العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28-09-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حزب الله يخشى قوة «داعش» أم ضعفه؟ .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 25-9-2014

عندما برر «حزب الله» تورطه في حرب الدفاع عن النظام السوري، أغرق اللبنانيين بالحديث عن «التكفيريين» الذين قال إنه اذا لم يذهب لقتالهم داخل سورية سيأتون الى لبنان. وشرح بداية ان حربه تهدف الى «حماية شيعة لبنانيين» يقيمون في قرى سورية عند الحدود المشتركة يستهدفهم الاسلاميون المتشددون بسبب انتمائهم المذهبي، ثم انتقل الى الحديث عن سعيه الى اجهاض محاولات لربط اجزاء من لبنان بمناطق سورية تحت سيطرة المعارضة، قبل ان يعلن انه يتولى حماية مزارات شيعية داخل سورية وتحديداً في دمشق، ليكشف اخيراً بالفم الملآن انه يشارك في القتال في انحاء مختلفة من سورية وانه لولا تدخله لسقط نظام بشار الاسد.

واستخدم الحزب في دعايته البعبع الأصولي التكفيري المتمثل بتنظيمي «داعش» و «النصرة» ذريعة له، وتفنن في ترويع اللبنانيين بالحديث عن خطرهما الداهم، وساعده المتطرفون في مهمته عندما ارسلوا سيارات مفخخة الى ضاحية بيروت الجنوبية، احسن الحزب استغلالها اعلامياً وتعبوياً ليرسل المزيد من مقاتليه الى سورية.

لكن هذه الهمروجة التبريرية سقطت دفعة واحدة عندما أعلن الامين العام للحزب اول من امس معارضته الضربات التي بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها توجيهها الى قوات «داعش» وتنظيمات ارهابية أخرى ومواقعها داخل سورية، معتبراً انها «تخدم المصالح الأميركية».

وقال نصر الله «عندنا موقف مبدئي لا يتغير. سواء هاجم الاميركيون داعش او طالبان او النظام العراقي السابق، نحن ضد التدخل العسكري الاميركي وضد تحالف دولي في سورية».

لكن الحقيقة غير ذلك تماماً. اذ يخشى «حزب الله» ان يعني اضعاف المتطرفين زوال الحجة التي بنى عليه تدخله في سورية، وان يوفر للدعوات الى انسحابه سنداً منطقياً وقوة لا يستطيع مواجهتهما، وخصوصاً داخل بيئته الحاضنة التي بدأت تبدي تذمراً من كثرة الجنازات. اما «الموقف المبدئي» الذي يتحدث عنه فقد خرقه بنفسه عندما أقر انه ذهب الى سورية بتكليف من ايران ودفاعاً عن تحالفها مع نظام الاسد، اي خدمة لطرف اقليمي غير عربي.

كما ان «مبدأ» نصر الله هذا لم يلق صدى في دمشق نفسها المعنية اكثر منه باتخاذ موقف من التحالف الدولي الجديد، والحريصة على «شبك» نظامها بأي «حبل» دولي ولو في شكل عمل عسكري، اذ أعلنت الخارجية السورية انها تلقت رسالة من نظيرتها الاميركية عبر العراق تبلغها فيها بقرار شن الغارات قبل ساعات من بدئها، كما ان مندوبها في الامم المتحدة ابلغ ايضاً بالعمليات العسكرية الوشيكة. واستضاف التلفزيون الحكومي السوري محللاً قال ان «الغارات الجوية لا تعتبر عدواناً لأن الحكومة أبلغت بها مسبقاً».

كذلك أكد الإيرانيون انهم أبلغوا مسبقاً بالضربات الاميركية وقالوا ان واشنطن طمأنتهم الى انها لن تستهدف قوات النظام السوري. وحدها موسكو الغارقة عسكرياً حتى اذنيها في ازمة اوكرانيا، انتقدت غارات التحالف، وقالت انه كان يتعين الاتفاق عليها مع دمشق.

واذا كان «حزب الله» فضح تخوفه من الحملة الدولية والاقليمية لإضعاف «داعش» وانعكاساتها المحتملة على انخراطه العسكري في سورية، فإن إعلانه انه كان ضد تدخل الاميركيين في العراق ثم اهدائه لإيران، ليس سوى نكتة سمجة لا تضحك أحداً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انطلاق الفصل السوري من الحرب على داعش .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 25-9-2014

يشير الابتهاج السائد في وسائل إعلام النظام الكيماوي ببدء عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في سوريا، واكتفاء هذا النظام من «التنسيق» الذي طالب به بمجرد «الإبلاغ»، إلى اطمئنانه من أن القصف الجوي وبصواريخ التوماهوك الذي انهال على الرقة وريفها والبوكمال وريف حلب الغربي، صباح الثلاثاء، لن يطال مواقع قواته، بما يتيح له التفرغ لمواصلة قصف المدنيين في مناطق أخرى. ومن جهة أخرى، يشير إسقاط إسرائيل للطائرة الحربية التابعة لقوات النظام فوق الجولان إلى نقص في التنسيق أو إغفال النظام «إبلاغ» إسرائيل بتحركات سلاح جوِّهِ قرب الحدود المشتركة.

لا يمكن التكهن منذ الآن بالنتائج المحتملة لبداية الحرب الدولية على دولة الخلافة في سوريا، ولا بالمسار المحتمل الذي يمكن أن تتخذه الأحداث في الأيام والأسابيع القادمة، ولكن يمكننا من الآن تسجيل بعض الملاحظات والأسئلة المبدئية:

-الملاحظة الأبرز هي مشاركة عدد من الدول العربية في عمليات القصف إلى جانب الولايات المتحدة، كالسعودية والإمارات والأردن والبحرين، الأمر الذي لم نر مثيلاً له في الحرب على داعش في العراق. هل يمكننا الاستنتاج من ذلك تسليماً أمريكياً بدور إيراني في العراق مقابل تأييد دور عربي في سوريا؟ الغريب في الأمر أن النظام الكيماوي لم يعبر عن هواجسه، إلى الآن وبعد مضي نحو 12 ساعة على بدء العمليات، من هذه المشاركة العربية. ترى هل قدم «التحالف» ضمانات له بضبط هذه المشاركة بما لا يتجاوز الحدود المرسومة، أي استهداف مواقع داعش والنصرة حصراً من غير التعرض لمواقع النظام؟

من جهة أخرى تتمتع المشاركة البحرينية بالذات بدلالة سياسية واضحة أكثر من أي اعتبار آخر: وضع حد فاصل للنفوذ الاقليمي الإيراني بما لا يتجاوز الحدود العراقية غرباً نحو سوريا، بالنظر إلى مصير الثورة البحرينية ذات البعد المذهبي وإقرار الأمر الواقع الذي أفرزه تدخل قوات درع الخليج لإخمادها في مهدها. وهذا ما يزيد من غرابة المشهد. فإيران اليوم، مع امتداداتها من الميليشيات الشيعية وخاصةً حزب الله اللبناني، لها الفضل الأول في بقاء نظام الكيماوي في دمشق واقفاً على قدميه، ولم يصدر، إلى اليوم، أي تعبير عن استياء أمريكي من هذا التدخل الإيراني الكثيف في سوريا. فهل آن أوان الصفقة الأمريكية الإيرانية على توزع النفوذ الإقليمي بين القطبين السني والشيعي، مع اقتراب موعد استئناف المفاوضات حول الملف النووي الإيراني؟

-الملاحظة الثانية تتعلق بغياب المشاركة القطرية – التركية، كأن الشقاق بين المحورين السنيين (السعودي – المصري – الإماراتي من جهة، والقطري التركي من جهة ثانية) ما زال يفعل فعله على رغم بداية الفصل السوري من الحرب الدولية على داعش، وكأن المصالحة التي تمت منذ حين بين قطر والسعودية لم تؤت ثمارها بعد. أما تركيا فهي تتعرض لحملة انتقادات من بعض دول الخليج ومن الولايات المتحدة بمناسبة ترددها في الالتحاق بالتحالف الدولي ضد داعش.

فتركيا التي تنفست الصعداء بعد إطلاق رهائنها التسع وأربعين الذين كانوا محتجزين لدى داعش، لم تخرج من ترددها بعد، على رغم أن بعض قصف الحلفاء يتم على الأراضي المتاخمة لحدودها الجنوبية، في تل أبيض. وهناك تحليلات ربطت بين طرح مجلس الأمن القومي التركي لفكرة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية، وإفراغ مدينة كوباني (عين العرب) وريفها من سكانهما بسبب احتدام المعركة بين قوات داعش وقوات حماية الشعب التابعة للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وبينهما وبين توقيت إطلاق الرهائن الأتراك في إطار صفقة تبادل أسرى، أطلق بموجبها لواء التوحيد المقرب من الإخوان المسلمين السوريين خمسين من مقاتلي داعش، بينهم أيضاً أرملة أحد القادة الميدانيين لتنظيم الدولة وأولادهما.

بالمقابل من المحتمل أن القيادة الأمريكية للتحالف تمهلت في بدء الجزء السوري من الحرب على داعش إلى حين إطلاق الرهائن الأتراك، لنزع ذرائع الحكومة التركية لتهربها من المشاركة الفعالة فيها. بل إن بعض الروايات تتحدث عن تأخير تركي مقصود لإطلاق الرهائن للتهرب من المشاركة في الحرب على داعش. فقد كانت الصفقة ناضجة منذ شهر، وفقاً لهذه الرواية، بعد توسط من بعض العشائر العربية في العراق بين الطرفين. لكن الطرف التركي هو الذي ماطل في تنفيذ الصفقة.

لا بد من الإشارة، بهذا الصدد أيضاً، إلى بروز التناقضات التركية – الكردية إلى درجة غير مسبوقة. فقد عبرت قيادة إقليم كردستان عن استيائها من غياب أي مساندة تركية حين كانت قوات داعش تقترب من العاصمة أربيل بعد غزوها لجبل سنجار الشهر الماضي. واليوم تتعرض بلدة كوباني لمصير مشابه، والحكومة التركية تبحث في إقامة منطقة عازلة. يا ترى أتكون هذه المنطقة هي كوباني بعدما أفرغت من سكانها؟ من هنا يتخذ تصريح القائد الميداني لحزب العمال الكردستاني مراد قرة يلان بصدد «انتهاء مسار الحل السياسي» مع الحكومة التركية أهميته.

-الملاحظة الثالثة والأخيرة تتعلق برد المحور الإقليمي الشيعي – الإيراني على التحالف الدولي بعد إقصاء نظام دمشق الكيماوي منه، بسيطرة القوات الحوثية على العاصمة اليمنية صنعاء وفرض أمر واقع جديد على تخوم المملكة العربية السعودية، هو بمثابة عزل جغرافي – سياسي بين الحليفين السعودي والمصري.

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : حقيقة العدوان الأمريكي على سورية .. وحين يصطف ( بشار الأسد ) و( الائتلاف الوطني ) جنودا تحت الراية الأمريكية أين هم السوريون السوريون...؟! .. زهير سالم

يصف الكثيرون من المنظّرين الفراغيين الحرب الأمريكية على سورية والعراق بالعمياء  والفاقدة للاستراتجية والأهداف . والحقيقة الحقيقة أن الأمر على غير ما يقدر هؤلاء المقدرون أو يخمن هؤلاء المخمنون .

الاستراتيجيون الأمريكيون الأخفياء الذين لا يظهرون على الإعلام ، لا يعترفون أبدا أن الولايات فشلت أو لم تنجح في حربها على العراق ، وإسقاط دولته ، والتزوير في ديمغرافيته وجغرافيته ومد النفوذ الإيراني إليه ، بل هم يعتقدون أن كل هذا القتل والدمار والفوضى كان مخططا له ومقصودا لذاته ..

اليوم وبعد لامبالاة طويلة من سيدة ( الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ) في العالم بجرائم بشار الأسد التي كانت الأولى في حجمها وعنفها في القرن الحادي والعشرين ، تجد الولايات المتحدة أن عجز بشار الأسد خلال كل الزمن الممنوح له ، ورغم إطلاق يده باستعمال كل أنواع الأسلحة تقريبا ، بمافيها الغاز الكيماوي ، كما وثقت أخيرا منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ، وأقر به جون كيري وزير خارجية أوباما نفسه ؛ نقول تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للقيام بتدخل هادف لمساعدة بشار الأسد على تحقيق أهدافها، وإدخال خلل على معادلة القوة على الأرض السورية ، هذه المعادلة التي كان للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين وإيران وبشار الأسد اليد الطولى في تركيبها ..

فمن أضعف المعارضة السورية المعتدلة ؟ ومن ضيق الأنفاس على أصحاب المشروع الإسلامي الحقيقي ؟ ومن سمح بوصول المدد البشري والتعبوي ووفر المناخ الآمن لقوى التطرف حتى باضت وفرّخت ونما ريشها فانتفشت ؟!

وحين تجعل الولايات المتحدة اليوم من ذبح بعض الأشخاص الأمريكيين والأوربيين – على نكارته - ذريعة لشن هذه الحرب الكونية ، وهذا العدوان الصارخ ،على الأرض والإنسان في سورية ؛ فإن أحدا لا يمكن أن يقتنع أن ما يطلق عليه التنظيمات ( الإرهابية ) التي نمت على عين العالم أجمع هو الهدف ..

إن الهدف الأمريكي الاستراتيجي من المعركة اليوم هو أولا الالتفاف على الثورة السورية ، وإن بدت هذه الثورة بعيدة عن التعاطي الأمريكي . الالتفاف على الثورة بإيجاد مدخل للعبث ، والخطأ ( المقصود ) والاتهام المفتوح ، بحيث تعبّد الولايات المتحدة  الطريق أمام الحل الذي عجز بشار الأسد عن تعبيده ..

إن خمسة آلاف مقاتل تتحدث عنهم الولايات المتحدة لن يكون لهم أي شأن – إن تم الوفاء بهم – في معركة تعد اصطفافاتها بعشرات الألوف من المقاتلين .

والهدف الأعمق في الاستراتيجية الأمريكية المبصرة وليست العمياء والخبيثة وليست الغبية هي تمكين إيران من بسط جناحها على كامل المشرق العربي في الصفقة الأمريكية – الإيرانية التي لم تعد تخفى إلا على الصم البكم العمي .

لا يمكن أن نقرأ الحرب الأمريكية المستعجلة على سورية بعيدا عما جرى في العراق ، خداع  بتغيير شخص وإقرار نظام . كما لا يمكن أن نقرأ الاستراتيجية الأمريكية في عدوانها على سورية بعيدا عن النصر الإيراني في اليمن ، وسط صمت مبهم من دول الجوار التي تهرول اليوم لنصرة المشروع الإيراني وليس الأمريكي فقط في سورية .

والعجيب أن الحرب التي يصفها البعض بالغبية والعمياء – على خلفية أن الولايات المتحدة وإيران نقيضان – يجتمع تحت رايتها الأمريكي والأوربي والعربي والإيراني  ويسكت عنها الروسي والصيني والأكثر إثارة للاستنكار والاشمئزاز أن يصطف تحت رايتها بشار الأسد وما يسمى الائتلاف الوطني ؟؟؟؟؟

المؤامرة جلية واضحة بعيدة المدى خطيرة التداعيات  ، وإذا كان بشار الأسد ومقاوموه الصوريون لم يكن يهمهم يوما من أمر سورية شيء ؛ فإن النداء سيظل يتوجه إلى السوريين السوريين ..

أيها السوريون السوريون هذه ثورتكم خانها هؤلاء وهذا وطنكم باعه لإيران أولئك فماذا أنتم فاعلون ..؟!

أيها السوريون السوريون لنعلن معا :

 نرفض التطرف والمتطرفين ، ونرفض الاستبداد والمستبدين ، ونرفض المتهافتين المتساقطين ..ونرفض العدوان والمعتدين ...

نسعى إلى الوطن الواحد والمجتمع الموحد والدولة المدنية المستقرة ، تضمنا ظلالها جميعا عدلا وحرية ومساواة ..

وطريقنا ثورة حقيقية أبية  . والثورة الحقيقية هي التي تجمعنا ولا تفرقنا فهل تستجيبون ..؟!

لندن : 29 / ذوالقعدة

24 / 9 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

متى يسقط الأسد؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 25-9-2014

لا أريد تحديد ساعة سقوط بشار الأسد، فأنا، بكل بساطة، لا أعرفها، وأعتقد أن إدعاء معرفتها لن يكون غير كذب وخداع. لكنني أعرف مسألة مهمة بالنسبة لنا نحن السوريين، هي أن بشار الأسد سيسقط حتماً، وسريعاً، في حال وفرنا شروط سقوطه الداخلية، وتفاعلنا بإيجابية، ومن موقع الاستقلالية – النسبية طبعا - مع عوامل إسقاطه الدولية، وأدركنا أن العالم يدخل، هذه الأيام، إلى منطق تغيير لن يتوقف عند شخص الأسد، بل يرجح أن يتعدّى سورية إلى بلدان عديدة في المنطقة، حيث تمس الحاجة إلى إقامة بيئةٍ تحصّنها ضد إرهابٍ تفشّى في كل موقع منها، ثمة، اليوم، إرادة سياسية وخيارات عسكرية دولية، هدفها إقامة هذه البيئة، باقتلاع نظام هنا وإصلاح آخر هناك، وإنشاء حاضنة عامة، دولية وعربية وإقليمية، تكون مترابطة الحلقات، تتكفل بإنجاز تحولٍ لا  يفضي إلى انهياراتٍ سياسيةٍ، تصعب معالجة نتائجها والتحكم بمسارها، يمكن أن تفيد إيران والإرهاب منها.

ماذا يعني التحالف الدولي غير تحقيق مهمتين رئيستين، هما، تغيير من أنتجوا الإرهاب في الماضي، ويمكن أن ينتجوه ويستعينوا به اليوم، لكي يبقوا في السلطة، وعلى رأسهم نظام الأسد في دمشق. والمهمة الثانية، تحول البلدان المتحالفة إلى جهات قادرة على الصمود في وجه الإرهابيين، وإزالة كل ما من شأنه تمكينهم من التكون والانتشار داخلها، بالإفادة من العيوب التي تسم أوضاعها.

يرتبط النجاح في محاربة الإرهاب بالنجاح في التصدّي لهاتين المهمتين، اللتين تعني أولاهما التخلص من بشار الأسد وأمثاله من المتلاعبين بأوراق الإرهاب، وثانيتهما التخلص من مفاسد وعيوب النظم التي تحتاج إلى إصلاح يحصن أوضاعها برضا مواطنيها، وخصوصاً الشباب منهم، ضد إغراءات الإرهاب وتهميشهم.

هل قرر التحالف الدولي إطاحة بشار الأسد؟ أعتقد أن القرار كان موجوداً منذ بدأت الثورة السورية، لكن رهانات الولايات المتحدة وسياساتها التي تتجاوز سورية، والتي استخدمت الصراع الدائر فيها لكي تصفي حساباتها مع جهات دولية وإقليمية، جعلتها تؤجل تنفيذه، الذي يرتبط اليوم بجملة قضايا متشابكة، منها: الضغط على روسيا وإيران، كي تتوقفا عن خوض معركة الأسد. ثمة علامتان ترجحان حدوث شيء من هذا، هما ضخامة قدرات التحالف الدولي الجديد، والذي لن يكون في مصلحة روسيا مواجهته أو تحديه، وسيكون من مصلحتها الانتساب إليه ولعب دور ما في إطاره.

وثانياً، رفض التحالف منح إيران أي دور في الحرب ضد الإرهاب، داخل العراق وفي سورية، مع ما يعنيه ذلك من تآكل محتمل، سيفرضه تهميشها على نفوذها وقدراتها في البلدين، وخصوصاً منهما سورية، حيث يتشابك وجودها مع النظام والإرهاب، وسيكون من الصعب عليها إبقاء نظام الأسد بعيداً عن الاستهداف والضغط العسكري، والنجاح في حمايته بواسطة أساليب التدخل المباشر التي تتبعها منذ بدء الثورة، ويحتمل أن تقيّدها خشية تعرضها، من الآن، لمواقف صعبة، يمليها تبدل موقف دولي صار هجومياً، تعبر عنه سياسات وتدابير عسكرية، تتجاوز الساحة السورية، يرجح أن تعزل أنشطة إيران وتقلصها، في العراق وعبره في سورية، بقوة ميزان قوى يستطيع وضعها، ووضع الأسد، تحت ضغوط يومية، يستبعد أن تعرض نفسها لها من أجل نظام تعلم أن باب عقد صفقة على رأس رئيسه سيظل مفتوحاً أمامها بصورة دائمة، بينما تتخلق شروط سقوطه، وتصير قابلة للتنفيذ، من دون موافقتها أو مشاركتها، بأدوات تحالف يعتبره من أركان الإرهاب، ويرفض التعامل معه، وقد يسدد غداً ضربات مباشرة، أو غير مباشرة، إليه.

"

رهانات الولايات المتحدة وسياساتها تتجاوز سورية، واستخدمت الصراع الدائر فيها لكي تصفي حساباتها مع جهات دولية وإقليمية.

"

ومن القضايا المتشابكة أيضاً، اختلاف الأوضاع بعد التحالف عنها قبله، أقله فيما يتعلق بسياسات باراك أوباما المتحفظة، والتي أطالت عمر النظام، ولعبت دوراً حال دون سقوطه. لا يمكن أن يكون أوباما قد بادر إلى خلق تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، لكي يتمسك بسياسة غض النظر تجاه النظام والتحفظ الانسحابي حيال الثورة السورية، وسيكون عليه، بعد اليوم، أخذ مصالح وحسابات شركائه بعين الاعتبار، بما فيها التي كانت نقدية حيال سياساته. ولا يمكن أن يكون أوباما قد أسس تحالفاً دولياً، لكي يواصل غض النظر عن النظام الأسدي، أو يستمر في ممارسة سياسات التساهل والتفهم حياله، أقله لأنه لم يكن بحاجة إلى حلفاء ليفعل ذلك.

وثالثة القضايا المتشابكة، إعادة ترتيب البيت السوري المعارض، ليكون قادراً على جني بعض عوائد الحرب ضد الإرهاب. هنا عوامل ومستجدات مشجعة، أهمها أن الجيش الحر سيكون طرفاً رئيساً في حرب ضد الإرهاب، والنظام بادر إلى إطلاق رصاصاتها الأولى، من دون أي غطاءٍ، أو تنسيق دولي، بعد أن استهدفه الإرهاب، وسعى إلى القضاء عليه، وانتزع مناطق واسعة منه، كان قد طرد النظام منها. ومنها أن سقوط بشار الأسد سيعبر أكثر فأكثر عن قرارٍ دولي يأخذ اليوم بعداً تنفيذياً، سيكون الجيش الحر شريكاً فاعلاً فيه، سيقنع أداؤه العالم بأهلية المعارضة لإدارة بلادها بعد سقوط الأسد، وبقدرتها على منع الإرهاب من إيجاد بيئة ملائمة فيها بعد التغيير المنتظر. هل تعي قيادة الائتلاف هذه المسألة وتعمل لها، أم ستبقى غارقة في حساباتها الصغيرة ومشاريعها الوهمية؟ إذا كانت قيادته راغبةً حقاً في إسقاط الأسد، وكانت تعي ما يرتبه ذلك عليها من دور، فإنه يكون من واجبها المبادرة إلى تشكيل خلية أزمة وطنيةٍ، تضم سياسيين وعسكريين من أصحاب الخبرة والدراية، من أعضاء الائتلاف وغيرهم، مهمتها وضع استراتيجية وطنية شاملة لاسقاط الأسد ونظامه، تؤهل المعارضة للمشاركة من موقع قوي في الصراع الدولي ضد الإرهاب، استناداً إلى قتال الجيش الحر، منذ قرابة نيف وعام ضد طرفيه المتعاونين: النظام و"داعش"، ونجاحه في مواصلة القتال ضدهما، على الرغم من التجاهل الدولي لإنجازاته المشرفة، وإحجام العالم عن مد يد العون إليه، وحتمية أن يرجع عائد تضحياته إلى الثورة وحدها، وليس إلى أي طرف غيرها، وأن يسقط نظام الأسد الإرهابي بسقوط داعش وبالعكس، ويقوم نظام ديمقراطي على أنقاضه!  

هل سيسقط بشار الأسد؟ الجواب: نعم، لأنه دخل دولياً في زمن سقوط، ولن يكون مصيره بالنسبة للتحالف الدولي الجديد مختلفاً عن مصير معمر القذافي بالنسبة للتحالف الذي أسقطه. هل تتوفر الشروط الذاتية، السورية، لسقوطه؟ لا، ليس بعد، لأن قيادة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية تلعب بمصير الوطن والجيش الحر، بدليل قرار رئيسه حل المجلس العسكري الأعلى، لأنه أقال من سيصوتون لرئيس الائتلاف السابق، أحمد الجربا، في انتخابات الرئاسة المقبلة، وليس لأي اعتبار وطني أو ثوري.

متى يسقط بشار الأسد؟ عندما ينجح الائتلاف والمعارضة في توفير شروط سقوطه، ويقنعان العالم بأنها قابلة للتحقيق، وأن البديل الديمقراطي مؤهل للقيام والعيش، وستكون له أنياب حادة يستطيع غرسها في جسد الإرهاب، الأسدي وغير الأسدي. هل سينجح الائتلاف والمعارضة في المهمتين؟ نعم، إن نجحا في الخروج من احتجازاتهما الذاتية وحساباتهما الصغيرة التي تشل فاعليتهما، وتغربهما عن الحراك الميداني السياسي والعسكري، ومن احتجازاتهما العربية التي سيمكنهما قيام التحالف الدولي من تخطيها، وسيجعل من الصعب على بلدان الخليج مواصلة خلافاتها حول سورية، في حين سيفضي انخراطها ضمن إطار دولي إلى توحيد جهودها، من أجل تحقيق هدفٍ لن يتهاون العالم في تحقيقه، هو القضاء على الإرهاب، وسيجعل وحدة الجيش الحر مصلحةً مشتركة لها، بعد أن عطلتها قيادات "الائتلاف" بصراعاتها التي حابت قطاعات منه، وأهملت أخرى، وافتعلت صراعات بينها أوصلتها في حالات كثيرة إلى الاقتتال.

هل سينجح التحالف الدولي؟ نعم، إذا ما نجح الائتلاف والمعارضة في تحقيق المهام التي تحدث نقلة نوعية في رؤاهما وممارساتهما، وتوحدّها على أرضية وطنية واضحة وصلبة. هل سينجح الائتلاف والمعارضة؟ هذا هو السؤال الحاسم الذي سيقرر نوع الرد السياسي والعسكري عليه كل شيء، وسيحسم، بين أشياء أخرى، مصير الأسد ونظامه الإرهابي. 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أميركا قتلت "أحرار الشام"؟ .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الخميس 25-9-2014

في اليوم التالي لمقتل قادة تنظيم أحرار الشام في قرية رام حمدان، التابعة لناحية معرة مصرين في محافظة إدلب، أقامت الحكومة التركية صلاة الغائب على أرواحهم في جامع الفاتح في إسطنبول. ومع ذلك، ذهب محللون، خصوصا الفيسبوكيون، إلى أن تركيا هي التي قتلتهم، وتمشي، الآن، في جنازتهم، من دون أن يُبَيِّنَ لنا هؤلاء الفالحون ما الأسباب التي تجعل دولة، مثل تركيا، تقتل قادة تنظيم هم، في الأساس، محسوبون عليها.

محللون استراتيجيون آخرون أكدوا أن النظام السوري هو الذي اخترق تنظيمهم وقتلهم، وفريق ثالثٌ جزم أن أميركا هي التي قتلتهم، باعتبار أنها تصنف أعداءها الإرهابيين في سورية ضمن ثلاث مراتب: الدولة الإسلامية "داعش"، جبهة النصرة، أحرار الشام. وهذا تحليل قدّمه رامي عبد الرحمن رئيس المرصد السوري لقناة العربية، صبيحة 23 من سبتمبر/أيلول الجاري، في أول ظهور له مع بدء الضربات العسكرية للتحالف الدولي على داعش في سورية، وضَرَب مثلاً على بدء أميركا الحرب ضد التنظيمات الثلاثة بقتل 42 قيادياً من أحرار الشام قبل حوالي أسبوعين. ما يعني، بحسب رامي عبد الرحمن، أن أميركا بدأت محاربة أعدائها ضمن ترتيب للأولويات معكوس.

فريق رابع من المحللين يقول إن داعش هو الذي قتل قادة أحرار الشام، باعتبار أنه الأكثر مقدرة من أميركا والنظام السوري على التغلغل في صفوفهم، بسبب علاقة القربى الأيديولوجية بينهما، بدليل سوابق لداعش، إذ اعتدى، غير مرة، على قوافل عسكرية للأحرار، واستولى على أسلحتهم، وبضمنها الثقيلة، وصادر ذخائرهم بطريقة "التشليح"، حتى اتَّهَمَ متابعون "الأحرارَ" بأنهم يتخلون عن أسلحتهم ومواقعهم، عامدين متعمدين، لداعش. وليس هذا الزعمَ مستبعداً على نحو نهائي، بسبب علاقة القرابة الأيديولوجية المذكورة إياها.

لم يأتِ أحدٌ من المحللين، في حدود متابعاتي، على ذكر السبب الأكثر قرباً من العقل والمنطق، وأدى إلى مقتل قادة أحرار الشام، وهو، كما رشح عن تحقيقات التنظيم نفسه، اللامبالاة والاستهتار اللذان اعتادت عليهما معظم الفصائل العسكرية التي تحارب نظام الأسد، فالمقر الذي وقع التفجير فيه مستودعان، أحدهما مكتظ بأسلحة ومواد خام تُستخدم في تصنيع العبوات الناسفة والقذائف والحشوات، بينما اجتمع القادة (ومن عادتهم أن يجتمعوا) في المستودع الثاني، وقد سبب هذا الإهمال الانفجار الكبير الذي أدى إلى مقتل الجميع في المستودعين.

السوريون معتادون، إلى حدود الإدمان، على طريقة الإعلام السوري الأزلي في التعاطي مع الأحداث، فهو يُجرِّمُ مَن يعادي سياسته ونهجَه، وينعته بألفاظ شديدة الانحطاط، تصل، أحياناً، إلى حدود إلصاق الخيانة الوطنية العظمى بمن يعارضه.  ومثالاً، ابتكر إعلامي سوري، مع بدايات الثورة، فكرة غريبة، سرعان ما تبناها الإعلام السوري برمته، واعتبرها نوعاً من البديهيات، وهي أن ثوار حي بابا عمرو في حمص رفعوا العلم الإسرائيلي، بقصد أن يعلنوا عن الهوية الحقيقية لثورتهم، ويثبتوا للقاصي والداني أنهم ليسوا أصحاب حقوق مشروعة، وإنما أناسٌ متآمرون!

لم يخطر ببال أحد من فريق النظام الإعلامي، يومئذ، أن يستغفر ربه جراء هذه التهمة الحقيرة التي كيلت لأهالي بابا عمرو الغلبانين، ولم يذكر أحد من الإعلاميين أو المحللين الاستراتيجيين أن رفع العلم الإسرائيلي قد يكون صحيحاً وقد يكون خاطئاً. ولم يُشِرْ أحد إلى أن هذا الأمر يتناقض مع حالة العداء التاريخية التي يكنها الشعب السوري، بمختلف أطيافه، لإسرائيل. بل تَحَوَّلَ هؤلاء الإعلاميون إلى ما يشبه "المذهبجية" الذين يقفون وراء المطرب في غناء الطقطوقات التي يتم فيها ترديد لازمة غنائية، ليقولوا إن المعارضة السورية دخلت في مرحلة جديدة، هي العمالة العلنية لإسرائيل، بعد أن أمضت عمرها في العمالة السرية!

أذكر أن ندوةً سياسيةً كانت تُبثُّ على الفضائية السورية، وفجأة أعلن المذيع عن انضمام محلل استراتيجي كبير إلى الندوة، هو المحلل (طاء ألف)، وبمجرد ما جلس، ووضعت له لواقط الصوت، قال، موجهاً الكلام إلى القيادة التاريخية لسورية، ما معناه: لم يبق لكم حجة في التساهل مع الشعب السوري الإرهابي، صَمَّغْتُم آذاننا وأنتم تتحدثون عن الشعب، ومطالب الشعب، وحرية الشعب، وإنه لا يجوز الخلط بين الإرهابيين وأبناء الشعب! تفرجوا على هذا الشعب المتآمر الخائن الذي يرفع علم إسرائيل علناً، وفي وضح النهار!!.. اقتلوهم اقتلوهم، فوالله إن لم تقتلوهم، لن نسامحكم، ولن يسامحكم التاريخ.

ما أردتُ قوله، في المحصلة، هو إن الثورة الحقيقية هي التي تشمل بالإصلاح جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والأخلاقية، وإنه لا يجوز الخروج من الإعلام البعثي الأسدي، ذي الثوابت واللون الواحد والجوقة والكورس والخطوط الحمر، إلى إعلام يلقي الكلام على عواهنه، ويبني على الشبهات نتائج ضارة، لأنه لا ينفعنا شيء سوى قول الحقيقة، ومعرفة الحقيقة.

لا أجزم بأن الأحرار قتلوا بسبب الإهمال واللامبالاة، إذا لا يجوز الجزم بشيء كهذا ضمن هذه المعطيات الغامضة، ولكن، لنقل إنه من أهم الاحتمالات وجرى تغييبه. لماذا؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إعادة تأهيل بشار .. أمجد ناصر

الغربي الجديد

الخميس 25-9-2014

تدور رحى حربٍ غامضةٍ في مناطق واسعة بين العراق وسورية. لا نرى كيف وأين، غير أن البلاغات تتواتر. ومَنْ كان ضد تحريك جندي في عهده "السلمي" الميمون سيختم عهده بحرب خاصة به. حرب أوباما التي سيعود بها الى "المسرح" الدموي، نفسه، الذي هرب من كواليسه في ليلة ظلماء، كما يفعل اللصوص. الكلام كثير عن الجهد العربي في هذه الحرب، لكنه غير واضح. هناك كلام.

لكننا لم نعرف، حتى الآن، طبيعة "مجهودنا" في المعركة ضد "داعش". جهدنا العسكري صفر بالنسبة للترسانة الأميركية التي لا نظير لها على وجه الكوكب. الأسلحة والمعدات العربية غير مهمّة. ما هو مهم حضور "الاسم العربي الجريح" في المعركة، (مع الاعتذار للمرحوم عبد الكبير الخطيبي).

هذا يكفي لواشنطن التي تريد أن تقول إنها تقود تحالفاً "دولياً" بحضور عربي بارز في مواجهة الخطر الإرهابي الذي يهدّد المنطقة.. والعالم!

يخطر لي أن أتساءل: ما هي الخطة الموضوعة لـ"معركة" داعش؟ غارات طيران، صواريخ توماهوك؟ هل هذه قادرة على اقتلاع "الدولة" المتغلغلة في المدن والبلدات التي تحتلها في كل من العراق وسورية؟ لا جنود على الأرض؟ وإن كان هناك جنود سيخوضون حرباً على الأرض (غير الجيش العراقي والبيشمركة بعد تأهيلهما!)، فمن أيّ بلد؟ أكثر من ذلك: هل ستبقى الشهية الأميركية مفتوحة، إن طالت الحرب، أم أن واشنطن ستترك الجمل بما حمل، كما فعلت في حروبها التدميرية السابقة في المنطقة، وآخرها في العراق؟

... في كل حروب أميركا السابقة في المنطقة، كانت هناك جهود عربية. ويمكن القول إنها كانت جهوداً ضائعة، حتى بمقياس مصالح الأنظمة التي أسهمت فيها. ولا مرة أفاد النظام العربي الملتحق بالقرار الأميركي من جهوده.

بل هناك أنظمة لم ترمِ لها أميركا طوق نجاة عندما راحت تتهاوى. والآن، ما الذي تتوقعه الأنظمة التي "تقاتل" إلى جانب الأميركيين في الحرب ضد "داعش"؟ هل سيكون لها قول في ما سيكون عليه الواقع السياسي، بعدما تضع هذه الحرب أوزارها؟ التجارب تقول إن ذلك، على الأغلب، لن يحصل. فلم تكن أميركا وحدها عندما قاتلت العراق وأخرجت قواته من الكويت. كان هناك عرب معها.

ولم تكن وحدها عندما احتلته. كانت هناك مطارات وأراضٍ عربية موضوعة بتصرّف قواتها. ولكن، لا الجنود، ولا المليارات التي دفعها العرب، ولا القواعد التي وضعت بتصرف الأميركيين، جعلت للعرب قولاً في صورة العراق التي شكلها بول بريمر، سيئ الصيت والسمعة، وفق كتاب "الملل والنحل".

... من غرائب هذه الحرب أن النظام السوري، "الممانع"، لم يمانع قيام الطائرات الأميركية و"العربية" بـ"انتهاك" سيادته. بل رحّب "بأي جهد من شأنه القضاء على الإرهاب". ومن الغرائب، أيضاً، أن إيران، حليفة بشار الأسد، تشارك أميركا الحرب ضد "داعش" في العراق، وتعارضها في سورية!

ولا تنتهي الغرائب بمطالبة دول عربية بتوسيع إطار الحرب على الإرهاب، بل إعادة تعريف مفهوم الإرهاب، كي يطال خصومها السياسيين. وغريبة الغرائب أنَّ الحرب الكونية تقوم على "داعش"، المجرمة الصغيرة، ولا يرى سَدَنة هذه الحرب المجرم الكبير. قطع الرأس جريمة لا تغتفر، وهو عمل بربري يندى له الجبين، هذا أمرٌ مسلَّم به، ولا يحتاج نقاشاً. ولكن، ماذا عمّن قتل ما يناهز 200 ألف مواطن، وشرَّد أكثر من عشرة ملايين في الداخل والخارج، ولم يتورّع عن استخدام الأسلحة الكيماوية، بل لا يزال يستخدمها ضد شعبه؟ ماذا عنه؟ ألا ينال بعض "العناية" التي تنالها "داعش" الآن؟

أسوأ ما يمكن أن يخطر في بال أبعد الناس عن السياسة وألاعيبها: أن تؤدي هذه الحرب العجيبة إلى إعادة تأهيل بشار الأسد، باعتباره القوة الوحيدة المنظّمة في سورية، وسط الفوضى التي خلقها هو.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

داعش ورقة نعي للنظام العربي .. برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 24-9-2014

ليست هناك أجندة أخرى، اليوم، في مواجهة الوضع المتدهور في المشرق، سوى التدخل العسكري، الذي يعد به التحالف الدولي ضد الإرهاب، أو ما اصطلح على تسميته كذلك. هذا هو الجواب الوحيد، الذي يقدمه المجتمع الدولي، ممثلا بدولٍ تشعر بالخطر على مصالحها من ترك الأمور تسير كما هي عليه الآن، بعكس دول أخرى مثل روسيا وإيران والصين والهند وغيرها، من التي تُراهِن على هذا التدهور، أو من التي لا يعنيها الأمر في شيء، لمواجهة أكبر أزمة تضرب النظام الإقليمي وانهيار الدولة وتفكك النسيج الاجتماعي، في أكثر المناطق حساسية في العالم. هذه هي الأجندة الوحيدة، ولنا الخيار في أن نقبل، أو نرفض.

لا أعتقد أن هناك بشراً كثيرين ممن يتعاطفون، أو يمكن أن يتعاطفوا، مع وسائل داعش وعنفه، وليس هناك بالتأكيد مسلمون يفضلون العيش في ظل نظام سياسي يخضع لأساليب داعش في المحاكمة، والحساب على العيش في ظل دولة تخضع لحكم القانون، وتضمن الحد الأدنى من الأمن والسلام والاستقرار والعدالة والحياة الحرة. وقليلون جداً يراهنون على بقاء داعش، أو قدرته على البقاء، في وجود الحملة الدولية، أو من دونها، فلن تستطيع المجتمعات احتمال نظامها، من دون أن تحكم على نفسها بالجمود والانتحار والموت.

لكن، هناك بالتأكيد مسلمون وغير مسلمين، وربما غير مؤمنين، يمكن أن يتعاطفوا مع داعش أو يغضوا النظر عن أعماله، ليس من منطلق التعلق بالدين، كما يعلن هو، وإنما إيماناً بالمشروع الحقيقي الذي يمثله، وهو إرادة الانتقام النابعة من اليأس والخيبة والخديعة والرغبة العارمة في التشفي بأي ثمن.

هذه المعاينة للواقع ليست مطمئنة بأي شكل، لكنها معبرة عن درجة الانهيار الذي أصاب المجتمعات والإنسان نفسه، في منطقةٍ لا تزال تتعرض منذ أكثر من نصف قرن، لضغط لا حدود له من كل الجهات، لفرض واقع خارجي عليها، ودعمه بالقوة والسلاح. وليست النظم الديكتاتورية السقيمة والبدائية، التي فرضت عليها، سوى بعض وسائل القوة المستخدمة لإخضاعها وترويضها وإجبارها على القبول بالأمر الواقع، وعدم التطلع إلى ما يجعل الإنسان والمجتمع واعياً بذاته، وسيداً وطامحاً إلى أن يدخل العصر ويجاري الشعوب والمجتمعات الأخرى. هكذا عاشت المجتمعات المشرقية محرومة من كل سمات وقيم حضارة عصرها ومدنيته: السلام، والسيادة، والدولة الوطنية، وحكم القانون، والحياة الدستورية المستقرة، واحترام الحريات الأساسية، والقضاء العادل والمساواة والأمن والأمان، وأخيراً، شروط التنمية الاجتماعية والاقتصادية، التي تحد من التقدم المضطرد للفقر والتدهور المتواصل لقيمة الحياة.

لم تتوقف الحروب منذ تشكل هذا المشرق في الخمسينيات، مع الإعلان أحادي الجانب، بدعم من روسيا والولايات المتحدة وأوروبا، عن قيام دولة إسرائيل. ولا تزال مستمرة بأشكال مختلفة. ولم ينجح بلد واحد في ظل هذه الحروب واصطفافات الحرب الباردة أن يحتفظ بأي هامش للمناورة، فما بالك بالسيادة، وهي ترى حدودها، اليوم، كالغربال، تجتازها الميليشيات الإيرانية، المنظمة والمدربة والممولة في إيران، من اليمن إلى العراق، مروراً بلبنان وسورية. وبعد انهيار نظام صدام حسين في حرب التدخل الخارجية، وإلحاق العراق بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإخضاعه لحكم الطائفة الشيعية حصراً، بوصفها الأغلبية العددية، دخلت المنطقة في حرب التقاسم الطائفي للنفوذ والمواقع، وصارت الدول الطائفية مطلباً لجماعاتٍ كثيرةٍ، تعبت من البحث عن دولة قانونيةٍ، تؤمن لها الحماية، وأصبحت تراهن، وهي على خطأ كبير، على روح الأخوة المذهبية، أو الطائفية، قبل أن تنالها قريباً الخيبة وتكفر، مع تحول حكم النخب الحاكمة، باسم الأخوة، وخارج الدستور والقانون، الذي لا يمكن إلا أن يكون عاماً وشاملاً ومساوياً، بالضرورة،كما حصل مع النخب الايديولوجية السابقة، إلى حكم  العصابة، ويقضي نظام الأجهزة السرية والمخابراتية والقمع والمحسوبية على كل ما وعدت به المدنية الحديثة الفرد من حرية وكرامة ومساواة وقضاء عادل وتنمية مضطردة وتقدم في مستويات المعيشة، ومن سعادة واستقرار.

يمكن، بالتأكيد إضعاف داعش بالقصف الجوي، وتعبئة قوى وعشائر متضررة منها، وهناك من يشك حتى في هذا، لكن، من يستطيع وكيف يمكن الحفاظ على هيكل هذه المنطقة المتداعي تحت ضغط الحروب والاختراقات والتدخلات، واليوم، سياسات رعاية الميليشيات من الدول نفسها واستخدامها كأدوات في السياسة الاقليمية والدولية؟ وكيف يمكن للدولة أن تقوم وتستقر وتقطع الطريق على رغبة الجماعات الأخرى المحرومة من الحماية الخاصة في بناء ميليشيات مقابلة وتمويلها من الخارج، أو من غنائم الحرب؟ وكيف يمكن ترميم النسيج الاجتماعي الذي تمزق تماماً، والاستجابة لملايين النازحين، الذين يتركون المنطقة من كل المذاهب والأديان، بعد أن يئسوا من إمكانية بناء حياة مستقرة فيها؟ وكيف يمكن إقناع الفرد بأنه لا يزال هناك أمل للإنسان في هذه المنطقة، التي أصبحت حياة الانسان أرخص بضاعة ممكنة فيها، فما بالك بكرامته واستقلاله وحرياته وتطلعاته وأحلامه؟

نشكر أولئك الذين تحملوا، أو يهمّون بتحمل، عناء السفر لضبط إيقاع الحرب في المنطقة، التي نعيش فيها. لكن، هذا لا يكفي لجعل المشرق منطقة قابلة لحياة الإنسان. هناك حاجة إلى عملية إصلاح شامل وجريء، أنا أعترف بأن على أبناء المنطقة تحمل العبء الأكبر فيها، لكنهم، وهم غارقون في حروب متعددة الأبعاد، سياسية وجيوسياسية ومذهبية وطائفية، لا يزالون مأخوذين بالمهام اليومية للحرب، وغير قادرين على بلورتها والنظر فيها.

 أما الدول "المتقدمة" التي استكثر بعضها حتى المشاركة في حربٍ تكاد تتحول إلى لعبة اليكترونية، من دون أية مخاطرة تقريبا، فهي تتجنب فتح الملف، لأن غلقه في ما بعد سيكلفها الكثير، وسيجبرها على تقديم تنازلاتٍ كبيرة، هي في أصول المشكلة، وستجد أن جزءاً كبيرا من العفن، الذي يملأ مستنقع ما تسميه بالشرق الأوسط، هو الثمرة المباشرة لسياساتها، وسياسات النظم، التي  فرضتها بالقوة، أو بالتواطؤ، على شعوب جردت منذ قرون من تضامناتها وثقتها بنفسها في ظل الاستبداد التاريخي الأعمى، وحرمت، في دول الاستقلال، من أدوات التعبير عن ذاتها، والإفصاح عن مطالبها وأهدافها، وحوربت في لقمة عيشها.

داعش لم يدمر نظام المشرق العربي، لكنه يمثل ورقة نعي الإنسان المرفوعة على أنقاضه. وإعادة بنائه على أسس القانون والحق والعدالة والاحترام المتبادل لحقوق جميع الناس هي ورقة النعي الحقيقية الوحيدة لداعش. وهذا يحتاج إلى أكثر بكثير من تجريد حملة للردع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب في بر سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 23-9-2014

يكاد يكون من المؤكد أن سوريا مقبلة على تطور دراماتيكي في الفترة القريبة المقبلة، ورغم أن الأساس في هذا التطور يعود إلى الانقلاب في موقف المجتمع الدولي من تنظيم {داعش} بالانتقال من السكوت عنه إلى إعلان الحرب عليه؛ فإن تداعيات هذا التطور ستنعكس على مجمل الوضع السوري بكل حيثياته وتفاصيله، ولا سيما على النظام والمعارضة والتشكيلات العسكرية، وعلى مستقبل سوريا أيضا، بحكم الآثار الناجمة عن التدخل الدولي المرتقب في الوضع السوري، وضد «داعش» على وجه الخصوص.

إن الأهم في مؤشرات التدخل الدولي في الوضع السوري، مكرسة في 4 نقاط؛ أولاها تبني مبدأ الحرب على الإرهاب من خلال الحرب على قوته الرئيسية «داعش» عبر البدء في إضعافه والانتقال إلى تدميره. والنقطة الثانية: حشد تحالف دولي وإقليمي واسع بقيادة الولايات المتحدة لخوض تلك الحرب. والنقطة الثالثة: رفض إعادة تأهيل نظام الأسد من خلال رفض مشاركته في الحرب على «داعش» ورفض التعاون أو التنسيق معه في أي مستوى كان. والنقطة الرابعة: فتح باب التعاون مع المعارضة والتشكيلات العسكرية المنتمية لها للقيام بدور في الحرب ضد «داعش».

وترسم مؤشرات التدخل الدولي في الحرب على «داعش» ملامح السيناريو المرتقب في الواقع السوري، لتكون بدايته عمليات قصف جوي وصاروخي، تنفذها الطائرات والسفن الحربية لدول التحالف، والأميركية منها أول خطوات العملية العسكرية من أجل تدمير مراكز قيادات «داعش» ومعسكراته وتجمعات مقاتليه في الأماكن التي يسيطر عليها في شمال وشمال شرقي البلاد، وسيترافق مع الخطوة الأولى استنفار إقليمي، وخاصة في دول الجوار في تركيا التي تجاور سوريا في الشمال، والعراق الذي يجاورها من الشرق، خوفا من هروب قوات «داعش» وتجاوزها الحدود إلى البلدين المجاورين.

والخطوة الثانية في السيناريو المرتقب، هي تقدم قوات من المعارضة السورية المسلحة إلى المناطق التي يسيطر عليها «داعش» وتنظيفها قبل تأمينها، ومنع قوات نظام الأسد من الاستيلاء عليها، خاصة المناطق التي توجد فيها جيوب لقوات النظام أو مطارات قريبة تمثل قاعدة انطلاق لقوات النظام وشبيحته. وسيتم تقدم قوات المعارضة المسلحة تحت حماية جوية من قوات التحالف الدولي أو تحت مظلة منع طيران قوات الأسد في أجواء المنطقة، مما يعطي قوات المعارضة فرصة القيام بمهماتها.

ورغم ما يبدو من ترتيب في السيناريو المرتقب، فإنه يشكو من اختلالات واضحة، تجعله ضعيفًا وغير عملي في تحقيق أهدافه، وخاصة في نقطتين؛ أولاهما تتعلق بقوات نظام الأسد، والثانية بدور قوات المعارضة. وفي النقطة الأولى، فإن استثناء قوات الأسد من الضربة الجوية والصاروخية، لا تعتبر من باب الخطأ السياسي فقط، بل هي كذلك من الناحية العسكرية، ذلك أن قوات الأسد مارست أعلى درجات الإرهاب والتطرف، وكانت في أحداث السنوات الثلاث والنصف الماضية، أكثر دموية من «داعش» وغيره، كما كانت مثالا لإرهاب وتطرف الدولة المنظم في قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير بلادهم ونشر التطرف والعنف في سوريا ومحيطها، بل كانت سببا مباشرا في ولادة ونمو وانتشار «داعش» وشقيقاته، ولا سيما «جبهة النصرة» المنتمية لـ«القاعدة» والمصنفة في قائمة الإرهاب، مما يعني أن الإبقاء على قوات النظام وعدم التعرض لها ولقواعدها القريبة سوف يبقي بيئة توالد «داعش» وأمثاله حية، بل سيشجع توالد جماعات إرهابية جديدة تماثل «داعش»، وقد تكون أكثر تطرفًا وإرهابًا منه.

أما قوات المعارضة، فيكفي القول إنها تعرضت إلى إنهاك وتقسيم واستنزاف على مدى الأعوام الماضية، كما جرى تقنين مواردها ومنعها من الحصول على احتياجاتها ليس العسكرية فقط، وإنما المدنية أيضا، بما فيها الاحتياجات الطبية والغذائية، وقد لا يكون التحسين المتوقع للبيئة المحيطة بها مثل التنظيم والتدريبات وتقديم المساعدات العاجلة، كافيًا لقيام قوات المعارضة بمهمة قتال «داعش» وتأمين المناطق التي تسيطر عليها، ومنع قوات الأسد من استعادة السيطرة على تلك المناطق، مما يعني ضرورة التعامل معها بطريقة مختلفة.

إن إعطاء دور لقوات المعارضة السورية في الحرب ضد «داعش» من جانب التحالف الدولي، ينبغي أن يكون مرتبطًا بتحولات سياسية وعسكرية في العلاقة مع قيادة المعارضة السورية، وخاصة من جهة أمرين أساسيين؛ الأول فيها هو التعامل الندِّيّ معها، وتأكيد الاعتراف العملي بها ممثلة للشعب السوري والقيادة السياسية لقوات المعارضة المسلحة، وأنها البديل الحقيقي لنظام الأسد، وأنها المعنية بمستقبل سوريا بخلاف ما جرى التعامل على أساسه في السنوات الماضية من عمر الأزمة السورية، والثاني دعم المعارضة بالإمكانات المادية والعسكرية، التي تعطيها القدرة على ترتيب الأوضاع المعيشية للسوريين، وخاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وفي أماكن اللجوء، ثم تحسين القدرة القتالية لقواتها من حيث التنظيم والتسليح والتدريب لضمان قيامها بمهماتها في المواجهة المزدوجة لقوات «داعش» وأخواته من جهة، ولقوات النظام من جهة ثانية.

لقد بات من المطلوب فعلا، لا قولا، القيام بتحول حاسم وعميق في علاقة المجتمع الدولي والقوى الدولية والإقليمية مع المعارضة والقضية السورية، إذا كان المطلوب مواجهة التطرف والإرهاب في سوريا والمنطقة، وما لم يتم مثل هذا التحول، فإن الخطوات المحدودة والإجراءات غير المكتملة في الحرب ضد «داعش» وعدم استهداف نظام الأسد لن تؤدي إلا إلى استمرار الإرهاب والتطرف في سوريا ومحيطها، وإطالة أمد معاناة السوريين والعالم على نحو ما جرى في السنوات الثلاث والنصف الماضية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حدود الرهان على جديد السياسة الأميركية .. أكرم البني

الحياة

الثلاثاء 23-9-2014

«لو لم تصل السكين إلى رقبتي صحافيين أميركيين، ما كانت إدارة أوباما لتغير موقفها من الأحداث المتفاقمة في سورية والعراق»... هي عبارة يكررها البعض للتحذير من التسرع في البناء على جديد السياسة الأميركية ومن الرهان على دور مرتقب بعد الكلمة التي وجهها أوباما إلى الشعب الأميركي وأعلن فيها إستراتيجيته لمعاقبة «دولة الخلافة الاسلامية» يماثل دورها بعد خطاب جورج بوش رداً على ضرب برجي التجارة العالمية ومبنى البنتاغون. ولكن أوباما ليس بوش وأميركا عشية أحداث ايلول (سبتمبر) 2001 ليست أميركا اليوم، والفارق يتعلق بنقطتين:

أولاهما، رأي عام أميركي ذاق مرارة التدخل العسكري في أفغانستان والعراق وعاني كثيراً من سياسة سابقة اتسمت بنزعة هجومية وكبدته خسائر لا تطاق، وأدرك تالياً أن تحرر بلاده من الأعباء الريادية في السياسة الخارجية هو أهم رافعة لمعالجة أزماته الداخلية، بخاصة أن البلاد لما تتعافَ بعد من مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية، فكيف الحال وقد تمكنت بعد تجميد الدور العسكري من الحفاظ على دورها العالمي متوسلة ما يسمى القيادة من الخلف واستخدام القوة الناعمة والضغوط متعددة الوجوه.

ثانيهما، التطورات التي شهدتها بعض الأطراف العالمية وبخاصة روسيا والصين، وتنامي قدراتهما على المنافسة الاقتصادية والعسكرية، ما حدا بالسياسة الأميركية إلى منح أولوية لمحاصرة الاتحاد الروسي وإرباك دوره العالمي، مثلاً استنزافه في الحدثين السوري والأوكراني، إلى جانب تخصيص مزيد من الجهود لردع التنين الصيني وتفكيك نفوذه في شرق آسيا.

نقطتان لا تزالان حاضرتين بقوة في جديد السياسة الأميركية، والدليل حرص أوباما على تأمين إجماع داخلي قبل إعلان استراتيجيته ضد «داعش»، ثم تكرار تطميناته للشعب الأميركي بأنه سيكتفي بالضربات الجوية ولن ينجر أبداً إلى زج قوات برية وبأنه لن يخوض معركته منفرداً، بل من خلال تحالف دولي عريض يضم أهم الدول العالمية والإقليمية، وبالنتيجة فإن الإستراتيجية التي أقرت لمكافحة «داعش» والإرهاب الاسلاموي لا ترقى بأي حال الى المستوى الذي أنتجته إدارة جورج بوش والمحافظين الجدد، والأرجح أن لا تتجاوز، في ظل الشروط الراهنة، حقل الوسائل والأساليب التي اتبعتها واشنطن في اليمن كخيار مجرب يفاخر المسؤولون الأميركيون بنظافته ونجاعته في مواجهة الارهاب من بعد، والنيل من أهم رموزه.

وبهذا الخيار تحاول واشنطن ضرب أكثر من عصفور بحجر واحدة، بدءاً بتوجيه ضربات مركزة ضد تنظيم داعش لتصفية كوادر الخلايا الأجنبية التي رفدته، وهي خلايا بقيت كامنة ونائمة لسنوات وشكلت هاجساً مقلقاً وخطراً غامضاً على الغرب، ولا يغير هذه الحقيقة القول إن التنظيمات الاسلاموية سرعان ما تتوالد وتتكاثر، إذ أن تصفية هذه الكوادر والكفاءات النوعية تلحق ضرراً كبيراً بإمكانيتها العملية على تجديد قدراتها يصعب تعويضها باندفاعات شبابية متهورة وعديمة الخبرة، ومروراً بتعميق شروخ العلاقة الموضوعية بين الاسلام السياسي والتيارات الجهادية، وقد خبر البيت الأبيض تجريبياً قوة الترابط العقائدي بين هذه الجماعات على اختلاف اساليبها، وإن كل منها يغذي الآخر، وخير دليل سرعة مبايعة أطراف سياسية إسلامية «دولة الخلافة» بمجرد أن تمكنت في الأرض، ومروراً بتخفيف امتعاض الرأي العام الناجم عن سلبية واشنطن المزمنة من العنف المتصاعد في سورية وتجاه معاناة المهجرين، فكسر شوكة «داعش» يخفف حركة النزوح وتالياً الأعباء التي تتحملها دول الجوار مع الازدياد المتسارع لأعداد اللاجئين إلى أراضيها، إنتهاءً بتوظيف الحضور العسكري الدولي ضد الارهاب الاسلاموي في العراق وسورية للضغط على القيادة الايرانية وحضها على تقديم مزيد من التنازلات حول ملفها النووي، بخاصة أن الرئيس أوباما لا يزال يحلم بأن يسطر سابقة تاريخية بنجاحه في تطويع العدو الايراني اللدود، ومن وجوه هذا الضغط، عدم دعوة طهران إلى اجتماعي جدة وباريس، وعودة الحرارة للعلاقات الأميركية العربية بعد فتور اصابها جراء مبالغة واشنطن في التركيز على المسار الايراني، فضلاً عن غموض مقصود في موقف البيت الأبيض من دور طهران ضد داعش، غامزاً مرة من قناة الاكتفاء بدعمها للحكومة العراقية، ومرة بمد البيشمركة الكردية بالسلاح، ومرة ثالثة بتعويم سياسته من الوجود الداعشي في سورية ومن أفق التغيير السياسي هناك.

«لا مسعى جدياً لمواجهة أي أزمة إقليمية من دون قرار وإرادة أميركيين» هي حقيقة تؤكدها تطورات اليوم والتي تظهر موقع واشنطن الريادي ووزنها المتميز عالمياً وقدراتها النوعية على فرض سياستها عندما تستدعي مصالحها ذلك، بما في ذلك محاصرة وردع أي طرف يناهض هذه السياسة أو إجباره على الانصياع أو الصمت كما الحال في تشكيل التحالف ضد «داعش» من دون الرجوع إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومن دون اعتبار لموقفي روسيا والصين، وهو أمر يطرح السؤال عن جذر الموقف السلبي الأميركي من تصاعد الصراع الدموي في سورية، هل يرجع السبب حقاً إلى الفيتو الروسي المتكرر أم إلى مصالح البيت الابيض وحساباته الخاصة؟!

والخلاصة، إن جديد السياسة الأميركية المتشددة اليوم ضد «داعش» والإرهاب الاسلاموي ليست مؤشراً لعودة الروح التدخلية والهجومية كما يراهن البعض ممن اعتادوا العيش على أدوار الآخرين ويتطلعون إلى من يحارب نيابة عنهم، فمثل هذا الرهان لا أساس له اليوم ولا حظ، ومن قبيل الأوهام رسم صورة لمستقبل قريب يسود فيه مناخ ما بعد أيلول 2001 وتعود فيه القوة العسكرية الاميركية لترسم وجه الأحداث العالمية، والقصد توخي الحذر عند التعويل على إستراتيجية مواجهة «داعش» ونفض اليد من دور أميركي ينحو لمعالجة أزمات المنطقة جذرياً، فلا تزال غلة واشنطن وفيرة من سياسة الترقب والانتظار واستنزاف الخصوم، ولا تزال ثمارها مجزية من طرائق ادارة الصراع من بعد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اصطفافات جديدة في المنطقة؟ .. حازم صاغية

الحياة

الثلاثاء 23-9-2014

«الحوثيّون»، أو «أنصار الله»، يستولون أخيراً على العاصمة صنعاء ومؤسّساتها ووزاراتها، ويُحمل رئيس الجمهوريّة عبد ربّه منصور هادي على توقيع «تسوية» معهم هي، في أغلب الظنّ، تعبير عن إقراره بتوازنات القوى الجديدة. في الوقت نفسه تمضي «داعش» في سبيلها، كأنّها غير معنيّة بتشكيل حلف دوليّ ضخم لمقاتلتها. وهي، بعد احتلالها أكثر من ستين قرية، تطوّق كوباني (عين عرب) الكرديّة السوريّة وتهدّد أهلها الذين فرّت أعداد ضخمة من مدنيّيهم الذين لم يبق أمامهم إلاّ النزوح.

تطوّران كبيران دلالاتهما، بطبيعة الحال، أبعد من السياسات الدائرة وتحالفاتها وخصوماتها. فمن العلاقات الأهليّة إلى الثقافات الموضعيّة والدين وشروط النصر والهزيمة، تتجمّع في هذين النصرين مروحة عريضة من المسائل. لكنْ في حدود السياسات والتحالفات المعنية، يمكن أن نلحظ أموراً لافتة تجري في موازاة الحربين الداعشيّة في الشمال والحوثيّة في الجنوب.

فهناك ما يوحي أنّ المتضرّرين من هاتين الحربين يحاولون رتق ما هو ممزّق وتظهير ما هو غامض في جبهتهم المفترضة بما يتيح الانتقال إلى شروط مواجهة تكون أفضل.

من ذلك، مثلاً، أنّ إمارة قطر التي طلبت من بعض الإخوان المسلمين المصريّين المقيمين فيها مغادرتها، برّدت هجومها الإعلاميّ والسياسيّ على مصر ورئيسها السيسي، أو حُملت على ذلك. وغير بعيد عن قطر، ظهرت مبادرة وليّ العهد البحرينيّ التي طرحت على نفسها إنهاء الأزمة في بلاده. وإذا كان من المستبعد أن يقبل الشقّ الراديكاليّ في المعارضة، القريب من طهران، مبادرة كهذه، فمن غير المستبعد أن يقبل بها الشقّ الأكثر اعتدالاً ورغبة في تلافي الانفجارات الأهليّة الكبرى، أو أن يجد فيها مدخلاً صالحاً للحوار.

وإذ ينخرط الأردن عمليّاً، هو الذي نأى بنفسه طويلاً عن الحرب السوريّة، في الحرب ضدّ «داعش» وتمدّدها، يبدو مثيراً ما يحصل في تركيّا. ذاك أنّ أنقرة التي أحاطت بمواقفها الأخيرة علاماتُ استفهام كثيرة وكبيرة (عبور المقاتلين التكفيريّين، وسقوط المناطق الكرديّة السوريّة، فضلاً عن التحفّظات على فكرة التحالف)، فاجأت العالم بما أعلنه رجب طيّب أردوغان عن مطالبته الولايات المتّحدة بإقامة منطقة آمنة محميّة دوليّاً داخل الأراضي السوريّة.

وإذ برّر الأتراك هذا التحوّل بتحرير أسراهم الـ49 الذين كانوا في عهدة «داعش» في الموصل، فإنّ الديبلوماسيّة الروسيّة لم تخطىء أهميّةَ دعوة كهذه، فبادرت إلى إطلاق تحذير قويّ حول المسّ بـ «السيادة السوريّة».

ووسط هذه اللوحة قد لا يكون من الخطأ أو المبالغة أن تشهد الجبهة المقابلة تقارباً أو تنسيقاً بين «داعش» و»الحوثيّين». وهو ما سيظلّله، في حال حصوله، ما سبق لبعضهم أن توقّعه من تقارب أو تنسيق بين «داعش» ومحور الممانعة الإيرانيّ السوريّ الحزب اللهيّ غير البعيد عن أنصار الله، الذي لم تُقبل عضويّته في التحالف المناهض لحركة البغداديّ.

مثل هذا السيناريو الذي ربّما كان قيد التشكّل الآن هو سيناريو لحروب مديدة وكبرى بطبيعة الحال. وحيال حروب كهذه، سيبدو السؤال راهناً عن أطراف يمكن وصفهم بالوسطيّين، إمّا تبعاً لتركيب مجتمعهم أو لتركيب سلطتهم أو للتركيبين معاً. وغنيّ عن القول إنّ النظام العراقيّ يتصدّر هؤلاء لجهة راديكاليّته حيال «داعش» وصداقته لمحور الممانعة، على رغم الديكور الملطّف الذي تسبغه حكومة حيدر العبادي. وليس بعيداً من هذا الموقع وضع لبنان الذي حضر مؤتمر التحالف لتشكيل الحلف المناهض لـ «داعش»، لكنّه حضره من خلال وزير هو صديق للممانعين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدراما العربية .. والفصل الأخير! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 23-9-2014

في الشهر الرابع من عام 2007 ومع انتهاء أربعة أعوام على الاحتلال الأميركي للعراق، أي عام 2003، لوحظ أن البلد المذكور راح يُفصح عن نفسه أمام المراقبين والباحثين والناشطين المحليين والدوليين بصفته بؤرة عاصفة للصراعات المفتوحة، التي يأتي الصراع الطائفي في مقدمتها ومتلبساً بكل أشكال الصراع الأخرى، السياسي والتربوي والثقافي والديني خصوصاً، إضافة إلى المؤسساتي الذي يؤلف القطاعين العام والخاص، وقد أخذ هذا الوضع في التبلور والاتساع في السطح كما في العمق، ليظهر كأنه الأكثر شمولاً، إنما بصيغة تُلخص الوضع العمومي الأساسي في العراق وسوريا ولبنان تحت عنوان «الإرهاب الديني» ممثلاً بـ«داعش» وغيره من أشكاله وتجليات الواقع العربي الجديد، وهذا الوضع هو الآن أكثر حضوراً وعنفاً، بل أصبح بتعبيره «الداعشي» في أبعاد دولية تحمل مخاطر للجميع.

وقد أشرنا سابقاً إلى أن «داعش» الأصلي و«الدواعش» الأخرى تمثل في إحدى مرجعياتها حالة معقدة من حالات الظلم المركّب، خصوصاً حيث اندرج ذلك ضمن المهمات التي صارت من ضمن مشاغل ومهمات السلطات الاستبدادية في العالم العربي. وتصاعد الظلم الاقتصادي، وانتشر الفساد والإفساد بقيادة استبداد سلطوي يرفض قادته وحُماته أن يواجهوه بدرجة أو بأخرى، رغماً عن قادة الخطاب السياسي والديني والأيديولوجي الاعتقادي، لقد اكتملت تعبيرات «الحُطام»، بحيث جاء الرد صارماً وسريعاً على الجماهير المطالِبة بـ«الإصلاح والتغيير والتنوير»، جاء الرد بالرصاص القاتل، ولو فعلوا بشيء من الحكمة والتعقل، لتجنب البلد أخطر ما مر على العالم، بطريقة غير مسبوقة، رفضوا الإقرار بضرورة إنجاز حالات أولية من التغيير: لم يُدرك أن «السياسة فن الممكن.. لمصلحة البلد كله»، فأوصلوا هذا الأخير إلى الاستراتيجية التي لم تظهر أبداً في تاريخ الحروب السابقة.

الدراسات الاستراتيجية التي نمت مع تطور المجتمعات الحديثة اكتشفت أن المطالبة بكل شيء تمثل نظرياً، الوصول إلى التخلي عن كل شيء، وذلك عبر تحشيد واستفزاز العالم، من هنا، قد نكون الآن بلغنا الفصل الأخير من الدراما التي نعيشها الآن، ونحصد ثماراً عجفاء دامية، وقبل ذلك، كان الفساد والظلم والجريمة وسرقة أموال الدولة وتدمير كل بارقة إصلاح وتغيير، وتحويل مؤسسات الدولة الهزيلة إلى مواقع للأمن يفعل فيها ما يرغب، ولا نقول يفعل فيها ما يستطيع، وتبرز القوى المجتمعية التي تمثل مجموعات ينطبق عليها الشعار التالي: سارع ومارس دورك في سرقة أو سحق ما تبقى من الوطن.

الحطام التاريخي يلتهم الجميع، عدا من يقودونه، نعم كان ذلك كله يؤسس لنفسه بحماية كثيفة «قانونية»: القضاء هو هنا عنوان الفساد والإجرام والتهام الناس بصفتهم عبيداً، ومن المهم تسجيل الملاحظة التالية: إن كل الأعمال الإجرامية التي أسست حقاً لما ليس له سبيل من عبودية الموت، لم تستطع حتى الآن أن تؤسس لها جذوراً في حياة الناس، بعكس ذلك، يلاحظ تيار هائل يتصاعد مُعلناً أن الموت الذي يصيب الشباب والنساء والأطفال والكبار، هو نمط من الحياة المفعمة بالحياة والحرية، التي تمثل هدف أهل البلاد.

ها هنا نضع يدنا على ثنائية «الوعي والواقع»، وعي جديد يترسخ في واقع هو - في حياة الجميع - آيل للتحول إلى تسونامي يؤسس لانتفاضة ثورية، هي ما نعيش، ولعلنا نرى أن هذا التحول لم يظهر في التاريخ العربي مثيل له. وفي هذا السياق نشير إلى أن ظهور «داعش» إنما هو حالة جديدة فريد، فأن يتحول الشعب العربي إلى قوة جبروتية في وجه «داعش»، ومَن يقف وراءه تصنيعاً وتضخيماً وتحويلاً إلى عملاق لا يُقهر، إنما هذا أصبح الآن صيغة من قانونية مجتمعية تماثل قانونية سقوط المطر والشمس: الخطف إلى الموت، أو دفع الملايين ماذا؟ أن تعلن أن الكون ينقاد إلى إرادة من يسعى إلى تفكيكه، إن هذا وذاك وغيرهما أعلنوا سقوط «داعش» ومن أنتجه ومنحه صيغة من الحياة، أمر نلاحظه في عيون الأطفال وأمهاتهم وآبائهم.

نعم، نحن لا نفتئت على أحد، إذا قلنا إن الشعب العراقي والآخر السوري هما ذاك الطائر الذي يموت ليحيا وسينهزم «داعش» وأمثاله، والمفاجأة أن الكثيرين من أفراده سيكتشفون أنهم أخطأوا الطريق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية والدوران في الفراغ .. حسين العودات

البيان

الاثنين 22-9-2014  

يبدو أن شروط حل الأزمة السورية ما زالت تُطبخ على نار هادئة جداً، ولم يحن الوقت بعد لنضوجها، ولذلك نلاحظ أن جميع الأطراف ذات العلاقة تحاول أن تتحرك حراكاً غير ذي جدوى، لكنه يظهرها وكأنها تنشط للتوصل إلى تسوية واستقرار في سوريا، بينما هي في الواقع تدور في فراغ

وقد تبدى ذلك بشكل واضح في إجراءات وممارسات وأحداث عدة حصلت في الفترة الأخيرة، سواء من قبل أهل السلطة أم من قبل الأطراف الدولية والإقليمية ذات العلاقة.

فقد ألقى الرئيس بشار الأسد أمام مجلس الشعب السوري، خطاب القسم وكان خالياً من أي تعرض جدي للأزمة السورية وللواقع السوري، بل وخالياً من أي مبادرة ذات رؤية مستقبلية، فكأنه كان يتحدث عن دولة لا أزمات فيها ولا حاجة فيها لأي مبادرات لمواجهة صعوبات الواقع ومشكلاته، كما أعيد تكليف رئيس الحكومة السورية بتشكيلها من جديد بعد الانتخابات الرئاسية.

وشكلها بإعادة تكليف 21 وزيراً من الحكومة السابقة، مما يوحي بأن البلاد لا تمر بأزمة ولا تحتاج لمواجهة صعوبات قائمة، ولم يتم التحاور أو التشاور مع أطراف المعارضة المختلفة، المعتدلة وغير المعتدلة، التي لم تشارك في الحكومة، وكأن لا خلافات في البلاد ولا عنف ولا حرب، وبالتالي فلا حاجة لمواجهة أمراض كبيرة وجدية أصابت النظام والمجتمع والناس في مقتل، كالفساد والقمع وتغول أجهزة الأمن وتجاهل الحرية والديمقراطية والمساواة وغيرها..

أي وكأن الحال لا يحتاج لأي جديد وأن ما هو قائم هو خير ما يرام! وزار المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا سوريا، استئنافاً لمهمات كان قد فشل في الاستمرار فيها كل من كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، وقد تحرك وتصرف وكأنه يملك إمكانية تحقيق تسوية في سوريا وحل الأزمة والتغلب على المصاعب وإنهاء مأساة الشعب السوري، فقابل الرئيس وأطراف المعارضة واستمع لآراء الجميع.

يشير الواقع إلى أن السلطة السورية والمبعوث الدولي بتصرفاتهم هذه، يقفزان في فراغ.

فالسلطة السورية تعرف أبعاد الأزمة وضرورة مواجهتها، رغم محاولة تجاهلها، كما تعرف حاجة سوريا لحكومة أخرى تضم فئات جديدة غير التي كانت تشارك في الحكومة السابقة، فضلاً عن ضرورة تكليف الحكومة بمهمات جديدة ووظائف جديدة تؤهلها للمساعدة في مواجهة الأزمة الخانقة التي تعيشها سوريا والشعب السوري، سواء من الناحية الأمنية أم من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

وبدوره يعرف المبعوث الدولي أن جولته لن تستطيع الوصول إلى تسوية ولا حل الأزمة السورية، لأن القضية أصبحت أعقد من أن يحلها وسيط دولي.

ومع هذا تجاهل الجميع عدم جدوى ما يعملونه وما يقولونه، انتظاراً لظهور ملامح تسوية جدية للأزمة. وعلى ذلك فإن طحن الهواء والدوران في حلقة مفرغة و«الحركة بلا بركة»، هي الخيارات الوحيدة المطروحة أمام الجميع.

وصلت الأزمة السورية الآن إلى مرحلة تؤكد أنها لم تعد أزمة سورية صرفة، بمعنى أنها لا تتعلق بالسلطة السورية والمعارضة فحسب، كما أنها لم تعد مسألة إقليمية فقط، بل أصبحت ذات طابع دولي أكثر تعقيداً ربما من أي أزمة أخرى، ويحتاج حلها لموافقة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا وإيران والدول العربية، إضافة إلى الأطراف الداخلية.

وما لم يتم اتفاق أولي ومبدئي بين هذه الأطراف جميعها على تسوية، فإن مثل هذه الإجراءات والنشاطات والتحركات والقرارات، ما هي في الواقع سوى وسائل لتقطيع الوقت والدوران في الفراغ.

تسري إشاعات عدة في هذه الأيام تقول بوصول الدول المعنية إلى إطار عام لحل الأزمة، يتمثل في تشكيل حكومة مؤقتة لمدة محددة أعضاؤها من السلطة والمعارضة، تكلف بإعداد دستور جديد وتولي مختلف الصلاحيات، وصولاً إلى حل دائم لأزمة الدولة السورية وهيكليتها وتوزيع الصلاحيات فيها ووظائفها وأهدافها.

ولكن هذا الاتفاق، حسب الشائعات، هو اتفاق إطار عام، يواجه عدداً هائلاً من الصعوبات والخلافات المحتملة، أهمها من يتولى رئاسة الحكومة، وما هي مدة المرحلة الانتقالية، والصلاحيات المعطاة لهذه الحكومة، ومدى استمرارية تولي الرئيس لصلاحياته من عدمه، وإن استمر فما هي الصلاحيات الممنوحة له، ثم ما هو مصير حوالي 200 شخصية من الموالاة مارست جرائم ضد الإنسانية، وأخيراً ما هي بنية الدستور الذي سيحدد وظائف الدولة السورية المقبلة ومهماتها لسنوات طويلة مقبلة.

وكل من هذه الأمور يمكنه في الواقع أن يفجر مشروع الاتفاق كله، ويؤدي إلى العودة لنقطة الصفر.

وقد زادت الأمور تعقيداً حالياً بوجود «داعش» والمنظمات الإرهابية الأخرى، والخلاف على طرق مواجهتها، وقد تنامت مخاطر الإرهاب والأعمال الإرهابية كثيراً، وأصبحت تهدد لا سوريا وحدها ولا حتى دول المنطقة فقط، بل تهدد مجموعات دولية أخرى كأوروبا والولايات المتحدة وروسيا وإيران والبلدان العربية وغيرها، وهذا يقتضي السرعة في الوصول إلى حل للأزمة السورية، واستطراداً لمواجهة العمل الإرهابي، وإنهاء التباطؤ والتصرف غير الجاد وغير المسؤول تجاه الأزمة السورية.

أما إذا كانت مهمة دي ميستورا مقدمة لإجراءات يتم اتفاق دولي عليها في المستقبل، وتهيئ المناخ لتسوية كعقد مؤتمر جديد في جنيف أو ما يشبه ذلك، فيمكن فهم هذه النشاطات ومسوغاتها، وعندها لن تكون حراثة في البحر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

للقضاء على داعش لا بد من استئصال الدواعش الطائفية الأخرى .. د. عبد الحميد صيام

القدس العربي

الجمعة 19-9-2014

تعمل الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام على بناء تحالف دولي واسع لإنهاك ومن ثم استئصال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف باسم «داعش»، رغم أن التنظيم يطلق على نفسه الدولة الإسلامية. ومع أن الكثيرين يشككون في نوايا الولايات المتحدة التي تكيل بمكيالين ولا تتحرك إلا إذا وصل لهيب الحرائق إلى أصابعها، إلا أن التنظيم ليس له أصدقاء ولا حاضنة شعبية تقيه من الاستئصال ولا قنوات خارجية ترفده بالمال والرجال إذا ما حوصر وسدت جميع الطرق من حوله، ولا يملك أيديولوجية سمحة تفتح الأبواب على مصاريعها للمدافعين عنه والمشفقين عليه. لكن الذي يثير الشك أكبر في الحملة الأمريكية، سكوتها الطويل على الميليشيات الشيعية التي أحكمت سيطرتها على العراق، خاصة أيام المالكي، وراحت تلاحق معارضية وتقتلهم وتهجر الأحياء وتضطهد الكتاب والصحافيين والرسامين والفنانين وناشطي حقوق الإنسان والمعارضة السلمية. لقد أعادوا إنتاج الخطاب الطائفي الذي يدعون أنهم ثاروا عليه وأحيوا نعرات قديمة تعود إلى أكثر من 14 قرنا، تبريرا لما يمارسونه اليوم. لقد أثاروا قبل سقوط النظام على أيدي الغزاة الأمريكيين، قضية اضطهاد النظام للمكون الشيعي الذي يزيد عن نصف سكان البلاد.

شتتهم النظام وأذاقهم جرعات كبيرة من الظلم أكثر من أي مكون آخر من أبناء العراق، فلجأوا إلى إيران وحملوا السلاح ضده، إلى أن لاحت الفرصة فعادوا بسلاحهم وأيديولوجياتهم المغرقة في تعصبها. فما الذي يبرر وجودهم بعد تغير الأيدي وتسلم السلطة للغالبية العددية، مفترضين أن الانتخابات التي عقدت تحت هيمنة المحتل الأمريكي كانت عادلة ونزيهة وإن كنا نشك في ذلك؟ إن من بين الأسباب التي كانت وراء تمدد حركة «داعش» وانتشارها بسرعة، خاصة في المناطق السنية، الخوف من «الدواعش الشيعية» التي أمعنت ظلما وقهرا وقتلا في جزء أصيل من أبناء العراق، لدرجة أن الخلاص منها كان يبرر لهم التحالف مع الشيطان حتى لو كان من نوع «داعش». فإذا لم تجتث تلك «الدواعش الشيعية» مزامنة مع الحرب على «داعش» السنية فسيتم إعادة إنتاج المشهد مرة أخرى تحت مسميات وتحالفات جديدة وأسلحة مختلفة، وربما في أكثر من منطقة أو بلد أو إقليم.

 

الميليشيات الطائفية في العراق

تختلف الروايات على عدد الميليشيات الطائفية في العراق والمنتمية للشيعة. يرتفع العدد عند البعض إلى أكثر من 30 مجموعة، وقد ينزل إلى ما دون ذلك بكثير. لكن المجموعات المتفق عليها التي لا يختلف على قوتها هي أربعة، «عصائب أهل الحق، وفيلق بدر الذي أصبح منظمة بدر، وكتائب حزب الله وكتائب أبو الفضل العباس» الذي نقل كثيرا من نشاطه إلى سوريا بحجة حماية المقامات المقدسة. وكي لا يطول المقال سنقصر حديثنا على العصائب والفليق كعينة فقط عن «الدواعش الشيعية» التي ساهمت في إنتاج «داعش» السنية.

 

عصائب أهل الحق

من أغرب الأمور أن عصائب أهل الحق التي كانت فيما مضى تستهدف الأمريكيين، تصطف الآن إلى جانبهم في الحرب على «داعش». لقد تلقت العصائب دعما إيرانيا طوال عقد من الزمان، خاصة خلال سنوات حكم نوري المالكي الذي تبنى العصائب ودعمها وأطلق يدها، حتى أصبحت الميليشيا الأكثر عدة وعددا. وقد استهدفت المناطق السنية والناشطين، كما يقول تقرير مفصل صدر عن «منظمة رقابة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش). يقول التقرير إن المنظمة وثقت مقتل 61 سنيا بين 1 حزيران/يونيو و 9 تموز/يوليو 2014. كما قتلت العصائب 48 سنيا خلال شهري آذار/مارس و ونيسان /أبريل في قرى قريبة من بغداد تدعى «حزام بغداد». ويؤكد التقرير أن حكومة المالكي التي رعت العصائب استخدمتها كي تغسل يديها من المذابح الصغيرة التي كانت تشنها تحت مبرر أن هذه أعمال ميليشيات لا دخل للحكومة فيها. وقد اقتبس التقرير كلام مسؤول حكومي يقول «إن العصائب تتلقى أوامرها من قائدها قيس الخزعلي، الذي انشق عن جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر عندما اشتبك الجيش مع القوات الأمريكية في الحلة عام 2004. وأنشأ الخزعلي العصائب عام 2006 واستقلت تماما عن جيش المهدي حتى بعد المصالحة بين الصدر والخزعلي عام 2005.

تتسم عمليات المجموعة بالرعونة والدموية وشبه العلنية، خاصة في بغداد وديالى. ويوثق التقرير عمليات جرت خلال شهري 6 و 7 حيث قامت مجموعات من العصائب بلباس مدني بدخول أحياء منها، الزعفرانية والبياع والغزالية واقتادوا شبابا جميعم من أهل السنة ووجدت جثثهم ملقاة بعد عدة ساعات وقد أعدموا جميعا بطلقات في الرأس. وفي يونيو دخل اثنان إلى مقهى شعبي مشهور في حي الشعب بلباس مدني وأعدما صاحبي المقهى السنيين أمام زبائن المقهى وعلى بعد عشرة أمتار من حاجز عسكري. وفي 7 تموز/يوليو وجدت 53 جثة شمال مدينة الحلة لرجال مقيدي الأيدي تم إعدامهم جماعيا بطلقات في مؤخرة الرأس. وإلى جانب الجثث وجدت رسالة من العصائب تتبنى المسؤولية.

كما تقوم العصائب بالاعتقالات والخطف والقتل والتعذيب بدون أدنى اعتبار لأي نوع من المساءلة.

وبعد استفحال خطر «داعش» وتمدده في العراق وانهيار الجيش العراقي في 10 يونيو، قام المالكي بدمج الميليشيات تحت مسمى «أبناء العراق»، بهدف الزحف على المناطق التي تسيطر عليها «داعش» لاسترجاعها. وقد استفحلت قوة العصائب بعد انهيار الجيش وأصبحوا في موقع يعطي أوامر لقوات الأمن، حيث منحهم المالكي صلاحيات قانونية لا حدود لها وأطلق أيديهم ليفعلوا ما يشاؤون. يقول طبيب من وزارة الصحة: «تحاول العصائب أن تمارس التطهير العرقي ضد السنة في مناطق حزام بغداد، ونسمع كل يوم عن قتل مدنيين في قرى الحزام مثل المدائن واللطيفية واليوسفية وأبو غريب». ويقول التقرير: «في 30 يونيو الماضي وصلت ثلاجة الموتى 23 جثة لرجال من السنة من المقدادية، يبدو أنهم شيوخ قبائل أعدموا في الوقت نفسه وخلال اجتماع»، كما قال طبيب لمنظمة هيومن رايتس ووتش. ويستمر التقرير في رواية تفاصيل استهداف الرجال من السنة وقتلهم وتعذيبهم ومصادرة ممتلكاتهم وطردهم من الأحياء المشتركة. ونقلت «القدس العربي» (17/8/2014) عن شهود عيان أن العصائب أعدمت ميدانيا 27 شخصا من سكان بهرز في محافظة ديالى مؤخرا، من بينهم نساء. وقد أعلن الحراك الشعبي في ديالى أن «حربا طائفية تقودها ميليشيات وأحزاب طائفية تجول وتصول بحرية في ديالى، وهناك قيادات أمنية طائفية توفر الغطاء لتحرك الميليشيات التي ترتكب جرائم ضد المدنيين».

ولا يشك أحد أن الميليشيات تلك تابعة للعصائب، فهي تتعدى الحواجز بدون مساءلة وتسوق سيارات بدون لوحات وتحمل سلاحا متشابها وتقتل بدم بارد. فما الفرق بين هؤلاء و»داعش»؟ ألا يمثلون الوجه الآخر القبيح للحقد الطائفي والتعصب والإرهاب؟

 

فيلق بدر/ منظمة بدر لاحقا

تشكل الفيلق عام 1982 في إيران، كجناح عسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. وضم الفيلق آلاف العراقيين الذين هربوا من العراق ولجأوا إلى إيران أثناء حكم الرئيس السابق صدام حسين. وما إن احتلت الولايات المتحدة العراق عام 2003 حتى عاد الفيلق إلى العراق واستغل حل الجيش العراقي على يد الحاكم الأمريكي بول بريمر، لتسيطر ميليشيات الفيلق على أجزاء واسعة من العراق، خاصة المناطق ذات الغالبية الشيعية. انضم الفيلق باسم منظمة بدر إلى قوات الأمن ووزارة الداخلية والجيش الذي بدأ تأسيسه من جديد، ذي اللون الطائفي الواضح. وقد ركزت قيادة الفيلق على السيطرة على وزارة الداخلية وأصبح بيان جبر أحد قادة الفيلق وزيرا للداخلية العراقية.

في عام 2006 أكد تقرير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أن مئات العراقيين عذبوا وقتلوا في وزارة الداخلية التي يسطر عليها المجلس الأعلى، كما نقلت جريدة «الإندبندت» البريطانية عن جون بيس الذي أعد تقرير الأمم المتحدة حول الصراع الطائفي في العراق. ويقول التقرير إن وزارة الداخلية كانت تسيطر على نحو 10000 بين شرطة ومخابرات وأجهزة أمنية وشكلت كتائب عديدة لمواجهة الهجمات التي كانت تشنها «القاعدة»، مثل لواء النمر ولواء العقرب ولواء الذئب وقوات المغاوير التي أنشأها الجيش الأمريكي.

وتتحرك عناصر فيلق بدر بأزياء خاكي مموهة ويسوقون سيارات بيك آب حاملين اسلحتهم، وكلما مروا في حي من أحياء السنة ينشرون الرعب، وغالبا ما تجد من يعتقلونهم مقتولين بعد أيام وعلامات التعذيب بادية على أجسامهم. لقد شكل الفيلق كتائب الموت عام 2006 وكانت علامات التعذيب والإعدام بطلقات في الرأس على ثلاثة أرباع القتلى كما جاء في تقرير جون بيس.

وكان محمد باقر الحكيم الذي اغتيل في مقام الإمام علي (رضي الله عنه) في النجف يوم 29 آب/أغسطس 2003 قد حل الفيلق وحوله إلى منظمة مدنية، مؤكدا أن دور الفيلق انتهى بعد سقوط نظام صدام حسين. إلا أن تقارير حقوق الإنسان تؤكد قيام الفيلق /المنظمة لا فرق، بعمليات اغتيال واسعة ضد القادة العلمانيين وأعضاء حزب البعث السابقين. وقد عادت أخبار الفيلق أخيرا إلى الواجهة، حيث أفاد مراسل وكالة الأناضول، بأن اشتباكا وقع في قرية البشير قرب كركوك بين 100 من مسلحي فيلق بدر وتنظيم «داعش» قتل على أثره عدد غير معروف بسبب تعذر الوصول إلى قرية البشير.

 

العنف يولد العنف والتعصب لا يجلب إلا تعصبا مثله

نستطيع أن نستمر في سرد جرائم الميليشيات السنية والشيعية وهي كثيرة. لكنني أحببت أن أذكر القارئ أن «داعش» لم تأت من فراغ، بل إن الظلم اللامحدود الذي مارسته الميليشيات الطائفية ضد المكون السني في العراق خلق البيئة المناسبة لاستقبال داعش، على طريقة اختيار المر هربا من الأمر. هذا لا يعني أننا نغفل ما فعلته الميليشيات الإرهابية التي كانت تفجر الحسينيات وتقتل القيادات الشيعية وتعتدي على المقامات أيام دولة أبي مصعب الزرقاوي وآخرين قبله وبعده. لكن الذي نراه اليوم هو محاولة لتمكين المليشيات الطائفية الشيعية بلعب دور أساسي في الحرب على «داعش» كي تتقاسم النصر مع الميليشيات الكردية والجيش. وإذا لم يكن هناك جيش عراقي وطني مبني على أساس المهنية والمواطنة المتساوية والابتعاد عن أي اتجاه طائفي فسيتكرر المشهد مرة أخرى وستنتهي «داعش» لتفسح المجال لدواعش جدد أكثر تعصبا ودموية يدعون للرد على نير القهر الطائفي الجديد، ويردون على الميليشيات الطائفية بتكوين جماعات تكفيرية إرهابية جديدة ويفتحون صفحات جديدة من العنف الذي يقتل فيه الأبرياء حتى لو أصطفوا ضد «داعش» أو ضد العصائب. فلا حل لمعضلة العراق إلا بنبذ الطائفية من كافة الأطراف واعتماد ديمقراطية توافقية لا تقصي أحدا، تضم أبناء العراق جميعا على طريق بناء عراق الغد الديمقراطي الحر اللاطائفي المتسامح السلمي المتعدد الأطياف، المستند أولا إلى وحدة شعبه وثانيا إلى أمته العربية، ثم إلى عمقه الاسلامي العريض. الانتصار على «داعش» ليس عن طريق السلاح فحسب بل عن طريق اجتثاث الأسباب التي هيأت له فرصة الظهور أصلا.

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

موقفنا : حول العدوان الأمريكي على الأرض والإنسان في سورية .. قاتل جديد ينضم إلى الروس والإيرانيين والأسديين .. زهير سالم

24.09.2014

وتتساقط الذرائع ، وتتكشف أبعاد المؤامرة الدولية التي أحاطت بالثورة السورية وثوارها ، تنكشف حقيقة الصمت الآثم على جرائم القاتل بشار الأسد وداعميه وحلفائه وشركائه وأدواته ، فيما يقرب من أربعة أعوام من هذا الصمت والتخاذل والولايات المتحدة وحلفاؤها من قادة العالم الحر يختبئون وراء ما يسمونه القانون الدولي ، والقرار الدولي ، والإجماع الدولي ؛ ثم في لحظات نرى الولايات المتحدة تضع كل تلك الذرائع والادعاءات تحت أقدامها وتطلق طائراتها في خمسين غارة في غضون ساعات على أرض سورية وإنسانها ...

فما الذي جرى ؟! في حين أنه لا إطلاق الصواريخ الاستراتيجية على المدنيين ، ولا القنابل الفراغية ولا العنقودية ولا استخدام الطيران الحربي ضد السكان الآمنيين ، ولا القصف بالبراميل الغبية المتفجرة ، ولا استخدام غاز السارين ، ولا غاز الكلور الذي لم يزل يستخدم حتى اليوم – كما أقر به بالأمس وزير الخارجية الأمريكي- ولا قتل ربع مليون مدني منهم عشرون ألف طفل ، ومثلهم من النساء ، ولا قتل آلاف المدنيين تحت التعذيب ، ولا تهجير عشرة ملايين سوري ، ولا تدمير نصف العمران في سورية مدنها وقراها وأوابدها ؛ لا شيء من كل تلك الجرائم والفظائع حرك الضمير الأمريكي ، ولا أثار النخوة الأمريكية ، ولا دفع إلى مبادرة أمريكية جادة لنجدة الشعب السوري المستضعف المظلوم ؛ فما الجديد في المشهد الذي يجعلنا نتابع هذه الهجمة الغريبة الخارجة عن إرادة المجتمع الدولي ،المتمثل في قرار مجلس الأمن ، والمنسجمة مع معطيات القانون الدولي ..؟!!!

ندرك أن ما تتحدث عنه الولايات المتحدة عن إعلان الحرب على ما تسميه ( داعش ) هو الآخر ذريعة إضافية من تلك الذرائع التي كانت الولايات المتحدة تعلل بها صمتها ولامبالاتها . فكما عللت الولايات المتحدة بالكذب صمتها ولامبالاتها وإعطائها الفرصة لحلفائها الروس والإيرانيين والأسديين لذبح السوريين وتدمير بلادهم ، تعلل اليوم بالكذب نفسه هرولتها للاشتراك في قتل السوريين على أرضهم وفي عمق ديارهم .

إن القصف الأمريكي على الأرض السورية والإنسان السوري اليوم يعني أن قاتلا جديدا انضم إلى زمرة القتلة المجرمين .

ندرك بكل وضوح أن الإرهابيين والمتطرفين المصنوعين على عين روسية و إيران وبشار الأسد لتشويه وجه الثورة السورية ، ومصادرة مشروعها ، وقطع الطريق على حملة رايتها ليسوا هم الهدف الحقيقي للقاتل الجديد ..

وأن الحرب على ما يسمى ( تنظيم الدولة ..) أو (داعش ) ما هي إلا إحدى الذرائع الأمريكية المتساقطة لاستكمال الحرب على الثورة السورية وإجهاضها ...

ننبه أبناء شعبنا إلى أننا لن ننتظر طويلا لنتابع كيف تمتد الحرب الأمريكية إلى قوى ثورية عنيدة رفضت في أي لحظة أن تبيع موقفها أو بندقيتها للأمريكيين ، أو للولي الفقيه ومشروعه المريب .

مع كل الشعوب المتمدنة في العالم نرفض وجود أي شكل من أشكال الميليشيات المسلحة بين ظهراني الشعوب والمجتمعات ، ونجد هذه الميليشيات في العراق وفي لبنان وفي سورية وفي اليمن كلها إرهابية وكلها خارجة على القانون ، وكلها تستحق الحرب من الجيوش المحلية ومن المجتمع الدولي ولكننا نتساءل : لماذا يسكت الروسي والأمريكي على كل الميليشيات التابعة للولي الفقيه ويعلن هذه الحرب الساخنة على ما عداها ..؟! تساؤل مخيف يتردد في كل ضمير و يحتاج إلى جواب من الساكتين على جريمة إبادتنا وتهجيرنا وتدميرنا أجمعين ؟!

ومن هنا نعلن أننا

ندين الجريمة الأمريكية في الحرب العدوانية الآثمة على الأرض السورية والشعب السوري كما أدنا الصمت الأمريكي على جرائم المجرم الأول في المنطقة بشار الأسد . ونحمل الولايات المتحدة والخمس الكبار في مجلس الأمن المسئولية الكاملة عن هذه الحرب الغبية ، الخطيرة في تداعياتها وانعكاساتها .

ونعتبر صمت بشار الأسد وعصاباته عن العدوان جريمة جديدة من جرائم الخيانة العظمى تضاف إلى سجل توحشه وترديه . فها هو القاتل الذي ما ترك وسيلة للقتل والتدمير إلا واستخدمها ضد أبناء شعبنا تحت عنوان الدولة وسيادتها ؛ يطأطئ الرأس متخاذلا ذليلا أمام العدوان الخارجي بل ويزعم أنه قد أذن للأمريكي أن يطأ الأرض ويجوس خلال الديار ..!!!

نعلن براءتنا الكاملة من كل هيئة معارضة تعطي المشروعية لهذا العدوان، براءة من الهيئات والقوى والتحالفات التي تسكت على هذا العدوان السافر على الثورة السورية وليس على أعدائها . وعدو الثورة السورية الأول هو بشار الأسد وداعموه وحلفاؤه وشركاؤه والصامتون عليه .

نعلن رفضنا وإدانتنا للفكر المتطرف الذي يمثله ما يسمى (تنظيم الدولة..) ، كما نعلن رفضنا وإدانتنا لممارسات هذه ( الدولة وأساليبها ..) ، ونقول لا هي بدولة ولا هي بإسلامية ، ونحمل القائمين على هذا التنظيم مسئولية الإجلاب على هذه الأمة ، وقطع الطريق على مشروع الثورة في سورية ، ومصادرة آمال الثوار السوريين ، وإهدار دمائهم ..

سيمضي شعبنا في طريق ثورته ، مواجها أعداءه كل أعدائه ، محتملا ومضحيا حتى يحقق آماله في العيش الحر الكريم .

(( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ))

لندن : 28 ذو القعدة / 1435

23 / 9 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

تراث الإغارة على النظام السوري: «عقلنة» تحفظ قواعد اللعبة .. صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 19-9-2014

ليس مؤكداً أنّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان يرد على بثينة شعبان، مستشارة بشار الأسد الإعلامية، ضمن طراز من التراشق اللفظي المباشر لا ينزلق إليه البيت الأبيض عادة، خاصة في مخاطبة موظفين بدرجات أدنى، لدى أنظمة استبداد شرق ـ أوسطية. قالت شعبان، من شاشة CNN، إنّ «دمشق قد تسقط الطائرات الأمريكية، لأنها أتت من دون إذن واعتدت على سيادة سوريا»؛ وقال أوباما، عبر صحيفة «نيويورك تايمز»، :»إذا فكر الأسد وأمر قواته بإطلاق النار على الطائرات الأمريكية التي تدخل المجال الجوي السوري، فسندمر الدفاعات الجوية السورية كافة، وسيكون هذا أسهل لقواتنا من ضرب مواقع ‘داعش’».

ليس مؤكداً، أيضاً، أنّ رسالة أوباما هذه ـ مصاغة بلغة غير مبطنة، بل صريحة وقحة كذلك ـ لا يُراد منها «عقلنة» نظام لا ينوي الرئيس الأمريكي استهدافه، مباشرة؛ أو ليس بعدُ على الأقلّ، وليس في هذا الطور من «ستراتيجية» البيت الأبيض لتدمير «داعش». وهذه، إذا صحّت، «عقلنة» ليست جديدة على مجمل الخطّ الذي اعتمدته مختلف الإدارات الأمريكية تجاه نظام «الحركة التصحيحة»، الأب حافظ الأسد، مثل وريثه بشار؛ وهي، ذاتها، تقاطعت مع «عقلنة» من جانب إسرائيل، تبلورت ابتداءً من موقف وزير الدفاع، الأسد الأب، في هزيمة 1967 النكراء؛ وانتهاءً بالموقف الإسرائيلي الراهن، المعارض لأيّ تعجيل في إسقاط نظام الأسد الابن.

ولقد أثمرت «العقلنة» الكثير، للأطراف الثلاثة في الواقع: منذ صمت النظام على الاجتياح الإسرائيلي للبنان، 1982؛ إلى المشاركة في تحالف «حفر الباطن»، ثمّ مؤتمر مدريد، وحوارات شبردزتاون بين رئيس الأركان السوري الأسبق حكمت الشهابي مع الجنرال أمنون ليفكين شاحاك وإيهود باراك، ومحادثات هذا الأخير مع فاروق الشرع في واشنطن، ولقاء جنيف بين حافظ الأسد ـ بيل كلينتون، مطالع التسعينيات؛ وصولاً إلى حوارات ماهر الأسد السرّية، مع مسؤولين إسرائيليين، بينهم إيتان بن تسور، في العاصمة الأردنية عمّان، 2003؛ والمصافحة الفاتيكانية «التاريخية»، بين بشار الأسد والرئيس الإسرائيلي موشيه كتساف، 2005…

ثمة، إلى هذا، «تراث» خاصّ ـ لفظي بدوره، طبعاً، ولكنه أشدّ سوريالية وأعلى افتضاحاً ـ يغطي حكاية الغارات، وطبائع ردود أفعال النظام السوري على وقوعها؛ إذا جاز، بالطبع، الحديث هنا عن «ردود» أو «أفعال» بأيّ معنى، في السياقات الفعلية لوقائع الإغارة. وذات يوم، صيف 2006، خرج أحد جهابذة إعلام النظام بهذا التعليق على تحليق أربع مقاتلات إسرائيلية فوق القصر الرئاسي في اللاذقية: لم يتجاسر الصهاينة على اختراق أجواء دمشق الحصينة، ففرّوا إلى الساحل! والحال أنّ العبقري ذاك تناسى، أو لعلّه بالفعل كان يجهل تماماً، أنّ الصهاينة هؤلاء ذهبوا إلى اللاذقية ليس خشية من المقاتلات السورية في أجواء دمشق، بل ببساطة لأنّ الأسد كان ساعتئذ في قصر اللاذقية وليس في قصر دمشق. ومن جانب آخر، يصحّ القول إنّ الصهاينة لم يخترقوا أجواء البلد (اللاذقية أو دمشق… ما الفرق، بمعنى السيادة الوطنية؟) فحسب؛ بل اخترقوا أمن الرئاسة حين علموا أنه في ساعة محددة، سوف يكون الأسد في اللاذقية وليس في دمشق!

ولهذا فإنّ تحليق القاذفات الإسرائيلية فوق القصر الرئاسي في اللاذقية، حين كان الأسد مقيماً فيه تحديداً، أي في برهة منتقاة بعناية من حيث طبيعة الرسالة المشفّرة طيّ هدير الطائرات؛ لم يكن تصعيداً مع النظام السوري على أيّ وجه: لا في المستوى العسكري، ولا في السياسي، ولا حتى في مستوى المساس بالقواعد التي وضعها شارون حين قصفت الدولة العبرية موقع «عين الصاحب»، شمال غرب العاصمة السورية، بتاريخ 5/10/2003. لكنه تذكرة صاخبة بعض الشيء، لكي لا نقول إنها تنبيه غليظ، حول عواقب أيّ سلوك عاقّ إزاء خدمات أسدتها إسرائيل إلى النظام مؤخراً، بل طيلة حقبة ما بعد اغتيال رفيق الحريري، من جانب أوّل. والتحليق، من جانب ثانٍ، كان إنذاراً بأنّ الخروج الجدّي عن «قواعد اللعبة» سوف يقلب رقعة الشطرنج رأساً على عقب!

ولسوف يتواصل «التراث» إياه: في خريف 2007 عبرت قاذفات إسرائيلية الأجواء السورية من جهة الساحل السوري، بعد أن اخترقت جدار الصوت على هواها، لتبلغ أهدافاً حيوية في العمق السوري (مساحات واسعة من المنطقة الشرقية ـ الشمالية، من بادية دير الزور إلى تخوم المثلث السوري ـ العراقي ـ التركي، مروراً بمطارَين عسكريين في الأقلّ)، وعادت أدراجها سالمة مطمئنة. السلطات الإسرائيلية التزمت الصمت المطبق، وأوّل الخيط أتى من تصريح رسمي للنظام ـ على غير العادة، ولكن ليس دون التزام بالحاشية التقليدية حول حقّ الردّ في الزمان المناسب! ـ يعلن وقوع الغارة، ولكنه لا يحدّد أين وقعت، وماذا استهدفت، وكيف انتهت. باب التكهنات فُتح على مصراعيه، وتكاثرت الروايات وتضاربت، واتّسع الخيال وتوسعت الأقوال… حتى اتضح أنّ الغارة الإسرائيلية استهدفت مشروع مفاعل نووي كان النظام يشيّده، بتعاون مع إيران وكوريا الشمالية.

كذلك سوف تتكشف حقائق دراماتيكية، سردها الإسرائيليان ميخائيل بار زوهار ونسيم مشعال في كتابهما «الموساد ـ العمليات الكبرى»؛ بينها التالية، على سبيل الأمثلة فقط: أوّل الخيوط قدّمهاالجنرال علي رضا عسكري، النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني وأحد كبار ضباط «الحرس الثوري»، بعد انشقاقه؛ وأهمّ المعلومات وفّرها أحد كبار ضباط الأسد، الذي كان ينزل في فندق لندني فخم، وتمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من زرع «حصان طروادة» في كومبيوتره الشخصي؛ وأدقّ التفاصيل تعاونت على تأمينها أقمار تجسس أمريكية وإسرائيلية، بعد أن نجحت وحدة كوماندوز إسرائيلية في الهبوط على أرض «الكبر»، وأخذ عينات من التربة؛ وأمّا ضوء العملية الأخضر النهائي، بعد قرار إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، فقد صدر عن البيت الأبيض، ونقله ستيفن هادلي مستشار الأمن القومي في حينه.

أخيراً، ولأنّ «التراث» يطول ويتشعب، ثمة بعض المغزى الخاص في التوقف عند الغارة الإسرائيلية التي وقعت مطلع العام الماضي، لأنها استهدفت قافلة عسكرية كانت تنقل شحنات من صواريخSA-17 روسية الصنع، في طريقها إلى مخازن «حزب الله»، في لبنان. ذلك لأنها كانت تذكرة، عنيفة وقصوى، بأوّل «المحرّمات» التي فرضتها إسرائيل على النظام، في الشطر التسليحي من علاقاته مع «حزب الله»، أي عدم السماح بمرور أسلحة صاروخية يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة، دون سواها. كما أنها، من جانب ثانٍ، تعيد طرح السؤال، القديم المتجدد: ما قول النظام «الممانع»، في طائراته الحربية التي تقصف السوريين، ثمّ تولّي الأدبار في وجه طيران العدو الإسرائيلي، الذي يعربد على مبعدة كيلومترات قليلة؟ وثالثاً: ما قول قيادة «حزب الله» في «انتهاك صارخ»، ضدّ «سوريا الأسد» حسب تعبير حسن نصر الله؟ وما قول علي أكبر ولايتي، صاحب الحكمة المأثورة، في أنّ «بشار الأسد خطّ أحمر»؟

ذاك، إذاً، «تراث» الإغارة بالقاذفات، وللمرء أن يضرب صفحاً عن عمليات عسكرية أخرى تُنفّذ من عرض البحر (اغتيال العميد محمد سليمان)، أو تُنزل المظليين داخل العمق السوري (الإنزال الأمريكي في منطقة البوكمال)، أو تستخدم وحدات الكوماندوز والعملاء المحليين (اغتيال عماد مغنية، في قلب دمشق)… وذاك، استطراداً، تراث يشير إلى أنّ أوباما لا ينذر نظام الأسد، بقدر ما يهديه إلى سواء السبيل، والحفاظ على قواعد اللعبة.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-

مشروع إنقاذ سوريا .. د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 19-9-2014

انعقدت خلال الآونة القريبة عدة مؤتمرات سورية تبحث عن حلول لإنقاذ سوريا، وبدا أن تصاعد العنف بشكل مريع قد دعا كثيراً من السوريين للقيام بمراجعات فكرية وتأمل لمسيرة الحراك الشعبي والثوري، بعد أن غصت الساحة بالفوضى وخرجت الثورة الشعبية عن أهدافها وظهرت فيها شعارات لم تكن هدفاً للشعب ولا هي من دوافع ثورته. وكان ظهور «داعش» وما ارتكبته من جرائم ومن سلوك وممارسات متخلفة باسم الشريعة، والشريعة منها براء! وما امتلأت به صفحات التواصل الاجتماعي في المواقع الإلكترونية من صور وأفلام مرعبة اختلط فيها الحقيقي بالمزيف، قد استدعى القيام بتأمل عميق للأخطار التي تكبر وتجعل الثورة السورية تخرج عن أهدافها ومساراتها الأولى. وقد شارك كبار علماء المسلمين مع كثير من الشخصيات الثقافية والفكرية من مختلف شرائح وتنوعات المجتمع السوري بالإجابة على السؤال المهم «أين وصلت الثورة السورية، وماذا أنجزت، وإلى أين تمضي؟».

وكانت غاية هذه اللقاءات والمنتديات إعادة الثورة إلى أهدافها الشعبية المتفق عليها وهي الحرية والكرامة وبناء دولة ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع، وأن تكون المواطنة وحدها أساس العقد الاجتماعي، وأن يرفض العدوان على سوريا في خضم مكافحة الإرهاب الذي صمت العالم على نموه وتضخمه في الساحة السورية، بل إنه وجد الكثير من الدعم والرعاية من بعض الجهات حين بدأ الإرهابيون بمحاربة القوى المعتدلة وإضعاف حضورها. وتم غض الطرف عن هذا النمو المتسارع والسماح بتدفق المتطرفين إلى سوريا من العديد من دول العالم! وقد حذر السوريون من خطر التدخل الخارجي الذي استدعاه النظام حين استعان بروسيا وإيران وأدخل فصائل إرهابية من العراق ومن لبنان، وكانت الخطيئة الكبرى التي لا تغتفر تاريخياً هي دخول «حزب الله» براياته الدينية وتضخيم الشرخ المذهبي في الصراع، وتحويله إلى صراع طائفي محض غابت عنه شعارات الحرية والكرامة والمواطنة، وحلت محلها دعوات دينية متطرفة في كل جهات الصراع. وكبر حجم معاناة السوريين اللاجئين مع انسداد آفاق الحلول السياسية أو النتائج العسكرية، وكثر أمراء الحرب الذين استغلوا الظرف العام، وغابت المبادرات السياسية الدولية وأهمل الملف السوري حتى على صعيد إنساني، مما استدعى ظهور تجمعات عديدة تطرح مباردات على صعيد مجتمعي، وتجمع كلها على ضرورة توحيد الجهود ولم شمل الفرقاء، والعمل السريع على إصلاح الائتلاف الذي باتت صورته مشوهة حتى في نظر المعارضة ذاتها. ولم يعد سهلاً أن تتكرر لحظة التأييد الدولي التي حظي بها فتسبغ على تشكيل جديد أو بديل، وبات الحفاظ على شرعية الائتلاف دولياً ضرورة على رغم كل ما تعرض له من ترهل وتفكك. ووجدت المعارضة نفسها تواجه قرارات مصيرية بعد أن توجهت القوى الكبرى لإطلاق حملة دولية لمكافحة الإرهاب. وكبرت الهواجس والمخاوف من أن يتجاهل المتحالفون جوهر القضية السورية، وأن يتحالفوا مع إرهاب ضد إرهاب، فيجد السوريون أنفسهم مجرد ضحايا لحروب قد تطول وتهدم ما تبقى من البنية السورية وتحصد مئات الآلاف من أرواحهم. وقد لا تجد حلولاً في النهاية التراجيدية سوى التقسيم وهو الحاضر الغائب في الوصفة الدولية للمعالجة، وقد باتت معالمه واضحة الحضور على الأرض، وهو يهدد باستمرار الصراع إلى عقود طويلة قادمة وهذا ما ترتاح إليه إسرائيل وفي الوقت نفسه يضمن لإيران استمرار نفوذها وتوسع دورها ولاسيما بعد أن ظهر الخفي من تحالفاتها مع من كانت تسميهم قوى الاستكبار.

وتسعى المبادرات المطروحة في الفضاء السوري إلى التوافق على رؤية وطنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهذا يقتضي مراجعة فكرية تؤسس مشروعها الوطني على قيم يتوافق عليها السوريون جميعاً ولا تكون موضع اختلاف وهي قيم ترسيخ مفهوم المواطنة وقيم العدالة والحفاظ على حقوق المواطنين جميعاً وإنهاء كل مظاهر الصراعات الطائفية، والعمل معاً لحماية السلم الأهلي، وإرجاء كل القضايا المختلف حولها من تفاصيل وشعارات إلى مرحلة لاحقة بعد أن يتم تشكيل جمعية تأسيسية تهيئ لدستور جديد مع إمكانية العمل بدستور عام 1950 كي لا يحدث فراغ دستوري. ثم يتم تشكيل برلمان تدور تحت قبته مناقشة الرؤى المختلفة، وقد تستدعي هذه الرؤية إرجاء استخدام بعض ما يتم تداوله مما أسميه ترفاً فكرياً أو تجاوزاً للوقائع كالاختلاف على تسمية الدولة أو إطلاق صفات دينية أو علمانية ينصرف الجدل إليها فتكون سبب صراعات جانبية على حساب الأهداف التوافقية الكبرى.

ولابد من الإشارة إلى أن اعتماد مفهوم المواطنة سيلغي ما يتردد أحياناً من مطالب راهنة مثل تطمين الأقليات، فمثل هذا يحمل اتهاماً للأكثرية بأنها عدوانية، ويحمل اتهاماً للأقلية بأنها متهمة وتخشى عقاباً، فالعقاب لمن سفك دم الشعب السوري، ومن ارتكبوا الجرائم هم من كل تنويعات الطيف السوري، كما أن من رفضوا الظلم والطغيان هم من كل تنوعات هذا الطيف.

ولقد طرحت في مقالات سابقة دعوة لمؤتمر وطني عام وشامل تمت مناقشة رؤيته مع صفوة من النخب السورية وهو لا يختلف عن دعوات مماثلة يطلقها السوريون في أماكن شتاتهم واغترابهم، ولكننا في مجموعة التشاور حول طبيعة هذا المؤتمر الذي ندعو إليه رغبنا أن نتجاوز التقسيمات المجتمعية الراهنة بين مؤيد ومعارض ورمادي، فالنخب أولى بأن تسمو فوق التصنيفات وهي مدعوة لوضع حلول موضوعية تنطلق من الثوابت ومن الحفاظ على مطالب الشعب في الحرية والكرامة وبناء الدولة الديمقرطية، فهذه المطالب ليست موضع خلاف، حتى إن النظام ذاته أقر بمشروعية هذه المطالب في بداية انطلاق الثورة. وقد أشرت في غير موقع إلى بيان مؤتمر صحارى، على رغم التفاف النظام على هذه المطالب والإصرار على كونها نتاج مؤامرة كونية قبل أن تتشكل المؤامرة الدولية، وعلى أنها إرهاب قبل أن يظهر الإرهاب، وعلى أنها طائفية يوم كان نداء «الشعب السوري واحد واحد» هديراً يجلل في كل أنحاء سوريا. ولن نستبق ما قد تصل إليه هذه النخب من رؤى وطنية، ولا أحد يملك أن يفرض على الآخر رؤيته، ولكن المهم أن يستعيد السوريون قرارهم وأن يقوموا هم بتقرير مصيرهم، وقد بات السوريون وبعض العرب كذلك مجرد منفعلين بدل أن يكونوا فاعلين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيف نفذ بشار الأسد المؤامرة الكونية على سوريا؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 20-9-2014

ليس صحيحاً أبداً أن المؤامرة على الثورة السورية والشعب السوري قد بدأت بعد سنتين أو أكثر على اندلاع الثورة عندما دخلت الجماعات المتطرفة على خط الثورة، وحرفتها عن مسارها، وجعلت العالم ينظر لها على أنها إرهاب أكثر منها انتفاضة شعبية. القرار ضد الثورة أو ما بات يعرف بـ»المؤامرة الكونية» تم اتخاذه في الخطاب الأول للرئيس السوري في مجلس الشعب بعد أسابيع فقط على اندلاع الثورة. والخطاب لم يكن مجرد موقف فردي اتخذه النظام لمواجهة الثورة بالحديد والنار، بل كان قراراً داخلياً وخارجياً مشتركاً.

ليس هناك أدنى شك بأن النظام قبل أن يعلن الحرب على الثورة أخذ مباركة حلفائه في الخارج ، وعلى رأسهم روسيا وإيران، وربما أيضاً إسرائيل وأمريكا والغرب عموماً، والعرب طبعاً. لم يكن ليتصرف بالطريقة التي تصرف بها أبداً دون ضوء أخضر دولي. فليس هناك مصلحة للكثيرين في الشرق والغرب ، وحتى العرب في نجاح الثورة السورية. ولكل طرف أسبابه ومبرراته.

ليس من مصلحة روسيا أبداً أن تخسر حليفها العربي الوحيد في منطقة استراتيجية ذات أهمية كبرى كسوريا. ولا شك أنه عندما اتصل الرئيس السوري بالقيادة الروسية قبل إلقاء خطابه «التاريخي» لوأد الثورة، لا شك أنه حصل على الموافقة فوراً دون أدنى تردد. ولا شك أيضاً أن الإيرانيين الذين لا يحدث أي شيء في سوريا من دون مشيئتهم أيضاً شدوا على أيدي الرئيس السوري عندما استشارهم في ضرب الثورة في مهدها. لا يمكن لإيران أن تسمح بثورة في سوريا تقضي على أحلامها الامبراطورية، وأن تخسر أداتها وعميلها الأقوى في المنطقة المتمثل بالنظام السوري.

دعكم من الأكاذيب التي تقول إن إسرائيل وأمريكا والغرب تآمر على النظام بتحريض السوريين عليه. لا شك أن هناك مصلحة إسرائيلية، وربما أمريكية في إنهاك النظام السوري وإضعافه، لكن ليس لديهما أبداً رغبة في أن تنجح الثورة السورية، وأن يكون في سوريا دولة ديمقراطية مدنية يمسك بزمامها الشعب السوري، وتكون نموذجاً يُحتذى في المنطقة على حدود إسرائيل. ولهذا، ليس هناك أدنى شك بأن أمريكا وإسرائيل وقوى غربية أخرى باركت نزول الجيش السوري إلى الشوارع، فضربوا بذلك أكثر من عصفور بحجر واحد. أولاً أرادوا إنهاك الجيش السوري، وثانياً أرادوا أن يوقفوا المد الثوري السوري. وبما أن السياسة فن الممكن، وجد النظام أنه من الأفضل له أن يقضي على الثورة ويصبح ضعيفاً، على أن ينتهي تحت أحذية الثوار.

وليس هناك أدنى شك أيضاً أن الكثير من الدول العربية بارك قمع الثورة على أيدي النظام، حتى لو تظاهر بعضهم بتأييدها تحت ضغط الشارع. لا مصلحة أبداً للكثير من العرب أن تنجح الثورة السورية، وتكون نبراساً لبقية الشعوب. لهذا أعطى الكثير من الأنظمة الضوء الأخضر لنظام الأسد كي يقضي على الثورة منذ الخطاب الأول. لقد أراد الكثير من العرب أن تكون الثورة السورية درساً كارثياً مؤلماً لأي شعب عربي يفكر بالثورة لاحقاً. وليس هناك شك بأن الكثير من العرب راحوا يدعمون النظام في ضرب الثورة منذ أيامها الأولى، إلا من رحم ربي. وشتان بين الخطاب العربي الإعلامي والواقع.

لا يمكن لما يسمى بالمجتمع الدولي أن يترك نزاعاً يتفاقم إلى هذا الحد الكارثي كالنزاع السوري، وأن يترك النظام يستخدم كل أنواع السلاح لولا أن ما يفعله النظام مُغطى دولياً ولديه ضوء أخضر لتنفيذه. لم يحدث في التاريخ أن العالم غض الطرف عن طاغية، وحماه كما حمى بشار الأسد، وتركه ليصبح أغلى طاغية عبر التاريخ، من حيث أن ما دفعه الشعب السوري من أجل التخلص منه لم يدفعه شعب من قبل. لا النظام السوري، ولا غيره أقوى من النظام الدولي. ولو لم يكن النظام الدولي سعيداً وراضياً بما يحدث في سوريا، لما استمر النظام في أفعاله، ولما بقي أصلاً. دعكم من ترهات أوباما وخطوطه الحمراء وقوله إن النظام فقد شرعيته. صدقوني: النظام السوري ليس عملاقاً ولا خارقاً للعادة. وهو يفعل كل ما يفعل ليس لأنه صاحب إرادة، بل لأن ما يفعله يتماشى مع المطلوب دولياً في سوريا. ولو لم يكن ما يفعله مطلوباً، ويحظى بمباركة لما استمر الوضع الجهنمي حتى الآن.

مشكلة الشعب السوري إذن لم تكن محصورة مع النظام منذ بداية الثورة، بل كانت مع عشرات الأطراف التي باركت، وشاركت في إيصال الوضع إلى هنا. مشكلة السوريين مع الأطراف التي تستغل النظام لتمرير مشاريعها وتحقيق مصالحها في سوريا كروسيا وايران وتوابعها. مشكلة السوريين مع الدول الاقليمية التي شاركت في تحطيم سوريا، ولم ترد أن تكون هناك ديمقراطية على حدودها تنافسها سياسياً واقتصادياً وحضارياً. لا تصدقوا أن بعض جيران سوريا من غير العرب كانوا مع الثورة. لا أبداً. ربما وقفوا ضد النظام، لكنهم لم يكونوا مع الثورة، بل كانوا يعادون النظام والثورة في آن معاً. مشكلة السوريين مع الغرب المنافق الذي باعهم وعوداً معسولة، بينما كان تحت الطاولة يدعم سحق الثورة، ويبارك تصرفات النظام الهمجية بحقها. مشكلة السوريين مع العرب السعداء بما يجري في سوريا كي يكون درساً مريراً لشعوبهم. دعونا نعترف أن جميع السوريين، شعباً ونظاماً ومعارضة ليسوا في نظر جميع الأطراف المتورطة بالدم السوري سوى أدوات، لا أكثر ولا أقل. لهذا اعتقد أنه من الخطأ مهاجمة طرف بعينه على ما يحصل في سوريا. القصة كبيرة. هناك مباركة وإجماع دولي وإقليمي وحتى عربي على ما يحصل.

لكن ذلك لا يعني أبداً أن النظام انتصر وحقق مبتغاه، فهو الآن أشبه بقاتل مأجور، فلا الذين ورطوه بالدم السوري سيحمونه، ويقبلون ببقائه، ولا السوريون سيسامحونه. لا عجب إذن أن النظام كان، كلما شعر بوطأة الوضع، كان يهدد مشغّليه، وخاصة الإيرانيين، بأنهم هم من ورطوه، وعليهم أن يحموه. وهذا ما فعلوه، وما زالوا يفعلونه حتى الآن. كما أن أجهزة المخابرات تقوم بتصفية أدواتها بعد إنجاز المهمة، حتى لو كانوا من أعز حلفائها، فإن المجتمع الدولي بما فيه الإيرانيون والروس، سيتخلصون من أداتهم بعد أن تنتهي من مهمتها. وعندما تنتهي مهمة النظام لكل حادث حديث.

لقد كان النظام صادقاً عندما تحدث عن «مؤامرة كونية»، لكن المؤامرة لم تكن عليه، كما يدّعي، بل كان هو أحد أركانها، لا بل أهم أدواتها. لقد كانت المؤامرة، وما تزال على سوريا الشعب والوطن والحضارة، والنظام كان وما زال أداة التنفيذ.

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com