العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29/04/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

لماذا ستفشل خطة كوفي عنان لحل الأزمة السورية؟ .. جمال قارصلي*

الأزمة السورية تزداد كل يوم خطورة وتعقيدا ، ونهايتها تزداد بعدا وغموضا بالرغم من أن مجلس الأمن بقراره الأخير الذي يحمل الرقم 2043 ينص على رفع عدد المراقبين الدوليين لدعم خطة عنان المؤلفة من ستة نقاط لحل الأزمة السورية إلى 300 مراقبا. الخطة المذكورة، والتي أصبحت محط أنظار العالم، تعتبر في نظر الكثيرين الفرصة الأخيرة لحل الأزمة السورية بالطرق السلمية، وهي لا تدعو للتفاؤل ومحكوم عليها بالفشل لأسباب كثيرة، خصوصا إذا نظرنا إلى الوضع الراهن في سورية بعيدا عن الآمال والعواطف.

من خلال التجربة التي عشناها أثناء إرسال المراقبين العرب إلى سورية بناء على قرارات جامعة الدول العربية، أثبتت السلطة السورية للعالم قدرتها على المناوارة والمماطلة والدخول في أدق التفاصيل، وبواسطتها إستطاعت أن تختزل كل الإتفاقية مع جامعة الدول العربية بموضوع المراقبين وجعلت من هذه النقطة أهم النقاط الخمسة التي تم الإتفاق عليها. نحن نقف اليوم أمام نفس السيناريو الذي عشناه قبل أسابيع قليلة ونشاهد بأن أنظار العالم الآن كلها متجهة إلى المراقبين الدوليين وإلى عددهم وحركتهم وطريقة إختيارهم وعملهم. المراقبون الدوليون أصبحوا الشيء الأول والأخير في خطة كوفي عنان في حين أصبحت باقي نقاط الإتفاقية هامشية أو تم تجاهلها. السلطة السورية لا زالت تتصرف كالنعامة وتغمر رأسها بالرمال لكي لا ترى المخاطر المحيقة بها. وهي لا زالت تقنع نفسها ومن حولها بأن الذي يحصل في كل المدن والأرياف السورية ليس بثورة شعبية بل هي مؤامرة كونية عابرة ويمكن تجاوزها مع مرور الزمن، وأن الذين يقومون بهذه الأفعال هم من المندسين والإرهابيين وهم الذين يطلقون النار على المتظاهرين السلميين وهم أداة في أيدي القوى الخارجية التي تريد أن تكسر جبهة المقاومة والممانعة في سورية.

تبنت السلطة منذ بداية الثورة في سورية الحل العسكري-الأمني لإخماد هذه الثورة، معيدة بذلك إلى الأذهان ما قامت به في ثمانينيات القرن الماضي في حماة وحلب ومدن أخرى سورية. هي لم تظهر في تعاملها مع هذه الأزمة أي نوع من المرونة ولم تأخذ العبرة مما حصل في تونس ومصر وليبيا وكذلك اليمن. السلطة السورية لم تضع في حساباتها التطورات الأخيرة التي حصلت في العالم خلال العقود القليلة الماضية وخاصة في المجال التكنولوجي والسياسي منها. وهي لا زالت مصرة على منع حصول أي تغيير في موازين القوى داخل البلاد ، لأنها تعي جيدا بأن أي تغيير في هذه الموازين سوف يؤدي بشكل تلقائي إلى نهاية هيمنتها وسيطرتها المطلقة. هذا التغيير سيكون مثل من يفتح ثغرة صغيرة في بناء سد كبير، لأن هذه الثغرة ستكبر بعد حين وستؤدي إلى إنهيار هذا السد بشكل كامل. لذلك يرى أغلب أركان السلطة في سورية في الحل العسكري-الأمني فرصتهم الوحيدة لإطالة عمر بقائهم في مناصبهم.

تدعي أركان السلطة أنها تريد الحوار ولكنها وفي الحقيقة تخاف منه كما يخاف الشيطان من المعوذات. فلذلك هي تريد أن تحاور نفسها أو أن تحاور معارضة صورية قد صنعتها من أجل هذا الغرض. فلذلك هي تماطل في توفير شروط الحوار والمناخ السياسي المناسب له. أهم شروط الحوار هو إعتراف أطراف الحوار بعضها ببعض ، فكيف تستطيع السلطة أن تحاور شيئا لا تعترف بوجوده. وفي العادة يتم الحوار بين طرفين متكافئين ويكون مستوى تمثيلهم في الحوار متساوي، وللحوار أهداف واضحة وبرنامج عمل تلتزم به كل الأطراف المتحاورة ويجب أن لا يكون الحوار من أجل الحوار فقط، بل يجب ان يكون لدى المتحاورين الصلاحيات الكافية للإتفاق والتنازل والعمل على كسب ثقة الطرف الآخر. السلطة السورية لم تفعل أي شيء من هذا القبيل ، بل عملت على العكس من ذلك ، فالسجون السورية لا زالت مليئة بالمعتقلين الثوار وكذلك التظاهر السلمي لا زال ممنوعا في البلاد والأسلحة الثقيلة لا زالت متواجدة في كثير من المدن والقرى السورية ولم يتم سحبها إلى ثكناتها أو إلى حدود الجولان المحتل. أغلب ما تقوم به السلطة السورية من أعمال "إصلاحية" تأتي بالنتيجة المعاكسة ، وأفضل مثال على ذلك هي عملية الإستفتاء على الدستور السوري الجديد الذي تم في تاريخ 26/2/2012. النتيجة كانت مخيبة للآمال وصادمة لكل من كان لديه شيء من القناعة بأن السلطة الحالية جادة في عملية الإصلاح. الذي حصل لا علاقة له بالإصلاح بل هو عملية ذر الرماد في العيون لأن الدستور الجديد مليء بالثغرات وعملية التصويت عليه تمت تحت ظروف صعبة للغاية. هذا ما منع السلطة بأن تدعي بأن نتيجة التصويت كانت 99% ككل الإنتخابات السابقة التي حصلت في العقود الأربعة الماضية والتي إعتاد الشعب السوري على نتائجها التي لولا الحياء لتجاوزت نسبة ال100% . إضافة إلى ذلك لقد تم تفصيل هذا الدستور على مقاس رئيس الجمهورية والذي من خلاله يستطيع أن يظل رئيسا للبلاد إلى عام 2028 وهنالك من يتوقع بأن السلطة ستقوم قبل هذا الموعد بعملية "إصلاحية" جديدة كهذه وتقدم للمواطن السوري دستورا جديدا آخر "يَجُبُ" ما قبله.

بمباركة السلطة وبدعمها تشكلت مجموعات مسلحة للدفاع عن السلطة مثل "الشبيحة" وغيرها. هذه المجموعات يتم تمويلها من قبل بعض رجال الأعمال في سورية وبالمقابل تشكلت كذلك مجموعات مسلحة من الحركة الثورية إلى جانب الجيش السوري الحر والتي يتم تمويلها كذلك من دول خارجية. أغلب هذه المجموعات المسلحة أصبحت تعمل بشكل مستقل ولا يوجد لها سلطة مركزية تسيطر عليها ، ولهذا أصبح الإلتزام بقرارات وقف إطلاق النار صعبة للغاية. التدخل في الشؤون السورية الداخلية من طرف دول أخرى أصبح يمس بسيادة البلاد الوطنية وهنالك دول أخرى أصبحت تقوم بعملية تصفية حساباتها على الأرض السورية كما كان يحصل ذلك سابقا في لبنان والعراق ، مما جعل عملية الإتفاق على الحل السلمي أكثر تعقيدا وعلى طريقة المثل القائل "كثرة الطباخين تحرق الطبخة". إضافة إلى ذلك هنالك بعض الدول العربية لا تتمنى للثورة السورية النجاح لأنها تعلم بأن رياح الإصلاح والتغيير آتية إليها، وهي تريد أن توقفها على الحدود السورية وتتمنى إخمادها هناك قبل أن تصل إليها. كما هنالك بعض دول الجوار تتمنى للجيش السوري المصير الذي وصل إليه الجيش العراقي بعد سقوط بغداد ، أي أن يكون جيشا ضعيفا ممزقا أو محلولا ولا حول ولا قوة له. أما الكيان الصهيوني فهو يخاف من إنتصار الثورة السورية لأنه يعلم بأن أولى مطالب الحكومة الجديدة بعد إنتصار الثورة ستكون تحرير الجولان المحتل وإعادته إلى حضن الوطن الأم سورية.

التدخل العسكري الخارجي وخاصة الغير عربي سيؤدي إلى حرب أهلية طويلة الأمد لأن هذا التدخل سيقابل بمقاومة شعبية شرسة، وخاصة من أتباع السلطة الحالية والمتنفذين في الدولة وبعض القوى الإسلامية المتطرفة التي ستجد على الأرض السورية مرتعا خصبا لتصفية حساباتها مع بعض القوى العالمية كما حصل في العراق واليمن وما يحصل الآن في أفغانستان. أما إطلاق النار على المتظاهرين السلميين وحصد أرواح العشرات منهم خلال دقائق قليلة وتدمير عدد من المدن والقرى السورية من قبل الجيش السوري بواسطة الأسلحة الثقيلة والقيام بالمجازر الشنيعة ضد مواطنين عزل، فهو يعطي المبرر الكافي لتسليح الثورة السورية والجيش السوري الحر. هذا التسلح يتم الآن على قدم وساق وهذا ما سيعجل التفاهم السياسي في غاية الصعوبة.

إذا ما هي الإمكانيات الموجودة للوصول إلى حلي سلمي للأزمة السورية؟

من الواضح أن السوريون لا يستطيعون وحدهم حل مشاكلهم للأسباب التي ذكرناها سابقا، وهذا يُعَرِّضْ كل الأطراف المتنازعة للإبتزاز من قبل قوى خارجية ، بالرغم من أن كل أطراف الأزمة السورية متفقة على ضرورة الإصلاح والتحول الديمقراطي. هنا تقع مسؤلية كبيرة على أصدقاء سورية وخاصة الدول التي تدعم السلطة عسكريا وسياسيا وإقتصاديا ، مثل روسيا وإيران والصين. هذه الدول تستطيع ان تنصح السلطة في سورية - وحتى تضغط عليها - في تطبيق خطة عنان كاملة وبكل نقاطها الستة والإبتعاد عن المراوغة والمماطلة ، لأن ضياع الوقت ليس لصالح السلطة ولا لصالح المجتمع السوري بشكل عام. وفي مقابل ذلك تقوم الأطراف الداعمة لتكتلات المعارضة مثل تركية ودول الخليج وأمريكا وبعض الدول الأوربية بإقناع أصدقائها للتحلي بالمرونة والإستعداد للتنازل في بعض الأمور من أجل الوصول إلى حل يرضي أغلبية المجتمع السوري وينقذ سورية وحتى المنطقة كلها من كارثة تتربص بها.

أكثر أوراق الأزمة السورية هي في يد السلطة وعلى رأسها رئيس الجمهورية الذي يستطيع أن يقدم تضحيات أكثر من غيره من أجل حماية الوطن من آفة الحرب الأهلية، حتى لو كلفه ذلك التنازل عن منصب الرئاسة كما حصل في اليمن. الإتفاق المنشود يحتاج إلى حوار جاد ونابع من إرادة حقيقية وعلى كل الأطراف أن تكون بقدرهذه المسؤلية التاريخية وتضع مصير ومستقبل الوطن والمنطقة في أعلى أولوياته.

نحن نتسابق الآن مع الزمن ونسمع دقات ساعة القنبلة الموقوتة بكل وضوح ولا يفصلنا عن نقطة اللاعودة أو نقطة الصفر إلا دقائق قليلة. فإذا لم نستطع أن نتجاوز العقبات الشائكة في طريق التفاهم من أجل الوطن وأجيالنا القادمة فإن خطة عنان لحل الأزمة السورية محكوم عليها بالفشل الأكيد، وسيأتي اليوم الذي سنقف فيه أمام الله والتاريخ. إن رحمنا الله فإن التاريخ لا يرحم.

* نائب ألماني سابق من أصل سوري

-**-**-**-**-**-**-**-**-*-*

رسائل الثّورة .. د. عبد الكريم بكار

الثّورة عبارة عن عمل جراحيّ في جسد الوطن، وضرورة الثّورة تنبع من حجم العلّة التي يعاني منها الوطن، وبهذا المقياس فإنّ الثّورة السّوريّة أعظم الثّورات العربيّة مشروعيّة؛ لأنّ السّوء الذي لحق بسورية والسّوريين من وراء هذا النّظام القاتل هو أعظم من كلّ سوء لحق بالعرب والمسلمين في أيّ مكان من أرض!

إنّ الثّورة السّوريّة دخلت في شهرها الرّابع عشر وهي أشدّ تصميمًا على المضيّ إلى آخر المشوار، وكأيّ ثورة عظيمة وكبيرة حاولت توجيه عدد من الرّسائل للنّظام الفاسد وللشّعب المصابر بكل فئاته، كما أنّها وجهت رسائل للثّوار والدّاعمين لهم، وتلك الرّسائل نابعة من جوهر الثّورة ومن أدبياتها وأهدافها، ولعلّ من أهم تلك الرّسائل الرّسائلَ التّالية:

1- الرّسالة الأولى موجّهة إلى الشّعب السّوريّ، تذكّره فيها الثّورة بالمآسي التي لاقاها خلال ما يزيد عن أربعين سنة من الخداع والتّخويف والسّلب والنّهب وتقييد الحرّيات، وتذكره كذلك بالإمكانات الهائلة التي يملكها، ويستطيع توظيفها في إسقاط نظام البغي والعدوان، والحقيقة أنّ الثّورة السّورية فجّرت كلّ ينابيع الخير في نفوس المتعاطفين معها من السّوريين وغيرهم، واستطاعت أن تحدث في نفوسهم وفي حياتهم الاجتماعيّة ما يشبه الزلزال؛ فصار النّاس يعجبون من حجم التّغيير الذي طرأ على حياتهم، وأيّ تغيير أعظم من أن يصبح نيل الشّهادة هدفًا متألّقًا لعدد كبير من الشّباب، وأن يصبح إيثار المنكوبين بالسّكن والمال والطّعام شيئًا مألوفًا وعاديًّا؟!

إنّ المألوف في الثّورات العالميّة أنّها تشتغل على تغيير الفضاء السّياسيّ وإعادة تشكيل الطّبقة السّياسيّة، لكنّ الثّورة السّوريّة رأت أن تشتغل على الفضاء الإنسانيّ ليكون كلّ تغيير سياسيّ مقبل عبارة عن صدى للتّغيير الأخلاقيّ والإنسانيّ الذي ينعم به النّاس في سورية اليوم.

لقد أوضح الشّعب السّوريّ للعالم بأنّه يملك القدرة على التّضحية ونكران الذّات، ويملك المثابرة على البذل والعطاء غير المشروط، وهذا في حدّ ذاته يشكّل نصرًا مبينًا بكلّ المقاييس والمعايير.

2- رسالة إلى النّظام تخبره فيها بأنّه فقد شرعيّته حين بدأ بقصْف المدن وقتْل الأطفال واغتصاب الحرائر، ولذلك فالثّورة السّوريّة هي ثورة على الشّرعيّة التي استمدّها النّظام من دعوى الوطنيّة والقوميّة والممانعة في وجوه المشاريع الغربيّة، وكانت الفكرة المركَّزة والمعبِّرة في هذا الصّدد هي: (الشّعب لا يثق بالنّظام). وحين تُعدم الثّقة فإنّ كلّ الدّعاوى والرّوابط الوطنيّة تصبح من غير معنى.

النّاس في بداية الثّورة كانوا يطالبون بالإصلاح، ثم تبيّن لهم خلال أشهر قليلة بأنّ النّظام الذي يحكمهم مصمّم بطريقة لا تسمح بإدخال أيّ تغييرات عليه، فهو: إمّا أن يبقى على ما هو عليه، وإمّا أن يرحل، وليس هناك منزلة ثالثة بين هاتين المنزلتين، وهذه القناعة لا تزداد مع الأيّام إلاّ رسوخًا، حيث تقدّم كلّ المبادرات العربيّة والدّوليّة البراهين على صحّتها.

3- وجّهت الثّورة رسالة صريحة وواضحة إلى أقطاب المعارضة ومحترفي العمل السّياسيّ وكلّ القيادات الدّينيّة والشّعبيّة، وهذه الرّسالة تؤكّد لهم أنّ عليهم أن يسارعوا إلى الالتحاق بالثّورة على شروطها هي وليس على شروطهم..

إنّها تقول لهم: اللّحظة التي تمرّون بها هي لحظة تضحية وبذل، وليست لحظة تقاسم للمناصب أو تأسيس للألقاب وأشكال النّفوذ، ومن المؤسف أنّ بعض قادة المعارضة لم يستوعبوا هذا المعنى، ومضوا يتنافسون على المكاسب الصّغيرة، وأنا متأكّد من أنّ الثّورة سوف تتجاوزهم، وتتركهم في نهاية المطاف وشأنهم.

للحديث صلة.

*-**-**-**-**-**-**-*

تطبيق خطة عنان .. سنا السورية

يعتقد النظام ومن معه انهم استطاعوا تحقيق نصراً عسكرياً على المعارضة المتمثلة في الجيش الحر بتمنكهم من دخول بعض المناطق والأحياء وارتكاب المجازر والفظاعات التي تناقلتها وسائل الاعلام المختلفة، وانهم استطاعوا تحقيق قفزة كبيرة بقبول خطة عنان ذات النقاط الستة ومن ثم العمل على الالتفاف عليها وتقويضها من الداخل بمعاونة وحماية روسية، وانهم بذلك قد أحكموا قبضتهم على الثورة السورية ولم يبقى لهم الا ان يشدوا الخناق عليها ليخنقوها وبذلك يتحقق لهم ما أملوا به، ولكن الوقائع الحسية الحقيقية تنفي ذلك بشكل قطعي.

الثورة السورية بلغت من القوة والرسوخ في صدور الثائرين مالا يمكن إزالته، والعالم برمته اضطر مؤخراً الى القيام بتحركٍ في مجلس الأمن لتحقيق بعض التوازن في الواقع الحالي من منع العصابة من الاستمرار في نهج القتل المتبع، والقبول بأحقيّة الشعب السوري في اختيار ممثليه والتسليم بحقوقه في بناء مستقبله ولو كان ذلك من خلال خطة مشكوكٍ في قدرتها على الوصول الى النتائج المتوقعة منها، والعصابة الاسدية وداعمها الرئيسي روسيا استنفذا كل وسيلة ممكنة في سبيل حرف الثورة عن مسارها ولكنهم فشلا في ذلك ولم يستطيعا حتى الآن الوصول الى ما يريدان بالرغم من تحقيق بعض المكاسب لهما، ولكنها مكاسب سرعان ماتتبخر في خضم الحراك الشعبي المستمر.

خطة العصابة الحالية المتمثلة في إفراغ بعض المناطق والأحياء من سكانهم، وارتكاب المجازر والفظاعات في سبيل إرهاب الثائرين وإجبارهم الى العودة الى الطاعة والقبول بالواقع كما هو، وان حققت بعض الخطوات ولكنها سريعاً سوف تزول عند اول اختبار لها، فأهالي بعض الاحياء في حمص خرجوا الى التظاهر عند اول فرصة أتيحت لهم وسوف يعودون ويملؤوا الساحات بالمظاهرات عند توقف انهيال القذائف عليهم، ومدينة مثل حمص العدية والعصية على النظام سوف تعود الى الحياة سريعاً كما هي أختها وتوأمها مدينة حماه، فحماه بعد مجزرة شباط عام ١٩٨٢ ما لبث أهلها وساكنيها ان رجعوا الى مناطقهم واحيائهم وأعادوا بناء منازلهم التي دمرها النظام على رؤوسهم لتعود وتحيى مدينة حماه وتثور مجدداً ويفنى مدمرها حافظ الاسد الى غير رجعة.

وأسلوب النظام الحالي في المراوغة والاحتيال وتفريغ خطة عنان من مضمونها لم ولن تنجح وان كانت سوف تحقق بعض المكاسب الآنية، وذلك لتيقظ الدول الداعمة للشعب السوري ( أصدقاء سوريا) الى حيل النظام من حيث مقدرته على اجتراح المهلة تلو المهلة، وتيقن المجتمع الدولي بانه ان لم يتم تقييد ألاعيب العصابة الحاكمة في سوريا وافشال خططها فلن يحدث اي تقدم في تطبيق الخطة، وسوف يعود الجميع خائبين وخالي الوفاض متمثلين للمثل الشعبي ( كأنك يازيد ما غزيت)، فهل المجتمع الدولي مستعداً لان يتلاعب به النظام السوري، ويقبل ان يصبح دمية في يد بشار وعصابته يتقاذفونه كيف يشاؤون، من الصعب على دول مثل امريكا وفرنسا القبول بذلك!!!!.

الداعم الروسي للنظام السوري ومن حيث تمكنه في الفترة الماضية من إمساك معظم الخيوط وإجبار الجميع بقبوله راعياً لخطة عنان، سوف يفقد قدرته التي يمتلكها مع الوقت، وخاصة مع تلاعب النظام بالخطة واستمراره في التهرب من تطبيقها، بحيث تجبر الجانب الروسي من اتخاذ موقفاً يجبر النظام على تطبيق بنودها، آو التخلي عن موقفه الحامي لهذه العصابة وهذا مانرجو ان يتحقق لاحقاً، او قبوله بالتنازل عن موقفه المتشدد ليعود ليغرد ضمن السرب الدولي وان كان صوته سيبقى نشازاً.

مبادرة كوفي عنان الحالية وان كانت لا تلبي طلبات الثائرين ولكنها تشكل فرصة لمحاصرة النظام وقبوله بالتنازل عن بعض المسلمات التي كان يعتبرها لايمكن اختراقها او تجاوزها سابقاً، فهو قبل بوجود معارضة له تطالب برحيله، واعترف بوجود تنظيماً مسلحاً يناوئه وهو مجبرٌ على عقد اتفاق او هدنة معه وان لم تكن مكتوبة فقراتها، وايضاً اعترافه بانه من الواجب عليه ان يتنازل من عليائه والجلوس الى طاولة المفاوضات مع المعارضة السورية التي كان ينكر وجودها بالمطلق، واصبح مفروضاً عليه سحب دباباته وأسلحته من الشوارع والمدن او إخفائها بسرعة خشية من ان يكتشفها المراقبين الدوليين.

بشار وعصابته بدؤوا يعون انهم اصبحوا محاصرين اكثر من اي وقت مضى من المجتمع الدولي، واصبحت تصريحاتهم وأكاذيبهم عرضة للكشف والتكذيب خلال ساعات، وما التصريحات المباشرة لبعض المسؤولين الأمريكيين رداً على ادعاءات النظام بوقف اطلاق النار وانسحاب قواته الا دليلاً على مدى وعي المجتمع الدولي لمدى كذب النظام واحتياله ومراوغته التي ليس لها سبيلاً للنجاح بعد الآن، ولم يعد احداً يستسيغ ان يسمع الجعفري متمثلاً بشعر نزار قباني في دفعه عن عصابته المجرمة امام الامم المتحدة.

 

الثورة السورية لم تفقد زخمها ولن تفقده الا بسقوط النظام الأسدي وعصابته، وان كانت تحاول استرجاع قدرتها على الحراك بعد مشاهد القتل المفزعة واستخدام النظام دباباته وقذائف الهاون ضد الثائرين عليه، والجيش الحر اصبح واقعاً لايمكن تجاهله واصبح من المفيد تنظيم صفوفه وإعادة تشكيل فصائله ودعمها بالعتاد والسلاح وأجهزة الاتصال الضرورية خارج شبكة النظام، ولم يعد مقبولاً من المعارضة السياسية ان تبقى مفككة متناحرة متنافسة فيما بينها، وعلى الجميع ان ينخرط تحت مظلة المجلس الوطني بالرغم من الانتقادات الواضحة على اداء بعض قياداته وطريقة اتخاذ القرار المتبعة.

المعَارَضات التي تُعَارض المعارضة انكشفت، واصبح واضحا من قَبِلَ ببقاء النظام حاكماً ومن لم يَقبَلَ بذلك، وضاقت الحلقة عليهم ولم يعد بامكانهم ان يدّعوا انهم يتحدثوا باسم الشعب السوري، فهيئة التنسيق اصبحت مجبرة على البقاء ضمن إطار رفضها لمحاورة النظام مادام مصراً على القتل وان لم تزل تراهن على امكانية بقاء النظام بعد اجراء بعص الإصلاحات عليه، والمعارضة صنيعة النظام والموالية له لم بعد بإمكانها ان تتحدث عن إجراءات وإصلاحات يقوم بها النظام، وما إيقاف وتأجيل انتخابات مجلس الشعب الصورية الا بداية الاعتراف بفشل مخططاتهم الإصلاحية المزعومة.

وقف اطلاق النار فيه مصلحة كبيرة للشعب السوري وانسحاب الدبابات والآليات العسكرية من المدن والشوارع هو مضمون اتفاق عنان بالبند الاول منه وعدم تطبيقه يعني عدم تطبيق الخطة وفشلها بالكامل، واطلاق سراح المعتقلين هو واجبٌ على المجتمع الدولي ويجب تطبيقه، والا فان خطة كوفي عنان ليست بخطة وبنودها لايمكن الاستمرار في تطبيقها، وعلى المجتمع الدولي وأصدقاء سوريا الانتقال للمرحلة التالية وهي تسليح المعارضة للدفاع عن نفسها وحماية السوريين من عصابة الاسد المجرمة.

-**-**-**-**-**-**-*

سورية بعيون مختلفة: الثورة أعطتها وجوداً حقيقياً وفضاء عاماً .. مازن عزي *

الجمعة, 20 أبريل 2012

الحياة

أصعد إلى بيت صديقي المقيم في حي «الشعلان»، وعند بلاطة الطابق الثالث، يتحسسني جهاز ما، فيضيء الدرج، وتصورني كاميرا موجهة إلي تحسبت لطولي وموضعي، وتوقعت الكادر بدقة، وحسبت حساب مفاجأتي. أبتلع لعابي، وأدرك مدى انكشافي للآخر الخائف مني، أنا الغريب.

على إثر خلو الشوارع الدمشقية باكراً من المارة والازدحام المروري، على إيقاع الأخبار المتواترة لحملات القمع الأمنية للثورة السورية، يفاجأ المرء بأصوات خفيضة تترافق مع توهج أحمر خافت من مدافع الأشعة فوق الحمراء لكاميرات المراقبة الموضوعة فوق واجهات المحلات التجارية المغلقة، ومجال رؤيتها يأكل الأرصفة المقابلة، ويبتعد فعلياً عن الغرض الأساسي المخصص لها، وهو مراقبة أبواب المحال حضرياً، لينظر أبعد من مجال حفظ الأمن الخاص للمحل إلى التعدي السافر على خصوصية الناس بتوثيقهم وتسجيل صورهم على «هاردات» يسهل الوصول إليها من قبل الراغبين الشديدي الثقة بالوصول. وينطبق الواقع على أحياء الأغنياء وبيوتهم والمطاعم الفاخرة وحتى بعض بيوت العاديين الخائفين، حيث تختلط مخاوفهم برغبات الأجهزة الأمنية في كشف المجتمع واحتوائه.

لقد قامت أنظمة الحكم الاستبدادي على إلغاء خصوصية شعوبها تاريخياً، عبر حلقات متقاطعة تبدأ غالباً بالوشاة والمخبرين، الذين زرعتهم في البيوت وبين الحواري وفي الأكشاك وعلى البسطات، واسترقوا السمع عبر الجدران وصاروا أذانها، ونقلوا في تقاريرهم صوت الشعب الهامس بفقره وجوعه وذله وسخطه، لا بغرض تحقيق المطالب بل للكشف والمعرفة الأمنية، ثم الملاحقة والمعاقبة لمن تجرأ على التفكير والحديث علناً.

واختُرِقت بنفس الطريقة الأحزاب والنقابات وأجهزة الدولة والوزارات، في صيغ تمتد عبرها ذراع الأخ الأكبر إلى حيث يستطيع السمع. وتشكل لدى الأجهزة الأمنية أرشيف مهول بكل الناشطين السياسيين وآرائهم وأنفاسهم على امتداد أربعة عقود.

ورغم أن الأجهزة الأمنية لم تقصر تاريخياً في سعيها إلى التطوير، ولقد استحضرت لذلك دائماً أحدث المنتجات التقنية في ملاحقة وتتبع الناشطين، في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وكاميرات المراقبة، ودربت منتسبين عليها، فأصبح لها عيون في كل مكان، وباتت تراقب الناس في الفضاء العام للمدن الرئيسية والشوارع والمطاعم، تتنصت إلى محادثاتهم ومكالماتهم، تقرأ ما يكتبونه، وتتشارك معهم في صورهم العائلية على مواقع التواصل الاجتماعي.

إلا أنه وتحت وطأة الانفجارات الشعبية العربية ذات الطابع الزلزالي، ورغبة السوريين الجامحة بالاعتراف بهم كبشر أحرار تتمايز هوياتهم ضمن المشترك الوطني ولا تذوب في اختزال الديكتاتورية للبلد، خرجوا حاملين مطالبهم وأوجاعهم إلى الشوارع، رفضاً للذل والتركيع الممارس عليهم. وقد اكتشفت أجهزة الأمن قصور معرفتها بهم، قصور معرفة دولة الاستبداد برعاياها-المواطنين، إذ أن أجيالاً جديدة شابة خرجت من حيز المعروفين لديها بالحياد والمجهولين نسبياً، إلى حيز الرفض والمقاومة الشعبية والتغيير، كنهر جارف آخذاً معه كل المسلمات التي سادت سابقاً.

وفي حين يبرع السوريون في اكتشاف إمكانات التعبير السلمي للتغير، مأخوذين بقوة الصورة والفيديو لتوثيق حراكهم، يبثون صور تظاهراتهم عبر الإنترنت، يتشاركون في مشاهد عنف السلطة والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة بحق الشعب السوري، يبتكرون وسائل للاحتيال على حجب الاتصالات وندرة الكاميرات وأجهزة الاتصال الذكية وغلاء ثمنها. يوثقون صور شهدائهم، ويسعون بغرض الحماية إلى إخفاء وجوه ناشطيهم، يعطون لتظاهراتهم صوراً من البعيد تظهر قوة الحشد وتخفي هوية الفرد، أو تلحق بالتظاهرات من الخلف، ويستجيب لها المتظاهرون بجعل اللافتات تلتفت إلى الوراء لتكون الصورة في موقع اللاحق التابع للحدث لا الصانع له.

يدخلون إلى المدن المدمرة المحروقة، يبثون صور الخراب والموت، يسعون إلى البث المباشر عساه يمنع المجزرة المحتملة القادمة، فربما إذا شاهد القاتل ضحاياه المحتملين على الشاشات تردد قليلاً خجلاً من الفضيحة أو لوازع من إنسانية باقية. يجمعون صور الجلادين والشبيحة، يبحثون عنهم في جحافل الجند القادمين، يسجلون أسماءهم بدم الضحايا، يوثقون لأنهم يخشون النسيان إذا ما ماتوا.

تقوم الأجهزة بدورها بالتوثيق، تضع كاميراتها الحديثة على الأبنية المرتفعة، في قلب الساحات، تراقب الحشود، تخصص غرف عمليات للمتابعة، يلاحقون الوجوه عبر أجهزة قيادة تبدو كال joy steak. يمتلكون القدرة على الوصول إلى التفاصيل، ولا يهم أبداً خصوصية واحترام الحريات الفردية والعامة، إذ أن المهم فقط هو إذا كانت الكاميرات بصرية أم رقمية، ومجالها البصري، وقدرتها على «التزويم» ودقتها الأعلى إن كانت تقاس بعدد الخطوط الأفقية والعمودية أو عدد النقاط في واحدة المساحة، وإمكانية التخزين الأعلى، والصور الملونة حتى ليلاً، وجمع معلومات وتقاطعات حول المشتبه بهم في جرائم الحرية.

وللأقمار الصناعية عيون أيضاً، تأخذ صوراً شديدة الدقة، للدبابات والمدافع وبقية أنواع السلاح من جهة، والحفر والدمار الخارج من بطونها من جهة ثانية، ترصد بصمت سماء السوريين، تمسحها مرات عدة، وتقارن الكومبيوترات العملاقة الصور وتطابقها، وترسم حدود التغير بنقاط حمر، تجد طريقها إلى صفحات الناشطين. هكذا كانت بابا عمرو، وهكذا صارت.

ويبدو للصور وجه آخر يتمثل في ما يراه القناصة الذين على سطوح الأبنية الأشد علوا، يمتلكون معدات وشاشات تعطيهم نظرات بعيون الصقور، ومخالب أشد فتكاً، لبعضهم أشكال أشباح سوداء، تمت ترئيتها بكاميرات هواتف نقالة ترتجف لمشاهدتهم، وآخرون يختفون تحت ستائر عسكرية معدنية، لا يشف من داخلها سوى الرصاص، يخترق أجساد الراكضين الهاربين من هول ما شاهدوا. للقناصة مجال بصري حاد، يخطون به حدود المكان، وهوية العابرين، يرسمون بطبشور أحمر قان حدود السجن، حدود وطن ينزف.

بثورتهم امتلك السوريون وجوداً حقيقياً معرفاً باحتلالهم الفضاء العام لبلد كان كالثقب الأسود لم يخرج منه ضوء منذ زمن طويل، يتعرفون إلى ذواتهم الملونة، يتشاركون في الهتاف والأغاني، يحتفلون، يشيعون شهداءهم، يصنعون ثورتهم، ويعلمون حتماً بأنهم صاروا أخيراً مرئيين.

* كاتب سوري

-**-**-**-**-**

تأملات في الدين والدولة .. الدستور – والمواطنة – والهوية – والأقليات .. زهير سالم*

كثيرا ما نسمع كلاما مثيرا ينسب إلى الإسلام ، أو إلى الحركات الإسلامية ، أو إلى الإخوان المسلمين. كلام مصنوع في عقل صاحبه لا يمت إلى الحقيقة والتاريخ بصلة . مشكلتنا على صعيد الأمة العربية أن بعض النخب تعرف عن روسو ومونتسيكيو وعن هوبز أكثر مما تعرف عن مفهوم الدولة المدنية التعاقدية التي أسس لها الإسلام العظيم ..

 

 المقاربة الأولى تطرح السؤال عن شكل النظام السياسي الأمثل الذي يقدمه الإسلام أو المسلمون قي القرن الحادي والعشرين؟ هذا السؤال يوازي سؤالا عن وسيلة النقل الأمثل التي يفضل المسلمون أن يسافروا عليها لأداء مناسك الحج أو للقيام برحلة سياحية أو تجارية !! وربما هناك من يتصور أن هؤلاء المسلمين لأسباب ( دينية !! ) يفضلون السفر على الجمل أو سيرا على الأقدام ..

 

إن ( الدولة الحديثة ) ، كمعطى من معطيات تطور الفكر الإنساني ، في أرقى تجلياتها ، هي الشكل الأمثل الذي يتمسك به الإخوان المسلمون لبناء الدولة في أوطانهم. إن أي خصوصية شكلية لا ينبغي أن تتجاوز حقيقة تأهيل أي إنجاز تكنولوجي ليتحرك على الأرض العربية بطريقة مكافئة ..

 

إننا حين نتحدث عن تمسكنا بشكل الدولة في اعتمادها المواطنة أساسا للحقوق والواجبات ، وفي قيامها على السلطات الثلاث المستقلة بعضها عن بعض ، واعتمادها على دستور مدني يعبر عن إرادة أبنائها الجمعية هذا على صعيد النظم السياسية . أما على مستوى تاريخ الأفكار فإننا مضطرون أن نذكر أن فكرة العقد هي بداية إسلامية بامتياز، وأن انفصال السلطة القضائية عن التنفيذية مما تعج به كتب السياسات الشرعية ، وأن فكرة التداولية كانت من صلب ما قامت عليه الخلافة الراشدة في عصرها الأول ..

 

وحين نستعمل في السياق مصطلح ( الخلافة ) أعتقد أن هذا المصطلح مصطلح زمني اتفق عليه المسلمون بعد تشاور منهم لاختيار وصف لرئيس الدولة الذي يحكمهم . مما يجعل تعلق بعض المسلمين به اليوم تعلقا بلقب تاريخي ارتبط في أذهان البعض بالوحدة وبالقوة وبالعزة. أظن أن أي عاقل يستطيع أن يدرك أن هذا الارتباط غير مطرد حتى على المستوى التاريخي ، وغير لازم شرعا على المستوى المستقبلي ..

 

في الدين والدولة ...

ابتداء يرفض أصحاب المشروع الإسلامي مشروع الدولة ( الدينية – الثيوقراطية ) . ويعتبرون كذلك أن من الخطأ البالغ اختصار مفهوم الشريعة الإسلامية بقانون العقوبات أو بقانون الأحوال الشخصية . وهذان الميدانان لا يشكلان 10 / من جملة فصول الشريعة الإسلامية ، التي هي قواعد قانونية عامة . لا نرى أن هذه العجالة تصلح لمعالجة ما يتعلق بقانون التشريعات العقابية الإسلامية ( المانعة - الزاجرة ) . ولا قانون الأحوال الشخصية الذي يسمح نظيره في العالم الحر للمتوفى أن يوصي لكلبه ويحرم أولاده وبناته ، أو أن يورث من أبنائه من يشاء ويحرم من يشاء . وخلاف هذين الميدانين فنحن نتحدث عن قواعد قانونية عامة هي جزء من القانون المدني العام.

 

وحين نتحدث عن دولة مدنية بمرجعية دينية أو بمرجعية أخلاقية فإن هذا ما هو حاصل اليوم ، بمعنى ما ، في كل دول العالم . قد يكون ظل المرجعية في أرض النبوات أوضح ، وقد يكون التباين بين الجماعي والفردي في مجتمعات شديدة المحافظة أوسع . وحتى عندما يتقدم أصحاب المشروع الإسلامي بأنهم سيجعلون من صندوق الاقتراع جسرا تعبر عليه كل التشريعات يواجهون بعنوان غريب عن السياق الديمقراطي ( دكتاتورية الأكثرية ) !! ولكن الإجهاض – وهو فعل أخلاقي – ما زال محظورا في كثير من دول الغرب عبر صناديق الاقتراع ، ولا يطلق على تشريعه دكتاتورية الأكثرية . في بريطانيا هناك قوانين شديدة الصرامة لبيع الخمور ولتعاطيها ولأماكن شربها ، بل ولبيع علب الدخان وأخيرا لأماكن التدخين وكل ذلك لا يشار إليه على أنه دكتاتورية الأكثرية . ولو أرادت حركة إسلامية أن تطالب بمثل هذا في بلادها لقوبلت بسيل من التهجمات والأوصاف التي تشبه القذائف البيولوجية والكيماوية غير المحرمة بحقهم ..

 

لا يخفى أن التباين بين الفردي والجماعي يطرح نفسه بإلحاح اليوم على أجندة حملة المشروع الإسلامي. في دولة أو مدينة معولمة كعمان أو دمشق أو القاهرة لا بد من تفكير بسقف أكثر عملية للحريات الفردية وللحريات الاجتماعية منها بشكل خاص.

 

نعتقد أن حجم التوافق بين بنية الدولة الحديثة وبين بنية الدولة المدنية بمرجعيتها الإسلامية هو الأكبر وهو الأصل . ولكن هذا لا يلغي أن المفارقات القائمة بين البنائين أو المرجعيتين الفردية والجماعية سيظل حاضرا . وسيظل مطلوبا من فقهاء الاجتماع الإسلامي أن يكونوا قادرين على استنباط أفضل من وثيقة المدينة المنورة فقها ينتمي للعصر الذي نعيش فيه . ومن حالتها الاجتماعية التي كانت سائدة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ونفسه ...

 

الأقليات والمواطنة ....

إن الإصرار على طرح المزيد من التفصيلات - على سبيل الامتحان - على أصحاب المشروع الإسلامي حين يتقدمون بمشروعهم عن الدولة المدنية الحديثة لا يوحي بالثقة بل يقوم على موقف اتهامي ذرائعي ومسبق !!

 

لقد حفظت الدولة المسلمة بعناوينها المختلفة محتويات هذا الوعاء البشري على مدى أربعة عشر قرنا . نقول أربعة عشر قرنا ليس على سبيل الخطأ لأن القرن الخامس عشر الهجري أو العشرين الميلادي وإلى يومنا هذا كان قرن العلمانيين المتغربين العرب بامتياز .

 

لا أحد يستطيع أن ينكر أن ثمة أخطاء وقعت عبر تاريخ المسلمين الطويل وكان ضحيتها أفرادا أو جماعات من الأقليات ولكن ليس دائما على خلفية كونهم كذلك . ولكن أحدا لا يستطيع أن يزعم أن جريمة بحجم الهولكوست النازي قد وقعت على مجموعة بشرية في تاريخ المسلمين . وكذلك لا أحد يستطيع أن يزعم أن دولة من دول المسلمين بهويتها العامة و اختلاف درجات التزام حكامها وعدالتهم المتفاوتة قد شهدت مثيلا لمحاكم التفتيش بمرجعيتها الكهنوتية ، وهيكليتها المعترف الرسمية ، وأساليب تصرفها المثيرة للاشمئزاز. حتى ما قيل عن مجازر تركية ضد الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى فقد وقعت هذه المجازر بعد الانقلاب العلماني على الدولة العثمانية في عام 1911 الذي أطاح بالسلطان عبد الحميد آخر سلطان عثماني صاحب قرار عملي .

 

عندما يفكر بعضنا اليوم بالحقوق الإضافية التي يتمتع بها أبناء الأقليات في العالم العربي لعله يتمنى – على مستوى الحقوق – أن يكون واحدا منهم . على مستوى عالم متحضر كما على مستوى محلي ثمة سؤال يدور في عقول وقلوب السوريين جميعا لو أن هذا الذي يقع على أبناء سورية منذ عام وقع على أبناء أقلية من الأقليات ولنقل أنه وقع على المسيحيين أو على العلويين من قبل ما يطلقون عليه الأكثرية فهل كانت المواقف الدولية ستتسم بهذا البرود أو بهذه البلادة ؟!

 

نحن نُدعى إلى الكتابة دائما عن ضرورة اندماج المهاجرين العرب في الغرب في مجتمعات المهجر ، ندعىى للمشاركة في ورشات عمل عن ضرورة الاندماج الاجتماعي والثقافي في مجتمع الأكثرية المدني، فإذا تحدثنا عن ذلك في بلادنا اتهمنا بأننا نريد أن نذهب بحقوق الأقليات وأن نطمس وجودها ..!!! في بلادنا فقط المطلوب من الأكثرية أن تتنازل عن هويتها و تبقى بلا لون ولا طعم ولا رائحة لكي لا تكون متعصبة أو منغلقة دينيا أو عرقيا أو مذهبيا بينما عليها في الوقت نفسه أن تقر وتحمي وتصون كل خصوصيات أصحاب الخصوصية !!!

 

اليوم يُطالب أبناء المجتمعات العربية بالانفتاح على..... والاعتراف ب...... .ويتهمون برفض الآخر ونبذه وغمطه ولكن هل هناك من يقبل بإحصاءات دقيقة وشفافة عن واقع توزيع السلطة و الثروة والفرصة في وطننا لمعرفة من هو الشقيق المدلل الذي يذهب في هذه الأوطان أكاد أقول بكل شيء . وأرجو ألا يرد علي أحد الكلام فيتهمني بأنني أدعو إلى أي شكل من اشكال المحاصصة الطائفية . قال رجل لسيف الدولة وقد اتهمه بسرقة قصيدة شاعر آخر ، قال السارق الظريف : لعله من توارد الخاطر وقد يقع الحافر على الحافر فأجابه سيف الدولة : أمن الأول إلى الآخر ....

 

إن العدل الاجتماعي كما العدل السياسي هو من بعض مطالب ثورات الربيع العربي . كثيرون يطالبون بتطمينات لإعادة الاصطفاف ، ولكن هل التطمينات المطلوبة هي في سقف العدل الوطني أم في أفق الحفاظ على المكتسبات المنتزعة تحت الكثير من العناوين على خلاف ما تفرضه شرائع السماء وتقتضيه قوانين الأرض.. ؟!

 

 وحقوق غير المسلمين :

حسنا سأشير إلى أمر واقعي مقارن نسبة الأشقاء الكرد المسلمين في سورية توازي تقريبا من حيث العدد نسبة الأشقاء المسيحيين. في سورية تعطل الدوائر الرسمية والمدارس في يوم ميلاد السيد المسيح وفي رأس السنة الميلادية وفي يومي الفصح حسب الكنيستين الغربية والشرقية – ونحن لا نذكر هذا للاعتراض - ولكن ليس هناك عطلة في يوم النيروز الذي يمثل عيدا للطبيعة أو لرأس السنة عند الإخوة الكرد..!!! في سورية يختص المواطنون الأرمن بمدارس خاصة بهم يتعلمون لغتهم وثقافتهم وهو ما لم يحصل عليه الكرد أو الشركس أو التركمان المسلمون مفارقات مطروحة للتأمل فقط . نحن حين نتحدث عن حالات تفضيلية إنما نطالب بتعميمها وليس بتقليصها .

 

على مستوى الواقع القائم في سورية يطالب بعض المسلمين بحقهم في الحياة المنتهك بالقانون 49 / 1980 / وبما يوفره العالم لبشار الأسد من الحق في الذبح والقمع والانتهاك..

 

هل يجب أن تكون التجربة السورية بأبعادها الواقعية درسا تاريخيا ليس للشعب السوري وحده بل لكل شعوب المنطقة . ..؟!

 

ومع ذلك نعتقد ..

أن بناء الدولة الحديثة التي تستمد قوتها الإبرائية من البنية الدستورية والقانونية و ليس من المؤسسة العسكرية أو الجهاز الأمني ربما سيكون كفيلا بنقل دولنا ومجتمعاتنا من طور إلى طور..

 

لا أحد يستطيع أن يتبين دور المؤسسة العسكرية في صناعة النظام السياسي أو في دعمه في بريطانيا أو في ألمانيا أو في فرنسة ولكن هذا الدور حاضر بشدة في تركية وفي الباكستان وفي مصر الثورة وهذه القوى هي القوى الفاعلة مباشرة في بلد مثل سورية حيث لا قيمة لحكومة ولا لسلطة تشريعية ولا لسلطة قضائية ..

 

إن المواطن المتخوف على ذاته وعلى هويته وعلى مستقبل أجياله لا يمكن أن يفكر في الإطار المفتوح .

 

لو كان لدينا في سورية بناء دولة مثل النظام البريطاني لما كنا في حاجة أصلا – مثلنا مثل الشعب البريطاني – إلى دستور مكتوب نحتمي به لحماية الحقوق وصون الهوية ..

 

محاولة الاحتماء ببعض مواد الدستور والإصرار عليها أليست تعبيرا عن مخاوف تساور السواد الوطني ولاسيما بعد التجربة المرة التي عبر عنها منيف الرزاز والتي ما يزال الشعب السوري يدفع ثمنها من دم أبنائه وأعراض بناته. لقد كان ما مارسه الرزاز والبيطار والحوراني وغيرهم لعبة هواة . بل كان أشنع أثرا في تاريخ المنطقة من كارثة السابعة والستين بل كانت تلك الكارثة بعض ثمرات لعبتهم الغبية وليعذرنا الأصدقاء..

 

في ظل بنيان دولة قوية لا يتسلط عليها فرد ولا زمرة ستكون الأبواب مفتوحة أمام جميع المواطنين ليقدموا أفضل ما عندهم لخدمة أوطانهم بغض النظر عن انتماءاتهم الثانوية في إطار الانتماء الوطني الذي يجب أن يتقدم على الصعيد المدني على كل شيء ..

 

ولكن لن نستطيع بناء هذه الدولة إلا بكثير من الحذر وبكثير من الصبر والأناة..أعتقد أن بعض المثقفين السياسين يهجمون بشعوبنا على النتائج دون التبصر بمخاطر الطريق ..

 

لقد كان النصف الثاني من القرن العشرين قاسيا على شعوب منطقتنا في الجزائر وفي تونس وفي ليبية وفي السودان وفي مصر وفي سورية والعراق .. لقد كتب عبد الرحمن الكواكبي منددا بالاستبداد التقليدي وثرنا عليه منذ الحرب العالمية الأولى لنقع في فخ الاستبداد الثوري الإيديولوجي الذي لم نعد نجد طريقة للهرب منه ..

 

امتلاك الآليات الأولية لمشروع الإصلاح سيجعل جدلية الإصلاح هي محط الأمل . جدلية الإصلاح هي التي ستجعلنا نرقى في سلمه مرقاة بعد مرقاة أما الحلم بالقفز إلى القمة بقفزة واحدة فما على الحالمين من حرج ...

26/4/2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-**-**-**-**-**

فرنسا والنظام السوري: سجل مراقصة الطغاة .. صبحي حديدي

2012-04-19

القدس العربي

كُتبت هذه السطور قبل انعقاد الاجتماع الثالث لمجموعة 'أصدقاء سورية' في باريس، بعد تونس واسطنبول، بمشاركة 14 دولة؛ وبهذا فإنّ الدبلوماسية الفرنسية تقطع خطوة إضافية على درب مقاربتها للملفّ السوري، أو انخراطها فيه على نحو مباشر لا يقلّ عن انخراط الولايات المتحدة أو تركيا، ولعلّه يتميّز عنهما في عناصر كثيرة أيضاً. وتلك مقاربة تقلّبت مراراً منذ انطلاق الانتفاضة السورية، حين كان السفير الفرنس إريك شوفالييه (مستنداً إلى خطّ قصر الإليزيه في الواقع، وإلى قراءة سكرتيره العامّ آنذاك، وزير الداخلية الحالي، كلود غيان) ميالاً إلى ترجيح رواية النظام حول 'العصابات المسلحة' و'التدخل الخارجي'؛ واستقرّت عند رؤية وزير الخارجية الحالي آلان جوبيه، الذي لم يتردد في مطالبة رأس النظام بالتنحي، كما استقبل ممثلي المعارضة مراراً، وشارك في معظم الاجتماعات الدولية والأممية المكرّسة للوضع في سورية.

وفي الجانب الإنساني، قدّمت السفارة الفرنسية في دمشق خدمات ملموسة للمعارضين السوريين الملاحقين من الأجهزة الأمنية، ومنحت الكثيرين منهم ومعظمهم لم يكن يحمل جوازات سفر، بالطبع تأشيرات خروج، وتصاريح سفر مؤقتة. ولم يعد غريباً، والحال هذه، أن يستقرّ في فرنسا عدد كبير من هؤلاء، من المشتغلين بالعمل السياسي والحزبي، أو نشطاء التنسيقيات الشباب، أو الكتّاب والفنانين الذين انحازوا مبكراً إلى صفّ الانتفاضة. كذلك اخذت العاصمة باريس، والمدن الكبرى في فرنسا، تتميز بتظاهرات تضامن ذات سوية عالية، كانت أحدثها احتفالية 'الموجة البيضاء' في مناسبة عيد الجلاء السوري، 17 نيسان (أبريل)، التي شارك فيها فنانون وكتّاب وساسة ومشاهير، طالبوا بالحرّية للسوريين، وبإيقاف المجازر.

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي استبق اجتماع 'أصدقاء سورية 3' بتصريح، 'شديد اللهجة' وفق ما تصنّف الرطانة الدبلوماسية عادة، أعلن فيه أنّ بشار الأسد 'يكذب'، و'يريد محو حمص من الخريطة'، على غرار رغبة الدكتاتور الليبي معمّر القذافي في 'تدمير بنغازي'؛ ولهذا أرادت فرنسا دعوة 'كلّ مَنْ لا يطيقون رؤية دكتاتور يقتل شعبه'. وإذا جاز القول بأنّ هذا التصريح لا يبدو مفاجئاً تماماً، بالمقارنة مع تصريحات أخرى تصعيدية أطلقها ساركوزي في مناسبات سابقة، خاصة حين انطلقت حملته الرسمية للانتخابات الرئاسة؛ فإنّ ما لا يجوز هو ذلك الجزم بأنّ جميع المشاركين في الاجتماع يطيقون سقوط النظام السوري، بسبب أنهم لا يطيقون ما يرتكبه الأسد من مجازر.

نسبية الأمر هنا لا تخفى إلا على السذّج، والأجندات على كثرتها، وتطابقها هنا، أو تناقضها هناك لا تنهض على التعاطف مع الشعب القتيل، بقدر ما تقتفي أثر المصالح الحية، خشية أن تُقتل!

خير للمرء أن يبدأ من المضيف نفسه، ساركوزي، الذي كان 'البطل' أو 'الرائد' على نطاق الاتحاد الأوروبي في تدشين سياسة حوار مع النظام السوري صيف سنة 2008، من خلال مشروع 'الاتحاد المتوسطي'، الذي وُلد ميتاً في الأصل، ولم يكترث أحد حتى بدفنه! آنذاك برّر ساركوزي دعوة الأسد (وكان عندئذ، مثلما كان في البدء ويظلّ حتى ساعة سقوطه، دكتاتوراً ابن دكتاتور)، بالقول إنّ سورية بلد متوسطي، وليس ثمة سبب واحد يبرّر عدم دعوتها إلى القمة المتوسطية، غير المكرّسة (في حدود علمه كما قال، وفي علم الجميع كما نقول) لمناقشة احترام أو انتهاك حقوق الإنسان على ضفاف المتوسط. ذاك كان منطقاً صورياً سليماً تماماً، وكان استبعاد سورية من هذه القمة هو الذي سيشكّل القرار الشاذّ غير الطبيعي.

ومن جانب ثانٍ، مَنْ الذي كان سيعيب على ساركوزي دعوة الأسد إلى منصّة الإحتفال بالثورة الفرنسية، يوم العيد الوطني لفرنسا، ما دام الحابل اختلط يومها بالنابل على تلك المنصة: ديمقراطيات غربية، ودكتاتوريات شرقية أو أفريقية، جنباً إلى جنب مع إسرائيل... 'واحة الديمقراطية' في الشرق الأوسط؟

ولهذا، وبصرف النظر عن قيمته الأخلاقية العالية، فإنّ النداء الذي وجهته إلى ساركوزي، يومئذ، ثماني منظمات حقوق إنسان دولية (بينها العفو الدولية، وميدل إيست واتش، والإتحاد الدولي لروابط حقوق الإنسان، والشبكة الأورو متوسطية، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب...) ظلّ حبراً على ورق في ما يخصّ مطلب الفقرة الأولى: 'تناشدكم منظمات حقوق الإنسان الموقعة على هذه الرسالة إيلاء اهتمام لوضع حقوق الإنسان في ذلك البلد في إطار محادثاتكم' مع الأسد. وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر (حامل كيس الرزّ بوصفه أيقونة الغوث الدولي، وصاحب نظرية التدخّل الإنساني في الشؤون السيادية للدول، و'غير المبتهج شخصياً' بزيارة الأسد إلى باريس) تكفّل بهذا الأمر، كما قيل، ودسّ في جيب وليد المعلّم، وزير خارجية النظام، لائحة بأسماء حفنة من المعتقلين السياسيين السوريين الذين ستبتهج فرنسا بإطلاق سراحهم!

لكنّ ساركوزي لم يكن أوّل رئيس فرنسي يراقص طغاة الشرق الأوسط، سواء في العقود الأخيرة من عمر الجمهورية الخامسة في فرنسا؛ أم في عقودها الوسطى (كانت أوّل زيارة لحافظ لأسد قد تمّت في عهد فاليري جيسكار ديستان، سنة 1976، بعد أشهر قليلة على دخول القوّات السورية إلى لبنان)؛ هذا إذا اعتبر المرء الأنشطة الدبلوماسية في تلك الأحقاب بمثابة تمرينات مبكّرة واستطلاعية على ما ستسمّيه التنظيرات الديغولية 'السياسة العربية لفرنسا'. بل، في وجهة أخرى لنقاش الأمر، لعلّ المرء لا يبالغ إذا اعتبر أنّ خيار ساركوزي في الانفتاح على النظام السوري كان أقرب إلى السلوك الطبيعي، المنتظَر، غير المستغرب البتة، من هذا الرجل بالذات. وثمة ما يغري بالقول إنّ ساركوزي لم يكن يواصل طبعة جديدة معدّلة، على هذا النحو أو ذاك، من ذلك الإرث السياسي والدبلوماسي، بل هو في الواقع سعى إلى طيّ تلك الصفحة نهائياً، واستبدالها بأخرى جديدة ذات شخصية مختلفة وستراتيجيات جيو سياسية متعددة السمات، لكنها في العموم أقرب إلى الرؤية الأمريكية والأطلسية لشؤون الشرق الأوسط وشجونه.

والحال أنّ سياسة فرنسا العربية بدأت في صيغة أسطورة، وتواصلت هكذا في الأذهان والأبحاث والفرضيات... ليس أكثر! وباستثناء عبارة الجنرال شارل ديغول الشهيرة، عن الدولة العبرية بوصفها 'شعب النخبة، الواثق من نفسه، والمهيمن'، وقراره حظر بيع الأسلحة إلى الأطراف المتحاربة، فإنّ سجّل العلاقات العربية الفرنسية ليس حافلاً بالكثير من الوقائع التي تشيّد سياسة متكاملة مترابطة، من نوع يستحقّ صفة 'السياسة العربية' التي ظلّ البعض يتشدّق بها طويلاً. هنالك سلسلة مبادرات بالطبع، لعلّ أشهرها كان حديث فرنسوا ميتيران، الرئيس الفرنسي الأسبق والأوّل الممثّل لليسار الفرنسي في الجمهورية الخامسة، منذ ربيع 1982، من سدّة الكنيست الإسرائيلي، أمام مناحيم بيغن وإسحق شامير وسواهم من صقور الليكود، عن ضرورة الدولة الفلسطينية؛ وكذلك استقباله ياسر عرفات في باريس، وكانت تلك أوّل زيارة رسمية يقوم بها القائد الفلسطيني الراحل إلى قوّة عظمى غربية.

غير أنّ هذه، فضلاً عن مشاركة فرنسا في إخلاء فصائل المقاومة الفلسطينية بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، كانت مبادرات مسجّلة باسم ميتيران شخصياً، ولم يكن من حقّ اليمين الفرنسي تجييرها لصالح أسطورة السياسة العربية لفرنسا، كما شاع أنّ الجنرال دوغول رسمها. هي، في الآن ذاته ودونما مفارقة، لم تكن جزءاً من تراث السياسة العربية للحزب الاشتراكي الفرنسي، بدلالة السجال الذي أثارته تصريحات ليونيل جوسبان في ربيع 2000، وكان آنذاك رئيس الوزراء، حين استخدم مفردة 'الإرهاب' في وصف عمليات 'حزب الله' ضدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. (في المقابل، لم يتجاسر أيّ من لائميه، في صفّ اليمين الديغولي خاصة، على اعتبار تلك العمليات مقاومة مشروعة!).

وأمّا الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك (صاحب الموقف الشهير من 'روائح' المهاجرين التي تدفع الفرنسي إلى الجنون!) فإنه منذ تولّيه الرئاسة الأولى سنة 1995 وبعد خطبته الشهيرة في جامعة القاهرة، وزيارته الأشهر إلى القدس الشرقية حين تشاجر مع مرافقيه من عناصر الأمن الإسرائيليين لم يفعل الكثير لتوطيد السياسة الديغولية تجاه العالم العربي، بل لعلّه جمّد النهج باسره، وأسبغ عليه مقداراً من الشخصنة لا يليق بالسياسة الخارجية لقوّة عظمى. المفارقة أنّ شيراك (الذي أعلن مقاطعة احتفالات فرنسا بالعيد الوطني لأنّ الأسد سوف يكون على المنصّة، بدعوة من ساركوزي) هو نفسه شيراك الأمس القريب: الذي دعا بشار الأسد (ولم يكن الأخير يشغل آنذاك أيّ منصب رسمي، ما عدا رئاسة 'الجمعية المعلوماتية السورية'!) إلى قصر الإليزيه، بترتيب مباشر من رئيس الوزراء اللبناني القتيل رفيق الحريري، وهنا الشطر الثاني من المفارقة.

بيد أن ساركوزي شاء أن ينفرد ضمن إطار هوسه، شبه المرضي، بالانفراد عن جميع رؤساء فرنسا بادعاء القدرة على حمل معظم، وربما جميع، بطيخ الشرق الأوسط بيد واحدة، سواء أكانت تلك اليد فرنسية خالصة من حيث المظهر الخارجي والأغراض القريبة المعلَنة، أم كانت تنوب عن اليد الأمريكية من حيث الدواخل والأهداف البعيدة الخافية. تعهد، تارة، بإعادة تأهيل النظامين الليبي والسوري في ناظر ما يُسمّى 'المجتمع الحرّ'، لمرامٍ شتى تتراوح بين عقد قمّة الإتحاد المتوسطي بأيّ ثمن، وتشجيع الاعتدال، والنأي عن التطرّف، وتوقيع العقود؛ فتنتهي الحال إلى تمنّع العقيد معمر القذافي إزاء العقود والمشروع المتوسطيّ على حدّ سواء، وإلى حيرة بشار الأسد بين أحمدي نجاد وإيهود اولمرت. وطرح، طوراً، فرنسا ضامناً، مسرحياً تماماً (بدلالة زيارته الاستعراضية إلى بيروت بعد انتخاب ميشيل سليمان، صحبة قادة الأحزاب السياسية الفرنسية، الروائي اللبناني الفرانكوفوني أمين معلوف!) للسلام الأهلي اللبناني وللمحكمة الدولية؛ فانتهت زيارته إلى ما يشبه إسدال الستار على فصل ناقص، أو معلّقة نهايته عند اندلاع الجولة التالية، بعد جولة اجتياح بيروت في 7 أيار (مايو) 2008.

واليوم، إذْ تقطع الدبلوماسية الفرنسية خطوة إضافية نحو مزيد من الانخراط في الملفّ السوري، فإنّ الخيارات سوف تدخل إلى الثلاجة مؤقتاً، وريثما يحسم الفرنسيون أمرهم حول تجديد ولاية ساركوزي الرئاسية، أم إحالته إلى التقاعد وانتخاب الاشتراكي فرنسوا هولاند رئيساً لسنوات خمس تالية. صحيح، من حيث المنطق البسيط، أنّ سياسة الحزب الاشتراكي تجاه النظام السوري أكثر تشدداً، وكانت خلال السنوات الماضية أكثر انفتاحاً على المعارضة والمجتمع المدني السوري؛ إلا أنّ تجارب الديمقراطيات الغربية تعلّمنا درساً بسيطاً، وبليغاً تماماً في آن: ما يُقال خلال الوجود في صفّ المعارضة، لا يتطابق بالضرورة مع الأفعال بعد الانتقال إلى الحكم.

وفي كلّ حال، لن يمتد عمر النظام السوري إلى أجل أطول يمكن أن يغري ساكن قصر الإليزيه، كائناً مَنْ كان، بإعادة النظر في مصير معلَن، صار ملك الشعب السوري، ورهن أسابيع.

' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-**-**-**-**-**

قبلة الحرية آتية.. في سوريا .. خيرالله خيرالله

المستقبل

20-4-2012

من يراهن على التزام النظام السوري مبادرة كوفي انان، انما يراهن على سراب بغض النظر عن توجه مراقبين دوليين الى سوريا... ام عدم ذهابهم اليها. المسألة تتجاوز المراقبين الدوليين . ما على المحك مستقبل بلد عربي بات مهدداً. تمرّ سوريا حالياً بمرحلة مصيرية في ظلّ نظام يرفض الاعتراف بانه انتهى. لا يشبه النظام السوري سوى تلك الانظمة التي تحكّمت بدول اوروبا الشرقية فترة طويلة من الزمن امتدت بين العامين 1945 و1990.

عاشت تلك الانظمة نحو خمس واربعين سنة، اي ما يقارب عمر النظام السوري الحالي. كانت تلك الانظمة مرفوضة من شعوبها. انتهت مع انتهاء الاتحاد السوفياتي. منذ سقوط جدار برلين في تشرين الثاني من العام 1989، كرّت السبحة. استعادت المانيا الشرقية حريتها وعادت الى المانيا. لم تمض اشهر الاّ واستعادت تشيكوسلوفاكيا بدورها حريتها ثم اختارت بطريقة حبية ان تصبح دولتين هما تشيكيا وسلوفاكيا. عادت هنغاريا الى اهلها، كذلك رومانيا التي تخلّصت من عائلة حاكمة جسّدت كل انواع التخلف والوحشية. على الدرب نفسه سارت كلّ من بولندا وبلغاريا.

لم تكن يوغوسلافيا جزءاً من المنظومة السوفياتية. انتهت يوغوسلافيا مع انتهاء تيتو الرجل الذي وحّدها وتوفى في العام 1980. انتهت يوغوسلافيا بعد عقد على وفاة تيتو دولاً عدة اثر سلسلة من الحروب التي حركها انفلات كل انواع الغرائز.

دفعت يوغوسلافيا ثمن الوحدة غير الطبيعية التي استطاع الماريشال جوزف بروز تيتو فرضها بفضل شخصيته القويّة. ما لا يمكن تجاهله ان تيتو، احد مؤسسي حركة اللانحياز، تحدّى ستالين عندما كان في عزّ قوته وجبروته وابقى على مسافة بين بلده والاتحاد السوفياتي. لكنّ ذلك لم يحل دون انفراط عقد يوغوسلافيا في مرحلة كانت دول اوروبا الشرقية تستعيد حريتها!

لم يكن الوضع في اي دولة من دول اوروبا الشرقية طبيعياً. كانت هناك شعوب تقاوم الديكتاتوريات والانظمة الامنية والدبابات السوفياتية منذ ضمها الى دائرة النفوذ السوفياتية. قاومت هنغاريا الظلم، فكانت انتفاضة بودابست في العام 1956 تعبيراً عن تلك المقاومة. وكان "ربيع براغ" في العام 1968. اما بولندا، فلم ترضخ او تهدأ يوماً وقد لعبت كل من الكنيسة الكاثوليكية والحركة النقابية دوراً حاسماً في مجال تأكيد ان انظمة تقوم على الامن وعلى دعم الدبابات السوفياتية لا يمكن ان تستمرّ الى ما لا نهاية.

بعد تحرر دول اوروبا الشرقية، لم يبق في العالم سوى عدد قليل من الدول تتحكم بها الاجهزة الامنية. بقي مثلا النظام العراقي، وهو نظام عائلي- بعثي يشبه الى حد كبير النظام السوري. اعتقد صدّام حسين في العام 1990 انه لا يزال في استطاعته لعب دور اكبر من دوره. ذهب الى الكويت هرباً من ازمته الداخلية. لم يجد من ينقذه عن طريق صفقة يعقدها مع الولايات المتحدة. تخلّى الاتحاد السوفياتي، الذي كان في اواخر مراحل التحلل، عن صدّام ونظامه وترك المجتمع العراقي يتفكك والمؤسسات العراقية تنهار من داخل في انتظار التدخل العسكري الاميركي في العام 2003.

من سوء حظ سوريا اقتناع النظام فيها انه يستطيع الرهان على روسيا التي تعتقد انها ورثت قسماً من القوة التي كان يمثلها الاتحاد السوفياتي. كلّ ما تفعله القيادة الروسية حالياً يتمثل في البحث عن صفقة تستفيد منها موسكو وليس النظام السوري. ان عذابات الشعب السوري تبدو آخر همّ من هموم القيادة الروسية التي تدرك قبل غيرها ان ليس في الامكان تغيير مجرى التاريخ. لو كان ذلك ممكناً، لكان الاتحاد السوفياتي لا يزال حيّاً يرزق.

في حال كان فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف يمتلكان حدّا ادنى من الشعور الانساني، لكانا افهما النظام السوري انه ليس اقوى من النظام الروماني ايّام تشاوشيسكو ولا النظام البلغاري ايام جيفكوف ولا النظام الالماني الشرقي ايّام اريش هونيكر. في آخر المطاف، جاء ميخائيل غورباتشوف الى برلين وتكرّم على الزعيم الالماني الشرقي بقبلة الموت. كانت قبلة على الفم على الطريقة المتبعة بين زعماء دول حلف وارسو. لم تكن تلك القبلة في الواقع سوى قبلة الوداع لهونيكر والنظام وقبلة الحرية للالمان. كان غورباتشوف يعرف ان كلّ شيء انتهى وان ليس في الامكان انقاذ انظمة لا تمتلك سوى الشعارات والدبابات لاكتساب شرعية ما. وهذه حال النظام السوري الحالي.

مهّدت تلك القبلة لاستعادة المانيا وحدتها. كانت قبلة غورباتشوف لهونيكر بمثابة قبلة الرحمة للشعب الالماني كلّه. اظهر غورباتشوف انه رجل عظيم يعرف الى اين يتجه العالم.

برفض موسكو التكرّم بقبلة الموت على النظام السوري، تسمح بقتل آلاف السوريين الابرياء الذين لا يريدون سوى استعادة حريتهم وكرامتهم. هل تفعل ذلك عن قصد من منطلق رفض الاعتراف بان هناك عالماً جديداً نشأ عن انهيار الاتحاد السوفياتي؟ هل هناك في موسكو من لا يريد الاعتراف بانّ جدار برلين انهار قبل ثلاثة وعشرين عاما، ام ان كلّ ما في الامر ان موسكو تعتقد ان في استطاعتها الاستفادة من حرب اهلية في سوريا تؤدي الى تقطيع اوصال البلد؟ انه بالفعل منطق اللامنطق في عالم معروف فيه مصير نظام مثل النظام السوري، نظام في مواجهة يومية مع شعبه.

المسألة مسألة وقت ليس الاّ. ليس طبيعياً ان تتوقف رياح الحرّية عند ابواب دمشق وحلب. ليس طبيعياً ان يتفرّج السوريون على النظام يزيل احياء كاملة في حمص عن الخريطة. قبلة الحرية للشعب السوري آتية لا محالة مهما بلغت درجة الوحشية والدعم الايراني والروسي للنظام...

-**-**-**-**-**

مخاطر تحوّل سوريا "دولة فاشلة" .. رندى حيدر

2012-04-20

النهار

يبدو أن إسرائيل مستعدة لتحمل بقاء نظام بشار الأسد على تحول سوريا نموذجا آخر "للدولة الفاشلة" الى جانب النماذج الأخرى المحيطة بها مثل لبنان والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية و"حماس" في قطاع غزة، أي دولة تعاني ضعف السلطة المركزية وانهيار مؤسسات الحكم نتيجة التقاتل الداخلي والفوضى وتنافس التنظيمات المسلحة على تقاسم النفوذ والسيطرة على الحياة السياسية.

إن التخوف الإسرائيلي الأول ليس في صعود القوى الإسلامية الى الحكم في سوريا فحسب، ولا من انعكاسات تحول الثورة ضد نظام الأسد نزاعا مذهبيا طائفيا دمويا، وإنما من أن يصير مصير سوريا بعد ذهاب الأسد شبيهاً بمصير ليبيا بعد اطاحة نظام العقيد القذافي. ومعنى ذلك "تفكيك الدولة" والمؤسسات الحاكمة والقوى الأمنية، وتحول سوريا غابة من الفوضى، ومرتعا للميليشيات المسلحة، مع كل ما يمثله ذلك من مخاطر كبيرة على الهدوء في الجولان المستقر منذ حرب تشرين 1973، واحتمال تحول المنطقة الحدودية مع سوريا الى ما يشبه الوضع القائم حالياً على الحدود مع غزة وفي شبه جزيرة سيناء، أي ساحة لحروب عصابات صغيرة غير متكافئة بين الجيش الإسرائيلي النظامي والميليشيات المسلحة من الصعب على إسرائيل حسمها على رغم تفوقها العسكري. فقد أثبت تاريخ الحروب العربية-الإسرائيلية أن إسرائيل قادرة على تحقيق الحسم والانتصار في المواجهات الجبهوية العسكرية التقليدية، وهي أقل قدرة على حسم مصير المواجهة في حرب العصابات التي تشنها عليها تنظيمات مسلحة لا تنضوي في الإطار الرسمي للدولة.

لقد شكل ما حدث في ليبيا درساً مهماً للغرب ولإسرائيل في آن واحد في سبل التعامل مع ثورات "الربيع العربي". كما كان السبب الرئيسي، بين أسباب أخرى، لتلكؤ الغرب ولا سيما منه الولايات المتحدة في تقديم المساعدة العسكرية لأطراف المعارضة السورية المسلحة. وهو أيضاً السبب الذي أضاء الضوء الأحمر في إسرائيل، وساهم في تعزيز وجهات النظر الإسرائيلية المحافظة التي لا تزال تعتبر بقاء نظام الأسد ربما في مصلحة إسرائيل على رغم تحالفه مع عدوها الأول حالياً إيران، وعلى رغم الدعم العسكري الذي يقدمه هذا النظام لخصمها الآخر أي "حزب الله".

إن اختلال المعادلة القائمة على الحدود مع سوريا منذ سنوات نتيجة سقوط نظام الأسد هو آخر ما ترغب إسرائيل في حصوله، وخصوصا الآن وهي في خضم تحضيرها لمعركتها المصيرية مع السلاح النووي الإيراني الذي يشكل في رأي نتنياهو تهديداً لوجود إسرائيل ومصيرها.

-**-**-**-**-**

تجويف سوريا... لتقسيمها؟! .. راجح الخوري

2012-04-20

النهار

كانت الدبابات السورية قد انسحبت من بلدة عربين عندما دخلها المراقبون الدوليون بعد ستة ايام من وصولهم الى دمشق، لكن ذلك لم يحل دون تعرض الاهالي الذين خرجوا للتظاهر امام عيون الدوليين، لإطلاق النار وسقوط ثمانية جرحى.

شاشات التلفزة نقلت صور الحادث، لكن العقيد المغربي احمد حميش تحدث على طريقة السوداني محمد الدابي نافياً تعرض المراقبين للنار وقائلاً انه لا يقدم التقارير الى الصحافة بل الى الامم المتحدة. حصل هذا بعدما منعت السلطات المراقبين من الذهاب الى حمص طبعاً "لأسباب امنية"، في وقت واصل النظام وضع شروط تقيد عمل البعثة الدولية إن لجهة اختيار جنسيات اعضائها بحيث يأتون من دول تؤيد النظام، او لجهة تقرير تحركاتهم بحيث لا يرون إلا ما يريد النظام ان يروه!

على هذا الاساس وقياساً بالواقع الملتهب على الارض حيث سقط اكثر من 200 قتيل منذ وصول طليعة المراقبين قبل ستة ايام، تبدو رسالة الامين العام للامم المتحدة بان كي - مون الى مجلس الامن، التي دعا فيها الى نشر بعثة من 300 مراقب على مدى ثلاثة اشهر، بمثابة وصفة لسقوط ثلاثة آلاف قتيل اضافي لأن المؤشر اليومي للضحايا منذ قرار وقف النار هو ما بين 25 و30 قتيلاً!

المبعوث الخاص كوفي انان يتحدث عن فرصة للتقدم من دون ان يقلل خطورة التحديات، لكن الحديث عن نشر تدريجي للمراقبين على مدى اسابيع في حوالى عشرة مواقع سورية يبدو بلا فعالية في ظل استمرار العنف، الذي لن يتوقف بعد هذا الطوفان من الدم والمآسي. فمن الواضح ان النظام لن يتراجع عن الحل العسكري فيسحب الدبابات والاسلحة الثقيلة ويطلق المعتقلين ويسمح بالتظاهرات التي ستغرق المدن فوراً مطالبة بسقوط الرئيس بشار الاسد، ومن الواضح ايضاً ان المعارضة لن تتراجع بدورها بعد كل ما تكبدته من ضحايا وتدمير للمدن والاحياء.

حتى الآن تبدو الاجتماعات الدولية المتلاحقة على هامش مهمة انان وكأنها محاولات لتبرئة الذمم من الدم السوري المتدفق ولنفض قميص عثمان مما يجري، والذي قد يكون بداية لسنوات من الحرب الاهلية التي يراد لها في مطابخ الاستراتيجيات الكبرى ان تستنزف سوريا وتجوفها وتنهك قواها ومن ثم تدفع بها الى التقسيم!

 وفي الواقع تبدو دول العالم مثل اوركسترا جنائزية تواكب المأساة المتصاعدة منذ عام ونيف، فالعزف الاميركي اليومي مثلاً على جروح السوريين ليس اكثر من مسلسل من الاكاذيب التي تتلطى وراء حماقة الروس في وقوفهم الفظ ضد الشعب السوري واعتبار كل المعارضين من الخارجين عن القانون، واذا اضفنا الى هذا العجز العربي الصارخ والتردد التركي الفاضح والسهر الاسرائيلي الوقح على تسويق موقف دولي فحواه "دعهم يقتلون بعضهم بعضاً حتى الانهيار"، يمكن القول انها فعلاً حرب يا قاتل يا مقتول ولن تنتهي إلا بانهيار سوريا او بتقسيمها!

-**-**-**-**-**

المعارضة السورية وخطة كوفي أنان! .. أكرم البنى

الشرق الاوسط

20-4-2012

الحديث السلبي عن المعارضة السورية وما يؤخذ عليها من تشتت وعجز عن توحيد صفوفها يفقد اليوم الكثير من زخمه، ليس فقط بسبب تشابه العهود والمواثيق التي أعلنت مؤخرا من قبل أهم فصائلها، المجلس الوطني وهيئة التنسيق وجماعة الإخوان المسلمين وغيرهم، وبدت أحيانا وثائق متطابقة في الموقف من التغيير وطابع الدولة المدنية والديمقراطية، وإنما أيضا جراء قبولها بما يشبه الإجماع بخطة كوفي أنان لمعالجة الأوضاع المأساوية في البلاد، حتى وإن اختلفت أسباب ودوافع القبول بين هذا الائتلاف أو ذاك.

تتفق الغالبية العظمى من المعارضين على أن الشعب المنتفض هو الطرف المستفيد من تطبيق الخطة الأممية، وما كان لبنودها الستة أن تفرض على النظام فرضا لولا استبسال الناس في الدفاع عن حقوقهم وما قدموه من تضحيات لا تقدر بثمن. وبلا شك ستكون النتائج في مصلحتهم مع وقف العمليات العسكرية والقصف وسحب الأسلحة الثقيلة من الشوارع والأحياء السكنية، وتوفير ممرات لتقديم الدعم الإنساني، وإطلاق سراح المعتقلين والسماح بالتظاهر السلمي، ثم فسح المجال أمام وسائل الإعلام الحرة ونشر نخبة من المراقبين للرصد والمتابعة، وبعبارة أخرى سيكسب الحراك الثوري فرصة ثمينة كي يلتقط أنفاسه ويستجمع قواه ويوظف حقه في التظاهر والاحتجاج لإبقاء جذوة الثورة متقدة ومدها إلى قطاعات جديدة، مطمئنا إلى أن المتابعة الحثيثة للمجتمع الدولي عبر عيون المراقبين والإعلاميين سوف تقيد بلا شك أيادي آلة القمع والتنكيل وتحاصر ممارسات النظام.

ثمة معارضون يجدون الخطة ضرورية لحماية المدنيين بالدرجة الأولى، والأهم عندهم هو إيصال ما يمكن من مساعدات إنسانية إلى سكان المناطق المنكوبة بعد أن قطعت الآلة العسكرية والأمنية كل سبل التواصل معهم، فإن يجبر النظام على ضمان وصول المعونات المعيشية والصحية للمحتاجين والمتضررين هو أمر لا يدرك قيمته الحقيقية والنوعية سوى من يعش في تلك المناطق ويلامس معاناة أهلها وآلامهم، هذه المساعدات ومع استمرارها قد تشجع الكثيرين للعودة إلى بيوتهم ممن تركوا مناطقهم الساخنة ويكابدون من شروط الهجرة والتشرد.

وهناك معارضون دعموا خطة أنان كوسيلة جديدة لتعرية ممارسات النظام السوري وإظهار فشل خياره الأمني والعسكري، بما هو فشل إعادة زرع الخوف والرعب في المجتمع، فوقف العنف والسير على طريق حل سياسي يضع النخبة الحاكمة في موقع لا تحسد عليه أمام مناصريها وحلفائها وهي التي لم تكل أو تمل من الحديث عن جدوى العنف ضد عصابات مسلحة ومجموعات متآمرة على البلاد، خاصة أمام أولئك الذين أحرقوا مراكبهم لهول ما ارتكبوه من فظاعات، ويخشون انكشاف الحقائق والمحاسبة، والذين يدركون جيدا ما سوف تؤول إليه أوضاعهم في حال البدء بسحب القوات العسكرية والالتزام بإطلاق سراح المعتقلين وفسح المجال لحرية الإعلام والصحافة كما للمظاهرات والاحتجاجات السلمية، ولا يغير هذه الحقيقة بل تؤكدها محاولة السلطة السورية الظهور بمظهر المنتصر على ركام الدمار الكبير الذي أحدثته في الكثير من المناطق، كأنها تريد أن تقنع نفسها قبل إقناع الآخرين بنجاعة ما حققه الحل الأمني والعسكري وأنها لم ترضخ للضغوط الدولية، وأنها وافقت على خطة عنان وأعلنت تأييدها للمعالجة السياسية من موقع القوة وليس من الموقع الضعيف. بما يؤكد أن هدفها الثابت هو شراء مزيد من الوقت كي تتوغل أكثر في القمع والتنكيل، عبر توظيف ما تمتلكه من خبرات لتمييع الخطة الأممية وإفراغها من محتواها، كإغراقها في التفاصيل وإشغالها ببعض الاشتراطات المسبقة، كما نسمع اليوم عن أولوية تجفيف مصادر إمداد المعارضة بالسلاح والمال، وعن شرط موافقة السلطات على جنسية المراقبين قبل نشرهم، وقس على ذلك!.

وأخيرا هناك دافع في وقوف بعض المعارضين مع تنفيذ خطة أنان لأنها برأيهم تدعم الوجه السلمي للثورة، ومن هؤلاء من يجاهر برفضه عسكرة الحراك الشعبي ويذكر بمخاطر ذلك على مصير الثورة ذاتها وحرفها عن أهدافها في الحرية والكرامة، بينما يرى آخرون أن خطة أنان حين تسعى لوقف العنف فهي تعيد الاعتبار لأولوية المظاهرات والاحتجاجات السلمية بما يعني إعادة الأهمية لدور المجتمعين المدني والأهلي والفعاليات السياسية في ترشيد الثورة ومد انتشارها وتمكينها.

ويبقى الأوضح نجاح المعارضة السورية على اختلاف تكويناتها وائتلافاتها، في الالتفاف على نقطة الخلاف الوحيدة المتعلقة بالحوار مع النظام، فلا يمكنك اليوم وضع مسافة افتراق بين من يرفض الحوار بالمطلق لأن النظام فقد شرعيته، وبين من يرفضه بسبب الحرج الأخلاقي من شدة القمع والتنكيل الذي يمارس دون رادع، أو من يرفضه لأنه مقتنع بأن النظام غير جاد في موافقته على الحل السياسي ولا يريد منحه فرصة أو غطاء للاستمرار في خياره العنفي، وبين من وجد مخرجا توافقيا في اعتبار الحوار شكلا من أشكال التفاوض ليس إلا، وظيفته ضمان نقل سلمي للسلطة ووضع خطة عملية وزمنية لإرساء قواعد الحياة الديمقراطية وهو الأمر الذي يعني ضمنا وضع الأمور بيد حكومة انتقالية تدعو لانتخابات برلمانية حرة ولصياغة دستور جديد جوهرة إقامة دولة مدنية تضمن الحريات وحقوق المواطنة المتساوية.

والخلاصة أن توافق أطراف المعارضة السورية على قبول خطة كوفي أنان ودعمها، يفتح أفقا جديدا أمامها، خاصة إن تمكنت من الالتفاف على محاولات أهل الحكم إفشال هذه الخطة وإفراغها من محتواها، ونجحت في نيل ثقة المراقبين الدوليين والصحافة الحرة بما تقدمه لهم من بيانات دقيقة حول المعتقلين والمفقودين وأشكال القمع والتعذيب وجديد المظاهر المسلحة وغيرها، وهو أفق سوف يفضي وإن بشكل متدرج إلى تعديل توازن القوى ما إن يطمئن الناس ويتوافدوا بثقة إلى ساحات التظاهر والاحتجاج!

-**-**-**-**-**

فورين بوليسي: الأسد حطم سوريا لكن المجتمع الدولي ووسائل الاعلام زادوا الامور سوءاً فيها

تاريخ النشر : 2012-04-19

 غزة - دنيا الوطن

نشرت مجلة "فورين بوليسي" اليوم الاربعاء تحقيقاً على موقعها الاليكتروني يقول فيه كاتبه جيمس هاركين ان الرئيس السوري بشار الاسد هو الذي حطم سوريا "لكن المجتمع الدولي ووسائل الاعلام جعلوا الامور اسوأ بالنسبة الى السوريين. وهنا نص التحقيق: "كنت اتردد على سوريا منذ عدة أعوام، كصحافي وكمواطن عادي معا، وكان ملهما بالنسبة إلي أن أرى التغيير الذي حدث في البلاد. عدد من أصدقائي مدنيون عاديون، وغيرهم هم الآن مشاركون في مجموعة متنوعة من منظمات المعارضة التي ظهرت منذ اندلاع الانتفاضة في آذار (مارس) العام الماضي. وما هو مفقود بشكل متكرر في الرواية عن الأزمة التي تواجه أنصار حقوق الإنسان، وصور اجسام الموتى والروايات عن الشر الذي لا يمكن تفسيره، هو كيف كانت الثورة ملهمة في الاصل بالنسبة الى كثير من السورين العاديين. وفعليا فإن كل الناس الذين أعرفهم في سوريا غيروا آراءهم بشكل جذري خلال العام الماضيين واصبحت مطالبهم أكثر جرأة وطموحا.

وفي الوقت الذي تلا فيه ربيع العام 2011 صيف وخريف، وتحرك النظام البعثي المتداعي لقمع المعارضة فكرت بعض منظمات المعارضة في اللجوء الى القوة المسلحة لحماية مظاهراتهم. وحوالي هذا الوقت ادت الجهود الدولية لممارسة الضغط على النظام إلى فرض عقوبات لا يريدها أي سوري (حتى الجيش السوري الحر). وقد خيبت مهمة سيئة المصير قام بها مراقبون عرب آمال الجميع، وحاليا هناك مبادرة من جانب الأمم المتحدة قللت مبدئيا حصيلة القتلى اليومية، لكنها فشلت في إرضاء الحكومة والمعارضة في آن واحد.

والسؤال هو ما الخطأ الذي وقع؟ المشكلة في رأيي هي أن أدوات القانون الدولي عاجزة عن حل المشكلات الحقيقية للصراع المدني. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) مثلا، هرّبت نفسي إلى حمص في الوقت الذي بدأت فيه المعارضة السورية اليائسة في التوجه نحو الجامعة العربية للتوسط بشأن صراعها مع نظام يزداد وحشيةً. ومع تدهور الوضع، كانت المظاهرات اليومية (التي كنت أستطيع سماع انطلاقها في تشرين الثاني/نوفمبر مترافقة مع لعلعة رصاص القناصة) ينضم إليها أفراد ميليشيات مسلحة لحماية الأحياء السنية في المدينة. ثم بدأ استغلال الأحداث سياسيا وجغرافيا.

وفي كانون الأول (ديسمبر) بدا وكأن المجلس الوطني السوري قام بجهد منسق لتحويل حمص إلى بنغازي سورية- وبنغازي هي المدينة الواقعة في شرقي ليبيا التي تسبب تهديد قوات معمر القذافي بتدميرها في التدخل الدولي في ليبيا العام الماضي. ونشر المجلس اخبارا في وسائل الإعلام العالمية على سبيل المثال أشار فيها إلى ان الجيش النظامي السوري حرك تعزيزات لضرب المدينة، وانه أعطى الحمصيين 72 ساعة لإلقاء أسلحتهم أو التعرض للقتل. وعندما اتصلت بناشط قديم في حمص اخبرني ان هذا القول ليس صحيحا ببساطة. كانت الامور سيئة، كما قال، دون الحاجة لاختلاق قصص مرعبة. وباثر رجعي، واعتمادا على السوابق في القانون الدولي، وليس من خلال قوة حركة المعارضة السورية في المنفى، بدا وكانها تضخم الخسائر في صفوف المدنيين في المدينة إلى حد القول إن هناك إبادة عرقية من أجل الضغط على أزرار المجتمع الدولي.

الأمم المتحدة وقعت في الشرك. وقالت نافي بيلاي، المفوضة العليا في الامم المتحدة لحقوق الإنسان: "هناك أصوات كثرة تحذر من هجوم كبير" على حمص على وشك أن يبدأ وأن حشودا عسكرية بدات تتجمع. واضافت: "لست في موقع يمكنني من تأكيد هذه التقارير. لكن إمكانية وقوع هجوم كهذا مقلقة للغاية".

وإذا كانت هناك استراتيجية لتدويل الصراع، فإنها فشلت على اي حال. ولا تستطيع الامم المتحدة فعل اي شيء، لكن الوعد بأنها ربما تفعل ذلك ربما وضع الناشطين العاديين وثوار الجيش السوري الحر حتى أمام خطر اكبر. فالكثيرون دُفعوا للاعتقاد بان النجدة قادمة بينما هي ليست قادمة بكل تأكيد.

تاريخ معظم التدخلات الإنسانية خلال السنوات ال 15 الأخيرة مشابه. ومن خلال تعهد الأمم المتحدة بالمزيد من الامن أكثر مما تستطيع توفيره منطقيا، فقد وضعت حياة الذين تلقوا الوعود بمواصلة جهودهم في خطر اعظم في كل مكان، بدءا من سريبرينيتسا إلى جنوب لبنان. ومن خلال تغيير الحوافز التي تواجه طرفي الصراع، فالأمم المتحدة، في أسوا الحالات، تجعل تلك الحوافز عكسية النتائج- كما تجعل تحديد مواقفهما التفاوضية أكثر إشكالية.

وينطبق الشيء نفسه الى حد كبير على وسائل الاعلام الدولية. فابتداء من اواخر كانون الاول (ديسمبر) انتشر الصحافيون الغربيون مختبئين وراء مراقبي الجامعة العربية ليبحثوا عن "قصة الحرب". وسرعان ما قابلوا اعضاء الجيش السوري الحر وعادوا مسرورين بصور جنود مقنعين يبدون محترفين وهم يحملون قنابل صاروخية. وعلى المدى القصير كانت النتيجة فوزا دعائيا لكل من الصحافيين والجيش السوري الحر. ولكن ما ان غادرت وسائل الاعلام حتى جاءت القوات الحكومية لتقتل او تقبض على كثيرين من اؤلئك المقاتلين والذين اثبت ادعاؤهم بأنهم يستطيعون السيطرة على مناطق لاي فترة من الزمن انه ادعاء فارغ الى حد خطير.

كان هذا في الماضي. ولكن مع تحول الوضع الى حالة استعصاء موقت، يدرك كل شخص في المعارضة الان ان حلف شمال الاطلسي (ناتو) لا يملك الجَلَدَ او الموارد الان لتكرار ما فعله في ليبيا. ان هذا النوع من التدخل العسكري المنظم لن يحدث ببساطة. لكن المرحلة التالية من الديبلوماسية تحمل معها خطر جعل الامور اسوأ بكثير. ذلك ان المغريات المتبقية التي تعرض على نظام بشار الاسد تقرن الان بتهديدات مبطنة يعد فيها المجتمع الدولي بأن يغض الطرف عن الجهود السعودية والقطرية لدعم المعارضة المسلحة بقوة الاسلحة.

وقابل السوريون العاديون تدويل الصراع بمزيج من عدم التصديق والانتهازية. فقد توقفت، بينما كنت اتجول بالسيارة في نهاية شباط (فبراير) في حمص (الى ان اعتقلني الجيش السوري واعادني الى دمشق) عند مجموعة من الرجال المتقدمين في العمر في وسط المدينة واستفسرت منهم عن وجهة كنت ذاهبا اليها. وكان اول سؤال وجهوه الي هو "هل انت روسي؟". ويحتمل ان هؤلاء كانوا مؤيدين للحكومة ومن الممكن جدا انهم علويون وكانوا يعلمون ان الاجانب الوحيدين الذي يريدون التحدث اليهم بالفعل هم الروس، لكون موسكو اعلى المؤيدين صوتا في الدفاع عن نظام الاسد على المسرح الدولي.

ووسط ما يعانيه سوريون كثيرون من انحدار كارثي في المستوى الاقتصادي فإنهم فخورون بان يكونوا محط هذا الاهتمام الدولي، وبان بلادهم لا يجري تجاهلها او نسيانها، كما يقولون. لكنهم ذوو حس وطني عميق ايضا وفخورون بالفسيفساء الاثنية والدينية لبلادهم. وكما قال لي بضعة مراهقين سوريين، فإن الحكومة القطرية نفسها التي تتحرك لحماية حقوق السوريين الانسانية، هي التي تحرمهم من تأشيرات لزيارة قطر. ولم يفت على انتباههم ايضا ان قطر والمملكة العربية السعودية متأخرتان ديمقراطيا لدرجة تجعل الحكومة السورية تبدو وكأنها ديمقراطية متسامحة. وقد بدا قرار المجلس الوطني السوري قبول اموال من دول الخليج لدفع رواتب لجنود الجيش السوري الحر متسما بالغرور، وهو يمثل سياسة سيئة للغاية. ذلك ان هذا لا يعطي مصداقية فقط لنظريات المؤامرة التي تشيعها الحكومة والقائلة بأن التمرد هو من عمل محرضين اجانب، وانما يحمل معه خطر تقسيم حركة المعارضة الداخلية وزيادة قوة نوع الجماعات السنية المتطرفة التي من المرجح جدا ان تذكي التوترات الطائفية.

ولا يعني اي من هذا ان السوريين لا ينبغي ان يأخذوا الامور بأيديهم. فبعد اكثر من سنة من عنف الدولة القاسي لم يعد هناك سوى قلة قليلة من المهادنين في صفوف المعارضة السورية. وكل من قابلتهم في سوريا كانوا متخوفين من ان الامور لا بد ان تصبح اسوأ بكثير قبل ان تتحسن ولا يتمنون تعرض ابناء وطنهم للعنف. ولكن اذا سمح للسعوديين والقطريين بتمرير كميات غير محدودة من الاموال النقدية والاسلحة عبر ممرات التعهريب التقليدية في البلاد فإن النتيجة المرجحة ستكون تعزيز طبقة جديدة من وسطاء بيع الاسلحة وتهربيها وتقوية مجموعات سلفية هامشية يسعدها ان تحول نفسها وجميع من عداها الى شهداء من اجل القضية.

ومهما قالت الحكومة السورية الان فإن نفوذ هذه الفئات السنية المتطرفة هامشي حالياً حتى داخل الجيش السوري الحر. ومعظم العسكريين الفارين هم ببساطة سنيون محافظون من قرى زراعية. ولكن تبدو على سوريا الآن اعراض فترة ما بعد الحرب على الارهاب. ولا يريد السوريون العلمانيون والجماعات اليسارية الاقرب الى القيم الغربية تدخلاً من جانب "ناتو"، بينما نجد ان نوع الناس الذين لا يحبون الغرب – اي البقايا القديمة من جماعة الاخوان المسلمين، وكذلك السلفيين الاحدث عهداً والاكثر راديكالية، هم الذين يتوسلون للغرب ان يتدخل.

ومن يدري: اذا استمر انجراف التفكير نحو ايجاد قوة "مجاهدين" في سوريا وايران (وهذه استراتجية نادى بها جيمس تاروب من "فورين بوليسي")، بعد عقد من اتلزمن صار فيه الراديكاليون السنة العدو رقم واحد في نظر اميركا، فقد يتعين تحويل اسامة بن لادن بعد موته الى صورة المقاتل من اجل الحرية التي رآها الاميركيون فيه في ثمانينات القرن العشرينوهو يزحف في المعركة لدحر آخر بقايا الكفر في الشرق الاوسط.

-**-**-**-**-**-*-*

سوريا الظلام.. سوريا الكلام !! .. إبراهيم علي نسيب

الخميس 19/04/2012

المدينة

* العالم كله في جهة؛ وسوريا وروسيا والصين في جهة، فبالنسبة لسوريا وروسيا هناك علاقة لا علاقة لها بالعلاقات الدولية، حيث تتشابه أحرف البلدين، وشر البليّة ما يُضحك، كما أن شر البلية ما يُبكي، وهي إضافة أتمنى من إعلام أسد سوريا إضافتها في دفاتر ثورته الدموية، وحرب الإبادة على شعبه الأعزل، وهو ما يزال يعتقد أن العالم كله أغبياء وهو الذكي الأول، والفاتح الأول والملهم الأول، في حين أنه الكاذب الأول في كل ما يقوله من الحكي الفارغ الذي لا أحد يصدقه غيره وأنذاله الجبناء؛ الذين وصل بهم الأمر إلى ما لم يكن في حسبان أحد، ليتّهموا بلاد الحرمين وتركيا وقطر بتمويل الجماعات الإرهابية التي دفعوا بها للدفاع عن سوريا؛ التي ودّعت عشرات الألوف وما تزال تودّع يوميًّا المئات من أبنائها وبناتها، وهي قضية هذا الشعب الذي ابتلاه الله ببلوة كبيرة، اسأل الله أن يعينهم على تجاوز هذه المحنة، ويُنجِّيهم ممّا هم فيه، ويشهد الله أن قلوبنا معهم، لكن من يُقنع أسدهم ومن يُصدِّق مَن!! والأمل في الله لا أكثر.. لكن أن تكون التهمة لبلدي وأرضي التي تزرع الخير في الدنى فهذا ما لا أقبله، فيا سبحان الله كيف قررت تمويل الإرهاب؟! لست أدري.. أسد سوريا يدري!! وأين هم الإرهابيون؟! أجزم أنهم هم جنود بشار الأقوياء على العُزَّل، هم قتلة النساء والأطفال، أعتقد أن العالم يرى، وأن لا أحد يُصدِّق هذه الكذبة الكبيرة غير سوريا وروسيا والصين، والسلام على سوريا التي أصبحت خرائب أشباح، والسلام على روسيا والصين..!!!

* ومن يُصدِّق أن يُقدِّم الإنسان رجب الطيب أردوغان دعمًا للإرهابيين ليقتلوا السوريين، وهو الرجل الذي يحاول جاهدًا إنقاذهم، ومخيّمات اللاجئين الذين وصل عددهم اليوم ل(25000) لاجئ، تشهد له بالموقف الكبير والدعم الإنساني للإنسان السوري، وهو بذلك يشبه الفارس الأصيل في نبله، وهو لا يتمنى لسوريا سوى الحياة، لكن القضية أن الظالم لا يهمه خلط الأوراق، لأن همّه الأول هو أن يبقى في مكانه حتى ولو مات الشعب كله، هكذا هو تاريخ القتلة الذين نسوا أن الصورة الشاهد الذي ينقل عنهم للعالم كل أفعالهم التي يقترفونها يوميًّا في شعب وجد نفسه محاطًا بالبطش والجبروت، وما أظن قرار الموت فجائي لأنه ببساطة كان شعب سوريا يموت من قبل الموت بعقود، وقبل تاريخ الثورة بقرون، ليجدوا الأسد اليوم في هيئة كريهة، وتبدو سوريا أرضًا تئن، وشعبًا ينتحب، وفخامته يقول.. إرهابيون..!!!

* (خاتمة الهمزة).. ولا أسوأ من الظلم، وغياب العدل، ولا أهم من الحرية، ولا أجمل من الكرامة، ولا أرقى من الموت دون الوطن، وقبل الختام رحم الله شهداء سوريا، وعجَّل لأشقائنا في سوريا بالفرج والتمكين، وهي خاتمي ودمتم.

-**-**-**-**-**-*-*

في غياب حل سياسي سوريا تتفتّت .. سركيس نعوم

2012-04-19

النهار

تحدث السوري الاميركي المعروف بسبب دوره الاساسي في قيادة عملية تفاوض غير مباشر بين سوريا الراحل حافظ الاسد ثم سوريا ابنه بشار استمرت سنوات وكادت ان تنجح لولا تسريب اسرائيلي مقصود احرج دمشق، عن الحرب الاهلية في سوريا التي قلتُ انها بدأت، قال: ”حسناً. وهي ستستمر وتكبر. النظام انتهى لكنه لم يسقط. والثورة تُضرَب لكنها لن تُخمَد. سيسيل دم كثير في سوريا، واذا لم يتم التوصل الى حل سياسي ستذهب سوريا الى التفتيت. سيتراجع اهل النظام و”عصبيته” اي شعبه الى جبل العلويين وسيحتفظون بمدن الساحل السوري رغم الانتماء المذهبي المختلف لأهلها وربما بمدن اخرى، وقد تقوم دولة علوية او كانتون علوي او شيء مشابه. وبعد ذلك يفرجها الله. عام 1982 أخافت احداث حماه بل الاحداث التي أدت اليها الرئيس في حينه حافظ الاسد، وتحديداً خشي ان لا يتمكن من حسمها لمصلحته، فأسس فرعاً رئيسياً للبنك المركزي السوري في المنطقة العلوية، وانشأ جامعات وأقام بنى تحتية مهمة. وكان هدفه من ذلك تحضير المنطقة في حال اضطر الى الانكفاء في اتجاهها، ونقل يومها كل موجودات المصرف المركزي من القطع النادر الى الفرع المذكور. ماذا يمنع ان يحصل ذلك اليوم او شيء يشبهه. أنا أعرِف النظام السوري. إذ كنت على اتصال بالرئيس الراحل ثم بعد ذلك بنجله الرئيس الحالي وعملنا معاً على موضوع السلام مع اسرائيل. سبعة آلاف سقطوا قتلى في سوريا. الدم يسيل. لا يستطيع بشار ان يستمر. لكنه لا يستطيع ايضاً ان يرحل. يداه ملطختان بالدماء. انه لا يحكم. الذين حوله يحكمون. عندما قابل كولن باول وزير الخارجية الاميركي قبل سنوات وعده بأمور كثيرة بقيت من دون تنفيذ. كان سبب عدم التنفيذ رفض الذين حوله. قالوا له انت الرئيس. لكن لا تتخذ قرارات ولا تعطِ وعوداً لأنك قد لا تستطيع تنفيذها. الحديث الصحافي الذي اعطاه لبربارة والترز يُثبت انه لا يمون على شيء”. هل كل الذين يعملون مع بشار وخصوصاً من العلويين يؤيدونه؟ سألت. أجاب: ”هناك احتمال ان تتركه مجموعات من العسكريين العلويين، وربما ينضم هؤلاء الى الثورة إذا كان لهم مكان فيها. أو يبقون في بيوتهم وخصوصاً بعدما اتخذت الانتفاضة او الثورة طابعاً مذهبياً. ربما لا يوافق قسم مهم من العلويين على سياسة بشار، وربما يكرهه بعضهم. لكنهم يتمسكون به لخوفهم من المذهبية السنّية بل من ”الاخوان المسلمين” والاصوليين. تصوّر ان المذهبية وصلت الى أبناء سوريا المقيمين في فرنسا. في احد المستشفيات الفرنسية يعمل 19 طبيباً سورياً، 12 منهم سنّة والثالث عشر علوي. كانوا أصدقاء ويعملون معاً. بعد الثورة امتنع ال12 عن التكلم مع الثالث عشر. في اميركا التي انا مواطن فيها لا يُدعى العلويون المقيمون فيها الى اجتماعات المعارضة السورية. على اميركا والغرب ايجاد حل للأزمة السورية حقناً للدم وتلافياً للتفتيت. لكن ذلك لا يبدو مهماً عندهما. وهما لن يتدخّلا عسكرياً. ربما يرسلان او يسمحان بارسال اسلحة وأموال، علماً ان اميركا كانت حاسمة عندما دعت الاسد الى التنحي. اي لا حوار معه. لو كان جاهزاً لتسوية في الاشهر الاولى للأزمة كان ”ظمط”. سألتُ: هل لا يزال ”النظام السوري” يحكي معك؟ وماذا يطلب من اميركا؟. أجاب: ”هناك اتصال. يطلب ان لا تضغط عليه اميركا. هل هذا طلب معقول؟ لا يطلب الاسد شيئاً عملياً ولا يقترح شيئاً عملياً”. سألتُ: هل الاسد حليف لايران ام أسير عندها؟ أجاب: ”كان حليفاً. صار الآن أسيراً”. أبوه كان حليفاً وشريكاً على نحو كامل. هو ”شريك” صغير جداً. لا يستطيع ان يرفض طلباً لايران بسبب مساعداتها من مال وأسلحة وتدريب. اما الروس الذين يدعمونه في حربه على الثورة المطالبة بتنحّيه فانهم لا يدعونه يخرج من السلطة ولا يسهّلون قيامه بتسوية. ”المجلس الوطني السوري” لا يمثّل بغالبيته. اعضاؤه بعضهم يقيم في الغرب، وبعضهم في تركيا، وبعضهم في دول عربية، بعضهم هُجِّر أو هاجر من زمان، وبعضهم هجرته حديثة. هناك اختلاف بينهم على الدور والريادة. الممثلون الفعليون للشعب السوري الثائر هم لجان التنسيق والجيش السوري الحر في الداخل. في أي حال هناك ديبلوماسيون سوريون في الخارج يريدون ”الانشقاق” ولا يستطيعون لأن عائلاتهم داخل سوريا تحت المراقبة الدائمة”.

ماذا في جعبة باحث اميركي وناشط على خط عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وصاحب موقف مناهض بصراحة لسياسة نتنياهو واليمين الاسرائيلي؟

-**-**-**-**-**-*-*

مع تسليح "الجيش السوري الحر" فوق رؤوس الأشهاد .. علي حماده

2012-04-19

النهار

عنوان هذا المقال قبل اي شيء آخر، هو ردنا العلني والصريح على ما ورد البارحة في كلمة أحد نواب "حزب الله" خلال جلسات المناقشة العامة في مجلس النواب، حيث قال: "ان الحكومة لم تتحرك ضد سياسيين وصحافيين دعوا الى تسليح الداخل السوري، وإن هناك من جاهر بفعل ذلك. وان عدم تحرّك هذه الحكومة يطيح أهم مرتكزات اتفاق الطائف". بالطبع نحن لم نجاهر مرة واحدة بأننا نسلح المعارضة في سوريا، ولم تفعل ذلك أي مرجعية سياسية استقلالية في لبنان. وحدها بروباغاندا "حزب الله" ولفيفه تكفلت برمي الاتهامات جزافا. ومع اننا لم نقم بتسليح المعارضة، فإننا لا ننكر انه لو قيض لنا ان نتمتع بواحد في المئة من امكانات قتلة الاستقلاليين في لبنان لما ترددنا لحظة واحدة في امداد ثوار الحرية والكرامة في سوريا. ولذلك فإننا لا نكف عن دعوة كل الجهات القادرة عربيا ودوليا الى الاسراع في تمويل "الجيش السوري الحر" وتسليحه تسليحا نوعيا لمواجهة قتلة الاطفال في سوريا. ودعوتنا هذه صريحة وعلنية لا شأن لها باتفاق الطائف الذي تتذرعون به بالاصطفاف الى جانب الحق ضد الباطل، أي الى جانب الشعب السوري الحر البطل ضد جمهورية حافظ الأسد، والتي قبل ان تقتل الناس عملت بلا هوادة على قتل الانسان في عمق كل سوري على مدى أربعة عقود.

نعم، نحن مع تمويل المعارضة السياسية والعسكرية ومع تسليح الجيش الحر، ومع سلوك كل الطرق لإسقاط هذا النظام. ومن هنا دعوتنا لقادة "حزب الله" الى ان يراجعوا سياستهم التي تناصر قتلة الاطفال في سوريا.

ومن "حزب الله" ننتقل الى كلام ورد على لسان أحد نواب ميشال عون الجهابذة، اذ حاضر صبيحة البارحة وخلال الجلسة عينها في محاسن مناصرة بشار الأسد، ولم يتوان عن تقديم شروح في فضائل سياسة البطريرك بشارة الراعي المصطف خلف النظام في سوريا، بحجة أنه لا يريد أن يتكرر مشهد مسيحيي العراق في سوريا ولبنان، ولا يرف له جفن لدى مشاهدة آلاف الشهداء من الأطفال والنساء والرجال، ولا عندما يشاهد كيف يدك صديقه بشار الأسد مدناً بأسرها بالمدفعية كحمص وحماه وإدلب ودرعا. ويعتبرون ان مصالحة المسيحيين تكمن في الاحتماء ب" نيرون" سوريا، وبقتلة الاستقلاليين في لبنان. نعم، لقد كانت مداخلة النائب الجهبذ في جلسة الامس مختصرا مفيدا، لأنه ظهّر بوضوح حقيقة السياسة البطريركية الجديدة. والحق نقول، إنه كلما أمعن قتلة الاستقلاليين وأتباعهم هنا في الدفاع عن الراعي، زدنا اقتناعاً بأن البطريرك الجديد لن يعود الى جادة الصواب والحق!

نختم بالتعبير عن اقتناعنا الراسخ بأن لا حلول سياسية مرتجاة مع بشار الأسد، ولا حل إلا بتعديل موازين القوى على الأرض، أي بتسليح "الجيش السوري الحر" وتمويله.

-**-**-**-**-**-*-*

النظام يخشى التظاهرات ووقف النار وإطلاق المعتقلين والحل السياسي .. عبدالوهاب بدرخان*

الخميس, 19 أبريل 2012

الحياة

ينقل الزوار النادرون لدمشق، من وسطاء وأصدقاء وأزلام وأبواق، أحاديث وانطباعات من لقاءاتهم مع الرئيس السوري أو المحيطين به، قد تختلف بطريقة عرضها إلا أنها تلتقي عند النهاية ذاتها: إنكار الحقائق ونفيها، ورواية واحدة للترويج. يخرج الوسطاء محبَطين لا يدرون كيف يُقنعون النظام بالاعتراف بما تغيّر من أحواله وأحوال سورية ليتمكنوا من العمل معه في معالجة الأضرار. ويخرج الأصدقاء -كالروس مثلاً- متشجعين بما يعتقدون أنه مرونة لمسوها لدى النظام وبالحجج التي يتزوّدونها لدعم مصالحهم ومقارعة الخصوم، لكنهم كلما حاولوا استخلاص سياسات لا يجدون ما يمكن الاستناد اليه غير رزمة من الادعاءات، وحتى «الالتزامات» صارت كلاماً في كلام. أما الأزلام والأبواق، فهم مجرد زبانية عليهم أن يبثّوا التطمينات رغم تأكدهم بأن الوقائع كذّبتها دائماً، ولا يبالون بمصداقيتهم لدى الناس بل فقط عند النظام الذي يستخدمهم.

رغم عملية الإنقاذ الروسية–الإيرانية، وفي اللحظة الأخيرة ل «خطة» كوفي انان، لا تزال حظوظ الفشل أقوى. ورغم أن إرسال بضعة مراقبين دوليين أوحى بولادة ثانية لمهمة انان وهي تترنّح، إلا أن مغزى قرار مجلس الأمن يكمن في أنه الأول في سلسلةٍ ستتبع لتأكيد «تدويل» الأزمة السورية. ثانياً في كونه ارتكز الى «خطة انان»، التي لم تعد مجرد نقاط مقترحة بل إلزامات حاول النظام التملّص منها ثم اضطر لقبولها بإصرار من حليفيه الرئيسيين، وثالثاً في المواظبة على ابقاء النظام تحت الضغط، فهذا هو المتاح حالياً في ظل انقسام المجتمع الدولي، اذ كان يجب نزع احتكار ادارة الأزمة من قبضتي النظام الذي لا يتقن سوى القتل، والثنائي الروسي–الايراني الذي يحاول جاهداً استثمار فائض القوة لدى نظام يعلم جيداً انه انعطب.

صحيح أن القتل يضع حداً لظهور معارضة قوية وموحدة في الداخل، والترهيب يحول دون توحيد معارضتي الداخل والخارج بمعزل عما بينهما من اختلافات فكرية أو فئوية. لكن هذا لم يمنع ترسّخ الحقائق الجديدة في سورية، وأولى هذه الحقائق وأهمها أن هذا النظام لم يعد يصلح لسورية. انتهى عمره الافتراضي، وانكشفت التركيبة التي ابتدعها باسم «الاستقرار» تارةً و «الممانعة» او «المقاومة» تارةً أخرى، فيما أهمل الداخل كلياً. يمكنه أن يصدّق كل الروايات التي يفبركها، وأن يعتمد على القوة والبطش، بل يمكنه أن يجرّب إرباك المنطقة، لكنه سيؤكد عندئذ اندفاعه الى نهايته المحتومة، ولن يستطيع الإقناع بأن الحكم في سورية ليس مقبلاً على تغيير جوهري وعميق. والأهم أنه لن يحصل على «الحل السياسي» الذي يحلم به جامعاً الموالين والمعارضين تحت ولائه، فهذه خدعة لم تعد قابلة للتسويق.

كانت تجربة المراقبين العرب، على تعاستها، كشفت طبيعة النظام وكيف أنه لا يستطيع الاستمرار إلا محمياً بالعنف. أما خطة انان، ففضحت عجزه عن وقف اطلاق النار، فهو كافح لكي يُعامل بصفته ممثلاً سيادة الدولة وسلطتها الشرعية، وقد خاطبه انان باعتباره كذلك، بل بنى خطته على هذا الأساس. لكن المتوقع من أي دولة ذات سيادة وأي سلطة شرعية، مخالف تماماً لممارسات النظام، بدليل أنه يسيء استخدام السلطة والقوة ولا يبدو معنياً بسقوط عشرة آلاف قتيل وإصابة عشرات الألوف، واعتقال، أو إخفاء أو تصفية عشرات ألوف آخرين من المواطنين، وكلّها أرقام متحفظة، عدا الدمار الذي تعمّدته قواته، وكذلك الترهيب والترويع والتنكيل والاغتصاب والتعذيب. كل ذلك مسؤولية مَن؟ الشعب؟ لا، إنه بالنسبة الى العالم مسؤولية الدولة، اذا كانت دولة حقاً. وأي دولة حقيقية تبذل المستحيل لملاقاة شعبها ومصالحته ولحقن الدماء، لا لدفع مواطنيها الى طلب السلاح للدفاع عن أنفسهم، وبالأخص لتجنيب جيشها خسائر بشرية ناهزت (حسب مصادر النظام) الخمسة آلاف قتيل (قضى عدد كبير منهم بتصفيات ميدانية لرفضهم قتل المتظاهرين) وأضعافهم من الجرحى. لكن كيف يمكن ذلك مع نظام يقول أحد وجوهه: «ولا مليون قتيل يمكن أن يُسقِطوا هذا النظام»، ويقول آخر: «... حتى لو اضطررنا للاستغناء عن ثلث الشعب»؟

لن ينفذ النظام من خطة انان إلا ما يناسبه، فهذه كانت التوصية الروسية-الايرانية. إنه لا يخشى وقف النار فحسب، بل يخشى التظاهرات غير المسلحة، ولا يخشى اطلاق المعتقلين فحسب، بل يخشى فتح الأبواب أمام الإعلاميين، ولا يخشى تسهيل دخول المساعدات الانسانية فحسب، بل يخشى حتى «العملية السياسية الشاملة» وفقاً لتوصيف خطة انان التي تمثل في نظر النظام حقول ألغام تستهدفه، وهي لا تستهدفه، وانما تحاول أن تبني معالجة عملية للأزمة وتتطلب منه مساهمة باعتباره «الدولة»، لكنه أيضاً طرف وليس حَكَماً، فلو كان دولة تطبق القوانين الانسانية المتعارف عليها لما بلغ هذا الحد في مأزقه، ولو كان دولة لما سمح لوزير داخليته بأن يدعو النازحين والمهجّرين الى العودة طالما أنه مسؤول عن تطفيشهم ولم يحترم أمنهم وأمانهم وكراماتهم يوم كان ذلك في مستطاعه.

قد يكون الأمين العام للأمم المتحدة فاجأ الكثيرين حين أعلن أن عدد النازحين تجاوز المليون سوري، بين الداخل والخارج، لكن النظام وأصدقاءه لم يبدوا معنيين، بل لعلهم يعتبرون هذا العدد عبئاً مخفَّفَاً، ففي اليوم نفسه كان المندوب الروسي في مجلس الأمن أشبه بحفّاري القبور والقتلة بدم بارد وهو يساوم على الكلمات في القرار الخاص بإرسال مجرد ثلاثين مراقباً دولياً، بل قال: «انطلاقاً من الاحترام لسيادة سورية حذرنا من المحاولات المدمّرة للتدخل الخارجي» أو فرض أي نوع من «الحلول الوهمية»، ويعني ذلك أن مهمة أنان تحظى بدعم متماهٍ من النظامين الروسي والسوري، فالحلول «الواقعية» عند روسيا هي التي تبقي النظام ولو على جثة سورية وجثث السوريين.

طالما أن نظام دمشق لا يرى في نقاط انان الست سوى عملية استدراج لإسقاطه، فلا يمكن توقع امتثاله لها، ففي الجوهر تتعامل الخطة مع منطق الأحداث ولا تريد القفز الى النتائج، لكن النظام الذي يتطلع خصوصاً الى الشق السياسي، يدرك أن الطريق اليه يمرّ بالضرورة بوقف العنف، لذلك فهو سيفضّل دائماً خطّته على خطة انان، حتى لو لم يكن قادراً على تنفيذ أي منهما. وإذ تحاول الجهود الدولية تفادي تكرار السيناريوين العراقي والليبي، فإنها تسعى الى الحفاظ على الجيش ومؤسسات الدولة، فيما يصرّ النظام على إبقائها رهائن في قبضته. أما روسيا، التي توجّه نقداً قاسياً لتدخل «الناتو» في ليبيا وتدّعي أنها تقف سدّاً منيعاً أمامه، فإنها تقوم بدور مماثل في سورية لكن في اتجاه معاكس، ولن تتوصل الى نتائج أفضل.

* كاتب وصحافي لبناني

-**-**-**-**-**-*-*

تصورات متداولة.. رحيل الأسد مقابل بقاء حكم الطائفة العلوية! .. صالح القلاب

الشرق الاوسط

19-4-2012

الألاعيب ذاتها والمناورات نفسها، وكأنك «يا أبا زيد ما غزيت»، إذ إن ما حصل مع المراقبين العرب ها هو يتكرر مع طليعة المراقبين الدوليين الذين استقبلوا – وهم في طريقهم إلى دمشق - بتكثيف القصف على مدينة حمص وإشعال بؤر التوتر جميعها ومواصلة عزف مقطوعة «المجموعات الإرهابية» إياها والقول إن القوات السورية «الباسلة»!! سوف تمنع هذه المجموعات من الاستمرار باعتداءاتها، ومع كل هذا فقد أظهر الجيش الحر التزاما شديدا بوقف إطلاق النار المتفق عليه بموجب بنود خطة كوفي أنان رغم استمرار جيش النظام و«شبيحته» بعملياتهم العسكرية السابقة ولكن بوتيرة عالية.

في اليوم الذي وصلت فيه طليعة المراقبين الدوليين إلى العاصمة السورية، أي مساء يوم الأحد الماضي، سقط 28 قتيلا من أبناء الشعب السوري، غالبيتهم في حمص وفي درعا، وكذلك وكبداية لإغراق مهمة كوفي أنان في التفصيلات الثانوية، فقد بادر الناطقون الرسميون باسم نظام بشار الأسد إلى قول ما كانوا قالوه في بداية مهمة المراقبين العرب، وهو أن سوريا لا تضمن سلامة هؤلاء المراقبين الدوليين، وأنها تريد معرفة مسبقة بالدول التي ينتمون إليها، وأنها لن تسمح لهم بالانتقال من مكان إلى مكان آخر وزيارة أي موقع من دون التنسيق مع الجهات السورية الأمنية المعنية.

وهكذا، فإن ما استقبل به نظام بشار طليعة المراقبين الدوليين من تأكيدات على عدم وقف العمليات العسكرية مع من يسميهم «المجموعات الإرهابية المسلحة» وعلى عدم ضمان سلامة هؤلاء المراقبين والإصرار على المعرفة المسبقة بأسماء الدول التي ينتمون إليها، يدل على أن هذا النظام مستمر في ألاعيبه ومناوراته السابقة، وأنه عازم على إفشال هذه المبادرة الدولية، كما كان أفشل المبادرة العربية، وأنه مصر على المضي بالحلول الأمنية والعسكرية حتى النهاية.

ثم وفي هذا السياق ذاته، فإن المؤكد أن روسيا تنصب ومنذ الآن «كمينا» للاجتماع الدولي، الذي تقرر عقده في الأسبوع المقبل لإصدار قرار جديد بإرسال ما تبقى من المراقبين بحيث يصبح العدد الكلي 250 مراقبا، وبحيث تثار مهمة هؤلاء المراقبين مرة أخرى، وكذلك الأمر بالنسبة لجنسياتهم ولضمان سلامتهم وضرورة تنسيقهم المسبق مع الأجهزة الأمنية المعنية بخصوص تنقلهم في الأراضي والمناطق السورية.

وكل هذا، واستنادا إلى كل هذه الحجج واعتمادا على المناورات والألاعيب التي أفشلت وأجهضت المبادرة العربية قبل أن تحقق ولو خطوة واحدة، فإنه غير متوقع وعلى الإطلاق أن يلتزم نظام بشار الأسد حتى بالبند الأول من خطة كوفي أنان، الذي ينص على وقف فوري لإطلاق النار وسحب القوات النظامية إلى معسكراتها التي كانت ترابط فيها قبل انفجار هذه في مارس (آذار) من العام الماضي، والمعروف أن هذا البند كان يجب أن يتم تنفيذه في العاشر من هذا الشهر وقد مددت هذه المهلة لإعطاء فرصة لحسن النيات حتى الثاني عشر منه، لكن أي شيء لم يحصل، والمؤكد أن أي شيء بالنسبة لهذا الأمر لن يحصل، لأن هذا النظام كان قد اتخذ قرارا منذ البدايات باستبعاد أي حل سلمي لا يحقق له عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل بداية هذه الانتفاضة الشعبية.

وهنا فإن ما يشير إلى أن مصيرا كمصير المبادرة العربية ينتظر مهمة المبعوث العربي الدولي كوفي أنان هو أن كل مندوبي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، باستثناء مندوبي روسيا والصين، قد أعربوا عن اعتقاد يصل إلى حدود اليقين بأن النظام السوري سيفشل هذه المهمة، وأنه مصر على المضي بقتل شعبه حتى النهاية، وأنه لا يريد إصلاحا ولا تغييرا، وأنه سيواصل مناوراته وألاعيبه بالطرق السابقة ذاتها، مبتدئا كل هذا بإدخال مهمة المراقبين في دوامة لا نهاية لها من التفصيلات والاشتراطات لتكون نهايتها كنهاية مهمة المراقبين العرب البائسة المعروفة.

وإزاء هذا كله، فإن ما يجمع عليه بعض الذين لهم إطلالة قريبة على الأوضاع في سوريا هو أن هذه الأزمة التي باتت أزمة دولية وإقليمية ستبقى مفتوحة على شتى الاحتمالات، وإن من بين هذه الاحتمالات إما أن تتحرك تركيا بعد توفير غطاء عربي بالإمكانات المتاحة والمتوفرة لإنشاء المنطقة المحمية التي يجري الحديث عنها ولتحويل الجيش الحر إلى قوة عسكرية فاعلة هذا إذا توفرت إمكانية اللجوء إلى عمل عسكري جراحي من قبل حلف شمالي الأطلسي على اعتبار أن الدولة التركية التي تم الاعتداء على أراضيها من قبل جيش النظام السوري مرات عدة عضو فيه.

وهنا وقد وصلت الأمور إلى كل هذا الحجم من التعقيدات إقليميا ودوليا وفي سوريا نفسها فإن بعضا من كبار المسؤولين العرب السابقين الذين كانت تربطهم علاقات عمل وأيضا علاقات صداقة مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد وكبار مساعديه، والذين بحكم هذه العلاقات لهم معرفة واسعة وبأدق التفاصيل بالشؤون الداخلية السورية لا يستبعدون أن يتقدم الآن خيار الانقلاب العسكري الإنقاذي الذي بقي متوقعا ومطروحا منذ بداية انفجار هذه الأزمة. ويقول هؤلاء إن كل هذه المماطلات التي تواجه بها خطة كوفي أنان تدل على أن الأمور باتت تفلت ولأول مرة من يد بشار الأسد، وأن القرار لم يعد قراره، وأن هناك من بين كبار جنرالات جيشه من باتوا ليس يفكرون فقط، بل ويعملون على التضحية به لضمان أن يبقى الحكم في يد الطائفة العلوية، وهذا ما كان أشار إليه رفعت الأسد، عم الرئيس الحالي، والذي يعيش في المنافي الأوروبية منذ عام 1984، في الآونة الأخيرة أكثر من مرة.

وحول ما كان من الممكن أن يكون صاحب الحظ الأوفر من بين كبار الجنرالات العلويين في حال الاتفاق نهائيا على التضحية بالرئيس السوري الحالي لقاء بقاء حكم الطائفة العلوية، قال مسؤول عربي سابق إنه سأل الجنرال مصطفى طلاس الذي كان وزيرا للدفاع عما حصل بعد وفاة الأسد الأب كي يتم تعديل الدستور السوري خلال دقائق والمجيء ببشار الأسد وعمره 34 عاما رئيسا لدولة عربية محورية وأساسية كسوريا، وذلك مع أنه لم يخضع للتهيئة التي خضع لها شقيقه باسل الذي توفي في حادث سيارة على طريق مطار دمشق الدولي كما هو معروف.

ووفقا لهذا المسؤول العربي السابق الكبير، فإن رد مصطفى طلاس على سؤاله كان بأن أشار إلى أنه استدعي على عجل، وأنه ذهب مسرعا إلى القصر الجمهوري ليفاجأ بأن حافظ الأسد الذي بقي يعاني من مرض عضال لسنوات طويلة قد توفي، وأن الجنرالات العلويين من قادة الفرق العسكرية كانوا يملأون ردهات القصر، وأن كل واحد منهم يطرح نفسه على أنه البديل الأحق للرئيس الراحل، ولذلك وتلافيا للصدام والاحتكام إلى الثكنات، فقد تم الاتفاق على الاستنجاد ب«المجلس الملي» للطائفة العلوية الذي أشار إلى ضرورة اختيار بشار الأسد لأنه الأضعف من بين كل المرشحين والذين يرشحون أنفسهم لموقع رئاسة الجمهورية، وكذلك لأنه خلافا لما حصل لاحقا لا يشكل خطرا على تطلعات وطموحات أي من هؤلاء!!

والآن وإذا كانت هناك محاولات بالفعل للتضحية بالرئيس بشار الأسد من أجل ضمان عدم خروج الحكم من يد الطائفة العلوية، كما أشار إلى هذا رفعت الأسد وبصراحة أكثر من مرة في الآونة الأخيرة، فإن السؤال الذي يجب ترك الإجابة عنه للأيام المقبلة التي قد تكون غير بعيدة هو: من سيكون يا ترى الرقم الثانوي والضعيف الذي سيرسو عليه الخيار هذه المرة من بين كبار الجنرالات العلويين؟ ثم وهل إن مثل هذا الحل المستغرب سيكون بموافقة عربية ودولية وبموافقة إيران وروسيا الاتحادية؟!

-**-**-**-**-**-*-*

الأزمة السورية: أضحت الخبز اليومي للشعب العربي و"اللبناني"...!!! .. د.خالد ممدوح العزي*

اثناء احدى الاعتصامات التقيت بشخص سياسي قديمة ودار نقاش بيننا :وعرض مواقف سابقة عن النظام السوري وكانت مواقف متطورة جدا لتنظيم يساري طليعي انتهى دوره بعد العام 1990 ولكن السياسي لا يزال يتبنى المواقف القديمة ولكن بصيغة جديدة قد ادهشني جدا : يقول بانه مع المعارضة السورية الداخلية وضد معارضة الخارج :

ضد المجلس الوطني وبرهان غليون الامريكي، مع ميشال كيلو وبس ....الذي يحاول النظام درب الامثال به ،،،،ولا يعرف من هي المعارضة الداخلية ولا اسماء شخصياتها في الخارج والداخل شخصيات المعارضة السورية الكثير وطبعا لا يعرف كما بدى طبيعة المعارضة ومعاناتها ومآسيها ، وهذا كلام النظام السوري .... بالطبع كما يحاول دوما ان يروج للحالة السورية وللمعارضة الذي يختارها . السياسي لا يريد بروز اي دور للإخوان في سورية او سيطرتهم على السلطة ،السلطة السورية ،كما هو الحال في مصر بوصول الاخوان اليها . فكان جوابي صريح جدا بان المعارضة السورية هي معارضة متنوعة ومختلفة وشريفة و مناضلة، وانظر جيد ا الى تاريخ الشخصيات المعارضة السورية بكل اطيافها ونوعها ونضالها وفكرها ووطنيها وقومتيها حتى الاسلامية منها ،وبحال اصر الشعب السوري على وصول السلفية الى الحكم وليس الاخوان فقط ، طبعا الى سدة الحكم، فان هذه هي إرادة الشعب السوري ونحترم خياره الحر ،فالشعب المصري اراد ان تصل حركة الاخوان المسلمين الى السلطة الاولى بكل شفافية ونزاهة ،فهل نقف بوجه ،، بوجه ارادة الشعوب الثائرة والهادفة للتغير والديمقراطية ومحاربة الفساد والبيروقراطية والمحسوبية ونظام العائلة والفساد والمطالبة بالحرية والخبز ،فكيف ننادي بالديمقراطية ولا نريد تطبيقها اذا فالديمقراطية ممارسة وحقيقية .انا مع الشعب السوري بكل اطيافه ومع معارضته الاسلامية والسلفية والليبرالية والقومية الحضارية وطينته المتنوعة ،لأنه هو الذي خرج الى العلن الى الساحات في كل المدن والنواحي السورية بمظاهراته السلمية ،السلمية ،السلمية ،بوجه الرصاص والقتل والبطش ليقول:" المجلس الوطني يمثلني والجيش الحر يحميني ،والعرب والمسلمين والعالم خذلني :،اذا انا مع الارادة الشعبية السورية اذا انتخبت ميشال كيلو او اخر فان اقبل بهذا الاختيار والذي لا يعتبر جديدا على شعب سورية الذي انتخب فارس الخوري اول رئيسا للوزراء عندما كن الشعب السوري ينتخب انتخابا وليس تعينا وكانه مجلس نواب منتخب واسند له وزارة الاوقاف الاسلامية ،لم يعجبه كلامي وموقفي وكانه يريد ان يقول لي "باني امريكي وخائن ولكن بطريقة اخرى "، ليتدخل صديق قديم ليحسم النقاش بيننا ،ويقول بان وصول الاخوان المسلمين الى السلطة في سورية افضل من بقاء هذا النظام الحالي المجرم والذي يفعله النظام اسواء بكثير من الذي سوف ترتكبه المعارضة مستقبلا ،وامريكا تفعل ما تفعله روسيا بالضبط مع انك ضد الاثنين ،وبالتالي هذه مصالح دولية ونحن لم نعود بعدين عن هذه المعارك الدولية .فانت لا تريد 8اذار في سورية او 14 اذار" لكن صديقي سأله " ليش النظام ترك مجال للمقارنة او الوقوف امام اي خيط رمادي لنحتمي به ".

فالسياسي القديم صديقنا يريد ان يبني حزبا من جديد في لبنان تحت شعار الاستقلال السياسي عن قوى الامر الواقع ولكن الارتباط الايديولوجي بالقومجية والعربجية من خلال استخدام مواقف قديمة وسابقة لتنظيم يحاول ان يتبنها مع جامعته ومجموعته الصغيرة وتوظيفها من جديد في الجو العام والاستفادة من المواقف المميزة لتاريخ الحزب القديم وكانه هو الوريث الشرعي لتلك الافكار والمواقف النارية الذي يحاول الالتفاف عليها في تقديم نفسه كمجموعة جديدة تطرح نفسها كبديل عن التيار القديم ،ولكنها بغير المكان السابق وبظل الزمان الحالي ، الذي تميز به التنظيم من مواقف سياسية متميزة وقراءة منطقية للواقع العربي وتحديدا من النظام السوري والارتباط بالقضية الفلسطينية وقائدها التاريخ ياسر عرفات ومشروع الحركة الوطنية اللبنانية ومعلمها الشهيد كمال جنبلاط وطليعة اليسار اللبناني والعربي من خلال طرح ايديولوجية صلبة قومية وماركسية ....والتي دفع ثمنها غاليا بظل التركيبات الحالية للبلد وخاصة زمن الوصاية السورية على لبنان ،فالحزب السياسي الجديد الذي يحاول السياسي "صديقنا تشكيله يأتي كما يقال المثل العربي "ذاهب للحج والناس راجعة ،فالتوظيف للتاريخ والنضال القديم ليس مل لهذا السياسي ومجموعته الجديدة لكي توظف في المكان الغير مناسب والظرف الغير مناسب نتيجة حسابات خاصة قومجية عربجية .لكن اسفي الشديد على هذه الشخصية التي اعتبرت نفسها قيادية سياسية في طرف طليعي كان يأمر وله دوره الطليعي في لبنان والجوار وهو كان من قيادتها انتهى الحوار بالنهائية قريبا تحسم المسائلة ونرى اذا وصلت المعرضة السورية الخارجية للحكم او الاخوان نحنا ضدهم وبحال وصول المعارضة الداخلية نحن معهم ،طبعا نسى السياسي المخضرم من هي المعارضة الداخلية فهل هي المعارضة المعلبة من قبل المخابرات ،او معارضة الساحات والحراك الثوري ،على ما يبدو بان السياسي لا يعرف من هي معارضة الساحات وما هو قدرتها وما هي شراستها الصمودية الاسطورية وملاحمها النضالية اليومية ،التي لم يستطيع نظام الاسد اخماد صوتها منذ 14شهرا ،والتي شلته وشلت قدراته السياسية والاقتصادية والامنية طبعا صديقنا مسكين جدا بالرغم من انه يعتبر نفسه من ذو التاريخ السياسي القديم والعريق ، لقد عرفته مسكين اكثر من خلال عدم معرفته بأسماء المعارضة السورية الخارجية والداخلية، والذي برر ذلك بانه لا يتابع الاسماء بل اكتف بذكر اسم الدكتور برهان غليون وميشال كيلو ، طبعا مع احترامنا ومحبتنا لمشال كيلو وتاريخه ونضاله الطويل وسجنه ومواقفه وكتاباته. لكن صديقنا السياسي لم يعرف بالأصل من هو الدكتور برهان غليون وتاريخه القومي العربي الناصع، ونضاله ومواقفه ونضاله المعارض وابعاده قصرا عن صورية وعن حمص الثورة وعاصمة العروبة الجديدة ، ولم يعرف من انتخب برهان لرئاسة المجلس لدورتين في رئاسة المجلس ،ولم يشاهد الثوار في الساحات السورية ترفع اسمه الى جنب علم الثورة ، ولم يعرف بان كل اخطاء برهان تبررها قوة الثورة المستمرة ،لان برهان يعمل ومن لا يعمل لا يخطئ ابدا، ولم يعرف بان المجلس قوة سياسية سورية ركبت على عجل بعد 45 من سيطرة الحزب البائد على كل مفاصل الحياة والفكر في سورية، المجلس لم ينتخب كي نعرف من سوف يفوز ،والمجلس كلف ولم ينتخب وهذا فرق كبير في العمل السياسي.

طبعا صديقنا كما يبدو بطريقة او بأخرى قد وضع بيضه في سلة المقربين من النظام ولذلك يشن حملة بطريقة ادبية وفقا لمصطلحات كبيرة يستخدمها الاعلام والسياسيين والدعاية ،ولكن قد تناسى الشعب، تناسى الساحات، تناسى كل شيء مسكين هذا السياسي الذي يظن كما غيره بانه لا تزال في الجعبة تسوية معينة تضمن لنظام الاسد بالعود الى السلطة باي شكل من الاشكل، بظل حمام الموت والقتل والبطش والخراب والتهجير . فان من الاشخاص الذين يقولون بان الموقف من سورية اساسي وشرط لأي نقاش مع اي شخص فالمعيار هو ان تكون مع الثورة السورية لكي يدور اي حوار في اطار النقد او اي شيء مشابه .ولا مجال للنقاش لان الشعب السوري اليوم يقاتل من اجل العرب جميعا من اجلنا نحن من جل المستقبل العربي الواعد بالحرية والكرامة واعادة امجاد الامة العربية الحضارية الحقيقية ،الشعب السوري يدفع ثمن كل الامة العربية من الخليج الى المحيط الثورة سوف تنتصر مهما تذكى النظام والى اين ذهب المعلم ولو اجتمعت قوة روسيا وايران والعراق ولبنان واسرائيل والصين ضد الشعب العربي السوري فان النصر سيكون حليفا لهم بغض النظر عن الكلفة الباهظة التي سوف يدفعها الشعب السوري ثمنا للانتصار ،ليحلم صديقنا السياسي المخضر كما يحلو له مع غيره من السياسيين والمعجبين.

*باحث إعلامي وخبير بالشؤون الروسية ودول الكومنولث

dr_izzi2007@homail.com

-**-**-**-**-**-**-**-**-*

ثورة بدون قيادة .. حسين العودات

التاريخ: 21 أبريل 2012

البيان

اعتقلت السلطة منذ الأسابيع الأولى للانتفاضة السورية، وقبل أن يشتد عودها، وتتجذر مطالبها، الصف الأول من قادتها في مختلف المحافظات، وهكذا حُرمت الثورة من الصف الأول من قادتها. وبعد اشتداد الانتفاضة والحراك الشعبي، قامت السلطة من جديد باعتقال القادة من الصف الثاني أو أبقتهم في السجن حتى الآن، وحرمت الحراك الشعبي أيضاً من الصف الثاني من قيادته، وكان قد مضى على الثورة بضعة أشهر، فبدأت فصائل المعارضة السياسية بتأسيس نفسها وقيام تكتلاتها واتحاداتها، وتأسست هيئة التنسيق الوطني في الداخل، والمجلس الوطني السوري في الخارج، وتصدى كل منهما لقيادة الحراك الشعبي بطريقته.

ولذلك اعتمد الحراك الشعبي على مبادرات المعارضة واعتبرها قيادته، ولم يفرز قيادة جديدة بعد تصفية الصفين الأول والثاني من قياداته السابقة، على أمل أن تقوده منظمات المعارضة السياسية إلى الخلاص وتحقيق الأهداف. وأخذ هذا الحراك ينتظر أن تلعب قيادات المعارضة السياسية دوراً قيادياً حقيقياً، وأن تضع برنامجاً واضحاً لهذا الحراك وتقرر أسلوباً ناجعاً لنضاله.

لكن واقع الحال كان غير ذلك، فالمعارضة الداخلية (هيئة التنسيق) والمؤلفة من أكثر من عشرة أحزاب يسارية وقومية، كانت جميعها تعمل تحت الأرض وبشكل سري خلال أربعة عقود، وهي تحمل على كاهلها تقاليد النضال السابق وأساليبه وأهدافه، ولم تستطع أن تقيم علاقات جدية وواسعة ونوعية مع تنسيقيات الثورة أو تلتقط عقل الثوار وأساليبهم، أو تحدّث أهدافها وأساليبها في ضوء الظروف القائمة.

وبقيت تنظيماً تقليدياً بطيء الحركة تفصله عن الحراك الشعبي هوة تضيق وتتسع حسب الحالات. أما المجلس الوطني السوري (معارضة الخارج) فمشكلته أكثر تعقيداً، ذلك أن تنظيمين من تنظيماته فقط (الإخوان المسلمون وحزب الشعب) لهما تجارب نضالية وتاريخ نضالي، أما بقية أعضائه فهم إما هواة سياسة أو أصدقاء مواقف عربية وأجنبية أخرى.

بالإضافة لبعض الليبراليين السوريين الذين يعيشون في الخارج. والسمة العامة لأعضاء المجلس هي أن أغلبهم يعيش في الخارج (وبعضهم ولد فيه) ولا يعرف بدقة ظروف الداخل وتطوراته، وفي الحالات كلها لم يستطع المجلس الوطني استيعاب مجريات الأحداث السورية ووضع برنامج مناسب لها أو ملامح أساليب عمل جديدة، واستسهل بعض أعضائه اللجوء إلى حل سريع للأزمة السورية وهو طلب التدخل الأجنبي حتى لو كان عسكرياً، ورفض باستمرار وحدة المعارضة السورية الداخلية والخارجية وذلك بسبب الضغوط الواقعة عليه من قبل جهات غير سورية.

ولأن أي وحدة (لو تحققت) ستضعف التيار الإسلامي لحساب التيارات القومية واليسارية الداخلية، وأخيراً بسبب أن القوى الخارجية أمنت له وسائل الإعلام والدعاية والدعم السياسي العربي والدولي، مما أصابه بالغرور، وأخذ يزعم أنه الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري، وراهن على التدخل الخارجي مفترضاً أنه (أي التدخل )غب الطلب، وسيسقط النظام وسيكلفه هو بحكم سورية.

وتبنى بدون تبصر الشعارات التي يطرحها الشارع، ومعلوم أن الظلم الذي يواجهه الشارع والقتل والاعتقال والتعذيب وحرق البيوت وانتهاك الحرمات جعله يطرح شعارات متطرفة جداً، تصلح لأن تكون برنامجاً سياسياً متكاملاً. وهكذا لم تعوض المعارضة الداخلية والخارجية عن فقدان الحراك الشعبي الصفين الأول والثاني من قيادته.

وإن صح هذا السرد يصح الزعم أن الحراك الشعبي السوري، ينشط بدون برنامج ولا أسلوب عمل ولا قيادة، وأن قيادات المعارضة القائمة الآن خدعته عندما أوحت إليه أن النظام على أبواب السقوط حتى لو كان بواسطة الغزو الأجنبي، كما أدت سياستها بشكل غير مباشر لمنعه من إفراز قيادة أو قيادات جديدة، أو البحث عن برامج شاملة وكاملة من شأنها إحداث تصدع في النظام، ولم تُخلق بذلك الوحدة المطلوبة والتلاحم المطلوب بين الحراك الشعبي وبين قيادات المعارضة التقليدية وشبه التقليدية، بل سببت لها الإحباط والخيبة وبقيت العفوية والشعور الوطني الفياض، وعدم قبول الظلم هي العوامل المحركة للثورة وذات الفعالية العالية في حراكها.

تكاد الأزمة السورية الآن أن تكون مستعصية، فالسلطات ترفض التنازل عن أي شيء مما استولت عليه، من السلطة والثروة، وأصدرت قوانين اعتبرتها إصلاحية، وهي لا رائحة للإصلاح فيها، و تنم عن عدم وعي واضعيها بمعاني الدستور والأحزاب والحريات والدولة والحكومة والعلاقة بينها، وبدور مؤسسات المجتمع المدني، وباستحالة غض النظر عن فصل السلطات في هذا العصر، وضرورة طي صفحة الاستبداد وجمع السلطات في يد واحدة، وقد يكون واضعو هذه القوانين يسعون لأن ينصبون أنفسهم أوصياء على الشعب والنظام السياسي وعلى السلطة الحاكمة أيضاً.

كما يسيطر على أذهانهم وهمُ إمكانية القضاء على الحراك الشعبي وعلى الثورة بالحل الأمني، والعسف، والقصف، والاعتقال والتعذيب وهكذا، ومن خلال تجربة السنة التي مرت، تزيد هذه الممارسات اشتعال الثورة، وتؤسس لفراق وطلاق بائن بين الشعب والسلطة السياسية.

-**-**-**-**-**-*-*

هل يخفض العنفَ ويزيد القيودَ على قوات النظام؟ .. مخطط عنان... أمام مناورات الأسد! .. جورج لوبيز

أستاذ بجامعة نوتردام الأميركية، وعضو سابق في لجنة أممية للعقوبات

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

تاريخ النشر: السبت 21 أبريل 2012

الاتحاد

يمثل القرار الذي أصدره مجلس الأمن الدولي بالإجماع، والقاضي بإرسال مراقبين دوليين إلى سوريا في إطار مخطط كوفي عنان للسلام، خطوةً إيجابية إلى الأمام. كما يُظهر وصول المراقبين الستة الأوائل يوم الاثنين جدية عدة دول في إنهاء أعمال القتل في سوريا. غير أنه من أجل خلق هذه الإمكانية، أُضطر المجلس على نحو غير مفاجئ للانخراط في اتصالات دبلوماسية مع الأسد واصل خلالها هذا الأخير فرض معظم شروطه، على المدى القصير على الأقل.

والواقع أن أي خطوة تروم الحد من أعمال قتل السوريين أو إنهائها هي مرحب بها، لكن على المرء ألا يكون ساذجاً ويظن أن المراقبين -حتى وإن سُمح لهم بالدخول إلى سوريا بكامل عددهم البالغ 250 مراقباً- يمثلون نصراً للأجانب الذين يحاولون كبح الأسد أو تنحيته. فمن خلال سماحه بقدوم المراقبين الأمميين، يقبل الأسد ما يبدو للوهلة الأولى تنازلاً أو حتى انتكاسة سياسية، غير أن الأسد يعتقد أن هذه الخطوة تجعله أساسياً ولا غنى عنه لمستقبل سوريا وتزيد من فرص بقائه شخصياً وسياسياً. وقد شرع الرئيس السوري منذ بعض الوقت في استغلال هذا التطور والتلاعب به من أجل جعل نفسه مركزياً ومهماً أكثر للعملية السياسية السورية المقبلة، علماً بأنه كلما راكم مزيداً من الوقت والخيارات، زادت فرص بقائه. فهو يستطيع الاعتراض على مراقبين معينين يعتقد أن جنسيتهم تثير شكوكاً بشأن حيادهم في فريق المراقبة الأممي. كما أن لديه تأثير كبير على تحديد وجهة المراقبين، والوقت المحدد لذلك. وفي الوقت الراهن على الأقل، فإنه وحده يستطيع تحديد ما إن كانت أي مفاوضات مع أي من قوى المعارضة ستحدث.

ثم إن تكثيف الأسد لقصف مناطق لمدن قبل قدوم المراقبين ولَّد شكوكاً وانتقادات لهذا الجهد الأممي باعتباره غير ذي أهمية في ظل الظروف الحالية. كما أن رعاة الأسد الروس لم يسمحوا سوى بتحرك محدود لمجلس الأمن الدولي، حيث عمدت الدول الغربية إلى تخفيف كل مطلب مهم موجه للأسد من أجل تأمين موافقة الروس.

بيد أن وجود المراقبين ليس عديم الجدوى. ذلك أن عمل المراقبين التوثيقي وغيره، لاسيما في ما يخص مطالبة كل الأطراف المتناحرة بإنهاء أعمال معينة، يمكن أن يؤدي إلى خفض أعمال القتل. وبالتالي، فالمراقبون يوفرون صدعاً أولاً صغيراً فيما كان في الماضي باباً مغلقاً للقمع السوري. غير أن التحدي اليوم هو كيف يستطيع عنان وحلفاؤه استغلال هذا الصدع من أجل خفض أعمال العنف، وإدانة انتهاكات وقف إطلاق النار، وزيادة القيود على قوات الأسد. للمساعدة على هذا الأمر، يتعين على الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها أن تدفع الأسد إلى الاستجابة لكل طلب والضغط عليه من أجل التعاون مع كل نقطة في مخطط عنان. كما يتعين على دبلوماسيين آخرين أن يحذوا حذو السفيرة الأميركية سوزان رايس التي فضحت كل انتهاك من قبل الأسد لالتزاماته الإنسانية.

وفي هذا الإطار، فإن التقرير الأخير الشجاع لفريق منظمة هيومان رايتس ووتش الذي وثق العشرات من عمليات الإعدام بدون محاكمة في سوريا خلال مارس الماضي، ينبغي أن ينشر على نطاق دولي واسع. كما يجب أن تصدر دعوة عالمية إلى المحكمة الجنائية الدولية حتى تقوم بتوجيه التهم رسمياً لقادة الشرطة والجيش الذين يتزعمون عمليات قتل مثل هذه. هذا في حين سيتعين على مبادرات أخرى أن تغتنم الحقائق الموجودة منذ بعض الوقت من أجل إضعاف تكتيكات الأسد.

وعلى سبيل المثال، فإن وجود مراقبين أمميين قد يعيد إيقاظ الجامعة العربية ويقويها من جديد حتى تضيق الفضاء العسكري والسياسي المتاح للأسد. بل إن وقفاً جزئياً لإطلاق النار قد يسمح لعدد أكبر من موظفي القوات المسلحة السورية بمغادرتها أو الانشقاق عنها مقارنة مع عدد من استطاعوا القيام بذلك تحت ظروف تواصل القتال الحالية.

الاحتجاجات التي عمت عدداً من المدن السورية عقب صلاة الجمعة الأسبوع الماضي تُظهر للأسد بلا شك كلفة وقف إطلاق النار من قبل قواته حتى ولو كان وقفاً محدوداً. فرغم انتصاراته القمعية، فإن الشعب لا يخاف من العودة إلى الشوارع بأعداد هامة. ومما لا شك فيه أن أعدادهم ستزيد وأن أعمالهم ستزداد جرأة كل يوم جمعة وفي كل جنازة. لذلك، فعلى المراقبين وعنان أن يضمنوا حق المحتجين السلميين كمرتكز للحوار السياسي مع المعارضة.

كما يتعين على عنان والولايات المتحدة والآخرين أن يستمروا في الحوار مع الروس. ذلك أنه رغم الدعم الشفهي للأسد، فإن ثمة بعض المؤشرات على أن صبر الروس معه بدأ ينفد. فالأسد يعتقد بفائدة ادعائه بأنه يحارب الإرهابيين وبأن بقاءه فقط يوفر الأمل في المستقبل؛ لكن روسيا تخشى مثل هذه الفوضى وتداعياتها الإقليمية، وهو ما قد يجعلها منفتحة على استراتيجيات مختلفة مع سوريا.

ثم إنه إذا كان الأسد قد واجه كل خطوة إلى الأمام اتخذها الأجانب من أجل إنهاء العنف في سوريا حتى الآن، فإن إفراطه في الثقة وحساباته الخاطئة سيهزمانه في الأخير، مثلما هزما قادة آخرين من قبله، علماً بأن الأجانب يستطيعون تسريع هذه النهاية عبر سد كل فضاء صغير قد يحاول الأسد استغلاله والمناورة فيه. وفي الوقت الراهن، قد يستطيع الأسد تجنب قيود مراقبي السلام الأمميين، غير أنه مع مزيد من التحرك الدولي المركز والمبتكر لدعم المراقبين ومخطط عنان، فإنه لن يستطيع القيام بذلك على المديين المتوسط والطويل.

-**-**-**-**-**-*-*

تساؤلات حول الموقف الأميركي من الثورة السورية .. علي العبدالله()

المستقبل

21-4-2012

بين القول بأن على الاسد التنحي، والقبول بخطة المبعوث الدولي العربي، واعتبار الحوار بين النظام وجميع اطياف المعارضة الذي ورد في الخطة، للاتفاق على حل سياسي، مخرجاً من الانزلاق الى حرب اهلية، فجوة واسعة. فما الذي يحكم الموقف الاميركي من الثورة السورية وما هو خيار واشنطن السوري؟.

في البداية يجب ان نقر ان محددات السياسة الأميركية في منطقتنا هي: النفط، وتدفقه بسلاسة ودون عراقيل، وباسعار مقبولة، وأمن إسرائيل. وان كلا الهدفين محقق بوجود النظام السوري. غير أن هذا النظام ارتكب، من وجهة نظر أميركا، خطيئة التحالف مع إيران، ومع حركات إرهابية- بالنسبة لقضية الإرهاب لدى أميركا تصنيف يشتمل على أصناف: جماعات إرهابية، ودول ترعى الإرهاب، ودول تتبنى عقيدة تولد الإرهاب، وقد وضعت سوريا أيام بوش الابن في خانة دولة ترعى الإرهاب وتتبنى عقيدة تولد الإرهاب - وقد قام رئيس النظام الحالي، في إطار العلاقة مع إيران، بنقلة إضافية جعلت سوريا تابعة لإيران، حولها إلى ورقة إيرانية في الحسابات الإقليمية والدولية.

على هذه الخلفية يمكن تحديد الأهداف التي تسعى أميركا لتحقيقها من تعاطيها مع الملف السوري: إعادة سوريا إلى موقعها في الدائرة العربية، وفي موقع قريب من الدول التي توصف بالاعتدال، والهدف تطويق إيران والحد من طموحها الإقليمي، وحشر حزب الله ودفعه للتحول إلى حزب سياسي لبناني. وهذا قد يتحقق دون اسقاط النظام، حيث يمكن تحقيقه بإضعافه، ودفعه لقبول صفقة تخرجه من موقعه الحالي إلى الموقع المطلوب، مع إجراء تعديل على بنيته السياسية: تعددية شكلية أو مسيطر عليها. فإسقاط النظام ليس مطروحا على جدول اعمال اميركا إلا اذا رفض النظام الصفقة وتمسك بعلاقاته الايرانية.

اما العوامل التي تحكم الموقف الاميركي الراهن فيمكن تحديدها بالمصالح القريبة والبعيدة. ففي المصالح مستويات آنية قريبة وأخرى بعيدة، مع ملاحظة تداخلها وترابطها بحيث لا يمكن الفصل بينها. في المستوى الأول القريب - هناك نظام معروف بالنسبة لواشنطن، فقد سبق وتعاملت معه، ولعب ادواراً مفيدة، وقدم خدمات كبيرة مثل ضرب منظمة التحرير الفلسطينية وتدمير المشروع الوطني الفلسطيني، واستنزاف عراق صدام حسين، وتهديد الاردن، وابتزاز دول الخليج... الخ، وقدم النظام السوري - معلومات مفيدة عن الحركات الإرهابية. لذا فان بقاءه معدلا ينطوي على نقاط مفيدة في التعاطي معه خاصة لجهة عقد تسوية مع إسرائيل. فإذا نجحت عملية إبعاده عن إيران فسيصبح ضعيفا وقابلا للتشكيل كعجينة طيعة، بينما دعم وصول بديل إلى السلطة ينطوي على مغامرة. فالمعارضة السورية متعددة المشارب السياسية، وموقفها من إسرائيل غامض، فهي تتحدث عن استعادة الجولان بالطرق المشروعة كجزء من برنامجها المستقبلي، وهذا قد يفجر حروبا جديدة في الشرق الأوسط تهدد امن إسرائيل، وترفع أسعار النفط، إن لم تؤد إلى وقف تدفقه لفترة من الزمن. وإذا ربط هذا مع احتمال وصول الإسلاميين إلى السلطة في سورية، وهو احتمال قوي، فان الدائرة حول إسرائيل ستغلق على أنظمة إسلامية ما قد يعنيه ذلك من انفجار حروب على خلفية دينية يكون الإسلام السني الاكثري رأس حربتها. وهذا خطر حتى على الدول العربية المعتدلة، وعلى النفط وتدفقه وأسعاره من جهة ومن جهة ثانية فان احتمال امتداد تأثيره إلى المناطق الإسلامية الأخرى ،خاصة آسيا الوسطى، كبير، وخطير على المصالح الأميركية الإستراتيجية والنفطية كذلك.

أما على المستوى الثاني- البعيد- فإنها تسعى الى التعامل مع مخاوف العرب من تنامي النفوذ الإقليمي الإيراني، إلى إشعال حريق عربي ايراني بجعل مواجهة ايران اولوية، واستثمار ذلك في اضعاف الموقف الايراني التفاوضي واجبار ايران على القبول بحل لملفها النووي بصيغة تستجيب للمطالب الاميركية الاوروبية وتحد من الطموحات الايرانية بالتحول الى قوة اقليمية عظمى، كما تسعى واشنطن - الى صدام عربي روسي يبعد الروس عن المنطقة، وهذا قد يقود إلى حرب أسعار في مجال الطاقة يخفض الأسعار، وما يترتب على ذلك من ايجابيات مباشرة : الحصول على نفط باسعار منخفضة، وخفض العائدات المالية الروسية، وهذا سينعكس على قدرات روسيا العسكرية والتنموية، ويحد من إمكاناتها على العمل في الساحة الدولية (يمكن سحب هذا السيناريو على الصين مع إلحاق ضرر اكبر بها، نتيجة احتياجاتها المتزايد للطاقة، بحرمانها من الحصول على النفط من الخليج والحد من نموها واضعاف قدرتها على المنافسة الاقتصادية).

تقودنا المواقف والتصريحات الاميركية المتضاربة الى استنتاج السيناريوهات التي تعمل عليها وهي سيناريو رئيس، وآخر احتياطي، اما الرئيس فالسعي لإضعاف النظام ومساومته على ثمن بقائه معدلا، معدلا هنا ليست من أجل الشعب السوري بل من أجل صورة أميركا لأنها تريد أن تظهر بمظهر من عمل على تحقيق التغيير الديمقراطي في سوريا، فالتصريحات عن مخاطر التدخل العسكري، والتذرع بقدرات الجيش السوري التي أعلنها البنتاغون، والحديث عن المعارضة الضعيفة، وغير الموحدة، والتخوف من حرب أهلية في حال تسليح المعارضة، وتسلل القاعدة الى سورية، كلها قنابل دخان، ذلك إن الهدف المرحلي لواشنطن هو استنزاف النظام وانتظار لحظة نضوجه للمساومة، وقبوله بشروط البقاء التي ستعرض عليه، فإذا قبل بالصفقة الرزمة، بما فيها تعديلات هيكلية وسياسية، فسيسوق الاتفاق على انه تحقيق لمطالب الثورة في التغيير الديمقراطي. وأما إذا رفض ونجح، بمساعدة روسية إيرانية، في الدفاع عن بقائه في وجه الثورة الشعبية فان السيناريو البديل، والذي المح إليه وزير الدفاع الأميركي في شهادته أمام الكونغرس (خطط عسكرية جاهزة) ألا وهو التدخل جاهز والراية جاهزة: إنقاذ الشعب السوري من نظام يقتله. سيأتي التدخل بعد أن يكون عدد الشهداء قد ارتفع، كما هو متوقع في الشهور القادمة، إلى رقم فلكي، ناهيك عن تدمير شبه كامل للبنية التحتية السورية على يد النظام خلال محاولته سحق الثورة.

وهذا يفسر التأرجح والنوسان الأميركي في تعامله مع الثورة السورية وتطوراتها وعدم وجود خط واحد يحكم هذا التعامل بحيث يركز على هدف محدد ويصعد بالضغط من اجل تحقيقه، فبعد إدانة ممارسات النظام وجرائمه والسعي لعزله سياسيا، وفرض عقوبات اقتصادية للتأثير على قدراته الاقتصادية والتعبوية،وفرض عقوبات شخصية على مسؤولين أمنيين وعسكريين، وتاليا على سياسيين، في سعي منها لدفعهم لتحدي رئيس النظام أو الانشقاق عنه، والضغط على رئيس النظام برفع الشرعية عن النظام والتلويح بإحالته إلى المحكمة الجنائية الدولية، والتعامل مع المعارضة والتلميح بوجود بديل للنظام، بعد كل هذا عادت واشنطن الى تبني حل سياسي متفاوض عليه بين النظام وجميع اطياف المعارضة كما جاء في خطة السيد انان. وهذا يعني عدم وجود قرار اميركي بإسقاط النظام.

بالطبع سيكون لهذا السيناريو آثار سلبية كبيرة على المواجهة الدائرة في سورية حيث ستمتد المواجهة، وسيتصاعد عنف النظام وبطشه بالمواطنين العزل، وسيسعى لاستغلال المراوحة في المكان، أو التخاذل الدولي، في إنهاء التظاهرات، والقضاء على كتائب الجيش السوري الحر ما سيعني قتل أعداد متزايدة من السوريين، وتدمير الكثير من المدن والبلدات والقرى، ربما يكون خروج سورية من الصراع محطمة جزءاً من الخطة الأميركية بحيث تستغرق عملية إعادة البناء عقودا، وهذا يقلل مخاطر التغيير على إسرائيل. كما سيكون له أثر سلبي مباشر، وان بدرجة أقل، على دول الجوار التي ستستقبل لاجئين وجرحى بأعداد كبيرة، وهذا سيثير لها مشكلات وعدم استقرار نتيجة للتعاطف الذي نشأ بين شعوب هذه الدول مع الشعب السوري، والذي يتوقع أن يزداد مع تزايد عدد الضحايا وتكرار المجازر، ما قد يدفع هذه الدول للانخراط في الصراع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا سيفيد أميركا بحيث تدير صراعا بالوكالة دون أن تدفع أي ثمن فيه بل قد تستفيد من خلال صفقات السلاح التي ستحتاجها القوى المنخرطة فيه، ناهيك عن تأمين خطوط إمدادها وتموينها... الخ. أما الاثر البعيد والعميق لهذا الموقف فيتوقف على المدة الزمنية التي سيستغرقها الصراع وعلى النتيجة النهائية له ومن سيكون المنتصر ومن سيكون المهزوم محليا واقليميا.

في كل الحالات فان الشعب السوري سيدفع ضريبة دم باهظة ثمنا لتحرره وخلاصه من نظام مستبد وفاسد وتحقيق الاستقلال الثاني: الاستقلال من استعمار داخلي جثم على صدره عقودا.

-**-**-**-**-**-*-*

من عوامل قوة الحراك: الشعب أقوى من النظام (1) .. ميشيل كيلو

السفير

21-4-2012

أثارت قوة الحراك الشعبي السوري ذهول ودهشة العالم. وكنت قد قلت في مقالة: إن الانتفاضة الفلسطينية كانت إحدى المدارس الكبرى التي تعلم الشعب السوري فيها شجاعة التمرد والثورة، فاعترض صديق فلسطيني على قولي وأخبرني إن الانتفاضة كانت بحق مدرسة تعلم العرب فيها الحرية والمقاومة، لكن دروسها لا تقارن، أقله من حيث حجمها وتضحياتها، بما يعلمه الشعب السوري اليوم لغيره من العرب والأجانب، ودلل على ذلك بمقارنات حول عدد الشهداء، وحجم ونمط العنف الذي استخدم في الحالتين الفلسطينية والسورية.

تنبع قوة السوريين من الطابع المجتمعي لتمردهم، الذي يكاد يكون شاملا، ويستند إلى اعتقاد يتقاسمه قسم كبير جدا من بنات وأبناء الشعب، يرى أن النظام الراهن لم يعد قابلا للحياة، وأنه فقد طابعه الوظيفي وشرعيته ودوره التاريخي والعملي، وفقد بالتالي قدرته على فعل أي شيء إيجابي للسوريات والسوريين، وفقد حتى قدرته على إطلاق وعود صادقة يستطيع الالتزام بتحقيقها فيصدقها الشعب. ومن يفقد دوره وشرعيته وقبول الناس به يفقد حقه في الوجود. إذاً، فإن أهم ما يميز الحراك الشعبي السوري هو شموله وعمقه، اللذان مكناه من الاستمرار طيلة عام ونيف، وجعلاه يبدو كأنه لم يعد ينتمي إلى زمن النظام القائم، بل إلى الزمن التالي له، زمن النظام القادم، رغم ما يقال عن قوة السلطة الأمنية والعسكرية، التي تأخذ صورة عنف يتعاظم انتشاره من مكان لآخر، مع أن العنف نادرا ما يكون دليل قوة، بل يكون غالبا دليل ضعف وارتباك عندما يستخدم لحل ازمات سياسية واجتماعية، لا تحل بغير السياسة وأدوات عمل اجتماعي يمليها ويوجهها العقل الوطني وحده .

هذا الطابع المجتمعي العام هو نقطة قوة الحراك، الذي ليس حزبيا أو فئويا أو طبقيا او نخبويا، وإنما حشد قوى المجتمعين المدني والأهلي ووحد نضالهما طيلة عام واجها خلاله أهوال سياسات أمنية مخيفة، أطاحت بجزء كبير من المجتمع المدني، وخاصة شبابه، في حين واصل المجتمع الأهلي تمرده واحتجاجه، وتحمل ما لم يكن يخطر ببال أحد أنه يستطيع تحمله، وصمد في وجه ضغوط قاتلة، مع أنه كان يبدو بعيدا جدا عن السياسة، سعيدا بعزلته وبعده عن الشأن العام وهمومه، وعن السلطة وأجهزتها وأحزابها.

هذه نقطة ثانية من نقاط قوة الحراك الشعبي: فقد أوصل قيم الحداثة، وخاصة منها قيم المواطنة والحرية والمدنية والديموقراطية، إلى مواطن المجتمع الاهلي، الذي فرض عليه الجهل بها، خلال نصف قرن، هي عمر النظام السائد، وابعد عن السياسة وأغرق في وعود جذابة هطلت عليه من سماء السلطة. وحين شعر باليأس يلف وجوده، وبالحرمان يفقده حقوقه، عاد إلى الشأن العام من بوابة قيم الحداثة والمجتمع المدني، طالبا حصته من الحرية والكرامة والعدالة، وباذلا دماءه في سبيل نمط جديد من الحكم يكون مشاركا ومسؤولا فيه.

تعرض المجتمع المدني الذي قاد الحراك وشارك بكثافة شديدة فيه لما يشبه الإبادة على يد قوات الأمن، على أمل أن يتراجع مع تلاشي دوره ودور المجتمع الأهلي إلى درجة تمكن النظام من إخماد تمردهما، لكن هذا المجتمع لم يخرج من الصراع، بينما أفلح المجتمع المدني في البقاء على رأس الحراك في مناطق كثيرة، بفضل نمط غير مركزي من القيادة، مرن وقابل للتجدد الذاتي التلقائي، استحال معه توجيه ضربة حاسمة إليه تدمر جهازه العصبي فتبقى كتل المناضلين الكبرى في حال من الشلل، على غرار ما كان يحدث خلال حملات النظام ضد المعارضة الحزبية، عندما كان اعتقال القيادة، جهاز الحزب العصبي، يفضي إلى شل بقية أعضائه، وخاصة قاعدته، فيسهل عندئذ رصدها وملاحقة عناصرها الناشطة واحدا بعد آخر.

هنا، وبسبب انتشار الجهاز العصبي القيادي واتساع صفوفه واكتسابه طابعا محليا، لم يتح اعتقال أعضاء منه تقويض جسده، أي المجتمع الأهلي، ولم يحل دون تبلور قيادات بديلة، حتى أنه ليبدو اليوم أن القضاء على هذا الجهاز يتطلب القضاء على المجتمع نفسه، خاصة بعد ان برزت عناصر كثيرة من المجتمع الأهلي، كقوى قيادية موهوبة، عوضت النقص في القيادة الشبابية المدنية، وتمكنت من قيادة ومواصلة الحراك محليا وبالتنسيق مع المناطق القريبة، وحالت دون تراجع الاحتجاج والتمرد في معظم مناطق سوريا، بل وضمت أفواجا جديدة من المتظاهرين إلى الصفوف المرابطة في الشوارع، التي عجز النظام عن إخراجها منها وكسر شوكتها، رغم التصعيد العسكري/ الحربي المتواصل، الذي لجأ إليه خلال العام المنصرم.

بوحدة المجتمعين المدني والأهلي، التي كانت تعني وحدة القيادة الحديثة مع السوريين العاديين من سكان الأرياف والمدن على مختلف أسمائها، وببلورة أشكال من النضال تتناسب والحاجة إلى الرد على حملات النظام الأمنية، وبروز قوى ميدانية عجزت خبرات النظام الأمنية عن القضاء عليها، وبصيانة خلفية السوريين الوطنية المشتركة، فشلت سياسات التحريض الطائفي في تفجير التناقضات بين ابناء الوطن الواحد في جعلها تتخذ صورة اقتتال أعمى يغطي مجمل مناطق البلاد، رغم وقوع بعض التوتر الشديد أحيانا هنا أو هناك، وحدوث تعديات محدودة مناهضة للروح الوطنية وللحمة المجتمعية. هذا الفشل كان نتيجة من أهم نتائج قوة الحراك، المستمدة من قوة المجتمع ومن تضامنه، وهو سيبقى برهانا على عمق انتماء السوريين بعضهم إلى بعض، وعجز سنوات الشحن التفريقي والتمييزي الطويلة والمركزة عن دفعهم إلى تبني أنماط سلوك تقوض ولاءاتهم المشتركة والعليا، وتحل محلها ولاءات ثانوية أو دنيا لا يستقيم وجود وطني موحد معها، ولا تبقى وحدة وطنية في ظلها.

لم تقم في سوريا حروب أو معارك طائفية، ويرجح أن لا تقوم في المستقبل أيضا، لأسباب كثيرة، ربما كان أهمها أن النظام لم يعد يلبي حاجة أغلبية المواطنين الساحقة إلى الحرية والأمان والعدل، ولا يمثل أي قطاع مجتمعي محدد، بل هو نظام من يديرونه وينتفعون منه، من مختلف الأطياف والمصالح والتيارات والمذاهب. نظام هؤلاء الذين انفصلوا عن شعبهم بمجمله، ووضعوا أنفسهم في مواجهته، وتفننوا في تخويف أقلياته المذهبية من اغلبيته الدينية، وها هم يحصدون الخيبة ويقاتلون كممثلي سلطة تغربت عن شعبها ضد أغلبيته العظمى، ويفعلون ذلك باسم نظامهم المغلق والاستبعادي، الذي ينتمي إلى ماض لم يعد قادرا على الاستمرار، في حين يناضلون هم باسم مستقبل مفتوح على الحرية، يعد حتى أهل السلطة بموقع مضمون من العمل السياسي والمشاركة في إدارة شؤون سوريا القادمة.

تنبع قوة الحراك من مستقبليته وماضوية النظام، ويستمد عزيمته من مجتمعيته التي تتيح له مواجهة فئوية السلطة وطابعها الأقلوي كسلطة تمثل مصالح المنتفعين بها دون غيرهم من فئات الشعب، وتعيش من الإكراه والقمع اكثر مما تعيش من قبول المواطنين العام، الذي يلغي انتفاؤه شرعيتها، بينما يبدو الحراك شرعيا بفضل أعداد المشاركين فيه وإصراراهم على التخلص من الاستبداد، وانتمائهم إلى بدائله من عوالم حرة ومفتوحة، يحقق الفرد فيها ذاته كمواطن حر ومنتج بعد أن حرم من حقه في أن يكون فردا ومواطنا وحرا ومنتجا، ومساويا لغيره، بسبب النظام وخياراته وسياساته.

اثار صديق قبل مدة مسألة الفترة الزمنية التي استغرقها الحراك، وتحدث عن قوة السلطة، التي وصف أجهزتها بالمتماسكة، وعن صمودها طيلة عام كامل. لو أن أحدا سأل هذا الصديق في الأول من آذار عام 2011 عن احتمال نشوب انتفاضة شعبية في سوريا قد تدوم يومين، لأجابه: هذا احتمال يكاد يكون مستحيلا، بل هو الاستحالة عينها. واليوم، يصعب القفز من فوق واقعة أن الشعب صمد خلال عام عصيب مضى، وأن مجتمعا يفعل ذلك هو بالتأكيد والقطع أقوى من سلطته، لأنه دخل المعركة دون استعداد يجاري ولو من بعيد استعداداتها طيلة نيف ونصف قرن، لمواجهة حالة كالتي تعيشها سوريا اليوم، لكنه بقي عصيا على الإركاع، في واقعة تعتبر إعجازية بجميع المعايير، تؤكد أن زمنا جديدا يبزغ في سماء العرب، تقرر شعوبهم اليوم ملامحه وتضحي بالغالي والرخيص في سبيل قدومه، سيكون عكس زمن وعدهم بالحرية، وأتاهم باستبداد جثم بلا رحمة على قلوبهم وعقولهم وأرواحهم، ينفضون اليوم نيره عن كاهلهم، ليس كي يصيروا أحرارا، بل لأنهم أحرار ويصبون لإقامة مجال سياسي بديل: حر حقا ووطني حقا ومستقل حقا، سيكون قيامه أعظم علامات قوتهم، التي تبهر العالم.

كاتب وسياسي سوريا

-**-**-**-**-**-*-*

سوريا: غد مشرق رغم المرحلة المظلمة .. علي حماده

2012-04-21

النهار

ابدأ اليوم بإقتطاف نصّين، حول الوضع الراهن للثورة السورية، الاول للناشطة السياسية فرح الأتاسي تعبّر فيه عن خيبة من مهمة المبعوث الدولي العربي كوفي أنان استناداً الى انها في الاساس أتت على أسس خاطئة. تقول فرح الاتاسي في صفحتها على الفايسبوك: "مهمة كوفي عنان لإدارة ما يسمونه "الأزمة" السورية وليس التوصل الى حل "الأزمة السورية"، وأشبهها بمجموعة من الاطباء الذين يرون جسداً تشتعل فيه النار ويحترق، فيقومون بالحديث عن العمليات التجميلية بدل العمل على إطفاء الحريق اولاً ثم معالجة الجسد المحترق. لا افهم كيف سيجرون عمليات "تجميلية" لجسد متفحم يحترق ومازلت النار ملتهبة ومشتعلة في هذا الجسد. هم لا يريدون إطفاء النار وحديثهم ينصب على "تجميل" الجسد الذي يحترق ويموت! وحدهم السوريون قادرون على إطفاء النار ومعالجة الجسد بسواعد وطنية وادوات جراحة محلية الصنع، ولا مانع من ممرضين من الخارج اذا كان هدفهم الخالص هو إنقاذ الجسد والوطن السوري فعلاً وليس التحايل للقضاء عليه".

و في موقع آخر، اقرأ للمفكر العربي عزمي بشارة الذي اختلفنا ذات يوم معه حول تقييمه لسياسة بشار الاسد في لبنان، وكان الأخير يمعن وحلفاءه في لبنان في قتل الاستقلاليين. واليوم يمعن بشار في قتل السوريين، تماماً كما فعل ذلك والده حافظ الاسد على مدى أربعة عقود، ويكتشف عزمي بشارة ربما ان ما كنا نؤكده في ذروة صراعنا مع بشار وحلفائه هنا، ان النظام يتمتع بمظلة اسرائيلية ودولية غير اعتيادية، كان صحيحاً. وهنا اقتبس لعزمي بشارة نصاً مقتضباً وجدته على حائط فايسبوك يعود الى مواطنة سورية تعيش خارج بلادها ولا تخفي مواقفها الحادة تجاه نظام بشار الاسد، والنص يعكس صورة قاتمة: "كنا نعتقد بسذاجة ان احداث حماه في الثمانينات ما كانت لتحدث لو ان الانترنيت كان موجوداً تحولت سوريا عام ٢٠١١ الى دولة تحت المجهر، الكل يشاهد ما يجري من اعمال القتل التي تمارس ضد الشعب السوري الأعزل والقتل ما زال مستمراً. منذ سنة والعالم المتمدن يتحفنا بتصريحات مضحكة، لا أحد يريد للقتل ان يتوقف، ولسنا أكثر حظاً من أهل حماه في الثمانينات. ربما الانترنت كان مفيداً فقط على الصعيد الداخلي حيث ناصرت المدن السورية بعضها و انتشرت الثورة في أنحاء البلاد، مما جعلها عصية على العصابة الحاكمة."

صحيح أن الصورة التي يرسمها عزمي بشارة تعبّر عن إحساس عميق بخيبة من المواقف الخارجية التي لا تزال تكتفي بالعمل الديبلوماسي، فيما صار من الواضح ان الحل مع النظام في سوريا عسكري. و من هنا نعود الى مناشدة الدول العربية التي تعلن باستمرار عن نيّة لمساعدة السوريين في الدفاع عن أنفسهم، أن الوقت هو وقت أفعال لا أقوال، وان الصواب يقتضي تسليحاً مكثفا ل"الجيش السوري الحر" اليوم قبل غد.

-**-**-**-**-**-*-*

نحو الاستقلال الثاني.. مستقبل سورية الجديدة يصنع اليوم .. د. عبدالله تركماني

2012-04-20

القدس العربي

مرت الذكرى السادسة والستون للاستقلال الوطني الأول لسورية في 17 أبريل/نيسان في الوقت الذي يوجد فيه أكثر من أحد عشر ألف شهيد حتى الآن، منهم: أكثر من 800 طفل، وأكثر من 700 امرأةً، وأكثر من 500 قضوا تحت التعذيب، مع 65 ألف مفقود وأكثر من 35 ألف جريح و212 ألف معتقل وأكثر من مليون شخص نازح داخل البلاد وما يتجاوز ال 200000 ألف لاجئ ومشرد خارج سورية.

وإذا كان من المبكّر أن نجري حساباً لوقائع وتطورات الثورة السورية التي انطلقت في آذار/مارس 2011، لأنّ فيها الكثير من التعرجات والتعقيدات، فإنّ ما يميّز اللحظة الراهنة هو الحراك الشعبي السوري غير المسبوق الذي يمكن أن يبلور البديل الوطني الديمقراطي، الممكن والضروري، نحو الاستقلال الثاني لسورية. فالثابت أنّ حراكاً إنسانياً رائعاً جرى بحجم كبير وتضحيات كبيرة، ويتجه نحو مواطن سوري جديد، ووعي سوري جديد، بما ينطوي عليه ذلك من تألق للوطنية السورية ذات العمق العربي والإنساني. لقد جاءت الثورة السورية من وعي تشكّل في مكان عميق من العقل والوجدان الشعبيين، وهو مكان لم يعد قادراً على تحمّل أو فهم دواعي استمرار الاستبداد المستفحل منذ أربعة عقود. كما أنها تحمل ميزة إضافية، على غيرها من الثورات العربية الأخرى، في أنها كشفت حالة التزييف التي كانت تكتسب بها سلطة الاستبداد شرعية مزوّرة، بحجة الممانعة ومحاربة العدو الصهيوني.

لقد تشكلت قيادات شابة قادرة على استيعاب معطيات التحول العالمي نحو الديمقراطية، وتمسك بزمام الأمور وتتحكم بحركتها حسب المتغيّرات، رغم وجود حالات تشويش فردية. وتكتسب هذه القيادات الخبرة اللازمة، في سياق عملها وتراكم خبراتها، بالاحتكاك مع المخضرمين من المعارضين السياسيين والمثقفين ونشطاء المجتمع المدني السوري، فتنجز أعمالاً مشهودة. وهي تعرف أنّ هذا الليل السوري الطويل لن ينجلي بسرعة، وأنّ أمامها مهمات شاقة وتضحيات كبرى، لكنها تعرف أيضاً أنّ لا عودة إلى الوراء، وأنّ لا خيار أمامها سوى مواجهة ظلام هذا الليل الطويل بالصمود والتحدي والتفاؤل.

إنّ الحالة السورية، التي دفعت الشعب السوري للثورة، مزمنة عمرها أكثر من 40 سنة، وهي أزمة تطال كل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. والشعب السوري قرر تصفية الحساب مع مسببيها، من خلال الانتقال بسورية من حال الاستبداد والدولة الأمنية إلى حال الحرية والدولة المدنية التعددية - الديمقراطية عبر حوار جاد ومسؤول، تتمثل فيه جميع الأطراف السياسية وقوى المجتمع المدني وممثلي الشباب الثائر.

ويمكننا اليوم استخلاص عدد من العِبر من يوميات الثورة ومن أشكال تعامل سلطة الاستبداد معها: فهي الأكثر تمدداً على الصعيد الأفقي، أو الانتشار الجغرافي، بالمقارنة مع باقي الثورات العربية. وهي الأكثر مثابرة رغم التعرض لسادية الأجهزة الأمنية المدعومة بميليشيات 'الشبيحة' في مواجهتها. وهي الأكثر قدرة - إلى الآن - على المحافظة على طابعها السلمي العام وتجنّب الانزلاق نحو المواجهات المسلحة وأعمال الثأر الواسعة النطاق، رغم فظاعة ما يتعرض له المشاركون وعائلاتهم، ورغم محاولات النظام المتكررة لجر الناس إلى أعمال انتقامية تضاعف التشنج الطائفي وتزيد من خوف المترددين، فيتاح المجال أمام الأجهزة الأمنية والشبيحة للمزيد من البطش والإجرام ضد المتظاهرين من دون أدنى تمييز. وفي هذا السياق، من المفيد الإشارة إلى أنّ ظهور الجيش السوري الحر لم يكن سوى تعبيراً عن حق الشعب السوري في الدفاع عن نفسه، إذ أنّ ضباط وجنود هذا الجيش كانوا قد رفضوا إطلاق النار على شعبهم وشكلوا، مع مدنيين متطوعين، الجيش الحر للدفاع عن المدنيين. وهي كذلك الأكثر اعتماداً على الذات لتغطية أنشطتها وفعالياتها نتيجة منع النظام لوسائل الإعلام المستقلة من التواجد في سورية، وهي الأكثر إنتاجية وإبداعاً في الشعارات والأغاني الشعبية، والأكثر تعبيراً عن تضامن داخلي تشهره لجانها وتنسيقياتها مداورة في مواجهة استهدافات النظام للمدن والبلدات والقرى والمناطق، وهي الثورة الأكثر حضوراً للنساء في المواقع القيادية لتنسيقيات الثورة. وإذ نتحدث اليوم عن هذه الثورة فلا بد لنا من أن نرى بأنّ العفوية كانت طابعها الطاغي، وما أن سلكت طريقها وكونت جمهورها حتى بدأ الوعي المطابق لحاجات التقدم يحتل مكان العفوية لدى أقسام واسعة من جمهورها.

وتبقى الثورة هي الفاعل الأساسي في سورية اليوم وهي أيضاً الصانعة لقيم جديدة على طريق الاستقلال الثاني: الحرية والكرامة والمساواة والعدالة، ولشرعية جديدة قائمة على المواطنة. ففي سورية الجديدة لن تكون مصادرة حرية الرأي مقبولة، ولن يكون سجن صاحب الرأي ممكناً بلا مقاومة، ولن يكون انتهاك حقوق الإنسان مقبولاً، ولن يكون السكوت عن الفساد والتسلط أمراً طبيعياً. وفي سورية الجديدة لن يقبل الناس بعدم المشاركة، بل سيتصرفون انطلاقاً من حقهم الطبيعي في الكرامة والعدالة والمساواة التامة في وطنهم.

لن تكون سورية بعد اليوم مزرعة لأحد، كما كانت لعقود طويلة، وإنما وطن الحرية والكرامة لجميع أبنائها. لن تكون بلد التمييز والظلم والإقصاء، بل وطناً واحداً لشعب سوري موحد، لا حديث فيه عن أكثرية وأقلية بل مواطنية ومساواة، لا يراعي في معاملته مع أبنائه أي اعتبار قومي أو مذهبي أو طائفي أو مناطقي، ولا اعتبار فيه إلا للكفاءة والإخلاص، والمقدرة على البذل والتضحية في سبيل المجموع. سيحمي دستور سورية الجديدة حقوق كل مكوّنات المجتمع السوري، حيث سينال فيها الأكراد والآشوريون والتركمان ما حُرموا منه من حقوق وما عانوه من تمييز. ستُفصل في سورية الجديدة السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وستحاسَب فيها الحكومة المقصّرة وستكون السلطة بيد الشعب يقرر من يحكمه عبر صناديق الاقتراع. ستكون سورية المستقبل دولة الحق والقانون، يتساوى فيها الجميع أمام القضاء المستقل، ويكون للجميع الحق ذاته في تشكيل المنظمات والأحزاب والجمعيات، والمشاركة في صنع القرار.

ومن غير الممكن تصور تغيير ديمقراطي ناجح في سورية بمعزل عن عودة الروح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يسترد المجتمع السوري حراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة.

وفي المرحلة الانتقالية من الاستبداد إلى الديمقراطية لا ينبغي توجيه طاقات الشعب السوري لتصفية الحساب مع الماضي وإهمال تحديات الحاضر وتأجيل التفكير في آفاق المستقبل، لأنّ تصفية الحساب مع الماضي ينبغي، استعانة بخبرات الدول الأخرى التي انتقلت من السلطوية إلى الديمقراطية، ألا تؤدي في النهاية إلى تفكيك الدولة ذاتها.

إنّ الحل في أيدي الشعب السوري وممثله المجلس الوطني السوري وتنسيقيات الثورة في الميدان، وخطة طريقنا واضحة:

- الاستمرار في ثورتنا وتظاهرتنا الشعبية حتى يرغَم بشار الأسد على الرحيل أو تفويض سلطته وتطبيق خريطة الطريق العربية التي يحاول المبعوث الأممي والعربي تطبيقها.

- يأتي بعد ذلك تشكيل 'مجلس رئاسي' من شخصيات ورموز وطنية معروفة وممثلة لمختلف أطياف الشعب، يقوم بتكليف حكومة انتقالية بمشاركة شخصيات من السياسيين والتكنوقراط الذين لم يعادوا الثورة، حكومة تدير شؤون البلاد وتحافظ على كيان الدولة ومؤسساتها.

- تشكل هيئة وطنية للحقيقة والعدالة والمصالحة بمشاركة هيئات المجتمع المدني، مهمتها التحقيق في الجرائم ومعالجة الآثار القانونية والنفسية لإرهاب السلطة الماضية، وقطع الطريق على أية أعمال انتقامية أو طائفية، والعمل على مصالحة أبناء الشعب والمساعدة على ترميم الشعور الوطني والقيم الإنسانية التي زعزعتها المحنة.

- تنتهي المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات، بعد تشكيل هيئة مستقلة للإشراف عليها، بوجود مراقبين عرب ودوليين، لاختيار أعضاء جمعية تأسيسية، تتولى اختيار رئيس جديد للبلاد، وتعيين حكومة تمثيلية ووضع دستور على أساس النظام البرلماني الديمقراطي التعددي، وضمان قيام الدولة المدنية في سورية.

- سنعمل مع مؤسسات الدولة المعنية في الحفاظ على أمن البلاد وأمان المواطنين منذ اليوم الأول، ولن نتساهل في حالات الانتقام أو التمييز مهما كان شكله.

وفي سياق ذلك يبدو أنّ ثمة قاسماً مشتركاً يجمع المعارضة السورية بكل أطيافها: الطابع السلمي العام للثورة، تغيير النظام، إقامة دولة مدنية - تعددية - ديمقراطية تصون حقوق الإنسان وحرياته وتساوي بين جميع السوريين. وهذا ما عبّرت عنه وثيقة ' العهد الوطني لسورية الجديدة ' التي ارتضتها أطياف واسعة من المعارضة أواخر الشهر الماضي في اسطنبول، أما الاختلاف في التفاصيل فهي مسألة طبيعية وبديهية، لا بل ضرورية لحياة ديمقراطية سليمة وتعددية.

إنّ مستقبل سورية يُصنع اليوم، سورية الجديدة التي نتمناها، نطمح إليها ونعمل من أجلها، سورية الحرية لا سورية الاستعباد، سورية الكرامة لا سورية التمييز، سورية المحبة لا سورية الحقد، سورية الأخوة لا سورية الضغينة، سورية التقدم لا سورية التخلف.

' كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

-**-**-**-**-**-*-*

والآن، نقدم لكم عملية السلام السورية .. جمال خاشقجي *

السبت, 21 أبريل 2012

الحياة

أهلاً وسهلاً بكم في «عملية» السلام السورية. لكي تفهموها جيداً، يجب أن تقرأوا تاريخ وتفاصيل عملية السلام البوسنية وهي معقدة واستغرقت نحو 5 أعوام، أو النسخة الكوسوفية المختصرة التي استمرت لعام ونصف عام فقط.

ولكن إياكم والمقارنة أو حتى الاطلاع على تفاصيل عملية السلام العربية الإسرائيلية، فهذه حالة استثنائية تماماً مثل الطرف الإسرائيلي فيها، وهو فوق المحاسبة والتدقيق ويتمتع بحماية أميركية تشمل الحماية من الفيتو وقبول كل أعذاره ومبرراته.

للأسف أن فنون التسويف وتمييع عملية السلام التي طورتها واستخدمتها إسرائيل متاحة للنظام السوري محاكاتها والاستفادة منها، بخاصة أنه يتحول كل يوم إلى «قوة احتلال» فاقداً موقعه السابق كنظام شرعي حاكم وإن كان قمعياً وطائفياً. بالطبع هناك فوارق تصب لمصلحة إسرائيل مثل أنها ديموقراطية على الأقل في إطار الشعب اليهودي وتستخدم الرصاص المطاطي في مواجهة المتظاهرين، وكل الأمرين يفتقدهما النظام السوري فليس هو بالديموقراطي مع قاعدته «العلوية» ولم يتورع عن استخدام الرصاص الحي من أول يوم للتظاهرات.

وليس في ذلك تبرير أو تقليل لجرائم إسرائيل وإنما مقاربة مستحقة بين نظامي احتلال.

لعملية السلام السورية مبادرة محددة، هي خطة المبعوث الأممي والعربي كوفي أنان، وما لم يحافظ الثوار السوريون على زخم قضيتهم داخلياً وخارجياً، فسوف يستبدل الإعلام أخبارهم بأخبار «عملية السلام». سنسمع تصريحات من نوع:

على النظام السوري أن يكون إيجابياً أكثر مع «عملية السلام».

«عملية السلام» تتعرض لصعوبات ولكنها لم تمت.

نريد من الروس دعم «عملية السلام».

كثير من الدول ستجد في «اهتمامها» بعملية السلام ما يعفيها من التزاماتها الأخلاقية حيال الوضع السوري المتردي، فليس ضرورياً أن نفتح ممرات آمنة مثلاً، طالما أننا سنتحدث في مؤتمر ما قادم عن ضرورة فتح ممرات آمنة.

بالرغم من أهمية «عملية السلام» يجب أن تنتبه المعارضة السورية ألا تكون بديلاً عن التدخل الذي يريدونه لإسقاط النظام، وألا يطمئنوا كثيراً حتى لتصريح وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن ما من «عملية» إلا ولها سقف زمني، فلعمليات السلام «حياة» تتطور فيها وإليها، طالما أن هناك اعتمادات مالية وسكرتارية وسفراء متقاعدين يوكل إليهم إعداد شتى التقارير، لتقديمها في الاجتماع التالي لمجلس الأمن والذي تسبقه مشاورات مع الروس والصينيين، وهكذا دواليك.

ما سبق كان القراءة السلبية ل «عملية السلام» والتي ينبغي الحذر ألا تقع فيها القضية السورية، ولكن هناك قراءة أخرى، واقعية، هي أن «العملية» ضرورية للديبلوماسية الدولية، إن الدينامكية التي يعبر بها «المجتمع الدولي» عن اهتمامه بقضية ما، كما أنها توفر التبرير الذي تهرب إليه القوى القادرة على التدخل لشرح أسباب عدم تدخلها حتى الآن.

وأخيراً تعطي مزيداً من الوقت، لعل جنرالاً ما وأكثر لم يعودوا يحتملون الوضع المتردي فينجحون بانقلاب أو تمرد يحسم الصراع ويكفي المعنيين شرور التدخل وكلفته.

وحتى ذلك الحين أمامنا «عملية السلام» وتحديداً خطة كوفي أنان التي يريد أصدقاء سورية الذين اجتمعوا بباريس الخميس الماضي تنفيذها بصرامة، فإلى أين تتجه الخطة؟

يمكن أن تتجه إلى سبيلين، الأول وهو ما تدعو إليه الخطة، وقف لإطلاق النار وحماية المتظاهرين، ثم جلوس الحكومة والمعارضة على طاولة المفاوضات.

السبيل الثاني هو تدخل عسكري مباشر تحت البند السابع لمجلس الأمن (وهو ما يمكن المراهنة عليه من واقع قراءة التاريخ لهذا النوع من الأنظمة من صربيا ميلوسوفيتش إلى ليبيا القذافي).

البداية لم تكن جيدة، إذ دعم الروس مرة أخرى النظام في تفريغ أهم مواد الخطة، وهو إرسال فريق للمراقبة من بعض محتواها وشروطها، فأصر النظام على ما يسميه «سيادة» الدولة في تحديد متى وأين وكيف يتنقل الفريق فوق الأراضي السورية، ما أدى إلى احتجاج ثم اعتذار الجنرال النروجي روبرت مود والمعروف بصلابته، عن قيادة فريق التفتيش وفق شروط النظام.

في باريس ونيويورك يحاول أصدقاء سورية إعادة بعض الشروط وإعطاء أسنان للفريق، وتمكينه من حرية التنقل براً وجواً داخل سورية.

إذا ما انتشر المراقبون، وأسسوا مراكز مراقبة دائمة لهم - وهما ما لم تفعله بعثة مراقبي الجامعة العربية في واحدة من أهم أخطائها وهي كثيرة - ستخرج كل تلك المناطق من سيطرة النظام، وهو ما يدعو إلى التشاؤم، إذ كيف سيقبل النظام بهكذا نهاية؟ ربما لم يملك اختياراً، ربما لديه حل بديل؟ هو أن يفقد كل سورية ويحافظ على بعضها، وتحديداً الساحل والجبل حيث تتركز الطائفة العلوية. لا بد أن النظام استعد ليوم كهذا وفي المنطقة من الأسلحة ما يمكنها من الدفاع عن «الدولة» الجديدة القديمة، ويستطيع أن يهدد جيرانه. صورة قاتمة ووصفة لتدخلات إقليمية تقلب كل التوقعات، مثل أن تتفق إيران وإسرائيل على حماية تلك الدولة!

حينها سيجلس بشار الأسد وأركان طائفته يتفاوض مع المجلس الوطني وهيئة التنسيق وغيرهما من المعارضات السورية، ممثلاً للطائفة وليس للنظام الذي تركه في دمشق.

الاحتمال الآخر أقل سوءاً، أن تفشل مهمة أنان، ويرسل المراقبون تقريرهم إلى نيويورك يؤكدون ما نعرفه ونراه جميعاً، أن النظام هو الذي يقصف شعبه، ويطلبون اتخاذ قرار أممي بحماية الشعب السوري.

على الأقل ورغم صعوبة ذلك التدخل فإنه سيستهدف النظام وحده ومكوناته، وسيحافظ على الدولة السورية ووحدتها.

* كاتب سعودي

-**-**-**-**-**-*-*

إذا اجتمع الناتو في تركيا سيفهم الأسد! .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

21-4-2012

من الواضح أن هناك استنفارا دوليا مختلفا تجاه ما يحدث بسوريا، وتحديدا اجتماع باريس الأخير، الذي أبرز مميزاته أنه جاء مختصرا، ولغة بيانه الختامي جاءت مختلفة، خصوصا عندما اعتبرت مهمة أنان «الفرصة الأخيرة»، لكن السؤال هو: هل هي فعلا الفرصة الأخيرة التي ستمنح للأسد؟

فحديث وزيرة الخارجية الأميركية في باريس كان مهما، حيث دعت إلى التحرك مرة أخرى في مجلس الأمن من أجل استصدار قرار جديد خاص بالأوضاع السورية، وتحت الفصل السابع، وهو ما يعني استخدام القوة العسكرية، وبالطبع كانت الوزيرة الأميركية واقعية وهي تتوقع أن تقوم موسكو باستخدام الفيتو مجددا، مما يعني، وبحسب الوزيرة كلينتون، ضرورة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك لحلف شمال الأطلسي، وذلك بسبب القصف السوري «المشين»، بحسب كلينتون، لمنطقة على الحدود مع تركيا، حيث أعلنت كلينتون أن أنقرة «تفكر رسميا في تفعيل المادة الرابعة من معاهدة الحلف الأطلسي».

وبالطبع فهذا كلام مهم جدا، خصوصا أن هناك جملة تصريحات صدرت أول من أمس من قيادات عسكرية أميركية بأن كل الخيارات على الطاولة، وهناك أيضا التصريحات الغربية، ومنها تصريحات الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي طالب بتوفير الممرات الآمنة في سوريا، مما يعني أن فرص التدخل الخارجي قد باتت واسعة الآن، خصوصا أن مهمة أنان غدت فاشلة فعليا، وبحاجة إلى أن تنعى رسميا، لكن بالتأكيد السؤال الآن هو: هل يفهم الأسد كل هذه التصريحات، ويأخذها على محمل الجد، ويستجيب للمبادرات الدبلوماسية؟ الإجابة الطبيعية هي لا، فطالما أن لا خطوات حقيقية على الأرض فإن الأسد لن يلتزم بأي مبادرة، وما يجب أن نتأكد منه هو أنه طالما لم يستمع الأسد لأزيز الطائرات بسماء دمشق فإنه لن يقدم على أي خطوة جادة لإنهاء العنف، والجرائم المرتكبة بحق السوريين.

والأمر لا ينطبق على الأسد وحده، بل وعلى الدوائر المقربة منه أيضا، وأركان أمنه، فطالما أنه لا يوجد تحرك عسكري حقيقي لوقف آلة القتل، ولا توجد ممرات آمنة، أو مناطق عازلة في سوريا، فمن الطبيعي ألا نرى انشقاقات «كبرى» في الأسماء أو الرتب بالنظام الأسدي، فالسؤال المنطقي المطروح، والمكرر، منذ ثلاثة عشر شهرا من عمر الثورة السورية هو: أين يذهب من ينشق من الوزراء، أو الضباط الكبار، وبالطبع عوائلهم؟ ففي ليبيا كانت هناك بنغازي، أما في الحالة السورية فها هو الأسد يقوم بقصف حمص يوميا، رغم مهلة أنان، حيث من الواضح أن الأسد يريد إحراق حمص لكي لا تكون عاصمة الثورة، أو بنغازي السورية.

وعليه، فرغم أهمية كل ما قيل في اجتماع باريس، فإن بشار الأسد لن يذعن، أو يستوعب، خطورة الموقف، وجدية المجتمع الدولي، إلا إذا رأى أول اجتماع للناتو يعقد في تركيا، وتحت عنوان الوضع التركي - السوري، حينها سيعي الأسد أن عجلة التغيير قد انطلقت، وأن اليوم غير الأمس.

هذه هي اللغة الوحيدة التي سيفهمها الأسد، ولا شيء غير ذلك.

-**-**-**-**-**-*-*

حُماة الثورة المجهولون .. عمر قدور

المستقبل

22-4-2012

قبل سنوات، وفي أثناء ما سمي حينها "ربيع دمشق"، قال أحد المعارضين: "إن الرئيس السوري هو أصغر السياسيين السوريين سناً!". ومن المعلوم أن الرئيس كان حينها في منتصف الثلاثينات من العمر، وقد شاع كلام المعارض لما يحمله من سخرية من جهة، ولما ينطوي عليه من مرارة إزاء نجاح النظام في إقصاء أجيال بأكملها عن الفضاء السياسي العام.

لقد بدا حينها أن آخر الذين خبروا الممارسة السياسية هم في الأربعينات من أعمارهم، أما الأجيال اللاحقة فقد نشأت على الغياب الكلي للسياسة، وبذلك لم يكن ثمة قنوات للتفاعل بين أولئك المعارضين الذين خرجوا تواً من المعتقلات والأجيال اللاحقة التي لا تكاد تعرف شيئاً عنهم، وبالتأكيد لا تعرف تفاصيل الحالة السياسية السورية في سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي. في الواقع كان ثمة جهل متبادل. فمن جربوا الممارسة السياسية كانوا قد انخرطوا في العمل السياسي السري، ويمكن على نحو ما وصفهم بالنخبة ضمن أجيالهم. وبحكم الأيديولوجيات التي حملوها والطبيعة الأمنية القاسية للنظام لم يُتح لهم التفاعل مع المجتمع، فضلاً عن مدة اعتقالهم الطويلة والتي استهلكت نحو عقدين من الزمن وأدت إلى تغريبهم عن المتغيرات في الحياة العامة السورية. أجيال عرفت السياسة على نحو تجاوزه العصر وأخرى لاحقة لم تعرف السياسة مطلقاً، وغياب شبه تام لجسور التواصل بينها؛ هذا من العوامل الهامة لفشل ما عُرف بربيع دمشق ومن ثم تراجع وانحسار الأطر السياسية التي نجمت عنه.

على الشاكلة نفسها كان الأمر بالنسبة إلى النظام، فالرئيس الأب كان قد أقصى الشخصيات القديمة الوازنة المساهمة معه في الحكم، وأخلى الساحة تماماً من أجل مشروع التوريث، من دون إنتاج كوادر جديدة بديلة، ما جعل الرئيس الابن لاحقاً يعتمد على كوادر الصف الثالث القديمة من نظام يعجز عن إعادة إنتاج نفسه بحيوية العصر. بدا النظام في طبعته الجديدة فاقداً الانسجامَ السابق وأقرب إلى الابتذال. على ذلك أيضاً نقرأ حنين الموالين الآن إلى زمن الأب، فهو وإن كان على السطح يأخذ شكل الإعجاب بقدرته على قمع كل تمرد واجهه إلا أنه من جهة أخرى يعبر عن انكشاف السلطة السياسية الحالية بحيث لا ترضي حتى جزءاً من المدافعين عنها. فالنظام بهذا المعنى لم يعد نظاماً، وما ظاهرة الشبيحة سوى تعبير فظ عن غياب الكوادر السياسية في النظام ذاته وعن عقمه السياسي لحساب العقل الأمني في أدنى مستوياته.

في هذا المناخ لم تكن الثورة السورية متوقعة، إن من قبل النظام أو من قبل المعارضة التقليدية التي تم قمعها بشراسة إثر ربيع دمشق. لم تكن الأجيال الشابة الجديدة توحي بإمكانية إشعال الثورة، حتى بعد نجاح الثورتين التونسية والمصرية. كان الشباب السوري مجهولاً إلى الحد الذي غيّبه عن حسابات الطبقة السياسية، وعندما تقدم بشكل صاعق عبر الثورة فإن الاستبشار به لدى الكثيرين أخذ منحى عاطفياً لا منحى معرفياً، تحيلنا إلى ذلك العبارات الحماسية التي يكررها بعض المعارضين القدماء، والتي تبقى في حيز الانفعال من دون أن تشي بمعرفة عميقة بواقع هؤلاء الشباب الذين أشعلوا الثورة بعناد كبير، واستمروا بها بعناد وصمود قلّ نظيرهما.

أخيراً وجدت المعارضة السورية سندها بأجيال لم تتفاعل معها سابقاً، وليس سراً أن الالتقاء بين الطرفين كان أشبه بالضرورة الموقتة، فشباب الثورة لم يسعفهم الظرف الأمني بالانتظام سياسياً واختيار ممثليهم وكوادرهم القيادية، فتقدمت الشخصيات المعارضة القديمة لملء الفراغ. بل أتاح هذا الفراغ لبعض الذين ليس لهم رصيد سابق أو حالي تقديم أنفسهم كناطقين باسم الثورة، وتعددت الأطر السياسية الناشئة خارج البلد خاصةً، وبعضها لا يعدو كونه منبراً إعلامياً لا أكثر. بعد أكثر من سنة على اندلاع الثورة استقر الأمر على وجود هيئات رئيسية تشكل مظلة سياسية لها، وعلى استمرار الانتفاضة الشعبية رغم القمع الاستثنائي، لكن من الملاحظ أن الثورة لم تدفع إلى الواجهة الإعلامية إلا بعدد محدود جداً من الشخصيات الجديدة، فبقيت آليات عملها الميدانية غامضة، وبقي العدد الأكبر من النشطاء بمثابة الجنود المجهولين، ولعلها مفارقة كبرى أن الذين عُرفوا من نشطاء الثورة هم الذين غادروا البلد بحكم الظروف ففقدوا تماسهم المباشر مع المستجدات اليومية لها!.

لو أن من أشعل الثورة هم رجال المعارضة التقليدية القديمة لاستطاعت الأجهزة الأمنية التعامل معها بيسر منذ البداية، فهؤلاء مكشوفون تماماً بالنسبة إليها، فضلاً عن انكشاف أساليبهم وأدواتهم. ودون نفي لمساهمة السابقين ونواياهم الطيبة فإن امتياز الثورة أتى من شباب جدد تحدوا الشبكة الأمنية الهائلة بعقل جديد، وأساليب مستحدثة لم تختبرها الأجهزة الأمنية من قبل. هذا لا يعني الاستهانة بقدرة الأجهزة لأنها استطاعت استيعاب جزء مما يحدث مع مرور الوقت. في الواقع أدركت الأجهزة الأمنية أهمية بعض النشطاء الميدانية فباتوا هدفاً للملاحقة والاعتقال، وللتصفية الجسدية في كثير من الأحيان. مما لا يجب إنكاره أن الثورة نزفت في أماكن متعددة بعضاً من خيرة أبنائها، وهذا ما أدى إلى بعض الانتكاسات والتراجعات قبل أن ينجح ناشطون آخرون في ترميم صفوفهم وسد الفراغ الناجم عن التغييب القسري لزملائهم.

شباب بعيدون عن الواجهتين السياسية والإعلامية، ويعرف المهتمون الجادون أنهم هم من يتعامل بمرونة مع الواقع المركب والمعقد الذي فرضه النظام الأمني. ففي ظل تقطيع أوصال البلد ومحاصرة المناطق الثائرة هؤلاء الشباب هم الذين يؤمنون الاتصال رغم قطع كافة وسائل الاتصال، هم الذين يخترقون الحصار لإيصال المساعدات الطبية الملحّة، وهم أيضاً الذين ينشطون في أعمال الإغاثة للنازحين من المناطق المنكوبة إلى المناطق الآمنة. يشاركون في المظاهرات ويقودونها ويصورونها، هم مصدر المعلومات والصور لوكالات الأنباء العالمية التي لا تستطيع الدخول إلى البلاد؛ قلة منهم صارت معروفة لظهورها على شاشات التلفزيون، أما الأغلبية الساحقة فتفضّل البقاء في الظل حماية للنشاط الدؤوب الذي تقوم به لا حماية للذات التي تسير طوال الوقت على حافة الموت.

لنعدْ إلى البداية؛ ما حدث في غالبية المناطق السورية هو أن قلة قليلة من الشباب خاطرت في ظروف أمنية صعبة وفي مناطق لم تكن جاهزة تماماً للانخراط في الثورة؛ تختار مجموعة من الشباب مكان التظاهر، وإن أسعفها الحظ تلقى مساندة من بعض شباب الحي. هذا النوع من المظاهرات كان يستمر أحياناً لدقائق قليلة جداً، دقائق ربما لا تتجاوز مدة تصويرها وبثها على اليوتيوب، لكنها كانت كافية لإيصال الفكرة وتشجيع الخائفين والمترددين على المشاركة. قبل أن تعم الثورة كانت المجموعات ذاتها تنتقل من مكان لآخر فتوحي بانتشارها؛ المبالغة تصبح حقيقة مع مرور الوقت، الشباب لا يكلّون وكلما كسبوا موقعاً يبحثون عن موطئ قدم جديد. إنهم بمثابة المهماز المتنقل.

المؤسف أن الوقت لم يحن لكشف الكثير من الأسرار، والمؤسف أيضاً أن ما يراه المشاهدون على شاشات التلفزيون لا يعكس في كثير من الأحيان الواقع الغني لنشاط الشباب السوري. لكن بوسعنا الجزم بأن هؤلاء الشباب هم الضمانة الأكيدة لاستمرار الثورة ومحافظتها على الطابع الوطني العام. فهم الذين يخترقون الحواجز العسكرية والأمنية، وهم أيضاً الذين يخترقون الحواجز الطائفية التي اصطنعها النظام، قد لا يكون عددهم كبيراً جداً ولكن لولاهم لربما اختلفت الثورة كثيراً عما نراه اليوم. في الحقيقة هم روح الثورة وإن ذهب تمثيلها السياسي الآن إلى آخرين، أما لاحقاً فسيكونون الأجدر بتمثيل أنفسهم، والأجدر تحدثاً بالأصالة عنها.

-**-**-**-**-**-*-*

عن عسكرة الثورة السورية وسبيل الخروج من المأزق .. راتب شعبو()

المستقبل

22-4-2012

دخلت الثورة السورية أرضاً زلقة منذ أن راودتها فكرة التغيير بالعنف واللجوء إلى قوة السلاح. وكانت كلما خطت خطوة في هذا الطريق تبتعد خطوة عن المضمون السياسي للثورة وتثقل على القيمة الأخلاقية لها، وتتعثر.

لم يكن غريباً أن يعجز عدد غير قليل من الجنود عن تنفيذ الأوامر العسكرية بإطلاق النار على متظاهرين عزل، فالعدد الأكبر من عناصر الجيش والأمن في سوريا هم ممن يؤدون الخدمة الإلزامية، أي أنهم مدنيون أكثر من كونهم عسكريين، ناهيك عن معاندة النفس البشرية أصلاً الإقدام على قتل أشخاص عزل لا يأتون بما يسوغ قتلهم. وتكفي هذه الظاهرة دليلاً على نفي اتهامات النظام للحركة الشعبية بأنها مسلحة منذ البداية. ذلك أنه من الطبيعي أن لا يتردد الجندي، عادة، في إطلاق النار على من يطلق النار عليه. وهنا يمكن تلمس فارق مهم بين "تمرد" الجنود قبل دخول العنف والسلاح على خط الثورة، حيث كان التمرد إنسانياً بصفته الغالبة، وبينه بعدها، حيث بات تمرد الجنود سياسياً بصفته الغالبة. التمرد الإنساني للجندي هو رفض للقتل (تمرد سلمي) أما التمرد السياسي له فهو تغيير وجهة القتل (تمرد عنفي). وهذا فارق ذو قيمة أخلاقية وسياسية مؤثرة.

أنتج القمع الوحشي للمظاهرات السلمية ظاهرة الانشقاق أو التمرد أو الفرار العسكري التي خلقت بدورها جيشاً من منشقين باتوا مطلوبين للقصاص من طرف النظام (والقصاص هو الإعدام في الغالب) الأمر الذي يرتب عليهم الدفاع عن النفس بدءاً بالتخفي وصولاً إلى حمل السلاح في وجه طالبيهم. لقد تكثفت إشكالية التغيير وتعقيدات الثورة السورية في هذا المعطى البسيط المباشر الذي هو الجندي المنشق. فهو مثال للخيانة التي تستوجب الإعدام من وجهة نظر النظام، ومثال للنبل والمسؤولية الأخلاقية والانحياز للحق من وجهة نظر المعارضة. وهو لا مجال أمامه للحياد أو الصمت أو الترقب، يجد نفسه في عين العاصفة، إما أن يَقتل أو يُقتل. وحين يختار يصبح هدفاً مباشراً وملحاً لأذرع القتل الشيطانية المتشعبة للنظام، فيُدفع دفعاً للدفاع عن نفسه. لا يتاح له أن يكون سلمياً إلا بشق النفس. ورغم أهمية وسمو ما أقدم عليه هؤلاء الجنود من رفض لأوامر إطلاق النار مغامرين بحياتهم، إلا أن الثورة قصرت في إعلاء شأنهم وبلورة رمز لهم وتسمية يوم على الأقل من أيام الثورة باسمهم. في حين كان النظام يطلق النار على من يرفض تنفيذ الأمر ويشيعه على أنه احدى ضحايا المعارضة المسلحة، في حنكة يجيدها من تمرس في الظلم والكذب.

ولا ريب أن تزايد عدد المنشقين قد شكل عاملاً آخر، يضاف إلى تزايد عدد من يسقطون من المدنيين في المظاهرات وفي مواكب تشييع الشهداء، دفع باتجاه مرحلة "الدفاع عن النفس" التي سرعان ما انتقلت إلى مرحلة الهجوم والمواجهات القتالية التي نشهدها اليوم بين جيشين. وبصرف النظر عن الأسباب التي دفعت الثورة السورية للدخول في هذا المسار المرير (ومما لا شك فيه أن الوحشية التي واجه بها النظام انتفاضة الشعب السوري تتصدر هذه الأسباب) يتعين علينا التفكير في المآلات الممكنة لهذا المسار. السؤال هو: هل يمكن للجيش الحر التغلب على الجيش النظامي وإسقاط النظام عسكرياً؟ وكيف يصح الجمع بين السلمية والعسكرية في الثورة؟

في الحق أن تشكيل مجموعات مسلحة للدفاع عن النفس وحماية المظاهرات أثقل على سلمية الحركة وألحقها بمنظومة العنف. لقد دُفع الشعب السوري، دونما تفكر وتدبر، في ممرات تبدو إجبارية (وهي ليست كذلك) رسمتها له من جهة فظاعة القمع الممارس ضده، ومن جهة أخرى الارتجالية والتبعثر والانفعالية والرهانات الخاطئة التي حكمت مسار الثورة وأرهقتها مادياً وسياسياً وأخلاقياً.

من الواضح أن ما كان يحتاجه الجيش الحر كي يتمكن من هزيمة جيش نظامي متماسك إلى حد كبير ولاسيما في مراتبه العليا، ويتمتع بتوريدات ثابتة من الأسلحة، هو التدخل العسكري الخارجي على ما جرى في ليبيا. وطالما تأخر هذا التدخل الذي من المرجح أن لا يحدث، فإن ما حصدته الثورة جراء دخولها مسار العنف المسلح هو:

1) تسويغ الحل الأمني ضد كل أشكال المعارضة تماماً كما حصل في ثمانينات القرن الماضي حين نكل النظام السوري آنذاك بكل التنظيمات المعارضة تحت ستار المواجهة مع حركة الأخوان المسلمين المسلحة.

2) تسويغ المواقف الدولية الداعمة للنظام (روسيا والصين أساساً) الذي يواجه حركة مسلحة، الأمر الذي أربك التحركات الدولية لدعم الثورة في سورية.

3) تعزيز مواقف الفئات الموالية للنظام.

4) إدخال المزيد من التماسك إلى صفوف الجيش النظامي جراء تعرض عناصره للقتل من جيش آخر.

5) خسائر بشرية ومادية أكبر.

6) إضعاف جاذبية الثورة وقيمها ولاسيما في ظل فشل المعارضة في تكريس مصداقية كان يمكن، لو توافرت، أن تشل فاعلية كذب الإعلام الرسمي وتعوض عن غياب وسائل الإعلام المستقلة العربية والأجنبية.

الآن، وقد مشت الثورة السورية خطوات على طريق العنف المسلح. الآن وقد بدت دول العالم تقتسم سوريا وتتصارع فيها وبأبنائها وتتجه الحالة السورية إلى الاستنقاع والتعفن، وتخسر الثورة، بفعل قيادتها المتعثرة أو غياب قيادتها، أهم ما يميز الثورات الآيلة إلى الانتصار وهو الزخم والتصاعد، ماذا يمكن لقيادة الثورة أن تفعل؟

أمام الخذلان الذي عبّر عنه الشعب السوري من العرب والمسلمين يبدو أن الطريق السالك الذي يمكن أن تشقه المعارضة السياسية في سورية بعد أكثر من عام من ضياعها وتجرجرها وراء الأحداث، هو التخلي عن الحلم الليبي المر والذي لا يجلب لسوريا سوى الدمار والتآكل الذاتي، لصالح إعادة إحياء المسار السلمي التونسي والمصري بأن تتعهد بالتخلي التام عن السلاح مقابل آليات دولية ملموسة وفعالة (وهذا أمر ممكن عملياً) تضمن التظاهر السلمي والانتخابات النزيهة بمراقبة دولية وبحضور غير مقيد لوسائل الإعلام العربية والدولية. لتكن هذه المطالب البسيطة والأكثر فعالية من كل الأسلحة هي مطالب المعارضة وليس المطالبة بالسلاح التي تعني وعد الشعب السوري بالمزيد من القتل العبثي لأبنائه على طرفي الصراع والدخول في دائرة عنف ذاتية التوالد تزيد من إثخان الجسد السوري بالجراح وإثقال الضمير السوري بالآثام. إحياء المسار السلمي واحترامه هو المسار الوحيد الذي يمكن عبره الاستفادة من الحشد الدولي وراء مبادرة كوفي أنان، المسار الذي يجبر النظام السوري على دفع ثمن فشله السياسي والأخلاقي، والمتمثل أولاً في الفساد المزمن المتعدد الأشكال للنظام، وهذا ما يلمسه ويقر به كل سوري أكان موالياً أم معارضاً، وثانياً في اعتماد الحل الأمني والعسكري للحيلولة دون استرداد الشعب السوري لحقوقه المسلوبة لعقود من الزمن. وهو أيضاً المسار الوحيد الذي يعيد للثورة السورية ما خسرته من قيمة أخلاقية هدرتها أعمال العنف المنسوبة إليها والتي وصلت حداً انعكس في تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية.

الإمعان في عسكرة الثورة عبر المطالبة بتسليح الجيش الحر وإيجاد مناطق عازلة وحظر جوي وما إلى ذلك، يسقط الثورة مثلما أو قبل أن يسقط النظام. إنها اللحظة التي يمكن للمعارضة السورية أن تعيد للأشياء طبيعتها فتكون قائدة للشارع بدلاً من أن تكون صدى لانفعالاته، وتخرج بمبادرة تخاطب بها شعباً وليس أنصاراً فقط، مبادرة تسحب الذرائع من يد الدول التي تساند النظام السوري وتضع هذا الأخير في موقع لا يجد فيه ما يستر به عريه.

-**-**-**-**-**-*-*

أساطير النظام السوري وأوهامه.. من الدولة إلى القبيلة ومن الأمة إلى الطائفة .. أ.د. علي أسعد وطفة

أخبار الشرق

21/4/2012

يقول المثل لا يوجد هناك أعمى أكثر من ذا الذي لا يريد أن يرى أبدا. ولكنني سأخالف هذه الحكمة لأقول بأنه ليس هناك أعمى أكثر من ذاك الذي يريد أن يرى الأشياء كما يرغب في أن يراها. وعلى منوال هذه الحكمة لقد قرر النظام في سوريا أن يرى الأشياء بطريقة اسطورية هستيرية تنسجم مع رغباته وميوله وتطلعاته. وهذه الحالة تمثل حالة هستيرية أو هلوسة جنونية يريد عبرها النظام أن يستمر في الوجود والهيمنة والسيطرة على النحو الذي اعتاد عليه. ونظرا لهذه الحالة فقد النظام حالة التوازن الأخلاقي والعقلي فبدأ يرسم الواقع على صورة أوهام وأساطير يبرر فيها وجوده وأحلامه وتطلعاته في السيطرة والاستمرار والهيمنة.

لقد عمل النظام وما زال يعمل على بناء نسق من الأوهام والأساطير الذي يريد أن يوظفها في تبرير وجوده القائم على القتل والعنف والدم بل هي نسق من الأكاذيب التي يريد منها تغطية عاره وذله وجنونه وزندقته وإظهار الوضع على ملائكيته في سورية المنكوبة ببطشه وجنونه.

منذ البدايات الأولى للثورة بدأ النظام بهلوسة مفادها كلمة واحدة "خلصت" وبدأت هذه الكلمة تحتل مركزية الخطاب الإعلامي والأيديولوجي والسياسي على مدى أشهر متعاقبة، وكانت هذه الكلمة "خلصت" من أكثر الكلمات الساخرة ترددا على ألسنة سياسيي النظام ومثقفيه وإعلامييه. ولكن هذا الوهم لم يستطع الصمود بعد مرور أكثر من سنة على الثورة فسقط واندثر تحت وقع الأحداث الثورية التي رسخت في الوعي السياسي العالمي بأن القضية لن تنتهي أبدا إلا بسقوط النظام السياسي وزبانيته. ثم تعاقبت أوهام النظام وهلوساته الدفاعية التي تمثلت في مفردات: العصابات المسلحة، والإرهابيون، والمخربون، والمؤامرة الخارجية، والتطرف الإسلامي، وعمالة المعارضة، وهذه المقولات والأوهام أخذت تسقط تدريجيا تحت تأثير الواقع والأحداث التي تبرهن على أن العصابات المسلحة عبارة يستخدمها النظام لمسخ الحركة الثورية، وأن التسمية الحقيقية لهذه القوى المساحة ترمز إلى "الجيش الحر"، وأن المعارضة ليست عميلة كما يتوهم النظام بل هي ذات بعد وطني راسخ وعميق، وأن لا مؤامرة خارجية، وأن لا وجود لجماعات متطرفة، ولا وجود للطائفية إلا في عقل النظام وممارساته. ومع ذلك ما زال النظام يروج لمثل هذه الشعارات التي لم تعد تجدي نفعا وليس لها طعم ولا نكهة سياسية أو أيديولوجية.

وتأخذ هذه المهازل السياسية لنظام البعث اتجاهين متعاكسين متضادين يفوق كل منهما الآخر غرابة وجنونا وتهكما: النكوص إلى الخلف أو الهروب إلى الأمام. حيث يتمثل الأول في العودة الأصل والثانية الهروب إلى الضفة الأخرى للهزيمة. وبعبارة أخرى تأخذ هذه الازدواجية صورة النكوص إلى القبيلة والقفز فوق الأمة.

من الأمة إلى القبيلة: النكوص إلى الخلف أو إلى الأصل.

وقد بلغت غرائب النظام ومهازله السياسية درجة تفوق قدرة العقل على التصديق إذ تصل المفارقات إلى حدود هزلية وغرائبية تفوق حدود الخيال والمخيال في آن واحد.

ويتضح هذا الجنون في إعلام النظام وفي ممارساته في آن واحد. فمن يستمع إلى إعلام النظام يصاب بحالة من الذهول عندما يجد بأن هذا الإعلام بدأ حملة التمجيد بمجالس العشائر والقبائل الوطنية والطوائف والإثنيات والعرقيات ويأتي هذا بعد خمسين عاما من حكم البعث الذي رفع خلالها كل الشعارات الوطنية والعلمانية والتقدمية، بعد خمسين عاما من حكم البعث وجبهته الوطنية التقدمية نجد أنفسنا فجأة أمام شعارات تمجد العشيرة وترفع رموز الطائفة والقبيلة والإثنيات والعرقيات فأي منقلب حدث مع رجال السياسة والحكمة في هذا النظام الغرائبي، وعندما يسلح النظام تلك العشائر والقبائل ويمنح زعماءها الهبات والأعطيات ويغدق عليهم بالأراضي والأموال ويلبي جميع متطلباتهم الدونية حتى يضمن ولاءها ووقوفها إلى جانبه في مؤامرته المزعومة.

فبعد نصف قرن من الشعارات القومية التي تنادي بأمة عربية واحدة لا تغيب عنها الشمس يفاجئنا النظام بدعوته إلى الطائفة والقبيلة والعشيرة والإثنيات العرقية. لقد جاء زمن العجائب والغرائب عندما يقوم النظام برعاية مؤتمرات العشائر والقبائل في طرطوس ودمشق واللاذقية. جاء زمن العجائب والغرائب عندما روج النظام السياسي البعثي العتيد ويروج لرؤساء العشائر والقبائل والأفخاذ والبطون والعائلات. جاء زمن الغرائب والعجائب عندما يتشدق النظام الإعلامي للبعث بوطنية رؤساء العشائر والقبائل والعصابات من كل حدب وصوب.

بعد خمسين عاما من مزاعم رفض العشيرة والقبلية والطائفة تتكشف أوراق النظام اليوم الذي لم يكن في يوم من الأيام أكثر من شرذمة عشائرية طائفية تحكم الناس والعباد بالحديد والنار. لقد تكشفت حقيقة النظام وانكشفت أوراقه المريضة بأنه حكم لم يستطع يوما ولن يستطع أن يتجاوز حدود القبيلة والطائفة والعشيرة والعرق والعصبة والعائلة والفخوذ والبطون. إنه نظام طائفي عشائري قبلي مذهبي بامتياز وظف كل هذه التكوينات توظيفا حقيقيا في استمرار حكمه وبطشه وطغياته على مدى نصف قرن من الزمان.

لقد سقط القناع وظهر النظام على حقيقته المخيفة وأطل برأسه المذهبي الطائفي العشائري وسقطت ورقة التوت العلمانية والتقدمية والاشتراكية والقومية التي لطالما غطى بها عوراته المخيفة على مدى نصف قرن من الزمن. ومن يستمع اليوم إلى إعلام النظام يجد المهازل التي يجدر بالكتاب أن يوظفوها في المسرح وفي الأدب الساخر المضحك المبكي.

من الأمة إلى الأممية: الهروب إلى الأمام

لقد علمنا النظام في سوريا ولفق أكاذيبه بأنه حارس القومية وحارس البوابات وأنه يشكل جبهة الرفض والمقاومة عن الأمة والعروبة. علّمنا أن العرب تخاذلوا جميعا وأن الأسد يربض في مواجهة الصهيونية العالمية ويستعد لتحرير القدس من نير العبودية والقهر الصهيوني. وما زال يعلمنا أنه ما زال يشكل نظام الصمود والتصدي نيابة عن الأمة المتخاذلة في صراعها مع الصهيونية وإسرائيل، فيا للعجب! وهذا الأمر تعلمناه وصدقناه مرغمين مكرهين تحت ضغط الدعاية ووسائل الإعلام والطاقة الاستلابية للمنظمات والأحزاب والسياسات.

أما الصرعة الجديدة أو المهزلة الجديدة التي يريد النظام أن يعلمنا إياها ويعكف على تعليمها لنا بأنه اليوم ينوب عن العالم بأجمعه في إعادة التوازن إلى العالم برمته فيا للعجب!

فالنظام السوري يتشدق اليوم بأنه يعمل على تحقيق التوازن العالمي وهو ما لم تحققه أي دولة أخرى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، إنه يعيد الاعتبار لسياسية الأقطاب بعد أن حكم العالم بسياسة القطب الواحد. وعلى هذا النحو تفيد أسطورة النظام الجديدة بأن نظام الأسد يعيد لروسيا مكانتها الطبيعية في العالم ويؤكد مكانة الصين في المعمورة. وهذا يعني أن نظام الأسد يعيد لهاتين القوتين العظميين اعتبارهما ويضعهما في المسار الصحيح.

وهذا هو أحد أكبر انتصارات النظام في عصر لا يعرف إلا الهزائم وهو أنه أعاد للعالم توازنه وللدول الكبرى مكانتها الطبيعية بعد أن كانت قد خسرت حضورها الدولي. وهكذا يجب على روسيا والصين والعالم المظلوم برمته أن ينحني لنظام الأسد ويقدر له جهوده في إعادة الاعتبار والمكانة لروسيا والصين وللدول المقهورة.

نعم استطاع النظام أن يؤدي دوره التاريخي في تحقيق الوحدة الوطنية في سوريا!! أن يتصدى للصهيونية العالمية!! أن ينافح عن حقوق العرب ومكانتهم في التاريخ!! وهو فوق ذلك كله يحقق التوازن العالمي ويعيد للدول الكبرى دورها التاريخي ومكانتها الدولية المفقودة... لله درك يا نظام البعث!!

هيستيريا النظام والأسطورة اليونانية (بروكروست)

إنها أساطير النظام وأوهامه ومهازله!!! وكأني بالنظام ينسج صورة للكون على مخيال ما يرغب فيه وما أشبه حالة النظام في تفصيل الكون على قامته السياسية بأسطورة بروكروست اليونانية. وبروكروست، الملقّب أيضاً داماستيس وبوليبمون، قاطع طريق يوناني منقطع النظير. كان يعيش على الطريق الرابطة بين ميغارا وأثينا، مدّوخاً العالم. فلقد ابتدع طريقة شيطانية في قتل المسافرين الغرباء الذين يمرّون ببيته. كان له سريران، أحدهما قصير والثاني طويل. وكان يرغم كلّ من يمرّ به من المسافرين على أن يستلقي فوق أحدهما. فإذا كان قصير القامة أجبره على أن يستلقي فوق السرير الطويل حتى إذا بدا أقصر من السرير مطّه بوحشيّة لا مثيل لها وخلعه خلعاً كي تلامس قدماه حافتي السرير. وإذا كان طويل القامة أرغمه على أن يستلقي على السرير القصير. وبالمنشار ينشر رجليه بمقدار الزيادة. وحين التقى البطل الصنديد ثيسيوس بالشقي بروكروست نازله وهزمه وأهلكه بالطريقة التي كان يقتل بها المسافرين الغرباء منكوبي الحظّ.‏.

وهكذا هي حالة النظام في سوريا يفصل الأشياء ويرسمها على المقياس الذي يراه انتصارا له في كل الأحول، فكل ما يحدث يجب أن يفسر على منوال ما يرغب فيه وما يتمناها، فهو يرى في انشطار الوطن إلى طوائف وعشائر وعصابات وحدة وطنية، ويرى في مقاطعة الأمة له انتصارا قوميا، ولا يرى في تحول الوطن ساحة للصراع والأطماع إلا انتصارا عظيما يعيد فيه التوازنات الاستراتيجية للأمم. يرى في الحصار الاقتصادي انتصارا للاقتصاد السوري، فكل ما يدور حوله تتحول في تصوراته إلى أوهام انتصارات وأمجاد وقوة وعطاء.

ضلالات النظام وأكاذببه:

عندما تشاهد الخطاب الإعلامي للنظام وتسمعه تصيبك حالة من الذهول تولدها حالة من الأكاذيب الكبرى التي لا يصدقها عقل ولا يقبلها منطق. فالإعلام يصور لك أن الاقتصاد السوري هو أقوى الاقتصاديات في العالم حتى أن رئيس البنك المركزي ميالة يعلن بلا خجل على التلفزيون بأن احتياطي الذهب يزداد في سوريا وأن احتياطي العملة الصعبة لم يتأثر. والتلفزيون يقدم لك مشاهد بأن الحالة الأمنية على ما يرام: الأطفال يلعبون بالثلج والناس يتسوقون ويبتسمون والفرحة تعم الجميع في مختلف المدن والمحافظات. والرئيس يصدر التشريعات والمراسيم ذات البعد الثانوي ليثبت بأن سوريا خالية من كل ما يعكر صفو الرئيس، بل هو يزور المرضى ويتحدث عن الإدارة المحلية وصعوباتها. والإعلانات الرسمية عن الحاجة إلى موظفين ومعيدين.

ولكن لا حديث البتة عن المهجرين قسرا واللاجئين والمبعدين والقتلى والثكالى واليتامى وفطار الموت والقصف الأعمى للمدن والحارات الآمنة. لا قد بلغت السفاهة أن الإعلام يتحدث عن المغتصبات من السوريات اللاجئات بتهكم وسخرية وكأن يتشفون من هؤلاء اللاجئات اللواتي خسرن شرفهن وكرامتهن كما يروق للنظام أن يفعل. فأي نظام في العالم يفرح باغتصاب مواطناته بعد أن هجرهن أليس في هذا ابعد مهازل الكرامة والتاريخ والإنسان!!

وفي النهاية نقول: لا يستطيع النظام أن يعترف بأنه أكثر الأنظمة الدموية في تاريخ سفك الدماء! لا يستطيع النظام أن يصدق أن بأنه أكثر الأنظمة الديكتاتورية قتلا للأطفال! لا يريد أن يصدق بأنه قد قتل أكثر من عشرة آلاف مواطن سوري! لا يريد أن يصدق بأنه شرد أكثر من مليون مواطن في الداخل السوري!! لا يريد أن يصدق بأنه شرد أكثر من أربعين ألف مواطن على أطراف الحدود مع الدول المجاورة!! لا يريد أن يصدق بأنه دمر الاقتصاد في البلد والسياحة والزراعة وكل الثروات الوطنية!! لا يريد أن يصدق بأنه أصبح ساحة للصراع بين الدول الكبرى!! لا يريد أن يصدق بأنه أصبح ساحة للصراع الإقليمي في المنطقة!! لا يريد أن يصدق بأن المظاهرات لن تتوقف أبدا حتى النصر! لا يريد أن يصدق بأنه سيزول عاجلا أم آجلا وسيأتي اليوم الذي يردد فيه الثوار بكلمة كبيرة " هلق خلصت " أي عندما تعود السلطة إلى الشعب، ويسترد الإنسان السوري كرامته وعزته ومجده.

__________

أ.د. علي أسعد وطفة - جامعة الكويت

-**-**-**-**-**-**

بشار الأسد وشريكه فلاديمير بوتين .. نتالي نوغيرد

عن "لوموند" الفرنسية (13 نيسان 2012)

المستقبل

22-4-2012

عندما نتابع سلوك بشار الأسد في أحداث سوريا ونتذكر تاريخ النظام البوتيني في روسيا، لا يسعنا الا المقارنة بين الرجلين: فلاديمير بوتين مثل بشار، خاض حربا ضد شعبه في حملة عسكرية طويلة اتسمت بوحشية خارقة واستثنائية، وذلك على خلفية عجز الاسرة الدولية، لا بل سلبيتها.

مثل بشار الاسد ايضا، اطلق بوتين نيران المدفعيات على البلدات من دون تمييز، دمر احياء بأكملها، قتل النساء والاطفال من دون رفة جفن، ارسل آلاف الاشخاص الى غرف التعذيب، حيث كانت تمارس اشكال العنف الموروثة عن الغولاغ الستاليني. والهدف كله كان: ان لا يخرج انسان حيّا من هذه الغرف الا ويكون قد سحق نهائيا، فلا يعود يفكر لحظة واحدة بامكانية ان يكون حرا.

هل فكر فلاديمير بوتين بغروزني (عاصمة الشيشان) عندما نظر الى صور مدينة حمص بعدما حل عليها الخراب؟ يبدو ان مجرمي الجملة يحبون ان يتأملوا نتائج سوء سلوكهم. الرئيس الروسي حلّق يوما فوق العاصمة الشيشانية بالهليكوبتر، واستغرب وقتها حجم الدمار الذي تسبّب به. بشار الاسد بدوره حرص على نقل زيارته الى شوارع مدينة الثورة، حمص، عبر التلفزيون، بعدما سحقتها دباباته. وفي هذه التغطية التي نقلها التلفزيون نراه يبتسم.

بشار وفلاديمير... فلنتابع المقارنة: وصل الاثنان الى السلطة في التاريخ نفسه، قبلها لم يكونا يفكران بأنهما سيصعدان الى هذه القمة. بشار كان يدرس طب العيون في لندن عندما قتل شقيقه بحادث سيارة، فأصبح بذلك الوريث السياسي البديل، وخلف والده عام 2000. اما فلايمير فلاديموروفتش، فلم يكد يصدق انه عُيّن رئيسا لجهاز المخابرات الروسية حتى "استخدمته" القبائل المحيطة ببوريس يلتسن عام 1999 مطية لاستكمال انقلاب قصر في موسكو على خلفية هجوم عسكري على الشيشان.

ثم مرت السنوات. بشار وفلاديمير حافظا اثناءها على الحلف القديم القائم بين بلديهما منذ العهد الذي كانت مخابرات اندروبوف ترعى العلاقات مع الانظمة العربية القومية.

اما اليوم فان بشار، الذي يشعر بانه محصّن ضد اي ضغط خارجي جدي، بسبب الحماية التي تؤمنها له روسيا، يدفع بالشرق الاوسط نحو سيناريو حرب شاملة. العنف بدأ يفيض عن سوريا وينال من حدود لبنان وتركيا.

روسيا تعتمد على الورقة السورية في محاولة للعودة الاستراتيجية الى الشرق الاوسط، على خلفية مواجهة بين ايران والغرب. فوق هذه الرقعة تلعب موسكو على عدة احجار: الخلاف حول النووي الايراني، الدرع المضاد للصواريخ الذي بحوزة "الناتو"، الطريق الذي تسلكه انابيب الغاز والنفط نحو اوروبا... بمساندتها نظام الاسد الحليف لإيران، تحول موسكو دون اضعاف الجمهورية الاسلامية الايرانية، وهي الجمهورية التي تقاسمها الرغبة بطرد الاميركيين من الجوار الجغرافي. مع سوريا، تعتقد روسيا بأنها تأخذ بثأرها من "الغيظ" الذي اصابها بعد سقوط القذافي. تحسب ان بقاء النظام في سوريا وايران يخدم مصالحها.

الوصفة الروسية هي وصفة مُشعل الحرائق ورجل الاطفاء: تؤجّج نيران الازمة قبل ان تقدم نفسها صاحبة المشروع بحلّها. الفيتوات الروسية كان لها مفعول الحماية القصوى لبشار الاسد. كان كلما يحصل على فيتو، يطلق العنان لجهازه القمعي. بعد كل فيتو كان يجرّ معارضيه نحو العسكرة والتطرف.

انه منطق مجرَّب، متعوب عليه: المعارضون السوريون بوصفهم "ارهابيين"، يجوز قتلهم بوحشية بالسلاح الثقيل. السلطات البوتينية عالجت موضوعها بنفس الطريقة، عندما ارتكبت المجازر بحق شعب الشيشان. موسكو ودمشق خاضا سياسة الاسوأ، القائمة على تغذية التطرف عبر عنف الدولة.

تستطيع موسكو ان تكرر الى ما لا نهاية امام المسوؤلين الغربيين ان همّها الوحيد هو حماية نفسها من الجهادية السنية البازغة في سوريا، والمدعومة من دول الخليج السنية؛ الا ان الخبراء يعرفون بأن نهج موسكو العسكري القصير النظر في القوقاز هو الذي اوجد الاسلامية المتطرفة المسلحة.

الأسد مثل بوتين جاءته فكرة تنظيم ما يشبه "الاستفتاء" (الذي ستليه "الانتخابات") تحت وابل القذائف والرصاص، وذلك فقط بغرض تصدير صورة "طبيعية" عن بلاده. الغربيون، بعدما صدقوا الانتخابات المزيفة التي نظمها بوتين في الشيشان، وحيوها، بدوا اقل تصديقا لمناورات الاسد.

الجيش الروسي نذر نفسه لحماية المستبد السوري. عندما بدأ يتبلور نقاش في نهاية 2011 بين دول الغرب وتركيا حول اقامة ممرات آمنة تحمي المنشقين عن الجيش السوري، قدِمت البحرية الروسية الى شواطئ سوريا في طرطوس. واكدت، بشيء من الصخب، على استمرار ارسالها السلاح الى دمشق، بما فيه الصواريخ الخارقة لجدار الصوت والطائرات المقاتلة. في اواسط شهر آذار الماضي، كانت وكالة ريا-نوفوستي" تؤكد بأن سفينة روسية راسية في طرطوس تنقل مجموعات "معادية للارهاب"... كان يُفترض بها مقاتلة القراصنة في خليج عدن...

مشروع كوفي عنان يناسب موسكو تماما. اذ حُذف منه البند الذي يتضمن سيناريو مرحلة سياسية انتقالية في سوريا. بات شعور الديكتاتور السوري بأن اي عقاب لن يطاله، وهذا يعززه تدفق السلاح والمال الروسيَين. وبذلك، فان موسكو تنسف كل العقوبات الاوروبية المفروضة على دمشق، والهادفة الى قطع الموارد عن آلة القتل السورية (...).

-**-**-**-**-**-*-*

ما أشبه الليلة السورية بالبارحة الصربية .. عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

22-4-2012

 بتنحية بعض الجوانب الهامشية من المشهدين المتماثلين إلى درجة كبيرة، ووضع عوامل اختلاف المكان والزمان جانباً، لغايات تأطير الصورتين في برواز واحد، بين ما جرت عليه الأزمة الصربية بنسختيها في كل من البوسنة وكوسوفا طوال عقد التسعينيات، وبين ما تجري عليه فصول الأزمة السورية المتفاقمة، فإنه يمكن القول بتحفظ ضئيل: ما أشبه الليلة السورية بالبارحة الصربية.

 في الإطار التاريخي العام، ما كان للقوميات في الاتحاد اليوغسلافي أن تشرئب بأعناقها ولا للتطلعات العرقية أن تلقي مناخاتها المواتية، إلا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط حائط برلين، وبدء موجة كاسحة من التحولات في عموم أوروبا الشرقية، تماما على نحو ما انفجرت عليه الاحتقانات السورية المتراكمة، وعلت في إثره الأصوات المنادية بالحرية والكرامة، وصولاً إلى مطلب إسقاط النظام البوليسي، وذلك كله بعد اندلاع الربيع العربي.

 وفي الحالتين أيضاً، بدت يوغسلافيا في حينه كحالة استثنائية وحيدة على القاعدة الأوروبية في عصر ما بعد انتهاء الحرب الباردة، تنتمي إلى عالم انهار عمود الوسط في خيمته الواسعة، غير أن القومية الصربية المهيمنة راحت رغم ذلك تحاول التشبث بماضٍ مضى إلى غير رجعة، تقارف أبشع الجرائم بحق قوميات أخذت تشق عصا الطاعة، فيما بدا النظام السوري الموصوم بشبهة طائفية، يتنقب لاحقاً الدروب الصربية ذاتها، بطشاً وترويعاً لأكثرية سكانية عبرت حاجز الخوف، وتماهت مع الحالة العربية الجديدة.

 وكما وقفت روسيا قبل نحو عقدين إلى جانب صربيا داخل مجلس الأمن وخارجه، متجاهلة سلسلة متواصلة من المذابح الشنيعة والجرائم بحق شعوب تطالب بالاستقلال والحرية، عادت الدولة الكبيرة ذاتها إلى الموقف نفسه تنافح عن نظام أقلية مذهبية متحكمة بمفاتيح سلطة غاشمة وفاسدة، دون أدنى التفاتة إلى مطالب السوريين العادلة في التغيير، ولا إلى معاناتهم الرهيبة، حيث مضت إلى ما هو أبعد من تقديم الغطاء السياسي والدرع الدبلوماسي للنظام المتوحش، بتأمين الإمدادات العسكرية والخدمات اللوجستية.

 بالعودة إلى الصورتين، يمكن لكل ذي عين، أن يمر بناظريه على مشاهد تكاد تكون طبق الأصل، من تهجير وتطهير ونهب واغتصاب وحرق منازل، وتغييب قسري، ومسالخ بشرية، ومدافع تدك الأحياء وأرض محروقة، ومليشيات فاجرة لا كابح لها، وأجهزة أمنية فظة، وفوق ذلك كله طغمة عسكرية أمنية تلطخت أيديها بدماء بريئة، الأمر الذي بدا معه حي بابا عمرو الحمصي وكأنه ينسخ سيربنتشا البوسنية، ومدينة إدلب الشمالية تحاكي برشتينا الكوسوفية.

 وعلى نحو ما انتهت إليه الأزمة الصربية من معالجات جراحية قاسية خارج مجلس الأمن الدولي، يبدو أن بشار الأسد يحث خطاه على طريق سلوبودان ميلوسفيتش ذاتها، لمواجهة المصير البائس نفسه في يوم قد لا يكون بعيداً، عندما يفقد العالم صبره، وتنضج ثمرة التدخل الخارجي التي ما تزال فجة، ويغسل كوفي أنان يديه معلناً عجز بعثته عن وقف حمام الدم.

 بكلام آخر، فإن المنطق الداخلي المغلق على ذاته للأزمة الصربية، أرسى حجارة الأساس لبنية تدخل دولي كانت مداميكه ترتفع مع مرور الوقت، وأملى في نهاية المطاف نفسه على أوروبا التي غضت البصر كثيرا، فتقدمت خلف الولايات المتحدة بعد تردد قصير، وشنت مع القطب الأوحد حربا من الجو، أفضت إلى تفكيك ما تبقى من الاتحاد اليوغسلافي، وجر قادته إلى محكمة لاهاي، وهو مسار نحسب سورية أخذت بمنطق أزمتها المغلق تدور، في المدار الصربي ذاته.

-**-**-**-**-**-**-*

بين نجاح مهمة عنان أو فشلها .. نصر حمدون

لأنه نظام مخادع , ولأنه نظام مُضلِّل , ولأنه نظام فاقدٌ للمصداقية قائم على النفاق فعلى هيئة المراقبين الدوليين أن تكون ذات حرفية عالية في عملها في التعامل مع هذا النظام الديكتاتوري المتلاعب؛وحتى نفوِّت على النظام الموسوم بالإجرام أكاذيبه , وحتى يظهر للعالم إجرامه ؛ فإن نجاح مهمة عنان أو فشلها – إن افترضنا صدق نواياها – منوطة بالأخذ بالأمور التالية حتى تحقق أهدافها التي زعمت أنها جاءت لأجلها :

أولا : على لجنة المراقبين الدوليين ألا يتواصلوا مع الجهات الرسمية وخاصة المخابراتية منها ؛ لأنها ستكون أداة تضليل وحجب للحقائق .

ثانيا : على لجنة المراقبين الدوليين أن يحددوا بأنفسهم – وليس بمعرفة أو مشورة النظام- أوقات تحركهم , وأن لا تعلم الجهات الرسمية بذلك –قدر الإمكان – حتى لايتخذ النظام المجرم احتياطاته ؛ فتتم تعمية الحقائق على الأرض .

ثالثا: على لجنة المراقبين الدوليين أن توثق الجرائم التي ارتكبها النظام السوري بحق الشعب السوري باحترافية ومهارة عالية بالصوت والصورة ,والوثائق المكتوبة من المنكوبين مع المقابلات الشخصية معهم لتثبيت ذلك .

رابعا : أن يحذر المراقبون من توجيه السلطة لهم إلى مناطق وأحياء لا تحمل نفس الاسم حسب رغباتهم المُضللة ؛ لأنهم سيأخذونهم إلى مناطق وأحياء موالية للنظام ذات صبغة خاصة ؛ بتغيير أسماء الأحياء , كما فعلوا واستغفلوا من قبل لجنة المراقبين

 العرب فضلوا وأضلوا , إذ أُخذوا إلى حي النزهة الموالي في حمص على أنه حي باب السباع وهكذا.......الخ, فجاءت الصورة مشوهة للحقائق , خادمة للنظام المجرم .

خامسا : أن يكون هناك ثبات وتموضع وبقاء للمراقبين في الأماكن والبلدات الثائرة الساخنة كحمص وحماة وإدلب ودرعا وريف دمشق وحلب ودير الزور إن كانوا قد جاؤوا حقيقة لنصرة الشعب السوري ورصد الحقائق على الأرض .

سادسا : أن يكون الطيران التابع للأمم المتحدة هو الوسيلة المعتمدة الأولى للقيام بالمهام على الأرض , وإحدى الأدوات الأهم لإنجاز مهامهم ؛ لأنها تساعد على الإنجاز الأسرع وتقديم التقارير المتلاحقة للأمم المتحدة ورصد ما يجري على أرض سورية الحبيبة من إجرام على يد هذا النظام السفاح , ولعل هذه النقطة من أهم النقاط التي ينبغي العمل عليها؛ لأن هذه النقطة تساعد على سرعة إنجاز المهمة , وخاصة أن عدد المراقبين وإن ارتقى إلى ( 300) مراقب فلن يكفي ما لم يُستعمل الطيران , علما أن عدد مَنْ أرسلوا إلى البوسنة من مراقبين دوليين - حين اقتربوا من الانتصار على الصرب- هو ( 5000) مراقب , علما أن البوسنة لا تشكل مساحة ولا سكانا أكثر من ربع مساحة سورية وعدد سكانها , معنى ذلك أن سورية تحتاج على النسبة إلى (20000) مراقب تقريبا .

سابعا : أن ينفرد المراقبون الدوليون لإنجاز مهمتهم على أكمل وجه في كل خدماتهم اللوجستية عن السلطات السورية مهما صغرت , لأنه نظام كاذب مراوغ .

ونقول أخيرا : إن لم تتحقق هذه الشروط فهذا يعني أن مهمة المراقبين ستبوء بالفشل وأن مهمتهم ما جاءت إلا من باب ذر الرماد في العيون ,وأنها مؤامرة تأتي ضمن سلسلة المهل التي دفع فيها الشعب السوري آلاف الشهداء والعذابات والآلام والتنكيل وأنها ستضاف في رصيد الشعب السوري إلى المهل الفاشلة السابقة في سبيل القضاء على هذه الثورة المباركة العظيمة , علما أننا مستيقنون بأن الغرب لديه من التكنولوجيا المتطورة ما يستطيع به أن يرصد كل شيء على الأرض من خلال الفضاء والأقمار الصناعية المتطورة,ونختم بمثلنا السوري المعروف : الحق الكذاب لورا الباب .

-**-**-**-**-**-**-**-*-*

وسمة الإدانة نازحون سوريون يوثقون وحشية نظام الأسد بأعضائهم الممزقة ... "الشبيحة" لا يعرفون المظاهرات السلمية ويحبون سفك الدماء  .. عمّان: عبدالقادر عياد، علوان السهيمي

 2012-04-23

الوطن السعودية

للذاكرة سلطة مرعبة. وهذا، ربما، ما يعمل عليه النظام السوري؛ أن يخلّف شعبا ذا ذاكرة مليئة بالخدوش. فلم يكن يتوانى عن قتل الناس، أو تركهم يواجهون الحياة بأعضاء ناقصة، مثل أن يقطعوا يد شاب، أو ساقه، ليتركوه على قارعة الذكرى إنسانا مشوّها حتى من ذكريات جميلة تجاه هذه الثورة، وهو الأمر الذي بات وثيقة إثبات لجرائم النظام الأسدي.

بكاء ساق يتيمة

يحكي خالد سليمان العزاوي وهو أحد الثوار من مدينة دير الزور شرق سورية، قصته في المعتقل ويقول: "خرجت في مظاهرة في مدينة دير الزور، وكانت مظاهرتنا سلمية، لكن النظام لم يعترف يوما بالمظاهرات السلمية، فسجلوا اسمي في سجلاتهم، وبقوا لأكثر من شهر ونصف الشهر يتربصون بي في الطرقات وعند معارفي، لكنهم لم يستطيعوا إلقاء القبض علي". ويضيف وهو يمسك ببقايا رجله المقصوصة من المنتصف: "بعد شهر تقريبا، كنت عائداً إلى منزلي راكباً دراجتي النارية، وحين هممت بالدخول إلى المنزل تفاجأت بعدد كبير من عناصر الأمن ينهالون علي ضرباً وركلاً، ففقدت الوعي، ولم أصحُ إلا وأنا بين 4 جدران، وتأكدت حينها بأنني في المعتقل".

كنا نسمع حديث هذا الرجل الذي لم يغفر له كبر سنه، وهو يتألم من فقد ساقه اليسرى، وكان يقول: "لم يقدروا حتى كبر سني، فبقيت في المعتقل 11 يوماً فقط، وخرجت من المعتقل بعد أن بتروا ساقي اليسرى من عند الركبة، وهي كما ترون الآن".

يردف بمرارة: "ساقي الآن لا تهمني إطلاقا، ما يهمني أن يسقط الطاغية، عندها سأعرف كيف انتصر لنفسي من ذلك الضابط الذي أمر ببتر ساقي، وأنا أعرف اسمه جيداً، ولن أنساه أبداً، وستكون إصابتي دليل إثبات جريمته".

كان في تلك الشقة التي دلفنا إليها، عدد كبير من المصابين والمشوهين، وكان العزاوي أول هؤلاء المصابين الذين يسيرون في الطرقات بأعضاء ناقصة، لنسمع بعده حديث زاهر الحريري الذي كان مبتسماً على رغم فقدانه كفه اليمنى.

الحياة بكف واحدة

كانت حكاية زاهر الحريري لا تقل عن الحكايات الأخرى بشاعة، لكنها تكشف جانباً آخر من منظومة النظام السوري. ويقول: "لم أشارك في الثورة بشكل فعلي كفرد من أفراد الجيش الحر، إنما كنت مع مجموعة من الشباب نساعد الجيش الحر في داعل (شمال سورية) أثناء موقعة تبادلوا فيها النار مع شبيحة النظام، كنا نقف خلف أفراد الجيش الحر، ونمدهم بالماء، والأكل، ونساعد في سحب الجرحى منهم، لأننا لم نكن نملك سلاحا للمشاركة، وفي لحظة من اللحظات أصيب أحد أفراد الجيش الحر فتقدمت لسحبه إلى خارج المواجهة لإسعافه، وأثناء تقدمي لم أنتبه لأحد الشبيحة الذي كان متمركزاً فوق أحد البنايات الحكومية، فأطلق علي النار بشكل مخيف، وأثناء ذلك اخترقت رصاصة كفي اليمنى، وقطعت أوتار أصابعي".

وتابع: "حملني أحد أفراد المجموعة بعد ذلك، وسحبني للمستشفى الميداني في داعل، وقام الطبيب بإسعافي بطريقة بدائية، لكنه أخبرني بأنه ينبغي علي الذهاب إلى دمشق لمعالجة يدي بطريقة أفضل مما يقدمه المستشفى الميداني، ويمكن لو تأخرت أن تصاب يدي بالغرغرينا، وطمأنني بأن إصابتي ليست كبيرة، فبمجرد إجراء إعادة لربط أوتار يدي يمكن أن تعود يدي سليمة". ويضيف "اضطررت أن أذهب إلى دمشق لعلاج يدي، وقمت باستخدام بطاقة أخي الشخصية لأنني كنت مطلوباً للنظام، وحينما دخلت إلى المستشفى، سألوني عن سبب إصابتي فكذبت عليهم بأن سببها كان نتيجة سقوط آلة نستخدمها في الحصاد، وأعتقد أنهم لم يصدقوا ذلك، بقيت لأقل من 24 ساعة في المستشفى، حيث أدخلوني إلى غرفة العمليات يريدون معالجة أوتار يدي، لكنني حينما خرجت من غرفة العمليات، وصحوت من المخدر أكتشفت بأنهم بتروا كفي اليمنى كاملة عقابا لي على كذبي".

أحشاء على الأرض

بعد ذلك تحدث لنا ماجد الشيخ عن حكايته، لكن ما أرعبنا حقا هو حينما قام هذا الرجل بالكشف عن بطنه، كان مشهد بطنه مروّعاً. بدأ يسرد ما حصل له قائلا: "أنا من محافظة صغيرة تدعى كناكر، وهي بالمناسبة المحافظة التي خرج منها رئيس الوزراء السوري حاليا". ويردف "كنا نخرج في مظاهرات سلمية كل يوم جمعة، لم نرفع يوما السلاح في وجه النظام أبدا، إنما كنا نخرج في المظاهرات ونردد الهتافات فقط، لكن هذا النظام لا يعرف المظاهرات السلمية، فهو نظام يحب سفك الدماء فقط". ويكمل الشيخ حديثه: "ذات يوم داهم الشبيحة حيّنا، فأخذوا بقصف الحي بطريقة عشوائية، فكل ما كان يتحرك في حينا أطلقوا عليه النار، حتى الحجارة أطلقوا عليها النار، وهدّموا البيوت، وروّعوا الناس، قبل أن يبتدئ القصف كنا نسير في مظاهرة، وعندما سمعنا صوت إطلاق النار تفرقنا جميعا، ولكن لسوء حظي أصابتني عدة طلقات في بطني، هتّكت أحشائي الداخلية جميعها، فسقطت على الأرض، وبدأت أرى أحشائي وهي تنساب على الأرض".

كان شيئا مرعبا حقا، ومنظر بطنه مؤلم بشكل لا يصدق، فأخذ يكمل الحديث بقوله: "أجريت لي إلى الآن ما يقارب 13 عملية جراحية لإعادة ترميم أحشائي المتهتكة، وبقي لي عدة عمليات يريدون من خلالها زرع شبكات داخل بطني لتحتوي أحشائي الداخلية التي لم يعد لها شيء يحتويها".

الإيمان.. رغم نقصان الأعضاء

انتقلنا بعد ذلك إلى أحد الأحياء في مدينة عمان بعد إجراء عدة اتصالات، بالكاد وصلنا إلى منزل الثائر أبو عمر الميداني، دخلنا إلى البيت فوجدنا أمامنا شاباً في العقد الثالث من العمر فقد كفّه اليسرى، وأصبعين من أصابع يده اليمنى، استقبلنا بحفاوة، وأخذ يحدثنا عن حكايته، قال إنه من منطقة ريف دمشق، وشارك كثيراً في الثورة مع والدته التي كانت تقدّم المساعدات للثوار. وتحدث أبو عمر عن الهجوم الذي فقد فيه أعضاءه قائلا: "ذات يوم قام الشبيحة بمداهمة حيّنا، واشتبكنا معهم في مبادلة لإطلاق النار، وأثناء ذلك الاشتباك أصابتني رصاصة في يدي اليسرى، إضافة إلى رصاصة طيّرت أصابع يدي اليمنى، لكن الحمد لله على كل حال". وأثناء مقابلتنا له بدأ يواصل الحديث عبر برنامج (سكايبي) مع زملائه الثوار، رغم فقدانه يده، كان يساهم معهم في إمدادهم ببعض المعلومات التي يحتاجونها، أو بالمال الذي يستطيع توفيره.

الطعام مقابل السلاح

أثناء حديثنا مع "أبو عمر الميداني" عن تجربته، انبرت لنا أمه بالحديث، كانت متحمسة جداً للثورة رغم ما حصل لابنها، وكان تتحدث بإيمان لا مثيل له، أخبرتنا عن حكاياتها قبل أن تخرج من دمشق مجبرة لمرافقة ابنها: كيف كانت تمد الثوار بالطعام والشراب، وكانت توفر للأسر المنكوبة في الثورة المأكل والمشرب، وكيف حاولوا اعتقالها أكثر من مرة لكنها استطاعت الهرب. وتضيف "كل ما أريده الآن أن يتم توفير بعض الحاجيات البسيطة من أدوات لإعداد الطعام، وسأقوم بصنع بعض المأكولات وبيعها على الناس هنا لأوفر أي مبلغ يمكنني أن أرسله للثوار في دمشق ليقوموا بشراء السلاح، ولن أتوقف عن هذا العمل حتى يخرج الأسد وشبيحته من سورية".

عوير: النظام يقتل بيد ويوقع الاتفاقات بأخرى

"الوطن" التقت الناشط السوري يسار عوير، أول مصابي الثورة السورية في مدينة درعا، والذي ما زال يعالج من إصابته.

عوير تعهد خلال حديثه بمواصلة فضح ممارسات النظام السوري، وكذلك النظام الإيراني الذي يقف خلفه ويمده بالسلاح والرجال، وقال عوير: "كل هذه الإصابات والأطراف والأجساد الممزقة شاهد إثبات وإدانة ضد وحشية وجرائم النظام السوري الذي لم يتوقف حتى اللحظة عن منهجه في القتل وسفك الدماء البريئة، برغم كذبه المتواصل وادعائه الالتزام بالاتفاقات وآخرها اتفاق عنان، فهو نظام يوقع الاتفاقات بيد ويقتل بالأخرى".

كان الناشط عوير يحمل بيده مقذوفا من مصنع في إيران، وهو الذي أخرجه الأطباء من قدمه أثناء العملية، حيث ذكر بأن هذا المقذوف من المصانع الحربية الإيرانية التي تواصل دعم النظام السوري في حربه على شعبه.

وختم عوير حديثه ل "الوطن" بأن الأردن تشهد نزوح مئات العائلات السورية كل ليلة، ومعظم النازحين لا يجدون أماكن للإقامة فيضطرون إلى استئجار شقق سكنية بمبالغ باهظة، والمساعدات التي توفر لهم أقل من احتياجاتهم بكثير، مؤكداً أن حكومة وشعب الأردن يقدمون ما باستطاعتهم من مساعدات ووقفوا موقفا إنسانيا مشرفا من النازحين السوريين، إلا أن الأمور تزداد سوءاً بسبب تزايد النزوح ونقص الإمكانات.

"الوطن" تكرم الزميل عمر الزبيدي نظير تغطيته الأحداث من الداخل السوري

الرياض: الوطن

كرمت صحيفة "الوطن" أمس، بحضور رئيس التحرير طلال آل الشيخ، المحرر السياسي بمركز الرياض الإقليمي عمر الزبيدي، نظير تميزه بتغطية الأحداث في الداخل السوري والتي نشرتها الصحيفة على مدار الأيام الماضية على شكل حلقات، حيث قامت بتسليمه شهادة شكر وتقدير على جهوده، إضافة إلى صرف مكافأة مالية.

وعبر الزميل الزبيدي عن بالغ سعادته بهذا التكريم، مفيداً أنه يحمله مسؤولية مضاعفة من أجل خدمة الحرف والقارئ في آن، مضيفا أن خطوته في دخول سورية التي تواجه وضعا أمنيا حرجا، تأتي انطلاقا من حرصه على توثيق الأحداث على أرض الواقع هناك على ذات النمط المهني الذي يمتاز به الخط العام لصحيفة "الوطن" بكل حيادية ودون انحياز.

وأكد رئيس التحرير أن خطوة "الوطن" في تكريم الزميل الزبيدي تأتي في إطار حرص سمو رئيس مجلس إدارة مؤسسة عسير للصحافة والنشر، الأمير بندر بن خالد، ومتابعة واهتمام مديرها العام حاتم مؤمنة، في تكريم كل الأعمال المميزة، مشيدا بالدور الذي أداه بقية الزملاء الذين كانت لهم أعمال مشابهة في مناطق تقع تحت طائلة الخطر؛ ومنهم: عبدالقادر عياد، علوان السهيمي، صالح صوان، عبدالله النهدي، والزميلة فاطمة حوحو من لبنان.

-**-**-**-**-**-*-*

القرار 2043.. مهلة إضافية للقتل  .. الوطن السعودية

23-4-2012

منذ انطلاقة الثورة السورية، قبل سنة وما يقرب من الشهرين، كان هناك شعور لدى المراقبين أن النظام يستطيع المناورة وإطالة أمد الأزمة، وأن سقوطه ليس بسهولة ما تصوره الشعب المتعطش للحرية والديموقراطية وتناوب السلطة.

فالنظام يملك وسائل كثيرة في الداخل: الجيش والأمن والإدارة ومفاصل السلطة، وفي الخارج محصن بتحالفاته مع روسيا والصين وإيران والعراق وحزب الله اللبناني الممسك بتفاصيل السياسة الخارجية اللبنانية بعد أن أقصى بقوة السلاح الأكثرية البرلمانية وحل محلها.

إذاً، كان النظام يدرك أن قرارا من مجلس الأمن لن يصدر بإدانته والمطالبة برحيله، وبرز ذلك جليا في الفيتو الروسي الصيني المشترك، وأن الجامعة العربية أضعف من أن تجرد جيوشا لإسقاطه بالرغم من سقوطه داخل مؤسساتها.

بقي الاعتماد على دخول الناتو في حرب شبيهة بما جرى في ليبيا المتنفس الأخير للثورة السورية، ولكن هذا الأمل سقط بفضل الفيتو الأميركي غير المعلن، والذي يرجعه البعض إلى الحملة الانتخابية الرئاسية التي يخوضها الرئيس باراك أوباما، ولكن الحقيقة تعود إلى مفصل أساسي، أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إسقاط النظام السوري الذي بقيت جبهته هادئة على جبهة الجولان لأكثر من أربعين عاما، وهو الأمر الذي يهم واشنطن وإسرائيل في آن معا.

كان القرار 2043 الذي اتخذه مجلس الأمن مساء أول من أمس، واضحا في هذا المجال. فهو وإن أقر إرسال 300 مراقب دولي إلى سورية، فهو بالتالي أعطى النظام فترة إضافية للقتل لمدة 90 يوميا، مما يعيد طرح السؤال الأساسي: هل حقا أن الولايات المتحدة والغرب والناتو يسعون إلى إسقاط النظام السوري؟

ليس كل ما يعلن في السياسات الدولية صحيحا، فمصالح الدول تبقى فوق كل اعتبار، والضحايا الذين يسقطون في شوارع حمص وحماة وإدلب ودرعا، لا يبكيهم إلا أهلهم.

-**-**-**-**-**-*-*

مهمة عنان فشلت قبل أن تبدأ .. بقلم : سمير عواد

الراية

23-4-2012

 (مراسل الراية في برلين)

بذلت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية قصارى جهدها في مؤتمر أصدقاء سوريا الأخير في العاصمة الفرنسية، لتقنع العالم أن المجتمع الدولي موحد في مسعاه لتصعيد الضغط على نظام بشار الأسد كي يوقف حمام الدم ضد الشعب السوري.

 وقالت: يجب أن نعمل بحدة أكثر ضد نظام الأسد. إما تلتزم دمشق بقرار وقف إطلاق النار وتتعاون مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة كوفي عنان وتقبل تنفيذ النقاط الست التي وردت في خطته، أو أن واشنطن سوف تطلب من مجلس الأمن الدولي القيام بخطوات جديدة ضد نظام الأسد. ثم تذكرت كلينتون وجود استمرار التأييد الروسي والصيني لنظام الأسد الذي يتم على حساب دماء الشعب السوري وقالت: واضح بالنسبة إلي أن هذا مشروع فرض عقوبات مهدد بالفشل إذا تم استخدام الفيتو.

وهكذا يدور النقاش منذ أشهر حول احتمال تدخل عسكري دولي في سوريا داخل حلقة مفرغة. قبل ثمانية أشهر وتحديدا في أغسطس 2011 طلب الرئيس الأمريكي باراك أوباما من بشار الأسد التنحي عن منصبه وبذلك أثار عند الأمريكيين والأوروبيين والعرب احتمال مواصلة العمل في إضعاف الأسد، لكن لم يحصل شيء منذ ذلك الوقت.

صحيح أن العقوبات الغربية والعربية أضعفت الاقتصاد السوري كثيرا، واليوم تساوي قيمة الليرة السورية نصف قيمتها قبل الأزمة، وحسب أقوال بعض الدبلوماسيين الأجانب بدأت دمشق تبيع احتياطها من الذهب، لكن بعض المراقبين يعتقدون أن الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة وأوروبا من طرف واحد فإنها تحقق النجاح على مدى قصير فقط.

ليس سرا أن مفتاح الحل بيد روسيا والصين، هذا التحالف الذي يقف في مواجهة التحالف الغربي في مجلس الأمن الدولي ويعطل كل محاولة للضغط على الأسد. وهكذا باتت الأزمة السورية أزمة دولية تتشابك فيها المصالح ويستفيد الأسد من هذا الوضع طالما ليس هناك وفاق بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي على ما يحدث في سوريا. فيما يعرف الشعب السوري اليوم أن روسيا والصين تقفان ضد مصالحه، فإن الغرب لا يظهر منه أكثر من قرارات سياسية رمزية لا تخدش نظام الأسد.

يوم الجمعة الماضي قتل جيش الأسد عشرات المواطنين السوريين في عدد من المدن المنتفضة ضد نظامه. واتهم التلفزيون السوري الرسمي الثوار بخرق قرار وقف إطلاق النار وقال إن عشرة من أفراد الجيش النظامي لقوا حتفهم في هجوم للثوار على باص بالشطر الجنوبي الغربي من البلاد.

في ضوء العنف المتواصل في سوريا وسقوط أكثر من عشرة آلاف قتيل غالبيتهم من المدنيين منذ بدء الانتفاضة الشعبية في مارس 2011، لا أحد يتوقع نجاح مهمة المراقبين الدوليين لسبب وجيه وهو أن بشار الأسد نفسه لا يأخذها على محمل الجد وحاول أن يملي على عنان عدد أفرادها وحصر تحركاتهم ويعتقد المراقبون أنه 300 مراقب عدد غير كاف على ضوء العنف المنتشر في مختلف المناطق السورية ولا يتفق أيضا مع المساحة الواسعة لسوريا التي يعيش فيها 23 مليون نسمة.

 ولمجرد المقارنة في مدينة الخليل الفلسطينية يعيش فيها 180 ألف نسمة يعمل فيها 180 من المراقبين الدوليين لحماية سكانها الفلسطينيين من الاعتداءات الدائمة التي يقوم بها المستوطنون الصهاينة. وإذا أراد عنان إرسال مراقبين استنادا إلى عدد السكان يتعين على الأمم المتحدة إرسال 23 ألف مراقب وليس 300.

وقبل وصول العدد الكامل للمراقبين الدوليين إلى سوريا رمى نظام الأسد حجر عثرة جديد عندما قال وزير الخارجية وليد المعلم إن المراقبين يجب أن ينتموا إلى بلدان"محايدة" وهو يريدهم من البرازيل وروسيا والصين والهند. كثير من العرب والمعارضين السوريين بالذات يقولون إن مهمة المراقبين الدوليين تشبه إلى حد كبير المهمة الفاشلة للمراقبين العرب.

نفس المصير قد تتعرض له مهمة مراقبي الأمم المتحدة. أول اتفاق تم التوقيع عليه في دمشق بين النظام وممثلين عن الأمم المتحدة يوم الخميس الماضي يمنح النظام إمكانية إنهاء مهمة المراقبين الدوليين إذا شعر أن المهمة تمس سيادته الوطنية،وهو ما يستطيع زعمه في أي وقت إذا أحس أن مهمة عنان تحاول فضح جرائمه ضد شعبه. كذلك فإن النظام لا يضمن أمن المراقبين الدوليين.

هذا الحصر لتحركات المراقبين الدوليين يذكّر المراقبين بمهمة الأمم المتحدة قبل عشرين سنة في البوسنة والهرسك. في ذلك الوقت أرسلت الأمم المتحدة قوات القبعات الزرقاء ومن مهامها كان مراقبة وقف إطلاق النار بين أطراف الحرب التي أشعلها صرب البوسنة، وكذلك تأمين إرساليات المساعدة الإنسانية لمسلمي البوسنة المحاصرين في مناطقهم.

ورغم زيادة عدد أفراد القبعات الزرقاء فإن العنف لم يتوقف. والسبب أن مهمة الهيئة الدولية لا تملك تفويضا قويا ولم يكن بوسعهم الرد بالنار على المعتدين الصرب لحماية المدنيين، لذلك وقعت مجزرة"سربرنتيتشا" أمام أعين قوة صغيرة من الجنود الدوليين الهولنديين ومات في المجزرة ثمانية آلاف من الرجال والشبيبة البوسنيين.

حتى أن أحمد فوزي المتحدث باسم عنان اعترف أن الأحداث في سوريا تذكره بحرب البوسنة في التسعينيات. رغم ذلك يواصل الأمريكان والأوروبيون المراهنة على مهمة عنان وهم يعرفون أنها لن تحقق النجاح وهناك من يقول إنها فشلت قبل أن تبدأ.

-**-**-**-**-**-*-*

أصدقاء سوريا والمراقبون.. الفرصة الأخيرة للأسد .. جوان يوسف

عكاظ

23-4-2012

الحدث: انتهى اجتماع أصدقاء سوريا في باريس إلى التلويح مجددا باتخاذ إجراءات عقابية أشد ضد النظام السوري الذي لم ينفذ بنود خطة أنان، ومن ضمنها اللجوء إلى مجلس الأمن للتأكيد على تنفيذ الخطة تحت طائلة الفصل السابع، وفي مجلس الأمن تم الموافقة على نشر 300 مراقب في سوريا، فهل كان اجتماع باريس على قدر التحدي، وهل إرسال 300 مراقب لسوريا هي الفرصة الأخيرة للأسد قبل اللجوء إلى القوة؟

ليس هناك شك أن اجتماع أصدقاء سوريا في باريس كان إيجابيا في بيانه الختامي لناحية إيجاد خطة بديلة في حال فشلت خطة عنان على الرغم من عدم تحديد ما هي هذه الخطة أو التصور لها، لكن الانتقال عموما إلى إيجاد بدائل هو بحد ذاته خطوة إيجابية بالنسبة للمؤتمرات السابقة. وإن كل الأمل من اجتماع أصدقاء سوريا هو إيجاد حل خارج مجلس الأمن خصوصا أن الجميع يعلم الموقفين الروسي والصيني وهناك تجارب سابقة في هذا الصدد منها تجربة العراق وتجربة كوسوفو وصربيا، وقد حدثت فيها تدخلات خارج نطاق مجلس الأمن عبر تكتلات أوجدت الحل للمشكلة الصربية والعراقية، وحتى الآن فإن المعرقل الأساسي بالنسية للأزمة السورية هما روسيا والصين، وفيما يتعلق بموافقة الأمم المتحدة إرسال 300 مراقب لسوريا فإن هذا يصب في صالح استمرار القتل والبطش الأسدي ضد الشعب . هناك تخوف كبير من امتداد فترة الأزمة وبالتالي دخول سوريا في حرب أهلية، بعدما بدأت تحدث استقطابات طائفية، وقد تكون له في امتدادات إقليمية وبما أن سوريا تضم قوميات وطوائف مختلفة، لذلك فإنه في حال لم تصل خطة عنان إلى نتائجها الإيجابية قد تحدث فعلا حرب إقليمية.

وللأسف أن الحرب الأهلية قد بدأت في مدينة حمص منذ أكثر من شهرين، فالعنف غير المقبول من قبل النظام دفع الأمور إلى الحرب الأهلية هناك، ودفع أيضا الثوار إلى ردود أفعال لمواجهة عنف النظام. ومن هنا فإننا نتخوف من هذا الموضوع وهو ما يدفعنا إلى مطالبة المجتمع الدولي للتدخل سريعا قبل أن ننتقل إلى الخطوة الأخطر والتي هي أشد مرارة، أي الحرب الأهلية أو التطهير العرقي. ونتمنى أن لا تفشل تجربة المراقبين الدوليين في سوريا لأن لدينا تجربة سابقة مع بعثة المراقبين العربية التي فشلت فشلا ذريعا. ومن الواضح أن النظام السوري في أزمة منذ بداية الثورة، وحتى الآن يحاول أن يلعب بعامل الوقت، وأن يلتف على الأزمة. والجميع يذكر تصريحات النظام عند دخول المراقبين إلى سوريا عندما قال إنه غير مسؤول عن حياتهم، وهذا الأمر يضع المجتمع الدولي ويضعنا أيضا كثوار في سوريا أمام التخوف الدائم من أن النظام لن يلتزم بهذه المبادرات ولن يسمح للمراقبين الدوليين بالقيام بعملهم، وبالتالي فإن بداية الفشل هي من النظام ومنذ لحظة وصول المراقبين الدوليين. ونحن أيضا نجد أن المجتمع الدولي يتلكأ في هذا الموضوع فالقوى الدولية لديها أقمار اصطناعية وطائرات بدون طيار ومجموعة هائلة من التكنولوجيا تستطيع أن تراقب دون أن يدخل أي مراقب دولي إلى سوريا.

مع ذلك، ومنذ بدء عمل المراقبين الدوليين لا يزال النظام السوري مستمرا في عملياته العسكرية، لذلك فإذا كان عمل المراقبين فقط هو معرفة عدد القتلى فبالتأكيد أن التجربة ستفشل خصوصا أن عمل المراقبين هو مراقبة انسحاب القوات العسكرية والأمنية من الشوارع وأن تعاد المدرعات إلى الثكنات. فعمل المراقبين لا يكون بإحصاء عدد القتلى وإذا لم يستطع المراقب الدولي أن يعطي تقريرا فوريا بالوضع في سوريا وأن يقوم المجتمع الدولي بفرض أجندة المبادرة فستفشل هذه التجربة أيضا ونحن لا نتمنى فشلها، فالشعب السوري يترقب المرحلة المقبلة ويخشى من أن تتحول سوريا إلى كتلة لهيب ونحن نتطلع إلى المجتمع الدولي أن يتدخل لحل هذه الأزمة لا أن يراقب هذه الأزمة، إذ بات لدى الشعب السوري عدم ثقة بما يقوم به المجتمع الدولي.

-**-**-**-**-**-*-*

الثورة تتقدم والنظام يتراجع  .. غازي دحمان

المستقبل

23-4-2012

يجهّز النظام السوري، بالتعاون مع حلفائه الإقليميين، منظومة متكاملة من البلاغات والبيانات، التي تشبه البيان رقم واحد في عصر الإنقلابات، وذلك في محاولة إلتفافية على حقيقة الأوضاع في سوريا، بقصد إنتاج حقيقة خاصة به، واعتبارها أساساً للتفاوض مع المجتمع الدولي، ومن خلفه السوريون الثائرون عليه.

مفاد هذه الحقيقة، سيطرة النظام على الوضع وانتهاء الأمر لصالحه، وأن قضايا من نوع تنحي رأس النظام أو إسقاط النظام برمته، أصبحت وراءه، وما على الأخرين سوى ان يبحثوا عن مخرج "لحفظ ماء الوجه" على اعتبار أن النظام قد قضى على الثورة وانتهى الأمر إلى غير رجعة، بل أن النظام خرج أقوى مما كان وعلى الأخرين ان يتحسسوا رؤوسهم !

وقد تم تدشين هذه المنظومة والإعلان عن بدء العمل بها عقب زيارة رأس النظام إلى "بابا عمرو"، ثم تبعتها تصريحات حسن نصرالله عن سيطرة النظام على الوضع، وتأكيد الناطق بإسم الخارجية السورية بأن معركة إسقاط الدولة قد إنتهت!، لتكملها بعد ذلك تصريحات كل من المالكي ولافروف، ما يؤكد أن صدور أمر عمليات واحد لكل هذه الأطراف.

وفي الحقيقة لا يعدو هذا النمط من البروباغندا السياسية كونه نوعاً من استراتيجية الهروب إلى الأمام، المقصود بها إغراق الطرف الأخر في حالة من الإحباط، والإيهام بأن الأمور على الارض قد آلت لمصلحة النظام، والواضح أن جلاوزة النظام وكهنته قد بنوا هذه الرواية بناءً على قراءتهم للواقع الدولي، وحالة العجز الكبيرة التي يصدر عنها هذا الواقع في معالجته للأزمة السورية، وليس بناءً على وقائع الميدان في سوريا والتي هي بإتجاه مختلف تماماً.

لم يلمس الواقفون على الأرض السورية أي تغيرات من هذا القبيل، بل على العكس، ثمة معطيات باتت ثابتة تؤكد بأن النظام يمر في أسوأ أحواله، وأن الثورة رغم كل الجراح التي أصابتها نتيجة القتل والتدمير الممنهجين، باتت أكثر قدرة على التجذر والصمود واقتراباً من الأهداف التي رسمتها لنفسها، وإذا كان النظام يجعل من دخوله إلى بابا عمرو معياراً لإنتصاره، فالحقيقة أن أحداً في سوريا لم يتوقع أن يصمد هذا الحي أمام قوة غاشمة أكثر من ساعات معدودة، أما وقد صمد قرابة الشهر فذلك أعطى مؤشراً عكسياً لقوى الثورة، استفادت من تجربته، وهي تفتتح عشرات بابا عمرو في أنحاء سوريا الأربعة.

إضافة الى ذلك، فإن الجيش الحر بالنسبة للنظام بات أشبه بعدو شبحي قد يستنزف ذخائره وعتاده دون أن يحقق انتصارات واضحة عليه لما يمتلكه من مرونة في التنظيم والحركة.

ثم أن المكون العسكري في الثورة السورية هو مكون طارئ أفرزته حالة التمرد داخل الجيش نتيجة عصيان الاوامر القاضية بقتل المدنيين، ولم يكن في حساب الثورة أو من ضمن خياراتها، وقد عملت الثورة على تطوير قدراتها في مسارات ومسالك مختلفة، وأصبح الجيش الحر فيما بعد إضافة لقوة الثورة وليس ركيزتها الأساسية.

ترى أين الثورة التي انتهت في سوريا، وما هي ملامح نهايتها؟ هل في إخلاء حمص وإدلب وحماة ودرعا من سكانها؟ هل هي في تكدس هؤلاء المهجرين في دمشق وحلب؟ ألا يدرك النظام أن الثورة بدأت تعيد صياغة نفسها بتنظيم أكبر، وانها أضافت إلى محفزاتها قوة جديدة؟ ألم يرَ النظام أن الثورة صارت تحت شرفة قصر الرئاسة؟

-**-**-**-**-**-*-*

نعم ستنتصرون ويهزم بشار .. ياسر الزعاترة

الدستور

23-4-2012

ما يقرب من ستين شهيدا ارتقوا إلى العلا في جمعة “سننتصر ويُهزم الأسد”، فيما لم يكن بالإمكان الجزم بعدد المعتقلين. وفيما لم يتوقف القتل طوال الأيام الماضية منذ بدء تنفيذ خطة “كوفي أنان”، وإن تراجع بعض الشيء، إلا أن عدد المعتقلين زاد بشكل ملحوظ، وبالطبع خشية تشجيع الناس على النزول إلى الشوارع؛ هم الذين يعتبر الاعتقال عندهم أسوأ بكثير من الموت.

يعتقد النظام أن بوسعه من خلال استمرار سياسة الاعتقال والقتل “المبرر باستمرار الهجمات المسلحة”، يعتقد أن بوسعه الالتفاف على خطة أنان، وهو محظور لا ينبغي اعتباره أمرا صعبا في دولة أمنية توظف ما يقرب من 200 ألف شبيح يتحركون وفق منظومة معينة من أجل حماية النظام، إلى جانب الجيش والأجهزة الأمنية.

إن الأزمة الحقيقية التي تواجهها الثورة إلى الآن هي تلك المتعلقة بوجود مئات الآلاف من العناصر المخلصين للنظام، والذين يرون مصلحتهم في بقائه، ويتركز هؤلاء في الطائفة العلوية على وجه التحديد، مع بعض عناصر الأقليات الأخرى، وبعض من باعوا أنفسهم للشيطان من الأكثرية السنية.

ولما كان الأمر على هذا النحو، فإن أحدا من المنخرطين في الثورة لا يأمن على نفسه، إذ ينحصر مصيره بين المطاردة والاعتقال والموت، وفي كل الحالات هو لا يشبه البتة نظراءه في المدن العربية الأخرى، ممن كان بوسعهم الذهاب إلى ميادين الاعتصام والتظاهر ثم العودة إلى بيوتهم سالمين في معظم الأحيان.

السوريون ليسو جميعا على درجة واحدة من القابلية للتضحية، وأن تفرز الجماهير كل هذه الجحافل من الشبان المقبلين على الشهادة، فذلك أمر عظيم من دون شك، فيما تكتفي البقية بتوفير الحاضنة للثورة، مع المشاركة في أشكال معينة من الاحتجاج لا تفضي إلى الموت أو الاعتقال.

من هنا، ولهذه الاعتبارات جميعا يميل جمع كبير من السوريين إلى عسكرة الثورة، هم الذين يدركون أنه ما من نظام من الأنظمة التي سقطت كان يتمتع بهذا الكم من التأييد في الوسط الشعبي، أعني تأييد فئات تربط مصيرها بمصيره.

النظام يتلاعب بالمراقبين الدوليين، ويتلاعب بالمظاهرات أيضا، إذ من ذا الذي يمكنه التفريق بين المتظاهر المعارض للنظام، وبين جحافل من المندسين لا همَّ له سوى التقاط الصور والأسماء التي تجعل أصحابها برسم الاعتقال في اليوم التالي أو في نفس اليوم.

سيقول البعض إن ذلك يؤكد أن النظام لن يسقط، بدليل ما سبق وذكرناه، معطوفا على الدعم الإيراني الاستثنائي (تسليحا وتخطيطا ومباشرة لعمليات المراقبة للإنترنت وشبكات الاتصال)، وبدليل أنه متماسك إلى الآن ولم تحدث فيه انشقاقات ذات بال، وهذه الأخيرة جزء من نسقه الأمني البشع، إذ أن تفكير أي مسؤول بالانشقاق لن يؤثر عليه وحده، بل سيطال إخوته وأخواته والكثير من أقاربه، الأمر الذي يدفعه إلى التفكير ألف مرة قبل أن يشرع في خطوة من هذا النوع.

لا شك أن توقف القتل بشكل نهائي أو حتى شبه نهائي، وإخراج الجيش من الشوارع والسماح بالاحتجاج السلمي سيؤدي إلى تدفق الملايين نحو الشوارع والساحات، لكن ذلك لا يبدو متوقعا بحال، إذ أن حركة المراقبين حتى بعد رفع عددهم إلى 300 بقرار من مجلس الأمن لن تغطي مساحة الأرض السورية، وحين ينتقلون من ساحة إلى أخرى سيجري التعامل مع الساحة الأولى بذات الوسائل التقليدية. كما أن خوف الناس من خروج المراقبين وانتقام النظام ممن نزل إلى الشوارع بعد ذلك سيدفعهم إلى التردد أيضا.

من هنا فإن على المجتمع الدولي أن يكف عن سياسة ترك الذئب والقص على الأثر، إذ أن استمرار القتل وبقاء عشرات الآلاف من المعتقلين قيد السجون مع استمرار الاعتقالات اليومية، ينبغي أن يكون كافيا للدلالة على الجريمة التي يرتكبها بشار الأسد بحق شعبه.

في ضوء ذلك، وفي حال لم تؤد خطة أنان إلى توقف القتل بشكل نهائي، ومعه عمليات الاعتقال اليومية، فإن تسليح الثوار هو الحل، وفي هذه الحال لن يتمكن النظام من مواجهة حرب استنزاف لأمد طويل، وستكون نهايته قريبة من دون شك، مع أن التضحيات ستكون أكبر.

وقبل أن يخرج علينا من يتباكى على الدم السوري نقول له إن عليه إذا كان حريصا على سوريا وشعبها أن يبادر إلى دعوة النظام الدكتاتوري الفاسد المجرم إلى الرحيل، وإلا فهو شريك في الجريمة، تماما مثل الشبيحة ورجال الأمن الذين يقتلون الناس في الشوارع.

التاريخ : 23-04-2012

-**-**-**-**-**-*-*

رخصة مجانية للقتل لمدة 3 شهور! .. رجا طلب

الرأي الاردنية

23-4-2012

بعد اكثر من 13 شهرا من عمر الثورة في سوريا وتجاوز عدد الشهداء رقم الثلاثة عشر الفا اي بمعدل الف شهيد شهريا مازال العالم بما في ذلك مجلس الامن يدور حول نفسه عاجزا عن اتخاذ الاجراءات الكفيلة بحماية المدنيين العزل من آلة القتل التي أطلقها النظام، ويبدو ان روسيا نجحت في ادخال مجلس الامن والامم المتحدة في ملهاة عالم « المراقبين «، وكأن ما يجرى في سوريا بحاجة فقط لمراقبين يرونه ويرفعون التقارير.

وقرار مجلس الامن الاخير الذي اتخذه المجلس مساء السبت الماضي بارسال 300 مراقب مدني الى سوريا خلال 90 يوما، قرار يبعث على الاحباط، فهو يقزم القضية برمتها ويحولها الى قضية « مراقبة «، وقبل ذلك خطة عنان واليات تطبيقها، وقبلها خطة الجامعة العربية والمراقبين العرب، فهي كلها مشاريع رقابية نجح النظام بالمماطلة والكذب والمراوغة من التغلب عليها والفرار من تبعاتها، وبقى النظام طوال عمل المراقبين العرب والدوليين يمارس عمليات القتل والقصف والاعتقال والتنكيل وكان شيئا لم يكن.

قرار مجلس الامن الاخير بزيادة المراقبين مثل خطة عنان ومثل الخطة العربية خلا من بند العقوبات، فالنظام مطمئن الى انه ليس في خطر طالما ان القرارات العربية او الدولية التي تتخذ هي قرارات ذات طابع إجرائي وتتطلب موافقة النظام والتعاون معه، وتخلو من اية بنود او قرارات ذات طابع عقابي، واذا ما قرانا قرار مجلس الامن المشار اليه نجده يتضمن فقرة صغيرة لا تحمل دلالات عقابية فيما اذا اخل النظام في تعاونه مع المراقبين او اذا استمر النظام في قتل المدنيين العزل وهو شيء لم يتوقف عنه اصلا، هذه الفقرة تقول انه في حال التأكد من عدم تعاون النظام او خرقه اتفاق وقف اطلاق النار وهو حاصل فعلا فانه « سيبحث في خطوات اخرى حسب الحاجة «، وهي صيغة ادخلتها روسيا بديلا عن بند عقوبات محددة كانت تنوى المجموعة الأوروبية وضعها في نص القرار.

ماذا يعني ذلك؟

يعني ما يلي :

اولا: ان مسلسل القتل لن يتوقف بل على العكس سوف يزداد ووحشية النظام سوف تتضاعف في سباق مع الزمن لانهاء الثورة والقضاء عليها.

ثانيا: في الحسابات الزمنية والسياسية ووفق قرار مجلس الامن فان هذا القرار رخصة قتل مجانية للنظام ودون حسيب او رقيب لمدة 3 اشهر.

ثالثا: هذا القرار في الوقت نفسه رسالة محبطة وسلبية للغاية للثوار ولكل السوريين من انهم مشروع قتلى ولكن هذه المرة بموافقة دولية وبصمت دولي لمدة 3 شهور.

بعد الثلاثة شهور سيصار بعدها لتحديد الخطوات اللاحقة والتي لن تكون خطوات رادعة للنظام بكل تأكيد طالما ان روسيا اليوم وفي موقفها من الملف السوري اثبتت انها هي صاحبة القول الفصل وان ادارة اوباما الضعيفة ليست في وارد معاقبة النظام السوري بأكثر من تصريحات وعقوبات اقتصادية انتقائية ذات طابع إعلامي اكثر منها عقوبات فعليه.

لا يستطيع المرء امام هكذا مشهد الا القول كان الله في عون الشعب السوري البطل على اشهره الثلاثة القادمة، وهي الفرصة المجانية الممنوحة دوليا للنظام لابادة الثورة.

rajatalab@hotmail.com

-**-**-**-**-**-*-*

ارتباك دول الجوار السوري .. فايز سارة

الشرق الاوسط

23-4-2012

شكلت الأزمة السورية منذ بدايتها في مارس (آذار) 2011 بوابة ارتباك سياسي لدول الجوار السوري، وكان التعبير الأبرز في ارتباك الجوار ما ظهر على سياسة تركيا، أكبر دول الجوار وصاحبة أطول حدود مع سوريا والبلد الذي كان الأكثر قربا من نظام دمشق في السنوات العشر التي سبقت الأزمة، بينما ظهر الأردن باعتباره أكثر دول الجوار قدرة على كتم تعبيرات ارتباكه، وبين الحد الأعلى الذي مثلته حالة تركيا والحد الأدنى الأردني، راوحت الحالة العراقية واللبنانية كجاري سوريا في الشرق والغرب على التوالي.

كان الأبرز في موقف تركيا عند بدء الأزمة، محاولة القادة الأتراك وثيقي الصلة والعلاقة مع كبار المسؤولين السوريين، الدخول على خط النصح للسلطة السورية بضرورة المعالجة السياسية للأزمة، ثم صعدت اللهجة التركية خارج النصيحة لتبلغ حد الاصطفاف إلى جانب الحراك الشعبي، وصولا إلى التهديد المبطن في مواجهة الحل العسكري الأمني، وصارت تركيا أكثر دول الجوار تعاملا مع فصائل من المعارضة السورية، والأكثر حضورا في الأنشطة الإقليمية والدولية الهادفة لمعالجة الأزمة في سوريا، كما هو موقعها في مؤتمر أصدقاء الشعب السوري.

وكانت تناقضات الموقف العراقي حيال الأزمة ظاهرة، وامتد طيفها ما بين الصمت والدعوة إلى الحل عبر الحوار، وصولا إلى التأييد المضمر للنظام، طبقا لتصريحات أدلى بها رئيس الوزراء نوري المالكي. فيما حاول الموقف اللبناني الابتعاد عن اتخاذ موقف جاد حيال الأزمة، فاخترعت الرسمية اللبنانية خطابها القائل بالنأي عن اتخاذ موقف رسمي حيال الأزمة، لكن في بعض تجليات الأزمة داخل لبنان كما في قضية اللاجئين، لم يكن بمقدور الحكومة إثبات أنها غير معنية بالوضع في سوريا.

وبدا الموقف الأردني حيال الأزمة السورية وتداعياتها شديد الحذر، وكان الصمت التعبير الأبرز عن ارتباك موقف الأردن، ولم يخفف منه تصريح الملك عبد الله حول ضرورة تنحي الأسد الذي لم يكرره، ولا قام أي من المسؤولين بالأردن بالإشارة إليه أو تكرار مضمونه لاحقا، لكن ذلك لا يمنع من قول إن الأردن استقبل العدد الأكبر من اللاجئين السوريين مقارنة بدول الجوار.

والموقف الإسرائيلي إزاء الأزمة السورية لم يختلف كثيرا في نظرته المرتبكة إزاء الوضع في سوريا واحتمالاته، وهو وضع عبر عن نفسه بانقسام داخل النخبة الحاكمة وفي النخبة السياسية والثقافية، حيث بدت أكثرية تعارض إسقاط النظام، وأقلية تبشر بقرب سقوطه.

وباستثناء الموقف الإسرائيلي الذي له بعض الخصوصيات في ظروفه وفي تعامله مع الأزمة في سوريا، فإن دول الجوار الأخرى أبدت سياسات مرتبكة في مواقفها، وهو أمر يعود إلى مجموعة عوامل، أولها وأبرزها هو عدم وجود موقف دولي حاسم وتردد واضح إزاء الوضع في سوريا، وهو أمر ينطبق على الدول الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة التي غلب على مواقفها النوسان ما بين مواقف قوية وأخرى ضعيفة، وفي كل الحالات كانت المواقف تفتقر لإرادة سياسية كافية، تثبت جدية أصحابها ممن عارضوا السياسة الأمنية العسكرية للنظام، وطالبوا بتنحي الأسد أو إسقاط النظام.

والعامل الثاني يبدو في مخاوف دول الجوار من تدخلات يمكن أن تقوم بها السلطات السورية في تلك البلدان عبر تنظيمات وجماعات سياسية مسلحة طالما كانت قريبة أو ذات علاقة مع سلطات دمشق، مثل حزب العمال الكردستاني في تركيا، وحزب الله وحلفائه في لبنان، وتنظيمات عراقية بينها جيش المهدي وآخرون، وبعض المنظمات الفلسطينية مثل جماعة جبريل في الأردن.

والعامل الثالث تمثله مخاوف دول الجوار من احتمالات النظام الذي سيرث نظام البعث الحالي، وأغلب التقديرات تتجه حاليا إلى قول إن الإسلاميين هم الذين سيكونون ورثة العهد الحالي على نحو ما حدث في مصر وليبيا وتونس، التي جاء الإسلاميون إلى السلطة فيها جميعا، وهو أمر يرعب أغلب الجوار السوري، على الرغم من أن أمرا كهذا ليس مسلَّما، كما أن تيار الإسلام السوري لا يشبه في أهم ملامحه أمثاله في البلدان المجاورة، الأمر الذي لا يبرر قلق البعض منه.

والعامل الرابع يبدو في مجموعة ارتباطات وعلاقات تربط دول الجوار بشبكة سياسية أو اقتصادية قريبة من شبكة النظام في سوريا، على نحو ما هي علاقة العراق بإيران، وعلاقة تركيا في الجانب الاقتصادي مع روسيا وإيران، البلدين اللذين يزودان تركيا بالنفط والغار، وهم أكثر حلفاء دمشق إقليميا ودوليا.

والعامل الخامس يستند إلى وجود أزمة اقتصادية في بلدان الجوار، وهو شديد الوضوح في الحالتين الأردنية واللبنانية، لكنه مستتر بالنسبة للوضع العراقي بسبب الكم الهائل من موارد النفط الذي يغطي على الأزمة الاقتصادية من جوانب مختلفة، وهناك مخاوف تركية جدية من احتمالات سلبية على واقع الاقتصاد التركي الناهض بزخم، فيما لو مضت تركيا إلى موقف جدي يعادي النظام في دمشق، ويدخل في مواجهة معه.

إن العوامل التي تلقي بظلالها على دول الجوار السوري، تجعل تلك الدول مرتبكة في مواقفها وسياساتها حيال الأزمة، غير أن تغييرا حاسما في الموقف الغربي، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة، من شأنه أن يبدل ويغير مواقف دول الجوار كلها أو أكثرها، سواء كان الموقف في نصرة التغيير في سوريا أو نحو إصلاح النظام الحالي، وهو أمر غير ممكن.

-**-**-**-**-**-*-*

وفد «المذعورين» الدوليين في سوريا! .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

23-4-2012

بدلا من أن يقوم وفد المراقبين الدوليين إلى سوريا بمراقبة وقف إطلاق النار هناك من قبل القوات الأسدية، وفقا لمبادرة أنان، وجدنا أن الجيش الحر هو من يقوم بحماية المراقبين الدوليين ذوي الخوذات الزرقاء، وتحديدا في حمص، وبوجود رئيس الوفد العقيد أحمد حميش!

حيث يظهر شريط على «يوتيوب» عملية استهداف المراقبين من خلال إطلاق النار عليهم من قبل قوات طاغية دمشق، بينما يقوم أفراد من الجيش الحر بتشكيل دروع جسدية لحمايتهم حيث أصابهم الذعر، بل إن شريط الفيديو يظهر أحد أفراد الجيش الحر وهو يحمي أحد المراقبين من إطلاق النار، ويطمئنه بالقول: «لا تخف»! وبالطبع فإن كل من يشاهد ذلك المقطع على «يوتيوب» سيشعر بحجم السخرية، حيث إن شر البلية ما يضحك، لا سيما عندما يتحول وفد المراقبين المحسوبين على الأمم المتحدة إلى وفد «المذعورين»، في إهانة أسدية واضحة لمجلس الأمن، والمجتمع الدولي، خصوصا أن استهداف الوفد حدث في نفس اليوم الذي أقر فيه مجلس الأمن إرسال مزيد من المراقبين إلى سوريا! فهل يمكن بعد كل ذلك القول إن هناك فائدة مرجوة من إرسال المراقبين الدوليين إلى سوريا؟ بكل تأكيد إن هذا أمر غير وارد.

فالقصف الأسدي على حمص، ودرعا، وحماه، وغيرها، مستمر، والقتل بشكل يومي، فكيف يمكن بعد كل ذلك القول إن وفد المراقبين سيقوم بأي دور، أو إنه سيتأكد من التزام الأسد بمبادرة أنان؟ فاستهداف المراقبين الدوليين، وإطلاق النار عليهم في حمص، يعني أن الأسد قد أطلق النار على مهمة أنان. ولذا فلا يجب أن يعول عليها، أو يتم الانتظار لمدة ثلاثة أشهر، وهو الوقت المحدد لمهمة المراقبين بحسب قرار مجلس الأمن. فالأسد لم ينتظر حتى أياما معدودة حتى أطلقت قواته النار على المراقبين «المذعورين»!

الطريف أن واشنطن تقول إن صبرها قد نفد، وإنها لن تجدد مهلة المراقبين بعد تسعين يوما من الآن، أي أن واشنطن بدأت تتفاوض من الآن على تجديد مهمة المراقبين التي يفترض أن تنتهي بعد ثلاثة أشهر! وهذا هو العبث بعينه، إن لم يكن استخفافا بدماء السوريين الذين يقتلون منذ قرابة ثلاثة عشر شهرا بلا توقف، حتى مع وجود وفد «المذعورين» الدوليين، الذين رفضوا المراقبة يوم الجمعة الماضي، رغم المظاهرات الحاشدة ضد الأسد، إذ نقل عن رئيس فريق المراقبين قوله إن فريقه لن يقوم بجولات ميدانية «كي لا يؤدي وجودنا إلى تصعيد»! فهل هذا مزاح؟! بل هل بات مطلوبا من الجيش الحر أن يحمي وفد «المذعورين» الدوليين من قوات الأسد أيضا؟!

الواضح أن وفد «المذعورين» لن يقدم أو يؤخر في سوريا، خصوصا بهذا العدد والمستوى، ومحق أمير قطر حين يقول إن فرص نجاح أنان لا تتجاوز ال3 في المائة، فما يجب أن يعيه الجميع هو أن الأسد لا يفهم إلا لغة القوة، وما عدا ذلك هو رخصة قتل، ومضيعة للوقت، وتعميق للأزمة السورية.

-**-**-**-**-**-*-*

النازحون إلى تركيا.. فرار من الجحيم إلى سجن الغربة .. أنطاكيا: عمر الزبيدي

25 ألف لاجئ سوري في مخيمات أنطاكيا.. أحدها مخصص للضباط المنشقين * أبو جعفر العلوي يروي قصة فقدانه لزوجته وابنته.. ويقول: الأسد عار على العلويين

2012-04-24

الوطن السعودية

"الفارون من الجحيم"، عبارة تختصر كل ما يمكن أن يقال عن أوضاع اللاجئين السوريين في أنطاكيا. فمناطق الشمال السوري المتاخمة حدودها لدولة تركيا تعتبر من أكثر المناطق المتضررة من عمليات القتل البربرية التي يقوم بها نظام الأسد، وعمليات القصف المستمرة عليها، وهو ما خلف في نهاية المطاف حالة إنسانية جسدها 25 ألف نازح نجوا بأنفسهم من الموت بعد أن رأوه محققا في أقارب لهم.

الحكومة التركية تقوم ببناء مخيمات جديدة للاجئين السوريين على الحدود التركية السورية في منطقة هاتاي (لواء إسكندرونة) مع تزايد أعداد النازحين الفارين بأرواحهم من آلة قتل عشوائية استخدمها النظام الأسدي لقمع الاحتجاجات السلمية التي طالبت بخروجه من السلطة ووقف حالة الفساد المالي والقمع السياسي والعمالة لإيران وروسيا، ليقدر حاليا عدد اللاجئين في الداخل والخارج بأكثر من مليون نازح.

ومع غياب ردود فعل المجتمع الدولي الحازمة لمواجهة عملية القمع التي شارك فيها الجيش النظامي والقوات الأمنية وعناصر المرتزقة الشبيحة (هم خليط من المهربين والمجرمين الذين يستخدمون كمرافقين وعناصر قوات خاصة لعائلة الأسد)، توسعت عمليات كتائب الأسد لتشمل كل المدن والبلدات السورية بلا استثناء، مما تسبب في موجات نزوح المدنيين هربا من هذه العمليات العسكرية داخل بلدهم التي لم تكن تميز في قصفها بين مؤيد أو معارض مما زاد من حالة السخط ضد النظام.

وشملت الهجرة ثلاث دول رئيسية هي: لبنان والأردن وتركيا. وتوجد حاليا سبع مخيمات في منطقة هاتاي جنوب تركيا تضم أكثر من 25 ألف لاجئ سوري بينها مخيم خصص للضباط المنشقين (يضم سبعة ضباط برتبة لواء)، ومن المتوقع افتتاح مخيم جديد في منطقة كيليس الحدودية بالقرب من مخيم كيليس الذي يعاني من ازدحام ساكنيه، كما تقرر بناء مخيم جديد آخر ضخم يتسع لأكثر من 20 ألف شخص جنوب شرق تركيا للتعامل مع الازدياد الحاصل في أعداد النازحين التي تصل في بعض الأيام لنحو 700 نازح في اليوم الواحد.

ويجب الأخذ في الاعتبار أن هذا العدد هو لمن ينجحون في الوصول، من دون حساب من يقتلون بسبب ألغام تزرعها عناصر الجيش النظامي لمنع عمليات النزوح التي تحرج الحكومة السورية من جانب وتسمح للضباط الراغبين في الانشقاق بإرسال أسرهم لخارج سورية قبيل إعلان إنشقاقهم لحمايتهم من عمليات الانقتام التي يمارسها النظام، إضافة إلى أن عمليات قتل فوري واغتصاب تقوم بها مفارز الأمن والمراقبة التي انتشرت في تلك المناطق ونقاط التفتيش والدوريات منعت كثيرين من خوض هذه المغامرة خوفاً على حياة بناتهم وأبنائهم.

مخيم كيليس

دخلت "الوطن" المخيم الذي يحمل اسم إقليم كيليس التركي الواقع على الحدود بين البلدين، وكان الوقت ظهراً. خدعت الحراس وقلت لهم إنني هنا لأزور أهلي وقدمت لهم هوية شخص سوري من عناصر الجيش الحر، فيما تم تهريب الكاميرا بصعوبة مما اضطرني إلى قضاء الليلة في المخيم لئلا أكرر تجربة دخولي الصعبة، ومعايشة معاناة المقيمن في المخيم، وذلك بعد موافقة مسؤولي المخيم.

الدكتور عبدالحميد رئيس أحد اللجان الإغاثية السورية الذي يزور المخيم والذي سبق أن قابلته في إسطنبول، راح يحدثني ونحن نمشي بين المخيمات، عن وضع النازحين. وقال: "الأحداث التي شهدها الشمال السوري في إدلب وتفتناز وسراقب وسرمين وبنش وضواحي حلب وكل البلدات والمدن الأخرى، أجبرت الأهالي على النزوح القسري من تلك المدينة إلى القرى والبلدات المجاورة ومنهم من نزح إلى مخيمات اللاجئين في تركيا. وهنا لا يغيب عن تصورنا الحالة النفسية والاجتماعية لدى الأهالي من نساء وأطفال بشكل خاص وحالة الرعب والقلق التي مروا بها وهي في طريقهم إلى هنا، وحتى الآن بعض العائلات في ذلك اليوم نزحوا إلى بعض الحقول المجاورة لمدينة إدلب أي في كروم الزيتون وقضوا أياماً صعبة ملؤها الخوف والجوع والبرد والمرض وبخاصة الأطفال منهم والشيوخ والمصابين والمرضى". وأضاف: "أرسلنا معونات عينية لهذه العائلات مباشرة من بطانيات ومواد غذائية وبعض المواد الطبية اللازمة وذلك من خلال مساعدة عناصر من الجيش الحر"، مبيناً أن "اللجنة قامت بمساعدة الأهالي على النزوح وتأمين الطريق لهم واستقبالهم في الداخل والخارج".

الهروب من الموت

وفيما كنت أسير مع مرافقي الدكتور عبدالحميد، قابلت رجلاً يدفع عربة عليها طفل ومعه أطفال آخرون طلب عدم تصويره. ابتسمت له وصافحته وسألته عن قصته، فأجاب: "أنا أبو جعفر، علوي من أبي وأمي، أصلي من عين التينة وخدمت عسكرية في إدلب وبعد نهاية خدمتي عشت فيها مع أقارب لي واشتغلت فيها وتزوجت امرأة سنية أحببتها وأنجبت منها أولادي. أنا لا علاقة لي بالسياسة أو أي شيء، لكني أيدت الثورة ورفعت علماً على الدكانة التي كنت أعمل فيها". وأضاف: "في مارس حصل هجوم، كنا نشاهد الدبكة والشباب رفعوا أعلاماً ولافتات عليها مطالبهم بالعدالة والتغيير. أخبرنا عناصر الجيش الحر بتجمع لأرتال الدبابات آتية من الجنوب والغرب".

وتابع أبو جعفر: "توقعنا هجوماً خلال أيام لكننا في العصر سمعنا انفجارات وفجأة أصبحت في الساحة بالقرب من البيت، فركضت أنا وأولادي وصحت على زوجتي لتركض لكنها دخلت البيت لتوقظ ابنتنا الكبرى زهرة، فتقدم مني جندي من الجيش الحر وطلب مني أن أبتعد فأبلغته بأن زوجتي في البيت فأصر علي بالتوجه إلى أحد الأقبية فيما انطلق هو ليحضر عائلتي لكن انفجاراً وقع في المنبى فدمره. تركت أطفالي في الطريق وركضت لأجد جثة الشاب وقد سقط إلى بيت السلم من قوة الانفجار، حاولت الصعود فلم أنجح فيما تجمع العشرات لمساعدتي للوصول إلى عائلتي على الرغم من أن الانفجارات لم تتوقف، ووصلنا بعد ساعات إلى جثتيهما".

صمت جميع من في المكان فيما كان يبكي ودموعه تبلل لحيته، وقال: "قتل الجميع. والأسد العلوي، أصبح عاراً علينا وهو أصلا بلا دين ولا عقيدة، قاتل الأطفال لا يمكن أن يكون له دين. نحن العلويين وقفنا ضده وضد الظلم الذي لحق بالكل. أريد أن أؤمن أولادي وأرجع لأشارك في سرية الطائفة العلوية في الجيش الحر في إدلب في جبل الزاوية مع النقيب صالح الصالح لنخلص من هذه الزبالة التي شوهت صورة الإسلام وصورة المذهب وصورة العروبة وصورة سورية".

المخيمات بعيون سورية

سلطان أبو مالك روى ما حصل معه، فقال "سأعطيك ما حصل معي مكتوباً على ألا تحذف منه شيئاً". وافقت فأخرج وريقات من جيبه وأعطاها لي، وكتب فيها: "أتت الأخبار أن الجيش قادم فأصابنا الذعر، لأن ما سمعناه عن الجيش وأفعاله حين اقتحم مدينة درعا، قالوا لنا لم يسلم أحد، ولم يفرق بين متظاهر ومتقاعس لم يسلم منه طفل أو امرأة أو كهل، جمعنا بعض حوائجنا سمعنا أصوات أعيرة نارية، قالوا لنا إن الجيش وصل مشارف القرية خرجنا مسرعين ركبنا سيارة واتجهنا نحو الحدود، كانت المسافة قريبة. وصلنا إلى الحدود حيث أخذنا الأتراك إلى مخيم كبير ووزعونا على خيام حيث وضعوا عائلة في كل خيمة، كان في الخيمة إسفنجات من أجل النوم وبعض الأغطية كان الوقت متأخراً استلقينا منهكين من التعب". وتابع: "صحونا على صوت أحدهم ينادي إلى الطعام اصطف الناس في طابور من أجل الحصول على بعض الخبز وبعض قطع الجبن المغلف، أمضينا أياماً لا هم لنا سوى الوقوف في الطوابير.. طابور الطعام وطابور الحمام. لم تكن هناك خدمات تذكر، لم يكن هناك كهرباء في الخيام وكانت صنابير المياه بعيدة بعض الشيء فضلاً عن لونه الأصفر بل شاهدت عقب سيجارة ينزل من صنبور المياه حينها تيقنت أن الماء يأتينا من النهر المجاور".

أعقاب السجائر

وأضاف: "ضاق الناس ذرعا لم يبق معهم أية نقود، كان الناس يدخنون التبغ الملفوف وبعضهم كان يلتقط أعقاب السجائر الملقاة وأقسم على ذلك، لم يسمحوا للإعلام بالاقتراب ولم يسمحوا لنا بالخروج من المخيم حيث كان هناك أناس يصطادون بالماء العكر كانوا يتسللون إلى خارج المخيم ويأتون ببعض الحاجيات كانوا يبيعونها بعشرة أضعاف، مضى على وجودنا أشهر لم نتذوق فيها طعم اللحم كان طعامهم لا يؤكل وخبزهم لا يشبه خبزنا، وعدونا بتحسين الأحوال لكنه كان مجرد كلام في كلام".

ويواصل سلطان روايته المكتوبة: "وزعوا علينا خمس ليرات تركية لكل فرد، كان يوما عظيما اشترينا البندورة والبصل لم يكن عندنا زيت أكلنا بندورة وخبز وبصل تحررنا من أكل المخيم. وبعد ذلك قرروا السماح لشخصين معينين بالخروج من المخيم وجلب الحاجيات حيث كان سعر ليتر الزيت بتسع ليرات تركية. أتى شهر رمضان كان الجو حارا جدا لم يكن هناك ماء بارد، وصلتنا مساعدات كانت عبارة عن سيارة من البطيخ الأحمر حيث حصلت كل عائلة على بطيخة واحدة كانت عبارة عن كنز ثمين، قضينا ذلك الشهر الكريم كأنه سنةً وليس شهراً".

وأضاف: "أتى العيد لم يكن عيدا كانت دموع النساء تنهمر بغزارة أمسك الرجال أنفسهم بل كنت تشاهد أحدهم وتسمع أحدهم يتكلم بالهاتف ودموعه تنهمر، انقضى ذلك اليوم لكن القادم لم يكن أفضل، فقد بدأ الصيف بالرحيل وأخذ معه الحر والحشرات من ذباب وبعوض وحتى أفاعي كانت تدخل الخيام حيث تم قتل أكثر من ثلاثة أفاع داخل الخيام. عاد الكثير من الناس إلى سورية لم يستطيعوا الصمود، دخل الشتاء وانهمر المطر ودخلت الأمطار إلى الخيام وأصبح الوحل عقبة كبيرة أمام الناس. أتى الأمر بمد الخيام بالكهرباء حيث استغرق الأمر بعض الأسابيع ووزعوا النايلون على الخيام، كانت الكهرباء تُقطع كل يوم عدة مرات وأصبح الطقس باردا وأعطوا لكل خيمة مدفأة كهربائية حيث كانوا ينادون كل يوم عبر مكبرات الصوت أشعلوا شمعة واحدة الكهرباء لا تحتمل".

زادت غربتي نهاراً

وزاد: "قضينا معظم أيام الشتاء بدون كهرباء أجروا لها عدة تعديلات، هطلت الثلوج في إحدى الأمسيات مما أدى إلى تهدم الخيام فوق ساكنيها ذعر الناس وقضوا ليلة في العراء، اشتدت الأزمة في سورية قتل واعتقال، هرب الناس وعادوا أدراجهم إلى تركيا دخلوا المخيم من جديد لم يكن هناك خيام استقبل الناس أقاربهم. أصبح في الخيمة الواحدة أكثر من عشرة أشخاص، أما الذي يعيشون في الأبنية فكانت حالتهم يرثى لها كان يفصل بين الناس جدار من النايلون حيث إذا أراد أحدهم أن يسند ظهره يصبح في خيمة جاره، كان كل شيء مسموعا بين الجيران".

وختم سلطان روايته قائلاً: "حياة لا تطاق، فقر وحر وبرد وأقسى من ذلك ما نشاهده على التلفاز من قتل وتدمير واغتصاب وإذلال، أصبحنا في وضع لا نستطيع معه العودة.. قتل أبنائنا وأنفسنا ولا البقاء في هذا العذاب". وكتب في آخر الورقة "غاب نهار آخر... غربتي زادت نهاراً".

-**-**-**-**-**-*-*

المجتمع الدولي وشريعة الغاب .. د. طيب تيزيني

تاريخ النشر: الثلاثاء 24 أبريل 2012

الاتحاد

تزداد الأزمة السورية اضطراباً مع كل مبادرة جديدة يتم تقديمها حلاً لها، بدلاً من الإسهام في محاصرتها وتقليصها، ومع تكرار ذلك، راح الأمر يبدو هزْلاًً ملطًّخاً بلون أحمر دموي. وتتالى المبادرات التي تشترك في كونها تدعو إلى إيقاف الموت واجتراح حل يقوم على السلم ولجم القتل، ليأتي الجواب ملوثاً بدم بشري جديد. وقد يفكر المرء أمام هذا المشهد المريع أن هنالك انقلاباً جذرياً يحدث في التاريخ البشري بصيغة العودة إلى مرحلة البربرية، ضمن النسق السوري ومن يتحالف معه. ولعلنا نعبِّر عن ذلك بمصطلح الظلامية ربما في شكلها الأكثر بشاعة.

والملفت الطريف في ذلك، إضافة إلى ما يدعو إلى الاستفزاز، أنه كلما اتسعت الضربات العسكرية وتعاظمت، يظهر على شاشات التلفاز مَنْ يؤكد على أن "المؤامرة الكونية" ضد قوى الممانعة في سوريا، تقترب مِن نهايتها السعيدة، وهي فشلها وتفكك قواها الفاعلة. وفي هذه الحال، يتضح -حسب الخطاب الأمني العسكري السوري- أن الأمر كلما ازداد عنفاً ومأساوية، ازداد سعادة على الشعب في الداخل، وهذا يمثل مفارقة صاخبة. إذ على الطرف الآخر،...... تتسع دائرة الخطاب الذي يقدمه حليف أو آخر (روسيا أو الصين) باتجاه التأكيد على أن العنف الذي يمارسه أقطاب "المؤامرة الخارجية" على سوريا، يُواجَه بعنف من النظام في سبيل تحقيق "انتصار الشعب" على قوى العدوان الخارجي والداخلي.

بيد أن النظر إلى المسألة من موقع الحقيقة التاريخية المشخصة يُرى عكس ما يقدمه النظام: إن التحرك في الداخل السوري أمر طبيعي، بل فضيلة على طريق الإجابة على أسئلة متراكمة ومعلقة في الداخل السوري حول التطور والتحديث الديمقراطي. وهذا ما يتنكّر له النظام، لأنه يرى في ذلك إنهاءً لمرحلة الفساد والإفساد عبر التشديد على استئثار النظام بالسلطة والثروة والإعلام ومرجعية البلد السياسية الاجتماعية.

ويهمنا من ذلك أن دور المجتمع الدولي السياسي والدبلوماسي والأخلاقي وغير ذلك، يمكن أن يوضع في غير مكانه ضمن مؤسسات دولية أنشئت بهدف المساعدة على الحفاظ على منظومة القوانين الدولية الرئيسية وضمن حالة من ديمومة السلم العالمي والسلم الأهلي في البلدان المتعددة. ومن أجل ذلك، صدر عام 1948 ما اعتُبر "بياناً لحقوق الإنسان" من قِبل منظمة الأمم المتحدة. وقد وَضِعت منظومة القوانين الضابطة لهذه المنظمة على أساس مطلب تحقيق العدل بين دول العالم وبهدف تسوية المشكلات والظلم والصراعات، بالكيفية الأقرب إلى تحقيق العدالة والمساواة بين الجميع.

وقد جاء مفهوم التصويت بالأكثرية أساسياً، ولكن مفهوم "الاعتراض - الفيتو"، ابتلع ذلك المفهوم الأول، بحيث حقَّ للمعترض من قِبل واحد من الأعضاء الأساسيين أن "يخربط" العملية بكاملها، وذلك بإيقاف دور "الأكثرية"، الذي ربما كان أقرب إلى التوازن والعدل، وإيقاف النظر إلى "صوت الفيتو الواحد" على أنه هو الحلقة الحاسمة لكل مجريات المسألة المعروضة على التصويت. وما يثير النظر القانوني والأخلاقي الإنساني في ذلك النظر أنه يفرّط بالعدل وبالموقف الأخلاقي لصالح "سَسْتَمةٍ" قانونية دولية لا يمكن ائتمانها على هذين العاملين الأخيرين.

المنظمة العالمية، التي أنشئت بعيد الحرب العالمية الثانية لضبط العلاقات الدولية، تدلل الآن في موقفها مما يحدث في سوريا وربما في بلدان أخرى، على أن أمراً مهماً تفتقده، ويتمثل في القدرة على الحيلولة دون ولادة نمط من السيادية السياسية والقانونية والأخلاقية يقف في وجه من يعمل على إسقاط النمط المتخشّب من الرؤية إلى الأمور الدولية في سبيل وضع شعب أو آخر على حدّ السيف بهدف الثأر منه ومن دمائه الزكية المستباحة.

-**-**-**-**-**-*-*

القوات الدولية لم تمنع اعتداءات إسرائيل ... هل يستطيع المراقبون وقف النار في سوريا؟  .. اميل خوري

2012-04-24

النهار

تساءل وزير سابق للخارجية اللبنانية كيف لمراقبين دوليين غير مسلحين حتى وان بلغ عددهم المئات أن يتوصلوا الى فرض وقف لاطلاق النار في سوريا وفي الجنوب اللبناني قوات دولية مسلحة بالآلاف لم تستطع منع اسرائيل من اجتياحه غير مرة حتى وصلت الى العاصمة بيروت، ولم تستطع منع انطلاق العمليات الفدائية من الجنوب ضد اسرائيل، ولا معرفة من يطلق الصواريخ في اتجاه اسرائيل ولا من يزرع العبوات الناسفة التي تستهدف الدوريات، وان هي عرفت فإنها تبقى طي الكتمان؟

واضاف: أليس معنى ذلك ان المطلوب هو عدم الحسم لتبقى النار تحت الرماد، فلا هدوء في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكلما استؤنفت المفاوضات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية تظل تدور في حلقة مفرغة، واذا وضعت شروط متبادلة تبقى هذه المفاوضات مجمدة كما هو حاصل حاليا. فالسلطة الفلسطينية ترفض العودة الى المفاوضات ما لم يتوقف بناء المستوطنات، واسرائيل توافق على هذه العودة ولكن من دون شروط مسبقة... وهكذا استمر النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني الى أجل غير معروف، وفي الجنوب اللبناني لا الجامعة العربية توصلت الى حل يعيد الهدوء الدائم اليه ولا قرارات مجلس الأمن على كثرتها استطاعت ذلك، حتى أن القرار المهم الرقم 1701 ظل من دون تنفيذ باستثناء ما يتعلق بالبند الذي يدعو الى نشر مزيد من القوات الدولية ومزيد من الجيش اللبناني، والبند الآخر الذي يدعو الى وقف العمليات العسكرية من دون التمكن حتى بعد مرور سنوات على صدور هذا القرار من الانتقال الى وقف اطلاق النار.

وهكذا ظل الوضع الامني في الجنوب هشاً لأن امداد "حزب الله" بالسلاح لم يتوقف من ايران مروراً بسوريا، ولا الدولة اللبنانية القوية قامت كي تستطيع ضبط حدودها، وباتت تعيش مع اسرائيل حالة حروب حينا وهدنات حيناً آخر مدى سنوات.

ويخشى ان يصبح الوضع في سوريا كذلك في ظل مراقبين عاجزين عن جعل اطلاق النار يتوقف مهما بلغ عددهم لكي يستمر القتال بين النظام وخصومه ويسقط قتلى وجرحى كل يوم بالعشرات وأحياناً بالمئات. واستمرار القتال من دون تدخل قوى فاعلة توقفه وتحسمه قد يجعل الوضع في سوريا "يتلبنن" ويتحول فتنة داخلية تستمر الى ان يتعب جميع الاطراف فيأتي هذا التعب عندئذ بالحل مفروضاً وان مرفوضاً كما فرض على اللبنانيين حل الطائف. واذا لم "يتلبنن" الوضع في سوريا فانه قد "يتعرقن" فتسود الفوضى التي يبدو أنها مرشحة لتسود دولاً عربية قامت فيها ثورات لم يزهر ربيعها حتى الآن ويخشى أن يتحول خريفاً اذا ظلت الثورة تعيش حالة ثورات فيصبح عودها يابساً والعود اليابس لا يزهر... في مصر لم يتفقوا حتى الآن على حكم بديل من الحكم السابق، ويدور صراع بين الاسلاميين والعلمانيين والليبراليين على ذلك قد لا ينتهي ولا تقوم دولة قوية يكون لها دورها في السلم وفي الحرب. وفي ليبيا يتعرض الوضع فيها لما هو أخطر وهو محاولة التقسيم، وفي تونس تم التوصل الى تسوية متوازنة بين القوى السياسية والحزبية لكنها موقتة ولا احد يعرف الى متى تدوم. وفي اليمن لم يرس الحل الذي تم التوصل اليه بعد جهد جهيد الاستقرار وبات يخشى أن يعود اليمن يمنين كما السودان الذي كان يؤمل أن يسوده الهدوء والاستقرار بعدما اصبح سودانين واذ بالصراع على النفط يقرب خطر الحرب بينهما.

والسؤال المثير للقلق هو: سوريا الى أين؟ وهل يذهب لبنان الى حيث تذهب اذا ظل الخطاب السياسي متوتراً والانقسام المذهبي حاداً ولا كلام الا كلام التخوين والشتائم، ولا لقاء الى طاولة حوار حتى لمجرد الحوار لأن في البعد والتباعد قطيعة وجفاء؟

أما اسرائيل فهي وحدها المستفيدة من الثورات العربية حتى الآن اذا لم تهدأ، خصوصا اذا جعلت الفوضى هي التي تسود، والفوضى لا تنتهي الا بتفكيك دول المنطقة وتقسيمها، ويصبح قيام "الدولة اليهودية" أمراً طبيعياً عند قيام مثيلاتها في المنطقة، فهل هذه هي نتائج الثورات العربية، لا سمح الله، باسم الحرية والديموقراطية؟..

-**-**-**-**-**-*-*

سوريا .. مُهل على وقع القتل .. رأي الدستور

الدستور

24-4-2012

ما يجري في سوريا الشقيقة يشي بأن القطر الشقيق قد دخل الحرب الأهلية فعلاً، والتي لا أحد يعرف متى أو كيف ستنتهي؟

وما تداعياتها الخطيرة على الشعب الشقيق والمنطقة بأسرها؟..

ولكنها حتماً تنذر بتقسيم القطر الشقيق لدويلات متناحرة متقاتلة، بعد فتح الباب على مصراعيه للتدخلات الدولية، والتي بدأت فعلاً منذ أن دخلت الأزمة مرحلة الاستعصاء.

إن النظام السوري يتحمل مسؤولية ما جرى وما يجري في الدرجة الأولى، بعد أن قرر الاحتكام للسلاح والحلول الأمنية، ولم يستفد مطلقاً من تجارب الربيع العربي في مصر وتونس واليمن وليبيا..الخ.

ولم يستوعب أو يأخذ في الحسبان، نتائج فشل الحلول العسكرية وتداعياتها الخطيرة، والمتمثلة بجر المعارضة لحمل السلاح، ما يعني إطلاق شياطين الحرب الأهلية، وهذا ما حدث - مع الأسف الشديد - رغم التحذيرات الكثيرة من خطورة هذا النهج، وخطورة الوقوع في مستنقع الحرب الأهلية، والذي يهدد مصير الدولة نفسها، وليس نظام الحكم فحسب.

لقد فقد النظام مصداقيته، في ظل مناوراته لكسب الوقت والالتفاف على المبادرات العربية والدولية.. بدءاً من مبادرة الجامعة العربية، والتي تنص على انسحاب القوات المسلحة من المدن، والحوار مع المعارضة للوصول لوفاق وطني.. يفضي إلى دولة مدنية حديثة، تقوم على تداول السلطة، الى بعثة المراقبين العرب، ثم أخيراً مبادرة الأمم المتحدة والجامعة العربية، التي يقودها الأمين السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، والذي لم ينجح حتى الآن بتثبيت الهدنة الهشة.. تدل كافة المؤشرات على ان مصيرها لن يكون أفضل من سابقتها، وقد استغلها النظام لممارسة المزيد من القمع والتنكيل.

إن ما يجري مؤلم جداً، ويهدد مصير قطر شقيق، بخاصة أن المأساة مرشحة للاستمرار وقتاً طويلاً.. في ظل الانقسام العربي، وعدم جدية القوى الدولية، وغيابها عن الفعل لانشغالها بالانتخابات، ونقصد بالذات واشنطن وباريس.. كما ان “الناتو” غير قادر على التدخل، كما حدث في ليبيا الشقيقة.

إن هذه المعطيات تفرض على النظام والمعارضة معاً ان يلتزما بوقف اطلاق النار وسحب الجيش من المدن الى المعسكرات، وإطلاق حوار وطني جدي تحت سقف الجامعة العربية، يفضي لطي صفحة الماضي، صفحة الحزب الواحد، والدولة الشمولية الى الأبد، واقامة سوريا الحديثة، المرتكزة على الديمقراطية والتعددية الحقيقية، والانتخابات النزيهة، والعدالة والمساواة.. وتداول السلطة احتكاماً لصناديق الاقتراع.

مجمل القول : الشعب السوري الشقيق، هو الخاسر الوحيد، والمتضرر الأول من الحرب الأهلية التي تطحن سوريا: الوطن والشعب والدولة اليوم، ويتحمل المسؤولية الأولى النظام الذي رفض ان يستمع للشعب، ورفض أن يحترم خياراته في الديمقراطية والحرية وتداول السلطة.. فاحتكم لقوة السلاح والحلول الأمنية، والتف على المبادرات العربية والدولية، وهو ما أدى لحرب أهلية تشي بتدخلات دولية، تنذر بتفكيك الدولة، وإقامة كيانات متناحرة، ما يفرض على المعارضة والنظام التقاط الفرصة الأخيرة وتنفيذ المبادرة الدولية، قبل ان يغرقا ويغرقا الدولة كلها في مستنقع لا يخرجان منه أبداً.. والعاقل من اتعظ بغيره.

التاريخ : 24-04-2012

-**-**-**-**-**-*-*

لا بديل عن الثورة .. الياس خوري

2012-04-23

القدس العربي

تكشف التطورات المتلاحقة التي تشهدها سورية، عن عمق الأزمة التي تعيشها البلاد. فبعد اكثر من سنة على اندلاع الثورة، لا يزال النظام الاستبدادي قادرا على المناورة السياسية، ولا تزال آلته القمعية الرهيبة تعمل فتكا وقتلا وتدميرا.

واذا كان هذا الواقع يعود في جزء منه الى الدعم الروسي والايراني للنظام، والى التردد الدولي امام ما يقال انه الخوف من البديل، فان السبب الرئيسي لهذا الوضع يكمن في الداخل السوري.

هذا الخلل او ما يبدو خللا ليس سمة خاصة بالثورة السورية، بل هو جزء من حاضر الثورات العربية التي انفجرت بشكل عفوي، وكانت تعبيرا عن ارادة ما فوق سياسية، اي عن ارادة شعبية لا قيادة سياسية لها، ولم يكن مشروعها سوى صرخة انعتاق من الذل والاذلال والمهانة.

هذه السمة العامة هي نتيجة اغتيال السياسة الذي تمّ خلال العقود الأربعة الماضية، والذي كان تهميش وتهشيم القوى السياسية المعارضة احد نتائجه المباشرة. لذا انفجرت الثورات على ايدي مجموعات شبابية وبشعارات بسيطة تتلخص في عبارة واحدة تعلن ان الشعب يريد اسقاط النظام.

فالثورات العربية تتمتع بنقطة قوة هائلة اسمها العفوية والاندفاع الشعبي، لكن نقطة القوة هذه هي نفسها نقطة ضعفها. ففي مصر لم يكن استيلاء المجلس العسكري على السلطة بما يشبه الانقلاب ممكنا، لو ان قوى ميدان التحرير امتلكت القدرة على تشكيل حكومة مؤقتة معلنة اسقاط النظام في الشارع.

غابت القوى المنظمة ذات البرامج السياسية الواضحة، باستثناء الاسلاميين، الذين ترددوا قبل الانخراط في الثورة، ثم حاولوا التحالف مع الجيش من اجل تغيير مظهر النظام عبر الباس مصر قبعة نصفها عمامة ونصفها الآخر قبعة عسكرية. هذا الغياب سمح للعسكر بالاستيلاء على الحكم، لكن هذا الغياب نفسه يجعل من رد فعل الميادين مسألة غير محسوبة، ويعقّد صراع الجنرال والشيخ على السلطة.

هذا الواقع هو الذي شكّل حتى الآن نقطة ضعف الثورة السورية. فعدم وجود قيادة فعلية تقود الفعاليات الثورية المختلفة، افقد الثورة ورقة القدرة على المناورة، بل اغرق قيادات المعارضة في الخارج في خطابات عشوائية لا فائدة منها.

غير ان الثورة كانت في مكان آخر، فالثورة التي تواجه نظاما لا يرتدع عن استعمال كل الأسلحة من قصف وقتل وتدمير واغتصاب، شكلت بناها الجماهيرية والتنظيمية مثل عناقيد العنب، اي بدون قيادة مركزية، بحيث تتبادل المدن التصدي للقمع، ولا تنطفيء الثورة حتى بعد الاجتياح الوحشي لبابا عمرو في حمص، على سبيل المثال. كما ان عنقودية العمل الثوري امتدت الى المدينة الواحدة نفسها، فكما فصل النظام احياء المدينة الواحدة بالدبابات، نجح الثوار في بناء شبكاتهم العنقودية بحيث تكون مستقلة عن بعضها البعض. فالوعر تتظاهر رغم ان بابا عمرو مدمرة والى آخر...

ما يبدو واقعا ملائما للمواجهة، ليس انعكاسا لنضج سياسي تنظيمي، بل هو نقيض ذلك. انه احد مظاهر غياب القوى السياسية او هامشيتها، وعدم قدرة المجلس الوطني على بناء رؤية سياسية تقدم مشروعا للخلاص من الاستبداد ينطلق من قواعد الثورة ومناضليها الميدانيين.

ربما كان هذا النقص هو السبب الأساسي في اعطاء النظام هذه القدرة على التماسك. صحيح ان الآلة القمعية التي بناها الأسد الأب على النمط الكوري الشمالي، هي آلة صماء، لكن هذا الصمم كان من الممكن البدء بكسره عبر برنامج وطني ديموقراطي واضح المعالم، يتحول الى جزء من الممارسة الشعبية اليومية، وعبر بناء استراتيجيات متعددة للمواجهة.

نقطة الضعف هي نقطة القوة، والعكس صحيح. هذا ما يفسر كيف ولماذا لم يستطع النظام اخماد الثورة. 'فعقيدة حماه' التي ابتدعها النظام عام 1982، جرى تطبيقها على جرعات، وصلت الى ذروتها في حمص، ولكنها لم تنفع. فالآلة القمعية تضرب جسما زئبقيا لا يتشكل الا لينفرط ويتشكل من جديد. واجهزة الأمن تفاجأ بأن رصدها للمعارضين صار بلا جدوى. فهناك قيادات جديدة تنشأ من امكنة خفية لم يكن النظام يتوقعها، لذا تصير 'انتصاراته العسكرية' بلا فائدة.

من هنا فالثورة لن تتوقف، واحتمال تهدئة القصف مع الوصول المرتقب للمراقبين الدوليين، بحسب خطة عنان، سوف تكون مناسبة لتجديد قدرة الهبات الشعبية على الانطلاق من جديد. هذا من دون ان نتوهم ان النظام سوف يتوقف عن القمع والقتل، بل اغلب الظن ان الخيال القمعي الاجرامي سوف يبتكر اساليب جديدة ومفاجئة.

نقطة ضعف الثورة تعني ان المعاناة الطويلة سوف تطول، وان هناك جهدا سياسيا وفكريا يجب ان يتشكل من براعم بدأت تتفتح. وان على جميع الذين يؤيدون ثورة الشعب السوري ان لا يبخلوا بالدعم والنقد. نقد الممارسات الخاطئة هو دعم، كما ان بناء شرعة ثورية اخلاقية تبدأ بنبذ الطائفية وترفض الانتقام، صارت مهمة عاجلة.

اعجابنا بالثورة وعفويتها ودهشتنا بالتضحيات الهائلة والعظيمة التي قدمها ويقدمها السوريات والسوريين، يجب ان لا تمنعاننا من الاشارة الى نقطة الضعف، التي لم تعد مقبولة، وتشير الى تخلف النخبة السياسية عن الشعب بشكل غريب ومستغرب.

لكن الثورة هي الخيار الوحيد، كل التقد يجب ان ينطلق من المعطى الذي تصنعه الثورة، ويصب في فتح آفاق جديدة من اجل ترسيخ القيم الثورية. وكل كلام آخر وكل دعوة للتسامح مع النظام باسم اخطاء الثورة او مشكلاتها هي انسحاب من السياسة والحياة.

لا بديل عن الثورة.

ولا تراجع قبل سقوط النظام، وتأسيس الديموقراطية.

من هذين المنطلقين تبدأ السياسة، التي يجب ان تبقى مخلصة لصرخة الأعماق التي حولت نداء الكرامة الانسانية الى اكبر حدث سياسي في تاريخ العرب الحديث.

-**-**-**-**-**-*-*

«مقدمات» لمرحلة سورية جديدة؟! .. محمد مشموشي *

الثلاثاء, 24 أبريل 2012

الحياة

لعل الخطأ الكبير الذي وقعت فيه الجامعة العربية، وبعدها مجلس الأمن الدولي، في مقاربة الأزمة المديدة (أربعة عشر شهراً حتى الآن) بين النظام السوري والثورة الشعبية المتصاعدة ضده، تمثل في التعاطي «البريء» (هل هو بريء فعلاً؟!) مع المقولة التي رددها النظام منذ اليوم الأول للثورة عن وجود «عصابات مسلحة» وبالتالي «عنف متبادل» في سورية أكثر من أي شيء آخر.

كانت مقولة النظام هذه مدخله للهروب من موجبات الثورة ضده، وحتى من «الإصلاحات» السياسية التي تحدث عنها، إضافة طبعاً إلى إفشال مبادرة الجامعة العربية سابقاً تحت عناوين لم تخرج أبداً عن الذريعة ذاتها. وبنظرة سريعة إلى ما يفعله النظام إزاء خطة المبعوث الدولي – العربي كوفي أنان، فهو لا يخرج بتاتاً عن الهدف إياه، على رغم ادعاء التزام الخطة والإيهام بأنه يرغب في تنفيذ بنودها.

ولا يعني غير ذلك، عملياً، سعي النظام لتطويق خطة المبعوث الدولي – العربي منذ إعلان موافقته عليها بعدد من المناورات التي تصب في الإطار ذاته على الشكل الآتي: أولاً، ربط الناطق باسم الخارجية جهاد المقدسي قبول الخطة بضمانات مكتوبة من كل من السعودية وتركيا وقطر بعدم تسليح أو تمويل أو تشجيع «المجموعات المسلحة» وحديث وزير خارجيته وليد المعلم عن «حق القوات المسلحة السورية، على رغم ذلك، بالدفاع عن النفس». ثانياً، تأجيل بدء تنفيذ الخطة إلى يوم 12 نيسان (أبريل)، وليس 10 منه كما هو النص، بهدف تصوير الأمر وكأنه «وقف إطلاق نار» بين فريقين متحاربين، مع أن الخطة حددت يوم 10 نيسان لسحب الدبابات والمدرعات والمدافع من الشوارع ليتبعه التزام الثوار يوم 12 منه. ثالثاً، المسارعة إلى اتهام المعارضة، منذ الساعات الأولى لبدء التنفيذ يوم 12 نيسان، بخرق ما وصفته تصريحات أركان النظام بأنه «وقف إطلاق النار». رابعاً، اشتراط الوزير المعلم أن يكون المراقبون الذين أطلق عليهم وصف أنهم «قوات حفظ سلام» (وللتعبير مغزاه من وجهة النظر السابقة إياها) من دول «محايدة»... أي عملياً، مؤيدة للنظام.

ومن دون إغفال المصالح الخاصة وعلاقات القوى في العالم، فلا شك في أن الذريعة ذاتها كانت ولا تزال في أساس الموقفين الروسي والصيني اللذين شكلا شبكة أمان كاملة لهذا النظام حتى الآن سواء في مجلس الأمن أو أمام اللجنة الدولية لحقوق الإنسان أو في وجه الدعوات لإحالة جرائم النظام إلى محكمة الجنايات الدولية. وإذا كانت الصيغة الأخيرة لقرار مجلس الأمن، كما أقرت في نهاية المطاف، قد وفرت لنظام بشار الأسد فرصة جديدة لمواصلة عملياته الحربية ضد شعبه وسفك المزيد من دمائه، وصولاً إلى إفشال الخطة كلها كما كانت الحال مع المبادرة العربية، فاستخدام هاتين الدولتين سيف الفيتو (حق النقض) مرتين قبل ذلك لمنع المجلس من إصدار قرار حاسم يضع حداً للأزمة ويحقق طموحات الشعب السوري في الديموقراطية والحرية والعدالة، إنما وجد مبرراً له (أمام شعبي الدولتين على الأقل) في مقولات النظام عن «المجموعات المسلحة» و «العنف المتبادل» من ناحية أولى و «المؤامرة الخارجية» من ناحية ثانية.

ولعله لهذا السبب تحديداً، بدا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أكثر من زميله الوزير المعلم، ومن دون مناسبة في بعض الأحيان)، أكثر حرصاً على رفع لافتة «العنف المتبادل» كلما جرى الحديث عن إنهاء حملة القمع التي يقوم بها نظام الأسد بدعوى محاربة المسلحين وإحباط «المؤامرة الخارجية» التي يقول إنها تستهدفه.

لكن، هل يقف هدف النظام عند حدود محاولة كسب الوقت، على الطريق إلى إنهاء الثورة بالقوة المسلحة، وتالياً إفشال خطة أنان فقط، أو أقله اعتبارها كأنها لم تكن؟

غني عن البيان، أن التكتيكات التي يقوم بها النظام – سياسياً وديبلوماسياً وعملياً على الأرض – منذ إعلان موافقته على خطة أنان ذات البنود الستة واستقباله طليعة المراقبين الدوليين، تشي بما قد يكون أبعد من ذلك وأكثر خطراً منه بكثير.

فالإصرار على مقولات «العصابات المسلحة» و «العنف المتبادل» و «المؤامرة الخارجية»، مضافاً إليها اعتبار أن الخطة الدولية – العربية هي مجرد «وقف إطلاق نار» بين قوات النظام وهذه المجموعات، يعني بالنسبة للنظام، الذي طالما حذر من «حرب أهلية» سورية ومن «زلزال» يعم المنطقة كلها في حال تهديد النظام في بقائه، أنه لن يدع باباً إلا ويطرقه ولا نافذة إلا ويستعملها، للهروب من المصير الحتمي الذي بات ينتظره: السقوط.

بعد «وقف إطلاق النار»، الذي تبناه النظام وادعى أنه وافق عليه ويسعى إلى التزامه، لن يكون مستغرباً أن يسمع السوريون والعرب ومعهم العالم في الأسابيع القليلة المقبلة كلامه على «خطوط تماس» بين المناطق وربما داخل المدن والبلدات والقرى السورية. وقد لمح النظام علناً إلى ذلك عندما تحدث في مرحلة سابقة عن انسحاب قواته من الزبداني أو جسر الشغور أو غيرهما.

وبعد تعبير «قوات حفظ السلام»، الذي استخدمه النظام من دون غيره من دول العالم في وصف المراقبين، لن يكون مفاجئاً أن يبدأ مسؤولوه باتهام المراقبين بعدم الحيادية من جهة، وبالمشاركة في تنفيذ «المؤامرة الخارجية» من جهة ثانية، وبانتهاك سيادة الدولة السورية من جهة ثالثة. ولا يعني كلام جهاد المقدسي عن ضمانات مكتوبة من السعودية وقطر وتركيا بعدم تسليح المعارضة أو تمويلها أو تشجيعها، وإن لم يكرره مرة أخرى، إلا إشارة ذلك.

وبعد إعادة رفع لافتة المعلم، في سياق إعلانه الموافقة على الخطة، القائل ب «حق قوات النظام بالدفاع عن النفس»، وكلامه على مسؤولية هذه القوات عن حفظ الأمن وملاحقة وتوقيف المسلحين غير الشرعيين، من يضمن عدم لجوء النظام إلى تحويل فريق المراقبين إلى ما يشبه «شهود زور» تقتصر مهمتهم على تسجيل الخروقات... على الطريقة السورية ذاتها في لبنان على مدى سنوات الحرب الأهلية فيه؟

ليس جديداً القول إن نظام بشار الأسد استعد منذ بداية الثورة، والبعض يقول منذ أيام الرئيس السابق حافظ الأسد، لاقتطاع مساحة محددة له من الأرض السورية ومواصلة القتال منها دفاعاً عن نفسه لشهور وربما لسنوات... حتى لو أدى ذلك إلى زج البلاد في حرب أهلية وتقسيمها في نهاية المطاف.

هل تعطي المقدمات الآنفة الذكر مؤشرات إلى مرحلة سورية جديدة: بدء وضع هذا السيناريو قيد التطبيق الفعلي؟

* كاتب وصحافي لبناني

-**-**-**-**-**-*-*

الرهان على مهمة أنان .. عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

24-4-2012

مع إبداء كامل التفهم لخيبات الأمل المتلاحقة، وفهم دواعي حالة الشك المستحكمة بعقول السوريين المكتوين بنار المهل وفترات السماح الممنوحة للنظام القمعي المتوحش، وفوق ذلك تقبّل تحفظاتهم المشروعة إزاء المعالجات الدبلوماسية العاجزة عن وقف حمام الدم المروع، فإن ذلك كله لا ينفي حقيقة أن الأزمة المستفحلة قد اجتازت بعد لأي شديد نقطة تقاطع مهمة على طريق التفافية طويلة، وانتقلت من كونها مسألة داخلية محكومة بموازين قوى مختلة، إلى كونها قضية تحت سلطة مجلس الأمن الدولي.

ولعل إجراء مقارنة سريعة بين ما كان عليه موقف النظام غداة انعقاد أول اجتماع لوزراء الخارجية العرب، وبين ما آل إليه الغرور السياسي وعماء البصيرة من عزل وتهميش وصل حد النبذ والإقصاء فيما بعد، يدلنا على أن التراكم الكمي المتدرج على مسار المقاربات الدبلوماسية الحذرة، قد تحول إلى تراكم نوعي، أفضى في النهاية إلى فتح نافذة جانبية تهب منها رياح عاصفة، هشمت صورة النظام المتكبر، ونزعت من بين أسنانه الفولاذية مزاعم الفرادة عن غيره كدولة ممانعة محصنة.

 كانت بعثة المراقبين العرب، على كل ما اعتراها من عيوب ونواقص، أول مسمار في نعش دفوعات النظام المغالي بشدة في التمسك بشرعيته الكاملة وسيادته المطلقة، وذلك بمجرد أن أكره على الدخول في امتحان تبرير ذاته، وأجبر على وضع تصرفاته تحت عين الرقابة والمحاسبة من خصومه. كما كان فشل تلك البعثة المتوقع سلفاً، بمثابة خطوة استهلالية، لترفيع الأزمة ونقلها من النطاق الإقليمي إلى المستوى الدولي، على نحو ما جرى عليه الحال مؤخراً في بيان رئاسي، وقرارين متعاقبين لمجلس الأمن أطلقا بعثة كوفي أنان المشتركة.

ومن غير أي مجازفة في التفاؤل بمهمة هذه البعثة المشتركة، فإن دخولها حيز التطبيق مهما كان عسيراً، أمر من شأنه أن يخلق ديناميات جديدة في مسار الأزمة. إذ من المقدر لكل إجراء أن يزيد من زخم قوة الدفع المتكونة، وأن يفتح أمام ثورة الكرامة والحرية مسارب أوسع من ذي قبل لاستعادة زمام الفعاليات السلمية، فيما يشكل كل قيد إضافي على تفلتات النظام تقليصاً لقدراته على المراوغة، ومن ثم دفعه دفعاً إلى الملاينة وإظهار حسن النية، وهو تطور من شأن تحققه أن يحدث الانعطافة المطلوبة، ويضع النظام المستبد أمام لحظة الحقيقة الكاملة.

ومع أن التجارب المريرة السابقة تدعو إلى الحذر، يمكن القول إن التعويل على مهمة كوفي أنان يستحق الرهان، كونها تشكل مخرجاً لروسيا التي تبدو شديدة التمسك بهذا البديل عن استمرار التمسك بنظام انتهى في واقع الأمر، ويجنبها متاعب مجابهة طويلة مع الغرب، ومحرجة مع العرب. وفوق ذلك، فإن ما تمتلكه هذه البعثة من تغطية سياسية، وجداول زمنية، وإمكانات لوجستية، وآليات مراقبة دورية، أمر يؤهلها لتحقيق اختراق نوعي، وإيجاد فرصة يمكن البناء عليها أكثر بما لا يقارن من البعثة العربية.

إن ما تنطوي عليه بعثة كوفي أنان من ممكنات واعدة، قد يشكل نقطة اللاعودة في مسار حل الأزمة، حتى وإن تعثرت أحيانا، وهي الفرصة السانحة لإدارة الأزمة حتى لا نقول حلها. وأكثر من ذلك، فإن فشلها سوف يبني على الشيء مقتضاه، ويعجل في تدفيع النظام المعزول كامل استحقاقات الإخفاق في الوفاء بالتزاماته، وبالتالي بناء خيارات أخرى، تشرع الأبواب أمام معالجات جراحية قاسية تلوح في أفق قريب.

-**-**-**-**-**-**-*

جدوى المراقبين في ظل استمرار القتل..!! .. بقلم/ أنور صالح الخطيب*

الراية

25-4-2012

تشكل الجريمة التي ارتكبتها قوات النظام السوري والمتمثلة بإعدام تسعة من الناشطين السوريين الذين كانوا قد التقوا وفد المراقبين الدوليين أثناء زيارتهم لمدينة حماة يوم الأحد الماضي بعد أن قصفت أحياء في المدينة موقعة 45 قتيلا جريمة ضد الإنسانية وخرقا فاضحا لالتزام السلطات السورية بتعهداتها أمام المجتمع الدولي بوقف القتل وعدم التعرض للناشطين الذين يلتقون فرق المراقبين واستخفافا بمجلس الأمن الدولي ومبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي عنان.

الرابطة السورية لحقوق الإنسان أصدرت بيانا وزعته على وسائل الإعلام كشفت فيه عن تعرض مدينة حماة الاثنين لحملة عسكرية وأمنية كبيرة في اليوم التالي لزيارة أعضاء لجنة المراقبين الدوليين الذين زاروا أحياء المدينة والتقوا أهاليها الذين أطلعوهم على معاناتهم ونتائج العمليات العسكرية والأمنية التي تعرضت لها المدينة حيث استهدفت القوات العسكرية أحياء المدينة بقصف شديد وتركز القصف بشكل أساسي في حي الأربعين ومشاع الأربعين وحي البياض وأسفر عن سقوط أكثر من 45 قتيلا و150 جريحا. ثم قامت القوات العسكرية والأمنية بمرافقة ميلشيات مدنية مسلحة موالية للنظام باقتحام حي الأربعين ومشاع الأربعين واعتقلت العديد من الناشطين وقامت بعمليات إعدام ميدانية بحق تسعة من الناشطين الذين قاموا بلقاء أعضاء وفد المراقبين الدوليين.

الجريمة المروعة الجديدة التي ارتكبتها قوات النظام ضد مدينة حماة وضد الناشطين السوريين تعد جريمة جديدة ضد الإنسانية وتضاف إلى سجل الجرائم المتكررة التي يرتكبها النظام السوري بحق المدنيين والتي يجب أن لا تمر دون محاسبة ويجب أن تدفع المجتمع الدولي للتحرك ضد النظام بكل الصور الممكنة بعدما ثبت أنه لا يقيم وزنا لتعهداته.

مسؤولية الجريمة المروعة التي يجب أن لا تمر دون عقاب تطرح العديد من الأسئلة عن دور

دور المراقبين الدوليين في حماية الشهود الذين من المفترض توفير الأمان لهم وضمان عدم تعرضهم للانتقام والترهيب من قبل أجهزة الأمن السورية كما تضفي ظلال من الشك على جدوى مهمة نشر بعثة المراقبين الموسعة التي أقرها مجلس الأمن الدولي والتي سيصل عددها إلى 300 مراقب في حال استمرت خروقات النظام السوري لوقف إطلاق النار الذي من المفترض أن يكون قد دخل حيز التنفيذ في الثاني عشر من الشهر الجاري وفي حال قامت أجهزة النظام وجيشه بإعدام كل ناشط يجرؤ على اللقاء بالمراقبين وشرح ما يتعرض له المدنيين وما تتعرض له المدن والبلدات السورية من قصف ممنهج وحصار مستمر.

الطريق أمام مهمة المراقبين الدوليين الذين وصلت طلائعهم إلى دمشق لمراقبة وقف إطلاق النار لا تبدو مفروشة بالورود فالعنف لا زال سيد الموقف في المدن والبلدات السورية وقوات النظام التي لم تنسحب من المدن والبلدات حسب مبادرة كوفي عنان لا زالت تقصف وتستهدف المدنيين حيث لم يتوقف سقوط الضحايا رغم دخول المبادرة حيز التطبيق.

إن ما تشهده المدن والبلدات السورية من استمرار للقتل وحصار المدن والبلدات وقصفها واستهداف الناشطين بالاعتقال ومن ثم إعدام الناشطين الذين يلتقون بفرق المراقبين

يبعث على الشك في إرادة النظام في سوريا احترام وقف إطلاق النار ووقف سيل الدم المتواصل منذ أكثر من عام وتطبيق مبادرة المبعوث الدولي ومبعوث الجامعة العربية.

فاستمرار قصف المدن وتواصل سقوط الضحايا المدنيين بقدر ما يعمق الأزمة ويزيد من تداعياتها السلبية على سوريا يؤشر إلى أن النظام السوري يدفع بالبلاد عن سابق تصور إلى الهاوية والى المستقبل المجهول. ويؤكد أن كتابات الشبيحة التي انتشرت على جدران المدن والبلدات والشوارع في سوريا التي ترد على ثورة الشعب السوري المطالب بالحرية والديمقراطية والتغيير بالقول"الأسد أو لا أحد" لا تمثل رأيا فرديا بقدر ما تمثل نهج النظام وتعبر عنه فإما أن يستمر الأسد في السلطة أو تذهب سوريا إلى الجحيم.

لقد فشل المجتمع الدولي في حماية الشعب السوري وفشله وانقسامه الواضح تجاه ما يحدث في سوريا دفع النظام إلى مزيد من التطرف والعنف وقتل المدنيين كخيار وحيد ينتهجه في وجه الثورة الشعبية السورية..لكن الشعب السوري الذي خرج عن بكرة أبيه ضد نظام التسلط والديكتاتورية لن يقبل أن يفشل وتنكفئ ثورته وتذهب تضحيات أبنائه سدى وهو حتما سينتصر رغم تخاذل القريب والبعيد.

جريمة حماة التي ارتكبتها قوات النظام ضد الناشطين وضد أهل المدينة لن تمر دون حساب فزمن الإفلات من العقاب ولى ودماء الثوار ستنتصر عاجلا أم آجلا على الطغاة.

*كاتب وصحفي أردني

-**-**-**-**-**-*-*

"الصحافي المواطن " قوة داعمة للمجتمع المدني وللتعبير .. بقلم/ ريم خليفة*

الراية

25-4-2012

المتتبع لتطورات الساحة الداخلية في أكثر من بلد عربي يجد أن أعداد المتطوعين في مجال صحافة المواطنة في تزايد يوما بعد يوم والسبب يرجع إلى ضرب مؤسسات المجتمع المدني واختراقها من أوجه مختلفة تسعى فيها الأنظمة إلى إضعافها ومن ثم استخدامها كغطاء لتسويق الصورة التي يريد منها النظام التغطية على ممارساته من قمع وفساد.

وظاهرة الصحافي المواطن هذه، هي ظاهرة جديدة طرأت على المجتمع مع تطور أدوات الإعلام الجديد مما مكن أي شخص أن يصنع الخبر من خلال تصوير الحدث مباشرة والتعليق عليه بينما الأدوات الأخرى التي صاحبت التطور في أدوات الانترنت مثل التويتر فشعبيتها في ازدياد داخل المجتمعات العربية عن الغربية لكون حرية التعبير مسموعة ومصانة في تلك المجتمعات عنها في المجتمعات العربية.

ففي الغرب المتقدم لا يعتمد الناس كثيرا على أداة مثل تويتر في التعبير بقدر أنهم يحتاجونها للتواصل مع الأصدقاء أو من أجل التعرف والإلمام بما يحصل في مناطق وبلدان أخرى بعيدة عن قارته ومكان إقامته، ببساطة التعبير لمواطني هذه الدول ليس صعبا ففي الحالات الفردية فإن بإمكان أي شخص أن يجلس في المكان الذي يريده ويحمل لافتة يعبر فيها عن اعتراضه أو اعتصامه دون أن يثير حفيظة أحد بما فيها الدول وهو مشهد يومي ومكرر.

إن صحافة المواطن تطورت لتكون شريكا حيويا ينافس الإعلام التقليدي في صنع ونشر الخبر ونقل الحدث بسرعة وقوة داعمة لمؤسسات المجتمع المدني التي قد تلجأ إليها لتعزيز فكرة وقضية رأي ما من أجل نشرها بأكبر نطاق ممكن ومن أجل لفت انتباه الرأي العام الداخلي والخارجي وذلك ضمن حملات منظمة أو عرضها على فناء أكبر من خلال أدوات الإعلام الجديد.

ولو نظرنا إلى بداية صحافة المواطن فقد بدأت مع ظهور المدونات الالكترونية على الانترنت " البلوغرز" الذي يقوم المستخدم من خلاله بكتابة أفكاره وخواطره دون رقيب التي في كثير من الأحيان تحولت إلى مساحة حرة تؤثر وتتأثر مع المحيط ولكنها في أحيان أخرى تكون ناقدة للدولة أو للمجتمع فيتم استهداف أصحابها لمجرد الاختلاف في الرأي والفكرة.

ولقد تطورت المدونات لتصبح مع أجواء مرحلة الصحوة العربية فضاء آخر وبديلا آخر لصوت المواطن الذي لا يجد فيه مكانا بالإعلام التقليدي والرسمي والخاص لذا فقد ظهر تدشين قنوات وشبكات إخبارية تذيع الخبر وتصنعه من خلال أحداث الشارع كمصدر رئيسي لأخبارها. وهي شبكات غير قانونية حتى الصحافي المواطن بعيد كل البعد عن دراسة الإعلام ولكن تناقل الخبر والصورة والحدث يكون من أجل تناقل وجهات نظر بين الشباب بمختلف التوجهات والانتماءات وهي مساحة لا تتوفر في الإعلام التقليدي الذي يعزز فكرة واحدة وثقافة واحدة وهو أسلوب ما عاد يجدي أثره مع ثورة الإعلام الجديد.

الكثيرون اليوم يصورون الحدث ويكتبونه عبر الهواتف النقالة ويرفعونها لحظيا على شبكات التواصل الاجتماعي مثل تويتر والآن عبر الشبكات الإخبارية أو صفحات الفيسبوك قبل أن تتناقلها وسائل الإعلام كالذي حدث ويحدث في بلدان المنطقة العربية وعلى رأسها مصر.

ففي مصر وجدت فكرة استديو مقام على ظهر سيارة "بيك اب" مفتوحة تجول الشوارع والمناطق لتنقل آراء وهموم الناس والشباب وهي فكرة لاقت رواجا كبيرا خاصا بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك.

ومن أشهر أصحاب هذه الفكرة المستمرة حتى اليوم " استديو ذيع انت" التي أسسها مجموعة شباب متطوع عددهم خمسة أقاموا استديو متنقلا بسيارة تجوب الشوارع بالقاهرة والمحافظات المختلفة والديكور الخارجي يمثل كل شرائح المجتمع على الخروج من سجن الاستديو لتعبر عن نفسها نظرا لفشل وسائل الإعلام المختلفة داخل مصر في التعبير عن الشعب.

هذا الاستديو المتنقل يقدم حملات توعوية اجتماعية وسياسية إضافة إلى برامج حوارية يصنعها الجمهور وتبث عبر قناة المبادرة على موقع "يوتيوب". وتعتبر مبادرة "ذيع انت" أسلوبا جديدا للتعبير في القضايا المختلفة بل ويفتح أمامه مجالا لتبادل وجهات النظر في حل مشاكل اجتماعية وسياسية قد لا يراد منها الانتشار أو إيصال صوت من يعيش تحت قهر سياسي واجتماعي ما.

إن الصحافي المواطن هو جزء من الشعار الذي يدعو "اصنع إعلاما بنفسك" وهو ما حث ويقوم به الشباب المصري من بعد ثورة 25 يناير 2011 وحتى اليوم وهو أيضا جزء من الصحوة العربية التي بدأت تنشر مفاهيم حقوق الإنسان وأهمية الحقوق السياسية والمدنية في صنع مستقبل أفضل يشارك فيه الجميع بشكل متساو ومنتخب.

من هنا يرى المراقبون في ظل المرحلة التي تعيشها المجتمعات العربية أن صحافة المواطن تطورت عربيا بدافع التوثيق لأحداث تريد أن تدافع عن قيمة الإنسان وحريته وعدالته لذا فإن كثيرا منها يأتي بدافع الحس الوطني لا بحثا عن المال والشهرة خاصة في أوساط الشباب الذي يصور لينقل من خلالها صوته ومطالبه في مشاركة فعالة حتى أصبح أداؤه قوة داعمة لمؤسسات المجتمع المدني ومصدر قلق وتهديد للأنظمة التي تحارب صوته وتقمع أدوات الإعلام الجديد بحروب مختلفة انتهت بعضها ومستمرة مع بعضها الآخر.

*كاتبة وإعلامية بحرينية

-**-**-**-**-**-*-*

إجراءات حازمة لحماية الشعب السوري .. رأي الراية

الراية

25-4-2012

جددت دولة قطر موقفها الداعي إلى اتخاذ إجراءات حازمة لحماية الشعب السوري في حال عدم امتثال السلطات السورية لأحكام قرار مجلس الأمن 2043 الذي أذن بنشر بعثة من المراقبين العسكريين في سوريا لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار وتنفيذ خطة كوفي عنان المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية ذات النقاط الست.

الدعوة القطرية جاءت في بيان أدلى به أمام مجلس الأمن في اجتماعه الذي عقد لمناقشة الحالة في الشرق الأوسط بما في ذلك القضية الفلسطينية حيث أكد القائم بأعمال الوفد الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة على دعم قطر لتنفيذ قراري مجلس الأمن 2042 و 2043 بشأن إرسال مراقبين إلى سوريا.

المطالبة القطرية بضرورة حماية الشعب السوري تأتي في الوقت الذي واصلت الحكومة السورية خرقها لالتزاماتها وأبقت على القوات العسكرية في المراكز السكنية وواصلت قصف المدن بالأسلحة الثقيلة وبالطائرات المروحية، كما واصلت حملات الاعتقال والتعذيب والانتهاكات الأخرى وهو ما يؤكد عدم التزامها بأي من البنود الستة لخطة المبعوث المشترك كما أشارت إلى ذلك رسالة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى مجلس الأمن الدولي.

لقد دعت دولة قطر ولا زالت منذ انطلاق الثورة السورية إلى وقف قتل المدنيين وضرورة أن تتوقف السلطات السورية عن استخدام الخيار العسكري في وجه المطالبات الشعبية بالحرية والديمقراطية والتغيير حرصا على تماسك الشعب السوري ووحدته وسيادة سوريا الشقيقة واستقلالها ووحدة أراضيها.

إن قيام النظام السوري بقصف البيوت والمساجد والكنائس بالدبابات وقذائف الهاون والمدافع والطائرات يشكل جريمة حرب وإرهاب دولة ضد المدنيين لا يمكن للمجتمع الدولي السكوت عليها ويجب السعي لمحاسبة مرتكبيها من خلال المحاكم الدولية.

استمرار القتل والعنف واستهداف المدنيين وحصار المدن وقصفها حتى في ظل وجود المراقبين الدوليين وعدم التزام النظام السوري بسحب الجيش والأسلحة الثقيلة من المدن وما كشفت عنه رابطة حقوق الإنسان في سوريا عن إعدام 9 من الناشطين في مدينة حماة ممن التقوا بالمراقبين الذين زاروا المدينة لاستطلاع الأوضاع فيها والتأكد من مدى التزام النظام بوقف إطلاق النار يرتب على المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية كبيرة في السعي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير الحماية للشعب السوري من بطش النظام.

-**-**-**-**-**-*-*

إلى يارا ميشيل شماس وأخواتها ... وطنكم فخور بكم .. زهير سالم*

ليس كفؤا لشجاعة وجرأة الشابة السورية المناضلة ( يارا ميشيل وشماس ) بعد عشرين يوما من اعتقالها أن نزجي إليها التحية والتجلة والإكبار فقط .... فما تستحقه ( يارا ) وأخواتها من رعاة الحقيقة في سورية أكبر من كل تحية وتجلة وإكبار ...

وحين يحق لمنظمة ( مراسلون بلا حدود ) أن تعرب عن قلقها عما تتعرض له ( يارا ) وأخواتها وإخوانها من اعتقال أو احتجاز أو مواجهة بمحاكم التفتيش فإن من حقنا نحن السوريين جميعا أن نعلن عن إحساسنا بالفخر بما يصنعه هذا الجيل من الصبايا والشباب من أبناء سورية الحرة الأبية ...

ولقد ظل الشعور بالفخر يعاني منذ ثمانينات القرن الماضي من الكبت المرتبط بحالة من استصغار الذات بدل من الاعتزاز بالانتماء والانجاز . لقد عمل الرهط المستبد بسورية وأهلها على سبيل التعويض أن ينفس عن هذا المكبوت من خلال تبني انتصارات الآخرين في فلسطين ولبنان والعراق . كما حاول الفنانون السوريون الهروب من معاناة التجربة التي تدفع إلى النشوة بالانجاز إلى الارتداد إلى تجارب ماضوية من ( باب الحارة ) ومشتقاته في الدراما السورية ...

ما تفعله اليوم صبايا سورية ؛ يارا ميشيل شماس ويارا بدر ونورا الجيزاوي ورزان غزاوي وميادة الخليل وثناء زيتاني وهنادي زحلوط وماري اسكندر عيسى ومن قبل طل الملوحي مع جيل كامل من الأمهات والأخوات والبنات السوريات اللواتي تصلح كل واحدة منها لتكون تاجا يفخر به السوريون جميعا على مدى الزمان وأن ينشدوا لعرائس الشام الأبيّات الكريمات العزيزات ..

يا عروس الشام تيهي واسحبي    في مغانينا ذيـول الشـهب

وحين يقدم رهط الإثم على اعتقال يارا وأخواتها فإنهم يعتقلون على الحقيقة الكلمة الحرة المعبرة عن ضمائر الأحرار . ولا يستطيع هذا الرهط أن يزعم في حديثه عن تسويغ اعتقال ( يارا ) أنها كانت إرهابية أو أصولية متطرفة ، ولا كانت جزء من عصابة مسلحة أو انتحارية تريد أن تلعب مع النظام لعبة الدم التي ولغ فيها وأولع بها .

إن اعتقال يارا وأخواتها وكل أبناء وبنات جيلهاهو اعتراف ضمني من هذا الرهط على نفسه أنه كان وسيبقى رهط ( قدار) الذي عقر الناقة وقال الله تبارك وتعالى فيهم (( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ..)) . هل يستطيع السوريون اليوم أن يخصصوا معركتهم مع الرهط هؤلاء وأن يحاصروهم في إثمهم وشرهم وفسادهم ....

وفي اعتقال ( يارا ميشيل شماس ) والكثير من أخواتها وإخوانها وصبرهم وإبائهم ورفضهم للعبودية في سورية المشتاقة إلى الحرية المتطلعة إلى آفاقها يأتي النقض الأبلغ لكل دعاوى الهراطقة الذين زعموا أن أبناء المسيحية في سورية يناصرون الاستبداد وأنهم يخافون من الحرية ، وما يمكن أن يحمله ربيعها . وحين تتجرأ ( يارا ) وأخواتها اليوم على التصدي للاستبداد بوجهه الكريه ، وبهذه العزيمة الماضية فإنهن سيكنّ أقدر في الصبح القريب على نسج خيوط عباءة المجد لكل السوريات والسوريين ....

 

و يأتي اعتقال ( يارا ) في بعض دلالاته المتكاثرة فضحا لكل حديث الإفك عن الإصلاح المزعوم . فحسب منطق هؤلاء المستبدين كل أعمال القتل والاغتصاب والسرقة والنهب لا تهدد الوحدة الوطنية في سورية وإنما يهددها حديث ناعم في زاوية مقهى أو حوار هادئ في وحدة تفكير وطني ...

هل سيسمح لنا الزميل ميشيل شماس أن نشاركه مشاعر الأبوة تجاه ما تواجهه ( يارا ) . كتبنا كثيرا من قبل نشجب ونستنكر وندين فهل لنا أن نتحول مع ربيع وطننا القادم إلى القول ...

إلى يارا وأخواتها وبنات وأبناء جيلها ....

إلى كل الصبايا والشباب القابضين على جمر التحدي حتى النصر .. نحن فخورون بكم . ودروب المجد فخورة بكم . وسورية كلها فخورة بكم ...

لندن : 28 / 4 / 2012م

*زهير سالم : الناطق الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين في سورية

-**-**-**-**-**-*-*

سوريا موقع لحرب باردة جديدة! .. يوسف الكويليت

الرياض

25-4-2012

أنان كفاءة سياسية دولية، وإن فشل في مساعيه كأمين عام للأمم المتحدة بحل قضيتي رواندا وكوسفو، وغيرهما، وهو ليس ذنبه، بل الظرف الدولي والواقع الخاص لكل مشكلة، ومهمته في سوريا الأعقد، لأن أعضاء مجلس الأمن منقسمون أصلاً بين جبهة مؤيدة لنظام الأسد وتدعمه مادياً وعسكرياً، وبين أخرى اهتماماتها لا ترقى إلى المسؤولية الأدبية والأخلاقية تجاه شعب يقتل، وإن كنا على يقين أن السياسة أصلاً تقوم على الجانب اللا أخلاقي!!

سوريا ساحة مفتوحة على مفاجآت قادمة، قد لا يحسمها نزاع القوى الدولية بل الشعب السوري، ولذلك يماطل الأسد بفتح أي حوار، أو إيقاف الضربات المتوالية وسحب الجيش، لأن ذلك يتيح للمعارضة لمّ صفوفها، وإعداد طرق جديدة للتظاهر والاضطرابات واللجوء إلى المقاومة العسكرية وفق أسلوب استنزاف السلطة بالعديد من الوسائط ،وهي الاحتمالات التي قد توفر غطاءً عربياً وعالمياً سوف يتزايد إذا طال أمد النزاع..

الروس اختاروا المواجهة بدواعٍ استراتيجية مختلفة،فقد خرجوا من العالم، بعد نهاية العصر السوفييتي بلا أجنحة ولا مؤيدين، ونظر العالم لروسيا كبقية لدولة مريضة لا تقوى على منافسة الغرب الذي احتفل بزوال المنافس التقليدي، وهنا برزت كرامة الروس باستعادة بريقهم في جعل سوريا الهدف المباشر الذي لا تقبل أن تخسره لصالح الغرب، مثلما خسرت ليبيا، ثم إن موقع سوريا الاستراتيجي، بإطلالتها على البحر الأبيض، ومقابل دول الأطلسي وحدودها المشتركة مع تركيا، ودول عربية أخرى يعطيها فرصة المناورة في الأدوار المعقدة، إضافة إلى إعطاء الشعب الروسي نوعاً من الزهو المزيف، بأن دولتهم بدأت تستعيد قدرات القوة السوفييتية، ويؤثر كذلك على محيطهم من الدول التي خرجت عن دائرتها..

الصين بدأت مندفعة خلف روسيا، لكنها أخذت تتجه إلى أسلوب التصفيات والدبلوماسية اللينة لأن مصالحها مع الدول العربية التي ظلت في مواجهة النظام السوري لا تريد خسارة علاقتها الاقتصادية الهائلة معها وخاصة بضائعها التي تملأ أسواق الخليج العربي وغيرها، أو أن يطرأ مشكل جديد حول إمدادات الطاقة النفطية والتي هي الذراع الموجعة لها، ثم إننا لم نعتدْ أن تكون الصين ظلاً لروسيا، أو الاتحاد السوفييتي السابق، والتي طالما وقفت ضده حتى على المسائل الخلافية مع الامبريالية الغربية، وبالتالي فسوريا ليست القنطرة التي تعبر منها لتحقيق أهداف عليا لها..

دول الأطلسي غير مبالية بما يجري، إلاّ بحدود ما تراه خطراً عليها، وفي الحالة السورية لا توجد هذه المخاوف، إلاّ ذريعة أن يأتي حكم إسلامي يعادي إسرائيل، وهو احتمال لا يرقى إلى الحقيقة، لأن إسرائيل أقوى دولة عسكرية في المنطقة كلها، وتتجاوز تركيا وإيران معاً..

الوضع السوري من الاستحالة حله دبلوماسياً، لأن ملاطفة النظام تعني إعطاءه جرعات لتقوية عناده، واستمراره في ضرب شعبه، والنهاية ستكون دعم المعارضة، لأنها الخيار الوحيد لكسر شوكته أو إعادته لقاعدة تنفيذ الحقوق..

-**-**-**-**-**-*-*

حلالٌ على إيران حرامٌ على الشعب الذبيح!! .. اشربوا البحر سيدخل الثوار دمشق وترفع في قلبها أعلام شهدائه وفتيته .. مهنا الحبيل

الأربعاء 25/04/2012

المدينة

بات ما يصطلح عليه التشبيح الإعلامي المعادي للثورة السورية إحدى محاور القصف المستمر على ضحايا الشعب الممتد نهر دمائهم والمتدفق تحت أنظار العالم ومراقبيه يخفتُ حينًا ثم يعودُ من جديد ليأخذ الإرهابي حظّه من جسد الضحايا المستمرين دون هوادة في تقديم قرابين الفداء لأجل الحرية وسورية العربية، وهذا التشبيح الإعلامي ليس المقصود من ضمنه من يجتهد حدبًا على الثورة دون إدارة التشكيك في الثوار أو برامجهم التي تُنفّذ عبر أصعب حراك مقاومة لم يعرفها التاريخ المعاصر بدءًا بالثورة الفرنسية وإن قارب المشهد في دمويته ووحشيته حرب فرنسا على الجزائر وحرب الطليان الأولى على ليبيا مع استنساخ ما نفذه الزعيم الهالك القذافي على ثورة ليبيا الثانية، ولكنّ المشهد السوري في بعض مضامينه بات يتجاوز الحدود التي بلغها الإرهاب هناك.

فهناك فرق بين بعض التساؤلات المشروعة وبين التشكيك وبين التباكي المصطنع الذي يطرحه بعض المحللين والإعلاميين في بعض الأقطار العربية وفي المهجر، وهذا النوع من التشبيح هو الذي يُنفّذ في جدولة منظمة تُقاتل لكي توسّع ثقافة التشكيك، ووراء الحديث يبرزُ لك حجم الحدب الذي يجمع بين هذا الإعلامي في هذه القناة أو تلك الصحيفة على النظام ذاته وروابط بينه وبين نظام الأسد مع تركيبته في الحلف الإقليمي الإيراني وذراعه الرئيسية في حزب بيروت، وهو ينشط في دوائر العرب ويُعتنى به من إيران ذاتها لأن التشبيح اللبناني المباشر من اتباعها في بيروت لم يعد يستسيغه الرأي العام العربي ولذلك بقي دور بعض ونشدد على بعض العلمانيين العرب من قوميين ويساريين وهم قلة لا يمثلون قطعًا حركة القوميين العرب ولا اليسار العربي الذي يَعرف لأي معركة يضحي الشعب السوري.

المهم أنّ هذا التشبيح ذا العلاقة التاريخية مع النظام في احتضانه المصلحي للعلمانية والطائفية الأُخرى وليس لأجل العلمانية لكن لحاجته لتغطية برنامجه الاستئصالي الخاص لتحقيق حكم الفرد المطلق، فلطالما دافع هذا التشبيح عن أحقية هذا النظام في التحالف المطلق مع إيران ضد المساحة العربية وليس الإسرائيلية ولطالما ردد أولئك الشبيحة الأكاديميون أنّ من حق إيران أن تزحف على الخليج العربي لأنّها قوة في المنطقة وكلٌ يبحث عن مصالحه، واستمروا في الدفاع عن إيران الزاحفة حتى مع تقاطعها الفج والبيّن مع قوات الاحتلال الأمريكي في العراق وعبر مشروع بريمر السياسي، فمشاعر الشبيحة لم تَصعد ذات يوم لتطرح هذه الأسئلة عليهم ولا على فرعهم في الضاحية الجنوبية من بيروت.

أمّا في الثورة السورية المذبوح شعبها المحاصرة من تل أبيب ومن طهران ومن النظام فاستمع للأعاجيب!!

فلطالما ضجوا على هذه الثورة بخطورة التدخل العسكري المزعوم.. وحين لم يقع واتخذت واشنطن موقفًا معاديًا لتسليح الثورة واتضح حجم هذه الإستراتيجية الإسرائيلية على الأرض واستفادت فرق الموت الإيرانية منها، برز موقف خليجي مختلف رأى أن يُعارض هذا القرار وأن يُحاول السعي لتسليح الثورة من الأرض والثروة العربية، هنا قامت قائمة الشبيحة وتشكيكهم وطعنهم ومع أنّ القضية مسألة تقاطع يُقرّها كل دينٍ ومبدأ عربي وإسلامي خاصة أنّها حين تتحقق وتُدعم من خلالها الثورة السورية بقوة فهي تستغني بعون الله عن التدخل العسكري غير القائم أصلًا فهي تضمن انتقالًا نوعيًّا يُحققه الثوار السوريون عبر البعد العربي كأرضٍ قبل أن يكون نظامًا سياسيًّا، هنا حين يرفض شبيحة الإعلام هذا المنطق الإنساني الضروري المجرد وقد أباحوا قديما استباحة إيران لأراض عربية لأجل مصالحها فمن الخطأ أن نعتقد أن المسألة عدم فهم أو غبش لأولئك المعمرين في فلسفة التنظير لدفاتر هذرهم للعهود البائسة، إنما القضية أنهم يخشون من حرية هذا الشعب بالفعل ومن قراره الجديد وعهده المجيد ويكرهونه ويتقاطعون مع الصهاينة في تمني سقوط ثورته.. اشربوا البحر سيدخل الثوار دمشق وترفع في قلبها أعلام شهدائه وفتيته.. صلى الإله على الشهداء والثوار وأنجز وعده بقوته.

-**-**-**-**-**-*-*

قرارات مجلس الأمن وفرص إيقاف العنف في سوريا .. مسعود ضاهر

التاريخ: 25 أبريل 2012

البيان

بعد أكثر من عام على بداية الأحداث الدموية في سوريا، نجح مجلس الأمن الدولي في 14 نيسان (إبريل) 2012 في إصدار القرار 2042، الذي نص على إرسال مجموعة مراقبين دوليين، غير مسلحين، تنحصر مهمتهم في الإشراف على وقف إطلاق النار الذي دخل أسبوعه الثاني.

وفي سياق متصل، تبنى مجلس الأمن بالإجماع القرار 2043 بتاريخ 21 نيسان 2012، بعد تنازلات متبادلة من مناصري النظام السوري ومعارضيه في المجلس، وصولا إلى حل وسط يحدد عمل بعثة المراقبة الدولية في سوريا، لمراقبة وقف العنف المسلح وتطبيق كامل بنود خطة كوفي أنان. وبموجب القرار الجديد، خول الأمين العام للأمم المتحدة صلاحيات تقييم التطورات الجارية في سوريا، ونشر ثلاثمائة مراقب لمدة تسعين يوما، والتحقق من التزام كل من الحكومة السورية والمعارضة بوقف العنف بصورة تامة، والدخول في مفاوضات مباشرة لإنهاء الأزمة السورية.

صدر القرار بعد مفاوضات صعبة، بسبب تمسك مندوبي روسيا والصين بمبدأ الحفاظ على سيادة الحكومة السورية على كامل أراضيها، ونال موافقة الحكومة السورية والمعارضة معا لتنفيذ خطة المبعوث الدولي كوفي أنان. وهو أول قرار دولي يصدر بالإجماع عن مجلس الأمن بشأن الأزمة السورية، فأعطى الضوء الأخضر لنشر مراقبين غير مسلحين في سوريا، ونشر الأمل مجددا بحل الأزمة السورية بالطرق الدبلوماسية دون سواها.

طالب المجلس السلطات السورية بدخول المساعدات الإنسانية فورا إلى جميع المناطق السكنية التي تحتاج إلى مساعدة، ودعا الأطراف السورية المتنازعة، الحكومية منها والمعارضة، إلى التعاون الكامل مع الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية التابعة لها، لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

حمل القرار تطورا إيجابيا، لكنه أحيط بكثير من التشكيك أو التحريض على استمرار العنف. وذلك يطرح تساؤلات عدة أبرزها:

1- نال القرار موافقة روسيا والصين بعد أن منعتا سابقا صدور قرارين عبر استخدامهما حق الفيتو، وتم تبرير موقفهما انطلاقا من مبدأ الحفاظ على سيادة الدولة العضو في الأمم المتحدة على كامل أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها إلا بموافقتها. وقد حمل القرار السلطات السورية مباشرة مسؤولية ضمان أمن المراقبين الدوليين، وحرية تحركهم بصورة كاملة وفورية، ودعا المعارضة إلى وقف فوري للعنف المسلح بكل أشكاله، والمشاركة في بناء نظام سياسي ديمقراطي في سوريا.

2- أعاد القرار الثقة بمجلس الأمن كمرجع أساسي لحل النزاعات الدولية. وأوقف الرهان على تغيير أنظمة الدول الممانعة للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط وغيرها من مناطق العالم بالقوة العسكرية. وحذر السلطات السورية من مجلس الأمن سيراقب عن كثب تنفيذ بنوده ويتخذ خطوات أخرى إذا دعت الحاجة.

3- أبدت دول عربية معارضة للنظام السوري، امتعاضها من القرار، وشككت في فرص نجاحه التي رأت أنها لا تتعدى الثلاثة في المائة، وأبدت استعدادها لتسليح المعارضة السورية دفاعا عن الشعب السوري، ورفض إخضاع المعارضة للنظام الحاكم.

4- أكدت دول غربية مساندة للمعارضة السورية، أن العنف سيستمر في سوريا بعد صدور القرار، في حال أصر النظام على استخدام العنف ضد شعبه، وشككت في جدية النظام السوري، وحتى رغبته أصلا في التزام وقف إطلاق النار، ودعته إلى التنفيذ الفوري لكامل التزاماته لكي يستمر الهدوء ويتحول إلى استقرار حقيقي، وحذرت من الانجرار وراء أوهام حل دولي ينطلق من مبدأ الحفاظ على النظام السوري وعدم الإطاحة بقيادته. لكن الدول الغربية باركت وحدة المجتمع الدولي الذي أصدر قرارا صارما يظهر توحيد الموقف الدولي لإلزام النظام السوري بتنفيذ جميع بنود القرار.

5- في المقابل، شدد حلفاء النظام السوري في مجلس الأمن، على أهمية صدور القرار بعد إدخال تعديلات مهمة عليه لجعله أكثر توازنا. ونبهوا إلى أن المراقبين الدوليين أمام تحد صعب، يتطلب منهم إظهار الكثير من المهنية والشجاعة والموضوعية في عملهم، وأن من واجب مجلس الأمن حث المعارضة السورية على قدم المساواة مع الحكومة السورية، لتغيير سلوك كل منهما تجاه الآخر. فالمطلوب تنازلات متبادلة من الجانبين انطلاقا من احترام سيادة سوريا، ومنع كل أشكال التدخل الخارجي أو محاولة فرض أي نوع من الحلول المدعومة بقوات عسكرية من الخارج، وأن من واجب الحكومة والمعارضة الوفاء بوعودهما تجاه الشعب السوري، والالتزام بوقف إطلاق النار، والبدء في حوار إيجابي جدي للخروج من الأزمة، وعدم وضع العراقيل التي تمنع تنفيذ خطة أنان بكامل بنودها.

لقد أكد مجلس الأمن الدولي التزامه الكامل بالدعوة إلى التطبيق الفوري للنقاط الست التي تقدم بها كوفي أنان، بهدف التوصل إلى وقف كامل للعنف وانتهاكات حقوق الإنسان. وشدد على ضرورة وصول المساعدات الإنسانية، والانتقال السلمي في سوريا لقيام نظام ديمقراطي تعددي، يتساوى فيه المواطنون في الحقوق والواجبات بمعزل عن الانتماء العرقي أو السياسي أو الديني، وعبر حوار سياسي مكثف بين الحكومة السورية وكل أطياف المعارضة.

 فسوريا اليوم أمام اختبار حقيقي لوقف تدمير الوطن، انطلاقا من مواقف متشنجة لدى الرؤوس الحامية في الحكومة والمعارضة معا، وسيادة سوريا ووحدة أرضها وشعبها ومؤسساتها، يجب أن تكون مصانة بالكامل، وذلك يتطلب الإسراع في تنفيذ خطة أنان، والتعاون الكامل مع المراقبين الدوليين، لتنفيذ بنود القرارين الدوليين من جانب الحكومة والمعارضة معا.

ختاما، تضمن القراران 2042 و2043 الصادران عن مجلس الأمن، إدانة صريحة للعنف من أي جهة أتى، ومحاسبة من يقوم به. ففتح نافذة أمل ضيقة، يمكن أن تتسع تدريجيا في حال اعتبرته الحكومة والمعارضة في سوريا، خشبة إنقاذ للجميع من مخاطر حرب أهلية يتم الإعداد لها منذ زمن بعيد، ويرسم المخططون لها خارطة جديدة للشرق الأوسط بعد سقوط النظام السوري، تغير صورة المنطقة لعقود طويلة بما يخدم المشروع الصهيوني بالدرجة الأولى.

والمطلوب أولا وقف الاقتتال الداخلي بكل أشكاله، وسحب القوات العسكرية من المدن والمراكز السكنية وعودتها إلى ثكناتها، والتزام الجميع بوقف نهائي ودائم لإطلاق النار، ومساعدة المراقبين الدوليين على تنفيذ مهماتهم بحرية تامة، والسماح لهم بالتواصل مع كل أطياف الشعب السوري في جميع المناطق. ويتحدد مدى نجاح مهمة المراقبين الدوليين انطلاقا من تقاريرهم اليومية التي تؤكد على وقف العنف المسلح من قبل جميع الأطراف، وضمان سلامة فريق المراقبيين لإنجاز المهمة الموكلة إليهم. كما يتطلب استمرار الضغوط الدولية عبر مجلس الأمن، لفرض حل دائم للأزمة السورية بالطرق الدبلوماسية، ومنع تحولها إلى نزاع إضافي طويل الأمد، يهدد مستقبل منطقة الشرق الأوسط بكامل دولها وشعوبها.

-**-**-**-**-**-*-*

الحلقة الداخلية .. د.خالص جلبي

تاريخ النشر: الأربعاء 25 أبريل 2012

الاتحاد

سؤال ملح كان يؤرقني: من يحكم سوريا فعلاً، وما طبيعة الحلقة الداخلية التي تمسك بقبضتها رقبة الشعب السوري؟ ليس ثمة معلومات مؤكدة تتسرب من داخل هذا التركيب الغامض، لكن وقع بين يدي بحث نشرته مجلة "دير شبيجل" الألمانية، يتحدث عن هذه الحلقة الداخلية، ما قوّى عندي ذلك الهاجس حول نوعية الأشخاص الذين يديرون البلد من وراء ستار.

قال التقرير إن الحلقة الداخلية محكمة جداً، ولا يتسرب عنها إلا النزر اليسير من الأخبار. لكن التقرير يذكر أن بشار الأسد يشكو كثيراً من أنه لا يستطيع اتخاذ أي قرار في وجه والدته، فمن هي والدته؟ إنها أنيسة مخلوف، أرملة حافظ الأسد. كما يذكر أن هناك شيئاً متناقضاً يجمع بين الثنائي "آصف شوكت" وماهر الأسد، وأن تدمير حمص كان بيد شوكت، لكن بعد أن أصبح على رأس قسم من الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر، والمشهورة بالتسلح والقمع. فقد تنازل ماهر لشوكت عن بعضها مقابل استباحة حمص التي كانت أوامر تدميرها تنفذ بيد شوكت. ويقول التقرير إن قمة الهرم الحاكم مكونة من تسعة رهط، منهم من هو معروف شخصياًَ ومنهم المجهول للناس والمعروف للحلقة الداخلية فقط.

والمهم في كل ذلك أن طبيعة التركيب الداخلي مجهولة تماماً، ولا يمثل فيها بشّار إلا واجهة ظاهرة، لكن عليه أن يوقع القرارات ولو كان مرغماً أو نصف راض فقط. ويبقى خلف الطاقة وجه ناعم يذكر بقصة الميدوسا الغرغونية من الأساطير اليونانية. إنها من تحكم خلف الكواليس: "السيدة الأولى" التي حافظت على اللقب وطردت الحمصية زوجة بشار التي انضمت للعصابة في طمع وغفلة. إنها تذكر بألينا زوجة تشاوسسكو، فهي من كانت خلف صعوده وجبروته، ثم خلف انهياره وإعدامه، لذا أعدمها الثوار في حفلة ثنائية مع زوجها المغدور.

قصة الإفك في القرآن الكريم تعطيني دوماً مفاتيح الفهم، كما أتذكر كتاب "العبودية المختارة" لأتيين ديه لابواسييه حين يفكك آلة الطغيان وكيف تعمل، أو كما قال الرب فهم رهط يتقاسمون الجريمة ويغرقون فيها جميعاً، فلا يجدون مخرجاً إلا بخروج الروح. يقول لابواسييه هم ستة وربما سبعة، إذا اختلفوا أشهروا الخناجر، وقد يلجأون للتصويت فتحصل غلبة الأصوات. إنها ديمقراطية القراصنة المافيا! في هذا المجلس التسعوي تحت إمرة كل واحدة عشرة، وكل واحد من العشرة بإمرته مائة. وكل واحد من المائة ألفاً... وهكذا بالتسلسل.

يقول القرآن عن حادثة الإفك: "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم" وليس ثمة فرد منفرد، فآلة الطغيان بناء مركب. ثم يقول ثانياً إن الإفك الذي جاءوا به ليس شراً كلياً: "لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم" بل فيه خير، وهنا تنبع فلسفة كاملة عن الخير والشر وجدليتهما في الوجود. لكنه يقرر درجات المسؤولية والإثم المترتب عليها: "لكل أمريء منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم".

وكذلك هي الأوضاع في سوريا، فهناك البيادق الصغار العابثون التافهون، وهناك من تولى عظيم الأوامر. وفي القرآن تأكيد متكرر على أن الآخرة هي دار القرار وأن الحساب فردي: فلا تظلم نفس مثقال ذرة. وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً. لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة.

-**-**-**-**-**-*-*

أنان يعرف طبيعة النظام السوري.. كذلك بان! .. خير الله خير الله

المستقبل

25-4-2012

سيزداد عدد المراقبين الدوليين في سوريا الى ثلاثمئة مراقب، وذلك بموجب قرار اتخذه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإجماع الأعضاء. يؤكد القرار أن ثمة حسنات كثيرة للخطة التي طرحها كوفي أنان المبعوث الدولي والعربي المكلف معالجة الأزمة السورية. الأكيد أن من بين هذه الحسنات السعي الى وقف إراقة الدماء في بلد يؤمن النظام فيه بأنّ لا خيارات أمامه منذ اليوم الأول لوصوله الى السلطة قبل اثنين وأربعين عاماً سوى إلغاء الآخر جسدياً، بما في ذلك الشعب السوري. ولكن تبقى الحسنة الأهمّ. تتمثّل هذه الحسنة في أن العالم يكتشف أخيراً، مع بعض العرب وغير العرب طبعاً، ما هو هذا النظام السوري وما هي طبيعته الحقيقية.

ما الذي يترتب على هذا الاكتشاف؟ يترتب أوّلاً الاعتراف بأن النظام السوري غير قابل للاصلاح لا اليوم ولا غداً ولا بعد غد، وأن لا مفرّ من مرحلة انتقالية تبدأ بتسليم الرئيس بشّار الأسد السلطة. تمهّد تلك المرحلة، أو هكذا يفترض، لعودة الديموقراطية والحياة السياسية والاقتصادية الطبيعية الى بلد مهدد بالتفتت وبحرب أهلية تطلّ برأسها بين حين وآخر.

الأهمّ من ذلك كلّه، أن اكتشاف طبيعة النظام السوري تعني أن ليس في استطاعة النظام تنفيذ خطة أنان، أقله لسبب واحد. يتمثل هذا السبب في عدم قدرة النظام على سحب قواته و"شبيحته" من المدن السورية. لذلك، لا أمل يرجى من خطة الأمين العام السابق للأمم المتحدة، الذي أصبح مبعوثاً دولياً وعربياً. فأنان يعرف قبل غيره ما هو النظام السوري وكيف يتصرّف مع القرارات الدولية ومع جيرانه. وإذا كان أنان في حاجة الى من ينعش ذاكرته، فإنّ بان كي مون الأمين العام الحالي للمنظمة الدولية يستطيع التكفّل بذلك.

ليس لدى النظام السوري ما يقدّمه لا لشعبه ولا لجيرانه العرب، على رأسهم لبنان أو تركيا، لا شكّ أن الأردن اوّل من يعرف ذلك بعدما عانى طويلاً من تصرّفات نظام كان لا بدّ من ردعه بين حين وآخر وإفهامه أين عليه أن يتوقّف، أكان ذلك في عهد الملك الحسين، رحمه الله، أو الملك عبدالله الثاني.

اكتشف الأتراك متأخرين أن لا أمل من النظام وأن كلّ همه محصور في البحث عن غطاء، أي غطاء، له في عملية القمع والقهر التي يمارسها في حق أبناء شعبه. أما أنان، فإنه يعرف منذ السنة 2000 بالتاكيد، وربما قبل ذلك أن لا أمل يرجى من النظام السوري الذي لا يمتلك سياسة أخرى غير الابتزاز.

في السنة 2000، انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان تنفيذاً للقرار الرقم 425 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في العام 1978. حسناً، نفّذت إسرائيل القرار أخيراً لأسباب مرتبطة باستراتيجية خاصة بها ذات علاقة بالقضية الفلسطينية ومنع ياسر عرفات، رحمه الله، من اتخاذ مواقف مرنة تتجاوب مع تطلعات الإدارة الأميركية وقتذاك.

صدر موقف عن مجلس الأمن بإجماع الأعضاء يؤكد أن إسرائيل نفّذت القرار 425. ماذا فعل النظام السوري الراغب في إبقاء جبهة جنوب لبنان مفتوحة والمتاجرة باللبنانيين وأهل الجنوب تحديداً؟ اخترع ما يسمّى قضية مزارع شبعا المحتلة منذ العام 1967، وهي أرض لبنانية أصلاً، أقلّه في معظمها، لكنها خاضعة للقرار 242. لقد احتلت القوات السورية تلك الأرض في العام 1956 وخسرتها في 1967. الى الآن، لا تزال ترفض توجيه رسالة الى الأمم المتحدة تؤكد لبنانية الأرض كي يسهل على لبنان استعادتها عبر الأمم المتحدة. يعرف أنان ذلك جيّداً ويعرف ما هو النظام السوري وكيف تعاطى مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن عندما كان في موقع الأمين العام للمنظمة الدولية.

لم يتغيّر شيء في تصرفات النظام السوري. قبل أيّام قليلة، صدر عن بان كي مون الأمين العام الحالي للأمم المتحدة تقرير في غاية الأهمية عن تنفيذ القرار الرقم 1559 الصادر عن مجلس الأمن في السنة 2004. الى الآن، لا يزال النظام السوري يتجاهل الجانب الذي يخصه من القرار. في مرحلة معيّنة، بدأ يقول إنه نفّذ الجانب المتعلق به عندما انسحب عسكرياً من لبنان. نسي أنه لم ينسحب إلاّ تحت ضغط اللبنانيين الذين انتفضوا، بأكثريتهم الساحقة، في وجه الاحتلال والوصاية بعد اغتيال رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط- فبراير 2005.

لم تنطل ألاعيب النظام السوري على الأمين العام الحالي للأمم المتحدة. أشار بوضوح في تقريره نصف السنوي عن تنفيذ القرار 1559 الى استمرار تدفق السلاح من سوريا الى لبنان وتمسك النظام السوري بإقامة قواعد لفلسطينيين تابعين له في الأراضي اللبنانية. فوق ذلك كلّه، هناك رفض سوري لتحديد الحدود مع لبنان وترسيمها.

يستبيح النظام السوري حرمة القرى والبلدات والمدن السورية ويستبيح سيادة لبنان. أنان يعرف ذلك. كذلك بان. إنهما يعرفان، تماماً، مثلما يعرف اللبنانيون، أن الهدف الوحيد للنظام السوري كسب الوقت. لذلك، ليست خطة أنان سوى مرحلة لا بدّ منها في انتظار اليوم الذي يتخّذ المجتمع الدولي قراره بالانتهاء من النظام بطريقة أو بأخرى.

الأمل كبير بأن لا تطول إضاعة الوقت نظراً الى أنّ كلّ يوم يمر يعني مزيداً من الدماء السورية تهرق على يد نظام يعتقد أن المخرج الوحيد الباقي أمامه يتمثل في إزالة مدينة مهمّة اسمها حمص من الوجود!

-**-**-**-**-**-*-*

حقيقة الموقف الإسرائيلي ! .. صالح القلاب

الرأي الاردنية

25-4-2012

رغم مرور أكثر من ثلاثة عشر شهراً على أخطر ما تعرضت له سوريا في كل تاريخها الحديث فإن موقف إسرائيل إزاء ما بقي يجري في بلد رئيسي ومحوري في المنطقة غير معروف على وجه التحديد وهل هي لا تزال تتمسك بهذا النظام الذي بقي يحرس احتلالها لهضبة الجولان على مدى كل هذه الأعوام الطويلة أم أنها تفضل الانتظار لمعرفة البديل غير المعروف لا لديها ولا لدى غيرها نظراً لعدم بروز تيار أو حزب قيادي في هذه الانتفاضة التي تحولت إلى ثورة شعبية فعلية وحقيقية؟!

في البدايات عندما انطلقت شرارة هذه الثورة الشاملة يبدو أن إسرائيل مثلها مثل غيرها لم تأخذ ما جرى في مدينة درعا الحورانية في الخامس عشر من آذار عام2011 على محمل الجد وهي كانت تعتقد مثلها مثل غيرها أيضاً أن هذا النظام الأمني الفئوي عصيٌّ على «تسونامي» الربيع العربي وأنه يختلف عن نظام زين العابدين بن علي ونظام حسني مبارك.. وأيضاً عن نظام «الأخ قائد الثورة» معمر القذافي الذي انتهى نهاية مرعبة يبدو أنها تنتظر بشار الأسد!!

لاشك في أن إسرائيل يهمها كل شيء في سوريا حتى وإن كان مجرد طرد محافظ من وظيفته أو تصفية مسؤول وإصدار بيان بأنه انتحر بإطلاقه ست رصاصات من مسدسه الشخصي على رأسه أو استبدال ضابط بضابط آخر لكن ومع أن شرارة درعا قد انتقلت في طول البلاد وعرضها فإنه يبدو أن الإسرائيليين مثلهم مثل بعض غيرهم قد صدَّقوا ما بقي يقوله بعض كبار المسؤولين السوريين من أن كل ما جرى بعد الخامس عشر من آذار قبل الماضي قد أصبح وراء ظهورهم وأن نظام بشار الأسد راسخ ولم يهتز وأنه بالعنف وبالمزيد من العنف سيكون مصير هذه الانتفاضة الجديدة ،غير المتوقعة، كمصير انتفاضة حماه في عام 1982 التي قمعها حافظ الأسد بعنف بدائي ضمن له ولأبنه استقراراً منذ ذلك الحين وعلى مدى نحو ثلاثين عاماً.

لكن ما بات مؤكداً هو أن إسرائيل غدت تعرف تمام المعرفة أن ما بقيت تعيشه سوريا على مدى عام وأكثر جديٌّ وليس مجرد هبَّة عاطفية عابرة وأن نظام بشار الأسد لم يعد عصيّاً على هذه الرياح العاتية وأن الأيام المقبلة ستحمل معها تطورات كثيرة إن بالنسبة لهذا البلد وإن بالنسبة لهذه المنطقة كلها لكنها ،أي إسرائيل، مع ذلك بقيت صامتة وبقيت تراقب الأمور عن بعد وكأن هذا الذي يجري لا يجري في بلد مجاور وله انعكاساته المباشرة على الدولة الإسرائيلية وإنما يجري في جزر «واق الواق».. فما هو السبب يا ترى؟!

إنه لابد من الإشارة إلى أن هناك قناعة تصل حدود اليقين بأن هناك اتصالات وعمليات بيع وشراء سياسية قد تمت بين نظام بشار الأسد وحكومة بنيامين نتنياهو وأن ما قاله رامي مخلوف حول «أن أمن إسرائيل من أمن سوريا» قد جرى تأكيده باتفاقيات شاركت روسيا في إعدادها والإشراف عليها وبالتالي فإن المؤكد أيضاً أن الإسرائيليين هم الذين يقفون وراء تخاذل الرئيس الأميركي باراك أوباما ووراء مواقفه المائعة إزاء المذابح المستمرة والمتصاعدة التي بقي يتعرض لها الشعب السوري على مدى أكثر من عام.

وهذا يعني أنه قد تكون هناك صحة لما يقال عن أن إسرائيل بعدما غدت غير قادرة على الاستمرار بضمان بقاء هذا النظام ،الذي بقي يحرس ولسنوات طويلة احتلالها للجولان، أصبح همّها تأجيل لحظة الحسم النهائي بقدر الإمكان لتضمن أن تأكل سوريا نفسها بنفسها وأن يتحول هذا البلد الذي يشكل خطراً استراتيجياً عليها حتى على المدى الأبعد إلى دولة ممزقة ومدمرة.. لكن هذا لن يحدث إطلاقاً فالشعب السوري يعرف كل هذه الأمور معرفة أكيدة ولديه من الوطنية ما يجنب بلده هذه الألاعيب والمؤامرات الدنيئة.

-**-**-**-**-**-*-*

حرب باردة إقليمية طائفية .. سميح إدز *

الاربعاء, 25 أبريل 2012

الحياة

لا يمكن الفصل بين الاتهامات التي وجّهها رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، الى أنقرة، والتي اغضبت المسؤولين الاتراك، عن التطورات في المنطقة. ولا يمكن اغفال أن التصعيد هذا جاء إثر زيارة نائب الرئيس العراقي، طارق الهاشمي، أنقرة، وهو الذي يصفه المالكي ونظامه القضائي بالارهابي الهارب. وساهم في هذا التصعيد ميلُ أنقرة الى توطيد علاقاتها السياسية والاقتصادية بإقليم كردستان العراق الذي ازدادت فجوة الخلاف بينه وبين المالكي اتساعاً، بسبب مشكلة تقاسم العائدات النفطية بين الحكومة المركزية والاقليم.

والحق أن أبرز العوامل الكامنة وراء هذا التصعيد هو تعاظم التوتر الطائفي في المنطقة بين الجبهة التي يمثلها المالكي، وتلك التي تمثلها تركيا. وقبل وقت برزت مؤشرات الى أن تركيا دولة اقليمية تميل الى دعم الدول والأنظمة والشعوب السنّية في محيطها. ولم يفت الغرب وأميركا الميل هذا، لكنه لم يثر تحفظه أو قلقه. فهو يدعم تلك الأنظمة وتلك الدول السنية، بينما تقف روسيا مع الطرف الشيعي. لذا، فالحرب الباردة الطائفية هي حرب بالوكالة عن حرب عالمية جديدة بدأت ترتسم معالمها شيئاً فشيئاً. والحرب هذه غير مرتبطة بالربيع العربي ورياح الديموقراطية التي تهب على المنطقة، وليس التوتر قائماً اليوم بين أنظمة ديموقراطية وأخرى ديكتاتورية في المنطقة، ولا هو قائم بين معسكر يدعم حركات التحرر وآخر يقف ضدها. فالحرب الباردة اليوم هي حرب طائفية اقليمياً وحرب باردة غربية – شرقية دولياً. ولا يستهان بأهمية تصريحات رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، اثناء زيارته قطر، والتي ذكّرت حلف شمال الأطلسي بواجبه دعم تركيا من أجل حماية حدودها بعد تعدي الجيش السوري على أراضيها. فأردوغان كان يذكّر الجميع بأن حدود بلاده هي داخل منظومة «الناتو»، ولو اكتفى بالاشارة الى الحدود مع سورية، لا يجوز اغفال ان لتركيا كذلك حدوداً مع العراق ومع ايران يفترض ب «الناتو» أن يحميها بموجب اتفاق الدفاع المشترك بين أعضائه. ولا يساور المراقبين الاتراك شك بأن طهران أصغت بدقة الى هذه التصريحات وحللتها جيداً، خصوصاً بعد الازمة التي اندلعت بينها وبين أنقرة على خلفية نشر رادار ل «الاطلسي» على الاراضي التركية. ومحاولة أردوغان لتجييش «الناتو» ضد سورية لم ترق للمالكي وطهران و «حزب الله» وحلفائهم الشيعة في المنطقة، بل أزعجتهم. وهذه التطورات تشير من غير لبس الى هوية المعسكر الذي تنتمي اليه تركيا اقليمياً ودولياً. وتصريحات أردوغان هذه تؤكد أن تركيا تتمسك بانتمائها الى حلف «الناتو» الغربي الذي انضمت اليه قبل أكثر من نصف قرن. وفي ضوء تطورات الأوضاع المتوترة في المنطقة، يبدو أن حاجة أنقرة الى هذه المنظمة الدفاعية الاطلسية ومظلتها تتعاظم ولا تضعف. وطالما أن اهتمام الغرب بمصادر الطاقة في المنطقة لن يفتر، لن تتقوض حاجة «الناتو» الى تركيا، فالحلف يحتاج لتركيا كما تحتاجه.

ولا شك في أن رياح التغيير التي هبّت على المنطقة لم تحمل معها الاستقرار والرفاهية بَعد، بل قد تشرّع الأبواب على مرحلة من التوتر والاضطراب. وتركيا مسؤولة عن حماية حدودها المطلة على دول الربيع العربي، ولو بالطرق التقليدية. ويبدو أن جبه أنقرة مسؤولياتها لم يرق لبعض دول الجوار.

* محلل وصحافي، عن «مللييت» التركية، 23/4/2012، اعداد يوسف الشريف

-**-**-**-**-**-*-*

الثورة من المُتَخيِّل إلى الواقع السوري .. عمر قدور *

الاربعاء, 25 أبريل 2012

الحياة

يغالب الكثير من السوريين الإحساسَ بالإحباط بسبب انقضاء مدة طويلة على انطلاق الثورة من دون أن تلوّح الظروف بالنهاية القريبة السعيدة لها، إحساس تم التعبير عنه مراراً بإلقاء اللوم على الدول العربية أو على المجتمع الدولي اللذين لم يقوما بما يمليه الواجب الإنساني والأخلاقي من وجهة نظر السوريين والمتعاطفين مع ثورتهم. الثورة بخير، والسوريون أظهروا شجاعة كبرى في مواجهة القتل اليومي الممنهج، لكنهم متروكون لقواهم الذاتية التي يعلم الجميع أنها غير قادرة وحدها على إسقاط النظام؛ هكذا كأنهم قد ضربوا موعداً مع العالم الذي خذلهم وتخلّف عن ملاقاتهم من دون أن يعد بذلك حقاً!

بالطبع، لم يتوقع السوريون من نظامهم تلبية المطالب الأولى للثورة، فذلك يعني، خلافاً لبنيته، استعداداً منه للسقوط في شكل سلمي. لكن دموية النظام كما تجلت منذ اللحظة الأولى، وتصاعدت بإطراد، لم تكن بالحسبان أيضاً. في الواقع لم يحمل الثائرون بدايةً سوى تصورات مبهمة عن مسار الثورة؛ ثمة إيمان رومانسي بقوة الشعب وبانتصار الثورة في المحصلة، وفي المقابل ثمة إدراك بأن ميزان القوى يميل الى مصلحة النظام الأمني الذي انتفضوا في مواجهته، والذي لا يتعامل إلا بمنطق العنف المباشر. لعل التصور الأقرب إلى الواقعية، والذي ثبت خطؤه أيضاً، أن النظام سيرتدع عن الاستخدام المفرط لمخزونه من العنف لأن منطق العصر والقوى الدولية لم يعودا يسمحان له بذلك، بينما كانت مراهنة النظام المستمرة على أن هذا المخزون هو وسيلته الوحيدة في ابتزاز القوى الدولية أولاً والثائرين عليه تالياً.

وفضلاً عن التكلفة الباهظة من دماء السوريين ومعتقليهم، فإن طول أمد الثورة خلّف آثاراً تقع في الصميم منها، يتضافر في هذا عامل الزمن مع توالي انضمام شرائح ومناطق جديدة إلى الثورة، وتعاظم النقمة على السلطة الحالية بحيث أصبح هدف إسقاطها جامعاً وملحّاً. مع تعدد مشارب الوافدين إلى الثورة أضحت عرضة لفقدان دعاوى الانسجام التي صبغت بداياتها، وإذ منحها الانتشار الأفقي المتزايد صفة تمثيلية أعمّ، فإنه قلّل من شدة الاصطفاف حول شعاراتها الأولى، وأدخل إليها انحيازات وتوجهات مستحدثة لم تكن واردة مسبقاً، وبعضها مثار خلاف أو نزاع بين الثائرين أنفسهم قبل أن يكون مثار خلاف على المستوى المجتمعي ككل.

في وسعنا ردّ جزء من الخلافات إلى قلة دراية السوريين بأحوالهم، فالنظام الذي أمسك مفاصل البلد طوال عقود احتكر لنفسه تقديم الصورة التي يريدها عن المجتمع، ومنع الأخير من التعبير عن مكنوناته الحقيقية. خلال هذه المدة كان الكبت والقمع المباشر يزيدان مساحة المسكوت عنه، بل يعمقان الانفصام في «الشخصية السورية»، فأتى بعض شعارات الثورة تعبيراً صادقاً عن الطموح إلى وطن عصري ديموقراطي وهوية سورية جامعة، فيما كان الواقع يفرض شروطه التي سبق للنظام أن أمعن في اصطناعها من حيث إعادة إنتاج الهويات الصغرى تحت زعم السيطرة عليها بالإكراه، وفقط بالإكراه.

على سبيل المثال؛ لم تكن قضايا كالقضيتين الكردية والطائفية تمثلان أولوية ضمن استحقاقات الثورة، لكن الاندماج الكردي فيها عاد إلى تمايزه القومي بعد أشهر من انطلاقتها، وأتى تشكيل «المجلس الوطني الكردي» تعبيراً صارخاً عن الافتراق بينه وبين نظيره «السوري». وإذ لا نستبعد أهمية العوامل الذاتية والتمييز الذي عانى منه الأكراد، فإنه يصعب عليهم المضي مع أشقائهم العرب في مغازلة العدو اللدود، تركيا. أما على الصعيد الطائفي، وعلى رغم الحرص الشديد على عدم الانزلاق إلى هذه الساحة التي أعدها النظام بعناية، فقد أخفقت الثورة في اجتذاب نسبة مؤثرة من «الأقليات»، ومع أن الثورة طرحت نفسها دائماً على أنها لكل السوريين، لكن هذا كان بعيداً من كونها ثورة كل السوريين، على الأخص في الجانب الطائفي، وليس من الحصافة إنكار النزعات الطائفية في بعض مناطق الاحتكاك الطائفي مترافقة بنمط من الخطاب الديني، وإن أتت هذه النزعات في إطار ردود الأفعال أو لم تكن ذات دلالة عامة على مسار الثورة.

صمد النظام لأكثر من سنة حتى الآن باستخدام العنف المفرط، وما لا ينبغي أن يغيب عن البال وجودُ فئات اجتماعية حاضنة وداعمة لهذا العنف. فظاهرة الشبيحة لم تكن لتستمر لولا وجود بيئة اجتماعية حامية لها و «متفهمة» لأبشع أنواع العنف. لقد نال ذلك من سلمية الثورة، إذ استدعى العنف عنفاً مضاداً، وقد دللت تجارب مماثلة على حجم كبير من العنف الكامن الذي تنذر به الديكتاتوريات عادة، لذا لن يكون مستغرباً أن تكشف الثورة عن حجم التوتر الهائل والصراع المجتمعي الذي لم تسنح له الفرصة من قبل كي يعبّر عن نفسه بطريقة سلمية، مع ما يمثله هذا من إنذار شديد يتعلق بالوقت الراهن وبالفترة الأولى التي ستلي سقوط النظام.

ما لا يجوز إنكاره أن الثورة أيقظت في المجتمع السوري الكثير من الشيم الإيجابية، وفجّرت من الطاقات ما يقلب الصورة السابقة عن مجتمع مستكين أو خانع، لكن الواقعية تقتضي عدم التوقف فقط عند الجانب المشرق، وإلا كنا نستهين بالآثار المديدة لما فعله نظام الاستبداد والفساد. ليست الثورة عصا سحرية لتطهر بلمسة المجتمعَ من آفاته كافة، بل الأقرب إلى الموضوعية أن يتسرب قسم منه إلى الثورة، بخاصة مع تقدم الزمن وتراجع الحماسة الأولى لدى البعض. بل إنها أيضاً لن تكون بمنأى عن بعض ظواهر الفساد والانتهازية هنا أو هناك، فالتفوق الأخلاقي لها مقارنة بالنظام لا يعني نقاءها الأخلاقي التام؛ وبالضبط لا يعني النقاء الأخلاقي لجميع المنخرطين فيها، فالثورة أيضاً مع تقدمها عرضة لتسلل شتى أنواع الانتهازيين والمتسلقين و «المضاربين» بمن فيهم انتهازيو النظام الحالي.

كرمى للثورة يركز أنصارها على سلبية المجتمع الدولي تجاهها ويتغاضون عن السلبيات التي أخذت تظهر من مجتمعها، فالعبرة كما يرى هؤلاء بالغايات النبيلة لها، وقد يكون من سوء الحظ أن يصادف السوريين الآن من المشاكل ما كانوا سيصادفونه لاحقاً لو أن النظام سقط سريعاً، وكلما تأخر سقوط الأخير فذلك سيضعهم أمام استحقاقات أكثر تعقيداً وسيقلل من رومانسية فكرة الثورة. باستعارة أدبية؛ بعد أكثر من سنة تجاوز السوريون رومانسية الغرام الأولى وباتوا أمام المسؤوليات الواقعية للزواج!

-**-**-**-**-**-*-*

سوريا.. مسيحية وجهادية سلفية؟ .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

25-4-2012

بلغ الاستهتار بالنظام الأسدي حد توجيه تهمة إلى معارضة سورية مسيحية بالانتماء إلى السلفية الجهادية، فهل بعد هذا الاستهتار أي استهتار؟ وهل يمكن تصديق مثل هذا النظام الذي امتهن الكذب، وتزييف الحقائق، وبشكل فج؟ أمر لا يصدق على الإطلاق!

فقبل يومين وجه النظام الأسدي للشابة السورية المسيحية يارا ميشيل شماس، الملقبة ب«ياسمينة سوريا»، تهمة الانتماء للسلفية الجهادية. وتعد يارا - البالغة من العمر 21 عاما - من الشابات السوريات اللاتي دعمن الثورة السورية منذ اندلاعها، متنقلة في أكثر المناطق تمردا على الأسد. وقصة «ياسمينة سوريا» هذه تبين أنه من الصعوبة بمكان تصديق هذا النظام بأي شكل من الأشكال، فهذا نظام يقول – زورا - إنه حامي الأقليات، وهذا ما يروج له بعض مسيحيي لبنان المحسوبين على الأسد في واشنطن. لكنه يلقي القبض على فتاة مسيحية بتهمة الانتماء إلى السلفية الجهادية!

وهذا النظام، أي نظام الطاغية الأسد، يقول إنه يقبل مهمة أنان بينما يقوم بإطلاق النار على وفد المراقبين الدوليين، أو من سميتهم «المذعورين»، وبعد كل ذلك يخرج السيد كوفي أنان ليقول إن على الأسد أن يتجنب اللحظة الحاسمة، وألا يستخدم الأسلحة الثقيلة ضد المدنيين، الذين يقتلون يوميا على يد قوات الأسد، أمر مذهل ومحير، فمن يكذب على من هنا؟

فإذا كان المجتمع الدولي، ومعه السيد أنان، يريدان شراء الوقت، فليقولا ذلك للرأي العام بصراحة، ويبررا أسبابهما. أما إذا كانا - المجتمع الدولي وأنان - يصدقان فعلا وعود الأسد فهذه فضيحة لا تماثلها فضيحة. فقوات الأسد تلعب مع «المذعورين» الدوليين لعبة القط والفأر، فأينما حل المراقبون قامت قوات الأسد باستهداف مدينة سورية أخرى. فمسلسل القتل لم يتوقف إلى اليوم، وبنفس الوتيرة.

والفضيحة لا تقف هنا فقط، بل إن المنطقة، وتحديدا سوادها الأعظم من السنة، باتوا يشعرون بأن دماءهم مسترخصة، وأن المجتمع الدولي يمارس المؤامرة عليهم. وإذا كان كثير من الساسة العرب لا يقولون ذلك علنا أمام نظرائهم الغربيين، فإن هذا ما يشعر به الساسة خلف الأبواب المغلقة، ومعهم المثقفون، والأهم الرأي العام العربي. وقد تعمق هذا الشعور كثيرا بعد التصريحات الشهيرة لوزير الخارجية الروسي التي قال فيها إن بعض دول المنطقة تريد تنصيب حكم سني في سوريا بعد سقوط الأسد.

والأمر لا يقف هنا، بل إن البعض، في منطقتنا، بدأ يردد أسماء معينة من الكتاب الغربيين، وتحديدا الأميركيين، الذين اشتهروا بمتابعة قضايا المنطقة بعد أحداث الإرهاب في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في أميركا، وكتبوا كثيرا عن الأنظمة السنية في المنطقة، والفكر السني عموما، بينما يلتزم هؤلاء الكتاب الصحافيون الآن الصمت المطبق حيال ما يحدث من جرائم فظيعة في سوريا، رغم مقتل ما يزيد على أحد عشر ألف سوري.

فهل ما زال المجتمع الدولي، والسيد أنان، يصدقان الطاغية الأسد حتى وهو يتهم اليوم فتاة مسيحية بالانتماء إلى السلفية الجهادية، ويعتقدان بأنه سيلتزم بأي اتفاق، أو هدنة؟ أمر محير، ومذهل حقا!

-**-**-**-**-**-*-*

مجلس أمن.. بعثي! .. عدنان فرزات

القبس الكويتية

20/4/2012

كان مشهد «الكم» مراقب دولي الذين وصلوا إلى سوريا لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار ساخراً، وهم يترجلون من سيارة الجيب حاملين معهم حقائبهم وكأنهم في رحلة مدرسية..!

الدفعة الأولى من المراقبين لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، في حال كان في الكف أصبع زائد، أي ستة مراقبين مبدئيين لدولة تبلغ مساحتها أكثر من 185 ألف كيلومتر مربع، أي أنهم لا يكفون لمراقبة عائلتين في قرية تشاجرتا على عين ماء.

وأفراد هذه البعثة مدعاة للشفقة، فالأمين العام للأمم المتحدة صرح من جانبه بأن هذه البعثة غير مسلحة! بينما أعلن الجانب السوري بأنه غير مسؤول عن سلامة هذه البعثة في حال لم يتم تحديد مهلتها أو أولويات تحركاتها، أي كأنما الأمم المتحدة أرسلت البعثة، وقالت لهم «دبروا راسكم».. ثم حتى لو كانوا مسلحين، ما الذي يمكن أن يفعله ستة أشخاص في مواجهة «عقيد الحارة» ب «شبرية»؟!

البعثة بهذا العدد القليل، والذي إن زاد فسوف يصبح ثلاثين، أصبحت محط سخرية الناس في سوريا، وبدأت النكات تنهال عليها، فهناك كاريكاتير تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي، يصور أعضاء هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهم يرفعون أكفهم إلى السماء بعد عجزهم أمام النظام السوري، ويتضرعون بصوت واحد «مالنا غيرك يا الله»، وهو الدعاء الذي يطلقه المتظاهرون في الشارع السوري لإظهار ضعف حيلتهم.

المراقبون الذين لا يكفي عددهم لمراقبة قاعة امتحانات، وفق ما وصفهم الشارع السوري، لا يختلفون عن اللجنة التي سبق أن أرسلتها الجامعة العربية، إلا من حيث الخبرة العسكرية، فاللجنة السابقة كانت أشبه بالباحثين البدائيين عن الكمأة في الصحراء، أي هم وحظهم، أما اللجنة الثانية، فهي أكثر تطوراً بقليل، أي لديها عصا طويلة تنكش فيها التربة بدلاً من أن توسخ يديها بالتراب.

المجتمع الدولي لديه مصطلحات أصبحت بالية، مثله مثل بعض الأنظمة الشمولية التي تردد عبارات الصمود والتصدي والممانعة والأهداف القومية المشتركة.. ومن هذه المصطلحات الأممية عبارة: «الإرادة الدولية»، فقد أصبح هذا المصطلح أشبه بخطاب «رفيق» حزبي وهو يكرر العبارة الأسطوانية: «نحن اليوم في مواجهة الهجمة الإمبريالية الشرسة التي تتعرض إليها أمتنا العربية»، مما يجعلنا نتساءل: هل مجلس الأمن بعثي؟!

بين لجنة الجامعة العربية ولجنة الأمم المتحدة كل شيء تضاءل: الإحساس.. الضمير.. الأمل.. الأخلاق الأممية.. ولم يرتفع سوى... عدد القتلى..!

-**-**-**-**-**-*-*

حمزة الخطيب في ذكراه الأولى .. عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

29-4-2012

في مثل هذا اليوم من العام الماضي، وكان يوم جمعة، استجاب الفتى حمزة الخطيب مع آلاف من أترابه في قرى محافظة درعا، تلبية لنداء الاستغاثة "فزعة يا حوران" الذي أطلقه أبناء المدينة الجنوبية السورية المحاصرة منذ عدة أيام سابقة. حيث حمل الشباب الحوارنة من سائر بلدات السهل الفسيح ربطات الخبز وعلب الحليب، وكل ما يستطيعون حمله من مواد غذائية، وتوجهوا راجلين إلى ما صار يعرف لاحقاً بمهد الثورة وعاصمتها الأولى. كان حمزة واحداً من هؤلاء المدفوعين بالنخوة الحورانية المشهود لها، المدفوعين بروح التضامن العفوية مع أبناء وبنات المدينة المطوقة بأرتال دبابات الفرقة الرابعة، يحمل بكلتا يديه ربطتين من الخبز، ويسير مع الجموع الهاتفة "سلمية سلمية" نحو مبتغاه النبيل في المدينة الثائرة طلباً للكرامة والحرية. وما هي إلا لحظات حتى انهمر الرصاص من الحواجز المقامة على التخوم، فقتل نحو خمسين إنساناً، وخطفت أعداد كبيرة من الناس، كان من بينهم حمزة.

لم يعرف الوالدان في حينه، ولا الرأي العام، ماذا حدث لحمزة وغيره من الرجال والفتية الذين سيقوا إلى أقبية الأمن ومسالخها البشرية، إلا بعد أكثر من أسبوعين حين تلقت الأسرة المفزوعة على مصير ابنها أمراً باستلام الجثة، على أن يتم دفنها بصمت وسرية. فما كان من أحد النشطاء إلا أن بادر، بهاتفه الجوال وفي اللحظة الأخيرة، بتصوير ما تبدى على الجسد الصغير من آثار تعذيب مروعة تقشعر لها الأبدان، ثم جرى بعد ذلك تعميم هذه الصورة التي أراد الجلاوزة من ورائها ترهيب السوريين وإعادتهم إلى قفص الخوف الذي انكسر بغتة.

كان لانكشاف هذه الصورة التي ملأت شاشات التلفزة العربية والأجنبية ردة فعل مدوية، نقلت النظام المذعور إلى قفص الخوف ذاته، فراح يروج الأكاذيب عن فتى عمره ثلاثة عشر عاماً كان يداهم مساكن الضباط لاغتصاب النساء، ثم قام الأمن باستنطاق طبيب شرعي شهد، وهو يتصبب عرقاً، أن ميتة حمزة كانت عادية، وأن ما ظهر على جسده الطري كان جراء التحلل وطول المدة. غير أن بشاعة القتل تحت التعذيب، التي تكررت بصورة منهجية فيما بعد، كانت أكبر من كل نفي، وأشد هولاً من كل تسويغ متهافت.

والحق، أنني كنت واحداً من بين الملايين الذين هزتهم من الأعماق مظاهر الفتك والتنكيل بجسد حمزة، غير أن ما شدد من تضامني أكثر فأكثر، وعزز من انحيازي للثورة، كان مشهداً رأيت الجزء الأخير منه على الفضائية السورية، يتلو فيه والد حمزة بيان اعتذار شفوي عن فعلة ابنه الشقي، وهو خارج من لقاء رُتب له على عجل مع وارث الجمهورية عن أبيه، وينثر الأب المكلوم بشفتين مرتجفتين مزامير المديح ونشيد الإعجاب بالرئيس الإنسان، الأمر الذي صعق وجداني بقسوة، وأقعدني عن فهم بواعث مثل هذه العقلية السادية.

لقد كانت صورة حمزة المشوهة بفظاظة تترفع عن مثلها الوحوش الضارية في الغابة، بمثابة نقطة تحول فارقة في مسار الثورة السورية، أججت مشاعر الناس، وأدت إلى عكس ما أراد النظام الاستبدادي فعله لاستعادة قانون الخوف مجدداً، حيث بدا المتظاهرون منذ ذلك اليوم أكثر جسارة، وعمت الاحتجاجات بعدئذ معظم المدن والأرياف، وبات حمزة أيقونة الثورة، حيث أطلق عليه الكثيرون اسم محمد الدرة السوري، في إشارة إلى ما صنعته صورة مقتل الفتى الغزي بين أحضان أبيه في مطلع الانتفاضة الثانية. في الذكرى السنوية الأولى لاختطاف حمزة وقتله بسادية مفرطة، ندرك سلفاً أن آلافا من أقرانه، وبعضهم أصغر سناً، قضوا نحبهم في الأقبية السرية متأوهين باكين، دون أن تحظى سوى قلة القلة منهم بصورة هاتف مهزوزة صادمة لرأي عام عربي ودولي، يكاد يعتاد الآن على مشاهدة مثل هذه الصور المروعة. وفي هذه الذكرى التي عصفت بي عصفاً شديداً، وملأت قلبي وعقلي بالجزع والغضب والحزن الممض، أجدد القول أن المسألة السورية باتت بالنسبة لي منذ ذلك اليوم مسألة ضميرية أخلاقية، أكثر من كونها موضوعا سياسيا خلافيا.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com