العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29 /05/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية بين الحوار والقتل .. النظام القمعي أسقط مشروعية الحوار معه .. نبيل شبيب

لم يعد السؤال في سورية الثائرة مطروحا عن كيفية الحوار بين ثائر ابي ونظام مستبد، بل هو السؤال عن كيفية إسقاط الاستبداد. ولم تطرح السلطات السورية في الأيام الماضية حوارا يوقف نزيف الدم الذي تسفكه في كل مكان، بل طرحت على أرض الواقع في سورية مواصلة القتل من أجل إكراه الثوار على القبول بحوار لا جدوى منه ولا طائل، ولا مضمون له ولا نتيجة، ولا يمكن أن يكون الجواب على هذا العرض الملوّث بدماء الضحايا.. سوى مواصلة الثورة حتى النصر المحتم.

لقد جعلت من الحوار مأساة مزرية على خشبة مسرح دامية، ولا يمكن أن تحصد من وراء ذلك "تصفيق المشاهدين" وهم يرصدون غضبة الثائرين.

اندلعت ثورة الشعب السلمية فبدأت السلطات مواجهتها بالقتل على الفور، هنا وهناك، والاعتقال هنا وهناك، واستمرت الثورة واتسع نطاقها، فأصبح القتل في هذه الأثناء جماعيا، شاملا للمدن والقرى، وأصبح الاعتقال بالألوف، شاملا لكافة فئات الشعب الثائر، ولم يعد مقتصرا على عصابات النظام المسلّحة وشبيحته الإجرامية، بل بات يوميا، في كل مكان، عبر انتشار الدبابات والمدرعات والمدفعية، وممارسات حصار "التجويع"، وتمشيط البيوت، واعتقال الأطفال والناشئة والنساء، في بلدة بعد بلدة، وفي منطقة بعد أخرى.. وما بدا حالة استثنائية إجرامية صارخة في درعا، على وقع التهديد بمواجهة "مؤامرات" مزعومة، أصبح حالة يومية إجرامية، مع وصول محطة رحى الإجرام الاستبدادي الدائرة في مسلسلها – الدموي المتواصل دون انقطاع- إلى تل كلخ، على وقع التصريحات الكاذبة عن حوار كاذب.

لقد وضعت ثورة شعب سورية نظام الاستبداد القمعي الفاسد أمام خيارين، إمّا السقوط المحتم، أو التخلي طوعا عن الاستبداد والفساد.. عسى تسري على بعض أركانه آنذاك، وآنذاك فقط، قاعدة: عفا الله عما سلف، فاختار لنفسه السقوط المحتم، وهو يسفك المزيد من الدماء، ليثبت أنّه لم يعد قادرا على سلوك طريق آخر غير الذي سلكه عبر نيف وأربعين سنة إجرامية مضت، وليغتال أي احتمال للعفو عن بعض أركانه.

كما ضعت السلطات الاستبدادية بذلك شعب سورية الثائر أمام خيارين، إمّا الموت عبر خضوع الأموات لنظام استبدادي قمعي فاسد، أو الاستعداد للموت الكريم شهادةً عزيزة على طريق الثورة المجيدة، من أجل التحرّر المحتم من هذا النظام القمعي الفاسد، ولا مكن لشعب سورية الأبيّ الثائر إلا أن يختار مواصلة طريقه، ليرتقي بمسيرته إلى مستوى بطولي غير مسبوق، وتضحيات متوالية لا تنقطع، متشبّثا بسلمية ثورته رغم الدبابات ومن يرسلها، والمدفعية ومن يطلقها، والرشاشات ومن يضعها في أيدي شبيحته وقنّاصته وعصاباته.. ولوغا في الدماء الزكية الطاهرة.

ثم تنطلق أصوات الحديث عن حوار، فهل يمكن سماعها وسط أصوات القذائف والرصاص وأنين ضحايا التعذيب وغضب المشرّدين وهتافات الثائرين؟..

حتى لو كان عرض الحوار حقيقيا جادّا.. فإن أفاعيل الاستبداد القمعي تغتاله قبل أن يولد، ولهذا:

مهما كانت مصداقية ناشطين سوريين معروفين من قبل الثورة، وقد تناوبوا فوجا فوجا على دخول المعتقلات طوال السنوات الكالحة الماضية والآن خلال أسابيع الثورة، فسوف تسقط هذه المصداقية في الحضيض، لو استجاب أحدهم أو استجاب بعضهم إلى عرض الحوار الكاذب، وهو يرى الإجرام القمعي المتصاعد، والثورة الأبية المتواصلة، والتضحيات البطولية المستمرة.

ويقول فريق لا يملك بقية من حياء يدفعه إلى التخلّي عن دوره في الدفاع عن القتل والقمع.. يقول: أوقفوا المظاهرات من أجل الحوار والإصلاح!..

أيّ حوار؟..

على ماذا يدور إذن؟..

وأي إصلاح؟..

أين ما يعطي مؤشرا واحدا مهما كان ضئيلا على أن السلطات التي أدمنت الاستبداد والفساد صادقة بأنها ستخرج من جلدها، ولا تواصل بطشها؟..

إنّ جواب الثوار، رجالا ونساء، صغارا وكبارا، معتقلين في الظلمات ومعتقلين في السجن الأكبر للاستبداد الفاسد، ناشطين داخل الحدود وناشطين خارج الحدود.. جواب واحد، من يشذ عنه يتحوّل في هذه المرحلة التي وصل إليها القمع الاستبدادي، إلى جزء مرتبط بجهاز القمع الاستبدادي وإجرامه:

لا توجد ثقة بهذه السلطة الحاكمة جملة وتفصيلا، كبير المستبدين فيها وصغيرهم، من يشيع عن نفسه أنه إصلاحي مثقف، ومن يقيده –بزعم الزاعمين- من قادة مجرمين، أو حرس عتيق وجديد، أو ميليشيا مدربة على سفك الدماء، أو منتفعين يبيعون إنسانية الإنسان بالدرهم والدينار.

يجب أن يكون واضحا اليوم لكل ذي سمع وبصر وعقل:

لا يمكن القبول بمشاركة فرد من شعب سورية، مهما كان موقعه فيما تصنعه الدبابات والمدرعات والرشاشات والمعتقلات.. وإلا فسيكون شريكا في جريمة القمع الدموي الاستبدادي، فلا مكان لسوري مخلص لسورية وشعبها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها، في جهاز قمع إجرامي أو فرقة عسكرية ليست بم تصنع سوى ميليشيا مسلّحة للقتل.

لا يمكن القبول بمشاركة فرد من شعب سورية، في جهاز سياسي أو اقتصادي أو أي جهاز آخر مرتبط بسلطة الاستبداد القمعي الفاسد.. وإلا فسيكون مشاركا في المسؤولية عما يعنيه استمرار الاستبداد والقمع والفساد، ولو لبضعة أيام أو أسابيع بقيت له قبل السقوط.. وكما بدأت الثورة بأفراد وشملت الشعب، يبدأ العصيان المدني بأفراد ويشمل الشعب.

لا يمكن القبول بلسان أو قلم، يدافع بأي حجة من الحجج، عن نظام استبدادي قمعي وممارساته، مهما قيل عن سياساته الإقليمية المزعومة وقد كشف بنفسه عن معرفته بها على حقيقتها، التي يعرفها العقلاء من قبل أن يكشف عنها، وكل من يستمرّ بالدفاع عن هذا النظام، إنّما يدافع عن ارتكاب الجرائم اليومية المتواصلة، الفردية والجماعية.

لن يقبل الشعب الثائر في سورية عذرا لهؤلاء..

لن يقبل لهم عذرا أولئك الشهداء الذين تنتقل صورهم في أنحاء العالم من وراء سجن التعتيم..

لن يقبل لهم عذرا أولئك الضحايا في "المقابر الجماعية" التي يجري اكتشافها قوافل جديدة من الضحايا بعد قوافل ضحايا الاستبداد القمعي عبر عشرات السنين الماضية..

لن يقبلوا عذرا من عالم أو داعية، من مثقف أو فنان، من مفكر أو إعلامي، من أديب أو شاعر، من سياسي أو حقوقي، من أي "إنسان" في أي موقع، وتحت أي رداء، داخل سورية أو خارجها.. فالدفاع عن الإجرام جريمة، والدفاع عن الاستبداد حماقة، والدفاع عن القمع ذنب لا يُغتفر.

إن هذه المواصلة الدموية المتصاعدة لارتكاب الجرائم تضع أشدّ المتفائلين بقابلية إصلاح النظام أمام حقيقة صارخة مفزعة.. فتكسّر أقلامهم التي ما فتئت تطالب بما يسمّى إجراءات مبدئية لاستعادة الثقة، وتسكت أفواههم رغما عنهم وهم يبحثون عن مخرج كريم من "معركة" تدور بين جبهتين: جبهة الدبابات والرصاص وجبهة الصدور العارية والحناجر الصادثة!..

أين معالم أيّ مخرج كريم دون أن تعود الدبابات إلى الثكنات أو تتوجه إلى الجولان، وتكفّ عن مواجهة صدور الثائرين وأجساد الأبرياء وهتافات المستعبَدين داخل حدود وطنهم.. أمّا هؤلاء فلن يعودوا إلى بيوتهم مخدوعين بوعود كاذبة، لن يعودوا إلا أحرارا أعزة، بعد أن يستعيدوا وطنهم وسيادتهم وحريتهم وكرامتهم وصناعة مستقبلهم بأنفسهم، وليس في نطاق وعود يائسة بائسة، لا يمكن ضمانها وهي تصدر عمّن مارس ويمارس الحصار والفتك والتقتيل.. مهما زعم تحت عنوان حوار بل حتى لو بدأ حوارا ما فعلا.

أين معالم أي مخرج كريم دون أن تُفتح أبواب المعتقلات، جميع الأبواب، وجميع المعتقلات، وأن يخرج منها جميع المعتقلين، وجميع المعتقلات.. ولئن خرج هؤلاء جميعا، فلن يعودوا إلى بيوتهم، فلا يؤمَن من يمارس الاعتقال طغيانا، فيسجن الإنسان والوطن، بل سيعودون إلى الساحات والميادين والشوارع، ليتابعوا ثورتهم السلمية الأبية، حتى يرجع إلى سورية وشعب سورية الاطمئنان بأنّ عجلة الاعتقال الهمجية المتحرّكة باستمرار منذ جيلين قد تكسّرت، ولن تتكسّر إلا بنشأة نظام آخر وفق إرادة الشعب، وليس رغم إرادة الشعب، ولا عبر مخادعة الشعب.. بحوار أو دون حوار.

أين معالم أيّ مخرج كريم قبل أن يجتمع ممثلو الشعب الثائر جميعا، من داخل سورية، من كل قرية ومدينة ثائرة، ومن خارج سورية، من كل فئة مشرّدة أو أبناء فئة مشردة قضى الموت على آبائهم وأمهاتهم في غربة التشريد، وأن يكون لهم هم، وليس لفريق النظام الاستبدادي الفاسد، وضع شروط الحوار.. وأوّل الشروط أن يتخلّى من عبثوا بالدستور والقوانين عن عبثهم وما أنتج، ويتخلّى عن كل آلية من آليات الاستبداد أولئك الذين مارسوا الاستبداد عبر أجهزة القمع والميليشيا المسلّحة، وأن يتخلّى كل من مارس ويمارس الفساد عن آليات الفساد عبر المؤسسات التي استلبوها وعبر انتفاع المنتفعين من خلالها.

آنذاك فقط يكون الحوار مدخلا إلى بناء سورية ما بعد الثورة وما بعد حقبة الاستبداد الفاسد.

أمّا أن يجلس الضحية مع مرتكب جريمة الاستبداد، بشروط يمليها المستبد الفاسد، فلم يعد يرى الشعب الثائر في ذك إلا خيانة لثورته ولتضحياته، وخيانة لسورية في حاضرها مستقبلها، وخيانة لكل ما ترمز إليه أمجاد تاريخ سورية من أيام فتح الأندلس وحضارتها، إلى أيام الدفاع عن فلسطين.. قبل هيمنة التجارة بقضية فلسطين على تاريخ فلسطين وسورية معا.

لا يمكن أن يقبل الشعب الأبيّ الثائر بحوار آخر!..

لا يمكن أن يقبل بحوار كاذب، ولا يمكن أن يوصل تزييف الحوار إلى نتيجة أخرى سوى انتصار الثورة، بعد أن ارتكب النظام القائم ما ارتكب!.

وقبل هذا ومن بعده.. منذا يستطيع أن يحاور الشهداء بعد استشهادهم، من أجل الحرية والكرامة وسيادة الوطن والشعب؟..

ولقد قال الشهداء أطفالا وشيوخا ونساء وشبابا كلمتهم.. ولم يعد أحد من الأحياء قادرا على مخالفتها:

ثورة سلمية أبية، متواصلة متصاعدة، حتى الشهادة أو النصر، فمن استشهد نال إحدى الحسنيين، ومن بقي.. يبقى ثائرا حتى يفوز بإحدى الحسنيين.

---------*********************-----------

من يقتل أهلي في سوريا؟!../ د. أحمد بن فارس السلوم

المركز الإعلامي

لا يمر يوم على ثورتنا المباركة إلا ويراق دم زكي على تربة زكية، دم الشهداء على تربة الشام المباركة، دم يخضب أرضها ويروي فيها شجر الحرية، شجر سنجني ثماره نصراً قريباً بإذن الله.

لكن من الذي يقتل أهلي في سوريا؟!

باختصار شديد أيها السادة:

تقتلهم كتائب الأمن والفرقة الرابعة التابعة للمجرم ماهر الأسد.

تقتلهم الشبيحة الذين لا يرقبون في أهلي إلاً ولا ذمة.

يقتلهم الجيش السوري بسكوته عما يحصل وعدم محافظته على أرواح أهلي.

يقتلهم علماء السوء الذين يباركون للطاغية ما يفعل، ويضفون عليه الشرعية والقدسية.

يقتلهم أبواق النظام الإعلامية التي تكذب وترقص على آهات شعبي.

يقتلهم السياسيون الذين يمالؤون النظام ويستظلون تحت حذائه.

يقتلهم أهل المدن والقرى الذين لم يخرجوا إلى الآن، ولم يلتحقوا بقافلة الثوار.

يقتلهم التجار الذين يمدون كتائب الأمن بما يحتاجون، ويوفرون لهم المستودعات الكبيرة كي يسجنوا أهلي فيها.

يقتلهم عملاء النظام ومرتزقته في لبنان وإيران وفي كل مكان.

يقتلهم كل ساكت عن الحق وراضٍ عما يحصل أينما حلّ وكان.

كل هؤلاء مطايا للنظام، سينتعلهم إلى حين، ثم يرمي بهم حينما نرمي به.

أخيراً:

يقتل أهلي في سوريا: جدار الصمت الذي يلف العالم، فتباً جدار الصامتين.

---------*********************-----------

مؤتمر الحوار السوري بين السلطة والمعارضة .. حسين العودات

البيان

يبدو أن السلطة السورية بدأت تقتنع بوجود أزمة داخل النظام السياسي ومع المجتمع حيث كانت تنكر وجودها دائماً، بعد أن عجز الحل الأمني العنيف عن إسكات الاحتجاج والمحتجين والمتظاهرين، رغم ممارسته بأقصى درجات العنف، وإنزال الجيش لمواجهة هؤلاء المحتجين، واستخدام الدبابات بدون تحفظ أحياناً، كقصف الأفراد بقاذفات الصواريخ.

وكذلك بعد تزايد الضغوط الخارجية، ليس فقط من قبل الإدارة الأميركية والدول الأوروبية، بل أيضاً من قبل الأصدقاء والحلفاء أشخاصاً كانوا أم حكومات، فضلاً عن قرارات مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والتهديد بإحالة الأمر برمته إلى مجلس الأمن الدولي ليناقش قضية سورية داخلية، بحجة حماية المدنيين ومواجهة العنف المفرط ضد المتظاهرين لمنعهم من ممارسة حق من حقوقهم الدستورية.

ولعل هذه الأسباب هي التي ربما أقنعت أصحاب القرار في سورية بضرورة البحث عن مخرج آخر غير المخرج الأمني، وحل آخر لا يستخدم فيه العنف، قادر على بحث جذور الأزمة والاهتمام بمطالب المحتجين وحقوقهم والاعتراف بها والبدء في تحقيقها، باعتباره الحل الأساس المؤهل للوصول إلى اتفاقات شاملة بين الطرفين، .

وتأمين السلام والاستقرار للمجتمع السوري، وتحويل النظام من وضعه الحالي الشمولي الأمني إلى نظام ديمقراطي مقبول من شعبه خاضع لإرادة هذا الشعب ومحقق لمصالحه وأمانيه ومطالبه، والمعني هنا هو الحل السياسي الحواري، الذي ينطلق من القبول بالآخر شريكاً في السراء والضراء وفي اتخاذ القرار، وإجراء الحوار الديمقراطي معه للوصول إلى حلول للمعضلات المطروحة.

من الواضح إذن أن عدم نجاح القوة الأمنية وقوى الجيش في إخماد الاحتجاج إضافة إلى زيادة الضغوط الخارجية، (أقنعت) النظام السياسي السوري بضرورة التخلي عن الوسائل العنفية، أو بداية التخلي جزئياً عنها،.

والتوجه إلى عقد مؤتمر سياسي حواري جامع مع الآخر في المعارضة وغيرها، لأنه الوسيلة الوحيدة التي تقنع الداخل السوري والضاغطين الأجانب بأن النظام بدأ يغيّر أسلوبه وربما مساره، كما يمكن أن تشكل من جهة أخرى بداية حل لهذه الأزمة التي أصبحت خلال شهرين أكثر تعقيداً وخطورة.

إلا أن المشكلة التي ما زالت قائمة هي أن النظام السياسي السوري يرغب في تبنى حوار لا يخرج عن تبادل الآراء ووجهات النظر مع بعض المعارضين، على أن يتحدث مع هؤلاء كأفراد لا يمثلون أحزاباً أو تيارات سياسية، يسمح لهم بإبداء رأيهم مقابل أن يسمعوا رأي السلطة، وهذا ما تراه المعارضة غير مجد ولا مفيد ولا يحل أي مشكلة حيث تجاوزته الأحداث، .

وقد كان بالإمكان أن يلجأ إليه النظام قبلها، أما الآن، وبعد خروج عشرات آلاف المتظاهرين إلى الشارع واستمرار الاحتجاجات والمظاهرات أسابيع عديدة بل أشهراًً، وإنزال الجيش للمدن والبلدات، وإسالة الدماء، وبلوغ عدد الضحايا ألف قتيل وآلاف الجرحى والمعتقلين، فلم يعد ينفع تبادل الرأي هذا، حتى لو أراد النظام السياسي أن ينفّذ طلبات المعارضين جميعها،.

وأصبح الأمر حسب المعارضة يقتضي إجراء حوار شامل تشارك فيه أحزاب وقوى سياسية واجتماعية واقتصادية من الموالاة والمعارضة والشباب المحتجين، في إطار بيئة مناسبة للحوار، وجدول أعمال متعدد الجوانب وشامل، وقادر على استيعاب المشكلة وعقابيلها وحلها حلاً جذرياً كاملاً جدياً مسؤولا.

لقد أبلغت بعض فئات المعارضة السلطة التي اتصلت بها لعقد الحوار، بضرورة تحقيق حزمة من الإجراءات الكفيلة بإنجاحه، بعضها سابق للحوار والبعض الآخر لاحق له، فمن البعض السابق للحوار تهيئة مناخ صحي ينجم عن إيقاف العنف والحل الأمني، .

وذلك بسحب القوات العسكرية من المدن والإعلان عن ذلك، ثم الإفراج عن المعتقلين السياسيين، ومن البعض اللاحق له أن يكون الحوار من خلال مؤتمر وطني برعاية رئيس الجمهورية الذي يضمن تنفيذ مقرراته، وتدعى إليه أحزاب المعارضة جميعها، .

وممثلون عن الشرائح الاقتصادية والاجتماعية السورية، وعدد من قيادات المحتجين والمتظاهرين، ومن النقابات والمنظمات النسائية، على أن يبحث هذا المؤتمر مواصفات المرحلة الانتقالية والتعديلات الدستورية والسياسية والإصلاحات المطلوبة، بما في ذلك إصدار قوانين الأحزاب والإعلام وإقرار آلية لمكافحة الفساد، .

وإلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تنص على قيادة حزب البعث للسلطة والمجتمع، وتعديل صلاحيات مجلس الشعب ومجلس الوزراء وضمان فصل السلطات، وتداول السلطة أي تحديد ملامح بنية النظام الجديد، وتهيئة الشروط الضرورية لترسيخ الديمقراطية والحريات والمساواة وتكافؤ الفرص وغيرها، .

ييدو أن النظام السياسي السوري يرى أن هذه الشروط ثقيلة عليه، وهو لا يريد، إن أمكنه ذلك، التخلي عن امتيازاته الحالية السياسية والإدارية والسلطوية وغيرها، كما أن بعض الشركاء في الحكم سوف يتضررون من هذه الإصلاحات.

وخاصة أولئك الذين يصب في خزائنهم نهر من الذهب بسبب الامتيازات التي يتمتعون بها، أو مناخ الفساد الذي يستظلون به، ويعتقد أن مثل هذه الحلول قد تؤدي إلى خلافات وانشقاقات داخل النظام وإلى تصدع فيه، لا يرغبها كثيرون من أهله، بل يخشونها ويصارعون من أجل أن لا تحصل.

ترى المعارضة السورية أن هذا السبيل، أي عقد مؤتمر حواري جامع، هو الطريق الوحيدة للتغلب على الأزمة، وإعادة الاستقرار والأمان للمجتمع السوري، أما النظام السياسي فيبدو أنه مازال متردداً في قبول اقتراحات المعارضة، ولذلك فهو يسعى إلى إصلاحات هينة لينة تقول المعارضة أنها تزيينية.

---------********************------------

يحق للأسد .. علي الرز

الرأي العام

في مفهوم «حزب الله» الحاكم في لبنان وجبهته الوطنية التقدمية، يحقّ للرئيس السوري بشار الاسد ان يقول عن رئيس حكومة لبنانية يمثل غالبية منتخَبة تعكس ارادة الناس الحرة إنه «عبد مأمور لعبد مأمور»، فخيارات الناس «ترف» امام معركة الوجود، ومَن يدير محور الممانعة «يمون» اكثر من الشريك في الوطن، لا بل يقال له سمعاً وطاعة وينسحب الوزراء من حكومة «المأمور» لإفقادها الشرعية الميثاقية.

... يحق للأسد ذلك ولا يحق لأيّ لبناني بموجب معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق ان يتعاطف مع طفل سوري سقط برصاص القنّاصة والشبيحة، او مع كهلٍ سقط في أقبية الاستخبارات وفروعها تحت التعذيب، أو مع سيدة خُطفت من منزلها رهينة كي يسلّم ابنها نفسه طوعاً الى السلطات. فهذا الكلام بمفهوم الغالبية الجديدة هو تدخل في الشؤون الداخلية للشقيقة سورية يوتّر العلاقات وينعكس سلباً على الامن والاستقرار في لبنان.

وفي مفهوم «حزب الله» الحاكم في لبنان وجبهته الوطنية التقدمية، يحقّ للأسد ان يصرّح علناً بنيته إسقاط النظام في لبنان، وتخوين غالبية اللبنانيين وتحليل دمائهم، فقد قال إن الغالبية اللبنانية «منتج اسرائيلي يجب ان تسقط... وستسقط»، قاصداً الغالبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع وحاولت تشكيل نظامٍ مختلف عن زمن الوصاية. وكان ما كان من دعم مطلق لهذا المطلب تَمثل في احتلال وسط العاصمة وصولاً الى «اليوم المجيد» في 7 مايو 2008، ثم بقلْب رجال القمصان السود معادلة التمثيل وإطاحة تسمية سعد الحريري لرئاسة الحكومة وتكوين الغالبية الجديدة.

... يحق للأسد ذلك، ولا يحق لأي لبناني بموجب معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق ان يتمنى على السلطات عدم تسليم لاجئين سوريين الى سلطات بلادهم كي يواجهوا عمليات التأديب إن بقيت فيهم روح، فهذه التمنيات نوع من الرهان المستمرّ على الخارج ومخططاته وعلى «التحالف» الذي انكشف اخيراً بين واشنطن و«القاعدة» والسلفيين و«الاخوان المسلمين» وبعض الليبراليين السوريين وتيار «المستقبل» اللبناني وتركيا وعدد من الدول الاوروبية.

ويحقّ لرئيس وزراء سورية والاعلام الرسمي السوري وأعضاء النظام في مختلف مواقعهم ان يعتبروا الغالبية اللبنانية «هيكلاً من كرتون» وان يزعموا ان نوابا من تيار «المستقبل» يدفعون المال ويوفّرون السلاح، ويحرّضون (ويُعتقلون) في بانياس، وان آخرين يطلقون النار على تل كلخ من عكار... ولا يحق لمجموعة لبنانيين الاجتماع في فندقٍ لإبداء التعاطف الانساني مع شعب أعزل يُذبح وتهان كرامته، فلبنان الذي كان ملجأ للمضطهَدين انتهى، واذا أراد لبنانيون إعادته الى ذلك، فسيصبحون مضطهَدين في الملاجئ... وفهمكم كفاية.

ويحقّ لابن خال الأسد والحاكم الاقتصادي لسورية رامي مخلوف ان يقول إن امن اسرائيل من امن سورية، وعبثاً يحاول النظام نفي «الصفة الرسمية» والقول إنه يمثل نفسه، لسبب بسيط وهو ان أيّ سوري آخر إن أراد ان «يمثل نفسه» بالقول إن امن اسرائيل من امن سورية فسيواجِه إما المؤبد وإما الاعدام، وطالما ان مخلوف بقي في كامل لياقته وعلى رأس أعماله، فذلك يعني ان رسالته للعالم هي رسالة نظام.

وللتذكير فقط، فإن المعارض رياض سيف اعتُقل لانه قال في تظاهرة «الله سورية حرية وبس».

اما في لبنان، فممنوع على اللبناني ان يستكمل الحديث عن ترسيم الحدود إلا في اطار الاستراتيجية السورية - الايرانية للممانعة... والمصالحة.

في مفهوم «حزب الله» الحاكم في لبنان وجبهته الوطنية التقدمية لا وجود في سورية الا لمخرّبين ومؤامرة وقوات امن باسلة تحفظ النظام، ولا يحق لأي لبناني القول عكس ذلك. إنما يحق للأسد القول إن الذين سقطوا من المتظاهرين هم شهداء، وان هناك مطالب محقة «لبعضهم»، وان أفراد اجهزة الامن ارتكبوا مخالفات ويحتاجون الى اعادة تأهيل. الأسد يمون على الغالبية الجديدة في لبنان التي لا تحتاج الى... إعادة تأهيل.

---------********************------------

مع الثورات العربية والثورة السورية، ولكن... .. أكرم البني *

الحياة

يبدو أن الإيمان المطلق بالثورات وبرياح التغيير التي تهب على المنطقة بدأ يفقد إطلاقيته، وبت تسمع عبارات اشتراطية مثل «نعم للتغيير ولكن...» من أناس كانوا حتى وقت قريب من اشد المتحمسين له. لكنْ وراء هذه المواقف تنتصب مخاوف على مسار هذه الثورات ومصيرها، نشأت ربما بسبب الإرباكات والصعوبات التي تعاني منها الثورتان التونسية والمصرية وأبرزها دخول الاحتقانات الطائفية على الخط وما شهدته مصر من أحداث عنف وقتل، أو جراء تنامي القلق من دور القوى الإسلامية بتنويعاتها، وخطورة المشروع السلفي الذي يحمله بعضها على مستقبل الديموقراطية وعلى بنية الدولة والمجتمع، وربما بفعل المخاض العسير الذي تمر به الثورات في بلدان أخرى، والتكلفة الباهظة التي تُكره الشعوب على تسديدها لقاء تطلعها المشروع نحو الحرية!

هو أمر بديهي أن يتمنى كل عاقل مساراً سلساً وآمناً لعملية التغيير الديموقراطي، أو أن يخشى من خطف حلم الثورة وحلول استبداد محل آخر أشد قسوة وأضيق خناقاً، أو يتحسب مما قد يرافق هذه العملية من توترات اجتماعية وعدم استقرار، ويتخوف من الاضطراب والفوضى وانفلات قوى المجتمع من عقالها على غير هدى. لكنه لن يكون عاقلاً إذا استكان لهذا التخوف واندفع نحو تسطيح الأمور معتقداً أن التغيير الديموقراطي هو مخطط مرسوم مسبقاً في الأذهان يفترض أن يتحقق من دون عوائق أو توترات أو خسائر، أو ينجرف بحجة الحفاظ على الأمن والاستقرار نحو الدفاع الأعمى عن الركود والاستنقاع القائم وتخفيف مسؤولية الأنظمة عن خطورة ما وصلت إليه أحوالنا وما نكابده!

فالتوترات والصراعات الهامشية التي قد ترافق المراحل الانتقالية للثورات ليست بنت التغيير الديموقراطي، بل نتيجة طبيعية لما راكمته سنوات طويلة من القمع والمركزة الشديدة ونجاح الأنظمة الشمولية في تدمير المؤسسات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني وقتل روح السلام والتآخي بين الناس وتغريبهم عن إدارة حياتهم وحماية حقوقهم، وبعبارة أخرى هي ظواهر مفسرة واختبارات مفهومة لمجتمعات حطمها الاضطهاد وأدمنت السلبية والاتكال، وأنتجتها أساليب الأنظمة وفسادها في إحكام السيطرة وتطبيق نظرية فرق تسد، وسعيها المستمر تالياً لتفكيك وحدة المجتمعات عبر إحياء شبكات من المصالح والارتباطات المتخلفة واستيلاد نزاعات قبلية أو طائفية بين أبناء الوطن الواحد لإكراههم على اختيار الأمن والاستقرار بدل مطلب التغيير الديموقراطي.

وإذ يقرن البعض تخلف مجتمعاتنا بحضور نزعات عشائرية وطائفية وإثنية قد تحرف الديموقراطية عن مسارها، فإن هذه النزعات تنمو بصورة أسرع وأكثر تشوهاً في ظل غياب الديموقراطية، وليس في تضييق هوامش العمل السياسي وكبح حرية الرأي وإضعاف الحراك المدني، سوى عوامل خفية تدفع الإنسان إلى اصطفافات لاوطنية، وتضطره إلى الاحتماء بإثنيته أو طائفته أو عشيرته وإعادة إنتاج تفكيره ومصالحه على مقدار مصالحها وحساباتها الضيقة. ولنسأل أنفسنا: هل يصح الانتظار حتى يتوافر ما نعتقده شروطاً محايثة لتغيير آمن كي نرضى به وندعمه؟! وكم هو أكثر كلفة وضرراً على نهضة المجتمع ومستقبل أجياله تضخيم بعض المظاهر السلبية المرافقة للتغير والتخويف منه ولا نتخوف من أن يفضي ما نحن فيه الى انفجار مريع للأزمات المتراكمة وحصول انهيارات واسعة قد تفكك الدولة وتشرذم المجتمع وتذرره؟

وهنا لا بد من تذكير المتخوفين من الاحتقانات والصراعات المذهبية، بأن التحول الديموقراطي هو موضوعياً نقيض هذه الظواهر، ونجاحه يعني النجاح في بناء الدولة الديموقراطية، بصفتها تعبيراً صحياً جامعاً عن مكونات المجتمع وأطيافه على اختلاف انتماءاتهم العرقية ومعتقداتهم الدينية. فتحصين المجتمع من مظاهر التفكك والتنافر والصراعات التي قد ترافق انبعاث الحريات والتعددية والخصوصيات، يتحقق بتمكين الدولة الديموقراطية ودعم مؤسساتها العمومية، لتغدو هذه الأخيرة المكان الأمثل لإدارة الخلافات سلمياً وحفز روح التفاهم والتوافق بين مختلف الأطراف، بما في ذلك محاصرة الفلتان الأمني والاندفاعات العدوانية العمياء.

من الخطأ أن نرفض التغيير الديموقراطي حين نعتقد أن رياحه قد تأتي بما لا تشتهي سفننا، أو نتردد في دعمه ونحجم عن المشاركة الفاعلة فيه لأن ثمة قوى متطرفة قد تستفيد من مناخاته، ففي ذلك ضعف ثقة بقواعد الحياة الديموقراطية وبقدرتها على تصحيح ما يرافقها من انحرافات، وضعف ثقة بالنفس وبقدرة مجتمعاتنا على التمييز بين الغث والسمين والدفاع عن حرياتها وحقوقها ومصالحها.

وإذ يعني الوقوف مع التغيير الاعتراف الصريح بأن توق مجتمعاتنا للحرية وصل إلى أوجه ولم يعد بإمكانها العيش وفق الأنماط التسلطية القديمة، فانه يعني الاعتراف أيضاً أن ثمة أثماناً سوف تدفع لقاء ذلك، تزداد طرداً مع تعنت الأنظمة ولجوئها الى الخيار العنفي للدفاع عن مواقعها، مثلما يعني عدم الاستهتار بالصعوبات التي ترافق عادة الانتقال من استبداد مزمن الى الديموقراطية. فهذه الأخيرة لا تتحقق بمجرد إسقاط الأنظمة أو توفير بعض الحريات، بل هي عملية تاريخية غالباً ما تشهد بعض مراحلها صراعات حادة حول السلطة ومحاولات لتخريبها والارتداد عنها.

ليس ثمة من يملك جواباً دقيقاً حول مستقبل الثورات العربية، وأية أطراف سوف يكون لها الكلمة الأقوى فيها، لكن غموض المراحل الانتقالية ينبغي ألاّ يفضي إلى هز الثقة بجدوى الحرية ودورها الخلاصي أو زعزعة الإيمان بالموقف الصائب من واقع الاستبداد والفساد وما خلفه من تشوهات بنيوية وأمراض مزمنة هي المسؤول الرئيس عن تنمية القوى المناهضة للديموقراطية وإعدام فرص سلاسة التغيير وسلميته.

لقد آن الأوان كي نتخلص من التشوهات التي تكتنف ثقافتنا، وأن ننتقد الزاوية الضيقة التي لا يزال الكثيرون ينظرون منها الى الحرية والديموقراطية، يفصلونها على مقاسهم الإيديولوجي والسياسي، وينصّبون أنفسهم أوصياء عليها. فمناخات الحرية والديموقراطية مفتوحة للجميع، وكما هي تضمن لكل جماعة الحق في أن تختار المعتقد أو المبدأ الفكري والسياسي الذي تقتنع به، فهي تشكل في الوقت ذاته، المكان الأفضل لمواجهة الوصاية والتطرف، وخير ميدان لخوض سجال مفتوح مع القوى السلفية أو غيرها والرهان على وعي الناس ودرجة تمثلهم لحقوقهم ومصالحهم في رفض هذه المشاريع العصبوية ومحاصرتها!. ثم ما يزيد الاطمئنان حول سلامة العملية الديموقراطية وصعوبة الارتداد عنها أو الاستئثار بها، خصوصية الثورات العربية الراهنة المفعمة بشعارات الحرية واحترام التعددية والبعيدة من الشعارات الإيديولوجية، وخصوصية تشكلها كرد عميق على مرحلة طويلة من الفساد والاستبداد أورثت مجتمعاتنا حصيلة تنموية محبطة ومخيبة للآمال، والأهم كونها تجري ضمن نسق لتحولات تاريخية عربية تتعاضد على الخلاص من عصر الديكتاتوريات والوصاية، وضمن مناخات عالمية داعمة موضوعياً للفكر الديموقراطي وحقوق الإنسان

* كاتب سوري

---------*********************-----------

سباق الأمني والسياسي في سوريا .. فايز سارة

السفير

تبدو الحالة السورية في سباق بين الأمني والسياسي في إطار معالجة الأوضاع التي تطورت اليها حركة احتجاج السوريين على اوضاعهم، وتظاهراتهم المطالبة بالحرية والكرامة، التي بدأت قبل شهرين، غلب فيهما لجوء السلطات الى المعالجة الأمنية العنيفة، فيما كانت الدعوات الشعبية تركز على المعالجة السياسية للأوضاع، قبل ان يبدأ الحديث الرسمي عن معالجات سياسية تتواصل بالحوار، الذي قال عدد من المسؤولين السوريين إنه سيبدأ، وانه تم تشكيل لجنة للحوار الوطني برئاسة نائبي الرئيس فاروق الشرع ونجاح العطار.

وسط تلك الحالة، لا يبدو الخيار السوري في معالجة الاوضاع، قد استقر بصورة واضحة. فالقول الرسمي بالتوجه الى الحوار، لا يجد له الصدى القوي في الشارع السوري الذي اتسمت تحركاته الاخيرة بالتكثيف المتزايد، ليس من خلال تزايد التظاهرات واتساعها وتشدد شعاراتها فقط، بل في إطلاق شروط لعملية بدء الحوار، وهو امر كشفت عن تفاصيله وثيقة اصدرتها المنسقيات المحلية في المدن والمحافظات السورية، والتي يمكن اعتبارها البؤرة الأساسية أو المركز الموجه لحركة الاحتجاج والتظاهر السوري، وقد أكدت الوثيقة على نقاط ابرزها، وقف كافة أشكال القتل والعنف ضد المتظاهرين السلميين، وفك الحصار المفروض على المحافظات والمدن السورية، وعودة كافة الوحدات العسكرية إلى ثكناتها، وإطلاق سراح كافة المتظاهرين السلميين والمعتقلين السياسيين، ووقف ملاحقة المتظاهرين والنشطاء السياسيين والحقوقيين، وعدم التعرض للتظاهرات السلمية بأي شكل من أشكال المنع أو القمع، وتحمل الدولة لمسؤوليتها في ضمان سلامة المتظاهرين، وقف كافة أشكال حملات التجييش والتخوين والكذب الإعلامية المنهجية التي تمارسها وسائل الإعلام الحكومية وشبه الحكومية، والسماح بدخول وكالات الأنباء العربية والعالمية لتغطية ما يحدث في الشارع.

وأشارت الوثيقة في إطار رؤيتها لموضوع الحوار، الى ان التمهيد للحوار»الوطني الشامل المنشود» يجب أن يقوم على أسس واضحة حتى يستطيع أن ينتج حلولا جذرية للأزمة الوطنية التي تمر بها سوريا، ومنها عدم تجزئة الحوار إلى حوارات متعددة تتم في كل محافظة أو منطقة على حدة، وأن تتمثل كافة الشرائح والقطاعات في الحوار بممثلين يتم اختيارهم بشكل حر على قدم المساواة والندية، وأن يكون للحوار جدول أعمال محدد وسقف زمني محدد، وأن يتم التوافق على ما سبق، مع «تأكيد على إحالة كافة الأشخاص الذين تلوثت أياديهم بدماء المواطنين السوريين كافة، العسكريين منهم وعناصر الشرطة وعناصر الأمن، على محاكم علنية تتوفر فيها شروط المحاكمات العادلة، تنقل مجرياتها عبر الإعلام»، وأن يتم وقف كافة حملات التجييش الطائفي البغيضة ومحاولات تفكيك النسيج الوطني، التي تهدف إلى إضعاف الحراك المدني السلمي والتشويش عليه وإخافة المواطنين السوريين من التغيير الديموقراطي السلمي.

وقريباً من محتويات هذه الوثيقة، كانت قد تكرست في الشهرين الماضيين مطالبات النشطاء السوريين بخلق بيئة تمهد للحوار في سوريا، يتم من خلالها إطلاق المعتقلين والسجناء السياسيين، وإقرار حزمة تشريعات سياسية وقانونية تتعلق بقوانين الاحزاب والصحافة ورفع الطوارئ، ووقف العنف والاعتقالات ومحاسبة الضالعين بأعمال قتل المتظاهرين، وقد تقاطعت مطالب التحالفات، وبينهما تحالف اعلان دمشق والتجمع الوطني الديموقراطي، مع الاحزاب السياسية وآخرها الاحزاب الكردية السورية مع تلك المطالب عبر المبادرة التي اطلقتها مؤخراً الاحزاب الكردية.

وبصورة عامة، فقد انجزت حركة الاحتجاج والتظاهر، والنشطاء والمستقلون والجماعات السياسية السورية، ملامح رؤيتها لعملية الحوار وما يسبقها وما تحتويه من معالجات بهدف الخروج من نفق الازمة القائمة، لكن الجانب الحكومي، لم يعلن عن رؤية مماثلة في عموميتها، بل إن كل ما أعلنه في هذا السياق، هو مجرد فكرة إطلاق الحوار من دون اية تحديدات، وهو امر يكرس مخاوف، ان الحوار من جانب السلطات، لا يتجاوز الفكرة الى محتوياتها وأهدافها، ومما يزيد هذه المخاوف، ان القرارات الحكومية الاخيرة في موضوعي رفع حالة الطوارئ والسماح بالتظاهر، وإطلاق سراح معتقلي الاحداث الاخيرة وعدم إطلاق الرصاص على المتظاهرين، لم تجد لها طريقاً للتطبيق الفعال بصورة تقنع المحتجين والمتظاهرين بجدية تلك القرارات، بل إن الأهم من ذلك كله، وجود قناعة واسعة في الاوساط السورية الواسعة، بأن السلطات مستمرة في خيارها الأمني في معالجة الوضع القائم، رغم كل الإيحاءات والمؤشرات الرسمية بوجود واعتماد خيار المعالجة السياسية.

في ضوء تلك المعطيات، يستمر السباق بين الأمني والسياسي في سوريا، لكن هناك مخاوف جدية في ان استمرار ذلك يحمل خطر خلق وقائع عنيدة وجديدة، لا يمكن بعدها التوجه الى مسار المعالجة السياسية للوضع القائم، بل إن ثمة خشية من ان الغرق في مسار الحل الأمني يمكن ان يقود النظام، وربما البلد كله، الى انفجارات، تتجاوز السيطرة المطلوب الوصول اليها عبر المسار الأمني، لأنه عندما يتم إطلاق خيار القوة بكل زخمه ووحشيته، فإنه من الصعب التوقف عند الحد الواجب التوقف عنده بالضبط.

 ([) كاتب وسياسي من سوريا

---------*********************-----------

أوباما ليهود الإيباك: احذروا أصدقاء إسرائيل يرحلون ... زهير سالم*

بعد زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة مباشرة، وقبل خطاب الرئيس باراك أوباما في منظمة ( الإيباك ) أكبر تجمع للوبي اليهودي المدافع عن إسرائيل في الولايات المتحدة؛ خرجت علينا السيدة كلينتون بتصريحها الذي كشف الأوراق، وأريد منه أن يهدئ بلبال اليهود داخل إسرائيل وخارجها، ويصادر مفاعيل قرار العقوبات ( المتعجل ) ضد بشار الأسد قالت كلينتون: ( ما قدمه الرئيس بشار الأسد من إصلاحات لم يقدمه أي زعيم آخر .. ولفتت أنه لا توجد نية للمزيد من الخطوات القاسية ضد سورية ) وكان الشطر الأول من التصريح مقدمة وكان الشطر الأخير رسالة التطمين التي طلبها نتنياهو وانتظرتها الإيباك..

 

لم تكن المعارضة السورية القويمة والشريفة في أي يوم من الأيام جزء من أي مشروع دولي أو إقليمي. إننا حين نسجل ملاحظاتنا على ما يجري حولنا فإنما نحاول أن نفهم من خلال الوقائع كيف تجري الأمور في هذا الجزء من العالم، الذي هو وطننا. نحاول ان نتعرف على سر المكانة الخاصة والحماية المتميزة التي تمتع بها النظام الذي استطال على شعبنا، وظلم رجاله ونساءه، بنيه وبناته، عربه وكرده، المتدينين والعلمانيين فيه.

 

بعد تصريح السيدة وزيرة الخارجية الأمريكية المطمئن والذي يضمر الاعتذار كما يعد بالبشارة التقى السيد أوباما منظمة الإيباك، وكان اللقاء تصالحيا مع القوم، تفسيريا لما أشكل على عقل ( نتنياهو ) الضيف المدلل الذي لم يفقه الكثير مما قاله سيد البيت الأبيض. فالديمقراطية الأمريكية لا تعني الاعتراف بمن يختلف على إسرائيل مهما كان تمثيله في الشارع العربي. و( حدود السابعة والستين ) هي مجرد عنوان لبند على جدول أعمال لحدود ينبغي أن يُعاد رسمها بموافقة دولة إسرائيل. وإسرائيل ينبغي أن تظل ذات اليد الطولى في المنطقة ( لتعز من تشاء وتذل من تشاء ) ليس على مستوى الدول فقط بل على مستوى التجمعات والأحزاب والأفراد أيضا. والمساعدات الأمريكية لم تتأثر ، بل زادت، في ظل حالة الجدل المحتدم والذي لا بد منه لتضبيب الأجواء وعلى الأصدقاء أن يتفهموا ذلك. ولم ينس اوباما (شاليط) الجندي الإسرائيلي الأسير الذي يجب أن يهب كل العالم لنجدته، والذي يجب أن تقهر ملايين البشر للإفراج عنه. وكان بيت القصيد والمحطة الأكثر حسما وإثارة للانتباه في حديث أوباما استشفاعه بالثورات العربية لتفسير موقفه الأكثر إلحاحا على السلام.. هناك أمور تجري في المنطقة ستكون خارج إطار سيطرتنا، إن أصدقاء إسرائيل يرحلون. والحرس الذين ساعدونا على حفظ أمنها على مدى أربعة عقود بعضهم رحل وبعضهم يستعد للرحيل. يجب أن تبتهلوا الفرصة وتصلوا إلى صيغ تحميكم قبل القادم الجديد. انتبهوا قبل القادم الجديد أي قبل الحكم الوطني السوري الرشيد..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي 

---------*********************-----------

حول أي حوار قادم في دمشق! .. أوس المبارك *

الحياة

لا شك في أنّ تأخُّر استخدام «النظام السوري» لورقة الحوار كان خطأ فادحاً يضاف إلى أخطائه اللامتناهية، والتي يلجأ دوماً إلى تجاوزها أو عدم الاعتراف بها، عبر فرض مبدأ القوة العنفية كحلٍّ جاهز لكل تحدٍّ قائم في الداخل.

واليوم، إن تمّ هذا الحوار «الشامل» كما قيل، فإنه سيكون لمصلحة «النظام» بكل الأحوال. أحزاب معارضة تقليدية لا تعبّر عن طموحات الشارع، منظمات مجتمع مدني مغيَّبة، معارضون مستقلون كثير منهم متقدمون على تلك التنظيمات الحزبية لكنهم لا يَرْقَوْن إلى تمثيل الشارع، رغم وجود أصوات منهم تنال احتراماً بين بعض قطاعاته، وشارع لا يمكن وجود ممثلين منه بعد عقود على تغييب فاعلياته السياسية، وتحت الظروف الحالية التي تجعل التواصل والحوار بين مكونات الشارع صعبة كي يستطيعوا اختيار ممثليهم.

لا أقصد هنا القول إنه لا يمكن أن توجد بدائل ديموقراطية تمثل الشارع السوري، بل إن الحوار الذي يمكن أن يتم اليوم لن يكون مُرْضياً للمتظاهرين أو يلبي طموحاتهم في تمثيل ديموقراطي، أو يستطيع مثلاً كفَّهم عن التظاهر في حال التماس وجود منهج إصلاحي وحوار حقيقيَّيْن، كما أنه لا يمكن للمتظاهرين الوثوق بأي حوار والحال في الشارع على ما هو عليه.

ما أود قوله هنا، في خلاصة اللقاء بكثير من الأصدقاء المتظاهرين أو الذين تعرفتُ إليهم أثناء حراك التظاهر، أن الحوار غير ممكن تحت ظل تلك العوامل وغيرها، ولا أدّعي هنا تقديم رأي أوحد للشارع، بل هو أحد الآراء الموجودة، والتي بسبب الظروف القائمة أيضاً لا يمكن معرفة انتشارها من عدمه، لذلك فإن ما يجب إيجاده الآن من حيث المبدأ قبل أي حوار هو:

1- إيقاف القتل وقمع التظاهرات والاعتقالات وحصار المدن، وسواها من متطلبات كفّ أيدي أجهزة الأمن عن حياة المواطنين.

2- إطلاق سراح جميع المعتقلين، سواء من معتقلي الاحتجاجات الجارية أو المعتقلين منذ سنين، والذين صدرت بحقهم أحكام جائرة.

3- تقديم كل مَن أمر بإطلاق النار إلى محاكمات عادلة وشفافة.

4- إطلاق الحريات الإعلامية والسياسية.

ولا تمثل هذه المطالب ملخصاً لجميع المطالب، لكنها تفتح مجالاً لإمكانية وجود حوار شامل مع «النظام» وبلورة قيادات وممثلين للمحتجين حتى ينال الحوار شرعيته ويكون مستنداً إلى بعض الثقة، ثقة المحتجين بممثليهم وبجدية «النظام» في الحوار، وإلا... فإن المحتجين، كما نرى، لم يُترك لهم خيار في نيل حقوقهم سوى إسقاط «النظام»!

* ناشط سوري

---------*********************-----------

أحمد المسالمة.. شاهدا على درعا الشهيدة .. ياسر أبو هلالة

الغد الاردنية

من قبيل المضحكات المبكيات يمكن مشاهدة التلفزيون الرسمي السوري، وما تناسل عنه من الفضائيات "الخاصة" التي لا تختلف عن القوات الخاصة التي تواصل ارتكاب جرائمها بحق الشعب السوري الثائر من أجل الحرية. غير أن الإعلام السوري بلغ حدا من السماجة تجعله مبكيا مثيرا للرثاء من دون سخرية.

تكفي فضيحة المجزرة الجماعية في درعا التي نفى في البداية وقوعها، وبعد ظهور الصور تلعثم وقال إنها للدفاع المدني. وبما أن الدفاع المدني لا يجند أطفالا، اضطر الإعلام السوري أخيرا لإذاعة خبر عن تشكيل لجنة تحقيق! أجزم أن اللجنة ستخرج بنتيجة تقول إن المجزرة نفذها سلفيون إرهابيون لأن العائلات الشهيدة كانت تهتف من أعماق قلبها "منحبك"!

الرد على الإعلام السمج كان من خلال الإعلام الثوري الذي تمكن من رصد الجرائم قبل وأثناء وبعد وقعوها. وكما عرّت الثورات أسوأ ما في الأنظمة من سلوك إجرامي، بذات القدر أظهرت أجمل ما في الشعوب من قدرات خلاقة ووعي وذكاء وجرأة وتحد.

لم يدرس هؤلاء في أرقى جامعات الغرب "نيو ميديا"، ولم يشاركوا في ورشات عمل في مؤسسات ذات تمويل غربي عن الشبكات الاجتماعية، ولم تتح لهم فرص للتنافس في شراء أحدث الهواتف الجوالة وأجهزة الحاسوب، جلهم يمتلكون القليل من الإمكانات المادية، ضاعفها إيمانهم بالحرية.

منذ بداية الثورة السورية، بعفوية، في درعا، تمكن شباب سورية من توثيق ما حصل بدقة ونشره على أوسع نطاق رغم منع كل وسائل الإعلام من دخول درعا، من الأطفال الذين جرى تعذيبهم في فرع الأمن السياسي على يد العميد عاطف نجيب، إلى المقبرة الجماعية بعد دخول الجيش.

أتيح لي أن أتواصل مع أحد هؤلاء الأبطال، وكم كان مفجعا خبر استشهاده. أحمد المسالمة يبلغ من العمر 37 عاما، وله عائلة وأطفال، فجع باستشهاد شقيقته ابنة 12 ربيعا بذنب أنهم يسكنون قرب الجامع العمري. بدأ نشاطه الإعلامي "شاهد عيان"، وسمع الناس صوته على "الجزيرة"، ثم بدأ يصور ويرسل الصور. لم يكن يفعل ذلك من أجل مقابل مادي، كان يدرك أن ذلك قد يكلفه حياته. تمكن من تصوير الكتائب السوداء في المظهر والمخبر. وشاء الله أن يقضي بطلقة قناص. وهو كان يقول لمن يحذرونه من جرأته الزائدة: "لسنا أفضل ممن استشهدوا".

لم يكن حزبيا، ولم يتعاط السياسة قبل الثورة، إلا أنه في حديثه كان عميقا وواعيا. قلت له يوما (طبعا الحديث على الشبكة الأردنية التي يلتقط بثها في درعا): إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الثورة السورية الانزلاق إلى الطائفية. فرد: هم الطائفيون، ولن نكون مثلهم.

سيفتخر أبناء أحمد أن والدهم أسهم في كشف الجريمة التي تعرضت لها درعا، بقدر ما سيشعر أبناء المجرمين بالعار لأن آباءهم شاركوا في الجرائم. لكن الجميع سيعيشون في سورية الغد بتسامح وتعايش وديمقراطية.

إلى رحمة الله يا أحمد ويا كل شهداء سورية، والمجرمون مكانهم في الجحيم.

---------********************------------

يجب إضعاف و إنهاك و تخريب عمل منظومتي القمع و النهب التابعة للنظام .. مازن كم الماز

ما يجري في سوريا ثورة , لجماهير عانت من اضطهاد النظام و تعاني اليوم من ماكينة قمعه المنفلتة لأنها تجرأت على المطالبة بحريتها و كرامتها و بوقف استغلالها من قبل النظام , و هذه الثورة بحاجة لتطويرها باتجاهات عدة , منها ضم كل المناطق و الطبقات المضطهدة من قبل النظام إليها و منها تطوير مؤسسات محلية شعبية جماهيرية ديمقراطية في مواجهة مؤسسات النظام , لكن إضافة إلى العمل في سبيل تجذير صفتها الجماهيرية و الديمقراطية لا بد أيضا من إضعاف خصمها الرئيسي أي النظام , تمهيدا لانتصارها .. لا شك أن النظام يعتمد اليوم على منظومتي القمع و النهب أساسا في محاولته لسحق الانتفاضة السورية , إضافة طبعا لإعلامه و محاولته شق صفوف الجماهير و تقسيمها طائفيا , الأمر الذي لقي مساعدة من قبل بعض القوى الموجودة في الشارع السوري الثائر للأسف , لكن الجزء الأساسي في الجهد العسكري و الأمني للنظام ضد الجماهير المنتفضة يقوم على مؤسساته و أجهزته القمعية , أما بالنسبة لدور منظومة النهب فإن رامي مخلوف الذي راكم في جيوبه و حسابه معظم الثروة الوطنية من خلال دوره المركزي في منظومة النهب التابعة للنظام , هو اليوم الممول الأكبر لمجموعات الشبيحة و الإعلام الأصفر التابع للنظام ... لذلك فإن نجاح الانتفاضة سيتحقق من خلال مضاعفة قوة الجماهير المنتفضة بضم كل ضحايا قمع و نهب النظام إلى الثورة و من خلال تكريس و تجذير طابعها الشعبي , العفوي , الديمقراطي , و أيضا من خلال إضعاف قوة خصمها , لا سيما مؤسستي القمع و النهب التابعتين للنظام .. في كثير من المواقع ما تزال الانتفاضة اقل تطورا خاصة في مدينتي حلب و دمشق , حيث تتركز بدرجة كبيرة مؤسسات النظام تلك التابعة لهاتين المنظومتين , القمعية و منظومة النهب , هنا يمكن إلى جانب تطوير فعاليات و كفاحية الجماهير , يمكن أيضا العمل بفعالية على إضعاف قوة مؤسسات النظام و خاصة منظومتيه الرئيسيتيين , القمعية و المتعلقة بنهب الشعب السوري و خاصة طبقاته الأكثر فقرا .. عادة ما توجه دعوات المشاركة في مثل هذا النضال الضروي للخلاص من الاستبداد إلى من يسمون بالسوريين الشرفاء , أنا لا أعتقد أن القضية هي قضية سوريين شرفاء أو غير ذلك , هناك بشر , سوريين , هم غالبية هذا الشعب العظمى , يقمعهم و يقهرهم و يسرقهم النظام , هؤلاء لهم مصلحة مباشرة في إنهاء هذا القمع و هذا النهب , صحيح أن البعض لا يعون هذه المصلحة لكن هذا شيء آخر , و صحيح أن البعض قد يتصرفون ضد مصلحتهم الطبقية , أي أن يقفوا إلى جانب النظام الذي يقهرهم و يسرقهم موضوعيا , لكن الحقيقة أن الدعوة للانضمام للانتفاضة تعني كل ضحايا النظام من أي طائفة أو مذهب أو دين أو قومية , كل من جاع و عانى من سياسات النظام , و إذا تمكنت الانتفاضة من تحشيد كل أو أغلب هؤلاء الضحايا فإن سقوط الاستبداد و انتصار الانتفاضة سيصبح أقرب من أي وقت كان .... لكن خاصة في دمشق و حلب يستطيع ضحايا النظام الراغبين بالانضمام إلى الثورة أو المساعدة في تقدمها و تطورها أن يساعدوا أيضا بوسائل أخرى منها خاصة تخريب عمل منظومتي النظام الرئيستيين هذه , و أيضا تطوير أشكال النضال الأخرى التي قد لا تقابل بالقمع الوحشي المعتاد في وجه المظاهرات و المحتجين , إن استكمال كسر حاجز الخوف و التعبير بأشكال مختلفة عن الاحتجاج سيشكل مساهمة هامة في تقدم الانتفاضة و تعزيزها و تطويرها خاصة في دمشق و حلب , أعتقد أن جزءا كبيرا من مهمة تطوير الانتفاضة يقوم على تطوير أشكال جديدة للمقاومة ( يمكن للعاملين في مؤسسات رامي مخلوف المختلفة أن يقوموا بعرقلة أعمال هذه المؤسسات و محاولة الاستفادة منها لنشر رسالة الانتفاضة أو لمنعها من نشر رسالة النظام , يمكن القيام بالكثير و العديد من الوقفات الاحتجاجية القصيرة , في نفس الوقت , من قبل جماعات محدودة العدد , تنادي بشعارات الانتفاضة أو حتى بشعارات أخرى يختارها الشباب , يمكن القيام باشكال اقل صخبا للمقاومة , إن تكرار أفعال المقاومة يوميا او حتى عدة مرات يوميا و تراكمها هو الأهم , و من الممكن طبعا تصعيد أشكال المقاومة هذه عندما تكون كفاحية الناس عالية و استعدادهم لمواجهة أجهزة القمع كافي لمثل هذه النقلة النوعية في الاحتجاج , العمل اليومي في المدارس , الجامعات , أماكن العمل , النقابات , في الأسواق , الأماكن العامة , لفرض شعارات الانتفاضة على النقاش اليومي و فضح عملاء النظام و سياساته , و تحشيد العمال و الموظفين ضد الإدارات البيروقراطية الفاسدة و في سبيل حقوقهم هذا ممكن جدا اليوم مع انشغال الأمن بسحق الانتفاضة , يجب أيضا مفاجأة الأمن باستمرار حيث لا يتوقع و حيث تكون حركته و إمكانية استخدامه للقمع محدودة ) يجب تحويل المقاومة إلى حدث يتكرر في كل دقيقة في أماكن متعددة جدا , و يتجاوز عند الضرورة الشكل التقليدي للتظاهر ضد سياسات و قمع و نهب النظام , بما يرهق أجهزة قمع النظام و يشل قدرتها حتى على مواجهة كل هذا العدد من أشكال المقاومة و يحفز أعدادا أكبر فأكبر من الجماهير على التعبير عن موقفهم الرافض للنهب و القمع و الاستبداد , هام جدا أيضا التشديد على تجذير الطابع الشعبي و الديمقراطي للانتفاضة , يجب أن يكون هذه جزء من رسالة المحتجين و كل المشاركين في أعمال المقاومة لبقية الجماهير السورية , يجب إفشال مخطط تقسيم الجماهير السورية و زرع الخوف بينها , هذه ثورة شعبية , و عفوية , و أكثر من ذلك فهي ثورة شبابية , ضد نظام لا يحترم أي إنسان أو أي شيء و لا يؤمن إلا بمصالحه , ضد نظام يقهر و ينهب كل السوريين الفقراء و العاديين و يهمشهم و في نفس الوقت مستعد لقمعهم بشكل همجي إذا خرقوا جدران الصمت و الخوف التي حاصرهم أو سجنهم داخلها , نقطة هامة جدا هنا هي أن الانتفاضة تحمل صفة الطبقة أو الفئة أو الطبقات و الفئات المشاركة بها , إن تحفيز الكادحين , خاصة العمال و الفلاحين الفقراء , على التعبير عن احتجاجهم على النظام سيزيد من الطابع الديمقراطي و الجماهيري للانتفاضة السورية , و أيضا مشاركة أكبر و مستمرة لليسار السوري ستساعد في تحقيق نفس الهدف ...

---------********************------------

الاضطراب السوري والسياسات الأميركية .. رضوان السيد

الاتحاد

على مشارف خطاب أوباما يوم الخميس الماضي بشأن الربيع العربي، وما سيُعلنُ عنه من معالجاتٍ بشأن النزاع العربي الإسرائيلي، أعلنت الولايات المتحدة عن عقوباتٍ منفردةٍ تناولت الرئيس السوريَّ وعدداً من معاونيه. واقترن ذلك بتصريحٍ لوزارة الخارجية الأميركية بأن على الرئيس الأسد قيادة التغيير أو الرحيل! وبينما اعتبر مراقبون هذه العقوبات مفاجئةً لأنها تجاوزتْ العقوبات الأوروبية التي أُعلنت قبل أُسبوعين، ذهب المتحدثون الأميركيون إلى أنها تتمُّ في سياقٍ مضى على السير فيه شهرٌ وأكثر، لكنّ الأسد ما تجاوبَ مع التحذيرات والإنذارات؛ إنْ لجهة التوقف عن قمع المتظاهرين، وإنْ لجهة السير في الإصلاحات التي وَعَدَ بها. وما يقوله الأميركيون بشأن المطالب التي عرضوها، قاله قبلهم الأوروبيون والأتراك والعربُ الخليجيون. وقد تحركت اللجنة الدوليةُ لحقوق الإنسان، وتحرك الأوروبيون وأصدروا عقوباتٍ ما تناولت الرئيس الأسد، واجتمع مجلس الأمن وفشل في إصدار قرارٍ لاعتراض الروس والصينيين. وقد اعتبر المعارضون السوريون في الخارج، وكذلك لجنة العفو الدولية والصليب الأحمر، أنّ هناك تباطؤاً في الضغط على النظام السوري لإيقاف القمع، ودخول لجان التحقيق، وقوافل المُساعدات. وهكذا فالحديثَ عن مسارٍ في ردود الفعل الدولية صحيح، لكن الصحيح أيضاً أنّ الجميع كانوا مترددين في اتخاذ إجراءات صارمةٍ، وبخاصةٍ أنّ التظاهرات في سوريا تدخل شهرها الثالث، وهناك حوالي ألف قتيل وعشرة آلاف معتقل، فضلاً عن عشرات الأُلوف من المشرَّدين بالداخل السوري، وعلى الحدود مع تركيا ولبنان. فما الذي حصل الآن ويحصل؟ وما هي اعتباراتُ سائر الأطراف في النظر إلى الوضع في سوريا؟

لنبدأ بالنظام السوري نفسه. فقد تأخَّر في الاعتراف بالمشكلات بالداخل حتى انكشفت مسألةُ درعا، وامتدّ الاضطراب إلى بانياس ودوما واللاذقية وحمص وسائر أنحاء البلاد، ربما باستثناء حلب ودمشق. هذه التظاهرات كُلُّها ووجهت بعنفٍ مفرط، وما تحدث عنها الإعلام الرسمي، ولا نملكُ بشأنها من جانب النظام غير خطاب الرئيس في مجلس الشعب، والذي وعد فيه بالإصلاح إنما بعد إنهاء الاضطراب، كما شكّل حكومةً جديدةً يقالُ إنها تدرس مشروعات قوانين إصلاحية بعد إلغاء قانون الطوارئ. وقد تشكلت قبل أيام لجنةٌ عليا للحوار. إنما كُلُّ ذلك على وقْع أحداث الاضطراب والتظاهر، واتهامات النظام للمتسللين والإرهابيين والسَلَفيين وحتى تيار "المستقبل" بلبنان!

ومنذ الأُسبوع الثالث للتظاهُر، ما عادت تصريحات الإعلام السوري، وأحاديث الرسميين في دمشق تُقْنعُ أحداً. لذلك توالت مطالبات الأتراك والأوروبيين والأميركيين للأسد بالمسارعة في الإصلاح، والتوقف عن قمع المتظاهرين. وبعد شهرٍ على التظاهُر ما بقي مع النظام السوري كثيرون، وصمت الخليجيون بعد تأييدٍ مبدئيٍّ للاستقرار والإصلاح. ثم جاءت العقوبات الأوروبية قبل أُسبوعين، وتلتْها العقوبات الأميركية التي طالت الأسد للمرة الأولى.

لقد كان النظام السوريُّ يدركُ نقاط قوته بالخارج الإقليمي والدولي. فمنذ البداية، ورغم ما حصل في تونس ومصر، ما كان أحدٌ يعمل على إسقاط النظام أو يرغب بذلك. أمّا العربُ فمهتمون ومعنيون بالاستقرار بالداخل السوري الذي كان عماداً للاستقرار في بلاد الشام المضطربة؛ بخاصةٍ بعد ما حصل بالعراق وللعراق، ثم ما يحصل في ليبيا واليمن. وقد بلغ الجزعُ بأردوغان أَنْ حذَّر من انقساماتٍ طائفيةٍ بالداخل، كما حذَّر من حدوث ما يشبه مذابح حماة وحلبجة. ولدى الأوروبيين والأميركيين ثلاثةُ اعتبارات: أهمية الاستقرار السوري لاستقرار المنطقة، وضمن ذلك العراق ولبنان. وأهمية تماسُك النظام الذي هدأت جبهتُهُ مع إسرائيل رغم احتلال أرضه منذ عام 1973. وأهميةُ بقائه قوياً وحاضراً لهذا العام، عندما يجري التفاوُضُ على حلِّ الدولتين في فلسطين، فالحلُّ الشاملُ غير ممكنٍ ما دام الجولان محتلاً، ولابد من التفاوض على ذلك مسبقاً أو بالتوازي مع التفاوُض الفلسطيني الإسرائيلي. وهذه الاعتبارات أطمعت أهل النظام في سوريا، وهو ما صرَّح به رامي مخلوف ابن خالة الرئيس لصحيفة "نيويورك تايمز"، إذ قال "إنهم" سيقاتلون إلى النهاية، وحذَّر إسرائيل من أنّ استقرارها مرتبطٌ بالاستقرار في سوريا! وأخطأ أهل النظام عندما حرَّكوا الجبهة بالفعل، وهي التي لم تتحرك منذ آماد؛ فقد أرسلوا في ذكرى النكبة مئات المتظاهرين لاختراق الشريط الشائك في الجولان، بينما كانت مئاتٌ أُخرى من المتظاهرين الفلسطينيين، تتحدى الإسرائيليين على الحدود اللبنانية. وأسفرت الاشتباكات عن 14 قتيلاً من الهاجمين. وبعد هذه الحادثة الدموية بدأت كلُّ الاعتبارات السابقة بالتساقُط: فالسوريون يحاولون الابتزاز بإمكان إشعال الجبهة التي يصل إليها الشباب بباصاتٍ منظَّمة، في حين لا يستطيع متظاهرٌ أن يخرج إلى الشارع بحمص ودرعا وغيرهما ويبقى آمِناً. وهكذا وبعد أعوامٍ من مساعي الحل التفاوُضي يثبُتُ الآن أنّ السوريين لا يريدون الحلَّ أو لا يقدرون عليه. ولذا فإنّ الدوس على القدم بقسوةٍ من أجل تغيير السياسات ما أثبت جدْواه، ولابد من البحث عن شريكٍ سوري جديد في التفاوُض على الجولان، والمشاركة في السلام الشامل. والنظام السوري عاجزٌ عن تحقيق الاستقرار حتّى بالقمع، لأنه لا يريد الإصلاح أو أنّ ذلك ليس من طبيعته. ويبقى الأمر الأخير في صالح النظام، وهو أنّ البديل غير متوافرٍ حتى الآن، إذ ما برز أحدٌ في الداخل، ومعارضة الخارج ما استطاعت حتى الآن جمع صفوفها. فالاتجاه الأميركي المفاجئ أو غير المفاجئ، إلى الرأس مباشرةً، المقصودُ به أنّ النظام ما عاد صالحاً للسلام أو للإصلاح أو للاستقرار، ولابُدَّ من انضاج البديل بالتعاون مع المعارضة الداخلية والخارجية للنظام!

هل يكفي هذا كلُّه لتعليل ما يحدث؟ كلام رامي مخلوف وآخرين عديدين يدعم مقولة "الفوبيا" بالتعصب الإسلامي والذي سينتهج المذابح الطائفية تجاه الأقليات!. وهي الفكرة نفسها التي كررها أردوغان وإن بطريقةٍ معكوسة: إنّ الأقلية هي التي سترتكب المذابح! والمؤكد أنّ شيئاً من ذلك لن يحصل، فالمتظاهرون والمتحدثون باسمهم لا يظهر عليهم التعصب الطائفي. وبعد نهاية الحرب الباردة، وطغيان وسائل الاتصال، ما عادت المذابح الكبيرة ممكنةً حتّى لو أرادها هذا المتسلِّط أو ذاك. ولذا فالراجح أن صخرية النظام تعود لأمر أساسي، هو الاقتناع بأنّ عمليات التحول الديمقراطي سوف تُزيلُ العهدَ كلَّه. وما من أحدٍ في الجيل الثاني للعهد والنظام والأُسرة مستعدٌّ للتسليم بذلك، وهذا ما ثبت في حالات مبارك وبن علي والقذافي وصالح.

بعد درعا والصنمين وبانياس ودوما واللاذقية وحمص وحماة والرستن وتلكلخ ونوى وداريا.. إلخ، سقط حاجز الخوف، ودخلت سوريا في زمن الاحتجاجات العربية. إنما التكلفةُ ضخمةُ بضخامة الرهان، رهان انتهاء الاستثناء العربي، وتغيير مصائر المنطقة العربية، بنزول الجمهور العربي إلى شوارع دساكره التي اضطر لمغادرتها قبل أربعين عاماً!

---------*********************-----------

سورية على المفترق: إصلاح هيكلي ام تقني؟ .. ميشيل كيلو

القدس العربي

 ليست الثورة السياسية فعلا قصيرا ينجز بضربة واحدة. وليست انقلابا يطيح بما هو قائم خلال زمن محدد لا يتعداه، يحل محله واقع بديل هو نقيضه الذي لا يشبهه في أي شيء. ومع أن هناك من رسم هذه الصورة للثورة، وقال إنها فعل انقلابي نوعي يتم بضربة واحدة، يعقب مرحلة تراكم كمي طويلة، ويتم بصورة مخططة أي واعية، تتبدل قبل وقوعه موازين القوى السياسية والاجتماعية، وتنجزه تنظيمات متفوقة في النظر والعمل على مثيلتها لدى الخصم، كما في أدوات التغيير.

قبل حدوث فعل الثورة، يمر النضال من أجلها في طور يشبه محاصرة القلاع، التي كانت نتائج الحروب تتوقف على إسقاطها، فكان من الضروري أن يتم الاقتراب منها بحذر شديد وأن تتم محاصرتها من بعيد في البداية، بعد عمليات تمويه وحفر خنادق وإقامة سواتر تحمي المهاجمين، الذين ما أن يحكموا حصارهم عليها ويقتربوا إلى مسافة كافية منها، ويبدلوا ميزان القوى بينهم وبين المحاصرين داخلها، حتى يبدأ اقتحامهم لها، ويتركز على نقاط ضعفها والتغلغل عبر ثغراتها.

هذه كانت خطة لينين في الثورة، أما ماوتسي تونغ، قائد الثورة الصينية، فقد قلدها ونقلها إلى الظروف الصينية الخاصة، فاعتبر المدن قلاع النظام والفلاحين جيش الثورة الذي يحاصرها إلى أن يسقطها.

في الحالتين، كانت الثورة عملية نمو من الضعف إلى القوة، ومن طبقة إلى مجتمع، ومن حزب إلى دولة، ومن نظرة ضيقة إلى رؤية واسعة، ومن مكان محدد إلى كل مكان، ومن جهات يتسم وجود الدولة فيها بالضعف البنيوي إلى حيث تتركز الدولة وتفرض سيطرتها، بما أن الثورة تعني إسقاطها وإحلال دولتها الجديدة محلها. بعد التراكم الكمي يأتي التحول النوعي، الذي يعبر عن انقلاب موازين القوى، واكتشاف نقاط ضعف القلعة، وتبلور نواة الدولة البديلة، فتكون الثورة فعلا انقلابيا قصيرا وحاسما.

يقول العلماء وكثير من الفلاسفة إن الثورة لا تحدث في الحقل السياسي وحده، وإن ثورات متعددة وقعت في الطبيعة أيضا، حيث أخذت شكل تراكم بطيء وغير منظور، دام في حالات كثيرة بضعة مئات أو آلاف السنين، في كل ثورة، أي في كل انقلاب نوعي عبر عن نفسه في ظهور جديد تخلق تدريجيا. وقد قيل إن الزراعة كانت ثورة، وكذلك الصناعة، ومثلهما ظهور الأديان ... الخ، لذلك لا يشبه نمط الثورة السياسية في الظاهر نمطها الطبيعي / المجتمعي، مع أنه يستعير منه في المضمون مسألة التراكم الكمي الذي ينقلب إلى تحول نوعي، بعد نقله إلى فسحة المجتمع، حيث يتحول الفعل الثوري إلى توجيه مقصود وواع للتراكم يجعله يذهب عن وعي وبإرادة البشر، وبأقصى سرعة ممكنة، نحو انقلاب نوعي هو الثورة. بقول آخر: للثورة مرحلتان، تبدأ أولاهما في بلورة منظومة وعي بديل ضمن واقع تتراكم أحداثه وتتبدل بتأثير الفاعلية الإنسانية التي يطلقها، وتبلغ ذروتها، أي تنجح، حين يعاد إنتاجه انطلاقا منها، كتراكم محكوم بها، يذهب نحو تأسيس حاضنة نوعية هي المجتمع الجديد، الذي أنتجه التحول النوعي الواعي، الإرادي.

ليست الثورة العربية، التي نعيش فصولها الأولى اليوم، غير نتاج أخير لهذه المعادلة، مع تعديل جدي يطاول العديد من جوانبها، دون أن يبطل طابعها باعتبارها نفي جوهر ما هو قائم والإبقاء على بعض مظاهره وجوانبه، ودون نفي إمكانية الارتداد (الانتكاس) إليه، الذي يقع حكما إذا ما تضاربت إصلاحات الثورة مع طابعها، أو وسائلها التقنية مع هويتها الاجتماعية، أو تفككت عرى التحالف السياسي / الطبقي / المجتمعي الذي أنجزها وتضاربت اتجاهاته ووجدت أطرافه نفسها متناقضة المواقف والمصالح، أو عجزت رؤيتها الأيديولوجية التي أنتجت الواقع عن حل ما يظهر فيها من مشكلات، أو حالت دون بلورة تعبيرات نظرية عن ما يتخلق في هذا الواقع، الذي كان عند بدية الثورة جديدا، وتقادم بمرور الزمن إلى أن صار عقبة تجمد التطور أو تسد دروبه، فيتوقف مصير الثورة عندئذ على التخلص منه ... الخ.

تجد سورية نفسها اليوم أمام حالة كهذه، فقد أنتج نظامها نفسه انطلاقا من خلطة أيديولوجية قومية / اشتراكية تجد نفسيها عاجزة الآن عن إعادة إنتاجه وضمان استمراره في ظل الركود الذي أفضى التقيد بها إليه، والظرف الذي يتخلق من انتقال العالم العربي إلى طور يختلف عن الطور الراهن، الذي أنتج النظام قبل قرابة نصف قرن، والمشكلات التي نتجت عن تطبيقها، وعن عدم القدرة على ملاقاة الجديد والتعبير عنه. يضع هذه الواقع النظام أمام مسألة مهمة تتعلق بضرورة الإصلاح، والقطع مع سياسات تقطيع الوقت، عله يجد سبلا تحرره من ضغوط هذه الضرورة، التي تزداد إلحاحا كل يوم، ويجدها اليوم أمامه وقد تضخمت وتعددت جوانبها وتعقدت، وصار التملص منها يتطلب اللجوء إلى العنف ضد المواطنين الذين يريدون الاستجابة لها من خارج النظام الحالي، ممن فقدوا الثقة بقدرته على التفاعل الجدي مع المسعى الإصلاحي الهيكلي، وخرجوا يطالبون بإصلاحه في حاضنة جديدة عليه هي الحرية، وحين بدا لهم أنه يرفض ما يقترحونه ويريد إعادتهم إلى بيت الطاعة، بادروا إلى رفع سبابتهم في وجهه والمطالبة برحيله، خاصة وأنه كان قد شرع يستخدم الشدة ضدهم، لاعتقاده أن إخراجهم من الشارع سيتيح له ما يكفي من الودقت لبلورة حلول تحد من خسائره، ومن التغيير الذي عليه إجراؤه في كيانه الذاتي وخياراته السياسية، لإيمانه أنه الجهة التي ستدفع من الآن فصاعدا ثمن التطورات الداخلية والعربية والإقليمية والدولية الجارية.

باختصار شديد: بدا مطلب الحرية وكأنه يشير إلى نوع التغيير الذي يريده الناس : إنه تغيير هيكلي يطاول أسس النظام وركائزه وخياراته، سيغير قبول النظام بإجرائه الحاضنة القومية / الاشتراكية، التي نمت وتطورت خارج مفهوم الحرية وعلى النقيض منه، رغم أنها من شعارات وأهداف البعث المعلنة كحزب. بالمقابل، بدا النظام وكأنه يركز على إصلاح تقني سيكون في حالة إجرائه الثاني خلال عشرة أعوام، إلا إذا اعتبرنا الانتقال من الاقتصاد المركزي المخطط إلى اقتصاد السوق أمرا قليل الأهمية وليس خطوة إصلاحية بدلت واقع سورية الاجتماعي والاقتصادي تبديلا شديد العمق خطير النتائج.

بما أن نتائج الإصلاح الأول كانت سلبية جدا بالنسبة إلى معظم أبناء الشعب، فإن وعود الإصلاح الثاني لاحت غير جدية بدورها، وعمقت أزمة الثقة بين السلطة وقطاعات واسعة من الناس، وأدخلت البلاد في ما يشبه حوار طرشان، تعالت خلاله أصوات القوة من جهة والرفض من جهة أخرى: أصوات القوة السلطوية الراغبة في إصلاح تقني غير هيكلي، والرفض الراغب في إصلاح هيكلي يتخطى أي إطار تقني، ودخلت سورية في متاهة أعتقد أنها اشد خطورة بكثير مما يلوح على سطح الأحداث، رغم ما تحمله من دلالات مستقبلية ونتائج عملية تتجاوز ما ستنتجه القوة في مواجهة الرفض، والطريقة التي يرد من خلالها الرافضون على القوة.

هل توجد طريقة يمكن من خلالها إقناع النظام بتلبية مطلب الحرية، أي بالتغيير الهيكلي، في إطار يتعاون داخله مع قوى المجتمع السوري ويتخطى الإصلاح التقنوي؟. وهل توجد طريقة يمكن من خلالها إقناع الناس بقبول أو بوجود طريقة تقنوية يطبقها النظام تحقق مطلب الحرية؟. أعتقد أن مستقبل البلد والصراع الحالي يتوقف، بين أشياء أخرى، على نوع الإجابة على هذين السؤالين الجوهريين، اللذين أظنهما سؤالا واحدا، منظورا إليه من جهتين!.

وأعتقد أن أية حلول تسعى إلى الخلط بين الإصلاح الهيكلي والإصلاح التقنوي لن تنجح على المدى البعيد وستؤدي إلى انطلاق الأزمة من جديد، في مدى قريب، لأن الإصلاح التقنوي سيظهر الحاجة إلى إصلاح هيكلي كامل وناضج، مثلما حدث في تجارب الدول الاشتراكية السابقة، التي لعب هذا الضرب من الإصلاح دورا مهما في انهيارها وقيام إطار هيكلي مختلف هو الإطار الرأسمالي.

ولعله ليس سرا أن الإصلاح التقنوي الأول، الذي أخذ شكل انتقال إلى اقتصاد السوق، قد أسهم كثيرا في نشوب حركة الاحتجاج الراهنة، وأنه هو الذي فتح لأول مرة خلال خمسين عاما ونيف أعين قطاعات واسعة من أبناء الأرياف وفقراء المدن على ضرورة الإصلاح الهيكلي، الذي عبر عن نفسه في مطالبتهم العفوية والجماعية بالحرية، مع أنها كانت على مر التاريخ مطلبا مدينيا صرفا!.

هل سيجد السوريون جوابا صحيحا على هذه المعضلة، بعد توقف أعمال العنف وإطلاق سراح المساجين والموقوفين، وتأسيس بيئة حوارية من شأن توفرها تطبيع العلاقات بين المتحاورين وبالتالي إنجاح الحوار؟. هذا هو السؤال، الذي لا بد أن نجد جوابا عليه، مع أنه يبدو اليوم كأحجية لا حل لها، إلا إذا تغير الوضع، ووجد أحد الطرفين نفسه مجبرا على أو راغبا في قبول ما يقترحه الطرف الآخر. عندئذ، سيكون الإصلاح التقنوي ردا مأزوما وناقصا على الأزمة، التي ستتفاقم من خلال أشكاله الجديدة، والهيكلي ضرورة لن ينجح أحد في تحاشيها، أقله إلى أمد طويل!.

سورية على مفترق طرق سيقرر مصيرها، قد تكون تكلفته قاتلة في حال فشلنا كسوريين في الارتقاء إلى ما يفرضه الواقع والعقل علينا جميعا من خيارات مؤلمة!.

' كاتب وسياسي من سورية

---------*********************-----------

أين هو الرئيس بشار الأسد ولماذا لا يُشرك السوريين في الإصلاح؟! .. طلال سلمان

السفير

يكاد دوي الرصاص يغطي على الكلام عن الإصلاح في سوريا الذي تعهّد بإنجازه الرئيس بشار الأسد، ويطوي صفحة الحوار الذي شكّل له لجنة رئاسية لم يُنشر شيء عن جدول أعمالها وعن المدعوين ليشاركوا فيه، ولا خاصة عن موعد محدد للإنجاز.

تغطي الأحداث الأمنية كل ما عداها، خصوصاً وقد صار التواصل صعباً، وطغى هدير الدبابات وأصداء هتافات المتظاهرين والنعي الرسمي مصحوباً بالتشييع المهيب للضباط والجنود ورجال الأمن الذي يحتل مساحة ثابتة على شاشة الفضائية السورية، في حين تتناوب الفضائيات العربية النفطية على بث صيحات المتظاهرين وأعداد قتلاهم وصورهم المشوشة ولافتاتهم التي تتراوح كلماتها بين الدعاء وتمجيد الوطن والدعوة إلى إسقاط النظام.

في الإعلام الرسمي تتردد أوصاف «عناصر الفتنة» و«أهل الإجرام» و«العصابات المسلحة» أو «المضللين» و«المغرّر بهم» في أحسن الحالات... ولكن من هم هؤلاء بالضبط؟! من يغذيهم ويحرّضهم ويمد انتشارهم بامتداد سوريا؟

«المؤامرة باتت مكشوفة» لكن أحداً لا يعرف هوية «المتآمرين» الذين تتزايد أعدادهم كل يوم جمعة، وتتوسع مناطق انتشارهم وإقدامهم على تخريب المؤسسات الرسمية حتى لتكاد تشمل أنحاء سوريا كافة، من درعا إلى بانياس مروراً بحمص وحماه وإدلب وضواحي دمشق وبلدات ريفها وصولاً إلى القامشلي ودير الزور على حدود العراق وانتهاءً بتل كلخ والعريضة على الحدود مع لبنان.

من هم هؤلاء «المتآمرون»؟ ما هي هوياتهم السياسية، وكيف تسنى لهم أن «يكمنوا» طوال دهر من الحكم الذي كثيراً ما وُصف ب«الحديدي» والذي تتواجد أجهزته الأمنية المتعددة القيادة، حزبياً وعسكرياً وسياسياً في كل مكان بما يمكنهم من معرفة كل شيء عن كل الناس في كل الأماكن.

السؤال الأخطر والأهم: أين هو الرئيس السوري بشار الأسد، الذي كان يحظى بشعبية ملحوظة، في الداخل، وبتقدير عال في المنطقة عموماً، خصوصاً بعد نجاحه في فك الحصار الدولي عن بلاده وفي كسب تحالفات جديدة عززت موقعه ودور سوريا ومكانتها؟!

ولماذا لم يواجه الرئيس الأسد «جماهير المعارضة» بالجماهير المؤيدة له ولنظامه، والتي خرجت في بداية الأزمة في مختلف مناطق البلاد تهتف له وترى فيه «بطل الإصلاح المنشود»؟! لماذا لم يتخذ مجموعة من الخطوات التي تعبّر عن جديته في إطلاق الحريات العامة، وفي إعادة صياغة النظام بما يلبي مطامح الشعب الذي انتخب الرئيس الشاب بالتزكية مرتين، وبغير منّة...

ولقد استطاع هذا «الرئيس الشاب» أن يحظى في سنواته الأولى بسمعة طيبة نتيجة إقباله على الحوار مع «أطياف المجتمع»، من المعارضين ومنتقدي النظام، والمطالبين بالإصلاح السياسي والاقتصادي وتحرير العمل السياسي من قيود الحزب الواحد الذي انتهى لأن يكون غطاءً شرعياً (ولو وهمياً) للأجهزة الأمنية والتفرّد بالقرار.

ثم زاد من رصيد «الرئيس الشاب» ثباته على موقفه المعترض بقوة على الاحتلال الأميركي للعراق، واستضافة سوريا ملايين الأشقاء العراقيين الهاربين من جحيم الفوضى الأمنية التي تسبّب فيها الاحتلال كوريث لحكم الطغيان الصدامي.

ولعل نجاح «الرئيس الشاب» في استيعاب الزلزال الذي ضرب لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والذي أدى إلى خروج القوات العسكرية السورية من لبنان بطريقة أقل ما يقال فيها إنها كانت «مهينة» لتاريخ هذا الجيش الذي يحمل وسام حرب تشرين، كان الانتصار السياسي الأبرز، خصوصاً وقد عاد بعده إلى «الساحة اللبنانية» بوصفه طرفاً مؤثراً وشريكاً في القرار داخل لبنان وفي دوائر التأثير الدولية على هذه الساحة المفتوحة أبداً.

بل إن «الرئيس الشاب» استطاع أن يتجاوز الحصار الغربي المفروض عليه ليقيم علاقة كثيراً ما وصفها ب«الاستراتيجية» مع الجار التركي الكبير وحكومته «الإسلامية»، محققاً بذلك توازناً مؤثراً في دوره الذي تبدّى في لحظة وكأنه «محوري» في هذه المنطقة ذات الأهمية الاستثنائية دولياً، خصوصاً أنه ربح تركيا من دون أن يخسر إيران التي تفرّدت سوريا بعلاقة حميمة معها منذ تفجرها بالثورة الإسلامية في العام 1979.

لماذا إذاً إطلاق رصاص القتل، في درعا، حيث كان يمكن علاج الأمر بقليل من الحكمة، قبل أن يمتد هذا الرصاص ليطارد أي محتج على فعل القتل، لا فرق بين أن يكون «من أبناء النظام» أو من المعترضين على ممارسات بعض أهله النافذين، أو المتوجهين إلى «الرئيس الشاب» نفسه بطلب الإصلاح الذي طالما تحدث عنه وحاور حوله من دون أن تظهر له أية نتائج عملية، خصوصاً أن «المعارضة» لم يعرف لها أحد رأساً أو تنظيماً محدداً، وإن ظلت أجهزة النظام تلمّح إلى أنها «أصولية» أو «متطرفة» و«واردة من الخارج»، عبر سيناريو رديء لا يمكن لأي عقل أن يتوقف أمامه لحظة.

ها هي سوريا الآن غارقة في الفوضى الدموية، فالرصاص يقتل الحوار ولا يفتح الباب أمام الإصلاح، ومواكب الجنازات لا توصل إلى أبوابه الموصدة بالدبابات.

لقد تناثرت الوعود بالإصلاح في الفضاء الذي تغطيه رائحة البارود.

كل ذلك و«الرئيس الشاب» لا يواجه الشعب الجريح. يلتقي من ترشح له «الأجهزة» من وجوه العشائر والأعيان وبعض التجار ووجاهات المدن والنواحي البعيدة، فيستمع إليهم ويسمعون منه وعوداً بقرب انفراج الأزمة... ثم يدوي الرصاص بعد صلاة الجمعة فتخر الوعود صريعة، ويشحب الأمل في تغيير السلوك، وينفتح الباب على مصراعيه أمام التدخل الأجنبي، بشعارات إنسانية في البداية سرعان ما تتحوّل إلى إدانات سياسية واقتصادية، وعبر «تظاهرة» تحاول الإيحاء بأن «الأجنبي» قد بات أرأف بالشعب السوري وأحرص على الإصلاح وحقوق الإنسان من دولته.

وبالتأكيد فإن الغرب عموماً، يستوي في ذلك الإدارة الأميركية أو الدول الأوروبية التي تسابقها على محاولة «تبني» الثورات العربية واحتوائها بالتهليل لنجاحها، أو بقذائف طائرات الحلف الأطلسي لمراكز قيادة القذافي وكتائبه المسلحة التي يقودها أبناؤه، قد حاول توظيف التحرك الشعبي في سوريا للتشهير بالنظام وفرض العقوبات على العديد من رموزه.

وبالتأكيد فإن العديد من أهل النظام العربي قد هلّلوا لارتفاع أصوات الاعتراض ضد النظام في سوريا وتورّطه في مواجهة التظاهرات بالرصاص، فأوفدوا إليه من «ينصحه» بتعديل الصح في سياساته، في حين انطلقت أجهزة إعلام دول النفط العربي تشهّر بنظامه بالصوت والصورة بالخبر والتعليق على مدار الساعة، وكأنها القيمة على التراث الديموقراطي الإنساني... وبالمقابل فإن صمتاً عميقاً قد رفرف على البلاط الملكي السعودي الذي كان إلى ما قبل شهرين يتبدى في صورة الشريك للرئيس الشاب في لبنان وربما أبعد منه.

وكان بين الطرائف أن يأتي وزير خارجية البحرين إلى دمشق حاملاً «خبرات» نظامه في التعامل مع المعارضة التي تكاد تكون أرقى حركة سياسية في الأرض العربية.

أما المثير للدهشة، وربما للريبة، فهو اندفاع «الأصدقاء الأتراك» إلى توجيه «النصح» و«التنبيه» علناً، وعبر خطب متلفزة، كما عبر مؤتمرات وتظاهرات لقوى معارضة للنظام السوري في اسطنبول، فضلاً عن أحاديث صريحة لأردوغان وأوغلو ذكّروا خلالها بمأساة حماه منبّهين من خطر انفجار المسألة الطائفية في سوريا...

[ [ [

بديهي أن تتزاحم الأسئلة الدالة على عمق الأزمة وأخطرها: أين هو «الرئيس الشاب»؟! ولماذا لا يخرج ليواجه الناس بخطته الفعلية للإصلاح؟! لماذا يترك الساحة لمواجهات دموية بين قوات الأمن و«عناصر الشغب»، أو لمشاورات بالمفرق مع من لا يملكون القدرة على مواجهة الناس بما يقنعهم بأن ثمة حلاً جدياً في الأفق؟ ولماذا لا يأخذ الرصاص في الميادين إجازة طويلة بحيث يمكن أن يتوفر الحد الأدنى من المناخ الضروري لبدء مثل ذلك الحوار المرتجى كمدخل إلى حسم المشكلة المتفجرة والتي تتدحرج نحو الفتنة، بمقررات إصلاحية يمكن أن يستظهرها أي طفل عن ظهر قلب؟!

إن المطالب الأصلية معروفة. لكن القمع المتواصل يجعلها تتصاعد وتتعاظم متجاوزة سقف النظام، خصوصاً أن دوي الرصاص يتردد في مختلف الجهات، تواكبه عمليات انتقامية لقوى مجهولة دمرت الكثير من مؤسسات الدولة وإداراتها، فضلاً عن أن الأزمة المفتوحة قد أغلقت حدود سوريا، فشلّت قطاعاتها الاقتصادية والإنتاجية، واضطرت الدولة إلى الاستعانة ببعض المتهمين في ذمتهم المالية ومستغلي النفوذ، فضلاً عن المصارف للحفاظ على نقدها.

[ [ [

الكلمة، بعد، للرئيس بشار الأسد، على أن يبادر بنفسه أو يخرج على الناس بوعوده الإصلاحية وقد تحولت إلى برنامج عمل تشترك في وضعه كل القوى الحية في المجتمع السوري، متخطية حزب البعث الذي لم يظهر له أثر في كل ما شهدته سوريا من أحداث خطيرة هددت مجتمعها في تماسكه، وشطبت بعض مواقع التأثير التي تتلطى خلف شعارات الحزب بقياداته التي تجاوزتها الأحداث منذ زمن بعيد؟!

أين هو لا يظهر مخاطباً الشعب السوري، محدداً خطته لمعالجة الأزمات، مستدعياً جميع المخلصين من أبناء هذا الشعب ذي التاريخ النضالي المشرف، إلى المشاركة في جهود إخراج البلاد من محنتها، والتقدم بها على طريق المستقبل الأفضل؟!

أين هو لا يتحرّر من قيود الشكليات، ومن المحطات الوسيطة، ليعلن بنفسه أنه قد أمر بوقف العمليات العسكرية، داعياً الجميع إلى المشاركة في الحوار من أجل إنقاذ الوطن ودولته من أخطار مصيرية تتهدده عبر ارتفاع أصوات مشروخة بشعارات طائفية، ممّا يحوّل الأزمة إلى فتنة عمياء تصدع وحدة الوطن وشعبه الذي كان مضرب المثل في صلابة وحدته الوطنية؟!

[ [ [

إنها أزمة سياسية خطيرة. إنها أزمة النظام الذي اهتم بالخارج كثيراً وأغفل الداخل مكتفياً بترك «الأمن» يقرّر للناس حياتهم بكامل أساسياتها وتفاصيلها.

إنها أزمة مصيرية لا تحلها القوة العسكرية، بل إن استخدام هذه القوة يعقّد الأمور ويضع مصير النظام كله على المحك.

ولعلنا في لبنان أكثر خوفاً على سوريا من السوريين أنفسهم، فالاضطراب فيها يزعزع الاستقرار هنا، أما الفتنة فيها، والعياذ بالله، فلسوف تمتد نيرانها لتحرق الأخضر واليابس في بلد الطوائف والمذاهب التي تعيش قياداتها على خوف شعبها الدائم من خطر التفجر، بذرائع داخلية لا تنفع في تمويه الأغراض الأجنبية... بل قد تمتد هذه الفتنة إلى بلاد المشرق العربي جميعاً.

... وها هو الرئيس الأميركي باراك أوباما ينصّب نفسه قائداً للثورة في مختلف أرجاء الأرض العربية، ما عدا الدول التي تتفجر أرضها بالذهب الأسود، تاركاًَ لشريكه الإسرائيلي أن يقرّر مصير فلسطين شعباً وأرضاً وحلم دولة.

والكلمة، بعد، للرئيس الشاب بشار الأسد، شرط ألا يتأخر أكثر في إعلانها، وألا تكون «توجيهية» في نصها، بل أن تكون حاسمة في التزامه الإصلاح الذي لا تحتاج صياغة منهجه وبنوده وتوقيت التنفيذ إلى القادة الأبديين للحزب الذي مات ولم يجد من يدفنه، بل إلى قرار ممّن لا يجوز ولا يصح أن يكون القرار لغيره وإلا فهي الكارثة.

---------*********************-----------

الطاهر إبراهيم: في سورية!.. من يقتل من؟

موقع أخبار الشرق

أرسل لي أحد الأخوة رسالة يرجو من كل من يقرأها أن ينشرها في أوسع نطاق. قرأت الرسالة، ومن دون أن أشعر وجدت نفسي أجهش بالبكاء، وانهمرت الدموع من عيني تأثرا بما قرأت. وعذرا فسأنقل الرسالة بنفس كلمات أبطال القصة العامية.

تقول الرسالة أن شابا من درعا مجندا في الحرس الجمهوري،مع بداية الأحداث في 25 آذار الماضي اتصل بوالدته من هاتف عمومي قال لها: (أمي رؤسائي يطلبون منا أن نطلق النار على الشباب المتظاهرين في الشوارع، ويقولون لنا "هؤلاء الشباب خونه وعملاء ومخربين وضد البلد متآمرين مع أمريكا وإسرائيل". وهددونا أنه كل من لا يطلق النار أو يحاول حتى الالتفات للخلف سيعتبر خائنا ويقتل فورا. وأضاف بالحرف الواحد: إن ضباطهم ما يخافون الله، وكان يجهش بالبكاء وهو يقول يا أمي بالله قولي لي إيش أعمل إني ما أقدر أقتل الناس. بعدين في حدا يقتل ناسه وأهله؟ شو أساوي؟ والله رايح اطق رايح انفجر).

لم تكن الوالدة أقل وطنية من ولدها، قالت له: إبني أسألك بالله لا "تقوس" حدا حتى لو قتلوك وما أحد يموت ناقص عمر، وإذا متت أعرف أني خلفت بطلا، عاش بطلا ومات بطلا، وشهيدا وأرفع راسي فيك.

يا ابني حافظ على طهارتك وصلاتك قد ما تقدر وما تخف من شي وما يصير إلا اللي ربك كتبه. فقال الولد: يا أمي إذا حطوني بهذا الموقف رح "أقوّس" –أطلق النار- الضباط وكل من "يقوّس" على الناس وبعدين خليني أموت وسامحيني "يمه" اذا بيوم زعلتك أنت وأبوي وخلي كل قرايبي واللي يعرفوني يسامحوني.

تحركت في الأم عاطفة الأمومه فقالت: لا يا حبيبي طوّل بالك وحط عينك بعين ربك ولاّ يا يمه لا "تقوس" حدا يجوز يكونون مثلك مجبورين يا يمه "قوس" على الهوى ولا تصب أحدا. ولمّا بتعرف أنهم آخذينكم علشان تقتلوا الناس إذا قدرت تنهزم يا يمه لا تقصر خليك تعيش طول عمرك فراري ولا تحط حدا برقبتك يا يمه).

هنا دخل الوالد على الخط ولم يزد بالكلام إلا بضع كلمات بلهجته البدوية

قال: يا (.....) يا يوبه انا خلفت رجّال فخليك رجّال ولا تُنكّس عقالي تكْفى يا يوبه.

وختم الولد قائلا: (أبوك يالموت انا انكس عقالك يوبه؟.. الله يسامحك يوبه والله لو أموت مية موته ويسجنوني ما أنكس عقالك وأنا اخو ريمة، يوبه لازم اروح الحين ادعولي يوبه وسامحوني. فقال أبوه: الله معك يا بطل.. الله معك يا بطل!).

هذه هي القصة الحقيقية باختصار. وحتى الآن لم يتصل هذا المجند بأهله، ولا يعرفون شيئا عنه، أهو في الأموات أم في الأحياء؟ ولا تحتاج القصة إلى تعليق مني.

بعيدا عن المقدمات والتمهيدات، فقد لجأ النظام السوري إلى البطش في المتظاهرين منذ أول جمعة في 18 آذار، لا يردعه في ذلك رادع من وطنية أو إنسانية. ولأمر يريده الله أظهرت مدينة درعا الحدودية صلابة في الاحتجاج، فأوقعت فيها أجهزة النظام الأمنية قتلى وجرحى، واعتقل العديد من المتظاهرين. وعندما استفظع المجتمع الدولي هذا التوحش، لجأ النظام إلى فبركة روايات لايصدقها عقل. فقد زعم أن "مندسين" يتسللون فيوقعون القتل في المتظاهرين وفي الشرطة المواكبة للتظاهرات. وقدم إعلامُ النظام شهودَ زورٍ أقروا تحت العذاب أنهم قد جندوا من قبل نائب في تيار المستقبل في لبنان، ثم ترك النظام هذه الرواية المتهافتة.

كانت الرواية الثالثة، أن إعلام النظام السوري زعم أن مجموعات سلفية مسلحة تقف وراء القتل في المتظاهرين وفي صفوف الشرطة والجيش. وعرض نماذج من هؤلاء على شاشات قنوات التلفزة. لكن إعلام النظام لم يقل لماذا لا يظهر هؤلاء السلفيون والمندسون عندما كان النظام يسيّر مظاهرات تأييد له من الموظفين والعمال وطلاب المدارس تملأ الشوارع؟

رواية السلفيين لم تأت من فراغ. نذكّر من كانت ذاكرته قوية، بأن النظام قام بحشد مئات المتحمسين قبل عدة سنوات ليدفعهم إلى العراق، لا لدعم المقاومة فيه، بل لكي يتخذهم ورقة يساوم بها واشنطن. وكان يقوم على تدريب هؤلاء "محمود قول أغاسي"، ولقبه "أبو القعقاع". وبعد أن أصبح "أبو القعقاع" عبئا على علاقة النظام مع واشنطن، قتلته المخابرات السورية بالرصاص في أيلول 2007 لدى خروجه من صلاة الجمعة، ثم قامت بعدها باعتقال أنصاره ووضعتهم في المعتقلات لاستخدامهم في وقت الحاجة.

ويتساءل المراقبون بالقول: إن أجهزة الأمن كانت تصور من يشارك في التظاهرات ثم تقوم بتوضيح الصور لتعرف من كان يشارك فتعمد لاعتقاله. فلماذا لم تلتقط هذه الأجهزة صورا لهؤلاء السلفيين وهم يطلقون النار على قوى الأمن وتنشر الصور؟ من جهة ثانية لم تعرض أجهزة الأمن على شاشات التلفزيون –وهي الحريصة على كل شاردة وواردة- صورا لأي متظاهر يحمل سلاحا. وإذا كان من يقوم بالقتل من المندسين أو السلفيين، فيعني أن السلطة عاجزة عن ضبط الأمن، وهي التي تفاخر بأن الأمن مستتب.

من ناحية أخرى، فإن الشباب المشرف على التظاهرات رغم إمكاناتهم المحدودة، قد قاموا بتوثيق أسماء الشهداء الذين سقطوا برصاص أجهزة الأمن. فلو أن هناك قتلى في صفوف الجيش والشرطة بهذا العدد الكبير، فلمَ لم توثق السلطات السورية صور وأسماء الجنود والضباط الذين قتلوا؟ ومن أي المدن هم؟

البعض يعتقد أن أعداد القتلى من الجيش وأجهزة الأمن يكتنفها الكثير من الشك. بل هناك من يعتقد أن النعوش التي تعرضها السلطات على التلفزيون أكثرها فارغة. ولا يعني هذا أننا ننفي وجود قتلى في صفوف الجيش. إذ أنه تبين أن هناك مجندين وضباطا قتلهم النظام لأنهم رفضوا إطلاق الرصاص على المتظاهرين. وحتى يغطي النظام على مقتلهم زعم أن مجموعات مسلحة هي التي قتلتهم. وقام بتسيير جنازات مهيبة لهم. أي أن النظام قتلهم ومشى في جنازاتهم، كما يقول المثل.

أخيرا لا يفوتني أن أذكّر السلطات اللبنانية بأن ما فعلته مع الجنديين السوريين اللذين لجآ إلى لبنان وسلمتهم إلى سورية شيء معيب وسابقة خطيرة تخرق كل الحقوق الإنسانية، بل تتنافى مع الأخلاق العربية التي تتغنى بالشهامة والنجدة.

نقول لهؤلاء: إن "السموأل بن عاديا" اليهودي العربي كان أكثر شهامة من الذين سلموا الجنديين اللذين لجآ إلى لبنان. فقد رفض السموأل تسليم أمانات وضعها عنده الشاعر "امرؤ القيس". وقد أراد "المنذر بن ماء السماء" عدو "امرؤ القيس" أن يسلمه "السموأل" الأمانات فرفض. وكان "المنذر" أسر ولدا للسموأل تحت أسوار قصره، فهدده أنه سيقتل ابنه إذا لم يسلمه الأمانات. لكن السموأل رفض تسليم الأمانات، وهو يرى السيف فوق عنق ولده.

__________

الطاهر إبراهيم - كاتب سوري

---------********************------------

(الحرِّية) هي مجتمع لا يُنْتِج ظاهرة (مخلوف) !.. جواد البشيتي

(1-2)

العرب اليوم

الشعب السوري (مع سائر الشعوب العربية) يريد "الحرِّية"; و"الحرِّية" إنَّما نميِّزها (معنىً ومفهوماً) من نقيضها "الاستبداد", الذي هو, بشهادة التاريخ, أصل كل فساد.

ولو كان لي أنْ أُعرِّف "الحرِّية" الآن (وبما تنطوي عليه "الآن" من معانٍ سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية) وفي سورية (وسائر البلاد العربية) لَقُلْتُ إنَّها المجتمع الذي لديه من القوى ما يسمح له بمنع (والاستمرار في منع) نشوء (أو وجود) ظاهرة كظاهرة "رامي مخلوف" بكل معانيها; فإنَّ مجتمعاً يُنْتِج, ويعيد إنتاج, ظاهرة "رامي مخلوف" لا يمكن أنْ يكون حُرَّاً (ولا يمكن أنْ يكون ديمقراطياً; مع أنَّنا لم نَعْرِف بعد من الديمقراطية, عالمياً, إلاَّ الديمقراطية التي يريدها, ويرضى عنها, النظام الرأسمالي).

وظاهرة "رامي مخلوف" لا تعني أبداً "الثروة الضخمة (نحو 40 بليون دولار, على ما يَزْعُم بعض معارضي نظام الحكم السوري)", أو "النفوذ (السياسي, وغير السياسي) الضخم" المُكْتَسَب من هذه "الثروة الضخمة"; فالظاهرة بمعناها هذا إنَّما هي ظاهرة طبيعية عادية مألوفة (وحتمية) في كل مجتمع رأسمالي, ولو كان نظام الحكم فيه ديمقراطياً.

ظاهرة "رامي مخلوف" إنَّما تعني, في المقام الأوَّل, وعلى وجه الخصوص, "الأسلوب", و"الطريقة", و"الكيفية"; فإنَّ معناها الحقيقي نقف عليه إذا ما تحرَّيْنا الموضوعية والصدق في إجابة سؤال "مِن أين له هذا?", أي "مِن أين له كل هذه الثروة (ومِن أين له كل هذا النفوذ?)?".

الظاهرة "رامي مخلوف (ابن خال الرئيس بشار الأسد)" إنَّما هي في أصلها التاريخي "شعار", هو شعار "وحدة حرِّية اشتراكية".

مِن رَحْم "الاشتراكية", "اشتراكية" حزب "البعث" الذي استولى على السلطة من طريق الانقلاب العسكري, جاءت ظاهرة "رامي مخلوف"; فالقادة البعثيون العسكريون الذين أحكموا قبضتهم على السلطة في سورية أسَّسوا لظاهرة توسُّع وتنامي سلطة الدولة في الاقتصاد, مُسمِّين "القطاع العام", والذي هو في بلادنا "رأسمالية الدولة" في أسوأ أشكالها وصورها, "القطاع الاشتراكي"; وقد ركَّزوا في هذا القطاع جزءاً عظيماً, متعاظِماً, من ثروة المجتمع.

ومِن هذا "القطاع الاشتراكي (البعثي)", المُقْتَرِن, وجوداً, بالاستبداد السياسي, وُلِدَ الفساد, ونما; واتُّخِذت السرقة والنهب وسيلة للثراء والكسب غير المشروعين (حتى وُفْق شريعة النظام الرأسمالي).

وفي مناخ العولمة (الاقتصادية) الرأسمالية المحتوى والشكل (حتى الآن) اشتدت الحاجة إلى "تغيير" و"تطوير" العلاقة (القديمة) بين التُّجار وقادة "القطاع الخاص" من "الطائفة السنية (التي هي الأكثرية السكَّانية)" وبين أرباب السلطة (السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية) من "الطائفة العلوية"; فشرعت "العائلة الحاكمة", التي انتقل إليها الحكم من الجيش الذي كان الحكم قد انتقل إليه من الحزب, تُفكِّك, وتبيع, "القطاع الاشتراكي (قطاع الدولة)", متَّخِذةً من رامي مخلوف ما يشبه "همزة الوصل" بينها (بصفة كونها مالك "القطاع العام" من قبل, وبائعه الآن) وبين المشتري من أرباب "القطاع الخاص", وبعضهم من العرب والأجانب.

مِن سرقة ونهب "المال العام (ومنشآت ومؤسَّسات قطاع الدولة)", ومِن ابتزاز المال من المستثمرين السوريين والعرب والأجانب, بدأت ثروة العائلة تتراكم; ثمَّ أصبح للعائلة (وواجهتها رامي مخلوف) إمبراطورية مالية من تفكيك وبيع منشآت ومؤسَّسات "القطاع العام".

"الواجهة" رامي مخلوف تلاعب, وتمادى في التلاعب, بالنظام القضائي لمصالحه الشخصية, واستخدم الأجهزة الأمنية لترويع خصومه ومنافسيه من رجال الأعمال; رَفَع الحصانة عن النائب رياض سيف, وسجنه سبع سنوات, لكونه تجرَّأ وسأل عن مخالفات شركة "سيرياتيل" التي يملكها.

(الحرِّية) هي مجتمع لا يُنْتِج ظاهرة (مخلوف)

(2-2)

أسَّس شركة "شام القابضة", ويملك الجزء الأكبر من أسهم بنك المشرق الاستثماري, وشركة "الكورنيش السياحية", واستولى على وكالة BMW, مُلْزِماً وزارة الدفاع أنْ تشتري منه هذا النوع من السيَّارات للضباط المسرَّحين والمتقاعدين برتبة لواء وعميد. وبعد اغتيال الحريري, حوَّل قسماً من أمواله إلى دبي, واشترى برجين, سجَّل أحدهما باسم زوجته, والآخر باسم أولاده; وهذا كلُّه إنَّما هو جزء من الإمبراطورية المالية للعائلة الحاكمة.

و"الحرِّية (الكلمة الثانية من شعار "البعث")" إنَّما تعني, بحسب "نظرية" رامي مخلوف, الذي يُوْصَف بأنَّه "مصرف" العائلة الحاكمة, اجتماع "الاستبداد السياسي" و"الحرِّية الاقتصادية", أي حرِّية هذه العائلة في استثمار سلطانها السياسي والأمني بما يعود عليها بمزيد من الثروة والثراء; فحاكم مصرف العائلة رامي مخلوف يؤكِّد أنَّ الأولوية تبقى (ويجب أن تبقى) لما يسميه "الإصلاح الاقتصادي", أي لكل "إصلاح اقتصادي" يوسِّع ويُقوِّي هذه الإمبراطورية; أمَّا "الإصلاح السياسي" فهو شَرٌّ ينبغي للعائلة الحاكمة اجتنابه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

ثمَّ بسط لنا رامي مخلوف معنى "الوحدة (الكلمة الأولى في الشعار نفسه)", وحدَّثنا عن أهميتها قائلاً: "الاتِّحاد قوَّة".

إنَّها ليست وحدة الشعب السوري, ولا وحدة الأُمَّة "ذات الرسالة الخالدة"; وإنَّما وحدة "العائلة الحاكمة" نفسها.

مخلوف اكتشف "نافعةً" في تلك "الضارة" المسمَّاة ثورة الشعب السوري على نظام الحكم الاستبدادي, فقال هذا "المُكْتَشِف": "إنَّنا (أي العائلة الحاكمة) متَّحِدون الآن, وفي هذه الأزمة, أكثر من ذي قبل. على الرغم من أنَّ للأسد الكلمة النهائية فإنَّ السياسة تُصْنَع بقرار مشترَك. إنَّنا نؤمِن بأنَّ بقاءنا جميعاً مُتوقِّف على وحدتنا; لن نغادر, ولن نترك مَرْكبنا; ولسوف نقاتل حتى الرَّمق الأخير; وإنَّ لدينا كثيراً من المقاتلين".

هذه هي "الوحدة" في أصدق وأنبل معانيها; إنَّها وحدة "النخبة الحاكمة" في مواجهة "الخطر الخارجي", الذي هو "الشعب"!

مخلوف إنَّما يعبِّر عن المصالح الحقيقية للنخبة الحاكمة, ولا يجيد تغليفها, أو تغليف التعبير عنها, بمفردات وعبارات دبلوماسية, معتبِراً, من ثمَّ, أنَّ لإسرائيل (ولحلفائها في الغرب) مصلحة حقيقية وكبرى في بقاء نظام الحكم السوري, وفي بقائه آمناً مستقراً, فإطاحته, أو السعي في إطاحته, لن يأتي إلاَّ بما يعود بالضرر على أمن إسرائيل واستقرارها; فإمَّا بقاء هذه النخبة الحاكمة وإمَّا سيطرة "السلفيين", وما أدراك ما "السلفيون", على سورية, وجَعْل أمن واستقرار إسرائيل, من ثمَّ, عرضة لمخاطر جمَّة.

وهذا "التحذير" يُذكِّرنا بتحذير سيف الإسلام القذافي من مغبة سقوط نظام الحكم الليبي; فسقوطه, وعلى ما أوضح وأكَّد النجل الأكبر للعقيد, سيعود بالضرر على أمن واستقرار إسرائيل.

الشعب إنَّما يريد "الحرِّية", التي هي مجتمع لا مكان فيه أبداً لظاهرة "رامي مخلوف"; فهل ذَنْب الشعب إذا ما نجح حاكمه في إقناعه بأنَّ إطاحة نظام الحكم, لا إصلاحه من الداخل, هي طريقه إلى "الحرِّية"?!.

---------*********************-----------

عن أي سورية يدافعون؟ ... ياسر أبو هلالة

كشفت الثورات العربية عن أجمل ما في الشعوب وعيا ونقاء وذكاء وبطولة وتضحية وفداء. وبقدر ما قدمت نخبا ادخرتها الشعوب لهذه اللحظة التي "هرمت" في سبيلها، أخرت نخبا أخرى تنكرت لحق الشعوب الطبيعي في الحرية والكرامة والعدالة، وانحازت جحودا ومصلحة أو جهلا وسوء تقدير إلى الطغاة، متذرعة بالحفاظ على الاستقرار أو مناكفة للغرب الذي لا يضمر ودا لأنظمة ممانعة، تقف بمواجهة أميركا وإسرائيل.

الاختباران التونسي والمصري مرّا بسرعة. ومع ذلك، يمكن للباحثين مستقبلا رصد تواطؤ أو تخاذل من بعض "النخب". بعضهم أصيب ببكم أعياه عن القول، ومنهم من ارتبك وناور، ولا ننسى فزعة الذين راهنوا في ربع الساعة الأخير على عمر سليمان بوصفه بديلا من داخل النظام. وحين جرفهم مد الجماهير زاودوا عليها بعد انتصارها، وبدلوا تبديلا فاضحا مخزيا.

الاختبار الليبي سهل أيضا على رغم التدخل الغربي الفج. فالعقيد لم يبق له صاحبا بسبب ركونه إلى الغرب واستبداله بالمنظمات الثورية الشركات الغربية والأميركية، وتخليه الفاضح عن كل شعاراته الثورية لصالح "البزنس" الذي صار سيف الإسلام عنوانا له.

الاختبار الصعب كان سورية. فهي التي انقلبت على شركائها في المقاومة والممانعة وليس هم من انقلبوا. وهي التي فشلت في الاختبار لا هم. فتلك النهضة العربية الثورية، وإن انحنى الغرب وأميركا أمام عاصفتها، كانت في جوهرها قاصمة استراتيجية للغرب الممالئ للصهيونية. وإلى اليوم يناضل ليبرمان ونتنياهو وأجهزتهما وحلفاؤهما في سبيل وقف النهوض العربي والتقليل من تداعياته التاريخية.

ليس في ذلك وثائق سرية و"ويكليكس"، تحركات الصهاينة مكشوفة، ويكفي الرجوع إلى "غوغل" لمعرفة كم بذلوا من جهد لإنقاذ مبارك، وكم يبذلون اليوم لتقليل الخسائر. وليس صادما القول إن إيران وإسرائيل، على ما بينهما من خلاف حقيقي، يتفقان على ضرورة الحفاظ على "الاستقرار" في سورية. وفي صريح ما قاله رامي مخلوف، وهو مثل سيف الإسلام في ليبيا في موقع القلب من النظام، ماليا وأمنيا، عن ربط الاستقرار في سورية بأمن إسرائيل، قطع لقول كل خطيب من الممانعين الصادقين والمزايدين الانتهازيين.

بعيدا عن اللغة المؤامراتية المتخلفة والطائفية المتزمتة، سورية ركن ركين للمقاومة في مثلثها الفلسطيني-اللبناني-العراقي، وهي لم تقدم شعارات داعمة، بل كانت وظلت (إلى متى؟) حاضنة حقيقية لها. فصائل المقاومة لا تقيم احتفالات في دمشق، هي متهمة علانية من أميركا بدعم "الإرهاب"، ولم تمح من صفحة الدول الداعمة للإرهاب في سجل الخارجية الأميركية. هي رئة لحماس وللجهاد وللقيادة العامة ولسائر الفصائل والشخصيات الفلسطينية، وحزب الله يعامل كفرقة من فرق الجيش السوري تسليحا وتدريبا، وقد زار أولمرت موسكو ليبحث معها تسرب سلاحها الحديث المضاد للدروع إلى حزب الله، ما أنهك إسرائيل في حرب تموز. وإسرائيل قصفت مشروعا نوويا حقيقيا في دير الزور، ولم تقصف محطة أبحاث زراعية. أما العراق، فالاتهامات من الحكومة العراقية والأميركيين لم تتوقف بدعم "الإرهاب" أو المقاومة التي أفشلت المشروع الأميركي في العراق.

دفعت سورية غرم مواقفها تلك، تماما كما قبضت مغانمها. والقوى الإسلامية تناست الماضي الدموي مع النظام، واعتبرت نفسها شريكا لسورية المقاومة. الإخوان المسلمون السوريون حتى بعد الثورة، وفي مقابلة للمراقب العام مع ال"بي. بي. سي" قال إننا مع مواقف النظام الإيجابية من المقاومة. والقوى القومية الديمقراطية التي تختلف جذريا مع سلوك النظام الداخلي اعتبرت نفسها شريكة له في المعركة الكبرى مع المشروع الصهيوني.

فرق بين الشراكة الندية وبين التبعية. قد يكون سرا أن قيادة حماس نصحت النظام السوري بالانتباه لرياح التغيير قبل الثورة في سورية. والنظام لم يتجاوب مع نصح المحبين، واعتبر أن الانسجام مع "معتقدات" الشعب السوري الرافض للاحتلال والهيمنة كاف في ظل وتيرة الإصلاح التي يسير بها. حتى قيادة حزب الله نصحت أيضا. الفارق بين حماس وحزب الله أن الأولى أخذت مسافة وتمنت الخير لسورية شعبا وقيادة، والثاني انحاز بشكل فج للنظام في معركته الدامية.

أما القوى القومية الديمقراطية فقد فضّ النظام شراكته معها ممثلة بالمفكر عزمي بشارة. وعلى طريقة بوش "معنا أو ضدنا"، صار بشارة على لسان دريد لحام في التلفزيون السوري "الشيطان"، مع أنه شرد من بلده وطورد ولوحق بتهمة "التخابر" مع حزب الله. وحتى بعد خروجه من فلسطين لوحق حزبه واستهدف بتهم التواصل مع المقاومة. كل ذلك لأنه اختلف مع السلوك الدموي للنظام. ليس سرا أن بشارة كان يختلف مع النظام وهو يستقبل من بشار الأسد. لم تكن علاقته بسورية من خلال سفير أو ضابط، كان ضيفا مكرما عند حافظ الأسد وعند بشار. لكنه في محاضرته بحلب في حفل توقيع كتابه تحدث علانية عن الأسر الحاكمة وشراكة رجال الأمن والأعمال. وكان يقول لبشار أن شقيقه ماهر مثل رفعت الأسد.

في بداية الثورة السورية وقبلها كان محبو سورية يأملون من النظام أن يصلح. وبذلت جهود حقيقية للمصالحة مع المعارضين، لكن النظام تعامل باستخفاف وغطرسة. يشار هنا للجهود التركية السرية والعلنية. وللتاريخ، كان المتظاهرون قبل أن يهتفوا يا "جزيرة يا أميرة" يهتفون "وينك وينك يا جزيرة.. إنت بديرة واحنا بديرة"! وأعطيت فرص للنظام السوري لالتقاط لحظة الإصلاح بددها لصالح الحل الأمني الدموي. لم يستمع النظام لشركائه من دول وجماعات وشخصيات، وانساق وراء دمويين فاسدين لا يعرفون غير لغة القمع والقتل.

من الذين استمع إليهم بشار الأسد، وهم الذين سكبوا القطرة التي أفاضت كأس الشعب السوري؟ محافظ درعا فيصل كلثوم، دموي من طراز نادر، وفاسد كبير، ورث مسدس شرف البعث الذي ناله بعد دوره في مجزرة حماة، ويقال إنه قامر عليه. العميد عاطف نجيب مدير الأمن السياسي في درعا، وهو دموي فاسد له شراكات مع رجال الأعمال والمهربين.

في درعا، قبل اكتشاف المقبرة الجماعية، اعتقل نجيب امرأتين وعذبتا بسبب مكالمة هاتفية تشمت بمبارك وتقول عقبال سورية. وحين رد الأطفال بشعارات على الجدران اعتقلوا وعذبوا. وحين رجاه وجهاؤها الإفراج عنهم أهانهم وقال إن عدتم اعتقلت نساءكم. وحين احتجوا للمحافظ أهانهم وكان ما كان. هذه هي المؤامرة التي قادها أركان النظام الأمنيون، ولم تكن المعارضة السورية تدري عنها.

لو أن الأمور توقفت هنا لأمكن تدارك الأمر بمعاقبة المجرمين. لكن الكارثة خطاب الرئيس في مجلس الشعب! كل ما أريق من دماء لم يستحق دقيقة صمت حدادا على أرواح من قضوا بفعل "الطرف الثالث" أو "العصابات الإجرامية". إلى اليوم لا يوجد تفسير لتلك الضحكات التي تسببت بتأجيج الغضب في كل سورية.

مع من يقف محبو سورية؛ مع الشعب المظلوم أم مع النظام الظالم؟ هل تكفي دماء زهاء ألف شهيد وآلاف المعتقلين ليحددوا موقفهم؟ حتى لو حرر الجولان واللواء السليب الأسكندرون لا يمكن أخلاقيا وسياسيا أن تقف معه.

إن من وقفوا مع فرسان سورية الذين تصدوا بعارية الصدور لرصاص القناصة وقذائف المدفعية يقفون مع أنفسهم؛ مع أبسط المبادئ الأخلاقية. وأولئك الفرسان ليسوا عصابات إجرامية، بل شباب وجدوا أنفسهم في قلب الثورة، ولم يجدوا بدا من مواصلة المسير. ليسوا طائفيين، ألم يعلنوا عن "الجمعة العظيمة" تضامنا مع المسيحيين، هل هكذا تفكر القاعدة؟!

قبل درعا كانت أول مظاهرة في الحميدية ترفع شعار لا طائفية، وسهير الأتاسي التي اعتقلت بعدها ليست محجبة. والمعارضة السورية طيف غني واسع من الشيخ أحمد الصياصنة إلى الشيوعي العتيق رياض الترك، إلى رجل الأعمال رياض سيف، إلى فنانين ومثقفين علويين ومسيحيين ودروز. هل الطيب تيزيني وبرهان غليون أقل علمانية من حزب البعث؟

الذي استخدم ورقة الأقليات والطائفية هو النظام. استنجد بأوسخ الطائفيين اللبنانيين من أمثال ميشال سماحة الذي يذكر بإيلي حبيقة في انتقاله من حضن شارون إلى حضن غازي كنعان. والأوسخ من ذلك التنكر للمشروع القومي واللعب بالورقة الكردية استعانة بجلال طالباني الذي يجمع في علاقاته بين إيران وسورية وأميركا وإسرائيل.

تسرب أوساط كردية ما جرى بينها وبين الرئيس بشار. قال لهم إنه فوجئ بأن الأكراد يشكلون 7 في المائة من السوريين، أي لا يوجد طائفة كبرى! يخاطب فيهم النموذج العراقي في تحويل السنة العرب إلى أقلية! واستغرب الأكراد الذين يخوضون معركة "الإحصاء الظالم" في سورية منذ عقود البعث تلك الإحصائية التي لا يقبلها العقل.

فرق بين من يريد أن يمزق الوطن إلى أقليات، ومن يريد أن يعيده كما كان وطنا لكل أبنائه. في سورية من أيام الكواكبي والثورة العربية الكبرى ولد الوعي القومي المنفتح على حضارة العرب والإسلام والمتصالح مع العالم. في سورية كان السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين ينتخب فارس الخوري وهو ينتخبه. في سورية رفض الشعب دول الطوائف التي أرادها المستعمر الفرنسي. وهو الشعب الوحيد الذي توحد طوعا مع مصر.

سورية أكبر من بشار الأسد، وأكبر من الذين يقفون ضدها. وتلك الدماء المراقة أصدق من كل ما يكتب. وستعود سورية ذات المجد كما كانت. ومن يخشون على المقاومة عليهم أن يتذكروا أن الشيخ السوري عز الدين القسام قاتل في فلسطين قبل أن يولد حزب البعث.

---------*********************-----------

"أصداء الوطن" ينشر حواره الأول بعد الأحداث كاملاً.. مفتي حلب "د. إبراهيم السلقيني": نبض الشارع في حلب ليس بعيداً عما يجري..

أجرى الحوار الزميل: سامر كنجو

يكثر الحديث هذه الأيام عن الأوضاع في سورية وما يمكن أن تؤول إليه الأمور وعن سبل الحل للخروج من الأزمة الراهنة، وكذلك يكثر الحديث عن مدينة حلب وعن دور علماء الدين فيها، والذين كانوا (بحسب كثيرين) عاملاُ مهماً في تهدئة الأمور فيها حتى هذه اللحظة، ولعل من أبرز وجوه علماء حلب في وقتنا الراهن، الشيخ الدكتور إبراهيم السلقيني مفتي حلب وهو الرجل الذي يقف على أعتاب الثمانين من عمره، والذي اختار حتى ما قبل هذا الحوار الصمت تجاه وسائل الإعلام بكافة أشكالها حيال ما يجري في سورية، واكتفى بطرق التواصل مع بعض المسؤولين والمعنيين على مختلف مستوياتهم، وكان من ذلك لقاءه ووفد من علماء حلب مع الرئيس الأسد بالتزامن مع بداية الأحداث تقريباً.

في الحوار التالي، يجيب الدكتور السلقيني عن كثير من التساؤلات حول دور العلماء، ودوره شخصياً في الأزمة الراهنة، وكذلك حول ما أشيع عن استقالته ويرد على من طالبه بذلك، إضافة إلى رؤيته للخروج من الأزمة الحالية وطريق الحل السليم بحسب ما يراه، وهنا يبدأ مفتي حلب حديثه عن لقاء علماء حلب مع السيد رئيس الجمهورية، وعن انطباعه بعدها، حيث يقول السلقيني:

"كان الهدف من اللقاء النصح أولاً، ونقل الصورة الصحيحة عما ينبض به الشارع ثانياً، وذلك من باب الغيرة على الوطن ووحدته وصيانته من كل سوء، والشعور بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا تجاه أمتنا ومجتمعنا قيادة وأفراد و مؤسسات، وقد بدأت حديثي - وبحضور ثلة من أهل العلم من حلب - بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). وقد كان اللقاء في قمة الشفافية، واستمع السيد الرئيس لكل الأمور، ومن جميع الحضور، ولم تتعلق القضايا المطروحة بالشؤون الدينية فحسب، بل امتدت إلى أمور الحياة ومسألة الحريات وأمور المعيشة، وكنا قد خرجنا من اللقاء ونحن متفائلون بأن حال البلد سيتغير للأفضل، مع إعطاء الوقت الكافي لهذه التغيرات، وخصوصاً بعد وعد السيد الرئيس بتكرار هذه اللقاءات التي تهدف للإصلاح، ونقل الصورة الصحيحة وتلاحم القيادة والشعب بجميع أطيافه".

* ثم ماذا حصل بعدها؟

- منذ أيام حاولت الاتصال ببعض المسؤولين، ومتابعة ما يجري بعد ذلك اللقاء، ولكن لم يتم التواصل.

* ما كان الهدف من محاولة الاتصال؟

- كان الهدف هو نقل تأثرنا الكبير لما يسيل من دماء، وتأثر كل مواطن سوري، فكل دم غال علينا من أي جهة كانت، وحرمة الدماء يتساوى فيها الجميع، لا فرق في ذلك بين مسؤول ورعية. وكذلك كان الهدف الطلب من القيادة ضبط النفس وتهدئة الأوضاع الجارية بالحكمة، والإسراع في معالجة الأمور التي كانت سبباً في هذه الأحداث، ومحاسبة المتسببين من أي طرف.

* يتردد الكثير مؤخراً عن دور العلماء في مدينة حلب، حيث يعتبرهم البعض (صمام أمان) لعدم تفجر الأوضاع، فما قولكم في ذلك؟

- إن نبض الشارع في حلب لم يكن بعيداً عما يجري في سورية، ويخطئ من يظن أن حلب هادئة كما تردد مؤخراً. لقد كنا مع التهدئة وإعطاء الفرصة الكافية للإصلاحات، لكن لكل صمام طاقة، وقد وصلني ما قيل عن أهل حلب أنهم نيام، وأن مشايخها كذلك. ولكن نحن والحمد لله نتعامل مع الأمور وفق المفهوم الشرعي، وليس وفق إملاءات أوتحت أي ضغط من أحد، وقد كان هذا نصحي سابقاً للرئيس الراحل في مطلع الثمانينات، بأن هناك غلياناً وتوتراً في الشارع السوري، إن لم يُتعامل معه بالحكمة وحسن التصرف فإن ذلك سيولد الانفجار، وفي حال حدوث ذلك فلن يُنظر حينها إلى رأي الشرع والدين.

* تردد بعض الكلام مؤخراً عن استقالتكم من منصبكم، فيما تساءل آخرون لماذا لم يستقل المفتي من منصبه، فما تعليقكم؟

- لو كانت استقالتي فيها حقن للدماء وتحقيق للإصلاحات المنشودة لفعلت، ويجب أن نتنبه إلى أن الإفتاء بالأصل ليس منصباً سياسياً، بل يعد مرجعاً دينياً وشرعياً وعلمياً، وهو مسؤولية تجاه من يريد أن يعرف حكم الشرع الذي أُمرنا أن نرجع إليه في كل أمور حياتنا، ومن هنا فأنا لست مع تهميش هذا الدور، وهذا مما ناقشته في لقائي مع السيد الرئيس، حيث بينت أن رعاية الشأن الديني وتربية الأمة على مبادئ الشريعة وأخلاق الدين، هو الحل لجميع مشكلاتها وتحقيق الإصلاح فيها بأقرب طريق، بإيجاد الرقابة الإلهية الداخلية فيها التي تفوق رقابة القانون والسلطة وتدعمهما، ويرجع للفرد والأمة كرامتهما، ويكون السلاح الأقوى لتحرير فلسطين وأراضينا المحتلة.

* ماذا تقولون والدماء السورية تنزف اليوم؟

- كما ذكرت لكم فقد حرم الله سفك الدماء، وحرمتها أكبر عند الله تعالى من هدم الكعبة، وكائناً من يكون الفاعل فلا مبرر له في قتل الأبرياء، أو انتهاك الحرمات من دور للعبادة وأيضاً للمؤسسات العامة والخاصة أو الاعتداء على الآخرين. ولكن بالحكمة وبدور عقلاء الأمة والمخلصين منهم ينزع فتيل الفتنة.

* نسمع من بعض وسائل الإعلام أخباراً غير مؤكدة عن وجود بعض الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين، فما قولكم؟

- تبقى هذه أخباراً ضمن الاحتمالات، والعلاج لهذا فيما أرى، تشكيل لجان في مستوى المسؤولية والنزاهة، تقوم بزيارة المواقع والتثبت والتأكد، ومحاسبة المسؤولين عن ذلك في حال ثبتت صحة هذه الأخبار.

* ما تعليقكم على مواقف الدول الغربية مما يجري في سورية، وما يتردد عن محاولات تدخل في الشؤون الداخلية؟

- نحن نرفض رفضاً مؤكداً قطعياً أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية، وهو رفض يجمع عليه الشعب السوري بكل أطيافه حتى لو كان التدخل ظاهره الحرية والديمقراطية، كما نرفض أيضاً استغلال تلك المواقف والتدخلات في وأد الأصوات الحرة بحجة أنها تتبع لإملاءات خارجية.

وأشير هنا أيضاً، إلى رفض الشعب السوري أيضاً للنعرات الطائفية، واستخدام العنف وأي اعتداء على الأنفس والمؤسسات، وأدعو الجميع إلى ضبط النفس، وإلى التوجه إلى الله تعالى خالق الكون والإنسان والحياة بأن يحفظ هذه الأمة من كل شر وسوء وأن يجمع كلمتها على الحق والعدل.

* كيف يمكن تحقيق الهدوء والاستقرار برأيكم؟

- فتح باب الحوار الفوري مع أطياف المجتمع وشرائحه كافة دون استثناء، ولن ينفع الحوار إلا مع من يمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً، ولنجاح هذا الحوار، هناك خطوات ضرورية لا بد من القيام بها، يمكن تلخيصها بما يأتي:

التقيد بأمر وقف إطلاق النار ووقف كل أساليب العنف، خاصة من قبل من يمثل السلطة التي هي راعية لأبناء الوطن وحامية لهم وساهرة على أمنهم.

 وكذلك إطلاق سراح جميع المعتقلين وخاصة الذين اعتقلوا بعد مرسوم رفع حالة الطوارئ، وإعلان العفو العام سواء كان للمعتقلين أو لمن هم خارج البلاد وفتح باب العودة لهم، سعياً وراء تحقيق مصالحة وطنية شاملة ،غايتها بناء وطن مزدهر آمن وعصي على كل مؤامرة.

وأيضاً تصفية ما نجم عن أحداث الثمانينات، والإعلام عن مصير المفقودين ليصار إلى تصفية الحقوق القانونية والشرعية من مواريث وطلاق ونحو ذلك، إضافة للجوانب الإنسانية المتعلقة بهذا الأمر.

ولا بد أيضاً من جدولة الإصلاحات، والإسراع بالإسعافية منها ولا تتطلب سوى اتخاذ قرار، حرصا على تهدئة الأوضاع، ومحاسبة الفاسدين والظالمين لاسيما من كان سببا في إشعال الفتنة وقتل الأبرياء، وملء الهوة بين القيادة والشعب.

وأخيراً أقول:

إن مسارعة القيادة إلى تقوية الروابط بينها وبين الشعب بما يرضي الله تعالى، هي التي ستشكل سداً منيعاً، يحمي البلاد من كل سوء، ويجعل الجميع صفاً واحداً، وعند هذا يتحقق نصر الله إن شاء تعالى.

___________

د. إبراهيم السلقيني:

الدكتور إبراهيم السلقيني من مواليد العام 1934 في مدينة حلب، حائز على شهادة الدكتوراه في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بمصر، عمل مدرساً ومديراً لعدد من مدارس حلب، وأستاذاً في كلية الحقوق في جامعتي دمشق وحلب، وكذلك أستاذاً في أصول الفقه في كليات: الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض، وكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأستاذ الدراسات العليا بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، وأستاذاً زائراً للتدريس في الدراسات العليا في كلية الشريعة بجامعة أم القرى، كما عمل الدكتور السلقيني عميداً لكلية الشريعة بجامعة دمشق، وكذلك عميداً لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي.

كما كان الدكتور السلقيني عضواً في مجلس الشعب السوري في دورته الأولى من العام 1973 وحتى 1977، حيث نال أعلى الأصوات في حلب يومها، وكان مستقلاً.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com