوطني. ولذلك، وبعد أن وقَع رئيس المجلس ووفد المجلس اتفاق وحدة مع هيئة التنسيق بإشراف جامعة الدول العربية، في الأيام الأخيرة من عام 2011 في القاهرة، أجبر الإخوان المسلمون رئيس المجلس على سحب توقيعه قبل ساعات من إيداع الاتفاق لدى الجامعة.

تبين لهيلاري كلينتون بعد عام من تأسيس المجلس الوطني، أنه بدون جماهير ولا أهمية له في الحراك الشعبي، ولا جدوى من استمراره، فتم تأسيس الائتلاف الوطني (القائم حالياً) كبديل عنه في مؤتمر عُقد في الدوحة، واعتبر ممثلاً رئيساً للمعارضة السورية، وأهملت معارضة الداخل كلياً لأنها ترفض التدخل الأجنبي سياسياً أو عسكرياً.

ورفض الائتلاف بدوره التنسيق مع المعارضة الداخلية، للوصول إلى برنامج موحد ووفد موحد إلى جنيف. ورغم أن الإخوان المسلمين لم يعودوا مهيمنين على الائتلاف كما كانوا يهيمنون على المجلس، فإن بعض أعضاء المجلس ما زالوا يخشون وحدة المعارضة، إما خوفاً على مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم، أو استجابة لضغوط حلفائهم الخارجيين، أو لأن بعضهم ما زال يعتقد أن الحل العسكري هو الحل الوحيد للأزمة.

وفي الخلاصة، وسواء كان مؤتمر جنيف هو حبل الخلاص للأزمة السورية أم لم يكن، وسواء كانت وحدة المعارضة السورية هي التي توصل إلى هذا الحل من عدمه، فإنها في المحصلة صعبة المنال، لأن تبعثر المعارضة يعود في الغالب لأسباب ذاتية أساساً.

لقد استحكم الخلاف بين فصائل المعارضة السورية، وتدنى مستواه، وأصبحت معاييره ذاتية جداً، ولم يعد يتمركز حول القضايا الكبرى دائماً، بل نزل أحياناً إلى مستويات لا تليق بأي فصيل وطني سياسي مناضل، يخوض أشرس معركة ضد نظامه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا يعني اختفاء رزان زيتونة؟!

ملك شنواني *

الحياة

23/12/2013

المحاميـــة والناشطة الحقوقية رزان زيـــتونة اختـــطفت وفــــريقها من مقر عملـــها «مركز توثيق الانتهاكات» فـــي دوما، إحــــدى أكــــبر بلدات غــوطة دمشق الشـــرقية يوم الثلثاء، في العاشر من الشهر الجاري.

وفي جلسة مريحة في مقهى دمشقي، يدلي العارفون بالأمر برأيهم، فكم هو عادي ومتوقع: ناشطة سافرة، من غير حجاب تتحدى بيئة مغلقة أساساً، «إنها دوما»، وإسلاماً آخذاً بالتطرف، و»جيش للإسلام» لا يرضى بمخالفة أوامره. ناشطة توثق رغم كل ذلك ما يريدون إخفاءه؛ كما أنها مزاجية، ويقال إنها مغرورة، فخطفها إذن ليس مستغرباً، ولا عملاً لا يُتنبأ به.

لكن رزان تذهب؛ تاركة وراءها الكثير...

تترك وراءها مكتباً في الغوطة الشرقية، يفتح كل صباح، يستقبل الجميع دون استثناء، ويوثق أي انتهاك للمواثيق الحقوقية الدولية، باحتراف وعملية، ومن أي طرف كان. ففي العمل تتحول رزان من امرأة صغيرة الحجم، إلى أكثر المحققين احترافاً ولطفاً، ليس هناك مكان للمبالغة، للتساهل، لتخطي أي شيء معها. تدرك تماماً أنها هي من تعرف ما تفعل.

ذلك المكتب لم يخل من طالبي المساعدة الشخصية، الذي تجهد نفسها بالاستماع إليهم، ولا توفر رزان وسيلة تعرفها لعونهم، من إيجاد عمل، لتحويلهم لجمعية تتولى أمرهم، أو اختراع طريقة تصل فلاناً بفلان لتحل المشكلة، وربما تحلها بنفسها، وعلى طريقتها.

نساء كن يقصدنها لدعم مشاريعهن الصغيرة، مثل مشروع « نساء الآن»، حيث تقوم النساء بالخياطة وصناعة المونة النادرة في منطقة الحصار التي تعيش فيها رزان.

تّختطف، لتترك وراءها الغوطة المحاصرة نفسها، التي دأبت رزان على نقل مأساة أهلها في كل وسيلة إعلام استطاعت الوصول إليها. ولا قلم يشبه قلمها، وحساسية الأنثى فيها تكتبنا، تحكي بلوعة ألماً قد لا يدري أصحابه كيف يقال.

تترك رزان عدداً كبيراً ممن يعرفها ويثق برأيها من أشخاص ومنظمات مهتمة بسورية، لا يبادرون بعمل قبل استشارتها، يثقون بها، لأنّها كانت دوماً أهلاً لكل الثقة. هم يعلمون من هي، نحن لم نكن نعلم. وأي بديل عنها اليوم.

تترك وراءها مثالاً لا نزال ندافع به عن «مدنية الثورة»، مثالاً عن تحرّر نسائنا وإمكاناتهن في العمل، مثالاً عن القدرة.

تترك ناشطات دمشق اللاتي كن يعلمن أن بيتاً هناك، ليأتين إليه في الغوطة. ليس عليهن أن يقلقن، هناك رزان.

طريقة في العمل، تفرض على كل من حولها، الصدق الكامل، النزاهة كما تخيلها من أسماها، الحماسة للعمل وتجاوز كل صعوبة.

تترك ناشطي الغوطة المدنيين المتعبين، الذين لم توفر جهداً لمساعدتهم. «اسألْ رزان، قد تستطيع المساعدة».

ومن يعرف رزان؛ يعرف ما فقدناه اليوم.

والآن مـــاذا سيحدث؟ الباحثون عـــن رزان فــي الغوطة لا يستطـــيعون إيجادها. والجـــيع خاسر من هذا الغياب، بمــــن فيهم خاطفوها. القوى المسيطرة في المنطقة تعلـــن عــن عدم معرفتها هوية الخاطفين، ويتركنا هذا مع تساؤلات عن مدى الأمان الذي يجب أن نشعر به بعد الآن في الغـــوطة، عن مدى وجود الثورة بعد الآن في أي مكان في سوريا، وقد بدأت تلفظ أبناءها.

فهــــل تعذب رزان أو تقـــتل؟ وماذا سيعني هذا؟ وبيــــن من ومن تكون الحرب اليوم في سوريا، إن كانت رزان زيتونة بقامتها الثورية كلها، لم تســـتثن من انـــتهاك حقوقها، فأي صراع إذن هـــو هـــذا القـــائم في البلد؟ هل تضطر للإذعان لمطالــــب دينـــية؟ هل تُجبر على وضع الـــحجاب؟ أيتـــوقف عملــــها في رصــــد الانتهاكات؟ ومــــــن يبقى إذن؟ وإلى أي موقف سيدفع ما حصل لها باقـــــي ناشطي الغوطة المدنيين، والخوف يخيم عليهم هو أنه لم تعد هناك موانع ولا حدود لما يمكن أن يحدث؟

 

* كاتبة سوريّة

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
مرحلة ما بعد النظام!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

23/12/2013

مع بداية الثورة الشعبية السلمية في منتصف مارس (آذار) من عام 2011، دخلت سوريا مرحلة ما بعد النظام، التي كانت قد شرعت تتخلق مع فشله في تقديم أي شيء يتفق ووعوده التي كان قد قطعها خلال قرابة نصف قرن للشعب، وعجزه عن تقديم وعود جديدة قادرة على تخدير السوريين وتضليلهم، وإقناع قطاعات مؤثرة منهم باستمرار دعمها له.

يعيش شعب سوريا منذ نيف وثلاثة وثلاثين شهرا فيما أسميه «مرحلة ما بعد النظام»، التي تتجلى بوضوح في عصيان وطني ومجتمعي شامل ينخرط القسم الأكبر من المواطنات والمواطنين فيه، ويأخذ أشكالا متنوعة من المقاومة السلمية والمسلحة، ويتجسد في الأرقام التي تنشرها منظمات دولية متخصصة، تتحدث عن قرابة 15 مليون إنسان انتزعوا من بيوتهم وبيئاتهم التقليدية، ألقي بعضهم في المهاجر، وظل بعضهم الآخر داخل البلاد، لكنه تشرد خارج أماكن عيشه وعمله، في حين يقارب عدد من قتلوا، أو جرحوا، أو اعتقلوا، أو لوحقوا، أو أخفوا قسرا، أو أعطبوا جسديا وروحيا نحو مليوني إنسان، بينما فر عشرات آلاف الضباط وصف الضباط والجنود من جيش النظام، وتركت الكتلة الأكبر من البعثيين حزبه، وانشقت عنه كتلة كبيرة من الشيوخ والعلماء، ومن كبار رجال سلطته العليا كرئيس وزرائه ونوابه ووزرائه، فضلا عن آلاف المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعة، وملايين العمال والفلاحين وصغار الكسبة.

يقول النظام إنه يحارب الأصولية؛ فهل ضباطه الذين كانوا يرددون ثلاث مرات يوميا خلال عشرات السنين شعارات تمجد الأسد وتتعهد بمنحه ولاءهم الأبدي أصوليون؟ وهل رئيس وزرائه وكثير من وزرائه ونوابه وكبار قادة حزبه أصوليون؟ وهل كل هذا الشعب الذي تعرض للقصف والقتل والتشريد أصولي؟ إذا كان كل هؤلاء أصوليين حقا، لماذا يتمسك الأسد بالسلطة ويحكم ضد إرادة شعبه؟ ألا يكون رحيله دون إبطاء الحل الوحيد للمعضلة السورية، بما أن بقاءه في الحكم يتعارض ورغبة مواطنيه والمصالح العليا لدولة ومجتمع سوريا؟

ومن علامات دخول سوريا في مرحلة ما بعد الأسد عجز نظامه عن كسر شوكة الشعب، وبلوغ قطاعات واسعة من جيشه مرحلة اليأس من انتصار لطالما وعدها بتحقيقه، وضحى بالآلاف منها كي يحرزه، إلا أنه غرق مع كل هجوم شنه في الرمال المتحركة لمقاومة وطنية عامة تغطي البلاد من أقصاها إلى أدناها، ينخرط فيها الشعب بشيبه وشبانه حتى لم يبق سوري واحد غير معني بها أو متأثر بنتائجها. يقينا، إن واقع سوريا يؤكد كم خرج الشعب من عالم النظام، وكم قاتله طلبا لمرحلة تليه تكون مفعمة بالحرية ومتعينة بها، يجسدها منذ بداية الثورة إصراره على التخلص من وضع سلطوي كائنا ما كان الثمن، ومهما غلت التضحيات، فالسوري قد يقول لك اليوم إنه تعب، لكنه لن يلبث أن يؤكد إصراره على مواصلة النضال مهما طال زمنه، يدفعه إلى ذلك اقتناع راسخ بأن للحرية ثمنا مرتفعا، وأنه سيدفعه، لأن من يطالب بالحرية كنظام مجتمع ودولة لأول مرة في تاريخه لا يحق له أن يضن عليها بشيء، ما دام تحقيقها يتطلب تضحيات غالية تقدم لمرة واحدة، يقع بعدها الانتقال إلى عالم إنساني كريم وعادل، لا سيطرة فيه للإذلال والمهانة والإفقار والإفساد والعنف.

أخيرا، من علامات دخول سوريا مرحلة ما بعد النظام تلك المواهب التي تفجرت بعد الثورة، وجعلت مواطنا شبه أمي أمضى جل حياته في قرية نائية مخترعا يجيد صنع وسائل قتالية متطورة كالصواريخ والمدافع ووسائل الاتصال والحشوات المتطورة، وسائق سيارة مغمورا يبتكر آلات تعمل بالماء تنتج الطاقة وتساعد الشعب على تخطي مشكلة انقطاعها الدائم وتنقي المياه الملوثة، لو باع براءة اختراعها في دولة متقدمة لصار من أصحاب المليارات، وطالبا ثانويا يبتكر أجهزة ذات تقنية شديدة التطور من مواد رخيصة يمكن إيجادها في أي سوق. هذا التفجر الإبداعي يرجع إلى انعتاق الشعب من نير الأسر الروحي والفكري الذي أخضعه النظام له طيلة نصف قرن، لولا تخطيه بدلالة المرحلة التالية للنظام القائم لما تمكن أحد من النزول إلى الشارع أو مواجهة آلة القتل المستوردة بآلة مقاومة محلية الصنع غالبا، صمدت أمامها وكسرتها مرات كثيرة بفضل استخدامها من أجل نيل حرية لم يعد السوريون يتصورون أن باستطاعتهم العيش من دونها.

ألا يعي أهل الحكم أن ثورة سوريا أدخلتها إلى مرحلة ما بعد نظامهم، وأنهم يخوضون معركة خاسرة، لم ولن يربحوها مهما كان الدعم الذي يتلقونه من إيران وروسيا وحزب الله؟! أعتقد أنهم لا يعون ذلك، وأن هذا من علامات دخول سوريا في الحقبة التالية لهم، أقله لأن أي سلطة تعجز عن فهم الواقع في بلادها تحكم على نفسها بالزوال!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثورة برؤوس متعددة!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 25/12/2013

من غرائب الثورة السورية أنها نجحت في بناء قوى تدافع عنها، لكنها فشلت في توحيدها أو وضع حد لتبعثرها، وأنها تمكنت من تحرير أكثر من نصف بلادها رغم افتقارها إلى قيادة موحدة تنسق نشاط مكوناتها المقاومة والسلمية، وتوفق بين حراك شعبها وقتال مقاوميها.

ومن غرائب الثورة نجاحها رغم لا مركزيتها، التي تعتبر ظاهرة استثنائية، فالثورات لم تنتصر من دون مركزية صارمة، وإلا فإنها لا تتنامى من الضعف إلى القوة، وتنتقل من السياسة إلى الحرب، ومن السلمية إلى العنف، ولا توطد بعد هذا كله أركانها تحت أنظار نظام بطاش يستخدم جيشه لسحق معارضة تنتقل من الأرياف إلى المدن وبالعكس، من المدن إلى الأرياف، ومن المناطق الأقل تطورا إلى المناطق المتطورة نسبيا، رغم تبعثرها التنظيمي وتشتتها السياسي، وضعف إمكاناتها وقلة مواردها، وما يتعرض له شعبها من اقتلاع يطاول جذوره، وما شهدته من تطور حفل بانتصارات أعقبتها انتكاسات، وبانتكاسات تلتها انتصارات.

على المستوى العسكري: هناك اليوم ثلاث جهات عسكرية «فاعلة» في الثورة، مع أن بعضها معاد للجهتين الأخريين ورافض لأهدافهما. هذه الجهات هي: الجيش الحر، والإسلاميون، والأصوليون. أما الأول، فهو ظاهرة تثير من الحيرة أكثر مما تقدم من إجابات تبعث على اليقين، لكونه إطارا افتراضيا لقوى متناقضة الرهانات مبعثرة الكيانات، لا تشكل بأي معيار جيشا أو كيانات في جيش، بينما يعد الإسلاميون العدة ليصيروا قوة مقررة وقائمة بذاتها على الأرض، ترغب في استيعاب الجميع: أفرادا وتنظيمات.

وقد انتقل الإسلاميون من التبعثر إلى التوحد خلال الأيام الماضية، مع تشكيل ما سمي «الجبهة الإسلامية»، التي أبدت استعدادها لاحتواء من هم خارجها من قوى مسلحة، بما في ذلك الجيش الحر، إن تماهى هؤلاء آيديولوجيا معها، بينما قلص تشكيل الجبهة وزن الأصولية، التي بقي أحد تنظيماتها الرئيسة (داعش) خارج الإطارين السابقين، الأمر الذي يطرح سؤالا مهما حول ما إذا كانت ستسعى خلال تعزيز وجودها خلال الفترة المقبلة إلى ضم تنظيمات أصولية أخرى إلى تحالف خاص بالأصولية.. أم ستنتهج سبيلا مختلفا إلى إثبات وجودها كقوة ثالثة يؤكد نموها السريع خلال الأشهر القليلة الماضية أن كبح جماحها لن يكون أمرا سهلا، وأنها ستقاوم احتواءها في صفوف الجبهة.. أم أنها ستواصل احتواء غيرها من التنظيمات، خاصة الجيش الحر، الذي يجد نفسه أمام مهمة عاجلة ومتشعبة هي إعادة هيكلة صفوفه وبلورة جهاز قيادي متماسك وخبير يتولى تعظيم قوته ودوره، وكبح «داعش» وتحجيمها، والمحافظة على مواقعه في أماكن انتشار الجبهة، التي تغطي مناطق واسعة من سوريا.

أما على المستوى السياسي فهناك ظاهرة لافتة برزت مؤخرا هي قيام التنظيمات الإسلامية العسكرية بإعلان برامج سياسية تنكر شرعية الائتلاف الوطني، وتعد بتقويض دوره في الحياة السياسية ومكانته في البلاد، وتعد بتحويله إلى وكيل براني للخارج ترفضه أغلبية من يقاتلون النظام، ممن لا يقرون بتمثيله لهم أو يتفقون مع التزامه الديمقراطي. هذه الظاهرة يزيدها خطورة أن الجيش الحر، القوة المسلحة التابعة نظريا للائتلاف، يواجه تحديات جدية عجز عن التعامل معها بطرق مهنية أو ناجحة، وأن التطور السياسي/ العسكري يقضم تدريجيا وحداته وكذلك مؤسسات الثورة المدنية، ويفسح المجال لسيطرة تنظيمات إسلامية وأصولية تتبنى برامج سياسية تعادي الائتلاف والجيش الحر وأهدافهما المعلنة، التي تتلخص في تحقيق أهداف الثورة السلمية: الحرية والدولة الديمقراطية/ التعددية والنظام البرلماني.

إلى وقت قريب، كان الواقع السياسي والعسكري يدور حول قطبية ثنائية طرفها الأول النظام والثاني الثورة. واليوم، وبعد بروز التنظيمات الإسلامية والأصولية، أخذنا نتجه نحو قطبية ثلاثية تتفاوت أحجام وأدوار أطرافها، تضمر تناقضات وصراعات تتجه بنا من جديد إلى قطبية ثنائية ستكون التنظيمات الإسلامية المتنوعة والمتصارعة طرفها الثاني، إلى جانب النظام، إلا إذا بقي الوضع الراهن على حاله، أو نجح الجيش الحر في بناء قوة وطنية جامعة تستقطب وتحيد تلك التنظيمات التي ترفض مطلبي الشعب السوري الرئيسين: الحرية للمواطن والديمقراطية للمجتمع والدولة.

قلت في بداية هذا النص: إن تحقيق انتصارات في ظل الانقسامات والتناقضات السائدة في ساحة المعارضة العسكرية والمدنية أمر يحتاج إلى توضيح، لأنه غير مألوف في الثورات، وأضيف الآن أنه من المستحيل تحقيق انتصار حاسم على النظام في ظل الانشطارات والصراعات الدائرة بين قوى تدعي جميعها مقاتلته، لكن بينها من الخلافات والتناقضات ما يجعل انتصار أي منها بمفرده مستحيلا، وانتصارها مجتمعة رهنا بوحدتها، التي تبدو صعبة اليوم، لأن أحدا لا يعمل بصورة جدية من أجلها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : حول اغتيال الوزير اللبناني السابق الشهيد محمد شطح..هل تعود الاغتيالات إلى لبنان تحت الرعاية الأمريكية

29.12.2013

زهير سالم

مرة أخرى عادت الاغتيالات الإرهابية الطائفية إلى لبنان . عادت السيارات المتفجرة لتحصد أرواح القيادات اللبنانية المعارضة لمشروع الولي الفقيه ، والمعارضة للقاتل المبير بشار الأسد وداعمه الأول في لبنان حسن نصر الله .

مسلسل الاغتيالات الذي سبق أن حصدت أرواح العشرات من القيادات اللبنانية ( المسلمة والمسيحية ) ، منذ اغتيال الشهيد رفيق الحريري ومن تبعه لن يتوقف بنهج الاستنكار والتنديد والشجب والإدانة الدولية أو الإقليمية ...

من الضروري أن نميز فيما يجري على الأرض اللبنانية– مع رفضنا وإدانتنا لكل أساليب التفجير والاغتيال – بين عمليات تفجير انفعالية فوضوية تهدف إلى إعلان الغضب والرفض للعدوان الذي قرر مجلس الأمن ودوله دائمة العضوية بشكل خاص السكوت عن كل أشكاله في سورية ولبنان ، وبين عمليات قتل وتفجير ممنهج تطال رموز الحياة السياسية اللبنانية وقادة الرأي والاعتدال فيها كما حدث بالأمس في اغتيال الوزير اللبناني السابق / محمد شطح /..

سبق لوزير الخارجية الأمريكي كيري أن قال  : نحن لسنا أغبياء وأمريكا ليست عمياء ..

وليسمح لنا الوزير الأمريكي أن نرد القول نحن أبناء المنطقة الذين ندفع ثمن الغباء والعمى من دماء رجالنا ونسائنا وأطفالنا فنقول إن اغتيال الوزير اللبناني السابق بالأمس والذي سيتبعه بلا شك اغتيالات هو أحد التداعيات المباشرة للصفقة الأمريكية – الأسدية ، ثم الصفقة الأمريكية – الإيرانية ..

وإذا لم تكن القيادة الأمريكية فعلا غبية ، وإذا لم تكن السياسات الأمريكية حقيقة عمياء ، كما يؤكد السيد وزير الخارجية الأمريكية ، فليسمح لنا السيد الوزير أن نستنتج أن كل جرائم الحرب التي تنفذ على إنسان سورية ، أو على إنسان لبنان منذ عقود ، إنما تنفذ وتتم بشراكة ورعاية أمريكية مباشرة ولن ينفع في مثل هذه الحالة الاختباء وراء الإدانات اللفظية والاستنكارات البلاغية التي تجود بها علينا الخارجية الأمريكية بعد كل كارثة تنزلها أو شركاؤها المباشرون بنا .

إن وعي قيادات المنطقة العربية وشعوبها لهذه الحقيقة يفرض عليها جميعا استحقاقات خطيرة وضخمة لا يجوز لأحد أن يتجاهلها أو أن يدير الظهر لها بسبب ضخامتها ..

في الواقع الاستراتيجي الجديد اليوم على المستوى الدولي وعلى المستوى هناك شراكة أمريكية – إيرانية ، وأمريكية – أسدية هي التي تخرج أثقالها وتفرز مخرجاتها قتلا وذبحا واستباحة وتجويعا واغتيالا ..

وإذا استمرأ البعض السكوت على هذه الشراكة فإن علينا أن نستعد لنكون الضحايا للكثير من الوقائع السود وأن نعد الكثير من بيانات الشجب والإدانة والكثير من برقيات العزاء ...

رحم الله الشهيد محمد شطح صاحب رسالة التعقل والاعتدال . لن نكتفي أن ننضم إلى ركب الشاجبين والمستنكرين بل سننادي احموا لبنان وأهله من الاغتيال الجديد .

نتقدم بأحر مشاعر العزاء إلى أسرته وخاصته وإلى الأشقاء على درب الابتلاء بنظام القتل الأسدي في تيار المستقبل وإلى كل أحرار لبنان من مسلمين ومسيحيين ..

25 صفر / 1435

28 / 12 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

آفاق الحل السياسي في الصراع السوري

لؤي صافي *

الحياة

26/12/2013

يكثر الحديث اليوم عن حل سياسي للصراع الدموي في سورية والذي راح ضحيته أكثر من مئة وعشرين ألف قتيل من المدنيين وأكثر من أربعين ألفاً من مرتبات الجيش. الحل السياسي الذي يحقق أهداف الثورة في الانتقال إلى نظام ديموقراطي وينهي نزيف الدم السوري المستمر منذ قرابة ثلاث سنوات هو الحل الأمثل لهذا الصراع. السؤال الذي يدور في الأذهان ويتردد على الألسن هو سؤال الإمكان: هل الحل السياسي للصراع العسكري في سورية ممكن؟

من المفيد قبل النظر في إمكان الوصول إلى حل سياسي أن نتحدث عن معنى الحل السياسي الذي يمكن أن يخرج البلاد من حالة الاستقطاب الشديد بين مكونات المجتمع السوري ويضعها على بداية طريق المصالحة الوطنية، ويسمح بتجاوز حالة الاستبداد وما رافقها من استقطاب طائفي والتي ولدتها ممارسات نظام الأسد منذ مطلع سبعينات القرن الماضي.

الإطار النظري للحل السياسي في سورية يعني إنهاء الاقتتال بين قوات النظام وحلفائه من جهة، والكتائب المقاتلة لإسقاطه بمختلف أصنافها واصطفافاتها، والوصول إلى بنية سياسية وآليات عمل مشتركة تسمح بحل الخلافات القائمة بين الأطراف سلمياً ومن دون اللجوء إلى القوة واستخدام العنف لفرض رأي أو رؤية يحملها طرف من أطراف الصراع على الآخر. وهذا يعني بطبيعة الحال نقل القرار السياسي من العسكريين والمقاتلين إلى السياسيين والشخصيات الوطنية التي تمثل القوى المتصارعة. البنية السياسية المطلوبة للوصول إلى الحل السياسي يجب أن تعطي مكونات الشعب السوري المختلفة حيزاً كافياً من الحريات يضمن عدم تحكم أي مكون في الممارسات الاجتماعية والثقافية والدينية للمكونات الأخرى، وآليات العمل المشترك هي آليات القرار الديموقراطي عبر صناديق الاقتراع والمشاركة الحرة في الحياة السياسية.

ثمة تقاطعات كبيرة بين القوى السياسية والاجتماعية المتصارعة على الإطار العام للحل السياسي. فالنظام وأعوانه يتحدثون عن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع لاختيار القيادة السياسية، وهم لذلك يطالبون المعارضة بقبول مسألة تحديد مصير بشار الأسد من خلال صناديق الاقتراع. المشكلة هنا أن النظام السوري بتركيبته الحالية غير قادر على إجراء انتخابات حرة ونزيهة من جهة، وأن اختيار النظام لطريق الحسم العسكري للتعامل مع الدعوات الإصلاحية يجعل مسألة القبول بالأسد على رأس دولة ساهم بتدميرها أمراً مستحيلاً.

قوى المعارضة دعت نظام الأسد منذ بداية الصراع السياسي وقبل تحوله إلى صراع عسكري إلى إدخال إصلاحات سياسية ودستورية وبدء حياة ديموقراطية تسمح بالمشاركة السياسية الواسعة وإنهاء نظام الحزب الواحد وحكم القائد الرمز المتعالي فوق الحياة السياسية الذي بدأ مع تولي الأسد الأب مقاليد السلطة في القرن الماضي. وبطريقة مشابهة، ولكنها بالتأكيد غير مطابقة، تحدثت القوى المقاتلة ذات النزعة الإسلامية عن نظام يقوم على الشورى والانتخابات التي تفرز القيادة السياسية، ولكنها تختلف في فهمها لمعنى الشورى وآليات الانتخاب وصلاحيات ممثلي الشعب (وفق مفهوم أهل الحل والعقد التاريخي) وفق طرح فضفاض لتحكيم الشريعة في الحياة العامة.

وعلى رغم تسليمنا بوجود صعوبات عدة ومهمة في التوافق على إطار نظري لحل الأزمة، فإن بذور التوافق النظري موجودة، على الأقل على مستوى القيم الأساسية، مثل المساواة والمشاركة والمساءلة والحريات والعدالة الإجرائية والاجتماعية. هذا التشارك القيمي يحتاج بطبيعة الحال إلى تفسير بنيوي وتنظيمي، مما يتطلب دخول الأطراف في حوار واسع ومتعدد المستويات لتوضيح المفاهيم والتصورات والتعاطي مع المخاوف والتحفظات والوصول إلى لغة سياسية مشتركة تسمح ببدء حياة سياسية في المجتمع السوري بعد انقطاع دام نصف قرن مذ أن تولى حزب البعث السلطة في البلاد.

الصعوبة الأساسية اليوم في الوصول إلى حل سياسي هي غياب القوى السياسية المؤثرة التي تؤمن بالحل السياسي والقادرة في الوقت نفسه على توفير الأجواء السياسية والأمنية، وتسهيل سبل الحوار بين الأطراف المتنازعة للوصول إلى إطار سياسي مشترك ولغة سياسية مشتركة. فالقوى الإقليمية والدولية القادرة على ممارسة هذا الدور تنقسم إلى قسمين: من يسعى إلى حل عسكري ويرى في الحديث عن حل سياسي وسيلة لإطالة أمد الصراع والاختباء خلف موقف أخلاقي لرفع اللوم عنه وعن خياره الدموي، ومن يؤمن بالحل السياسي ولكنه لا يسعى بالضرورة إلى تحقيق تحول ديموقراطي.

فروسيا وإيران تنظران إلى سورية من منظار جيوسياسي باعتبارها منطقة نفوذ ونقطة ارتكاز متقدمة في الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها. التدمير الكبير في البنية التحتية لسورية والخسائر البشرية الهائلة والحالة الإنسانية المتدهورة في البلاد أمور لا تحتل موقعاً متقدماً على قائمة أولويات روسيا وإيران. روسيا ترى في سورية قاعدة متقدمة لمواجهة النفوذ الأميركي وحليفاً مهماً ضد التعاطف السنّي مع الجمهوريات الإسلامية الغنية بالنفط والراغبة في تحقيق مزيد من الاستقلال عن الهيمنة الروسية. وعلى رغم أن هذا التعاطف موهوم ومبالغ به إلى حد بعيد، إلا أنه يشكل جزءاً من المخاوف الروسية من التيارات الإسلامية الناشطة في المنطقة العربية التي تفهم عادة في روسيا من خلال تجربة حرب الشيشان. في حين ترى إيران في سورية ممراً مهماً للسلاح إلى جنوب لبنان، وفي النظام السوري شريكاً لتسهيل توسع النفوذ الإيراني من خلال التوسع الشيعي ودعم الأقليات الشيعية في سورية والمشرق العربي.

الغرب بقيادة الولايات المتحدة محكوم من جهة أخرى في تعاطيه مع الشأن السوري بالتزاماته بحفظ أمن إسرائيل من جهة والصراع مع المنظمات الإسلامية المتطرفة والمتحالفة مع تنظيم «القاعدة». إضعاف نظام الأسد واحتواء البرنامج النووي الإيراني كانا في مقدم العوامل التي وجهت سياسة أوباما في السنتين الأوليين من الثورة. في حين أصبح هاجس «القاعدة» وحلفائها في سورية العنصر الأساسي في تحركات الولايات المتحدة الأخيرة في ما يتعلق بالملف السوري، كما كان تزايد تأثير الحركات الإسلامية الدافع الرئيسي لتحركها لإنهاء الحرب في البلقان في منتصف التسعينات.

الموقف الأميركي من الصراع السوري أضعف مواقف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة المتعاطفين مع الثورة السورية، وبشكل خاص موقف تركيا وقطر (حليف تركيا الرئيسي) في التعاطي مع ثورات الربيع العربي من جهة، والسعودية ودولة الإمارات من جهة أخرى. الموقف الأميركي دعا السعودية إلى اتخاذ موقف متمرد على الموقف الأميركي والذي برز في رفض توليها مقعد العضو غير الدائم في مجلس الأمن، وذلك عقب تراجع أوباما عن ضرب نظام الأسد ودخوله في صفقة مع إيران.

من جهة أخرى كان للتغييرات في التحالفات العسكرية أثرها على الأرض. فقد انفصلت أكبر المجموعات العسكرية التابعة لـ «الجيش السوري الحر»، وفي مقدمها لواء التوحيد ولواء الإسلام، عن هذا الجيش وقررت الالتحاق بـ «الجبهة الإسلامية» التي تشكلت أساساً من لواء صقور الشام ولواء أحرار الشام والتي أخذت موقفاً رافضاً للائتلاف الوطني السوري.

أما الائتلاف الوطني، الجبهة الأوسع في صفوف المعارضة السياسية، فلم يتمكن من تحقيق مستوى أدنى من التنسيق مع القوى العسكرية الرئيسية في الداخل. بل إن العلاقة بين الائتلاف وهيئة الأركان من جهة، وقيادات الكتائب الإسلامية المقاتلة ازدادت توتراً خلال الأشهر القليلة الماضية، بعد أن عجز الائتلاف عن إيجاد آليات للتواصل والتشاور مع هذه القوى نتيجة الاستقطاب السياسي الحاد داخل الائتلاف والذي عكس الاستقطاب السياسي الإقليمي بين القوى الإقليمية المؤيدة للثورة السورية.

تراجع دور القوى العسكرية والسياسية السورية نتيجة تحالفات مع دول إقليمية متصارعة على الساحة السورية، يجعل الوصول إلى حل سياسي أمراً بالغ التعقيد. ويبدو أن أوراق الحل السياسي انتقلت من أيدي السوريين، سواء كانوا في المعارضة أو النظام، إلى أيدي القوى الإقليمية والدولية التي لم تكن منذ البداية معنية بالتحول الديموقراطي أو الحل السياسي، بل بصراعاتها الجيوسياسية والأيديولوجية. أعمال القتل والتدمير المتزايدة في سورية مع اقتراب مؤتمر جنيف تظهر أن الحل السياسي ليس هو الهم الرئيسي للقوى المتصارعة، بل خوض حرب بالوكالة للدفع بالمشاريع الإقليمية والدولية.

الهوة الكبيرة والمتزايدة بين قيادات الائتلاف الوطني والجبهة الإسلامية تضعف موقف المعارضة السورية وتنقل الثقل في مفاوضات جنيف إلى الدولتين الراعيتين لهذا المؤتمر. اتفاق الدولتين على عقد المفاوضات لا يعني وجود تفاهم تفصيلي حول أهداف المؤتمر. ففي حين تصر روسيا على أن المفاوضات غير مشروطة وأن كل الخلافات بين النظام والمعارضة قابلة للنقاش، تؤكد الولايات المتحدة، نزولاً عند رغبة الائتلاف، أن المفاوضات تهدف إلى قيام هيئة حكم انتقالية بكامل الصلاحيات التنفيذية.

الموقف الأميركي لا يزال يلفه الكثير من الغموض. فوزير الخارجية جون كيري والسفير الأميركي في سورية، روبرت فورد، يدعمان مطالب الائتلاف، ويدعوان إلى استبدال بشار الأسد والدخول في عملية انتقالية نحو نظام ديموقراطي. ولكن موقف المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي المتماهي مع الموقف الروسي، والمصر على الدخول في محادثات غير مشروطة وعلى مشاركة إيران في محادثات جنيف، ورفضه انفراد الائتلاف في تمثيل المعارضة السورية، يزيد من ضبابية الموقف الأميركي. ذلك أن قدرة الولايات المتحدة على التأثير في مواقف مسؤولي الأمم المتحدة، وجميع المبعوثين الأمميين خاصة في قضايا حساسة بالنسبة للولايات المتحدة، معروفة لدى الجميع، ومن المستبعد أن يستطيع الإبراهيمي الاحتفاظ بموقعه كل هذه الفترة من دون موافقة أميركية ضمنية.

هذا يعنى أن قدرة المعارضة السورية على استرداد زمام المبادرة، والاستفادة من الخلافات الدولية والإقليمية، تتوقف على قدرتها على العمل كجبهة واحدة. ومع الأسف لا يزال هذا المشهد بعيد الاحتمال نتيجة الاستقطابات الحادة داخل أروقة المعارضة السياسية والعسكرية، واستمرار الاصطفاف الإقليمي وغياب الراعي الدولي الملتزم بالتحول الديموقراطي في سورية.

توحيد صفوف المعارضة السياسية والعسكرية يمثل الأمل الوحيد المتبقي لتغيير الحراك الحالي وفرض واقع سياسي وعسكري جديد يدفع بالقوى الدولية إلى قبول عملية التحول الديموقراطي، وممارسة الضغوط اللازمة على نظام الأسد للوصول إلى حل سياسي ينهي الاستبداد ويعلن بداية الحياة السياسية الحرة والكريمة في سورية.

فهل يرتفع السياسيون والثوار السوريون إلى مستوى المسؤولية الوطنية والتاريخية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خريطة طريق لما بعد «جنيف 2»

معتز حيسو

الاخبار اللبنانية

26/12/2013

كيف يستقيم أو ينجح مؤتمر «جنيف 2» في ظل استمرار سياسية الاعتقالات والملاحقة والمضايقات، التي لا تقف عند حدود الناشطين وأصحاب الرأي، بل تطال شخصيات تساهم في التحضير للمؤتمر، وبالتأكيد فإن بعضاً منها سيشارك في المؤتمر فيما لو تم عقده. مع اقتراب مؤتمر «جنيف 2» تزداد وتيرة الحراك الدولي لتذليل المصاعب التي تعيق انعقاده. ورغم الحديث عن توافق دولي بين الروس والأميركان، إلا أن هذا لا ينعكس بشكل واضح على كثير من المواقف الدولية والإقليمية، في وقت تتزايد فيه حدة المواجهات العسكرية.

إن تجليات التناقض الدولي تبدو واضحة في مواقف الدول الإقليمية بخصوص تعاملها مع الأزمة السورية. من هذه الزاوية، يمكننا تحديد تداعيات امتناع الولايات المتحدة عن توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا وكذلك تقاربها مع الجمهورية الإيرانية، في سياق آليات اشتغال العربية السعودية التي تميل سياساتها إلى التشدد والتصعيد العسكري في سوريا، وهذا يدلل ظاهرياً على خلعها العباءة الأميركية. لكن المواقف السياسية للعربية السعودية تنطلق من دواعي الحفاظ على مصالحها ودورها الإقليمي تحت المظلة الأميركية. من هذا المنظور ترى العربية السعودية أن السياسة الأميركية الحالية في سوريا وتقاربها مع إيران، تمهّد الطريق إلى ازدياد النفوذ الإيراني، وتحديداً في حال تمكنت من المحافظة على قدرتها النووية. وهذا يشكل من وجهة نظرها خطورة على استقرار منطقة الخليج، وتراجع دور المملكة إقليمياً.

ويتجلى الموقف السعودي من الأزمة السورية من خلال زيادة دعمها لبعض المجموعات السلفية الجهادية، واشتغالها على تشكيل (بديل عشائري عن الجيش الحر) والضغط على مكونات الائتلاف السياسية والعسكرية. ويندرج هذا التحوّل في سياق تصعيد حدة المواجهات لتعديل موازين القوى الميدانية، وإعاقة الحل السياسي، وتأخير انعقاد مؤتمر جنيف، لتحقيق مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة. وهذا لا ينطلق من تمسّكها بمصالح الشعب السوري وقضاياه العادلة. بل يتحدد انطلاقاً من تمسّكها بدورها الإقليمي والحد من تراجع علاقتها مع الأميركان لصالح القوة الإيرانية التي أرعب الغرب بها سابقاً حكام الخليج العربي. فالسياسات السعودية الأخيرة تندرج في سياق إظهار قدرتها على إعاقة السياسات الأميركية الجديدة.

أما في ما يتعلق بسياسة بعض الحكومات الإقليمية والدولية وتحديداً القطرية، فإنها تعمل بعد فقدانها الأمل بإسقاط النظام بالقوة العسكرية، من منظور جديد، يقوم على إعادة ترتيب أوراقها وحساباتها بما يتوافق مع المعطيات والمتغيرات السياسية الإقليمية والدولية والميدانية.

إن عرضنا لبعض التناقضات والتحولات السياسية الدولية والإقليمية، يشكّل مدخلاً لفهم صعوبة مواقف العديد من فصائل المعارضة، بخصوص الحل السياسي والمشاركة في مؤتمر «جنيف 2»، ذلك نتيجة تعرّضها لمزيد من الضغوط من قبل الدول الضالعة في الأزمة السورية.

إن تحول الصراع السوري إلى صراع دولي وإقليمي أصبح من نافلة القول. وهذا ينعكس على آليات اشتغال معارضات تدّعي تمثيل «المعارضة والثورة والشعب» لكنها بالكاد تمثّل نفسها، كونها لا تمتلك من قرارها شيئاً. فواقع الحال يدلل على أن معارضة الخارج تعاني من التفتت والتشتت والعصابية وغياب العقلانية السياسية، بينما تصر السلطة على عدم الإصغاء لصوت (الإنسان) السوري. وكلا الأمرين ينعكسان بأشكال مأساوية وكارثية على المجتمع السوري. ويشكّلان إهانة لشعب تتحكم بمصيره قوى كونية لا ترى في الصراع إلا مصالحها.

فالمعارضات السياسية الخارجية (الائتلاف الوطني) لها حسابات سياسية خاصة تتحدد في كثير من الأحيان من منظور ديني مذهبي، فئوي وجهوي، وحتى شخصي، وهذا يتنافى مع الرؤية السياسية المنهجية. وبنفس الوقت يزيد من حدة التناقض بين المعارضة الخارجية والداخلية، وضمن مكونات المعارضة الخارجية، وأيضاً داخل المعارضة الداخلية. كذلك يزيد من حدة التناقض بين الفصائل السياسية والمجموعات المسلحة. فالاستقواء بالخارج والاحتكام إلى العنف واستمرار انقسام الائتلاف على ذاته يهدد بانهياره، ومع هذا يصر قادته على ادعاء تمثيل «الثورة، المعارضة والشعب». وهذا لا يعبّر بالمطلق عن رؤية سياسية عقلانية، ويناقض الواقع الموضوعي القائم على التنوع السياسي الذي يصل حدود التناقض. وإذا كان للمعارضة من دور في وضع ملامح سوريا الديمقراطية المدنية التعددية، فإنه لن يكون إلا باحتضان شعبي. لكن السوريين يرفضون الآليات والسياسات القهرية، وكذلك من يحاول احتكار تمثيلهم.

وهذا يفترض من المعارضة أن تتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والوطنية، وترتقي لحرمة دماء السوريين. فالشعب فقط من يقرر بنية النظام السياسي المستقبلي وأشكال تجلياته. ومن المؤكد أنه لن يقبل بإعادة إنتاج الاستبداد. ومع هذا فإن ممارسات غالبية فصائل المعارضة السياسية والمسلحة تُفصح عما يكتنفها من استبداد وتخلف وثأرية. في وقت يشهد فيه المجتمع السوري انتشار العصبيات العشائرية والمذهبية والطوائفية وثقافة التخوين والتآمر والاستئصال. وهذا يدلل على أن الطريق إلى الديمقراطية إن لم يكن مسدوداً فإن دونه الكثير من المصاعب.

ففي هذه اللحظة بالذات، يجب على المعارضة الخاضعة للقوى الخارجية أن تخلع عباءة الولاءات الإقليمية والدولية. تحديداً بعد انكشاف ما تحضّره هذه الأطراف لسوريا والسوريين. وإذا لم تُدرك هذه الأطراف مخاطر رهانها على التدخل الدولي، فإن هذا يشكّل جريمة بحقها وبحق الشعب السوري. وإن كانت تدرك، فإن العودة إلى العقلانية السياسية خيارها الوحيد. فالتراجع عن سياسات الارتهان والارتجال والثأرية، وإعمال مبضع النقد والنقض لكل السياسات السابقة يشكّل ضرورة وطنية.

إن القوى الدولية والإقليمية وصلت إلى طريق مسدود، فالقتل والدمار لم يحقق مشروعها بالقدر والشكل الذي تريد، رغم أن دمار البنية التحتية وتفتيت النسيج الاجتماعي يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل. في هذه الحالة، لم يبق أمامها إلا إنجاز تسوية سياسية تضمن التوازنات والمصالح الدولية والإقليمية في المنطقة، وتُحلحل الأزمة السورية التي كان لكثير من الحكومات الغربية والإقليمية الدور الأساس في إيصالها إلى ما وصلت إليه.

فالمعارضة الموجودة في الخارج تعاني تناقض وانقسام بين مكوناتها السياسية والعسكرية، وبينها وبين الفصائل السلفية الجهادية الرافضة لأي حل سياسي، وكذلك تُخوّن معارضة الداخل لأنها من وجهة نظرها مرتهنة للنظام وتعمل في كنفه. بالتأكيد ما زالت بعض الأطراف تمارس نشاطها السياسي في كنف السلطة، لكن الجزء الأكبر من معارضة الداخل يتمتع بعقلانية سياسية وصلابة وطنية وبتاريخ سياسي مشرّف لا يمكن أن يطاله أحد بالتخوين أو حتى بالتشكيك، وهذا يؤهلها للمشاركة في رسم ملامح سوريا المستقبل. لكن من يمارس سياسية التأجيج والتحريض والعنف لا يحق له أن يزايد على أي مواطن سوري في الداخل. فالذي يعيش الأزمة ويكتوي بنيرانها ليس كمن يتابع مجرياتها من الخارج، هذا إن كلف نفسه عناء المتابعة، ولن يلهيه جمع المال والاهتمام بالقضايا الشخصية والمتاجرة بدماء السوريين. فالسوريون في الداخل لهم الكلمة الفصل، ولا يحق لأي جهة سياسية أن تحتكر تمثيلهم. إن المعارضات السورية، فرّقتها الخلافات السياسية، والمصالح والولاءات، والقمع المركب. فالرهان على الخارج، وادعاء تمثيل الشعب و«الثورة» غير مقبول. وإذا كان من المحال توحيد المعارضة سياسياً. فإن التوافق على برنامج سياسي ديمقراطي، يجب أن يشكّل الحد الأدنى لمن سيشارك في جنيف. فالمعارضة مطالبة بتوحيد جهودها، والتنسيق المشترك، والدخول في حوارات واسعة وعميقة لصياغة رؤية موحدة لكيفية الخروج من الأزمة، والانتقال إلى نظام سياسي ديمقراطي يحقق العدالة الاجتماعية.

لكن تجاوز التناقضات التي تعاني منها المعارضة دونه الكثير من الصعوبات،كونها نتاج تاريخ سياسي طويل. وهذا يُنذر بصعوبة التوافق السياسي، وتحديداً في ظل استمرار الضغوط الدولية وتمسّك البعض بضرورة التدخل الخارجي والحل العسكري، وهذا يحوّلها في سياق تراجع العقلانية السياسية إلى إحدى معوّقات الحل السياسي. هذه العوامل وغيرها تزيد من إمكانية إفشال المؤتمر ليبقى الصراع مفتوحاً على الدمار.

 

فالمطلوب من النظام والمعارضة السياسية في الداخل والخارج، والأطراف الإقليمية والدولية العمل على إنجاح مؤتمر «جنيف 2» بشكل يلبي حقوق السوريين المشروعة بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية، القومية، الإثنية، الدينية والمذهبية... وهذا يحتاج إلى:

ــ التوافق على تشكيل هيئة انتقالية (وطنية، تكنوقراط) ذات صلاحيات كاملة تقود مرحلة انتقالية ضمن جدول زمني محدد. من مهامها تشكيل لجان متخصصة لصياغة دستور يؤسس إلى مرحلة تكون فيها الحقوق والحريات الأساسية العامة والخاصة مُصانة، ويحدّد شكل النظام السياسي (يفضل أن يكون نظام برلماني) وهوية الاقتصاد (يفضل أن يكون اجتماعي يحقق العدالة في العمل والتوزيع) وقانون أحزاب وإعلام وانتخابات، ومتابعة عمل اللجان والإشراف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وعرض نتائج عمل اللجان على الاستفتاء الشعبي.

ــ إيقاف مصادر التمويل والدعم العسكري واللوجستي، وتكثيف التعاون الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة لإخراج المجموعات الجهادية التكفيرية وإيقاف الصراع بشكل كامل ومتزامن.

ــ نزع عباءة الولاءات الدولية والإقليمية ورفض أي تدخل خارجي. والالتزام بالقضايا الوطنية العليا (وحدة الجغرافيا السورية في سياق ارتباطها بعمقها العربي، ووحدة المجتمع السوري).

ــ العمل على توفير مناخ ملائم للحوار: الإفراج عن المعتقلين والكشف عن مصير المخطوفين، التوقف عن نهج الاعتقال السياسي الذي يستهدف السياسيين والناشطين السلميين وأصحاب الرأي، ضمان حق التعبير عن الرأي بالأشكال والآليات السلمية، ضمان إيصال المساعدات الإنسانية الغذائية والطبية إلى كافة المناطق، رد المظالم لأصحابها، ومحاكمة المتورطين في عمليات القتل والاختطاف والتعذيب والنصب والسرقة...، إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يتلاءم والمصالح الوطنية العليا، تأمين عودة جميع السوريين إلى بلادهم، والعمل على حل مشكلة اللاجئين والنازحين، وتأمين عودتهم إلى مدنهم وقراهم وإيجاد مساكن لهم.

ــ إن الاستعصاء السياسي وتناقض مواقف قوى المعارضة من الأزمة وآليات التغيير، واستمرار اعتماد بعض أطرافها على العنف وسياسية الولاء والتبعية والمراهنة على الخارج، وادعاء «الائتلاف الوطني» تمثيل «الشعب والثورة والمعارضة» يقف حائلاً أمام مشاركتها في وفد موحد لا يكون فيه سلطة لطرف على آخر. وهذا يستوجب إنشاء تحالف يضم القوى الوطنية التي ترفض الطائفية والعنف والتدخل الخارجي وتتبنى برنامج تغيير ديمقراطي يضمن حقوق السوريين في الحرية والكرامة والعدالة. ومن المفيد طرح هذا المشروع في حوار مفتوح يشمل كافة القوى السياسية والمنظمات الشبابية والنسائية، والمهتمين في الشأن العام. ويجب أن تطرح نتائج الحوار في مؤتمر جنيف.

ــ الإقرار بأن نتائج مؤتمر جنيف لن تكون نهاية الأزمة، بل بداية حل يحدد أشكاله النهائية الشعب في حوار وطني سوري داخلي، ينطلق من ضرورة الحفاظ على التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية ويساهم في تجاوز الجراح والمآسي والأحزان والأحقاد.

ــ من منطلق الحفاظ على وحدة سوريا وإيقاف تداعيات الانقسام على المجتمع السوري، يجب رفض الحكومة المؤقتة التي أعلنها «الائتلاف الوطني» ورفض تشكيل أي كيان سياسي أو حكومة أو أمارة، كونها تساهم في زيادة انقسام وتفتيت المكونات الاجتماعية والسياسية، وتهدد كيانية الدولة وتخدم المصالح الخارجية وتُعيق مؤتمر «جنيف2». فخلف هذه التشكيلات تكمن نزعة أحادية إقصائية تسعى لاحتكار تمثيل الشعب والمعارضة. قد يكون من الصواب تأخير انعقاد المؤتمر إلى حين توفير المناخ السياسي المناسب، لكن شرط ألا يكون الهدف إجهاضه أو توليده قسرياً. ورغم خطورة الأدوار الإقليمية ومصالح الدول الإستراتيجية (النفط والغاز والسلاح) لكن لا يجوز التغاضي عن المأساة السورية وتداعياتها الإقليمية والدولية تحت أي من الذرائع. إن الأزمة السورية تستدعي كافة الجهود لمنع المزيد من الأفغنة أو الصوملة. فالأيديولوجية المتطرفة، ليس ضمن حساباتها بناء سوريا الديمقراطية الموحّد. وانتصار إيديولوجيتها يقوم على الجرائم ضد الإنسانية وعلى أنقاض سورية المدمَّرة.

* باحث وكاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أليكسا والنبك

د. محمود نديم نحاس

حصار مدينة "النبك" السورية ثم المذبحة التي حصلت فيها لا يمكن أن تمر مروراً عابراً دون أن يكتب عنها الكُتّاب، ليتركوا للمؤرخين مادة غزيرة ربما تجعلهم يفقدون البوصلة من كثرة المعلومات والأحداث. وفي أحداث سوريا مهما كان الحدث اليوم شنيعاً سنجد في الغد ما هو أشنع منه. ويؤكد كثيرون أن وسائل الإعلام لا تذكر كل ما يحدث. فهذه رسالة وصلتني من صديق يقول: استشهدت عمتي وابنتها في مدينة النبك. فقد كان في قبو منزلها أكثر من أربعين من أهالي الحي، فحوصر المنزل، ثم أشعلت النار فى القبو، فقُتل جميع من كان فيه!.

لقد سمعنا عن حصار الجاهليين لآل هاشم في الشِّعب، لكننا لم نسمع أنهم أضرموا النار ليقتلوهم. وسمعنا عن حصار بيت الرسول صلى الله عليه وسلم لمنعه من الهجرة، لكننا قرأنا أن أبا جهل عندما اقترح عليه بعض من كان معه اقتحام المنزل رفض! لماذا؟ خوفاً من أن تعيّره العرب بقيامه بعمل نذل وخسيس! لكن الشبيحة اليوم لا يهمهم أن تعيّرهم الدنيا كلها بقتل بني وطنهم.

وتخبرنا وسائل الإعلام بارتفاع حصيلة الوفيات بين السوريين النازحين في بلادهم واللاجئين في بلدان مجاورة، بسبب "أليكسا"، العاصفة الثلجية التي تضرب المنطقة، حيث توفي اثنا عشر طفلاً نتيجة البرد القارس في أحد المخيمات، وتُوفي ستة أطفال حديثي الولادة في مخيمات أخرى، وتُوفيت سيدة مسنَّة في مخيم إثر انهيار خيام تحت الثلج، وتُوفي لاجئان في مخيم آخر. نعم هذه حصيلة وفيات "أليكسا"! فهل تقارن مع مذبحة واحدة مما يقوم به الظالمون؟ أو مع عدد القتلى بالبراميل المتفجرة التي تقذفها الطائرات فوق حلب؟

لماذا نتهم أليكسا ولا نسأل لماذا وُجد هؤلاء الضحايا في العراء؟ وهل كان بالإمكان نجدتهم قبل فوات الأوان؟ ففي أحدث تقدير لمفوضية اللاجئين بلغ عدد النازحين في الداخل حوالي 6.5 ملايين شخص، وعدد اللاجئين إلى الدول المجاورة أكثر من 2.3 مليون، ويؤكد ناشطون ميدانيون إن مئات الأطفال مهددون بالموت برداً داخل المخيمات، إضافة إلى بعض أفراد الأسر في الأحياء المحاصرة في حمص وريف دمشق والتي تعاني نقصا حادا في الحاجات الأساسية كالأغذية والأدوية والألبسة الصوفية ومواد التدفئة، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض، وقد تُوفي بعض المصابين بأمراض ناتجة عن سوء التغذية وغياب الأدوية.

يتساءل بعض الناس: لماذا الإكثار من الحديث عن مأساة السوريين؟ ولم أجد جواباً أبلغ مما قاله الشاعر السوري زكي قنصل، من مهجره في الأرجنتين، عندما حلّت نكبة فلسطين:

يا منكراً شكوايَ عُذرُكَ بَيِّنٌ *** وقعُ الأنينِ على السليمِ ثقيلُ

أتسومني مرحَ الطليقِ وموطني *** بين السلاسلِ والقيودِ ذليلُ

لهفي على أحراره غصّت بهم *** بيد وضاقت أنجدٌ وسهولُ

مليونُ عانٍ في العراءِ تشرَّدوا *** لم يختلجْ لهوانِهم مسؤولُ

نصبوا على درب الرياح خيامَهم *** يذكي جراحَهم غدٌ مجهولُ

ولا أدري ماذا كان سيقول لو امتدت به حياة ورأى ملايين السوريين قد تشردوا، ورأى مذبحة "النبك" التي تبعد أقل من عشرة كيلومترات عن بلدته "يبرود"، التي خرج منها مهاجراً.

وأختم بقصة يقول كاتبها بأنه كان يمشي فيما تبقى من شوارع حمص، والجو شديد البرد، فرأى طفلا يبيع غزل البنات، وقد احمرّت يداه ووجهه من شدة البرد. فأراد صاحبنا أن يشتري منه ستة قطع، لكنه فوجئ أن الطفل لا يعرف حساب قيمتها، فهو يعرف سعر الواحدة فقط! ثم تبين له أن الولد نازح من منطقة القلمون (وهي الجبال التي فيها النبك ويبرود) ولا يذهب إلى المدرسة، وأنه اضطر للعمل لأن والده لم يجد عملاً! والعجيب أن الطفل لم يرضَ أن يقبل أي مبلغ زائد عن حقه، فقد أراد الكاتب أن يساعده ليذهب وينعم بالدفء بين أهله، لكن الولد رفض قائلاً: لا آكل إلا من عرق جبيني! ثم يعلّق الكاتب بأن هذا الطفل أشرف من الذين يأكلون الأموال بالحرام ويتاجرون بدماء الناس، وهم يرتعون في الدفء والنعيم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قاتل السوريين بطّاش محترف- طرابلس نموذجاً

بدرالدين حسن قربي

في مثل هذه الأيام وقبل 27 سنة، كانت هناك مجزرة ذهب ضحيتها المئات من اللبنانيين في طرابلس، نُفّذت بليل ومرت بصمت، فمنفّذها بطّاش محترف وابن سوق.  سطوته الأمنية وسيطرته العامّة التي امتدت قرابة ثلاثين عاماً منعت انتشار خبرها، وامتنع على الناس الحديث بها وعنها لسبب أو آخر، حتى أنه لم يجرؤ أحد في لبنان على نشر تقرير منظمة العفو الدولية الذي صدر بعدها موثِّقاً لبعض حقائق ماكان من تلك الأعمال الوحشية.

فأقدار هذه المدينة القابعة في شمال لبنان جعلت من منطقة باب التبّانة فيها مأوىً لفقراء المدينة وملاذاً لمعتّريها، وباتت لسبب أو آخر أحد أضعف مناطقها الدينية والطبقية واتجاهاتها الحزبية والأيدلوجية وخصوصاً منها اليسارية والعروبية الجاهزة على الدوام للاشتعال.  ولأمر ما، فإن منطقة باب التبّانة بحواريها الضيّقة وزواريب فقرها، وعت في سبعينات القرن الماضي على ظاهرة يسارية راديكالية ناصرية من أصل فلسطيني، اسمها علي عكّاوي، ظهرت كزعامة شعبية تميّزت بالانتصار للمظلومين والمعتّرين وحملت همومهم، فكانت في بعض أحيانها تمارس بعض أعمال العنف والتطرف وسطوته تحت هذه المسؤولية.  زاد من قوة هذه الزعامة انتماؤها للمقاومة الفلسطينية التي نشأت في تلك الفترة، فجعلت من المدينة ومخيّماتها وباب التبانة فيها أحد أهم معاقلها، فكان أبناؤها من أوائل من تطوعوا للقتال في صفوفها، وإنما تعقيدات الوضع اللبناني بعمومه وخصوصيات باب التبانة بناسه وزعاماته، وممارسة أعمال عنف واعتداءات في عموم المنطقة وجوارها، تسببت بإشاعة التوتر فيها، الذي دفع بالجهات الرسمية إلى اعتقال علي عكاوي، جيفارا باب التبانة كأهمهم، ومن ثمّ وفاته في السجن لاحقاً.

وريث هذه الزعامة مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية 1975 ودخول القوات السورية لاحقاً إلى لبنان، كان هو أخوه، خليل عكّاوي (أبوعربي) الذي كان لتوّه قد أكمل العقد الثاني من عمره، والذي آلت إليه فيما بعد قيادة الحراك السياسي في باب التبانة، معتمداً على يسارية راديكالية تأسلمت فيما بعد لمستجدات وأسباب عديدة، والتي لم تلبث أن تحولت إلى حركة مقاومة مسلحة قادها إليها ظلم المخابرات السورية وبطشها، جعلت فيما بعد من باب التبانة مع منظمات المقاومة الفلسطينية ومخيّماتها قلعة عصية على مدى سنوات، أدخلتها في حرب مفتوحة مع القوات السورية، كانت أخطر مراحلها ماعرف بحصار طرابلس والمقاومة فيها.

بدأ حصار القوات السورية لمدينة طرابلس عام 1983 في وقت كانت فيه القوات الإسرائلية تحاصرها من طرف البحر، وتركيزه الرئيس على منطقة باب التبّانة، حيث كان ياسر عرفات يتحصن في المدينة ومخيّماتها ومعه العديد من فصائل الثورة الفلسطينية ومقاتليها. وهو حصار كانت أحد أهم أهدافه السيطرة على القرار الرسمي للثورة الفلسطيني وإخضاعه للسلطة السورية، والاستعانة لذلك بعمل الانشقاقات فيها، كما كانت فيه قذائف القوات المحاصِرة إضافةً للميليشيات والأحزاب التي معها لاتستحيي أن تتساقط حيناً وتنهمر أحياناً على البيوت والأسواق والمخيمات كل يوم، إلى أن انتهى عملياً بدخول القوات السورية المدينة في خريف عام 1985 بعد اتفاق رعته إيران، بين ما تبقى من حركة التوحيد الإسلامي وبين القيادة السورية وعلويي جبل محسن من جهة أخرى.

ثم جاءت فيما بعد جريمة اغتيال خليل عكاوي (أبو عربي) في 6 شباط/فبراير من عام 1986 على يد الأجهزة الأمنية السورية التي نصبت له كمينا في طريق عودته من اجتماع لحركة التوحيد الإسلامي التي كان يشكل مع مجموعته فيها عمودها الفقري، وهي عملية انتهت إلى جعل حركة التوحيد أداة بيد السوريين والإيرانيين، وكانت بمثابة التمهيد لارتكاب أحد أفظع المجازر التي شهدها لبنان قبيل انتهاء العام نفسه ومابعده.

ثم جاء مصرع عدد من الجنود السورين فيما ذكر وقتها نتيجة هجوم شنّه رجال ميليشيات مسلّحون على حواجز تفتيش سورية في مدينة طرابلس بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر 1986 ، فكان الفرصة المواتية التي تنتظرها قوات الأسد وشبيحته، فقامت في اليوم التالي مباشرة ومعها رجال المغاوير/الوحدات الخاصة التي كان يرأسها علي حيدر ويساعدهم عناصر من ميليشيات الحزب العربي الديمقراطي (الفرسان الحمر)(العلوي) الذي يرأسه علي عيد وغيرهم من شبيحة البعث والقوميين السوريين وأحمد جبريل وفتح الانتفاضة، بإغلاق منافذ منطقة التبانة كاملاً، بزعم البحث عن رجال ميليشيات حركة التوحيد الإسلامية السنّية التي ذّكر بأنها مسؤولة عن الهجوم.

استخدمت هذه القوات خلال قيامها بعمليات التفتيش من بيت إلى بيت المدافع الرشاشة والقنابل اليدوية المقذوفة صاروخياً والدبابات. كما قامت خلالها هذه القوات بجرّ مدنيين عزلٍ إلى خارج بيوتهم وأعدمتهم في الشوارع والأزقة، ورمت ببعضهم من النوافذ إلى الطرقات، كما جرى تفجير بعض العمارات، وعمّ القتل معظم مناطق التبانة بشكل وحشي، وصل حداً لم يسمح فيه للأهالي بأخذ قتلاهم ودفنهم، بل إن بعضهم أحجم عن التعرف على جثث ضحاياهم من التي جرى نقلها فيما بعد إلى ثلاجات المشافي أو المطالبة بها خشية التعريف بأنفسهم أمام موظفي المخابرات السورية الموجودين في المستشفى فيقتلوهم.  وبالمناسبة، لم تنس القوات السورية من عمل تعتيم إعلامي على مجازرها بمنع رجال الصحافة من الدخول وحتى سيارات الإسعاف.

هذا ولم تكد تنتهي القوات السورية ومن معها من حلفائها من مجازر مدينة طرابلس واستباحتها، حتى وسّعت نطاق عملياتها لتشمل قرى سهل عكار وإقليم الضنية إلى الشمال والشرق من طرابلس وقامت هذه القوات، بدباباتها ومركباتها، بإنشاء متاريس وحواجز عند الطرق المؤدية إلى كل هذه القرى والبلدات، ثم امتدت أيضاً لتشمل قرى السهل الساحلي شمالي المدينة، إلى أن توقفت هذه الحملة في 3 كانون الثاني 1987 مع تمام أسبوعين على بدايتها، كتبت عنهما منظمة العفو الدولية في حينها تقريراً تحت عنوان: لبنان، اعتقالات تعسّفية واختفاءات وإعدامات غير قانونية من قبل القوات السورية والقوات الموالية لها في طرابلس، ذكرت فيه بناء على بيانات تلقتها وأنباء صحفية معتمِدة على روايات شهود من عمال المستشفيات ورجال الإنقاذ في طرابلس، أن عدد القتلى وصل إلى مئتين ونيف، في حين أن التقديرات غير الرسمية أشارت إلى أن العدد مابين 600 إلى 700 قتيل.  دفن الكثير منهم في قبور جماعية في أماكن مختلفة بل وذُكر أن بعضها وجد في مرمى نفايات المدينة.

لاينسى أهل طرابلس ومن حولها ضحايا مجازر تلك الأيام السوداء التي قامت بها قوات عصابات الأسد وعناصر مخابراته قبل سبع وعشرين عاماً بإشراف محمد الشعار (وزير الداخلية الحالي) مسؤول الاستخبارات وقتها في منطقة طرابس والذي سمّاه بعضهم جزّار طرابلس، وبعضهم الآخر لقّبه بكلب طرابلس متهمين إياه ومن معه من الأعوان والشبيحة بجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي، كانت أشبه مايكون بمجازر مخيمات صبرا وشاتيلا، سقط فيها حسب مصادر لبنانية أكثر من 700 قتيل.  كما لن ينسوا معتقليهم ومفقوديهم ممن لايعلمون عن مصيرهم شيئاً حتى يومنا، وهم يتطلّعون إلى اليوم الذي يُساق فيه المجرمون والجزّارون إلى ساحات المحاكم الدولية لينالوا جزاء جرائمهم ومجازرهم.

وأخيراً، فمن مجازر السجون السورية وأهمها تدمر وصيدنايا، إلى مجازر مدنٍ منها حماة وحلب وجسر الشغور وطرابلس وغيرها من المجازر التي باتت عصيّة على العدّ والحصر، ولاسيما في السنوات الثلاثة الأخيرة التي بلغت ضحاياها بمئات الألوف، والتي تعني بحسبة بسيطة أن معدل القتل الأسدي الشهري للسوريين خلال أربعة عقود مضت، وعلى اختلاف أنواع القتل هو قرابة ألف شخص شهرياً يقتات على دمائها نظام سفّاح تُؤمّن له استمراره، وهو مايؤكد أن السوريين محكومون بنظام فاشي قاتل، وأن بشار بن أبيه جزّار بن جزّار، وأن كلاهما بطّاش محترف وغاية في التوحش.

&&&&&&&&&&

 تقرير منظمة العفو الدولية برقم:AI Index‪: MDE 24‪/02‪/87 EXTERNAL.

تقرير يؤرّخ لجرائم قامت بها القوات السورية وأتباعها في منطقة “التبّانة” بطرابلس:

 http://www.shaffaf.net/spip.php?page=article&id_article=23591&lang=ar

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com