العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29-06-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ذاهبون إلى الجحيم

سوسن الابطح

الشرق الاوسط

السبت 21/6/2014

بمقدور أميركا أن تفعل الكثير – إن هي أرادت - لإصلاح ما خلفته من طائفية ودمار وتقسيم في العراق. بمقدور من غزا بلاد الرافدين بجبروته ونزقه، وبقي يحكمه تسع سنوات بجيوشه، ومرتزقته ومخابراته، ويرسم له الخطط والحكومات والدساتير، ولا يزال يحرك الكثير من الخيوط، أن يكفّر عن شيء من جرائمه التي ارتكبها، بتجنيب بلاد الرافدين مجازر جديدة، وتفتيت الأرض وتشريد للعباد.

تنظيم «داعش» الذي انطلق تحت اسم «جماعة التوحيد والجهاد»، ثم أصبح «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين»، قبل أن يشد الرحال إلى سوريا لمساندة ثورتها، وينقلب على ثوارها وأبريائها، ولد تحت أعين الأميركيين بعد دخولهم العراق، وترعرع في أحضانهم. من منا لا يذكر بول بريمر صاحب أسوأ قرارين في تاريخ المنطقة الذي أمر بحلّ الجيش العراقي مما قضى على أي أمل في قيامة العراق، واجتثاث حزب البعث، وتنظيف الدوائر الحكومية من الموظفين البعثيين، مما حولهم جميعا، عسكريين وموظفين، إلى مجموعة من العاطلين عن العمل والناقمين المستشرسين. من هنا تشكلت الغضبة السنية التي جاء نوري المالكي ليزيدها اشتعالا. وما «داعش» اليوم إلا مجموع من هؤلاء الذين نبذتهم أميركا وطردتهم من رحمة بلادهم. ومن المفارقات الرهيبة أن بريمر مؤسس جذور الإرهاب العراقي هذا، كان يعمل قبل ذلك مسؤولا عن تطوير وتنفيذ السياسات الدولية لمكافحة الإرهاب التي تتبعها الولايات المتحدة، كما عمل مستشارا للرئيس ولوزير الخارجية الأميركيين بشأن الإرهاب.

أخطاء قاتلة أو خبث استعماري مقصود من متخصصين، النتيجة واحدة: عراق مقسم، مدمر، لا يبشر بقيامة قريبة. وفي آخر إحصاء أجرته الـ«وول ستريت جورنال» اعتبر 67 في المائة من الأميركيين، أن ما يعيشه العراق اليوم هو امتداد لنزاع طائفي كان قد أججه الغزو الأميركي الذي بدأ عام 2003. ولذلك فإن 16 في المائة منهم فقط يعتقدون أن إصلاح الحال يحتاج لإعادة قوات أميركية إلى هذا البلد. لم يكن أحد في لبنان يتحدث عن سنة وشيعة، قبل أن تصبح الانفجارات المتبادلة في المساجد السنية والشيعية، جزءا من يوميات العراق تحت الاحتلال، وهو ما بقي مستمرا بعد خروج آخر قافلة جنود أميركية من البلاد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011. لا بل اشتدت وطأته بعد ذلك، وكأنما أهم ما خلفه الأميركيون للمنطقة، هو هذا الفتيل المذهبي المتفجر، الذي يشعل دول الجوار الواحدة بعد الأخرى. ليس في الأمر إنكار لوجود أرضية خصبة، لكن أبناء العم سام بقيادة جورج بوش، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومساعده بول وولفويتز، لعبوا بمكر ثعلبي، على الوتر الأكثر حساسية ودموية على الإطلاق.

لا أحد يعرف قدر الأميركيين أنفسهم، أي فخاخ نصبوها، والخطط التي حاكوها، ومعلوم أنهم ينامون اليوم، على كنز من المعلومات الاستخباراتية حول الحركات الجهادية بمختلف تشعباتها. فهم يجمعون، ويتبادلون المعلومات مع دول غربية وعربية، ويرصدون تحركات كبار الجهاديين، باهتمام منقطع النظير. فعيونهم اليقظة، مبثوثة في كل دول المنطقة، ومخابراتهم دخلت بكثافة سوريا مع بدء الثورة، كما أن ما يعرفونه عما يدور في العراق أكثر بكثير مما يعتقده البعض. وبالتالي فإن الـ300 عنصر الذين تبرع بهم الرئيس الأميركي باراك أوباما لمساعدة السلطة العراقية، لن يجدوا صعوبة كبيرة، في استكمال مهماتهم التي لم تنقطع أصلا، يبقى الجديد، إذا ما اتخذ القرار بتوجيه ضربات جوية محدودة لبعض التجمعات المصنفة حساسة لدى الأميركيين.

كلف الاحتلال الأميركي للعراق أكثر من نصف مليون قتيل عراقي، فيما لم تخسر أميركا سوى 4500 جندي لتحتل قلب المنطقة العربية وتقيم فيها ما يقارب عقدا من الزمن. من السذاجة اعتبار أن كل ما ألحقه الأميركيون بالعراق هو مجرد قرارات بريئة، وغير موفقة. وكما بقيت اتفاقية «سايكس - بيكو» سرية ولم يعلن عنها إلا بعد أن أصبحت واقعا، فإن ما يدبر للعرب، لا بد أكبر بكثير، من كيدياتهم الصغيرة التي يتلهون بها وينتحرون على مذبحها، وطائفيتهم الضيقة التي يتذابحون باسمها. من ليبيا إلى اليمن وبدءا من ذاك اليوم الذي أعلن فيه صدام حسين حربه على إيران عام 1980 سقط في المنطقة ما لا يقل عن مليونين ونصف المليون قتيل. فالحرب العراقية الإيرانية وحدها ذهبت بمليون ضحية، وإذا احتسبت ضحايا الحرب الأميركية الأولى على العراق، ومن ثم غزوه وما حصل بعد الخروج الأميركي إلى اليوم، ستعثر على مليون غيرهم، هذا غير من حصدتهم الثورة السورية، وهؤلاء بالتأكيد ليسوا مائة ألف كما تتحدث الإحصاءات الرسمية؛ إذ تقدر الرابطة السورية لحقوق الإنسان الذين قضوا من السوريين بنصف مليون، أضف إليهم اللبنانيين واليمنيين والليبيين، تعرف أنها مذبحة كبرى، لا يبدو أن هناك من يفكر حتى بفرملتها.

من المعيب جدا، ألا تعترف أميركا بمسؤوليتها صراحة، عما اقترفته بحق العراق باسم نشر «الديمقراطية». لكن لم المحاسبة، وممن؟ لقد تحولت المنطقة إلى قطعة شطرنج مفتوحة للاعبين مجلوبين، يحرك كل منهم أحجاره بما يسمح له بالفوز في آخر الجولة، دون أن يعبأ بأولئك الأبرياء الذين يتساقطون كما ورق الخريف، ويكنسون عن قارعة الطرقات، كأنما لا وقت حتى لاحتساب أعدادهم. يبقى اللوم الأكبر على العرب أنفسهم، لأنهم أدمنوا بإخلاص، على ترك القطاف الأخير، منذ مائة عام على الأقل، لأصحاب «سايكس - بيكو» وورثتهم على الأرض

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : العدوان الأسدي على العراق ثمراته ودلالاته .. لماذا : المالكي يشكر وبشار ينكر ؟

29.06.2014

زهير سالم

مرّ عابرا على مراكز صنع القرار السياسي العالمي خبر قيام طيران بشار الأسد بالعدوان المباشر على الأراضي العراقية . لم يتحدث احد عن القانون الدولي ، ولا عن سيادة العراق واختراقها ، كما لم يتوقف أحد عند ثمرات هذا العدوان في بعدها الإنساني ...

وإذا أردنا أن نبدأ الحديث من البعد الإنساني الأخير بوصفنا أبناء أمة واحدة ، وأبناء إنسانية واحدة ابتليت بجيل من القتلة المجرمين يمتد ديموغرافيا من موسكو إلى طهران إلى العراق فالشام فالضاحية الجنوبية في بيروت ، فإن ما أوردته وكالا ت الأنباء يستحق من كل إنسان يملك ضميرا حيا موقفا من الإدانة والاستنكار والتنديد بعصابات القتل التي تحكم سيطرتها اليوم على شعوب مستضعفة لا تجد لها في هذه الغابة التي اسمها المجتمع الدولي من نصير ..

فقد استهدف الطيران الأسدي القاتل والمدمر - حسب الوكالات – الثلاثاء 24 / 6 / 2014 أحياء سكنية خالية من أي وجود مسلح في قضاء القائم الحدودية في إطار مشروع : القتل للقتل الذي يديره الولي الفقيه على هذه الأمة وتنفذه أدواته في دمشق وبغداد ، وقد أسفر العدوان عن سقوط أكثر من خمسين مصابا من المدنيين العزل الأبرياء ، بين شهيد وجريح ..

وفي يوم الأربعاء 25 / 6 / 2014 استأنف الطيارون الأسديون القتلة المجرمون غاراتهم على قضاء البعاج في محافظة نينوى ، مستهدفين المجلس البلدي للمدينة ، حيث يظن في العادة تواجد بعض المقاومين ، ولكن الصواريخ الغبي مطلقوها أخطأت كما يقول أهل المنطقة الهدف ، وأصابت حيا سكنيا مما أدى إلى استشهاد وجرح أحد عشر مدنيا ...

وبينما توجه نوري المالكي إلى شكر نظيره في القتل والإجرام بشار الأسد على مساعدته على قتل العراقيين فإن الثاني قد أنكر وأصر على الإنكار ان تكون طائراته قد شاركت في قتل أي مواطن عراقي ..

وظل السؤال حائرا بين المتابعين عن سر ( الشكر والنكر ) ، بين الحليفين اللدودين ؛ والحقيقة هي أنه بينما المالكي يحاول التهويل على اعدائه من أبناء الشعب العراقي وتخويفهم من ملايين المتطوعين الزاحفين عليهم بموجب فتوى المرجعية الشيعية والذين ( سيأكلون هؤلاء الأعداء ) حسب تعبير بعض أنصار ه ، فإن استظهار المالكي بالتدخل الأسدي والتدخل الإيراني والتدخل الأمريكي كل ذلك يأتي في إطار استجماع المالكي بعض أوراق القوة ليرمي بها في وجوه أعدائه لعله يستعيد بعض ماء الوجه الذي فقد كله ...

وفي المقابل فإن بشار الأسد لا يرى له مصلحة أن يعترف أنه يحول سلاح الطيران السوري – الذي هو في الأصل طيران دولة – إلى طيران عصابة لا يقصف ويقتل داخل سورية وحدها ، بل يمتد فعل كل العصابات الطائفية في المنطقة ليضرب حيث يرسم له الولي الفقيه وقاسم سليماني ...

بشار الأسد وعصاباته من القتلة والطيارين المرتزقة الذين ما زالوا يقتلون السوريين منذ بضع سنين يطيب لهم أن يكونوا جنودا أوفياء في مدرسة الولي الفقيه ، ولكن على غير طريقة حسن نصر الله ، طاعة مطلقة ، وجندية مخلصة ، والتزام كامل ولكن على مذهب : لا نحن فعلنا ولا أنتم رايتم : المذهب الذي خبره السوريون من حافظ الأسد منذ سنوات حكمه الأولى : يؤشر إلى اليمين ويذهب إلى الشمال ...

30 / شعبان / 1435

28 / 6 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أمريكا و«داعش»: مَنْ مهّد أرض الإرهاب في العراق؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 21/6/2014

لا يُلام هوشيار زيباري، وزير خارجية العراق (الذي يناشد واشنطن قصف «داعش»، اليوم؛ هو الذي اعترض بشدّة على قصف ألوية بشار الأسد عندما شنّت على الغوطة هجمة كيماوية همجية، الصيف الماضي)؛ إذا كانت ثلة «المحافظين الجدد» في أمريكا قد استفاقت مجدداً على ملفّ قصف العراق، وأخذ البعض يلمّح إلى جولة غزو جديدة تكمل ما ابتدأه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، سنة 2003. تعلّم زيباري، دون عناء كبير في الواقع، كيف يقتدي بأمثال ديك شيني، دونالد رمسفيلد، بول ولفوفيتز، ريشارد بيرل، وسواهم من قادة الثلّة إياها، في الكيل بمكاييل عديدة، وقلب المعاطف على أيّ قفا تقتضيه تبدلات الأحوال.

وذاك تعليم في الحدود الدنيا، كما يلوح، لأنّ زيباري تتلمذ أصلاً على يد الاحتلال الأمريكي، وخاصة بول بريمر، «المتصرّف» الأمريكي سيء الذكر والصيت، وفي كنف حكومة نوري المالكي، الفاسدة والفئوية والطائفية، أكثر بكثير ممّا لقنه إياه سيّده جلال الطالباني، أو استجمعه خلال عقود المنفى وأطوار «النضال» في سبيل حقوق أكراد العراق. ولهذا نراه اليوم في سباق محموم إلى محاكاة أصوات «المحافظين الجدد» هؤلاء، وإلى ترديد أصداء تصريحاتهم النارية التي اجتاحت وسائل الإعلام الأمريكية، وكأنّ مواقفه، بصدد رفض التدخل في الشأن السوري تحت ذريعة «السيادة الوطنية»، كانت قد صدرت بلسان زيباري آخر، طُوي لسانه أو طواه وانطوى معه!

والحال أنّ معاطف زيباري المقلوبة، مثله في هذا مثل معظم ساسة العراق، في الحكم كما في «المعارضة»، تهون كثيراً، بل لعلها تنقلب إلى طرافة فكاهية، على مبدأ شرّ البلية الذي يضحك، إذا تابع المرء المواقف الراهنة لرجل مثل ديك شيني، نائب بوش الابن، عضو الحلقة الأضيق من رجالات «المحافظين الجدد»، وأحد كبار مهندسي غزو العراق. ففي مقال، وقّعه مع ابنته ليز، ونشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس، يتباكى شيني على سياسات الرئيس الأمريكي الحالي، باراك أوباما، ويرى التالي في سطور الاستهلال وفي الخلاصة القصوى: «ندر أنّ رئيساً للولايات المتحدة كان مخطئاً حول الكثير، على حساب الكثيرين»!

وإذْ لا تستهدف هذه السطور، البتة، تبرير سياسات أوباما أو الدفاع عنها، سواء في أفغانستان أم في العراق أم في سوريا؛ وتناهض، في المقابل، أي شكل من أشكال الغزو العسكري الأمريكي وقصف الأوطان والشعوب تحت ذريعة «معاقبة» الطغاة ومجرمي الحروب، فإنّ خلاصة شيني كلمة حقّ يُراد بها الباطل: لم يفلح أوباما، على نقيض ما يزعم، في «إنهاء» حربَيْ أمريكا في أفغانستان والعراق، لأنّ سحب الجيوش في ذاته لا ينهي الحرب، لأنه ببساطة لا يحلّ السلام بالضرورة، كذلك فإنّ إدارته تواصل سلسلة حروب أخرى، في أماكن أخرى، بوسائل أخرى تبدأ من العمليات الخاصة (اغتيال اسامة بن لادن)، وتمرّ بالخطف غير القانوني لمن تزعم واشنطن أنهم «مطلوبون للعدالة»، ولا تنتهي عند عمليات الاغتيال وقتل المدنيين الأبرياء بطائرات من غير طيار.

ومن جانب آخر، فإنّ أقوال شيني وابنته مردودة عليهما، وهي تدين إدارة بوش الابن في ولايتيه الرئاسيتين، وتشمل رهط «المحافظين الجدد» أجمعين؛ قبل أن تشمل أوباما ورجالاته، أو سياساته في المنطقة، أخطأت كثيراً أم أصابت قليلاً. خير للمرء، هنا، أن يرصد مفاعيل هذه الحال في العراق البلد، على الأرض وفي صفوف البشر، حيث يضرب الإرهاب جذوره الأولى قبل التنظيرات اليمينية والرجعية حول «القرن الأمريكي الجديد»، وقبل التخرصات حول «فيروس الديمقراطية» الذي توقّع أمثال ولفوفيتز وبيرل، ثمّ شيني وبوش الابن نفسه، أن ينقله الاحتلال الأمريكي للعراق، إلى سائر بلدان الشرق الأوسط. وخير أن يبدأ المرء من شهور الاحتلال الأولى، مع تنصيب بريمر حاكماً أمريكياً أوحد على العراق، كامل التفويض ومطلق الصلاحيات، فلم يتردد في سنّ القوانين الماراثونية التي ما يزال العراق يرزح تحت مفاعيلها.

على سبيل المثال، أصدر بريمر الأمر رقم 39، الذي نصّ على تأمين 200 شركة ومؤسسة وهيئة كانت تابعة للقطاع العام، فسمح لتملّك الاستثمارات الأجنبية أن يبلغ نسبة 100 في المئة، وأجاز للشركات الأجنبية تحويل كامل أرباحها ومداخيلها دون ضرائب أو اقتطاعات، ضمن تراخيص لا تقلّ عن 40 سنة. أمّا الأمر رقم 1، الأشهر بالطبع، لأنه استهدف «اجتثاث البعث» من الدولة العراقية، فقد دمّر كلّ مؤسسة حكومية صمدت بضعة أسابيع تحت نير الاحتلال، كما فكك الجيش والشرطة وقطع الرواتب عن مستخدميها، بحيث حوّلهم تلقائياً إلى ضباط في صفوف مقاومة الاحتلال، أو عاملين لدى عزت الدوري وأنصار العهد البائد، أو متطوعين لصالح العشائر، أو مقاتلين في كتائب «القاعدة» ذاتها أيام أبو مصعب الزرقاوي وقبل ولادة «داعش».

وفي خطبته عن حال الاتحاد الأمريكي، مطلع العام 2004، بعد مرور شهور قليلة أيضاً على استكمال الاحتلال؛ أطلق بوش حبال البلاغة على عواهنها، ولم يلجم حكمة فلسفية تقليدية هنا، أو يعيد صياغة شعار مكرور هناك، وغَرَف، على هواه ودون وازع، من معين خُطَب سابقة تصف حال الاتحاد، ألقاها بوش نفسه أو ألقاها سواه. وكان المسرح حاضراً أيضاً، حين أطلق رئيس القوّة الكونية الأعظم ـ حارس الديمقراطية، وصائد الأنظمة المارقة، وهادم ملذّات الطغاة، وإطفائي الحرائق ـ ابتسامة عريضة هاشّة باشّة صوب عدنان الباججي، الذي كان يومها رئيس مجلس الحكم المؤقت في العراق… المحتلّ عسكرياً!

قبلئذ، في أيار (مايو) 2003، اعتلى بوش حاملة طائرات أمريكية، فألقى خطبة قيصر معاصر وخلفه رُفعت لافتة تقول «أُنجزت المهمة»! بعدئذ، في ايلول (سبتمبر) 2004، الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدّم بوش المزيد من البراهين على تفوّقه في فنون الخطابة وألعاب الكلام وأحابيل القول، وهو المسلك الذي طبع الجزء الثاني من رئاسته، خصوصاً بعد غزو أفغانستان والعراق، حيث بلغ تدريبه وتدرّبه مستوى لا يُقارن البتة بحاله حين رشّح نفسه للرئاسة الأولى قبل أربع سنوات. ولقد ألقى خطاباً طافحاً بالبلاغة والمجاز واللغة الخشبية، جرياً على عادته ـ وللإنصاف: عادة سواه من رؤساء وحكّام وملوك العالم في مناسبات كهذه، جوفاء احتفالية طنّانة بلا معنى.

ولكن لأنه اعتلى المنبر بوصفه رئيس الدولة التي تعتلي العالم بأسره، فقد طالب بوش البشرية جمعاء ـ وليس فقط زعماء هذه البشرية، المنتخبين منهم وغير المنتخبين، الديمقراطيين والمستبدّين والإمّعات… ـ بأن تنشر الديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان وتحارب الإرهاب، وأن تهتدي في هذه كلها بما تفعل الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان! «لأننا نؤمن بالديمقراطية، فإنّ على الدول المسالمة أن تدعم تقدّم الديمقراطية»، و»الحرية تشقّ طريقها في العراق وأفغانستان، ويجب أن نستمرّ في اثبات التزاماتنا تجاه الديمقراطية في هذين البلدين»، قال بوش؛ و شدّد على تحويلهما إلى «نموذج للشرق الأوسط الأوسع، المنطقة التي يُحرم فيها الملايين من حقوقهم الإنسانية الأساسية والعدالة البسيطة».

فإلى أين انتهى ذلك الإيمان اليوم؟ وكيف هي حال النموذج، العراقي دون سواه؟ وأية بذاءة في أن يتناسى شيني أنه، أسوة برئيسه وثلة «المحافظين الجدد» إياها، مهدوا الأرض لولادة التشدد والتطرف والإرهاب؟ ومَنْ يلوم زيباري، حقاً، إذْ يعاود الرقص على أنغام قصف العراق، اليوم وكأنّ عقارب الساعة ارتدت 11 سنة إلى الوراء!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

!ادفنوا سواطيركم الطائفية والمذهبية قبل أن تدفنكم

د.فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 21/6/2014

يتواتر الحديث مجدداً عن أن العديد من بلادنا العربية دول لاتاريخية، أي أنها، كما وصف هنري كسنجر بعضها، مرسومة بالقلم والممحاة، وبالتالي، يمكن إعادة رسمها بالقلم والممحاة. هذه النغمة ترتفع وتيرتها هذه الأيام تزامناً مع الخطر المحدق ببعض الدول العربية كالعراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان التي تواجه خطر التفتيت والتفكيك بطريقة لا تخطئها عين. ولعل أفضل وسيلة لإنجاز تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ هو اللعب على وتر الطائفية والقومية والمذهبية والمناطقية. لقد أصبح التحريض المذهبي والطائفي في المنطقة أسهل من شرب الماء، مع العلم أن الدول التي تحترم وحدتها الوطنية سنت قوانين غاية في الصرامة لحماية نسيجها الوطني من مجرد تلميح عرقي أو طائفي.

قبل بضع سنوات، فقدت الوزيرة البريطانية آن وينترتون منصبها كمتحدثة باسم رئيس حزب المحافظين لشؤون الزراعة بسبب نكتة سخيفة. فقد روت الوزيرة أثناء تناولها الغداء مع مجموعة من الأصدقاء والصحافيين في أحد الأندية الرياضية، روت نكتة تسيء للجالية الباكستانية في بريطانيا. لكن النكتة أطارت الوزيرة من منصبها. فبعد ساعات فقط من وصول النكتة إلى وسائل الإعلام كان رئيس حزب المحافظين إيان دنكين سميث وقتها على الهاتف ليخبر الوزيرة بأنها مطرودة من حكومة الظل التي يرأسها. وقد برر سميث قراره السريع والحاسم بأنه يُمنع منعا باتاً التلاعب بالنسيج العرقي والاجتماعي في بريطانيا. أو بعبارة أخرى فإن الوحدة الوطنية في البلاد خط أحمر لا يجوز لأحد تجاوزه مهما علا شأنه، وأن أي مس به سيعرّض صاحبه لأقسى العقوبات.

وقد سنت الحكومة البريطانية وغيرها من الدول الأوروبية قوانين صارمة جداً لمكافحة العنصرية والطائفية والتحزب العرقي والديني بحيث غدا النيل من الأعراق والطوائف والإثنيات في البلاد جريمة يُعاقب مرتكبها بأقسى العقوبات. إن الشحن الطائفي والعرقي والإثني والمناطقي والديني ممنوع منعاً باتاً في الغرب، وأن أي محاولة لشق الصف الوطني أو إضعاف التلاحم الاجتماعي جريمة لا تغتفر في الأقانيم الغربية. إن الوحدة الوطنية في أوروبا وأمريكا شيء مقدس والويل كل الويل لمن يحاول التلاعب بها.

لقد حاولت الحركات الانفصالية في أوروبا كثيراً الاستقلال، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وغيرها. فبالرغم من لجوء منظمة الجيش الجمهوري الايرلندي إلى العنف لعدة عقود من أجل فصل إيرلندا الشمالية عن بريطانيا، إلا أنها لم تنجح، وقد وجدت نفسها مضطرة أخيراً للتفاوض مع التاج البريطاني والتخلي حتى عن سلاحها. صحيح أن منظمة الباسك الإسبانية ما زالت تحاول الانفصال، لكن الحكومة الإسبانية لن تحقق لها مرادها على ما يبدو. وكذلك الأمر بالنسبة للكورسيكيين في فرنسا. ولا ننسى أن هناك ولايات أمريكية تسعى منذ زمن بعيد للاستقلال عن واشنطن كولاية كاليفورنيا، لكن الاستقلال ما زال حلماً بعيد المنال بالنسبة لها.

لكن في الوقت الذي تحافظ فيه الدول الغربية على نسيجها الوطني واللحمة الداخلية وتحميهما من التفكك بضراوة عز نظيرها نجد أن التلاعب بالوحدة الوطنية في العالم العربي أصبح موضة. فقد قام الغزو الأمريكي للعراق في المقام الأول على سياسة «فرق تسد» التي كما هو واضح الآن حولت العراق إلى ملل ونحل وطوائف ومافيات متصارعة ومتناحرة بعد أن كان العراق يفخر بأنه لم يعرف التمييز بين عرق وآخر أو طائفة وأخرى على مدى أكثر من ثمانين عاماً. ويواجه العراق الآن خطراً ماحقاً، بعد أن فقد كل عوامل العيش المشترك، أولاً بسبب الغزو الأمريكي، وثانياً بسبب الحكم الطائفي الذي زرعه في العراق بالتواطؤ مع إيران. ولا ندري إذا كان العراق يستطيع أن ينجو من خطر التمزيق الذي بات قاب قوسين أو أدنى.

وحدث ولا حرج عن سوريا التي تعاني وحدتها الوطنية الآن من هشاشة لم يسبق لها مثيل بعد أربع سنوات من الصراع الداخلي الذي كاد أن يقضي على الوحدة الوطنية، ودق أسافين بين المكونات الوطنية لا يعلم غير الله متى يمكن أن تزول.

وبدورها تواجه ليبيا خطر التقسيم على أساس إقليمي. ولا ننسى أن بعض المناطق تحاول ان تستقل عن الوطن الأم منذ بداية الثورة، وخاصة إقليم برقة. ولا ندري إذا كانت ليبيا بدورها ستنجو من خطر التفتيت.

ولا يقل الأمر خطورة في السودان، فلم يكتفوا بسلخ الجنوب، بل هناك كلام عن تقسيم البلاد إلى دويلات.

ولا يقل الوضع قتامة في اليمن الذي بات عبارة عن إقطاعيات متناحرة.

متى يتوقف الشحن المذهبي والممارسات الطائفية والعرقية والقبائلية في المنطقة على كل الصعد الرسمية والمعارضة والاعلامية؟ يجب أن ترتفع الأصوات في كل مكان لفضح الطائفية، وملاحقة المروجين لها، وتحذير الحكومات والشعوب على حد سواء بأن سيطرة طائفة على طائفة لم يعد ممكناً، لا بل أصبح يهدد وحدة الأوطان، وربما يؤدي إلى تشظيها. أليست ثورة العراق المحتدمة الآن سببها الرئيسي الحكم الطائفي الذي خلفه الغزو الأمريكي والإيراني؟

طوبى لمن يرفعون أصواتهم لفضح الطائفيين، وسحقاً لمن أوصلونا بأفعالهم وأنظمتهم الطائفية والمذهبية إلى ما نحن فيه الآن من دمار وخراب وانهيار.

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف الوطني وبرنامج المرحلة المقبلة

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 22/6/2014

يتقدم الائتلاف الوطني نحو عملية انتخابية، يجدد فيها انتخاب قياداته للمرحلة المقبلة بعد عام ونصف العام من عمره جدد فيها انتخاب قياداته مرتين قبل أن يستعد للمرحلة الراهنة، التي يمكن القول إنها تتميز بخواص جديدة نتيجة ظروف داخلية ووطنية وخارجية، تحيط بالقضية السورية، التي دخلت مرحلة الكارثة بكل المعاني السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

خلاصة الظروف المحيطة بالقضية السورية، تتميز في المستوى الوطني باستمرار سياسة النظام الدموية وتصاعدها على أمل استعادة سيطرته على الأراضي التي خرجت من تحت سيطرته، انطلاقًا من المناطق المتاخمة نحو الأبعد مصرًّا على متابعة القتل والتهجير والتدمير، وإن اضطر إلى تسويات مؤقتة في بعض المناطق دون أن يغير سياساته وممارساته، فيما تسعى قوى الإرهاب والتطرف وخاصة «داعش» إلى التمدد في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام مستخدمة سياسات وأساليب النظام في القتل والتهجير والتدمير. وبين حالتي الإرهاب والتطرف المزدوج للنظام من جهة و«داعش» وأخواتها من جهة أخرى، تجد المعارضة السورية في شقيها السياسي والعسكري نفسها في حالة حصار، تشكل محاولة مزدوجة لإنهاء الثورة، ووضع حد لطموحات السوريين في نظام ديمقراطي، يوفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين.

ولا تقل الظروف الخارجية المحيطة بالقضية السورية سوءًا؛ إذ ما زال الحلف الدولي - الإقليمي الداعم لنظام الأسد، وبخاصة إيران وأدواتها، في دعمه الكبير للنظام دون أي مسؤولية عن الجرائم التي يرتكبها، وما زال المجتمع الدولي الذي يستنكر جرائم النظام ويبدي تعاطفه مع السوريين، يمتنع عن اتخاذ مواقف وممارسة سياسات حاسمة في القضية السورية مستخدمًا تبريرات وذرائع، يتم تجديدها في كل مرحلة، مما يجعل الكارثة السورية تستمر، وتفتح الأبواب نحو تمدد إقليمي في المحيط.

والائتلاف بواقعه وإمكانياته وسياساته، يحتاج إلى نقلة نوعية للقيام بما ينبغي أن يقوم به خدمة للقضية التي اعتبر بسببها ممثلًا للشعب السوري، عبر تجاوز ما فيه من انقسام آيديولوجي وسياسي، وضعف تنظيمي وإداري وضعف في الالتزام، وقلة في الإمكانيات البشرية والمادية إلى جانب مشاكل أخرى، جرى التعامل معها جميعًا في العام الأخير على أمل إحداث تبدلات في واقع الائتلاف، ومنها محاولات تضييق فجوة الانقسامات، وتحسين الواقع التنظيمي والإداري، وتوفير إمكانيات أفضل من الناحيتين البشرية والمادية لكن النجاحات كانت محدودة.

والعملية الانتخابية القريبة في الائتلاف الوطني ليست عملية انتخابية بين أشخاص أو جماعات وكتل، وإنما هي عملية انتخابية بين برامج وأهداف ينبغي أن يتم إعلانها وتأكيد الالتزام بها لمعرفة المسار الذي سيمضي إليه الائتلاف في المرحلة المقبلة بعد مرحلتين كانت أولاهما من التأسيس إلى التوسعة، وتميزت بالتخبط وعدم وضوح الأهداف وغياب الآليات، ومرحلة ما بعد التوسعة التي اتخذت طابع المرحلة الانتقالية، نتهيأ في آخرها لأخذ الائتلاف أمام تحدياته الجدية والجديدة.

والأبرز في تحديات الائتلاف، ينبغي أن تكون برنامج قيادته المقبلة، ولعل الأبرز والأهم فيها من الناحية السياسية مهمات في أولها تأكيد الأهداف الثابتة لثورة السوريين في إسقاط النظام وتغييره انتقالًا إلى دولة ديمقراطية مدنية، تقوم على حكم القانون ومبدأ المواطنة، والالتزام بحقوق الإنسان، وهو تأكيد لا بد أن يتلازم مع موقف واضح من الإرهاب والتطرف بعد كل ما عاناه السوريون واحتمال أن يعانوه من تطرف وإرهاب النظام والجماعات المسلحة بما يشكلانه من خطر في واقع السوريين ومستقبلهم.

وإذ عانى السوريون من بطش ودموية النظام وجماعات التطرف والإرهاب، وحاولوا ما استطاعوا مقاومته بالسياسة والحراك الشعبي وتشكيلات الجيش الحر، فلا بد من مهمة تأكيد الالتزام بالسعي إلى حل سياسي يوقف سفك الدم والدمار، ويضمن تحقيق أهداف الثورة انطلاقًا من وثيقة جنيف 1 وقرارات الشرعية الدولية.

ويطرح الائتلاف مهمات برنامجية تخصه على القيادة المقبلة، لعل الأبرز فيها العمل على إصلاح الائتلاف، وتطويره ليعمل كمؤسسة ديمقراطية تشاركية لا مكان فيها للانقسام الحاد بالمعنى الصراعي ولا للممارسات الفردية والتسلط أو أي منهما سواء كان شخصيا أو كتلويا، كما أن المهمة الثانية في موضوع الائتلاف ينبغي أن تضمن توسعة نسائية، فعدد النساء بالائتلاف قليل لا يعكس وجودهن في المجتمع ولا دورهن في الثورة، كما ينبغي أن يكون في إطار المهمات التركيز على تفعيل الائتلاف بهيئاته ومؤسساته وأعضائه، وتحويله كما ينبغي إلى خلية فيها دور ومهمة لكل عضو من خلال هيئات ولجان ومكاتب مختصة، وهذا كله لا يمكن أن يتم دون تأهيل الأعضاء والكوادر، وهو ما ينبغي أن يكون في أهداف النهوض بالائتلاف.

ولا يمكن القيام بما تقدم من مهمات دون تعديل النظام الأساسي للائتلاف ومأسسته. وقد منع النظام الحالي في أوقات سابقة إيجاد صيغ تنظيمية وإدارية ومالية، تطلق الائتلاف ومؤسساته وهيئاته وشخصياته للقيام بأعمال لو تم القيام بها لكان الوضع أفضل مما عليه في الوقت الراهن، وهذا ينقلنا إلى مهمة أخرى تواجه القيادة المقبلة، في خلق أساليب وآليات عمل جديدة، منها تشكيل لجان استشارية متنوعة الاختصاصات تكلف بأعمال محددة، تشمل جمع المعلومات ووضع الخيارات وإنضاج قرارات، وتقديم كشوفات حول ما تم إنجازه والعقبات التي تواجه المهمات والمشاريع المطروحة.

إن الجوهري في مهمات برنامج القيادة المقبلة، يفتح بابًا لمهمات برنامجية أخرى في سياسات ومواقف الائتلاف في العلاقة مع المؤسسات التابعة للائتلاف وأدواته في العلاقة مع الداخل، ومنها الحكومة السورية المؤقتة ووحدة تنسيق الدعم والجيش الحر، وكلها تحتاج إلى دعم وتنظيم ومساعدة، مما يقوي مهمة برامجية أخرى شديدة الأهمية، وهي تعزيز وتقوية علاقة الائتلاف بالداخل عبر تشبيك مع المؤسسات والشخصيات السياسية المعارضة والأهلية ومنظمات المجتمع المدني، مما يضمن توسيع قاعدة الائتلاف وفاعليته.

وثمة مهمة برامجية أخرى، لا بد أن تحتل مكانة مميزة في رؤية القيادة المقبلة، وهي علاقات الائتلاف الإقليمية والدولية، التي دون الاهتمام بها وتطويرها، فإن القضية السورية يمكن أن تستمر بتردياتها، وتبقى دون حل جوهري. ولهذا فإن من المهم لكسب الدعم والمساندة للائتلاف والثورة ولعموم القضية السورية، أن يكون للائتلاف علاقات ممتازة مع العمق العربي والإسلامي وصولًا إلى بقية الدول، ولا سيما الكبرى التي كانت الأقرب إلى القضية السورية في السنوات الماضية، ومنها تركيا والسعودية وقطر من القريب، وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة من البعيد، لكن تلك العلاقات لا بد أن تظل محكومة بخط مبدئي واضح وهو القرار الوطني والمصلحة الوطنية السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : الدور الذي يقترحه كيري للمعارضة السورية ( المعتدلة ) .. بل نقول : أعينونا على إسقاط المستبدين يسقط تلقائيا المتطرفون

29.06.2014

زهير سالم

لم يمض سوى أيام على تصريح الرئيس الأمريكي المثير للجدل : ( من غير الواقعي تصور وجود معارضة سورية معتدلة قادرة على إسقاط بشار الأسد ..) حتى سمعنا الخبر النقيض ( أوباما يطلب من الكونغرس تخصيص مبلغ 500 مليون دولار لتدريب وتجهيز المعارضة السورية المعتدلة ) ، و رأينا وزير الخارجية الأمريكي يكر راجعا إلى المنطقة قاصدا العربية السعودية بالذات لبحث ملف مجريات المشهد العراقي واستحقاقاته ، وكذا ملف ( المعارضة السورية المعتدلة وطرق دعمها )!!

اعتبر البعض هذا التناقض في الموقف الأمريكي نتيجة اضطراب السياسة الأمريكية ، وعدم وضوح الرؤية لدى الرئيس الأمريكي وصناع سياساته على السواء ، إلا أن الإحاطة بالمشهد الأمريكي من كل جوانبه تقودنا في اتجاه آخر لحقيقة ما يريده الأمريكيون

فالذي أعلنه الرئيس الأمريكي عن طوباوية إمكانية دعم معارضة سورية لإسقاط بشار الأسد لا ينجر بالتأكيد على إمكانية تجنيد معارضة سورية معتدلة عن طريق شيخ الائتلاف الوطني ( وشيخ هنا بالمعنى العشائري ) في خدمة المشروع الأمريكي الأساس ( التصدي لقوى الإسلام السني في المنطقة ) تحت عنوان التصدي ( لداعش ) . فالشيخ الجربا بعشيرته العربية الكبرى الممتدة عبر الجغرافيا العربية ( سورية والعراق والعربية السعودية والأردن ) يمكن أن يكون له دور – حسب الرؤية الأمريكية - في توظيف المعارضة السورية في خدمة المشروع الأمريكي أي في حرب القوى السنية المقاومة للمشروع ( الأمريكي – الصفوي ) في المنطقة ، و التي تم اختصارها بفعل الجهد المكثف للأمريكيين والروس والإيرانيين والمالكي وبشار الأسد ‘ بمسمى مضخم هو داعش ..

يجب أن نوضح أن حديثنا عن هذا الدور الذي رُشحت المعارضة السورية ( المعتدلة ) له ، ليس تحليلا لكاتب هذا المقال ، بل هو الدور الذي اقترحه السيد كيري وزير الخارجية الأمريكية على المعارضة السورية بعد لقائه السيد الجربا في جدة حسبما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية وتناقلته العديد من الوكالات ووسائل نقل الأخبار يقول كيري ( بإمكان المعارضة السورية المعتدلة أن تصد هجوم داعش في سورية وفي العراق أيضا ) ( وبإمكان الرئيس الجربا عبر عشيرته الممتدة من سورية إلى العراق أن يساعدنا في ذلك ) ..

وظيفة جديدة ، أو دور جديد تقترحه الإدارة الأمريكية على المعارضة السورية ( المعتدلة ) او المنضوية تحت لواء الائتلاف الوطني وملحقاته ، لم نسمع من الطرف الذي عرضت عليه المهمة حتى الآن موقفا منها . ومن أجل هذه المهمة ، وليس من أجل إسقاط بشار الأسد ، يقترح الرئيس أوباما على الكونغرس تخصيص 500 مليون دولار لدعم تدريب وتجهيز المعارضة السورية المستعدة للقيام بهذه المهمة ...

وفي ظل الصمت المريب الذي لاذ به العديد من القوى السياسية السورية ولاسيما تلك التي ما تزال منضوية في الائتلاف الوطني لا بد من توضيح موقف وطني إزاء العرض الأمريكي المهين ...

أولا لقد ثار الشعب السوري من أجل مشروع وطني يسعى إلى تحقيق العدل والحرية والكرامة الإنسانية في حياة كل السوريين . والثوار السوريون ، ليسوا مرتزقة ، ولا هم قتلة مأجورون في مفهوم الثقافة الأمريكية ، وهم حين يقبلون مساعدة ما من أجل تحقيق مشروعهم الوطني فإنهم إنما يقبلونها في إطار ما كفله القانون الدولي للشعوب المضطهدة من حق الدفاع عن نفسها وتحرير إرادتها وليس مقابل تقديم أي شكل من الخدمات في مشروع الآخرين ...

ثانيا - إن المفارقات الكبرى بين المشروع الثوري في آفاقه الوطنية السورية وفي أفقه الإسلامي المعاصر ؛ أيضا وبين مشروع قوى التطرف في تمظهراتها المختلفة أكبر من أن نشير إليه . وإن عمليات التمويه بالخلط والدمج هو بعض المؤامرة التي يحاول البعض تمريرها على شعوبنا الثائرة المتطلعة إلى العدل والحرية ...

ثالثا إن صمت ما يسمى المجتمع الدولي ، والدول الكبرى ، وخاصة ما يسمى منها ( العالم الحر ) عن ارتكابات إيران وبشار الأسد والمالكي وحسن نصر الله على مدى عقد من الزمان ، أوجد في منطقتنا وضعا شديد التداخل والتعقيد ، وإننا نعتقد أن الاندفاع إلى في مخطط فرز القوى على قاعدة أن طلاب الحقوق من أبناء السنة في هذه الدول هم من المتطرفين المحسوبين على هذه المنظمة أو تلك من المنظمات المتطرفة والإرهابة هو نوع من الاختباء المباشر في المشروع الصفوي الإيراني . بل هو نوع من الانخراط المباش فيه .

نحن ، بكل وضوح وحسم ، ضد كل أشكال التطرف والإرهاب .. ولكن هذا لن يمنعنا ان نؤكد أننا ضد إرهاب وتطرف المتسلطين من أمثال بشار الأسد والمالكي وكل الممسكين بمقدرات أمتنا ودولنا وشعوبنا ثم يستعملون كل هذه المقدرات في العدوان علينا وقتلنا وتشريدنا وفبركة الااتهامات لنا ...

نحن ، بكل وضوح وحسم ، ضد كل أشكال التطرف والإرهاب ..ولكن هذا لن يمنعنا أن نؤكد أننا ضد كل قوى الهيمنة والنفوذ والاستحواز التي تمكر ليل نهار بشعوبنا وبمشروعنا النهضوي وبثقافتنا وصوصيتنا وحاضرنا ومستقبلنا ...

نؤمن إيمانا يقينيا لا شك فيه ، أن كل هذه المنظمات المتطرفة والإرهابية التي تشيرون إليها بأسماء وألقاب مختلفة ما هي إلا الظل المباشر لمشروع الهيمنة الذي يقوده الولي الفقيه ، وهي أيضا الظل المباشرلمشروع الاستبداد والفساد الذي يقوده بشار الأسد في سورية والمالكي في العراق...

جوابنا على عرضكم سيد كيري : أعينوا هذه الشعوب على ظالميها ، أعينونا على إسقاط بشار الأسد في سورية ، وعلى إسقاط المالكي في العراق ، ونحن كفيلون بأن يتساقط تلقائيا كل هؤلاء الذين تطالبون بتحويل معركتنا عن محورها الرئيسي إليهم ...

مشروع خمنئي وبشار الأسد والمالكي بكل أبعاده هو العود وهؤلاء الذين تسمونهم بالمتطرفين والإرهابيين هم ظله ..

أسقطوا العود يسقط ظله في ثقافتنا تعودنا أن نقول : متى يستقيم العود والظل أعوج .

30 شعبان / 1435

28 / 6 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

كيف يستعيد السوريون الائتلاف الوطني؟

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 22/6/2014

كيف يستعيد السوريون الائتلاف الوطني؟هل يوجد بصيصُ أمل بأن يبادر أصحاب الشأن في الائتلاف الوطني لإصلاحه؟

لم يعد خافياً أن الائتلاف بحاجة لانتفاضة سياسية وتنظيمية تُعطيه القدرة على تحريك المسار السياسي الراكد، وعلى القيام بمبادرات تضعه في موقع صانع الحدث، وعلى إحداث اختراق سياسي وعسكري مطلوب.

نعم، لا توجد لدى غالبية السوريين قناعةٌ بالائتلاف وأدائه، لكن هذا لايتضارب مع واقعية كثيرٍ منهم حين يتعلق الأمر بوجود الائتلاف ودوره، حتى الآن على الأقل.

فرغم كل مايمكن أن يُقال عن الائتلاف وسلبياته، وهو كثير. ورغم الاتهامات الموجهة له بعدم قدرته على أداء دوره في تمثيل الثورة سياسياً، وهذا صحيح، يبقى الائتلاف، حتى الآن، الجهة السياسية الرسمية التي اعترفت بها دول العالم بشكلٍ أو بآخر. ويظلﱡ الجسم الذي يحمل مسؤولية التمثيل السياسي للثورة.

ربما تكون هذه الحقيقة أكبر تجليات الأزمة التي تواجه الثورة السورية، لكنها تظل حقيقةً تفرضُ نفسها على أرض الواقع.

والحالُ مع هذه الظاهرة لايتعدى خيارين. فإما أن (تَستقيل) الشرائح المؤهلة للتأثير على الائتلاف من هذه المهمة، كما هو حاصلٌ حتى الآن، وتترك الائتلاف على حاله. أو تَخرج من وضع العطالة الراهن، وتُشكِّل (حالة ضغط) شعبية عليه وعلى أعضائه وقيادته، تكون سبباً لانطلاق عملية إصلاحٍ جذرية فيه.

لقد أبدعت الثورة السورية، في مراحلها المتتالية، أشكالاً من الفعل الثوري تُحاول التعامل مع طبيعة كل مرحلة. والواضح أن هذه المرحلة تتطلب درجةً من التنظيم والحشد اللذين يهدفان، حصراً، إلى تشكيل حالة رقابةٍ شعبية حقيقية ومؤثرة على الائتلاف. فيكون هذا نموذجاً آخر من نماذج ذلك الفعل الثوري الجديدة.

نعرف أن البعض أُصيب بالملل لمجرد الحديث في مثل هذه القضية. لكن من المُعيب أن يكون التعامل مع الأوطان وقضاياها بمثل هذه المشاعر.

ثمة مئاتٌ، إن لم يكن أكثر، من النشطاء الذين أشعلوا الثورة وكانوا طليعتها الأولى، وفي هؤلاء مثقفون وكتاب وفنانون وأدباء، من الغريب ألا يكون لهم دورٌ في هذه المرحلة. ومن غير المقبول أن يحصلَ هذا بدعوى أن الائتلاف وأهله لايريدون لهم ذلك الدور، سواء كان هذا مقصوداً أو عن تقصيرٍ وإهمال.

فالائتلاف في نهاية المطاف ليس مُلكاً لأعضاء الائتلاف ولا لقيادته، وإنما هو مُلكٌ لسوريا وثورتها ونُشطائها وأهلها. وإذا كان هذا الكلام، في نظر البعض مثالياً وطوباوياً، فإن هذا لايغير الحقيقة المذكورة، وإنما يُعبر عن (رجعيةٍ) تعود بنا للوقوع في فخ ثقافة السلبية واليأس التي يُفترض أن الثورة قامت عليها، قبلَ أي شيءٍ آخر.

لا مشاحة في الاعتراف بأن المعارضة السياسية السورية بجميع أطيافها ومكوناتها لم تكن مستعدةً لأداء مهمةٍ بحجم المهمة التي باتت، فجأةً، مسؤولةً عن أدائها. فكلنا يعلم طبيعة الظروف التي كانت تعمل فيها على مدى العقود الماضية. وثمة فارقٌ كبير بين القيام بدور (المعارض) على الطريقة التي كانت سائدةً في سوريا ماقبل الثورة، وبين دور القيادة السياسية لثورةٍ فرضت نفسها كواحدةٍ من أعظم ثورات التاريخ.

ولانبالغ إذا قلنا أن الدور الذي نتحدث عنه من أصعب الأدوار التي يُطلب أداؤها على مستوى العمل العام.

من هنا، لايكون مُعيباً إذا تواضعت المعارضة السورية واعترفت بصعوبة المهمة الملقاة على عاتقها. فهذا الاعتراف علامةٌ صحيةٌ يمكن أن تكون أول خطوةٍ فعلية في تشكيل قدرتها على أداء دورها المطلوب. ولاحاجة للمكابرة والادّعاء في مقامٍ لايحتاج إلى مثل هذه الممارسات. وسيكون الشعب السوري أول من يتفهّم هذه الحقيقة، ويحترم القائلين بها، ويعود لإعطائهم المشروعية المطلوبة.

هناك حاجةٌ ملحةٌ لأن يغادر جميع الساسة المعارضين السوريين اليوم، خاصةً في الائتلاف، إقطاعياتهم و(كانتوناتهم) التنظيمية والأيديولوجية. فالسياسة بالتعريف السائد هي فنّ الممكن. والممكنُ في الواقع السياسي السوري المعاصر يفرض عليهم جميعاً الخروج من نفق المماحكات القاتلة المتعلقة بتمثيل السوريين وثورتهم، والتي تكاد تغرقهم وتُغرق الثورة إلى الأبد.

لاتوجد ملائكةٌ تمشي على الأرض في هذه الدنيا، فلاتخطىء في حسابٍ أو تحتاج لمراجعة موقف أو إعادة النظر في رؤيةٍ مُحددة أو سياسةٍ بعينها.

من الطبيعي إذاً لأي جماعة أو فرد أو هيئةٍ أن تُخطىء أو يخطىء في الحسابات أو في السياسات أو في المواقف، أو في ذلك كله. وهذا يصدقُ على الائتلاف في زمننا الراهن كما لايصدق على جهةٍ أخرى مسؤولةٍ أمام شعبها وبلادها.

هذه حقائقُ تعرفها جميع الأطراف، ومن مصلحة السوريين جميعاً أن يبني عليها أصحابُ العلاقة داخل الائتلاف، وخارجه في أوساط الثورة والمعارضة، أساساً لنقلةٍ جديدة في عمل الائتلاف خلال المرحلة القادمة.

هذا ليس واجباً سياسياً وأخلاقياً فقط، وإنما هو أيضاً دليلُ نضجٍ سياسيٍ وثقافيٍ للسوريين، خاصةً لمن منهم تصدى لمواقع المسؤولية.

لم يعد المرء يعرف، حقيقةً، مَن يشعر بتلك المسؤولية في أوساط الائتلاف، ومَن يُدرك طبيعتها وحجمها وتَبِعاتها أمام الله والتاريخ والشعب والوطن. وإذا كان هناك من يَسخر حتى من مثل هذا الحديث، فإن هذا لا يُلغي حقيقة أن هؤلاء سيواجهون تلك التَبعات بشكلٍ أو بآخر.

نشك حقيقةً في أن يتمكن الائتلاف من إصلاح نفسه بنفسه. ولابد من تدخلٍ خارجيٍ يقوم به أصحاب الشأن من السوريين. ومن هنا تحديداً تظهر الحاجة الماسة اليوم لزيادة جرعة الرقابة الشعبية على الائتلاف بأشكال مختلفة. ليس فقط من قبل الإعلاميين والمثقفين والساسة خارج إطاره، وإنما أيضاً من السوريين جميعاً، لأنهم أصحاب الحق قبل غيرهم في طرح الأسئلة والحصول على الإجابات.

لم يقم السوريون بثورتهم، ولم يقدموا كل تلك التضحيات، ليصلوا إلى مرحلةٍ يُضحي فيها الائتلاف سبباً لليأس والانسحاب والسلبية في صفوفهم. ولن يكون كثيراً عليهم، بشيءٍ من الحكمة والتخطيط، أن يُلزموا هذا الجسد السياسي بالقيام بدوره المطلوب، أو يزيلوه من طريق الثورة مرةً واحدة وإلى الأبد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استهداف العرب والمسلمين!

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 22/6/2014

فوجئت إيران مرتين: مرة عندما ثار الشعب السوري على الأسد، ومرة عندما ثار العراقيون (بالسلاح) على المالكي! في حالة الأسد، ارتبك الإيرانيون ارتباكاً شديداً، واختلفوا في تقديراتهم للحراك التغييري العربي. تقدير خامنئي كان أنّ هذه «الثورات» ستتحول إلى إسلامية على الطريقة الإيرانية. أما تقدير موظفي الخارجية وحسن نصرالله والأسد، فكان منذ البداية أن الحراك العربي مذهبي وطائفي، وأنه حتى لو جاء «الإخوان المسلمون» للسلطة في مصر- وهم أصدقاء إيران- فلن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، بمعنى أن يبقى التغلغل الإيراني يحمل راية المقاومة ويُقنع بها. لذلك، وعندما اشتدّ قمع الأسد للمتظاهرين، وحمل بعضهم السلاح، وبدؤوا يستقلُّون بمناطقهم؛ اتخذت إيران قرار التدخل العسكري في سوريا عبر ميليشياتها في لبنان والعراق وأفغانستان واليمن، لأن سليماني ومستشاريه ما عادوا كافين لإبقاء الأسد في السلطة أو الصمود في وجه الثوار. وما اكتفت إيران بهذه المقاربة الضيقة، بمعنى القول إنها تتدخل لحماية المقاومة والممانعة، بل تشاورت مع روسيا ونسّقت مع المالكي، وتواصلت مع أطراف فلسطينية وعربية أُخرى، حيث جرى الحديث عن المؤامرة الأميركية والإسرائيلية على جبهة المقاومة التي يقودها «حزب الله»! وما كفى كل ذلك، رغم اعتبار محمد حسنين هيكل والقوميين العرب السابقين الأشاوس، واليساريين المستنيرين والعلمانيين التقدميين، كلّ ذلك كافياً. بل انصرف «نصر الله» والمالكي والأجهزة التابعة لهما والفضائيات، إلى «الكشف» عن الإرهاب السني التكفيري، الذي يستهدف المزارات المقدسة، ويستهدف الشيعة عموماً. وكان جزء من هذه الحملة موجَّهاً للأميركيين والأوروبيين الذين جاء بعض شبانهم إلى سوريا لـ«الجهاد». لكنّ ثقة «نصرالله» والأسد بالانتصار ما أتت من براعتهما؛ بل كان السبب هو السيطرة والتحويل داخل أوساط المتشددين الشبان في السجون عندهم، أو من حولهم بسوريا والعراق وإيران. وبالفعل فإنّ مئات الشبان تم إطلاقهم فتوزعوا في ريف دمشق والقلمون وحلب وإدلب وباتجاه الحدود الأردنية. وقد أقبلوا -وبينهم ضباط للمخابرات السورية- على إنشاء الكتائب المسلحة التي لا تقصفها ولا تعترضها مدفعية الأسد وطائراته. وعندما أحسوا بالنجاح الجزئي في هذه العملية، وجَّه سليماني والمالكي لفعل الشيء نفسِه في العراق. فبشكلٍ مفاجئٍ هرب مئاتُ المسجونين من «القاعدة» بسجن أبوغريب، وذهبوا رأساً إلى سوريا وانتشروا بين الثوار بجوار المناطق الكردية، وفي الرقة ونواحي حلب. وكان المقصود أن يسيطر الداعشيون السوريون والعراقيون على كلّ النواحي التي انحسرت عنها سيطرة الأسد. لكنهم اختلفوا على القيادة، وعلى استصفاء الموارد. فنشب النزاع المسلح بينهم، وأعلن السوريون عن البقاء في ظلّ الظواهري (المتخفي بإيران)، بينما أعلن العراقيون بالعراق والرقة السورية عن الانفصال عن الظواهري وإقامة «دولة العراق والشام الإسلامية»! وهكذا ما تحقق هدف سليماني والأسد بالكامل، أي أن يسيطر عملاؤهم المحوَّلون على المناطق الثائرة، لكنهم استطاعوا نشر الانقسام في صفوف الثائرين بسوريا وبالعراق. ويبدو أنّ «جبهة النصرة» ما عادت لها علاقات بنظام الأسد؛ بينما لا يزال لسليماني نفوذه في أوساط «داعش» السورية وربما العراقية!

كان الرد الإيراني على الثورة السورية القيام بأمرين: دعم الأسد عسكرياً، وتسليط «القاعدة» في موجتها الثانية على المناطق السنية المحتجة أو الثائرة.

أمّا تفاجؤهم بما جرى ويجري بالعراق، فيعود إلى أن اليأس دب في قلوب وعقول الجميع بعد عام 2010 وسط مغادرة المقاتلين العرب للعراق، واتجاه زعماء السنة السياسيين لاستجداء المالكي وأحياناً استجداء سليماني والأميركيين. وما يئست العشائر، بل خرجت للتظاهر والاعتصام في المحافظات الستّ خلال عامي 2012 و2013. وكما حصل في سوريا، فإنه بعد عام ونصف العام من التظاهر السلمي، أغارت عليهم قوات المالكي وطردتهم من الساحات، وقبضت على زعمائهم. ومضى المالكي إلى الانتخابات على وقع الشعارات التي أطلقها في كربلاء: «بيننا وبينكم بحور من الدماء. وصراع الحسين ضد يزيد مستمر»! ورغم الشكوى إلى سليماني من جانب زعماء الشيعة بأن المالكي لم يَعُدْ يُطاق؛ فإن سليماني أصر على أن المالكي مثل الأسد ضرورة لنُصرة الشيعة ومحور طهران للمقاومة والممانعة. وعندما ذكر له أحمد أبو رشية، الزعيم القَبَلي الموالي للمالكي، أنه لابد من بعض التنازلات للسنة، قال له ضاحكاً على الطريقة العراقية: ماكو سنة! وبالفعل، بعد فض الاعتصامات، ونجاح المالكي في الانتخابات، بدت خطة سليماني في سبيلها للنجاح. وقد بلغ من هَول الاحتشاد الطائفي الذي صب لمصلحة المالكي أنه عندما حدثت الثورة المسلحة قبل عشرة أيام؛ فإن الحكيم -خصم المالكي- لبس اللباس العسكري، وأصدر السيستاني فتواه المعروفة. لقد جاءت الثورة المسلحة من جانب عدة أطراف: العشائر، وبقايا الجيش العراقي القديم وحزب «البعث» والنقشبندية و«داعش».

لكن ما الداعي لأن يعلن القحطاني في اليوم الثاني أنه لن يكتفي ببغداد، بل سيغزو النجف وكربلاء! وما الداعي للإغارة على سامراء قبل بدء الحركة المسلحة الشاملة، تذكيراً بنسف مزار الإمامين هناك عام 2006؟ هل هذا تعصب وقلة عقل فقط؟ بالطبع لا، بل هي اختراقات وتحويلات هدفها ضرب المطالب الوطنية المحقّة.

لدى الأميركيين الآن همٌ واحد هو حفظ ما تبقى من الدولة العراقية التي كانوا قد هدموها في عامي 2003 و2004. وباستثناء المالكي، لا أحد يتهم العرب الخليجيين بدعم المتطرفين. لكنّ الأميركيين اليوم يتشاورون ليس مع إيران فقط؛ بل ومع العرب أيضاً. لذلك فالمطلوب والممكن إنقاذ العراق، وعدم تمكين الإيرانيين من مد مشكلاته وحروبه استهدافاً للعرب وللمسلمين. وهذه المهمة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. المالكي مثل سليماني يقول: الحرب طويلة، وفي ذهنهم تسعير الحشد الطائفي، وتطويل النزاع، وإقناع الأميركيين بعدم التدخل وتركهم لمصارعة الإرهاب، خدمة للأمن العالمي، كما فعلوا ويفعلون في سوريا! ويستطيع العرب التدخل لنُصرة الحل السياسي، أي حكومة التوافق الوطني. ويستطيعون التواصُل مع العشائر والقوى الأُخرى التي تحصُرُ مطالبها بإسقاط حكومة المالكي، وإعطاء أهل السنة حقوق المواطنة المنكورة عليهم الآن. وتستطيع العشائر والعسكريون القادة الخلاص من «داعش» كما فعلوا عام 2007.

ما ضاعت سوريا بعد، ولا ضاع العراق. لكن العقبات ازدادت وفي طليعتها الهجمة الإيرانية، والتحشد الطائفي، والمصالح المستقرة للطبقات المسيطرة منذ خمسة عقود أو سيطرت بعد الغزو الأميركي، وأخيراً النزاع الدولي على المنطقة، والمصالح الإسرائيلية. على الأميركيين مسؤوليات كبرى ليس في العراق فقط؛ بل وفي سوريا وفلسطين ولبنان. ومع كل تلك الصعوبات، يبقى الهجوم الإيراني هو الأفظع. ويبدو أن هناك تقارباً عربياً أميركياً في كل من سوريا والعراق. إنما كيف يمكن التصرف مع إيران؟ كان ينبغي إحداث إفشال في سوريا لكي يفكر الإيرانيون مرتين. وما حدث ذلك حتى الآن. والتحشيد الطائفي نتيجة المخاوف الموهومة من «داعش»، يجعل سليماني منتصراً حتى على روحاني بالداخل الإيراني. فقد صرح روحاني قل أيام بأن إيران مستعدة لحماية العتبات المقدسة!. وإذا كان الشيعة العراقيون 60 بالمئة من الشعب العراقي، فكيف يعجزون عن حماية تلك المراقد من بضع مئات من الإرهابيين؟! لابد من «إقناع» الإيرانيين بضرورة الحل السياسي ليس! فليس من الممكن أن تستمر تنظيمات طائفية مسلحة في السيطرة على خمس أو ست دول عربية، والاستمرار في زعزعة الاستقرار في عدة دول أُخرى!

إن استمرار التخلّي عن هذه البلدان والشعوب لتجنب الاتهام بدعم الإرهاب، هو تسليم لتلك البلدان والشعوب للإيرانيين وللإرهابيين معاً!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: هل نقول وداعاً لتجربة «المناطق المحررة»؟

عمر قدور

الحياة

الاحد 22/6/2014

مع انشغال العالم بتقدم «داعش» في العراق، انســحــبت مـــجــمـوعــات مسلحة أساسية في جبهة مدينة كسب السورية، واستعادتها قوات النظام بلا قتال فعلي. الكتائب المسلحة التي تشكل «جبهة النصرة» ثقلها الأكبر، كانت سيطرت على المدينة قبل أقل من ثلاثة أشهر في ما سمّي «معركة الأنفال»، وفشلت قوات النظام في المحاولات العنيفة الأولى لاسترجاعها، قبل أن يتحول خط التماس بين الطرفين إلى جبهة خامدة تشهد يومياً اشتباكات محدودة، في بقعة جغرافية ضيقة لا تتجاوز محيط جبل «تشالما».

انسحاب «النصرة» من كسب أتى إثر زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني لتركيا، وقد يكون تسليم المدينة إحدى النتائج غير المعلنة للزيارة، إذ من المعلوم أن الاحتفاظ بها لم يكن ممكناً أصلاً لولا وجود فيتو تركي يقيّد حركة قوات النظام في تلك المنطقة الحدودية، مثلما لم يكن «تحريرها» ليتم لولا الموافقة والحماية اللوجستية التركية. على هذه الخلفية مرّ حدث تسليم المدينة بلا تباكٍ في أوساط ناشطي المعارضة، وبلا احتفالات وبهرجة في صفوف الموالين للنظام، ولا تُعرف بعدُ أبعاد إعادة المنفذ الحدودي الوحيد المتبقي بين النظام وتركيا، بخاصة إثر وضع أنقرة «جبهة النصرة» على قائمة المجموعات الإرهابية.

قبل الانسحاب من كسب، وفق ما قد يكون تفاهماً إيرانياً- تركياً، كان السوريون شهدوا خروج المقاتلين من حمص القديمة، في صفقة رعتها وأشرفت عليها إيران أيضاً، بعدما تولى «حزب الله» اقتحام القصير ويبرود، أي بعد إغلاق المنافذ الحدودية المتاخمة لحمص والمنطقة الوسطى عموماً. الآن تشن قوات النظام معركة السيطرة على ريف حمص الشمالي الذي بات معزولاً ومحاصراً تماماً، والنتيجة محسومة على الأرجح بسبب سياسة الأرض المحروقة التي يعتمدها النظام. بالتزامن مع ذلك، توجه قوات النظام طاقتها التدميرية شمالاً في حلب وجنوباً في درعا، حيث لم تبقَ مناطق تحت السيطرة القوية للمعارضة سوى في هاتين الجبهتين.

محاولات النظام الحثيثة استرجاع السيطرة شمالاً وجنوباً لا تتوافق مع ما يُشاع أخيراً عن سيناريوات لتقسيم المنطقة، ولا تتوافق أيضاً مع الافتراضات المتسرعة التي أُطلقت سابقاً عن قبوله بتقسيم سورية. النظام يسعى الى استرجاع كل المناطق الخارجة عن سيطرته، وهو يعلم أكثر من غيره أن فورة «داعش» الأخيرة لن تؤدي إلى تغيّرات جيوسياسية عميقة في المنطقة ككل، بل يرجح أنه يجهز نفسه لاستثمار تلك الفورة باستعادة مزيد من المناطق السورية بلا ممانعة دولية.

مسعى النظام يتوافق أيضاً مع الإستراتيجية الأميركية في سورية، فالإدارة الأميركية كانت منذ البداية ضد اعتماد النموذج الليبي الذي انطلق من تحرير بنغازي وصولاً إلى العاصمة، والمناطق التي خرجت عن سيطرة النظام في سورية تؤرّق الإدارة بسبب ما تتعرض له من قصف جوي متواصل، بينما لا تتراجع الإدارة عن حظر إمداد قوات المعارضة بمضادات للطيران، وليست على استعداد لرفع الحظر في المدى المنظور. لذا قد يكون التخلص من «المناطق المحررة» مصلحة للإدارة الأميركية، وقد يكون هذا هو فحوى انتقاداتها لتكتيك كتائب المعارضة القائم على الاحتفاظ بالأرض. وفق ما تسرب أخيراً من الأوساط الأميركية، ستشرع الإدارة في تدريب جيش سوري جديد، بمعدل 600 مقاتل شهرياً لمدة سنة ونصف سنة، ولن يكون لائتلاف المعارضة أو هيئة أركان «الجيش الحر» أي إشراف على البرنامج، وسيعتمد الجيش الجديد تكتيك حرب العصابات مع عدم الاحتفاظ بالأرض؛ الغاية تنحصر في استنزاف قوات النظام عسى أن يتمكن الأسلوب الجديد من إقناعه بالحل السياسي.

لن تكون الانتقادات الموجهة الى أداء الإدارة الأميركية مهمة هنا بمقدار قدرتها على فرض رؤيتها الجديدة على الحلفاء الإقليميين. فالإدارة منحازة «كانت ولا تزال» إلى اعتماد الحل اليمني عبر جنيف، ولم يقنعها فشل الأخير في تغيير إستراتيجيتها. الإعلان أخيراً عن زيادتها دعم المعارضة، مع إنشاء جيش جديد بعقيدة قتالية مختلفة، هو نوع من المزج الاضطراري بين قليل من الخيار الليبي وكثير من الخيار اليمني. ولا تخفي الإدارة استبعادها لكل ما أُنجز خلال نحو سنتين ونصف سنة من المعارك في الميدان، ولا تخفي أن تدخلها الموعود سيكون بطيئاً، وأن إعداد البديل الذي تراه مناسباً سيستغرق سنة ونصف سنة ليبدأ بعدها سعيه الى زحزحة موازين القوى على الأرض.

منذ أشهر كان الحديث يدور عن حوالى مئة ألف مقاتل ضد النظام، هذا الجيش قد ينتهي قريباً كتشكيلات وأفراد، فقضم قوات النظام وحلفائها مزيداً من المناطق سيدفع الناجين إلى إلقاء السلاح والهرب، والمصالحات المحلية التي تقودها إيران هنا وهناك ستحيّد بعض المناطق عن المعركة. لا تملك غالبية المقاتلين خيارات جدية، فهي مستبعدة من البرنامج الأميركي، وواقعة بين ضغط قوات النظام وضغوط الجماعات المتطرفة مثل «داعش» و «النصرة». الكثير من المناطق المحاصرة صار جاهزاً إما للسقوط السريع وإما لإبرام مصالحة، بسبب نقص الذخيرة والعتاد، ولا توجد بوادر لنجدة هذه المناطق من الخارج، مثلما لا يظهر النظام مستعجلاً لاعتماد أي خيار حاسم تجاهها. الأكيد أنه، بمعونة وتخطيط من حلفائه، بات يركز جهده على المناطق الإستراتيجية جغرافياً، أو على تلك التي لا يزال للمعارضة فيها ثقل عسكري وخطوط إمداد لم تنقطع، آملاً بأن استعادته كل الأراضي ليست سوى مسألة وقت، مع تلميح مسؤوليه إلى نهاية السنة كموعد تقريبي.

على رغم ما سبق، ليس محتماً أن ينجح النظام، لأن نجاحه رهن بنجاح الإدارة الأميركية في فرض رؤيتها على اللاعبين الإقليميين، ومن ثم قطع الإمدادات تماماً عن الفصائل التي لا تنال رضا الإدارة. لكن الخيار الآخر سيكون مكلفاً من حيث ترك «المناطق المحررة» تتآكل بفعل القصف المستمر، وجعلها عِبرة لأولئك المغامرين الذين يقاتلون خارج إرادة القوى العظمى. سيُقال إن المعارضة أخطأت في حساباتها إذ تبنت مبدأ التحرير، أما وقوع «المناطق المحررة» على فالق التباينات الإقليمية والدولية والثمن الباهظ لذلك، فلن يعدو كونه خلافاً عابراً بين حلفاء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ميليشيات الحكومات والأنظمة الفاشلة

حسين العودات

البيان

الاثنين 23/6/2014   

 تكررت منذ انطلاقة الانتفاضات العربية، استعانة بعض الأنظمة بالميليشيات إلى جانب جيوشها النظامية، لقمع الاحتجاجات الشعبية، وكانت هذه الظاهرة مثيرة للاستغراب، فما فائدة هذه الميليشيات للأنظمة وهي تملك جيوشاً من عشرات الآلاف وأسلحة خفيفة وثقيلة ومن مختلف الأنواع، بينما لا يملك المحتجون أو الثوار غالباً سوى أسلحة فردية أو بعض الغنائم من أسلحة جيش السلطة؟

شهدنا ذلك في سوريا، حيث استعان النظام بميليشيا محلية سماها «لجان الدفاع الوطني» يدفع للمنتسبين إليها (ومعظمهم عاطلون عن العمل ودون تعليم أو مهنة) أضعاف رواتب الجندي النظامي، ويسمح لهم بنهب المساكن والمناطق التي يطردون المسلحين المعارضين منها، ويخالفون القانون بالطريقة التي يرونها. وقد نوّع النظام السوري مصادر هذه الميليشيات، فاستعان بميليشيات طائفية غير سورية من حزب الله اللبناني ومن ميليشيات عراقية، وربما من بعض الميليشيات الحوثية والأفغانية.

كما شهدنا مؤخراً استعانة الجيش السوداني بميليشيات مهمتها تأديب أهالي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وإسكاتهم والقضاء على أي تحرك للمطالبة بحقوقهم. وبطبيعة الحال يدفع لهم النظام ضعف الرواتب التي يدفعها للجنود ويعطيهم امتيازات أخرى، ويطلق يدهم في مخالفة القانون سواء لجني الأرباح أم لمعاقبة المحتجين.

وفي ليبيا أيضاً تقاسمت فصائل المجلس الوطني الانتقالي المنتخب الميليشيات، بدلاً من الجيش والشرطة وقوات الأمن، وشكل كل فصيل سياسي جيشه من هذه الميليشيات، وأطلق أيديها أيضاً في عمل ما تشاء من مخالفة القوانين والأنظمة، حتى أن بعضها اعتقل ريئس الوزراء واغتال مسؤولين كباراً، وحلت هذه الميليشيات واقعياً محل الجيش النظامي والقوات المسلحة النظامية. أما في العراق فقد وجه رئيس الوزراء نوري المالكي نداء للتطوع لمواجهة القوات القادمة من الشمال العراقي، بعد أن انهار الجيش انهياراً لا مثيل له.

وأيدت مرجعيات بعض الطوائف نداء المالكي وطالبت أتباعها بحمل السلاح والالتحاق بالتنظيمات العسكرية الجديدة (الميليشياوية). ومن المتوقع أن نشهد هذه الظاهرة في بلدان عربية أخرى في مراحل قادمة، حيث تزيد الأنظمة اعتمادها على هذه الميليشيات للدفاع عنها، بعد أن فشلت جيوشها في حمايتها.

تعود هذه الظاهرة لعدة أسباب، منها أن الأنظمة وجيوشها تمثل فصيلاً واحداً طائفياً أو إثنياً أو حزبياً، وعندما تواجه بالانتفاضة الجماهيرية الشعبية تعود إلى هذا الفصيل وتستنجد به لإنقاذها، ويتحول النظام عندها إلى مجموعة مقاتلة، ويتخلى عن كونه نظاماً سياسياً يدّعي تمثيل الشعب بمختلف أطيافه السياسية والاجتماعية وغيرها. لا تستطيع الجيوش النظامية القيام بما تقوم به الميليشيات.

لأن هذه الجيوش تضم عناصر من مختلف شرائح المجتمع، كما أنها جيوش محترفة أو شبه محترفة، وبالتالي يصعب إقناعها بالقيام بمهمات داخلية لا علاقة لها بالدفاع عن الوطن. وللجيوش النظامية عادة ثقافة خاصة تحترم، ولو جزئياً، الاتفاقيات الدولية وقوانين الحرب، وهذا كله لا تلتزم به الميليشيا، التي لا تطبق تقاليد الضبط والربط، .

وتكون ممارساتها أقرب إلى الاستجابة للغرائز المتخلفة المادية والمعنوية، فضلاً عن أن بعضها (في حال الميليشيا الطائفية) ينجرف وراء وهم مفاده أنه يدافع عن طائفته، مذهبية كانت هذه الطائفة أم إثنية أم غير ذلك. وفي الحالات كلها فإن الظاهرة تدل بما لا يقبل الشك، على ضعف الأنظمة وفشلها في حل مشاكل شعوبها، وإخفاق جيوشها في القضاء على الاحتجاجات الشعبية أو الثورات، سواء كانت مسلحة أم غير مسلحة.

يعيدنا خيار اللجوء للميليشيات إلى تاريخ الجيوش غير النظامية، التي اعتمدت عليها أنظمة عديدة في التاريخ وكانت تُشكل غالباً لخوض معارك وحروب بعينها، ثم تنتهي مهمتها بعد انتهاء تلك المعارك والحروب. وفي بداية نشوء الأمم كانت الجيوش كلها عبارة عن متطوعين وميليشيات، رواتبها مما يغنمه هؤلاء المتطوعون في حروبهم.

ومنذ قيام الدولة الحديثة تراجع دور المتطوعين المؤقتين في الجيش لحساب نمو المنتسبين المحترفين، وتشكلت الجيوش الدائمة والثابتة، ووضعت لها الأنظمة والقوانين، وتأسست التقاليد العسكرية والحربية، وتم الالتزام بالوظائف الأساسية لهذه الجيوش، وخاصة الدفاع عن الوطن، وكُفت أياديها عن التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، باستثناء الاستعانة بها عند الكوارث الطبيعية والزلازل وما في حكمها.

وما عدا ذلك فليس من مهمتها مواجهة الحركات الشعبية والثورات الداخلية السلمية أو المسلحة. ويبدو أن بعض الأنظمة العربية يريد أن يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء، ويستعين بهذه الميليشيات بدلاً من الجيوش، ويؤكد هذا التصرف أن هذه الأنظمة هي أنظمة فاشلة، تلجأ إلى وسائل بدائية لتحقيق الاستمرار بأي وسيلة من الوسائل.

وتزج جيش الأمة ليحارب شعبها ويستدرك عيوب الأنظمة السياسية. ينبغي توقع حدوث مشكلات وصعوبات عديدة لهذه الميليشيات، وللشعب أيضاً، عند انتفاء الحاجة إليها وحل تنظيماتها، إذ إن متطوعيها لا يستطيعون، لأسباب عديدة، العودة للعيش كغيرهم من المواطنين الذين يواجهون شظف العيش أو قلة الدخل، ويمنعون أنفسهم من مد اليد إلى أموال الغير أو أملاكهم أو التحكم في رقابهم.

كما تعودوا، وخاصة إذا سقطت الأنظمة التي استخدمتهم. وتزداد الصعوبات باعتبارها ميليشيات مسلحة من غير السهل جمع سلاحها، ويشكل استمراره بين أيدي عناصرها خطراً كبيراً على حياة الناس واستقرار البلاد، وبالتالي ستكون هذه الميليشيات ظاهرة مقلقة لأي نظام وأي مجتمع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استحقاقات تصريح الرئيس الأمريكي : لا معارضة سورية .. هل هي في بديل للمعارضة أو بديل لأمريكا

28.06.2014

زهير سالم

لم نكن في أي مرحلة من مراحل هذه الثورة من المنتظرين لدور أمريكي إيجابي في نصرة الشعب السوري أو الثورة السورية . ولم نكن كذلك في التيار العريض من ابناء الشعب السوري في تدفقه الوطني الحر من المراهنين على أمريكا أو على أي دعم أمريكي لمشروع ثورتنا المطالبة للشعب السوري بالحرية والكرامة وحقوق الإنسان ..

وهذه الحقيقة لا تتنافى مع حقيقة أن ثلة من المقامرين السياسيين الذين تواثبوا إلى مواقع قيادة المعارضة ، وبعضا من قيادات المعارضة التقليدية قد خُدعوا بدور أمريكي ، وهوّموا طويلا في دوامة المراهنة على هذا الدور ...

لم نؤمن يوما بصدقية ( المشروع الأمريكي ) في أحاديث كذاب عن حرية وديمقراطية وحقوق إنسان في عالمنا العربي الذي دخل في عداد التركة الأمريكية منذ أفلت شمس الاستعمار القديم ..

سياسيا أو ثقافيا لا يمكن أن ننسى ان القوانين العنصرية ( المشرعة للتمييز العنصري ) لم تسقط في أمريكا إلا في ستينات القرن الماضي ، أي منذ نصف قرن تقريبا . وهذا يعني ان الكثير من دهاقين صناع السياسة الأمريكية قد تربوا على حقيقة أن إنسانا يولد أكرم من إنسان ، وأن إنسانا يكون أولى بالحماية والرعاية والحرية والكرامة بحكم مولده ، عرقه وجنسه ومولده وأبويه ، من إنسان آخر . إنه من سوء حظنا أن نعترف أن عالمنا العربي بشكل عام وهويتنا الدينية والمذهبية والوطنية كلها لا تفرزنا على خانة الرضا الأمريكي العنصرية بخلفياتها كما إنها لم تعطنا هذه الأفضلية على قواعد الفرز النازي ..

 كنا وما زلنا نؤمن أنه حين يحدثك الغربي عموما والأمريكي خصوصا عن حق الإنسان في الحياة فهو يقصد حياته هو ، وحين يحدثك عن حق الإنسان في الكرامة فهو يقصد كرامته هو ، وحين يحدثك عن حق الإنسان في الحرية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية فهو يقصد حريته هو ،وحين يحدثك عن حق الشعوب في الديمقراطية وفي صنع حاضرها ومستقبلها فهو يقصد حقه هو . حقوقه هو في حفظ كل ذلك لنفسه وفي صنعه للآخرين حسبما يراه هو ويعتقده هو ويحبه هو ..

تحتل أفغانستان لأن بعض الرجال فيها لا يحبون أكل الماكدونالدز ولا شرب الكولا ولا لبس الجينز ولأن بعض النساء فيها يرفضن ....

الهيمنة بكل أبعادها هي جوهر المشروع الأمريكي وباختصار شديد أوجزه صاحب كتاب مستقبل الثقافة في مصر منذ نحو قرن

يجب حسب مفهوم هؤلاء( أن نحب ما يحب الغربيون وأن نكره ما يكرهون ) وإذا كان هذا هو جوهر المشروع الأمريكي فأي نقاط تقاطع بينه وبين مشروعنا القومي أو الوطني أو الثوري نحن الذين آمنا منذ خمسة عشر قرنا بوحدة الإنسانية والكرامة المطلقة للإنسان . لا عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود ولا غالب ولا مغلوب ..

 سورية ( الأسد ) كانت منذ عقود تعيش في قلب الحلم الأمريكي ، كما يريدها أن تعيش الأمريكيون ، فالسيارة الأمريكية ، والوجبة الأمريكية ، وعلبة السجائر الأمريكية ،واللباس الأمريكي ، والموسيقا الأمريكية ، والأغنية الأمريكية ، والفيلم الأمريكي ، ظلت هي الخيارات المفضلة في الحياة الرسمية العامة و لدى النخبة الحاكمة بمن فيها المقيم في قصر الرئاسة في دمشق ؛ فعن أي نصرة لثورة مضادة لمشروع الاستهلاك العالمي يتحدث هؤلاء المراهنون والمتخاذلون ...

ذرائع الرئيس الأمريكي ، الذي هو جزء من ثقافة قومه المؤسسة على العنصرية المتطلعة إلى الهيمنة والنفوذ ، بالحديث عن انتفاء المعارضة السورية ( المعتدلة ) التي تستحق المساعدة والتي يمكن أن يعوّل عليها في إسقاط بشار الأسد ؛ ساقطة أو متساقطة بأسبقية النضال السوري السلمي الذي دام عشرة أشهر لم يكن فيه عصا ولا حجر غير الدم البريء يسفكه عملاء أوباما وبوتين وخمنئي الطائفيون العنصريون الهمج والمتأمركون حتى في همجيتهم . شعب سورية اليوم يباد كما أبيد الهنود الحمر على يد المستوطنين الأمريكيين من قبل...

 خرج علينا خارج بالأمس يبني على تصريح الرئيس الأمريكي الدال والمعبر والخطير ( لا يوجد معارضة سورية معتدلة يمكن التعويل عليها ..) خرج علينا هذا الخارج الكبير يقول إن تصريح أوباما ينبني عليه استحقاق خطير ...

وأصغينا فإذا بالرجل يقول : أيها السوريون اخرجوا من جلودكم ، وتنازلوا عن مشروعكم واجعلوا إرضاء أوباما نصب أعينكم وتشكلوا من جديد حسب المقاييس والمعايير الأمريكية ، وكأنه يقول لأوباما ( لك العتبى حتى ترضى ..)

تجدون من الصعب أن تجدوا بديلا عنهم ( أوباما وفريقه ) لذا سيكون أول امرنا أن نجد بديلا عنكم . لا كنتم ولا كان من رضي بكم ...

لقد علمتنا الأيام أنه من أصعب الصعوبات تحرير العبيد

28 / شعبان / 1435

26 / 6 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون لا يشعرون بحاجتهم إلى الدولة

لؤي حسين

الحياة

الثلاثاء 24/6/2014

بات من المعروف أن السوريين لم يبنوا دولتهم، في الربع الثاني من القرن الماضي، وفق صراعات أو توافقات معتادة لبناء الدول، بل ورثوا مؤسسات دولة كان قد أنشأها الاستعمار الفرنسي. لهذا كان من السهل على السلطات الانقلابية، التي جاءت بعد بضع سنوات من الاستقلال، تحويل الدولة إلى أداة حكم بدل أن تكون مؤسسة تنظم الحياة العامة والمصالح المشتركة بين جميع السوريين. وصار هذا التحول جلياً أكثر مع وصول حافظ الأسد الى السلطة ومع رسوخ حكمه الذي امتد طويلاً. فتحولت مؤسسات الدولة بخطى سريعة إلى أجهزة تسلط، تستخدمها السلطة السياسية/العسكرية لإخضاع السوريين وتحويلهم إلى رعايا، ليس بالمعنى الاقتصادي فقط للكلمة، بل بالمعنى الاجتماعي والسياسي ليتحول بذلك السوريون إلى مجرد موضوع للحُكم، بعيدين كل البعد من أن يكونوا مواطنين.

ومع مرور ثلاثة عقود من حكم حافظ الأسد، وأكثر من عشر سنوات من حكم ابنه بشار الأسد، أصبحت الدولة بذهنية العموم السوري كياناً مفارقاً للسوريين: يسترضونها، يسرقونها، يحتالون عليها، يخافونها، يخفون آراءهم عنها، يمارسون تجاهها كل ما يؤكد عدم انتمائهم إليها. فحتى المال العام عرفه السوريون على أنه مال الدولة، أي مال السلطة. ليس منهم وليس لهم. لهذا، فإن رئيس السلطة عندما يصرف من هذا المال للخدمات العامة، فإن عمله هذا يسمى رسمياً «مَكرُمة». لأنه بالعرف العام، وبالقوانين التي يفرضها هو، يمكنه أن يتصرف بهذا المال كما يشاء بما في ذلك تركه مستباحاً لأقربائه والمحيطين به. وكذلك حال الملكيات العامة، فهي بالعرف العام أملاك للدولة وليست أملاكاً للعموم السوري. لهذا لا يهتم السوريون بحمايتها أو الحفاظ عليها، بل على العكس فقد اعتادوا اعتبار إساءة استخدامها أو نهبها حلالاً. باختصار، إن الدولة ليست شأناً معيوشاً بالنسبة الى السوريين، وأن الحديث الملم بهذا الموضوع يحتاج الى أبحاث موسعة.

بناء على هذا الفهم للدولة، وعلى هذه العلاقة معها، نلحظ أنه ما إن استقرت الانتفاضة السورية، التي انطلقت في آذار (مارس) 2011، حتى صار الاستقلال عن الدولة جزءاً من مطالب بعض المناطق المنتفضة. كان هذا المطلب مرتبكاً وفجاً في البداية، تجلى في ذاك الحين بالحديث عن استقلال أمني وقضائي عن الدولة. وقد أبلغت بعض القيادات الميدانية فريق السيد كوفي عنان بذلك في ربيع 2012 خلال المحادثات التي أجريت بينهما. حينها لم يكن في أذهان هذه القيادات الميدانية تصور كامل لهذا، خصوصاً أنهم حاولوا إدراجه ضمن وحدة الدولة السورية.

كذلك يمكن أن نجد أنه حتى الحراك المسلح المعارض، الذي ظهر في مواجهة السلطات الأمنية، بقي في غالبيته حراكاً مناطقياً. فغالبية المجموعات المسلحة بقيت في مناطقها بعد أن سيطرت عليها وأخرجت قوات النظام ومؤسسات الدولة منها. فلم تحاول الخروج من هذه المناطق مكتفية بمناوشات محدودة مع مواقع قوات النظام المحيطة ببلدتها أو منطقتها. وكان شعار إسقاط النظام بالنسبة إلى هؤلاء شعاراً مناطقياً وليس وطنياً.

ومع تطور التواصل بين الناشطين المحليين وجهات غربية حكومية وغير حكومية، ومع اتساع رقعة المناطق الخارجة عن سيطرة السلطة، بدأت تظهر وتنمو عند الناشطين وعند هذه الجهات الغربية فكرة إقامة مجالس محلية تتولى الاهتمام بشؤون الأهالي في كل منطقة على حدة. فكانت عبارة عن مجالس للمناطق والبلدات، مشكّلة من شخصيات مدنية وعسكرية أو مسلحة، اصطفاها الواقع الصراعي مع السلطة من خلال إثبات قوتها ومقدرتها على التحكم بسبل الصراع، وبخاصة تلك الشخصيات التي تمكنت من إقامة علاقة ثابتة مع جهات خارجية.

كان من أولى مهمات هذه المجالس الإشراف على مصادر الإغاثة الغذائية والإسعافية، وكذلك على مصادر السلاح والذخيرة. غير أن أحد العيوب الرئيسة لهذه المجالس هو أنه تم تشكيلها لتكون مستقلة عن بعضها بعضاً، بانفصال يكرس إسقاط الحاجة إلى دولة.

ومع مضي الوقت، بدأت تظهر طروحات متكاملة لمسألة الاستقلال عن الدولة السورية، تتعدى مسألة الشرطة والقضاء لتشمل مسائل كالخدمات والتمثيل السياسي، بعد أن تصوّر بعض أعضاء هذه المجالس أن التمويل الذي يصلهم الآن من جهات مموِّلة قد يكون دائماً. وتذرعت هذه الطروحات في تبرير استقلالها عن الدولة بأن الأمر موقت ومرهون بانتهاء حكم بشار الأسد. لكن على الأرجح أن هذا الأمر متى ما ترسخ سيكون من الصعب إعادة ذوبان هذه المناطق ضمن دولة مركزية حتى بعد رحيل بشار الأسد.

من الطبيعي أن يحضر مثل هذا الطرح مع غياب أي ارتباط قانوني لهؤلاء السكان مع الدولة السورية، ولعدم وجود أي إحساس لديهم بالمواطنية، بل لغياب الوطنية السورية التي يمكن أن تعطي معاني واضحة لارتباط السوريين ببعضهم بعضاً وفق قيم يستشعرونها ويقبلون بها ويدافعون عنها.

يضاف إلى هذا أن النظام السوري خلال العقود الماضية كان قد عمل على تحطيم البنى الاجتماعية السابقة للدولة، كالقبيلة والطائفة، من دون أن يبني، أو يتيح بناء، بنية وطنية تقوم على المواطنة بين المواطن والدولة. لهذا لم يكن عند الفرد السوري، في أتون هذا الصراع القاسي، أي منظومات اجتماعية، قبلية أو عشائرية أو حتى طائفية، يمكنه أن ينتظم فيها. لهذا نجده تائه الولاء، يرحب بأي جماعة يمكنها أن تقدم له شيئاً من الحماية أو بعضاً من الخدمات، حتى لو كانت جماعة أصولية ليس له عهد بنواظمها.

من هنا يمكننا معرفة لماذا لم تلق الطروحات السياسية المبنية على المصالح الجامعة لكل السوريين أو الداعية الى الوحدة الوطنية أي تجاوب يذكر من عموم المواطنين في المناطق الاحتجاجية، ولا حتى في المناطق الأخرى التي لم تتمكن الحركة الاحتجاجية من الاستقرار والاستمرار فيها.

هذا الوضع الذي يشكل دليلاً على انهيار الدولة السورية هو مؤشر أيضاً على خطر تفتت الكيان السياسي السوري. ومواجهته ليست مناطة الآن بالسكان، بل هي مسؤولية من وضع نفسه في موقع القيادات السياسية. فعلى هؤلاء مراعاة مسألة الوحدة الوطنية والدولة المركزية في كل برامجهم وتوجهاتهم وتصريحاتهم. وهذا لا يتعارض مع اللامركزية الإدارية التي باتت ضرورة محسومة في بناء الدولة السورية الحديثة، إذا ما أتاحت لنا الأقدار فرصة تاريخية لإنهاء هذه الأزمة وبناء دولة وطنية سورية تحقق العدالة والمساواة لجميع السوريين.

* رئيس تيار بناء الدولة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران: تفكيك العراق الأميركي

غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 25/6/2014

يستحيل على أي تحليل منطقي قراءة التطورات التي حصلت في العراق بالاعتماد فقط على ظاهرية المعطيات الحاصلة والركون الى انسيابية الحدث، الذي يبدو كاريكاتيراً في العديد من أجزاء مشهديته. تلك لم تكن سوى صورة متعجلة يراد منها إشغال المتلقي بتفاصيل هي أقرب الى الخيال. كيف يمكن لقوى من بضعة آلاف وبأسلحة خفيفة وإمكانات لوجستية متخلفة تفكيك بنية جيش نظامي قوامه مئات الآلاف، وتحويله إلى مجرد سراب يتوه في الصحارى الخالية، وكل ذلك في ظرف زمني لا يتخطى عدداً من الساعات؟

ثمة تحليلات كثيرة حاولت استدراك حالة الإرباك الحاصلة في فهم الموقف بالعمل على إدماج المعطيات الميدانية المتوافرة بخلفيات سياسية واجتماعية، عبر التركيز على حالة الحنق الحاصلة لدى المكون السنّي، إضافة إلى فساد المؤسسة العسكرية ولاعقائدية الجيش، معطوفاً عليها السياسات الخاطئة لرئيس الحكومة العراقية نوري المالكي وسياساته الطائفية التي ساهمت في إضعاف المناعة العراقية بشكل عام أمام الأخطار التي تهدد جسد البلاد، ولكن هل يكفي ذلك لإخراج مثل ذلك المشهد العجيب!

التحليل الأكثر انسجاماً مع تلك الصورة لا بد أن يرى الأصابع الإيرانية بوضوح خلف تلك المشهدية، وهي تأتي في إطار العنوان الأكبر للإستراتيجية الإيرانية في المنطقة القائمة على إيجاد الفوضى وتعميمها والعمل في إطارها، بعد ثبوت قدرة إيران الهائلة على العمل في مناخ الفوضى عبر تجربتي أفغانستان والعراق، ومتابعة هذا السياق في سورية بشكل واضح وجلي، ذلك أن إيران، ومن خلال عملها وإدارتها لعناصر الفوضى في المنطقة، بعد صناعتها بتأنّ، صارت لديها القدرة على التحرك بخطوات واسعة وبثقة عالية بقدرتها على ضبط وإدارة تلك الفوضى بما يقلل من مخاطرها عليها ويضاعف فرص استثمارها لها.

عملية تظهير هذا السياق لا بد ان تتجلى في العراق، إذ لا تكفي السيطرة على الحكم العراقي الحالي، فالسيطرة الكلية على العراق مرهونة بدرجة كبيرة ببقاء المالكي وحزب «الدعوة»، في حين لا تكون كذلك مع أي تغيرات قد تحصل في تركيبة النظام السياسي العراقي، فثمة مخاطر عديدة ينطوي عليها عراق اليوم، فهو بمؤسساته وتنظيمه صناعة أميركية، وهذه الصيغة قابلة للتفجر في وجه إيران في أي لحظة، أو أقله محاولة تعديل قواعد العلاقات معها.

في هذا السياق، تدرك إيران أن مؤسسة الجيش العراقي، التي أسسها الأميركيون وعملوا سنوات طويلة على إعدادها وصوغ أنظمتها وعقيدتها القتالية، لا بد أن لها فيها مراكز قوى ووجود، وان هذه المؤسسة هي الأكثر خطراً على النفوذ الإيراني في العراق، لما تملكه من قدرة انقلابية، إضافة إلى انطواء الجيش العراقي على مختلف مكونات المجتمع، وجزء منه لا تروق له السياسات الإيرانية، وبالتالي فإن عملية تفكيكه هي نوع من درء المخاطر المحتملة، وبخاصة أن المكاسب الإيرانية مضمونة في هذه الحالة، ذلك أن العناصر المخلصة للمشروع الإيراني من الجيش العراقي ستلتحق بالتشكيلات التي بدأ قاسم سليماني بتأسيسها بفتوى شرعية من السيستاني، وبهذه الطريقة تتخلص إيران من العناصر المشكوك بولائها وانتمائها، ثم أن حروب إيران في المنطقة لم تعد تستدعي جيوشاً، وتثبت ذلك تجربتها في سورية بعد أن أسست جيشا رديفاً هو «الجيش الوطني» الذي سيتحول مستقبلاً إلى جيش بديل عن الجيش السوري.

هذه الخطوة ستكون مقدمة لإعادة صوغ المؤسسات الوطنية العراقية ودمجها كلها في إطار المشروع الإيراني، وذلك عبر تحويل وظائفها الأساسية، تشريعاً وتمويلاً وتنفيذاً، في خدمة الأهداف الإيرانية، إذ أن تمويل المشروع الإيراني في المنطقة بات يحتاج إلى وضع اليد على عناصر الاقتصاد العراقي بعد أن أوشكت إيران على الإفلاس، وتحقيق هذا الأمر يتطلب إيجاد بيئة من التهديد الوجودي للعراقيين.

في إطار هذا السياق الفوضوي تطمح إيران إلى إعادة صوغ الكيانية العراقية وتوضيح عناصرها، في إطار إستراتيجية تشمل منطقة المشرق برمتها، حيث تعمل إيران على إفراغ المناطق السنّية، التي تقع على سكة مشروعها، على طول الخط من البصرة إلى صور في جنوب لبنان، بل أن إيران التي تطور تكتيكاتها السياسية على الدوام، تطمح إلى تحقيق هذا الأمر بمساعدة دولية وأميركية، إن أمكن، عبر مساعدة الأساطيل الأميركية، وان لم تفعل هذه الأخيرة ستسمح لإيران بفعل ذلك بحجة محاربة الإرهاب، وبخطوتها تلك تعيد إيران خلط الأوراق السياسية في المنطقة كاملة، عبر إضعاف الخليج العربي، بوصفه قوة سنّية عربية داعمة للتطرف، لذا ليس مستغرباً أن يكون رد روحاني الأولي على الحدث، دعوته لمواجهة الخطر السنّي!

بهذه العملية يراد أيضاً إعادة ترسيم حدود النظام الإقليمي العربي عبر ضمان إخراج العراق نهائياً، فالعراق الذي صار أعداؤه من العرب، سواء سنّته في الغرب، أو الدول الداعمة لهم، بحسب الدعاية الإيرانية، والذي سيحميه «فيلق القدس» الإيراني، لن يعود عربياً لا بالشكل ولا بالمضمون.

بعد تثبيتها للمالكي والأسد في الحكم، من الطبيعي أن تتحرك إيران باتجاه ترسيخهما كحاكمين شرعيين. انتظرت إيران إكمال السياق السياسي لتنتقل بعد ذلك إلى أمر فرضه كواقع. هذه الخطوة تبدو ضرورية الآن في إطار الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، إذ صار مطلوباً الوقوف على أرض صلبة لإكمال انجاز المشروع الإيراني صوب سورية ولبنان، والانتهاء منه في وقت زمني معلوم، ليصار إلى التفرغ لإكمال حلقاته في الخليج العربي ما دامت الظروف مؤاتية.

* كاتب سوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا المسلمة والثورة السورية

ياسر نديم سعيد

القدس العربي

الخميس 26/6/2014

جاءت الثورة السورية في سياق ثورات عالمية قريبة ومعاصرة حدثت في أوروبا الشرقية ودول الربيع العربي، وكان مجال تلك الثورات الأكبر الساحات العامة في المدن، وكانت أيضاً ثورات سلمية غير مسلحة. صحيح أن الثورة السورية لم تترك ساحة عامة في المدن بدون محاولة احتلالها، ولكن ذلك لم يكن المظهر الأساسي فيها. وصحيح أن النظام الأسدي قمع بشدة وحال دون وصول المتظاهرين للساحات العامة في المدن، ولكن المتظاهرين كانوا يواصلون خروجهم من المساجد للساحات المحلية في الأحياء العشوائية المهمّشة في أطراف المدن وفي البلدات والقرى.

لا شك أن الثورة السورية تأثرت بما جرى قبلها مباشرة في تونس ومصر وليبيا واليمن، فمسلمو سوريا السنّة هم الأقرب شبهاً للشعوب العربية التي ثارت، ولكن الثورة السورية سرعان ما قطعت كل السياقات التي سبقتها والتي رافقتها، لتبدو ثورة مسلمين فقراء مهمّشين بالدرجة الأولى.

جرى التعامل أيضاً مع وجه الثورة المسلح في سوريا بهذه الطريقة: بشكل اعتذاري وتبريري، «النظام الأسدي هو الذي دفع الناس بعنفه للتسلح وأجبرهم على ذلك». وهناك مديح، مازال يتكرر بشكل ملّح، لسلمية الثورة السورية في بدايتها وكأنه اعتذار وتبرير لعنف الثوار في ما بعد.

لماذا نخجل أن نقول ان الثورة السورية هي في جوهرها ثورة عنيفة مسلحة لمسلمين، وما كان لها إلا أن تكون كذلك؟ لماذا ركنّا ومازلنا نركن إلى مقدمات على أنها بديهيات لا تحتاج لتفسير من مثل أن الشعب السوري غير عنيف، وأنه «مدني ديمقراطي» بالطريقة الشائعة المروّج لها بشدة من قبل كثيرين؟

الجواب يكمن عند المعارضين السوريين التقليديين والمثقفين السوريين المكرّسين بغالبيتهم والذين «غزوا» إعلام الثورة السورية وواجهاتها بمفاهيمهم وإشكالياتهم وتاريخهم الخاص، وساهم في ذلك نفاق الإخوان المسلمين و»تقيتهم» السياسية. اعتقد هؤلاء أن الثورة السورية هي استمرار لسياق نضالاتهم أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي، نضالاتهم السلمية الديمقراطية المدنية الوطنية «الحداثية» كمعارضة لنظام أسدي تريد منه أن يكون «أكثر» عروبة أو «أكثر» إسلامية أو «أكثر» يسارية، وهو النظام الذي صادر المجتمع أصلاً قبل مصادرته للسياسة، ولكن هذا النظام الأسدي الذي ردّ منذ اليوم الأول ويرّد حتى الآن على المتظاهرين بالسلاح والرصاص الحي، وتعامل ويتعامل مع كل ناشطي الثورة الحاملين للسلاح وغير الحاملين له كإرهابيين، ودمّر ويدمّر حواضنهم الشعبية بكل الوسائل، هذا النظام أخرج مفهوم المعارضة نهائياً من أي حساب داخل سوريا أو خارجها.

أسقط «المدنيون الديمقراطيون» تصوراتهم ورغباتهم على واقع الثورة السورية وهم يعيشون خارجها، أو على هامشها أو في متنها لفترات قصيرة بنشاطاتهم «المدنية» المساندة المعروفة من توثيق وإغاثة وإعلام وتظاهر حين تسمح ظروفهم بذلك، وابتعادهم عن حمل السلاح.

الخوف من الطائفية مرعب بحد ذاته عند هؤلاء «المدنيين الديمقراطيين»، سواء بعدم قدرتهم على الإعلان عن طائفية النظام الأسدي بوضوح، أو بتجنب ذلك، أو بالهروب من واقع أن المسلمين الثوار هم من السنّة وكأن ذلك عيب أيضاً.

الخوف من اجتماع المسلمين الثوار مع السلاح أساسه الخوف التاريخي لدى هؤلاء من الإسلام السياسي بكافة تجلياته، خاصة تجربة الطليعة المقاتلة المسلحة في القرن الماضي بالتباس علاقتها بالإخوان المسلمين. الخوف من سلاح الثورة يستبطن أيضاً الخوف من «الإرهاب» بالمفهوم الذي عمّمه الغرب في العالم كله، في ما يسمى «الحرب على الإرهاب». استسهل هؤلاء الحديث عن «أسلمة» الثورة وعن مؤامرات داخلية وخارجية لأسلمة الثورة وتسليحها، وكأن مسلمي سوريا لا يريدون أنفسهم القتال تحت أي راية تقدم لهم المال والسلاح.

كل الثورات العنيفة في التاريخ البشري جرت فيها أعمال شنيعة وجرائم بشعة، ولكن هذه المرة سوف تُنسب في سوريا للإسلام السني جوهرياً وبشكل متسّق مع مفهوم «الإرهاب» المتداول. مقصلة الثورة الفرنسية الشهيرة جميلة وشاعرية بالنسبة لهم، مقارنة بقاطعي الرؤوس المتطرفين في سوريا. الحرب الأهلية إثر الثورة البولشفية في روسيا والمجاعة والتدخل الخارجي في روسيا الشيوعية أكثر إلهاماً بالنسبة لهم، مقارنة بما حدث ويحدث في سوريا أيضاً. كان النظام الأسدي أكثر وعياً بطبيعة الثورة السورية والثوار السوريين من المعارضة والمثقفين، وردّدت هيئة التنسيق، الأقرب للنظام من كل فصائل المعارضة، مبكراً لاءاتها الثلاث المعروفة (لا للطائفية ولا للسلاح ولا للتدخل الخارجي) فكانت الأكثر تعبيراً بوضوح من سائر تشكيلات المعارضة عن رفضها للثورة السورية بحقيقتها، والأكثر توهماً بمثال متخيّل للثورة السورية بطريقة جعلتها مثاراً للسخرية أكثر من غيرها من فصائل المعارضة.

شاعت بين أنصار هؤلاء وأولئك أقوال ومواقف تعبّر عن هذه المفارقات من مثل: هذه ليست ثورتي، وتلك هي ثورتي، وهذا يمثلني، وذاك لا يمثلني، وأين هي الثورة؟ وضاعت الثورة، وسُرقت الثورة..وكيف ستكون هذه الثورة ثورتك إذا لم تحمل السلاح ولا تحمله الآن ولن تحمله في المستقبل والدار دار حرب لا تبقي ولا تذر؟

تعرّف السوريون لأول مرة بشكل واضح ومباشر على كافة تيارات الإسلام السياسي، بعد أن كان النظام الأسدي يختزلها كلها بعنوان رئيسي وحيد هو (الإخوان المسلمون). وارتبطت تلك التيارات بمثيلاتها في الدول العربية والإسلامية المؤثرة بشكل تلقائي، مثلما حدث ويحدث في البلدان الأخرى.

هل تنظيمات «القاعدة» جزء من الثورة السورية؟ نعم هي جزء من الثورة السورية مثلها مثل كل التنظيمات الإسلامية الأخرى، أحببنا ذلك أم لم نحبه، طالما أن مسلمي سوريا منضوون فيها بدوافعهم الخاصة التي لم تجد طريقاً آخر لها.

الوجه المسلم للثورة السورية هو وجه أصيل وقد يكون الوجه الأبرز فيها، إلى جانب وجهها الطبقي الذي لا يخفى على أحد.

المسلمون في سوريا أو وجه سوريا المسلم أكثر ما ظُلم في تاريخ سوريا الحديث القصير نسبياً، فقد غطّت عليه دائماً الليبرالية ثم «قلب العروبة النابض» ثم النزوع اليساري الملحد أو العلماني الأقلوي. لم يتح لهذا الوجه إظهار قسماته إلا بشروط قاسية وبحدود تنظيمات سياسية ضعيفة ومحاصرة دائماً، وكثيراً ما اختصر هذا الوجه بعبارات مثل، الإسلام الشعبي التقليدي وإسلام البزنس والإسلام الصوفي الخ.

يصعب تحديد وقت معيّن لحدوث الافتراق بين الإسلاميين والعلمانيين في الثورة السورية، ولكن حادثة اختطاف رزان زيتونة ورفاقها وغموض مصيرهم أصبحت معلماً بارزاً لذلك الافتراق. أظهرت هذه الحادثة، وهي تمثّل حوادث متكررة دائماً في أكثر من مكان وزمان قبلها وبعدها، انعدام ثقة عميق وتوجساً شديداً بين الطرفين، وعدم وجود تفاهمات على طبيعة عمل الطرفين وظروف هذا العمل وسياقه ومآلاته.

ومع حدوث الهجرات الضخمة غير المسبوقة للسكان داخل وخارج سوريا، ومع هروب معظم الناشطين «المدنيين الديمقراطيين» داخل وخارج سوريا، وتموضع المعارضة بكافة تشكيلاتها تقريباً خارج سوريا أيضاً، أصبحت هذه القوى المدنية الديمقراطية بمعظمها عملياً خارج مناطق الثورة أو خارج سوريا كلها. ومثّلت العلاقة داخل المعارضة السورية بين الإسلاميين والعلمانيين نفاقاً متبادلاً أكثر منه تفاهمات صادقة حقيقية. ولم يستطع العلمانيون التفكير والعمل بشكل إسلامي في الثورة السورية، كما لم يستطع الإسلاميون التفكير والعمل بشكل علماني في الثورة السورية. هذا كله أحدث افتراقاً لا يبدو له مخرج حتى الآن بين الثورة والمعارضة وبين السلميين والمسلحين وبين العلمانيين والإسلاميين.

دخلنا جميعاً زمن الثورة السورية بأفكار جاهزة ونمطية وتصورات مسبقة، وكنا نعرّف كل الثورات التي قرأنا عنها بنتائجها وليس بتاريخها الحقيقي وصيرورتها. الثورات الكبرى في كل التاريخ البشري هي ثورات عنيفة بشعة مجرمة، ولكنها لا تخلو بالطبع من أعمال نبيلة ونبلاء، وهي كظاهرة اجتماعية تشبه الظواهر الطبيعية، كالبراكين والزلازل، فلا أحد يرغب بها ولا أحد يعرف متى تبدأ ومتى تنتهي. يتغنّى المؤرخون بالثورات بسبب ما تلاها بعد زمن طويل من تغيرات عميقة غيّرت مجتمعات بكاملها، ولكنهم يختلفون كثيراً في تقييم وقائعها اليومية وحوادثها المتناقضة الغريبة، ولا شك أن كل من عاش يوميات الثورات في التاريخ البشري لعن الثورة ولعن زمانها لما شاهده من ويلات. الثائر هو مجرم بالتعريف الشرعي للإسلام وبالتعريف القانوني لأي نظام وضعي، لأنه يحمل السلاح ويقطع الطريق ويقتل ويسرق ويخرج عن الحاكم والنظام العام. كل الدول الغربية وغيرها من الدول تعمل المستحيل حتى لا تصل شعوبها إلى هذه المرحلة التي ما إن تبدأ حتى لا يستطيع أحد وقفها.

الثورات في نهايتها فقط «يسرقها» طرف من الأطراف ليحكم باسمها طويلاً ويكتب تاريخها كما يشاء ويصنع مستقبلها كما يرى.

الثورة السورية هي كل ما نشاهده أمامنا، نحن المراقبين، وهي كتاب مفتوح كي نتعلم منه، لا كي نكتب فيه دروسنا للثورة، أما من يشارك في الثورة من قلبها العنيف المسلح فله أن يتكلم كما يريد وكما يرى، وعلينا أن ننصت له جيداً وأن نحاول أن نفهم ماذا يفعل وماذا يقول وماذا يريد وإلى أين هو ذاهب.

 

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أوباما الجمهوري: أيدٍ ناعمة «غبية»

نائل حريري

الحياة

الخميس 26/6/2014

في 2009 وصل السيناتور الديموقراطي باراك أوباما إلى البيت الأبيض ليكون أول رئيس أسود لبلاد لم تتخلص من عنصريتها بعد. لم يكن ممكناً لحملة أوباما تجاوز هذا الحاجز العرقي لولا الإخفاق الجمهوري المرعب الذي دفع مركب الديموقراطيين، أي أن صاحب الفضل الأكبر على أوباما كان جورج بوش الابن نفسه ومن بعده المرشح الجمهوري جون ماكين، حيث كان جل برنامجهما السياسي يتلخص في استكمال كارثة سياسية واقتصادية واجتماعية خيمت على الولايات المتحدة مدة ثماني سنوات.

لم يدخر أوباما جهداً في استغلال هذه النقطة لمصلحته: اعتمد على موقفه من سياسة الجمهوريين في العراق، وأطلق الوعود بإعادة الأبناء إلى أهاليهم ومحاولاته إيقاف الولايات المتحدة عن إدخال قواتها في حروب تمتد في اتجاهات الأرض الأربعة.

ما ينساه باحثو تلك الفترة أن الجمهوريين انتهجوا سياستين متعاكستين تماماً في فترة إدارة الابن جورج بوش، فبعد أن اعتمدوا خطة «الشرق الأوسط الجديد» عام 2001 معتبرين أن في إمكانهم دفع الدول المحيطة بإسرائيل نحو مناخ أكثر ديموقراطية وأكثر صلة بالولايات المتحدة عبر الارتكاز على «تقوية العوامل الديموقراطية الداخلية» ودعم حركات حقوق الإنسان والحريات العامة وحراك المجتمع المدني في سورية والعراق خصوصاً، ما لبثت الإدارة نفسها أن انقلبت على مشروعها الخاص وقررت أن الشرق الأوسط في حاجة إلى «تدخل مباشر من الخارج». يمكننا القول إن صورة الشرق الأوسط الحالي كانت لتكون أفضل بمراحل لولا النفس القصير الذي دفع بالإدارة الجمهورية آنذاك إلى غزو العراق عام 2003.

اكتفت إدارة أوباما الحالية بالنظر إلى الموضوع من السطح، إذ قررت أن انتهاج سياسة «الأيدي الناعمة» يعني مجرد سحب الجنود الأميركيين من العراق في الولاية الأولى والقيام بالمثل في أفغانستان مع نهاية الولاية الثانية. واعتبرت أن مشاكلها تنحصر في الابتعاد عن الساحة السياسية للشرق الأوسط ومنح الوجه السياسي والإعلامي الكفيلين بضمان استمرار حكم الديموقراطيين بعد انتهاء ولاية أوباما الثانية. ويبدو أن الساحة الداخلية الأميركية تحمل ملامح نجاح الديموقراطيين في مسعاهم هذا. فحتى الآن يثبت آخر إحصاء للرأي نشرته «بوليتيكو» قبل أيام أن 54 في المئة من الأميركيين يتبنون موقف أوباما من العراق وأفغانستان في مقابل 28 في المئة يساندون رأي جون ماكين الذي يهاجم الإدارة الحالية في «استنكافها» عن التدخل بفعالية في الشرق الأوسط. لكن ثمة قصر نظر واضحاً في رؤية الديموقراطيين الذين يعتمدون على استطلاعات الرأي الانتخابية وحسب لتحديد مدى نجاحهم السياسي، ومن هنا لا يجد أوباما داعياً للمزيد من الجدية لمعالجة آثار الدمار الشامل العالمي الذي أحدثته السياسات الأميركية طيلة خمس عشرة سنة خلت. لقد اختارت إدارة الديموقراطيين أن تتبع أسهل الحلول وأسوأها: ألا تفعل شيئاً على الإطلاق.

إذا شئنا تقييم السياستين الأميركيتين بالمقياس السياسي الأميركي ذاته فإن «خطة سيئة أفضل من عدم وجود خطة»، لكن هذا لا يعني إعادة الاعتبار للجمهوريين الذين يصرون حتى اليوم أن يعالجوا المشكلة ذاتها بمشكلة أكبر، بل يعني أن إدارة أوباما الديموقراطية تعاني من مشكلة حقيقية في تقديم أي خطة سياسية مقابلة. لقد اختارت إدارة أوباما أن تتبنى أسوأ ما في سياسة الجمهوريين السابقة، أي التخلي عن دفع أي عوامل داخلية تؤدي للحل في دول الشرق الأوسط، واكتفاءها بالمراقبة من بعيد فيما يقتصر تدخلها السياسي المباشر على مستوى أعلى مع القطب السياسي المقابل الذي تقوده روسيا، ومن هنا يخرج الشرق الأوسط بأكمله من المعادلة وتغدو مسألة «الأيدي الناعمة» موجهة نحو الدب الروسي بدلاً من دول الأزمة ذاتها. من الطبيعي، والحال كذلك، أن يتناول الإدارة الحالية هجوم الجمهوريين الذين يرون أن الإدارة الديموقراطية قد «أضاعت الهيبة الأميركية أمام الروس».

اليوم يفتقد الحزبان الأميركيان الضخمان إلى فهم البنية السياسية الضرورية للتعامل مع الشرق الأوسط، ويتفقان في نقطة وحيدة هي تغييب الشرق الأوسط بأكمله، وكلاهما يغفل السبيل الوحيد لتراكم حل سياسي مقبول عالمياً وهو دعم دول الأزمة ذاتها نحو إنتاج كتل سياسية حليفة قادرة على المشاركة في الحل.

في هذه الفترة، يبدو أن تعامل أوباما مع الأزمة السورية لا يختلف نهائياً عن تعامل الأسد نفسه معها، حيث يقوم كلاهما بتغييب السياسة والمجتمع في سورية ليقوم كل منهما بصياغة الحل «على طريقته» من دون الالتفات إلى أي ظروف محيطة أو عوامل قابلة للاستغلال السياسي. ولا شك في أن الولايات المتحدة في حاجة ماسة اليوم إلى إعادة توجيه أيديها الناعمة الغبية نحو مسارها الصحيح ودعم شركاء سياسيين في المنطقة عوضاً عن مراوحتها في المكان، لكن كل ما تفعله الآن هو التصدي لفشل الائتلاف السوري الذي ترعاه عبر مزيد من الوعود البراقة بتسليح المعارضة. ومن العجب أن يكون موقف دولة سياسية كبرى موقفاً لا سياسياً بالمطلق، وأن تطبيق رؤيتها للوصول إلى «حل سياسي» لا يكون إلا عبر «المزيد من التسليح».

ثمة نافذة مواتية الآن لإعادة صياغة أسس الحل السياسي بعد الانتخابات الرئاسية السورية وتوقف مسار المفاوضات، ولا بد أن العام المقبل مفتوح على جميع الاحتمالات، لكنه بحاجة إلى لاعبين سياسيين محترفين وأيدي ناعمة أكثر ذكاء في تحديد مكمن العطب في السياسات الحالية، والعمل على توجيهها باتجاهها الأمثل.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا بين الأفغنة والصوملة

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 13/6/2014

أحد الكتاب الصوماليين اعترض على المقاربة بين ما يحدث في سوريا وبين ما حدث في الصومال، ورأى وضع سوريا أخطر بكثير، ولكن الأخضر الإبراهيمي استعاد المقاربة وهو يودع مهمته الفاشلة معتذراً عن الفواجع التي انتهت إليها، منذراً بعتمة طويلة في النفق الذي ستدخل فيه المنطقة. وربما يعترض كاتب أفغاني أيضاً عن مقاربة مع ما حدث في أفغانستان مع ما يحدث في سوريا على رغم أن «طالبان» تتجدد اليوم مع اقتراب ظهور دولة «داعشستان»، وقد بدا الامتداد المفاجئ لـ«داعش» في العراق دون مقاومة تذكر أمراً غامضاً تحار التحليلات في فهمه وتفسيره. والعجب أن تسلم الموصل لـ«داعش» كما سلمت الرقة دون مقاومة! وقد فسر المعارضون السوريون استسلام الرقة لـ«داعش»، وعدم مقاومة النظام لظهورها بأنه محاولة ذكية من النظام لتمكين الإرهاب كي يظهر بديلاً عن النظام العلماني مما سيعزز حضور النظام، ويرشحه للبقاء والالتحام بالمجتمع الدولي لمحاربة الإرهاب، وقد اعتقد كثير من المحللين أن النظام هو الذي مكن هذه التنظيمات المتطرفة كي يخلط الأوراق ويوجه الأنظار إلى أنه يقاوم إرهاباً وليس ثورة شعبية ذات مطالب مشروعة.

والواضح أن النظام نجح في ذلك، فقبيل مفاوضات جنيف ظهر طرح دولي على المعارضة السورية يقترح تحالفاً بينها وبين النظام لمقاومة الإرهاب، وسمعنا عن دعوات للجيش الحر تقترح عليه أن يتوقف عن معاداة النظام وأن يلتحق به لمكافحة الإرهاب، وحين رفض التحول إلى حرب أهلية، وشكك في موقف هذه التنظيمات التي لم تحارب النظام ولم يحاربها، توقف عنه الدعم من أصدقاء سوريا. وانهمرت عشرات آلاف البراميل المتفجرة فوق المدن والقرى في قصف يومي عشوائي، بينما لقيت المجموعات المتطرفة دعماً عسكرياً واضحاً مع تفكك وانهيار مبرمج في صفوف المعارضة المعتدلة على رغم أنها وافقت على الحل السياسي وبناء مرحلة انتقالية حسب مؤتمر «جنيف 2» الذي لم نلحظ فيه جدية حتى من قبل من صاغوا بياناته ومن دعوا إليه.

وسر الغموض الذي يجعل التحليلات فيما يحدث غائمة أن قوى «داعش» لم تظهر فجأة، وأن تسليحها لم ينزل عليها من السماء، وبالتأكيد لم تفاجأ بها قوى المجتمع الدولي ومخابراته المنتشرة حتى في أصغر أحياء سوريا والعراق، وليس مقنعاً الاعتقاد بأن «داعش» أقوى من أن تخترقها تلك القوى، وأنها مستقلة في قرارها، وليس لها نصير قوي يمدها بالسلاح والعتاد والأموال، وهنا يبرز السؤال المحير «ما سر هذا الدعم الذي تلقاه داعش؟ وما المخطط الذي يتم تنفيذه؟ ولمصلحة من ستظهر دولة دينية في قلب الشرق الأوسط؟ وهل سيعترف بها أحد؟».

ولم يعد مقنعاً أن يقال: إن امتداد هذه الدولة إلى العراق يخدم النظام السوري أو يخدم المالكي أو إيران، فهؤلاء جميعاً سيكونون من الخاسرين حتى لو هادنوا دولة «داعش»، وحتى لو خاضوا حرباً مستقبلية مكلفة معها. وأما القول: إن الولايات المتحدة هي التي تدعم «داعش» فهو اتهام يحتاج إلى فهم أعمق، فالولايات المتحدة جربت ذلك حين أسست حركة الأفغان العرب لمساعدتها في طرد الروس من أفغانستان، وحين دعمت بشكل خفي حركة «طالبان» (وهذا ما أكدته بشكل صريح هيلاري كلينتون مؤخراً في تصريح منشور) ثم ما لبثت الولايات المتحدة أن حاربت «طالبان» بقوة، فهل يعقل أن تكرر خطيئتها وهي تعلم أن إعادة المارد إلى القمقم ليست بسهولة إخراجه؟ وقد يرفض رأيي بتبرئة الولايات المتحدة من دعم «داعش» من سيطلبون تفسيراً لصمت الولايات المتحدة الطويل الذي جعل سفيرها في سوريا يعلن عجزه عن الدفاع عن سياستها ويقدم استقالته، وهذا سيوقعني في حيرة تشبه حيرة الفلاسفة المؤمنين في مسألة المسيّر والمخير، فهل قويت «داعش» رغماً عن الغرب كله؟ وهل سيغامر العالم بإظهار دولة دينية سنية في أخطر مناطقه بين دولة إسرائيل اليهودية ودولة إيران الشيعية التي يمتد نفوذها إلى جنوب لبنان مروراً بسوريا؟ هل هو في صالح العالم ظهور دول دينية تتصارع في الشرق الأوسط على بوابة تركيا التي تنعكس عليها هذه الأزمات بشكل مباشر وهي عضو في «الناتو»؟ وهل تضحي الولايات المتحدة بصداقاتها التاريخية مع السعودية وبعض دول الخليج فتميل إلى إيران علانية وتدعم نفوذها الشيعي بهدف تحويل اهتمام المنطقة من الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع سني شيعي مفتعل؟

وفي جحيم التطورات المريعة في المنطقة تكبر معاناة السوريين المشردين، وتصبح قضيتهم ثانوية وهامشية، وتتوجه الأنظار اليوم إلى العراق، وتنضم إلى قوافل النازحين السوريين قوافل جديدة من النازحين من الموصل وغيرها من المدن التي غزتها «داعش»، وسيجد الأكراد والأتراك أنفسهم مضطرين للدخول في عمق الصراعات التي تهدد أمن المنطقة كلها، وسيكون الخطر المحتمل أكبر في لبنان والأردن. وأما سوريا فالخطر الأكبر فيها أن يطالها مشروع التقسيم الذي بت أخشى أن يكون توسع «داعش» بداية عملية له لرسم خريطة جديدة، يكون نصيب السنة فيها دولة الإرهاب التي يحاربها العالم كله، ونصيب الباقين دولة شيعية يقودها «حزب الله» السوري الذي سيحل محل حزب «البعث» في القيادة وستحل محل شعارات العروبة والرسالة الخالدة، والوحدة والحرية والاشتراكية رايات مذهبية سترجع بالشام إلى صراعات القرن السابع الميلادي!

ويبدو أن الأحداث المأساوية الراهنة تجاوزت أفكار مسارح العبث واللامعقول، وكثيراً ما أجدني أسائل نفسي: هل فقدت الأمة حكمتها؟ ومن ذا الذي يقود وعيها إلى هذه الهاوية؟ وكيف يمكن أن تخوض أمتنا صراعات طائفية ومذهبية بين سنة وشيعة، بين عرب وفرس وترك وكرد، والعالم يتحدث عن العولمة وعن القرية الكونية وعن قيم الديمقراطية والتعددية والتنوع الفكري والثقافي؟ أين العقلاء في العالم كله ولمَ يصمتون عن الانحراف الخطير في أهم مواقع العالم تأثراً وتأثيراً؟ وكيف تم القضاء على جوهر مطالب الشعب السوري؟ وهل تكون عقوبة الشعب السوري لأنه طلب الحرية والكرامة أن يقتل ويعتقل مئات الآلاف من أبنائه وأن تقسم سوريا ويشرد الملايين، وتدمر كل البنى التحتية، وتصير سوريا أرضاً خراباً؟

لقد بتنا نخشى أن يستمر الصمت الدولي وتستمر الحرب المجنونة، فلم تعد هناك مبادرات للحلول، ولم يقدم النظام أية مبادرات إيجابية من طرفه تعبر عن مراجعة وطنية، فحتى العفو الذي صدر مؤخراً تم تفريغه من مضمونه حين اشترط أن يسلم المحكومون أنفسهم لأجهزة الأمن.

واليوم تبحث غالبية الشعب السوري عن مخرج من المستنقع الآسن الذي رميت فيه سوريا، وعن حلول ممكنة مقبولة تنقذ ما تبقى أو ما يمكن إنقاذه، ولكن ما يحدث من تصعيد في المنطقة كلها يجعل الطريق معتمة بل هي تدخل في نفق أشد ظلماً وظلاماً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : ( أوسلو ) السوري هل سيكون مختلفا عن ( أوسلو ) الفلسطيني ؟!

24.06.2014

زهير سالم

في مطلع التسعينات من القرن الماضي وبينما كان فريق ( حيدر عبد الشافي ) الفلسطيني يعابث الإسرائيليين في إطار مدريد ، فوجئ العالم ، بأن اتفاقا قد تم إنضاجه وإبرامه ومن ثم الإعلان عنه بين الإسرائيليين والفلسطينيين . اتفاق ما زال موضع جدل بين الفلسطينيين أنفسهم . وكانت زبدته أنه منح بعض القيادات الفلسطينية كينونة ما في ظل السيطرة الإسرائيلية .

لم يفاجأ الرأي العام السوري اليوم من أخبار تتسرب ، بل تتعمد وسائل الإعلام التابعة للقاتل المبير بشار الأسد تسريبها ، عن أوسلو جديد يتم طبخه ، بعيدا عن أصحاب القرار الوطني على الأرض السورية الحقيقيين من رجال الثورة أو الشكليين من رجال المعارضة والائتلاف في مداراتهم المختلفة ..

في الحديث عن أوسلو السوري لا نستطيع الاعتماد على كثير من التفاصيل التي أوردتها وسائل الإعلام لأن الجهات التي تعمدت تسريب المعلومات كلها تابعة لبشار الأسد . وهي قد حاولت أن توظف اللقاء في إطار الحرب النفسية التي تشنها على الشعب السوري وشعوب المنطقة والعالم ..

في جوهر الموضوع أن مؤتمرا دوريا يعقده ( منتدى أوسلو ) بالتعاون بين الخارجية النيروجية ومعهد ( الحوار الإنساني ) قد عقد دورته في الثامن عشر والتاسع عشر من حزيران الجاري تحت عنوان ( مفاوضات من أجل السلام )

وأن وزارة الدفاع النيرويجية قامت بتوجيه الدعوة إلى بثينة شعبان بوصفها مستشارة بشار الأسد . وأن بثينة شعبان قد لبت الدعوة بعد مشاورات مع العديد من الدول منها روسية وأنها قدمت ورقة شرحت فيها وجهة نظر بشار الأسد في الحل في سورية ..

كما أجرت العديد من اللقاءات الجانبية على هامش المؤتمر منها لقاء مع الرئيس الأمريكي الأسبق ( جيمي كارتر ) الذي ينسب إليه المسربون قوله ( لقد نصحتهم ألا يطالبوا برحيل الأسد واليوم لا أرى حلا في سورية إلا بالاعتماد على الأسد )

وكان من الذين التقتهم شعبان جيفري فيلتمان نائب الأمين العام للأمم المتحدة ، وعلينا أن نتذكر خلفية الشخصية المذكورة نفسها ..

علينا أن نذكر أن اللجوء إلى النيرويج لتكون عرابة هذا اللقاء قام على أساس أن النرويج ليس عضوا في الاتحاد الأوربي وهو بالتالي غير ملزم بقراراته من عقوبات ومقاطعة ..

إننا حين نتابع دولة متحضرة مثل النرويج ترضى بأن تستقبل إرهابية بحجم بثينة شعبان صاحبة رواية ( أطفال قتلوهم في الساحل وحملوهم إلى الغوطة ) عن شهداء الكيماوي الأسدي ندرك أن حديث المجتمع الدولي والغرب عن الحرب على الإرهاب والإرهابيين هو حديث خرافة . وأن المقصود بإعلان هذه الحرب بكل تلافيفها هو إعلان الحرب على إنسان منطقتنا : إرادته وحريته وكرامته ...

إنه مهما يكن من أمر فإن ما جرى في أوسلو لا يجوز أن يمر على قوى الثورة السورية عابرا . ولا يجوز أن يتكرر تاريخيا اللعب على طيبة الرجل الطيب حيدر عبد الشافي وحنان عشراوي . لا يجوز أن تتكرر اللعبة على الشعب الفلسطيني في سورية ..

المفاوضون السريون والمزعومون باسم الشعب الفلسطيني أو باسم الشعب السوري موجودون دائما هم دائما تحت الطاولة وتحت الطلب أيضا . وهؤلاء هم الذين سيوقعون الصفقات ..

نتذكر اليوم تصريح أوباما الأخير ( لا فائدة من تسليح المعارضة السورية ) تصريح يجعلك تتساءل : هل سيكون المعارضون السوريون الذين وعدوا الشعب السوري بالسلاح والسلاح النوعي رجالا ويتحملون مسئولية تصريحاتهم التي قلنا لهم من أول يوم إنها تصريحات : تخديرية وتغريرية ..؟!

تصريح أوباما الأخير ( لا فائدة من تسليح المعارضة السورية ) ، إلى جانب ما يجري على الأرض السورية من إطلاق كل الأيدي لتقتل السوريين بكل الأسلحة حتى تكسر إرادتهم ، وإلى جانب ما يجري في العراق ؛ سيضعنا ذات صباح قريب جدا أمام اتفاق أوسلو جديد ، يجد بعض المعارضين المتعطشين للضوء بموجبه مقاعدهم في ظل بشار الأسد وإلى جوار بثينة وشعبان ، اتفاق ينبني عليه تقسيم السوريين كما الفلسطينيين إلى منفتحين ووطنيين وإلى متطرفين وإرهابيين ...

أيها السوريون الأماجد الأبطال ..

أوسلو لكم بالمرصاد وهو لن يكون مختلفا عن أخيه الفلسطيني ، هل ينفعنا ان نقول : نشجب ونستنكر ونحتج ؟!

أظن أنه لا فرق إن قلنا وإن لم نقل المهم للذين يمسكون بالقرار ان يفعلوا لا أن يقولوا : أحبطوا المؤامرة الجديدة ومعظم النار من مستصغر الشرر .

لندن : 25 / شعبان / 1435

23 / حزيران / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«إنجازات داعش» في العراق وسورية هدية للمفاوض الإيراني؟

راغدة درغام

الحياة

الجمعة 13/6/2014

قبل بضعة أسابيع، أرسل مقرّبون من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى واشنطن رسالة طلب إغاثة فحواها أن الوقت حان لإيجاد وسيلة لإخراج المالكي من الحكم بلياقة وإلاّ فإن بقاءه سيؤدي إلى حرب أهلية دموية في العراق تنتهي بالتقسيم، إن لم يكن بالشرذمة، يُسفر عنها إنماء فظيع للتطرّف الإسلامي والصراع المذهبي المدمّر. واشنطن، كعادتها في زمن الرئيس باراك أوباما، أخذت وقتها للتمعن في التفكير البطيء لتزن انعكاسات أي خطوة تتخذها في العراق أو سورية على مفاوضاتها النووية مع إيران. اليوم وقد بدأ انهيار الجيش العراقي في الموصل بعد سقوط محافظة نينوى في يد «داعش»، حان لواشنطن بدء التفكير الجدي في الخيارات المتاحة قبل فوات الأوان. أولى تلك الخطوات يجب أن تبدأ بالتفاهم ثنائياً مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على ضرورة ترحيل نوري المالكي إلى دولة مجاورة صديقة لطهران لعلها مثلاً تكون عُمان، هذا إذا كانت واشنطن تريد حقاً إنقاذ العراق من التشرذم. أما إذا كانت الخطة أساساً تهدف إلى تقسيم العراق ووضع جنوبه في العهدة الإيرانية كجزء من خريطة التفاهمات الإقليمية، فإن تمكين تنظيم «داعش» من النمو كجيش صغير متحرك عبر الحدود العراقية– السورية، هو جزء من تلك الخطة.

ما حدث هذا الأسبوع في العراق مروع، إذ إن هذا هو الانهيار الثاني للجيش العراقي، يذكّر بانهياره الأول على أيادي الرئيس السابق صدّام حسين عندما تركه مهزوماً على الطرقات من دون أن يُعلِمه انه خسر المعركة.

انهيار الجيش العراقي في عهد المالكي لم يأتِ من فراغ، فرئيس الوزراء أتى إلى بغداد من طهران بحماية أميركية زعمت أن نشر الديموقراطية كان الهدف من غزوها واحتلالها العراق. خروج القوات الأميركية من العراق لم يكن ممكناً بدون نجاح استراتيجية ديفيد بيترايوس المعروفة بـ «الصحوات»، والتي اتخذ فيها القبائل السنّية شريكاً له في محاربة التطرّف الذي تتبناه «القاعدة» ومشتقاتها.

نوري المالكي افترض أن الحماية الأميركية له والتمسك الإيراني به يشكلان دعماً لديكتاتوريته في وجه كل من عارضه، زاعماً أنه يحمي أولاً الشيعة وثانياً العراق. واقع الأمر أنه بات يقدّم شيعة العراق والعراق نفسه ذخيرة للحروب السائبة وللخطط اللئيمة، أميركية كانت أو إيرانية أو «داعشية» أن تتبع كل من وراء هذا التنظيم الإرهابي.

حان لنوري المالكي أن يرحل، فهو خسر القاعدة الشعبية التي تشكل نسيج وحدة العراق، وهو اليوم يستجدي التطوّع من الناس الاعتياديين للتعويض عن انسحاب الجيش العراقي من المعارك. إنه بذلك يزيد من تفكيك الجيش العراقي، عمداً فَعل ذلك أو سهواً.

المشكلة تكمن في أن طهران تملك قرار بقاء نوري المالكي في السلطة أو خروجه منها، وإيران متمسكة به حتى الآن.

الدول الغربية تزعم أنها بدأت تتناقش مع إيران في أدوارها الإقليمية الممتدة من العراق إلى سورية (ولبنان) إلى اليمن. إيران لن تتخلى عن العراق، فهو يشكل لها فوزاً قدمته الولايات المتحدة في عهد جورج دبليو بوش أثناء حربه على الإرهاب في العراق. تلك الحرب نسفت العراق كلياً من المعادلة الاستراتيجية مع كل من إيران وإسرائيل وحيّدته كلياً في موازين القوى الإقليمية، فالعراق كان هدية أميركية غالية لكل من إيران وإسرائيل، وتركيا أيضاً، عندما تم تدجينه وسحبه من المعادلات الاستراتيجية.

إيران لن تكتفي بإزالة خطر العراق الاستراتيجي عليها كما مثّلَه صدام حسين، إنها مصرّة على تدجين العراق في الحظيرة الإيرانية، وهي ترى أن نوري المالكي يضمن لها ما تريد ولا تود الاستغناء عنه طوعاً، فإذا كان الخيار لها بين عراق موحّد بلا نفوذ لها عبر المالكي وبين عراق ممزق، فهي تفضل عراق ممزّقاً ومقسّماً لها على جنوبه هيمنةٌ دائمة ووسيلة لتطبيق ذلك الحزام -أو الهلال- الشيعي، كما سماه المحافظون الجدد في عهد جورج دبليو بوش، الممتد من شرق السعودية إلى العراق وإيران وجزء من سورية ولبنان إلى إسرائيل، ففكرتهم قامت على ضرورة تقسيم الأراضي العربية كجزء من إزالة الدول العربية من المعادلة الاستراتيجية مع إسرائيل، وقامت أيضاً على تطوير فكرة التهادنية التاريخية بين الفرس واليهود لاحتواء الهيمنة السنّية وإلحاق الهزيمة بالتطرف السني الذي قام بإرهاب 2001. ما حدث في الحرب السورية للسنوات الثلاث الماضية دخل في تلك الحسابات، كما بات واضحاً اليوم، كما أصبح جلياً أن طهران جزء من ذلك التفكير وترى أن النظام في دمشق هو الضمانة لها سورياً ولن تسمح بسقوطه إلا مُرغمة.

قد يكون اليمن هو الساحة الوحيدة للتنازلات والمساومات بين الدول الغربية –بالذات الولايات المتحدة– وبين إيران التي تلعب دوراً هناك، فاليمن أقل أهمية لطهران من العراق وسورية، وهو قابل للأخذ والعطاء، بالذات في إطار تقارب سعودي – إيراني، بل إن هناك في المعسكر الذي يضم إيران وسورية ولبنان والعراق من يقول –مبرراً احتفاظ إيران بالعراق وسورية ولبنان– إن مساحة المساومة هي إعطاء السعودي تنازلات في اليمن وفي البحرين.

إدارة أوباما تستخدم الطائرات بلا طيار drones في اليمن لمحاربة «القاعدة» ومشتقاتها. هذه الحرب تقتل قيادات وزعماء «القاعدة» وليس جيوش «القاعدة» ومشتقاتها، وهي لا تؤثر على قواعد «القاعدة»، ولذلك الانتصارات فيها وهمية، وكذلك الانتصارات المزعومة في حروب العراق وسورية ضد «القاعدة» أو «جبهة النصرة» أو «داعش» أو غيرها، انما هي عابرة وذات ردود فعل عكسية، وهذا يُطبَّق أيضاً بالدرجة نفسها على المجنّدين في الجيوش المتحركة والممولين لها من المتطرفين السُنَّة والشيعة على السواء، أفراداً كانوا أو حكومات أو تنظيمات أو عائلات أو ميليشيات أو شركات، فالفاعل العربي في تمزيق العراق وسورية ولبنان –مهما كانت جبهته ومزاعمه وتبريراته– إنما هو عميل للإرهاب وأداة في خطط تمزيق المنطقة العربية.

الولايات المتحدة ليست بريئة من هذه الخطط، بل هي –في أذهان الكثيرين– الطرف الذي يصنع التطرّف ويشجعه، سنّياً كان أو شيعياً، من أجل تقسيم المنطقة العربية، كما أنه ينصب إيران مهيمناً عليها بشراكة إسرائيلية.

الأكراد أدركوا أن الخريطة الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط قد تكون الفرصة المنتظرة لمستقبل كردستان، ولذلك انقلبت معادلات العداء التقليدية مع تركيا بالذات، وصعدت الاعتبارات النفطية إلى سلم الأولويات لاجتذاب ولاء الغرب ودعمه الطموحات الكردية.

فبينما «داعش»، بعشوائيتها وأيديولوجيتها المدمرة وجهلها الفظيع، تمتد من دير الزور إلى حدود كردستان لتسجّل انتصاراتها البائسة، تتحرك القوى الإقليمية والدولية لاستغلال الأوضاع لصالحها، وفيما «حزب الله» يعتقد أنه قوي يُؤخَذ به أميركياً، وليس فقط إيرانياً أو عراقياً وسورياً، يبقى مساهماً عابراً في الانتصارات الوهمية، لأنه في الواقع فاعل في المصلحة الإيرانية كما تصوّرها المحافظون الجدد، بمدّها الإسرائيلي على الحساب العربي قطعاً.

جميع الجيوش المتحركة عبر الحدود تتصوّر نفسها صانعة التاريخ الجديد بانقلاب على حدود سايكس– بيكو. إنها جيوش تحطيم الحدود وإلغائها، ولا أحد -حسبما يبدو- يقف في وجهها مهما تظاهرت دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) بالهلع ومهما صدر عن الأمم المتحدة من بيانات القلق، والمخيف هو أن تكون هناك قوى دولية داعمة لقيام الجيوش المتطرفة المتحركة بعبور الحدود لاستخدامها في حروب الاستنزاف وتفكيك الجيوش التقليدية لتنفّذ التقسيم الذي يتربص بالمنطقة العربية.

«داعش» ليست أبداً الرد على خطط تمزيق المنطقة العربية وإعلاء اليد الإيرانية عليها، بل هي حقاً أداة في تلك الخطط، إن أدركت ذلك أو كانت ساذجة أمامه. «داعش» تحطّم العرب وتحطّم أيضاً الاعتدال السنّي، لأنها جزء من مشروع خطير انساقت إليه طوعاً أو صدفة. كل من يمد العون إلى «داعش» وأمثالها، من «جبهة النصرة» إلى تنظيمات وميليشيات سلفية أو مهووسة سلفياً، إنما هو مساهم مباشر في انهيار سورية والعراق معاً مهما بدا له أنه ينجح في صنع التاريخ.

العراق اليوم على حافة الانهيار إلى حرب أهلية وتقسيم، إن لم يكن التشرذم، ولا أحد سيخرج منتصراً في الحرب العراقية الآتية، باستثناء طرف واحد ربما، هو كردستان.

الهرولة الأميركية من العراق في أعقاب حرب كلّفت التريليونات ومئات آلاف الأرواح، ما زالت تشكل لغزاً صعب فهمه. التفسير المقنع الوحيد هو -ربما- اكتشاف الولايات المتحدة ضخامة مخزونها النفطي الذي يغنيها عن نفط العراق وكامل النفط العربي، والتفسير الآخر هو أن الصناعات العسكرية الأميركية ربما امتحنت منتوجاتها الجديدة في العراق فاكتفت. النتيجة أن الولايات المتحدة هجرت العراق وتركته عرضة لمن يريد بعدما شنَّت حربها على الإرهاب في المدن العراقية كي تعفي المدن الأميركية من تلك الحرب.

السؤال الآن هو: كيف ستتباحث إدارة أوباما مع إيران في شأن العراق بعدما هزمت «داعش» الجيش العراقي وأجبرته على الانسحاب من الموصل؟ وما هي جدية الاستراتيجية الغربية في المفاوضات مع إيران في شأن سورية؟ بكلام آخر، هل تأتي «إنجازات» جبهة «داعش» في العراق وسورية كهدية ثمينة للمفاوض الإيراني ليعرض نفسه الشريك الجدي للغرب في القضاء على التطرف السلفي؟ الأرجح نعم.

نوري المالكي لمّح إلى أنه بات جاهزاً للسماح للطيران الأميركي أن يقصف مواقع «القاعدة» داخل العراق، وواشنطن اتخذت قرار إرسال الأسلحة الجديدة لمحاربة الإرهاب في العراق...

تركيا دعت إلى اجتماع طارئ لحلف «الناتو» بعدما خطفت لها «داعش» 48 مواطناً، إضافة إلى 28 آخرين، وقد تجد تركيا في «داعش» فرصة لها لتعميق توغلها عسكرياً في شمال العراق، مع أنها اليوم أكثر تقبلاً من أي وقت مضى لإقامة دولة كردستان.

إيران قد تكون مرتاحة لهدية «داعش» لها في إطار المفاوضات مع الغرب، لكن «داعش» تبقى شوكة في الخصر الإيراني بشقيه العراقي والسوري، فلن يكون سهلاً على إيران إلحاق الهزيمة بـ «داعش»، بغض النظر إن حاولت ذلك مباشرة أو عبر حليفها «حزب الله». بل إن إيكال مهمة محاربة «داعش» إلى «حزب الله» قد تؤدي إلى الإنهاك المتبادل والاستنزاف الثنائي لهما معاً، وقد تكون هذه موسيقى عذبة في قلوب الأميركيين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وظيفة «داعش» السورية والإيرانية

وليد شقير

الحياة

الجمعة 13/6/2014

في هذا الخضم من الذعر المبرر والمفهوم، إزاء سيطرة تنظيم «داعش» على محافظة نينوى والموصل في العراق وتهيئه للتوجه نحو بغداد، وفتحه الحدود بين بلاد الرافدين وبلاد الشام، يطرح بعض الذين ينظرون إلى هذه «الفضيحة» و «المؤامرة» التي سمحت لمسلحي هذا التنظيم المغالي في تطرفه، بتسلم تلك المناطق الشاسعة من الجيش العراقي، الأسئلة عما إذا كان الأمر يأتي في سياق واحد لسياسة القوى الإقليمية الحاضنة لـ «داعش» ولـ «الإرهاب» تحت الطاولة، والذي يدعي النظام السوري وحليفه الإيراني، فوق الطاولة، أنهما يقاتلانه في سورية، لصرف الأنظار عن جرائم وأد ثورة الشعب السوري منذ عام 2011.

مع خطورة ما حصل، يستعيد هؤلاء السياق الذي أدى إلى بروز التنظيم في سورية وقبلها في العراق.

تطلبت حاجة طهران ودمشق وبغداد نوري المالكي إلى تقدم أولوية محاربة الإرهاب، على إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، الإفراج عن سجناء أصوليين متطرفين منذ عام 2012 من سجن تدمر في سورية وتهريب عدد كبير منهم من سجن أبو غريب في العراق، فتجمعوا في بلاد الشام وسلّم النظام محافظة الرقة وبعض مناطق دير الزور لمسلحيهم فسيطروا على آبار نفطٍ سورية وتقاسموا عائداتها بالتراضي مع النظام وعاثوا تقتيلاً وقمعاً للسكان في مناطق جلها سنّية، وعبثوا بأماكن عبادة مسيحية، وفتحوا جبهات مع «الجيش السوري الحر» والمعارضة المعتدلة، ومع «جبهة النصرة» التي تقاتل النظام، وتسببوا بسقوط قتلى من الميليشيات المعارضة بمقدار ما تسببت به ميليشياته. ولم تفد التقارير عن معركة ذات مغزى خاضوها ضد جيش الأسد. وكانت براميل الجيش السوري المتفجرة تسقط على مواقع «الجيش الحر» وغيره وتستثني مواقع «داعش» ولو كانت على بعد مئات الأمتار. ووفر التنظيم حجة قوية للنظام وحليفه الإيراني بأن الأولوية لمحاربة الإرهاب على الحل في «جنيف - 2»، ونجح في جر الغرب إلى الامتناع عن التسليح النوعي للمعارضة، مخافة وقوع السلاح بأيدي المتطرفين. وتلاقى ذلك مع المصالح الأميركية بأن يتجمع «القاعديون» في الحلبة السورية في حرب الاستنزاف التي تروق لإدارة باراك أوباما. وبالمقدار نفسه برر صعود «داعش»، استنفار إيران الميليشيات الشيعية التي ترعاها في العراق وأفغانستان ولبنان لتدخل المعركة في بلاد الشام، واعتماد الحدود المفتوحة من جانب «حزب الله» في لبنان وبين العراق وسورية في سياق الساحة المفتوحة الممتدة من طهران إلى جنوب لبنان.

وفي العراق سمحت الحدود المفتوحة مع سورية لـ «داعش» بأن يصبح طرفاً رئيسياً في الحرب بين جيش المالكي وبين المحتجين على تفرده في الحكم، في الرمادي والفلوجة والأنبار عموماً، ووفر له الحجة نفسها بأنه يحارب الإرهاب لا المنتفضين على سياسته الموصومة بالفئوية وبتسليم البلد للنفوذ الإيراني، فاختلط الأمر بين مواجهته التنظيم، والعشائر والقوى السياسية المعارضة، فمنشأ التنظيم كان خليطاً من الأصوليين وضباط جيش صدام حسين الذين أبعدهم حل القوات المسلحة من جانب بول بريمر، والذين استفادوا من الدعم السوري في تشكيل خلايا المقاومة للاحتلال الأميركي بعد عام 2003، والذين يمسك النظام بخيط التواصل معهم ويتبادل الخدمات وإياهم.

هل أفلت «الوحش» من أيدي دمشق وطهران بفتحه جبهات في العمق العراقي وتهديده أمن الجيران؟

طارحو الأسئلة عما إذا كان التطور العسكري الذي استنفر مجلس الأمن والدول الكبرى كلها والعواصم الإقليمية يأتي في السياق الذي استولد «داعش» وغيره، يذهبون إلى أسئلة أخرى: ماذا يضير طهران ودمشق أن يعبث التنظيم بالمناطق السنّية المنتفضة على المالكي ونفوذ إيران، مثلما يعبث بها في سورية ويشاغل معارضي النظام الفعليين و «المعتدلين»؟ ألا يفسح التطور الخطير في المجال لطهران بأن تتدخل أكثر في بلاد الرافدين تحت عنوان محاربة الإرهاب الذي يقلق المجتمع الدولي والإقليم على ما قال الرئيس حسن روحاني أمس من أن بلاده ستكافح العنف والإرهاب في العراق؟ وهل لما حصل وظيفة التغطية على التعثر في مفاوضات 5 الجمعة 13/6/2014 1 على الملف النووي وطلب طهران تمديدها عن تاريخها المقرر في 20 تموز (يوليو) المقبل؟

وإذا صحت فرضية أن «الوحش» أفلت من حاضنيه، فإن العارفين بطبيعة «داعش» يرون أنه غير قادر على الثبات في المناطق الواسعة التي احتلها، وأن تكتيكات مقاتليه تقوم على المشاغلة والكر والفر لا على البقاء، وأن مجتمعاتها لن تتعايش معه. فهل «وظيفة» دخول التنظيم إليها إسكات الرافضين عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة بعد انتخابات 30 نيسان (أبريل) الماضي، باستدراج القيادات الشيعية التي تعترض عليه، مثل القيادات السنّية، إلى التسليم به، أم أن ما حصل مناسبة لتسوية مع هؤلاء على شخصية أخرى، مثلما حصل في لبنان تحت عنوان انضمام هؤلاء المعارضين إلى محاربة الإرهاب الذي تنامى نتيجة سياسة طهران، فيساهمون بتحمل قسط من المواجهة معه؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نقاش في «العلوية السياسية»

ماجد كيالي

الحياة

الجمعة 13/6/2014

لا أعرف من الذي اصطكّ مصطلح «العلوية السياسية»، لكن رواجه أكثر من السابق حصل بعد استخدامه من قبل المفكّر والأستاذ الجامعي صادق جلال العظم، أي بفضل المكانة المرموقة التي يحظى بها، علماً أنه استخدمه في شكل عابر ضمن مقابلة صحافية عن الأوضاع في سورية (راجع، زياد ماجد: عن «العلوية السياسية» و «المارونية السياسية» (30/4/2014). مع ذلك فإن هذا المصطلح يحتاج إلى تدقيق وتفحّص وتفسير، لأن رواجه لا يعني صحّته، أو مطابقته للواقع، بقدر ما أن ذلك يعكس سيادة حالة ثقافية قوامها التسرّع والاستسهال في إطلاق الشعارات والمصطلحات والتنميطات، وفقاً لانحيازات سياسية معيّنة، وتبعاً لمخيّلات اختزالية.

ثمة أسباب عدة لا تؤيد مسمى «علوية سياسية»، فهذا مصطلح ملتبس، يخلط أو لا يميّز بين النظام/السلطة، والطائفة، وهذين شيئين مختلفين، فيما التماهي بينهما شكلي، وظاهري. صحيح أن العائلة التي تقبض على السلطة، في أهم مفاصلها، هي علوية، بدلالة هويتها الطائفية، لكن عكس ذلك غير صحيح، أي أن الطائفة ليست في السلطة، بدلالة وجود هذه العائلة فيها. وقد لخّص ياسين الحاج صالح هذه الوضعية الخاصة بقوله: «عبارة نظام طائفي في سورية لا تعادل عبارة نظام علوي... ليس النظام بيد العلويين، العلويون بيد النظام... المنطلق في تحليل المسألة الطائفية ليس طائفة أياً تكن، ولا الطوائف، بل قضايا السلطة والثروة والامتياز». («الحوار المتمدن»، 11/2/2012)

وفي الواقع فإننا إزاء حالة من نظام استبدادي يقوم على احتكار السلطة، والسياسة، والموارد، دوناً عن أية جماعة اثنية أو طائفة دينية، ومن دون تمثل مصالح أي منها، أي أننا إزاء نظام لا دين ولا طائفة ولا ملة له، مثله في ذلك مثل أي سلطة استبدادية. لكن هذا الكلام لا يقلل من طائفيّة النظام، أو تلاعبه بالطوائف، واستثماره لهذه المسألة، في لعبة السلطة والهيمنة والشرعية. كما لا ينفي ذلك حقيقة أن القاعدة الاجتماعية الأكبر (بالمعنى النسبي) التي يستند إليها النظام، ويستخدمها ويستغلها، إنما تأتي من الطائفة العلوية، وذلك لأنها أكثر جماعة سورية استطاع القبض عليها، وصاغ ادراكاتها، وتحكّم بنمط معيشتها. علماً أن نسبة المعارضة في هذه الطائفة كانت أكثر من غيرها من المكونات السورية (باستثناء «السنّة»)، بما فيه المسيحيون والإسماعيليون والكرد...الخ، وعلماً أن غالبيتها محسوبة على الفئات الشعبية الفقيرة في سورية.

وعموماً فإن المشكلة هنا تكمن في أن النظام نجح في وضع الطائفة العلوية في زاوية اللاخيار، لا سيما ان المعارضة لم تقدم بخطاباتها وممارساتها ما يطمئنهم، وهذا يشمل الجماعات الأخرى التي باتت تتخوف من المستقبل، كالمسيحيين والكورد وغيرهم، وحتى ان ذلك يشمل جماعات «سنية».

ما ينفي وجود «علوية سياسية»، أيضاً، حقيقة أن لا صفة سياسية لأي جماعة سورية، طائفية أو اثنية، مهما كانت وضعيتها، لأننا إزاء نظام يحتكر السياسة ويحرّمها على غيره، حتى لو كان علوياً أو درزياً أو سنياً أو مسيحياً، أو عربياً أو كردياً، يمينياً أو يسارياً، برجوازياً أو بروليتارياً، متديناً او علمانياً، إذ أن وجود حياة سياسية في البلد المعني هو شرط بديهي لوجود جماعة سياسية، وهذا غير متوافر في سورية منذ عقود.

فوق ذلك، فإن الحديث عن «علوية سياسية» يفضي إلى وجود حالة سياسية مستقلة عن السلطة، وقادرة على الحياة من دونها، بوصفها حالة قائمة بذاتها، وهذا لا ينطبق على الحاالة المعنية، ناهيك أن النظام اشتغل على وأد أية محاولة للاستقلال عنه، أو ايجاد مراكز قوى أخرى داخل طائفته، حتى لو جاءت من أقرب المقرّبين.

بيد أن هذا الكلام لا يقلّل من محاولات النظام تخليق قاعدة صلبة له وسط هذه الطائفة، ولا يبرّر الاستجابة العالية التي لقيها عندها، وضمن ذلك لا يعفيها من مسؤوليتها عن استماتتها في الدفاع عن هذا النظام، أو سكوتها عن الوحشية التي يبديها في بطشه بسوريين آخرين. لكن المسألة تتعلق هنا بمحاولة تفهّم آليات التحكم والسيطرة، طوال عقود، بوسائل الترغيب والترهيب، وضمن ذلك عزل النظام هذه الطائفة، عن محيطها، بتمييزها في المعاملة والمكانة، بالتوظيف والتنفيع، وسعيه خلق حالة نفسية تربط مصيرها بمصيره. ويأتي ضمن ذلك حرصه على إيجاد مناطق سكن خاصة لها منعزلة، وشبه مغلقة، على غرار المناطق «العشوائية» المنتشرة في مداخل دمشق والتلال المحيطة بها، والتي تحظى بخدمات خاصة. ويذكر إياد العبدالله كل ذلك في بحث ممتاز له، بقوله: «العلويون قوم لا تجارة عندهم ولا زراعة، الطريق الوحيد المفتوح أمامهم هو الدولة لتدبير أمور حياتهم... يسكنون في عشوائيات تساهَل النظام في خصوصها كرشوة، حيث يشعر العلوي الذي «يؤمن مكاناً له في إحدى هذه العشوائيات، أن بيته في القلعة». («العلويون: رحلتهم إلى سورية...»، الجمهورية للدراسات، 25/5/2013)

ما ينبغي الانتباه إليه، أيضاً، أن النظام بديماغوجيته وترويجه لذاته كعلماني ويساري وقومي ومقاوم، وتسخيره جهاز الموظفين ومؤسسات التعليم والإعلام والجيش وأجهزة المخابرات، استطاع تخليق طبقة سياسية واسعة، وعابرة للطوائف، من الموالين، من المستفيدين من مثقفين ورجال دين ورجال أعمال، ومن كبار الموظفين. ولعل وجود هكذا طبقة هو ما يفسّر «صمود» النظام، واستمرار مؤسسات الدولة، وعدم القدرة على تنظيم عصيان مدني، واستمرار الحياة على طبيعتها في المناطق الخاضعة للنظام، وضمنها الأحياء «السنية» (ناهيك عن المسيحية وغيرها) في دمشق وحلب، وهذا واقع ينبغي عدم انكاره، أو تغطيته باعتبار أن النظام علوي، وأن الطائفة العلوية مع النظام (12 في المئة من السوريين)، كأنّ «السنّة» كتلة واحدة صماء ومع الثورة سلفاً وتلقائياً.

أما في شأن استهداف النظام لمناطق «السنّة» بالقتل والتدمير والتشريد، وأن الغالبية العظمى من الضحايا منهم، فذلك ليس لكونهم «سنّة»، وإنما لأنهم يشكلون حاضنة للثورة، ويقطنون في المناطق الثائرة عليه، أو التي لا تخضع لسيطرته، بدليل أنه لا يفعل ذلك في المناطق الأخرى، في مدن دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس وإدلب وحماة.والخلاصة فإن مصطلح «العلوية السياسية»، وبعكس نيات بعض أصحابه، ينطوي على استجابة لدعاية النظام عن «سنّية» الثورة، وهي دعاية تستهدف صبغها بالطائفية والتديّن، ثم بالإرهاب، لنزع طابعها الوطني وتشويه صورتها وتقويض شرعيتها، باعتبارها ثورة سياسية من أجل الحرية والكرامة والمواطنة، ضد التسلط والاستبداد.

* كاتب سوري / فلسطيني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رسالة الجربا واستقالة البيانوني!

الشرق الاوسط

فايز سارة

الاحد 15/6/2014

بكل الأسف استقال علي صدر الدين البيانوني المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين السوريين من عضوية الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والسبب المباشر كما قال البيانوني، رسالة من رئيس الائتلاف الوطني أحمد الجربا إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمناسبة انتخابه رئيسا لمصر.

أما السبب غير المباشر لاستقالة البيانوني، فكان تعارضه مع سياسة الائتلاف واعتراضه عليها، إذ رأى أن «الائتلاف الوطني، لم يعد - في رأيي - يعبّر عن آمال شعبنا وتطلّعاته في تحقيق أهداف ثورته المجيدة»، وهذا يعني أن الرسالة لعبت دور المفجر ليس إلا، وأطلقت قرار الاستقالة، وهذا ما يفهم من نص استقالة البيانوني.

ورغم أن البيانوني موصوف بين أعضاء الائتلاف بأنه في عداد «الشخصيات الوطنية»، فإن موقفه تقاطع مباشرة مع مضمون بيان أصدره الإخوان المسلمون بمناسبة الرسالة، عارضوا عنوانها ومحتواها، ثم أضافوا إلى ما سبق اعتراضهم على سياسات الائتلاف في الكثير من المجالات، دون أن يذهبوا إلى حد الانفصال عن الائتلاف، وهذا من حسن حظنا وحظهم، فمن الخطأ اليوم الذهاب إلى مزيد من الانقسام والتشظي في صفوف المعارضة في وقت يواجه السوريون تحديات الكارثة المحيطة بوطنهم وثورتهم.

ويفرض ما حصل مقاربة ولو بسيطة للموضوع بما له من أهمية على صعيد واقع الائتلاف وسياساته وعلاقاته الداخلية سواء كانت مع شخصيات وطنية أو مع قوى منخرطة فيه، انطلاقا من موضوع الرسالة في إطار سياسة الائتلاف الذي يشارك الإخوان المسلمون في مؤسساته المختلفة وقيادته وصنع سياسته، وهو دور بدأ مع تأسيس الائتلاف، ثم تصاعد في المرحلة اللاحقة، التي صار فيها الكيان الأهم والأبرز للمعارضة السورية رغم كل مشاكله وخطاياه، حيث يضم أغلب ممثلي التيارات الفكرية والسياسية إلى جانب ممثلي الحراك الثوري والمجالس المحلية وممثلي الجيش الحر إضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية، على اعتراف دولي ليس لأحد من التحالفات السورية مثله.

رسالة رئيس الائتلاف أحمد الجربا إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كانت خطوة بروتوكولية وسياسية في آن معا. إذ تضمنت إلى جانب تهنئة الرئيس والشعب المصري بالانتخابات، واعتبرتها تمثل «سيرا حثيثا نحو استقرار وازدهار مصر، ونحو مستقبل أفضل للشعب المصري»، أشارت الرسالة إلى الروابط التاريخية والمعاصرة بين الشعبين المصري والسوري، والتي جعلت السوريين يتوجهون إلى مصر للعيش فيها بعيدا عما يقوم به نظام الأسد في القتل والتهجير والتدمير، وختمت بالتطلع «إلى تعزيز علاقات الشعبين والبلدين»، وتمنت «دورا فاعلا لمصر في مساعدة الشعب السوري على الوصول إلى أهدافه في السلام والحرية والعدالة والمساواة».

رسالة الجربا، لم تكن موقفا شخصيا. بل كانت جزءا من سياسة كرسها الائتلاف في علاقاته السياسية الخارجية والداخلية، والتي يفترض بأن رئيس الائتلاف مكلف بتنفيذها والتعبير عنها ومتابعتها، ومن الطبيعي أن تلك السياسة لم تنل رضى أعضاء الائتلاف جميعا من الشخصيات أو ممثلي الكتل السياسية، وإنما أغلبيتها، وفي موضوع الرسالة، فإن الأخيرة نوقشت فكرتها في اجتماعات قيادة الائتلاف، والتي كان بين الحاضرين فيها قياديون في «الإخوان السوريين»، لم يظهروا أي اعتراض عليها، بل إن نص الرسالة تمت قراءته في الاجتماع دون اعتراضات، قبل أن يتم إرسالها.

أما في مضمون الرسالة. فلا بد من ملاحظة أن الرسالة جاءت في ظل حقيقتين لا بد من الوقوف عندهما؛ الأولى أن مصر أكبر البلدان العربية وهي مقر الجامعة العربية، وهي المقر الرسمي للائتلاف، والثانية، وجود أكثر من ربع مليون سوري لاجئ ومقيم في مصر، وهم بحاجة إلى رعاية وعناية مصرية بعد بعض السلبيات التي طرأت على حياتهم هناك في العام المنصرم، وكله يفرض علاقات وتنسيقا على أعلى المستويات بين مصر والائتلاف، ويتوجب أن لا يتغافل الائتلاف عن تطورات رئيسية تحدث في مصر، وتؤثر على القضية السورية وعلى السوريين وعلى وجود الائتلاف ودوره هناك.

والأمر الثالث، أنه لا يجوز رؤية موضوع الرسالة، التي يرى الإخوان أنها ضد «إخوانهم المصريين» بصورة منفصلة عما يفعله الائتلاف وما فعله أحمد الجربا من أجل تطبيع حضورهم في الائتلاف الوطني وعلاقاته العربية، وهذه ليست منة من أحد. بل هي تعبير عن موقف ديمقراطي تشاركي مضت فيه المعارضة السورية وكرسته منذ سنوات طويلة، كان بين تعبيراته وجود الإخوان في تكتلات المعارضة وفي الائتلاف الوطني وفي الصفوف القيادية الأولى، وحتى في الوقت الذي اشتدت الهجمات ضد عموم الإخوان في البلدان العربية، فإن الائتلاف حمل بين وفوده الرسمية قياديين في الإخوان معه، كما حصل في وفد الائتلاف إلى القمة العربية الأخيرة في الكويت في إطار تأكيده رفض تهميش «الإخوان السوريين» والإصرار على وجودهم ودورهم مع بقية أطراف المعارضة في الائتلاف الوطني.

إن المشاركة والتشارك في الائتلاف يعنيان صياغة سياسة وممارسة تأخذ بعين الاعتبار المصالح العامة للسوريين وللثورة والمعارضة بأكثريتها، ومن الطبيعي ألا تستجيب تلك السياسة والممارسة في كل الأوقات والأماكن لكل الأطراف أو معظمها، وهو وضع ينبغي أن نفهمه ونتفهمه في واقعنا مع تأكيد أن من حق الشخصيات وكذلك الجماعات، أن تبدي آراء مختلفة وأن تعترض على موقف أو ممارسة ما، لكن ينبغي أن يحدث ذلك تحت سقف الائتلاف الذي يجمعنا بعد أن تكرس ممثلا للشعب السوري رغم كل ما يحيط به ونعرفه من مشاكل وإشكالات.

خلاصة القول، إنه آن الأوان لإنهاء مرحلة من مراحل سياسات وممارسات المعارضة (ومنها الائتلاف) بشخصياتها وتنظيماتها في التركيز على التفاصيل والحيثيات وخاصة ما تعتبره سلبيا منها وتجاهل الإيجابيات، دون النظر إلى الاستراتيجيات والقضايا الأساسية التي تحتل مكانة هي الأهم بالنسبة للقضية السورية ومستقبلها، التي هي لا شك أكبر بكثير من رغبات ومصالح الأشخاص والتنظيمات والتكتلات مهما كانت.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين نقد الإسلاميين ونقد العلمانيين (2)

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 15/6/2014

بين نقد الإسلاميين ونقد العلمانيين (2)نادرون هم الذين يمارسون نقد الذات ونقد (الآخر) بموضوعية في صفوف الإسلاميين. وليس أكثر نُدرةً منهم إلا العلمانيون الذين ينقدون العلمانية نفسها وينقدون الإسلاميين بموضوعية.

رغم هذا، ثمة أمثلةٌ، قد تكون قليلةً، لكنها مُعبرة في رمزيتها، وغنيةٌ بكمونها الثقافي في مَن يُصنفون وفق عالم التصنيفات الشائع كـ (علمانيين)، ويمارسون تلك الممارسة بشكلٍ منهجي.

قد يكون أبرز هؤلاء في الواقع السوري المعاصر الكاتب ياسين الحاج صالح. فرغم (غضبة) بعض الإسلاميين عليه، ينظر إليه علمانيون سوريون أحياناً على أنه (اعتذاريٌ) للإسلاميين في إنتاجه الثقافي بشكلٍ عام. لكن كتابه الأخير (أساطير الآخرين: نقد الإسلام المعاصر ونقدُ نَقدهِ) يُعتبر محاولةً مُتقدمةً جداً لتقديم نقدٍ عميق وموضوعي للتفسير المعاصر للإسلام من قبل الإسلاميين، مع الحرص في نفس الوقت ليس فقط على نقد من أصبح نقدُ الإسلام والإسلاميين كِلاهما صناعةً لهم في السنوات الأخيرة، بل وعلى نقد الغرب الذي أنتج العلمانية نفسها.

سيكون الاقتباس في هذا المقال، على طوله النسبي، ظالماً لأفكار كتابٍ استثنائي تُعتبر قراءته بشكلٍ جدي ضرورة لكل مهتمٍ بموضوع الإسلام المعاصر والإسلاميين، وبالواقع العربي بشكلٍ عام. لكن الأمل أن تُسلط الفقرات التالية المنقولة منه الضوء على منهجٍ متميزٍ في النقد يجب أن يشيع في جميع الأوساط.

في فصلٍ بعنوان (الـ "لا" الإسلامية النافية للعالم كأساس للأخلاقية) يقول الحاج صالح: "... والحالُ أن العالم المعاصر فاسدٌ فعلاً، وإن يَكُن فساده، مثل صلاحه، تاريخياً ونسبياً ومُتغيراً، لاجوهرياً ومُطلقاً وثابتاً. في هذه النقطة، فساد العالم، الإسلاميون على حق أكثرَ من تيارات سياسية وفكرية أخرى قد تنسبُ نفسها إلى (الحداثة)، وترى في تنظيمات الغرب المعاصرة معياراً نهائياً للصلاح العالمي... إن الصفة المحافظة، كيلا نقول الرجعية، للحداثة العربية في ربع القرن الأخير، تنبع من هنا بالضبط، بخاصةٍ من دعوتها إلى تَمثُّلِ عالَمٍ يزداد جوراً، بل واعتبارها هذا العالم مثلاً أعلى، يَكتسب كلﱡ فكر وكل عمل قيمتهما من السعي إلى التطابق معه. بل تسليمها غير النقدي بضربٍ من (نهاية التاريخ)، مُجسدة في الغرب المعاصر. هذا أكثرُ من استسلامٍ سياسي. إنه مسلكٌ امتثالي وغيرُ عقلاني. وعقيم فكرياً وثقافياً أيضاً. ولعلهُ ليس إلا الوجهَ الآخر لاستسلام الحداثية للعداء للإسلامية، وتكريس ذاتِها للتعبئة والنضال ضدها. من أجل التعبئة يجب أن يكون المثال الحداثي كاملاً ومُوحداً وفوق النقد، وأن تجري أبلسة الإسلامية قدر الإمكان. إن الحداثية العربية غيرُ صراعية جوهرياً، إلا ضد الإسلاميين. ولذلك تندرج بسهولة في خطط القوة الغربية المُهيمنة، وفي خطط نُخب السلطة في بلداننا. وفوق ذلك، لاتملك أي مناعة حيال التوظيف الطائفي".

وفي سياق البحث المباشر في عنوان الفصل المذكور أعلاه يتساءل الكاتب: "السؤال اليوم هو: كيف يمكن للطاقة الهائلة التي تحوزُها الـ (لا) الإسلامية أن تتحول من طاقةٍ تدميرية لتكون أساساً صلباً لأخلاقيةٍ، يحتاجها المسلمون، ويمكن أن تُثري العالم؟ وماهو المضمون المحتمل للأخلاقية هذه؟ بدايةً، هذا شأنٌ لايمكن لأحدٍ إنجازه غير المسلمين أنفسهم. أما الغرب بالذات فهو جزءٌ من المشكلة. وفي أساس ذاك تعصبهُ وتصورُ ذاتهِ معياراً لكل صلاحٍ ونورٍ في العالم. وحيثما أراد أن يلعب دوراً إصلاحياً مباشراً تسبب في فسادٍ عميم، على نحو مايبرهن الحال في أفغانستان، وأكثر في العراق بعد احتلاله عام 2003، وعلى نحو ما تُظهر أمثلةٌ رثةٌ مدعومةٌ من جهاتٍ غربية لتطوير الإسلام أوتحديثه".

الكتاب غنيٌ بأفكار تحفرُ بشكلٍ مُبدع في نقد الإسلام المعاصر ونَقد ناقديه السطحيين، وفي الفصل الأخير بعنوان (المرضُ بالإسلام) يختم الحاج صالح الكتاب بقوله: "ويتظاهر (المرضُ بالإسلام) عبر مجموعتين متمايزتين من الممارسات والأفعال التكرارية. ممارسات تقديسية، ترفع الإسلام فوق كل ماهو إنساني، وتُنكر اندراجه في أي مقولات عامة تشمله مع غيره.. لكن عبارة (المرض بالإسلام) تنطبقُ أكثر على ممارسات تأثيمية، تتمثل خاصةً في أَبلسة وتشرير وكراهية، يجعل الإسلام منبعاً أولياً وأصلياً ودائماً لكل ماهو متدهورٌ وجامدٌ في عالمنا، مرضَنا الدائم أو عاهتنا الخَلْقية المتوارَثة. يتعلق الأمرُ هنا بضربٍ من التثبت النفسي المفرط حول مُدرك (الإسلام). والمثابرة على تسفيهه صراحةً أو مُداورة، مع الحرص أيضاً على إفراده عن غيره وعدم إدراجه في مقولةٍ عامة، منطقية أو تاريخية... واللافتُ في الصيغة التشريرية أو التأثيمية من المرض بالإسلام أنها دخلت السوق بقوة في هذه العشرية المُنقضية من القرن، وأنها شملت عدداً غير قليل من مثقفين معروفين، وصارت تعودُ بالشعبية والشُهرة المضمونة على بعض المُشتغلين بها. الواقع أنها دعوةٌ شعبويةٌ هي ذاتها: مُنفعلة وخَطابية ومُتيقنة من عقيدتها مثل كل الدعوات الشعبوية... وليس القناع المُفضل لهذا الضرب الرائج من الشعبوية إلا نقد الشعبوية، لكن مع تعريف الشعب ثقافياً (وفي الواقع دينياً)".

وأخيراً، يحرص الكاتب على إحالة قارئه إلى قواعد منهجية تتعلق بعملية النقد حين يقول: "بَيدَ أنه يتعين هنا التمييز بين النقد الضروري للإسلام والشأن الإسلامي من جهة، وبين عُصاب الإسلام والعداء الموتور له من جهة ثانية. يَتَّسمُ هذا الشكلُ المَرَضي بِحِدة الانفعال والنضالية والغضب من جهة، وبالتكرار اللامتناهي للأشياء والمواقف نفسها من جهةٍ ثانية... من المهم قولُ ذلك بغرض قطع الطريق على من قد ينتحلُ نقدَ الدين للتغطية على ممارسةٍ عِصابية موتورة، وكذلك على من قد يعتبر نقد الشأن الإسلامي مَسلكاً عُصابياً لمجرد أن هناك أشكالاً موتورة وقهرية من عُصاب الإسلام. ومثلما أن أبلسة الغرب لم تُثمر نقداً ثقافياً وفكرياً ذا قيمة للغرب، فإن مشكلة العداء الموتور للإسلام أنه يفشل في أن يطور نقداً جدياً بدوره".

ليس ضرورياً ولامطلوباً أن يوافق القارىء على كل أفكار الكتاب، بل إن الحوار فيها هو الهدف الرئيس والمُعلن من كتابته ونشره. لكن أهمية الموضوع تكمن في كونه نموذجاً نادراً على النقد الموضوعي للإسلاميين ولناقديهم المُفترين على حدٍ سواء. وكما ذكرنا سابقاً، قد تكون في مثل هذه الطروحات، وفي تعاون أصحابها مع شريحة المثقفين والباحثين المستقلين من خلفية إسلامية، فرصةٌ نادرة لفتح نافذةٍ لتصحيح مسار الثورة السورية من المدخل الصحيح: المدخل الثقافي.

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«داعش» أو النظام... بل «داعش» والنظام

علي العائد

الحياة

الاثنين 16/6/2014

الضباع تأكل غالباً ما تصيده الوحوش «النبيلة» التي تصطاد فرائسها وتأكل منها حاجتها من الغذاء، وتترك للضباع والحيوانات الخسيسة ما يفضل من الفريسة «الفضلة».

احتلت «داعش»، في حالة تشبه صيد الضباع، المناطق التي ساهمت الكتائب الإسلامية و «الجيش الحر» في إخراجها من يد النظام، بخاصة في ريفي حلب وإدلب، قبل أن يستعيد «الجيش الحر» المبادرة، تسانده كتائب إسلامية أخرى، ويطرد «داعش» من قسم كبير من تلك المناطق، بينما تستمر مجاميع ميليشوية غير سورية في مساندة النظام في مناطق متعددة، وفي تحقيق تقدم ينسبه الجيش السوري (الضبع) لنفسه.

عدا هذا التشابه، لا دليل على تعاون أكيد بين «داعش» ونظام الأسد، على رغم توافر قرائن عديدة تضعهما في كفة واحدة مقابل الشعب السوري الأعزل، أما ما بين «داعش» والنظام من جهة، وحملة السلاح من مدعي الدفاع عن السوريين فشأن آخر، كونهما عدوين يمتلكان القوة، ومعيار الغلبة بينهما هو السلاح فقط.

صفة «الضبعنة» جعلتهما يتشابهان تالياً في اكتساب مزيد من الأعداء بين «رعاياهما» من الشعب السوري.

كلاهما يعمّق جراح السوريين مادياً ومعنوياً، وكلاهما ساهم ويساهم في تهجيرهم بفضل أساليبهما الناعمة والقاسية، من فرض الحجاب والنقاب عند «داعش»، إلى البراميل المتفجرة التي باتت السلاح المفضل لنظام الأسد.

ويقتسم الطرفان أسوأ أمثلة القسوة تجاه السوريين. «داعش» تعلن صراحة عن طمعها بكرسي الرسول لتعيد سيرة الحكم بـ «شريعته»، والنظام يتستر بعلمانية مغلفة بـ «ثارات الحسين»، ولا تنويع في كلا الإعلانين ما دام ما يصدر عنهما يتجه عكس ما خرج السوريون من أجله في ثورتهم.

وإذا كان لا بد من بحث أسباب تشابههما، فعلينا مراجعة قائمة قادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، هؤلاء الذين كانوا في سجون النظام حتى بدايات حزيران (يونيو) 2011، حيث أطلق النظام سراح عدد يتراوح بين 900 و1200 إسلامي من خلفية أصولية، أو قاعدية، بعد إلغائه قانون الأحكام العرفية «استجابة» لمطالب الشعب، وتنفيذاً لنصائح أصدقائه.

لا أحد يلوم النظام في ذلك، فهو يطبق مفعول إلغاء الأحكام العرفية، وهؤلاء سجناء قدامى، ومنهم من حوكم وأطلق بالاستفادة من ربع المدة. لكن معتقلين سياسيين آخرين ما زالوا في السجون، ونقصد بهم من سجنوا قبل قيام الثورة في 15 آذار (مارس) 2011. فلماذا أطلق النظام الإسلاميين، وبصفة انتقائية، واستثنى آخرين، لو لم يكن في نفس الضبع ما في نفسه، ولماذا أطلق سراح قادة التنظيم العراقيين الذين كانوا معتقلين في العراق بين 2003 و2011، وهل يمكن ربط توقيت إطلاق المجموعتين في الدولتين، كتنسيق بين نظامي المالكي والأسد، أم أن المالكي والأسد ينفذان أوامر إمبريالية في انسجام مع معكوس نظرية المؤامرة الكونية التي أطلقها الأسد نفسه؟

ينقل كمال شيخو في موقع «قنطرة» في 8 كانون الثاني (يناير) 2014 عن المعارض دياب سرية، الذي اعتقل في سجن صيدنايا العسكري بين 2006 و2011، أنّ عدد الإسلامويين الذين أطلقهم النظام السوري خلال النصف الأول من عام 2011 بلغ قرابة 900 سجين، معظمهم كانوا على علاقة بالقتال في العراق، سواء من تنظيم «الدولة الإسلامية في بلاد الرافدين»، أو من خلال تنظيم «فتح الإسلام».

ووفق سرية، كان أبرز هؤلاء أبو محمد الجولاني قائد «جبهة نصرة أهل الشام»، الذي كان معتقلاً في فرع فلسطين لدى المخابرات العسكرية بدمشق منذ 2008، وأطلق سراحه عام 2011، وأن المطلق سراحهم شكلوا النواة الأولى والخلايا الأساسية للمجموعات الأصولية المتطرفة الأساسية التي تقاتل النظام الآن.

ويضيف سرية في تقرير آخر نشرت «القبس» الكويتية ملخصاً له (17/11/2013) نقلاً عن «الأوبسرفاتور» الفرنسية: «النظام السوري ليس غبياً، فقد أطلقهم ليفعلوا بالضبط ما هم يفعلون اليوم. فأبو محمد الجولاني، وأبو طه، وجميل زين المعروف بأبي الحسين، خرجوا ليشكلوا «جبهة النصرة»، بينما انتمى أبو حفيظة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. والمجموعتان متصلتان بالقاعدة، وتتحكمان بشمال سورية. أما أحمد عيسى الشيخ فيقود لواء صقور الشام، بينما يقود حسن عبود لواء أحرار الشام، ويرأس زهران علوش جيش الإسلام... وكل هؤلاء كانوا نزلاء سجون النظام».

أمام كل ذلك، لا يزال يجادل متابعون للشأن السوري، من أخوة عرب ممانعين، فضلاً عن سوريين ممانعين، أو مترددين، في أن المسألة هي الاختيار بين «داعش» والنظام، من دون أن يعلموا أنهم اختاروا «داعش» والنظام معاً.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : في منتدى : أمريكا والعالم الإسلامي يعلنون من الدوحة : الحل بيد أمريكا

17.06.2014

زهير سالم

منذ البداية كان رأس الأزمة في سورية أن تتولى قيادات غير ثورية قيادة الثورة . لا شك أن قيادة الثورة تحتاج إلى قيادة ثورية . عقلية الستاتيك السياسي البارد الذي لا يفعل ولا ينفعل ، لها موازينها الباردة الواهنة . ولم يكن للعقلاء أن يبادروا إلى منازعة هؤلاء أردية الثورة التي التحفوها مخافة أن يقول الناس ...

مع تقدم التجارب المريرة ، ونحن نتسلم منذ الأمس خبر سقوط كسب بأيدي ميليشيات الأسد ، ويوما بعد يوم ونحن نعايش غصص القيادات الواهنة والعاجزة والفاشلة التي خنقت حراك الثورة الملتهب على كل الصعد ، يدفعنا الإشفاق والحرص على التنبيه والتحذير لعل الصبح يسفر أمام ذي عينين ..

منذ الأيام الأولى للثورة ومع استشعار القادة الذين اندفعوا أو دُفعوا إلى موقع مسئولية لا يملكون من أمرها فتيلا ولا نقيرا جعلوا استراتيجيتهم الأساسية في انتظار ما يُفعل لهم أو بهم . وكانوا في كل الأحوال وفي انتظار هذا الذي يُفعل لهم وبهم مضطرين للمداورة والمناورة والمداهنة والتراجع والتماوت والتظاهر بالشلل وبالانكسار ...

فهؤلاء الذين فقدوا القدرة الذاتية على الفعل بل على التقدير والتدبير ظنوا في صناعة الانهزام نصرا ، وفي تزيين الانكسار سياسة ، وفي القبول بكل ما يعرضه الأقوياء كياسة . كان هذا في حقيقة الأمر هو رأس الداء الذي ابتليت به القيادات السياسية للمعارضة فألحقته رغما بالقيادات الثورية التي أثبت كل فرد من عديدها في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر ..

وكنموذج على حال قيادات الانتظار المشلولة ، القيادات بلا رأي ولا رؤية ولا عزيمة ولا حد ولا جد ما جرى بالأمس من حورات في منتدى الدوحة تحت عنوان ( أمريكا والعالم الإسلامي ) حيث تواطأ المتحدثون عن الورقة السورية على أن : الحل في سورية بيد أمريكا . وأنه لا يمكن تصور حل للأزمة في سورية دون تدخل أمريكي حقيقي يستند إلى رؤية أمريكية داخلية موحدة . وأن الأمر يحتاج إلى دعم سريع للمعارضة يغير المعادلة في الميدان . ويجبر النظام على الجلوس إلى كرسي المفاوضات .

هذه القيادات التي ترى المشهد بهذه الأعين وتتحدث بهذه الألسن لعلها تتذكر أن الشعب السوري حين أعلن ثورته ، لم يستأذن الولايات المتحدة ، ولم يتحرك بأمرها كما يقول بشار الأسد وأولياؤه ، ولم يتخذ الولايات المتحدة إلها من دون الله .

إن الواقعية السياسية شيء وأن تخرج القيادات السياسية من حولها وطولها وقوتها إلى حول الولايات المتحدة وطولها شيء آخر . والقول إن الحل في سورية هو بيد أمريكا كلام مشتق من كلام الانهزامي صاحب كامب ديفيد الأول ، يوم قال : 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا ..

ليس هناك سياسي أو عاقل يستطيع أن يسقط الدور الأمريكي ، ولا أن يقلل منه أو يتجاهله أو يتجاوزه ، ولكن هذه اللغة المستسلمة المتخاذلة ليست هي لغة الثورة و الثوار . فالحل في سورية ، على الحقيقة والجزم هو بيد الله أولا ثم هو في يد أبنائها من السوريين . هو في يد الأبطال الذي وضعوا أرواحهم فوق راحاتهم ، فهؤلاء هم الذين سيصنعون مستقبل سورية وهم الذين سيفرضونه ، وعلى كل من يريد أن يكون له في سورية شأن أن يضع يدا بيضاء عند هؤلاء .

وهذا المنطق ليس منطقا انفعاليا يتحلى بجماليته البلاغية أو الرومانسية بل هذا المنطق هو جزء من استراتيجية تتطلب من الذين يتبنونه تقديرا وتقويما لتقديم البدائل عن كل السياسات المتخاذلة والمتواطئة .

 ثورات قديمة في التاريخين القديم والحديث وجدت بدائلها بعيدا عن القطبين المتواطئين اليوم على خذلان الشعب السوري . أكثر من ثلاث سنوات وقيادات المعارضة السياسية تكرس عجزها عن إيجاد البدائل على كل المستويات وتشرعنه ، وتجد في الخذلان الأمريكي مشجبا لتعلق عليه عجزها وتخاذلها وتبرر به صناعتها للهزيمة تلو الهزيمة . لا نقول إن إيجاد البدائل السياسية والاستراتيجية في مثل ظروف الثورة السورية التي تواطأ عليها الجميع أمرا سهلا ولكنه ليس أكثر صعوبة من أن يضع شاب روحه فوق راحته ويخرج لمواجهة الموت كفاحا ...

الأكثر ريبة فيما طرحه المشاركون في ندوة ( أمريكا والعالم الإسلامي ) في الدوحة وكما أوردته قناة الجزيرة هو حديث بعض قيادات المعارضة عن هدف استراتيجي هو إجبار النظام على الجلوس على مائدة المفاوضات !!

 كأن الكلمات التي سطرت في كل وثائق المعارضة : إسقاط النظام بكل رموزه ومرتكزاته كان مجرد لغو لا دلالة له ولا فيه ...

لندن : 18 / شعبان / 1435

16 / 6 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دورة اجتماعات الائتلاف الوطني السوري

حسين العودات

البيان

الاثنين 16/6/2014

يعقد الائتلاف الوطني السوري (المعارضة المعترف بها دولياً)، دورة اجتماعات مطلع يوليو المقبل لانتخاب رئيس جديد، بعد أن انتهت مدة ولاية الرئيس الحالي أحمد الجربا، الذي أمضى فيها دورتين متتاليتين، كما سينتخب ثلاثة نواب للرئيس، وأميناً عاماً، وهيئة سياسية للائتلاف. وقد بدأت النقاشات والحوارات بين أعضاء المجلس، منذ أكثر من شهر، حول من سيُنتخب، وأي الفصائل سيمثل المنتخبون.

ويبدو أن معظم أعضاء الائتلاف أمضوا عديداً من الساعات في الحوار والنقاش، كما أمضى معهم بعض حلفائهم، وخاصة من الجهات الداعمة لهم، ومن الواضح أن هناك كتلتين أو تجمعين يتصارعان على الرئاسة، والهيئة السياسية، وأن معظم الأعضاء منشغل بالانتخاب والمناصب.

وعدم الاهتمام بالقضايا الجوهرية الكبرى، وأعني بها تطوير العلاقة بين الائتلاف والشعب السوري في الداخل، وتوحيد فصائل المعارضة المتعددة (والمتناقضة)، والبحث عن حلول للأزمة السورية المستعصية، التي أحرقت الأخضر واليابس، وكلفت الشعب السوري دماءً ودماراً وتخلفاً.

من المفترض أن يبحث الائتلاف في دورته المقبلة، عن سبل إقامة تواصل جدي ومنهجي مع الداخل، وإشادة مؤسسات ومراسلين في المناطق السورية التي يمكن إشادة هذه المؤسسات فيها، والعمل الجاد لعقد صلة مع الفصائل المسلحة، التي أخذت تنغلق على نفسها، وتتصرف وكأن لا علاقة لها بغيرها. ومن الملاحظ أن الصلة تكاد تكون معدومة بين الائتلاف..

والشعب السوري، وبينه وبين الفصائل المسلحة، وبالتالي تزايدت الشكوك حول فاعلية الائتلاف، وحول تمثيله للسوريين. ويفترض أن تكون هموم الائتلاف المتعلقة بوحدة المعارضة كبيرة جداً، وتستحوذ على القسم الأكبر من وقت أعضائه، وحواراتهم، لأنه السبيل الأساس لمواجهة تحديات السلطة وطغيانها، وإثبات فاعلية المعارضة السورية.

ولسوء الحظ أسقط الائتلاف كلياً من اهتماماته ما يتعلق بوحدة المعارضة، وصدق أنه الممثل الوحيد للشعب السوري، واكتفى بأنه مدعوم من بعض الدول، واعتبر أن هذا وحده كفيل بإعطائه الشرعية، ومصادر القوة، وتناسى أن لفصائل المعارضة الأخرى أدواراً لا تقل أهمية وفعالية عن دوره. ورغم مرور أكثر من عام ونصف العام على تأسيسه، لم يضع الائتلاف رؤية لحل الأزمة، واكتفى برفع الشعارات أو برفض بعض المبادرات، وهذا كله لا يحل الأزمة.

وفي ضوء ذلك فإن علاقة الائتلاف بحلفائه من الدول الخارجية غير واضحة، وتثير تساؤلات مقلقة؛ على ماذا يتحالف إذاً؟ ولماذا؟ وما حدود تأثير الحلفاء فيه؟ وهل يكتفي بالمساعدات المالية من الحلفاء والدعم السياسي والعسكري؟

أهمل الائتلاف الاهتمام بالأمور الأساسية التي يفترض أن تساعد على حل الأزمة السورية، واهتم بالقضايا الثانوية الإجرائية المتعلقة بانتخابات رئاسته وهيئته السياسية، حتى إنه من غير الواضح إذا كان المرشحون للرئاسة والهيئة يملكون برامج يمكن أن يتنافسوا عليها، أم أن المنافسات تدور حول صفات المرشحين الشخصية!

ولعل هذا أدى إلى موقف سلبي من الائتلاف لدى الشعب السوري، وخيبة أمل كبيرة جداً لأن لا إمكانية لدى هذا الائتلاف للتأثير في حل الأزمة، ولذلك كثرت الإشاعات والتهم حول شخصانية بعض أعضاء الائتلاف، وسعي البعض الآخر لجمع الأموال أو للمكاسب الخاصة.

ومن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي يلاحظ أن معظم من ينتقدون الائتلاف يشيرون إلى تهم كبيرة جداً، وهذا ما أعطى مبرراً للنظام ولغير النظام للقول، إن المعارضة فاشلة، ولا تشكل بديلاً جدياً للنظام السياسي، كما شجع سلوك الائتلاف هذا كثيرين من المعارضين، وأوهمهم بإمكانية تشكيل تنظيمات معارضة موازية، وعقد مؤتمر تأسيسي، وفتح دكان للعمل السياسي.

بدأت المشكلة لدى المعارضة الخارجية قبيل تشكيل المجلس الوطني، حين بادر بعض الأشخاص إلى عقد مؤتمر توصل في نهايته إلى تأسيس المجلس الوطني السوري، وقد لوحظ أن معظم من جُمعوا في المؤتمر كانوا غير مسيّسين، وبعضهم لم يدخل سوريا منذ عشرات السنين، ولم يكن للأقلية المسيّسة والمناضلة دور جدي في المجلس، لا في وضع برنامجه السياسي..

ولا أسلوب نضاله، وعندما فشل المجلس، وشُكل الائتلاف على عجل في الدوحة، حمل معه أمراض المجلس الوطني، وكان معظم أعضائه الذين يزيدون عن الستين قليلاً، محض هواة، رغم حسن نوايا الجميع في المجلس والائتلاف وإخلاصهم، لكن النوايا الحسنة والإخلاص لا تفيد في مواجهة مثل الأزمة السورية المعقدة والمستعصية.

ولذلك قبل المجلس والائتلاف التحالف مع دول أخرى، من دون وضوح الهدف أو وضوح الشروط، وكان الأمر في الحالتين وكأنه توليفة لتشكيل معارضة سورية تتولى مواجهة النظام، لأن جميع الأطراف كانت تعتقد أن سقوط النظام قاب قوسين أو أدنى، وأن هذه التوليفة تحل مشكلة البديل.

والآن لعل المهمات الأساسية أمام الائتلاف، هي عقد الصلة مع الداخل السياسي والمسلح، وجميع فصائل المعارضة الداخلية والخارجية، ووضع برنامج لحل الأزمة وأسلوب عمل لتحقيق هذا البرنامج، وإيجاد صيغ جديدة للتحالف مع الآخرين غير السوريين، أما الانتخابات والمناصب وغيرها فهي أمور إجرائية، وإن لم يهتم الائتلاف بالقضايا الأساسية فإنه سيصبح عبئاً على الثورة، والدولة، والأمة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العرب بين النهوض والانكسار

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 17/6/2014

تتسارع عمليات التصدع والتفكك العربي في سوريا والعراق وفي نواحٍ أخرى من العالم العربي، دون أن يكون ذلك هو السمة الوحيدة في المشهد العربي، فقبل ثلاثة أعوام ونصف العام تقريباً اندلعت أيضاً أحداث «الربيع العربي» في تونس ومصر واليمن، وفي السودان، وتحولت مناسبات تحضير لانتخابات رئاسية وغيرها في الجزائر ولبنان.. الخ، لتشعل ناراً لم تنطفئ، وتُظهر أسراراً من الفساد والإفساد والاستبداد تضيف إلى هذا الكثير من مظاهر العسف والاضطراب في اكتشاف القواعد إن لم تكن القوانين الفاعلة في كل ذلك.

إن في العراق وسوريا خصوصاً ظاهرة خطيرة توغل في التسيّد باتجاه مزيد من تحويل العنف الجهنمي إلى الأسلوب الأساسي في مواجهة النظم الرسمية المهيمنة في العالم العربي أو في معظمه لجمهور المستهدفين ممن أُخرجوا من معادلة السلطة والثروة إضافة إلى مراكز الإعلام وقيادة المجتمع. في هذه الأحوال تبدو الأمور عربياً كأنها انتقام من مرحلة ازدهار الشعبوية مختلطة بأحول وروائح التشفّي ممن استعادوا أو راحوا يستعيدون أحلامهم في بعض العدل والحرية، أما الذراع الطويلة المؤدِّبة لجمهور تلك الشعبوية فقد انتقلت إلى مواقع الناس الأكثر فقراً وظلماً وأوهاماً، إضافة إلى المواقع الأيديولوجية الدينية القائمة على التكفير والتحذير من «يوم العقاب القادم»، إضافة إلى التأكيد على أن هذا «اليوم» صار أقرب من البياض إلى السواد.

لقد أخذنا نواجه هذا «اليوم الكوني الصارم» بلسان أولئك الفاقدين لكل شيء، وبدعم ممن يملك كل شيء. وإلا من هم هؤلاء الذين يعملون على «تأديب» أولئك «الكفرة»، الداعين إلى المساواة والكرامة؟ نعني، من هم حينئذ المنتمون إلى «داعش» وأمثالهم، الذين أحدثوا نقلة من «المرتدّين المظلومين» إلى سادتهم في بعض النظم الأمنية العربية! ذلك أن ما يحدث على ساحة القتال في العراق يتماثل مع ما يتم في بلدان عربية أخرى من «الربيع العربي» وإن اختلف عنه بكيفية أو بأخرى، أي مع إمكانية تباين كبير أو صغير في مجرى العمليتين كلتيهما. ها هنا، يتعين علينا أن نكشف عما يظهر أو ما قد يظهر خفياً، فلقد أعلن جمعٌ من المدافعين عن تلك النظم العربية الأمنية أن ما أخذنا نواجهه في بلدان «الربيع العربي» أو في ضغطها، إن هو إلا «دسيسة من عمل الشيطان»، أو «مؤامرة متحدرة من بلدان الغرب» بسبب النزعة الثأرية، التي تتملك هذا الأخير، مع الإضافة التالية، وهي أن أعداء النظام المعين، أي القائل بأن المتحالفين مع أعداء «الأمة العربية»، أو مع رؤوس النظم العربية «الوطنية» أي هم الذين راحوا يخترقون هذه النظم «الوطنية» على مشهد من هؤلاء أنفسهم. فلم يتوسلوا إلى أساليب اختراق سلمية فحسب بل راحوا يستخدمون السلاح، محققين بذلك عدة أهداف استراتيجية بوسائل بسيطة، هي التشكيك بوطنية المواطنين السوريين، إذ في هذه الحال، يفقد هؤلاء هويتهم الوطنية، لتُضفي عليهم هوية الخيانة، التي تقابلها برأيهم «هوية مندسّين». ووجدوا أن ما أضافوه إلى شخصيات هؤلاء «المندسّين» مطابق لقصد التهمة بحذافيرها، إنهم مندسّون مسلحون عملاء للأميركان أو الفرنسيين بل كذلك للصهيونيين!

وهؤلاء المسلحون يجري التفكير بضرورة استيلائهم من مصادر متعددة، تتراوح بين الفقراء والمظلومين والغارقين بأيديولوجية ظلامية فاحشة، وبين أولئك الذين تخمّرت في أذهانهم وحياتهم اليومية البائسة نوازع الثأر ممن اعتبروهم «المجاهدين» القادمين «في آخر الزمان» لمحْق «الكفرة والمارقين عن الدين»! ها هنا تحديداً اعتُبرت المعارك الدائرة بين «المواطنين» و«سادة المواطنين» معارك بين أديان وطوائف ومذاهب وإثنيات من طرف، وبين مثيلاتها لدى مجموعات أخرى من طرف آخر، فهي من ثم علاقات لا تمس واقع حال البشر، بل تمس في واقع الحال، ما لم يختاروه ويقبلوه إلا بفعل التوارث.

إن الصراعات التي تتأجج في المجتمعات العربية الراهنة تمثل -أولاً- رداً على مظاهر النهوض والتغيير التاريخي، التي جاءت في عملية التقدم التاريخي ومع حلول شتات سابق من مشروع نهضوي جديد، كادت تنتج بناء شامخاً من النهوض. لقد سقطت في قرننا هذا الحادي والعشرين ركائز مهمة في الثقافة والسياسة والاقتصاد وغيرها من مظاهر مشروع عربي في النهضة والتنوير والتقدم، فالاحتراب بين المعارضات العربية في بعض العالم العربي، وبين النظم، أطاح أو يكاد الآن يطيح بما وُلد من حالات وركائز مشروع عربي أطيح به أولاً على أيدي استعمار غربي أخذ مداه على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين. ويأتي الاحتراب الجديد الحالي في سياق «ربيع عربي» جديد، لينتج اعتقاداً بأن المشروع المُدافع عنه راهناً في بعض العالم العربي يجب أن يحذّر العرب النهضويين التنويريين من انتكاسة جديدة أكبر للمشروع العربي وعلى أيدي مجموعات تحمل شعارات التقدم الحضاري العربي والوحدة العربية والعلمانية، وتأتي المرحلة المعيشة الآن لتجد نفسك أمام معادلة صعبة، ولكن قابلة للتحقق، تلك هي أن العالم العربي يبقى أمامه أن ينجز الديمقراطية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استئصال المعارضة

د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 18/6/2014

من أجل استئصال المعارضة في سوريا، يجب أن يكون مجرماً كل من فكر وقدّر بشكل مستقل وحر!

ومن أجل إلغاء المعارضة في الحياة السياسية، يجب أن يقال إنها ارتكبت «الخيانة العظمى»، وهي الاختلاف مع بشار في طريقة تدبيره للشأن العام. وبذلك الحكم يكون قد تم الختم على العقل وأُعلنت موته، ودُعي الناس إلى جنازته للدفن.

طريقة تفكير من ذلك النوع تطبيقاتها في الطرق وصناعة السيارات أن يبدأ المهندسون بهندسة طرق سريعة باتجاه واحد، تمشي فيها السيارات بغير عودة، وكاراجات تدخل فيها الشاحنات، وليس من ناقل حركة يعيد السيارة للخلف! إنها كارثة أن تعلن أمة خسوف التفكير والهندسة والطيران والبناء والصناعة.. أليس كذلك؟! علينا الآن تأمل النتائج الكارثية لمثل هذا التفكير وإلى أين تنتهي الأمور؟

أما في السياسة فالنهاية تكون تحت حكم استبدادي، وأما في المجتمع فصمت وقتل للحوار وبناء آراء أحادية، ومنع النقاش في أي موضوع مخافة الاتهام بالزندقة والردة؛ فلا تعلم نفس أين ينتهي بها النقاش، طالما أن السقف تقلص إلى حد لا يستطيع معه المرء أن يرفع رأسه، كما يذكر المعتقلون السوريون السابقون عن زنازينهم. وقد كان أحدهم رجلا قصيراً؛ لذلك فهو محظوظ إذ كانت معظم سنوات اعتقاله الخمس في غرفة لا يزيد ارتفاع سقفها على 165 سم. إنها تذكر أيضاً بأقفاص الفيتناميين وكذلك سلاسل جوانتانامو.

وهنا يجب نفض الدماغ وتأسيس العقل النقدي. ومن أجل ترسيخ العدالة يجب الأخذ بعين الاعتبار أن أي نص أو اجتهاد يصطدم بالمبدأ القرآني يسقط تلقائياً ويعتبر عديم القيمة. وعند هذه القاعدة الراسخة من الإنسانية احتجنا إلى «فولتير» الفرنساوي كي يذكرنا بما عندنا متمثلا في الثلاثي المشهور:

ـ عبر عن رأيك كما تشاء

ـ أنا مستعد أن أموت من أجل حقك في التعبير عن رأيك كما تشاء

ـ مع كل إيماني باختلافنا فكرياً؛ فالرأي والرأي الآخر هو مثل الأنشوطة المعقودة من طرفيها حول رقبتين؛ فإذا شددناها من طرف اختنق الاثنان، وإن أرخيناها نجا الأول ونجا الثاني. إنها أنشوطة الإعدام المتبادل أو الخلاص الشامل.

ذلك هو التنوير الذي أضاء العالم، وأدخله إلى استعمال المصباح الكهربي، والديمقراطية، والتكنولوجيا، والفيمتو ثانية، والتبادل السلمي للسلطة، والكود الوراثي، واحترام حرية الرأي، والكواركز، والمؤتمرات العلمية العلنية، وكل التقنيات التي جاءت مع عصر التنوير… إلخ.

ليست الأشياء هي ما يبني الحضارة، بل هي من نواتجها، لكن من الوسط العقلاني والطبقة العلمية اللاحقة، قبل أن يتم توليد وإنتاج «الأشياء»، عطاءٌ غير محدود.

وبكل أسف مازال العالم العربي يغط في سبات عميق، في سجف من الظلام العقائدي، الحزبي والطائفي والقبلي، مخدراً بقصص ألف ليلة وليلة والسندباد البحري!

والأمل أن أنوار العلم والفكر سوف تضيء حياته، ولو بعد حين، فهي المسيرة المظفرة للبشرية كلها، نحو ما هو أفضل، تحت قانون «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هكذا تُحكم سورية

حسان حيدر

الحياة

الخميس 19/6/2014

الخبر الذي نشر قبل أيام عن اطلاق فارس سوري احتجز في السجن 21 عاماً لذنب وحيد هو تفوقه في احدى مباريات الفروسية على باسل الاسد، شقيق الرئيس بشار الذي كان يعدّه والده حافظ لتولي الحكم من بعده، قبل ان يقتل في حادث سيارة، يعطي صورة واضحة عن كيفية حكم سورية خلال عهد عائلة الأسد الممتد منذ 1971 حتى الآن.

لم يكن عدنان قصار يشك للحظة في ان قيامه بواجبه في منح فريق بلاده للفروسية فوزاً في احدى البطولات بعد أخطاء ارتكبها قائد الفريق باسل الاسد سيعني انتهاء حياته كما يعرفها، وإلقاءه في زنزانة لمدة تزيد على عقدين، وأن يوضع في كيس ويتعرض للضرب المبرح لساعات طويلة يوم وفاة باسل، وأن يتكرر هذا الضرب كل سنة في ذكرى وفاته، اضافة الى «حفلات» التعذيب الدورية الاخرى.

ما حصل لقصار عينة بسيطة للعسف الحاصل في كل سورية حيث يدور كل شيء حول شخص «الزعيم القائد» ويتوقف على مزاجه ومدى تقبله لشخص ما، او امتعاضه من آخر. لكن ايضاً وخصوصاً، مدى إقرار اي شخص، اياً كان موقعه او دوره، بـ «شرعية» الحاكم وتقبله لقراراته ومواقفه وأساليبه. وتنسحب هذه المزاجية على مختلف الاجهزة الامنية السورية، حيث الضابط هو «القاضي» و «الحاكم بأمره» والمواطنون مجرد «تابعين» يتحولون الى «ارقام» عند ادخالهم الزنازين. والتاريخ شاهد على الحالات الكثيرة لسياسيين وعسكريين اعتقلوا منذ انقلاب حافظ الاسد، ولم يفرج عنهم سوى بعد عقود، وقبل ايام او اسابيع قليلة من وفاتهم التي تسببت بها تراكمات السموم التي كانت تدس في طعامهم في السجن.

ويقول بعض الذين عرفوا الوريث بشار، انه عندما اتخذ قراره باغتيال رفيق الحريري كان هناك، اضافة الى أبعاده السياسية الخطيرة، جزء «شخصي» في القرار لأن الرئيس «لا يحبه». ومع ان ذلك لا يخفف من فداحة الأمر، إلا انه تبين بعد سنوات على هذا الاغتيال ان بشار «لا يحب» بلده سورية ايضاً، ولهذا يطحن مدنه وقراه بالصواريخ والبراميل المتفجرة ويهدمها على رؤوس قاطنيها، ويهجّر من بقي منهم على قيد الحياة.

وأمس فقط اعلن في لاهاي ان فريقاً من «منظمة حظر الاسلحة الكيماوية» يحقق في وقوع هجمات بالغاز في سورية، خلص في تقرير الى ان القوات النظامية السورية استخدمت «بشكل منهجي» اسلحة كيماوية مثل الكلور لضرب تجمعات المدنيين في مناطق تخضع لسيطرة المعارضة.

اما كذبة العفو التي اطلقها «القائد» احتفاء بقراره التمديد لنفسه لولاية ثالثة، فتبين انها لم تشمل سوى بضع مئات من بين اكثر من مئة الف سوري اعتقلوا منذ بدء الثورة قبل ثلاث سنوات ونصف السنة، وأُضيفوا الى عشرات الآلاف الذين سبقوهم الى المعتقلات منذ عهد الأب. وبعض الذين «أطلقوا» لم يتبق منهم سوى بطاقات هوياتهم التي سلّمت الى اهاليهم، بعدما قضوا تحت التعذيب في السجون ومراكز الاعتقال، ودفنوا في اماكن مجهولة.

ومع الأمل في ان يحتفل السوريون قريباً بإسقاطهم نظام الاسد الجائر، فالأرجح ان ما ستكشفه الوثائق والشهادات عن سجل انتهاكات حقوق الانسان الحافل خلال عهد العائلة الأسدية، سيجعل النازيين والفاشيين الآخرين يبدون مجرد هواة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حضر الصحافي وغاب الأسد

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 19/6/2014

في أول كلام منقول عنه، بعد انتخابه الفضائحي، يبدو بشار الأسد رجل حوار، وإن اختلف معنى الكلمة عن مألوفها. فهو لا يكتفي بمحاورة زواره الروس «الكثر» ومنافسه السابق في الانتخابات حسان النوري، بل كذلك موفد جريدة الأخبار اللبنانية سامي كليب، زوج مستشارة الرئيس الإعلامية التي كانت سرقت الأضواء في مؤتمر جنيف2 بابتساماتها، من غير أن يتعرض أي من زواره إلى تفتيش أمني. فالرجل مطمئن وواثق من نفسه. هذه هي الرسالة الأولى التي أراد الصحافي اللبناني نقلها إلى الجمهور الموالي أو القاعدة الاجتماعية الضيقة للنظام، بعدما أخذت هذه تشعر بعمق الهوة التي اندفعت إليها، قاطعةً طريق الرجعة إلى المجتمع الوطني السوري.

نعم، الأسد يحاور بهدوء وحيوية، كما ينقل لنا كليب في مقالته التي سماها بالحوار، بعيداً عن أي قلق أمني، يستعرض اللوحة الاستراتيجية للصراع، على رغم معرفته بأدق التفاصيل، واثقاً من النصر القادم بلا ريب، وإن كان لا يحدد موعداً لنهاية الأزمة لكي لا يبتعد عن الواقعية.

يحمل سامي كليب معه إلى مخبأ الأسد السري همومه ولغته اللبنانية، فيجعل الشبح الذي يستنطقه يتحدث عن «ثلاثية سورية» تحاكي تلك اللبنانية الأثيرة لدى ممولي جريدة الأخبار (الجيش والشعب والمقاومة) لتصبح في نسختها الأسدية «القيادة والجيش والشعب». ومن يعرف لغة النظام السوري المعتمدة، يعرف أن «القيادة» تعني الدكتاتور الفرد الحاكم. وهكذا نرى سامي كليب ينقل علناً إلى قراء جريدته، ما كان يقرر سراً بين أربعة جدران في زمن الوصاية الأسدية على لبنان: اسم الرئيس القادم للبنان. إنها مفارقة مثيرة للرثاء أن يستقوي حزب الله بالرئيس السوري فاقد الشرعية لفرض رئيس «مقاوم» على لبنان، ما هو غير ميشيل عون، على صفحات الجرائد، في وقت بات فيه حاكم دمشق مديناً ببقائه للحزب الإيراني في الضاحية الجنوبية. وتزداد هزلية الترشيح الأسدي لميشيل عون، حين لا يستطيع المحاور الشبح لسامي كليب أن يذكر من «فضائل» زعيم الرابية غير أنه جاء إلى دمشق يعزي بوفاة مجد حافظ الأسد واغتنم المناسبة ليصالح ضابط مخابرات سوريا كان مسؤولاً في لبنان أيام الوصاية. نعم، هذا هو منطق الحوار ونموذج المصالحة لدى الطاغية: أن يأتي الضحية صاغراً إلى الجلاد و»يصالحه» بعدما كان تمرد عليه في بيروت الشرقية قبل عقود. بهذه الطريقة سبق و»صالحه» كل من رفيق الحريري ووليد جنبلاط في أعقاب غزو حزب الله وحلفائه لبيروت في أيار/مايو 2008.

لا يتحدث الأسد عن «مصالحة حمص» بالطريقة المهينة نفسها، بل يتحدث عن حوار جرى بين اللجان الشعبية والإرهابيين الذين يعرفون بعضهم بعضاً، كما يقول كليب على لسان الطاغية الشبح. لن نتوقف عند زلة اللسان هذه التي تعني أن مسلحي حمص القديمة ليسوا إرهابيين جاؤوا من الشيشان أو تونس أو فرنسا، بل هم أبناء حمص الذين يعرفهم شبيحة اللجان الشعبية في أحياء حمص الموالية. لكن كليب ومحاوره يعرفان جيداً أن الأمر لم يجر على النحو الذي قالاه في مقالتهما في «الأخبار». لا أبطال حمص ألقوا السلاح وخرجوا، كما يكذبان، ولا شبيحة حمص حاوروهم. الواقع الذي يعرفه الجميع هو أن ضابطاً إيرانياً قاد المفاوضات الناجحة التي انتهت بخروج ثوار حمص من المدينة بسلاحهم الفردي الذي لولاه لما أمنوا على حياتهم من غدر الشبيحة.

«أثبتت الانتخابات الرئاسية التي جرت أن الشعب لم يتغير» يقول كليب على لسان الأسد. هذه هي الرسالة المفتاحية في «الحوار». وهي أمنية الطاغية أكثر من كونها تقرير واقع. بعيداً عن كل اللغو عن العصابات الإرهابية المسلحة والمؤامرات الكونية التي تستهدف خط الممانعة، يعبر الطاغية عن هاجسه الأكبر في مواجهة ثورة الشعب السوري التواق إلى الحرية. الشعب لم يتغير، يعني أن العبيد لم يتحولوا إلى أحرار. يتمنى الشبح أن يعيد القطيع إلى بيت الطاعة، إلى ما قبل ربيع العام 2011، الأمر الذي يدرك في قرارة نفسه أنه لن يكون، على رغم كل النجاح الإعلامي الذي تم تصنيعه لمهزلة الانتخابات فوق الأرض الخراب. كيف يكون وهتاف الشعب الحقيقي في المظاهرات يرن في أذنيه لاعناً روح أبيه حافظ ومعزياً أخته بشرى بمصرع زوجها بطريقته الساخرة الشتامة (لا تهتمي يا بشرى، كلنا آصف شوكت!).

ينكر الطاغية ما يعرفه جيداً ليحلم بأمة من العبيد تهتف له. إلى درجة دفعت به إلى زلة لسان أخرى تحدث فيها عن انتفاضة السوريين التي طالبه مندوب سعودي، في بداية الأزمة، بـ»سحقها» كما ينقل لنا عنه زوج المستشارة الإعلامية. فالحقد العارم على السعودية أعمى بصر كليب ومحاوره الشبح إلى درجة الحديث عن انتفاضة مطلوب سحقها. اعرفوا أيها السوريون من هو عدوكم، يريدان القول. إنه السعودية التي طلبت مني سحقكم. هذا نوع من الدسيسة الرخيصة التي يلجأ إليها العاجزون للإيقاع بالعدو بمحاولة تأليب بعضه على بعضه. لطالما كرر إعلام النظام كلاماً يستنكر المفارقة الكامنة في دعم نظام منغلق لثورة تطلب الحرية والديموقراطية. وإذ لم يجد كل ذلك نفعاً، جاء كليب لينقل عن الدكتاتور الشبح هذه الدسيسة، فوقع هو والذي ينقل عنه في شر أعمالهما، فاعترفا بالانتفاضة التي دأبا على إنكارها طوال سنوات.

«يخرج بشوشاً حتى الباب. لا يوحي مطلقاً بقلق أمني. الداخل إليه لا يخضع لأي تفتيش، ولا يمر تحت أي بوابة الكترونية. يوحي الرئيس بشار الاسد، في مستهلّ ولايته الثالثة، وكأنه يتابع حياته اليومية كما لو أن البلاد لم تعرف الحرب أصلاً. لا شيء يذكّر بالحرب في مكتبه سوى أصوات مدفعية تنطلق بين حين وآخر صوب معاقل من باتوا يوصفون بالإرهابيين. يحافظ على رشاقته وأناقته كما في أحوال السلم. يهتم بالرياضة وبعائلته، رغم تكدس الملفات الامنية والسياسية التي يتابع تفاصيلها شخصياً طيلة النهار. يعترف كل من تابعه عن قرب، خلال سنوات الحرب، أنه كان الأكثر برودة للأعصاب. لم يهتز مرة واحدة».. هذه الصورة التي أراد كليب أن ينقلها لقرائه، أراد منها رفع المعنويات المنهارة لـ»شعبه» الذي انتخبه مطلع هذا الشهر. ولكن حين يشاهد القارئ براميل الموت التي تسقطها طائراته على المدنيين في حلب وغيرها، يفهم «برودة أعصاب» الدكتاتور على أنها انعدام إحساس القاتل وموت ضميره الأخلاقي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : الغرب يخلع وكلاءه المستبدين الفاسدين ليس لأنهم استبدوا وفسدوا .. بل لأنهم عجزوا عن الوفاء باستحقاقات الاستبداد والفساد

15.06.2014

زهير سالم

ثلاثون سنة ظل حافظ الأسد وكيل الغرب الأوربي و الأمريكي على سورية يمارس الطائفية والاستبداد والفساد والإرهاب في سورية ولبنان . وكان طوال تلك العقود ، رغم الغبار المثار ، محل إعجاب وتقدير وإكبار كل الساسة الأمريكيين . يكفي أن تراجع فقط ما قاله فيه كبار السياسيين والدبلوماسيين ، بمن فيهم الرئيس الطيب ( كارتر ) ، لتدرك حجم العشق الأوربي والأمريكي لحافظ الأسد ، الذي كان هؤلاء يذوبون عشقا فيه ، ربما أكثر من ذوبان الكاهن المصري القبطي في السيسي ..

كافأ الأمريكيون حافظ الأسد في ولده ، ونقلوا وكالة العمالة إليه دون تردد او ريث ، وحسب وصية الرئيس الفرنسي ( جاك شيراك ) نفسه الذي اكتشف فيما بعد أن وصيه كان كذابا وقاتلا ، قال لهم جاك شيراك يوما عن حافظ الأسد : لا تنظروا إلى قتيل يقتل هنا ( يقصد رجالهم في لبنان ) أو طائرة تخطف أو تفجر هناك ( يقصد طائرة لوكربي ) التي كان الكل يعلم أن مفجرها هو حافظ الأسد ، ولبّست للقذافي لأن الغربيين يعرفون كيف يستخرجون الدبس من النمس . قال لهم جاك شيراك الذي كان عراب بشار الأسد ومرشده حتى 2005 في عام 1987 لا تنظروا إلى رجل يُقتل هنا ولا إلى طائرة تخطف أو تفجر هناك ولكن انظروا إلى ما يقدمه لنا بما يفعله بأعدائنا ( الأصوليين ) .

بعلم الأوربيين والغربيين قتل حافظ الأسد في لبنان رؤساء جمهورية ( رينيه معوض وزعماء كمال جنبلاط وعلماء حسن خالد وصبحي الصالح وصحفيين سليم اللوزي ، وبعلمهم دمر في سورية مدنا وذبح عشرات الآلاف ، ومع ذلك لم نجدهم غضبوا ولا قلقوا ولا اجتمعوا ولا قرروا ..

وورث بشار الأسد أباه يرشحه للوراثة جاك شيراك وتكرسه في حفل تتويجه يدا مادلين أولبرايت المتغضنتين من جرها رحى الحرب على الإنسانية وأحلام اإنسان . وخلال السنوات العشر الأولى من رئاسته مارس بشار الأسد كل الرذائل الطائفية والحقوقية والإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي مارسها أبوه من قتل ؛ استبد فبالغ في الاستبداد ، وفسد فأمعن في الفساد ، قتل من أبناء المنطقة كل من وقف في طريقه ، استخف بدماء الناس وحياة البشر فقتل أناسا أبرياء لكلمة عرضت وقتل زعماء وقادة ورؤساء حكومات ، قتل مسلمين ومسيحيين قتل ، قتل جبران تويني وسمير قصير والحاوي ، قتل رجالا ونساءً قتل فلم يغضب من تماديه في القتل أحد ولا في تحديه لكل شرائع الله والإنسان أحد بل ظل الرئيس القوي التي تجد كل رذائله عند رجال الساسة الغربيين ما يبررها ويسوغها بل ما لا يزال الكثير منهم – شاهت وجوههم ممسكا بها ..

ودخلت الولايات المتحدة العراق غضبا من ممارسة الظالم المستبد الفاسد ، ولإقامة حكم ديمقراطي رشيد – زعموا –

عشر سنوات والأمريكيون في العراق . صنعوا من نوري الماكي ( وثنا ) من برغر ( ماكدونالدز ) ولا أريد أن أقول وثنا من تمر . زعموه صانعا للديمقراطية ، ومدافعا عنها ، وحاميا لمشروعهم فيها . وتقلد المالكي المهمة بمهارة ..

ومرت السنوات والمالكي بحضور الأمريكيين ثم بغيابهم يمارس أفظع الراذئل التي مارسها في التاريخ المستبدون الفاسدون ، مارس الطائفية والتمميز والاستئصال والإقصاء والانقضاض على الشركاء وتخريب العيش المشترك ، ومارس الاستبداد والاعتقال والسجن والتعذيب والاغتصاب ، ومارس الفساد في بلد ثري يحسب دخله اليومي بالمليار وما تزال شوارع مدنه ترابية وما يزال الكثير من أطفاله في الجنوب ( الشيعي ) حفاة . فسرق هو وشركاؤه وتضلعوا ..

كل هذا الذي جرى في سورية وفي العراق لم يغضب الأمريكيين ولا الغربيين ولم يثر قلق أحد منهم ، ولم يستدع لقاء لمجلس الأمن ..

والذي يثير غضب القوم اليوم ، ويبعث قلقهم ، ويبلبل خاطرهم ويشغلهم بالهم أن وكلاءهم هؤلاء في سورية وفي العراق عجزوا عن إحكام السيطرة ، وكبت الثورة ، وكتم الأنفاس ، وسحق إرادة الشعوب أكثر ...

الذي يقلق أوباما وبقية كهنة العالم الحر قدرة هذه الشعوب على الثورة ، وعجز الوكلاء المستبدين الفاسدين عن الوفاء باستحقاقات فسادهم واستبدادهم . يقول لوكلائه الفاسدين المستبدين ( العاجزين ) لو كان فيكم بقية من رجاء لسحقتم كما ينبغي السحق ولسيطرتم كما تقتضي السيطرة ، السنوات تمر وأنتم عاجزون عن إطفاء جذوة ( الفتنة ) وتخليصنا من هؤلاء ( الفوضويين ) تركنا لك الزمن مفتوحا والوسائل تختارون منها ما تشاؤون ، وتركنا لداعميكم المدى مفتوحا بلا حسيب ؛ كل الفرصة كانت وما زالت لكم لتنجحوا ، فلم ...

ولذا يجب أن ترحلوا ، يجب ان ترحلوا ليس لاستبدادكم وفسادكم ، ففاسدين ومستبدين أردناكم ، يجب أن ترحلوا لعدم قدرتكم على الوفاء باستحقاقات الاستبداد والفساد ...

لندن 16 / شعبان / 1435

14 / 6 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل ثمة فرصة إقليمية لتسوية سورية؟...

أكرم البني

الحياة

الخميس 12/6/2014

والقصد ما قد يبنى سورياً، على احتمال حصول تقارب بين دول الخليج العربي وفي مقدمها السعودية وبين إيران ربطاً بالزيارة التي قام بها أخيراً أمير الكويت إلى طهران، والتراجع الملحوظ في حملات العداء، ثم الزيارة المرتقبة لوزير خارجية إيران إلى الرياض.

هناك معطيات ودوافع جديدة تمهد لهذه الفرصة، منها فشل مؤتمر جنيف 2 وانهيار التوافق الأميركي- الروسي لوضع الصراع السوري على السكة السياسية، زاد الأمر وضوحاً انشغال موسكو بتداعيات الأزمة الأوكرانية وثبات سياسة واشنطن السلبية تجاه الحدث السوري، أكدتها نتائج زيارة الرئيس أوباما للسعودية وإصراره على الاكتفاء بدعم حل سياسي وعدم التورط في المستنقع السوري، وإذا اضفنا تبلور قناعة وإن تفاوتت شدتها لدى هذه الجهات الاقليمية، بعدم قدرة أي طرف سوري على الحسم، وبأن بقاء الجرح مفتوحاً سيزيد من حدة الاحتقانات والانقسامات المذهبية، وأضفنا تالياً تنامي المخاوف المشتركة من التقدم المريع والخطير للقوى الاسلاموية الجهادية على اختلاف مسمياتها في المشهد السوري، ثم التحسب من الأعباء التي تتحملها دول الجوار جراء تواتر حالات اللجوء إلى أراضيها وتنامي مخاطر امتداد الصراع المذهبي اليها ما يهدد أمن المشرق العربي واستقراره، وأضفنا أيضاً اتساع حالة الاستياء والرفض في أوساط الرأي العام من هذا الاستهتار العربي والدولي المخزي، بشدة ما يعانيه السوريون وما يكابدونه، يمكن أن نقف عند أهم الأسباب الموضوعية التي تحض إقليمياً على تقديم التنازلات وعلى العمل لمحاصرة تداعيات البؤرة السورية.

في حين تتفاوت الأسباب الذاتية، بين حاجة خليجية تبدو أكثر تبلوراً وإلحاحاً اليوم لتعزيز الدور الاقليمي متوسلة تحالفاً مرتقباً مع السلطة الجديدة في مصر، إن لملء الفراغ الذي خلفه انحسار الدور العالمي وإن لمواجهة تحديات ومخاطر بدأت تهدد أسوارها ودواخلها، وبين حاجة إيرانية لفك الحصار الاقتصادي ولوقف رحلة الاستنزاف الطويلة لقواها جراء ما تتكبده مع حلفائها من أعباء مادية وبشرية للمحافظة على الحلقة السورية، والدليل المرونة اللافتة لسلطة الرئيس حسن روحاني في التعاطي مع أهم الملفات الشائكة، كحرصها على حماية المفاوضات مع الغرب حول الملف النووي، وتجاوبها مع حلول وسطية في لبنان وفلسطين أفضت على التوالي إلى تشكيل حكومتي وفاق في البلدين، ولا يغير هذه الحقيقة تردد طهران في تقديم تنازلات لا بد منها لتمرير مشروع تسوية للصراع السوري، مستقوية مرة بتحسن أوضاع حليفها بعد التقدم العسكري الذي أحرز في حمص وريف دمشق، ومرة بضعف المعارضة وتراجع فاعليتها.

وطبعاً، ما يعطي هذه الفرصة دفعة قوية إلى الأمام حين تحظى برعاية واشنطن وموسكو وبدعم المجتمع الدولي ومؤسساته الأممية، والأهم حين تتزامن مع نجاح المفاوضات حول الملف النووي ومع تخفيف حدة التوتر في ملفات مشتركة، في العراق ولبنان واليمن وغيرها، الأمر الذي يقوي وزن النخبة الايرانية الداعية لوقف سياسة «تصدير الثورة» والالتفات إلى أزماتها الداخلية، ويهيئ مناخاً مناسباً لمحاصرة القوى السورية المتحاربة وفرض المسار السياسي عليها.

وفي المقابل يرى آخرون أن فرصة تقدم دور إقليمي في الشأن السوري ما كان لها أن تتوافر لولا استمرار عجز المجتمع الدولي وسلبيته، وهي في حساباتهم لن تكون أكثر من مشروع هدنة، قد تنفس بعض الاحتقانات الطائفية والمذهبية وتمنح فترة من الاستقرار النسبي، لكن بانتظار جولات اخرى من الصراع قد تأتي أكثر حدة، ربطاً بضعف الثقة بين هذه الأطراف الاقليمية ووجود تباينات كبيرة في المصالح والغايات يصعب تجاوزها، كالصعوبة في بناء توافقات حول خطة طريق انتقالية في سورية.

هذا ناهيكم عن حضور عوامل يمكن أن تلعب دوراً معاكساً وتساهم في إجهاض هذه الفرصة، تبدأ من المشهد السوري بالرفض المزمن للنخبة الحاكمة تقديم التنازلات، ثم تبلور قوى من داخل النظام ومن جماعات المعارضة، لا مصلحة لها في التوصل إلى أية حلول سياسية بل يعنيها استمرار الصراع وتسعيره لتعزيز تسلطها ومكاسبها، مروراً بوجود كتلة متشددة تتغلغل في مختلف مؤسسات الدولة الايرانية، حازت وزناً كبيراً خلال سنوات الصراع على النفوذ الاقليمي، وترفض أيضاً تقديم التنازلات والحلول الوسط، وهمها الرئيس الحفاظ على مواقعها وامتيازاتها الخاصة من دون اعتبار للعقابيل الخطيرة الناجمة عن استمرار استنزاف المجتمع الايراني وتشديد الحصار عليه، إنتهاء بوجود أطراف عربية وإقليمية لن تقف مكتوفة في حال تبلور مشروع تسوية للصراع السوري لا يأخذ في الاعتبار مصالحها، ونسأل، هل يمكن أن تصمت إسرائيل عن حل سياسي قد يربكها ويشغلها فكيف إن هدد أمنها الاستراتيجي؟! ثم أي حظ لخطة تهدئة لا تحترم مصالح تركيا وحصتها من المستقبل السوري بما في ذلك نفوذ حاسم على الشريط الحدودي يؤهلها لمحاصرة الوجود الكردي ورد أذاه، ما يفسر دعمها اللافت للهجمة العسكرية في منطقة كسب قرب مدينة اللاذقية وإصرارها على حماية وجود مسلحي المعارضة هناك؟! وأيضاً ماذا عن دولة قطر، هل يمكنها تمرير حل سياسي يتجاوزها ويهمل دورها، وهي التي تمتلك تأثيراً في بعض قوى المعارضة السياسية والمسلحة، وتراهن عليها لتحصيل بعض النفوذ في المشرق العربي، بعد أن انحسر وزنها في مصر وتراجع دورها في فلسطين وتونس وليبيا؟!.

والحال، ما يدعو الى الأسى والحزن أن تصل سورية الى ما وصلت اليه من خراب وتفكك، وأن تتعزز لدى أطراف الصراع تلك الحماسة المشينة للاستمرار بخيار العنف والحرب والتدمير تحدوهم أوهاماً بتحقيق حسم عسكري أو تبديل توازنات القوى، بل وما يدعو الى الأسى والحزن أكثر أن تغدو سورية ومعاناة أهلها وتضحياتهم رهينة لتوافقات اقليمية، أو لحسابات ومصالح خارجية، صار لها اليوم، الكلمة الأولى، في تقرير مصير هذا البلد المنكوب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مونديال السوريين

آلان سليم

القدس العربي

الخميس 12/6/2014

في حين تتوجه أنظار العالم نَحوَ البرازيل والعرس الكروي الأغلى عالمياً، مونديال البرازيل الأكثر اعلامياً وتغطية لِشهر حزيران/يونيو، كأسٌ العالم الذي يَحل كل أربعة أعوام على كوكبنا، منذ الانطلاقة الأولى عام 1930 إلى يومنا هذا، حيث لم يتوقف إلا بعد مونديال 1938 لِيعود عام 1950 بسبب الحرب العالمية الثانية، حيث يحمل المونديال طبعاً من الروح المنافسة لدى الدول المشاركة، والمنافسة السياسية بين الدول الكبرى وذات النفوذ العالمي.

منذ مونديال جنوب افريقيا والشعب السوري تحت آلية القتل والدمار، أربعة أعوامٍ ولم يهدأ هذا الشعب العنيد عن المطالبة بالحرية.

يستقبل السوريون المونديال بالحزن، إلا أن ذلك لم يمنعهم من المشاركة لتشجيع منتخباتِهم المفضلة لنرى صورهم غزت صفحات المواقع الاجتماعية مرفقة بأعلام منتخباتِهم. وخلالَ تواصلي مع البعض في الداخل واستعداداتهم لاستقبال المونديال في حلب، صرح أحد الأصدقاء بأن أول لاعب يسجل هدفا على منتخب إيران أو روسيا، سأسمي ابني على اسمه، كنوع من الانتِقام من وحشية إيران وروسيا تجاه الشعب السوري.

أما في مدينة الحسكة، فأحد المولعين بمنتخب البرازيل منذ عقود، لن يشجعها، بل ازداد إصراراً على خسارة البرازيل، لأنها صوتت في بداية الثورة السورية ضد قرار لصالح الشعب السوري، متوجهاً نحو تشجيع المانيا، حيث المانيا تستوعب العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، ولو كانت السويد مشاركة لكان علمها يزين صدر البيت. وفي القامشلي، اشترك شباب حارة لِشراء مولد كهربائي خاص للمونديال واستاجروا شاشة عرض في الهواء الطلق، خصوصاً بعد اعلان قناة ZDF المانية عن البث المجاني.

في حادِثة أخرى، أحد السوريين المقيمين في تركيا، الذي يحاول منذ عام وبشتى الطرق الوصول لأوروبا، حيث أقنعه المهرب بإن توقيت المباراة النهائية فرصة لتجاوز الحدود التركية اليونانية والدخول للقارة الأوروبية، رغم أنه ليس متابعاً للكرة إلا أنه مضطر لذلك. مونديال السوريين هو مباراة أحلامهم بِعيش أفضل، رغم كل ذاك ما زالَ السوري يهتف لمنتخبهِ الأفضل: الحرية.

الشعب السوري أو منتخب الحرية وجهاً لوجه متحــــدياً فرق العالم أكملها للظفــر بِأغلى كأس، وربمــــا يكون منتــــخب الحـــرية مشـــاركاً في مونديالات قادمة، بِعزيمة وتصميم الجيل الثوري، وعلم الثورة يرفرف في أجواء هذا العرس.

 

٭ كاتب سوري

 

آلان سليم

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
تناقض المشهد السوري ومآلاته المتعددة

لؤي صافي

الشرق الاوسط

11/6/2014

سوريا اليوم في حالة حرب مفتوحة على كل الاحتمالات، وهي تشكل بؤرة صراع تجتذب قوى طائفية تتهافت عليها من كل حدب وصوب أمام مرأى العالم ومسمعه، ودون وجود اهتمام واضح لإنهاء الصراع. الأمر الأكيد أن الشعب السوري الحر مصرٌّ على تحقيق أهداف ثورته في الحرية والكرامة والديمقراطية، وأن سوريا لن تعود مرة أخرى إلى النظام القديم، رغم عدم وضوح معالم النظام السياسي القادم أو المدى الزمني لامتداد الصراع العسكري.

الخيارات المتوفرة للمعارضة السورية محدودة؛ فالنظام مدعوم عسكريا وماليا دعما غير محدود من قبل إيران وروسيا. وهو يستعين بقرابة أربعين ألف مقاتل إيراني وعراقي ولبناني للحفاظ على سلطته. المعارضة في المقابل ليس لديها دعم خارجي كاف، وهي تعتمد على قدراتها الذاتية وما تغتنمه من ترسانة النظام.

لكن المعارضة لديها أوراق مهمة يمكن توظيفها إذا استطاعت أن تزيد من تلاحمها الداخلي وتعمل على مستوى أعلى من التنظيم والأداء. في مقدمة هذه الأوراق الصبر والمثابرة والثبات؛ فالنظام يفتقد كل مقومات الاستمرار كسلطة سياسية مستقلة، وهو اليوم مستمر بسبب الإرادة الإيرانية، وبالتالي يمثل وجوده هيمنة لدولة الولي الفقيه على سوريا، وهي الدولة التي تستثمر بشريا وماليا لإبقاء النظام في السلطة. لكن إيران ستكتشف قريبا أن رغبتها في الهيمنة والتوسع تتضاءل في حجمها أمام رغبة الشعب السوري في الحرية والاستقلال.

تعمل المعارضة السورية اليوم، في سياق صراع عنيف مع نظام الأسد وحليفه الاستراتيجي العراقي «داعش»، على تنظيم المناطق التي تسيطر عليها، وتعمل على إدارتها عبر الحكومة المؤقتة التي شكلتها قبل أشهر قليلة، كما تعمل على توفير حد أدنى من القدرة النارية لردع هجمات النظام الجوية والبرية بالطيران والأسلحة الثقيلية. ثمة جهود مستمرة في السعي إلى رفع أداء المعارضة التنظيمي.

الصراع السوري باصطفافاته وتداخلاته الراهنة يوظف من قبل قوى سياسية ملتزمة أولا وقبل كل شيء أمن إسرائيل وهيمنتها بغرض إنهاك منطقة المشرق العربي وإغراقها في حروب بينية لن تخرج منها إلا مدمرة مفلسة ما لم يبادر العقلاء إلى تغيير طبيعة الحراك. وبطبيعة الحال فإن الطمع الإيراني في توسيع دائرة نفوذ الدولة الشيعية الإيرانية، ورغبة روسيا في تحدي السياسات الغربية في الشرق الأوسط، يوفران الأجواء لإنجاح الخطة الماكرة، لكن الشعب السوري لن يرضى أن يكون بيدقا في لعبة النفوذ الإيرانية أو الروسية أو الغربية، وسيصر على الكفاح للوصول إلى حقه المشروع في العيش الكريم والخلاص من الطغيان والفساد.

نظام الأسد كاد ينهار في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وهذا ما دفع الروس إلى الضغط عليه للذهاب إلى جنيف. ولكن الدعم المالي والبشري والعسكري الذي قدمته إيران منذ ذلك الحين رجح كفة النظام وزاد الضغط على الثوار. كما أن دخول المنظمة المتطرفة المسماة «دولة العراق والشام الإسلامية» (داعش) في الصراع للتحكم في المناطق المحررة فتح جبهة جديدة أمام كتائب الثوار وأعطى النظام فرصة لالتقاط أنفاسه.

النظام لن يستطيع السيطرة مرة أخرى على البلاد، بل يمكن القول إن النظام لن يستطيع إعادة هيمنته على الدولة حتى ولو حقق انتصارات عسكرية كبيرة. سوريا اليوم منهكة بشريا واقتصاديا، وعمق العداء الذي ولده النظام لا يمكن رأبه إلا من خلال خطة لتحقيق العدالة والمصالحة، وهي خطة لا يمتلك نظام الأسد بطبيعته الاستبدادية مفاتيحها والقدرة على تنفيذها. المشاهد السياسية الممكنة (السيناريوهات) كثيرة ولا يمكن حصرها، لكني أوجز أهمها بالمشاهد الخمسة التالية:

المشهد الأول: يؤدي إنفاق إيران للحفاظ على النظام (بمعدل 500 مليون دولار شهريا) إلى تدهور الاقتصاد الإيراني بصورة متصاعدة، وربما يدفع استمراره لمدى أطول إيران إلى الضغط على الأسد لإجبار نظامه على الدخول في حل سياسي. إرهاصات هذا المشهد بدأت تتجلى في الدور الأساسي الذي لعبته إيران لتحقيق اتفاق حمص القديمة وتلعبه اليوم مجددا للوصول إلى هدنة بين النظام وحي الوعر في مدينة حمص.

المشهد الثاني: بدء تحركات شعبية داخل المناطق الخاضعة للنظام نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي، وإفضاؤها إلى ضغوط كبيرة تجبر النظام بالتعاون مع حلفائه على الوصول إلى تفاهم إقليمي لوضع حد للاقتتال الداخلي.

المشهد الثالث: انهيار المعارضة السياسية نتيجة لتزايد الخلافات السياسية داخلها، وزيادة قوة الكتائب المتشددة على الأرض، وخاصة داعش التي تملك قدرات تنظيمية وانضباطا تراتبيا لا تملكه المعارضة السورية، وتحول سوريا إلى منطقة صراع عسكري طويل بين النظام والقوى المتشددة، على شاكلة أفغانستان. هذا المشهد يعني تغييرا أكيدا في الخارطة السياسية يتجاوز سوريا إلى المشرق العربي.

المشهد الرابع: تمكن المعارضة السياسية والعسكرية من تنظيم صفوفها، ورأب الشرخ القائم بينها، وإعادة سيطرتها على المناطق المحررة، وإيجاد موارد محلية لاستمرار تقدمها في مواجهة النظام، انتهاء بفرض حل سياسي عليه أو إسقاطه.

المشهد الخامس: مبادرة المجتمع الدولي إلى الضغط على النظام، إما عبر تفاهم أميركي روسي، أو من خلال تحالف غربي جاد، لإجبار النظام على الدخول في حل سياسي ينهي الصراع.

المشهد السياسي السوري مفتوح على كل الاحتمالات، وربما يصعب التكهن في مآلاته، خاصة إذا أدى هذا المشهد إلى هزات اقتصادية وسياسية في دول الجوار.

ورغم تنوع المشهد وانفتاحه على احتمالات صعبة يمكننا القول بأن سوريا تولد اليوم من جديد من رحم المعاناة والجراح، وما يجري اليوم فيها سيكون له أثر عميق في منطقة المشرق العربي. نظام الأسد قد يتمكن، بسبب التلاحم الطائفي حوله، من الاستمرار لبعض الوقت، ولكنه سينهار لأنه حكم على نفسه بالسقوط لحظة قراره إعلان الحرب على شعبه.

* كاتب وناشط سياسي وحقوقي والناطق الرسمي باسم الائتلاف

الوطني السوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قضية مخطوفي دوما الأربعة ومواقف تشكيلات المعارضة السياسية

ياسين الحاج صالح

الحياة

الثلاثاء 10/6/2014

وقت اختطاف سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي، أصدر «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» بياناً فاتر اللهجة، قال فيه إنه يحمّل «الجهات التي أقدمت على هذا الفعل كامل المسؤولية عن سلامة المختطفين»، و «يدين عمليات الخطف بشكل عام»، ويؤكد «سعيه الحثيث بالتنسيق مع كتائب الجيش الحر لتوفير ما يلزم لإطلاق سراح المختطفين منهم».

انتهى الأمر عند هذا الحد، ولم يقل «الائتلاف» شيئاً إضافياً عن المخطوفين الذين تقترب ستة أشهر من الانقضاء على اختطافهم، ولم يسمِّ الجهات الخاطفة على رغم أنها باتت معلومة اليوم بقدر كاف من الموثوقية. كما لم يشعر «الائتلاف» كهيئة، ولا وجوهه المعروفون، بضرورة الاتصال بأحد من أهالي المخطوفين، إن من باب التعبير عن التضامن والمساندة، أو لإحاطتهم بنتائج «السعي الحثيث» لضمان إطلاق المخطوفين.

وفي اليوم ذاته، 10/12/2013، أصدر «اتحاد الديموقراطيين السوريين» المشارك في الائتلاف بياناً أقوى لهجة، قال فيه إنه يطالب «بإطلاق سراح الناشطين الأربعة فوراً وضمان سلامتهم، ويدين هذا العمل المنافي لقيم الثورة السورية ومبادئها». وشبّه «اتحاد الديموقراطيين» الجريمة بأفعال النظام، وقال إن مرتكبيها «يدّعون الثورة لفرض أيديولوجياتهم وأجنداتهم على الشعب السوري». وأضاف أن «حماية المواطنين السوريين، وأمنهم، تقع على عاتق من يبسط سيطرته على الأرض. وأن أي عمل عنفي ضد الناشطين الحقوقيين والإعلاميين، جريمة، يجب أن يحاكم كل من يقوم بها، وسيحاسبهم الشعب السوري عليها».

لكن «الاتحاد» بدوره لم يعد إلى القضية منذ ذلك اليوم، ولا هو اهتم بالاتصال مع أهالي المخطوفين لمشاركتهم المعلومات أو للتضامن.

أما «إعلان دمشق» فتأخر حتى 12/2/2013 كي يصدر بياناً ذكر فيه أن رزان وسميرة كانتا «في مرحلة من المراحل ناشطتين فيه». وبعدما دان اختطاف الناشطين الأربعة، مضى البيان إلى حد القول إنه «يحمّل جيش الإسلام المسؤولية الأخلاقية عن اختطافهم وعدم تأمين الحماية لهم، كونه الجهة النافذة في الغوطة الشرقية عموماً وفي دوما خصوصاً». ورأى البيان أن الخطف «يدلل إلى أن [هناك] من يحاولون العبث بالثورة السورية وحرفها عن أهدافها التي قامت من أجلها (...)، ومن أجل أن يعيش السوريون في ظل دولة مدنية ديموقراطية تعددية، و [أن هؤلاء] باتوا ظاهرة، تضر بالثورة وتخدم (...) النظام الذي تدّعي مواجهته»، وقدّر البيان أن «الشعب السوري وقواه الديموقراطية [لن يسمحوا لهؤلاء] بأن يفرضوا أجنداتهم الخاصة أو استبداداً من نوع جديد». لكنْ هنا أيضاً يبدو أن جماعة «الإعلان» شعروا بأنهم قاموا بالواجب فلم يعودوا إلى الأمر، ولا يبدو أنهم اهتموا بمحاولة التواصل مع أهالي المخطوفين، ولو أهالي من كانتا ناشطتين فيه «في مرحلة من المراحل».

أما «الإخوان المسلمون» فلم يقولوا كتنظيم كلمة واحدة عن الجريمة، ويبدو أنهم لم يجدوا ما يدعوهم إلى إدانة خاصة لها ولمرتكبيها، ولا إلى مواساة أهالي المخطوفين والتعبير عن التعاطف معهم.

وما عدا الشيخ عصام العطار، لم يشعر أي من المشايخ الإسلاميين بضرورة المطالبة بالإفراج عن المخطوفين الأربعة العزّل، أو محاولة الاتصال بذويهم والاطمئنان عليهم.

وما لم يفعله الإخوان والمشايخ، لم يفعله أيضاً أي من السلفيين والدعويين أو الحركيين أو العسكريين. الشيء الوحيد الذي استطاع قوله عضو معروف في مجلس الشورى الذي يسيطر عليه سلفيون في دوما هو: نريد دليلاً على أن أحداً من طرفنا اختطفهم! ترى، أليست وظيفة من يشغلون موقع السلطات العامة في أي مكان من العالم هي التحقيق في الجرائم وتوفير الأدلة الكافية في شأنها؟

ولم يصدر من أي مرجع إسلامي سوري أو عربي بيان أو تصريح يدعو إلى كشف الحقيقة في خصوص هؤلاء المخطوفين الأربعة أو غيرهم.

في المقابل، سُمعت أصوات موتورة، صوتان أو ثلاثة، تشكك في المخطوفين أو تبرر الجريمة وتوفر ذرائع لمرتكبيها.

لدينا قضية اختطاف لأربعة مدنيين عزّل، امرأتين ورجلين، وهم مشتغلون معروفون في الشأن العام منذ سنوات قبل الثورة، وسبق لاثنين منهم، سميرة ووائل، أن كانا قيد الاعتقال عند النظام، والأربعة مغيّبون من دون معلومات عنهم منذ خطفهم. ومع ذلك لم تجد جهات عامة، سياسية ودينية وسياسية دينية، أن من واجبها متابعة الأمر أو محاولة مساعدة عوائل المخطوفين أو تطمينهم.

يقول هذا الواقع الكثير عن هذه الجهات، أقلّه بلادة الإحساس وضعف الشعور بالمسؤولية، وغير قليل منه مجاملة المجرمين والتهيّب منهم، وبعضه مشاركة في الجريمة وتستّر عليها. فإذا كان الخاطفون يحاولون فرض أجنداتهم على الثورة، كما يقول «إعلان دمشق» و«اتحاد الديموقراطيين»، فإن الجهتين لم تظهرا اهتماماً يذكر بالدفاع عمن تتجسد فيهم أكثر من غيرهم أجندة الثورة، ومن كان اختطافهم أكبر ضربة مفردة تلقتها قيم الثورة الأصلية منذ بدايتها.

وأكثر من الطرفين، يُساءل «الائتلاف» الذي يحوز قدرات أكبر، ويعرف وجهاؤه جيداً من اختطف الأربعة، ولا يبدو أنهم قاموا بأي جهد أو «سعي حثيث» للضغط على المجرم من أجل الإفراج عن المخطوفين، أو الحصول على معلومات عنهم، أو في أضعف الإيمان الوقوف إلى جانب أسرهم.

في جذر هذا المسلك المخجل على الأرجح حقيقة أن عيون الجماعة مشدودة إلى فوق، إلى دوائر السلطة والنفوذ الإقليمية والدولية، وليس إلى التحت الاجتماعي السوري. ليس إلى الثورة والثائرين، بل إلى أمثال أوباما وأردوغان وهولاند...، وإلى ملوك دول وأمراء دول ومن شابه. يشعرون بالمسؤولية أمام الأقوياء لا أمام الضعفاء وعنهم. ولعلهم لذلك يظنون أن استرضاء الخاطفين المسلحين ومجاملة أسيادهم الإقليميين أولى بهم من الدفاع عن المخطوفين العزّل.

لكن بهذا الانشغال المستمر بالسياسات العليا وأهلها، يشكل الجماعة استمراراً للنظام الأسدي الذي لطالما وضع عموم السوريين بين قوسين، وحاول جعل نفسه حاجة ضرورية للكبار في الساحة الدولية. من ينافسه في هذا المجال يخسر، والفوز في النهاية لمن يؤسس القطع معه على القطع مع نظام قيمه، هذا القائم جوهرياً على احترام الأقوياء واحتقار الضعفاء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خسائر الشعب السوري

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 10/6/2014

أعلنت منابر إعلامية في الواحد والثلاثين من مايو المنصرم أن الخسارة التي حلَّت بسوريا على مدى ثلاث سنين، بلغت 144 ملياراً من الدولارات، وربما أكثر من ذلك بكثير، وهذا ما سيتضح بعد زمن ربما لن يكون قليلاً ومريحاً أبداً.

نعم، هذه الكوْمة من الأموال خسرها الشعب السوري! ومع استيعاب هذا الخبر المذهل والتأكد من صحته، يجد المرء نفسه أمام كارثة مالية تحل بشعب يكاد أن يكون قد تحول بسببها إلى متسوِّل. كيف ذلك، وإلى أين المآل؟ وما النتائج؟ من هذه النتائج أن الليرة السورية فقدت 80%، من قيمتها، ولكن الأمر لم يتوقف هنا، بل إن عملية التدمير والتفكيك لسوريا لا تزال قائمة على قدم وساق، طالما أن خط أو خطوط السلاح مفتوحة سالكة إلى سوريا، وهذا يعني أن هناك تسونامات وكوارث أخرى جدية تنتظر أدوارها.

بيد أن هنالك ملاحظة مأساوية خطيرة تتمثل في أن ما فقدته سوريا لا يتوقف عنده الحجر والمال، بل هنالك ما يتمثل بأطفالها ونسائها وشبابها، أي ما يتمثل بطاقاتها وقدراتها التاريخية، التي لا يمكن تعويضها إلا بعقود وعقود من السنين، وضمن ظروف وشروط مناسبة من الجغرافية السورية. وعلى الباحث أن يأخذ بعين الاعتبار ما صار ندوباً في المجتمع السوري مجسدة بالفئات العمرية الثلاث من الأطفال، تلك الممتدة من السنة الخامسة إلى السنة التاسعة أو العاشرة، والثانية الممتدة من العاشرة إلى الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، وأخيراً الممتدة من هذه الأخيرة إلى السابعة أو الثانية عشرة. تلك فئات جيلية ثلاث تتحدد مصائرها لتحدد بالتالي مصائر المجتمع السوري ومستقبله معرفياً وثقافياً واقتصادياً وسياسياً وأيديولوجياً وطنياً وقومياً وإنسانياً قيمياً إلخ.. وإذا استمرت الأوضاع في سوريا على ما هي عليه، مع احتمال أن تتعاظم دماراً وحُطاماً، فإن نمطاً أو أنماطاً أخرى من الكوارث والزلازل قميئة بمحق ما يتبقى من سوريا.

والآن وبعد تلك الإشارات المتصلة بما خسره السوريون على امتداد ثلاث سنين ونصف السنة عبر تدمير بلدهم بأخطر أنواع السلاح المحرم دولياً، علينا أن نتصور كيف يعيش هؤلاء على صعيد العيش اليومي! لقد تحولت المدارس والحدائق والساحات وما تبقى من البيوت المدمرة، إضافة إلى البيوت التي غادرها أصحابها وتركوها عرضة لكل وسائل النهب والسرقة، خصوصاً لما خفَّ وغلى، مما أوجد صيغة من صيغ الأسواق في بعض المدن السورية، تمثل طرطوس، تعرض فيها المسروقات والمنهوبات من بيوت المواطنين في حمص ودمشق واللاذقية ... إلخ.

ولنتصور أن النازحين السورين في لبنان وغيره، لم يعودوا يحصلون على مساعدات غذائية خصوصاً في حالة أولى، وأن موظفي الأمم المتحدة لا يسمح لهم بالوصول إلى أولئك ثانياً، فكيف يكون الحال؟ لقد توقفت المساعدات للنازحين السوريين إلى لبنان منذ شهر ونيف، كانت النتيجة أن أعداداً ضخمة من هؤلاء رجعوا إلى سوريا (غالباً مع غياب بيوتهم الأصلية بتدميرها بسبب أو حرقها أو احتلالها)، وأحدثوا مصاعب ومصائب ارتدت عليهم وعلى منْ استضافهم من السوريين، عدا الحل الأخير الذي لجأوا إليه، وهو المكوث في مدارس وحدائق وبيوت تضج بأعداد اللاجئين إليها.

إنها مأساة مشاركتي بعض زملائي السوريين والعرب والألمان القول بأنها فريدة في وحشيتها وخستها واكتنازها بكل عواطف الحقد والانحطاط والنزوع الطائفي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية وأمراء الحرب

حسين العودات

البيان

الاثنين 9/6/2014   

 طالبت الانتفاضة السورية في أيامها الأولى، بالحرية والكرامة ومحاربة الفساد والاستبداد وطغيان أجهزة الأمن، وكانت الجماهير السورية، رغم عفوية انتفاضتها، تعرف بالضبط ماذا تريد أهدافاً وأسلوباً، ولذلك أطلقت شعارات أهمها وحدة الشعب السوري والحرية والكرامة، وأصرت على اتباع الأسلوب السلمي في نضالها لتحقيق أهدافها، وكان شعار «سلمية.. سلمية» هو الطاغي على المظاهرات في مختلف المحافظات السورية.

كانت القضية إذاً، صراعاً سياسياً سلمياً بين جماهير شعبية ونظام سياسي. ولسوء الحظ رفض النظام في مطلع الانتفاضة أي حوار وطني جامع، بل زاد الأمر تعقيداً بأن اتهم المنتفضين بالعمالة للخارج وقبض الأموال واستقدام السلاح والتطرف، فضلاً عن تهم عديدة غيرها، واعتبر أن الانتفاضة برمتها من عمل قوى خارجية، وبرر بذلك رفض الحوار واستخدم العنف. ورغم ذلك استمرت الانتفاضة سلمية..

وحافظت على شعاراتها نفسها، إلا أنها بسبب زيادة استخدام العنف، أضافت شعاراً جديداً هو المطالبة بإسقاط النظام، وتحولت الأزمة، من جراء صلف السلطة وقصر نظرها، من احتجاج جماهيري ومطالب جماهيرية، إلى صراع مسلح بين السلطة والشعب، وابتعدت إمكانية الحوار للوصول إلى حل سلمي وطني متوازن، وفتح استخدام السلاح ..

وإدخال الجيش في اللعبة السياسية أبواب جهنم، وظهرت ظروف جديدة زادت الأمور تعقيداً، وسهّلت التدخل الخارجي في الشؤون السورية، سواء بتقديم المساعدات أم بإرسال السلاح، أم أخيراً بفتح الباب للمسلحين من كل حدب وصوب، للمجيء إلى سوريا والاشتراك في الصراع الذي يجري فيها. ثم انشق ضباط وجنود من الجيش السوري، والتحق قسم من المنشقين بقوى المعارضة التي تسلّحت وتحالف بعضها مع المسلحين القادمين من الخارج، ثم عمدت السلطة إلى استقدام مسلحين وميليشيات لبنانية وعراقية لمساعدتها.

وشيئاً فشيئاً تم تهميش الجماهير غير المسلحة والمتظاهرين والمعارضة السياسية الداخلية والخارجية، وزاد دور الدول الخارجية وتدخلاتها، إلى أن أصبحت الأزمة وتطورها وتعقيدها أو إنهاؤها أو إطالتها في يد قوى غير سورية، أي أصبحت صراعاً بين قوى يرأسها أمراء حرب يقودون ميليشيات ممن استقدمهم النظام أو من المعارضة المسلحة، أو حتى من الجيش الذي تحول بدوره إلى ميليشيات بإمرة أمراء حرب عسكريين.

وهكذا صار الصراع بين أمراء الحرب الموالين والمعارضين، دون استراتيجية سياسية لأي منهم، ودون تفكير جدي في إيجاد حل للأزمة، ودون اهتمام بالشعب السوري ولا بمصالحه ومأساته. وهكذا لم تعد أهداف الصراع واضحة، ولا أطراف الأزمة معروفة. ولأن معظم أمراء الحرب، من جهة أخرى، يأتمرون بأوامر خارجية، فإن الخارج أصبح هو المسؤول عن الحل والقادر عليه، وما على السوريين نظاماً ومعارضة، إلا التفرج على ما يجري، وانتظار ما يقرره الآخرون لإنهاء مأساتهم.

من الطبيعي أن القوى الخارجية التي تقدم مساعداتها السياسية والمالية والعسكرية والتسليحية للطرفين المتصارعين وأمراء حربهم، هي القادرة على حل الأزمة ووضع سوريا على طريق الخلاص. ولأن توازن القوى السياسي والعسكري لا يسمح لطرف بحسم الموقف لمصلحته، فإن الجميع في حالة انتظار وتحارب، بينما يدفع الشعب السوري الثمن غالياً.

الأطراف الخارجية جميعها، تحولت هي وأمراء حربها إلى مرجئة، إذ ينتظر الجميع ما لا نعرفه ولا يعرفونه، ويتمنى أمراء الحرب إطالة الانتظار، لأن ذلك يقدم فرصة لهم ليحققوا مزيداً من الربح بطرائق غير مشروعة. أما الدول ذات العلاقة، فباعتبارها لا تستطيع حسم الموقف لمصلحتها، تترك العطالة تؤدي لعبتها ريثما يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض، وريثما يتم ذلك فعلى الشعب السوري الاستمرار في دفع ثمن الحرب التي تجري على أرضه.

لقد تسربت في الفترة الأخيرة أخبار عن وجود مشاريع عدة لحل المعضلة السورية، يجري التباحث حولها سراً وبمعزل عن الإعلام وتحت الطاولة، إلا أن الملاحظ مما تسرب أن المشاريع جميعها غير جديرة بحل الأزمة، بل هي في الواقع قاصرة ومبتسرة وتصالحية، لأن أي حل للمأساة السورية لا يحقق إعادة نظر شاملة في بنية الدولة وهيكليتها ونظامها السياسي والأمني والعسكري، وتحديد المسؤوليات تجاه ما حصل خلال السنوات الثلاث الأخيرة، سيكون حلاً هشاً وغير جدي.

إن سوريا بحاجة إلى وضع أسس راسخة لدولة حديثة مدنية ديمقراطية تعددية تداولية، تستطيع إعادة الإعمار وتحقيق التنمية ورفع مستوى حياة الشعب السوري، ولا أعتقد أن هذا الهدف هو في حسبان أحد ممن في يدهم الحل، ولا هو طبعاً في حسبان أمراء الحرب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"حروب الآخرين" في سوريا؟

علي بردى

النهار

الاثنين 9/6/2014

ما أعظمه كان غسان تويني إذ استخلص باكراً أن لبنان عانى أشد المحن من كثرة "حروب الآخرين" على أرضه. حفرت هذه العبارة في القاموس السياسي العربي. ها هو نظام البعث في سوريا - ويا لسخرية الأقدار - يكاد "يسرقها".

مضى غسان تويني قبل سنتين الى الغياب تاركاً ودائع ثمينة. دفع من روحه أثمان أن تكون للعرب مكانة بين الأمم. حوّل "النهار" منبراً للأحرار. انحنى له الجميع على رغم أن الطغاة ناصبوه العداء. كيف يمكن نظاماً بطّاشاً كالذي في سوريا أن يتصالح مع قيم الحرية والديموقراطية والتعدد والتداول؟ هل يستوي التطلع الى غد مشرق من دون تعميم أنوار التعليم وما ينتجه من معرفة؟

أجريت الإنتخابات الرئاسية وكأن شيئاً لم يكن. أعيد انتخاب الرئيس بشار الأسد من غير أن يعود أي من اللاجئين المليونين ونصف المليون أو أي من النازحين الستة ملايين ونصف المليون الى هذا البلد المنكوب. يواجه نحو ٢٥٠ ألف شخص حصاراً خانقاً يهدد حياتهم جوعاً وعطشاً ومرضاً. ولكن صار ما صار وكأن الأفراح في ديارهم عامرة. تحدثت النتائج التي أصدرتها السلطات في دمشق عن نسب مشاركة ونجاح تفوق الخيال في كل أنحاء البلاد، ترافقت مع انتصارات ميدانية هنا وهناك. أليس هناك ما يستوجب العجب؟ لا يحتاج الأمر الى أكثر من حساب بسيط.

نعم، يمكن الإقرار بأن الإخفاق في اطاحة الأسد، بالإنتفاضة الشعبية أولاً وبالقوة العسكرية ثانياً وبفعل انتهاء ولايته الدستورية ثالثاً، يمكن أن تكون "انتصاراً" له وللحلف الذي ينتمي اليه. في أي حال، يتصرف قادة "حزب الله" وزعماء ايران وروسيا على هذا الأساس. لم يأت من عبث طلب وزير الخارجية الأميركي جون كيري من هؤلاء أن يساهموا في تسوية سياسية للأزمة السورية. فليغرق من يغرق في هذه الموحلة المقتلة.

من حظ لبنان أنه لم يترنح بعد تحت وطأة جيرته الثقيلة. تتهدده ثلاثة أخطار كبيرة يمكن أن تجعله "دولة فاشلة": استمرار تدفق اللاجئين السوريين، مواصلة "حزب الله" القتال هناك، واطالة أمد الفراغ الرئاسي. بينما يأخذ النزاع الضاري في سوريا أوصافاً عدة. تلك التي كانت ثورة حقيقية من أناس عاديين يصبون الى التنفس بحرية لم تعد كذلك. تحوّلت سوريا ساحة كتلك التي أرادها نظام الأسد للبنان طويلاً. أنظروا، لم يبق ساع الى السلاح والحرب والجهاد والإرهاب والنهب والإستشهاد والإنتحار إلا وأتى الى ساحة الموت هذه. يكاد البعض يسميها "حرب الآخرين" في سوريا، التي تبدو فيها المأساة الإنسانية طويلة.

قلة هم المتبصرون في لبنان، قلة هم الذين يرفعون القيم الإنسانية كالتي نادى بها غسان تويني.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ديمقراطيو سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 8/6/2014

لعله من الصعب أن يقدم شخص سيرة عن ديمقراطيي سوريا في سياق الحركة الوطنية في سوريا، خاصة إذا كان ذلك في سياق مقالة تنشر في صحيفة يومية تخصص حيزا لموضوعاتها لتعالج حدثا أو ظاهرة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، أو تخلط بينها جميعا، لتصل إلى نتائج تكثف علاقة الظواهر، وتقدم رأيا فيها.

ولأن الأمر صعب على هذا النحو، فقد يكون مهما التوقف عند بعض محطات كان فيها ديمقراطيو سوريا قوة رافعة ومساهمة في النضال الوطني في فترة أحكم فيها نظام الأسد الأب ثم الابن القبضة على سوريا وحركتها السياسية والاجتماعية والثقافية. ولعل أبرز تلك المحطات كان في أواخر السبعينات، يوم أمسك الأسد الأب بمقاليد السلطة وأدواتها، وانخرط في خوض صراع دموي مع التشكيلات المسلحة الإسلامية خاصة، والحركة السياسية والشعبية في البلاد، بعد أن زج بكثير من قيادات العمل الوطني السوري في السجون والمعتقلات، ودفع كثيرا منهم إلى التخفي أو مغادرة البلاد للمنفى.

في تلك الأيام خرجت مجموعة من الديمقراطيين لقول كلمات حق ورأي في عالم الصمت هذا، ولعلها حادثة لا يمكن أن تنسى في خلال الاجتماع التاريخي الذي حصل على مدرج جامعة دمشق في عام 1979، حيث تكلم ديمقراطيون في مواجهة قيادة البعث والجبهة الوطنية التقدمية، فكشفوا عن طبيعة السلطة الاستبدادية الاستئثارية وعوراتها، وقيموا بصورة سلبية سياساتها وممارساتها في المجالات والمستويات السياسية كافة، وصولا إلى إدانة استخدامها الإكراه والعنف في مواجهة الشعب وفي معالجتها للمشكلات القائمة في الحياة السورية.

وفي سياق آخر من تطورات الوضع السوري، برز ديمقراطيون وسط السوريين الذين دخلوا الحراك الثقافي وانتقاله إلى المجال الاجتماعي والسياسي بعد وفاة الأسد الأب وتسلم الابن زمام السلطة، مطلقين ما سمي حينها «ربيع دمشق»، فأسسوا المنتديات الثقافية في دمشق ومدن سورية أخرى، وانخرطوا في نشاط إعلامي بالحديث والكتابة في الداخل والخارج بصورة لم تشهدها سوريا طوال عقود مضت، ثم انتقلوا إلى إطلاق وثائق ستظل مهمة وحاضرة، ليس في تاريخ الحركة الوطنية، وإنما في تاريخ سوريا، والإشارة هنا إلى «بيان 99» و«وثيقة الألف»، وقد رسما ملامح الطريق السوري إلى المستقبل، مبينين الأهداف والوسائل والأدوات.

وعزز ديمقراطيو سوريا مسارهم في ربيع دمشق من المنتديات والقول إلى ساحة التنظيم، فأسس فريق منهم «لجان إحياء المجتمع المدني» التي لعبت دورا مركزيا في تطورات سياسية وثقافية واجتماعية مهمة، أعادت ترتيب الحركة السياسية السورية، كان بين تجلياتها استعادة السوريين الأكراد والآشوريين إلى ساحة العمل الوطني المشترك، وكسر الحظر الرسمي عن الجماعات الإسلامية، وبناء «إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي» وهو التحالف الأهم في تاريخ الحركة السياسية السورية، وفي إطلاق بيان «دمشق - بيروت. بيروت - دمشق» الذي تصدى لأول مرة من خلاله معارضون سوريون بكل قوة ووضوح لعلاقة ملتبسة بين سوريا ولبنان، شعبا وحكومة، وقول ما يرونه مختلفا عن سياسة النظام في بلد احتله بالقوة، وجعله فضاء خلفيا لسياسات الصراع والتحالف والسيطرة مع المحيط، ومتنفسا لمشكلاته وأزماته السياسية والاقتصادية.

ولئن اتبع الديمقراطيون تلك المسارات في الحال السورية قبل الثورة، فقد بدا من الطبيعي، مع انطلاق ثورة السوريين، أن ينخرطوا فيها مشاركين في فعالياتها وداعمين ومفكرين وإعلاميين، وهي أنشطة يعرفها مباشرة كثير من السوريين وخاصة في دمشق وريفها الذي كان وما زال بين أبرز معاقل الثورة السورية.

وكما هو مفترض، فقد ذهب فريق من الديمقراطيين بعد انطلاق الثورة للمساهمة في تجديد وإعادة بناء الجماعات والتحالفات السياسية للمعارضة داخل البلاد وخارجها على نحو ما حدث في المساعي لإطلاق «هيئة التنسيق الوطنية» بدمشق و«التحالف الوطني» في الدوحة، و«المنبر الديمقراطي» بالقاهرة و«اتحاد الديمقراطيين السوريين» في إسطنبول، وغيرها، ثم صبوا جهدهم وطاقتهم في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة من أجل إنهاضه وتقويته ليكون المظلة السياسية للشعب السوري وثورته، فخلفوا فيه أثرا على أكثر من صعيد، لا يمكن إنكاره من أي طرف كان، وخاصة على صعيد أربع من المحطات المهمة، أولها نشاط سياسي - دبلوماسي مكثف في المستويين الإقليمي والدولي، وثانيهما التعامل مع المبادرات الدولية وخاصة مؤتمر جنيف2، والثالث ضم السوريين الأكراد إلى الائتلاف الوطني، والرابع تشكيل الحكومة السورية المؤقتة لتكون الذراع التنفيذية للائتلاف في متابعة شؤون السوريين في المهجر وفي المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

غير أن أي نتائج إيجابية لجهود الديمقراطيين في العمل الوطني، لم تكن لتتحقق لولا انضمام آخرين من تنظيمات وشخصيات أخرى إلى العمل العام وتوفير سبل إنجاحه، ومن هنا فإن الأهمية الكبرى تكمن في حضور ودور تنظيمات وشخصيات دعموا وساعدوا في تحقيق تلك النتائج.

والملاحظة الأخرى تكمن في تأكيد أن المسار السياسي والعملي الذي تابعه الديمقراطيون لم يمض بصورة مستقيمة باستمرار، ولم يكن محصورا بالإنجازات، ولا كان دون تكاليف وأعباء، فقد دفعوا في الأمر الأخير فواتير باهظة، وهذا أمر طبيعي في مواجهة نظام الأسد، وهم فشلوا في بعض المبادرات والخطوات، وكثير من إنجازاتهم لم تكن ترضي الطموح العام أو كانت في الحد الأدنى منه، ولم تكن تتناغم مع الأهداف المعلنة، وكل ما سبق هو ملامح للجهد الإنساني حيثما بذل، فالإنسان كما المجموعة منه، طاقة محدودة القدرة والفاعلية.

لم يكن ديمقراطيو سوريا أشخاصا من طينة آيديولوجية أو سياسية واحدة، ولا كانوا في خندق العداء مع أحد منها، بل كانوا فريقا متعدد الانتماءات والاتجاهات، أقرب إلى الاعتدال والتوافق والمبادرة في القول والعمل، وتتوفر عندهم إرادة للعمل وحماس للانخراط فيه، ولديهم طريقة مفتوحة في التفكير وفي العمل وفي معالجة المشكلات، وقدرة على تفهم الآخرين، والاستعداد للعمل معهم وفق ظروف الحاجة والممكن، وقدر كبير من محبة بلدهم وأهلهم، وحرص على الذهاب إلى مستقبل أفضل.

ديمقراطيو سوريا على أعتاب مرحلة جديدة من عمر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، واستذكار جهودهم في العمل الوطني، رسالة إليهم خاصة وإلى الائتلاف بكل ما فيه من اتجاهات وكتل وأشخاص ولكل المعارضة السورية، لعل الرسالة تساعد في تجاوز التحديات الصعبة للقضية السورية في مواجهة نظام القتل والتدمير والتهجير، وفي مواجهة ضعف الموقف الإقليمي والدولي، ومن أجل تحقيق أهداف الثورة وذهاب سوريا إلى السلام والديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة بعد كل ما أصابها طوال أكثر من ثلاث سنوات مضت. فهل ستنفع الرسالة؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

غياب حُسن الجوار!

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاحد 8/6/2014

إنها حقاً وصدقاً مفارقة فظيعة ومؤسفة أن يسمع المرء من الإعلام الغربي أن النازحين السوريين إلى لبنان بلغ عددهم مليوناً ونصف المليون، لكن الغريب أن هذا الرقم سيكبر في تقدير القارئ جداً بعد أن يضعه في علاقة نسبية مع عدد سكان لبنان الكلي أو الإجمالي، إنه أربعة ملايين نسمة. لا شك أننا - والحال كذلك - أمام صيغة من المقارنة في الدراسات الديموغرافية قد تكون نادرة في تاريخ الحروب والصراعات من نمط الحروب الأهلية.

وبناء على واقع الحال هذا، فقد راحت تصريحات من الشخصيات الرسمية وأخرى ضمن المرجعية السكانية المالية والاقتصادية والسياسية، إضافة إلى الثقافية، تطلق صفارات إنذاراتها من استفحال المسألة على نحو يمكن أن يسيء إلى الجوار بين بلدين شقيقين، لبنان وسوريا.

وكما تحصل حالات من غياب حُسن الجوار بين الأصدقاء والزملاء، فالأمر هو كذلك قابل لتطوره إلى درجة التوتر والعنف، وحيث يصبح الأمر بهذا المستوى من البشاعة، فإننا نكون قد أضفنا بلاء جديداً نضيفه إلى البلاءات القائمة بين أقطار عربية أو أخرى، ومن ثم يكون إبليس أو تكون الأبالسة قد قدمت أمثلة بشعة شائنة لما ينبغي أن يحدث من علاقات بين الجوار.

في هذه الحال، إن شئنا أن نوسع المسألة أكثر، نجد أنفسنا أمام سؤال كان علينا أن نطرحه على أنفسنا، لماذا الحرب الإجرامية البغيضة بين مجموعتين تنتميان كلتاهما لسوريا؟ لماذا لم تبقيا كلتاهما في حدود تظاهرات سلمية حقاً؟ لماذا تحولت المظاهرات السلمية بعد ستة أشهر إلى قتال بالسلاح الناري؟! من الذي لم يحتمل السلام، فبدّله بحرب مشينة مأساوية؟ أين هو إبليس، الذي دخل بين الفريقين؟

وكي يكون هذا التساؤل أو ذاك ذا مصداقية، كان على أهل الحكمة والعقل أن ينتزعوا الرهان ممن لا يؤتمن على أهله، لقد جاء الناس أهل البلد من كل حدب وصوب، كي يكتشفوا موطئ قدم يقرّب بين هؤلاء جميعاً، ألم يكْف العالم أو الوطن العربي ما مرّ عليه من أحداث جسام على أيدي دول استعمارية، حيث لم تترك هذه وسيلة إلا ووظفتها في خدمة مصالحها؟ ألم يعش العالم العربي أو بعضه آلاماً ومآسي سبّبها لهم أرباب تلك الدول؟

لن نفصل كثيراً، بل نكتفي بالمسيرة التي انطلقت فينا من فلسطين وسوريا إلى مرحلتنا هذه المفعمة بالآلام والمواجع والمخاطر، المخاطر من الطراز الذي قد يُطيح بكل شيء!

والآن وبعد أن انفرزت السكاكين في الكل أو يكاد، ماذا بعد؟! علنا أمام إجابة لا سبيل إلى تجاوزها، إذا أريد لواقع الحال أن يأخذ مساره العادل.

فالعدل حيث وُجد، قاد الجميع إلى التوافق والتوازن والرضا. والعدل حيث ينطلق بين الأطراف المتعددة، يتحول إلى موقف عملي يُثري الجميع هكذا وهكذا. أما المسار العادل، فنعني به هنا التأسيس لمحكمة أو محاكم عادلة «تعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»، وليكون العالم كله شاهداً عدلاً على ذلك، ولكن قبل العالم كله، ليكنْ الوطن الأم هو من يمنح هذه الشهادة!

إن لبنان وسوريا ومعهما العالم العربي «من الميّة إلى الميّة» الشاهد والمشهود عليه، وعلى هذا النحو، على الجميع أن يقترب من الجميع من حيث هم مطالبون بالحرية وبالعدل وبالكرامة، بعيداً عن الطائفية والتقسيمية والثأرية، وقريباً من العيش المشترك المؤسس على تلك الحرية وأخواتها، أما المراهن على ذلك، فهو سوريا بكل حيثياتها التي ترى في الإنسان ذاك الحر والعادل وصاحب الكرامة، أي أثمن رأسمال في العالم.

على أساس تلك النواظم، وفي سياق تحققها في دولة مدنية وتقوم على ديموقراطية هي سيدة للجميع ولمصالح الجميع، نقول: لِمَ لا ننجز ذلك، ولعلنا غير قادرين عليه، طالما ظل الآخرون هم مَن يُمسك بالقرار ومَنْ يُطبل الخواتم ويقصرها.

إن حرباً باردة تعود لتضع الجميع تحت قبضة من يُحول سوريا إلى «لعبة الأمم»، ولنكن - في سبيل ذلك - قادرين على أن نلعب على كل مَن وضع بأذهاننا وهم الانزياح باتجاه هذا أو ذاك من القطبين العالميين، كي ننتصر بانتصار واحد من هذين المذكورين، لعل في هذا الخيار التاريخي عناصر تسمح باللعب على هذين كليهما، ربما يكون هذا الخيار طريقاً إلى نوع من التوافق المركّب والمتحرك والقابل لولادة من جديد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ليس بالعلف والأمن وحدهما يحيا الإنسان!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 7/6/2014

يقسّم عالم النفس الشهير ابراهام ماسلو، حسب هرمه أو مثلثه الشهير بـ»مثلث ماسلو»، يقسّم احتياجات الإنسان إلى خمسة احتياجات أساسية على شكل تسلسل هرمي، ابتداء من قاعدة الهرم وانتهاء برأسه، أو قمته. ويقبع في أسفل الهرم احتياجات الإنسان الفيزيولوجية، ثم تليها الاحتياجات الأمنية، فالاجتماعية، فاحترام أو تقدير الذات، ثم في أعلى الهرم، يأتي تحقيق الذات. وهذا يعني أنه كلما تدنت الاحتياجات في موقعها من الهرم، تصبح، على أهميتها الحيوية، أقرب إلى الحاجات الحيوانية. ومن المعروف أن الحيوانات تحتاج فقط إرضاء متطلباتها الفيزيولوجية فقط.

ولو نظرنا إلى تاريخ الإنسان العربي على مدى نصف قرن أو أكثر من الزمان، أي منذ الاستقلال وتسلم ما يسمى بالأنظمة الوطنية مقاليد الحكم في البلاد، لوجدنا أنها حصرت اهتمامات الشعوب ضمن أسفل «مثلث ماسلو». بعبارة أخرى، فلم تهتم إلا بتأمين الحاجات الفيزيولوجية بالدرجة الأولى، ومن ثم الحاجات إلى الأمن والاستقرار. وبما أن كل الأنظمة العربية أنظمة أمنية مخابراتية بامتياز، فقد أهملت الاحتياجات الإنسانية العليا التي يتضمنها «مثلث ماسلو»، وركزت على الجانب الفيزيولوجي نسبياً، وكثفت اهتمامها بالجانب الأمني، لتصبح الحياة بالنسبة لملايين العرب مجرد أمن واستقرار، ولتذهب الحاجات الإنسانية الأسمى كاحترام الذات وتحقيقها أمراً ثانوياً بالنسبة لدولة المخابرات العربية.

لقد زرعت الأنظمة الأمنية الفاشية في عقول الشعوب وأذهانها وحتى في أعماقها فكرة أن الأمن الدائم هو أهم شيء في حياة الإنسان، ولتذهب بقية الحاجات إلى الجحيم، مع العلم أن «الأمن الدائم» شعار يصلح فقط لأبواب المقابر، فالسكون الدائم لا يحدث إلا في أماكن سكن الموتى. ومن المحزن أن الدولة الأمنية نجحت نجاحاً باهراً في إقناع الشعوب بأن الشعور بالأمان هو أهم هدف في الحياة، وما عداه لا قيمة له أبداً. لهذا نجد أن مجتمعاتنا تحولت إلى مستنقعات آسنة لا تتحرك فيها المياه أبداً، ففسدت وتعفنت. عجباً لأمة يقول دستورها القرآن الكريم: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض»، عجباً لماذا ضحكت عليها الدولة الأمنية وحولتها إلى بلاد أشبه بالمقابر من حيث سكونها وخنوعها وتلذذها بالصمت والاستقرار المزعومين.

لقد أصبح الانسان العربي وبعد عقود من الترهيب والتخويف والتدجين، أصبح مهووساً بالأمن، إلى حد أنه مستعد للتخلي عن باقي احتياجاته الانسانية الأخرى والعيش على الكفاف مقابل أن يعيش بأمان. لا عجب أن تسمع الكثيرين بعد أحداث الربيع العربي التي هزت الاستقرار المفروض بالحديد والنار الذي كان يتمتع به الإنسان العربي، لا عجب أن تسمعهم يحنون إلى أيام الطغيان الخوالي، حيث كانت الناس تأكل وتشرب وتعيش بأمان، وكأن الحياة مجرد استهلاك حيواني للطعام والشراب بصمت وطمأنينة وراحة بال. وطبعاً طالما ظل الإنسان العربي يعتبر الأمن أهم من كل شيء في حياته، سيظل عبداً لمن يوفرون له الأمن، ويجردونه من باقي حرياته وحقوقه.

لا يمكن للإنسان أن يتطور دون المجازفة والمغامرة. ويقول وليام شَد: « السفن آمنة جداً وهي في المرفأ، لكن السفن لم تـُصنع كي تبقى في المرفأ». وكذلك الإنسان لم يُخلق كي يكون عبداً للأمن والأمان، بل لا بد من أن يناضل، ويتحدى ويقاوم، ويجازف كي يتقدم، كما فعلت كل الأمم الحية. ولو عرف الذباب أنه سيقع في شبكة العنكبوت لما طار. ولعلكم تذكرون أن الدول المتقدمة التي سبقتنا بسنوات ضوئية على كل الصعد تعلّم أبناءها كل أنواع الألعاب الخطرة والمغامرات العنيفة الرهيبة. ولو نظرتم إلى ألعاب «بلي ستيشن» و»أكس بوكس» لرأيتم أن الأمم الحية تحض أبناءها دائماً على المغامرة والمجازفة وحتى الاندفاع القاتل، لأنها تعمل بالمبدأ الأصيل الذي يقول: «في الحركة بركة» حتى لو كانت الحركة خطرة ومميتة.

وكي لا نظلم العرب جميعاً، لا بد أن نميز بين الثوار الذين أشعلوا فتيل الربيع العربي، وضحوا بكل ما يملكون كي يحركوا المياه الآسنة في أوطاننا، وهم قلة، وبين الذين ما زالوا يتحسرون على أيام العلف المخابراتي والعيش بأمان في ظل دولة الرعب والخوف. النوع الأخير من العرب يريد فقط أن يأكل، ويشرب، ويعيش بأمان بغض النظر عمن يحكمه. أما النوع الثاني وهو طليعة التحرر والتقدم فهو يريد أن يأكل، ويشرب، ويعيش بأمان، ويبدع، ويرتقي بحياته، ويحقق ذاته بحرية وكرامة، لا أن يكون مجرد مستهلك للعلف الذي يوفره له الحاكم مقابل سلب حريته وحقوقه وكرامته. إنه يريد أن يرتقي إلى أعلى هرم ماسلو المذكور آنفاً، لا أن يبقى قابعاً في أسفله خائفاً على علفه وأمنه وعبداً لغرائزه الحيوانية الأساسية. الفرق بين النوعين كالفرق بين القاع والقمة حيث الانسان في ذروة إنسانيته، وليس مجرد مستهلك للطعام على حساب الحرية والكرامة الانسانية التي تميز الانسان عن الحيوان.

أيها القابعون في أسفل مثلث ماسلو: ليس بالعلف والأمن وحدهما يحيا الإنسان. لماذا استمرأتم العيش في قاع القاع؟

صدق الرئيس الأمريكي بنجامين فرانكلين عندما قال: «من يُضحي بالحرية من أجل الأمن لا يستحق لا الأمن ولا الحرية». ونحن نضيف:» من يضحي بالحرية والكرامة الإنسانية من أجل الخبز لا يستحق لا الخبز ولا الكرامة ولا الحرية».

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فورد والسياسة الأمريكية في سوريا: كم مرّة سيُقلب المعطف؟

صبحي حديدي

النهار

السبت 7/6/2014

في آذار (مارس) 2013، كان روبرت فورد سفير الولايات المتحدة إلى النظام السوري، ومبعوث وزارة الخارجية إلى مؤسسات المعارضة السورية الرسمية؛ ولهذا فقد كان طبيعياً، ومنطقياً بالطبع، ان ينزّه سياسات بلاده ـ عموماً، في المنطقة؛ وبصدد الملفّ السوري، بصفة خاصة ـ من كلّ خطأ أو زلل أو تقصير. «علّی أن أكون صريحاً جداً مع أصدقائي فی المعارضة السورية، إذا قرر الرئيس أوباما غداً أنّ سقوط 146 ألف قتيل، أو أي عدد آخر، بات كافياً ويتخذ قراراً حول ضربة عسكرية، ماذا سيحدث الأسبوع المقبل؟ هل لدى المعارضة السورية تصور حول من سيتولى أي مناصب لإدارة الدولة، وما الإجراءات الضرورية لحماية الشعب وتوفير الأمن وتقديم الضمانات للأقليات؟»، صرّح فورد.

كذلك فإنّ المعارضة «لم تستطع أبداً أن تفرّق بين ما تمثّله هي وما يمثّله تنظيم «القاعدة». لفترة طويلة جداً، لم ينتقدوا حتى «القاعدة»، وحتى الآن لا ينتقدون «جبهة النصرة». ولنكن صريحين، نعرف ما هی جبهة النصرة، وقد دخل عناصرها مناطق وقتلوا مدنيين من الأقليات الطائفية ويجب إدانة ذلك».

في حزيران (يونيو) 2014، بات فورد «مواطناً أمريكياً عادياً»، حسب توصيف ماري هوف، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية؛ ولهذا، صار من حقه أن يصرّح بما يشاء ويعتقد، خارج أيّ رادع وظيفي. إلى درجة قلب المعطف تماماً، وارتدائه من القفا؟ نعم، كما تقول تصريحاته الأخيرة: الولايات المتحدة ترددت في دعم المعارضة المعتدلة في سوريا، والسياسية الأمريكية لم تتطور، حتى أنّ فورد بلغ «الحدّ الذي لا يمكنه فيه بعد الآن الدفاع عنها علانية»، وكان على واشنطن أن تفعل المزيد وتبادر منذ وقت طويل بمساعدة المعتدلين في صفوف المعارضة السورية؛ و«لو فعلنا ذلك قبل عامين، لما استطاعت جماعات ‘القاعدة’، التي تكسب أتباعاً، أن تنافس المعتدلين الذين نتفق معهم في الكثير من الأمور»؛ مع التأكيد، من جانب فورد دائماً، على أنّ روسيا وإيران و«حزب الله» ظلت، في غضون ذلك، تواصل زيادة مساعداتها لنظام بشار الأسد، بدرجات كبيرة بلغت مستوى القتال إلى جانبه.

والحال أنّ هذا التطوّر في «عقيدة» فورد، إذا جاز اعتباره كذلك، يذكّر بنقلة أخرى لعلها الأكثر دراماتيكة، على امتداد سجلّه الدبلوماسي، وربما الشخصي، الحافل: الزيارة التي قام بها إلى مدينة حماة، مطلع تموز (يوليو) 2011. ولعلّ المرء لا يبالغ إذا منح تلك النقلة مكانة خاصة في أرشيف العلاقات بين الولايات المتحدة ونظام «الحركة التصحيحية»، على امتداد 30 سنة من حكم حافظ الأسد، و11 سنة من حكم وريثه بشار الأسد. مكانة دراماتيكية، كما يتوجب القول، ليس بمعنى أنها أضافت أيّ تبدّل حاسم ونوعي على مسارات تلك العلاقة (وهي، بالفعل، سلسلة مسارات متغايرة، ولم تكن متجانسة على الدوام)؛ بل بمعنى الدراما التي تستدعي المسرح والمسرحة، كلٌّ على خشبته: في واشنطن ودمشق على حدّ سواء، وكلٌّ على طرائقه، واستناداً إلى ما يريد إرساله من إشارات.

ورحلة السفير إلى حماة اختارت توقيت «جمعة لا حوار»، حيث شهدت ساحة العاصي مشاركة مئات الآلاف. ولعلّ رمزية غضب النظام، ومثلها رمزية ابتهاج الخارجية الأمريكية، كانت تكمن في هذا التفصيل المباشر، أي المبيت في فندق يطلّ على الساحة، وتثبيت شهادة عيان على هذه الجمعة تحديداً؛ قبل الرمزية الأخرى الأكبر، التي تنبثق من موقع حماة الخاصّ، سواء في تاريخ الاستبداد السوري، أو صمت واشنطن على ذلك الاستبداد. ما لم يكن متفقاً عليه، كما اتضح لاحقاً، أن تأخذ ردود أفعال الطرفين، في واشنطن ودمشق، ذلك المستوى من حدّة التراشق اللفظي (خارجية النظام اتهمت واشنطن بـ«التورط» في الحركة الاحتجاجية و«التحريض على التصعيد»، والناطقة باسم الخارجية الأمريكية ردّت بأنّ هذه الاتهامات «قمامة صرفة»). ومن المشروع التفكير بأن تصريح الرئيس الأمريكي باراك أوباما (أنّ الأسد «فقد شرعيته. وقد ضيّع الفرصة تلو الفرصة لتقديم جدول أعمال حقيقي للإصلاح»)؛ استهدف تهدئة اللغة، أو بالأحرى ضبط مفرداتها عند المعدّل الذي كان يمثّل خطّ واشنطن تجاه النظام السوري.

لماذا ذهب السفير فورد إلى حماة، إذاً، وهل كانت زيارته مقدّمة لنقلة نوعية في السياسة؟ كلا، في الإجابة على الشطر الثاني، لأنّ أية نقلة نوعية هي رهن بما تحققه الانتفاضة السورية من انتصارات، وما تسجّله من علائم ملموسة على طريق تقويض نظام «الحركة التصحيحة»؛ والموقف الأمريكي سيكون عندها بمثابة انحناءة أمام قوّة الواقع، موضوعية وقسرية لا منّة فيها ولا فضيلة، تماماً كما كانت حال واشنطن في تونس ومصر. وهكذا ينبغي أن يُفهم تصريح أوباما، حين سُئل عن السبب في أنه لم يطالب صراحة بتنحّي الأسد: «الشعب السوري سيكون، ويجب أن يكون، قادرًا على تقرير مستقبله بنفسه، وهناك حقاً توافق متزايد بين الشعب السوري على أنه يجب أن يحدث هذا التحوّل، وأن الرئيس الأسد لن يقود هذا التحول».

أمّا الإجابة عن الشطر الأوّل فهي أنّ مكوث الإدارة على هذا الموقف، أي الدعم اللفظي لمطامح الشعب السوري والمراهنة الضمنية على إمكانية بقاء نظام «الحركة التصحيحية» وإجراء «إصلاحات» داخلية تجميلية هنا وهناك؛ كان يتطلب شحنة من الدراما لإقناع الرأي العام الأمريكي والدولي بأنّ واشنطن لم تعد صديقة الطغاة والطغيان. كذلك اقتضى الحال اللجوء إلى بعض السلوك المسرحي في مخاطبة الشارع الشعبي السوري، الأمر الذي كان يشمل النظام وشارعه المؤيد أيضاً، وكان يدخل في باب الضغط الشكلاني على السلطة، والبحث عن «رمزية» ما، هنا وهناك، تُشبع اللفظ والبلاغة الجوفاء.

لقد اضطرّ السفير، في كلمته ألقاها أمام الحشود، إلى امتداح متظاهري حماة، وأطلق على أفراد الأمن صفة «السفاحين»، كما نفى أنه أبصر «علامات على وجود أي عصابات مسلحة في أي مكان» مرّ به خلال زيارته الحموية؛ لكنه تفادى الحديث عن سجلّ بلاده الأسود في الموقف من مجزرة المدينة، سنة 1982. آنذاك، ظلّت الأقمار الصناعية الأمريكية ترصد دقائق الدمار الذي تعرّضت له المدينة، وتتابع كلّ طلعة طيران، وكلّ تحليق حوّامة، وكلّ قذيفة من دبابة أو من مدفع ثقيل؛ لكنّ لسان حال الإدارة، أيام رونالد ريغان دون سواه، التزم «الصمت البنّاء» حيال المجزرة، ودمدم بعض مسؤولي الإدارة حول سقوط عدد من الضحايا يقلّ عن الألف، حين كانت الأعداد تتجاوز الـ 20 ألفاً!

ولعلّ الحظر الذي كسره فورد، اليوم، فانتقد سياسات بلاده، وكان قبل أشهر مدافعاً شرساً عنها، ينبثق بدوره من «رمزية» طارئة، دراماتيكية بدورها في ناظر السفير السابق: لا القصف بصواريخ «سكود»، ولا بالقاذفات المقاتلة والبراميل المتفجرة، ولا الهجمات بالأسلحة الكيماوية والغازات السامة، ولا 165 ألف شهيد… بل، أغلب الظنّ، هذه المهزلة الأخيرة، الأشدّ ابتذالاً وفجوراً وقحة وبذاءة، التي يسير فورد على نهج نظام الأسد، فيسمّيها «انتخابات». وكما في تموز/يوليو 2011، وآذار/مارس 2013، وحزيران/يونيو 2014… ظلّ فورد يقلب المعطف تلو الآخر، ويتنقل من خشبة مسرحية ركيكة إلى أخرى أكثر ركاكة، مقتفياً في ذلك أثر سياسات بلاده، قبلئذ وبعدئذ؛ وهكذا سيظلّ، وأمثاله، حتى يتولى الشعب السوري القول الفصل، ويُسدل الستار على الطغاة والمنافقين، سواء بسواء.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com