العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29/01/ 2012


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تعلم الديمقراطية بدون ((معلم))!! .. د.هشام الشامي

خرج علينا وليد النظام التشبيحي و معلم الخارجية الأسدية اليوم بمؤتمر صحفي جديد ، للرد على قرار مجلس الجامعة العربية بشأن حل الأزمة السورية على الطريقة اليمنية ، و استغل المعلم الفرصة ليعطينا دروساً جديدة في صمود سوريا ضد مؤامرة (نصف كونية!!) ، و في استقلالية الفرار السوري و عدم خضوعه للخارج كائناً من كان ، و دروساً عن العروبة و الإسلام ، و عن الوطنية و القومية ، و عن الحرية و الحوار الوطني و تعدد الأحزاب و عن الإعلام الحر و الموضوعي و تشكيل الدستور المتجدد والإصلاح الشامل وأخيراً وليس آخراً عن الديمقراطية..

و قال المعلم ((بكل شفافية!!)) كعادته : علمناهم العروبة و الإسلام و سنعلمهم الديمقراطية

و نسي المعلم – و هو يعطينا دروساُ في العروبة و الإسلام و الديمقراطية - أن يحضر معه كعادته وسائل الإيضاح من صور و فيديوهات كتلك التي سجلت في طرابلس و كفرلاتا في لبنان و أخرى في إطلاق قروية النار ابتهاجا في عرس في ريف دمشق على أنها صور لعصابات مسلحة تعيث فساداً في ديار سوريا الأسد ، و التي عندما كشف أمرها و فضح كذبها ، و سأل الوليد بمؤتمر صحفي لاحق عنها , أقر بوقاحة فريدة و بدون أن يرف له جفن ( بعد ان وضع أصبعه في عينه) : أنها سيئة الإخراج ليس إلا 00

و حتى يبسط علينا المعلم تعلم دروسه الإضافية المجانية و تصبح في متناول الجميع و حرصاً على وقت السيد الوزير اقترح عليه طباعة تلك الدروس في كتيب صغير بعنوان (( تعلم الديمقراطية بدون معلم )) كتلك الكتب التي تعلم الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و غيرها بلا معلم

و أرجو ألا ينس المعلم الوسائل و الصور الإيضاحية التي تسهل علينا تعلم الديمقراطية على الطريقة الأسدية

و أنصحه أن يقدم لكتابه القيم هذا بملخص يبين كيف علمت سوريا الأسد العروبة و الإسلام للعرب المستعربة (حسب توصيف سيده الأسد الفيلسوف) و ذلك ليشجعنا و يحمسنا لنتعلم الديمقراطية على طريقته

و لا ينسى في القسم الخاص عن تعليم العروبة أن يوضح لنا كيف أن العروبة تكون بانبطاح سيده الأسد الابن على أعتاب الملالي في طهران ؟؟، وكأن فارس الشعوبية هي منبع و مصدر العروبة ، تماماُ كما فعل الأسد الأب عندما كان العربي الوحيد الذي اصطف مع إيران الفارسية ضد العراق العربية البعثية

و كذلك كيف تكون العروبة في إرسال جيشه العربي العقائدي ليدخل العراق تحت لواء الإمبريالية الأمريكية و التحالف الغربي في حرب الخليج الأولى ضد جيش البعث الصدامي؟؟

و كيف تكون العروبة بمحاصرة جيشه العقائدي لياسر عرفات و المنظمات الفلسطينية و المتحالفين معها في طرابلس من البر ، عندما كان جيش الصهاينة يحاصرهم من البحر و قصف طرابلس و مخيمات البارد و البداوي حتى إجبار عرفات و المنظمات على الانسحاب من لبنان إلى تونس بن علي على ظهر السفن الفرنسية

و كيف تكون العروبة بقصف جيشه العربي للمخيمات الفلسطينية في لبنان و قتل الآلاف من الفلسطينيين في تل الزعتر بعد حصار خانق و مديد أجبر أبناء المخيم على أكل أوراق الأشجار و شرب مياه المستنقعات

و كيف تكون العروبة بحماية حدود الصهاينة المحتلين للجولان على مدى عقود عديدة ، و منع حتى الطير من التحليق في سماء الجولان الذي ضمه الصهاينة إلى دولتهم المصطنعة بشكل نهائي بعد أن شهد فادتهم أن أأمن حدود لديهم هي حدود الجولان

أما في القسم الخاص عن تعليم سوريا الأسد للإسلام فهناك أمثلة كثيرة يمكن أن يستشهد بها السيد المعلم

فمن حصار المساجد إلى اقتحامها و تدنيس حرمتها و تمزيق المصاحف و الدوس عليها بالبساطير العسكرية ، إلى فصف المآذن و هدم بيوت الله فوق المصلين ،و إهانة العلماء و أئمة المساجد، إلى اعتقال و إعدام و تشريد الدعاة إلى منع الكتب الدعوية فهناك الكثير مما يستطيع أن يقوله المعلم في هذا المجال

و يستطيع كذلك أن يستشهد بنشر التشيع و دعمه و فتح الحسينيات و مزارات آل البيت الوهمية ، و السماح بحرية اللطم و السلخ و الجلد و إراقة الدماء الطائفية في مواكب الحسين الثأرية التي غزت عاصمة الأمويين و مسجد الوليد بن عبد الملك بكل حرية

و يستطيع أيضاً أن يستشهد بمواقف الأسد الأب كيف كان الوحيد بين الدول الإسلامية الذي دعم الغزو السوفيتي الشيوعي ضد الأفغان المسلمين المدافعين عن ديارهم و عقيدتهم ضد غزو مستعمر ظالم ، و كذلك كيف كان موقفه مخالفاً لكل المسلمين عندما وقف مع ذبح المسلمين في كوسوفو و الشيشان و في كل مكان ذبح و يذبح فيه المسلمون

و كيف لا ؟؟ و هو الذي كان يستبيح و يذبح المسلمين في حماة و حلب و جسر الشغور و تدمر و طرابلس و تل الزعتر و البارد و البداوي و برج البراجنة و كل مكان تصله يده الآثمة

أما عن الديمقراطية و هي بيت القصيد من الكتاب فلدى المعلم الكثير ليقوله و يسترسل فيه

فهناك أكثر من سبعة عشر فرع أمني ينتشرون في كل مدن و أرياف سوريا يحصون على الناس أنفاسهم و يصورون نظراتهم و يحللون استياءهم و امتعاضهم و يؤولون كلامهم و يسهرون على تطبيق الديمقراطية الأسدية المميزة و الفريدة

نعم إنها فريدة لأنها برائحة البارود الذي يقصف المدن و الأرياف السورية و بطعم دم السوريين الذين بعد أكثر من أربعين سنة من حكم الأسود خرجوا يطالبون بالحرية فاقتلعت أظافر أطفالهم الذين خطوا بأصابعهم البريئة على جدار الصمت و الخوف (حرية و بس) ، و سحبت مياه عيونهم بحفن أطباء طبيب العيون الطائفيين لأنهم تجرؤوا و نظروا شذرا في عيون جلاديهم و ديست رؤوسهم لأنهم رفعوها عالياً في السماء و هم يقولون : بعد اليوم ما في خوف

علم يامعلم الديمقراطية للعرب المستعربة كما علمها لنا جلادونا و سجانونا في أقبية السجون الأسدية ، تحت ضرب السياط و (الكرابيج) و لسع الكهرباء و صب المياه الساخنة و المثلجة بالتناوب على أجسادنا العارية ، و على الكرسي الألماني و داخل الدولاب الأسدي و أثناء شد أطراف الأيدي و الأقدام في حفلة النشبيح الطائفي الحاقد

علمهم الديمقراطية كيف تكون بتحويل جيش الوطن من حدود الوطن إلى بيوت العزل و الآمنين ليقصف البيوت و المستشفيات و المساجد و يقتل النساء و الأطفال و يروع الشيوخ و الحوامل ، و كيف تكون بقنص المتظاهرين و إهانتهم و الدوس على كرامتهم ، و بتجييش الطائفيين الحافدين ليخطفوا النساء و يغتصبوهم و يقطعوهم إرباً على مدى أكثر من عشرة شهور من ثورة الكرامة , تماماً كمجازر الأسد الأب (فالولد سر أبيه) في الثمانينات من القرن الماضي في حلب و تدمر و جسر الشغور و جبل الزاوية و التي توجت بتدمير و استباحة حماة من عصابات الأسد الطائفية في شباط 1982 و قتل أكثر من أربعين الف من الرجال و النساء و الشيوخ و الأطفال خلال أيام معدودة و ظن الأسد الأب يومها أنه دفن تحت أنقاض حماة حريتنا للأبد و بنى فوقها مملكة الخوف و الصمت

علمهم كيف تكون الديمقراطية بفتل آلاف المتظاهرين السلميين و اعتقال عشرات الآلاف و تهجير و تشريد آلاف اللاجئين في المخيمات داخل و خارج البلاد بتهمة خطيرة و هي التظاهر و المطالبة بالحرية

علمهم كيف تكون الديمقراطية بحكم الحزب الواحد بل العائلة المقدسة الواحدة و بدستور يفصل على المقاس و عند الطلب و بدقائق معدودة ، و مجلس شعب للتصفيق و التهريج و حكومة للتقديس و التمجيد ، و إعلام للكذب و التزوير و التحريض و التبرير ، و اقتصاد للخواص و الفاسدين و مصاصي دماء الشعب ، و مؤسسات دولة في خدمة الأسد الفرد الأحد

علمهم معنى الديمقراطية المميز عندما تكون في خدمة الشعار السامي الخالد: الأسد للأبد أو لا أحد . أو الثالوث التشبيحي المقدس : الله ، سوريا ، بشار و بس

و لا تنس أن تختم كنابك بما قلته عن العرب ( المستعربة ) و الذي لا ينطبق إلا على أمثالك من عبيد الأسد : (إذا لم تستح فأصنع ما شئت) ، و أيضاً بقولة الحق التي جرت على لسانك :(فاقد الشيء لا يعطيه) ، أما (الجبل الذي لا يهزه ريح) كما قلت فهو الشعب الثائر الشجاع الذي عض على جرحه و جربكم طويلا ً لكنه اليوم خرج عن صمته و أقسم ألا يعود إلا و معه حريته الغالية المسلوبة كاملة غير منقوصة

((فانتظر إنا منتظرون))

مركز الدراسات الإستراتيجية لدعم الثورة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-  

أعيدوا قراءة رسالتكم قبل إرسالها إلى الشعب السوري مرتين... زهير سالم*

ابتداء أقول أنا قرأت رسالتي هذه إليكم ثلاث مرات. وأقول أرجو أن تجد رسالتي هذه من وقت المعنيين بها ما يكفي. وأقول إذا كنت في موطن من ينبه ويتخوف ويحذر فلست في مقام من يتوعد أو يهدد..

 

وعلى الرغم من اختلاف أصحاب القرار وأصحاب الموقف على الساحة السورية الداخلية وعلى الساحتين الإقليمية والدولية على أمور كثيرة، بل ربما يكون ما يختلفون عليه هو الأكثر..فإن هناك ولا شك أمورا يتفق على رفضها وعلى التخوف منها الجميع. ولكن الكثيرين يدفعون إليها البعض بمباشرتهم والآخرون بتخليهم..

 

لا أحد في العالم فيما أزعم ، لا في سورية ولا خارجها ، يريد في سورية تمزقا طائفيا ولا حربا أهلية. لنقل إن هذا محل اتفاق.

 

حتى بشار الأسد الذي يحكم سورية هو وأمه وأخوه ماهر وأخته بشرى وصهره آصف وابن خاله رامي – كما صرح الأخير – والذي يستعين بزوج عمته يوسف أحمد سفيرا في الجامعة العربية وبابن خالته عاطف نجيب مسئولا للأمن في درعا وزوج ابنة خالته الذي اضطر إلى إعادته إلى عمله برا بخالته. دون أن ننسى بالطبع الوردة اللندنية التي لم تنبت في الأرض السورية فاضطر بشار الأسد أن يغرسها في صحراء دمشق!! غرسا لتلفت نظر الفرنسيين فتكتب صحفهم عن ( الوردة في صحراء )

 

حتى بشار الأسد هذا كان المفضل عنده أن يضع رجلا على رجل أمام الصحفيين الأجانب ليحدثهم عن الوحدة الوطنية، وأن يستحضر شهادات موثقة من قبل رجال دين – رغم إصراره على علمانية الدولة – على أن الدولة التي يقودها رمز للتسامح والإخاء..

 

أنا أؤكد أن بشار الأسد كان يحب أن يصبر عليه السوريون جيلا آخر حتى يحقق لهم مشروع الإصلاح الذي يأملونه، وربما على يد ولده الذي كان يحب أن يربيه على قيم الديمقراطية والاعتراف بالآخر واحترام ثقافة حقوق الإنسان. أقرر كل هذا لأصل إلى أن بشار الأسد هو الآخر يدخل ضمن التوافقية الكبرى فينضم إلى الذين لا يفضلون في سورية صراعا طائفيا ولا الانتهاء إلى الحرب الأهلية..

 

إذن الحرب الأهلية لا يريدها أحد، ولكن الثورة المباغتة التي حاصرت بشار الأسد في الزاوية الضيقة جعلته يرى في استدعاء عنوان ( المؤامرة الخارجية ) و ( الفتنة الطائفية ) والدفع باتجاه الحرب الأهلية مخرجا وحيدا من الأزمة التي حاصرته على غير توقع منه. على كره منه يرى بشار الأسد في الحرب الأهلية مخرجا، فهو يشعر أنه الطرف الأقوى في هذه الحرب بما يسيطر عليه من مفاصل الدولة، وإمكاناتها، وأدوات العنف فيها، وبما تقدمه له من جهة أخرى من غطاء قانوني بوصفه الجهة المخولة حسب ظاهر الأمر، باستخدام العنف تحت ذريعة الحفاظ على الأمن. ولذا فقد كان بشار الأسد منذ الأيام الأولى للثورة يبحث بالمجهر عن وجود مسلحين، يتخيلهم عابرين للحدود مرة من الأردن وأخرى من لبنان، وثالثة منحدرين من المخيمات الفلسطينية..هذا قبل أن تتاح له الفرصة لاختراع وهم المندسين والسلفيين والعصابات المسلحة...

 

أصبحت الحرب الأهلية بكل تداعياتها الكارثية بالنسبة لبشار الأسد مخرجا وحلا وأقل كلفة على ما يتصور هو من مشروع إصلاح جاد وذي مصداقية يمكن أن يذهب بملكه وملك أبيه وأخيه وآل الأسد أجمعين..

 

حجم المغامرة في الحرب الأهلية بالنسبة لبشار الأسد محدود، ولاسيما وهو يدرسها في إطار واقع دولي وإقليمي منشغل بنفسه أو متشاغل، مع ارتكازه على ركن ركين ليس من الدعم الروسي كما يتخيل الكثيرون ولكن من ( حيث كشف ابن خاله ) بغباء غير محدود.

 

ولن يضير بشار الأسد في اختياره لهذا المخرج أن يطفو قاربه على بحر من دماء السوريين!! هو يعلم وهم يعلمون، أن قارب والده ، والذي ورثه عنه كان يبحر في بحر الدماء نفسه، وكان ( هذا العالم الذي يتهمه بشار بالنفاق ) يأتي إلى دمشق ليقدم ضروب الولاء، وينثر عبارات الثناء. ولعل هذا ما كان يدور في ذهنه وهو يبشر أنهم سيأتون غدا إلى دمشق لتقديم الاعتذار. أو لعله كان يستعيد عبارة سيف القذافي (إنهم كانوا يقبلون أحذيتنا!!)

 

وبالمقابل فإن المتضرر الأول من الحرب الأهلية، ومما يطلق عليه الفتنة الطائفية، ويشار إليه بعسكرة الثورة؛ هو الشعب السوري، ومشروع التحرر الوطني الذي يسعى إليه. كل القوى الحية في سورية تعرف هذا، وتحاول أن تتجنبه تفعل هذا لأسباب مبدئية أخلاقية أولا، وتتمسك بسلمية الثورة كخيار استراتيجي أساسي تمسك به الثائرون منذ الأيام الأولى لانطلاقة ثورتهم. وتصر عليه  لأنها تعلم أنها ستدفع غاليا ثمن الخيار الآخر فيما لو نجح بشار الأسد في فرضه عليها، ليس من دماء أبنائها فقط، وكل أبناء سورية هم أبناؤها، وإنما ستدفع غاليا من حاضر سورية وربما من مستقبلها أيضا..

 

المهم في هذه الرسالة أن يتحمل المجتمع الدولي والمجتمع العربي مسئولياتهما وألا يسمحوا لبشار الأسد أن يختبئ وراء مفهوم السيادة الوطنية فيفرض على الشعب السوري خياراته القاتلة تحت شعار ( شعبي وأنا حر فيه ). لا يمكن للضمير العالمي أن يختبئ  حتى النهاية، وراء الفيتو الروسي والصيني أو حتى وراء الانقسام العربي..

 

هذه ساحة حرب مكشوفة، هي حرب حتى الساعة من طرف واحد، فيها نظام قاتل، وشعب مقتول. هناك في الشأن السوري اليوم لافتتان يجتمع تحتهما الناس: لافتة طلاب الحرية والعدل والكرامة من أبناء سورية ولافتة قتل الأحرار والأطفال. وكل من يدافع عن اللافتة الثانية ولو بشطر كلمة يغمس خبز يومه بدم أبناء سورية وأطفالها، مهما زور وزيف وفذلك وتفلسف، وتحدث عن وهم السيادة القومية والوطنية أو متلوثات الممانعة والمقاومة الجوفاء...

 

وحين يفكر أحد في هذا العالم على مستوى الدول والحكومات والأحزاب والجماعات والأفراد أن يرسل إلى الشعب السوري رسالة الخذلان واليأس ننصحه أن يقرأ رسالته هذه مرتين ليس لأنه بهذه الرسالة سيصير نصيرا للقاتل الأثيم فقط بل لأن رسالته ستحمل إلى المقتول السوري الحقيقة العربية الجبرية المطلقة:

إذا لم يكن غير الأسنة مركبا.... فما حيلة المضطر إلا ركوبها

----------------

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-  

شعب سوريا لم يعد يخاف الآلة العسكرية  .. بقلم: رضا سالم الصامت*

الشعوب العربية و منهم شعب سوريا الأبي لم يعد يخاف الآلة العسكرية، بل يواجهها بصدور عارية ، رغم تعرضهم لأبشع أساليب القمع ،و بالرغم من أن احتجاجاتهم سلمية فإنهم لا يحملون لا سكاكين ،و لا أسلحة نارية . هم يحملون فقط أفكارا يريدون بها تغيير حاكم التصق بكرسي اصبح مهزوزا و نهب ثروات البلاد و عاث فيها فسادا . شعب سوريا يحمل مطالب مشروعة، مطالب من أجل تحسين ظروفهم الحياتية و المعيشية ...

مطلبهم الوحيد تغيير النظام ، و استعادة كرامتهم الإنسانية التي هدرت على مدى سنوات حكم جائر .

لقد سبق ان نجحت في هذا كل من تونس عندما أطاحت بنظام بن علي القمعي ومصر بإطاحة نظام مبارك الرجعي ، و ليبيا بإطاحة نظام القذافي المستبد و هاهو الشعب اليمني و البحريني و السوري يطالب بنفس المطالب و يسير على نفس الخطى .

فخلال هذه الثورات يلاحظ المرء بالملموس تعمد الحكام على قمع مواطينيهم بأسلحة فتاكة و محرمة دوليا ، مما أثار سخط المجتمع الدولي . على سبيل المثال لا الحصر ، أن ما حدث في تونس و مصر و ليبيا و اليمن و سوريا و بعض البلدان الأخرى تقريبا نفس الشيء ، حدثت اقتحامات متكررة للمدن والقرى الواحدة تلو الأخرى من حملات تمشيطية ومداهمات للمنازل و ترويع الآمنين من السكان العزل و استهداف ممنهج للأطفال والنساء والشيوخ و اقتراف جرائم وحشية وتعذيب الناس والتنكيل بهم على مرأى العالم وسمعه....! و هو ما خلف مآسي و أحزان كان من الممكن تفاديها

ففي سوريا

أصبح بشار كالغول يصول و يجول و يقتل الشعب الذي خرج في احتجاجات سلمية يطالب بالتغيير و الإصلاح و ما كان هذا الشعب المؤمن، يظن أنه سيجابه بالعتاد العسكري الرهيب ، الذي لو فلح الأسد لاسترجع به هضبة الجولان المحتلة بدلا من قتل شعبه و تمزيق بلد عظيم في تاريخه و حضارته و ثقافته . ... و هو الذي وعد بالإصلاح، و خالف وعده ، قصف مدنا بأكملها و يتم أطفالا و قتل نساء و رجالا و اعتقل المئات من أبناء سوريا الشرفاء .. أبناء جلدته ...أهذا هو الإصلاح الذي وعد به شعبه ؟

إن هذا النظام المتعجرف حكم سوريا بالحديد و النار و القمع في ظل خروقات وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان على مدى أربعة عقود من الزمن، من أيام أبيه حافظ ..

فحتى المجتمع الدولي ضاق ذرعا لتصرفات طبيب العيون،و إن قرار الجامعة العربية جاء ليزيد في عزلة بشار و أتباعه و نظامه و شبيحته .

لكن ليعلم بشار و مؤيديه أن شعب سوريا اختار الموت لأنه رفض و يرفض الذل و الهوان و حياة الاستبداد و القمع ، و لم يعد يرهبه الرصاص و الدبابات و القنابل ، هذا الشعب الحر يريد الحرية و الكرامة ليبني سوريا جديدة تنعم بالحرية و الديمقراطية .

ان الشعب السوري يُقتل وتُسفك دماؤه ، و لا حياة لمن تنادي ، و الأزمة مستفحلة و حلها قد يصعب و أعمال القتل تتواصل و الأزمة تتفاقم كحرب داخلية طويلة الأمد، و سوف تكون كارثيةً ، رغم الصعوبات الجمّة التي تعترض طريق السوريين نحو الانتصار و المجد و الحرّية و الكرامة الإنسانية .

* كاتب صحفي و مستشار إعلامي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري يختار التصعيد..! .. رأي الراية

الراية

25-1-2012

تُؤشّر تصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم التي قال فيها إنه "لا حلول عربية" بعد اليوم لتسوية الأزمة السورية،على تزايد الهوّة بين الجامعة العربية والنظام في سوريا الذي اتخذ كما يبدو قراراً بالتصعيد واستخدام القبضة الحديدية للقضاء على الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير والديمقراطية.

على الرغم من أن وزير الخارجية السوري أبقى الباب موارباً أمام استمرار عمل بعثة المراقبين العرب بالقول: إن دمشق تدرس طلب الجامعة العربية تمديد مهمّة بعثة المراقبين العرب وإنها طالبت بتوضيحات حول دور البعثة بوقف العنف وحق بلاده بالتصدّي "للمجموعات المسلحة" إلا أن كل المؤشرات تُوحي أن قراراً بتعليق أو إلغاء عمل بعثة المراقبين العرب في سوريا سيصدر قريباً خاصة بعد أن قرّرت دول مجلس التعاون الخليجي سحب مراقبيها من البعثة لاستمرار عمليات القتل وعدم التزام الحكومة السورية بوثيقة البرتوكول الموقع مع الجامعة العربية.

لقد قدّمت الجامعة العربية ما يُمكن وصفها بمبادرة اللحظة الأخيرة لوقف العنف والقتل في المدن والبلدات السورية وضمان انتقال سلمي للسلطة في البلاد يُجنّبها خطر الغرق في الحرب الأهلية التي بدأت بوادرها تلوح بالفعل إلا أن الرد السوري على المبادرة كان الرفض المطلق لها وإن الحكومة ستقوم باتخاذ "ما تراه مناسباً" لمعالجة ما وصفه وزير الخارجية السوري "العصابات المسلحة" في بعض المحافظات الذي أكّد في الوقت نفسه الاستمرار في انتهاج الحل الأمني كوسيلة لمعالجة الأمور هناك.

المدن والبلدات السورية ما زالت شاهدة على استمرار القتل والعنف حيث سقط عدد من القتلى والجرحى المدنيين أمس حسب مصدر حقوقي بينهم اثنان في محافظة حماة التي اقتحمتها قوات عسكرية سورية.

إن رفض النظام السوري للحل العربي للأزمة في البلاد وقبل ذلك رفضه للمناشدات العربية بحل الأزمة داخل البيت السوري ومن خلال الحوار الوطني الشامل لكل القوى والأحزاب والفئات هو المسؤول بالتأكيد عن تدويل القضية السورية وليس الجامعة العربية التي يتهمها النظام السوري بالمؤامرة على بلاده..!

إن السعي العربي للحصول على دعم مجلس الأمن الدولي للمبادرة العربية يهدف إلى الضغط على النظام في سوريا لعلّه يُعيد النظر في خياراته وفي قراءته للأحداث التي تشهدها سوريا ويكشف أيضاً الحرص العربي لإبقاء حل الملف السوري ضمن البيت العربي وإن استمرار النظام السوري بالحديث عن مؤامرة خارجية اسطوانة مملّة ومكرّرة لا يُمكن أن يُصدّقها أحد وما يجب أن يُصدّقه النظام في سوريا أن الشعب السوري اتخذ قراراً لا رجعة فيه بالتغيير ونيل الحرية مهما بلغت التضحيات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلام سليماني يكشف النظام السوري... خيرالله خيرالله

المستقبل

25-1-2012

بقي المراقبون العرب في سوريا أم خرجوا منها، لم تعد تلك المسألة. كلّ ما في الأمر ان هناك نظاما انتهى لكنّه يرفض الاعتراف بذلك. لا يدرك أهل النظام في سوريا ان هناك صفحة طويت وان عليهم البحث عن مخرج يحفظ لهم سلامتهم من جهة ويحول دون تفتيت البلد من جهة اخرى. هذا ما يفرضه المنطق. ولكن هل لدى أهل النظام في سوريا علاقة من نوع ما بالمنطق؟

من لديه علاقة بالمنطق لا يغطي بطريقة او باخرى جرائم ترتكب في حق أشرف العرب واللبنانيين من أمثال رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما ثم يغطي سلسلة من الجرائم الاخرى بدءا بسمير قصير وانتهاء بانطوان غانم مرورا بجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار امين الجميّل من دون ان ننسى محاولات اغتيال مروان حماده والياس المرّ ومي شدياق وسلسلة من التفجيرات في المناطق المسيحية وجرائم كثيرة اخرى من بينها على سبيل المثال وليس الحصر إدخال "فتح الاسلام" الى مخيّم نهر البارد.

من لديه ادنى علاقة بالمنطق لا يدعم حزبا مذهبيا مسلّحا في لبنان ثم يدعي انه يواجه مؤامرة خارجية في سوريا رأس الحربة فيها متطرفون اسلاميون. هل الميليشيا المذهبية المسلحة الموالية لإيران الموجودة في لبنان تستحق الدعم نظرا الى ان سلاحها موجه الى صدور اللبنانيين والى مؤسسات الدولة، فيما التطرف ممنوع في سوريا لانّ النظام فيها يريد الظهور في مظهر النظام العلماني الذي يدّعي حماية الأقليات!

ما يمكن مساعدة أهل النظام السوري في التوصل الى مثل هذا المخرج اقتناعهم اخيرا بأنّ المال أهمّ من السلطة، خصوصا عندما لا تعود السلطة في متناول اليد. هذا على الاقلّ ما يفرضه المنطق. المال يمثل الحرية. تلك هي أهمية المال لدى الذين يعرفون معنى الحرية وليس لدى اولئك الذين يتحولون عبيدا للمال، مثل بعض كبار المسؤولين العرب وغير العرب في مستوى رئيس دولة او رئيس لمجلس الوزراء او النوّاب.

تكمن مشكلة النظام السوري في ان ليس في استطاعة أي شخص، أكان عربيا او اجنبيا، إدخال بعض المنطق الى عقل من يقف على راس هذا النظام. هل هناك من يستطيع القول للرئيس بشّار الاسد ان العالم تغيّر وان ليس في الامكان إعادة عقارب الساعة الى خلف لا في لبنان ولا في سوريا ولا في المنطقة كلّها. هل هناك من يستطيع القول له ان الشعب السوري ليس واقعا في غرامه ولا في غرام النظام وان شباب سوريا مرتبط بالعالم الحضاري وعلى معرفة به وانه مطلع على تفاصيل التفاصيل بالنسبة الى حقيقة النظام الذي يستعبده؟

في النهاية، ان الشعب السوري ليس بالغباء الذي يظنه أهل النظام. ليس بالغباء الى درجة انه لا يعرف كيف ضاع الجولان ومن يتاجر بالجولان والقضية الفلسطينية تحت شعاري "الممانعة" و"المقاومة". هناك اشياء انتهت. يعرف الشعب السوري ان "الممانعة" لا تعني شيئا، كذلك "المقاومة"، وان النظام لا يريد اي مواجهة من ايّ نوع كان مع إسرائيل، بل جلّ مبتغاه، استخدام لبنان لتبادل الرسائل مع إسرائيل بما يخدم مصالح الطرفين لا أكثر ولا أقلّ، بغض النظر عن الضرر الذي يلحق بالشعب اللبناني.

اذا كان رهان النظام السوري على روسيا، كلّ ما عليه تذكره ان الاتحاد السوفياتي، بكلّ عظمته، لم يفعل شيئا العام 1967 عندما خسر العرب سيناء والضفة الغربية والجولان. لم يفعل شيئا يذكر حتّى بعد انتهاء حرب العام 1973 التي استخدمها النظام السوري لاكتساب شرعية في حين انه خسر تلك الحرب بالمفهوم العسكري. بعد حرب 1973، توجه النظام السوري صوب اميركا. كان التوصل الى اتفاق لفك الارتباط مع إسرائيل برعاية أميركية تولاها هنري كيسينجر وليس اي شخص او فريق اخر. حصل ذلك في العام 1974 ولا يزال الجولان محتلا!

روسيا لا تنقذ نظاما عربيا. ربّما كانت إيران اكثر فاعلية منها هذه الايّام. لدى إيران رهانات من نوع اخر عبّر عنها قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني. لم يخف سليماني الذي اراد تقديم اوراق اعتماده كمرشح لرئاسة الجمهورية في 2013 انه يعتبر لبنان والعراق مستعمرتين إيرانيتين. اكّد سليماني قدرة ايران على تشكيل الحكومتين في البلدين. وقد فعلت ذلك اخيرا معتمدة على ما لديها من ميليشيات مذهبية في العراق وعلى "حزب الله" في لبنان. ما لم يقله في كلامه الذي تضمّن تهديدات للاردن ان سوريا صارت في الجيب الإيرانية.

الأكيد انه لن يصدر موقف صريح عن مسؤول لبناني كبير يدين هذا الكلام الذي هو في رسم النظام السوري اوّلا. ليس مطلوبا إدانة شكلية لكلام قائد فيلق القدس بمقدار ما انه مطلوب تسمية الاشياء بأسمائها وتأكيد ان الجنوب واهله ليسوا بضاعة يتاجر بها الايراني والسوري ولا أي طرف آخر.

يبقى ان كلام سليماني يشكّل دليلا قاطعا على ان سوريا صارت جزءا من المنظومة الايرانية لا أكثر. لم تعد ايران في حاجة الى سوريا لتأكيد ان الجنوب اللبناني تحت سيطرتها. أوليس ذلك سببا كافيا كي يأخذ النظام السوري علما بأنه انتهى وان الشريان الذي يبقيه على قيد الحياة لا علاقة له بالمنطق لا من قريب او بعيد. ايران ليست دولة عظمى. الدول العظمى، التي فيها ملايين السكان لا تعتمد على النفط ولا شيء اخر غير النفط لإعالة مواطنيها. الدول العظمى ليست فيها نسبة اربعين في المئة من السكان، حسب اكثر الدراسات تحفّظا، تعيش تحت خطّ الفقر!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل يَنقُص حلفاء الأسد أكثر؟  .. سركيس نعوم

2012-01-25

النهار

تناقص عدد حلفاء النظام السوري كثيراً في الاشهر الاخيرة. فعربياً، شهدت جامعة الدول العربية في بداية اهتمامها بالأزمة السورية الخطيرة، اجماعاً على صحة المطالب التي يرفعها ثوارها كما على عدالتها، وفي مقدمها تنفيذ إصلاحات جدية تؤدي الى تداول للسلطة والى اقامة نظام ديموقراطي يحترم الحريات العامة وحقوق الانسان. وفي آخر اجتماع لها على مستوى وزراء الخارجية كان هناك توافق إجماعي على طلب الثوار السوريين تنحي الرئيس وتنفيذ إصلاحات وإجراء انتخابات حرة. كما كان هناك توافق شبه إجماعي على إشراك مجلس الامن في مسؤولية ايجاد حل للأزمة في سوريا، في حال فشلت الجامعة في توفير الظروف الملائمة لتنفيذ الحل العربي لها. وذلك يعني ان الدول السبع التي تباينت وجهات نظرها مع غالبية اعضاء الجامعة لم تكن في اعماقها ضد الثورة السورية ومع القمع السوري لها، بل كانت تعكس رغبة بعض هذه الدول في عدم التورط مباشرة في ما يجري داخل سوريا تلافياً لتدخل الاخيرة في شؤونها، وهي قادرة على ذلك. كما كانت تعكس خوف البعض الآخر ان يعدي نجاح ثوار سوريا شعوبَها، وان يدفعها الى التحرك تخلصاً من انظمتها الديكتاتورية والفاسدة. ورد الفعل السوري السلبي (النظام) على القرارات الأخيرة لجامعة الدول العربية يعكس اعترافاً منه بخسارة العرب، وباستعدادهم لمساعدة الثوار بكل الوسائل ومنها المجتمع الدولي. وعلى الصعيد الاقليمي صارت الجمهورية الاسلامية الايرانية الحليف الاستراتيجي الوحيد لنظام الأسد، وخصوصاً بعدما خسر تركيا التي كان يعوّل عليها للقيام بأدوار إقليمية مهمة والتي تحوّلت مؤيدة للثائرين عليه. طبعاً لا يعني ذلك ان سوريا الأسد صارت قريبة من السقوط جراء ذلك، فإيران اصبحت ومن زمان قوة عظمى في المنطقة، بل القوة العظمى، ذلك ان الدول الاخرى القوية وفي مقدمها تركيا يشكّل الغرب بحلف شمال الاطلسي جزءاً اساسياً من قوتها. في حين ان القوة الايرانية ذاتية ومتطورة وقد تصبح نووية، وواجهت بنجاح حتى الآن على الاقل حلفاء اميركا في الشرق الاوسط بل اميركا نفسها. علماً انه لا يزال مبكراً الحكم على نتيجة المواجهة مع اميركا وذلك انطلاقاً من اقتناع بأن الدول العظمى في العالم تخسر معارك لكنها تربح الحرب. وهذا أمر لم يبدُ يوماً متيسراً للقوى الاقليمية الكبرى او حتى العظمى. إلا أن رد فعل ايران هذه على قرارات جامعة الدول العربية اخيراً، بل على مبادرتها المُجَدَّدَة التي تطلب "تنحِّياً" وإن غير رسمي لحليفها الرئيس بشار الأسد، لم يكن رافضاً لها مثل رد فعله هو وحكومته. فقد اعتبر الناطق باسم وزارة الخارجية في طهران "عناصر تقرير لجنة المراقبين العرب عن سوريا فنية ومتوازنة نسبياً". وقال "انه مع المبادرة الجديدة للجامعة تتوافر الارادة اللازمة والكافية لتنفيذ الاصلاحات في سوريا التي التزم الرئيس السوري تنفيذها في خطابه قبل 15 يوماً". طبعاً لا يعني ذلك ان ايران الاسلامية ستختلف مع سوريا الاسد. لكنه يعني انها لن تسقط معها إذا وصلت الى هذه المرحلة، وانها ربما تنصحها بالتجاوب للتوصل الى تسوية مشابهة للتسوية اليمنية أي تضحي برأس النظام وتسمح باستمرار بعضه من خلال الامن والعسكر ولكن مع تداول ما للسلطة. اما على الصعيد الدولي فقد فاجأ رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي والموفد الخاص للرئيس ميدفيديف ميخائيل مارغيلوف، السوريين والعرب والعالم بقوله: "ليس في وسع روسيا ان تفعل المزيد للاسد" الذي عليه ان يقرأ الموقف بوضوح، وهو ان الاصلاحات وإنهاء العنف هو ما ينبغي ان تفعله القيادات السورية اليوم. وطبعاً لا يعني ذلك ان روسيا ستتخلى عن الاسد ونظامه. لكنه يعني انها غير مستعدة للتضحية بمصالحها من اجلهما وخصوصاً اذا ادى تشددهما ورفضهما كل شيء الى حرب مذهبية لا يمكن حصرها داخل حدود سوريا فقط.

هل يقرأ نظام الاسد المواقف العربية والاقليمية والدولية بعقلٍ واعٍ او بعقلٍ "أُمنياتي"؟ لا احد يعرف الجواب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب الوهمية لوليد المعلم  .. خضير بوقايلة

2012-01-24

القدس العربي

يوشك السوريون على دخول عامهم الثاني من الانتفاضة الشعبية ضد نظام الحكم، والتقدم الوحيد المسجل في هذه الأزمة هو عدد القتلى والجرحى واللاجئين. عشرة أشهر من التوتر والاحتجاجات عبر مختلف المدن السورية والنظام لا يزال مصرا بثقة كاذبة على أنه ممسك بزمام الأمور ويكرر أنه ماض في طريق الإصلاح (من غير تسرع من فضلكم!)، إصلاحات لا تجد لها طريقا على الواقع ولا استجابة شعبية لأنها بكل بساطة إصلاحات نظرية ومبهمة لا أحد يؤمن بها لا على مستوى السلطة ولا في أوساط الشعب.

وليد المعلم وزير خارجية الأسد ظهر في مؤتمره الصحافي أمس متنطعا مكابرا ومحاولا خوض معارك بطولية واهية ضد الجامعة العربية ودول الخليج. المعلم اجتهد كثيرا من أجل أن ينقل اهتمامات الرأي العام من أصل المشكلة إلى جدل هامشي أثبت من قبله من الأنظمة العربية المقبورة أنها غير قادرة على السير فيه إلى النهاية. الأزمة في سورية قائمة بين نظام ظالم وشعب يريد أن يتحرر من عبودية طال أمدها، نظام لا يزال يعتقد أن الاستمرار في أسلوب الحكم بالحديد والنار لا يزال ممكنا في عصر الانعتاق والثورة التكنولوجية العارمة. المشكلة الأساسية التي كان على النظام السوري أن يواجهها بجدية ومسؤولية هي الاستجابة لمطالب السوريين الذين خرجوا مطالبين بالحد الأدنى من العيش الحر الكريم وبتخفيف القبضة الأمنية عنهم، لكن حكام البلد عجزوا عن استيعاب رهانات التغيير الزاحفة ففضلوا عوضا عن ذلك الإكثار من القهقهات والكذب على أنفسهم معتقدين أن أسلوب القمع البوليسي قادر لوحده على إخماد هذا الحراك الجديد.

الثورة السورية من أجل الحرية والكرامة انطلقت من الداخل السوري يقودها رجال ونساء وأطفال لا يقلون حبا لبلدهم عن الذين يدّعون ذلك من داخل دائرة النظام وحاشيته، كان وقتها في يد الرئيس الأسد وجماعة الحكم أن يحموا البلاد من كل محاولات التدخل الخارجي ويسيطروا على الوضع بقرارات توافقية داخلية بحتة. كان هذا ممكنا نظريا، لكن النظام الحاكم لا يمكنه حل مشكلة فعلية بحلول نظرية، أما الحل الواقعي والعملي فهو أن يباشر فعلا بخطوات إصلاحية تسلم للشعب حقه في حكم نفسه بنفسه، لولا أن هذا معناه أن على المكان لا يتسع للكلمة الحرة وللغة الإهانة والطغيان إذ لا بد لإحداهما أن تختفي من الساحة وقد وجد النظام أن ذلك صعب عليه بل لا مكان له في سلة الخيارات الممكنة. حرية الشعب تقتضي أن يزول النظام الحاكم بكل مكوناته زوالا نهائيا كاملا، وكل كلام القيادة السورية عن الإصلاحات والشروع فيها لم يكن إلا كذبا على العالم، وإلا كيف نفسر عدم حصول أي تغيير في واقع السوريين منذ عشرة أشهر.

وهنا كان لا بد من البحث عن مشجب آخر يعلق عليه النظام خيبته ويتنصل من مسؤولية رفض السير في طريق الإصلاح، فجاءت حكاية الجماعات الإرهابية المسلحة التي لم يكن أحد يسمع عنها شيئا إلا بعد انتفاضة الشعب، ثم تحول الأمر إلى مؤامرة خارجية تحيكها نصف الكرة الأرضية ضد سورية بلد الممانعة والصمود والتصدي، وعندما تحرك العرب لنصرة الشعب السوري الأعزل وحمايته من الزوال الحتمي تحت نيران جيوش الأمن والشبيحة وجد النظام تفسيرا لذلك في أن العرب ينفذون أجندات تمليها عليهم قوى غربية أمبريالية، ومع ذلك لم يجرؤ النظام على الحديث رسميا عن المؤامرة الصهيونية الإسرائيلية بل ترك ذلك فقط لزبانيته، وكل ما صدر عن دائرة النظام في حق العدو الرئيسي المفترض لنظام الممانعة هو الرسالة التي وجهها رامي مخلوف عبر صحيفة أمريكية مفادها أن الضامن الوحيد لبقاء إسرائيل في أمان هو استمرار نظام دمشق الحالي.

الجامعة العربية لم تعد وعاء جامعا للخطاب العربي، الخلاف بين أعضائها ليس جديدا في الحقيقة، لكنه الآن لم يعد خلافا بين أنظمة تشترك في صفة القمع والظلم ضد شعوبها بل أصبحت هنالك أنظمة منبثقة عن إرادة الشعوب وأنظمة لم تعد ترضى بقيام تحالفات على حساب كرامة الشعوب وهذه لا يمكنها أن تستمر في العمل تحت سقف واحد مع أنظمة فاسدة ظالمة طاغية، وسأبقى داعيا إلى ضرورة تحرك الأنظمة المؤمنة بإرادة الشعوب من أجل الانفصال عن الأنظمة الشمولية البوليسية ولو اقتضى ذلك تأسيس منظمة عربية جديدة تعبر بصدق عن مضمون الدولة الحديثة في المنطقة. لو حصل هذا منذ انتصار الثورتين التونسية والمصرية لما اضطر السوريون إلى شهور من الترقب والانتظار والصراخ تحت رصاص زبانية النظام الحاكم وتحت رقابة وفد الجامعة العربية الذي لم يكفه شهر من التفرج في الأبرياء وهم يقتلون ويشردون ويطاردون ويعذبون فتقدم بطلب ثان ليستمتع بالعرض شهرا آخر. رئيس وفد المراقبين العرب أعلن أن أعمال العنف تراجعت طيلة وجود فريقه على الأراضي السورية، كلام يوحي أن الرجل يعرف فعلا كم من الناس يقتلون ويسجنون في كل يوم على طول وعرض سورية. الجامعة العربية أرسلت مراقبيها لكي يتوقف القتل والقمع ويطلق سراح السجناء وينطلق مسار الإصلاحات فعليا في البلد وتجد المعارضة مكانا شرعيا لها تحت سقف مؤسسات الدولة وهذا أضعف الإيمان، لكن ها هو قائد المراقبين يمنح صك غفران جديدا للنظام ويقدمه وكأنه أدى عملا بطوليا وبأنه صار أرحم لأنه لا يقتل إلا عددا قليلا من المدنيين الأبرياء، وماذا ننتظر من رجل كهذا غير ذلك؟!

وليد المعلم حاول أمس جاهدا أن يجعل الخلاف القائم حول بلده بين النظام ونصف الكون، ثم راح يتحدث عن بيوت الزجاج العربية ويهدد حينا برميها بالحجارة إذا استمرت في الضغط من أجل إزاحة الأسد من الحكم، وحينا آخر بمعاملتها بالمثل من خلال دعم أية حركة احتجاجية هناك، أما حياة السوريين ومصير البلد المهدد بكافة الأخطار بسبب تعنت النظام فليذهبوا كلهم إلى الجحيم. النظام السوري لا يزال يرفض تقبل فكرة زواله مع أن ذلك هو المصير الحتمي له إن عاجلا أو آجلا، القاطرة تحركت ولم يعد هناك مكان لأنصاف الحلول ولا للالتفاف على إرادة الشعوب. الأنظمة الفاسدة لا مستقبل لها إلا الاندثار، والشعوب الذكية هي التي تعرف كيف تستفيد من هذا المنعرج التاريخي الحتمي لتشق طريقها نحو الازدهار والحرية وتحمي الأجيال القادمة من نفس المصير الأسود الذي ترعرعت فيه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإصلاحات السورية والمبادرة العربية .. عبدالله إسكندر

الاربعاء, 25 يناير 2012

الحياة

ما دامت المسألة في سورية «مؤامرةً» خارجية يدعمها العرب وتنفذها «عصابات مسلحة» يموّلها ويسلحها أركان «المؤامرة»، وما دامت هذه «المؤامرة» تستهدف الخط «المقاوم والممانع» الذي أرساه الحكم السوري ببنيته وأسلوب إدارته لشؤون البلاد لزهاء أربعة عقود... ما دام الأمر كذلك، فلماذا تعلن السلطات السورية تغييرات قانونية ودستورية؟ خصوصاً ان بعضها، بغض النظر عن كيفية تطبيقه والنيات وراءه، يؤشر إلى أن البنية الدستورية التي أشرف على وضعها الرئيس الراحل حافظ الأسد على مقاس حكمه، باتت الآن موضع تساؤل داخل الحكم. فهل هذا التساؤل هو نتيجة لإدراك أن بنية الحكم لم تعد صالحة للاستمرار، أم أنه نتيجة ضغط الحركة الاحتجاجية، أم أنه نتيجة الإجماع العربي على رفض أسلوب الحكم السوري في معالجة مطالب المحتجين؟

بين إعلانات الإصلاح الرسمي، وآخرها المتعلق بالتعديل الدستوري في شأن ولاية الرئيس والتعددية السياسية، وبين الممارسة على الأرض وفي السياسة هوة عميقة، لا بل تعارض كبير، إلى حد أن أحدها يلغي الآخر.

فعلى الأرض يستمر القتل اليومي، اي تستمر القوات الحكومية باعتماد لغة القوة وحدها في مواجهة المحتجين والمتظاهرين والمشيعين، رغم توقيع بروتوكول التعاون مع المراقبين العرب، والذي يلزم السلطات في دمشق بوضع حد لهذه السياسة وتوفير مناخ الهدوء الامني الذي يكفل وحده العودة إلى السياسة.

لكن، على ما يبدو، لا ترغب هذه السلطات بالعودة الى السياسة، بدليل موقفها من الشق السياسي للمبادرة العربية بنسختيها القديمة والجديدة. خصوصاً أن هذا الشق يلقى، إلى الإجماع العربي، ترحيباً من قوى أساسية في المعارضة السورية ودعماً دولياً، بما في ذلك حلفاء دمشق، مثل روسيا والصين، اللتين أشادتا أكثر من مرة بهذه الخطة. ويعتقد بأنه، مع توجه الجامعة إلى الأمم المتحدة، للترويج لهذه الخطة، سيصبح من الصعب على كل أعضاء المنظمة الدولية عدم التعامل الجدي معها. مع كل ما ينطوي عليه ذلك من ضغوط كبيرة وملحّة على الحكم السوري الذي تتناقص رقعة تأييده إلى حدود إيران وبعض أحزاب لبنان، بعدما انضم العراق الى تأييد الخطة العربية.

والأرجح أن الحديث عن إصلاحات، كما ورد في صحيفة «الوطن» السورية شبه الرسمية، يهدف الى محاصرة المطالب السياسية الواردة في الخطة العربية، وتالياً اقتصار التعامل مع الأزمة على الجانب الأمني حيث تشعر السلطات أنها متفوقة. وما قاله الوزير وليد المعلم في مؤتمره الصحافي امس، لا يخرج عن الرواية الأولى للسلطات، من دون الأخذ في الاعتبار كل ما حصل في سورية منذ عشرة شهور.

ومرة أخرى، يظهر هذا النهج قصر نظر وعدم رؤية العوامل الكثيرة المتداخلة في هذه الأزمة. كما تظهر في الوقت نفسه قلة إدراك لتصميم خصوم النظام، في الداخل والخارج، وقدرتهم على قلب المعادلة، بما في ذلك شقها الأمني على المدى الزمني المنظور. وما سحْب الثقة العربية من بعثة المراقبين، بعد المطالعة البائسة لرئيسها الفريق الدابي، كما ظهر في قرار المجلس الوزاري وانسحاب الدول الخليجية منها، إلا الدليل على أن تفادي الشر المستطير هو انخراط الحكم السوري في خطة المرحلة الانتقالية كما وردت في المبادرة العربية، وهو انخراط يفترض أن أي إصلاح جدي ينبغي ان يكون حصيلة حوار، خلال هذه المرحلة، وبتوافق الاطراف السورية جميعها، وليس قبلها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بعد أن يسقط الأسد  .. صحف عبرية

القدس العربي

2012-01-24

يديعوت 24/1/2012

العالم العربي حولنا ثائر. فالرئيس المصري في السجن، والقذافي قتل على أيدي المتمردين، وانهار نظاما الحكم في تونس واليمن، وفي سوريا تمرد يقترب فيه عدد القتلى على أيدي الاسد وجماعته من عشرة آلاف شخص بسرعة.

لا يعلم أحد ماذا سيلد اليوم. والصراع بين المدنيين والسلطة حظي باسم 'ربيع الشعوب' العربي لأنه يثير أمل ان يكون بدء تحرر الشعوب حولنا من سلطة الاستبداد التي سادت هناك منذ الأزل، وخطوة اولى نحو جعل نظم الحكم شيئا يشبه ديمقراطية غربية ليبرالية. لكنه كلما مر الوقت تبين ان لهذا الأمل أعداء كثيرين وربما يتجه الشرق الاوسط العربي الى وجهة مختلفة تماما.

مصر مثال جيد: فالحديث آخر الامر هنا عن صراع لا بين لاعبين (الشعب والنظام) بل عن ثلاثة الشعب والنظام (المعتمد على الجيش) والحركات الاسلامية التي تعرض حلا 'مختلفا'، حلا ليس معناه التقدم في الطريق التي سار فيها العالم الغربي منذ أواخر العصور الوسطى بل بالعكس: انطواء المجتمع في الداخل والعودة الى نظم حكم دينية يكون فيها الفقهاء هم الحكام الحقيقيين.

من سينتصر في هذا الصراع؟ تمكن الاشارة الى ثلاثة امكانيات أساسية: ينتصر في الاول 'الشعب' الذي ضاق ذرعا باستغلال النظام إياه. وينتصر في الثاني الجيش ويرجع النظام في مصر الى سابق عهده. وينتصر في الثالث الحركات الاسلامية (الاخوان المسلمون مع السلفيين أو من غيرهم). ويمكن ايضا التفكير في امكانيات أكثر تعقيدا كحلف بين اثنتين من المجموعات الثلاث هذه في مواجهة الثالثة.

في بحث يجري في هذه الايام في جامعة تل ابيب أثار زميلاي في ورشة عمل يوفال نئمان لعلم التكنولوجيا والامن، الدكتور حاييم آسا وشلومو باروم من مركز ابحاث الامن القومي، امكانا يبدو اليوم أكثر واقعية من سواه وهو فترة طويلة من عدم استقرار لا تنجح فيها أية جهة بتغليب ارادتها على المجموعات الاخرى.

قد يفضي عدم الاستقرار هذا في السيناريو المتطرف بالنسبة الينا، الى عودة مصر الى دائرة الحرب مع اسرائيل. وفي حالة أكثر معقولية قد يفضي الى اضعاف النظام وتدهور آخر للسيطرة المصرية على شبه جزيرة سيناء. وقد تصبح حادثة الخلية التي دخلت لتنفيذ عملية قرب ايلات في السنة الماضية أمرا معتادا. ويقتضي هذا ان تعزز في أحسن الحالات قوات الحراسة الشرطية والدوريات على الحدود الجنوبية (مع بناء حاجز حقيقي). وفي حالة اسوأ بالنسبة الينا سنضطر الى ان نزيد بصورة جوهرية مقدار قوات الجيش الاسرائيلي الذي تمتع بفترة هدوء بلغت ثلاثين سنة على هذه الحدود.

وما ذكرناه أعلاه يجري على الحالة السورية أكثر بأضعاف مضاعفة. قد نعود الى وضع لا يسيطر فيه نظام ضعيف في سوريا على الحدود بيننا التي لم تعرف التسلل من اجل الارهاب منذ اربعين سنة.

ما الذي نستطيع ان نفعله لمواجهة الشر الممكن؟ يجب علينا أولا ان نُعد قوتنا العسكرية لامكانيات كانت تبدو الى وقت قريب خيالية. فليس هذا وقت اضعاف الجيش الاسرائيلي بل العكس. منذ وقع اتفاق السلام مع مصر حظينا بنافذة هدوء امني نسبي تم استغلاله جيدا لتطوير الاقتصاد والمجتمع وخفض نسبة ميزانية الامن من ربع الانتاج المحلي الخام الى 5.5 في المائة منه (وهي نسبة تشبه نفقة مواطني دولة اسرائيل على الرياضة والثقافة والترفيه!). ولن تستطيع حكومة ذات مسؤولية الاستمرار في هذا التوجه.

وعلينا ثانيا ان نغير سياستنا الخارجية والامنية. يجب علينا في ساعة عدم يقين كهذه ان نقترب من حلفائنا التقليديين الغرب والولايات المتحدة في مقدمته. ولهذا معنى ايضا يتصل باستعدادنا لمباحثة الفلسطينيين في تقاسم البلاد. وعلينا ان نبحث عن حلفاء آخرين وان نحاول الاقتراب قدر المستطاع من تركيا. صحيح توجد هنا مسألة كرامة وطنية، والاعتذار صعب دائما، لكن البديل عنه أصعب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري يذهب إلى التدويل على قدميه .. الوطن السعودية

2012-01-24

أسهم النظام السوري، بعلم، أو من دون علم، بتوجه أزمته إلى الأمم المتحدة، بعد أن ضرب عرض الحائط بالمبادرة العربية التي أراد المخلصون من العرب أن تسهم في الحيلولة دون أن يتجرع هذا الكأس المر.

المماطلة والتسويف وكسب الوقت التي لعب عليها النظام لإطالة مدة بقاء الحزب الحاكم في السلطة، أصبحت مسألة لا تنطلي على أحد، حتى على أنصاره من بعض الأنظمة التي تدور في فلكه، وخاصة التي تستمد قوتها من إيران. فالمشكلات التي يعانيها حلفاؤه هي أكبر من أن تمكنهم من السير في المأزق السوري إلى النهاية، وهم بالتالي، حريصون على استخدام ما تبقى من الوقت الضائع في سبيل تدبير أمورهم.

فلنأخذ مثلا العراق، الغارق حتى أذنيه في أزمات داخلية قد تؤدي إذا ما تفاقمت إلى أحداث مأساوية عانى منها فترة الاحتلال الأميركي، وهو مهيأ لحرب أهلية، ستؤدي إلى انقسامات وتقسيمات لن تبقي هذا البلد كما هو عليه الآن.

والحليف الآخر للنظام السوري، لبنان، الذي "ينأى بنفسه" عما يدور في سورية، منقسم بين مؤيد، ومعارض للنظام السوري، يلملم خيبات سياسية متتالية، حتى إنه بات لا يستطيع تمرير مشروع في مجلس الوزراء، ولو كان قرارا يسيرا متعلقا بتصحيح الأجور، نظرا للتقاطعات الحزبية والطائفية والمذهبية، حتى بات لبنان أسير التجاذبات من هنا وهناك، وباتت حكومته في مهب ريح، لم يبق عليها سوى حاجة النظام السوري وحليفه الأساسي في لبنان - حزب الله-.

لقد جاء الموقف السعودي أول من أمس ليضع الجميع أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والسياسية، سواء أكان ذلك في الجامعة العربية أم الدول الإسلامية أم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وما على المخلصين لسورية سوى الاقتداء بهذا الموقف، ووضع الحلول الناجزة للوضع الإنساني المأساوي في سورية، كي لا يكون العالم شاهد زور على ما يحصل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ليست "مؤامرة خارجية"! .. د. طيب تيزيني

تاريخ النشر: الثلاثاء 24 يناير 2012

الاتحاد

حين خرج شباب سوريا إلى الشوارع قبل عشرة أشهر، كانوا يدركون أن أعظم شعار يمكن أن يطلقوه بعد أربعين عاماً، يتلخص بالثلاثية الكبرى: حرية وكرامة وديمقراطية. بيد أن سادة النظام الأمني لم يدركوا، في بواكير الانتفاضة، أن تلك الثلاثية ستتحول بعد بعض الوقت من "هبَّة" طارئة يمكن محاصرتها بثُلة صغيرة من رجال الأمن وجعْلها "درساً لمن يعتبر"، إلى حدث هائل الدلالة. فلقد أطلق السادات على "الغلابا"، الذين خرجوا في مصر مطالبين بالكرامة والخبز، "انتفاضة الحرامية" منذ عدة عقود، وانتهى إلى سحقهم. وقد جاء الآن، ذوو الأربعين عاماً من حكم في سوريا "يراد له أن يكون إلى الأبد"، فوجدوا أنفسهم، شيئاً فشيئاً، أمام ما أحسوا أنه قد يجسِّد حالة يمكن أن تكون فريدة في تاريخ الثورات والانتفاضات. وبالطبع، اتضح أن ما هو حتى الآن في طور الحدث في سوريا، مختلف عمقاً وسطحاً عن "انتفاضة الغلابا" إياها في حينه.

فإذا رأى السادات في أولئك الذين لم يكونوا يملكون حتى أجسادهم، فإن الأحفاد السوريين راحوا يظهرون كباراً من حيث هم طلاَّب "عدالة - خبز" مع الحرية والكرامة والديمقراطية. وبالطبع، نحن هنا نأخذ بالاعتبار خصوصية كل من المرحلتين الاثنتين في مصر وفي سوريا، مع العلم أن الانتفاضة المصرية قدمت الآن حالة كبرى في انتصارها. وإذ ذاك "بُهتَ الذي رأى"، فراح الإعلام السوري يُنتج ما أراد له أن يكون تغطية للحدث الجديد، الذي ظهر كأنه مفاجئ. فكان، من ثم أن أُنتجت من ذلك الإعلام ثلاث مقولات، في واقع الحال "المستجد به، وتلك هي: "المؤامرة الخارجية"، و"جموع المندسِّين من الإخوان والسلفيين"، وأخيراً "دعاة الطائفية التي لا تُبقِي ولا تذر". هكذا بدأت عجلة الإعلام في النظام السوري في مواجهة "المؤامرة الخارجية المزعومة" بأطرافها المتعددة، الإسرائيلي والأميركي والفرنسي...إلخ، الذين يسعون تحت راية الاستعمار الجديد والصهيونية والامبريالية، إلى تدمير بلد عمل على مدى أربعين عاماً في سبيل خلق "وطن حر" و"شعب سعيد"، وبذلك، جرى التنكر للشعب السوري بمطالبه في التأمين لمجتمع وطني ديمقراطي، واستُبدل ب"مؤامرة خارجية" تقود حرباً ضد النظام السوري.

وملفتٌ ومؤلمٌ أن من أعلن أن أمن إسرائيل هو من أمن سوريا، لم يُساءل أبداً، أما الشعب السوري بشبابه الذين يفتقدون الحرية والكرامة والعمل، فقد أتُّهم بأنه وراء مؤامرة مدبَّرة ضد بلده. وفي هذا، جرى التنكر النظري السياسي لضرورة القيام بإصلاح للبلد يضع السُّراق والمجرمين والفاسدين المفسدين، أمام قضبان العدالة، بينما تعرض الشباب -وهم فئة ذات أهمية عظمى في المجتمع السوري لرفعهم شعارات الإصلاح الشامل- لاستباحة ربما لم تمرّ مثيلة لها في التاريخ السوري والعربي.

لقد طغى طوفان الخراب والتدمير، بدلاً من الاستجابة لشرف الإصلاح. إذ إن هذا الأخير لا يمثل رذيلة أو ثأراً، بقدر ما هو الآن فضيلة الفضائل، ناهيك عن أنه إذا بقي بلد ما هو سوريا، داشراً معرضاً للاستباحة بكل صيغها، فإن ذلك يجعله "قصراً" يعيش تحت قبضة الحطام، ومن ثم، سيكون الخطر في هذه الحال متجهاً إلى البلد ذاته ومن حيث هو. على هذا، يمكن القول إن إيصال البلد إلى هذا الحد من الحطام، إنما هو طريق لتدخّل أجنبي يجد في أسوار البلد العالية ولكن الهشّة والمُنتهكة، طريقاً لفتح أسواره هذه. وطالما عالج سياسيون ومصلحون وقادة وطنيون هذا الحال من وجهة النظر القائلة بأن ترك الوطن هشاً منهوباً مستضعفاً إنما هو إعطاء الإشارة إلى دخوله. لا يمكن أن تدخل جيوش ولا خبراء ولا غزاة وطناً من الأوطان إذا كان من يحميه غير جدير به، وهذا هو درس التاريخ البشري لمن يسعى إلى أن يمتلك القدرة على تأسيس وطن جدير هو وأهله به.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المبادرة العربية عملية قيصرية لابد منها .. محمد فاروق الإمام

بعد أن ضاق العرب بالنظام السوري ذرعاً لم يجدوا بداً من سلوك الطريق الصحيح الذي يمكن أن يوقف تغوله بما يمتلك من أسلحة فتاكة ومدمرة في مواجهة الشعب السوري الأعزل، دون العدو الصهيوني الذي يحتل الجولان السورية منذ ما يقرب من نصف قرن، وقد أعطوه الفرصة تلو الفرصة لوقف جرائمه البشعة التي يرتكبها بحق السوريين منذ ما يزيد على عشرة أشهر، وقد أسرف في القتل والتنكيل والقمع بأبشع صوره القذرة والسادية وبكل صلف وغرور وحمق وسفاهة وجنون، وقد استنفدوا كل الحلول العربية الممكنة مخافة الانجرار إلى حرب أهلية تكون لها تداعيات خطيرة على العرب ودول المنطقة.

 ولم يكن اضطرار العرب إلى توافقهم على رحيل النظام ورأسه إلا السلوك الأرعن الذي تبناه هذا النظام السادي المتوحش، الذي يرفض كل الحلول السلمية التي يمكن أن توقف حمام الدم، وتفتح الباب أمام الشعب السوري لتحقيق تطلعاته وأمانيه، كباقي بني البشر، بانتزاع الحرية والفوز بالكرامة والوصول إلى الدولة المدنية التي يتساوى فيها كل المواطنين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة أو المذهب، ويتحقق حلمهم بغد أفضل، ليس فيه قهر ولا عذابات ولا ملاحقات أمنية ولا اعتقال ولا إقصاء ولا نفي ولا تمييز ولا فاقة ولا جوع ولا تخلف ولا انكسارات أو هزائم، ويتداولون السلطة بشكل سلمي وآمن.

لقد طاف الكيل بالعرب من هذا النظام الذي يدعي القومية والعروبة وهو الذي يتمرغ في أحضان ملالي قم منذ العام 1979 وينحاز إلى طهران ضد العرب ومصالحهم القومية، ويدعي المقاومة والممانعة والوصاية وتبني القضية الفلسطينية ودعم منظمتها، ويمزق صفها ويذبح عناصرها ويشرد فصائلها ويحول بين المقاومة وبين حدود الكيان الصهيوني المغتصب حفاظاً على سلامة وأمن المستوطنين أبناء خؤولته.

وكان لابد للعرب بأن يقفوا أمام مسؤولياتهم تجاه ما يرتكبه هذا النظام من فظائع وجرائم بحق السوريين، وقد يأسوا من هذا النظام الأرعن الذي لا يستمع إلى صوت العقل من أي طرف يأتيه، فعادى الإخوة والأصدقاء، وانساق وراء غواية شيطانه، يفعل بنفسه وبشعبه أمر وأنكى مما يفعله العدو بعدوه، وكان لابد للعرب أن يحزموا أمرهم ويتخذوا القرار الصائب، للجم هذا النظام والعمل على إزاحته وإبعاده بعملية قيصرية لابد منها، فجاءت مبادرتهم الشجاعة التي تضمنت البنود التالية:

- "تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال شهرين تشارك فيها السلطة والمعارضة برئاسة شخصية متفق عليها تكون مهمتها تطبيق بنود خطة الجامعة العربية والإعداد لانتخابات برلمانية ورئاسية تعددية حرة بموجب قانون ينص على إجراءاتها وبإشراف عربي ودولي".

- "تفويض رئيس الجمهورية نائبه الأول بصلاحيات كاملة للقيام بالتعاون التام مع حكومة الوحدة الوطنية لتمكينها من أداء واجباتها في المرحلة الانتقالية".

- "إعلان حكومة الوحدة الوطنية حال تشكيلها أن هدفها هو إقامة نظام سياسي ديمقراطي تعددي يتساوى فيه المواطنون بغض النظر عن انتماءاتهم وطوائفهم ومذاهبهم ويتم تداول السلطة فيه بشكل سلمي".

- "قيام حكومة الوحدة الوطنية على إعادة الأمن والاستقرار في البلاد وإعادة تنظيم أجهزة الشرطة".

- "إنشاء هيئة مستقلة مفوضة للتحقيق في الانتهاكات التي تعرض لها المواطنون والبت فيها وإنصاف الضحايا".

- "قيام حكومة الوحدة الوطنية بالإعداد لإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية على أن تكون شفافة ونزيهة برقابة عربية ودولية خلال ثلاثة أشهر من تشكيلها وتتولى هذه الجمعية إعداد مشروع دستور جديد للبلاد يتم إقراره عبر استفتاء شعبي وإعداد قانون انتخابات على أساس هذا الدستور".

لقد تقدمت الجامعة العربية بهذه المبادرة وهي تعلم علم اليقين أن النظام سيرفضها ولن يقبل بها، وهذا ما حصل، فقد أعلنت وكالة سانا صباح الاثنين 23 كانون الثاني رفض دمشق للقرارات الصادرة عن مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري واعتبرتها "انتهاكاً لسيادتها الوطنية وتدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية وخرقا فاضحاً للأهداف التي أنشئت الجامعة العربية من أجلها". ولم يكتف هذا النظام برفض المبادرة بل راح يكيل للعرب التهم بالخيانة والتآمر، فقد نقلت وكالة أنباء النظام صباح الاثنين عن مصدر مسؤول فيه قوله: "إن سورية تؤكد إدانتها لهذا القرار الذي جاء في إطار الخطة التآمرية الموجهة ضد سورية من قبل أدوات تنفذ هذه المخططات التي باتت مكشوفة لجماهير شعبنا في سورية والوطن العربي".

أمام هذا التعنت والغرور لم يعد أمام الجامعة العربية إلا رفع مبادرتها إلى مجلس الأمن، ليتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه الشعب السوري الذي ينزف دمه منذ ما يزيد على عشرة أشهر، قدم خلالها ما يزيد على ستة آلاف شهيد وأضعافهم من الجرحى والمفقودين والمعتقلين والنازحين والمهجرين.

وهذا ما أكد عليه الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي ورئيس اللجنة الوزارية الشيخ حمد آل ثاني اللذان سيتوجهان إلى نيويورك لتسليم الملف السوري إلى مجلس الأمن، ليتخذ القرار الذي يكف يد النظام السوري عن التغول بسفك دماء السوريين بالطريقة التي يفهمها هذا النظام، وقد سمعنا من عدد من زعماء العالم تأكيدهم على أن مجلس الأمن سيناقش هذا الموضوع خلال الأسبوع القادم بحالة مستعجلة، لإصدار قرار يدين النظام السوري على جرائمه بحق شعبه ويطلب منه وقف العنف فوراً والالتزام ببنود المبادرة العربية، ولا أعتقد أن روسيا صديقة النظام ستقف بمواجهة المجتمع الدولي إلى جانبه، وقد سمعنا المسؤول الروسي البارز ميخائيل مارجيلوف يقول: "إن موسكو لا يمكنها عمل المزيد للرئيس السوري بشار الأسد"، وهذا التصريح أشارة إلى بشار الأسد أن لصبر موسكو حدود، وعليه أن لا يفهم أن الموقف الروسي سيكون إلى جانبه إلى ما لا نهاية، وأعتقد أن روسيا لن تقف ضد أي قرار يتخذه مجلس الأمن لدعم المبادرة العربية، فموسكو هي من طرحت ما جاء في المبادرة العربية، وهي من طلبت من النظام السوري الموافقة عليها والالتزام الحرفي بتنفيذ بنودها، وأن رشوة شراء طائرات التدريب العسكرية هي الأخيرة التي يمكن أن يقدمها النظام المفلس إلى موسكو، وموسكو تعرف عجز النظام عن تقديم المزيد، وأنه عليها أن تدير ظهرها إليه وتبحث عن طرق أجدى نفعاً لسد جوعتها.

الأيام القابلة حبلى بما لا يشتهي رأس النظام السوري ويريد، ولا خلاص له من قفص العدالة الدولية التي ستكون بانتظاره لتقول فيه حكمها العادل جزاء ما اقترفت يداه من آثام وفواحش وجرائم بحق السوريين العزل، إن لم تسبق كل ذلك يد الشعب وتقتص من قاتلها كما حدث لطاغية ليبيا القذافي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجامعة العربية تطلق نظاماً عربياً جديداً  .. اوكتافيا نصر

2012-01-24

النهار

لا بد أن الدعوة التي وجّهتها جامعة الدول العربية إلى بشار الأسد للتنحّي عن منصبه شكّلت مفاجأة (سارّة أو غير سارة) للمشكّكين في إمكان انبعاثها من جديد.

قلت هذا قبلاً وهو جدير بالتكرار: نشهد إعادة تعريف لهذه المنظّمة القديمة وإعادة تحديد لأهدافها، بعدما كانت قد صارت عقيمة على مر السنين في انعكاس لقيادتها غير الفاعلة وأعضائها الطغاة في غالبيتهم. يظهر الآن شرق أوسط جديد نتيجة الصحوة العربية غير المسبوقة التي تستمرّ في اجتياح المنطقة من دون أي مؤشّرات لانتهائها قريباً. وتظهر الجامعة العربية أيضاً هيئةً جديدة مستعدّة للدخول في نقاش حقيقي والوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ. هذا ما يبدو واضحاً على الأقل في تعاملها مع الملف السوري.

لطالما كانت مصر مقراً للجامعة العربية، ولكن يبدو أن للمنظّمة المنبعثة من جديد تفكيراً وقلباً وقيادة مختلفة. في الواقع، تضطلع قطر بدور قيادي في التوسّط في النزاعات والعمل على التوصّل إلى تسويات حتى قبل بدء الربيع العربي. ففي عام 2008، استضافت العاصمة الدوحة السياسيين اللبنانيين المتناحرين وساعدتهم على إيجاد حل بعدما كانوا قد اعتقدوا أنهم في مأزق لا خروج منه. فقد ساهمت جرأة وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وثباته في التوصّل إلى تسوية وفي إجراء مزيد من المحادثات عام 2010.

وفي أيلول 2011، عندما تقدّمت القيادة الفلسطينية بطلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، تكلّم وزير الخارجية القطري باسم جميع الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية مبدياً الدعم الكامل لهذا المطلب.

وأدّت قطر، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، دوراً أساسياً ناجحاً في التدخّل العسكري في ليبيا، وتحديداً في تدريب الثوّار الليبيين وتسليحهم وتمويلهم ضد الديكتاتور. ولاحقاً، روّج وزير الخارجية القطري بقوّة فكرة إرسال مراقبين تابعين للجامعة العربية، وقد وُضِعَت موضع التنفيذ بمباركة تامّة من هذه الإمارة الخليجية وبدعم من دول عربية أخرى. في نظر كثرٍ، صار حمد بن جاسم بن جبر رمز الجامعة العربية الجديدة، المصدر الموثوق به ورأس الحربة الحقيقي.

نظراً إلى الوتيرة التي تسير بها الأمور وانطلاقاً من سجل قطر ومكانتها الدولية، يمكننا أن نتوقّع أن يبدأ العرب فعلاً بالاهتمام بشؤونهم وتدبّر أمورهم بأنفسهم عوض انتظار الحلول الدولية لمشكلاتهم. لن تكون الجامعة العربية في المستقبل شبيهة بما كانت في الماضي. فالجامعة القديمة قد ولّت في حين أن الجامعة الجديدة ستعكس أكثر فأكثر الواقع على الأرض، وعسى أن تكون منصفة مع الجميع.

في خضم الانتفاضات وبناء الأمم والتكتيكات السياسية والمناورات من أجل البقاء، ترتسم معالم نظام عربي جديد، وتفاصيله مذهلة لكل من هو قادر ومستعدّ للنظر أبعد من الأزمة الفورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدم السوري مسؤولية دولية؟! .. راجح الخوري

2012-01-24

النهار

بعد ساعات من مغادرة علي عبدالله صالح صنعاء تاركاً منصبه الرئاسي، دعت الجامعة العربية بشار الاسد الى التنحي لصالح نائبه فاروق الشرع [ليكن الله في عون الشرع] لكن سوريا ليست اليمن وبشار الاسد ليس علي عبدالله صالح.

حل عربي للأزمة السورية على الطريقة اليمنية، يفترض ان يبدأ بحوار بين النظام السوري والمعارضة في مدة لا تتجاوز اسبوعين. لكنه سقط بعد دقيقتين عندما رفضته دمشق معتبرة انه "تدخل سافر في شؤونها ومجرد بيانات تحريضية ممن يموّلون الارهاب ويسلحونه ويرتبطون بمخطط يستهدف سوريا من خلال طلب التدخل الخارجي"!

هل كان خافياً على وزراء الخارجية العرب ان الرد السوري سيأتي بهذه الطريقة وان الأسد الذي مسَّح الارض بالجامعة واهلها في خطابه الأخير متوعداً بسحق المعارضة سيضيف الى حربه العسكرية في الداخل حرباً سياسية ضدهم؟

قطعاً لم يكن هذا خافياً على احد، لكن الجامعة التي فشلت في عملية المراقبين الذين تحولوا شهود زور وانقسموا بعضهم على بعض، كانت أمام واحد من اثنين: إما اعلان فشلها وانسحابها من مسؤوليتها حيال المذبحة المتصاعدة، وإما البحث من مخرج التفافي يجعل من وقف حمام الدم مسؤولية دولية من طريق ازاحة العائقين الروسي والصيني في مجلس الأمن، من أمام اي قرار للانخراط الدولي في معالجة الازمة بأي طريقة.

وهكذا تمّ الاتفاق على مبادرة هي عبارة عن "خريطة طريق" من ست نقاط تفتح نافذة على حل سياسي لانتقال السلطة وفق "الطريقة اليمنية" وعلى الاستمرار في مهمة بعثة المراقبين كتغطية أمنية ولو قاصرة تواكب مرحلياً الحل السياسي الذي يعرف الجميع كما قلنا ان الاسد سيرفضه قطعاً!

النقلة النوعية في قرار الجامعة تتمثل في الذهاب الى مجلس الأمن للمصادقة على المبادرة العربية في شقيها الأمني المتصل بالمراقبين والسياسي المتصل بانتقال السلطة، ولا يستطيع احد هنا التحدث عن التدويل لأنه قائم أصلاً على الأقل من خلال المشروع الروسي المعروض على مجلس الامن.

ومن المعروف ان سوريا وافقت على بعثة المراقبين وكذلك روسيا والصين، وعندما تسعى الجامعة الى مصادقة مجلس الأمن على مبادرتها بشقيها الأمني والسياسي من دون طلب اي تدخل عسكري كما أكد الشيخ حمد بن جاسم، لن يكون في وسع روسيا والصين رفض هذه المصادقة التي ستجعل المسؤولية السياسية والاخلاقية عما يجري في سوريا على عاتق الشرعية الدولية التي لن تستطيع تحمّل المزيد من المذابح في سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في المستوى الطائفي للنظام السوري .. عمر قدور *

الثلاثاء, 24 يناير 2012

الحياة

بين أن يكون النظام السوري طائفياً، أو أنه يستغل المسألة الطائفية، نقاشٌ قديم متجدد يجد فيه أنصار كل رأي منهما ما قد يدعم فرضيته. ومن المؤكد أن اندلاع الانتفاضة السورية قدّم فرصة كبيرة للحديث في الشأن الطائفي؛ هذه المرة بمعزل عن «الحياء» والتوريات التي كانت تتخلل الحديث عادة، وإن كان التسليم بتفاقم الأزمة الطائفية محفوفاً بالمخاطر الفكرية والواقعية، من حيث أنه يبني على مظاهر الأزمة، وعلى وعي مأزوم أو أقلّه حائر إزاء التحول الجذري الذي تعد به الانتفاضة.

كما بات معروفاً خلع النظام برقع الرياء، وأسفر منذ بدء الانتفاضة عن رؤيته للمسألة الطائفية فقدّم نفسه بصفته حامياً ل «الأقليات»، وعلى الأخص حامياً للطائفة العلوية، مع ما يقود إليه هذا الوصف من اعتراف صريح بأنه نظام «أقلوي» مضاد لإرادة «الأكثرية»!. في الواقع إن تموضع النظام هكذا يغري أنصاره، وبعضاً من خصومه، بتصديق ما يدّعيه لنفسه من دون التساؤل عن أحقيته بذلك، فكما هو معلوم لم تفوّض أيّ من الطوائف المعنيّة، بما فيها الطائفة العلوية، هذا النظام بتمثيلها أو باحتكار تمثيلها إلى الأبد. لكن ليس بوسعنا أن ننكر على النظام نجاحه، وإن يكن موقتاً، باستقطاب فئات واسعة من «الأقليات» لاقت رواية النظام صدى لديها بسببٍ من مخاوفها من التغيير، أو بسببٍ من مصالح حقيقية مع النظام لا يتمّ التصريح بها علانية، فيُترك للتعبير الطائفي أن يغطّي على الفساد الذي يشوب هذه المصالح.

إن غادرنا لغة التورية التي يعتمدها النظام رسمياً، وتتجلى مراميها واضحة في منطوق أنصاره «اللبنانيين بخاصة»، سعى النظام منذ بدء الانتفاضة إلى تكريس روايته عن «ثورة سنية أصولية» ضد حكم «علماني»، ما دفع بعضاً من معارضيه إلى وصمه بما يرونه أقرب إلى الواقع ك «حكم علوي». والواقع أن اتهام النظام على هذا النحو لا يثير حفيظة ممثّليه إلا علناً، لأن هذا الاتهام يكرّس من جانب آخر ما يريده النظام من تصوير للانتفاضة على أنها مشروع حرب أهلية طائفية يقوم بها السنة ضد العلويين، وبذلك يكسب ولاء الطائفة العلوية ويحتمي بها، ويضمن حياد «الأقليات» الطائفية الأخرى التي لن ترى لها في مثل هكذا حرب ناقةً أو جمل!.

المفاجئ، ربما، هو النجاح الساحق الذي حققته رواية النظام في أوساط الطائفة العلوية باستثناء جزء من الشباب انضوى في الانتفاضة، حيث يصعب ردّ ذلك إلى المشاعر الطائفية فقط، بخاصة إن استذكرنا ما لاقاه النظام من معارضة في أوساط الطائفة نفسها في عقد السبعينات وحتى منتصف الثمانينات. وحتى إن أخذنا المخاوف الطائفية بالحسبان فإنها لا تكفي وحدها لتبرير الاصطفاف الحالي خلف النظام لمَنْ كانوا حتى عهد قريب يجهرون بمعارضتهم له، فالمخاوف المصاحبة للأزمة قد تأخذ طابعاً شعبوياً معمّماً، لكنها ليست بذلك الأثر الكبير ما لم تكن مستندة إلى شبكة من المصالح الحقيقية التي تبدو مهددة بخطر شامل. إن أسهل ما يمكن استنتاجه هنا هو أن معارضةَ هؤلاء لم تكن جذرية أو جادة أصلاً، وبذلك تُغفل حقيقة أن المئات منهم قضوا سنين طويلة في معتقلات النظام، وأنهم رفعوا شعار إسقاطه في زمن سابق.

منذ مواجهة النظام مع الإخوان المسلمين في مطلع الثمانينات طرأ تحول على سلوك النظام، ويرى البعض أنه منذ ذاك الحين بدأ يعد العدة من أجل هذا اليوم، بما في ذلك توريط الطائفة العلوية أكثر فأكثر في حمايته وفي دمج مصيرها بمصيره. ففي الوقت الذي اتجه النظام إعلامياً إلى محاباة الإسلام السني، والتساهل مع الجمعيات الدينية الأهلية، أو رعايتها حتى، فإن قطاعين اثنين كانا محور الاهتمام الحقيقي هما الجيش والاستخبارات، حيث بات الولاء التام مطلوباً فيهما، ولم يعد مسموحاً بأية شبهة للتمايز أو الطموح الشخصي، ولأن السبيل الأقصر والأسهل لتأمين الولاء كان الاعتماد على علاقات القرابة فقد اتخذت سياسة النظام منحيين متضافرين؛ أولهما التخلص من الضباط الكبار من أبناء الطائفة العلوية؛ أولئك الذين قد يشكّل بقاؤهم تهديداً أو انتقاصاً من السيطرة الكلية للنظام، وثانيهما الاعتماد على ضباط مغمورين من أبناء الطائفة، يعتمد انتقاؤهم على عدم وجود حيثية شعبية تمنحهم ثقلاً خاصاً بمعزل عن ولائهم للسلطة.

وحيث كان الجيش والاستخبارات أقصر طريقين للشعور بامتلاك السلطة، حتى إن كان شعوراً كاذباً، فقد استُغلّت حاجة أبناء الطائفة إلى مصدر للرزق لدفعهم أكثر إلى التطوع في الجيش والاستخبارات، ولأن التطوع لا يحتاج إلى مستوى مرموق من التحصيل العلمي فقد أدى ذلك عملياً إلى تشجيع آلاف الشباب على الإحجام عن التحصيل العلمي، من دون أن ننفي عن بعضهم نوازع السلطة والكسب السريع المتحقق من خلال فساد هاتين المؤسستين.

إن توريط فئات واسعة من أبناء الطائفة في مؤسستي الجيش والأمن لم يكن بمعزل عن السلوك العام للنظام، ففي الواقع لم تتميز المناطق التي تحتوي على غالبية علوية بمستوى عالٍ من التنمية الاقتصادية، بل على العكس تبدو فلسفة النظام وكأنها انبنت طويلاً على عدم تأمين مستوى لائق من التنمية ما دفع أبناء الطائفة إلى ما يشبه التهجير القسري إلى حيث تتواجد مراكز السلطة. المحصلة المخادعة لما سبق هي إحساس فئات واسعة من أبناء الطائفة بأنها مدينة للنظام بتأمين مصادر رزقها، وإحساس فئات أخرى بالأمان بسبب قربها، أو قرابتها، من مراكز الثقل العسكري والأمني. لقد استفاد النظام جيداً من تقديم فتات السلطة وفتات المكاسب الاقتصادية إلى أبناء الطائفة العلوية، مع التركيز طوال الوقت على حرمان أبنائها في ما سبق، وبحيث يبدو ما يقدّمه متصلاً بمحسوبيات طائفية لا بحقوق واجبة لهم كمواطنين، وليس من المصادفة أبداً أن تركز قناة تلفزيونية موالية على المقارنة بين ما كان عليه أبناء الطائفة قبل هذا النظام وما آلت إليه الأحوال في ما بعد دون أدنى اعتبار للتطور الزمني الطبيعي الحاصل في العالم كله، وبالطبع مع إغفال الحقوق المهدورة لهم أيضاً بحكم الفساد والاستبداد.

لقد تعاطى النظام مع الجميع بآلية الرشوة، وهذا ما يجب تفكيكه إذ باستثناء أمراء الفساد لم يحصل أحد من أية طائفة سوى على الحد الأدنى مما ترتبه حقوقه كمواطن، ووجود نوع من التمييز في بعض القطاعات لا يلغي هذا الواقع، وإذا كانت الانتفاضة تعد بإلغاء التمييز فإن ذلك ينبغي أن يكون في إطار تحصيل مستوى أعلى من الحقوق للجميع من دون استثناء.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل هناك من يتساءل داخل القيادة السورية؟ .. علي إبراهيم

الشرق الاوسط

24-1-2012

رفض النظام السوري عبر مصدر رسمي في خبر بثته وكالة الأنباء الرسمية، المبادرة العربية التي رسمت خارطة طريق مشابهة لما حدث في اليمن لتسليم شبه سلمي للسلطة، ليفتح الباب على أسئلة كثيرة، على رأسها: وماذا بعد؟ وهل تكون الخطوة التالية هي اللجوء إلى الحل الدولي؟

لكن الرفض نفسه يطرح تساؤلات، أولها: هل ذلك هو الموقف النهائي للنظام هناك؟ أم إن الباب لا يزال مواربا؟ فتجربة المبادرات العربية في الحالة السورية شهدت مواقف متضاربة من قبل النظام في دمشق، آخرها مهمة بعثة المراقبين العرب التي اعتبرت في البداية انتهاكا للسيادة السورية ثم أخذت أسابيع من الاستفسارات والرسائل والردود من جانب دمشق والجامعة، وتعديلات في البروتوكول العربي، حتى تم قبول استقبال المراقبين الذين أثاروا هم أنفسهم جدلا لم يتوقف حتى الآن.

لن يكون غريبا أن يحدث سيناريو مشابه للخطة العربية التي قدمت بعد اجتماع وزراء الخارجية العرب، وأن يحاول النظام في سوريا التفاوض حولها ويقدم استفسارات ثم طلب تعديلات.. إلى آخره، كما حدث مع بعثة المراقبين، في محاولة لشراء الوقت.

فحتى لا نخدع أنفسنا، لم يكن قرار قبول المراقبين العرب في سوريا إلا خضوعا للضغط ومحاولة لشراء الوقت، على أمل أن تتمكن القوات الأمنية من قمع الثورة هناك وإجهاض بؤر التوتر، بدليل أن وتيرة القتل واقتحام المدن لم تتوقف، وعلى العكس، تصاعدت ووصل عدد القتلى بوجود المراقبين العرب إلى بضع مئات.

إذن، الضغط هو الذي يؤدي إلى تحريك الموقف. وبالتالي، فإن الخطة العربية التي رفعت سقف التحرك العربي تجاه ما يحدث في سوريا، أضافت ضغطا جديدا على النظام هناك، مع إبقاء الباب مواربا لخروج آمن على طريقة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح. وهي نصيحة كان قدمها المنصف المرزوقي الرئيس التونسي في حواره مع «الشرق الأوسط» عندما تحدث عن سوريا، وقال: «يجب عدم إغلاق الأبواب الأربعة أمام نمر جريح، وأن يترك له منفذ». والمهم طبعا أن تفهم الرسالة ويقبل المقصود بها هذا المنفذ.

نحن أمام المشهد الأخير في الثورة السورية.. هذه حقيقة بدأت تتضح ويدركها الجميع خارج وداخل سوريا؛ الحكم والمعارضة هناك، والأطراف الإقليمية، عربية وغير عربية، والقوى الدولية. فقد حصل الأسد على الكثير من المهل والوقت، ولم يقدم حلولا حقيقية، كما لم يستطع أن يقضي على الثورة التي كسرت حاجز الخوف، وبدأت ترد بالسلاح على السلاح الموجه لها، وأصبحت الأوضاع على الأرض تتغير يوميا لغير صالح النظام الذي بدأ يفقد السيطرة على مدن ومناطق بكاملها.

وإذا كان لا أحد يستطيع معرفة ما يدور داخل كواليس الحكم والمؤسسات السورية، فلا بد أن الخطة العربية ألقت بحجر في الماء الذي لا نعرف ما إذا كان راكدا أم لا داخل كواليس الحكم والمؤسسات الرسمية. ولا بد أنها ستدفع شخصيات أو مسؤولين فيها إلى التساؤل: هل يساوي الحفاظ على بقاء الرئيس تدمير البلد ومؤسساته ونزف الدم المستمر وقتل الشعب، والانشقاقات المتواصلة في الجيش والقوات الأمنية. والمؤمل أن يهتدوا إلى الجواب المناسب إذا كان هناك حس بالمسؤولية، وإذا كانت هناك شجاعة في طرح مثل هذه التساؤلات.

هل هناك من يطرح هذه التساؤلات داخل القيادة السورية؟ هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثلاثيّة النصر  .. مجاهد مأمون ديرانية

دخلنا منذ أيام في شهر الثورة الحادي عشر، ولا يبدو في الأفق المنظور حل حاسم يمكن أن يُسقط النظام في وقت قريب. أنا نفسي كنت متفائلاً في بدايات الثورة وتوقعت أن ينهار النظام في شهور قلائل، ويؤسفني أن أعلن لكم أني كنت مخطئاً. ليس المؤسف أن أعترف بذلك، فما العيبُ في أن يخطئ في التقدير واحدٌ مثلي من عامة الناس أو من الهواة الطارئين على عالم السياسة؟ الذي يؤسفني في الحقيقة هو أن النظام لم يسقط حتى الآن.

ثم لاحظت أن التطورات الدولية تتصاعد وتتسارع باتجاه الحسم العسكري فتوقعت حرباً وشيكة، بل قلت إن الحرب صارت عملياً وراء الباب وليس بيننا وبينها إلا أسابيع. ولكن الأسابيع مضت ولم تظهر أي أدلة على تدخل قريب، فلا كتائبَ تُحشَد ولا أساطيل تُحرّك ولا مطارات تُهيّأ، وأعترف بأني كنت مخطئاً وأن أي تدخل خارجي لا يبدو قريباً (بغضّ النظر عن طبيعة التدخل وأنواعه ورأيي في كل منها، فإنما وصفت -حينما كتبت عن الحرب المنتظَرة- ما توقعته اعتماداً على التقارير المنشورة والتسريبات المستترة، لا ما أُحبّه وأرجوه).

إذن فنحن ما نزال في الشهر الحادي عشر كما كنا في الشهر الأول: ما تزال الثورة تقف وحدَها في مواجهة النظام. بل لقد صار الأمر أسوأ، فبينما لم تقدم لنا أي دولة من دول العالم سوى الكلام كان حلفاء النظام يمدونه بالسلاح والمال والرجال في جسر بري بحري جوي لم يتوقف منذ عشرة أشهر، وليست بعيدةً قصةُ السفينة التي احتجزها القبارصة ساعات ثم أطلقوها لترسو في طرسوس وعلى متنها ستون طناً من الذخائر. لو أن النظام خصص لكل سوري عشرة كيلوغرامات منها لقتل بحمولة تلك السفينة ستة آلاف نَفْس… ومع ذلك تركها العالم لتكمل طريقها وتصل إلى يد النظام القاتل، مع كثير من عبارات الشجب والاستنكار. يا دول العالم المتحضر: لا تتعبوا أنفسكم بعد الآن، رُدّوا عليكم شجبكم واستنكاركم، أو انقعوه في باردِ الماء ثم اشربوه إن استطعتم أن تُسيغوه، ، أما نحن فلا حاجة لنا به منذ اليوم.

* * *

سألتكم في المقالة الماضية: لماذا لا نكمل الطريق وحدنا؟ أليس قد قطعنا وحدنا عشرة أشهر كانت حافلة بالتضحيات والمرارات والآلام، فصبرنا عليها ونجحنا في اجتيازها؟ عشرة أشهر عجاف كانت الثورة في أكثرها وحيدة بلا ناصر ولا معين إلا الله، فلماذا نيأس اليوم وقد سخّر لها الله لها من نفسها الناصرَ والمعين، فصار لها جناحان قويان، وغدت الثورة السلمية واحدة من ثلاثة أركان تشكل معاً قوة ضاربة قد لا يصمد النظام في وجهها طويلاً إذا أحسنَت التدبير وأتقنت العمل وتوكلت على الله؟

الركن الأول فيها والأهم والأعظم حجماً وقَدْراً هو الثورة الشعبية التي اتسع جمهورها حتى لَيبلغ الملايينَ ذات العدد وانتشر حتى لَيغطي الأرض السورية كلها. الثاني في الأهمية والحجم والقدرة على الحسم هو جيش سوريا الحر الذي وُلد من رحم الثورة الشعبية، والذي يتمدد ويكبر يوماً بعد يوم بحمد الله. الثالث هو المجلس الوطني الذي يمثل الثورة وينطق باسمها في المحافل الدولية.

هذه الأطراف الثلاثة يحتاج بعضها إلى بعض ويمدّ أحدُها الآخَرَ بالقوة، وهي تشبه في العلاقة بينها المثلثَ المشهور الذي يرمزون به إلى إعادة التدوير، حيث تجتمع ثلاثة أسهم على أضلاع مثلث فيدخل رأس كل واحد منها في ذيل واحد أمامه، مع الاختلاف بأن أحجام الأسهم في حالتنا السورية ليست متساوية الحجم كما هي في ذلك الرسم الرمزي.

إن الأطراف الثلاثة هذه تتنوع في الوظيفة وتتكامل في الجهد، وهي قادرة معاً على إسقاط النظام إن شاء الله:

(أ) الثورة تحتاج إلى الجيش الحر ليوفر لها الحماية ويدافع عن المدنيين، وتحتاج إليه ليساعدها في إضعاف النظام عن طريق استهداف مراكز قوته وتجمعاته الأمنية والشبيحية. وتحتاج الثورة إلى المجلس الوطني لينطق باسمها ويصل إلى حيث لا تستطيع هي أن تصل، إلى الدول والحكومات والقوى الدولية والهيئات العالمية، ليدفعها إلى تبنّي المواقف الداعمة والمساندة للثورة.

(ب) الجيش الحر يحتاج إلى الثورة الشعبية لأنها توفر له الحاضنة التي يتحرك ضمنها ويعيش وسطها، ويحتاج إلى دعم ومساعدة المدنيين الذين يقدمون له المأوى والرعاية. وهو يحتاج إلى دعم ومساعدة المجلس الوطني لتقديمه إلى العالم الخارجي في صورة جيش التحرير الوطني، والسعي إلى انتزاع الاعتراف به، وتوفير ما يحتاج إليه من مال وسلاح.

(ج) المجلس الوطني يحتاج إلى الثورة الشعبية لأنها تقدم له الاعتراف الذي يغدو بلا قيمة لو فقده، فكم من معارضة هائمة تسبح على وجهها على غير هدى ولا تدري ما تفعل لأنها مفصولة عن جسم الثورة ولا تحظى بقبول الثوار واعترافهم.

* * *

القوى الثلاث تتكامل في وظائفها ويدعم بعضها بعضاً وتقوّي كل واحدة منها القوّتين الأُخرَيَين، واجتماعها معاً هو الطريق الوحيد الذي نستطيع أن نسلكه بأنفسنا وهو السلاح الوحيد الذي يبدو أننا نملكه حالياً لإسقاط النظام دون التفكير في المساعدة الخارجية والتدخل الخارجي الذي ألحّ الناس في استجدائه منذ شهور بلا طائل. ولكي نحقق النصر -بأمر الله وبإذنه وتوفيقه- يجب على كل فريق أن يقوم بوظيفته كاملة على خير وجه:

الثورة الشعبية

(1) عليها أن تستمر في زخمها وعنفوانها وأن تحافظ على سلميّتها، فإنها هي الأصل في المشروع كله ولولاها لما كان جيشٌ حر ولا كان مجلسٌ وطني، ولولا سلميتها لسحقها النظام منذ الأيام الأولى غيرَ عابئ بالعالم الذي لن يبالي بسحق “تمرد مسلح” كما كان الأمر سيبدو حينها، لولا لطف الله وجميل تقديره لهذه الثورة المباركة.

(2) وعليها أن تستمر في دعم الجيش الحر وتقديم الرعاية الكاملة ضمن الحدود الممكنة، وأن تمدّه بالرجال حينما يحتاج إلى المدد من الرجال للقتال.

(3) وعليها أن تستمر في دعم المجلس الوطني والاعتراف به ممثلاً لها، مع تقويم خطئه إذا أخطأ وتصويب مساره إذا اعْوَجّ المسار؛ لا أقول هذا طعناً في المجلس الوطني ولا تعريضاً بأحد، ولكن لأني أدرك أنه يتعرض على الدوام إلى ضغوط وإملاءات من أطراف أجنبية كثيرة، وهو لن ينجح في مقاومة تلك الضغوط إلا إذا استمدّ القوةَ من الموقف المعلَن الواضح للثورة على الأرض.

الجيش الحر

(1) عليه أن يستمر في توفير الحماية للمناطق المدنية وفي حماية الحراك الثوري السلمي.

(2) وأن يضع الخطط المناسبة لتوسيع الجيش واستيعاب المتطوعين الذين ينتظرون النفير، وهم بالآلاف، استعداداً لحرب التحرير الوشيكة بإذن الله.

(3) وأن يسعى إلى توحيد فصائله جميعاً ضمن هيكل تنظيمي عسكري موحّد، يضم أيضاً المجموعات المسلحة المحلية المنتشرة في بعض المدن والتي تتولى مهمة الدفاع عن الأحياء السكنية (وهي تتكوّن غالباً من جماعات المتطوعين غير العسكريين)، وسوف أناقش هذه النقطة في مقالة لاحقة بإذن الله نظراً إلى أهميتها الكبيرة.

المجلس الوطني

قولنا إننا سنكمل الطريق بأنفسنا لا يعني أننا لا نحتاج إلى مساعدة من الآخرين. الذي لا نريده هو أن يقاتل العالم بالنيابة عنا أو أن نكون عالة على جيوش العالم. لا نريد في سوريا تدخلاً عسكرياً أجنبياً يقدّم النجدة بيد ويسلب الكرامة والحرية باليد الأخرى؛ إننا نريد السلاح لنقاتل به عدونا بأيدينا، على أن نشتري السلاح من حرّ مالنا لا نأخذه منّةً أو تفضلاً من أحد. هذا يشبه قول الفقير الضعيف إنه يريد أن يعتمد على نفسه ولا يكون عالة على الناس يعيش بإحسانهم وصدقاتهم، يريد أن يعمل ويتكسب ليشتري الغذاء لأسرته من كَدّ يده وعرق جبينه، فهو يتعب ويكسب ثم يحتاج إلى بائع يبيعه الطعام بما كسبه من المال الحلال.

إن من أهم ما نريده من مجلسنا الوطني أن يتحرك في المحافل الدولية ويلتقي بالقوى والمنظمات العالمية للوصول إلى اعتراف كامل بالثورة الشعبية، اعتراف يمنحها الحق القانوني لإسقاط النظام اللاشرعي بكل الوسائل، ويمنح جيشها الحرّ الحق القانوني للحصول على الأسلحة التي تساعده على تحقيق ذلك الهدف. وكما حصل مع إخواننا الثوار الليبيين فإن على مجلسنا الوطني أن يرتب صفقات السلاح -بالتنسيق مع قيادات الجيش الحر- باعتمادات مؤجّلة بحيث يتم تسديد القيمة من ميزانية الدولة بعد التحرير، لأن كلفة الحرب أعلى بكثير مما يمكن جمعه من تبرعات الأفراد والمحسنين من السوريين ومن عامة المسلمين.

* * *

إذا قام كل طرف من الأطراف الثلاثة بواجبه وأحسنت ثلاثتُها التنسيقَ فيما بينها، مع الأخذ بكل الأسباب المادية الممكنة وبذل غاية الجهد البشري المتاح، من بعد الاتكال الكامل على الله والتوجّه الصادق إليه، إذا حصل ذلك كله فإني أرجو أن يكون هلاك النظام وسقوطه ممّا يُعَدّ بالأسابيع لا بالشهور والسنين، بأمر الله رب العالمين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التدخل الأجنبي في سورية .. مسار الثورة بين عسكرتها.. وسلميتها.. والتدخل الأجنبي  .. نبيل شبيب

قد يفيد لتكوين موقف متوازن وقويم حول التدخل الأجنبي دون تثبيت هذا الموقف مسبقا، ذكر بعض الأسس ذات العلاقة بهذا الاحتمال، ولا داعي هنا لذكر الأرضية الفقهية أو النظريات الحديثة، من وراء هذه الأسس، تجنبا للإطالة فقط:

1- سلمية الثورة: لا تعني الكلمة عدم استخدام القوة إطلاقا.. بل تعني أن "جماهير المتظاهرين المدنيين" باعتبار المظاهرات أحد أركان فعاليات الثورة، لا يحملون سلاحا، ولا يستخدمون القوة المسلّحة، ولا بد إذن من التمييز بين من يدعو إلى سلمية الثورة بصيغة مثالية (عدم استخدام القوة إطلاقا) وبين من يدعو إلى سلمية الثورة في حدود عدم انتشار استخدام السلاح على صعيد المدنيين المتظاهرين تخصيصا.. ولا ينفي ذلك حق الدفاع عن النفس كما في حالة مداهمة البيوت الآمنة، وحالات أخرى.

2- عسكرة الثورة: لا تعني تسليح كل مدني.. أو تأمين السلاح للمدنيين، ولكن تعني اصطلاحا وجود فئة أو فئات شعبية تتسلّح وتستخدم السلاح، فتتحول إلى مجموعات مسلحة، وليست هذه مسألة بسيطة.. فلا تصحّ بصددها المواقف المتسرّعة دون التفكير بالأبعاد الموضوعية، فليس توافر السلاح هو الشرط الوحيد لخوض مواجهة مسلّحة، بل لا بد من أن يوضع في الحسبان، تأمين أسلحة فعالة مناسبة لساحة المعركة، وتأمين التدريب الكافي لاستخدامها، وتأمين الموقف السياسي المسوّغ لها، وتأمين المممارسة الإعلامية لمواكبتها، وتأمين القيادة القادرة على توجيه مجراها، وتأمين الوعي الكافي لضمان تحقيق الأهداف بأقل قدر ممكن من الخسائر.. ففي هذا الإطار تزداد قيمة تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.

3- الحرب الأهلية: ما يتردّد تحت هذا العنوان بشأن الثورة السورية حاليا لا يحمل قيمة موضوعية إلا نادرا، فالحرب الاهلية عبارة عن سلسلة مواجهات مسلّحة بين فئات متمايزة، وأبرز خصائصها: القتل على الهوية أو الاتجاه السياسي أو للانتقام، وهذا في مقدمة المحظورات بجميع المعايير، بينما كان -ويجب أن يبقى- ما يميّز ثورة شعب سورية، أنها ثورة شعب ضد تسلّط استبدادي قمعي، بغض النظر عن النسبة المئوية لكل فئة من فئات الشعب الواحد، في جبهة الثورة وفي جبهة الاستبداد، ولا علاقة للثورة إطلاقا بحرب أهلية، ولا باستهداف فئة بعينها، وإذا تحوّلت لأي سبب في هذا الاتجاه، فقدت مشروعيتها كثورة، مهما كانت الأسباب الأولى لاندلاعها مشروعة.

4- الجيش الوطني الحر: لا تندرج عمليات الجيش الوطني الحر في سورية تحت أي عنوان من العناوين السابقة، إنما يمثل ظاهرة ولدت أثناء الثورة نتيجة الشذوذ البعيد المدى في نوعية الهيكلية التي يقوم عليها الاستبداد القمعي، والتي جعلت "الجيش السوري" معتقلا ومضطهدا في قبضة حكم الميليشيات الاستخباراتية المسلّحة، ويجب تحريره.. كتحرير الشعب الذي يتبع الجيش له في الأصل. وهنا تبدو كلمة "انشقاق" بحدّ ذاتها شاذة وإن انتشر استخدامها، فمن تحرّر من الضباط والجنود من "المعتقل الاستبدادي" شأنهم شأن المدنيين الثائرين، وهم يملكون السلاح وإن كان قليلا والتدريب وإن احتاج لمتابعة، كما أنهم هم أنفسهم يواجهون خطر القتل والتصفية، فالحدّ الأدنى ممّا يسري عليهم هو حق الدفاع عن النفس، والحدّ الأوجب هو الدفاع عن الشعب الثائر الذي ينتمون إليه في الأصل، أما نوعية العمليات وكيفيتها فيجب أن يبقى قرارا في أيديهم، فهم الأعلم بواقع ظروفهم وقدراتهم وواقع ما يستهدفونه من الآلة الاستبدادية القمعية غير المشروعة.

5- السياسيون.. والجيش الوطني الحر: صحيح أنّ مستقبل سورية لا يستقر دون أن تكون القوات العسكرية خاضعة للقيادات السياسية، ولكن لا يمكن تطبيق هذه القاعدة إلا بعد قيام سورية المستقبل كما يرجى لها أن تكون، أما في المرحلة الحالية من مسار الثورة، فلا تملك جهة سياسية ما، مشروعية جهة سياسية "حاكمة".. فهي ناشئة دون انتخابات، بل وفق ضرورات الثورة، ولدعمها، وليس للوصاية عليها، فلا تتجاوز مهمتها المشروعة حدود العمل للانتقال من الوضع الراهن إلى بداية مرحلة انتقالية لتكوين الدولة، وإلى ذلك الحين لا ينبغي أن تكون علاقتها بالجيش الحر أكثر من علاقة تنسيق وتفاهم، باعتبار الطرفين من أجنحة الثورة، التي تمثل الفعاليات الشعبية الميدانية عمودها الفقري ومصدر مشروعيتها.

6- التدخل الأجنبي: انطلاقا من الواقع "القطري" لتكوين دول العالم بما في ذلك سورية يعتبر أي تحرك سياسي أو عسكري أو اقتصادي من جانب أي دولة تجاه ما يجري على أي صعيد داخل دولة أخرى، تدخلا في شؤونها، وهذا ما ينضوي تحت تعريف سيادة الدولة. وليست سيادة الدولة مطلقة، فكل توقيع على معاهدة دولية ينطوي على التخلي عن "قسط" من هذه السيادة في إطار اتفاق جماعي بين الدول، ودخل في هذا الإطار حديثا ترسيخ قاعدة التدخل لأغراض إنسانية، أي لمواجهة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، كالإبادة الجماعية، وممارسات التعذيب الممنهج، وغيرها. وفي حالة سورية يجب التمييز بين تدخل أجنبي عربي، أو إقليمي (بمشاركة تركيا مثلا)، أو غربي، عبر مجموعة دول غربية أو منظمة كحلف شمال الأطلسي، أو دولي أي بقرار من مجلس الأمن الدولي.. وفي جميع الأحوال يبقى ثابتا أنّ "قرار" التدخل، يقوم على المصالح الذاتية للدول ذات العلاقة وموازين القوى، وليس على الالتزام الفعلي بنصوص قانونية دولية.

7- المراقبون: تحت أي عنوان من عنوان التدخل، تعني الكلمة وجود أفراد.. أو منظمات.. أجنبية، على أرض الدولة المعنية، يمارسون الرقابة دون عمل عسكري، ولكن يعتبرون تحت حماية أجنبية، فإذا تعرّضوا لعدوان ما، يمكن أن يتحوّل التدخل عبر المراقبين إلى تدخل عسكري.

8- حظر الطيران: صورة من صور التدخل العسكري الأجنبي، أن تضمن قوة عسكرية جوية أجنبية منع تحليق الطائرات العسكرية غالبا، فوق مساحة جغرافية جزئية أو شاملة لأرض الدولة المعنية، ولا تخوض عمليات قتالية إلا في حالتين: تحليق طائرات عسكرية، أو تشغيل محطات راداد استكشافية على الأرض مما يعتبر مقدمة لإطلاق سلاح أرضي مضاد (صواريخ ونحوها) ضد الطائرات الأجنبية.

9- الحظر الجوي: صورة أوسع من حظر الطيران، ويبدأ تنفيذها عادة بتوجيه ضربات جوية مباشرة لجميع الأسلحة الدفاعية المضادة للطائرات والصواريخ الأجنبية، لتعطيلها، وتمكين الطائرات الأجنبية من التحليق دون أن تتعرّض لخطر ما.

10- التشويش الألكتروني: وهو صيغة أحدث من سواها لتدخل أجنبي، ويستهدف شلّ تقينيات التواصل العسكري وشبه العسكرية، بين مراكز القيادة ومواقع انتشار الأسلحة، ويشمل توجيهها للقيام بعمليات ما، فيمكن عن طريق شل قدرة الأسلحة الجوية والبرية والبحرية عن التحرك، ويمكن اعتباره الأقرب إلى تحقيق الهدف العسكري في مثل حالة سورية، إذا صدقت نوايا صانعي قرار التدخل، دون أن يقترن ذلك بأغراض أخرى كضرب الطاقة العسكرية الدفاعية والهجومية، وبالتالي إضعاف دولة المستقبل، وليس إسقاط الاستبداد القمعي فحسب.

11- المنطقة العازلة: حظر العمليات العسكرية في مساحة من الأرض على الحدود غالبا، مع استخدام القوة عند الضرورة لتنفيذ ذلك، والقصد منها تأمين مأوى آمن للمدنيين، و/أو قواعد انطلاق آمنة لصالح القوة الوطنية المسلّحة ضدّ القوة المسلحة (ميليشيات.. أو جيش نظامي) تابعة لنظام حاكم كالاستبداد القائم في سورية.

12- الممرات الآمنة: تفرض عادة كطرق بين المناطق العازلة وسواها، بغرض تأمين المساعدات المدنية والحركة للمدنيين ولمنظمات الإغاثة والرقابة الخارجية.

13- التدخل العسكري الشامل: حرب شاملة، يمكن أن تطال جميع المنشآت العسكرية والتموينية الحساسة بما فيها المصانع والطرقات ومراكز القيادات وغيرها، وتخضع للقوانين الدولية أثناء الحرب، ويمكن أن تفضي عبر نزول قوات برية إلى "احتلال أجنبي".   

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أزمات الأسد تتزايد تعقيداً .. الشرق القطرية

التاريخ: 23 يناير 2012

كان هناك احتمال، وان كان ضئيلا أن يخرج الرئيس السوري بشار الأسد من الأزمة الدموية التي ساق اليها الشعب، لو أنه استمع في البدايات الى النصائح التي ابديت اليه من أصدقائه غير العرب، ومن أشقائه العرب، ومنها المبادرة العربية التي ما زالت تراوح بنتائجها بالمكان، بينما حكام دمشق يتلاعبون بالزمان، أي بالوقت، في محاولة يائسة للقضاء على الانتفاضة الشعبية المندلعة منذ 11 شهرا .

الأسد، لم يتوقع ثورة مارس الشعبية، ولم يكن محقا بذلك، فالشعب الذي صودرت ارادته وحريته طوال العقود الأربعة الفائتة بقوة الحديد والنار، حسم بانتفاضته السلمية أمره باسقاط النظام بكل رموزه وشخوصه السياسية والأمنية والاقتصادية، بعد أن ازكم الفساد الانوف وامتلأت بالاموال الجيوب، ولا عودة الى المربع الأول أبدا كما تقر بذلك كل أطياف المعارضة الوطنية في الداخل السوري وفي الخارج، بل ذهبت الى أبعد من ذلك بالمطالبة بمحاكمة الأسد مع اتباعه واشياعه على جرائمه.

الاحد، واليوم الذي يليه، يوم حاسم في مسار المجهود العربي لحل الازمة السورية،فعلى جدول أعمال اجتماع وزاري "الأزمة السورية"، وتاليا الوزاري العربي، التقرير النهائي عن نتائج عمل المراقبين في سوريا، وسط توقعات بانه سيكون محطة فاصلة تمهيدا لأخذ قرار بشأن استمرار عمل البعثة في سورية أو عودتها،وفي هذه الحال الاستعانة ببعض خبراء الامم المتحدة في مجال المراقبة ومتابعة الوقائع ميدانيا، نظرا لاستمرار حالة القتل والمراوغة في تطبيق باقي بنود المبادرة ومنها ايضا سحب المظاهر العسكرية من المدن والبلدات الثائرة.

ورغم حبال النجاة التي يمدها العرب لانقاذ الأسد بشخصه واشياعه، الا أن هذا النظام يصرّ على أن يحل أزمته مع الشعب بقوة العسكر وميليشيات البعث المسلحة، أو ما يطلق عليه الشبيحة، وما أكد ذلك استباقه باعلان رفضه لاستقبال قوات عربية ليسد الطرق تماما أمام أي مسعى يهدف الى المساعدة في ايجاد مخرج لهذه الازمة الدامية، وبالتالي تحقيق تسوية سياسية واعادة الاستقرار الى سوريا .

ولنعد الى الذاكرة، أي الى سبعينات القرن الماضي، وكيف أن لبنان وافق على الاستعانة بقوات عربية لوقف الاستمرار بالحرب الأهلية هناك، وشكلت القوات السورية العمود الفقري لما بات يعرف حينها بقوات الردع العربية .

يجب على الأسد ونظامه، التخلي عن الاستكبار والعنجهية، والتوقف عن العزف على وتر التدخل الاجنبي، واعتبار أي خطوة عربية حميدة، بانها "تدخل" مثلما جرى في تعامله مع بروتوكول المراقبين، حيث ظل يراوغ به لبضعة أسابيع ويختلق الحجج والذرائع والمعوقات للتفلت منه؟!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: الصراع على الصورة لتغيير الواقع .. قاسم الطباع *

الإثنين, 23 يناير 2012

الحياة

يتصاعد الصراع في سورية بين الحراك الشعبي المتفاني والنظام السياسي المتهاوي، ويأخذ أشكالاً جديدة. الجانب الذي بدأ منذ اللحظة الأولى ولا يزال مستمراً هو الصراع على الصورة، فمنذ أن تحرك أول الناس، حضّهم على ذلك اعتقادهم بأنه يمكنهم أن يفعلوا.

قبل «الربيع العربي»، كانت السلطة الأمنية في سورية تعيش نعيم قناعة بأن الواقعين تحت نيرها لا يستطيعون الثورة عليها؛ ومعها اعتقاد راسخ لدى الشعب السوري نفسه بأنه أقل من أن يكون مجتمعاً متماسكاً يمتلك أسباب التضامن والتكافل الكافي للتحرك معاً من أجل مطالب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية. ولتثبيت هذه القناعة كانت الأجهزة الأمنية تجتهد في اختراق البنى المجتمعية وتدفع الناس لخشية بعضهم بعضاً، بعدما أتمت سيطرتها على النقابات والمؤسسات المطلبية وحوّلتها بوقاً صرفاً وجزءاً لا يتجزأ من النظام.

في سياق تطور الوعي العفوي في الحراك الشعبي بعد 15 آذار (مارس)، علم المتظاهرون أن عليهم كسر هيبة النظام السياسي حتى تزداد الجرأة عليه، وتتصاعد المشاركة الشعبية، وتزداد حالات عصيان أوامره بإطلاق النار عليهم بين صفوف الجنود. هذه كانت مهمة رفع علم آخر غير علم السلطة الذي تحتكر من خلاله الأخيرة المتخيل الوطني، ولهذا اهتم المنتفضون حيث اجتمعوا للهتاف «إحنا عنا أسقطنا النظام»... إضافة بالطبع الى تمزيق صور الرئيس الحالي والسابق وتماثيله، إنه سقوط الهيبة والرمزية لمصلحة هيبة ورمزية أخرى.

وفي مواجهة هذا السقوط على مستوى الصورة-الواقع، تصاعدت الحملة الأمنية، لكن أيضاً وفي شكل مركّز الجزء الإعلامي منها حين جرّ إلى شاشات التلفزة رموزاً صنعتها الثورة، وأجبروا، تحت كل أشكال التهديد والتنكيل، على الإدلاء باعترافات وشهادات مفبركة بغير وجه من الترتيب. وفي كل مرة لم يكن هناك اهتمام بإقناع الناس (والموالاة ليسوا منهم) بما يرونه ويسمعونه، بمقدار الاهتمام البالغ في إيصال رسالة اليهم مفادها: نحن نستطيع أن نقهر ونذل ونبطش، إذاً نحن الدولة.

بخلاف الحراك الشعبي، اندفع معارضون مدمنون لمعارضتهم للدفاع عن النظام عملياً من خلال الدفاع عن صورته؛ التشديد على قوته، وتماسكه، وعلى رموزه وإعلان الافتخار بعلمه وجيشه، ولعل ما تبقى من خجل هو الذي منعهم من التغني بأجهزته الأمنية. أظهر هؤلاء بنية شديدة المحافظة عبّروا عنها من خلال حساسية مبالغ فيها من فوضى محتملة من جانبهم، على رغم أن الناس حيث تحرروا من سطوة الأجهزة الأمنية قاموا بتنظيم أنفسهم وشؤون حياتهم في شكل أفضل مما كانت تفعله دولة الفساد والمحسوبيات.

لا نحتاج الى الكثير من التبصر حتى ندرك أن الفوضى حصلت حيث استطاع النظام أن يصنعها، وحيث وجد له جمهوراً لإثارة كل أشكال النعرات، وهذا نجده في حمص، وأخيراً اطلعنا على نموذج في القامشلي، وليس في درعا أو دير الزور أو حماة أو ريف دمشق أو غيرها من المدن والبلدات المتحركة بغالبيتها. وبتصرفهم هذا، أظهر هؤلاء «المعارضون» حجم المشترك بينهم وبين من يدّعون معارضته، ظهر كيف أن النظام القائم هو نظام بعض معارضته أيضاً، إن لم نقل جلّهم، وأن من انشق عن النظام من المعارضة التقليدية فعل ذلك بضغط من الانتفاضة، حين قبل بإسقاط صورة النظام ورموزه قبل أي شيء آخر.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أين صوت النخب السورية؟! .. عبدالله ناصر العتيبي *

الإثنين, 23 يناير 2012

الحياة

أكتب المقال قبل يوم من تسليم الجنرال السوداني أحمد الدابي تقريره إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد نبيل العربي عن حقيقة الوضع الميداني في سورية، لكن ذلك لن يمنعني من القول إن التقرير لن يغير شيئاً على الأرض سواء كان داعماً للشعب السوري الذي يموت منه يومياً العشرات في الشوارع والساحات أو مؤيداً لبشار الأسد المتحصن في القصر الجمهوري، أو فاقداً حتى فضيلة الانحياز!

الوضع لن يتغير بعد كتابة التقرير وتقديمه الى الجامعة العربية، لأن الجامعة في الحقيقة غير قادرة على الوصول إلى نقطة أبعد مما وصلت إليه حتى الآن، ولأن الوضع لم يتغير خلال وجود فرقة المراقبين في سورية طوال الشهر الماضي، فعدد القتلى اليومي هو نفسه تقريباً قبل وخلال وجود المراقبين، ولم يشفع للأبرياء الذين ذهبت أرواحهم إلى بارئها وجود أصحاب (الكابات) البيضاء الذين يوزعون صمتهم في الشوارع السورية تحت كاميرات الهواتف الجوالة وبرعاية الموقع الشهير «يوتيوب»!

من الواضح أن النظام في دمشق يتكئ على جملة مواقف وظروف تسمح له في الوقت الحالي بالبقاء والذهاب بعيداً في قتل شعبه والاحتكام إلى لغة القمع والقوة والآلة العسكرية. ومن الواضح كذلك أن مواقف الدول العربية بدأت في أخذ مسالك وطرق تشي بالعجز وقلة ذات اليد.

أكتب المقال قبل البت في تقرير الدابي، لكني متأكد أن الحل الوحيد الذي تملكه الجامعة العربية هو تمديد مهمة المراقبين لشهر آخر أو شهرين آخرين، وكل ذلك من أجل رفع العتب، والتملص من حمل وتبني المسؤولية الكبيرة التي هبطت عليها من السماء والتي هي في واقع الحال تتجاوز قدراتها وإمكاناتها.

بشار أقوى في الوقت الحالي من الجامعة العربية لأسباب عدة يأتي في مقدمها الدعم الكبير الذي يجده من روسيا والصين وبعض الدول العربية التي تشبه نظامه موضوعاً وتختلف عنه شكلاً، وكذلك الطريقة غير المناسبة التي ينتهجها المناوئون الداخليون لحكمه في الوقت الحالي والتي تعتمد على تفعيل الجيوب المسلحة الصغيرة أو حشد التجمعات السلمية الصغيرة بعيداً من أعين الرأي العام المحلي والعالمي.

وهو أقوى كذلك من المجتمع العربي والدولي لأسباب أخرى كثيرة تتنوع ما بين جيوسياسية المنطقة ونوعية الأنظمة القائمة.

اقتراح التدخل العربي العسكري الذي رمى قنبلته أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قبل أيام غير مفهوم بالمرة في هذا الوقت، فالاجتياح العسكري العربي للأراضي السورية من أجل حماية المدنيين وتخليصهم من النظام الديكتاتوري أمر غير قابل للتحقيق نهائياً، بل يتجاوز منطق الحلول بالكامل. والدخول العسكري الاتفاقي أو التنسيقي الى المدن السورية تحت مظلة النظام القائم للتأكد من تطبيق البروتوكول العربي وضمان التزام الحكومة السورية ببنوده أمر غير وارد في الحسبان أيضاً، فما من نظام يمسك بيده مفاتيح السيادة كاملة، صالحاً كان أو طالحاً، يقبل بتطبيق التزاماته بأمر فوهات المدافع، (السلمية) والصديقة!

كما أن التدخل الدولي غير ممكن في الوقت الحالي ولأشهر عديدة مقبلة، اعتماداً على شكل الخريطة السورية وتوزع مناطق الشد والجذب على أطرافها.

نظام بشار، تحت الظروف الراهنة، قادر على المقاومة والنجاة بجلاديه وجلاوزته لفترة قد تطول، وسيستمر في قتل شعبه بهذه الطريقة الهمجية العدائية بشكل يومي ليضمن الحياة لأركانه وأعمدته الرئيسية. النظام يقتل ليحيا، وهذا أخطر أساليب البقاء وأشدها ضراوة وأكثرها صلادة.

شهر نبيل العربي المقبل أو شهراه المقبلان، وتهديدات امير قطر بالتدخل العسكري «المعسول» أو التدخل العسكري الاجتياحي، والضغط الدولي المتزايد، لا يمكن لها في الوقت الحالي أن تساهم في سقوط النظام السوري في المستقبل القريب والمتوسط. كما أن الطريقة التي يتعامل بها المحتجون السوريون مع الوضع غير ذات تأثير منظور، بل يمكن أن تنعكس سلباً على الحالة النفسية الجمعية للسوريين مع تقادم الأيام وتوالي أحداثها الباردة.

الحل الوحيد يتمثل في أمرين لا ثالث لهما: الضغط المليوني السلمي في الساحات العامة وتحت نظر النظام. وما يندرج تحت ذلك من عصيان مدني وتعطيل للمصالح العامة والخاصة وبالتالي شل النظام من الداخل تماماً ووقف قدرته على التحرك اعتماداً على اختلاف مناطق الضغط في عموم سورية كما هو حاصل الآن.

والثاني تحرك النخب السورية (غير السياسية) وإعلان مواقف معارضة للنظام وتشجيع العامة على المضي قدماً في الاحتجاجات حتى التحرر الكامل من القبضة السلطوية الديكتاتورية التي دأبت على إخضاع وإهانة الكرامة الوطنية على مدى الأربعين عاماً الماضية.

حتى الساعة لم تتحرك النخب السورية الفنية أو الرياضية أو الأدبية أو العلمية ضد النظام، ومتى فعلت، فإن أركان النظام ستتهاوى بسرعة تحت ضغط التبعية الشعبية والاقتداء بالمثل الأعلى.

عندما يعلن الممثل دريد لحام وقوفه ضد النظام ستكسب الثورة السورية مليوناً أو مليونين من المترددين. وعندما يعلن الأديب البحري حنا مينه تضامنه مع الثوار فإن ملايين أخرى ستبدأ في العمل فعلياً في مواجهة النظام بدلاً من بعث المشاعر والتعاطف الكلامي! وعندما تبين العالمة شادية حبال رفاعي موقفها المناهض للنظام بشكل علني وجماهيري فإن كثيراً من السوريين الواقفين على الحياد سينزلون إلى الشوارع تأييداً واقتداءً بالمثل الوطني الأعلى.

النخب هي عادة من يقود الجماهير، وصمتها في القطر السوري هذه الأيام هو خيانة كبيرة جداً لدورها التاريخي والتنويري، وسيبقى تخاذلها وصمة عار لن تُمحى سوى بالثورة الأدبية والعلمية والفنية الموازية للثورة الشعبية.

* كاتب وصحافي سعودي

ano@alhayat.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطاب الرئيس..! .. محمد خلفان الصوافي

تاريخ النشر: الأربعاء 18 يناير 2012

الاتحاد

التفسير الأسهل لحالة خطاب الرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الماضي أنه يعيش ما يسمى بالجهل السياسي. الكلمات يمكن أن تكون سبباً في تهدئة غضب الرأي العام وإطفاء ما تشعر به النفوس من احتقان إذا ما جاءت مناسبة ونجحت في إقناعهم بأن النية صادقة. الظرف السياسي الذي تمر به سوريا لا يسمح بتقطير الامتيازات، كما هو حاصل الآن. ولا يمكن استسهال وقع الكلمات بأن تحل محل السيف الذي يقطع "شعرة معاوية" بين الرئيس وشعبه ومع العالم كله باستفزازهم.

الذاكرة العربية مليئة بقصص خطب الرؤساء لشعوبهم، حين يتصرف وكأنه الوحيد في هذا العالم ولا يهمه أحد. قلة هي الخطابات التي نجحت في احتواء الموقف وتهدئة الأمور، لكن في الأغلب كانت "الرصاصة" باتجاه الرئيس نفسه. الناس يبحثون عن لقمة العيش وعن الكرامة وهذا ما ينتظرونه من خطاب الرئيس. لا أحد مهتم بالمفردات القديمة التي أكل الدهر عليها وشرب، ولا بمن يحيك للنظام المؤامرات التي هي من نسج خياله. أي حديث عن استقرار البلاد منبعه العلاقة بين الرئيس وشعبه، والشعب هو أساس الشرعية. ليس سهلاً على المراقب أن يؤيد رئيساً يخاطب الناس بطريقة تكرر المشهد الذي أنهى فترات حكم رئاسية كان يعتقد أنها أزلية.

لجنة المراقبين العرب كانت فرصة للأسد كي يقدم نفسه للعالم بصورة أحسن. خطاب الرئيس أظهر سوريا للعالم وكأنها معزولة. فهو يخاطب شعبه قرابة الساعة ونصف الساعة ب"دردشة سياسية" وكأنه يريد منافسة الآخرين من حيث زمن الخطب. كان واضحاً أنه غير مدرك لما يحدث حوله، فبينما كان يلقي خطاباً يتهم من في الداخل والخارج بالتآمر على سوريا، كان الشعب في شوارع دمشق يحرق صوره ويطالبه بالتنحي.

التشدد في المواقف السياسية ليس دائماً دليل قوة، بل العكس هو دليل الضعف غالباً، خاصة إذا كان الأمر متعلقاً بالداخل. واستعراض القوة هو عدم ثقة بالنفس. أعاد الرئيس بخطابه سوريا إلى نقطة الصفر، سواء في الداخل أو في الإقليم الذي سماه بالمستعربين، وكأن فن قتل الرئيس لشعبه هو من صفات العروبة الأصيلة، حيث تجاوز عدد القتلى 5000 شخص. لم يبق له في العالم صديق، فمن يقف معه الآن؟

ليس من الحنكة السياسية أن تفتح كل الجبهات ضدك مرة واحدة، خاصة في وقت أنت بحاجة إلى كسب أصدقاء. الرئيس لا يكف عن ارتكاب الأخطاء، ليس فقط في حق أعدائه المتربصين به بل في حق حلفائه وشعبه، وهو ما يزيد الطين بلة. وإذا كان بشار يدرك السياسة فعلاً فهو الآن أكثر من يحتاج إلى تأييد شعبه له، والدروس على الأرض توضح ذلك. بتصرف بشار الغاضب، ألغى الكثير من المواقف الإيجابية، وربما يدفع نحو قرار أممي قريب سيكون صعباً على سوريا وعلى المنطقة.

للأسف يبدو أن الرئيس لم يتعلم الدروس ولم يستوعبها. كل دول العالم لديها أعداء وليس سوريا فقط، لكن التسلح بالشعب هو الذي يحمي الرئيس. وكل الأعداء يبحثون عن علل لإسقاط الدول، والحنكة السياسية تتطلب عدم توفيرها. حدث مثل هذا مع صدام حسين، ويحدث مع أحمدي نجاد الذي خسر المجتمع الدولي، وحدث مع القذافي حين استعان بالمرتزقة ضد شعبه

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا لا نكملُ الطريقَ وحدَنا؟ .. مجاهد مأمون ديرانية

لقد قطعت الثورة إلى اليوم عشرةَ أشهر ليس معها أحد، وحققت انتصارات كثيرة بلا أي عون من أحد، وأرجو أنه لم يبقَ أمامها الكثير حتى الوصول إلى النصر الكبير. لا تسألوني كم بقي، فإني قد تفاءلت من أول الثورة وتوقعت أن يسقط النظام في العدد القليل من الشهور، ثم أثبتت الأيام خطئي وسوء تقديري. لقد ظهر أني في السياسة فاشل جاهل، فلطالما توقعت أموراً ولم تحصل وقدّرت أزماناً ولم تتحقق، فلا تأخذوا مني تلك التفصيلات بعد اليوم.

لا أعلم كم بقي من الزمن قبل أن يسقط النظام ويتحقق للثورة نصرُها العظيم بأمر الله، وليس هذا مهماً لان أحداً من الناس لا يعرف، المهم كم مضى وماذا حصل فيما مضى. لقد مضت عشرة أشهر وقفَت فيها الثورةُ وحدَها في وجه النظام السفاح، ولم تنكسر لها رايةٌ حتى اليوم مع أنها لم تقف معها دولة ولا قوة من قُوى الأرض، ما وقفت معها غير قوة السماء، حتى عجز النظام الذي يملك القوة الجبارة أن يواجهها منفرداً واضطَرّه عجزُه إلى الاستعانة بحلفائه الذين أمدوه بالدعم السياسي وبالسلاح والمال والرجال.

نعم، سقط كثيرون منا بين شهيد وجريح وأسير وتهدمت لنا بيوت وتَلِفَت ممتلكات، ولكن ألسنا نخوض حرباً مع النظام؟ متى وقعت في التاريخ حربٌ لم يسقط فيها ضحايا وتتهدم فيها بيوت وتتلف ممتلكات؟ إذا استثنينا تلك الخسائر (التي لا تكون حرب إلا بمثلها) فإن الثورة هي المنتصرة والنظام هو الخاسر، خسر من أول الثورة وما يزال يخسر المزيد كل يوم، وقد قلت من قبل وأكرر هذه الحقيقة المهمة الآن: من يوم الجمعة الثامن عشر من آذار لم يسيطر نظام الأسد المحتل على كامل التراب السوري ولا ساعة واحدة، ففي كل لحظة مضت منذ ذلك اليوم كانت بقاعٌ كثيرة خارجةً عن سيطرته كلياً أو جزئياً، وهو أمر لم يعهده النظام في سوريا خلال ثمانية وأربعين عاماً من أعوام احتلاله للبلاد.

حينما كنت صغيراً لم يكونوا قد اخترعوا بعدُ تلك الأواني الزجاجيةَ التي تحتمل حرارة النار، وكانت الأواني القديمة إذا وُضعت على النار زمناً فلا بد أن تنشقّ وتنكسر إلى أجزاء، ذلك المصير كان حتمياً، إلا أن أحداً لم يعرف قط الجواب على سؤالين: كم من الزمن تحتمل الآنية قبل أن تنكسر، وما هو شكل الكسر. هذا المثال ينطبق على النظام اليوم؛ إنه يتلظى على نار الثورة الموقَدة وإنه سيتصدع ويتكسر لا محالة، سوف يسقط النظام بأمر الله، لا نعلم شكلَ الانهيار ولا زمانَه ولكن نعلم أنه أمرٌ آتٍ وأن الثورة منصورة بإذن الله ولو بعد حين.

* * *

عشرة أشهر مشيناها وحدنا وانتصرنا فيها انتصارات كثيرة كبيرة بلا مساعدة من أحد إلا من الله، فلماذا لا نكمل الطريق وحدنا؟ لماذا نستجدي الأمم ونضع أملنا في القوى الدولية، في تركيا مرة وأميركا وفرنسا مرة، وفي الجامعة العربية حيناً ومجلس الأمن حيناً آخر؟ لماذا لا نكمل وحدنا معتمدين على الله الذي اعتمدنا عليه وحده من أول يوم إلى اليوم؟

أدعوكم إلى التوجه إلى الله توجهاً صادقاً والاعتماد عليه وحده، ثم الصبر على الثورة حتى النصر. تقولون: إننا معتمدون على الله من يوم بدأنا. وهذا حق، ولكنه اعتماد شابته شوائب، فإن بعض الشعارات والهتافات وتسميات بعض الجُمع أوحت بأن الآمال معقودة على حلف الناتو ودول الغرب أو على تركيا أو جامعة العرب أكثر مما هي معقودة على الله رب العالمين.

لقد خرج الناس إلى الثورة أولَ ما خرجوا وما في بال أحد منهم أن يطلب عوناً من أحد من الخلق، ما اعتمدوا إلا على الله وعلى أنفسهم لا وثقوا إلا بالله وبأنفسهم، ثم اشتدت عليهم المحنة وأوغل النظام في الإجرام، فضاق الصدر وقلّ الصبر، فثَمّ مدّ بعض الناس أبصارهم إلى الخارج وراحوا يَسْتَجْدون النجدة من دول العرب ودول الغرب ولا من مُجيب، وحين تحركت الجامعة العربية أخيراً قلنا ليتها لم تتحرك. لقد فقد الناس ثقتهم في العرب وفي جامعة العرب لحسن الحظ، ولكنهم ما تزال طائفة منهم تعلّق آمالها بالغرب، فهل تظنون أن الغرب أشد شفقة وأكثر رحمة بنا من العرب؟ وهل يتحرك العرب -في دولهم وجامعتهم- اليومَ أو هل تحركوا من قبل أبداً إلا بأمر الغرب وتوجيه الغرب ورعاية الغرب؟ وهل كان الحكام الذين عانت منهم شعوبنا إلا صنائع الغرب وربائب الغرب؟ وهل أحبّنا الغرب من قبل قط حتى يحبنا اليوم، أو أراد لنا الخير أبداً حتى يريده لنا الآن؟

لا يا أيها السادة الكرام، ما أصبتم يوم صرفتم الأنظار تلقاء الغرب ولا أصبتم حين ظننتم الخير بدول العرب وجامعة العرب، وأصبتم الصواب كله حينما توجهتم إلى رب العالَم العربي ورب العالم الغربي ورب العالمين، فارجعوا إلى الله واتكلوا على الله، واثبتوا على الثقة بالله وداوموا على طلب النصر من الله، وأطلقوا “حملة يا الله”، ليس اسماً ليوم جمعة ولا عنواناً لمظاهرة، بل عنوان حملة لا تتوقف حتى النصر الكامل إن شاء الله.

أعلمُ أنه ليس كل من شارك في الثورة متديناً غاية التدين بالضرورة، لكن حتى أنصاف المتدينين يؤمنون بالله. وأعلم أنه ليس كل من شارك في الثورة مسلماً قطعاً، لكن حتى المسيحي يعرف الله ويعبد الله، وحتى الذي لا يؤمن بدين من الأديان يدرك أن للكون رباً خالقاً عظيماً مدبّراً ولو لم يَهْدِه قلبُه إلى الدين، فالتجئوا إلى الله جميعاً يا أيها الناس واطلبوا منه النجدة والنصر. أما القلّة الذين لا يؤمنون بالله أصلاً فأرجو أن يسايرونا وأن يجرّبوا التوجه بقلوبهم إلى أعظم قوة في الوجود. لا بد أن القُوى تتفاوت في أقدارها، فأنتم ترون أن أميركا أقوى من النظام فتعقدون عليها بعض الأمل، لكن أميركا ليست أقوى قوى الوجود، لو ضربها إعصار هائل أو زلزال عظيم لدمّرها، إن القوى الكامنة في الأرض أقوى منها. والأرض ليست أقوى قوى الوجود، لو صدمها نيزك بحجم القمر لفتّتَها، والنيزك تحرقه الشمس، والشمس لو مرت قرب ثقب أسود لبلعها وصارت خبراً بعد أثر… في تسلسل القوى تجدون قوياً وأقوى وأقوى، حتى تصلوا إلى القوة الأقوى والأعظم في الوجود، هذه القوة العظمى هي الله ولو لم تعرفوا اسمه، فتوجهوا إليها واطلبوا منها العون، فإنكم سوف تطلبونه إذن من الله.

* * *

لنتفق جميعاً على التوجه إلى الله، المتدين فينا وغير المتدين، المسلم وغير المسلم، المؤمن وغير المؤمن، ودعونا من التوسل إلى الغرباء واستجداء التدخل والنجدة من هذا الطرف وذاك، ولا تقولوا: كيف ينصرنا الله؟ هذا عمله، فأنتم لم تُمْلوا على الناتو خطة لينقذكم بها بل طالبتموه ووكلتموه.

تأملوا هذا المثال وسوف تدركون كيف تعمل أقدار الله إذا شاء الله أن ينصر عباده: لقد صار الجيش الحر واحداً من أهم مكونات الثورة وهو -كما دعوتُه في مقالة سابقة- “بوابة الأمل” وحارس الثورة الأمين، فمِن أين جاء هذا الجيش؟ مَن خطط له ومن سعى إلى تشكيله؟

بعد انفجار الثورة بأربعين يوماً اقتحم النظام المجرم درعا بالدبابات، وكانت تلك هي الحلقة الأولى من مسلسل طويل من استخدام الجيش في المعركة مع الشعب الثائر، فارتاع الناس وحبسوا أنفاسهم وقد غشيهم الخوف والقلق وراحوا يتساءلون: هل هي القاضية؟ لقد بلغ بالنظام اليأسُ وخوفُه من الثورة أن يحرك الجيش النظامي لقمعها، فهل سيُنهي الجيشُ الثورةَ ويقضي عليها وهي ما تزال مولوداً ضعيفاً ونبتة صغيرة طريّة العود؟

مَن خطر بباله يومئذ أن الأمل سوف يولَد من رحم اليأس، وأن تلك الحملة هي البداية ليست النهاية، وأن إخراج الجيش من ثكناته سحرٌ لن يلبث أن ينقلب على الساحر؟ لقد صنع ذلك العملُ الأهوجُ ما لم تصنعه عقول الثورة الكبار، فهو السبب في بداية تشقق الجيش وهو السبب في نشأة الجيش الحر. هل يزعم أحدٌ أنه توقع ذلك، فضلاً عن أن يكون قد خطط له وسعى في تدبيره؟ أنا متابع دقيق لأحداث الثورة وأقول لكم: ليست الحقيقة أن أحداً لم يخطط لهذه النتيجة فقط، بل إن أحداً لم يتوقع أصلاً أن ينشقّ عن الجيش جندي واحد، وكان كل ما يقوله الناس حتى الشهر الثالث من شهور الثورة: إنه جيش عقائدي شديد الولاء ولا يمكن أن يتمرد فيه ضابط واحد.

ما صنع الجيشَ الحر أحدٌ من البشر ولا خطط له أحد، إنه صُنع الله؛ ذلك فضل الله على الثورة، وفضل الله لا حدّ لأوله ولا حدّ لآخره، وإنّ من حق الله أن يُشكَر وأن لا يُدعى ولا يُرجى سواه. فتوكلوا على الله وارجوا نصره واتركوا له التدبير والتقدير؛ على أن لا تقعدوا قعود الكسالى المتواكلين، وأعلمُ أنكم لا تفعلون، فإن التوكل يقتضي إحكام التخطيط وبذل غاية الجهد ثم ترك الأمور بين يدي الله القويّ القدير الحكيم العليم.

إن الاتكال على الله لا ينفي الاستعانة بالوسائل والأدوات المادية، بل إن الأخذ بالأسباب مطلوب شرعاً ويؤاخَذ تاركُه، وقد يكون طلب الحظر الجوي من هذا الباب لو اتفق عليه أهل الرأي من العسكريين، ومنه السعي إلى توفير السلاح للجيش الحر، على أن لا يبلغ الأمل بتلك الوسائل أن يُظَنّ أن النصر منها، تماماً كما لا يبلغ الأمل بالطبيب أن يُظَنّ أن الشفاء بسببه، فكم من مريض عالجه الأطباء ولم يبرأ وكم من مريض برئ ولم يعالجوه، ذلك ليعلم الناس أن الأطباء يعالجون ويداوون وأن الشافي على التحقيق هو الله.

فإذا بلغ اليقين في قلوبنا هذا المبلغ فسوف ندعو الله دعاء الموقن بأنه هو الناصر، ونطرق كل باب من أبواب الدنيا ونطلب العون من البشر ونحن نعلم أنهم وسائل يسخّرها الله لنا إن شاء، فلا نيأس إن أُغلقت في وجهنا الأبواب لأننا نعلم أن باب الله لا يُغلَق، ولا نسمح لأحد أن يبتزّنا ويفرض علينا التضحية بشيء من كرامتنا وحريتنا في سبيل نجدتنا لأننا نعلم أن الله سيفتح لنا باباً خيراً منه طالما اعتصَمْنا به ورجوناه واتكلنا عليه حق التوكل.

* * *

أكرر في الختام السؤالَ الذي افتتحت به المقال: لماذا لا نكمل الطريق وحدنا؟ لقد بدأت هذه الثورة وحدها وبقيت وحدها إلى اليوم، إلا أنها قد وُلد لها من رحمها كيانان مهمان بفضل الله وبتوفيقه، كيان عسكري هو الجيش الحر وكيان سياسي هو المجلس الوطني، فصارت الثورة جسماً ذا جناحين، أو أنها صارت مكونة من ثلاثة كيانات يكمل بعضها بعضاً. هذه الكيانات الثلاثة تصنع معاً “ثلاثية النصر”، والحديث عنها في المقالة الآتية إن شاء الله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

ثورةٌ سوريةٌ حتى النصر  .. د. وائل مرزا

الأحد 22/01/2012

المدينة

لايساوي العام شيئاً بمقياس حياة الأمم والشعوب. وفي حين مضت على سورية عقودٌ كانت فيها البلاد مثالاً على حالة (الاستنقاع) السياسي على وجه الخصوص، قلبَ الشعب السوري المعادلة بكل عناصرها في أقل من عامٍ واحد.

خرج المارد السوري من القمقم، وأجبر الجميع على إدراك حقيقةٍ واضحة: أنه (ثائرٌ) حتى النصر. ويمكن القول دون أي تردد أن إصرار السوريين على السير في ذلك الاتجاه هو الثابت الوحيد. أما كل شيءٍ آخر فهو متغير. بما في ذلك موقف المترددين والمعاندين والحائرين والمتربصين داخل سورية وخارجها، أفراداً كانوا أو دولاً أو منظمات..

سورية تعيش ثورةً حتى النصر لأسباب عديدة.

لأن الملايين فيها أدمنت على طعم الحرية، والتاريخ يقول إن هذا النوع من الإدمان يستعصي على العلاج إلى درجةٍ كبيرة. فبعد عشرة أشهر من بدء الثورة، ورغم كل أنواع القمع والهمجية من قبل النظام، تضرب نقاط التظاهر المطالبة بإسقاط النظام أرقاماً قياسية بشكلٍ مضطرد. ولابد للشعور بقيمة هذا الأمر أن نتذكر كيف كان السوري يخشى الهمس في غرفةٍ مظلمة بأقل من ذلك بكثير قبل عامٍ واحد.

ثورة سورية تسير نحو النصر لأن حاجز الخوف انكسر نهائياً. وقد ذكرنا أكثر من مرة أن هذا يُعتبر مكسباً هائلاً، لأنه مفرق طريق نفسي متميز في عملية قيام الدول ونهوض المجتمعات. فهو الأداة الرئيسة لظهور إرادةٍ جمعيةٍ على التغيير الجذري لايمكن أن يقف في وجهها بعد حاجز الخوف حاجز، مهما طال الطريق.

ثورة سورية تسير نحو النصر لأن جميع شرائح الشعب باتت تُدرك الحقيقة الوحيدة المذكورة أعلاه. من هنا، لايصحّ أن يمرّ بشكلٍ هامشي البيان الصادر عن مجموعة تزيد عن مائة شخص من أبناء الطائفة العلوية الكريمة بعنوان (بيان من أجل المواطنة)، والذي يرد فيه مايلي: «نحن الموقعون أدناه، مواطنون سوريون، علويو المولد، اخترنا أن نعبر عن رأي مجموعة كبيرة من أبناء الطائفة العلوية حيث أجبرتنا الظروف والمسؤولية الوطنية إلى الإشارة مكرهين إلى خلفياتنا الاجتماعية. منذ بداية انتفاضة الحرية في سوريا، دعمنا كافة مطالبها مروراً باسقاط النظام بكافة رموزه وانتهاء ببناء دولة مدنية ديموقراطية تحترم جميع مواطنيها. إننا نستنكر محاولة النظام من خلال ألاعيبه الأمنية والإعلامية ربط الطائفة العلوية خصوصاً والأقليات الدينية عموماً به. بنفس السوية ندين سلوك وتصريحات أطراف معارضة تحاول إضفاء صفة طائفية على انتفاضتنا التي كانت ومازالت انتفاضة كرامة بمطالب مدنية. هذه الأطراف ليست سوى الوجه الآخر للنظام القمعي. إننا نؤكد على ما يلي: 1) وحدة الشعب السوري بكافه أطيافه الدينية والقومية، والعمل على بناء دولة حرة ديموقراطية تحفظ حقوق مواطنيها بالتساوي وهذا يتم بداية باسقاط النظام الاستبدادي الحالي. 2) نطالب الجيش السوري التوقف عن تنفيذ أوامر القتل ضد المتظاهرين السلميين. 3) نجرّم أعمال القمع الوحشية التي يقوم بها أزلام النظام (الشبيحة) أيّاً كانوا، ولأي جماعة دينية أو قومية انتموا. 4) نتبنى الدفاع عن الحقوق المدنية للمواطنين السوريين من كافة أطياف المجتمع السوري وسنبقى ندافع عنها في وجه من يتعدى عليها أيّا كان. 5) ندعو المواطنين السوريين العلويين وأبناء الأقليات الدينية والقومية المتخوفين مما سيلي انهيار النظام إلى المشاركة في إسقاط النظام القمعي والمساهمة في بناء الجمهورية السورية الجديدة، دولة القانون والمواطنة. 6) ندين أية ممارسات وتصريحات طائفية تصدر عن معارضين، ونعتبرها إساءة للشعب السوري كله ولمستقبل سوريا. وندعو قوى الثورة إلى إدانة مثل هذه الممارسات والتصريحات. 7) ندعو جميع أبناء سوريا بكافة انتماءاتهم إلى التوقيع على هذا البيان بعد صدوره...».

ثورة سورية تسير نحو النصر لأنها شهدت في الآونة الأخيرة ثالث تحرك من نوعه للمثقفين والفنانين الذين باتوا ينحازون للثورة بشكلٍ متصاعد. فبعد تشكيل «رابطة الكتاب السوريين الأحرار» و»تجمع فناني ومبدعي سوريا الأحرار»، أسس التشكيليون السوريون تجمعاً مستقلاً كان مما جاء في بيان إعلانه أنهم يجدون أنفسهم «أمام استحقاق طال تأجيله: تأسيس كيان مهني مستقل، يخصهم ويشبههم ويدافع عنهم، ويعبر عن خياراتهم الفكرية والإبداعية في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ شعبهم».

ليخلص إلى أنه «أمام هذه المصادرة المزمنة، يجد الفنانون التشكيليون السوريون الموقعون على هذا الإعلان أنفسهم، مدفوعين بقوة إيمانهم بحقوقهم، أنه بات ضروريا إعلان أن النقابة الحالية لا تمثلهم، وأنهم قرروا إنشاء كيان مهني جديد من صنع أيديهم».

ونعيد التذكير بأن مثل هذه المبادرات تحمل دلالات هائلة، بحكم الثقافة السائدة ودور (الرموز فيها) ومايمكن أن تجلبه حركتهم من دعمٍ كبير لشرائح واسعة من المجتمع. وفوق الرمزية المذكورة، فإن انضمام هؤلاء له دلالاته الحساسة جداً في عملية فكّ ارتباط النُخب (المدينية) المثقفة من أَسرِ النظام وتهديداته.هذا فضلاً عن قدرة هذه الشريحة على استقطاب شرائح أخرى من كبار الفنانين والمثقفين إلى صفّ الثورة بعد أن اتضح للجميع أن خيار الحياد، خاصة لقادة الرأي وصناعه، لم يعد خياراً مناسباً ولامقبولاً، لاعلى الصعيد المبدئي ولا على الصعيد الشخصي.

لهذا، ولكثيرٍ غيره من العوامل، تبدو الثورة السورية سائرةً نحو نصرها القادم المحتوم بإذن الله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الجريمة مباحة في ظل الاستبداد  .. دلال البزري

المستقبل

22-1-2012

في شريط يوتيوب للفنانة السورية فدوى سليمان الذي تعلن فيه عن انضمامها الى اهالي مدينة حمص الثائرة المنكوبة، جملة تقولها بعفوية وهدوء، تلخّص فيها واحدة من ملامح سوريا الأسدَين، الأب والابن:"إما ان تموتوا وإما ان تحرّروا سوريا". هي تعني على الأرجح بان سوريا في ظل الأسدَين ليست حرة لأن النظام يملك عمليا كامل الحق بأن يقتل مواطنيها. معنويا، ضميريا، انسانيا، سياسيا... ليس له حق، لكن في الواقع هو قادر على ممارسة هذا الحق. منذ متى؟ منذ نشأته: بدأ بتصفية الرفاق المنافسين، ثم داوم على اعتقال المخالفين له بالرأي وخطفهم وتعذيبهم وتصفيتهم واخفائهم وانتحارهم. وفي هذه الاثناء، تجاوب مع نفسه في مقْتلة حماه بذريعة تسلح خصومه الاخوانيين، أوقعت بين 20 و40 الف قتيل، وربما أكثر.

هذا الوجه للنظام السوري السابق على الثورة، لم يكن مكشوفا ولا مفضوحا الا ضمن دائرة ضيقة من العرب. بالنسبة للبنانيين كان وجها مألوفا: بالتجربة وبعد ذلك بالغريزة يلتقطون تعبيراته ويتعاملون معها تبعا لولاءاتهم. نطاق المعرفة بهذا الوجه والاعلان عنه كان ضيقا، فوق ان الغرب، العالِم بكل شيء تقريباً، كان غاضا الطرف عنه.... مصالح واسراتيجيات. كانت حالة موت عادية روتينية؛ شبه معلنة بثّأً للخوف من جهة، ومطبقاً عليها تماما من جهة اخرى، خطفا للقرائن والاثباتات على القتل.

ما الذي تغير الآن حتى صار القتل الأسدي على هذه السعة من الانكشاف؟ الاعلام والشبكة وكل وسائل التكنولوجيا التي عرف الثوار السوريين كيف يستخدمونها من اجل توثيق تلك الشهوة السياسية بالقتل... طبعا لها دور كبير.

ولكن أيضا، الذي له دور أكبر هو اتساع رقعة القتل مع اتساع عدد المعارضين صراحة للنظام. بعبارات اخرى، انكسار حاجز الخوف من القتل وبالتالي اتساع دائرة الموضوعين على لائحة القتل. الذي تغير بعد الثورة السورية ان قاعدة القتل المعتمدة لدى النظام انتُزعت منها ورقة التوت. ومع ذلك، لا تبخل مخيلته الفقيرة اصلا في اختراع جرائم ينسبها الى الثوار، او في التلاعب بالحقائق وخداع الباحثين عن الوقائع الصحيحة، وربما قتلهم.

من أين يستمد النظام حقه بالقتل؟ بأي حجة يدعمه حلفاؤه؟

من انه "يقاوم" أميركا واسرائيل.هذا الثنائي الخالد، الامبريالية والصهيونية، لا يختلف عن النظام السوري، من حيث انه يمنح نفسه، هو أيضا، الحق بالقتل. مع فارق ان الاولى، الامبريالية، غلّفت هذا الحق، على امتداد تاريخها، بتفسيرات حضارية، فيما الثانية، الصهيونية، كانت حيثيتها الهية.

اذن النظام السوري الذي يقاوم هاتين الكتلتين مقاومة افتراضية او حقيقية او حتى بالتوكيل، لم يستطع الارتقاء بمستوى قتاله لهما الى اكثر من تقليد أسهل أوجهه، أبشع أوجهه. وما ساعده على ذلك انه لم يكن بحاجة الى المسّ بالتقاليد السياسية العربية، العريقة بدورها في استباحة ارواح البشر، الاعداء والأهل والاصدقاء...

كل خطب الأسد منذ بداية الثورة، وكل المكْلمة التي يغوص في انشائياتها محللوه واصدقاؤه وشخصياته العامة، كلها تدور حول لازمة واحدة: ان الذي يقود هذه الثورة هم ارهابيون، وانهم ادوات لمؤامرة ضد سوريا يحيكها كل من الامبريالية والصهيونية. ولذلك، فنحن سنخوض، بكل شجاعة.... حربا ضارية، من دون رحمة، ضد هذه المؤامرة وارهابييها. حقه المطلق بالقتل قائم على انه يصدّ مؤامرة ضد البلاد نظّمها الخونة الذين باعوها للأجنبي. فيحلل لنفسه تشغيل ماكينة القتل على اعلى درجاتها، كما تفعل الامبريالية والصهيونية، التي "يقاتلها" عبر قتل شعبه.

انه ذلك التشابه بين آلة القتل الرسمية السورية والآلتين الامبريالية والصهيونية. انها آلة جيش الاحتلال واساليبه في ذروة غزوته: الدخول الى المدن بالدبابات، اطلاق النار والصواريخ على البشر والحجر، العقوبات الجماعية، الاعتقالات الجماعية، التعذيب حتى الموت، وبمختلف اشكاله، التمثيل بالجثث، الخطف والتجويع والترويع....

حتى خروج مسيرات التشييع تشبه تلك التي ألفها الفلسطينيون، خصوصا في غزة. كأن السوريين لاجئون في ديارهم، من يقتلهم غريب عنهم. ومن لا يستطيع ان يقتلهم، من لا يستطيع تنفيذ اوامر القتل، يخرج من صفوف القتلة وينضم الى الجهة المقابلة، حيث الموت أمر يومي، شبه حتمي... إما قاتلا أو مقتولا.

من المؤكد ان بشار الاسد ومن لفّ لفّه في قمة النظام مدرك لهذا التقارب في الاساليب بينه وبين خصومه المفترضين، من امبريالية وصهيوينة. او على الاقل سمع من يعلق على التشابه بين الاسلوبين. ومع ذلك تراه ماضيا في القتل، لا شيء يثنيه. هي قوة السلطة، عندما تصل الى درجة خارقة من التمكن، لا تعود تهبط الى الاسفل الا بعدما تستنفد قدرتها العملية على القتل. لكن ما يعطي لهذه العملية زخمها المحلي، شرعيتها المحلية، هي الفكرة النائمة، التي يصيغها النظام بأنصاف العبارات: فهو غاضب ليس لأن دائرة المرشحين للقتل توسّعت وانكشفت، هو الذي يحتاج الى جرعات غضب تبرر طاقته الخارقة على القتل. بل ايضا لأنه يؤمن في دهاليز نفسه ان هذا الشعب "شعبه وهو حرّ فيه...". كما يفعل كل ذي هيمنة تامة على أهله: او على ما يدعي انهم اهله. "هذا شعبي وانا حرّ فيه..."، حرّ في قتله خصوصا، في هذه الآونة بوجه أخصّ، إرث الاستبداد المديد، المتلطّي خلف الاهلية والمحلية، والواقف بعناد ضد اية اغاثة من هذا الاجرام: هي تلك الجوهرة الفكرية التي تحرس ضمير النظام، عصبها الذهني القوي الذي يطمئن رجاله وأنصاره ومتكلّميه. طبعا لو كان يشعر فعلا بأن هذا الشعب "شعبه"، لما كان يقتله. فهو عندما يقول "هذا شعبي"، يقصد "هؤلاء عبيدي وانا حرّ بهم". لا يجب اخذ هذا الادعاء الا بالمعنى الاخير. والا عدنا الى الاخوين قايين وهابيل ...

عندما تقول فدوى سليمان "إما ان تموتوا وإما ان تحرّروا سوريا"، وترفقها بجملة اخرى: "ليس عندكم اصلا ما تخسرونه"، هي تعني بأن الموت المؤجل، الموت غير المعلن كان من حظوظ ابناء سوريا قبل ثورتهم. وان توسيعه وتكثيفه الآن بعد الثورة، حوّل القتل الى عملية جذرية، لا يرد عليها الا بموقف اكثر جذرية، يُستغنى بموجبه عن الحياة طلباً لتوقيف آلة القتل.

سوريا الجديدة، الديموقراطية، سوف تضع القتل على لائحة بنودها. لا ديموقراطية مع القتل، مهما سبب هذا القتل، مهما كانت هوية القاتل أو المقتول. اذ تكون سوريا قد عرفت الموت باسم أسمى الاشياء، أغلاها. لن يعوزها الجهد النظري الكثير، بعد جحيم الأسدَين، الأب والابن، لتربط ربطا وثيقا بين الديموقراطية وبين الحق المطلق بالحياة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جمعة معتقلي الثورة .. محمد فاروق الإمام

لقد بلغ عدد المعتقلين على خلفية الأحداث الأخيرة في سورية، بحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية والسورية المستقلة، ما يزيد على تسعين ألف معتقل خلال عشرة شهور مضت من انطلاقة الثورة، فُقد فيها الآلاف من المعتقلين، وودّع المئات منهم الحياة على يد جلادي هذه المعتقلات، وسُلموا إلى أهليهم وقد شوهت أجسادهم وغيرت معالم وجوههم، ومن هنا استحق معتقلو الثورة النداء الذي أطلقه الشعب السوري الثائر مطالباً بالحرية لهؤلاء المعتقلين مسمياً جمعة الأمس 20 كانون الثاني بجمعة (معتقلي الثورة)، وإذا ما علمنا أن البروتوكول العربي الذي وقعه النظام السوري مع الجامعة العربية ينص بنده الأول على إطلاق سراح جميع المعتقلين فوراً وهذا لم يتحقق، فلم يطلق النظام إلا بضعة آلاف وعلى دفعات متباعدة، فما يزال هناك عشرات الألوف قابعين في سجون ومعتقلات تفتقد إلى الحد الأدنى من صلاحيتها كزرائب للحيوانات.

تاريخ النظام السوري الذي كان يتراجع على الدوام في كل مناحي الحياة التي تخص الوطن والمواطن منذ استيلائه على السلطة فجر الثامن من آذار 1963، كان يخطو في مقابل هذا التراجع خطوات سريعة ومتقدمة في مجال قهر الإنسان السوري وإذلاله، فقد أقام العشرات من السجون والمعتقلات والأقبية والزنازين حتى يتمكن من احتواء عشرات الألوف من المعتقلين والسجناء على خلفية آرائهم وانتماءاتهم الفكرية والثقافية والدينية والمذهبية والعرقية.

لقد قام عندنا في سورية أدب سماه المثقفون (أدب السجون) يروي فصول المأساة التي يتعرض لها المواطن السوري الذي يسوقه حظه العاثر إلى سجون أو معتقلات هذا النظام، فقد روى السجين خالد الفاضل تجربته في سجن تدمر في كتاب أسماه (القاع.. سنتان في سجن تدمر الصحراوي).

وروى الدكتور عبد الله الناجي تجربته المأساوية في سجن تدمر في كتاب (حمامات الدم في سجن تدمر).

وأصدر الأردني محمد سليم حماد كتاب (تدمر شاهد ومشهود) يحكي فيه تجربته في هذا السجن خلال فترة اعتقاله لمدة اثنتي عشرة سنة وكان يدرس في جامعة دمشق.

وحتى النساء كان لهن نصيب في الاعتقال، فهذه الطالبة في كلية الشريعة بدمشق هبة الدباغ تروي في كتابها (خمس دقائق فقط) المأساة التي تعرضت لها أثناء اعتقالها لخمس دقائق فقط كما قيل لها، فبقيت تسع سنوات خلف القضبان في سجن المزة العسكري بدمشق.

ويروي الكاتب السوري المعروف ياسين الحاج صالح، الذي أمضى نحو عقد ونصف العقد في سجون هذا النظام لأسباب سياسيَّة، تجربته خلف القضبان في كتابه (مرارة الاعتقال في سورية).

وهذا الشاعر السوري فرج بيرقدار يحكي تغريبته في سجون المخابرات السورية في كتابه (خيانات اللغة والصمت)‏,‏ ويحكي فصول التجربة التي عاشها وخرج منها بعد14 عاما.

ويحكي مصطفى خليفة – وهذا ليس اسمه الحقيقي فهو مسيحي كاثوليكي – في كتابه (القوقعة) عن يومياته في سجن تدمر الصحراوي الذي كان يحتوي – كما يروي - على أعلى نسبة لحملة الشهادات الجامعية في هذا البلد.

وهذا الشاعر السوري سليم زنجير يحكي في كتابه (ما لا ترونه) العجب العجاب عما تعرض له في سجون هذا النظام.

وفي كتاب (الطريق إلى تدمر.. كهف في الصحراء الداخل مفقود، والخارج مولود) يحكي المهندس الأردني سليمان أبو الخير، الذي اعتقل عند مروره بدمشق آتياً من ألمانيا التي كان يدرس فيها، تجربة خمس سنوات من الألم في هذا السجن الرهيب.

قد لا يُصدق الإنسان بعض القصص التي يسمعها أحياناً من أشخاص غيبوا داخل سجون النظام السوري، خاصة وأن الناس يعتقدون أن إسرائيل ومؤسساتها الإرهابية تتعامل مع الشعب الفلسطيني بأعلى درجة من اللاإنسانية والتعذيب والإهانة، لكن بعد أن ترى بعينك وتسمع بأذنك فإنك ستغير نظرتك إلى الأمور، وتُصبح تبحث عن القصة تلو القصة، فهذه بعضها يرويها من عاشوا في سجون النظام السوري، فسجونهم كما يروي هؤلاء عبارة عن قبور تحت الأرض، أمضوا فيها أيام وأسابيع بدون ماء أو أكل، طرق تعذيب لا يمكن أن يتصورها عقل إنسان أو يستوعبها. ففي هذه السجون لا يستطيع الصليب الأحمر أو أية جمعية لحقوق الإنسان مشاهدتك أو زيارتك، ولا يستطيع أحد من ذويك أو معارفك السؤال عنك أو يعرف ما هي التهمة المنسوبة إليك أو إلى أين وصلت الأمور معك.

ويؤسفني أن أقول – بحسب روايات من اعتقلوا من الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية – أن في إسرائيل يستطيع الصليب الأحمر أن يصل للمعلومات عنك خلال أقل من أسبوع، ويستطيع المحامي أن يُتابع قضيتك فور انتهاء التحقيق معك، وهذا بالتأكيد ما يجعلك تضع التساؤلات؟ هل الإسرائيليين أكثر رحمه من شبيحة هذا النظام وسجانيه ورجال أمنه؟!

هناك شهادات حية وموثقة عن السجون السورية، مارس هذا النظام فيها أبشع أساليب التحقيق مع المعتقلين بغض النظر عن جنسياتهم أو انتماءاتهم، فقد ضمت هذه السجون بالإضافة إلى السوريين عرباً وأجانب مورست بحقهم صنوف التعذيب الوحشي، ولم تشفع لهم جنسياتهم التي كانوا ينتمون إليها.

فما بالكم بالسوريين الذين يقضون عشرات السنين مغيبين وراء قضبان هذه السجون، وما بالكم بمعتقلين يُريد النظام أن يُلفق لهم التهم أو أن ينتزع منهم اعترافات وهمية، قد تكون على خلفية مشاركتهم في الثورة أو التظاهر، أو لكونهم قالوا كلمة لا للظلم والاضطهاد أو حتى خطو على الجدران عبارة (يسقط النظام) وكل العالم شاهد مصير أطفال درعا الذين عذب بعضهم حتى الموت، واقتلع أظافر البعض وشوهت وجوههم لأنهم خطو مثل هذه العبارة على جدار مدرستهم.

هذه الشهادات الحية لبعض نزلاء السجون والمعتقلات في سجون النظام من غير السوريين، تجعلنا نفكر ألف مرة بأبنائنا المعتقلين وبمصيرهم المجهول، ونتساءل هل هم في عالم الأحياء أم في عالم المفقودين أم في عالم الأموات؟! وأن من حقهم علينا أن نرفع الصوت عالياً للمطالبة بإطلاق سراحهم، وأن نسعى جاهدين لدى المنظمات المدنية والإنسانية العربية والأجنبية وفي كل المحافل الدولية للضغط على هذا النظام المستبد الباغي للإفراج عنهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لبنان وحمام الدم السوري .. علي حماده

2012-01-21

النهار

مع مضي ما يناهز السنة على انطلاقة الثورة السورية (15 آذار2011) تقترب سوريا بخطى ثابتة من المواجهة المسلحة المفتوحة. بعضهم يسميها حربا اهلية وبعضهم الآخر يعتبرها معركة عسكرية لا اهلية، إذ تجري المواجهة بين النظام الحاكم ومعارضة شعبية واسعة، وثمة شكوك كبيرة في ان يكون العلويون قرروا خوض المعركة كطائفة دفاعا عن النظام، وبشار الاسد وارث حافظ الاسد. هذه فرضيات لا تزال في حاجة الى عناصر ميدانية ومادية تؤكدها او تنفيها. فالمجازفة كبيرة جدا متى ادركنا ان كل معركة تخاض على قاعدة طائفية لا بد ان تنتهي بحمام دم كبير. فضلا عن ذلك، ثمة من يقول ان ارقام الديموغرافيا السورية لا تكذب، ومن هنا خطورة تورط العلويين في حماية نظام يسعى الى جعل وجوده شرطا مسبقا لبقاء الطائفة نفسها. بمعنى ان لا علويين في سوريا ما لم يبق النظام في دمشق، ولا امل ببقاء العلويين على ارض سوريا ما لم ينخرطوا في خيارات آل الاسد التقسيمية التي يخبئونها ورقة ما قبل اخيرة، ساعة يتم اخراجهم من دمشق وحلب. فالمدينتان الكبريان، هما آخر قلاع النظام بصيغته المركزية. اما بقية انحاء البلاد فساحة مواجهات مفتوحة على كل الاحتمالات.

لقد كان خطاب بشار الاسد الاخير الذي اعتبره المراقبون اعلانا للحرب، رسالة لفريقه اكثر منها رسالة للآخرين. كان في حاجة الى أن يقول لناسه انه قرر خوض الحرب الى النهاية. وكان لنزوله الى ساحة الامويين ليخاطب حفنة من المناصرين مصحوبا بزوجته واولاده، مضمون مفاده انه باق كعائلة. وطبعا، اكتشف بشار حجم المشاركة الهزيلة في تظاهرة ساحة الامويين التي قيل انها ضمن مشاركين من لبنان (حزب الله والقوميون) اكثر من السوريين. فحتى فئة الموظفين التي كان يجري انزالها في الشهور الاولى من الثورة بالوسائل المعروفة ما عاد بالامكان حشدها. وسكان المدينتين الكبريين دمشق وحلب يجنحون في معظمهم الى ملازمة بيوتهم وانتظار الخاتمة.

في لبنان يقف حلفاء بشار الاسد في موقف صعب، فالعقلاء والواعون على ندرتهم، يعرفون تماما ان النظام في سوريا انتهى، وان الايغال في القتل لن ينقذه من السقوط. فالسقوط حتمي مهما حصل، ومهما توسع القتل. وحمام الدم لن يفضي إلا الى نهاية سيئة سيتعرض لها بشار وبطانته. انه اضعف من ان ينتصر على شعبه. والاطراف اللبنانيون المتحالفون معه ينتظرون ساعة السقوط، وهم مرتبكون تماما مثل القوى المناوئة. لكن "حزب الله" هو الاكثر ارتباكا، لانه خسر السوريين ولن يربح نجاة النظام. ومشكلة الحزب انه يدار من الخارج، وهو جزء من منظومة غير لبنانية. فحارة حريك اقرب الى طهران بأشواط منها الى اي بقعة في لبنان.

خلاصة القول: ان اصوب الخيارات التحرك في الاتجاه الصحيح من التاريخ. فمنطق التاريخ اقوى من خردة "حزب الله" وهذيان قادته في طهران.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أهالي الزبداني يحدثون التغيير  .. الجزيرة السعودية

التاريخ: 20 يناير 2012

بخروج الجيش السوري النظامي من منطقة الزبداني، وهي التي تتماس مع دمشق وتُعَدُّ خاصرتها الغربية، وتسليم المدينة إلى المواطنين ليتوقف القتل ويرحل عنها الشبيحة وأجهزة القمع، تكون الثورة السورية قد دخلت مرحلة جديدة.

فبعد نزع الخوف من صدور السوريين، وخروجهم إلى الشوارع والميادين للتظاهر والمطالبة بتغيير النظام، وصل الأمر إلى إخراج القوات المسلحة، وأجهزة القمع والجماعات المسلحة من المدن. وهذا تطور إيجابي يعيد للثورة السورية سلميتها.

وإذا كان الجيش السوري الحر قد ساهم في إجبار الجيش المرتبط بالنظام على ترك المدينة، فذلك وكما أوضح العديد من الناشطين السياسيين الواعين فإنَّه استجابة لطلب الأهالي بحمايتهم من بطش قوات الجيش الذي ترك الجبهات والحدود ليفتك بالمواطنين. ولأنَّ مكونات الجيش هم من أبناء الشعب، مجندين ومتطوعين وحتى ضباط نظاميين، فقد انحازوا للشعب.

وهذا ما شكَّل عبئاً على المؤسسة العسكرية التي سقطتْ في دائرة إملاءات النظام ووجهتْ أسلحتَها إلى الشعب، مما أحدث شرخاً أخلاقياً لدى أفراد هذه المؤسسة التي أصبحت تحت ضغط مزدوج، ضغط الإنهاك، إذ تواجه شعبها منذ أحد عشر شهراً من غير قناعات، وتُجْبَر على القيام بعمل ليس من مهامها، وهذا هو الضغط الثاني. لذلك كان الخروج من الزبداني جاء دون عراقيل ولا حتى رغبة من السلطة المركزية، بل هو نتيجة طبيعية لوضع غير طبيعي.

ولهذا فإنَّ هذا الخروج سيكون مقدمة لانسحابات أخرى ومن مدن سورية تعاني هي الأخرى من وجود قوات الجيش التي لم يعد أحد يرحب بها. ومثلما بدأت الثورة السلمية بتظاهرات في محافظة درعا ثم انتشرت إلى باقي المدن السورية، فإنَّ بداية إخلاء المدن السورية من الوجود العسكري التي بدأت في الزبداني لا بد وأن تُنَفَّذ في مدن أخرى.

ولن يكون ذلك اليوم ببعيد حينما نشهد خروجاً للقوات العسكرية وأجهزة القمع من مدن حمص ودير الزور ودرعا وباقي المدن السورية، تحقيقاً لرغبة ونضال أهالي تلك المدن، وليس استجابة لاجتماعات ولقاءات لجان ومراقبي جامعة الدول العربية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

محاورو النظام السوري: باعة أساطير أم سعاة أوهام؟  .. صبحي حديدي

2012-01-19

القدس العربي

منذ أن فاجأت الانتفاضة السورية، ومثلها جميع الانتفاضات العربية، الغالبية العظمى من شرائح المثقفين والنُخَب والشخصيات المعارضة، فأخذتهم على حين غرّة، ومن حيث لا يحتسبون كما يتوجب القول؛ صدرت عن هؤلاء سلسلة 'قراءات' للأوضاع القائمة، أو القادمة، تراوحت بين ردّ الفعل المعبّر عن الحماس الشديد، أو ردّ الفعل المتشكك بحذر شديد، أو ردّ الفعل الذي يسعى إلى تمويه المفاجأة بأقنعة شتى تميل إلى السفسطة عموماً، ولكنها لا تفلح دائماً في إخفاء عناصر شعورية دفينة مثل الارتباك والحرج والحيرة و... بعض الجرح النرجسي، أيضاً! لم يكن سهلاً، في منح فضيلة الشك إلى هذه الحال المعقدة، أن يكتشف مثقف سُجن ثلاث أو أربع أو سبع سنوات، أنه كان غافلاً إزاء، وربما قاصراً مقصّراً في إدراك، هذا الحراك العبقري الفذّ الذي كان يعتمل في صدور الصبايا والشباب، واندلع بغتة وبقوّة، فهزّ أركان نظام استبداد وفساد وراثي، أمني وعسكري واستثماري، يواصل البقاء منذ 41 سنة بصفة ديناصورية أو تكاد.

هذا المثقف والأمثلة على نموذجه ماثلة للعيان، وافرة كثيرة، فلا حاجة إلى تعيين بعضها إسمياً انضوى في صفّ الانتفاضة دون إبطاء بالطبع، وكما للمرء أن ينتظر من 'مثقف ثوري' أو 'مثقف عضوي' أو 'مثقف ملتزم'؛ ولكنّ 'القراءات' التي اقترحها للانتفاضة سرعان ما انقلبت عنده إلى هواجس، ثمّ ارتيابات (شبه ديكارتية أحياناً!)، فاشتراطات (تتوسل 'العقل' دائماً، وتُعلي شأن 'السياسة' بوصفها 'توسطات' وليس تظاهرات!)، وصولاً إلى حال مدهشة من القطع، وبعض القطيعة، مع أهل الانتفاضة أنفسهم، والشباب منهم بصفة خاصة. وهكذا، رأيناه ينحو باللائمة على رافعي شعار 'الشعب يريد إسقاط النظام'، لأنه غير واقعي، وغير قابل للتحقق؛ ويطري تيّار الحوار مع النظام لأنه، في المقابل، سلوك 'واقعي'؛ ولا يتردد في الاعتراف بأنّ النظام لن يقبل الحوار أصلاً، ولكن هذا هو المطلوب: إحراج النظام أمام الشرائح المترددة من أبناء الشعب!

هو، في جانب آخر لا مفرّ من اقترانه بهذه المعادلة، يتعامى تماماً عن حقيقة أنّ آلة البطش الفاشية التي اعتمدها النظام في قمع الانتفاضة، وانطوت على استخدام كلّ الأسلحة وكلّ النيران وكلّ الفظائع وكلّ صنوف التنكيل الهمجية، بما في ذلك التصفية الجسدية المباشرة، والتمثيل بالجثث، واعتقال الرضّع وتعذيب الأطفال واغتصاب الصبايا والنساء... لا مكان في قواميسها لمفردة 'حرج'، ولا لأية مفردة أخرى توازيها في المعنى والدلالة. بيد أنّ هذا التعامي هو، في حقيقته الباطنية، والسيكولوجية ربما، صيغة في مداراة حرج المثقف صاحبنا، وليس حرج النظام عملياً؛ وثمة، هنا، مسعى للتحايل على اصطفافات وطنية وسياسية وأخلاقية صارت جلية وصريحة، ولا تقبل التوسط أو التسوية أو المساومة.

والمرء، إلى هذا، لا يعدم عند صاحبنا المثقف إياه ذلك التذاكي في تقليب الموقف من النظام، ورأس النظام شخصياً، على وجه وقفا، في آن معاً: هو، تارة، مستبدّ، يائس، يقود البلاد إلى الكارثة، ولا سبيل إلى بقائه على رأس الحكم؛ ولكنه، تارة أخرى، جدير بأن ينقلب إلى مواطن صالح خدم بلاده، ويستحقّ التكريم والتعظيم وكامل حقوق المواطنة! هو، مرّة، 'الرئيس الدكتور' الذي يتوجب التوجه إليه لإنقاذ البلاد من الأخطار المحدقة بها؛ ولكنه، مرّة أخرى، رأس نظام مستبد فاسد يتوجب رميه في 'تنكة الزبالة'! وإذْ يدعو إلى الحوار مع النظام، سواء من أجل هدف 'الإحراج' دون سواه، أو لاكتساب فئات اجتماعية أخرى إلى صفّ الانتفاضة؛ فإنّ صاحبنا المثقف يعترف بأنّ كلّ ما يعد به رأس النظام هو 'الحرب على الإرهاب'!

وأمّا الرافعة الكبرى في تفكيره، ولعله يرى فيها سلاحه السجالي الأمضى، فهي هذه المعادلة العالقة، أو بالأحرى المعلّقة عن سابق قصد وتصميم، بحيث تسدّ الآفاق جميعها ولا تفتح إلا كوّة واحدة، تفضي إلى الحوار مع النظام: النظام عاجز عن إخلاء الشوارع من المتظاهرين، والمتظاهرون عاجزون عن إسقاط النظام. حسناً، فما العمل إذاً؟ يجيب صاحبنا: الحوار الوطني، بين الجميع، ومع الجميع، على غرار ما يقترح 'المثقفون'. إجابة فرعية، على السؤال ذاته، تذكّر بالمثال الأوروبي، وفي أوروبا الشرقية خاصة، حيث كان المجتمع المدني والمثقفون هم الذين أسقطوا الدكتاتوريات؛ الأمر الذي يوحي بأنّ الحراك الشعبي الراهن، المتمثل في الاحتجاجات والتظاهرات والإضرابات، هي الأفق المسدود؛ والأفق الآخر، المفتوح، هو ذاك الذي ينخرط فيه مثقفو المجتمع المدني.

وقارىء هذه الآراء، خاصة إذا كان غريباً عن الملفّ السوري، أو غير ملمّ بتاريخ نظام الاستبداد والفساد الورثي هذا، قد يقع بالفعل أسير سطوة المعادلة، التي تبدو أقرب إلى 'العقل' و'السياسة'، كما تحمل صفات 'الواقعية' و'الاعتدال'. ولا يزيد في جاذبية هذا الطرح إلا أضاليل النظام التي تقول إنّ السلطة تدعو إلى الحوار الوطني، والمعارضة هي التي ترفض المبدأ وتعطّل المصالحة. العارف، في المقابل، ليس بحاجة إلى قدح الذاكرة لكي يستعيد النقيض تماماً، فلا يكشف لعبة النظام في التضليل والمراوغة، بينما البطش يزداد وحشية ودموية، فحسب؛ بل يتنبه إلى مقدار البؤس في أطروحات هذا النموذج من المثقفين المعارضين دعاة 'الحوار الوطني'. ذلك يجعلهم، على نحو أو آخر، باعة أساطير، أو سعاة أوهام، أو أتباع منزلة بين المنزلتين... لعلها أدهى وأمرّ!

ذلك لأنّ الأسد الابن، ومنذ السنة الأولى لتوريثه، عبّر عن مزاج كاره للمثقف المعارض، اختلطت في ثناياه عناصر التهكم والسخرية والاحتقار والتخوين، بل إنكار الوجود أيضاً، وذلك في حديث شهير إلى صحيفة 'الشرق الأوسط' اللندنية، مطلع العام 2001. ولقد بدأ من مبدأ التخوين، ليس دون فذلكة معتادة: 'في كلّ المجتمعات هناك الأبيض وهناك الأسود وهناك حسنو النيّة وسيئو النية'، وبذلك: 'لا نستطيع أن نقول إننا أمام حالة مطلقة. هل يمكن أن نقول بأنّ كلّ الناس عملاء؟ هذا مستحيل. هل يمكن أن نقول إنّ كلّ من يطرح فكرة ظاهرها إيجابي هو وطني؟ أيضاً هذا مستحيل'. ولقد اعتبر أنّ أفعال هؤلاء المثقفين (وهي، للتذكير المفيد، لم تتعدّ البيانات وارتياد المنتديات، فلا أحد تظاهر، ولا أحد اعتصم أو أضرب) إنما 'تمسّ الاستقرار على مستوى الوطن'؛ ثمّ اختار للأمر احتمالين: 'أن يكون الفاعل عميلاً يخرّب لصالح دولة ما، أو أن يكون جاهلاً ويخرّب من دون قصد'؛ وجزم حول النتيجة: 'الإنسان في كلتا الحالتين يخدم أعداء بلده'.

كذلك لجأ الأسد إلى ما أسميناه، آنذاك، مداواة المثقفين بما كان هو الداء... في ظنّه، بالطبع. ولقد سأل، في التعقيب على بيانات المثقفين: 'أنا لا أعرف من هم هؤلاء الأشخاص الذين سمّوا أنفسهم المثقفين. هل هم مثقفون فعلاً أم ماذا؟ لا توجد لديّ معلومات'. كان ذلك التصريح مدهشاً من رئيس أحاط نفسه، منذ انطلاق سيرورة توريثه، برهط من التكنوقراط غير البعثيين إجمالاً، ممّن شكّلوا 'مجموعة ال 18'، أو ال G-18 حسب تعبير الكاتب الأمريكي المنافق فلنت ليفريت، من أمثال ماهر المجتهد، نبيل سكر، سمير سعيفان، رياض الأبرش، سامي الخيمي، غسان الرفاعي، وعصام الزعيم... هذا فضلاً عن بعض المثقفين المنتمين تاريخياً إلى اليسار.

وكان من غير المعقول أنّ الأسد يقصد القول إنه لا يعرف المثقفين المعارضين معرفة شخصية، أو لا يعرف ما الذي يمثّلونه اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ومعرفياً، إذْ كيف كان ممكناً له أن لا يعرف مَنْ هو أنطون مقدسي، أو عارف دليلة، أو عبد الرحمن منيف، أو ممدوح عدوان، أو علي الجندي... من موقّعي بيان ال 99؟ وكيف يمكن لرئيس 'شاب'، يعلن نيّة التغيير والتطوير، أن لا يعرف صفوة مثقفي بلده؟ الحقّ أنه كان يعرف معظم مثقفي سورية من موقّعي البيانات وناشطي المنتديات ولجان إحياء المجتمع المدني، وما كان يقصده من إنكار في التساؤل، ('مَنْ هؤلاء؟')، لم يكن يخصّ الهوية والموقع والمعرفة الشخصية، بل يتناول جوهرياً القول إنهم مجرّد نكرات: ما قيمتهم؟ وما أهمية ما يقولون ويكتبون؟

ذلك لأنه، وفي الفقرة التالية مباشرة، يذهب إلى التشكيك حتى في تعريف المثقف كما يمكن أن يحمله أصحابنا، فيسأل، ليس دون النبرة الأكاديمية المعتادة: 'لكن ما هو المقصود بكلمة مثقف؟ هي كلمة عامة إلى حدّ ما. هل من يطّلع على مواضيع مختلفة هو مثقف؟ هل صاحب الشهادة العلمية هو مثقف؟ هل من يقرأ كتباً كثيرة هو مثقف؟ هل من يكتب الشعر أو القصة أو الرواية أو يعمل في الصحافة هو مثقف؟ هي كلمة غير واضحة الحدود. وعلى كلّ حال هذا التصنيف غير معتمد بالنسبة لي'! كذلك كان الأسد يعلم أنّ هاجس مثقفي سورية، في تلك الأيام كما هي الحال اليوم أيضاً، لم يكن التوافق حول تعريفات المثقف، بل حول تعريفات الحقّ والحرّية والقانون، وحول الاجتماع والسياسة والاقتصاد والثقافة، وحول الانضمام إلى عالم أخذت فيه الأنظمة الشمولية الدكتاتورية تنقرض واحدة تلو أخرى، وحول ضرورة إحداث تغيير ديمقراطي جوهري في حياة البلاد، وحول الماضي والحاضر والمستقبل.

لكنّ تركيزه على تعريف المثقف، بدل مناقشة آراء المثقفين وفحوى بياناتهم، لم يكن يُراد منه ممارسة رياضة الفذلكة وحدها، بل صياغة تعريف المثقف كما تعتمده فلسفة النظام. هنالك نوعان من الأشخاص، قال الأسد: 'شخص يفكّر ويخرج بنتائج ضارّة للوطن'، و'شخص يفكّر ويخرج بنتائج مفيدة للوطن'... هكذا، باختصار شديد. ولأنّه لم يضرب مثلاً على أيّ من الشخصين، فقد كان منطقياً أن يشغل أنطون مقدسي، آنذاك، موقع النمط الأوّل؛ وأن يشغل علي عقلة عرسان موقع النمط الثاني: الأوّل طالب بتحويل سورية من قطيع إلى شعب، والثاني طالب بتحويل المثقفين من بشر إلى سائمة.

وليس مدهشاً أنّ النظام لم يحتمل، في الماضي، نبرة الاعتدال التي طبعت معارضة بعض المثقفين دعاة الحوار، فاتهمهم ب'إثارة النعرات الطائفية و'وهن عزيمة الأمّة'؛ وأنّ النظام لا يحتملهم اليوم، أيضاً، حتى إذا كان يُحسن ترويج بضائعهم وتغذية هواجسهم، الأساطير منها والأوهام... على حدّ سواء!

' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حلفاء بشار: اقفزوا من سفينة غارقة! .. علي حماده

2012-01-19

النهار

لم يعد السؤال هل يسقط النظام في سوريا؟ بل متى يسقط؟ فقد خرجت سوريا تقريبا عن سيطرة النظام، وتحولت ساحة مواجهة واسعة تمتد من درعا جنوبا الى ادلب شمالا ومن اللاذقية ساحلا الى البوكمال في الداخل. واتى خطاب بشار الاسد الاخير، الذي اعلن فيه صراحة انه ماض في خوض الحرب ضد الشعب، واصفا الثوار بعصابات مسلحة ورافضا الحياد في المعركة، على قاعدة ان من ليس مع النظام فهو ضده ليؤكد بدايات الانهيار. هذه الصورة التي رسمها بشار في خطابه الاخير مصدرها الواقع على الارض، ففي حين يعتبر النظام انه الاقوى عسكريا وامنيا ويدافع عن بقائه بإراقة المزيد من السوريين، خرجت البلاد عن سيطرته. وصار على بشار ان يقتل المئات اسبوعا بعد اسبوع لئلا يسقط. انه واقع احتلالي بامتياز. يذكر بجيوش الاحتلال في مراحلها الاخيرة عندما يسقط جدار الخوف مما يحول السيطرة استحالة دائمة، ويجعل السقوط حتمية.

في سوريا حالة احتلالية موصوفة. وبشار الاسد لا يملك ان يتجاهل هذا الواقع حتى لو كان مرا وصعبا للغاية. فهو يعيس يوميا لحظات سقوط "جمهورية حافظ الاسد" التي ورثها كمن يرث حقلا او بيدرا بأهله! سوريا 2011- 2012 ليست سوريا حافظ الاسد. انتهت هذه المهزلة، وانتهت هذه الكذبة الكبيرة التي يصدقها القابض على الزناد وحده، ويقبل بها الخاضع للمسدس الموجه الى رأسه. لذا يستحيل ان يحلم بشار وبطانته بسوريا يستمرون في حكمها، او بسوريا شبيهة بتلك التي اورثهم اياها حافظ الاسد. كانت سوريا تلك اشبه بالمقبرة المسكونة بالناس. واليوم خرج الشعب ليقول كلمته. بدأت الثورة سلمية، وستتحول مع ايغال النظام في القتل مواجهة مسلحة. وثمة من يعتقد ان الحرب الاهلية قادمة لا محالة بعدما ورط النظام قسماً من العلويين في القتل على قاعدة اقناعهم بأن اي تغيير سوف يؤدي الى اضطهادهم! وفي مطلق الاحوال إن الحرب الاهلية اذا ما قامت فعليا وفي شكل لا عودة منه، فإنها لن تكون في مصلحة من يسيرون في ركب بشار الاسد وبطانته. لقد انتهت تلك المرحلة، وعجلة التاريخ لا تعود الى الخلف. وقد صار بقاء النظام معلقا بموقف روسي لا بد ان يتغير في وقت من الاوقات. وحسب وزير الخارجية التركي احمد داوود اوغلو (خلال زيارته لبيروت قبل ايام) فإن المفاوضات مع موسكو قائمة على قدم وساق حول ملفات تتعدى ملف سوريا او ملفات المنطقة. كل ذلك مع تواتر انباء لم تتأكد تماما بعد تفيد ان الصين تتجه للعودة الى موقفها التقليدي القاضي بالامتناع عن التصويت في مجلس الامن في حال مناقشة قرار جديد حول سوريا. فهل تبقى روسيا وحدها مع بشار في مواجهة السوريين والعالم؟ اكثر من ذلك ثمة من يرى انه حالما يفرغ فلاديمير بوتين من معركته الرئاسية في الاسبوع الاول من آذار المقبل سيكون لموسكو موقف مختلف عما سبق بالنسبة الى الازمة السورية.

في مطلق الاحوال، المهم بالنسبة الينا في لبنان هو ألا يتوهم بعضنا ان بشار باق: انتهى الامر، فاقفزوا من السفينة... وبسرعة !

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دمشق من بوابة طهران  .. حازم مبيضين

الرأي الاردنية

18-1-2012

يوماً بعد يوم تزداد حدة التوتر بين ايران والمجتمع الدولي من جهة, ودول جوارها الخليجي من جهة ثانية, حيث يرفض العالم امتلاكها لقدرات نووية قد تتحول إلى العسكرة في أية لحظة, في حين تهدد طهران دول الخليج بعدم تعويض نفطها إلى دول العالم, في حال تم إقرار حظر على الصادرات النفطية الايرانية, ومعروف أن أكثر من دولة خليجية أعلنت استعدادها وقدرتها على تعويض العالم عن النفط الإيراني, وفي الأثناء فان معضلة إغلاق مضيق هرمز تتصدر الواجهة, على وقع مناورات بحرية ايرانية في المضيق, تترافق مع تهديدات واضحة وصريحة بإغلاقه بالقوة, دون التفات إلى الأثر الاقتصادي لذلك على الدول الخليجية, أو الأثر الكارثي على مسألة إمدادات الطاقة في العالم, وإذا كانت واشنطن وهي تقود العالم الغربي تعلن عزوفها عن عملية عسكرية ضد الجمهورية الايرانية, فان إسرائيل ومعها بعض الدول الغربية, لاتخفي استعدادها لمثل هذا الاحتمال, الذي سيكون كارثياً بشكل كامل على المنطقة برمتها, وعلى العالم من بعد ولو بصورة جزئية.

بالتوازي مع ازدياد حالة التوتر والتصعيد مع طهران, تبدو فكرة التدخل الدولي ضد حلفاء إيران في دمشق وقد تراجعت إلى مستويات بعيدة, ليس لان أعداء النظام السوري يرون فيه اليوم حملاً وديعاً لايستحق غير حمايته, ولإنما لأن الظروف لاتسمح بذلك في ظل قوة النظام السوري, وقدرته على قمع الاحتجاجات الشعبية ضده, ولسبب آخر يتمثل في ضعف معارضيه وشرذمتهم, وعدم قدرتهم على توحيد كلمتهم, وعجزهم عن استثارة الشارع السوري بالكامل ضد نظام عرف كيف يربط مصالح الكثيرين ببقائه, وترافق ذلك مع قبضة أمنية مشددة لاتعرف الرحمة ولا المهادنة, وهي مستعدة للمضي قدماً وحتى النهاية, في استعمال قبضتها الحديدية الباطشة ضد كل من يقف في وجهها, وفي وقت يقدم فيه النظام بعض التنازلات التجميلية, باعتبارها خططاً للإصلاح السياسي المتدرج الذي تحتاجه البلاد.

معروف طبعاً أن النظام الإيراني هو الحليف الأول للنظام السوري, على ما بين النظامين من تباين واضح, فالأول إسلامي التوجه والبرامج بصبغة طائفية, يرفض العلمانية التي تتبناها دمشق وهي تنأى عن الإسلام السياسي, الساعي لتغيير نظام البعث بقيادة تنظيم الإخوان المسلمين, الذي يمثل الوجه الآخر من المعادلة الطائفية ضمن أطر الإسلام السياسي, وللنظام الإيراني أذرع لاتتورع عن التحرك لنصرة نظام البعث السوري, كما أن له حلفاء ينطلقون من الولاء الطائفي, مستعدون لنصرة النظام البعثي, الذي كانوا وصفوه بأبشع النعوت, قبل أن يتبنوا اليوم مقولاته عن المؤامرة الخارجية, ويروجوا للمخاوف من أحوال المنطقة في حال إسقاطه, وفي كل الحالات فإن المصالح السياسية هي من يفرض التحالفات في هذه المرحلة الحساسة, التي ابتدأت من تونس ومرت بليبيا واليمن ومصر وتوقفت عجلتها في دمشق.

ما يثير المخاوف والقلق اليوم, هو أن يتم استهداف النظام السوري عبر البوابة الإيرانية, مع التبعات الكارثية لذلك على دول المنطقة وشعوبها على المديين القريب والبعيد, وفي مقدمتها النظام السوري الذي سيفقد حليفاً مؤكداً, أبدى استعداده عملياً حتى هذه اللحظة لدعم حكام سورية, وقدم لهم كل المساعدات التي يحتاجونها, متجاوزاً احتياجات الشعب الإيراني, الرازح تحت وطأة العقوبات الدولية, وليس بعيداً تحرك أذرع النظام الإيراني في العالم العربي ضد حكومات بلادهم, نصرة لولي الفقيه وتضامناً معه وخلطاً للأوراق, وصولاً إلى فتنة طائفية بدأت ملامحها بالتبلور, والمهم اليوم أن لاينجر العقلاء إلى مربع الفتنة, دفاعاً عن نظام يعرف الجميع أن الاسلام يقع في آخر اهتماماته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الهوية السورية: الدكتاتورية همشت الانتماءات والثورة اغنتها  .. عدي الزعبي

2012-01-17

القدس العربي

تطرح الثورة السورية أسئلة فلسفية تتعلّق بالهوية السورية ومستقبلها. نظرياً، كانت للتيارات الفكرية السائدة نظرة إيديولوجية جامدة تجعل الهوية جوهراً خالداً أزلياً. ليست هذه إشارة لشعار حزب البعث الشهير الذي يقدّس الرسالة الخالدة، بل أيضاً لرسالة التيارات اليسارية والإسلامية. ترى هذه التيارات أن الهوية هي إما إسلامية بالمطلق، أو عربية بالمطلق، أو طبقية بالمطلق. رؤية اليسار مختلفة، لكنها بالمحصلة تقوم بإرجاع كافة البنى الفوقية إلى البنية الاقتصادية، حيث تبدو الطبقة التي ينتمي إليها الفرد، هوية.

مع وصول حزب البعث للسلطة، أصبحت الهوية العربية هي الوحيدة المعترَف بها. الجيل الذي نشأ تحت حكم البعث، خصوصاً بعد أحداث الثمانينات والقمع المفرط الذي طال كل وجوه الحياة، كان مطلوباً منه أن لا يصرّح بأية هوية أخرى مرافقة أو مكمّلة للهوية العربية. تم استبعاد الهويات الدينية والإثنية بشكل كامل، ودفع الثمن الإسلاميون والأكراد بدرجات متفاوتة تبعاً للظروف. أيضاً تعرّض اليسار لقمع غير مبرّر.

ولكن، وهنا النقطة التي أود إثارتها، استبعدت الهويات المحلّية الطائفية والمناطقية بشكل كامل. في التسعينات، كان من المعيب، مجتمعياً، أن تجاهر بأنك شامي أو حوراني أو حمصي، ومن الخطير سياسياً، أن تجاهر بأنك علوي أو سُنّي أو درزي.

هذا الإفقار في مفهوم الهوية إلى الدرجة التي أصبحت فيها الهوية معنى فارغا يشير دائماً إلى فلسطين فقط لا غير، ولا يرتبط بأي ملموس على المستوى المباشر، أدّى إلى فكرة غريبة مفادها: أنّ من يجاهر بانتمائه المناطقي أو الطائفي هو حُكماً ضد العروبة، وبالتالي رجعي يُضمر الأذى لسوريا.

الخطأ الذي ابتدأ بالاستيلاء على السلطة من قبل حزب إيديولوجي، يرفض الاعتراف بوجود أحزاب أخرى لها رؤى مختلفة، امتدّ ليشمل الهويات الفرعية. هكذا حوكمت الهويات الأكثر حميمية والأقل أدلجة. لماذا؟

الاعتراف بالهويات المناطقية يستتبع المطالبة بتحسين الظروف المعيشية ومحاربة فساد رجالات السلطة والأمن في هذه المناطق. كما يؤدي إلى دراسات و مشاريع تتعلّق بالمناطق المعنيّة ومحاولة السكان التعاون مع، أو انتقاد، السلطات المحلية، وصولاً إلى حياة كريمة لأبناء هذه المناطق. الاعتراف بالهويات المناطقية والفخر بها، بهذا المعنى، هو حُكماً ضد الاستبداد، وليس ضد العروبة.

في بداية الثورة، اتّهم أنصار النظام أبناء حوران بأن لهم طبيعة عشائرية خاصة (حرفيّاً). دفاعاً عن هؤلاء، أصرّ البعض أنّه لا يوجد خلفيّة عشائرية في احتجاجات السوريين. السؤال هو لماذا يتم الربط بين العشائرية من جهة، والتخلف و الرجعية من جهة ثانية؟ ربّما كان لاحتجاجات السوريين خلفية عشائرية ودينية، وهذا ليس معيباً، طالما أن هذه الاحتجاجات تسعى لبناء دولة القانون القائمة على احترام الآخرين.

معظم أطفال درعا الذين تم تعذيبهم ينتمون لعشيرة أبازيد. أما الاحتجاجات فقد شملت كل عشائر حوران. أي أن العشائرية لا تعني التعصّب لعشيرة على حساب أخرى. إذا كان هذا هو بالضبط العنصر المعيب في العشائرية، فهو حتماً مبالغ فيه، و لم نره في الاحتجاجات. تكون العشائرية معيبة، كما المناطقية، إذا قامت على مبدأ استبعادي واستعلائي. أما إذا كانت مكمّلة ومرافقة للهوية الوطنية الجامعة، فهي ليست معيبة. يهتف أهالي حمص يومياً بأنهم يفدون حمص بأرواحهم، بل هم يفدون حمص بأرواحهم . لا يعني ذلك أبداً، أن الحماصنة ضد الهوية العربية أو الهوية السورية الجامعة. العكس بالضبط هو الواقع، الهوية الفرعية الحمصية، بتجسيدها للنضال ضد الاستبداد، هي نواة للهوية السورية الجامعة.

ما هو التبرير النظري لاستبعاد الهويات الفرعية المناطقية و الطائفية؟ ما الذي يجعل انتماء الفرد إلى منطقة معيّنة (حوران أو حمص أو دير الزور) أو إلى طائفة معينة (علوي أو سني أو درزي) رجعيّاً ولا يمكن أن يعمل لصالح العروبة؟ ما هو الخطأ في كون الفرد حمصياً فخوراً وعربياً، أو مسيحياً فخوراً وعربياً؟ التبرير النظري هو فكرة الهوية الاستبعادية. الهوية العربية، في فكر البعض، هي هوية خالدة أزلية تقسم السوريين بشكل كامل إلى عرب و غير-عرب. و هذه الهوية، كما النظام ، لا تقبل بالمشاركة في أية هوية أخرى. النظام أفسد مفهوم الهوية العربية بشدة، ولكن المفهوم نفسه، كما تمّ طرحه في بدايات القرن الماضي، مع مفاهيم الإسلام السياسي و اليسار بحاجة إلى مراجعة و تصويب.

ما أثبتته الثورة السورية هو أن الهويات المحلّية المناطقية لا تتعارض مع الهوية العربية من ناحية، و لا تتعارض مع مفهوم الهوية السورية الجامعة من ناحية أخرى. من هنا، يجب مراجعة المفاهيم الموجودة حالياً حول الهويات. ليست الهوية مفهوم ماورائي بدون ملموس عيني.

الكائن البشري، يعيش ويتنفّس ويأكل و يمارس نشاطاته اليومية في بيئة محددة زمانياً ومكانياً. هذه البيئة لها احتياجاتها و مشاكلها و انعكاساتها. الانتماء المناطقي له الأولوية دائماً. الإيديولوجيا، أو الفكر بشكل عام، الذي يحاول أن يشرح و يفسر الظاهر، يجب أن ينطلق من الواقع المُعاش، و أن يجاريه. لذلك، الهوية السورية الجامعة لكافة أبناء الشعب السوري، على اختلاف انتماءاتهم المناطقية و الطائفية و الطبقية، يجب أن تكون مرافقة و مكمّلة و داعمة للانتماء المناطقي. أما الهويات الطائفية و الإثنية المتنوعة فقد تكون مختلفة في بعض النقاط عن الانتماء المناطقي. ولكن الظلم الذي تعرّض له الإسلاميون و الأكراد، ينبع من ذات الخطأ: الهوية العربية تم تقديمها كهوية استبعادية بالمطلق. ما ينطبق على كافة هذه الهويات هو الفكرة نفسها: طالما أن هذه الهويات ليست استبعادية، تنفي الآخر و تحاربه بالمطلق، فهي هويات مشروعة تحت مظلة الهوية السورية الجامعة. في سوريا، أن الهوية العربية هي الهوية الاستبعادية التي يحكم باسمها النظام. كل الهويات الأخرى مقموعة و مستبعدة.

الثورة السورية هي ثورة البشر الذين يعيشون على الأرض. من هنا، كان للوجود على الأرض في المناطق المختلفة من بقاع سوريا، و للعمل الميداني، الدور الرئيسي في الثورة على الاستبداد. الهويات الفوقية، و التنظير من أعلى، يلعب دوراً ثانوياً في الثورة. هذا أمر صحي و سليم. الثورة تعيد ترتيب الأولويات. البشر أولاً، النظريات و الإيديولوجيا ثانياً.

الثورة السورية، من منظور فلسفي، تدعونا إلى أن نعيد النظر في المفاهيم الموروثة. استخدم النظام مفهوم الهوية العربية لتبرير القمع و الاستبداد. الثورة، في أحد وجوهها، هي ثورة على هذا الاستخدام للعروبة. إعادة الاعتبار لكل من تأذّى من هذا الاستخدام، و فتح حوارات جدية حول الهوية السورية و مستقبلها، يعني أن الثورة تسير في الطريق الصحيح. يجب ان نمدّ اليد ونتعاون مع الأكراد و الإسلاميين و اليسار واليمين. لكن أيضاً، الانتماء المناطقي والطائفي بحاجة إلى إعادة نظر. الدكتاتورية أفقرت سورية من كل انتماء، الثورة أعادت لسورية كل غناها وتنوعها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون اليوم! .. فايز سارة *

الاربعاء, 18 يناير 2012

الحياة

لا يحتاج السوريون في تعريفهم البسيط الى كلام كثير يقال فيهم، اذ يستمدون اسمهم من الانتماء الى بلد اسمه سورية، تبلغ مساحته مائة وثمانين ألف كيلومتر مربع، مقسم إدارياً إلى أربع عشرة محافظة، وبعدد إجمالي من السكان يناهز ثلاثة وعشرين مليون نسمة، وبتوزعهم دينياً الى مسلمين ومسيحيين، مع فارق كبير بين نسبة كل منهما، ومثل ذلك تكاد تكون النسبة اذا نظرنا الى السوريين حسب اصولهم القومية، حيث أكثرية من العرب، الى جانب الأكراد والأشوريين والشركس والأرمن والتركمان، أما من حيث الطوائف الدينية، فيتوزع المسلمون الى طوائف، أكبرها من السنة، والى جانبها طوائف من العلويين والشيعة والدروز والإسماعيليين، كما يتوزع المسيحيون الى طوائف من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، ثم السريان والأشوريين والأرمن والبروتستانت والموارنة، وفي اطار هذه المواصفات يمكن رؤية ملامح السوريين في عداد شعوب شرق المتوسط.

غير ان التعريف البسيط للسوريين لا يعطي صورة واقعية عن السوريين الذين يحتلون اليوم مركزاً مهماً في لوحة أحداث المنطقة، والذين تتناقل وسائل الإعلام أخبارهم وبتركيز واضح منذ حوالى عشرة اشهر، هي المدة التي انقضت على بداية حركة الاحتجاج والتظاهر في أواسط آذار (مارس) الماضي، والتي قادت الى تبدل نوعي في تعريف السوريين، سواء من حيث معرفة العالم بهم ولجهة تعريفهم بأنفسهم.

السوريون اليوم متظاهرون في احد وجوههم، وضحايا في وجه آخر. متظاهرون في عشرات المدن والقرى الموزعة ما بين القامشلي في الشمال ودرعا في الجنوب مروراً بحمص في الوسط، ومن دير الزور في الشرق الى اللاذقية في الغرب مروراً بالوسط الساخن، وهم ضحايا، اذ تجاوز عدد من قتلوا بصورة موثقة ستة الآف شخص، باستثناء المفقودين، وهم الآخرون بالآلاف، اضافة الى عشرات آلاف الجرحى وكثير منهم تحولوا الى معاقين، وثمة عشرات آلاف المعتقلين والمطلوبين، ونحو ثلاثين الف نازح خارج البلاد موزعين ما بين تركيا والاردن ولبنان وليبيا، وقد تجاوز عدد النازحين الى الأخيرة خمسة آلاف نسمة.

تظاهرات السوريين ما زالت تحمل مطالب الحرية والكرامة، كما كان عليه الحال في البداية، وقد وسعت مطالبها السياسية إلى حد إسقاط النظام، في اطار رد على استمرار الحل الامني - العسكري وتصاعده ضد الاحتجاجات السلمية، لكن بعض التظاهرات لا تخلو من هتافات غير سياسية، وبعضها لا يتوافق مع أفق ثورة السوريين من اجل الحرية والكرامة، وهو يتشابه مع الدعوات التي تظهر هنا وهناك لتوجه بعض معارضي النظام الى مقابلة عنف السلطات بعنف الثورة، وهي دعوات ما زالت تقابل برفض وحذر شديدين في اوساط سورية واسعة، أبرز مبرراتها أنّ تحولاً كهذا سيفقد ثورة السوريين أقوى أسلحتها، وهو السلمية، ويخرجها من موقفها الاخلاقي الحاسم في رفضها العنف الذي يمارسه النظام والرد عليه بالتظاهر السلمي.

السوريون اليوم منقسمون بين جماعة تريد التغيير بمعناه العميق وأخرى تريد الحفاظ على الوضع القائم مع اجراء تغييرات طفيفة، وثمة جماعة ثالثة مترددة، قلقة، وجزء منها خائف من احتمالات المستقبل. وان كان الاخيرون من المترددين ودعاة الحفاظ على النطام اقرب الى السكون في نظرتهم الى التغيير، فان الجماعة الاولى تبدو اكثر نشاطاً وحيوية رغم ما اصابها من أضرار وأذيات بشرية ومادية كبيرة بفعل القمع العنيف الذي تقابل به رغبتها بالتغيير.

والرغبة في التغيير عند هذه الجماعة، ليست محكومة بالتظاهر والاحتجاج فقط، بل ان ذلك تعبير عن مضامين اعمق لمشروع سوري كامل عنوانه العام اقامة نظام ديموقراطي تعددي مدني الطابع، نظام يوفر العدل والعدالة والمساواة وحكم القانون في اطار شرعة حقوق الانسان، نظام لكل السوريين بلا استثناء، وهذه الجماعة في الطريق الى مشروعها تسعى الى براهين عملية ويومية على الطريق، يتجسد أبرزها في مضامين هتافات التآزر بين المدن والقرى التي تطلقها حناجر المتظاهرين، وفي تأكيد وحدة السوريين، وفي التطمينات السياسية التي يتم تبادلها، وفي المساعدات المادية والعينية التي تتبادلها المناطق في ما بينها، بما فيها عبوات الدم، التي تمزج دماء السوريين في أوعية بشرية واحدة، وكلها وقائع تضفي على مشروع المستقبل أبعاداً عملية.

القسم الاكثر حيوية من السوريين اليوم يرسمون صورة اخرى لانفسهم، تتجاوز التعريف البسيط الذي كانوا يعرفون به، ليصلوا الى صورة أكثر اثارة وحيوية، صورة فيها كثير من المعاناة والآلام، لكن فيها كثير من الامل، ليس في تغيير حياتهم، بل في اعطاء مثال لكل الراغبين في تغيير حياتهم من الشعوب التي تعاني من انظمة الاستبداد والاستئثار في عالم اليوم.

* كاتب سوري

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com