العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28/7/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

المعارضة السورية بين نارين

ميشيل كيلو

السفير

السبت 20/7/2013

يؤمن كثــيرون بضــرورة إخــفاء عيوبــنا ومشــكلاتنا الذاتية، وأؤمن أن كشفها هــو الصــواب، وأنهــا تقتل من يؤجل مواجهتها أو يهرب ويتهرّب منها.

وكان هناك لفترة غير قصيرة مدرسة شمولية في السياسة ترى في أي حديث لا يقوم على إطرائها والإشادة بها، ولا يستر عيوبها، جريمة لا تغتفر وتزويداً للأعداء بمادة مؤذية لن يلبثوا أن يستعملوها ضد ما كانوا يسمّونه بخشوع «القضية»، وبالتالي خيانة للأمانة وغدراً برفاق ومناصري أحزابها وجمهورها.

يحدث الشيء نفسه اليوم بالنسبة إلى المعارضة السورية عامة و«الجيش الحر» وما يخالطه من جيوش غير حرة في ميادين الحرب والمقــاومة بصــورة خاصة. ثمة تجاوزات مخيــفة تحــدث في كل مكان، تتظــاهر من خلال محــاور ثلاثة: اشــتباكات تتكاثر بين كتائب «الجيش الحر» في أماكن عديدة، وخاصة في حوران وريفها. فلتــان أمني لا قيد عليه في مناطق تعتبر محررة، مع أنها مستعبدة تماماً من صعاليك فاسدين تحولوا إلى امراء حرب. واخيراً، اغتيالات وعمليات تشبيح واعتقال وخطف وتدمير وترويع تمارسـها تنظــيمات تابعة لكيانات سياسية خارجية، اصولية الهوية والطابع، لعبت دوراً كبيراً في تخريب بلدان إسلامية وعربية، وتشن اليوم حرباً متصاعدة ضد «الجيش الحر» بحجة تبعث على الضحك، هي أنه كافر.

وقد طرحت هذه الحال المدمرة سؤال «ما العمل؟» على الثورة، فأصابها طرحه بالحيرة والارباك، ما دام الرد على العنف بالعنف سيخدم النظام في الوضع السوري الراهن، ومثله السكوت على تقويض «الجيش الحر» وتصفية كوادره وتدمير قدراته وقطع طرق مواصلاته والانقضاض على قواعدة وقياداته، التي تستهدفها قوى مذهــبية ومــتزمتــة لم يخطر ببال أي سوري أن ثورتــه من أجــل الحرية، ستتحول إلى صراعات مذهبية وطائفية وتطرف أعمى سيخرج إن هي وصلت إلى السلطة، من «تحت الدلف إلى تحت المزراب»، كما يقول اللسان الشعبي.

هذه الحال، التي ننزلق منذ اشهــر عديــدة إليها، تم السكوت عليـها خلال فترة امتــدت لاشهــر عديــدة، فظن العالم أن «الجيش الحر» يحمي الأصولية، خاصة بعدما اطلقت تصريحات عاطفية وغير مدروسة صدرت عن قادة في المعارضة ومسؤولين في الجيش الحر، هوّنت من خطورة ما يجري من انحراف يبعد الثورة عن الحرية كهدف جامع لشعب سوريا الموحد، ويستبدلها بسياسات تقسيمية تمزيقية تشحن الثورة بخلافات وتناقضات تمعن في إضعافها وارهاق المقاومة وتقويض ما فيها من وحدة وتماسك. خلال هذه الفترة، تعالت اتهامات دولية للثورة، ضخمت حجم الظاهرة الأصولية، بينما صمتت المعارضة السياسية والعسكرية عن تبلور وبروز ظاهرة تنظيمية مذهبية مختلفة هيكلياً وبنيوياً عنها ومضادة لها، مع ان تشكلها وضع الثورة بين نارين وشكل عامل ضغط خطير عليها، يمكن ان يسهم في سحقها تحت الضربات التي ستتلقاها من فوق، على يد جيش النظام، ومن تحت، بقوة هذه التنظيمات التي تزيحها عن مواقعها المجتمعية، وتحل محلها سلطة ميدانية موجهة ضدها يعني قيامهــا طي صفــحة ثورة الحرية والكرامة والعدالة في المناطق التي ابتليت به.

كالعادة، لم يكن تقدير حجم الظاهرة وسرعة نموها صحيحاً. وتم التعامل معها بروحية تحاشت اخذ موقف واضح وعقلاني منها، يسورها بتدابير تحول دون تنامـيها، ويقيدهــا بسياســات تضــعها فــي مواجــهة الشــعب وتعزلـــها عــنه، تثلــم فاعلــيتها وصدقيتها لدى الناس وتكشف تناقض اهدافها وبرامجها مع اهداف الثورة وبرامجها، وتحاصرها بقوات متفوقة، تقيم افضل العلاقات مع المواطنين وتمدهم بالعون وتحميهم وتصون بيوتهم وممتلكاتهم من جموحها وفلتانها، وتبعد الشباب عن غوايات سلاحها ومالها السياسي، من دون أن تصطدم بالضرورة معها في كل مناسبة ومكان.

لم يحدث شيء من هذا. وحين بدأت الظاهرة تنتــشر وتستفحــل، تبــين ان ايجــاد حــل غــير عنيف لمشكلتها يكاد يكون مستحيلاً، وان الاخذ بحل كهذا كارثة يخشى الجميع عواقبــها، علما بان قضم «الجيش الحر» على أيدي هــذه التنظــيمات لم يتوقـف، وعجزه عن حمـاية منتــسبيه والسكان الراغبين في الخلاص منها فاضح واضح.

ماذا ستفعل المعارضة المستهدفة بجناحيها السيــاسي والعسكــري؟ لا أعرف شخــصياً ما يفكــر به الآخرون، لكــنني اعــتقد بضــرورة وضــع خارطــة معلومات دقيــقة ومدروسة تطــاول أعداد انتشار هذه التنظيمات واماكنها، ومصادر قوتها ونقاط ضعفها، والقائمين عليها والمنــضوين فيــها، وعلاقاتها مع الشعب، ونوع تسليحها ونمط تدريبها... الخ، على أن يكون لكل حادث حديث بعد ذلك، إن هي ظلت خارج مؤسسات الثورة عامة و«الجيش الحر» خاصة، وواصلت اعتداءاتها على المواطنين.

لا تجــوز الاستهانــة بما تفــعله هذه التنظــيمات ضد الثورة وبما أنجزته حتى اليوم من تهديد لوحـدة وسلامــة شعــب ســوريا ودولتــه. ولا يجــوز في جميع الأحوال الاستمرار في تجاهل مخاطرها، ومع أن البديل المتاح اليوم لا يجب أن يمــر بالــضرورة في شن حرب شاملة عليها تغطي كل مكان من أماكـن انتشارهــا، فإن تجــاهلها خــطأ قاتل، وخطأ بالقدر نفسه التعامل معها انطلاقاً من الفكرة التي ترى في التناقض مع النظــام أولوية يمكن أن يدفعها الاقتناع بها إلى مهادنة «الجيش الحر» وبقية أطراف المعارضة، فهي لا تعتبر هذا التناقض من أولوياتها، وتظن أن المعارضة جزء تكويني من النظام يحسن التصدي له والقضاء عليه ما دام هو الجزء الأضعف في بنيته، لذلك سيعني شطبها إضعاف السلطة القائمة وحرمانــها مـن طرف يخدمها ويقويها، فالأولوية في نظرها هي اذن لمقاتلة «الجيش الحر»، وحتى في حال قاتلــت النظام، فإنها تفعل ذلك لاعتقادها أن مقاتلته تقوّيها هي لانها تكشف تهاونه وتقوض مكانته لدى الشعب، وهذان امران يعدان في رؤيتها من مستلزمات إخراجه من ساحة العمل العام، وتبلور وضع تكون هي فيه القطب المقابل للنظام، فتدور المعركة الحقيقية لتحرير الشعب ضد هدف الجهاد الحقيقي: الكفر والزندقة، ولا يبقى غير القضاء على النظام قبل استعادة دولة الخلافة، التي سيعود التاريخ بقيامها إلى مساره الصحيح، وتنشأ الشروط الملائمة للجهاد ضد الكفر على مستوى العالم.

بتناقض أولويات «الجيش الحر» مع أولوية هذه التنظيمات، تنتفي إمكانية إقناعها بهــدنة تلــتزم بها ريثما يسقط النظام، وبأن ما تفعله يخدمه ويجعل يوم قيام الخلافة أو غــيرها من أشكال الحكم الإسلامي المطلوبة خارج متناول ايديها. بذلك، تواجه مؤسسات المعارضة السياسية والعسكرية سؤالاً مفصلياً حول موقفها من التخلق التدريجي لنظام مذهبي بديل يقوض الثورة من داخلها ويحرفها عن هدفها الاصلي ويزج بها في معركة جانبية ليست في اولوياتها، ومن غير الجائز أن تخوضها، لأنها ستدمر موازين القوى القائمة بين الشعب والنظام، وتهــدد قدرتــه على مواصــلة المعارك بالوتيرة التي نعيشها منذ عامين ونيف، واخذت تشهد بعض التوازن خلال الفترة الأخيرة، بعد تباطــؤ هجــوم النظــام الشامــل في كل مكــان، وما ادى اليه من نجاح نسبي في تحقيق انجازات وقتية على الأرض، ربما كان من اهدافها الرئيسة استبدال قوى الجيش الحر ووحداته بوحدات ومقاتلي هذه التنظيمات، التي يفضل النظام مقاتلة اصولييها على مقاتلة طلاب الحرية، لاعتقاده أن قطاعات واسعة من الشعب ستفضل بقاءه على قيام حكومة تديرها، ترفض مبدأ وفكرة الحرية، وتعتبرهما كفراً وزندقة لا بد من القتال ضد انصارهما وقتلهم.

لا يجوز ان يكون القرار المطلوب قصراً على فئة صغيرة بعينها، عسكرية كانت أم سياسية، فالقرار وطني الأبعاد والنتائج ولا بد من مناقشة مواضعاته على مستوى وطني شامل، يشترك فيه المقاتلون الميدانيون، والمجالس المحلية والتنسيقيات ومنظمات المجتمع المدني داخل سوريا وخارجها، وتنظيمات وفصائل المعارضة، وقادة «الجيش الحر»، ومواطنو المناطق الخاضعة لاستبداد وعنف التنظيمات الأصولية، التي تمارس انشطة محض ارهابية ضدهم، تستهدف اساساً اعداء النظام الأسدي ومن يقاومونه ويقاتلونه، ولا تستهدفه هو. ومن المنطقي والمطلوب أن تختار المعارضة لجنة خاصة تتفرّغ لجمع معلومات دقيقة وتفصيلية حولهم، وترسم سياسات تتخطاهم إلى الوسط الاجتماعي والثوري السوري، من شأنها عزلهم وكشف حقيقة سياساتهم ورهاناتهم وممارساتهم العسكرية، وتتكفل بتوعية الشعب بما يفعلونه، وبتعبئة حراكه المدني المتصاعد ضدهم في جميع مناطق وجودهم وكل مكان من سوريا، التي تجأر اليوم بالشكوى منهم.

لننتقل من الاستهانة بالخطر إلى مواجهته، ولنواجهه بصورة شاملــة لا تبقــي له ثغــرة ينــفذ منها او يتمكن مـن الالتفاف بواسطتها على ما بقي من الثورة، وهو ليس كثير، فإما أن ندافع عنه ونستعيد ما فقدناه منه، أو أن نسمح بالقضاء على الباقي منه، ونقر بهزيمة قوى الحرية ونعلن فشلها بلا مواربة.

********************

المعركة مع التطرّف في سوريا

فايز سارة

المستقبل

السبت 20/7/2013

كثيراً ماردد السوريون، ان سوريا والسوريين أبعد مايكون عن التطرف والتشدد في كل الأمور والموضوعات، بما في ذلك موقفهم وفهمهم وسلوكهم من الناحية الدينية، وكان اصحاب هذه الرؤية، يستدعون في سياق تأكيد رؤيتهم معطيات ووقائع لا تخلو من أهمية، مثل الاشارة الى الطابع التعددي الديني والطائفي لمواطنيهم، وهو تعدد يعود الى عصور قديمة بدأ مع اولى الديانات الى استمرت الى جانب ما تلاها، وما ولد في سياق تلك الديانات من طوائف ومذاهب عاشت واستمرت في الواقع على اختلافها وتمايزها.

ويسوق اصحاب هذه الرؤية، معطيات اخرى حديثة ومعاصرة، مشيرين الى ان الاسلام السوري في طابعه العام له مسحة وسطية معتدلة، وان تلك المسحة فرضت نفسها على جماعات الاسلام السياسي، التي بدأ ظهورها اواخر ثلاثينات القرن العشرين، وكان بين أبرز رموزها مصطفى السباعي وعصام العطار، وعندما سعت تلك الجماعات للذهاب خارج سياق الاعتدال والوسطية الى العنف المسلح والجماعات المقاتلة في ثمانينات القرن الماضي في اطار صراعها مع نظام الاستبداد والدكتاتورية والفساد، فان السوريين لم يذهبوا معها رغم عدائهم للنظام القائم في حينها، وتركوها تواجه مصيرها منفردة، دون ان يقفوا الى جانب النظام او يسايروه.

غير ان الفكرة عن السوريين في بعدهم عن التشدد والتطرف وميلهم الى الاعتدال والوسطية، تعرضت للاهتزاز وصارت موضعاً للشك في العامين الاخيرين، والسبب الرئيس في هذا التحول، هو ظهور جماعات التطرف والتشدد الاسلامي والتي بدأ ظهورها الاول مع جبهة النصرة في بلاد الشام في بدايات العام 2012، ثم تصاعد وصولاً الى دولة العراق والشام الاسلامية أخيراً وبينهما كان العديد من الجماعات، واقترن مع ظهور هذه الجماعات حديث عن متشددين اسلاميين من العرب والاجانب وفدوا الى سوريا وبعضهم لعب دوراً في تأسيس وقيادة تلك الجماعات، التي وان توافقت شعاراتها بشأن اقامة الدولة الاسلامية، فانها اختلفت وتصارعت على تفاصيل فيما بينها، واتخذت موقفاً عدائياً من شعارات الثورة في طلب الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة وحكم القانون. وزاد على ما تقدم، ما تم القيام به من جانب تلك الجماعات من ممارسات اساسها اكراه واجبار السكان في مناطق تواجدها على تبني شعارات والقيام بسلوكيات تنتمي الى عالم تلك الجماعات، وتسربت للاعلام وقائع واحداث، قامت بها تلك الجماعات وكثير منها يصنف في عداد الجرائم الجنائية المعاقب عليه بالقانون، وان تمت تغطيته بواجهات دينية أو سياسية.

وبصفة عامة، لايمكن رؤية مؤشرات التحول السوري من الاعتدال الى التطرف بمعزل عن السياسات والممارسات التي تابعها النظام ضد السوريين منذ انطلاقة ثورتهم في آذار 2011، حيث كان اطلاق النار تعبيراً عن تطرف وتشدد النظام في مواجهة مطالب الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، الامر الذي أسس لعسكرة وتسلح، كما أسس لتطرف وتشدد يواجهان موقف النظام. بل ان ثمة ما هو أكثر من ذلك في سياسات النظام التي عززت فرص ظهور التطرف والتشدد الديني والجماعات الاسلامية التي تتبنى ذلك، والابرز في هذا المجال ثلاثة نقاط، النقطة الاولى قيام النظام باطلاق سراح عشرات الاشخاص من معتقلي وسجناء جماعات التطرف الاسلامي من سوريين وغيرهم وخاصة الذين كانوا معتقلين في سجن صيدنايا العسكري، والنقطة الثانية، إهمال ضبط الحدود بما يسمح بمرور كادرات وعناصر من المتشددين الاسلاميين الى سوريا، والنقطة الثالثة، بناء النظام مرتكزات له داخل تلك الجماعات أغلبهم من موقوفين سابقين في سجون النظام، وآخرين كانوا قد تعاونوا مع الاجهزة في العراق.

لقد حولت المعطيات والوقائع المحيطة أنشطة المتشددين الاسلاميين وجماعاتهم الى ثورة مضادة بدل ان يكون نشاطهم في مواجهة النظام على نحو ما يقول بعضهم-، ما أسس لتصادم بين المتشددين وجماعاتهم مع الثورة وتشكيلاتها المدنية والسياسية والعسكرية، وهناك مئات من الوقائع والاحداث الدالة، التي توالت في العامين الآخرين وفي كل المناطق السورية، ما جعل علاقة جماعات التشدد مع عموم السوريين تأخد طابع الصراع، وان يكن بوضعه الراهن أقل مما هو عليه الصراع بين كل منهما والنظام القائم، لكن لا أحد يضمن استمرار الوضع على ماهو عليه.

ورغم الطابع الهجومي لجماعات التشدد الاسلامي في التعامل مع محيطها الشعبي من حيث الزامه باعتقادات وسلوكيات التشدد، ومع محيطها السياسي باعلانها تكفير ماعداها وخاصة دعاة الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، ومحاولتها تهميش واضعاف القوى العسكرية الاخرى بما فيها تشكيلات الجيش الحر، فان تعامل اغلب السوريين معها اتخذ طابعاً دفاعياً اساسه نشاط فكري وثقافي وحركات مدنية وقليل من التظاهرات الاحتجاجية، والسبب الاهم لهذا السلوك "السوري" مركب متداخل، تتشارك فيه نتائج الهجمة التي يتابعها النظام ضد المناطق السكنية قتلاً وتدميراً وضرورة مواجهتها، ووعي السوريين العام ان الصراع ينبغي ان يتركز في المواجهة مع النظام، ومحدودية الامكانات والموارد، والتي ينبغي توجيهها للعيش بدل ذهابها في سياق حروب داخلية.

غير ان الطابع الدفاعي للسلوك السوري العام في مواجهة جماعات التشدد الاسلامي بشعاراتها وممارساتها، يمكن ان يشهد تحولات دراماتيكية، اذا استمرت وتصاعدت نشاطات تلك الجماعات ولاسيما المدعومة بالقوة العسكرية وباستخدام السلاح اداة للفرض والاكراه او اضعاف الاخرين، وهناك مؤشرات على ذلك في عدد من المناطق السورية ومنها الرقة ومناطق في ريف حلب وادلب، اضافة لاغتيالات تم تنفيذها ضد قيادات من تشكيلات الجيش السوري الحر، وهذه التطورات يمكن ان تلعب دوراً في تغيير طبيعة المعركة القائمة مع التشدد الاسلامي، بانتقالها من الطابع الدفاعي الى الهجوم مقابل الهجوم، وهو تطور خطر على عموم السوريين وعلى الثورة السورية بصورة خاصة، لانه يضعف الثورة ويقوي النظام.

ان الخيارات السورية الافضل في المعركة ضد التطرف والتشدد، يمكن ان تتضمن فتح ابواب الحوار والنقاش بشأن التطرف والتشدد الاسلامي، وما يمكن ان ينجم عن حضوره في الواقع السوري، والبحث في الآليات الكفيلة في تخفيف آثار المعركة الراهنة وتحويلها من صراع بالقوة الى صراع ديمقراطي ما أمكن، وهو صراع يمكن ان يتعزز بخطوات أساسية لعل الابرز فيها، تقوية الحراك المدني في المناطق خارج سيطرة النظام، وتحسين مستويات ادارة تلك المناطق، والعمل على توحيد التشكيلات المسلحة ولاسيما المنتمية للجيش الحر تحت قيادة هيئة الاركان، ومن شأنه هذه الخطوات ان تمت ان تلجم الطابع الهجومي لجماعات التشدد، وتدفع الى استعادة طابع الاعتدال والوسطية والتسامح في الواقع السوري، وهو طابع لابد من استعادته لترميم اوضاع سوريا ووضعها على سكة استعادة روحها وحياتها في معركتها لتصفية اثار حرب النظام، والتقدم على طريق المستقبل نحو الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، التي ضحى من أجلها السوريون كما لم يفعل شعب آخر.

********************

السوريون في سياسة النظام!

فايز سارة

الشرق الأوسط

الاحد 21/7/2013

رغم كل ما قام به النظام ضد الشعب السوري من أعمال قتل وتنكيل وتدمير، فإنه ما زال عبر بعض مسؤوليه ومن خلال أجهزته الإعلامية والدعائية وعلى ألسنة بعض مؤيديه ومريديه، يتحدث عن تمثيله للسوريين. ويطرح هذا التناقض سؤالا منطقيا، يتعلق بماهية السوريين الذين يتكلم عنهم النظام، وهل تتطابق رؤية النظام للسوريين مع تعريفهم باعتبارهم مجمل المواطنين السوريين الذين يحوزون جنسية هذا البلد، وينتسبون إليه على نحو ما هو المصري والفرنسي والإسباني وغيرهم.

فكرة النظام عن السوريين مرتبطة أشد الارتباط به، إذ هو يعتبر السوريين هم مجمل الأشخاص الموافقين على سياسته، وقد أشار رأس في النظام في إحدى خطبه الأخيرة إلى السوريين باعتبارهم الذين انتخبوه والذين يوافقون على سياساته وقراراته وممارساته، وهو قول ينسجم كل الانسجام مع فكرة النظام عن سوريا والسوريين، التي ترسخت منذ استيلاء الأسد الأب على السلطة في عام 1970. ومن يومها، صار كل شيء في البلاد ينسب إليه من معاهد الأسد إلى جسر الأسد وبحيرة الأسد ومشفى الأسد، وصولا إلى وصف سوريا بأنها «سوريا الأسد»، وهو تعبير شاع وجرى استعماله عشرات السنين.

وإذا كانت البلاد في عموميتها وفي تفاصيلها نسبت إلى الأسد، فقد بدا من البديهي، أن ينسب السوريون إليه، وهي حالة تواصلت محاولات إشاعتها وخاصة في أوساط التلاميذ والطلبة والشبيبة، وامتدت إلى صفوف الجيش وأجهزة الأمن الذين يصفهم البعض بـ«جنود الأسد»، وقد أظهرت حالة الصراع في سوريا كثيرا من مؤشرات ربط قطاعات من السوريين بالنظام وبرأس النظام، ممن يوصفون بـ«المنحبكجية» ومؤيدين للنظام الذين أشار إليهم خطاب رأس النظام في تعريف السوريين باعتبارهم مؤيدين له، وهذا يقودنا إلى الزاوية التي يرى منها النظام معارضيه من السوريين، وهي نظرة ثابتة ومتواصلة منذ وصول الأسد الأب إلى السلطة، وقد نظر إلى معارضيه باعتبارهم غير وطنيين بمعنى غير سوريين، ثم ذهب إلى الأبعد في وصفهم بـ«الخونة» و«العملاء» وأعطاهم أحيانا صفة «عملاء إسرائيل»، مشيرا في بعض الأحيان إلى ضبط أسلحة إسرائيلية بحوزة بعضهم ووجود عملة إسرائيلية، وكأن الأخيرة تجد لها فرصة تصريف في السوق التي يسيطر عليها النظام.

لقد استثنى النظام معارضيه من الأفراد والجماعات من الانتماء إلى سوريا، ملصقا بهم أبشع صفات الخيانة والعمالة، ممهدا لتعريضهم إلى أقسى أنواع العقوبات، التي شملت الاعتقال والسجن والإبعاد والتنكيل وصولا إلى القتل والانتقام من الأقربين وتدمير الممتلكات أو مصادرتها، وقد مورست هذه السياسة في عهد الأب ضد أفراد وجماعات من المعارضة بمن فيهم تيارات من حزب النظام، قبل أن تتحول هذه السياسة وتتجذر وتصبح سياسة عامة لا تستثني إلا القلة من السوريين بعد انطلاقة ثورة السوريين في مارس (آذار) 2011.

ولإن اتخذت سياسة النظام حيال السوريين منذ بداية الثورة طابعا عنيفا ودمويا شمل المحتجين والمتظاهرين والمعارضين وحواضنهم الاجتماعية، فقد سارت تلك السياسة في مسارين؛ أولهما ركز على الأشخاص والناشطين، شملتهم عمليات النظام، وتضرر بسببها نحو مليون سوري، قتلوا أو أصيبوا بعاهات دائمة، أو هم مفقودون بحكم الميتين، أو معتقلون لا تعرف مصائرهم.

وأصاب المسار الثاني من سياسة النظام الحواضن الاجتماعية للثورة في القرى والمدن التي شهدت حركات واسعة مناهضة للنظام، ودُفع قسم من سكانها في عمليات تهجير، جاءت نتيجة احتياجات أمنية وعسكرية متكررة وعمليات قصف وحصار وتجويع وترويع لأغلبية السكان ودفعها للنزوح إلى مناطق سورية أخرى أو إلى بلدان الجوار، ويقدر عدد السوريين النازحين داخل البلاد بنحو خمسة ملايين شخص، وهناك تقديرات قريبة من هذا الرقم لعدد السوريين الذين غادروا البلاد للنجاة بحياتهم وهربا من سياسة القتل والتدمير، وخارج هذين الرقمين، فقد استمر نحو 20% من سكان هذه المناطق في مناطقهم لأسباب مختلفة رغم صعوبات العيش وتحديات الموت والدمار المتواصلين، وبصفة عامة فإن المتعرضين لقمع النظام وإرهابه، مصنفون خارج مفهومه عن السوريين.

وبموازاة المسارين السابقين، اختط النظام مسارا مختلفا في التعامل مع مؤيديه الذين يعتبرهم سوريين حقيقيين، حيث سلحهم ونظمهم ووفر لهم مصادر دخل، وأحاطهم بالحماية والرعاية والعناية، ونظم ظروف حياتهم بجوانبها المختلفة، وحول مناطقهم إلى بؤر أمنية محمية، تتوافر فيها أفضل الشروط وكل الاحتياجات المادية والمعيشية.

إن الاختصار المكثف لسياسة النظام في التعامل مع السوريين، يرسم صورة الوضع الداخلي على أساس تقوية مؤيدي النظام الذين يمثلون أقلية - نخبوية، لا تتجاوز الـ20% من إجمالي السكان، وجعلهم القوة القابضة للنظام، التي تسيطر وتستعبد سكان المناطق المدمرة والمهجرين في الداخل الذين تدهورت أحوالهم إلى حد الخراب، مما يجعل من السهل السيطرة عليهم حسبما يرى النظام.

في موازاة السيطرة على مستضعفي المناطق المدمرة، فإن النظام تخلص من القسم الآخر من سكان تلك المناطق، بأن دفعهم ليصيروا لاجئين في بلدان الجوار، يواجهون صعوبات الحياة اليومية ومرارتها، ولا يستطيعون العودة إلى مدنهم وقراهم، وبذا يكون النظام تخلص منهم ومن تبعات وجودهم في سوريا، وألقى بأعبائهم على الآخرين.

إن الشيطان لا يستطيع رسم وتنفيذ سياسة كهذه. لكن الدعم الذي تقدمه روسيا وإيران وحزب الله وآخرون للنظام، وضعف وعجز قوى المعارضة السورية، وعدم فعالية دول أصدقاء الشعب السوري، وصمت المجتمع الدولي، يقومون بدور شرس في مساعدة النظام على رسم وتنفيذ تلك السياسة.

********************

لاتذبحوا الثورة السورية باسم الخلافة

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 21/7/2013

لاتذبحوا الثورة السورية باسم الخلافةهذا موضوعٌ من المواضيع الحساسة التي يُضحي الكلام فيها أشبهَ بالمشي في حقلٍ من الألغام. لكن ملابساته تتعلق بحاضر ومستقبل سوريا، فلا مفر من فتح ملفه.

ذلك أن خلطاً كبيراً يجري في محاولات تنزيل ماتُسمى بأحاديث الملاحم والفتن ونهاية الدنيا على الثورة السورية وأحداثها. وهو خلطٌ يزيد مساحات طريقةٍ في التفكير ليست في مصلحة الشعب السوري وثورته، ويظهرُ فيها ربطٌ لما ورد في الأحاديث المذكورة بوقائع الثورة وملابساتها الداخلية والخارجية بشكل فيه الكثير من التعسف أحياناً، ويبدو فيه التناقض بين الرواية والواقع، بطريقةٍ لاتنسجم ابتداءً مع المنهج الإسلامي الأصيل .

لن ندخل هنا في جدالٍ يتعلق بعلوم الحديث النبوي وأهمية دراسة العلاقة بين المتن والسنَد، وكيفية تنزيل الأحاديث النبوية على واقع البشر، وأولوية فهم الأحاديث في ضوء ماورد في القرآن الكريم، وما إلى ذلك مما لا يتسع له مقالٌ صحافي يهدف كما ذكرنا إلى فتح الملف قبل أكثرَ من أي شيءٍ آخر.

ثمة دلائل كثيرة على وجود المحاولات للربط بشكلٍ وثيق بين الأحاديث المذكورة وبين الثورة السورية، وهي تهدف في خضم الحماس والعاطفة إلى تأجيج المشاعر وزيادة الدعم للثورة فيما نحسب. لكنها لاتنتبه مع ذلك الحماس والتركيز على المشاعر إلى مافيها من أخطاء منهجية أولاً. والأهمُ من ذلك أنها لا تُلقي بالاً إلى حجم الفوضى الفكرية التي يمكن أن تنتج عنها، ومايترتبُ على ذلك من فوضى عملية .

هناك على سبيل المثال مقطعٌ على موقع اليوتيوب يتناقله الناس، والسوريون تحديداً، يتعلق حصراً بعلاقة أحاديث الملاحم بالثورة، .

يبدأ المقطع بمشاهد من أحداث الثورة السورية تَظهر على جانب الشاشة، في حين يقول الشيخ المتحدث على الجانب الآخر لها مايلي: «إن ماترونه الآن بأعينكم وماتستمعون إليه الآن في وكالات الأنباء وعبر الفضائيات ونشرات الأخبار قد تحدث عنه النبي المختار الذي لاينطق عن الهوى». هكذا، يلغي المُعلِقُ نهائياً ومن اللحظة الأولى أي احتمالٍ آخر، ويقطعُ جازماً بالعلاقة الكاملة بين الرواية النبوية وبين الحدث الراهن. وهو تحت الضغط النفسي الراهن يستعملُ احترام الناس للنبي الكريم لتأكيد تفسيره الشخصي للقضية، بحيث يُصبح الحوارُ والنقاشُ فيها من البداية مشبوهاً إن حصلَ، ومقروناً بتهمة تكذيبه عليه الصلاة والسلام.

بعدها، يظهر خطيبٌ آخر وهو يشرح حديث «لاتقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو قال بدابق»، وبينما يؤكد الخطيب أن دابق هي قرية في شمال سوريا تظهر صورة جانبية فيها خارطة سوريا الجغرافية، ثم تبدو بضعة أسهم وهي تتحرك من أوروبا وقبرص باتجاه المنطقة المذكورة، ليتابع المتحدث قائلا بالعامية: «لاحظ ماقال (حتى تأتي) بل (حتى تنزل) وهذا دليل أنهم يأتون من الشمال».

ثم يظهر متحدثٌ ثالث يكرر بداية الحديث المذكور ويقول «مَن الروم؟ الروم أو بنو الأصفر، امتدادهم الآن في العصر الحديث الأوربيون والأمريكيون، نسلُ بني الأصفر. أوروبا وأمريكا». ولتأكيد الصورة الذهنية، تظهر على الشاشة الجانبية أثناء الكلام مشاهدُ لاجتماع إحدى القمم الأوربية ثم مشهد للرئيس الأمريكي أوباما. المفارقةُ أن وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو يظهر في منتصف الصف الأول من لقطة الاجتماع! لكن منتج المقطع لايقف عند دلالة هذه اللقطة وكيف يمكن أن تُظهر التعقيد الكبير المتعلق بالموضوع، فالمهم هو استحضار شاهدٍ بصري يؤكد التفسير المُراد بغض النظر عن (التفاصيل).

وتكتمل التركيبة بظهور متحدثٍ رابع يذكر حديث «تصطلحون أنتم والروم صلحاً تاماً فتقاتلون عدواً من ورائكم». وفي هذه اللحظة تُظهر الشاشة الجانبية الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري أحمد معاذ الخطيب وهو يتجه لمصافحة الرئيس الفرنسي أثناء استقبال الأخير له في باريس!

ثم يكمل المتحدث قائلاً: «والسؤال: مَن هو هذا العدو؟» لتأتي الإجابة من متحدثٍ آخر يحكي عن إجماع السوريين كلهم على أن «بعض من يقاتلنا يتكلمون اللغة الفارسية»، ثم يذكر إيران و روسيا والصين.

وللتأكيد، يظهر متحدثٌ سابق يؤكد على قضية الحِلف مستخدماً هذه الكلمات: «يعني الأمريكان والبريطانيين والأوربيين، يكون بينكم حلف». .

هكذا، وبكل بساطة، يُصبح مؤكداً أن أوربا وأمريكا، ومعها تركيا عَرَضاً، ستتدخل لمصلحة الثورة السورية إلى درجة التحالف معها.. بل إن هذا الحلف سيحارب إيران وروسيا والصين.. وينتصر عليها. وتكون لقاءات رئيس الائتلاف السابق الذي لم يعد رئيساً وقت نشر المقطع في أوائل شهر تموز يوليو الحالي مع بعض المسؤولين الغربيين دليلاً على صِحة الأحاديث المذكورة. ويجري تجاهل كل الحقائق التي بات القاصي والداني يعرفانها عن المواقف الدولية من الثورة السورية. ويتم القفز فوق التناقض بين هذه الحقائق وبين تفسير الروايات بشكلٍ يظلم الثورة والرواية والرسول والإسلام نفسه إلى أبعد الدرجات.

لكن الموضوع لايقف عند هذا الحد، إذ يظهر أحد المتحدثين السابقين وهو يقول: «وتبدأ علامات الساعة الكبرى في الظهور وكأن المسبحة قد انقطعت وبدأت الخرزات تتساقط. فيغدرُ الروم بعد النصر. يغدرون بالمسلمين كعادتهم. ينكثون العهد. يبدؤون بقتال المسلمين وتبدأ الملحمة الكبرى.. فيقتلهم المسلمون».

بعدها، يظهر متحدثٌ سابق أيضاً ليذكر حديثاً آخر ويشرحه قائلاً: «فيخرج عليهم جيش من المدينة. المقصود بالمدينة دمشق بإجماع الشُراح وليس المدينة النبوية لأن المدينة النبوية تكون في ذلك الوقت خراباً بإجماع الشُراح. خلص، مايكون فيها أحد». هكذا، يُمَرَرُ الموضوع دون التساؤل عن علاقة مايجري الآن من أحداثٍ في الثورة بصراعٍ كوني مع الأوربيين والأمريكان يحصلُ وقد أصبحت المدينة المنورة (خراباً)،وبإجماع الشُراح!؟

أخيراً، ينتقل الموضوع إلى خروج المهدي ثم الحديث المعروف عن المراحل التي تحدث عنها الرسول وتتعلق بالخلافة الراشدة ثم الملك العضوض ثم الحكم الجبري وصولاً إلى «خلافة راشدة على منهاج النبوة».

نفهم أن يتفاعل البعض مع حرارة الثورة السورية، ونؤمن بأنها ستكون تمهيداً لتغييرٍ حضاري كبير، لكن هذه الطريقة في (استعجال) الملاحم والفتن ونهاية الدنيا لاتصلح مدخلاً للبحث عن خلافةٍ على منهاج النبوة. فهي حين تكون مليئةً بالتعسف والتناقضات لن تترك فسحة للعقل والفهم والتخطيط للتعامل مع التعقيد المحيط بالثورة السورية، وإنما ستصبح سبباً لذبحها بالفوضى والخلاف والاستعجال، والاعتماد على القوة العسكرية وحدها. ناهيك عن أن تسمح مثلُ تلك الرؤية مجالاً لإعمار الأرض والحكم الرشيد فيها بغض النظر عن التسميات.

********************

التاريخ يستيقظ في سوريا!

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 21/7/2013

ليس هناك أدنى شك بأن الحالة السورية لم تعد، بأي حال من الأحوال، مجرد صراع بين نظام يريد أن يبقى وشعب ثائر يريد أن يتحرر من ذلك النظام. لقد كان الوضع هكذا فقط في بدايات الثورة السورية لوقت لم يزد على السنة، حيث بدأت الثورة سلمية تحررية على غرار بقية ثورات الربيع العربي. وقد اعترف النظام نفسه بأن الثورة بقيت مسالمة حتى الشهر السادس من انطلاقها. ويؤكد هذا الأمر نائب الرئيس السوري فاروق الشرع في مقابلته الشهيرة مع صحيفة "الأخبار" اللبنانية، حيث أكد فيها بأن النظام كان "يتوسل رؤية شخص مسلح واحد" في الأشهر الأولى من الثورة كي يبرر استخدام القوة ضد المتظاهرين، لكنه لم يجد مسلحين، فقد كان الجميع ينشد التغيير سلمياً.

لكن من الواضح أن بقاء الثورة السورية سلمية، أو ذات اتجاه واحد، ألا وهو اتجاه التغيير، لم يكن في صالح لا النظام، ولا الكثير من القوى الإقليمية والدولية، فاستمرار الثورة السورية كحركة تحررية بدا وكأنه يضر بمصالح القاصي والداني في العالم. لهذا كان لا بد من حرفها عن مسارها لتشتيتها وإدخال عناصر مختلفة فيها كي تفقد هويتها السورية، وتتحول إلى بؤرة صراع متعدد الأطراف. وهذا الأمر لا شك أنه يفيد النظام، ويفيد الكثير من القوى خارج البلاد.

لقد بدأت لعبة تذويب الثورة السورية بفتح الأبواب للعناصر "الخارجية" بالظهور على الساحة. ولم تكن عمليات فتح الحدود السورية من كل الجهات إلا بداية لتفتيت الثورة، وجعلها شأناً إقليمياً ودولياً. الخطة أصبحت واضحة للعيان، خاصة وأن كثيرين يتهمون  النظام بأن العفو العام الذي أصدره أكثر من مرة لم يكن الهدف منه، بأي حال من الأحوال، الإفراج عن المعتقلين، بل إطلاق سراح العناصر "الجهادية" التي كان يحتفظ بها النظام في سجونه كي تبدأ بمقاتلته حتى يقول للداخل والخارج إنه يواجه "إرهابيين ومتطرفين وتكفيريين" كما يصفهم. وقد صرح العديد من قادة الجماعات المقاتلة أنهم كانوا فعلاً في السجون السورية قبل أن يخرجوا، ويبدؤوا القتال ضد النظام. طبعاً لا ندري صحة مثل هذا الكلام، وفيما إذا الأمر مخططاً فعلاً، أم أن المقاتلين جاءوا لمساعدة الشعب السوري كما يقولون، أو تم إرسالهم من جهات خارجية لمحاربة النظام وإنهاك جيشه.

في كل الأحوال، وأياً كان الاحتمال الأكثر ترجيحاً، فإن الوضع في سوريا انتهى إلى صراع متعدد الأطراف بعد أن دخلت عليه عدة جهات من كل حدب وصوب. ويرى حتى العاملون في مراكز البحوث الغربية أن سوريا لم تعد مجرد شأن داخلي بين شعب ونظام، بل أصبحت بؤرة صراع عالمي بامتياز تشارك فيه عشرات الجهات المتصارعة التي تريد أن تصفي خلافاتها على الأرض السورية.

سألت قبل أيام زميلاً مخضرماً يعمل في أحد أهم مراكز البحوث الأمريكية المختصة بالشرق الأوسط: كيف يرى تطور الأحداث في سوريا، فأجاب: " لقد استيقظت كل صراعات التاريخ في سوريا". والوضع السوري، برأيه، لا مثيل له أبداً، ويختلف اختلافاً كلياً عن الوضع في بقية بلدان الربيع العربي، ففي مصر الوضع واضح، وكذلك في تونس وليبيا واليمن. أما في سوريا فقد دخل الحابل بالنابل، بغض النظر عمن هو المستفيد من هذا الاشتباك والتشابك الخطير. ويرى الباحث أن "هناك الآن عشرة صراعات على الأقل تحدث على أرض سوريا دفعة واحدة: صراع روسي أمريكي، صراع روسي إسلامي، صراع عثماني فارسي، صراع عربي فارسي، صراع شيعي سني، صراع عربي عربي، صراع تركي إيراني، صراع أوروبي روسي، صراع كردي عربي، صراع إسلامي إسلامي. والباقي أكثر". ولا ننسى أيضاً أن جذوة الصراع بين النظام والشعب السوري لم تخمد أبداً، بدليل أنه لم تبق هناك سوى منطقة أو منطقتين لم تنخرطا في الحراك الهادف إلى التغيير رغم الخسائر الفادحة والمعاناة الشديدة التي لم يشهدها شعب غير الشعب السوري في العصر الحديث سوى الشعب الرواندي. لا عجب أن المنظمات الدولية لم تعد تجد إلا المثال الرواندي، وهو الأسوأ، كي تقارن به الحالة السورية، مع العلم أن الصراع في رواندا كان صراعاً داخلياً وقبلياً، على عكس الصراع السوري الذي تزيده التشابكات الدولية والإقليمية خطورة وتفاقماً. باختصار شديد، فإن العالم يتقاتل ويتصارع على أرض سوريا، والشعب السوري دفع ثمناً مرعباً على كل الأصعدة.

ويتهكم إعلامي سوري على الحال الذي وصلت إليه سوريا على ضوء التشابك الدولي على أرضها قائلاً: "قبل عقود قال الراحل الكبير محمد الماغوط: "من كثرة الطرق التي أصبحت تؤدي إلى قضية فلسطين، صارت القضية الفلسطينية بحاجة إلى إدارة مرور تنظم حركة السير إليها". وأعتقد، والكلام للإعلامي السوري، أن مقولة الماغوط رحمه الله "تنسحب أيضا على الحالة السورية التي تقاطعت كل الطرق المؤدية إليها".

********************

على ماذا يلتقي السوريون؟

غازي دحمان

المستفبل

الاحد 21/7/2013

أين صار موقع الحرية والكرامة في ثورة السوريين، بعد عامين ونصف من الصراع الدامي على تحقيقها، وهل ثمة ما لا يزال يؤكد إمكانية تحقيق مثل هذه الشعارات، أم أن الأمور تطورت إلى مكان آخر، وصارت هذه القضية من المنسيات؟

الجواب الطبيعي، هو أن الأمور في سوريا انحرفت إلى اتجاهات أخرى، وسياقات لم تكن تخطر ببال. بعيداً عن تحليلاتنا المواربة ورؤيتنا الرومانسية، المجتمع السوري كرس اصطفافه نهائياً، ولا يمكن العودة عن هذه الاصطفافات. لم يعد ينفع معها استمرار الدوران في الحلقة المفرغة، مثلما لم يعد ينفع وضع اللوم على عاتق طرف بعينه. هذه القضية باتت من مغذيات الصراع وعناصره المستفزة.

دع عنك ما يشيعه بعض السياسيين وما يحلم به المثقفون، هذه الشرائح تعمل وفق مبدأ التقية، همّها فقط ألا يتهمها أحد بالانسياق إلى الحضن الطائفي، وتماهيها معه، باعتبار أن ذلك عار على الثقافة والمثقفين، في حين أن الكتل الأساسية، من البيئات الحاضنة للطرفين، باتت في اتجاهات متباعدة، ولم يعد ممكناً اللقاء. وكذا توجهات السياسيين. في سوريا، يمكن القول إن كل البيئات انغلقت على نفسها وهي تعيش حالة استنفار دائم، همها الوحيد كيف تؤمن المدد للجيوش المدافعة، وكيف تصد الخطر عنها وتبعد شبحه.

هل ثمة دواع للاستغراب والاستنكار؟ بالأصل لم نكن، في هذا الوطن المنكوب، نجتمع على كثير من الذكريات والمشتركات. لم تكن الوطنية كافية لكي نتحصن خلفها، وهي لن تصلح للعودة إلى اجتماعنا الوطني. ظلت هذه العصبيات عصية على الاختلاط، وظل الاندماج ضمن نسيج وطني آخر همها. ولا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لاكتشاف ذلك. لا يحتوي التراث الثقافي والتاريخ السياسي للبلد على أي جهد للعمل في هذا الاتجاه. وساهم النظام السياسي في تكريس هذه الظاهرة، وكان يعمل على إنجازها، حيث وضعها ضمن حساباته في المهارة السياسية والقدرة على الحكم والتحكم. كان اللعب داخل الأنسجة الاجتماعية الوطنية وتمزيقها يشكل خط الدفاع الأول لنظام حكم ديكتاتوري، يهمه استمرار حكمه أكثر من أي شيء آخر. وكان يعتبر أن اجتماع السوريين على قضية جامعة من شأنه تهديد استقراره في الحكم.

مقابل ذلك، لم تبذل المكونات السورية ما يكفي من جهد لتحقيق الوحدة الوطنية. تمترس الجميع خلف معتقداتهم وعاداتهم وقيمهم، ولم يطوروا أي مشتركات تجمعهم. كل ما فعلوه في المرحلة السابقة، تمثل بتطوير الصور السلبية عن الآخر، واعتماد هذه النمطية في التعاطي. لم يكلف أحد نفسه الخروج من هذه الأقفاص. وحتى التكوينات السياسية، ذات الطابع المتجاوز للطائفية والعرقية، لم تكن سوى تجمعات غير فاعلة وذات تأثير سطحي. ولعل ما يفضح هذا الواقع، ذلك الحجم الكبير من الكره الذي طفا على السطح، ومنذ الأشهر الأولى للثورة، اكتشف العلوييون أنهم كانوا مضطهدين تاريخياً، وسيقاتلون حتى الموت، كي لا يعودوا إلى تلك الوضعية. واكتشف السنة، أو بعض منهم، أن العلويين أعداؤهم التاريخيون الذين يجب أن ينتهي عصر دولتهم عند هذا الحد. ما يثبت أن الطرفين كانا يمارسان لعبة غالب ومغلوب، لا عملية شراكة وبناء أوطان. وربما هذا ما يفسر سبب تأخر التنمية والتطور في سوريا، حتى لدى مقارنتها بدول الجوار. ربما كان المقصود تأجيلها إلى حين الانتهاء من هذه الوضعية النشاز.

بماذا تختلف سوريا عن يوغسلافيا، أو عن الاتحاد السوفياتي السابق؟ هذه نماذج لتجمعات شعوب لم تستطع أن توجد فضاءً مشتركاً تعيش فيه، الجغرافيا وحدها غير كافية لخلق وطنيات وإنجاز عمليات اندماج وطنية. دعونا من هذه الرومانسية المصطنعة. نحن لم يعد بيننا من ذكريات غير الدم. وجودنا أمام بعضنا البعض لوحده مستفز.

صار الكثير من السوريين يكرهون العلم الذي يمثلهم. فبعد كل عملية ذبح، يغرس هذا العلم على جثثهم. صاروا يكرهون سلاح بلدهم، الذي لا يكون صوته عالياً إلا في قمعهم. باتوا يكرهون الوطن الذي قذفهم لذل مخيمات اللجوء. وقائمة حزمة مكروهات السوريين باتت طويلة بطول أيام عذاباتهم.

باتوا يكرهون الوطن، الذي ترتجف قلوبهم رعباً على حواجزه الكثيرة، وينشف الدم في عروق أبنائهم. كل الأماكن صارت سيئة، هنا قتل صديق وهناك رفيق وعند المنعطف شقيق، هنا تم ضرب فلان، واعتقل الآخر. صار الوطن كابوساً يأتيهم حتى في الليل.

لماذا كل ذلك؟ لأنهم اعترضوا على فساد يعرفه الآخرون، وظلم يشهدون له، وقهر لا ينكره أحد فيهم... لأن صبرهم نفد منهم بعد أن قتل أولادهم، بعدما جعلوهم متأمرين وصهاينة وعملاء وتكفيريين وحاقدين. استحلوا قتلهم وانتهاكهم واغتصابهم واستباحتهم بكل الطرق. جلبوا كل آفّاقي الأرض للمساعدة في قتلهم، حتى كوريا الشمالية كان لها حصة في المشاركة.

على ماذا وأين يلتقي السوريون بعد عامين ونصف على مسلسل الذبح الدائر في بلادهم؟ على الحرابة والغلبة. إن كان ذلك هو الأمر فلتكن الحرابة على التخوم، ما عاد الوطن يحتمل أن تجري كل هذه الموبقات تحت سقفه.

********************

إسلاميون بسلوك غير إسلامي

علي العبدالله *

الحياة

الاثنين 22/7/2013

تكررت شكاوى المواطنين السوريين من تجاوزات الحركات الجهادية، وبخاصة عناصر دولة العراق والشام الإسلامية، في المناطق المحررة، وفرضها آراءها وخياراتها وقراءاتها للدين الاسلامي على المواطنين مثل منع التعبير عن الرأي بالرسم، ومنع الاختلاط في المدارس، ومنع منظمات المجتمع المدني من القيام بأعمال تنظيمية كتشكيل مجالس محلية، وقضاء مستقل، وشرطة مدنية، ناهيك عن فرض اطالة اللحى ولبس الزي «الاسلامي» على الرجال والحجاب على النساء، وتكفير المسلمين من المذاهب الأخرى والمسيحيين واليهود وشرعنة قتلهم وسلبهم ..الخ، واعتبار ممارساتها هي الاسلام ومخالفها كافر تجب اقامة الحد عليه وقتله.

أهذا هو الاسلام الحنيف؟

واقع الحال ان ثمة فجوة كبيرة بين هذه الممارسات وما ورد في القرآن الكريم وما عرف من سلوك النبي (عليه الصلاة والسلام) والصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين). فقد أمر الله نبيه بـ «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» (النحل:125). وقد امتدح القرآن الكريم تعامل النبي (عليه الصلاة والسلام) مع الناس بقوله: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر» (آل عمران:159)، اين منه شعار جماعة النصرة «بالذبح جيناكم». وعاتبه على مواقف لا تنسجم مع السلوك الاسلامي «عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى» (عبس:1-10). وزجره عندما اخذ بالدعاء في صلاته على أبي سفيان والحارث بن هشام وصفوان بن أمية، وعلى قبائل مضر ولحيان ورعلا وذكوان وعصية بقوله: «ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون» (آل عمران:128). وقد استعظم الاسلام قتل النفس البشرية دون حق واعتبر قتلها جريمة كبرى «فكأنما قتل الناس جميعاً» (المائدة:32). ولم يرتب، على تمييزه الحاد بين الدين الجديد (الاسلام) والشرك/ الكفر، عقوبة، القتل أو غير القتل، بل شجع على علاقات طبيعية مع المشركين ما لم يقوموا بالعدوان على المسلمين «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» (الممتحنة:8). ولم يدع الى اعتزال المخالفين أو الكفار أو مقاطعتهم: «وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين» (الأنعام: 68). بل ونهى عن شتم آلهة المشركين: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون» (الانعام:108) واعترف بالأديان الأخرى «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» (البقرة:285).

وقــــد أعطـــانا الرسول الكريم درساً في التعامل مــــع المخـــطئين والمخالفــين في غاية الاهمية والدلالة حين عفا عن الصحابي حاطب بن ابي بلتعة، الذي ارسل مع امرأة مشركة يحذر قريش من استعداد المسلمين للخروج الى مكة لفتحها، «لأنه شهد غزوة بدر»، وعفا عن المنافقين بعد غزوة احد رغم تخاذلهم في القتال وإرباكهم الجيش وتهديدهم للمؤمنين بإخراجهم من المدينة «حتى لا يقال ان محمداً يقتل اصحابه».

أين هؤلاء «الجهاديون» من هذه السياسة الحكيمة، عفا عن «خيانة عظمى» بلغتنا المعاصرة في حالة حاطب، وقتلوا الطفل محمد القطاع لأنه قال: «لو نزل محمد ما أدين»، مع ان العبارة تنطوي على تعظيم لمحمد (عليه الصلاة والسلام).

والإشكال الذي يطرحه هؤلاء «الجهاديون» مركب: نظرة احادية ضيقة وتصرف دون تبصر في النتائج. وهذا يتناقض مع منطق القرآن الكريم الذي انطوى على خيارات وحلول متعددة كي يتيح للمسلمين التصرف وفق ظروف المكان والزمان، وفق المعطيات المتبدلة، بما يخدم تحقيق المصلحة دون إعنات. ومعروف في التاريخ ان علي كرم الله وجهة قد امر مندوبيه لمناقشـــة الخوارج بأن لا يناقشوهم بالقرآن لأنه «حمال اوجــه» بتعبيره، والذي يقابله في لغتنا المعاصرة «فيه احتمالات»، ودعاهم الى مناقشتهم بالسنة النبوية باعتبارها قراءة المرحلة للقرآن الكريم. وان الشافعي غير في حلوله/ فتاواه/ قراءته التي ضمنها في كتاب الأم الذي وضعه وهو في العراق عندما حل بمصر.

وقد كشفت عمليات القتل الجماعي التي قامت بها منظمة قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بتفجير السيارات في التجمعات ضد رجال الشرطة والحرس الوطني ومساجد وحسينيات الشيعة في العراق، وهجمات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على المنشآت العامة، وعمليات القتل والذبح التي شهدتها مصر والجزائر والشيشان، والتفجيرات في دمشق وإدلب وحلب وقتل الأسرى والمخالفين... الخ عن خلل في الرؤية الشرعية والسياسية عند هذه الحركات، فالباحث في رؤاها الفكرية يلمس هشاشة أساسها الاسلامي، فالإسلام قد عظم حرمة النفس البشرية، حيث أن معظم مؤسسي وقادة هذه الحركات يعتمدون قراءة أحادية ولا ينطلقون من قراءة مقارنة للفقه الاسلامي ومقتضياته، وقد لاحظ د. قدري حفني، أستاذ علم النفس السياسي في جامعة القاهرة، بحق، «أن معظم أمراء الجماعات الإسلامية وكوادرها ليسوا من طلاب العلم الشرعي- بن لادن رجل أعمال، أيمن الظواهري طبيب، محمد عبد السلام فرج موظف في ديوان جامعة القاهرة، شكري مصطفى مهندس زراعي، عبود الزمر ضابط في الجيش... الخ - وهذا جعلهم أحاديين ومتشددين، لأن طلاب العلم الشرعي يدرسون المذاهب الإسلامية والمقارنة بينها، فيدركون التعددية والنسبية التي ينطوي عليها التشريع الإسلامي».

يعيدنا هذا إلى مقولة منسوبة إلى الحسن البصري مفادها: «تعلموا قبل أن تتعبدوا لأن الذين يتعبدون دون علم كثيراً ما يتحولون إلى غلاة ويصلون في سلوكهم حد القتل».

***********************
لم تخب جذوة الثورة .... والأسد سيسقط

خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية

الاثنين 22/7/2013

لم تخب جذوة الثورة السورية كما يدعي البعض خصوصا بعد التصريحات الأخيرة التي صدرت من بريطانيا وفرنسا أنهما لن يسلحا المعارضة السورية بحجة أن السلاح سيقع بأيدي المتشددين الإسلاميين مما يخيفهم والدول الأوروبية الغربية كلها وعلى رأسها أمريكا. طبعا لقد بات الداني والقاصي يدرك أن هؤلاء مخادعون يشترون الوقت منذ اندلاع الثورة للتمكن من جريان عداد الموت من قبل اللانظام السوري الذي تدعمه بقوة ربيبتهم إسرائيل وتصر دوما عليهم لإيقاف الهجوم ضده وتشتغل روسيا وإيران وحزب الله وعراق المالكي معهم في هذه السكة دون كلل ولا ملل من أجل مصالحهم المعروفة ويبقى الأسد المنفذ الحقيقي لها ويصيب عين الخطأ من يتوهم أنه يمكن أن يبقى صامدا ولو بمعونتهم إلى ما لانهاية فالسقوط بالنسبة له حتمي أمام إصرار هذا الشعب البطل الذي لم يتطرق إليه اليأس رغم فداحة المصيبات المرة بل إنه يتقاسم بكل ألم وصبر واصطبار همومه وابتلاءه من قتل وحرق وسجن وتدمير وتشريد واعتداء صارخ على الأطفال والنساء والشيوخ وقد رأينا بأنفسنا في رمضان هذا كيف يتم ذاك التقاسم والتراحم والتواد والتعاطف بإرادة فولاذية لا تعرف المستحيل لدى الثوار ولدى الجماهير البائسة. وإن الذي يعينهم على ذلك هو شعورهم حقيقة أنهم قطعوا نياط الأسد وعصابته وقصموا ظهورهم ولم تبق إلا قلوب ضعيف فإن تسافر وتتجول داخل مئات البلدات والقرى دون أن ترى حاجزا واحدا لما يسمى بالجيش النظامي والشبيحة لهو أكبر دليل على أخذ زمام المبادرة والمبادأة. وأما أن يحدث انحسار للجيش الحر في مكان ما ووقت ما فهذا أمر طبيعي إذ الحرب كر وفر ومرة تدين ومرة تدان بل كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعسكر الشرك والردة والنفاق سجال. ولم تتم الهزيمة لهم بالمعنى الإسلامي ولا بالمصطلح العسكري الاستراتيجي أما من حيث الخطاب الإسلامي فإننا نرى أنه يؤكد أن لا هزيمة لفريق المسلمين إلا بعد أن ينتقلوا من هدايتهم إلى ضلالة أعدائهم فلما لم يتم ذلك فالكرة بعد الفرة هي المعتبرة وأما من حيث المصطلح فكم رأينا في التاريخ وأيامنا هذه ضمن حلبة الثورة السيطرة لللانظام على موقع الزمن ثم لا تلبث المعادلة أن تنقلب ولو بعد أشهر عليه كما حدث في بابا عمرو بحمص إذا استرده الثوار وكذلك غيره من المواقع على امتداد الجغرافية السورية خصوصا في ريف دمشق وحلب وغيرهما ولكن الأكثر والذي يمثل ظاهرة لا يمكن إنكارها هو أن العصابة الأسدية هي التي تتراجع ولا تتقدم وتعجز رغم كل العتاد النوعي والدعم الدولي والاعتماد على ركائز إسرائيل وروسيا وإيران وإلا فما الذي يفسر استعانتها بما يسمى حزب الله الذي أخذ على نفسه العهد بالدفاع عنها باسم المقاومة المزعومة مرة وباسم الدفاع عن المزارات والمقامات والضرائح الشيعية مرة أخرى وها هو اليوم يقاتل في ريف دمشق وحلب وحمص بعد القصير فما الذي فيها من المزارات والمقامات ليس ثمة تفسير إلا الإعانة على انتهاج سياسة الأرض المحروقة فيها وتطهير مدينة ابن الوليد من السنة وتهجير أهلها بعد حصارهم وقتل الأغلبية بإبادة شنيعة لعوائل كاملة ولا يزال المسلسل الدموي متواصلا على مرأى من المجتمع الدولي المتآمر المؤتمر بتوجيهات اليهود الذين يتشاركون مع الروافض في أوجه تشابه كثيرة عدها الإمام أبو حامد الغزالي في فضائح الباطنية وعبد القادر الجيلاني في الغنية واعتبراها أفظع مما يرتكبه اليهود وهذا هو الذي يحدث تماما اليوم ولم ينبها علماء السلف إلا كي نحذر هؤلاء ونستعد لهم ونرى وللأسف أن البلاد العربية بل من أكبرها من تسير في اتجاه السكوت السلبي ولا تعين حمص وأهلها بما يفرج عنهم لا بدافع نخوة الجاهلية ولا بدافع رحمة الإسلام وحتى في شهر الصيام والقيام وإننا لن نعجب من هذا فقد ذكر أمير البيان شكيب إرسلان كيف أن مائة مشروع كان وراء إسقاط الخلافة الإسلامية التي نعاها أمير الشعراء شوقي وكان من بينها المشروع الطائع الخاضع للمشروع الإنجليزي أعني المشروع العربي الذي انقلب عليه سيده بعد ذلك مثل ما ضحك أرباب الثورة الروسية على المسلمين في حربهم ضد القياصرة حيث ساعدوهم ثم انقلبوا عليهم فما أشبه الليلة بالبارحة وإن المسلمين في العالم خصوصا حكامهم ليسوا بأقل إثما وجرما حيث إنهم بتقاعسهم بل وبتآمر بعضهم وتبعيتهم إلى الحكم والمال السياسي يسهمون بقوة في ذبح أهلنا في حمص وسورية عموما. لكن الذي ينبغي أن يشار إليه أن ثوارنا وأهلنا في الداخل السوري على نفسية ومعنوية عالية جدا لا يفكرون بمثل ما يدور في خلد من هم في الخارج ويهزمون بالرعب من حبال الناس مسيرة أشهر وسنين ولذلك فإن التصور بين الموقعين مختلف جدا وما على الموقع الخارجي حتى يطمئن ويسكن ولو إلا حد مقبول إلا أن يمد الداخل بالمال والسلاح والغذاء والكساء والدواء والخبرة والخبراء والعلماء والمرشدين والدعاة الذين يسيرون بالثورة على جهاد مستبصر لا فوضوي وهنا أشير إلى أنه قد تحدث أخطاء متعددة قليل منها جسيم وهذا شأن البشر بل إن عصر الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسلم منها حتى الكبائر مثل السرقة والغلول والزنى... وإن كانت بنسب ضئيلة فكذا هنا ولكن المهم أن الظاهرة الغالبة الواضحة هي السبيل المسلوكة من جهاد واستشهاد واصطبار ونفس طويل وتعاون وتشاور حتى يحكم الله برغم مخاطر هذا الهلولوكوست الجهنمي الكريه ليس من الجزار بشار فحسب إذ ما هو إلا أداة ولكن من المجتمع الدولي بأسره وعليه: فإننا نبشر الخائفين المشفقين إخلاصا على الثورة أن لا عودة عنها أبداً مهما قست الظروف وإن شعبنا الأبي لن يعول إلا على الله وعلى المؤمنين وهو بهذه الإرادة سينتصر بلا ريب.

وإنما رجل الدنيا وواحدها  من لا يعول في الدنيا على أحد

ولن ينجو اللانظام من غضبة الشعب إلا هارباً إلى شريطه الساحلي أو مقبورا في دمشق بإذن الله.

********************

سورية غدت مطية لصراع الامم

عقاب يحيى

القدس العربي

الثلاثاء 23/7/2013

أكيد لم يكن بوارد الشباب الذين فجروا الثورة أن يدخل على خطها كل هذا الثقل الناجم عن تدخل كثيف لقوى إقليمية وخارجية تتصارع في مشاريعها، وكلّ يريد سحب الوضع لصالحه، أو إيجاد مرتكز ما له.. ولو بكمشة عملاء، او كم قبضاية يحملون السلاح.. أو بالذي أكثر: في محاولة للاستحواذ على القرار السوري وتجييره وفق المطلوب في رؤى ومواقف تلك الجهات ..

ـ الثورة التي فجّرت خزين التراكم.. بعد عثود التهميش والتغييب، واغتيال الحريات، والكرامة، والعدل، والحقوق.. لخصت شعاراتها بوعي شامل لإرادة السوري وتوقه.. وتصور كثير أن طغمة الإجرام والفئوية ستذعن لمطالب الشعب وضغطه السلمي.. وأقل ذلك الاستجابة لعدد من الأهداف المطروحة.. وكان العكس هو الردّ..

ـ الطغمة خططت، والطغمة عبّرت بجلاء عن أن الذي يجري مجرد فتنة ومؤامرة.

الفتنة في تعريفهم: سوق البلاد إلى المطحنة الطائفية، وتصوير الثورة على أنها فعل سني، أو لبعض السنة ضد بقية الشعب.. وقصة المؤامرة حاضرة أبدياً مع كل نسمة ريح، أو حركة ولو عفوية، بسيطة..

ـ استنجدوا منذ البداية بإيران عبر أشكال مختلفة من التدخل، وكانت روسيا حاضرة ـ لأسباب كثيرة ـ كي تمدّهم بالمساندة العسكرية والسياسية، ومارسوا فعل القنص والاغتيال، والاغتصاب، الاعتقال المميت لدفع الشباب لحمل السلاح كي تتحول الثورة إلى العَسكرة فيصبح الأمر قتــــالاً بين فريقين.. بميزان قوى مختل لصالح الطغمة، وكي تضطر الثورة أكثر فأكثر لطلب العون من خـــــارجها.. لأن السلاح مكلف، ويستحيل على القدرات الذاتية التكفل به، ولأن طغيانه يعني الدخول في غابة كثيفة الأشجار، عديدة الممرات والدروب الفرعية، وتسمح لكل تاجر، وجهة ولوجه ..ويمكن سرقة الثورة، أو حرفها، كما يمكن السيطرة على قرارها لصالح هذه الجهة أو تلك ..

ـ الطغمة التي تتاجر بشعارات الوطن، والممانعة.. كانت خائنة لهما على طول عقود حكمها، وهي أكثر تبجحاً، وعهراً سياسياً فيما تطرحه من تهم، وما تمارسه من فعل استقدام الخارج والاستناد إليه، والثورة التي غلب عليها الطابع العسكري باتت في الزاوية الحرجة لخلق ميزان جديد من القوى.. استلزم، ويستلزم مزيد العون من الشقاء والأصدقاء.. ثم انفلات الحبال على مشارق الأرض ومغاربها طلباً للمزيد، والمزيد مشروط بخطط هؤلاء، والمزيد ممنوع، وتعديل ميزان القوى ممنوع أيضا، ودونه ما يُراد لبلدنا من استمرار الاستنزاف، وتدمير الدجولة، وتصعيد التوترات الطائفية وصولاً للاحتراب المباشر..

ـ قد يبرر كثير من السوريين صمتهم، أو بلعهم لمستوى التدخل الخارجي في شؤونهم، بما فيها التفصيلية، وبطريقة فجة.. فينزلقون.. وحين يحدث الانزلاق من قوى معارضة ترفع شعارات الاستقلالية والقرار الوطني .. تصبح كل الدروب سالكة لأنواع صاخبة، ومعيبة من التدخلات.. ويصبح أمر الحفاظ على استقلالية القرار الوطني عملية مكلفة وتحتاج جهوداً مخلصة من الوطنيين السوريين، وإنتاج بدائل ربما استغرقت وقتاً بالاعتماد على الذات، وبناء معادلة جديدة.

ـ اليوم.. وقد باتت بلادنا مسرحاً لتصارع عديد المخططات ..

ـ اليوم وقد انكشفت اردية وشعارات أصحاب القرار.. ومراوغاتهم، وتبدّل اشتراطاتهم المتنقلة ..

ـ اليوم وقد بات التدخل في شؤوننا سافراً، ووقحاً، وتفصيلياً..

اليوم وقد سقطت الرهانات على الرهان.. ولم يبق سوى الاعتماد على ارادة وقدرات شعبنا بالأساس، والمخلصين من الأشقاء والأصدقاء الذين يدعمون دون فرض تدخلاتهم.. لم يبق للوطنيين السوريين إلا أن يلتقوا حول المشتركات الكبيرة.. ليحموا حرية، وسيادة واستقلال البلد من مخاطر فعلية صارت مرتسماتها كبيرة على الأرض، والتي تنحو باتجاه تقسيمي وتفتيتي.. وبما يفتح شهية عديد المجموعات الإثنية والطائفية المضي قدماً في مشاريعها النائمة، أو المستيقظة بقوة ما تلقاه من دعم، وما تعيشه الثورة من صعوبات .

ـ اليوم.. تحتاج الثورة لوقفة جادّة تقوّم فيها مسارها وأوضاعها لإنتاج رؤيتها السياسية، وبرنامجها على ضوء التطورات، وفي وثائق القاهرة للمعارضة السورية ما يشكل مرجعية مهمة .

********************

فرص التوافق ومخاطر الصراع بين الديموقراطيين والإسلاميين السوريين

د. عبدالله تركماني

المستقبل

الاربعاء 24/7/2013

تثير إشكالية البديلين الممكنين في سوريا ما بعد التغيير جملة تساؤلات: هل ثمة ضرورة لعلاقة ما بين الدين والدولة ؟ ما هي تجلياتها ومحدداتها وحدودها وإيجابياتها وسلبياتها ؟ وأية سلطة ستنشأ في حالة هيمنة الإسلاميين وبالتالي أية ديموقراطية ؟ وما مدى قدرتهم ورغبتهم في احترام الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ؟ وما الذي يريده الديموقراطيون على صعيد ماهية الدولة والمواطنة السورية وطبيعة الحكم ؟ وما هي فرص التوافق ومخاطر الصراع بين البديلين الممكنين؟

إنّ التحدي الكبير الذي يواجهه الإسلاميون السوريون يتجسد في موقفهم من المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن أي معطى آخر: ديني، أو طائفي، أو قومي. بما تقتضيه هذه المساواة من أن تكون مرجعيتهم الإسلامية حاضنة حضارية تتسع لجميع صنوف الاختلاف السياسي والديني داخل الوطن السوري. ولعل التحديات والأسئلة كثيرة، وكلها تتعلق بمفهوم مدنية الدولة، وديموقراطية الحكم، والموقف من مفهوم المواطنة، ومنظومة الحقوق والحريات للجميع من دون تمييز. ويبقى التحدي الأساسي المطروح هو النأي بالمسألة الدينية عن صراعات الشرعية السياسية والتجاذبات الأيديولوجية، وتحويلها إلى سياج معياري ضامن للقيم المدنية المشتركة (الديانة المدنية بلغة روسو).

أما التحدي الأبرز أمام الديموقراطيين السوريين فهو الاعتراف بأنّ الحالة الإسلامية السورية هي جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي، فلا يمكن تجاهل وجودها أو التلويح بخطرها من قبل بعض الديموقراطيين، وذلك لسبب بسيط، هو أنّ الديموقراطية لا تحتمل أي خطاب إلغائي أو استئصالي لأي من المجموعات السياسية حتى لو اختلفنا معها. على أنّ خطأ التعاطي مع الإسلاميين كتيارات دينية وأيديولوجية جامدة من دون النظر إليهم كحركات اجتماعية وقوى سياسية تؤثر وتتأثر بما يدور حولها، يحرمنا من إمكانية البحث عن فرص التوافق من أجل بناء سوريا المستقبل.

ومن أجل تعظيم فرص التوافق بين البديلين الممكنين يجدر بالحالة الإسلامية السورية مغادرة الالتباس في موقفها من: الحقوق المتساوية للمواطنات والمواطنين، والديمقراطية، والتعددية، والتداول السلمي على السلطة، والدولة الدينية، وممارسة العنف للوصول إلى السلطة. كما يبدو أنّ التزامهابـ " العهد والميثاق"، الذي أصدرته جماعة الإخوان في آذار 2012 (تعتبر الشعب مصدر السلطات، كما تعتبر الدولة العصرية وقيمها ومؤسساتها مرجعاً ومصدراً وأنموذجاً)، يؤسس لعلاقة وطنية معاصرة وآمنة، بين مكوّنات المجتمع السوري، بكل أطيافه الدينية والمذهبية والعرقية، وتياراته الفكرية والسياسية.

ويدور الأمر حول ما إذا كان بالإمكان طرح مفهوم للمواطنة يقوم على أساس المصالحة بين مجتمع مؤمن ودولة لادينية، أي دولة تحترم الدين وتصون الحريات الكاملة لمواطنيها المؤمنين لممارسة شعائرهم الدينية، المتعددة والمختلفة والمتباينة، من دون أن تتخلى عن مدنيتها. فهل يمكن بناء نوع من " العلمانية المؤمنة " في سوريا المستقبل ولكن بغطاء عقلي نقدي يتيح مناخ النقد وحرية المعتقد والتفكير والرأي الحر للجميع ؟

وفي هذا السياق لا بد أن نعترف بأنّ بلادنا تضم تعدداً وتنوعاً دينياً ومذهبياً يشكل صورة حضارية مشرقة للتنوع والتسامح والتفاعل والعيش المشترك، والعلاقة بين الوطن ومكوّناته يمكن أن تكون علاقة توافق وتكامل، حين تكون الحدود واضحة بين المساحة المشتركة والمساحات الخاصة، ويمكن أن تكون علاقة صراع حين تريد المكوّنات توسيع مساحتها الخاصة على حساب المساحة المشتركة، أو حين تريد سلطة سورية ما بعد التغيير توسيع المساحة الوطنية المشتركة على حساب خصوصيات المكوّنات.

وقد يكون هذا المدخل في استشراف اتجاه إعادة الجماعة الإسلامية لإنتاج نفسها أكثر منطقية وصحة، فهي بحاجة إلى أن تبحث عن تعريف لنفسها يختلف عما كانت عليه سابقاً، وهو تعريف يجب أن يكون مستمداً من رؤية لدورها وما تسعى إليه بالفعل، ومن حاجة مجتمعنا السوري إلى الانخراط في متطلبات الموجة الرابعة للدمقرطة في العالم. بحيث تكون رسالتها مفادها أنها حركة مدنية ديمقراطية لا تؤمن بحكم الفرد ولا بعصمته، وإنما مشروعها في الحكم مشروع جماعي تشاركي لا ترى نفسها إلا طرفاً فيه كغيرها من الأطراف.

كما أنّ على الديمقراطيين عدم التشجيع على الاستقطاب الأيديولوجي وتقسيم المجتمع على أساس النمط المجتمعي الذي يدافعون عنه، وأن يعملوا سياسياً بمنطق وفاقي ويبحثون عن أوسع ائتلاف ممكن للانتقال بسوريا من حالة الدمار الحالي إلى أفق ديموقراطي أرحب، ويعتبرون أنّ قيم الثورة السورية تمثل مرجعية سياسية لكل القوى التي تريد القطع مع الماضي وإدخال البلاد نهائياً في مرحلة ديمقراطية.

إنّ الديمقراطية لا تستقيم في ظل قيادات تعيش حالة تنافس غير منضبط يمكن أن ينقلب في أي وقت إلى فوضى، مثلما هي حال ساحة المكوّنات السياسية السورية اليوم، التي تغرق في بحر من الخلافات رغم ما تدّعيه جميع أطرافها من وحدة الأهداف، وتؤكده حول وجود خلافات محدودة في أساليبها، لكن الغريب أنها لا تجد ما يكفي من مشتركات تدفعها إلى اعتماد الحوار في علاقاتها، والإقرار المتبادل بحق كل منها في تقديم قراءة مختلفة حول ما تطرحه الثورة السورية من قضايا ومسائل ومشكلات، لأنّ وجوده ضروري لتشكيل فضاء الحرية المفتوح.

() باحث مستشار في مركز الشرق للبحوث- دبي

********************

غارة إسرائيلية جديدة!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 24/7/2013

قال الرئيس السوري بشار الأسد إنه أصدر أوامره إلى جيشه بالرد على أي اعتداء إسرائيلي جديد، وقال حزب الله إنه سيرد على أي عدوان إسرائيلي جديد، وأكد ناطقون باسمه أنه سيشارك في هذا الرد على «العدو».

وعلى الرغم من النفي، تفيد معلومات مؤكدة بأن إسرائيل قصفت مستودعات ومواقع عسكرية تابعة لبحرية الأسد، تضم صواريخ فائقة التطور مضادة للسفن، كان ناطق باسم الأركان العامة الإسرائيلية قد قال إنها ستقصف بسبب خطورتها على التفوق البحري الإسرائيلي في شرق المتوسط، بينما حذر ضابط في الأسطول السادس الأميركي منها وطالب بإيجاد حل لها قبل أن تدمر سفنه من مسافة 300 كيلومتر.

جاء الإعلان هذه المرة أيضا من جهة لا مجال لتكذيب أخبارها هي الولايات المتحدة، التي دأبت على الإعلان عن الغارات الإسرائيلية، قبل أن يؤكد ناطق عسكري إسرائيلي الخبر، ويعلم الشعب السوري أن الأهداف أصيبت، وأن التدمير كان كبيرا، وأن «جيشه البطل»، الذي يدمر بكل اقتدار مدنه وقراه منذ عامين ونيف، لم يسقط هذه المرة أيضا أي طائرة للعدو، ولن يفعل شيئا ضد المعتدين.

لم يعلن النظام أول الأمر عن وقوع الغارة. لقد ابتلع الضربة والإهانة هذه المرة أيضا، ثم نسبها إلى المعارضة، لأنه، لشدة جبنه وانعدام وطنيته، يخشى الالتزام بتبجحه حول الرد الذي سيأتي حتما في حال وقع عدوان إسرائيلي جديد، بناء على أوامر صدرت من الرجل الذي ما إن سمع الهتاف من أجل الحرية، حتى أمر بتدمير شعب سوريا ودولتها: «الفريق» بشار الأسد.

نظام الأسد لم ولن يرد، فلماذا لم يرد حسن نصر الله وحزبه؟ بعد غارة دمشق على مواقع الحرس الجمهوري، أكدت وآخرون أن الحزب لن يرد، لأنه دخل في الزمن الأسدي، زمن البحث عن مكان وزمان ملائمين للرد على اعتداءات العدو المحتل، فما ذنبه إن كان لم يعثر عليهما بعد، لأنهما غير موجودين وإلا لكان عثر عليهما «النظام المقاوم»، الذي يبحث عنهما منذ نيف وأربعين عاما؟ هل من الحكمة أن يندفع الحزب إلى مقاتلة من هم خارج أي زمان ومكان، بينما زمان ومكان القتال ضد عملائهم من «التكفيريين» متوافر داخل سوريا، حيث يجري خوضه انطلاقا من «وعد إلهي صادق»، التزم به نصر الله، جعل القتال يدور على قدم وساق، في الليل والنهار، ويغطي كل شبر من الأرض السورية، حيث لا توفر «المقاومة «الأسدية - الإيرانية» أي «تكفيري»، سواء كان عمره شهرا واحدا أم مائة عام.

قال الإسرائيليون بعد غارة دمشق ضد حرس الأسد إنهم لن يوقفوا ضرباتهم، وصدقوا. وزعم الأسد وحسن نصر الله أنهما سيردان على أي ضربة إسرائيلية جديدة، وكذبا. وبما أنهما اكتفيا من الرد بالكذب، حين نسبا الغارة الجوية إلى طيران المعارضة، فقد بقي جيش الأسد وحزب إيران غارقين في دماء السوريين، الذين انقلبوا بين عدوان وآخر إلى «تكفيريين»، وصار قتلهم الرد الأمثل على إسرائيل، كما أخبرنا نصر الله في خطبه، التي جعل شعب سوريا عميلا لها، وعدوا لا بد من قتله بالنيابة عن صهاينتها، ما دام قتل هؤلاء مستحيلا، بسبب البحث عن زمان ومكان مواجهتهم، حتى إن هم سددوا ضربات مؤلمة للأسد، وفعلوا ذلك في كل زمان ومكان يختارونه، من دون كذب وتبجح أجوف!

ثار السوريون لأسباب بينها سكوت الأسدية على اعتداءات إسرائيل وحماية احتلالها للجولان. يؤمن شعب سوريا بأن حكامه سلموا إسرائيل الجولان مقابل كرسي الحكم. هذا الإيمان لن يغيره انضمام حسن نصر الله إلى جوقة الكذابين الأسديين، خاصة بعد أن دخل بلادنا وهو يوجه بندقيته إلى صدور مواطناتنا ومواطنينا، ولم يخجل وهو يتبنى منطقا متناقضا يزعم أن قتال «التكفيريين» شرط لازم لمقاتلة إسرائيل، علما بأن كسر شوكتهم ليس بالأمر السهل، لأن الصهاينة يحمونهم ويمدونهم بالسلاح الضروري للقتال!

بانتظار غارة إسرائيلية جديدة، سيستمر قتل الشعب السوري، وسيبقى الإسرائيليون والتكفيريون في خير وأمان، وسنسمع أراجيف تتكرر على مسامعنا منذ نيف ونصف قرن، وسيتواصل بحث الأسد وتابعه اللبناني عن زمان ومكان وهميين، لن يعثرا عليهما في أي زمان ومكان!

********************

في ما خصّ ثوابت الصراع السوري

أكرم البني *

الحياة

الاربعاء 24/7/2013

من يتأمل الأحداث السورية وما يرافقها من تحولات سياسية وعسكرية لا يصعب عليه فرز بعض الظواهر التي تتكرر في المشهد وتبدو أشبه بالثوابت.

أولاً، استعصاء الصراع على الحسم والحل في آن، مخلفاً مع كل يوم يمر المزيد من الضحايا والمعذبين والهاربين من أتون العنف، ولا يغير الأمر تكرار التصريحات والدعوات الخجولة لإيجاد حل سياسي، ولا ما يحققه النظام مرة، والمعارضة مرة، من مكاسب عسكرية هنا أو بعض التقدم هناك، فهذه أشبه بعمليات كر وفر يتناوب الطرفان عليها، تبعاً للتباينات المستجدة في توازنات القوى واختلاف المدن والمناطق.

بعد أكثر من عامين تتنامى في مختلف الأوساط السورية قناعة بأن أمد الصراع سيطول أكثر وأكثر، وبأن النظام المنتشي ببعض النتائج الميدانية التي حققها أخيراً، يدرك جيداً استحالة تحقيق نصر عسكري كاسح يقلب ميزان القوة لمصلحته، مثلما تدرك المعارضة عجزها عن تحقيق الغلبة حتى لو مدت بما تطلبه من أسلحة.

والحال، لا يستطيع النظام بعد هذا الزمن الطويل تحقيق الحسم الذي وعد به مراراً، بدليل الوقائع الدامغة التي تظهر شدة ما تعانيه قواته المدعومة من حلفاء متمرسين، من أجل التقدم مسافات بسيطة في مدينة حمص المحاصرة وريف دمشق ودرعا وغيرها، ولا تستطيع المعارضة على اختلاف أطيافها الادعاء بأنها مطمئنة إلى قوتها وقدرتها على الحسم حتى لو وصلها دعم نوعي، أو بأنها تستطيع الاستقرار في أماكن سيطرتها وتحويلها من عبء عليها إلى ظهير وعمق لقلب التوازنات القائمة.

ثانياً، لم يعد الحدث السوري مجرد ثورة محلية بين المطالبين بالتغيير وبين حماة الوضع القائم، فقد أفضت حالة العنف المفرط والإنهاك الذي أصاب القوى العسكرية والأمنية وتسارع التدهور الاقتصادي، إلى استجرار دعم خارجي واسع، وإلى تحويل الصراع الداخلي إلى صراع ذي بعدين إقليمي ودولي، ليصح القول إن البعد المحلي أصبح ثانوياً ومرتهناً للبعد الخارجي، ومثلما أن النظام لم يعد قادراً على إدارة حربه من دون الدعم الإقليمي والدولي وعلى كل المستويات، فإن المعارضة أيضاً ليست قادرة على الاستمرار والمواجهة وتعديل حضورها من دون إمداد إقليمي ودولي.

والقصد أن سورية أصبحت بالفعل مسرحاً للتدخلات الخارجية، التي تبدو كأنها أكثر فعالية في إدامة القتال وليس في إنهائه، ونسأل ألم يفضِ الدعم الروسي للسلطة وركونه لأوهامها في الحسم العسكري إلى إجهاض الحل السياسي وتغذية خيار الحرب؟! أولم يشكل تلكؤ الدوائر الغربية وسلبيتها في وقف العنف ودعم المعارضة السياسية مفتاحاً لشحن التطرف والعنف المضاد؟!

لا يخطئ من يرى في ذلك تناغماً أو تواطؤاً دولياً يتقصد إطالة أمد الصراع ومنع الطرفين من تحقيق انتصار كاسح ومستقر، بداية لإنهاكهما وإضعاف مقومات حضور قرار سوري مستقل، ثم كرهان على توسيع دائرة المعارك في استجرار المتشددين، من السنّة والشيعة، لينكل بعضهم ببعض، ما يفسر التسهيلات غير المباشرة لعبور ما يسمى الخلايا النائمة من تنظيم القاعدة من بلدان أوروبية وآسيوية عدة إلى بلاد الشام لنصرة أهلها والإسلام المهدد هناك، وفي المقابل إغماض العين عن التورط المتصاعد لحزب الله وبعض القوى العراقية الشيعية في الصراع السوري.

ويصيب من يفسر الأمر بتنازع حاد يأخذ طابعاً مذهبياً بين محوري نفوذ في المنطقة، المحور الإيراني وامتداداته في العراق وسورية ولبنان واليمن، والمحور العربي والتركي الذي يحاول إعاقة تمدد طهران في الخليج والمشرق العربي، وأيضاً يصح إرجاع الأمر إلى عودة مناخات الحرب الباردة وتنامي الصراع من جديد على السيطرة العالمية بين الغرب والشرق، وتحديداً بين أميركا وروسيا، أو بالحد الأدنى كمحاولة من قبل موسكو لبناء شروط وتوافقات جديدة أقل إجحافاً للتعاون وتشارك السيطرة.

الثابت الثالث، أن كل شيء يتراجع بسرعة في سورية ونحو الأسوأ، مؤسسات الدولة والنظام والمعارضة، الأمن وشروط الحياة، شكل الصراع وحدته وطريق الخلاص، تماسك المجتمع والاحتقانات الأهلية والطائفية، الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وشدة ما يكابده الناس.

والقصد أنه لم تعد تصح قراءة الصراع السوري خارج نتائجه القريبة والمباشرة، وبعيداً من عنف يتمادى يوماً بعد يوم، ويرجح أن لا يخفت أو يهدأ إلا بدمار شامل للبلاد، ومزيد من الإمعان في تخريب حيوات السوريين واجتماعهم ومـسـتقـبلـهـم، والقـضـاء علـى كل ما أنجزوه خلال العقود الماضية.

ثار الناس البسطاء على نظام لم يتوقعوا أبداً أن يكون متطرفاً وعنيفاً بهذه الطريقة في الرد على مطالبهم في الحرية والكرامة وأن يستبيح كل شيء من أجل الاستمرار في الحكم، مثلما لم يتوقعوا هذا التنامي لتيارات إسلامية متطرفة، لم تكن موجودة أصلاً، اقتحمت بشعاراتها المشهد وتحاول فرض أجندتها وما يترتب على ذلك من إلغاء معنى الحرية والتعددية وإباحة الإقصاء والعنف ضد الآخر المختلف.

سورية التي نعرفها انتهت، هي عبارة تسمعها من الكثيرين وهم يتحسرون على ما حل ببلدهم، والأمر لا يتعلق فقط بأكثر من مئة ألف قتيل ومثلهم من الجرحى والمشوهين، وبأعداد تفوقهم من المفقودين والمعتقلين ثم أضعاف مضاعفة من الهاربين نزوحاً داخلياً إلى أماكن أقل عنفاً أو لجوءاً إلى بلدان الجوار، ناهيكم عن الملايين في حال قهر وعوز شديدين وقد فقدوا كل ما يملكون أو يدخرون، وإنما أيضاً بالتشوهات والانقسامات التي تفعل فعلها في المجتمع، فتذكي العصبيات وروح التنابذ والنزاع وتشجع عودة كل مكون اجتماعي إلى أصوله القومية أو الدينية أو الطائفية كي يضمن بعضاً من الحماية والوجود الآمن، مهددة النسيج البشري المتعايش منذ مئات السنين بالانشطار إلى هويات ممزقة وإلى صراعات من طبيعة إقصائية ستترك آثاراً مريعة على وجود ووحدة البلاد والدولة والشعب، وتكبل المستقبل الديموقراطي بمخاض عسير ينهض من بين الأنقاض.

* كاتب سوري

********************

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com