العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29/9/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

القضية السورية بعد مجزرة الكيماوي

فايز سارة

المستقبل

السبت 21/9/2013

رغم كل مايبدو من احداث ومؤشرات حول القضية السورية، فان مجزرة الغوطة احدثت تحولات كبيرة فيها، بحيث صارت القضية بعد مجزرة الغوطة مختلفة عما كانت قبلها، وهو تطور مهم يوازي حدث الثورة السورية، رغم انه في احد جوانبه هو تطور في هذه الثورة في السياق العام.

لقد عاشت ثورة السوريين قبل مجزرة الغوطة، حالة من المراوحة بالمكان، والجوهري في هذا الوضع، ان صراع الثورة مع النظام وصل الى مرحلة من توازن القوى الذي يجعل الصراع مستمرا ومتفاقما دون ان يقدر اي من طرفي الصراع على حسمه لصالحه. حيث الثورة مستمرة دون قدرة على تحقيق النصر لضعف قدراتها وتواضع مواقف مناصريها في المحيطين الاقليمي والدولي مع اصرار أكثرية السوريين بالمضي في الثورة الى اهدافها في اقامة نظام ديموقراطي بديل رغم ما اصابهم من خسائر، لادراكهم ان فاتورة بقاء النظام تفوق اي فاتورة للخلاص منه، فيما يصر النظام على المضي في حربه تصعيداً وتوسيعاً ضد الشعب على امل اعادة احكام قبضته على سوريا حتى لو تطلب الامر تقديم بعض التنازلات غير الجوهرية في اطار تسوية مناسبة، تدعمها وتعزز شروطها قوى محلية واقليمية ودولية تناصر النظام وتدعمه.

ان مجزرة السلاح الكيماوي في الغوطة، قلبت تلك المعادلة في ابعادها المحلية والخارجية. واذا كانت مظاهر انقلاب المعادلة في الداخل اقل وضوحاً لاسباب منها بطء المتغيرات المحلية واختلاط العوامل الايجابية بالسلبية، ومحدودية الامكانات المادية لدى قوى الثورة من الجيش الحر والحراك المدني، فان مظاهر الانقلاب في تجلياتها الخارجية اقليمياً ودولياً كانت اكثر وضوحاً واشد اثراً بحيث وضعت القضية السورية امام احتمالات جديدة لاول مرة منذ انطلاق الثورة في آذار من العام 2011.

والمتغير الاول والأهم، جاء في صحوة المجتمع الدولي على هول المجزرة رغم ان النظام قد بدأ هجماته الكيماوية قبل اربعة اشهر من مجزرة الغوطة الاخيرة، وكانت محصلتها اكثر من ثلاثين هجوماً كيماوياً في انحاء مختلفة من البلاد، لكنها كانت محدودة النتائج، واحاطت بها الالتباسات لجهة نفي النظام القيام بها، وقال مع أطراف خارجية مؤيدة له، انها من صنع المعارضة المسلحة او اطراف محسوبة عليها في اشارة الى جماعات التطرف الاسلامي، رغم ان مخابر وجهات علمية وسياسية دولية بينها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة اكدت حصولها، كما اكدت تقارير اعلامية وجهات سياسية مسؤولية النظام. وقد جاءت تحقيقات المفتشين الدوليين حول مجزرة الغوطة، لتؤكد في تقريرها وفق معطيات دقيقة تتعلق بالمواد الكيماوية وبتواتر الهجمات وتعدد المواقع المستهدفة والضحايا، ونوع الاسلحة الحاملة للمواد الكيماوية، والاماكن التي تم الاطلاق منها، انه تم استخدام الاسلحة الكيماوية ضد المدنيين العزل من قبل النظام، الامر الذي اعاد الموضوع الى واجهة الحدث الدولي بعد ان كانت المبادرة الروسية، ثم الاتفاق الروسي الاميركي حول نزع الاسلحة الكيماوية للنظام السوري، قد دفعا القضية السورية نحو الخلف.

وثمة متغير آخر طرأ على مواقف عدد من الدول العربية والاجنبية بينها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وأكثرية دول الخليج العربية. اذ اتجهت نحو معاقبة النظام لاستخدامه السلاح الكيماوي في قتل السوريين عبر ضربات عسكرية، ولان هذا التوجه التبس بعد الاتفاق الروسي الاميركي، فقد عاد للصعود مجدداً في اعقاب تقرير المحققين الدوليين حول مجزرة الغوطة، بحيث عزز مساعي نزع السلاح النووي من ايد النظام من جهة والدفع الى معاقبته بضربات عسكرية ربما تكون اشد وأكثر اتساعاً، مما كان مقترحاً في السابق.

وللحق فان عدداً من الدول العربية بينها المملكة العربية السعودية، عززت من عدائها للنظام وتأييدها للمعارضة السورية مالياً وتسليحياً، ودعمها عملية عسكرية لمعاقبة النظام على ماقام به وقد جددت تلك الدول مواقفها بعد صدور تقرير المفتشين الدوليين مؤخراً.

لقد احدثت المجزرة، ثم تقريرها اللاحق، تحولاً ملموساً في مواقف القوى الاقليمية والدولية من القضية السورية، سواء لجهة داعمي النظام او المعترضين عليه. وكان الموقف الروسي الابرز في ذلك التحول خصوصاً لجهة اعلان عدم استعداد روسيا للدخول في حرب يكون هدفها ضرب النظام الحاكم، بل ان روسيا وفي سياق معالجة تداعيات المجزرة الكيماوية، ذهبت الى حد القول، ان الحكومة الانتقالية التي يمكن ان تنتج عن جينيف 2 ستكون ذات صلاحية كاملة، وهذا تحول مهم في الموقف الروسي الذي حاول، ان يلعب دوراً اقل انحيازاً للنظام السوري في اتفاق الكيماوي مع الولايات المتحدة من دون ان يخرج عن خطه العام في توفير فرص بقاء النظام، وقدرته على المناورة. بل ان تغييرات طرأت على موقف ايران الحليف والداعم الرئيس للنظام، واساس التغييرات، عمق وخطورة ما ذهب اليه النظام في استخدام سلاح تدمير شامل من الناحيتن السياسية والاخلاقية.

وكانت تحولات موقف داعمي النظام محدودة التعبيرات، مقارنة بمواقف الدول المناهضة، والتي بدا موقف بعضها شديد التغيير مثل المانيا وقد كانت بعيدة كل الوقت عن موقف واضح ضد النظام وسياساته وممارساته. وكذلك تحول بعض الدول لجهة بناء قوة سياسية عسكرية، تدعم ضربة عسكرية للنظام، تدفعه للذهاب الى جنيف2انتقالية، وذهاب رأس النظام والتوجه الى نظام جديد، وهو تطور لم تشهده اية فترة سابقة من تطورات القضية السورية.

ان تبدلات ما بعد مجزرة الكيماوي في القضية السورية في احد وجوهها غيرت كثيراً من المعطيات والمواقف حيال مجريات القضية السورية واطرافها، الامر الذي وضع القضية على سكة تطور جديد الابرز فيه سير العالم نحو لجم سياسة النظام ودعم مسار تغييره، وبالتالي دعم مسار التغيير الديمقراطي في سوريا، وان كان بتحفظ يعكس التخوف القائم من وصول التطرف الى السلطة في سوريا في حال سقوط النظام، وهو تطرف ساهمت السياسات السابقة والمتحفظة للمجتمع الدولي وعدم المبالاة في وجوده وتكريسه في خلال الفترة الماضية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

روسيا الإسرائيلية!

 فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 23 /9/2013

لا يسع المرء إلا أن يضحك، أو يسخر بمرارة عندما يرى بعض القومجيين العرب وهم يطبلون ويزمرون لتصاعد النفوذ الروسي في العالم بشكل عام وفي المنطقة العربية بشكل خاص. فقد اعتاد هؤلاء أن يصفقوا لأي قوة تنافس النفوذ الأمريكي في العالم، بغض النظر عن أهدافها ومراميها وتوجهاتها. والمضحك في موقف هؤلاء أنهم يتباهون بالقوى العالمية الصاعدة كما لو كانت تحت إمرتهم، أو مجرد حصان يركبونه للوصول إلى غاياتهم، دون أن يدروا أن القوى الصاعدة تعمل من أجل بلادها، وليس من أجل القومجيين العرب.

لا شك أن من حق روسيا والصين وغيرهما أن ينافسا على قيادة العالم، لكن، هل يحق لنا نحن العرب أن نطبل ونزمر لتصاعد القوة الروسية أو الصينية؟ لماذا ما زلنا نتصرف كالصلعاء التي تتفاخر بشعر جارتها؟ ولعل الأمر الذي يحاول القومجيون العرب القفز فوقه في تطبيلهم لروسيا الجديدة أنهم يتناسون أن علاقة الروس بإسرائيل لا تقل قوة عن علاقة أمريكا. فلا داعي للتذكير مثلاً بأن الاتحاد السوفيتي كان أول دولة تعترف بإسرائيل قبل أمريكا. لكن الأهم الآن أن علاقة موسكو بتل أبيب تجذرت، وأصبحت علاقة عضوية منذ عام 1985عندما غادر روسيا أكثر من مليون وثلاثمائة يهودي روسي إلى إسرائيل.

هل يعلم القومجيون العرب الذين يصورون لنا روسيا وكأنها رائدة القومية العربية ورمز المقاومة والممانعة وحاملة مشاعلها إن أقوى لوبي في إسرائيل الآن هو اللوبي الروسي سياسياً واقتصادياً وعلمياً؟ وهذا اللوبي غداً مرتبط ارتباطاً عضوياً بالطبقة الحاكمة في روسيا، وأصبح بينهما من المصالح والمنافع والتنسيق الكثير الكثير. لقد غدا الأمر أكبر من تحالف بين روسيا وسرائيل، بعد أن أصبحت النخبة السياسية والثقافية والعلمية والاقتصادية والمالية الروسية السابقة كلها في إسرائيل منذ عام 1985. لهذا، عندما يزور فلاديمير بوتن إسرائيل، فهو يزور أهله وعشيرته عملياً. ولا شك أن النظام السوري يدرك هذه الحقيقة بين روسيا وإسرائيل، وبعض الماكرين يراه جزءاً لا يتجزأ من هذا التحالف. أضف إلى ذلك أن اللوبي الروسي في إسرائيل ليس مجرد صلة وصل بين الدولتين، بل أيضاً بين اللوبي الإسرائيلي في روسيا وإسرائيل. وما أدراك ما اللوبي الإسرائيلي في روسيا الذي لا يقل تأثيراً ونفوذاً عن اللوبي الإسرائيلي في أمريكا. وحدث ولا حرج عن أن لوبي السلاح في روسيا يكاد يكون في معظمة لوبياً إسرائيلياً. وقد ذكر أحد الملحقين العسكريين الروس في سوريا ذات مرة أن لوبي السلاح في روسيا لا يسمح ببيع إلا أنواع معينة من السلاح لسوريا خوفاً من أن يستخدم السلاح الروسي الفعال ضد إسرائيل. لذلك عندما تمتنع روسيا عن تزويد سوريا بصواريخ معينة، فليس لأن سوريا لم تدفع ثمنها، بل لأنها خط أحمر بالنسبة لإسرائيل وجماعتها في موسكو. ولنتذكر كيف باركت إسرائيل قبل مدة قصيرة بسرعة البرق وضع جنود روس على الحدود بينها وبين سوريا.

وكم أضحك عندما أرى بعض القومجيين، خاصة السوريين منهم، وهم يقرضون شعراً بفلاديمير بوتن متناسين ما قاله في آخر زيارة له لإسرائيل، حيث صلى خلف حائط البراق (المبكى) وهو يرتدي القلنسوة اليهودية الشهيرة. وقد اعتبر بوتن "أن التاريخ اليهودي محفور في حجارة القدس"، وأن عرى التحالف بين روسيا وإسرائيل أقوى من أن يقطعها أحد.

وقد برز التحالف الروسي الإسرائيلي في أجلى صوره في الخطوة الروسية الأخيرة المتمثلة بالضغط على النظام السوري لتدمير ترسانته الكيماوية التي تمثل السلاح الاستراتيجي بالنسبة لسوريا، ناهيك عن أنه المعادل الاستراتيجي للسلاح النووي الإسرائيلي. أليست إسرائيل هي المستفيد الأكبر من القضاء على الترسانة الكيماوية السورية؟ ألم يكن السلاح الكيماوي السوري يشغل بال إسرائيل على مدى أكثر من ثلاثين شهراً منذ اندلاع الثورة السورية؟ ألا تلعب روسيا لمصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى عندما تضغط على سوريا لتدمير مخزونها الكيماوي؟

ليس صحيحاً أبداً أن هناك خلافاً بين أمريكا وإسرائيل من جهة وروسيا من جهة أخرى فيما يخص النظام السوري، فالأطراف الثلاثة متفقة على بقاء النظام رغم الألاعيب المفضوحة التي مارستها روسيا وأمريكا في مجلس الأمن الدولي. فقد روى بعض المطلعين أن المسؤولين الأمريكيين كانوا يشكرون نظراءهم الروس في مجلس الأمن الدولي بعد كل مرة تستخدم فيها روسيا الفيتو لعرقلة أي قرار بخصوص سوريا. لقد كانت روسيا فقط تغطي على الموقف الأمريكي الذي يفضل بقاء النظام السوري، لكنه لا يستطيع الجهر بذلك علناً بسبب الرأي العام العالمي والعربي. فكيف يؤيد الرئيس الأمريكي نظاماً يقتل شعبه؟ فجاء الفيتو الروسي متفقاً عليه بين الأمريكيين والروس لحفظ ماء وجه الإدارة الأمريكية.

قد ينظر البعض إلى الضغوط التي مارستها روسيا على النظام السوري للتخلي عن سلاحه الكيماوي على أنها انتصار للسياسة الأمريكية والتهديدات التي مارسها أوباما على موسكو ودمشق في الآونة الأخيرة. لكن في واقع الأمر، فإن التنسيق الروسي الأمريكي فيما يخص تدمير المخزون الكيماوي السوري يهدف بالدرجة الأولى إلى خدمة إسرائيل وتجنيبها مخاطر ذلك السلاح، خاصة إذا وقع في أيدي جماعات لا يمكن لأحد أن يسيطر عليها.

ليس هناك خلاف بين الروس والأمريكيين أبداً فيما يخص الوضع السوري أبداً، فالطرفان متفقان على العمل من أجل المصلحة الإسرائيلية. وبالإمكان القول إن الخيط الإسرائيلي يجعل روسيا وأمريكا على قلب رجل واحد، وهو الرجل الإسرائيلي الصهيوني.

هل عرفتم أخيراً من يحمي النظام في سوريا؟ إنها روسيا الإسرائيلية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية.. وقفةٌ للمراجعة (1)

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 23 /9/2013

لم يكن ثمة بدٌ من انطلاق الثورة السورية، بنَسقها المعروف إلى الآن، لكي يمكن الانتقال إلى مرحلةٍ أخرى، لن نكون مُبالغين إذا أطلقنا عليها وصف الثورة الثانية.

فالثورة، في واقعها الراهن، تُصيب السوريين بدرجات متفاوتة من الحيرة واليأس. وهي، بمآلاتها وتفاصيلها الحالية، تُثير من الأسئلة أكثر مما توحي بالإجابات.

وسنظل جميعاً مُحتارين في فهم الظاهرة، فضلاً عن التعامل معها، مالم نُدرك، بعد سنتين ونصف من عمر الثورة، بعض الحقائق الصعبة، ومالم نعترف بها بكل وضوحٍ وصراحة.

لم تنطلق الثورة السورية من تراكمٍ ثقافي وحضاري وصل إليه الإنسان السوري ودَفعهُ إلى الدخول الواعي والمُخطَط في عملية تغييرٍ كُبرى. ليست هذه طبيعة الثورات في جميع الأحوال. والذين يعيبون على السوريين تشبيههم ثورَتهم بالثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية يقفزون بِدَورهم فوق حقيقة تبدو بديهية. فالتاريخ يُخبرنا أن الثورات كانت دوماً مراحل انتقالية. وأنها نتجت عن مزيجٍ من عنصرين: وصولُ بعض المجتمعات إلى درجةٍ من الاحتقان لم يعد ينفع التعاملُ معها من قبل سلطة الأمر الواقع بواسطة المؤسسات والهياكل التقليدية، ووجودُ شرائح من تلك المجتمعات امتلكت مؤهلات صارت تدفعها دفعاً للخروج بشكلٍ صاخب من الواقع السائد، دون أن يكون لديها بالضرورة تصورٌ نهائي ومُتكامل لطبيعة البديل المطلوب. بهذا المعنى، تكون الثورة الحقيقية خروجاً من مشهدٍ للاجتماع البشري لم يعد استمرارهُ ممكناً وفق قوانين ذلك الاجتماع وسُننه التاريخية، ودخولاً في عملية بحثٍ جدﱢية عن مشهدٍ يمكن أن يستوعب المستجدات والمتغيرات التي لاتنفك تتكرر في التاريخ الإنساني. الثورة هنا عملية (انخلاع) جذرية من حاضرٍ صار مرفوضاً على جميع المستويات، وكلما كان الحاضرُ مصراً على الاستمرار بأي ثمن، كانت عملية الانخلاع منه أكثر عُنفاً وصخَباً. أما الرفض الذي نتحدث عنه فهو في جوهره رفضٌ نفسيٌ عميقٌ جداً يطرح على أصحابه التساؤلات حول جدوى الوجود والحياة في ذلك الحاضر أصلاً.وعندما تصل الشعوب إلى هذه المرحلة يُصبح لديها دافعٌ قويٌ للقبول بتضحياتٍ لايمكن تفسيرُها على الإطلاق في الأوضاع العادية. فهنا، يُضحي الأمل في بديلٍ مستقبليٍ، وفي محاولة إيجاده، أكبرَ من الحرص الآني على الوجود وعلى الحياة نفسها في حاضرٍ انتهى احتمالُ وجود معنىً للحياة فيه. في حين أن هناك (احتمالاً) في أن يكون لدى البديل المنشود ما يُعطي للوجود والحياة معنىً وقيمة.لهذا تكون الثورة الحقيقية طويلة. ولهذا تكون على مراحل. ولهذا تكون عنيفة. وهذا ماحدثَ في الثورة السورية إلى درجةٍ كبيرة. حين اجتمعت مجموعة عناصر لم يكن ممكناً انطلاقُ الثورة إلا باجتماعِها. فمن جهة، وصلَ الواقع السوري مع حكم البعث بشكلٍ عام، وفي السنوات الأخيرة تحديداً، إلى درجة من الاهتراء في جميع المجالات، وخاصةً فيما يتعلق بمواضيع أساسية كان النظام يحاول أن يبني مشروعيته بالتركيز (النظري) عليها: التنمية، والحرية، والتحرير (بمعنى استعادة الأرض والمقاومة وما إليها من شعارات). ففي حين كانت الآلة الإعلامية والسياسية للنظام تُمطر المواطن السوري ليل نهار بمقولات وسياسات ومشاريع يُقال أنها تتمحور حول تحقيق الأهداف الثلاثة المذكورة، كان الاتجاه العام لممارسات النظام يسير في الاتجاه المعاكس تماماً.فبعد صبرٍ طويل ومعاناةٍ لايعرف تفاصيلها وحقيقتها إلا السوريون تحديداً، لم يجد ذلك المواطن في الواقع العملي حولَه إلا مايؤكد غياب كل ماله علاقة (حقيقية) بالتنمية والحرية والتحرير. ولئن اشتركت المدينة والقرية في نصيبها من معاناة غياب الحرية ودَفْعِ ثمن التحرير المزعوم، فقد كانت وطأة غياب التنمية ثقيلة جداً على ملايين السوريين ممن لايعيشون في مدن كبيرة قد تنحصر عملياً في دمشق وحلب التي شهدت عمليات تجميل (تنموية)، بينما كان الإهمال يشمل مايفُترض أنه مدنٌ سورية كبرى من دير الزور إلى درعا وغيرها.ومن جهة ثانية، جاءت التطورات العالمية مع ثورة الاتصالات والمعلومات، خلال العقدين الماضيين، لتفتح آفاقاً ثقافية وعملية لشرائح في المجتمع تتوزع على كامل التراب السوري، بحيث بات هؤلاء يُدركون ثقافياً حجم الهوة بين واقعهم وواقع العالم، ويشعرون نفسياً بالحاجة الماسة إلى التغيير، ويملكون قدرةً على استخدام أدواتٍ يمكن أن تُساهم في إحداث التغيير، خاصةً في مجال التواصل والمعلومات.ثم ظهرت مؤشراتٌ عملية على إمكان حصول التغيير المذكور تيمناً بما جرى في تونس وغيرها، فكانت هذه الشرارةَ المطلوبة لاكتمال عناصر المعادلة. لم يكن ممكناً بعد هذا إلا أن تنفجر الثورة. يُغذيها، على مستوى الحاضنة، قهرٌ عامٌ وطاغٍ عاشه أكثر من 20 مليون سوري. وتُحاول تنظيمها، على مستوى القيادة، تلك الشرائح التي تفتحت أمامها بعضُ آفاق التغيير وامتلكت بعض أدواته. وتُعطيها الأمل النتائجُ السريعة لما جرى في تونس ومصر وغيرها. مة عنصرٌ آخر أعطى الثورة في بداياتها الزخم والتألق المعنوي والأخلاقي، ثم إنه مع طول الزمن وشدة الضغط أصبح سبباً رئيساً من أسباب مخاضها الصعب ومآلاتها المُلتبسة، ويتمثل في الثقافة السائدة في المجتمع. ففي الأشهر الأولى للثورة، استخرج المجتمع السوري كل العناصر الإيجابية في ذخيرته الحضارية العريقة. وكانت ردود فعل النظام، على سوئها، لاتزال تسمح لتلك العناصر بأن تكون بمثابة المحددات العامة التي ترسم ملامح الثورة وطبيعتها. فكان التركيزُ على المعاني والقيم الجامعة، وكانت الممارسات العملية التي تؤكدُ على التعاضد والتعاون والوحدة في مقابل (عدوٍ) مُشترك ولتحقيق هدفٍ مشترك. لكن الثورة واجهت ساعة الحقيقة حين واجهت مع نهاية عام 2011 تقريباً، وبشكلٍ واضحٍ وجلي، حقيقة النظام السوري وحقيقة النظام الدولي، وأصبحت في موقع التعامل مع التحديات الصعبة التي عمل النظامان المذكوران على خلقها بمهارةٍ وصبر على مدى الأشهر السابقة.. أين وصلت الثورة اليوم إذاً؟ وماهي طبيعة المرحلة القادمة في مسيرتها؟ هذا موضوع المقال التالي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : لا قرار في الائتلاف خاص بحضور مؤتمر جنيف .. وما قيل تهيؤات شخصية أو صدمة تمهيدية

25.09.2013

زهير سالم

يعيب النقاد على القصيدة العربية غياب الوحدة الموضوعية عنها . يقول الناقد الحديث إن البيت الفرد القائم بنفسه هو أساس القصيدة العربية . لذلك يسهل عليك أن تقدم وتؤخر وتجتزئ وتروي ما شئت من الأبيات منفردا . بينما يذهب الناقد العربي القديم أن البيت يكون أقوى سبكا عندما تستطيع أن تستشهد بشطره فيكون كلاما مؤديا بليغا ، أو بشطر شطره فيؤدي ما تنتظر منه ..

تحضرني هذه المعاني وأنا أتابع مشهد تشكيلات المعارضة السورية . وتحضرني كذلك صورة عنقود العنب . الذي مهما تزاحمت وتراصت حباته يبقى لكل منها خصوصيتها وذاتيتها . بذرة الرمان رغم غلاف الثمرة المحكم يبقى لكل بذرة منها خصوصيتها وفرديتها واستقلاليتها . ويبدو  لكون الفرد هو النواة الأساسية في عالم الخلق فقد قرر البعض أن يتمسك بفرديته في عالم الأمر ..!!!

هناك عجز واضح من القوى السياسية السورية على الارتقاء من العقل الفردي إلى العقل الجمعي ، والموقف الجمعي . والقرار الجمعي . لا أكتب هنا عن مواقف أشخاص هامشيين يعيشون على ضفاف القرار أو بعيدا عنه ، وإنما أكتب عن شخصيات تعتبر نفسها من فقار ظهر القرار السياسي الجمعي  للثورة السورية أو من عظام رقبته ثم تتصرف فرديا وكأنها شطر بيت في قصيدة . بعد ثلاثين شهرا من عمر الثورة ما زال كل فرد فيها يؤثر أن يعزف على وتر . والضوضاء أيضا يمكن أن تعتبر سيمفونية ويقول لك البعض ما أروع المايسترو ...

لقد فاجأ ( رئيس الائتلاف الوطني ) زملاءه في الائتلاف والسوريين والعالم بتصريح غير مسبوق ( فقعه ) بلا تمهيد ولا مناسبة . أعلن فيه باسم الائتلاف الذي هو رئيسه أنه مستعد للذهاب إلى مؤتمر جنيف . مؤتمر الجنيف الذي لا يزال الداعون إليه مختلفين فيه !!

 في اليوم التالي للتصريح المفقوع  اضطر صاحبه إلى ترقيعه وفي هذا أبلغ الدلالة على أنه لم يمر كما هو مطلوب على مؤسسات الائتلاف صاحب الحق والاختصاص .

وبغض النظر عن صوابية تصريح رئيس الائتلاف عن حضور مؤتمر جنيف أو خطئه فإنه كما تسرب من أولي العلم أن التصريح فردي . وأنه لم يمر على مؤسسات الائتلاف . وأنه لم يستشر فيه الشركاء الحقيقيون .

 ربما يثير استغراب السوريين أنه حتى الآن لا يوجد أي قرار جماعي معتمد عن مؤتمر جنيف ( العنوان ) المرفوع  . وأن كل هذا الذي يعلق به المعلقون ، ويغرد به المغردون فوق الفضاء وتحته هو مجرد تهيؤات أو رؤى فردية يصفها البعض أنها ضمن دائرة ثوابت الثورة ، التي لم يعد أحد يعرف لها ثابتا بعد أن تم التفريط بهوية الدولة وبوحدة الشعب السوري ..

لا أحد يرفض أن يمتلك الائتلاف والعاملون في فضائه دائرة من الصلاحيات يتحركون فيها ، شريطة أن تكون أبعاد هذه الدائرة محددة بعناية من قبل تفكير جمعي مسبق متفق عليه ومقرر . المبادرة الفردية ضرورية ومهمة على أن يتم توشيحها دائما بالإرادة الجمعية للقوم المؤتلفين ..

إن العقلية الفردية ، ونهج ( ما أريكم إلا ما أرى ..) لا يثير القلق فقط بل يثير الخوف والفزع أيضا . وهو النهج الذي دفع السوريون مئات الألوف من الشهداء والضحايا للانتصار عليه .

 منهج قطع الطريق على من يفكر ويقدر لجعل الرؤية الفردية ، أو المرسومة من الدوائر العليا أمرا واقعا ، منهج مرفوض ويجب أن يبادر السوريون إلى إعلان رفضه وليس أن يتريثوا . بل على الممسكين بالقرار أن يتريثوا قبل أن يورطوا ويتورطوا ...

 قبل أن نتحدث عن جنيف أليس من الواجب أن يعلمونا : عن أرضية المؤتمر وعن سقفه وعن أهدافه ، وعن أطرافه وعن طبيعة المشاركين والممثلين فيه  وعن دورنا فيه . ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

يقول البعض: اطمئنوا إن التصريح بالذهاب إلى جنيف المؤتمر المجهول المعالم لم يصبح قرارا بعد في الائتلاف الوطني . وأن قرار الذهاب يحتاج إلى ثمانية وخمسين صوتا من الصعب في صيغة جنيف الحالية أن تأتلف ؛ كلام سمعناه يوم صدمونا بقرار التنازل عن هوية الدولة  وعن وحدة الشعب  ...!!!!

حري بالقائد الذي يعطي الحقوق لنفسه وينطلق في طريقه لا يلوي على أحد أن يلتفت في لحظة فلا يجد خلفه أحدا ...

لندن : 18 / ذو القعدة 1434

24 / 9 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«دولة العراق والشام»: ملامح الصورة السوداء

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 23 /9/2013

 مـلا يختلف كثير من السوريين على معارضتهم «دولة العراق والشام» في سوريا. ومعارضة السوريين لا تستند إلى الفكر القاعدي المتطرف الذي تتبناه الجماعة فقط والذي يعارضه السوريون لميلهم إلى الإسلام المعتدل المعروف عنهم، بل أيضا بسبب السلوكيات والممارسات التي كرستها الجماعة في الأماكن التي ظهرت فيها، والمواقع التي سيطرت عليها، مما عزز الموقف المعارض للجماعة، ودفع للتصادم معها في المستويات الشعبية والسياسية والعسكرية، رغم كثير من حرص ظهر في تجنب توسيع دائرة الصدامات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وهي المناطق التي تسعى «دولة العراق والشام» للتمدد فيها من دون أن يكون لها أي وجود ولا نشاط في المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام. إن الأبرز في مؤشرات معارضة السوريين لـ«دولة العراق والشام»، المعروفة اختصارا باسم «داعش»، هو نتائج استطلاع للرأي قال فيه 86% من المشاركين فيه، إنهم يرفضون أعمال التنظيم التابع لـ«القاعدة»، وثمة مؤشر آخر، كرسته هتافات متظاهرين في الكثير من المدن والقرى بشمال البلاد ضد «داعش» وممارساتها على نحو ما حدث في حلب والرقة وتل أبيض وفي الدانا، التي رفع متظاهروها شعار: الدانا حرة حرة و(الدولة) تطلع برة. وإضافة إلى المؤشرات السابقة، هناك مؤشر آخر، يجسده موقف هيئة أركان «الجيش الحر» من «داعش» وممارساتها، حيث أكدت رفضها الفكر المتشدد الذي تحمله «داعش» والسلوك السياسي والعسكري الذي تمارسه في إثارة الفرقة بين السوريين وفي ممارسة العنف ضد الناشطين وتشكيلات «الجيش الحر»، وصولا إلى اغتيال قيادات وكوادر في تلك التشكيلات. لكن المؤشر الأهم والأعم في رفض السوريين لـ«داعش» يمثله موقف الائتلاف السوري، الذي وإنْ سعى في الفترة الماضية إلى التخفيف ما أمكن من حدة الصراعات الداخلية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فإنه لم يستطع السكوت عن وجود وممارسات «داعش»، وخاصة بعد اقتحامها عددا من مدن ريف حلب ودخولها في اشتباكات واسعة مع «الجيش الحر» في عدد من المواقع، فأعلن إدانته سلوكيات «داعش» وممارساتها القمعية، واستهتارها المتكرر بأرواح السوريين، بما تمثله من «خروج عن إطار الثورة السورية يضعها في تناقض مباشر مع المبادئ التي تسعى الثورة المجيدة إلى تحقيقها». إن السؤال الطبيعي، يكمن في الأسباب التي تدفع أكثرية السوريين لمعارضة «داعش» في وجودها وفكرها وممارساتها. ففي وجودها، تنتمي الكتلة الأساسية في «داعش» إلى «الدولة الإسلامية في العراق» التي أسسها أبو بكر البغدادي الذي قتل لاحقا، واتخذ لها مكانة على يمين «القاعدة» بقيادة أيمن الظواهري، وتسللت مجموعة منها إلى سوريا في إطار تسلل المقاتلين الأجانب تحت حجة المشاركة في مواجهة النظام، وانخرطت في «جبهة النصرة» في بلاد الشام، قبل أن تدخل في صراعات داخلية، أدت إلى خروج تلك المجموعة مع مناصريها في الجبهة تحت اسم «دولة العراق والشام الإسلامية» بقيادة أبو عمر البغدادي، وجرى تدعيم المجموعة من قيادات وكوادر تنتمي إلى «القاعدة» «فروا» بطريقة مسرحية من سجون عراقية، بينها سجنا أبو غريب والتاجي، إضافة إلى كتلة من المقاتلين الأجانب الوافدين بينهم شيشان وأفغان وأوروبيون وعرب وخاصة من الخليج، وتؤلف الكتلتان القوة الأكبر في «داعش»، بينما تشكل كتلة الأعضاء السوريين القوة الأصغر والأضعف، وهو وضع طبيعي مستمد في الأهم من أسبابه إلى طبيعة الإسلام السوري.

وإذا كان التشدد والتطرف، هما السمة العامة لـ«داعش» وفهمها للإسلام، فإن ذلك جعلها، تدعي تمثيلها المسلمين السنة في مواجهة بقية المذاهب الإسلامية، بل إن المواجهة تمتد إلى السنة، طالما كانوا خارج الولاء والتأييد لها، حيث يوصفون بـ«الكفرة» و«المارقين» و«العملاء» الذين تستحل أرواحهم وممتلكاتهم، وهو عقاب ترسمه «داعش» لعلاقتها مع التشكيلات العسكرية والسياسية والمدنية في سوريا من الحراك المدني والشعبي إلى «الجيش الحر» إلى الائتلاف السوري والقوى المنضوية في إطاره وحتى القوى الموجودة خارجه.

وبالاستناد إلى ذلك الفهم، ترسم «داعش» مسار سياساتها وممارساتها في الواقع، الأمر الذي جعلها في موقع المتصادم مع التشكيلات العسكرية الإسلامية المتشددة والمعتدلة في سوريا بما فيها «جبهة النصرة»، وصولا إلى الاشتباك مع تشكيلات «الجيش الحر»، وقوات الحماية الكردية (PYD)، وهي ترفق هذا العنف مع القوى المسلحة، بعنف في التعامل مع السكان في المناطق المسيطر عليها، فأخذت تتدخل في كل تفاصيل الحياة المتعلقة بالتفكير والقول والعمل واللباس والعادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية تحت طائلة العقاب الجسدي وصولا حد القتل، وقد تكرر ذلك في أكثر من مدينة وقرية، بينها ما حدث من قتل لمعترضين على وجود «داعش» في مناطقهم.

ورغم الأحوال المتردية، التي تحيط بالمناطق الخارجة عن سيطرة النظام نتيجة ما تعرضت له من قتل ودمار وخراب اقتصادي على أيدي قوات النظام وصواريخه وطائراته، فإن سكان تلك المناطق، لم يوفروا جهدهم في مقاومة «داعش» من خلال حركاتهم السلمية المدنية في مظاهرات واحتجاجات ترفض فكرها ووجودها وممارساتها، وتطالبها بمغادرة تلك المناطق، إضافة إلى تصدي قوات من «الجيش الحر» نهج «داعش» في السيطرة على المناطق السكنية والمعابر مثل تل أبيض وتوجهها إلى معبر السلامة قرب أعزاز، وحذرهم من سيطرتها على الطرق العامة من خلال حواجز تضعها على تلك الطرق. لقد رسمت «داعش» صورة واقعية وسوداء لجماعات التطرف والتشدد المسلحة، وانتشارها في سوريا والمناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وينبغي إنهاء وجودها وفكرها وممارساتها، لتناقضها مع أهداف وطموحات السوريين الذين ضحوا بأرواحهم وممتلكاتهم من أجل الحرية والديمقراطية ومن أجل مستقبل أفضل لبلدهم وأجيالهم، وليس من أجل استبدال استبداد جديد تمارسه «داعش» وما يماثلها من جماعات التطرف باستبداد النظام

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النتائج المرة للمبادرة الروسية الأميركية

حسين العودات

البيان

الاثنين 23/9/2013

أكدت المبادرة الروسية والمواقف الأميركية الروسية اللاحقة، أننا في عصر آخر فعلاً لا علاقة له بعصر الإيديولوجيا والثوابت العقائدية والنظرية. فقد تراجع المنطوق الاستراتيجي لدى عالم اليوم، وهيمنت السياسة "البراغماتية"، كما تأكد عدد كبير من الآراء والمواقف ووجهات النظر المختلف عليها تجاه الأزمة السورية، داخل المجتمع السوري وخارجه.

 أيام هيمنة الإيديولوجيا على دول العالم وثوابتها الاستراتيجية طوال النصف الثاني من القرن العشرين، كانت مواقف الدول تتأثر بالدرجة الأولى بالثوابت المتعلقة بالأفكار النظرية والاستراتيجية، وتأتي بعدها المصالح المحلية. ولم يكن هذا وقفاً على الدول الاشتراكية، وإنما كان أساسا أيضاً في سياسات الدول الرأسمالية. أما الآن.

وبعد انتهاء الحرب الباردة وبدء عصر العولمة، وطغيان "البراغماتية" والمصالح الذاتية للدول، وتراجع الأيديولوجيا ونظرياتها، فقد أصبحت المواقف السياسية للدول أسيرة مصالحها، وتأتي بعدها بمسافة بعيدة أحياناً،.

القضايا الأيديولوجية والأخلاقية وذات الأهمية للإنسان وحقوق الإنسان وغيرها. وقد بدا ذلك جلياً في مواقف الدول من الأزمة السورية والصراع بين المعارضة والسلطة، واستخدام السلطة أقسى ممارسات العنف والتدمير والتهجير والتشريد والقتل تجاه شعبها، دون أن يتحرك أحد.

فبعد أن أعلنت الإدارة ألأميركية أنها ستوجه ضربة عسكرية إلى سوريا، سرعان ما تراجعت عندما قبلت السلطة السورية تسليم الأسلحة الكيماوية وتوقيع اتفاقية منع انتشار السلاح الكيماوي، فهدأت طبول الحرب وبح صوتها، ونسي الجميع أن الأزمة السورية هي المشكلة، وليست الأسلحة الكيماوية ولا غيرها، واعتبرت الدول النافذة هدف التخلص من الأسلحة الكيماوية هدفاً عظيماً.

بينما هو في الواقع ضرر فادح للشعب السوري والدولة السورية التي ما زالت في حالة حرب مع إسرائيل النووية. وكأن الشعب السوري أطلق ثورته ليزيح عبء الأسلحة الكيماوية عن كاهل إسرائيل، وليس للوصول إلى نظام حكم ديمقراطي تعددي تداولي.

ودل ذلك على أن الغرب لا يهتم بمأساة الشعب السوري وإنما بأمن إسرائيل واستقرارها، فطبقت الإدارة الأميركية المفاهيم السياسية المعاصرة، مفاهيم "البراغماتية" على حساب بؤس الآخرين ومآسيهم، وهذا ما يفسر التردد الأميركي الأوروبي تجاه حل الأزمة السورية، وعدم الاستجابة لصرخات الشعب السوري. لقد أكدت المبادرة الروسية.

والموقفان الأميركي والأوروبي منها أيضاً، أن أية أزمة لأي شعب لا يمكن أن تجد حلاً جدياً وشاملاً خارج الحدود، لأن الشعب هو الوحيد الكفيل بحلها، مع الاعتراف والترحيب بالعون الخارجي. واستطراداً تأكد عدم صحة مواقف أولئك السوريين الذين انتظروا أن تحل الدول الخارجية أزمتهم.

ستكون لهذه المبادرة، سواء نجحت أم فشلت، نتائج هامة على الشعب السوري، منها أنه لن يكون بعد الآن شديد الأمل بالدول الخارجية لتحل مشكلته، وبات يعتقد أن هذه الدول تحاول حل مشكلتها هي وتأمين مصالحها، من خلال قربها أو بعدها عن الأزمة السورية، فاستراتيجية الدول لم تعد كما كانت، فقد أصبحت أقرب إلى سياسة السوق و"الصفقات" والسياسة "الاستهلاكية" ذات المردود السريع.

وعلى ذلك فربما يعاد بعض المصداقية لمواقف المعارضة السورية الداخلية وآرائها السياسية، التي رفضت منذ البدء تسليم القضية السورية للدول الأخرى، كما رفضت العنف لأنها كانت تتوقع أن النظام سيستخدمه بوحشية

أما شعار المعارضة الداخلية الثالث فكان ضد الطائفية، ليقينها أن النظام سيلجأ للشعارات الطائفية القذرة وممارساتها الغرائزية العنفية المتوحشة، ليبرر ارتكاباته وليقسم الشعب السوري على أسس طائفية، بأمل أن يربح تأييد طوائف صغيرة بعد أن يخيفها من الأخطار المحتملة.

ونتيجة لمواقفها هذه، تحملت المعارضة الداخلية النقد الجارح الذي وصل إلى اتهامها بالعمالة للنظام السياسي القائم والتخاذل، وغيرها من التهم. سيكون للمبادرة الروسية والقبول الغربي بها، تأثيران مباشران على المعارضة السورية وعلى السلطة السورية:

فبالنسبة للمعارضة، ربما ينحاز الرأي العام للمسلحة منها ويدفعها للتوسع في التسلح واستخدام السلاح، وقد تربح هذه المعارضة جماهير عديدة ومصداقية أكثر من قبل، لأن شرائح متنامية من الشعب السوري ستجدد إيمانها بأن الحل يرتبط بالمعارضة المسلحة التي ستربح مزيداً من الثقة والدعم.

وبالتالي فمن المحتمل أن تميل كفة المعارضة المسلحة أو نهج العمل المسلح على حساب الحلول السياسية، خاصة وأن المتطرفين وبعض الدول الخارجية تنفخ في هذه النار التي خمدت منذ عدة شهور. ولذلك ربما حل المسلحون محل السياسيين في التسويات القادمة. أما بالنسبة للسلطة السياسية فقد تشعر بأمان أكثر، وتتعزز قناعتها بأن المواقف الدولية ضدها لن تصل إلى نهاياتها.

وبالتالي فلن تضع في حسبانها أي احتمال عقاب أو ضربة عسكرية خارجية، وستزيد صلفها بسبب ذلك، وتوجه مزيداً من العنف والعسف للشعب السوري وللمعارضة. أما الإدارة الأميركية فينطبق عليها قول جرير: "زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً * أبشر بطول سلامة يا مربع"!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الضربة الأمريكية وعرقوب والحطيئة

عبد عرابي

القدس العربي

الاثنين 23/9/2013

سأستعين بتراث الآباء والأجداد لبيان حقيقة آخر تطورات الأحداث والمواقف من الثورة السوريّة المجيدة، وكم في تراثنا المجيد من حكم وعبر نحتاج في أيامنا هذه أن ننهل من معينها لنستكشف الواقع ونستشرف المستقبل؟ فالتاريخ معلم الأفراد والأمم.

موقف المجتمع الدولي وهيئاته الرسمية وأصحاب الكلمة الفصل واليد الطولى فيه من ثورتنا، ينطبق عليه قول أجدادنا قديماً:( أخلف من عرقوب) وعرقوب هذا كان رجلاً من العماليق آتاه الله سعة من المال، فجاءه أخ له يسأله شيئاً، فقال له عرقوب: إذا اطلَعَ نخلي (خرج طلعُه) فلما أطلع أتاه، فقال له: إذا أبلَحَ، فلما أبلح أتاه، فقال له: إذا أزهَى، فلما أزهى أتاه، فقال له: إذا أرطب، فلما أرطب جاءه، فقال له: إذا أتمَر، فلما أتمر، جذّه ليلاً ولم يعطه شيئاً، فضربت به العرب المثل في خلف الوعد.

فمع أنّ أصدق كلمة قيلت في الثورة السورية هي: ( يا الله ما لنا غيرك يا الله) التي تعني في مفهومها- بالإضافة إلى يقيننا أنّ الأمور كلها بيد الله وهو قادر سبحانه وتعالى على تهيئة أسباب انتصار الثورة إن شاء- أننا لا ننتظر من العالم أن يسقط لنا النظام المستبد، أو أن يدافع عنّا، ويحمي نساءنا وأطفالنا، لأننا عندما قررنا أن نقوم بثورتنا لنيل الحرية والتخلص من نظام الطغيان والاستبداد لم نستأذن أحداً، ولكننا كدولة عضو في هيئة الأمم المتحدة لنا حقوق على المجتمع الدولي، ينبغي علينا أن نطالب بها كوسيلة وسبب لحماية أهلنا، وعلينا أن نذكّر المجتمع الدولي بواجبه تجاه دولة عضو في مؤسساته الرسمية. ومع أنّ المجتمع الدولي أظهر لا مبالاة غير مسبوقة تجاه نزيف الدم السوري المستمر منذ ثلاثين شهراً وبكافة صنوف الأسلحة المعروفة، إلا أنّ جريمة العصر باستخدام النظام للأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً في الغوطتين على نطاق واسع (بعد استخدامها على نطاق ضيّق قبل ذلك أكثر من عشر مرات) متجاوزاً الخطوط الحمر التي أطلقها زعيم أقوى دولة في العالم وضع المجتمع الدولي بشخوص زعمائه أمام أزمة أخلاقية حادة، فهي بعد التسويف والمماطلة، ومنذ خروج كلينتون وغيرها والمطالبة بوجوب تنحي بشار الأسد، ثمّ التهديد والوعيد المتكرر للنظام المترافق مع إرسال اللجنتين العربية والدولية، ثمّ دراسة فرض حظر جوي، ثمّ إيجاد ممرات إنسانية آمنة، ثمّ الوعود بتسليح المعارضة، ثمّ الخطوط الحمر آنفة الذكر، لنصل إلى المبادرة الروسية كمناورة جديدة للمماطلة والتسويف لإنقاذ نظام الأسد والتهرب من الالتزامات التي قطعها زعماء المجتمع الدولي على أنفسهم. ولا يبعد أن يجد المجتمع الدولي غداً مبرراً جديداً يعفي الطاغية ونظامه من مسؤولية جريمة الكيميائي ويعطيه فرصة لمزيد من القتل، فحالهم في ذلك كحال عرقوب سيئ الذكر.

حال النظام المستبد الممانع من رأسه الذي قال لوكالة (إنترفاكس) الروسية: إنّ قرار سورية (النظام السوري) التخلي عن السيطرة على أسلحتها الكيماوية، جاء نتيجة قبول الاقتراح الروسي لا التهديدات بتدخل عسكري أمريكي، والتهديدات الأمريكية لم يكن لها تأثير لدى اتخاذ القرار. حاله وحال أتباعه وأعوانه الإقليميين الذين اعتبروا تأجيل الضربة العسكرية (المحتملة) أو احتمال عدم حصولها مطلقاً، فتحاً مبيناً ونصراً مظفّراً، مع إغفال أنّه كان مقابل تخلي النظام عن مخزون سوريّة الاستراتيجي من الأسلحة الكيماوية، الذي أعدّ كما كان يدّعي النظام المقاوم والممانع كعامل ردع وتوازن مقابل السلاح النووي الصهيوني، هذا التبرير الذي يشبه هذيان الذي يضحك على نفسه ويحاول إخفاء ما هو حقيقة ظاهرة كضوء الشمس في رابعة النهار، التي تقول: إنّ التخلي عن الأسلحة الكيماوية قمة الخنوع والجبن والاستسلام والهزيمة (الذي عوّدنا نظام الممانعة والمقاومة عليها) فحال رأس النظام وأعوانه وأتباعه الإقليميين في هذا كحال الزِّبرقان بنَ بدر، عندما ذهب إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشتكي الشاعر الحُطيئة لمّا هجاه بقوله:

دَع المكارِم لا تَرحل لبُغيتها … واقعُد فإنك أنت الطاعِم الكاسي

فأنشده البيتَ، فقال عمر: ما أرى به بأساً. قال الزِّبرقان: والله يا أمير المؤمنين، ما هُجيت ببيت قطُّ أشدَّ عليّ منه. فبعث عمرُ رضي الله عنه إلى حسّان بن ثابت وقال: انظُر إن كان هجاه. فقال: ما هَجاه، ولكن سَلح عليه. ولن أقول لكم معنى: (سَلح عليه)..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السوريّة وأميركا: سوء فهم قاتل

حازم صاغيّة

الحياة

الثلاثاء 24/9/2013

إذا وضعنا التفاصيل الصغيرة جانباً، ومعها المناشدات الإنسانيّة والأخلاقيّة التي تتجاهلها سياسات كبرى ضعيفة الإنسانيّة والأخلاقيّة، تراءى أنّ قدراً من سوء الفهم العميق يفصل بين الثورة السوريّة والولايات المتّحدة الأميركيّة، أو بالأحرى، أنّ صورة كلّ منهما عند الأخرى لا تشبه صورتها الفعليّة.

فمفاد المناشدات التي تخرج من المعارضة السوريّة للولايات المتّحدة، أو الانتقادات التي توجّهها إليها لعدم استجابتها تلك المناشدات، هو الرغبة في انزياح بوشيّ عن الأوباميّة. وهذا ما يعني، شئنا أم أبينا، أنّ نجاح الثورة السوريّة، وثورات أخرى غيرها، مرهون بسياسة أميركيّة أكثر تدخّليّة ومبادرة. فحين يضعف «بوليس العالم»، الذي لا يريد أوباما أن يكونه، تقوى الأنظمة البوليسيّة من كلّ نوع.

الإقرار بتلك الحقيقة يقوّي حجّة خصوم الثورة السوريّة الذين «يتّهمونها» بالهوى الأميركيّ، مع أنّ ذاك الهوى لم ينتج هوى يقابله ولا معونات تترتّب عليه. وهو أيضاً يُضعف حجّة بعض مؤيّدي الثورة من مواقع «يساريّة» أو مناهضة للولايات المتّحدة.

بيد أنّ ما هو أهمّ من هذا وذاك أنّ «خطاب» الثورة يبقى في المحطّة الرماديّة حيال إعلان تلك الرغبة، وكثيراً ما يعلن نقيضها، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بمسائل غير سوريّة، عراقيّة أو فلسطينيّة. هنا، تفعل الرواسب الإيديولوجيّة فعلها الكابح. وبدوره، لا يبدو الانزياح البوشيّ وارداً في الولايات المتّحدة (وأوروبا الغربيّة) حيث تستند الأوباميّة إلى مزاج شعبيّ صاعد أكثر انعزاليّة وعزوفاً، من دون أن تهزّه مخاطبة تذهب إلى وحدة المصالح أو تقاطعها.

أمّا الثورة السوريّة، وعموم الثورات العربيّة، فوظيفتها الأهمّ، في التصوّر الأميركيّ، مكافحة التطرّف الجهاديّ. وحين تُدان أنظمة الاستبداد العسكريّ، وفق ذاك التصوّر، فإنّما تُدان بسبب ما تُحدثه من كبت وقمع يولّدان ردوداً إسلاميّة متطرّفة تعود على الغرب بالإرهاب. وقد سبق لأصحاب هذا التصوّر أن وجدوا ضالّتهم حين تراجع نشاط «القاعدة» مع انطلاقة الثورات، وحين قُتل أسامة بن لادن فلم تكترث للأمر القوى المحتشدة في الميادين والساحات.

وهذا، بدوره، لم يعد واقع الحال. فمن دون أن تكون الثورات إسلاميّة، يبقى أنّ العنصر الإسلاميّ قويّ فيها لأسباب عدّة منها القمع الذي واجه الإسلاميّين لعقود مديدة. وهذا فضلاً عن ثنائيّة الأقلية – الأكثرية التي تحكّمت طويلاً بتركيبة السلطة والقمع في المجتمعات العربيّة، لا سيّما منها مجتمعات المشرق.

إلى ذلك، ومثلما عمل تمويه المطالبة بالانزياح البوشيّ على تمتين الشعور الانعزاليّ في الغرب، خصوصاً لجهة التعثّر في مخاطبة رأيه العامّ، عمل الاستنكاف الغربيّ عن التدخّل على تعظيم النفوذ الجهاديّ في الثورات، خصوصاً منها الثورة السوريّة. هكذا ابتعدنا جدّاً عن الأيّام التي مرّ فيها مقتل بن لادن مرور الكرام، وبتنا في مواجهة أوضاع يوجزها اعتصار «الجيش السوريّ الحرّ» بين «جيش الدولة الإسلاميّة في العراق والشام» وجيش النظام وسلاحه الكيماويّ. وأبعد من ذلك أنّه بات أقرب إلى المستحيل دمج المواجهتين، تلك التي تخوضها الولايات المتّحدة مع النظام السوريّ وحلفائه الروس، وتلك التي تخوضها أكثريّة الشعب السوريّ مع النظام نفسه.

وربّما كانت هذه اللوحة القاتمة فصلاً آخر يضاف إلى كتاب سميك عن أزمة علاقتنا بالغرب وفهمنا له وأزمة علاقة الغرب بنا وفهمه لنا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لقاء في الريحانية!

مشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 25-9-2013

سافرت قبل أيام إلى ما يسمى مخيم الضباط في الريحانية، حيث التقيت لأول مرة بعد الثورة فئتين من العسكريين: مدني من جبل الأكراد، مسقط رأس آبائي وأجدادي، يلعب دورا قياديا في واحد من تشكيلات الجيش الحر هناك، وعسكريين انشقوا عن جيش السلطة، لكنهم ظلوا خارج هذا الجيش، شأن أغلبية من انشقوا عن عسكر الأسدية والتحقوا بالثورة، وتفرقوا أيدي سبأ في تركيا والأردن ومصر، مع أن بعضهم لعب دورا تأسيسيا فائق الأهمية سواء في تأسيس الجيش الحر أم في قيادته.

هناك كلمة أولى لا بد من قولها، هي أن مؤسسات الثورة لا تشعر أن عليها واجبا تجاه أحد من الشعب السوري المظلوم، عسكريا كان أم مدنيا، وسواء كان داخل سوريا أم خارجها. هذه الظاهرة تفقأ العين وتعد معلما محيرا من معالم ثورة ما كان لها أن تحدث إلا بإرادة شعب يزعم «ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السياسية» أنه ممثله الشرعي الوحيد، لكنه لا يقوم بأي دور إيجابي تجاهه ويتركه لمصيره، الذي صار على درجة مخيفة من البؤس.

هذه الملاحظة من عندي ولا علاقة لها بما قاله من التقيتهم، ومنعتهم كرامتهم وعزة نفوسهم من التطرق إلى أحوالهم الشخصية والخاصة، وركزوا خلال ساعات ست من اللقاء على الشأن العام، وخاصة منه أوضاع الثورة وما يريدونه لأنفسهم من أدوار فيها.

بعد هذه الملاحظة المؤلمة، لا بد من ملاحظتين إضافيتين:

- أن الجيش الحر كيان غريب وصعب الفهم، لذلك تشعر أنه كلي الوجود وغير موجود في آن معا، وأنه يضم أخلاطا متنوعة من البشر دون أن يكون له تراتب يشبه تراتب الجيوش، أو تكون له بالتالي إمرة ملزمة على أحد من الذين ينسبون أنفسهم إليه، أو يكون قوامه صافيا لا يخالطه فيه أحد من الذين هم خارج صفوفه. لا عجب أنه هيكل قليل التنظيم على مستوى قيادته، ويكاد يكون عديم التنظيم على صعيد قاعدته، وأن قيادته تأمر قطاعات دون أخرى من الوحدات المنتمية إليه، فالانتماء لا ينطلق هنا من فوق، من القيادة، وينزل إلى تحت، إلى الأفراد، بل هو يمر بسياق معاكس، بمعنى أنه يرتبط بالأشخاص وباستعدادهم لإطاعة أوامره، وتاليا بالانصياع لنمط الصلة التي تشدهم إليه بصفته مصدر قسم من عتادهم وذخائرهم، فالحال إذن مزيج من تسلسل قيادي جزئي أو ضعيف غالبا، ومن تجاوب قاعدي كيفي في حالات كثيرة، ولولا إرادة المقاتلين وتصميمهم على إسقاط النظام لما كان هناك قوة تستطيع إرغامهم على القتال، كما هي الحال في الجيوش العادية. يقود هذا إلى نتيجة محددة هي أن من انشقوا عن جيش السلطة لم يكونوا بحاجة إلى إذن من أحد كي ينضموا إلى الجيش الحر أو إحدى تشكيلاته الكثيرة، مع أن رتبهم الرفيع قد تكون هي التي حالت دون تولي قيادة تشكيلات صغيرة. كما أن تربيتهم العسكرية لعبت دورا في إحجامهم عن التعاون مع مدنيين نظموا كتائب تابعة لهم، هم فيها مستشارون لا قادة. بالمقابل، لعب من وصلوا إلى قيادة الجيش الحر دورا في إبقاء معظم الضباط المنشقين رفيعي الرتب خارج صفوفه، لأسباب بينها خوفهم من أن يتولى ضباط أكثر منهم دراية وخبرة بالقضايا العسكرية والقيادة الميدانية، ويشكلوا جسما متسقا ومتكاملا يستطيع بعلمه ودوره الميداني إضعاف دورهم وربما الاستغناء عنهم.

- هذه العوامل ذات الأبعاد الموضوعية أضيفت إلى عوامل ذاتية تضافرت معها، فحالت دون انخراط ضباط رفيعي الاختصاص في الجيش الحر، الأمر الذي أدى إلى حرمانه من قدراتهم، وحرمانهم من إطار عسكري وطني جامع يضمهم. والآن، والثورة على وشك الدخول في مرحلة تتطلب قدرة حقيقية على التخطيط الواسع، والتنسيق المنظم، والجمع الحتمي للطاقات المبعثرة، يصير من الضروري وجود هؤلاء على رأس العمل العسكري، وتمكينهم من وضع قدراتهم في إطار ملائم. لهذا، أقترح على رئاسة أركان الجيش الحر دعوتهم إلى تولي مسؤولياتهم على مختلف الأصعدة: من قيادة فصائل إلى قيادة جبهات، لأن من غير المعقول أن ينحى بعد اليوم جانبا ضباط قادوا وحدات عسكرية ميدانية، ومروا بدورات تدريبية تخصصية، وأن لا يسهموا في معركة مصيرية تمس حاجتها إليهم، هم على استعداد للانخراط فيها على أي صعيد يتطلبه الخلاص من النظام القائم وكسر شوكته.

أخيرا، في حال انهار النظام تحت الضربات العسكرية القادمة، أو كان هناك سعي جدي إلى تقصير فترة صراع يسبب آلاما مخيفة للشعب، يغدو من المحتم أن نفيد من خبرات هؤلاء الضباط وغيرهم من منتسبي الجيش والقوات المسلحة السابقين عبر انضمامهم أو ضمهم إلى الجيش الحر، حيث سيكون لهم دور فائق الأهمية في اتجاهين:

أولا: الإمساك بالجهاز العسكري الشديد اللامركزية والقليل الانضباط الذي تنتمي فصائله المتناقضة الغايات والهوية والسلوك إلى «جيش» ليس هو الجيش الحر الذي انشق ضباطه وجنوده عن النظام، ولعبوا دورا كبيرا في حماية الشعب ومقاتلة جيش السلطة. هذا الجيش الآخر لا تتبنى كثير من فصائله أي مدونة وطنية أو مهنية في تعاملها مع الشعب والثروات الوطنية والقوى المسلحة الأخرى، وتحفل بالاختراقات، السلطوية وغير السلطوية، وظهر بين ظهرانيها عدد لا يستهان به من أمراء الحرب والخارجين على الثورة وقيمها، فلا بد من بناء مستوى قيادي يستطيع منعهم من مواصلة جنوحهم وفلتانهم، سواء بالتي هي أحسن أم بوسائل أخرى. لا مفر من أن يكون الضباط العاطلون اليوم عن العمل من صميم قوام هذا الصعيد العسكري والقيادي، لما يمكن أن يلعبوا من دور في مرحلة ما بعد إسقاط النظام، التي لن تكون أقل خطورة من المعركة الدائرة منذ نيف وعامين لإسقاطه.

ثانيا: زيادة وتعظيم القدرات العسكرية المنضبطة، المستعدة للتضحية من أجل نجاح وطنها في نيل حريته، على أن يتكون معظمها من رجال يؤمنون بالدولة الديمقراطية والجيش المهني اللاسياسي، ويريدون العمل لإقامتهما ضد كل من يرفضهما من منظمات مذهبية: أصولية ومتطرفة، قد تحاول الانقضاض على الدولة والمجتمع بعد إسقاط الأسد وتقاتل لوضع يدها عليهما ولإقامة حكم يتناقض في بنيته وآليات اشتغاله وأهدافه مع نظام لحمته وسداه الحرية والدولة الديمقراطية، خرج الشعب منتصف مارس (آذار) عام 2011 مطالبا به، وقدم مئات آلاف الشهداء في سبيل بلوغه. لا يجوز أن يبقى 80 في المائة من الضباط خارج العمل الوطني، عسكريا كان أم سياسيا، وأن لا يجدوا مكانا لهم في معركة تخلوا عن كل شيء كي يشاركوا في خوضها، ولم يتركوا النظام وجيشه كي يعيشوا في خيام وبيوت بلاستيكية يشكر كثيرا من قدموها، لكنها لا تليق بهم ولا توفر لهم أي قدر من العيش الكريم. وللعلم، فإن بين هؤلاء الضباط من تعادل خبرته خبرة أي ضابط في أي جيش متقدم ومقاتل، ويمتلك بعد نظر سياسيا ويتبنى خيارات لن تقوم للدولة في سوريا قائمة من دونها، فهم جزء تكويني ليس فقط من الجهاز العسكري الواجب القيام لتخليص الثورة من الذين يريدون انتزاعها من أيدي الشعب، صاحبها الأصلي والوحيد، بل كذلك من الطبقة السياسية الواعية، مع أنهم يرفضون أن يتحولوا إلى سياسيين، ويفضلون الانتماء إلى الجيش الوطني على أي خيار آخر.

أخيرا: يجب إصدار قرار مشترك من الائتلاف الوطني والجيش الحر يضع هؤلاء الضباط في مواقعهم من الجيش الوطني، الذي سينبثق بمشاركتهم عن الجيش الحر الحالي. ومن الضروري عقد لقاءات معهم تحدد خلالها شروط وظروف التحاقهم به، وأدوارهم التي سيلعبونها، وخدماتهم للدولة ومؤسساتها الشرعية، وإسهاماتهم في كسر شوكة كل من يعارض أو يقاوم قيامها أو يتحداها، أو يعمل على حرف الثورة عن هدفها الرئيس: الحرية للشعب السوري الواحد الموحد في دولته المستقلة والسيدة، وبالتالي إنزال القصاص العادل والقانوني بكل من يثير نعرات أو صراعات طائفية، أو يعتدي على أي مواطن سوري لأسباب انتقامية، أو يهدد وحدة الشعب والدولة، أو يحمل ويستخدم السلاح، أو يرابط في المدن والقرى أو حولها بعد إسقاط النظام وقيام الجيش الوطني، الذي ستعمل قيادته تحت إشراف وإمرة الحكومة الانتقالية وستحمي حياة المواطنات والمواطنين، وتصون الأمن والسلم الأهلي وتسهر على الممتلكات العامة والخاصة، وعلى نيل جميع السوريين حقوقهم كاملة غير منقوصة.

ستواجه سوريا الحرة تحديات لا شك في أنها لن تقل جسامة وخطورة عن التحديات التي واجهت الشعب خلال ثورته ضد الطغيان الأسدي. إنها تحديات لن تكفي قوى الجيش الحر الحالية لمواجهتها والتغلب عليها، ولا بد من أن تواجه بجهد وطني شامل وموحد، على الصعيدين السياسي والعسكري. وإذا كنت أدعو منذ عامين ونيف إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تعبر عن وحدة المجال السياسي وتضم أطراف العمل الوطني السوري جميعها، فإنني أدعو الآن إلى وحدة المجال العسكري وبناء جيش وطني جامع لا يستبعد أحد منه، تتسع صفوفه لكل ضابط وصف ضابط وجندي ترك الجيش الأسدي بالأمس، أو يتخلى اليوم عن الأسد وينضم إلى الثورة ليشارك في إسقاطه وبناء سوريا الحرة والديمقراطية، ولا يتوانى عن ردع ومقاتلة أي طرف يريد سرقة الثورة من السوريات والسوريين.

لنخرج من الحسابات الشخصية والصغيرة إلى الحسابات الوطنية الكبرى، ولنبدأ بتصحيح ما وقع من أخطاء في المجال العسكري، إن هي تلازمت مع تصحيح خطايا المجال السياسي خرج وطننا من مأساته ونال شعبنا حريته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في ضرورة التدخل الإنساني لإنقاذ الشعب السوري

الدكتور عبدالله تركماني

المستقبل

الاربعاء 25-9-2013

يثير الحديث عن الشرعة العالمية لحقوق الإنسان بشكل عام والقانون الدولي الإنساني بشكل خاص قضية التدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان، وهي القضية التي أخذت حيّزاً كبيراً من الاهتمام بعد سقوط جدار برلين في العام 1989. ورغم أنّ التحليلات السياسية قد درجت على النظر إلى الاهتمام الواسع بمبدأ التدخل الإنساني لحماية حقوق الإنسان، باعتباره تطوراً جديداً على الساحة الدولية، إلا أنّ جذور هذا المبدأ في الحقيقة تعود إلى أواخر الأربعينيات، حيث دخل مفهوم الجرائم ضد الإنسانية إلى القانون الدولي عقب محاكمات "نورمبرغ"، التي حاكمت قادة النازية في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية.

ومن المعلوم أنّ مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول استعملا كذريعة وغطاء لارتكاب الأنظمة المستبدة لجرائم خطيرة في حق شعوبها. وفي هذا السياق، تتجه أنظار السوريين إلى الطريقة التي سيتعامل بها المجتمع الدولي مع مأساتهم، فقد تطورت منظومة الشرعة العالمية لحقوق الإنسان من كون سلطات الدول هي المعنية الوحيدة بما تفعله لمواطنيها إلى أنّ السيادة تفرض مسؤولية هذه السلطات تجاه شعوبها، وحق المجتمع الدولي في مساءلتها عن التزاماتها بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان. وشكل هذا الرصيد المتنامي والمتطور للقانون الإنساني الدولي النواة الأساسية، المعرفية والأخلاقية والإنسانية والعرفية، التي أفسحت في المجال للتدخل الأممي الإنساني في الدول، فيما إذا وقعت جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو جريمة الإبادة الجماعية. بل أنّ هذه المنظومة تطورت نحو إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، على افتراض مؤداه أنّ القادة والمسؤولين الذين يتحملون، بحكم مواقعهم وأدوارهم، مسؤولية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية يجب أن لا يفلتوا من العقاب العادل.

إنّ مبدأ التدخل الدولي لأسباب إنسانية مبدأ قديم ولكن أعاد طرح نفسه بقوة على الأجندة الدولية منذ تسعينيات القرن الماضي، مع التطبيقات العديدة التي شهدها المجتمع الدولي له بدءاً من العراق (تجربة إقليم كردستان والحظر الجوي في عام 1991)، مروراً بالصومال في عام 1992، ثم رواندا وهايتي في عام 1994، وانتهاء بكوسوفو وتيمور الشرقية في عام 1999. وتنص "مسؤولية الحماية" على ما يلي: "على الدول أن تحمي مواطنيها من أعمال الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي، ويتوجب عليها أن تقوم بالأفعال اللازمة لمساعدة الدول الأخرى التي لا تستطيع حكوماتها أو لا تريد حماية شعوبها".

ويؤكد مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي تم توقيعه عام 2005 من طرف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها سوريا، على هامش قمة رؤساء دول العالم التي نظمت في نيويورك، على تحميل مسؤولية حماية المدنيين للحكومات ذاتها. فإذا فشلت في حماية مواطنيها، أو إذا عمدت هي ذاتها إلى استهدافهم، فإنّ على المجتمع الدولي أن يتحرك.

ومن العسير أن نتصور كيف يمكن لمفهوم "مسؤولية الحماية" ألا ينطبق على الحالة السورية، حيث لقي أكثر من 120 ألف شخص حتفهم ونزح أكثر من 5 ملايين عن بيوتهم ولجأ أكثر من مليونين آخرين إلى دول الجوار، وتم ارتكاب العديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيماوية، وفقاً لتقارير مستقلة صادرة عن مراقبي جمعيات حقوق الإنسان والأمم المتحدة.

وتنبع معارضة سلطة آل الأسد من الادّعاء بأنّ تدخل المجتمع الدولي يشكل خرقاً لمبادئ السيادة الوطنية، في حين أنّ السيادة الوطنية الحقة هي سيادة الشعب والمؤسسات الوطنية المنتخبة والمستندة للإرادة الشعبية الحرة والملتزمة بمبادئ حقوق الإنسان، ولا يمكن بأي حال تقليص مفهوم السيادة ليقتصر على سيادة الحاكم السوري، فاقد الشرعية الدستورية، وتحويلها شعاراً للاستبداد السياسي وكبت الحريات العامة.

ويبدو أنّ القيادة السورية لم تدرك أنّ أحد مشاغل عالم اليوم تتلخص في التحول المؤسسي القائم على مجموعة قيم عالمية: الديمقراطية وحقوق الإنسان والشفافية والحكم الصالح. حيث يدفع هذا التحول الحكومات إلى الانتقال من شخصنة السياسة، أي ربط مصير الأمة بشخص ما، إلى مأسستها، وربط مصير الدول والمجتمعات وعلاقتها بمدى حيوية المؤسسات وتكيّفها للتعاطي مع المؤسسات العالمية المماثلة.

الدول - كحال سوريا اليوم - التي يكون فيها النظام السياسي الحاكم ليس بنظام يخدم متطلبات الشعب وتطلعاته، ولا يحقق مبدأ المواطنة بين أطياف شعبه وصولاً إلى التصادم مع الشعب واستخدام أسلحة محرمة دولياً، فإنه سيكون لزاماً التدخل الدولي في شؤونه الداخلية. خاصة بعد أن اتهم الامين العام للامم المتحدة بان كي مون بشار الاسد بـ "ارتكاب العديد من الجرائم ضد الإنسانية"، وأكد "استخدام السلاح الكيماوي بكثافة في مجزرة الغوطتين"، وأضاف أنّ "ملاحقة المجرمين يجب أن تكون مسألة حتمية ويجب ألا تقوموا بذبح شعبكم بالأسلحة السامة". وقد تزامن هذا الإعلان الأممي مع إعلان محققين في جرائم الحرب تابعين للأمم المتحدة " أنّ قوات الحكومة السورية تعمدت قصف مستشفيات وهاجمت مقاتلاتها مستشفيات ميدانية في المناطق الخاضعة للمعارضة، وهي حرمت المرضى والمصابين من تلقّي الرعاية الصحية ما يشكل جرائم حرب".

وهكذا، يحتاج السوريون إلى موقف دولي واضح لحماية المدنيين وتجريد النظام من أسلحته المتفوقة، وبخاصة سلاح الجو، وليس فقط الكيماوي، والضغط بكل الأشكال، بما فيها القوة العسكرية، لإجبار سلطة آل الأسد على تسليم مقاليد الأمور للسوريين الذين صوتوا بدمائهم ضد رأس النظام ونظامه وتحالفاته الداخلية والخارجية.

ومن جهة أخرى، هناك جرائم دولية حددتها النصوص والمعاهدات والاتفاقيات الدولية كجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، ووضعت قواعد خاصة بشأنها كمبدأ المساواة بين المساهمين لناحية المسؤولية الجزائية وعدم إفلات المسؤولين من العقاب، مهما علت وظيفتهم في الدولة، وعدم سريان الحصانات الدبلوماسية بحقهم. والحال فإنّ ما يحصل في سوريا من أعمال وحشية، ترقى إلى مصاف جرائم ضد الإنسانية، من شأنها أن تضع بشار الأسد وبطانته في مرمى العدالة الدولية.

ومع أنّ نتائج التدخل الإنساني قد لا تكون مثالية في جميع الأحوال، إلا أنها ساهمت في إنقاذ حياة الناس وهيأت الظروف للوصول إلى تسوية سياسية. وهذه هي الرؤية التي يتعين استحضارها في الحالة السورية المستمرة منذ أكثر من 30 شهراً.

() باحث استشاري في "مركز الشرق للبحوث"

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

منظمات المجتمع المدني بسوريا.. الحاجة الملحّة لملء الفراغ

علي الرشيد

الشرق القطرية

الاربعاء 25-9-2013

قبل يومين بالضبط وجّه صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) نداءً يحذّر فيه العالم من تعرض ثلاثة ملايين طفل - ما بين لاجئ ونازح- في سوريا لكارثة إنسانية، ومن عواقب استمرار العنف على الأطفال الموجودين داخل سوريا، والذين هم بحاجة ماسّة للمأوى واللقاحات الطبية والمياه الصالحة للشرب والعلاج النفسي، والعودة إلى مقاعد الدراسة.

والحقيقة أن هذا النداء قد يصحّ أن يوجّه من الأمم المتحدة ومن المنظمات الإنسانية الدولية أيضا للتحذير من تعرض ملايين آخرين من السوريين من الشيوخ والنساء وحتى الرجال لنفس المصير، بسبب تفاقم معاناة المجتمع السوري نتيجة الظروف القاسية التي يتعرضون لها، والتي لم تعد خافية على أحد، ليصل عدد من يحتاجون للعون إلى سبعة أو ثمانية ملايين شخصن، وهو ما يشكّل ثلث التعداد الإجمالي للسوريين في الداخل والشتات.

أهمية تحذير اليونيسيف يكتسب أهمية خاصة لعدة أسباب أهمها: أن هذه الشريحة (الأطفال) قد تكون الأكثر تعرضا للأذى البدني والنفسي والجسدي بحكم السنّ، والأكثر تأثيرا على حاضر ومستقبل الوطن، باعتبارها عدّة الحاضر والمعوّل الذي تعقد عليها الآمال في إعادة إعماره وصياغة مشروعه القادم. إضافة إلى أنه يلفت الانتباه للوقوف إلى جانب شعب ـ على الأقل في الجانب الإنساني ـ كيلا لا تنسى معاناته الكبيرة، وبخاصة بعد أن تخلّى العالم عن حمايته وتركه وحيدا في مواجهة نظام إجرامي لا يرحم.

لكن الأهم والذي على صلة بالأمر هو التنبيه إلى التقصير الحاصل من قبل السوريين (الشعب) في جانب منظمات المجتمع المدني، سواء على صعيد الاهتمام والتبني، أو على صعيد البنية والإشكاليات التي تعاني منها، والدور المنتظر منها في الواقع الراهن أو المستقبليّ.. على اعتبار أنه: "ماحكّ جلدك مثل ظفرك"، ولعل السبب الرئيس للتقصير الحاصل هو انشغال السوريين بالهمّين السياسي والعسكري المتصل بحراك الثورة السورية، وعدم الإدراك الكافي لأهمية الدور المنوط بهذه المنظمات وتأثيراته، وقلة الخبرة وندرة الكوادر التي على صلة بذلك إن لم نقل انعدامها أحيانا.

ثمة فراغ كبير في هذا الجانب لعدة أسباب أولها: تعاظم دور منظمات المجتمع المدني والجمعيات الطوعية أو ما يسمى بالقطاع الثالث، حتى في المجتمعات المستقرة والمتقدمة، كمكمّل لدور القطاعين الحكومي والخاص، وبالتالي فإن الحاجة إليها أكبر دونما شك في مجتمع عانى التضييق عليها ـ ولا يزال ـ، من قبل نظام ديكتاتوري في عهدي الأب والابن، لعدة عقود، لخشيته من التكتلات الأهلية والنقابية، وذلك من أجل إشراك الجميع تنمية المجتمع. وثانيها: الحاجة الماسة إليها في وقتنا الحالي وللسنوات القادمة التي تمتد على الأقل لعقد من الزمن، بعد الانتصار على الطاغية، إسهاما في إغاثة المتضررين، خصوصا النازحين واللاجئين، وتلبية لاحتياجاتهم الأساسية في مجالات الغذاء والمأوى والدواء والعلاج والتعليم، وتوفير مصادر زرق كريمة لبعضهم ـ على الأقل ـ كي يعتمدوا على نفسهم معيشيا. ولإعادة إعمار البنى التحتية ومواجهة الدمار الكبير الذي تعرضت له على كافة المستويات أيضا، ومتابعة الجوانب الحقوقية المتعلقة بالظلم والجرائم التي تعرض لها الناس من تعذيب وخطف ومجازر إبادة وغيرها.

منظمات المجتمع المدني السورية حاليا موزّعة بين الداخل السوري والخارج، وهي مهمة في الحالتين، نظرا لأن الأولى على تماس مباشر مع النازحين والمتضررين وأقرب إليهم ضمن حدود سوريا، فيما الأخرى تتمتع بحرية التحرك في الخارج ودول اللجوء لخدمة اللاجئين فضلا عن الوصول للمناطق المحررة والتحرك فيها، وعقد الشراكات مع منظمات دولية، واستقطاب الدعم منها لمشاريعها، والتنسيق معها والإفادة من تجاربها أيضا.

واقع الحال يشير إلى أن هذه المنظمات السورية في الداخل والخارج تعاني من ثغرات كبيرة من عدة زوايا، لعل من أهمها: النقص الكمي الواضح في عددها، قياسا بالحاجة الكبير إليها، والتركيز على إطفاء الحرائق الناجمة عن الأزمة، وضعف برامجها وكيفية الصياغة الفنية اللازمة لذلك، وقلة خبرة كوادرها، وغياب رؤية وخطط الكثير منها، وضعف التنسيق فيما بينها سواء في الداخل والخارج أو بين الطرفين، أو عدم الدراية بكيفية بناء شراكاتها والتشبيك مع المنظمات الدولية، وكيفية تسويق ودعم مشروعاتها.

المطلوب من الناشطين الشباب في إطار الثورة السورية إعطاء هذا الجانب أهمية أكبر في حجم حراكهم، وتأسيس مزيد من هذه المنظمات المحترفة في المجالات الإنسانية والاجتماعية والحقوقية، ذلك لأن خدمة الناس وسد عوزهم وقضاء حاجتهم مقدم على أشياء كثيرة خصوصا مع طول أمد الأزمة، والمطلوب من المؤسسات الإنسانية الخليجية والإقليمية والدولية أن لا تقتصر في نشاطها على تنفيذ المشاريع الخدمية والرعائية للمتضررين فقط، بل يفترض بها الالتفات لمساعدة هذه المنظمات السورية الناشئة في التأسيس والتطوير ونقل الخبرات، وتوفير البرامج التدريبية اللازمة لكوادرها، والعمل على إقامة المؤتمرات والورش التي تناقش واقع هذه المنظمات والإشكاليات التي تعاني منها والتحديات التي تواجهها، والمساعدة في إيجاد الحلول اللازمة لها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وثيقة سياسية ميتة بين أكراد سورية والائتلاف

كرم يوسف

القدس العربي

الخميس 26/9/2013

اتفاق بشكل لا اتفاق هو آخر نتائج حوارات ماراثونية بين ‘المجلس الوطني الكردي في سورية’، و’الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية’،’ بدأت بوثيقة سياسية’بينهما في القاهرة، ولم توقع ‘من قبل الطرفين إلا في آب/اغسطس الجاري، من دون أن تحمل معها ما هو جديد أكثر من بلوغ خط النهاية، من دون أن تكون هناك اي نتائج لهذه المفاوضات، التي كانت تقول المعارضة فيها عن الكرد، بأنهم عشاق انسحاب من المؤتمرات وطالبو نزع الهوية عن هذا الوطن،’ويقول الوطني الكردي فيها عن المعارضة، بأنها ليست أفضل حالاً معهم من النظام.

انتهت هذه المفاوضات من دون أن يكون طرفاها راضيين عما وقعا عليه، وهذا هو الغريب في الأمر، حيث يعترض المجلس الكردي على ثلاثة بنود متعلقة بشكل الدولة، وحجم تمثيلهم في الائتلاف، واسم الجمهورية التي يطالبون بتحويلها إلى السورية بدلاً من العربية السورية، وكل هذا’مقابل اعتراضات لا نهاية لها من قبل كتل وشخصيات كثيرة في الائتلاف، ابتداءً برفض حجم التمثيل، كما كان متفقا عليه في مؤتمر الدوحة بـ3 مقاعد للمجلس الكردي، وانتهاءً بمحاولة إلغاء الهوية’العربية عن سورية وتمزيقها.

لم تستطع هذه الوثيقة السياسية الموقعة بين المجلس الوطني الكردي والائتلاف السوري أن تنهي كل ما كان يقال في سورية عن الأكراد، باعتبارهم’غير مخلصين للثورة، وأنهم منذ بدايات خروجهم في التظاهرات لم يخرجوا إلا وهم رافعون علمهم الكردي، وأنهم لم يشاركوا في القتال لاسقاط النظام، ولم تهمهم معاناة السوريين بقدر ما كان يهمهم الحصول على مطالبهم ولايزالون يفضلون إقامة كردستان مستقلة على حساب سورية الوطن، وهو همهم الأول. ومن المطلوب كبح جماح تطلعاتهم ومطالبهم التي لن تترك سورية بخير بل تحاول تجزئتها.

لم يتخلَ الائتلاف – وهو المظلة الأوسع للمعارضة السورية’- عن اعتبار الكرد خنجراً للتقسيم في خاصرة سورية، كما لم ينجح المجلس الوطني السوري قبلاً في وأد هذه الفكرة، وازداد معه البعد القومي الكردي في سورية، فهو حاضنهم ومرجعهم الأكبر، مادام الشركاء لا يقبلون شكل التعايش الذي يرغبون هم به في سورية، طبعاً لو تجاوزنا التأثير الدولي والتركي بالأخص على الائتلاف، الذي لن يسمح بوجود كيان فيدرالي يثير شهية أكراد تركيا على الجانب الآخر من الحدود.

في مقابل هذا عجزت الوثيقة السياسية الممهورة من الطرفين عن تغيير نظرة الأكراد السوريين في المعارضة، ولا سيما الائتلاف، في أنه يستكثر عليهم الاعتراف بهم كشعب له حقوقه، ولم يمنحهم نظام الحكم الذي يطمحون له وإنه الائتلاف – مصرّ على إلغائهم عبر التهرب من تطبيق ما تم الاتفاق عليه، وزاد من مخاوف الكرد ما طرحه الائتلاف في ختام مؤتمره’في الخامس عشر من الشهر الجاري – الذي اعتبره الكرد تملصاً من الوثيقة الموقعة بينهما – إذ أعلن فيه الائتلاف: ‘يلتزم الائتلاف بأن تخضع كافة الاتفاقات والمعاهدات والمواثيق التي تبرمها أي جهة سياسية سورية أخرى، إلى مصادقة أول مجلس نيابي منتخب، وله حق إقرارها أو تعديلها أو إلغائها’، وتم النظر كردياً إلى هذا الإعلان بأنه نشف الحبر من كلمات الوثيقة الموقعة بينهما، وأن الوثيقة ما عادت’قابلة للتطبيق.

إزاء هذا المشهد لا يمكن القول إلا أنه بعد ثلاث سنين من الثورة، هناك ثمة شرخ كبير بين المكون الكردي وشركائه العرب في سورية، حيث لم تستطع هذه المدة أن تلغي الفكرة التي رسمها النظام عن كل مكون لدى الآخر، فالأكراد دعاة انفصال، والعرب شوفينيون لا يقبلون هذا الوطن إلا عربياً حتى النخاع.

كان من الحري بالائتلاف ألا يكرر حالة الشرخ بينه وبين المجلس الوطني الكردي، في اعتبار الجمهورية الاتحادية، أي النظام الفيدرالي، كفراً وتقسيماً لسورية، وهو الحل الذي يمكن من خلاله تحقيق كل المطالب الكردية، فعلى وجه هذه المعمورة هناك 14 دولة تعيش ضمن هذا النظام، وأحد هذه الدول، أمريكا التي تبسط سيادتها على العالم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بفضل نظامها الفيدرالي الاتحادي، ولو اعتمد الائتلاف هذا الطرح فإنه كان سيستطيع كتابة صفحة جديدة في تاريخ هذا البلد، وأن يجعل الأكراد يقفون معه بقوة في خندق النضال، من دون مخاوف، ويتمسكون بسورية بشكل أكبر.

لا شك لن تستطيع هذه الوثيقة الموقعة أن ترى النور، لأنها لم ترض’الشارع الكردي، ولا العربي في سورية، حيث أن مطالب المجلس الوطني الكردي لم تلب ولا الائتلاف يملك القدرة على تلبيتها، بالإضافة إلى أن من يستلم زمام الأمور اليوم كرديا، هو’حزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة صالح مسلم، وما تم لم يكن بموافقته، وهذا ما حدث حيث اعتبر مسلم في آخر تصريح إعلامي له، أنهم كحزب غير معنيون بهذا الاتفاق، وأن المجلس الوطني الكردي لا يمثل كل الأكراد، ومن الضروري أن تكون أي خطوة سياسية في هذا السياق هي من عمل الهيئة الكردية العليا، وهي المظلة السياسية الكردية الأوسع التي تجمع المجلس الوطني الكردي السوري، ومجلس شعب غرب كردستان. وهل سيتغير شيء في الأمر حتى لو اعترف الائتلاف باستقلال أكراد سورية، مادام النظام حاكماً ومادام السوريون لا المعارضة فحسب هم الذين سيقررون شكل الدولة في المستقبل.

في مقابل ذلك هناك أطر سياسية أخرى مازالت خارج مظلة الائتلاف السوري، وهي التي ستقول كلمة لاحقاً في سورية ما بعد الأسد، من دون القفز على كلمة القوى العسكرية السورية، وعلى رأسها الجيش السوري الحر- لو تجاوزنا التشكيلات الاسلامية المتشددة. عدا عن ذلك فالائتلاف نفسه وضمن بيانه الاخير أعاد الخوف إلى المتفائلين بهذه الوثيقة كردياً في أنها ستُرجأ إلى برلمان سوري حر إلى ما بعد سقوط النظام.

الكلمة النهائية في هذه الوثيقة الموقعة بين الائتلاف والوطني الكردي وغيرها من القضايا المصيرية المتعلقة بشكل هذا البلد، من الصعب أن تكون لأي قوة سياسية تحكم المشهد الكردي أو السوري بشكل عام، وما سيتم الاتفاق عليه سيبقى ميتاً على الأوراق التي وقع عليها، وسيختلف واقع المعارضة السورية عن واقع المعارضة العراقية التي اجتمعت في لندن وحددت دستور وشكل العراق قبل اسقاط نظام صدام في 2003. فالثورة السورية كانت على خلاف كل بلدان الربيع العربي وستكون مختلفة أيضاً بعد سقوط النظام، بالإضافة ألى أن صوت السلاح سيغلب على كل حوار إلى أمد غير معلوم في سورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التجويع حتى الموت في سورية.. سياسة عقابية لا رادع قانونيا لها

يارا بدر

القدس العربي

الخميس 26/9/2013

أطلق ‘مركز توثيق الانتهاكات في سورية’ يوم 24 أيلول/سبتمبر نداء استغاثة إنسانيا عاجلا، وقعت عليه كل من ‘الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان’ و’مركز الخليج لحقوق الإنسان’، حيث تلقى تأكيدات من سكان داخل مناطق (المعضمية في ريف دمشق ومناطق مخيم اليرموك والحجر الأسود في دمشق المحاصرة منذ عدة أشهر، أنّ الوضع الإنساني قد بلغ درجة خطيرة من التدهور، وأنّ كارثة إنسانية حقيقة تهدد حياة الآلاف من السكان المدنيين الذين باتوا في مواجهة خطر الموت جوعاً، أو نتيجة انعدام المواد الطبية والإغاثية في ظل قصف يومي بشتى أنواع الأسلحة).

إلاّ أنّ العالم لم يزل مشغولاً حتى اللحظة، بالخط الأحمر الواهي للرئيس الأمريكي، ومسلسل ‘تسليم الأسلحة الكيميائية’. هنا لا بُد من التذكير بأنّ منطقة ‘المعضمية’ كانت من المناطق التي استخدم فيها النظام السوري الغاز الكيماوي يوم مجزرة 21 آب/اغسطس 2013، التي لا يزال العالم مشغولاً بالحديث عن تبعاتها السياسية. وكأنّ الشعب السوري لم يخسر مئة وخمسين ألفاً من مواطنيه، قتلى نتيجة استخدام النظام السوري لمختلف أنواع الأسلحة الحربية المُحرّمة دولياً، أو نتيجة التعذيب حتى الموت في الفروع الأمنية، أو حتى بالإعدامات المباشرة، كما ذكر تقرير أصدرته منظمة ‘هيومن رايتس ووتش’ بتاريخ 13 أيلول/سبتمبر أكدّت فيه قيام القوات الحكومية السورية وقوات أخرى مساندة لها في أيار/مايو 2013 بإعدام ما لا يقل عن 248 شخصا في بلدات البيضا وبانياس الساحليتين: (تم إعدام معظم هؤلاء الأشخاص بعد انتهاء المواجهات العسكرية وانسحاب مقاتلي المعارضة.

وعند انتهاء القتال، دخلت القوات الحكومية والقوات المساندة لها إلى المنازل، وفصلت الرجال عن باقي افراد العائلة، ثم قامت بإعدامهم من مسافات قريبة. وفي بعض الحالات، قامت هذه القوات بحرق الجثث التي أطلقت عليها النار). الرد الدولي على ضخامة ملف انتهاكات النظام السوري جميع المواثيق الدولية والشرائع والاتفاقيات في حربها الشرسة عسكرياً وأمنيّاً ضدّ شعبها، تمثّل في دعوة 64 دولة عضوا في مجلس الأمن إلى إحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية.

إلاّ أنّ التجويع حتى الموت، يأتي في مستوى مختلف من مستويات سياسات الحروب التي يمارسها النظام السوري، والمسؤولية في هذا الشأن لها شقان: الأول هو مسؤولية تأمين المدنيين وحمايتهم، وفق البروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف الموقعة في 12 أغسطس 1949 الباب الرابع: السكان المدنيون. إذ تقول المادة (14) بحماية المنشآت التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، حيث يُحظّر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب القتال. ومن ثم يحظر، بناءً على ذلك، مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل المنشآت والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، مثل المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري.

(إنّ تجويع السكان المدنيين، كوسيلة من وسائل الحرب، محظور في كلا النزاعين الدولي والداخلي، وهو حظر نُصّ عليه صراحةً في كلا البروتوكولين الإضافيين لسنة 1977 المُلحقين باتفاقيات جنيف الأربع).

أمّا الشق الثاني فهو شق ضمان وصول المساعدات الإغاثية الإنسانية والطبية للمدنيين المحاصرين، الذي تضمنته المادة (23) من اتفاقية جنيف الرابعة، (تتمتّع المساعدة الإنسانية بحق المرور الحُر عبر خطوط المعركة، إذا كانت مُرسلة إلى ‘أطفال دون 15 من العمر والحوامل’). لكن هذا الشق، وفي حالات النزاع المُسلّح، وبحجة حق الأطراف المُتنازعة في التأكّد من عدم مرور مواد قتالية ضمن المساعدات، فتحت صياغته القانونية الدولية مجالاً واسعاً للالتباس، وإمكانيات منع وصول هذه المساعدات (طبقاً للمادة 70 من البروتوكول الأول، إذ لم تتوفر لمدنيين في نزاع مواد كافية ‘تجري أعمال الغوث ذات الصبغة الإنسانية المُحايدة من دون تميّيز مُجحف، شريطة موافقة الأطراف المعنية عليها’).

إنّ سياسة التجويع حتى الموت التي يعتمدها نظام الأسد في حربه ضدّ شعبه، والتي يبدو مجال ملاحقته القانونية عليها من أكثر الملفات إشكالية، لها العديد من الأهداف:

أوّلاَ: تبدأ بكونها سياسة عقابية للبيئة الحاضنة للثورة. سياسة عقابية لا تفرّق بين رجل عجوز، أو طفل قاصر، أو امرأة حامل، أو رجل مُسلّح.

ثانياً: تدعم سياسة التجويع حتى الموت خطة النظام في تهجير السكان المدنيين من مناطقهم، لضمان شــــريط مناطـــقي خاضع بشكل مُطلق لسيطرته العسكرية، وإن كانت أرضاً خالية، أرضاً محروقة. إذ في مدينة المعضمية كما في سواها من مدن ريف دمشق الثائر، وغيره، اتبع النظام مجموعة من السياسات التي يمكن عند تصنيفها اعتبارها ممارسات تأتي ضمن سياسة الأرض المحروقة قبل أي شيء آخر.

الهدف الثالث يتمثّل في الضغط على المنظمات الدولية للحصول على مساعدات إغاثية إنسانية، غالباً لن يصل إلاّ الجزء البسيط جداً منها إلى الأهداف التي أُرسلت من أجلها، من جهة، ومن جهة ثانية فتح مجال للضغط على الثوّار ضمن المناطق المحاصرة لابتزازهم بتلك المساعدات وبحاجتهم إليها لإنقاذ المدنيين، أو سيكونون، قانونياً، وليس عسكرياً، طرفاً مساهماً في عقاب المدنيين المُحاصرين.

الهدف الرابع هو الترهيب، الذي يمتد مداه من إرهاب مناطق الثورة، حتى المناطق المؤيدة، التي يزداد رعب كتلها الصامتة يوماً بعد يوم مع ازدياد الأنباء والتقارير التي تبحث في وحشيّة ممارسات النظام السوري بحق الثوّار.

إنّ النظر في جميع المُعطيات السابقة، يُضاف إليها نداء الاستغاثة الذي أطلقته الأمم المتحدة في بداية شهر يونيو 2013 وكان الأضخم في تاريخها لجمع تبرّعات بقيمة (5.2) مليار دولار لمساعدة 10 ملايين سوري بين نازح، ولاجئ، ومدني مُتضرّر نتيجة الحصار والحرب العسكرية، تؤكد أنّ الأزمة تتجاوز انتهاكات النظام السوري لحقوق الإنسان، باعتبارها الأضخم ربما في التاريخ البشري، مع أن إثبات هذا مرهون بنتائج التحقيقات الدولية التي لن تكون ممكنة فعلياً حتى سقوط النظام وكشف جميع الملفات، كما تتجاوز واجب المجتمع الدولي في الرد عليها، أو في القيام بواجباته الإنسانية في إغاثة المدنيين. إننا نشهد في القرن الواحد والعشرين امتهاناً للكرامة البشرية، وترخيصاً دولياً لنظام بقتل شعبه، ليس بضربة واحدة، كما يُتيح له السلاح الكيميائي أن يفعل، وإنّما ببطء شديد وعلى مدى زمني مفتوح، ممّا يضع المجتمع الدولي أمام حقائق تلزمه بمراجعة عميقة للممارسات والقوانين التي يتبعها كسياسات في حماية حقوق الإنسان. لقد تجاوز الأمر محاسبة نظام الأسد، إلى محاسبة أشمل. قد تكون مجرّد رغبات اليوم، لكن أي دراسة مستقبلية سياسة أو حقوقية لإبادة الشعب السوري وما حدث في ثورة آذار 2011 في سورية، ستكون صفحتها المقابلة دراسة التخاذل الدولي في جميع المستويات السياسية، والحقوقية والإغاثية والإنسانية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف: الأسد ولافروف وفيسك ولعبة : مين شافها حط عليها وكل اللعبة على الحبة

24.09.2013

زهير سالم

هذه لعبة عالمية عرفت ذلك بعد إقامتي في لندن . كنت أمر بورشاتها وأصحابها من ( الشبيحة ) في أحياء حلب ( الكشتبان والحبة ) . واليوم أمر بهم هنا على جسر ( وست منستر ) في لندن . للحقيقة يجب أن أشهد وإن عن بعد للشبيح السوري بفضل براعة عن الشبيح الانكليزي . الكشتبانات الثلاثة وحبتهم أصغر بكثير من الكؤوس اللندنية الثلاث . يزعم الخبراء الحلبيون أنك لو أبعدت الشبيح عن لوحته وكشفت الكشتبانات الثلاثة لما وجدت تحتها حبة قط . الحبة تكون مختبئة تحت أظفر المخادع الماهر ..

بدون أي احترام لأي من المذكورين أعلاه سأكشف لكم في هذا الصباح عن خبيئة الكؤوس اللندنية أو الكشتبانات الحلبية وأترك الأمر بدون تعليق لتحكموا بأنفسكم أو لتعلقوا كيفما تريدون على لعبة ( مين شافها وحط عليها ) التي أصبحنا نتابعها بين أصابع كبار الساسة والإعلاميين المفترض فيهم ولو حد أدنى من الاحترام ...

والحبة الغائبة أو الموضوع المطروح هو  : السلاح الكيماوي السوري تخزينه وأمنه ومصدر الصواريخ المستخدمة في غوطة دمشق ..

أبدأ ببشار الأسد في حديثه للتلفزيون الرسمي الصيني :

يقول بشار الأسد في مقابلته الطازجة مع التلفزيون الرسمي الصيني إن الأسلحة الكيماوية في سورية مخزنة في شروط خاصة وهي في أمكنة حصينة وأيد أمينة لا يمكن للإرهابيين القادمين من وراء الحدود الوصول إليها وإليكم نص كلام بشار لأن بعض الناس لهم رأي في الرواية بالمعنى قال بشار للتلفزيون الرسمي الصيني نشر اليوم ( إن الأسلحة الكيماوية مخزنة في ظل ظروف خاصة لمنع أي إرهابي من قوى مدمرة أخرى من العبث بها .وهي قوى مدمرة يمكن أن تأتي من دول أخرى .

ومن ثم فليس هناك ما يدعو للقلق . الأسلحة الكيماوية في سورية في مكان آمن مؤمن وتحت سيطرة الجيش العربي السوري ) هكذا قال بشار

وكان للكذاب الروسي الأشر رأي آخر طازج أيضا ..

وأقول طازج لكي لا يقول لي قائل أنني أستفيد من تفاوت زمن التصريحات مع تغير المستجدات ..

 يحدث لافروف الشعب الروسي على القناة الروسية الأولى فيقول إن المعطيات لدى بلاده تؤكد أن الإرهابيين في سورية قد سيطروا أكثر من مرة على مواقع الأسلحة الكيمائية واستولوا على كميات منها . ولا ينسى أن يذكر المراقبين الذين سيتابعون موضوع الأسلحة في سورية بضرورة استلام هذه الأسلحة وتدميرها ( إنه الإخلاص ) وإليكم كلام لافروف بنصه الصحفي حيث أكد لافروف للقناة الروسية الأولى ( أن المعطيات لدى بلاده تثبت وقائع سيطرة المسلحين على مناطق كانت توجد فيها مستودعات سلاح كيمائي مؤكدا أنه أثناء عمل خبراء لمنظمة الأسلحة الكيمائية يجب أن تسلم المعارضة ما استولت عليه من أسلحة ..)

أما ثلاثي أثافي الإفك و( أجاثا كريستي ) حل اللغز البوليسي بخياله المفبرك روبرت فيسك فله توليفة أخرى على صفحات الأندبندت هذه المرة  يقول

إن الرئيس بوتين يملك الأدلة القطعية على أن الإرهابيين هم من استخدموا هذه الأسلحة في الغوطة فقتلوا 1400 سوري من الأبرياء . الرئيس بوتين يجد نفسه محرجا من تقديم الأدلة لنظيره الأمريكي . إنها ثمرة خطيئة سوفيتية قديمة . بوتين يكتشف في غوطة دمشق ولدا سوفيتيا زنيما من علاقة قديمة محرمة مع اليمنيين أو الليبيين أو المصريين وإليكم نص الرواية ..

 ويقطع علينا السيد روبرت وعلى العقل البريطاني الطريق سلفا بقوله ( المعلومات الواردة في الرواية لا يمكن التأكد منها في وثائق رسمية  !!!!! ) الصاروخ التي اكتُشفت أشلاؤه في غوطة دمشق سوفياتي الصنع . وهو من مواليد 1967 وتم بيعه إلى اليمن أو مصر أو ليبية . يأسف فيسك  لعدم القدرة على توثيق هذه المعلومات ولكنه الخيال البوليسي يفترض .

( إن كميات هائلة من الأسلحة السوفيتية الصنع قد وقعت في أيدي الجماعات المتمردة ومسلحين مرتبطين بتنظيم القاعدة بعد سقوط نظام القذافي ) هذا ترشيح للقول إنها قد تسربت إلى أيدي المعارضين السوريين وينسى البريطاني الحصف أن القذافي قد دمر كل أسلحته الكيمائية قبل سنوات طويلة من سقوطه .

ولا ينسى وهو يقدم اختراعا تفسيريا لبشار الأسد والروس أن يطالب الروس بإيجاد الوثائق المؤيدة لنظريته العلمية التاريخية فيقول ( وفي حال كان الروس قادرين فعلا على التعرف إلى علامات محددة في شظايا صاروخ عثر عليها فعلا . وأنها فعلا من ذخائر لم يتم تصديرها إلى سورية فإن ذلك سيجعل نظام الأسد يتباهى ببراءته ...

المهم في كل ما أكتب إليكم أن أكثر من عشر يوميات إعلامية عربية موقرة نقلت نظرية فيسك عن الاندبندت البريطانية الرصينة على أنه خبر وحقيقة حتى قبل أن يعثر الروس على الأدلة التي تثبت التوهمات الفيسكية ...

على العقل العربي دور وكل اللعبة على الحبة ...

لندن : 18 ذو القعدة 1434

24 / 9 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إعادة أطفال سوريا إلى المدارس: واجب مؤسسي

ميساء جلبوط

الشرق الاوسط

الخميس 26/9/2013

في مدينة نيويورك يعقد إلى جانب الاجتماع الدولي في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع اجتماع ذو صدى خاص بالنسبة للعالم العربي وشركاته على وجه التحديد. في 23 سبتمبر (أيلول)، حشد غوردن براون المبعوث الخاص لدى الأمم المتحدة للتعليم العالمي التأييد لدعم خطة جديدة تتناول أكثر عنصر يلاقي إهمالا في الأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب في سوريا: التعليم.

دائما ما كانت هناك حاجة إلى استثمار الشركات في مجال التعليم. ولكن تحول الأمر إلى واجب أخلاقي نظرا للضرورة الشديدة للمساعدة على تغيير حياة مئات الآلاف من الأطفال اللاجئين التي تحطمت. يمكن أن يقدم ذلك فرصة أمام استثمار الشركات في المجتمع مما يجعلها متجاوبة ومدفوعة بالنتائج بما يتماشى مع التزامات المساعدة الوطنية.يتصدر التعليم أولويات اللاجئين، كما صرحت إحدى الأمهات السوريات الأسبوع الماضي قائلة: «التعليم بالنسبة لأبنائي أهم من أي شيء آخر»، معبرة عن مشاعر ما يزيد على مائة أب وأم أجريت معهم لقاءات في سوريا وفي مخيمات اللاجئين أثناء ما كان يعد أسبوع العودة إلى المدارس. وورد في تقارير الأمم المتحدة انتقال الأسر من مكان إلى آخر بحثا عن مدرسة ربما يكون بها أماكن خالية لأبنائها. ولا يتوقف التعليم بالنسبة لهذه الأسر عند تعلم القراءة والكتابة، ولكن استعادة درجة من الطبيعية إلى حياتهم التي انقلبت. يوفر التعليم لأبناء هذه الأسر الحماية، حيث من دونه سيظلون يتسكعون في مناطق محيطة تتسم بالخطورة. من خلال المدرسة، يستطيع مستشارون العمل مع الأطفال للبدء في التعامل مع صدماتهم ووضع أسس لعلاجهم.

لا يمثل الذهاب إلى المدرسة الأمل الوحيد في المدى القريب، ولكنه أيضا استثمار مهم لمستقبل كل طفل لاجئ. إنه بداية لتناول ما أصبح يمثل قضية تنموية طويلة الأجل في سوريا والمنطقة، حيث دخل الصراع في عامه الثالث وتضاءلت فرص العودة إلى الدراسة بالنسبة لكثير من الأطفال.

أوضح تقرير صادر عن منظمة اليونيسكو في يوليو (تموز) الماضي تأثير الصراعات الدائرة في المنطقة على التعليم. تسرب أربعة ملايين طفل من مرحلة التعليم الابتدائي في البلدان العربية المتأثرة بالصراع، وتبلغ نسبتهم 84 في المائة تقريبا من إجمالي الأطفال المتسربين من التعليم في العالم العربي. وفي ظل الأعداد الهائلة المضافة من الأطفال السوريين المتسربين من التعليم، تتجه المنطقة سريعا نحو أكبر أزمة تعليمية.

في المقابل، تقل المساعدات المخصصة للتعليم كثيرا عن حجم الاحتياجات، فوفقا لـ«تعليم بلا حدود»، يقدر تقرير جديد أعده رئيس معهد تنمية ما وراء البحار كيفين واتكينز عدد الأطفال المتسربين من التعليم في لبنان وحده بنحو 270.000 طفل. ومما زاد الوضع سوءا أن الحكومة اللبنانية تحصل على تمويل ضئيل للغاية من أجل اللاجئين. كتب واتكينز في تقريره: «إذا كان أطفال سوريا اللاجئون يمثلون دولة، سيشكلون أقل معدل التحاق بالمدارس في العالم على مستوى التعليم الابتدائي والثانوي. كما يجد الأطفال الفلسطينيون فرصا ضئيلة. ويوثق تقرير صادر عن وكالة أونروا أن نحو ثلث الأطفال اللاجئين من المخيمات الفلسطينية في سوريا التحقوا بمدارس في نهاية عام 2013 الأكاديمي».

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية لاستيعاب الأطفال اللاجئين، فإنها في ظل عدم وجود مزيد من الدعم المالي، تواجه خطر انهيار نظامها التعليمي المجهد بالفعل. في عام 2012، قبلت 980 مدرسة حكومية نحو 30.000 طفل سوري في المرحلة الابتدائية، ويشكل هذا العدد 20 في المائة من المدارس القائمة. وفي ظل التقديرات الراهنة التي تشير إلى ارتفاع العدد إلى 409.000 طفل في سن الدراسة، سيُجبر نظام التعليم الحكومي على مضاعفة عدد الطلاب في غضون عام واحد. ويحذر واتكينز من أن هذا غير ممكن.

إن الجهود القائمة المبذولة من حكومات ومنظمات لا تستهدف الربح في دول مثل الإمارات وقطر ذات أهمية بالغة في توصيل المساعدات الإنسانية الرئيسة إلى اللاجئين السوريين. وإدراكا لأهمية التعليم، يُنفق بعض من هذه المساعدات على التعليم ولكن ما زالت هناك حاجة إلى المزيد.

يقترح غوردن براون خطة تبلغ تكلفتها 500 مليون دولار وتستغرق ثلاث سنوات من أجل إلحاق جميع اللاجئين في سن التعليم من سوريا (سوريين وفلسطينيين) في لبنان بالمدارس. وتهدف الخطة إلى بناء سعة النظام التعليمي الحكومي اللبناني المضغوط بالإضافة إلى تشجيع العديد من المنظمات غير الحكومية دولية ووطنية المستعدة لتقديم برامج عالية الجودة. وتتضمن الاستراتيجيات الرئيسة، بقيادة اليونيسيف: التوسع في نظام الفترتين في النظام التعليمي بأسره؛ إعادة تأهيل المقرات التي تقل عن المستوى المطلوب؛ تعيين معلمين جدد؛ تغطية تكاليف التسجيل؛ توفير الدعم التعليمي والنفسي الاجتماعي الضروري للأطفال. وسوف تضمن هذه الخطة إلحاق 300.000 طفل موجودين بالفعل في لبنان وتعد لاستقبال 200.000 آخرين مع زيادة تدفق اللاجئين. كما تتضمن الخطة نحو 100 مليون دولار لتغطية أعباء تكاليف الانتقالات والوجبات المدرسية.

النتيجة هي أن الهدف قابل للتحقيق. وبتكلفة من 400 إلى 600 دولار للطالب الواحد، يمكن ويجب أن يوفر المجتمع الدولي مستقبل جيل من الممكن أن يضيع.

توجد خمسة أسباب لكي تلبي الشركات في المنطقة النداء:

1- أطفال اليوم هم القوى العاملة في الغد. وتعلم الشركات أهمية التعليم، فهي تستثمر كثيرا في تدريب وتعليم موظفيها، وفي المدارس وبرامج تعليم أخرى في المجتمع تضمن وجود أساس لقوى عاملة متعلمة وماهرة ومجتمع واع. وتعد هذه استثمارات ضرورية طويلة الأجل. وهنا يصبح ضمان ذهاب الأطفال السوريين إلى المدارس فعليا قاعدة مطلقة لهذا الأساس.

2- تزدهر الشركات في المجتمعات المستقرة الصحية. وتجد الشركات أهمية كبيرة في الاستثمار بكفاءة من أجل زيادة الاستقرار. وبالنسبة لهؤلاء الأطفال السوريين، على الأقل، يحقق الذهاب إلى المدرسة اختلافا بين الأمل والاستقرار، واليأس الكامل. وتتفهم الشركات والمؤسسات التبعات التي سوف تلحق بالاستقرار الإقليمي على المدى البعيد إذا عانى هؤلاء الأطفال من اليأس دون حتى الحصول على حقهم الأساسي في التعليم.

3- تسعى الشركات إلى الحصول على نتائج وقيمة مقابل المال. فتستثمر الشركات من أجل الحصول على نتائج ملموسة. لا يوجد كثير من برامج الاستثمار المجتمعي التي تنظمها الشركات في المنطقة العربية والتي يمكن أن تحقق تأثيرا أفضل من استثمار مبلغ من 400 إلى 600 دولار في إلحاق طفل مشرد بسبب الحرب بالدراسة لمدة عام. تستطيع كل شركة تدرس هذا الاستثمار أن تعقد مقارنة مباشرة بين عائد استثمار الدولار في هذا البرنامج في مقابل استثماره في مبادرات نمطية، وسوف تصل إلى نتيجة مذهلة للغاية.

4- تسعى الشركات إلى تنظيم مواردها وتعزيزها. وتدخل الشركات في هذا المشروع في إطار تعاوني يجمع بين موارد وخبرات منظمات من جميع أنحاء العالم. وفي ذلك فرصة للمساهمة في والتعلم من شراكات فعالة ذات تأثير واسع النطاق، مما يمكن تطبيقه على تحديات إقليمية رئيسة أخرى. علاوة على ذلك، توجد فرصة لتنظيم ودعم التزامات الحكومات الإقليمية في مجال التعليم تجاه هؤلاء اللاجئين، وفي الوقت ذاته يبعث المشروع برسالة ذات أهمية لتلك الحكومات لتخصيص مزيد من الاستثمارات في هذا المجال.

5- تسعى أفضل الشركات للقيام بالصواب، فيما يتجاوز الواقع التجاري المعقول، ويستدعي الالتزام الأخلاقي التحرك في مواجهة هذه الأزمة الإنسانية. يعلم رؤساء أفضل الشركات في المنطقة جيدا أن شركاتهم جزء لا يتجزأ من المجتمعات التي تعمل بها، كما أن معاناة المجتمع مسؤولية كل فرد. يجد هؤلاء الرؤساء التنفيذيين القوة والطاقة والحكمة – لأنفسهم ولشركاتهم – للقيام بالفعل الصائب في وقت الشدائد.

أي الشركات ستلبي النداء؟ وأي الشركات ستساعد على مداواة جيل من الأطفال؟

* زميلة في معهد «بروكينغز» ومختصة بقضايا التعليم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: كيف لعبت موسكو دورها المرسوم!؟

بقلم: محمد قواص

مجلة العرب

نُشر في 13/09/2013، العدد: 9319

يُعيد مشهد القطع الحربية البحرية التي تتدافع على البحر المتوسط إنعاش ذاكرة الحرب الباردة بين الكتلتيّن الشرقية والغربية في هذا العالم. البرودة العامة لتلك الحرب أتت بعد سخونة لاسعة في مفاصل زمنية عدة كان أبرزها أزمة الصواريخ في كوبا (عام 1962) والتي كادت أن تُفجّر حرباً نووية بين الجباريّن. الأمر انتهى حينها بتسوية وتراجعات جديرة بنهايات الأفلام الهوليوودية.

تولّت واشنطن وموسكو السوفياتية خوض الحروب بينهما بالوكالة هنا وهناك. الولايات المتحدة تُدافع عن الحرية ضد "الإلحاد والشيوعية"، والاتحاد السوفياتي يُدافع عن "البروليتاريا والشعوب المُستَعْبَدة ضد الإمبريالية". في الجولات والصولات، تمكن الأمريكيون في الميدان الأفغاني من إنهاك السوفيات وهزمهم، فيما تولت "بيريسترويكا" (غورباتشيف) الإجهاض على النظام المتعب في موسكو وامتداداته في أوروبا الشرقية. ثملت واشنطن من كأس الانتصار وأعلنت بتثاؤب عن "نهاية التاريخ" ـــــ حسب فرانسيس فوكوياما ـــــ .

لم ينتهِ هذا التاريخ. أعاد (صاموئيل هانتنغتون) الكلام عن "صراع الحضارات" مستشرفاً الصدام مع الشقّ الإسلامي من هذا العالم. لكن هل كان ذلك إسـتشـرافاً أم قراراً باختراع عدو جديد تُدار الصراعات حولـه لعقود..!!؟؟

صحت روسيا من كبّوتها وعادت «ببوتينية» طموحة تُقارع العالم تحرياً لأمجاد في السياسة والاقتصاد والقوة العسكرية. على أن تلك المقارعة تبدو سلوكاً بلطجياً، على ما شهدناه في جورجيا (عام 2008)، أكثر منه استراتيجية ذات مصداقية بإمكانها أن تُعيد روسيا إلى عهود غابرة.

يتقدم المشـهد السـوري مناسـبـة لموسـم المبارزة بين روسـيا والولايات المتحدة. في تلك المبارزة تبدو الصين عنصراً متضامناً مع الروس أكثر منـه عنصراً غيوراً على سـلامـة النظام في سـوريا. على ذلك، لا يتأسس الموقف الروسي على تحالف ايديولوجي (شيوعي سابقاً رغم التناقض بين الماوية واللينينية)، ولا على تحالف عسكري (يُعيد أمجاد حلف وارسو) ولا على تحالف سياسي (حيث روسيا جزء من مجموعة الثماني الشبه أطلسية). وعلى ذلك يتقدم الموقف الروسي صلباً متيناً في الشكل، مخصباً بكثير من اللبس والخواء في المضمون..!!

يخوضُ (بوتين) وإدارته الصراع حول سوريا على نحو يوميّ تُقرره أسعار الصباح كما في «حسبة» الخضار الفجرية. في كل لحظة، ووفق تقلّبات السوق، يصبّ (بوتين) بضاعة روسية في الإناء السوري نافخاً بتصريحات مدافعة عن نظام دمشق، دافعاً بالعتاد العسكري، ومرسلاً سفنه إلى شواطئ قاعدته في طرطوس. لكن رجل روسيا القوي، يسحبُ في لحظات أخرى بضاعةً روسية من الإناء السوري مسرِّباً تصريحات تُعبِّر عن ضيق من الأسد ونظامه، معلناً عن عدم نية بلاده الحرب من أجل دمشق وشخوصها، فيما تنهمك سفنه في إخلاء رعايا روس من البلاد. وما بين سلوكيّن متناقضيّن (وفي السياسة قد يجوز أن يتكاملا) تدورُ لعبةُ أممٍ ندر مثيلها في تاريخ المناورات السياسية ـــــ العسكرية في العقود الأخيرة.

ورغم حالة التراجع التي دشّن بها الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) عهده في أفغانستان والعراق، ورغم الأزمة الاقتصادية التي تأثّر بها كثيراً الاقتصاد الأمريكي، وتأثر بها قليلاً الاقتصاد الروسي، فإن الولايات المتحدة ما زالت تتربع على عرش العالم في السياسة والمال والاقتصاد والقوة العسكرية، فيما لا يبدو أن تقدما مُهدّدا لتلك الزعامة تسعى إليه جدياً دول أخرى.

في هذا الصدد، لا تخسـر روسـيا شـيئاً في مناورتها التصعيديـة المتحديـة للغرب في المسـألـة السـوريـة. تروم موسـكو تثبيت نفوذ لا تملكـه في المنطقـة، وتسـعى لإحداث شـغب في الملعب الأمريكي التقليدي؛ فإذا ما ربحت رهاناتها، فذلك مكسـبٌ خارج الحسـاب، وإذا ما خسـرتها، فهي لن تخسـر ما لا تملكـه..!!

الكلام الروسي عن نفوذ ومصالح لروسيا في سوريا كلام مستجد ربما فاجأ السوريين والروس أنفسهم قبل أن يُفاجئ الغرب. لا يذكر المراقب أي دور لروسيا في خيارات دمشق السياسية سواء في شأن التسوية مع (إسرائيل)، أو في إدارة الصراع مع العراق بعد الاحتلال الأميركي، أو في تطوير التحالف مع طهران وما يواكبه من إنهيار جدلي للعلاقات مع الرياض والقاهرة، أو في التعاطي مع الشأن اللبناني منذ اغتيال رفيق الحريري والانسحاب العسكري السوري من هذا البلد. بدت روسيا بالنسبة لدمشق، كما لأهل المنطقة، ذكرى من تاريخ سوفياتي غابر!

من تلك الحقيقة يبدو الدور الروسي مرتجلاً، ناجحاً، رغم ذلك، في ضخّ جرعات عالية من التعقيد على حالة هي أصلاً معقّدة في سوريا، ما أغرى الكثير على اعتبار أن ذلك الدور الروسي بات مطلوباً من الغرب كعنصر من عناصر إدارته للصراع في المنطقة عامة وحول الشأنين السوري الإيراني خاصة (دور موسكو في حرمان دمشق من سلاحها الكيماوي قبل أيام دليل آخر على ذلك).

بالمقابل تبدو الولايات المتحدة تُدير دفة الفعل تاركة لروسيا التمتع بردّ الفعل (آخر الأمثلة توجيه كيري إنذاراً لدمشق بتسليم المخزون الكيماوي تولى لافروف تلقفه وترتيب الاستجابة للرغبة الأمريكية).

في عوامل الفعل أن تنكفئ الولايات المتحدة عن الميدان السوري المباشر في العامين الأخيرين، لكنها تُحسن ضبط إنفعالات حُلفائها الداعمين للمعارضة السورية وفق الإيقاع الأمريكي وحده، وتنضبط تركيا كما دول الخليج تحت السقف المرفوع أمريكيا. وتعمل الإدارة الأمريكية مع روسيا ـــــ وهنا يُصبح الدور الروسي ضرورياً ـــــ لاستشراف تسوية في جنيف لا تقتل الناطور ولا تُفني الغنم. وهي تسوية لا تُرضي النظام ولا تُرضي المعارضة. ووفق الأجندة الأمريكية تندفع مشاريع «التأديب العسكري المحدود والمتناسب» والتي لا تُسقط نظاماً ولا تنصر معارضة ولا تُعادي منافساً في موسكو.

تملك روسـيا لغـة تعطيل، لكنها لا تملك مفاتيح الحلّ. وواضح من دروس سـابقـة أن الأصوات العاليـة تخفت أمام جلبـة الكبار. عندها تُقرّ موسكو أنها لن تُحارب من أجل سوريا، وتذهب درءً لغضب واشنطن إلى إجبار دمشق على «تسليم» مخزونه الكيماوي (على الرغم من إصرار بوتين المتكرر أن من استخدم ذلك السلاح هو المعارضة!)، كما يُعلن "حزب الله" أن لا نية لديه لمهاجمة أهداف غربية، فيما تعترف طهران بالـ (هولوكوست) وتُعلن أن لغة "نجاد" ولّت مع "نجاد".

في اجتماع الثمانية الكبار في (سان بطرسبرغ)، يُخبرنا (بوتين) أن نظيره الأمريكي «لم يُنتخب لإرضاء روسيا». ويكشف لنا (أوباما) أن المحادثات مع الرئيس الروسي حول الشأن السوري كانت «مفيدة وأن كل طرف بقي على موقفه». أهمل الزعيمان حينها إخبارنا أنهما ناقشـا «المبادرة» الكيماويـة؛ بكلمة أخرى، مطلوب من الزعيمين أن يُحافظا على خلافهما، فذلك ضرورة لمنح أي تسـويـة محتملـة مصداقيـة المتخاصمين.

كلمة السرّ الكبرى في الصراع بين موسكو وواشنطن هي تسوية جنيف العتيدة. الأخضر الإبراهيمي ينعى أي تسوية سياسية في حال تنفيذ الضربة العسكرية ضد سوريا. موسكو أيضاً حذَّرت من الأمر، قبل أن يُخفف (لافروف) من هذا الاحتمال ويُحذّر من تضاؤلٍ فقط لفرص نجاح جنيف في حال نُفذت تلك الضربة، ذلك أنه ماذا يبقى لروسيا (التي قالت أنها لن تُحارب) إذا ما أعدمت الحرب فرص التسوية في جنيف؟

ربما هكذا يجب أن نفهم التحوّل السوري الذي أفصحت عنه تنازلات وليد المعلم في حضن العاصمة الروسيّة. بين ليلة وضحاها، لا بل بين ساعة أمريكية وأخرى روسية، تُعلن دمشق عن استعدادها لتسليم ما تملكه من أسلحة دمار شامل، واستعدادها لحضور مؤتمر جنيف دون شروط مسبقة، وللتنازلات بقية..!!

صحافي وكاتب سياسي لبناني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلفة بقاء بشار

جمال خاشقجي

الحياة

بمناوراتها غير المقنعة باتت روسيا «العظمى» تلعب سياسة دولية بالطريقة الإيرانية السمجة، فهي تفاجئ العالم الأسبوع الماضي بمبادرة بدت جدية، تستند إلى القانون الدولي ومجلس الأمن لتجريد النظام السوري من السلاح الكيماوي في مقابل منع حرب كانت تلوح في الأفق، موقف متفق مع مسؤولية «دولة عظمى»، فإذا بها تتردى بعد أيام، فتخرج في صورة حكومة ديكتاتور صغير يجيد الكذب والمناورة.

 

الإيرانيون أجادوا هذه السياسة، فهم يدعون جيرانهم إلى الإخاء والتعاون ثم يتآمرون عليهم، يتحدثون عن تحرير القدس ثم يحتلون لبنان، أما الروس فيتحدثون عن إنقاذ المنطقة والعالم من سلاح بشار الكيماوي، وهم في الحقيقة يريدون إنقاذ بشار وإطالة عمر نظامه، يخربون علاقتهم مع دول العالم بكل بلطجة.. المهم عندهم أن يبقى بشار! ليس مهماً أن نعرف ما الفائدة العائدة عليهم من ذلك، فهذه مشكلتهم، أما مشكلتنا فهي كيف سنعيش بجوار بشار لو نجح الروس في خداع الأميركيين أو تآمروا معهم هم والإيرانيين وعقدوا صفقة خلف ظهر الشعب السوري ودول الخليج، أو حتى «طفشوهم» فيبتعدوا عن سورية وكل المنطقة.

 

في النهاية، وبعد رحيل أميركا وابتعاد الغرب عن الحالة السورية، سنبقى نحن في السعودية والخليج وتركيا والأردن ولبنان والعراق، ووسطنا نار مشتعلة في قلب شرقنا الأوسط، تغذيها الكراهية والطائفية والظلم وتداخلاتنا الإقليمية، فما هي كلفة ذلك؟

 

يجب ألا نستبعد افتراض استمرار الحرب سنوات، حتى لو كان البديل للتدخل الأميركي الحاسم، رفع مستوى تسليح المعارضة، فبقدر ما نقف مع الثورة تقف إيران وحزب الله وروسيا مع النظام وأكثر، يدعمونه ليس بالسلاح بل حتى بالرجال، لم تعد مشاركة الحرس الثوري الإيراني وقائده قاسم سليماني في الحرب السورية سراً، بل باتت لهم القيادة والصدارة في أكثر من جبهة هناك، كما أن روسيا لم تلتزم يوماً بوقف السلاح عن النظام، وبالتالي فنحن أمام وصفة لحرب أهلية طويلة الأمد قد تستمر سنوات وسنوات، ولنتذكر أن الحرب الأهلية اللبنانية استمرت 15 عاماً متصلة.

 

ستكون لذلك تأثيرات هائلة في أمن واستقرار المنطقة، فالأمل بتوافق عربي - إيراني، يريحنا ويريحهم، سيؤجل إن لم يتلاشَ، بل إن فرص المواجهة ستزداد في أجواء الحرب وتبادل الاتهامات، كلما حققنا انتصاراً «بالطبع على الأراضي السورية» غضبوا وكان لهم رد فعل، وكلما حققوا انتصاراً فعلنا مثل فعلهم، ستؤجل المصالحة في البحرين، وستعطل الخطة الخليجية لنقل السلطة في اليمن، سيزداد إنفاقنا على التسلح والأمن.

 

أما محلياً فثمة كلفة على كل دول المنطقة من جراء إطالة أمد الحرب، لبنان قد يكون أول من يجر إلى أتونها، الوصفة جاهزة، والجميع واقف على الحرف وينتظر من يدفعهم، أما إن نجا من ذلك فلن ينجو من الكلفة المادية الهائلة للاجئين، والأخطر منها تأثير الوجود طويل الأمد للسوريين بلبنان في التوازن السكاني «الطائفي» الذي توافق عليه اللبنانيون منذ استقلاله، بألا يكون صغيراً جداً «فيتمرون» ولا كبير جداً «فيتسنن»، هدد اللاجئ الفلسطيني هذا التوازن فحصر في المخيم وحرم من حقه في العمل، فكان سبباً لحربه الأهلية الأولى، قس هذا بذاك واسأل ما تأثير وجود نصف مليون سوري ثري وفقير ومعدم في لبنان بعد 5 سنوات؟

 

الأردن أقوى أمنياً، ولكن يواجه هو الآخر تهديداً ديموغرافياً، ونصيبه من اللاجئين أكبر، مليون و300 ألف لاجئ حتى الآن، هي الموجة الخامسة من اللاجئين تصيب شرق الأردن، وبالتأكيد سيكون لها تأثير في طبيعته وتركيبته السكانية والسياسية، اللاجئون يستقرون بمرور الزمن في بلد اللجوء، يمدون جذورهم، يتصاهرون، يؤسسون مصالح وحلفاء، حتى لو انتهت الحرب بعد سنة أو خمس، سيبقى بعضهم، ثمة كلفة باهظة لذلك، والأردن ذو موارد محدودة، من المفيد أردنياً أن يطرح السؤال، كيف ستكون بلادنا لو استمرت الحرب السورية 5 سنوات؟

العراق سيسحب أكثر نحو الحرب السورية، الوضع اليوم متأزم فيه بين شيعته وسنته، وإذا كان هناك عاقل يريد تخفيف الاحتقان الطائفي، فإن استمرار الحرب هناك سيسعر منه، شيعته يتطرفون ويقاتلون هناك في صف نظام بعثي! وسنته يتطرفون ويقاتلون النظام والشيعة ويهدمون الأضرحة، بل يقاتلون حتى الجيش الحر. أكراد العراق أيضاً تنزلق أقدامهم أكثر كل يوم في سورية، ينصرون إخوانهم الأكراد الذين تهددهم «النصرة» في معركة نفوذ وليس لعرق أو دين، بينما تنظيم دولة العراق والشام يهددهم لأنه يكره كل ما هو «آخر»، في النهاية يزداد عدد اللاجئين في كردستان.

 

أما تركيا، فكأن أردوغان لا تنقصه مشكلات، فتطفح عليه الحرب السورية بمشكل طائفي لم تعهده بلاده من قبل، فها هي تظاهرات علوية تناوئه وترفع صور بشار، للمرة الأولى تشهد بلاده اصطفافاً طائفياً يضيف إلى مشكلات أردوغان مع العلمانيين والأكراد، مشكلة جديدة مع العلويين تهدد الوحدة الوطنية هناك، ربما إعلان الحرب على بشار أقل كلفة من حالة الانقسام هذه غير المسبوقة التي تكاد أن تأكل نجاحات الحكومة.

 

أما السعودية، وإن لم تكن دولة مجاورة لسورية، لتتحمل كلفة مئات آلاف من اللاجئين، إلا أن دورها القيادي في المنطقة يحتم عليها أن تتحمل كلفة من يتحمل عبء اللاجئين، فاستقرار الأردن ولبنان من استقرار السعودية، ولكن وعلى رغم القدرة المالية الهائلة لها، وما تتمتع به من استقرار فإن الربيع العربي بات مكلفاً عليها، بل إن الكلفة لا تتوقف، فالتدخل السعودي هنا أو هناك قد يعدل المسار ولكن لا يضمن النتائج ما لم يتابع، والمتابعة مكلفة، اليوم تتحمل السعودية مسؤولية تحقيق الاستقرار في البحرين، وهنا نجحت بشكل جيد، كما أن الكلفة ليست باهظة، عدا أن البحرين استثمار ذو اتجاهين فستفيد من السعودية ويستفيد الاقتصاد السعودي منها، ولكن دخلت المملكة مغامرة مكلفة في مصر، وثمة مصلحة استراتيجية لها في مصر لا تنقطع أو تتغير بتغير الحكام فيها، ولكن مصر مكلفة وتحتاج إلى معجزة اقتصادية، حريٌّ بالحكومة المصرية أن تحققها، وإن لم تفعل، لا بد من أن تهب المملكة لمساعدتها، في ظل هذه الأعباء وغيرها، تتردى الأوضاع شمالاً في سورية، وتزداد تردياً بالتخلي الأميركي والتمدد الروسي - الإيراني.

 

ما العمل؟ لا أحد يعرف، فالحرائق تشتعل هنا وهناك، بعضها ناتج من خطأ في التقدير، والبعض الآخر نتيجة طبيعية لتحولات الربيع العربي التاريخية، المهم الآن، إسقاط بشار وإطفاء الحريق السوري قبل أن يمتد إلى الجيران.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

على من تقع المسؤولية عندما تتبرأ بعض التشكيلات العسكرية في الجيش الحر من الائتلاف؟

محمد فاروق الإمام

لم أستغرب إصدار بيان وقعته مجموعات من كتائب وألوية الجيش الحر تعلن فيه أنها لا تعترف بأي "تشكيلات" معارضة في الخارج، بما فيها الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة التي لم تبصر النور حتى الآن.. لم أستغرب موقف هذه المجموعات من الائتلاف وحكومته كون الائتلاف يغرد خارج السرب السوري وفي فضاء لا يمت لسورية ولا للثورة السورية بصلة لا من قريب ولا من بعيد، فهو يتخذ القرارات ويعقد اللقاءات ويجري المشاورات بعيداً عن رأي الداخل السوري سواء في تشكيلاته المدنية أو فصائله العسكرية، ظناً منه أنه قد أمسك بكل أوراق الثورة واشترى الثوار بحفنة من الدولارات أو بعض الذخائر والأسلحة وبعض المساعدات الإنسانية؛ التي لم ترق إلى الحد الأدنى من المستوى المطلوب والحاجة الملحة، ولما كانت هذه التشكيلات تعتمد في تأمين ما تحتاجه على سواعد مقاتليها وما تغنمه من عدوها فما حاجتها إلى أوصياء عليها يفصّلون الملابس على مقاسهم وعلى الثوار أن يلبسوها بغض النظر إن كانت تستر عوراتهم أم لا أو تقيهم حر الصيف أو برد الشتاء!!

الثوار يا سادة الائتلاف شبوا عن الطوق وآن لكم إن أردتم السمع والطاعة أن تشاركوهم بكل صغيرة وكبيرة وأن تفصلوا لهم الثوب الذي يناسبهم وبالشكل والمقاس الذي يريدون.. الثوار يا سادة الائتلاف يريدونكم بين أظهرهم تتقاسمون معهم كسرة الخبز وتعيشون معهم شظف العيش ولحظات الخوف والرعب، وتسمعون معهم أنّات الجرحى وعويل الثكالى ونحيب الأرامل وبكاء الأيتام وصراخ الجوعى، وتلحظون الهائمين على وجوههم هرباً من براميل الموت وصواريخ الدمار، وتشاركونهم في رفع الأنقاض عمن دفنوا تحت البيوت المهدمة فوق رؤوس ساكنيها، وتساعدوا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. الثوار يا سادة الائتلاف مكانهم في حضن الوطن وليس في فنادق خمس نجوم ولا قاعات الشرف في المطارات.

يا سادة الائتلاف ألم تقرؤوا التاريخ وتطلعوا على ثورات آبائنا وأجدادنا وأين كان تموضعهم وترحالهم.. إبراهيم هنانو وسلطان باشا الأطرش وأحمد مريود وحسن الخراط وقادة ثورات من سبقنا من الشعوب ماوتسي تونغ وفيدل كاسترو وابن بلا ومصطفى عبد الجليل.. كان كل هؤلاء وغيرهم من قادة الثورات بين الثوار في حضن الوطن وكانوا في المعارك في مقدمتهم!!

الثوار يا سادة الائتلاف يؤذيهم شكلكم وهندامكم وأناقتكم ولمعان أحذيتكم وأنتم تتسابقون إلى موائد الطعام المليئة بما لذ وطاب وتتنافسون في الظهور أمام الكاميرات وتتخاطفون المكرفونات لتنمقوا الكلمات والجمل والشعارات على الفضائيات، وتزكم أنوفهم يا سادة الائتلاف صراعاتكم وخلافاتكم.. وآخر الشهر تستلمون آلاف الدولارات رواتب ومصاريف مستورة وأجور شقق مفروشة وتذاكر طائرات تنقلكم لعواصم العالم بحجة التعريف بالثورة السورية واحتياجاتها، ولم تحصد من ورائكم الثورة السورية إلا مزيداً من الدماء وتعثر في الخطوات!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المشهد السوري

د. محمود نديم نحاس

تحدثت عن المشهد التعليمي في مقالتي السابقة بعنوان: أنقذوا أطفال سوريا. واليوم أتعرض بإيجاز إلى المناحي الأخرى في المشهد السوري.

المشهد السياسي يجعلك تتيه فلا تعلم إلى أين تسير الأمور. فقد حفلت الأخبار والتحليلات بقصة الضربة الرادعة للنظام لاستخدامه السلاح الكيماوي الذي قالوا منذ سنة إنه خط أحمر. ثم تحول الحديث إلى نزع هذا السلاح، فاختفى خبر الضربة العسكرية التي قيل أصلاً بأنها محدودة، مكاناً وزمناً، وتستهدف فقط شلّ قدرة الأسد على تكرار استخدام السلاح الكيماوي، وكأن الضوء الأخضر مُعطى للسلاح التقليدي الذي قضى على أكثر من مائة وخمسين ألفاً من البشر! وأن بقاء الأسد في السلطة مرغوب فيه رغم جرائمه ضد الإنسانية!. ومازال النظام يصر على أن الذي استخدم السلاح الكيماوي هم الثوار رغم الإدانة الواضحة للنظام من المجتمع الدولي. وقد تبنّت روسيا مؤازرته، فأضافت رجساً إلى خداعه وخبث سياسته. وهكذا انحصر الموضوع في نزع السلاح الكيماوي الذي قد يستغرق تسعة أشهر، أي مع نهاية السبع سنوات العجاف الثانية من حكم بشار الأسد ليقول بأنه لن يترشح مرة ثالثة، وأنه سيخرج من الرئاسة بمحض إرادته وليس ببنادق الثوار؟ في حين يستمر بمجازره الوحشية حتى ذلك الحين مما يفاقم المأساة. ومن يدري فقد يصبح نصف السكان مهجّرين إلى ذلك الوقت!

في المشهد الثوري، يظن بعض العرب والمسلمين بأن الوضع في سوريا بحاجة إلى رجال يؤازرون الثوار، لكن الحقيقة أن الوضع في سوريا لا يحتاج لرجال بقدر ما يحتاج للعتاد. فالمهاجرون والنازحون بلغوا ربع السكان، وخمسة في المائة فقط من هؤلاء يعادل ثلاثمائة ألف رجل! فما هي ضرورة دخول الآخرين الذين يعقّد وجودهم الأمور كثيراً، ويعطي مبرراً للنظام لجلب قوات خارجية لتقف مع قواته؟ وإذا كان أهل مكة أدرى بشعابها فليُترك الأمر للسوريين للقيام بواجبهم والمطالبة ببناء دولتهم على أساس من الحرية والعدالة.

ربما أفضل ما يصور المشهد الاجتماعي هو البرنامج الساخر (ثورة 3 نجوم) الذي يتناول تفاصيل الحياة اليومية في مدينة حلب بطريقة كوميدية، والذي أخذ اسمه من عدد نجوم عَلَم الاستقلال الذي تبنّته الثورة. ويتحدث البرنامج عن الواقع المأساوي وهموم الناس وتأثر نفسيات الأطفال مع القصف العشوائي والانقطاع المتواصل للكهرباء والاتصالات والمواصلات، وينتقد أخطاء المدنيين والثوار، لينشر التوعية من خلال تسليط الضوء على الخطأ، كما يبرز حلم الناس ببلد حر مستقر. وهناك ست قنوات فضائية معارضة تعرض البرنامج، كما يتم نشره عبر اليوتيوب. لكن الهدف الجميل للبرنامج لم يمنع من تعرّض مخرجه الشاب إلى محاولات اغتيال واختطاف. وفي المشهد الاجتماعي أيضاً فقد أثقل التضخم كاهل الناس، وكثير منهم عاطلون عن العمل، واعترفت وسائل الإعلام الحكومية بأن التضخم طال كل شيء، ووصل في حلب إلى 82%. في حين أن محللين مستقلين يتحدثون عن أكثر من هذا الرقم فالدولار الأمريكي يباع اليوم بحوالي 215 ليرة سورية، في حين كان بحوالي 50 ليرة قبل الثورة.

المشهد الصحي مقلق للغاية فالأطباء في المناطق المحررة يعاينون يومياً مزيداً من الإصابات والجروح بين المدنيين بسبب استمرار قوات الأسد في مهاجمتهم بمختلف أصناف الأسلحة التقليدية الفتاكة عن طريق المدافع الثقيلة وراجمات الصواريخ والغارات الجوية. والأسوأ هو تواصل قصف المستشفيات الميدانية والأطقم الطبية بشكل ممنهج لحرمان المرضى والجرحى من العلاج.

المشهد الإغاثي جرح كبير لا يندمل، ومأساة تتفاقم منذرة بعواقب سيئة، بسبب تغاضي العالم عن الكارثة الإنسانية. فهناك مشكلة لوجستية بسبب ضعف إمكانات بعض الدول المستضيفة للاجئين، إضافة لصعوبة توصيل الإعانات للنازحين في الداخل السوري. وهذا كله يؤدي إلى ارتفاع نسبة الجريمة والعنف وتمزيق الكيان المجتمعي والوحدة الوطنية. وإذا كان عدد اللاجئين والنازحين اليوم يعادل عدد سكان الأردن أو ليبيا، فمن يقدر على مواساتهم وتقديم المعونة لهم؟

ربما كان المشهد الثقافي هو الوحيد الذي استفاد بقدر ما تضرر. تضرر بسبب أن عدداً كبيراً من المعتقلين ومن الذين تمت تصفيتهم في أقبية السجون هم من المثقفين. لكنه استفاد من خلال الكم الهائل مما كُتب من أشعار وروايات عن الوضع السوري. وهناك عدد من المخرجين استطاعوا أن يجمعوا كمّاً هائلاً من الوثائق عن الثورة تكفي لإنتاج عشرات الأفلام الوثائقية التي قام بتصويرها رجل الشارع بكاميرة جواله. وقد تم إطلاق (مهرجان سوريا الحرة السينمائي) عبر الإنترنت لنقل الصورة الحقيقية للثورة إلى خارج الحدود، ولتكريم جهود الشباب الذين يعرضون حياتهم للخطر في سبيل تصوير التظاهرات وتوثيق الانتهاكات التي يمارسها النظام. ولا يقتصر العمل الفني على العمل السينمائي فهناك عدد كبير من الفنانين التشكيليين هربوا من سوريا وأقاموا معارضهم من خلال لوحاتهم التي تعكس المأساة.

سوريا مأساة القرن الحادي والعشرين، فهل نجد بصيصاً من الضوء في نهاية النفق المظلم الذي يخيم عليها؟ الأمل بالله كبير، (وما لنا غيرك يا الله).

-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 53)

زوجة طلاس والشيخ أحمد عبد الجواد

محمد فاروق الإمام

يقول طلاس: في أوائل شهر شباط (فبراير) من العام 1984م اتصلت زوجتي لمياء الجابري (أم فراس) بالشيخ أحمد عبد الجوّاد وطلبت منه أن يأتي إلى سورية وكان جوابه: إنّني الآن في المدينة المنورة وأمامي المدفأة الكهربائية ولا أقوى على برد الشام في شهر شباط، فقالت له أم فراس: إذاً على خاطرك وفوجئنا في اليوم التالي به يطرق الباب مع الشيخ محمد الهندي، وبعد أن رحّبت بمقدمه وقلت له من الذي أتى بك الينا؟ أجاب اسأل زوجتك أم فراس، فقلت: أريد أن أسمع منك، فقال بعد هاتف أم فراس توجّهت إلى مسجد الرسول وبدأت بالصلاة وتلاوة القرآن حتى غلبني النّعاس فنمت في الروضة الطاهرة (ورأيت حلماً دفعني إلى المجيء إلى الشام) وأمام هذا الحدث اتصلت بشركة الطيران السعودية وغادرت المدينة المنورة على أول طائرة متوجّهة إلى دمشق وها أنا ذا بينكم.

بعد أن شربنا القهوة قال لي: إنّني مكلّف (...) في مكان مرتفع في دمشق على مدى ثلاثة أيام ونقوم سويّة بالدّعاء بأن يحفظ الله البلد والقائد حافظ الأسد، وأجبته: حبّاً وكرامة، ورجاني أن نستخدم سيارة الشيخ محمد الهندي لأنّها متواضعة ولا يجوز أن نتقرب إلى الله ونحن نركب أفضل السيارات وأجبته لا مانع لديّ مطلقاً، وصعدنا الثلاثة إلى جبل قاسيون وصلّينا قرب (نصب الجندي المجهول) وقمنا بالدّعاء حسب الأصول.

في اليوم الثاني طلب منّي أنْ نصلّي في أعلى مكان في دمشق قرب شارة التلفزيون على جبل قاسيون وتوجّهنا إلى هناك وكنت أجلس إلى جانب السائق وتعرّف عليّ قائد الحرس، وهو من عناصر سرايا الدفاع، وفتح لنا الحاجز بعد أن أدى التحية العسكرية وقمنا بالصلاة والدّعاء إلى الله بأن يحفظ البلد وقائدها الأسد، وشعرت وأنا أصلّي بوجود حركة غير طبيعية في الموقع فالدبابات خارجة من مخابئها وسدنة الدبابات يقومون بتنظيف الذخيرة ومسح المدافع وتنظيفها، من أعمال الصيانة وقلت في نفسي ربّما تصادف مجيئنا مع يوم المرآب في سرايا الدفاع.

في اليوم الثالث قال الشيخ أحمد لسنا بحاجة لكي نصلّي في مكان مرتفع ويمكننا أن نصلي في حديقة المنـزل، وهبطنا مع سجادات الصلاة إلى الحديقة وصلّينا وتوجهنا إلى الله بالدعاء نفسه.

وإنّني أعترف للقارئ بأنني أكبرتُ في هذا الرجل محبته للقائد الأسد دون أن يراه أو يقابله شخصيا.ً

وقد حدثت هذه الواقعة في أوائل شهر شباط (فبراير) 1984م، وقبل أن يكتشف أحد باستثناء السيد الرئيس نوايا العميد رفعت في عزمه على كشف أوراقه بشكل مبكر وقد بقي الشيخ أحمد في سورية حتى انفرجت الأزمة وسافر العميد رفعت إلى روسيا (علمت بعد انتهاء الأزمة بأن الرقيب أول رئيس الحرس الذي فتح لنا الحاجز على قمة جبل قاسيون عاقبه العميد رفعت عشرين يوماً في سجن الوحدة.

كان الرئيس الأسد أحرص مني على نفسي وقال لي في بداية الأزمة: ليس من الضروري أن تنام كل يوم في مكتبك، بل يمكن أن تناور وتبيت كل يوم في أحد مكاتب القيادة العامة وتعلمني عن رقم هاتف المكتب، وكان جوابي: إنني مصمم على المبيت في مكتبي مهما كانت النتائج وحتى أعطي مثلاً للآخرين بأنّ القائد يموت دفاعاً عن وطنه حتى ولو كان في مكتبه، فقال: إذا كان هذا رأيك فأنا موافق لأنّه من الضروري أن تترك أمثولات ومآثر للتاريخ.

وفي 12 آذار (مارس) 1984م كنت نائماً في مكتبي وإذا بي أسمع بعد منتصف الليل جلجلة كبيرة في ساحة الأمويين وقدّرت أنّه يوجد في الساحة نحو ألف رجل يرقصون رقصة الحرب وكان على رأسهم الشيخ الجليل أحمد الرفاعي كانت سيوف الجنود تلامس الأرض إلاّ قليلاً وكانت الرماح تتطاول حتى لتنوف على شرفة مبنى القيادة العامة وكانت الأيدي تمسك بالأيدي والأكتاف متراصّة كأنّها بنيان مرصوص وقائد الدبكة الحربية يقول بصوت جهوري يشق عنان السماء.

أمام الحضرة سلطانها القوي، قال لي الشيخ عربي قباني (رحمه الله): إننا نتناقل هذا النشيد في المدائح النبوية ونقول: سلطانها الغيبي فأجبته هذا ما سمعته من الشيخ أحمد الرفاعي دونما تحريف أو تصحيف.

وعندما يصل الشيخ أحمد الرفاعي إلى كلمة (سلطانها القوي) تهوي ألف قدم على الأرض فترتج ساحة بني أمية وكأنّ زلزالاً ضربها.

استيقظت من نومي وأطليت من النافذة فلم أجد شيئاً وخرجت إلى الشرفة ومعي مرافقي المساعد سيف الدين سعدة فلم أجد شيئاً وعدتُّ إلى النوم من جديد وما هي إلاّ نصف ساعة حتى عاودني المنام ونهضتُّ من السرير وكرّرت المحاولة ولم أجد شيئاً وهكذا حصل معي في الرؤيا الثالثة وسجلت تاريخ الليلة على مفكرة المكتب، وبعد انتهاء الأزمة اعترف النقيب مالك مصطفى من سرايا الدفاع بأنَّ العميد رفعت الأسد أمره ثلاث مرات بأن يطلق قذيفة مدفعيّة محمولة من طراز (غفوزديكا) على مكتبي وبعد خمس دقائق كان يأتيه أمر معاكس بأن ينـزع القذيفة، وهكذا كانت العناية الإلهية تحرس مبنى القيادة العامة.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 52)

تهريـب الأسلحـة المضـادة للدبابات في العربـة الصحية:

محمد فاروق الإمام

كان منـزل الرئيس حافظ الأسد – كما يقول طلاس - هو الهدف الأول لسرايا الدفاع ولذلك فقد كان يشكل بالنسبة لي هاجساً أمنيّاً يؤرّقني ليل نهار، ولكن هذا الهاجس كان بالنسبة للعميد عدنان مخلوف (الذي عُين قائداً للحرس الجمهوري كابوساً لا يطاق، ولمّا كانت وحدة سرايا الصراع التي يقودها عدنان الأسد مرشّحة للاصطدام فوراً بعناصر سرايا الدفاع التي سوف تتحرك باتجاه دمشق، فقد رأيت من الأفضل أنّ نسحب صواريخ «الفاغوت» من اللواء «65» (مضاد للدروع)، ولمّا كان العميد رفعت قد نشر ألويته المحيطة بدمشق وأصبح مسيطراً على المداخل فقد اتفقت مع العميد عدنان بأنّنا سوف نلجأ لتهريب الصواريخ إلى منـزل الرئيس حافظ الأسد بالعربات الصحيّة (سيارات الاسعاف) وعليه أن يفرّغ حمولة العربات ويعيدها إلى مصدرها، واتصلت بالعميد هرمز قائد اللواء أن يحضر ثماني عشرة قاعدة صاروخية من طراز «فاغوت» مع ثلاث وحدات نارية لكل قاعدة ويرسلها إلى منـزل الرئيس الأسد على دفعات (عربات منفردة) وأن يربط جندياً بالشاش الأبيض من يديه ورأسه ويكون (الميكروكروم) بديلاً للدم النازف، وفهم قائد اللواء الغاية من العملية التمثيلية وقلت له: يجب أنْ توصي سائق الصحية بأن يفتح (زمور الخطر) قبل الحاجز بمدة كافية وأن يسابق الريح في الوصول إلى دمشق، وهكذا انطلت اللعبة على العميد رفعت وتم نقل القواعد الصاروخية المطلوبة كافة وأصبحت حول منـزل الرئيس حافظ الأسد، ولكن هذا الموضوع لم يبق سرّاً بيننا نحن الثلاثة وإنّما شاركنا العميد رفعت بالمعلومات عن طريق وشاية قام بها أحد عملائه في اللواء «65» وهو الرائد يوسف العلي، وقد كشف هذا المغفّل عن نفسه بسرعة ولذلك وضعه العميد هرمز تحت الرقابة المشددة، وما أن سافر العميد رفعت إلى موسكو حتى تم نقله إلى مكان ثانوي لا يستطيع به أن يعضّ أو يخرمش، وتم تصنيفه في عداد الضباط غير الجديرين بثقة القيادة العامة، كما تم وضع حواجز حديدية قنفذية حول بيت الرئيس الأمر الذي يعوق حركة الدبابات ويجعلها هدفاً ثابتاً للأسلحة المضادة، وبهذا العمل تمّت عملية تحصين بيت قائد الأمّة ورمزها المفدّى.

تنفيذ أمر نقل الضباط المحسوبين على رفعت

وفي غمرة لعبة عض الأصابع بيننا وبين العميد رفعت الأسد استأذنت السيد الرئيس القائد العام بتنفيذ أمر النقل للضباط المحسوبين على شقيقه والذين ماطلوا في التنفيذ مستندين إلى دعم العميد رفعت وتعهّدت له بأنّ هذه العملية سوف تتم في جوٍّ ودّي ولن نريق قطرة دم واحدة.. فقال لي: أشكُّ في أنهم يقبلون ونحن في ذروة الأزمة، فقلت له إذا أعطيتني الضوء الأخضر فغداً تراهم وقد أصبح كلّ منهم في مكانه الجديد، فقال: إذا كنت قد عزمت فتوكّل على الله، وطلبت من مدير مكتبي أن يبلغ الضباط المنقولين وعددهم أربعة عشر بأن يتواجدوا في مكتبي غداً الساعة السادسة صباحاً، وتمّ إبلاغ الضباط جميعاً وكان جوابهم لماذا في هذا الوقت المبكر ونحن نعلم أنّ العماد طلاس يبدأ دوامه الساعة العاشرة صباحاً وينتهي الساعة العاشرة مساءً فلماذا نحضر قبل الدوام الرسمي بساعة ونصف؟ وكان جواب مدير المكتب: الأمر واضح ولا لبس به وأنتم مطلوبون غداً الساعة السادسة صباحاً.

في صباح اليوم التالي حضر الضباط المعنيون إلى مكتبي متأخرين ساعة ونصفاً عن الموعد ولمّا سألتهم عن السبب؟ أجاب كبيرهم: هل تريد أن نقول لك الحقيقة؟ قلت: نعم. قال: كنّا عند أبي دريد (يعني رفعت الأسد)، قلت لهم: اذاً لم يكن الرئيس الأسد مخطئاً عندما نقلكم من أماكنكم وها أنتم الآن تعترفون دونما أي ضغط أو إكراه أنّكم كنتم لدى قائد سرايا الدفاع، المهم نحن الآن أولاد اليوم وعفا الله عمّا مضى، ولكن قبل أن أُعطيكم توجيهات القائد العام أودُّ أن أطرح عليكم السؤال التالي: مَنْ منكم تقدّم إليَّ بطلب شخصي أو عام ولم ألبِّ طلبه، فسكت الجميع ولم يحر أيّ منهم جواباً قلت لهم: إذاً لماذا تلعبون بذيولكم وتضعون ثقتكم وولاءكم لغير قائدكم، (فسكتوا أيضاً) وتابعت، الآن أمرني القائد العام أنْ أنفّذ أوامره بنقلكم إلى وظائفكم الجديدة، من ينفذ الأمر سوف يُعفى من أيّ عقوبة أو مساءلة مسلكية (عدم تنفيذ أمر القائد العام يعتبر في حالة الحرب جناية يعاقب مرتكبها بالسجن سبع سنوات كحدٍّ أدنى) أمّا في حال إصراركم على غيّكم فأنا كلفت نوّابكم في التشكيلات والوحدات أن يعتقلوكم ويرسلوكم مباشرة إلى السجن المركزي، وفي حال المقاومة والعصيان العسكري فانّ لدى نوّابكم الأمر منّي شخصيّاً بإطلاق النار عليكم وأنتم تعرفون أنّنا لن نحاسبهم على النتائج مهما كانت لأنّهم ينفّذون الأوامر والتعليمات وأنتم الخارجون على القانون، أما في ما يتعلّق بأمور التسلم والتسليم فاعتبروا أنّ لديكم براءة ذمّة مصدّقة من وزير الدفاع وسوف تصلكم بالبريد، أما بالنسبة لحاجاتكم الشخصية فيمكنكم أن ترسلوا السائق لجلبها من مكاتبكم وحذار من الالتفاف على الأوامر، وإذا مكرتم فانّ مكرنا أشد وإذا تطاولتم على القائد العام فانّ يدي ستطول هذه المرة رقابكم، وضربت بقبضتي على الطاولة (وكانت الغاية من ذلك إدخال الرهبة في نفوسهم) وكان صوتي المرتفع والجدّي يدلُّ على مدى الحسمية وعدم التساهل أبداً في الموضوع. فأذعن الجميع للتعليمات وأدّوا التّحية العسكرية وتوجّهوا إلى أماكن وظائفهم الجديدة ولم يحاول أي منهم المناورة كما لم يعد أي منهم إلى الاتصال بالعميد رفعت أبداً، وأعلمت الرئيس الأسد بنجاح المهمة وكان مرتاحاً للغاية وقلت له: ليس الجيش والشعب معك في هذه الأزمة وإنّما العناية الإلهية كذلك، ورويت له قصّة الشيخ أحمد عبد الجواد الذي جاء من المدينة المنورة لنجدة الرئيس الأسد، وحتى يكون القارئ معنا سأروي له الحكاية كما حدثت.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com