العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28/4/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

من تزمين الثورة إلى الثورة المستمرة

غسان المفلح

كلنا شركاء

السبت 20/4/2013

منذ سقوط دماء المتظاهرين السلميين في الشهر الاول للثورة في مارس 2011, تحدثت في اكثر من مقالة, عن سيناريو تحكمه معادلات دولية, عمادها ثلاث إسرائيل والنفط والموقع الجيبوليتيكي لسورية, حيث الموقفين الايراني والروسي, وتحدثت بما يشبه التفصيل عن السيناريو الاسرائيلي المطروح لسورية, إما أن يئد آل الأسد الثورة في مهدها أو يفنى البلد. وفي هذا ما وصفته آنذاك بسيناريو تزمين الثورة, وتحولها لثورة مزمنة كي يبقى آل الاسد طرفا في سورية مهما تدمرت, كما نبهت لاحقا من السيناريو السوداني حيث أن الرئيس عمر البشير ملاحق قضائيا من محكمة الجنايات الدولية بتهمة الابادة الجماعية وجرائم ضد الانسانية, وبقرار من مجلس الامن أيضا, ومع ذلك اعادوه للحظيرة الدولية, وبشار الاسد لم يتم قانونيا تجاهه أي اجراء دولي, بالتالي اعادته للحظيرة الدولية اسهل بما لايقاس.

تزمين الثورة يعني على الارض صوملة سورية, الطرف الوحيد الخاسر فيها هو الشعب السوري. الذي فاقت تضحياته من أجل حريته وكرامته تضحيات أي شعب آخر في المعمورة, مع ذلك حتى كتابة هذه المادة لايزال بشار الاسد تحت الحماية ليس الروسية والايرانية فقط بل الغربية. وعلى رأسهم أميركا, ليس لأنهم يخافون من البديل – اسلامي او علماني- هذا آخر همهم, بل لأن اميركا تريد ايضا ان تحقق خياراتها من دون التدخل ومن دون ان تدفع شيئا مهما في دعم الثورة, من يدفع ويخسر اموالا وشعبية هم الروس والايرانيون بشكل اساسي, يدفعون من أجل استمرار السيناريو الاسرائيلي, أي يدفعون لاستمرار العمل بخيار إما الاسد او يفنى البلد.

التذكير بهذه القضايا الغاية منه كي لايقول احد من المعارضة ومن رموزها وقواها, انهم كانوا في غفلة من ذلك, لأن ما كنا نكتبه كنا نسجله في اجتماعات المعارضة انا وغيري منذ ابريل 2011 حتى اصبحنا أقلية حاليا داخل مؤسسات المعارضة الهشة . كانت حجتهم جاهزة جميعا, وهي ان الغرب لا يريد التدخل امميا لصالح الثورة, ولهذا ساقوا معه بما يطرحه عليهم هذا الغرب بدءا من اريك شوفالييه السفير الفرنسي في سورية قبل الثورة ولايزال يحتل هذا الموقع, مع السفير الاميركي روبرت فورد بالنسبة لما عرف لاحقا بالتيارات التي شكلت المجلس الوطني, وسيرغي لافروف بموقفه ضد التدخل بالنسبة لما عرف لاحقا بهيئة التنسيق, كانت نقطتا الخلاف الاساسيتان بين الهيئة والمجلس هما: الموقف من التدخل الدولي ومداه, والنقطة الأخرى الموقف من موقع آل الاسد في الحل السياسي. وماتبقى كله خلافات تفصيلية علما ان المجلس الوطني لم يطالب رسميا حتى اللحظة بالتدخل الدولي, وتبنى هذا الموقف الائتلاف الوطني لاحقا بزعامة الشيخ معاذ الخطيب. الثورة عانت من خلل رسمي منذ البداية وهو:

أن معظم التيارات والشخصيات التي تدعي العلمانية, اصطفت عمليا مع الروس كي لا اقول مع السلطة, لماذا? تحت حجة انهم ضد التدخل وضد الاسلاميين, اما الطرف الآخر فتاه بين فقدان مؤسسة قوية تمثل التيارات الليبرالية واليسارية, وبين وجود مؤسسة قوية بالقياس تسمى جماعة الاخوان المسلمين في سورية.

لهذا لم تستطع هذه التيارات ان تحقق حالة هيمنة ايديولوجية في الثورة, ولم تجد الدول غير “الاخوان” وتحالفاتهم يمكن التحدث معهم ودعمهم.. لانهم مؤسسة من جهة, ولان الغرب قادر على الانسحاب في اي لحظة بحجة “الاخوان”,لهذا نجد ولضعف “الاخوان” شعبيا داخل الثورة في عامها الاول, ان التعبيرات السياسية عن عسكرة الثورة جاءت ارتجالية ومن عمق التراث التقليدي للمجتمع السوري, بما هو تراث اسلام تقليدي استطاع اللعب فيه من استطاع حتى وصلنا لجبهة النصرة.

لم تستطع جماعة “الاخوان “وتحالفاتها ان تحقق هذه الهيمنة الادبية على الشارع ايضا, فتركت الثورة في الداخل بلا رأس, حاول “الاخوان” لاحقا الانتباه للموضوع لكن كما يقال في المثل الشعبي” يلي ضرب ضرب ويلي هرب هرب”. العسكرة رغم ما فيها من سلبيات يمكننا الحديث عنها بمجلدات, كما يرغب من يتصيد الثورة لكنها جعلتها ثورة مستمرة طوال عامين, واصبح اكثر من 60 في المئة من اراض ومدن سورية محررة من سيطرة آل الاسد, الغرب وصل لما يريده من سيناريو وبخاصة ادارة اوباما تزمين مع صوملة, والروس والايرانيون لا خيار آخر عندهم سوى الاستمرار بالتورط مع دعم آل الاسد, واميركا تكسب من دون ان تدفع. وكله على حساب دماء السوريين المستمرين في ثورتهم. الغرب لايريد مؤسسات علمانية وليبرالية ويسارية قوية في الثورة حتى اللحظة, هذا للعلم. والتيارات والشخصيات الموجودة ضعيفة واصبحت في حالة مزايدة مع غيرها..!

نقطة اخرى ادت دورا سلبيا وهي لوبيات بعض الطوائف والاقليات لدى الغرب, من خلال دعمها لآل الاسد ليس نتيجة خوف من الاكثرية, بل نتيجة لعوامل مصلحية اخرى, وثقافة كارهة على طريقة الاسلام فوبيا, وهؤلاء حالهم كحال جبهة النصرة وايديولوجيا “القاعدة”, اتركوكم من ادعاءات العلمانية وغيرها, حتى الخوف من الاسلاميين إن وجد فهو لتلميع الصورة كي تظهر احلى! لأن الجميع يعرف بأنه لاحظ للاسلاميين بحكم سورية, حتى الاسلاميين انفسهم يعرفون ذلك..

الاشقاء الأكراد ايضا انعكست عليهم امراض المعارضة فهم جزء من هذا المجتمع, وهذا الشقاق انعكس بدوره سلبا على الثورة, ايضا تفتت الاسلاميين في الداخل, انعكس على العسكرة كظاهرة سلبية. لكن الاكيد ان هذه الثورة بقيت نظيفة تقريبا من سيطرة الطائفية عليها كما يدعي مجاهدو العلمانوية, حيث ان هناك خطراً الان يهدد استمرار الثورة وهو يتعلق بما تواجهه القاعدة الشعبية للثورة من ضغوط فاقت اي خيال من قتل ومجازر وتهجير وافقار. تأتيني رسائل عدة يومية من الداخل والخارج وبخاصة بعد كل مجزرة ترتكبها قوات و”شبيحة” آل الاسد. كلها تسأل السؤال التالي: لماذا يا أستاذ لا يتم الضغط على القاعدة الشعبية للنظام من خلال مهاجمة قوات النظام هناك? يقصدون اللاذقية وطرطوس وريفهما .دوما ارد, علينا ألا نقتدي بالمجرم, فاهل تلك المناطق اهلنا- ويرد بعضهم علي ايضا بالقول- لكن يا أستاذ هم لو كانوا يعتبروننا اهلهم ايضا كما تقول, لضغطوا على النظام على الاقل ليوقف القتل.! كما اتاني هذا التعليق من صديق معارض”من السذاجة أن تبقى الحاضنة الشعبية للثورة تحت الضغط المستمر, وهي بالتالي تضغط على العاملين في الثورة وعلى كل الصعد, بينما حاضنة النظام الشعبية تعيش في بحبوحة, وبالتالي لا تمارس أي ضغط على النظام, لوقف القتل”! هذه القضية بحاجة إلى معالجات سريعة جدا.

حسنا نعود طالما ان الغرب لايريد التدخل لدعم الثورة من اجل انتصارها كما تقول المعارضة, فكيف نفوت الفرصة على تحويل الثورة إلى ثورة مزمنة, تحويلها إلى صوملة سورية?

تحسين الاداء التنسيقي بين قوى الثورة على الارض العسكري منها والسياسي والشعبي من جهة, ورمي الكرة ليس في ملعب المجتمع الدولي فقط بل رميها في وجهه ايضا, من جهة اخرى هو خائف ليتفضل ويتدخل ويحمي أمن إسرائيل ويمنع خطر الاسلام المتشدد,اما الدخول معه في مماحكات فهو الاقدر بها.

سورية التي عاشت اول تجربة ديمقراطية في الوطن العربي كجمهورية مستقلة, وسابع دولة بالعالم اعطت المرأة حق التصويت والترشح لكل المناصب بعد استقلالها عن فرنسا في 17 ابريل 1946 تستحق دولة ديمقراطية. 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا: الإدارة الأمريكية وعدوى الإنكار والانفصال عن الواقع .. الرئيس صاحب الخط الأحمر

25.04.2013

زهير سالم

كثيرون هم السياسيون والدبلوماسيون والإعلاميون الذين خرجوا بانطباع بعد مقابلاتهم لبشار الأسد أنه يعيش حالة من الإنكار والانفصال عن الواقع . والإنكار هو حالة نفسية تجعل المرء يتجاهل كل معطيات الواقع وثوابته ليقنع نفسه وهو المريض بالصحة ، أو وهو الفقير بالغنى، وهو العجوز بالشباب ، وهو المرفوض المرذول المكروه بأنه الحِبُّ والعلقُ النفيسُ ...

كل أصوات الشباب الثائر في سورية من أدناها إلى أعلاها تنادي : هيا ارحل يا بشار . لم يسمع فيها بشار الأسد إلا الصوت الذي يحب ويريد، بحيث اضطر من أراد أن يلتمس له عذرا أن يتهمه بالمرض النفسي فيصفه بالذهول والإنكار والانفصال عن الواقع .

اليوم الحال نفسها تنتقل إلى الإدارة الأمريكية . ولا نريد كنوع من التوقير لرئيس أكبر دولة في العالم أن نقول إلى الرئيس أوباما شخصيا . فالإدارة الأمريكية التي تورطت في إعلان استخدام الأسلحة الكيمائية خطا أحمر في سورية تجد نفسها محرجة أمام بشار الأسد الذي يدوس على تحذيرها ، ويستهتر بإعلانها فتلوذ بحالة من الإنكار والانفصال عن الواقع لتجد لنفسها في ذلك مهربا وعذرا

فبعد أن خط الرئيس أوباما لبشار الأسد خطه الأحمر بأشهر بدأت شهادات السوريين تخرج من حمص ومن ريف دمشق مدعمة بالأدلة والصور موثقة بتقارير الأطباء والمختصين تؤكد كلها أن هناك أنواعا من الأسلحة الكيمائية تستخدم ضد السوريين فتتسبب بأعراض منها الاختناق والدوار والغثيان وتضيق حدقة العين وإفراز الزبد من الفم .. فأدار أوباما والإعلام الضارب بسيفه الظهر لكل هذه الوقائع فما عساها تكون شهادة ثوار سوريين ، خُلقوا حسب القانون الذي وضعه المجتمع الولي ليفنيهم قتلا وذبحا وحرقا بشار الأسد وعصابته ؟!

ثم تطور الأمر بعد حادثة خان العسل ووقوف بشار الجعفري وسط مجلس المن يتحدى ويطالب بلجنة تحقيق دولية !! ثم لما رأى القوم الجد من الأمين العام للأمم المتحدة الذي سارع إلى تعيين لجنة تحقيق علمية غير مسيسة سحب بشار الأسد موافقته على لجنة التحقيق ، ورأى أوباما في هذا خلاصا من إحراج وأي إحراج . وسكت بشار الأسد وسكت المجتمع الدولي عن لجنة ( الإحراج الدولية ) التي يمكن أن تكشف الحقائق جهلا منها بحقيقة المواطأة وأبعادها ..

ولكن الإحراج ظل يتابع صاحب الخط الأحمر فتكشف تحقيقات علمية بريطانية غير مسيسة استطاعت أن تحصل على عينات من تربة ( خان العسل ) أن غاز السارين السام والقاتل قد استعمل حقا في تلك المنطقة وعلى ( أولئك الأحياء ) . ولكن الإدارة الأمريكية والرئيس أوباما لا يطلعان فيما يبدو على هذه التقارير ويفضل الرأس أن يظل مغموسا في الرمال ..

مرة ثالثة يطل عليهم رجل الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ليؤكد لهم أن الأسلحة الكيمائية استخدمت في سورية ، ومن قبل قوات بشار الأسد أكثر من مرة وفي أكثر من منطقة فيتصل الرئيس أوباما بنتنياهو ليسأله ( لماذا هذا الإحراج ) ثم يلتفت إلى الرأي العام ليقول لينفي استعمال الغاز ويقول العارفون إنه طلب من نتنياهو سحب الشهادة من الأسواق .

واضح أن الرئيس أوباما يعيش بين فكي الإغضاء على المهانة والقبول بالإحراج أو تحمل تبعات الإنذار ( الخط الأحمر المنتهك ) جهارا نهارا وعلى رؤوس الأشهاد ، فلا يجد مخرجا ألين ولا أسهل من الدخول في حالة الإنكار والانفصال التي يعيش فيها بشار الأسد . أوباما يسأل عن السلاح الكيماوي في سورية فيقول ( ما في حاجة ) والخط الأحمر ما زال أحمر ..

إن خلاصة الرسالة التي فهمها الشعب السوري من الرئيس صاحب الخط الأحمر أنه قال لصديقه القاتل في دمشق من حقك أن تذبحهم بالسكاكين وأن تقتلهم رميا بالرصاص وقصفا بالطائرات ورميا بالصواريخ البعيدة المدى وليس من حقك أن تفعل ذلك خنقا بالغاز ؛ اليوم وبعد تطور الموقف الأمريكي واكتشاف الرئيس أوباما لذاذة لعبة الإنكار أو إصابته بعدواها أصبحت الرسالة لصاحبه أنت تفعل ونحن ننكر ولكن احذر أن تقبل لجنة تحقيق ..

لندن : 14 / جمادى الآخرة / 1434

25 / 4 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريون في دروب صعبة

فايز سارة

المستقبل

السبت 20/4/2013

أظهرت آخر الأرقام المتصلة بعدد السوريين في بلدان الجوار، أن عدد النازحين الى لبنان "لامس" رقم مليون ومئتي ألف نسمة. ويتقارب العدد السابق مع عدد السوريين في الأردن، وهو قريب من عددهم في تركيا، لكن عدد السوريين في العراق وحده هو الأقل. إذ لم يصل عدد السوريين هناك بعد إلى مائة الف نسمة وفقاً لاكثر التقديرات، وبالإجمال، فإن التقديرات، تؤشر الى وجود أكثر من ثلاثة ملايين سوري في دول الجوار، عدد المسجل منهم بصفة لاجئ، لا يزيد إلا قليلاً عن مليون نسمة، فيما الأكثرية خارج سجلات اللجوء، رغم أن كثيراً منهم في مستوى اللاجئين.

طريق السوريين الى دول الجوار، يبدو متقارباً في أسبابه وأهدافه، وإن بدا مختلفاً في ممراته ومساراته. فالسبب الرئيس لخروج السوريين الى بلدان الجوار، هو هروبهم من عمليات القتل والدمار التي تتابعها السلطات السورية وأجهزتها العسكرية الأمنية في مختلف المناطق منذ بداية الثورة في آذار 2011، وبعضٌ ممن غادروا، كان عذرهم الهرب من الملاحقة والمتابعة الأمنية، وآخرون ذهبوا طلباً للعلاج الطبي وخاصة بالنسبة لمن أصيب في خلال الأحداث، وعجزت المؤسسات والهيئات الطبية السورية عن علاجهم بفعل ما صار إليه حالها في ظل الأزمة.

وبخلاف المجموعة السابقة، فإن قسماً من السوريين نزح الى بلدان الجوار بحثاً عن فرص للعمل والاستثمار بعد أن عطلت حرب النظام مسارات الحياة اليومية، وجعلت معظم السوريين غير قادرين على كسب عيشهم من عمل مأجور أو من مشاريع عمل واستثمار، فاضطر بعضهم للتوجه نحو بلدان الجوار ليجد حلاً لمشكلته، خصوصاً أن مئات آلاف السوريين، كانو قد اعتادوا التوجه للعمل في لبنان والأردن طوال عقود ماضية، وبعض السوريين افتتحوا لهم مشاريع عمل واستثمار في الجوار ومنها تركيا في سنوات العقد الماضي، وبدا من الطبيعي، أن تدفع التجارب القديمة والظروف الجديدة مزيداً من السوريين سعياً وراء عمل او فرصة استثمار في بلدان الجوار.

والى جانب الأسباب السابقة لذهاب السوريين الى دول الجوار، فإن ثمة اسباباً أخرى أكثر تداخلاً وتعقيداً، اختلط فيها الأمني والمعاشي وربما الاجتماعي والاقتصادي (بعضه أو كله) ليدفع سوريين لمغادرة بلدهم الى دول الجوار والى ما هو أبعد منها على نحو ما هو عليه نزوح السوريين الى مصر، حيث تشير التقديرات إلى أن أعدادهم هناك قاربت المليون نسمة، موزعين ما بين لاجئين وهم أقلية ومقيمين وهم الأكثرية، وبينهم بعض المستثمرين الذين افتتحوا مشروعات في مصر، قيل إن المعلوم منها تجاوز خمس مائة مليون دولار في قطاع النسيج وحده في العام الماضي.

وتكشف أسباب خروج السوريين الى بلدان الجوار، طبيعة هدفهم من الخروج، اذ هو خوف على حياتهم، وسعي من أجل استمرار الحياة وتأمين احتياجات العيش، بل إن بين أهداف الخروج تلبية احتياجات صحية ومعرفية ومنها علاج إصابات وأمراض، أو توفير وإكمال الدراسة للمراحل المختلفة بعد أن جرى تعطيل أو تخريب معظم المؤسسات التعليمية في سوريا.

إن مسارات النزوح السوري، لم تكن موحدة. بعضها كان سهلاً ميسراً، وكثير من السوريين غادروا بصورة نظامية الى بلدان الجوار ومن دون مشكلات جدية، وغالب هؤلاء من سكان المدن الكبرى. بل يمكن القول، إن السلطات كانت راغبة في هجرة بعض مواطنيها من خلال تسهيلات السفر، وهذا ينسجم مع إعادة توزيع الديمغرافيا السورية، وهي استراتيجية رسمية طبقتها السلطات في عمليات تهجير داخلية عنيفة، كان هدفها وقف التظاهرات الشعبية من جهة وإشغال النشطاء في الحراك الشعبي في عمليات الاغاثة، وتأمين الاحتياجات العامة للمهجرين والنازحين.

والقسم الآخر من السوريين، نزحوا الى بلدان الجوار في ظروف شديدة القسوة ومعظمهم من سكان الأرياف القريبة من حدود تلك دول، أو كانوا مقيمين فيها وبقربها. إذ خرجوا في أعقاب عمليات قصف مناطق سكنهم واجتياحها من قبل الجيش والأمن أو الشبيحة، فخرج سكان تلك المناطق وبخاصة النساء والأطفال والشيوخ متوجهين عبر مسارب غير نظامية ومن دون أوراق رسمية الى أراضي الدول المجاورة، وبعض هؤلاء تجاوز الحدود مشياً ومعهم أقل القليل من الامتعة والاحتياجات الخاصة، وما توفر من المال، ولئن وجد بعض منهم مساعدة من قبل أجهزة أمنية أو إنسانية على الطرف الثاني من الحدود على نحو ما حصل غالباً على الحدود السورية التركية، حيث كان الوافدون يؤخذون الى مخيمات مقبولة الى حدا ما. فإن الأمر كان أصعب على الحدود مع الاردن لأن الوافدين كانوا يؤخذون الى أماكن تجمّع قبل إيداعهم مخيم الزعتري محاطين بعدم توفر شروط الحد الأدنى للحياة الإنسانية فيه، ووسط ضعف القدرات والإمكانات الأردنية في المستويين الرسمي والأهلي.

وبخلاف المسارين التركي والأردني اللذين ذهبا بغالب الوافدين الى مخيمات، وقريباً منهم تجربة النازحين السوريين في شمال العراق، فإن التجربة في لبنان كانت مختلفة، وكذلك هي حال التجربة في مصر. ورغم أن البلدين لم يقيما مخيمات للنازحين السوريين من باب إكرامهم وإعطائهم حرية حركة غير مقيدة وفرصة عيش تتفق وظروفهم وسط تسهيلات إدارية بالدخول والخروج، وهذا ما حصل عليه السوريون في البلدين فأتاح لبعضهم فرص عيش مقبولة طالما كانوا قادرين على توفير تكاليفها، لكن صعوبات الحياة أصابت الآخرين من المقيمين في لبنان. ووسط عجز الدولة اللبنانية عن القيام بأعمال إغاثة ومساعدة أصحاب الحاجة من الوافدين، وبسبب قلة امكانيات منظمات الإغاثة الدولية والمحلية، فقد اقيمت مخيمات خاصة على أراض مأجورة بهدف خفض تكاليف إقامة بعض الوافدين، وجرى إسكان البعض في قرى مجاورة للحدود السورية وخاصة في وادي خالد.

لقد فتحت حركة نزوح السوريين الى دول الجوار بوابة سعي بعضهم الى الهجرة واللجوء الى بلدان خارج المنطقة لا سيما الى الدول الاوربية، التي وإن فتحت أبواباً محدودة لقبول لجوء ودخول سوريين اليها، فان ذلك كان اقل مما يحتاجه الراغبون السوريون بالوصول الى تلك البلدان، الامر الذي فتح بوابة للهجرة غير الشرعية الى تلك البلدان عبر مسارات برية وبحرية يسيطر عليها المهربون لا سيما عبر تركيا، مما ادى الى معاناة شديدة لمن سلك دروب الهجرة غير الشرعية وكانت بينهم عائلات فيها نساء واطفال، انتهى البعض منهم الى الموت في البحر في حوادث مأسوية، وكثير ممن وصلوا الى تلك البلدان، دخلوا في معاناة كسرت طموحاتهم الى أوضاع انسانية افضل.

ولعل الابرز مما أحاط بنزوح السوريين من معطيات نقاط اساسية، ان هذا النزوح رغم ضخامته قوبل باقل قدر من الاهتمام والتفاعل الدوليين سواء في مستوى الدول او في مستوى الهيئات والمؤسسات من الناحيتين السياسية والانسانية، فلم تمارس اية سياسة جدية لوقف عمليات النزوح او الحد منها من خلال علاج اسبابها، كما لم يتقدم المجتمع الدولي بما يكفي من المساعدات، بل قدم القليل وترك الدول المضيفة أمام تحمل اعباء كان غالبها عاجز عن تحملها وخاصة الأردن ولبنان، والأسوأ مما سبق، أنه تم ادخال موضوع نزوح السوريين الى حيثيات السياسة الداخلية في غالب بلدان الجوار وخاصة في لبنان حيث ينقسم اللبنانيون بشكل حاد في الموقف من الوضع السوري، وهو وضع مماثل لما هو عليه الحال وان بقدر اقل في العراق وفي تركيا، وهذان العاملان اضافا ترديات مضافة على اوضاع النازحين في بلدان الجوار.

إن الخلاصة في نزوح السوريين خارج بلادهم، صعوبة دروبها، وقد احاطت بها ظروف جعلتها شديدة القسوة، خصوصاً ان صعوباتها لم تكن صعوبات مادية ومعنوية فقط، بل كانت صعوبات ومعاناة انسانية، لا حدود لها وهي ما زالت مستمرة، لم تستطع الدول التي وصلوها، ولا الهيئات والمنظمات الاغاثية والانسانية المختلفة، ان تعالجها، وان العلاج الوحيد والممكن، يكمن في عودة السوريين الى بلدهم، واعادة انهاض حياتهم وتطبيعها، وهو امر لا يمكن ان يتم مع استمرار نظام القتل والتدمير بالتصرف بحياة السوريين وبقدرات بلدهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القطب الديموقراطي السوري كما أتصوره

ميشيل كيلو

السفير

السبت 20/4/2013

تنتشر منذ بضعة أشهر دعوة لتوحيد القوى الديموقراطية السورية، لاعتبارات بينها أن سقوط النظام سيأخذ سوريا إلى فوضى ستصيب بالتأكيد قسما كبيرا من أغلبيتها الشعبية الصامتة، وتلك القطاعات المناضلة والمدنية، التي نشطت خلال فترة الإعداد للثورة وبعد قيامها. لكن عمليات العنف التي مارسها النظام، وبعض السياسات العربية والإقليمية، والمواقف الداخلية التي اعتمدتها قوى إسلامية طامعة في السلطة، تصارع بقية اطراف المعارضة اكثر مما تصارع النظام القائم، وسياسات التمييز المنظم التي مورست على هذه القطاعات، ادت إلى تحييدها او ردها إلى مؤخرة المسرح أو إضعاف دورها وتغيير مواقف بعض أطرافها. بينما يمكن لفوضى السلاح، إن سادت بعد سقوط النظام، ولافتقار الساحة السياسية إلى تعبير منظم عن هذه القطاعات والكتل الشعبية، أن تنزل بها كارثة حقيقية خلال مرحلة الانتقال من النظام الراهن إلى بديله، بغض النظر عن هويته، فلا مفر إذن من أن نوحد القوى الديموقراطية في المجتمع والسياسة، قبل وقوع التحول الكبير، بعد أن علمتنا تجربتا تونس ومصر أن تشتت الصوت الديموقراطي قد يمكن «الاخوان المسلمين» من وضع يدهم على السلطة عندنا ايضا، وأن سوريا لا يجوز أن تصل إلى لحظة الانتقال وقواها الديموقراطية مبعثرة أو متنافسة أو متناقضة، ليس فقط بسبب ما يمكن ان ينجم عن تبعثرها وتناقضها من تلاش للخيار الديموقراطي، بل كذلك لأن من خيانة الوطن والثورة ترك الشعب الديموقراطي مشتتا ودون تمثيل، بينما تخطط بعض تيارات الإسلام الاخواني منذ عام ونيف لتوحيد صفوفها وخفض تناقضاتها، وتسخر علاقات عربية ودولية مهمة، ورساميل وافرة تحصل عليها من كل مكان، لشراء الذمم وتنظيم القدرات وإفساد المقاومة وتأسيس الميلشيات، مع ان الإسلام السياسي بمجمله ليس موحدا، ويستبعد أن يتحد بعد ظهور جبهات جهادية معادية لنموذجه الاخواني والوسطي، وضعف فرص الحكم الإخواني في سوريا، في حين تتمتع الديموقراطية بوزن شعبي كبير، بما أنها لعبت الدور الأكبر في الإعداد للثورة وقيادتها، قبل أن يحرفها عن رهاناتها الاصلية المال السياسي والسلاح، وتنزوي كتل هائلة من المواطنين في بيوتها، لتفادي عنف النظام وعزوفها عن الرد عليه بالعنف.

نحن بحاجة الى قطب ديموقراطي سوري يمثل الأغلبية الشعبية الكبيرة جدا، التي لا تتمكن اليوم من لعب دور سياسي يليق بحجمها وثقافتها وتاريخها ورغبتها في الحرية. لذلك، وبعد حوار طويل ومتشعب، تم التوصل إلى تصور أولي لمشروع القطب العتيد يقوم على الخطوات التالية:

وضع وثيقة اولية تضم أسسا سياسية لا خلاف عليها بين الذين سيشاركون في إقامة القطب الديمقراطي، يقول نصها: «يعتزم الموقعون على هذا النص تشكيل قطب ديموقراطي سوري، لاعتقادهم أن سوريا تحتاج اليه، وان تطوراتها تلزم قواها الديموقراطية بتشكيل جامعة سياسية تعبر عن مواقف وخيارات جمهورها الواسع، الذي نزل الى الشارع قبل عامين ليطالب في تظاهرات سلمية بالاصلاح، وحين واجهه النظام بالسلاح صعد نضاله وطالب بالحرية واسقاط النظام وببديل ديموقراطي لنظامه، الذي بادر إلى قمع تطلعاته المشروعة بالعنف، واعتمد سياسات حربية تستهدف تحويل معركة السوريين من أجل الحرية، التي حظيت بتأييد اغلبية واسعة منهم، إلى اقتتال طائفي / أهلي، مهدت له حملات عسكرية شاملة قتل خلالها عدد كبير جدا من المواطنات والمواطنين، بينما تكفلت سياسات اطراف معارضة بملاقاة سياسات النظام في منتصف الطريق، وعملت من جانبها، بوعي أو بغير وعي، على حرف ثورة الحرية عن مساراتها الأصلية وطبعتها بطابع مذهبي زاده العنف بروزا، غدا بمرور الوقت وتصاعد الصراع، شديد الخطورة على وجود دولتنا ووحدة شعبنا.

«هذا التطور، يجعل تأسيس قطب ديموقراطي مصيري الأهمية بالنسبة إلى وطننا ومجتمعنا، لذلك قد قرر الموقعون على هذا النص الإعلان عن قيامه في لقاء سيعقد يومي 4 و5 من شهر ايار القادم في القاهرة، وسيضم مختلف ألوان الطيف الديموقراطي، وينتخب هيئات تمثيلية موقتة ومكاتب متخصصة وممثلين في بعض العواصم، ووسائل إعلام تنطق باسمها وتعبر عن مواقفها وسياساتها، وتسهم في تعبئة أغلبية السوريين الصامتة ودعم مقاومة الشعب السلمية والمسلحة، دفاعا عنه وحماية لحقه في الحياة والكرامة، على ان يناضل القطب الديموقراطي من أجل تمثيل متوازن لمختلف التيارات السياسية السورية في المجالس التمثيلية والاجهزة التنفيذية التابعة لاي جسم سياسي موحد، دعما لصمود الشعب ولإعادة إعمار ما دمره النظام من قراه وبلداته ومدنه، وصوغ عقد، او ميثاق سياسي وطني بين شتى تيارات سوريا السياسية وخاصة منها الإسلامي والديموقراطي، بمشاركة «الجيش الحر» ضمانا لوجود إدارة وطنية مشتركة تضم سائر اطياف العمل المعارض والمقاوم، وصولا إلى إنجاز مرحلة انتقال آمنة وسلمية بعد إسقاط النظام الاسدي، تضع اللبنات الضرورية لقيام النظام الديموقراطي البديل، ولحماية وطننا من شرور حرب أهلية ستترتب على سيطرة اي تيار سياسي او مسلح بمفرده على السلطة، وأخيرا، لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة يتولى من يفوز فيها حكم البلاد تحت سقف التوافق، الذي سيترتب على الميثاق السياسي / الوطني العتيد.

يلتزم موقعو هذا النص بالاسس التالية، التي يؤمنون انها ليست محل خلاف بين السوريات والسوريين:

- وحدة المجتمع والدولة ضمن حدود العام 1946، وإحباط أية محاولات تقسيمية واي عمل لإثارة فتن طائفية أو قومية بين السوريين، وحماية أرواح وحقوق المواطنات والمواطنين وممتلكاتهم .

- النظام الديموقراطي القائم على عقد وطني تعتمده مختلف القوى السياسية، ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة الجديدة، ركيزته المواطنة، وحاضنته الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان وحكم القانون.

- الأساليب الديموقراطية، السلمية والحوارية، التي يجب أن تنظم التعامل الداخلي على الصعيدين الوطني والسياسي، والتقيد خارجيا بسياسات تمتنع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى، وتحترم سيادتها واستقلالها، وترسي علاقات سوريا الخارجية على المصالح والمنافع المتبادلة، وتحجم عن ممارسة أي ابتزاز أو سيطرة على البلدان والدول المجاورة، وعن الإضرار بمصالحها، وتلتزم بالشرعية الدولية وقوانينها وقراراتها.

- احترام أديان ومذاهب ومعتقدات السوريات والسوريين، وضمان مصالحهم وحقوقهم الشخصية والقومية، الفردية والعامة، والاعتراف بهوياتهم الخاصة وتلبية حقوقهم ضمن الحاضنة الوطنية السورية، المتمثلة في الشعب الواحد والدولة السيدة والمستقلة، التي لا تقبل التجزئة.

«في الختام، يعاهد موقعو هذا النص شعبهم على أن يكافحوا بكل ما في قلوبهم من حب لوطنهم في سبيل تطبيق هذا البرنامج، والتقيد بمبادئه، والحفاظ على حياة وكرامة وحقوق جميع مواطنات ومواطني سوريا.»

على أن يوافق الراغبون في إقامته على تأسيسه خلال لقاء تحضيري يعقد بعد نشرها مذيلة باسماء الموقعين في عدد من الصحف العربية والدولية للإعلان عن قيامه يومي 4 و5 أيار القادم، على أن يحضره منتدبون وممثلون عن تنظيمات واحزاب وتنسيقيات وكتائب جيش حر ومجالس عسكرية ولجان مدنية ومحلية، تنتخبهم كي يمثلوها ويقدموا وجهات نظرها ومواقفها خلال اللقاء، إلى جانب من سيحضره أيضا من شخصيات لعبت دورا وازنا في حياة سوريا العامة، ومن رموز وطنية، على أن يقتصر عدد حضوره على قرابة سبعين مناضلة ومناضلا.

سيناقش اللقاء التحضيري برنامج تأسيس القطب الديموقراطي وموضوعاته، دون التزام بالوثيقة وحصر نقاشاته فيها، وسيطرح المتحدثون فيه رؤيتهم الخاصة للحوار، على أن يقرر تأسيس لجان مصغرة تتولى إدارة القطب ومحطة فضائية تروج للخط الديموقراطي ريثما تتم الخطوة التالية، وهي عقد مؤتمر ديموقراطي وطني موسع يحضره عدد كبير منتخب أو منتدب من ممثلي القوى الديموقراطية والمتحالفين معها، يسبق انعقاده حوار مكثف مع القوى التي لم تحضر اللقاء التحضيري أو كانت ضده. ينتخب المؤتمر هيئة عامة تكون بمثابة برلمان له، وهيئة تنفيذية تلعب دور حكومته، ويكون له مكاتب متخصصة ومندوبون في بلدان ذات اهمية خاصة بالنسبة إلى سوريا، ولجان تشرف على أنشطته الميدانية داخل وخارج سوريا، ويقر الوثائق التي اعدتها اللجنة التحضيرية، والبرامج التي وضعتها والسياسات التي اقترحتها، ونمط العلاقات التي ستقوم بينه وبين المكونات والتنظيمات الديموقراطية التي اسهمت في تأسيسه.

ملاحظات: ليس لتشكيل القطب الديموقراطي أية علاقة بتوسيع أو تضييق «الائتلاف الوطني». إنه نشاط استراتيجي الهوية غرضه تمثيل الكتل الشعبية الديموقراطية في بلادنا وإقامة تعبير سياسي موحد عنها، وهذا أكثر أهمية من أي مشروع سياسي آني، أو عمل سياسي ظرفي. ليست الديموقراطية السورية بحاجة الى قطب موحد كي تقرر الدخول في «الائتلاف»، وبين أطرافها من هم اعضاء فيه، لكنهم لم يحضروا أي جلسة من جلساته، لأنهم رفضوا تركيبته المشوهة.

هذا العمل يجب ان تنجز مرحلته الأولى خلال اسابيع ثلاثة، على أن يقرر اللقاء التحضيري، الذي سيكون سيد نفسه بكل معنى الكلمة، الفترة اللازمة لانعقاد المؤتمر العام الموسع والجهات التي سيكلفها بإعداد وثائقه وبرنامجه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب الله: قوّات ردع للسوريّين

حازم صاغيّة

الحياة

السبت 20/4/2013

في 1976، عرف لبنان ظاهرة «قوّات الردع العربيّة» التي ما لبثت أن صارت قوّات سوريّة بحتة غادرها باقي العرب. كان المطلوب من تلك القوّات آنذاك، وفق الصياغة الرسميّة، أن تضمن الأمن وأن تساعد الدولة اللبنانيّة على النهوض بعد سنتين من حرب أهليّة – إقليميّة.

القوّات تلك لم تفعل ما كُلّفت فعله، فافتُتح عهدها باغتيال كمال جنبلاط على أحد حواجزها، ثمّ عاد الاقتتال إلى لبنان مرّة بعد مرّة، فتكرّرت عودتها إليه كي تساعد الدولة اللبنانيّة على... النهوض.

ما كان يحصل فعلاً أنّ القوّات المذكورة، وبتوجيه أسيادها في دمشق، كانت تقوّض ما يتيسّر من أسباب النهوض. فهي تحالفت مع تناقضات اللبنانيّين في ما بينهم، وراحت تعزّزها وتسهر عليها، الأمر الذي جعلها قوّات لردع احتمالات السلام الممكن.

ومن أجل أدائها مهمّتها هذه، كان لا بدّ من تحويل الاحتراب اللبنانيّ إلى نظام ومؤسّسة. هكذا، ومنذ أوائل الثمانينات، احتلّ تأسيس حزب الله ورعايته الإيرانيّة أساساً، ثمّ السوريّة، موقعاً مركزيّاً في النظام والمؤسّسة هذين. ذاك أنّ اللبنانيّين حتّى لو تخلّصوا من ردعهم السوريّ، لن يستطيعوا، بعد نشأة حزب الله، التخلّص من ردعهم اللبنانيّ التابع. وفي السياق هذا، شكّلت بندقيّة الحزب، التي منحتها مقاومةُ إسرائيل الشرعيّةَ وطول العمر، التعبير الصريح عن أنّ الحرب لم تنته، وعن أنّها، لا سيّما منذ انسحاب إسرائيل في 2000، لن تنتهي. أمّا الذي تسوّل له نفسه أن ينهي الحرب جذريّاً فستكون تلك البندقيّة له بالمرصاد، قوّةً احتياطيّةً رادعة تستكمل الردع السوريّ أو تنوب منابه. هكذا، جاء اغتيال رفيق الحريري في 2005 الترجمة الأوضح لتلك المعادلة: فمن يجرؤ على محاولة إخراج لبنان من حروبه له الموت المؤكّد.

كان حزب الله، إذاً، أكبر الثمرات الناتجة من زواج السِّفاح بين النظام السوريّ والتناقضات الأهليّة اللبنانيّة. ولأنّه هكذا، لم يتحوّل خروج القوّات السوريّة من لبنان خروجاً للحال الحربيّة، ولا كان الرشّاش الذي أهداه أمين عام حزب الله لضابط الاستخبارات رستم غزالة قليل الأهميّة والدلالة على التكامل الوظيفيّ. لكنْ، مع التصديع الذي راحت تُنزله الثورة السوريّة بالنظام السوريّ، شرع الابن يردّ الجميل لأبيه، ردعاً منه للشعب السوريّ ولإمكان بلوغه السلام المؤسّس على العدل.

فهذا الجزء الذي لا يتجزّأ من نظام الممانعة الإقليميّ يتحرّك على الإيقاع نفسه الذي تتحرّك عليه باقي الأجزاء: ردع الشعوب وردع السلام للبقاء، إلى ما لا نهاية، في حال اللاحرب واللاسلام.

وهذا ما يفسّر «التورّط» العسكريّ غير المسبوق لحزب الله في سوريّة، والجنازات التي لم يعد في وسع الأسرار أن تخبّئها، والنعوش التي تضمّ أجساد يافعين ومراهقين حيل بينهم وبين الحياة.

إلاّ أنّ الردع السوريّ للبنانيّين كان يستند إلى نظام حديد متماسك فيما الردع اللبنانيّ للسوريّين يستند إلى تفتّت يجعله سبباً إضافيّاً للاحتراب في ما بين اللبنانيّين أنفسهم. ثمّ إنّ أحوال الدنيا تغيّرت. فالردع السوريّ للبنان كان يجد في العالم كلّه، الغربيّ قبل العربيّ، الغطاء والتشجيع والمباركة. أمّا الردع اللبنانيّ لسوريّة فيفتقر إلى الأغطية التي يتبرّع الروس والإيرانيّون وحدهم بتأمينها، علماً أنّهم، في موسكو وفي طهران، كثيراً ما تعوزهم الحاجة إلى ما يغطّيهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التوافق الأميركي الروسي و... نظرية المؤامرة

سلامة كيلة *

الحياة

السبت 20/4/2013

الشكل النمطي لنظرية المؤامرة في سورية انطلق من أن أميركا التي هي زعيمة الإمبريالية، والتي تحيك المؤامرات للسيطرة على العالم، والتي وضعت مخططها لـ «الشرق الأوسط الموسّع»، وصاغت نظرية «الفوضى الخلاقة»، تكمل ما بدأته في العراق من خلال استثارة الوضع السوري، من أجل إسقاط «نظام الممانعة» و «المقاومة»، حيث استغلت نشوب الثورات العربية لكي تفتعل الصراع في سورية.

والجزء الآخر من هذا الشكل النمطي قام على أساس أن روسيا هي الحليف «الطبيعي»، حيث أنها ليست إمبريالية، و «تدعم الشعوب»، لكن في خلفية كل ذلك أن روسيا هي «اشتراكية»، أو شيء من هذا القبيل، مثل تحررية أو «معادية للإمبريالية»، أو «دولة بازغة» كما يُطلق سمير أمين. ولهذا كان من «الطبيعي» أن تكون إلى جانب النظام السوري.

بالتالي فروسيا ضد أميركا، هذه الأخيرة التي هي «العدو الرئيسي»، ومن ثم فنحن حلفاء روسيا.

من الواضح أن هذا التحديد استعادة لمعادلات الحرب الباردة كما رسمها الاتحاد السوفياتي وتعممت على أساس أنها جزء ثابت وجوهري من «النظرية الماركسية». فأميركا هي الإمبريالية، وروسيا هي الاشتراكية، وفي هذا الثنائي يكمن التناقض، ويقوم الصراع. وإذا كان هذا التناقض يتأسس على التناقض بين الاشتراكية والرأسمالية، فقد جرى اختصاره لكي يتحدد في روسيا وأميركا. وهذا ما تكلس في ذهن قطاع من «اليسار»، وبات هو المنهج الذي يحكم نظرته إلى العالم. إلى حد أنه بات «القالب الجاهز» لتفسير أحداث العالم كلها.

هذا ما جعل بن لادن وتنظيم القاعدة «ثوريين»، و «معاديين للإمبريالية»، وبات وجه بن لادن يغطي وجه غيفارا. وبات الإخوان المسلمون «حلفاء» ضد الإمبريالية والصهيونية، وهم قيادة التحرر الوطني. وأصبح «الماركسي القويم» هو من يتحالف معهم ويدافع عن بن لادن، وكل من لا يفعل ذلك «إمبريالي».

في سورية انطبقت هذه «النظرية» تماماً، حيث كان النظام السوري في تحالف «مختلف» مع أميركا (وإن كان فاتحاً كل الخطوط مع أوروبا التي لم يبدُ أنها إمبريالية)، وفي حلف «مقاوم»، وضد الدولة الصهيونية. وأصبحت روسيا هي الداعم الرئيسي له. بالتالي تفعّل نشاط هذا «القالب» بشكل غريزي، وبات ما يجري في سورية مؤامرة، وروسيا هي الحليف «الاشتراكي» أو «البازغ» أو «التحرري» أو «المعادي للإمبريالية». وجرى التشكيك في كل تحليل يقول بأن روسيا دولة إمبريالية. وظلت أميركا هي التي تصيغ المؤامرة ضد سورية. وتقوم بها من خلال دول إقليمية ودولية أخرى، أو بشكل مباشر.

لهذا لم يُرصد الموقف الأميركي مما يجري في سورية بشكل جيد، وظل «الموقف المسبق» هو الحاكم لكل «تحليل» وموقف، حيث بدت أميركا بعيدة عما يجري، تترقب من بعيد، وتحاول التصريح أحياناً، أو التواصل في أحيان أخرى. ولقد حددت موقفها منذ البدء انطلاقاً من أنها غير ميالة لإسقاط النظام، وتريد الحل السياسي. لهذا لم تدعُ، كما فعلت في تونس ومصر، إلى رحيل الأسد. وقررت أنها لا تريد التدخل العسكري، وبعد انتقال الثورة إلى العمل المسلح قررت عدم تسليح المعارضة. ومنذ بداية 2012 طلب أوباما من روسيا «رعاية مرحلة انتقالية كما حدث في اليمن».

ولقد توضح موقفها أكثر منذ نهاية 2012، حيث حسمت أنها لا تريد التدخل العسكري ولا تسليح المعارضة، وترى أن الحل هو حل سياسي، ورأت بأن على المعارضة ألا تخضع لمطالب الشعب بل عليها أن تخفض من هذه المطالب. وحين دعمت تشكيل الائتلاف الوطني السوري (وهو أول تدخل أميركي مباشر في الصراع) هدفت إلى أن يكون جزءاً من «الحوار مع النظام».

وإذا كانت قد صاغت مع روسيا وثيقة جنيف، وجرى القول بأن خلافاً يقوم بين روسيا وأميركا حول «وضع الرئيس» في الحل المقترح، وهل سيبقى أو يرحل، فقد تبيّن أن لا خلاف حول ذلك. هذا ما ظهر واضحاً بعد مجيء جون كيري وزيراً للخارجية، والذي طلب من المعارضة والنظام الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وهذا ما أشار إليه لافروف مؤخراً حيث صرّح بأن روسيا وأميركا تحضران لعقد حوار بين وفد من المعارضة ووفد من النظام. وبالتالي فقضية «وضع الرئيس» لم تعد مطروحة، ولا خلاف حولها. والأساس هنا هو اتفاق جنيف الذي يدعو إلى تأسيس «حكومة انتقالية كاملة الصلاحية»، من النظام والمعارضة.

لهذا سنجد أن أميركا باتت تلعب دور السمسار للحل الروسي. وبدا أن مهمتها تتمثل في «ترويض» معارضة الخارج لكي تدخل كطرف في الحل. لسنا هنا في تقييم قيمة هذا الحل، وهل يفيد، أو هو التفاف على الثورة، على رغم أن كل «حل» ينهي العنف الدموي للسلطة، ويفتح على أن يكون الصراع صراعاً سياسياً، هو أمر مفيد في وضع سورية الراهن. لكن ما يهمنا هنا أن أميركا باتت في توافق «كامل» مع روسيا في ما يتعلق بالحل، وباتت معنية بترتيب وضع القوى التي «تمون» عليها، سواء في المعارضة أو الدول الإقليمية أو الدول الإمبريالية الأخرى. كل ذلك من أجل إنجاح «الحل الروسي». وهذا يستلزم فهماً جديداً للوضع العالمي، وتلمس المحاور التي تتبلور فيه.

فأميركا تتوافق مع روسيا في الحل. وتعترف بأن «الحل روسي». وبهذا يذوب التناقض الموهوم الذي تأسست عليه كل «تحليلات» «الممانعين» و «المقاومين»، ويتكسر «القالب» الذي تكلّس منذ الحرب الباردة. وبالتالي إذا كانت هناك مؤامرة فهي مؤامرة على الشعب السوري والثورة السورية. فكل ما جرى «دولياً» هو من أجل تدمير سورية وتدمير الثورة، في عصر ستكون الثورات سمته، ولهذا يجب تدميرها بأقسى ما يمكن من العنف. وليكون الحل بيد الدول الإمبريالية، سواء كانت فرنسا أو أميركا أو روسيا أيضاً.

لكنه عصر الثورات حتماً. الثورات ضد كل الإمبرياليات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب الله.. وفرصته الأخيرة!

بينة الملحم

الرياض

الاحد 21/4/2013

    لا يمكن اعتبار حزب الله إلا شريكاً أساسياً للنظام السوري في قمع الثورة واستهداف المدنيين والأطفال والعزّل، في البداية كان الحزب ينأى بنفسه إعلامياً عن المشهد، لكنه الآن صار يباهي في تشييع الجنود من حزبه الذين يموتون دفاعاً عن النظام السوري، بل ويختم بياناته بقوله: "استشهدوا أثناء قيامهم بأداء واجبهم الجهادي في سوريا"! هكذا بهذه العبارة يتشدّق الحزب ويعتبر أن الذين قضوا إنما هم من الشهداء الذين أدوا واجباً جهادياً. الحزب الذي حقق شعبية شكلية عاطفية شعرية في حرب يوليو تموز 2006 أصبح مبغوضاً مشتوماً من الأمة العربية التي عرفت أن حزب الله ليس إلا ذراعاً إيرانية زرعت في خاصرة الشام لتدمير لبنان وسوريا ولإشعال الحرب الطائفية في الشام لتأتي رياحها على لبنان كما كانت كاسحةً من قبل في العراق، هذا هو حزب الله ببساطة.

يقول المفكر والمحلل الكبير برهان غليون عن هذه المسألة: والواقع ليس تورط الحزب المتزايد في حرب الأسد ضد السوريين هو الإشارة الأولى إلى الطابع الطائفي والتبعي لقيادة الحزب. فقد صدم السوريين خطاب السيد حسن نصر الله وهو يودع مسؤول المخابرات السورية عن بسط السيطرة على بلده، رستم غزالي، في ٢٠٠٥، عندما أخذ يهتف، من دون خجل، باسم "سورية الأسد" كما لو أنها بلد من دون شعب. وبالرغم من تكرّر الأدلة على هذا التحالف العميق بين الحزب والنظام السوري الديكتاتوري، كان هناك اتجاه عند السوريين، بما في ذلك المعارضة السياسية، لغض النظر عنها، وتبريرها أحياناً من زاوية أن بقاء الحزب نفسه رهن برضا النظام السوري.

كان حزب الله واضحاً في موقفه من الثورة المصرية أو الليبية وذلك لحسابات سياسية، حين ثار المصريون قال الحزب ان الثورة لصالح حرية الإنسان ونموه وازدهاره، وحين بدأت الثورة السورية أعلن الحزب أن هذه الثورة ليس إلا مؤامرة كونية ضد النظام السوري المقاوم الممانع، السؤال الذي نطرحه أمام حزب الله: كم مرة حارب هذا النظام السوري إسرائيل؟ هل قتل النظام من الإسرائيليين 200 ألف كما فعل مع شعبه؟ هل النظام المقاوم هو الذي يوجه سلاحه ضد شعبه؟ أين هي الضربات التي توجه ضد إسرائيل؟ لماذا تخاف إسرائيل على سقوط النظام السوري؟ كلها أسئلة محرجة لحزب الله الحزب العنيف الدموي والإرهابي الذي يشارك في سحق الشعب السوري.

قالها برهان غليون: "إن قادة حزب الله قد ارتكبوا بسياستهم الكارثية جرائم لن يغفرها لهم في المستقبل القريب أحد، لا شيعة لبنان الذين سيتحملون وزرها لعقود طويلة، ولا لبنان المهدد بأن يتورط من جديد في حرب طائفية لم يعرف كيف خرج منها بالأمس، ولا المنطقة التي لا يمكن لتورط قوى ذات صبغة مذهبية واضحة في القتال مع ميليشيات الأسد مثل حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية الأخرى".

حزب الله أمام فضيحة تاريخية مدوية، إنه يعين الظالم على ظلمه، وحين كنا ننادي الشعوب في سنة 2006 بأن لا تصدق هذا الحزب المغامر اتهمنا بالتصهين، والآن هو حزب الله يكشف نفسه بنفسه، وها هو يودع قتلاه في سوريا يوماً بعد يوم، لقد دخل مع النظام السوري بمعركة الحياة والموت.

لقد كانت أمام حزب الله فرصة أخيرة لأن ينجو بنفسه من سقوطه عربياً؛ لو كان قد وقف حزب الله مع حق السوريين في تقرير مصيرهم، ذلك أن الوقوف الفاقع مع النظام السوري ومع آلة القتل هناك ألغت شعبيته العربية، لا أظنّ أن حزب الله ينسى حين كان يحارب إسرائيل في 2006 كيف وقفت بعض الشعوب العربية مع الحزب عاقدة الأمل بأن الحزب هو من سيهزم إسرائيل وهو من سيحرر فلسطين، بل وقرنوا اسم "نصر الله" ب "عبد الناصر" وصارت أحاديث النصر تملأ كل مكان إلى أن جاءت الحالة السورية فأصبح الحزب أمام امتحانات فاشلة ويفشل فيها كثيراً، لهذا لم يكسب الحزب الآن إلا أقلية من الذين ينتمون إلى الطائفة نفسها وهذا يجعله أمام اختبار حقيقي أن يبدي حسن نواياه مع العرب بتأييده للثورة السورية وحق السوريين بتقرير المصير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

طرطوس لإنقاذ دمشق وحلب

غازي دحمان

المستقبل

الاحد 21/4/2013

لعل من أكبر أخطاء الجيش الحر، والمعارضة المسلحة عموماً، إقتصار عملهم على مناطق معينة وإخراج المناطق الموالية للنظام، أو ما يسمى بيئته الداعمة، من خارطة عملياتهم وهو الأمر الذي نتج عنه بيئتان مختلفتان من حيث التأثر بإرتدادات الحدث وعواقبه، وساهم تالياً في إطالة أمد الأزمة وإنسداد أفق حلوله.

لا شك أن النظام إستثمر هذا الأمر إلى أبعد الحدود ببقاء هذه المناطق الموالية له، وبخاصة طرطوس واللاذقية، آمنة وسالمة، جعله يدّعي بأن الفضل يعود له في ذلك وإنه يؤمن لها ما يلزمها من حماية وإستمرار للحياة، في حين أن بيئة الثورة مدمرة وتفتقد لأبسط أنواع الحياة الإنسانية، فضلاً عن تعرضها لدمار قد يحتاج لعقود مقبلة حتى يمكن بناء ما تم تدميره.

كما أن عدم إنخراط هذه المناطق بما يحصل في سوريا جعل بيئة النظام راضية عنه إلى حد كبير. صحيح أن هذه البيئة كانت تخسر أبناءها في جبهات القتال، لكن النظام أقنعها بأن هؤلاء كانوا سيموتون أصلاً في الدفاع عن بيئاتهم، في مواجهة المتطرفين والسلفيين، الذين يريدون إبادتهم وإستحلال نساءهم وأموالهم وذبح أولادهم. أضف إلى أن هؤلاء غالباً ما يقفون خلف حائط سد من جنود أبناء السنة في الجيش" أغلب الذين إنشقوا كشفوا هذه الحقيقة"، فهو بإستخدامه لهؤلاء إنما يستثمر بالجنود السنّة ليحموا معاقله في طرطوس واللاذقية.

كان على الجيش الحر ألا يترك للنظام رفاهية الإختيار من احتمالات متعددة. وهذا كان يجب أن يتم من خلال جعل بيئة النظام تتحسس ما تشعر به بيئة الثورة. ولو حصل ذلك لكانت هذه البيئة إنقلبت عليه وأجبرته على التفاوض، أو البحث عن مقاربات أخرى للخروج من هذه الأزمة.

كثيراً ما جرى الحديث عن فشل الثورة في إستقطاب البيئة المؤيدة للنظام أو تحقيق إختراقات مهمة في بنيتها، لجعلها تؤيد الثورة. وفي الواقع، كان هذا كلاماً نظرياً أو تنظيرياً لا حظوظ له على أرض الواقع. ذلك أن بيئة النظام، وهذه يعرفها كل من كان يعيش لحظات ما قبل إنطلاق الثورة، وكذا اللحظات الأولى والتالية من عمر الثورة، كانت متوترة ومتشنجة. وهي التي أوصلت النظام إلى ما عليه من تشدد، وأن الإختراق الأفضل والإستقطاب الممكن كان سيتحقق فقط من خلال إجبار بيئة النظام على الإشتراك في الوجع السوري العام، وليس التحايل على إرضائها وتقديم شهادات براءة عن الثورة، وإنتظار الموافقة والرضى، وبخاصة وأن هذه البيئة كانت مستفيدة، وإن لم تكن شريكاً في الفساد والقهر، فهي شكلت الغطاء اللازم وأعطت الشرعية والمبرر لممارسات النظام.

قد يقول قائل أن ذلك كان سيسرّع بالحرب الأهلية ويساهم في تعميمها، والسؤال هنا هل هنالك سذاجة وعهر وكذب أكثر من هذا النمط التفكيري؟ وهل المشكلة بالتسميات فيما هناك بلد يصلب ويمشي على درب الآلام، فيما جزء من أخوة الشراكة يسمونه أقسى أنواع العذاب، موت لعشرات الآلاف، إخفاء لأعداد مماثلة، ونزوح للملايين، وسبي وإغتصاب لآلاف النساء. بعد ذلك، إذا كانت تسمية هذا الحدث الجلل تجرح نرجسيتكم، سموه أي شيء آخر، لكن جدوا له مخرجاً.

لماذا هذه الدعوى الأن؟ لأن البقاء ضمن هذه العقلية المواربة والتبريرية، وذهنية التفكير بالوحدة الوطنية يرضي النظام إلى أبعد الحدود، ويبقي بيئته ملتفة ومتماسكة حوله ولا حاجة لها للتفكير بمقاربات أخرى. بل هي غير مضطرة لذلك، طالما طرطوس تنعم في الهدوء وتستمتع بالمساعدات الروسية والإيرانية. التفكير السليم واالمنطق الإنساني، باتا يقتضيان أن تشترك بيئة النظام بالمأساة مادامت شريكة بالوحدة الوطنية. فعليها أن تشارك بالنزوح والموت والتشرد، والإعتقال والإخفاء وكل ويلات هذه الأزمة، ثم ليصار إلى كشف منظومة الهيمنة الرسمية وتعريتها بأنها ليست ضامنة وحامية لبيئة النظام. إضافة إلى التخفيف من حدة القتل والإجرام التي يمارسها النظام وأدواته، وليشعر الجنود أن هناك من سوف ينتقم من أسرهم.

بيئة النظام تقاتل بعسكرييها، والمدربين منها منهم، من دون المدنيين، النظام يرفض هذا المنطق ويعاقب مدنيي الطرف الآخر، حتى حجارة المناطق الثائرة.

هذا خيار وتفكير وطني لأنه يقطع على النظام الخيارات التي باتت تزدهر في مخيلته كالتقسيم، وإمكانية اللجوء إلى الكيان الطائفي. من غير المعقول أن يعمد متطرفو الطائفة إلى تدمير سوريا منزلاً منزلاً وينهب كبار فاسديها ثروات سوريا، ثم يذهبون إلى دولتهم رافعين شارة النصر!

الوحدة الوطنية تتحقق بالعقل وبإدراك المصالح، هكذا نجحت في أميركا وفرنسا، وليس بالعواطف المهترئة، وإذا لم تشعر بيئة النظام بأن من مصلحتها وقف هذه المذبحة، سيفرح سدنة النظام كثيراً بسذاجة الثورة. وإن بقيت دمشق وحلب تذويان تحت آلة التدمير الأسدي، فيما تستجم طرطوس على سواحل المتوسط، سنخسر كثيراً من وحدتنا الوطنية وكثيراً من مدننا ومدنيتنا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قطط سوداء في الثورة السورية!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 21/4/2013

ليس من باب مديح الثورة السورية القول إنها امتلكت روحا هي الأقوى والأشجع بين ثورات الربيع العربي. ومنذ انطلاقتها في منتصف مارس (آذار) عام 2011، سعت الثورة بكل طاقاتها وأنشطتها لإبراز طابعها السلمي، وللتعبير عن نفسها باعتبارها ثورة لكل السوريين، وفي تبنيها لأهداف تستند إلى قواعد ترسم آفاقا تقوم على الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة. وفي هذا السياق العام، كانت شعارات الثورة وكانت أنشطتها الأولى من الاعتصامات إلى المظاهرات، إلى حشود تشييع الشهداء وتأبينهم، وقد استمرت تلك الروح سائدة طوال أشهر كثيرة من عمر الثورة، لم تتورع فيها أجهزة النظام ومؤسساتها العسكرية عن ارتكاب أفعالها الدموية في قتل وجرح واعتقال السوريين وتدمير ممتلكاتهم، رغم سعي متظاهرين لحصار تلك السلوكيات بإعلان تآخيهم مع عناصر الجيش والأمن، وتوزيع الورود ومياه الشرب عليهم في عدد من مواقع التظاهر والحراك الشعبي.

لقد تصادم السلوك السلمي للثورة السورية مع السلوك المسلح للنظام، وهو الأمر الذي يفسر سعي النظام إلى عسكرية الثورة منذ البداية، بالقول إنها مسلحة، وإنها مرتبطة بقوى خارجية اعتاد بعضها الصراع المسلح مع الدولة والشعب في سوريا، وهي إشارة كانت ضمنية إلى إسرائيل، وجرى التصريح بها لاحقا عندما أشير إلى رفع أعلام إسرائيلية في حمص، وإلى وجود أسلحة وعملات إسرائيلية في بعض المواقع اخترقتها القوى الأمنية والعسكرية.

لقد تجاوز النظام حدود الحرب الدعائية - الإعلامية ضد الثورة، إلى القيام بخطوات إجرائية في خطين، أولهما السعي إلى توزيع سلاح وذخائر في أكثر من مكان ولجهات متعددة؛ على أمل أن يصل بعض السلاح إلى مشاركين بالثورة، يقلبون وجهها السلمي - التوحيدي إلى وجه مسلح وتقسيمي له طابع ديني - طائفي، أو عرقي - مناطقي، وكانت الخطوة الثانية إطلاق عشرات آلاف من السجناء الجنائيين وربطهم بعناصر وضباط أمن في عملية هدفت إلى إثارة الفوضى والعنف داخل المجتمع، وتعزيز نزعة استعمال السلاح، وهكذا اكتملت الحلقات الأولى لشيطنة الثورة وإطلاق قطط سوداء في قلبها وحولها، بحيث يصير في ملامحها حضور للعنف الذي سيتطور إلى عنف منظم، وتقسيمات سكانية وسط حملات دعائية - إعلامية مركزة ومستمرة.

ومما لا شك فيه أن إطلاق قطط سوداء داخل ثورة السوريين، لم يكن ممكنا لولا عوامل نمت وتطورت داخل الثورة، ومعظمها كان نتيجة السياسات الدموية للنظام من جهة، ونتيجة تقاعس المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته.

إن استمرار القتل في سوريا وتصاعد وتيرته ووحشيته مع غياب حل ما من شأنه إيقاف القتل والدمار، دفع الحراك للتوجه نحو التسلح والعسكرة، خاصة بعد أن قتل وجرح واعتقل وهجر النظام الرعيل الأول من القادة الميدانيين في الحراك الشعبي، ودمر حواضنهم الاجتماعية، ومنهم كثير من الأطباء والمهندسين والمحامين وأساتذة التعليم العالي والمتوسط، ورجال الأعمال ورجال الدين والوجهاء المحليين، وحل مكانهم شبان صغار من الطلبة والحرفيين والعاطلين عن العمل، ممن كانت خبراتهم الإجمالية ورؤيتهم لاحتمالات الثورة وآفاقها المفتوحة أقل بكثير مما كان عليه قادتهم السابقون.

لقد تعزز تصاعد العنف، ليس بسبب وجود التشكيلات العسكرية التي أسسها متطوعون مدنيون ومنشقون عن الجيش والأمن فقط، بل بدخول عصابات منظمة حيز العنف، سواء حملت أسماء أو من دون أسماء، ثم انضمت إلى ما سبق تشكيلات دينية، تمخضت في أحد تطوراتها عن جماعات سلفية جهادية. كانت جبهة النصرة في بلاد الشام أبرز تعبيراتها، كما ولدت تشكيلات عسكرية عرقية توزعت في انتماءاتها ما بين الوقوف في خندق الثورة أو الخندق المقابل، مما أدى إلى توسيع حدود العنف وانتشاره، وهو أحد الأهداف المبكرة للنظام في مواجهة الثورة, وتعميم العنف وانتشاره لم يكن قطة سوداء وحيدة في الثورة. بل ثمة قطة أخرى يمثلها نمو التطرف الديني والمذهبي. وبخلاف روح الألفة والتعايش، وهي سمة عامة للسوريين الموزعين على لوحة فسيفساء، تشمل ديانات ومذاهب وطوائف وجماعات قومية، فإن نزعة تشدد ديني إسلامي في ثلاثية السنة والعلويين والشيعة أخذت تظهر، وتترك ظلالها في أوساط الآخرين من الطوائف، وكان الأخطر في هذا التحول تزايد نفوذ جماعات الإسلام السياسي، التي كان حضورها محدودا أو غير مرئي قبل الثورة، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وحزب التحرير الإسلامي، وجبهة النصرة في بلاد الشام، وقد توفرت مساندة مادية قوية للجماعات أهلتها لاستخدام المال السياسي لتأكيد نفوذها من جهة، وسعيها لإقامة تشكيلات عسكرية يمكن أن تثبت قوة تلك الجماعات حيث يفشل المال السياسي والدعوات الآيديولوجية عن ذلك.

ولا شك أن إطلاق وتصاعد العنف بالترافق مع صعود التطرف الديني والمذهبي، يمثلان تعبيرا واضحا عن تدهور فكري وسياسي في مستوى المجتمع من جهة، وفي مستوى النخبة، وخاصة النخبة السياسية. ولعل أبرز التعبيرات عن التدهور الفكري والسياسي، يمثله تراجع ظاهر لشعارات الثورة الأولى، ومنها شعار السلمية، ومثله شعار وحدة السوريين في سياق الثورة ومن أجل المستقبل، وهو ما ترافق مع صعود شعارات ذات طابع ديني، وهي بالضرورة شعارات فئوية لا تنسجم مع الروح العامة لشعارات الثورة، ولعل الأبرز في تلك الشعارات شعار الدولة الإسلامية، ومثله شعار استعادة دولة الخلافة، وكلاهما لا يتصل بديانة السوريين المعروفة بانفتاحها وتسامحها بقدر ما يتصل بالعمل على أسلمة الدولة، وهو أمر لم يخرج إلى سطح الحركة الفكرية للمجتمع السوري منذ تأسيس الدولة السورية أواسط ثلاثينات القرن الماضي، ولم يتعدَّ في أي مرحلة سابقة أحاديث نخبة محدودة من إسلاميي «الإخوان» والتحريريين.

إن مخاوف كثيرة باتت تحيط بالثورة السورية، وهي ثمرة حقيقية لثلاثة عوامل: سياسات النظام، وبؤس النخبة، والإرث الثقافي والاجتماعي، وهي العوامل التي كانت في أهداف ظاهرة وباطنة لثورة السوريين، وقد أدى تأخر انتصار الثورة إلى التحولات السابقة، مما يشكل تهديدا للإنجازات العامة للثورة، ليس فيما يتعلق بإسقاط أو تغيير النظام (فهذا صار أمرا لا نقاش فيه)، إنما بما يتصل بالموضوعات الأخرى، وأبرزها تعميم العنف وانتشاره، والتطرف الديني والمذهبي، والتدهور الفكري والسياسي، وكلها تمثل قططا سوداء في قلب الثورة تسعى إلى شيطنتها، بخلاف طبيعتها الإنسانية إلى أبعد الحدود.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب الله وإيران يعلنان الحرب رسميا على السوريين و الشيخان الأسير والرافعي يبادران والباقون يلوذون بالصمت والشعب السوري يستنصر

25.04.2013

زهير سالم

يستعيد التحالف ( الأسدي – الحزبلاوي ) في إدارة المعركة ضد السوريين في منطقة القصير التكتيك الإسرائيلي نفسه . فتحت غطاء من القصف الجوي والتفوق المطلق الذي تتمتع به قوات الأسد يتقدم ( مغاوير) حزب الله إلى القرى السورية ، ليجهزوا على كل من أخطأه قصف الطائرات من جرحى أو نساء وأطفال رميا بالرصاص وذبحا بالحراب ( ويالثارات الحسين وزينب ) ولبيك لبيك يا أبا عبد الله ..

ولأول مرة بدأ ، منذ أيام ، المعلقون باسم حزب الله يعلنون تمسكهم بحق أصيل في التدخل في الأرض السورية ؛ مرة باسم الدفاع عن القرى الشيعية ، وأخرى للدفاع عن محور المقاومة والممانعة ، وثالثة للدفاع عن المقامات المقدسة للسيدتين زينب ونفيسة ، ورابعة ، وبصراحة لا تنقصها الوقاحة ، للثأر ( للطفل الرضيع المرميّ الصريع ) ، الذي يتم ثأرا له استهداف الأطفال السوريين والرضع منهم بشكل خاص ..

ولأول مرة يجد المقاتلون الشجعان على أرض حمص أنفسهم بين ثلاثة محاور للنيران : القصف الجوي لطائرات بشار الأسد ، والقصف المدفعي لشبيحته على الأرض ومن القرى المجاورة ، والتقدم الحثيث لقوات النخبة الحزبللاوية تحاول الاختراق والاحتلال والتطهير وممارسة حرب الإبادة الطائفية بأبشع صورة يتخيلها مخيال إنسان ...

ومع إكبارنا وإجلالنا لبطولة وشجاعة فرسان الجيش الحر وأبطال حمص والقصير وما حولها ؛ فإن من السذاجة والغرارة واللامبالاة أن تتراخى قوى المعارضة السياسية ، مجتمعة ومنفردة واحدة واحدة ولا أستثني أحدا ، وقيادة الأركان المشتركة عن القيام بمبادرات عملية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية للتصدي للعدوان ، ورد الصائل ، والحفاظ على الثغرة . كان الأقل المنتظر منها إعلان الصريخ والنفير لأبناء الأمة كافة إحقاقا للحق وتحميلا للمسئولية الشرعية والمسئولية التاريخية لأصحابها ؛ لئلا يقول قائل في غد قريب ( لو استنصرتمونا لنصرناكم ).

إن مما يجب أن يكون قد تعلمه السوريون من درس حماة أن منع الخرق أسهل من الرتق . وأن النفير لا ينفع بعد الغارة ، وأنه قبلها تملأ الكنائن وأن هؤلاء المجرمين إذا قدروا أمعنوا في الإجرام فلم يرقبوا فيهم إلّا ولا ذمة . ومن هذه الحقائق لا يجوز أن نتساهل في ترك حزب الله وإيران يعلنان هذه الحرب الطائفية الوقحة على شعبنا وعلى ثورتنا ثم نقابل هذا بحالة من اللامبالاة ، وإدارة الظهر وكأن الأمر لا يعنينا . تكلمهم عن الثغرة فيجيبك ( الله ينصرهم ..) نعم سينصرهم الله بنا بمبادراتنا وجهودنا ومؤزراتنا وتقديمنا كل ما نستطيع واستنهاضنا كل من نستطيع كما يستنهض بشار الأسد اليوم كل شياطينه على الأرض ..

ومن المؤسف – أن نقول - أنه على كل الجغرافية العربية والإسلامية لم يستقبل الأمر بما يستحق من مبادرة إلا شيخان جليلان من لبنان هما الشيخ سالم الرافعي وأحمد الأسير بارك الله في جهودهما وفي موقفهما وفي مبادرتهما وفي وعيهما حين أعلنا النفير العام في لبنان للدفاع عن المظلومين والمضطهدين في سورية . ومع الأسف فقد تلجلجلت قوى المعارضة السورية نفسها في استقبال هذه المبادرة حيث صمت بعض وبادر بعض آخر إلى الاختباء وراء المعاذير أو إلقاء الدروس بالقواعد الدبلوماسية والاختباء وراء العنعنات الطائفية ..

وبدلا من ان تتلقف قوى المعارضة السورية مبادرة الشيخين ، وتتحرك بها على محور( طنجة - جاكرتا ): تنادي على أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي : الوحى الوحى العجل العجل الغوث الغوث البدار البدار المسلمون في سورية يذبحون وأعراضهم تنتهك وقد اجتمع عليهم جنود إبليس أجمعون من إيرانيين وحزبللاوين وأسديين مدججين بالسلاح الروسي محميين بالصمت الدولي ..

 فإن قوى المعارضة آثرت الصمت ولاذت به واشتغلت بالصغائر في إعادة النظر في لعبة الكراسي التي لم تنته ولا أظنها ستنتهي ، اشتغلت بكل ذلك عن السؤال عن أهلنا في القصير ماذا يمكن أن يجري عليهم وعن الدور المنتظر في هذه الحرب المعلنة والمفتوحة من أهلنا على أرض الأناضول و من أهلنا على أرض الكنان وأهلنا في الجزيرة العربية دولة دولة وبلدا بلدا .

 إننا وبعد مجزرة الفضل التي راح ضحيتها خمس مائة إنسان قتلا وذبحا وحرقا ، وبعد التدخل الرسمي لإيران وحزب الله في مشروع ذبح السوريين وانتهاك أعراضهم وإبادتهم في بلادهم أو إخراجهم منها ؛ نحمل كل الدول والحكومات والقوى الشعبية العربية والإسلامية مسئولية النفير للدفاع عن الشام وأهلها . نستنصرهم نصرة شرعية أوجبها ربنا عليهم (( وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ )) السوريون يذبحون من قبل أعداء الله من الروس والإيرانيين والحزبللاوين وشبيحة الأسد على هويتهم الإسلامية والدينية ولا نملك إلا أن نقول للمبطئين وللمثبطين (( وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ.. ))

مرة أخرى نؤكد التحية والشكر والعرفان للشيخين الجليلين : أحمد الأسير وسالم الرافعي ..هي الحمية لله ولرسوله وللمستضعفين في الأرض من المسلمين ..

ألا هل بلغنا اللهم فاشهد ..

لندن : 13 / جمادى الآخرة / 1434

24 / 4 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأجيال الجديدة تصنع إعلامها الخاص

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 21/4/2013

لقد كانت وسائل الإعلام منذ أن عرفها الإنسان لأول مرة أداة تحكم وسيطرة ونفوذ بيد من يمتلكها، سواء كان ذلك في الديكتاتوريات أو الديمقراطيات، فمن المعلوم أن كل وسائل الإعلام في الدول الشمولية كانت وما زالت خاضعة لسلطة الدولة، فهي البوق الذي تستخدمه السلطات لتوجيه الشعوب والتأثير عليها.

صحيح أن الإعلام يبدو حراً في الديمقراطيات، إلا أنه في واقع الأمر ليس كذلك أبداً، فهو أيضاً خاضع لسلطة من يمتلكه، سواء كانت شركات أو أفراداً. فرغم أن الولايات المتحدة مثلاً تتفاخر بإعلامها الحر، إلا أن معظم وسائل الإعلام الأمريكية على مدى عقود كانت وما زالت تمتلكها بضع عائلات أو ربما أكثر قليلاً، ناهيك عن أن الشركات التجارية تمتلك بدورها صحفاً وتلفزيونات وإذاعات، وكلها موجهة لخدمة مصالح تلك الشركات بالدرجة الأولى رغم تبجحها بالحرية والديمقراطية والتعددية الإعلامية، وخدمة الجماهير.

ولا ننسى أن شخصاً واحداً كالتايكون العالمي الشهير روبرت ميردوك يمتلك لوحده إمبراطورية إعلامية هائلة تشمل التلفزيونات والصحف والمجلات العابرة للقارات. ومثله كثر في أمريكا وبريطانيا وأوروبا وأستراليا.

بعبارة أخرى، ظلت وسائل الإعلام في الشرق والغرب ملكية رسمية أو خاصة حتى ظهرت أخطر وسيلة إعلام عرفها الإنسان على مدى التاريخ، ألا وهي شبكة الإنترنت التي سحبت البساط من تحت وسائل الإعلام التقليدية، ووضعته تحت أرجل الشعوب.

لكن رغم أن الإنترنت حررت الإعلام، وجعلته في متناول وملكية الجميع دون استثناء، إلا أن مرحلة التحرر الإعلامي الحقيقية بدأت فعلياً مع مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت نقلة نوعية حقيقية في تاريخ الإعلام العالمي.

ولعل أبرز تلك المواقع هي "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب"، وهي مواقع جعلت الإنسان العادي لأول مرة في التاريخ صانع الإعلام بعد أن كان لعقود مجرد مستهلك ذليل للمادة الإعلامية التي تصنعها وسائل الإعلام المملوكة للدول والشركات والأفراد. لقد حوّلت مواقع التواصل الاجتماعي كل إنسان إلى ناشر، ووجهت طعنة نجلاء إلى المتحكمين بوسائل الإعلام في العالم.

فأي صفحة على "فيسبوك" مثلاً هي بمثابة صحيفة كاملة ومتكاملة تنشر فيها المقالات، ووجهات النظر، والأخبار وغيرها، لا بل إنها تتفوق على الصحف من حيث إنها يمكن أن تكون أيضاً أشبه بتلفزيون، لأنها تعرض الفيديوهات والصور. ولا يكلف إنشاء حساب على "فيسبوك" سوى بضع دقائق دون أن تدفع فلساً واحداً. والأجمل من ذلك أن وسائل الإعلام الجديدة ليست بحاجة لا لمكاتب ولا لمقرات، فهي متاحة لأصحابها في أي مكان في العالم، طالما توفر لهم الوصول إلى الشبكة العنكبوتية.

 لقد تحول كل مواطن في العالم إلى صحفي ورئيس تحرير وإعلامي ووسيلة إعلام بحد ذاته. ولعل أبرز تجليات هذا الإعلام الجديد ظهور ما يسمى بالمواطن الصحفي الذي طالما امتلك جهاز موبايل يستطيع أن يصور، وينقل صوره إلى الشبكة العنكبوتية العالمية بسرعة البرق دون المرور، لا على حسيب ولا على رقيب. وحتى الأخبار بات يتابعها الملايين عبر مواقع التواصل السريعة قبل أن يتابعها على وسائل الإعلام التقليدية لسرعتها ومرونتها وتحررها من ربقة الرقابة.

وقد أظهر الربيع العربي مدى اعتماد وسائل الإعلام القديمة على الإعلام الجديد، خاصة "يوتيوب" الذي أصبح بمثابة بنك الفيديو والصور العالمي للكثير من التلفزيونات، وحتى الصحف والمجلات. بعبارة أخرى، فإن إدارة العالم تتغير لصالح الذين كانوا على مدى التاريخ مجرد متلق سلبي، أو في محل مفعول به، فأصبحوا إعلامياً في محل رفع فاعل. مع ذلك، مازال بعض الطواغيت ذوي العقول الصغيرة يعتقدون أن بإمكانهم إخراس الشعوب ومنعها من التعبير عن طريق أجهزة الأمن التي سماها الشاعر العراقي الشهير عبد لوهاب البياتي بـ"كلاب الصيد". أما آن الأوان أن يسرحوا كلابهم بعد أن أصبحت بلا حول ولا قوة في مواجهة هذا الطوفان الإعلامي الرهيب؟

متى يعلم السخفاء من طواغيتنا أن الشعوب استقلت عنهم إعلامياً تماماً، وأصبحت تمتلك إعلامها الخاص، لا بل خرج مفهوم تشكيل الرأي العام من أيدي الحكومات تماماً، وأصبح في أيدي الشعوب نفسها. في الماضي مثلاً، كانت وسائل الإعلام الرسمية هي من تشكل الرأي العام حسب توجهاتها السياسية والاجتماعية، أما الآن فقد أصبح هناك نوع من القطيعة الإعلامية بين الحكومات والشعوب، بعد أن أصبحت الشعوب قادرة بفضل مواقع التواصل الاجتماعي مثلاً على تشكيل رأيها الخاص من خلال التفاعل فيما بينها، فمرتادو مواقع التواصل يستطيعون متابعة أحداث العالم من خلال تغريدات بعضهم البعض على موقع "تويتر"، أو من خلال متابعة صفحات بعضهم البعض على "فيسبوك". لم تعد وسائل الإعلام الرسمية تحتكر، لا الأخبار ولا الصور، فصاحب الموبايل يمكنه أن يلتقط الصورة، ويكتب الخبر وينشره بثوان على صفحته ليصبح في متناول الملايين بسرعة البرق.

لا شك أن الوقت مازال مبكراً حتى يقطف العالم ثمار الإعلام الجديد، اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، لكن بشائره تجلت بداية في الربيع العربي والثورات المتلاحقة التي وضعت الأنظمة التسلطية وغير التسلطية في الزاوية إعلامياً لتحيل وسائل الإعلام التقليدية يوماً ما إلى المتاحف كقطع أثرية، بعد أن أصبحت الصحيفة والراديو والتلفزيون كلها متاحة للإنسان على صفحة واحدة من صفحات التواصل. طوبى للإعلام الجديد! وهارد لكم للذين تحكموا برقاب الشعوب إعلامياً لعشرات السنين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 نتنياهو يعلن تحالفه مع الأسد

سمير الحجاوي

الشرق القطرية

الاحد 21/4/2013

كشف رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو النقاب عن تحالفه مع الإرهابي بشار الأسد، وعن قيامه بحملة لإعادة تأهيليه أوروبيا وأمريكيا بوصفه خيارا مقبولا وبديلا أفضل من الخيار الإسلامي، معتبرا أن "إسرائيل" تواجه تحديا جديدا في سوريا يتمثل بـ "قوى تابعة للجهاد العالمي"، ولم يتوانَ عن التهديد بالتدخل عسكريا في سوريا.

هذا الموقف المعلن من نتنياهو تحدثنا عنه طيلة عامين من الثورة، عندما كان مجرد همس منذ أن سربت الصحافة الإسرائيلية أن القيادات الإسرائيلية السياسية والعسكرية يصلون لكي لا يسقط الأسد، واليوم ها هي "الصلوات" تتحول إلى حملة تسويق يقوم بها نتنياهو وحلفاؤه على مستوى العالم لدعم نظام الأسد "غير المؤذي" لإسرائيل، وهذا يفسر لما تعقدت الأمور في سوريا ولماذا تأخر انتصار الثورة في نضالها وجهادها ضد حكم الطاغية، فالإرهابي نتنياهو يقول حرفيا: "نحن قلقون من الأسلحة النوعية التي يمكن أن تغير ميزان القوى في الشرق الأوسط ويمكن أن تقع في أيدي الإرهابيين، ونحتفظ بحق التصرف لمنع حدوث ذلك.. وأن قلق إسرائيل يرتبط بمعرفة "أي متمردين وأي أسلحة؟" وأوضح أن "الأسلحة الرئيسية التي تقلقنا هي الأسلحة الموجودة بالفعل في سورية، أي الأسلحة المضادة للطائرات والأسلحة الكيماوية وأسلحة أخرى خطيرة جداً قد تغير اللعبة، وستغير شروط توازن القوى في الشرق الأوسط وقد تشكل خطراً إرهابياً على مستوى عالمي"، ورأى "أنه ليس فقط من مصلحة إسرائيل منع وصول هذه الأسلحة إلى الأيدي الخطأ وإنما كذلك من مصلحة دول أخرى".

هذا ما أدلى به نتنياهو في مقابلة مع تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية التي أضافت إليها إذاعة الاحتلال العبرية أن نتنياهو ناقش منع تسليح المعارضة السورية مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ورئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر، وحجته في ذلك أن "النظام السوري يتفكك إلى قوى جديدة، وعناصر أكثر تطرفا ضد إسرائيل تابعة للجهاد العالمي باتت تترسخ على الأرض".

أما فيما يتعلق بالساحة الأمريكية فهي مؤمنة إسرائيليا لصالح الأسد، فقد فشل 4 من كبار قادة إدارة أوباما، في مساعيهم من أجل دفع الرئيس أوباما لاتخاذ قرار لتسليح الثوار السوريين، والسبب في ذلك الجهود التي يبذلها اللوبي اليهودي القوي لعرقلة تسليح الثوار السوريين، مما أربك إدارة أوباما وجعلها تبدو "كالمسطول"، وظهرت زعامات الإدارة أحيانا وكأنهم "يهذون" فلا هم مع الثورة ولا هم ضدها، ولا هم مع الأسد ولا ضده، يؤيدون الحرية والديمقراطية ويدعمون نظام الإرهاب الأسدي، وفي المحصلة "يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى"، ويعلنون عن مساعدات "غير فتاكة"، ويضعون جبهة النصرة على قائمة الإرهاب، ويتحدثون عن "ثورة غامضة وثوار مجهولين" وأسلحة يمكن أن تقع في الأيدي الخطأ، وعن تشكيل "معارضة معتدلة" ويفتحون "دكانا ثوريا" لصناعة معارضة سورية على الطريقة الأمريكية، بالأحرى يفعل الأمريكيون كل شيء للحيلولة دون انتصار الثورة السورية، وهذا يبرهن على صدق ما قاله رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف لشبكة سي أن أن الأمريكية:" روسيا لم تكن أبداً حليفا حصريا لسوريا أو لبشار الأسد.. أقمنا علاقات جيدة مع والده ومعه، لكن كان لديه حلفاء أكثر حظوة بين الدول الأوروبية".

ويكشف دانيال بايبس وهو أحد المعبرين عما يدور في كواليس واشنطن عن توجهات إدارة أوباما ويدعو الغرب إلى دعم بشار الأسد لأن انتصار الإسلاميين لن يكون في صالح الدول الغربية كما كتب في مقال نشره في موقع "جويش برس" اليهودي، مشيرا إلى مقال نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" كتبه كل من آدام انتوسس وجوليان أي بارنز تحت عنوان "إدارة أوباما تخشى نصرا للمقاتلين السوريين"، وقال إن "مسؤولي إدارة أوباما فاجأوا النواب والحلفاء بتعديل موقفهم من سورية، فهم لا يريدون انتصارا كاملا للمعارضة السورية لأنهم يعتقدون أن "الرجال الأخيار" قد لا يكونون في المقدمة".

وقال في مقاله الذي نشره في 11 أبريل الجاري "على الغرب دعم نظام الأسد ضد المعارضة لأن قوات الشر تمثل تهديدا أقل على الغرب عندما تقاتل بعضها البعض، وهذا يجعلها تركز اهتمامها على التحديات المحلية، ويمنعها من الخروج منتصرة، ومن هنا فعلى القوى الغربية دفع الأعداء للدخول في حالة من الجمود العسكري، بدعم أي طرف خاسر مما يعني إطالة أمد الحرب.. وبالمقابل فنصر المعارضة يعني تعزيزا لحكومة تركيا المارقة ويقوي الجهاديين الذين سيحلون محل الأسد، ويمضي قائلا: "القتال لن يضر كثيرا بالمصالح الغربية".

هذه هي الخريطة الحقيقية لما يجري في سوريا، والأسباب التي تحول دون انتصار الثورة بسرعة، فإسرائيل وإيران وعراق المالكي وروسيا والصين وحزب الله يقاتلون الشعب السوري علنا، سياسيا وعسكريا، وأمريكا وبريطانيا وفرنسا يعملون على "تجميد الوضع" على ما هو عليه للحيلولة دون انتصار أي طرف والهدف هو تدمير سوريا وحماية إسرائيل.

لقد تحولت الحرب في سوريا إلى "أم المعارك" التاريخية والإستراتيجية لكل القوى، التي تحاول تشكيل النظام الدولي الجديد هناك حسب مصالحها، ولذلك يخطئ من يراهن على أمريكا والغرب، فهؤلاء يسيرون حسب محددات الأجندة الإسرائيلية، وإيران وعراق المالكي وحزب الله يقاتلون من أجل مشروعهم الشيعي الكبير، وروسيا والصين تعتبران سوريا ورقة قوية لعقد صفقات مربحة مع الغرب تنهي خسائر الحرب الباردة وتعيد "التوازن الإستراتيجي" للمصالح والقوى، والكيان الإسرائيلي يريد في سوريا "حربا طويلة بلا نهاية".

هذه الخريطة الجديدة التي تسعى كل القوى الإقليمية والدولية لرسمها على حساب الشعب السوري وثورته، وهي خريطة لن يستطيع أن يلغيها إلا ثورة قوية وثوار مسلحون جيدا وموحدون ومعارضة قوية واعية مدركة لما يجري، فلا وقت للمساومة أو المقايضة، فمواقف القوى الدولية والإقليمية واضحة بدعم نظام الأسد الإرهابي وعدم الرغبة بسقوطه، وهذا ما يحتم دعم الجيش الحر بالمال والسلاح والرجال من أجل الحيلولة دون تحول سوريا إلى "قطعة كيك" يتقاسمها الغرب والشرق وإسرائيل وإيران وحزب الله.. ومن هنا علينا أن ننتبه لما قاله نتنياهو، وهذا ما يجب أن يفهمه السوريون والعرب جيدا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

واشنطن تدعو إلى حل تفاوضي في سورية.. لماذا؟

القدس العربي

الطاهر إبراهيم

الاثنين 22/4/2013

لا بد من الإشارة إلى أن موقف واشنطن من الصراع في سورية قد تغير، بعد إعادة انتخاب باراك أوباما لولاية ثانية، عما كان عليه الحال في ولايته الأولى. وتحديدا منذ صيف عام 2012، عندما اتفقت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية ومدير الـ( CIA) ديفيد بيترايوس آنذاك، بدعم من وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا، على أن تقوم واشنطن بتعديل سياستها وترسل أسلحة يحتاجها مقاتلو المعارضة السورية الذين يقاتلون جيش بشار الأسد، حيث رفض أوباما ذلك. ترافق هذا الرفض مع تعيين جون كيري وزيرا للخارجية، الذي سمعنا منه تصريحات متناقضة، توحي بأنه لم يستوعب الملف السوري بعد، أو أن تصريحاته هي صدى لتغير مواقف أوباما من الملف.

أوباما وأعضاء إدارته أكدوا رفض تسليح الجيش الحر بأسلحة نوعية، بحجة أن هذا التسليح سوف يطيل عمر الصراع في سورية. وأن الحل الأسلم هو في إقناع بشار الأسد بالجلوس مع الائتلاف السوري إلى طاولة المفاوضات، للوصول إلى حل متفاوض عليه. وربما لمحت الإدارة الأمريكية من طرف خفي إلى أن هذه المفاوضات ستكون نتيجتها رحيل بشار الأسد، وهي نتيجة لم تلحظ في مقدمة الطرح الذي تروج له واشنطن، ما يعني أنه محاولة للضحك على ذقون الائتلاف الوطني. أما موقف الجيش الحر فقد رفض هذا الحل الأمريكي الملغوم جملة وتفصيلا.

فهناك إجماع في الموقف عند فصائل الجيش الحر برفض أي تفاوض مع بشار الأسد، بعد كل ما جرى ويجري في سورية من قتل وتدمير، لم يوفرا بشرا ولا حجراً، صغيرا ولا كبيراً، رجلا ولا امرأة. وأن العزاء لم يترك أسرة سورية ألا دخل بيتها. وبعض الأسر تم إغلاق خانتها نهائيا، حتى لم يبق منها من أقرباء الدرجة الأولى من يرث الشهداء. الأهم من ذلك فإن نظام بشار الأسد لم يترك أي مساحة، مهما كانت صغيرة، في قلوب معظم السوريين يمكن أن تقبل بأي تعايش مع هؤلاء القتلة، الذين استعانوا على ذبح السوريين بأناس أغراب عن سورية. ربما يكون تعايش بين الذئب والغنم هو أقرب للمعقول من العيش مع نظام بشار الأسد في أي صيغة كانت.

في هذه الأجواء التي ليس فيها منطقة رمادية، يتساءل السوريون عن سبب إصرار واشنطن على تعايش النقيضين في حكم سورية، وليست هناك أرضية لهذا التعايش؟ تختلف الرؤى حول أسباب موقف واشنطن هذا. فمع الإجماع على أن هذا الموقف هو حاجة إسرائيلية بالدرجة الأولى، حيث خبرت بشار الأسد وأباه من قبله. فقد حفظا أمن إسرائيل على مدى أربعة عقود فلم تطلق رصاصة واحدة عبر هضبة الجولان، كذلك فإن فصائل الجيش الحر مرفوض القبول بها أمريكيا.. لماذا؟

على أن هذين السببين ليسا هما كل شيء عند واشنطن، حتى لو أضفنا إليهما أن التخلص من نظام بشار الأسد سيؤدي حكما إلى التخلص من نفوذ إيران في محور بيروت دمشق بغداد طهران. فإن واشنطن ما تزال لا تطمئن لأي حاكم ‘سني’، حتى لو كان مستبدا، خصوصا في بلد مثل سورية. فهي جربت الاستعانة بطهران في احتلال أفغانستان واحتلال بغداد فما خيبتها طهران إذ فتحت أجواءها أمام طائرات التحالف. كذلك فعل حافظ الأسد عندما أرسل جيشه ليحارب العراق تحت راية واشنطن في حفر الباطن عام 1991. أما الدول العربية التي يحكمها حكام سنيون، فما وقفت مع واشنطن إلا دول الخليج في عام 1991 في حرب تحرير الكويت، التي هي إحدى دول الخليج.

نذكر هنا أن واشنطن لم تكن ضد تشكيل المجلس الوطني في بدء انطلاقته. ومع ضعف المجلس بتأثيره في الثورة السورية، فقد رحبت بقيام الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية كبديل من هذا المجلس عندما لم تجد تجاوبا مع خططها في احتواء الثورة. وقد بدأ البرود عند واشنطن تجاه هذا الائتلاف بعد شهر واحد عندما وضعت ‘جبهة النصرة’ على قائمة الإرهاب، فوقف معاذ الخطيب رئيس الائتلاف منددا بهذه الخطوة، وكذلك فعل جورج صبرة، وكذلك فعلت جميع فعاليات الثورة السورية بما فيها الجيش الحر، رافضا خطوة واشنطن في عزل جبهة النصرة.

يبقى أن نقول إن مواقف جميع أعضاء المعارضة السورية هو مع رفض الوصاية الأمريكية، بمن فيهم الأعضاء الليبراليين. فقد يختلف أعضاء المعارضة أيديولوجيا، ما بين إسلاميين وعلمانيين وقوميين، لكنهم يرفضون رفضا قاطعا الانصياع لأية وصاية خارجية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عندما ترسل امريكا للاسد اشارات لاستخدام المحرمات بحجة محاربة ‘القاعدة

سهيل حداد

القدس العربي

الثلاثاء 23/4/2013

دخلت الثورة السورية عامها الثالث في مسيرة حركة التاريخ الطبيعية بثبات راسخ وبزخم أشد قوة ودفعا عن انطلاقتها، انجازات نوعية وحقيقة مركبة أذهلت الأصدقاء والحلفاء قبل الخصوم والأعداء، مؤتمرات وندوات رفعت الشعارات الوطنية في الداخل والخارج (‘واحد، واحد، واحد.. الشعب السوري واحد’ ـ ‘سورية لا طائفية، وحدة.. وحدة وطنية’) بينما لا يزال النظام السوري المتهالك يعيث في الأرض فساداً وقتلاً وتدميراً، وما يزال جاثماً بثقله الاجرامي على صدور بقية الشعب الســــوري الأعزل، يعيش في ديجور ظلام وظلمات الماضي وأضغاث الأحلام وغياهب المجهول، يظن أن العودة قريبة وأن الثورة في طريقها إلى النهاية والزوال، يعبث في كل المحرمات والمقدسات الوطنية عله يستطيع تغيير المعادلات ‘من عبق رائحة الوطنية إلى إيقاد نار الطائفية والمذهبيـــة المقيــــتة ـ ومن سلمية الثورة البيضاء إلى الحلول الأمنية والعسكرية السوداء ـ ومن الحلول السياسية الداخلية والعربـــية إلى الحلول العسكرية الايرانية والروسية’، إن النظام القبيح في شكله ومضمونه لا يصدق ما يجري على الأرض وما يحدث من تطورات وانهزامات متسارعة وأحداث درامية تسير به نحو الهاوية تحت وطأة الصدمة، ينزف أنفاسه الأخيرة في غرفة الانعاش، يستجدي الأطباء الحلفاء على فراش الموت القادم عسى أن يبقى على قيد الحياة، يكابر على آلامه وجراحه العميقة التي تعفنت، ويعتمد على الفتاوى الشيطانية السوداء وهلوسات الاحتضار تهمس في أذنيه الكبيرتين، أنه ما زال قادراً على الثبات والوقوف وخوض معركة الحسم النهائي (‘الأسد أو لا أحد.. الأسد أو نحرق البلد’ ـ ‘شبيحة للأبد.. لأجل عيونك يا أسد’).

ـ يعاني النظام السوري المثخن بالجراح أشد أنواع المعاناة بمرارة الإذلال والانكسار وقرب الهزيمة والاستسلام ، يعاني الإحباط والخوف والحصار ويدرك أن النهاية قادمة، يصارع ويقاتل من أجل الوجود والبقاء وهي أخطر مراحل الصراع ، فقد الكثير والكثير من هيمنته وهيبته ونفوذه وسيطرته وقوته واستبداده وبطشه، ومع ذلك لا يزال مصمماً على متابعة الطرق الوعرة والحلول الأمنية القذرة حتى النهاية، واستخدام كافة الوسائل والأدوات العسكرية التقليدية وغير التقليدية ـ المألوفة وغير المألوفة في عالم الصراعات والثورات، حيث يقوم باستخدام أبشع وأفظع الطرق الاجرامية والوحشية المحرمة دولياً وغير المشروعة انسانيا وقانونيا، إيماناً منه بإمكانية إخماد الثورة السورية ـ اليتيمة المطالبة بأبسط حقوقها في المواطنة والمشاركة، والتمتع بمعاني ومفاهيم الحرية والكرامة والعدالة والمساواة التي تعيشها وتتمتع بها معظم الشعوب المتمدنة في العالم.

ـ لقد منحت الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها النظام السوري الشرس كل الإشارات غير المباشرة والتأشيرات السياسية المباشرة، الواحدة تلو الأخرى، خلال الفترة السابقة في زيادة استخدام جرعات القتل والعنف وإمكانية التجاوز عن ارتكاب كل المحرمات وتجاوز جميع المقدسات وغض الطرف عن كل الخطايا والخطوط الحمراء، في اتباع الطرق المناسبة حتى إن كانت غير تقليدية، واستخدام الوسائل المختلفة الأشد وحشية والأكثر خطورة ودموية، بأدوات الموت الفتاكة التي لا تعرف الرحمة والشفقة، حتى إن كانت جديدة مجهولة غير معلومة بحجة محاربة ‘القاعدة’ والإرهاب، التي انتشرت في الساحة السورية مهما بلغت نسبة الخسائر والدمار والضحايا البشرية في صفوف الشعب السوري الأعزل.

ـ لقد استطاع الثوار السوريون وبإمكانياتهم الذاتية، على الرغم من جميع التقاطعات والتناقضات الداخلية المعقدة ‘طائفياً وعرقياً ومذهبياً’، وهشاشة وضعف دوائر وحلقات المجتمع المدني المفكك بفعل نهج النظام السوري خلال العقود السابقة، وكافة التداخلات والحسابات والصراعات السياسية ‘دولياً وإقليميا’، رغم كل التخاذل والخيانة الدولية بحق الثورة السورية، أن يفقدوا النظام السوري وعيه وأجزاء كبيرة من قوته وسيطرته وتوازنه عبر توجيه أشد الضربات الموجعة إليه في الأماكن الحساسة تحت الحزام، مما دفعه للتعامل مع الثورة السورية بشــــكل هستيري، واستخدامه كافة الأساليب والطرق الاجرامية والمجازر الجمـــاعية ـ الوحشية، وأن يتحرروا من الحاجز النفسي الذي جثم على أنفاسهم عشرات السنين وأن يكسروا جدار الخوف والموت ليحلقوا بعقيدة ثابتة في فضاء الحرية والسير بإيــــمان راسخ في طــــريق التحــــرير، وأن يحققوا الاعجاز والانجازات في الاندفاعات والاختراقات الامنية والعسكرية المهمة الواحدة تلو الأخرى في عمق العمـــود الفقري للنظام السوري، الذي بنى اسطـــورة أمنية ـ مخابراتية معقدة ومتشابكة على الصعـــيدين الداخلي والخـــارجي، وقوة عســكرية متداخلة ومتحالفة مع أطراف دولية وإقليمية خلال أربعة عقود متتالية، رسمت شكلاً مخيفاً في عقول الشرق والغرب على أنها قادرة في ارتكاب وممارسة كل المحظورات في الكون، من دون رادع أخلاقي أو قانوني أو انساني والتلون بجميع أنماط القوة والبطش والاستبداد والعنف السياسي والإجرامي والقدرة والكفاءة على التلاؤم والتكيف مع الظروف المختلفة وإمكانية التعاون المفتوح والمغلق والمقيد مع الآخر والاعتماد عليها في المهمات القذرة، وهيمنت على مخيلة الشعب العربي والسوري بصور التعذيب والقهر والتنكيل والقتل والدمار والظلم والخوف حتى من مجرد التفكير في امكانية الاقتراب أو التماس مع هذه الشبكة الأمنية السرطانية التي تفوح منها رائحة الموت في كل زوايا المجتمع وأرجاء الوطن، مهمتها ووظيفتها فقط حماية اّل الأسد وضمان بقائهم في السلطة مهما كانت الطرق والوسائل الوحشية.

ـ تعد انجازات الثوار السوريين العسكرية رغم كل المعاناة والآلام ابداعات حقيقية ومدرسة فنية في عالم الثورات، حيث الابتكارات الخلاقة في تطوير الاسلحة البسيطة والخفيفة واستخدامها بشكل مؤثر وفاعل في الصراع مع النظام السوري، وطريقة التخطيط والمناورة والدراسات العسكرية الميدانية في السيطرة على المواقع العسكرية والأمنية الحساسة في مفاصل جسد النظام المتهالك، اضافة إلى الاعتماد على الذات المستمدة من تاريخه وتراثه وحضارته الانسانية وأحقيته في النصر والبقاء والوجود، رغم كل مربعات القوة الصلبة التي تتناحر وتتصارع بعنف وشدة للسيطرة على سورية، اضافة إلى إدارة المناطق المحررة من مخالب النظام السوري بإمكانيات فقيرة وبسيطة تحت قصف المدافع والطيران الحربي والصواريخ الباليستية.

ـ لقد وقفت أمريكا وبعض القوى الدولية والإقليمية الفاعلة والمنغمسة في الساحة السورية مذهولة أمام الاختراقات والانجازات التي قام بها الثوار السوريون بإمكانياتهم الذاتية والدعم الإقليمي الذي لا يرتقى إلى مستوى الانجازات التي تم تحقيقها في ضرب أقوى الأنظمة الأمنية استبداداً وبطشاً، ليس في المنطقة وحسب وإنما في العالم، حيث انحسرت امتداداته وقضت على نفوذه وسيطرته وحصرته في زوايا ضيقة وحادة ومحدودة، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى القلق والتردد والتراجع في دعم وتزويد الثوار السوريين بأي أسلحة نوعية مطلوبة، بل والضغط ومنع الدول المنادية في ضرورة تسليح المعارضة السورية، بريطانيا ـ فرنسا ـ السعودية ـ قطر ـ تركيا.. لحسم الصراع مع نظام الأسد.

ـ إن الثورة السورية تنادي كل الضمائر الحية من أبناء الشعب السوري بمختلف أطيافهم أن يرتفعوا ويرتقوا إلى حجم التضحيات الجسام التي دفعوها في سبيل الحرية والكرامة، وأن يطهروا صفوفهم من اختراقات الطابور الخامس وخفافيش الظلام وأن يحسموا أمرهم بسرعة في تمتين وحدتهم الوطنية ومواقفهم حول المبادئ الأساسية في بناء دولتهم المنشودة، والابتعاد عن الخلافات والمهاترات والتجاذبات العشوائية، والعلاقات القائمة على النظرية القبلية والعشائرية، وبذل كافة الجهود لفتح باب الحوار مع كافة أطياف الشعب السوري الذين ما يزالون في الضفة الأخرى ليساهموا مع أخوانهم في عملية التغيير المنشود.

ـ لقد حلقت الثورة السورية رغماً عن إرادة الولايات المتحدة الأمريكية ونفاقها وإجرام النظام السوري ووحشيته في أفق سماء الحرية، رغم كل المآسي والاضطهاد.. وأقسم الثوار الوطنيون أنهم ماضون من دون عودة، رغم كل الخيانات والتآمر الدولي في طريق تحرير وطنهم مهما بلغت التضحيات ‘الشهادة أو النصر’. وها هو الشعب السوري الصامد الرقم الأصعب في المعادلة الدولية والإقليمية والداخلية ينير الكون ببطولاته وتضحياته.. ويرفع أجمل الشعارات والرايات الوطنية ‘النصر قادم .. النصر قادم’ ليغمسها في عمق تاريخ الثورات ويعلقها فوق جبين الشمس..

كاتب وباحث سوري في ألمانيا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأردن وسوريّة: استحالة عدم التورّط

حازم صاغيّة

الحياة

الثلاثاء 23/4/2013

كثيرة هي العناوين التي تصدّرت المقابلة الأخيرة التي أجرتها الفضائيّة السوريّة مع الرئيس بشّار الأسد. فالبعض ركّز على تصعيده حيال حكّام تركيا، وهذا ليس جديداً، وثمّة من شدّد على مخاطبته الغرب عبر التخويف من «القاعدة»، وهذا أيضاً ليس بالجديد. أمّا تجاهله لبنان فامتداد لسياسة قديمة ومعروفة.

العنوان الأوحد الذي يستحقّ أن يتصدّر المقابلة هو الكلام السلبيّ الصريح تجاه الأردن. والجدّة، هنا، نابعة من جدّة الموقف الأردنيّ نفسه في المشاركة، على نحو أو آخر، في الصراع السوريّ.

ذاك أنّ الأخير إنّما فاض عن الحدود السوريّة التي غدت بالغة الهشاشة، وهو ما لا يمكن الأردن، الضعيف والفقير والصغير، احتماله. فهو يعيش الخوف من «القاعدة» وأخواتها، وهي التي تركت بصمتها الدمويّة في فنادق عمّان، ويخشى محاولتها ملء الفراغ الذي يتركه رحيل بشّار، إن لم يكن في سوريّة كلّها، ففي أجزاء منها. لكنّ الأردن يعيش أيضاً خوفاً آخر من بقاء اللاجئين السوريّين فيه ومن تدفّقهم عليه في ظلّ عجز الاقتصاد الأردنيّ المتواضع القدرات عن الوفاء بالالتزامات التي يرتّبها ذلك. ثمّ، وبعد ضربها المنشأة قرب دمشق، هناك الخوف الأردنيّ المشروع من أن تدسّ إسرائيل أنفها في الموضوع السوريّ، على ما ألمح بنيامين نتانياهو قبل أيّام، لخوفها من وقوع أسلحة نوعيّة في أيدي المتطرّفين. هذا فضلاً عن المخاوف الأردنيّة وغير الأردنيّة من احتمالات استخدام النظام السوريّ أسلحته الكيماويّة.

يعزّز هذا التقدير ما رشح عن وجود عسكريّين أميركيّين في الأردن، بغضّ النظر عن عددهم، وعمّا تردّد عن مرور أسلحة من الأردن إلى سوريّة ربطها البعض بالتمهيد لمعركة دمشق الحاسمة، فضلاً عن الأهميّة التي عزاها مراقبون إلى اللقاءين المتلاحقين اللذين جمعا الرئيس باراك أوباما والملك عبدالله الثاني.

لكنّ المستغرب ليس أن ينخرط الأردن، على نحو أو آخر، في الأزمة السوريّة. المستغرب هو أن يتأخّر في انخراطه. فإذا كان الموقف من سوريّة سبباً للنزاع بين اللبنانيّين، فإنّه سبب لتمتين الإجماع الوطنيّ بين الأردنيّين. ومتى تذكّرنا العلاقة السيّئة بين العرش والكتلة الإسلاميّة في الأردن، جاز لنا أن نتذكّر الثمانينات، حينما وفّر الموقف من الحرب العراقيّة – الإيرانيّة مساحة مشتركة بين السلطة والإخوان المسلمين الأردنيّين. فهل يتكرّر أمر كهذا حيال الأزمة السوريّة، علماً أنّ الموقف المعارض للاستبداد السوريّ أشدّ أخلاقيّة بلا قياس من الموقف المؤيّد حينذاك للاستبداد العراقيّ؟

يجازف المرء بهذا التقدير وهو على بيّنة من طبيعة السياسة الخارجيّة في عمّان، والتي تتّصل اتّصالاً وثيقاً بطبيعة الاقتصاد المحدود الموارد والقدرات. فالأردن الذي يقيم في قلب الأزمات العربيّة الكبرى، قريباً من فلسطين وإسرائيل وسوريّة والعراق، واستطراداً إيران، لا يسعه البقاء خارج الإجماع العربيّ أو خارج الإجماع الغربيّ. فكيف حين يتقارب هذان الإجماعان بحيث يكادان يصيران واحداً. والأردن، الخبير منذ الخمسينات بانتزاع فرص الحياة من أشداق الاستحالة، لا يمكن أن يُبقي نفسه في استحالة مميتة كالتفرّج على ما يجري في سوريّة، ضدّاً على الإجماعين.

فكيف إذا صحّت تلك الفرضيّة التي تقول إنّ جائزة فلسطينيّة كبرى تنتظر عبدالله الثاني، من غير أن يكون الرئيس محمود عبّاس بعيداً عن تقديمها، وأنّ هذا كلّه وثيق الصلة بما ينوي وزير الخارجيّة الأميركيّ جون كيري مباشرته قريباً؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تعثر المعارضة السياسية السورية

حسين العودات

البيان

الاربعاء 24/4/2013

ربما تتعدد الفصائل السياسية التي تقوم بالثورات عند انطلاقتها، ويشكل كل حزب أو تيار سياسي مشارك في الثورة، أحياناً كثيرة، فصيلاً لوحده، يتآلف أو يتباين مع الفصائل الأخرى، إلا أنه، وكما كان الحال في معظم ثورات الشعوب، ما تلبث هذه الفصائل أن تتوافق أو تتوحد تحت قيادة واحدة، وتتبنى أهدافاً واحدة.

حدث ذلك، مثلاً، في الثورة البلشفية قبل مائة عام، والثورة الصينية قبل سبعين عاماً، والثورة الجزائرية قبل خمسين عاماً، والثورة الفيتنامية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وفي غيرها

وقد بدأت هذه الثورات وفصائلها غير موحدة الهدف والبرنامج والقيادة، وما لبثت بعد عدة أشهر أو أكثر قليلاً، أن وحدت برنامجها، وتوافقت على قيادة واحدة أوكلت إليها إدارة النضال السياسي أو النضال العسكري، أو كليهما، أو التنسيق بينها على الأقل، إذ لم يكن مقبولاً ولا مجدياً أن تدير عدة فصائل سياسية فعاليات الثورة دون أن تتحد.

أما الثورة السورية، فقد بدأت بوجود فصيل سياسي أو فصيلين سياسيين مع حراك شعبي عفوي عظيم، وبعد أشهر من انطلاقتها فرّخت هذه الثورة عشرات الفصائل السياسية، وكل منها يدعي "وصلاً بليلى"، ولم تجمعها ـ حتى الآن ـ قيادة موحدة، كما لم تتفق على أهداف واحدة واضحة مفصلة تجاه النظام أو لما بعده، وبقيت الفصائل السياسية المشاركة في الثورة، متعددة، منفصلة، مبعثرة، لا يربطها رابط، لا أيديولوجي ولا سياسي ولا نضالي، ولا يقل تنافر بعضها مع البعض الآخر أحياناً، عن تنافر بعضها الثالث مع النظام.

وبسبب هذا الواقع، أتيحت الفرصة لمن هب ودب ليزعم أنه معارض، ويتبنى اسماً ثورياً، ويطلب من جهات محلية أو خارجية أن تتعاطى معه على هذا الأساس، بل إن بعضها سمى نفسه تياراً معارضاً للنظام، وتسلم قادته في الوقت نفسه مناصب سياسية، ووزارات في الحكومة التي يعارضونها، ولم يتفهم السوريون بعد، كيف تكون هذه التيارات معارضة وشريكة في الحكومة في آن واحد! في سوريا وخارجها الآن، اثنا عشر فصيلاً معارضاً (فعالاً)، وأعداد كبيرة من الفصائل المعارضة الأخرى التي لا فاعلية لها لأنها غير جدية، وكل منها في النهاية هو مجموعة من الأفراد الذين شكلوا "حزباً" أو "تياراً معارضاً"، لا يملك من المعارضة أي معيار سوى زعمه أنه معارض، وربما كان الهدف الأساس هو أن يتقرب قادته من السلطة، أو يتكسب بعض المساعدات من دول أخرى.

من الفصائل المعارضة التي يمكن تصنيفها كذلك، في الخارج: ائتلاف قوى المعارضة والثورة السورية، والمجلس الوطني السوري، والمنبر الديمقراطي، وتيار التغيير الوطني، والجبهة الثورية لتحرير سوريا، وجماعة الإخوان المسلمين

أما في الداخل فهناك: هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي، وتيار بناء الدولة، والهيئة العامة للثورة السورية، ولجان التنسيق، والمجلس الوطني الكردي، والكتلة الوطنية التركمانية.

ولا يجمع هذه الفصائل أي رابط تنظيمي، لا في الداخل ولا في الخارج، ولم تتفق على هيئة أو لجنة تنسق نشاطاتها وقيادة تقودها، أو على برنامج موحد يهديها للنضال، أو أهداف واضحة مفصلة، أو أنها تعمل لتغيير النظام الحالي وإقامة نظام ديمقراطي تعددي تداولي، وكأن كل فصيل من هذه الفصائل يمثل شعباً لوحده، والأنكى أن كلاً منها يعتبر نفسه هو المنقذ، وهو الذي يسير على الطريق القويم.

وانكفأ كل من هذه الفصائل على نفسه وانغلق عن الجماهير، وما زالت جميعها ـ تقريباً ـ ترفض التواصل والتنسيق مع بعضها على الأقل، مع أنها تواجه نظاماً قاسياً عنيفاً لا يرحم ولا ينفعل عندما يدمر ويقتل، ويتسلى بقصف القرى والبلدات والتجمعات المدنية، وربما يستمتع كلما زاد عدد الضحايا أو اتسع نطاق التدمير.

حيث يقدر عدد المساكن التي دمرت في سوريا حتى الآن بحوالي 800 ألف مسكن، شُرد سكانها في مختلف بقاع الأرض السورية والأجنبية، وتحتاج إعادة بنائها مع بناها التحتية، حسب تقديرات مراكز الدراسات المتخصصة، إلى ما يقارب خمسين مليار دولار، لا تملك الدولة السورية منها شروى نقير.

إضافة إلى ذلك، مارس كل فصيل ـ بلا حدود ـ نقد الفصائل الأخرى واتهامها بأبشع التهم، مثل العمالة للسلطة السورية القائمة، أو العمالة لدول عربية أو أجنبية، وشكك في قيادات هذه الفصائل، وكان همه أن يشوه سمعتها، ويمحو أهميتها من وعي الناس، ليبقى هو وحده الممثل "الشرعي" للشعب السوري.

مما أدى في النهاية إلى الإساءة لسمعة جميع الفصائل، وفقدان الثقة الشعبية بها جميعاً، خاصة وأن معظم هذه الفصائل لا جماهير لها، ولا تملك تنظيمات يحسب حسابها، وما تنظيماتها إلا تنظيمات ورقية، بعضها ورث أيديولوجيات سابقة (قومية أو دينية أو يسارية)، والبعض الآخر يتعيش على نضالات قادته السابقين والتضحيات التي قدمها هؤلاء القادة، وسنوات الاعتقال التي أمضوها في سجون الأمن السوري.

في الخلاصة، بقيت المعارضة السورية متعددة ومتشرذمة ومتناقضة، وعاجزة، ليس فقط عن الاتحاد والتنسيق بين مواقفها أو أهدافها أو برامجها، بل أيضاً ربما تكون الآن عاجزة حتى عن تشكيل وفد موحد لمفاوضة السلطة القائمة، فيما إذا بدأت مفاوضات من نوع ما.

وعليه فإنه ليس من المفاجئ التشكيك في قدرات فصائل المعارضة السورية وبإمكانياتها، كما ليس من المفاجئ تخلخل الثقة الجماهيرية بها، ودخول الشعب السوري دائرة الضياع وضبابية الرؤية.

أما فصائل المعارضة السورية المسلحة فتلك لها شأن آخر..

 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية وامتحان الهوية الوطنية

أكرم البني *

الحياة

الاربعاء 24/4/2013

يتفق الكثيرون على أن الهوية الوطنية السورية باتت تقف، مع تصاعد حدة الصراع واستعصائه، أمام امتحان مفصلي لسبر عناصر قوتها ومقومات استمرارها، يتوقع منها المتفائلون عبوره بنجاح بينما ينذر المتشائمون بالأسوأ وبأن مصير المجتمع وهويته الجامعة صارا على كف عفريت.

الهوية الوطنية تسير نحو الاضمحلال، يقول البعض متوسلين الانقسام المجتمعي الحاصل على الأرض جراء صراع مدمر عرف استقطاباً حاداً وسيطرة روح إقصائية حولت الشعب الواحد إلى فئات متنابذة وجبهات متناحرة. ويرى هؤلاء أن العنف المتصاعد منذ عامين أحدث انزياحات واسعة وأحياناً انهيارات في منظومات القيم والمبادئ الوطنية، التي حوربت وهتكت بكل السبل، ويتساءلون، ألا ينذر رفض المعالجة السياسية، وتعميم منطق القوة والسلاح، بتفكك العقد الاجتماعي الوطني وأسس العيش المشترك، ودفع الصراع إلى مجال ما قبل سياسي وما قبل مجتمعي، جاعلاً صياغة عقد اجتماعيّ جديد مهمة صعبة ومعقدة؟!. وألا يفضي العنف الرهيب والاستفزازات الطائفية وتغذية الصراعات المتخلفة وتشويه مطالب الناس وحقوقهم، إلى شحن المجتمع بمشكلات وأمراض لن يكون قادراً على حلها، وما يترتب على ذلك من انحرافات فئوية تهدد وحدته وتماسكه؟!. ثم أية روح وطنية تبقى عند سوريين منكوبين يتعرضون لقمع تمييزي ويرون بأعينهم الحصار المحكم والفتك والتدمير ضد أماكن محددة وجماعات محددة، ويلمسون كيف تحولت دولتهم من سلطة عمومية لإدارة مصالح مختلف الفئات إلى أداة لحماية الحكم وتسعير حربه على المجتمع.

ويتساءلون في المقابل ألا يفضي شيوع الأفكار السياسية ذات الطابع الديني إلى تهميش فكرة الانتماء الوطني والهوية الجامعة؟! أولا يعني الكثير على صعيد تقويض الحاضنة الاجتماعية للحراك الثوري، تقدم الشعارات الإسلامية وانحسار الشعارات الوطنية عن الحرية والكرامة والشعب الواحد، أو نجاح بعض القوى المذهبية في تطييف الصراع وأوضحها إعلان جبهة النصرة عن تبعيتها للقاعدة كمشروع لا علاقة له بالروح الوطنية السورية، من دون أن نغفل الانجرار الخاطئ لبعض النخب السياسية نحو تمييز نفسها بمنبتها الطائفي على حساب مبدأ المواطنة، كحال «مسيحيون سوريون من أجل الديموقراطية» ومؤتمر المعارضين العلويين الذي عقد مؤخراً في القاهرة، ولا يخفف من وطأة هذا الخطأ تركيز هذه الظواهر على وحدة الوطن السوري ووحدة الانتماء ومبادئ المساواة والتكافؤ.

التاريخ عند هؤلاء المتشائمين له كلمته، حيث لم تتبلور عبره هوية وطنية قوية تستند إلى عقد يضمن حقوق كل المكونات، لتنتج وطناً مستقراً يؤمن الجميع به، ويرون أن السلطات الاستبدادية المتعاقبة، ساهمت في تشويه هذه الهوية والانتكاس بالمجتمع إلى ملاذات تفكيكية ما قبل مدنية، وإعلاء شأن العلاقات المتخلفة، الدينية والطائفية والعشائرية، على حساب الرابطة الوطنية.

والتاريخ يحضر أيضاً كحجة موازية عند المتفائلين، فسورية عندهم عصية على التفكك وعريقة في حضارتها وتعايش مكوناتها، وثمة عناصر عدة يستحضرونها تطمئنهم على غلبة مسار الانصهار الوطني في مواجهة نوازع التفرقة والتمييز. فالسوريون، من مختلف المكونات القومية والدينية، لعبوا دوراً متكاملاً في صنع الاستقلال وبناء دولتهم الحديثة، وطغى انتماؤهم إلى أحزاب وطنية على أي انتماء، وهم الذين عمقوا تعايشهم وبلوروا في صورتهم الجغرافية والسياسية شخصية وطنية جامعة متجاوزين حتى ما أظهروه من ميل وتعاطف قوميين ومن حنين إلى دولة عربية واحدة، بل تعززت وطنيتهم بعد النتائج السلبية لاندفاعهم نحو إقامة الوحدة مع مصر، ويضيف هؤلاء أن التفاف الشعب السوري تاريخياً حول مهام وطنية وقومية عريضة، كقضية فلسطين والجولان المحتل، ترك آثاراً إيجابية على تضامنه واندماجه، وأضعف تالياً البنى العصبوية التقليدية، مذكرين بهتافات المتظاهرين، في بداية اختراقهم جدار الصمت والخوف، عن الشعب الواحد وإعلاء قيم الكرامة والحرية كخيار لا غنى عنه لاستعادة روح المجتمع ووحدته.

نحن وهم، لا يزال يعني المنحى السياسي وليس الطائفي، عن نظام مستبد وشعب ثائر، ودليلهم حرص غالبية الشعب السوري على عدم الانجرار إلى أعمال الثأر والانتقام الطائفيين، وأيضاً رد الفعل اللافت على إعلان جبهة النصرة الأخير وكيف لاقى اعتراضاً شعبياً ورفضاً واسعين، ثم تلك المقاومة التي تشهدها الكثير من المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة، ضد استبدال نظام استبدادي بآخر، وضد الارتداد عن شعاري الكرامة والحرية ورفضاً لجماعات تسعى إلى تطبيق ما تعتقده شرع الله على الناس على حساب احترام حقوقهم وخياراتهم، ويزيدهم اطمئناناً شيوع حالة من الحنين العميق إلى الوطن والأرض لا تزال تسم مشاعر غالبية السوريين اللاجئين في بلدان الجوار، وأيضاً هذا العنفوان الذي لا يزال يسمع حتى من طفل مشرد حين يعرف بنفسه كسوري، عنفوان لم تكسره أو تضعفه كل أشكال القهر والتمييز.

وبين تشاؤم العقل وتفاؤل الروح لا ينفع تكرار القول بمسؤولية النظام عما تتعرض له الهوية الوطنية فهو لن يرفع سيف العنف والتمزيق عن عنق الناس ولن يوقف حربه، كما لا تنفع الثقة المطلقة بالشعب السوري والرهان على ذخيرته في التسامح والتعايش، بل ما ينفع هو الارتقاء بمسؤولية المعارضة السياسية لتظهر وجهاً وطنياً عريضاً وتفانياً في الحرص على الهوية الجامعة، وبأنها على اختلاف منابتها الاجتماعية ومشاربها الإيديولوجية قادرة على التوافق وعلى احترام الآخر المختلف والاحتكام لقواعد الحياة الديموقراطية، بما في ذلك رفضها الواضح والحازم، اليوم قبل الغد، لكل المشاريع التي تسعى لتطييف الثورة وحرفها عن روحها الوطنية، وهنا تقع على عاتق التيارات الإسلامية مسؤولية مضاعفة لا تحتمل التأجيل في خصوصية المجتمع السوري وطابع مكوناته، لإثبات عمق التزامها بقيم الثورة في الحرية والكرامة واحترام حقوق الإنسان، وللرد على هواجس ومخاوف تتنامى لدى الناس من سلوك الإسلاميين في البلدان العربية الأخرى التي بدأت تقطف ثمار الثورة بأنانية مفرطة ولم تعد تهمها سوى مطامعها السياسية والأيديولوجية الضيقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يسار يكره الإنسان!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 24/4/2013

كتب ستالين، زعيم روسيا بين عامي 1921 و1954، الذي حكم بالنار والحديد، وقتل (حسب تقديرات متنوعة) نيفا و20 مليونا من مواطناتها ومواطنيها، كتابا لم يجد عنوانا أكثر استهزاء بالحقيقة من العنوان الذي اختاره له، وهو «الإنسان أثمن رأسمال».

لم يكن الإنسان في فهم ستالين مساويا للمواطن العادي الحي، الذي يعمل ويفكر ويعيش ويموت، بل كان كائنا مجردا بمعنى الكلمة لا علاقة له بالإنسان الواقعي بمفهومه الأول، لذلك كان من السهل عليه اعتبار الإنسان المجرد الذي ليس له وجود محسوس «أثمن رأسمال»، بينما حرم الإنسان الحي، ابن آدم وحواء، من حقوقه، بما فيها حقه في الحياة والوجود، واعتُبر بالتالي مخلوقا نافلا لا قيمة له، ليس قتله عدوانا على الإنسان الذي تحدث عنه الكتاب، وتم تمجيده والرفع من شأنه بقدر ما تم سحق الإنسان الواقعي والقضاء عليه وازدراؤه.

هذه المفارقة المشينة، إلى جانب موقف النظم الاشتراكية السابقة من الإنسان، التي بررت شرعيتها بخدمته والسهر عليه وتأمين مستلزمات الوجود الحر والكريم له، بيد أنها لم تفعل شيئا في الواقع غير سحقه والتعالي عليه وتحويله إلى عبد خانع لا حق له حتى في لسانه وعقله، فضلا عن حرمانه من أبسط مقومات الوجود، ذكرني بهما كتاب صدر أخيرا في ألمانيا حول سوريا، جعل أصحابه اليساريون له عنوانا لافتا هو «سوريا كيف تدمر الدولة العلمانية ويؤسلم المجتمع».

لم ير اليساريون الألمان الشعب الذبيح، ولم يروا الإنسان الذي تمزقه القنابل والصواريخ، ولم يفهموا مطالبته بالحرية والعدالة والمساواة والكرامة، أو يسمعوا صرخات استغاثاته وأنينه، ولم تصل إلى آذانهم آهاته، وإلى عيونهم صور أطفاله وهم يضعون أيديهم على أعينهم هلعا ورعبا من فظاعة واقع يفرضه عليهم نظام ابتلع الدولة قبل 40 سنة، وانتقل منذ عامين إلى سحق ما بقي من مجتمع، لكن من أصدروا الكتاب لم يروا هذا كله، وسمحوا لأنفسهم بوضع عنوان له يتحدث عن تدمير الدولة العلمانية وأسلمة المجتمع، كأن الدولة الأسدية كانت علمانية في أي يوم، أو كأن أسلمة مجتمع مسلم هي اليوم أعظم الأخطار التي تهدده والمؤامرات التي تستهدفه.

لن أستعيد حديثا يتكرر منذ قرابة 50 عاما، حول استحالة وجود دولة دون مجتمع مواطنين أحرار. ولن ألح على حقيقة أبرزها عنف النظام هي أنه لا توجد في سوريا دولة. لو كانت هناك دولة لكان بشار الأسد في السجن، أو لالتف حبل المشنقة حول عنقه. إلى هذا، تلغي السلطوية الدولة والمجتمع بإخضاعهما لتنظيمات جزئية هي عصابات مافيوية تقودها أخوية مدججة بالسلاح لا تعرف من السياسة غير العنف، مع أن السياسة هي في صميمها عكس العنف وضده. أخيرا، لن أتحدث عن المجتمع، الذي سبق لسياسات النظام أن أسلمته كي يسقط في فخاخها وتتمكن من قمعه وسحقه، وتحول بينه وبين أن يسيس ويبدأ بالمطالبة بحقوقه وبالاستقلال عن المافيا الحاكمة وعصاباتها، أو بمقاومتها. تدمير الدولة وأسلمة المجتمع حقيقتان سابقتان للثورة الشعبية الراهنة، وليستا من نتائجها بأي حال من الأحوال. الغريب أن مفكري علم الاجتماع اليساريين هم الذين أكدوا على هاتين الواقعتين، واشتغلوا على دراستهما في مواقع كثيرة، وهم الذين أخبرونا أنهم استخلصوا النتائج اللازمة منهما، وملخصها أن الدولة العلمانية لا تتفق مع العصبوية والطائفية لكونها دولة حريات فردية وعامة حصرا. وها نحن عند أول اختبار عملي نلاحظ أن هذه المفارقة بين الأقوال والمواقف، واحتقار الإنسان وتمجيد قتلته لمجرد أنهم يمسكون بالسلطة ويدعون العلمانية، كأن هذه أكثر أهمية من الإنسان، أو يمكن أن يبرر قتل وتشريد الملايين من البشر وتدمير قراهم وبلداتهم ومدنهم، أو كأن المجتمع يستحق القتل، إن هو خالف العلمانية أو تأسلم، أو حتى تشيطن!

لم يسأل اليساريون أنفسهم عن أسباب ثورة المجتمع، وعن تدمير الدولة ومن الذي دمرها، لأنهم تبنوا طروحات النظام السوري، وجعلوه بريئا من كل ما يجري في سوريا وضحية لجهات لا يعرف كنهها أحد غيرهم، تقف وراء الفعل المبني للمجهول في كلمتي «يدمرون» و«يؤسلمون»، يرجح أنها من الإمبرياليين المجرمين، الذين يدمرون الدولة ويؤسلمون المجتمع، فكأنهم مع «القاعدة» وليسوا ضدها، وضد الدولة الأسدية، وليسوا معها.

يخافون على الدولة العلمانية وعلى علمانية المجتمع. ما نفع العلمانية إن كانت ضد الإنسان، الذي يقال إنه أثمن رأسمال في الكلام، ويُقتل كالذبابة في الواقع. وهل هناك جريمة تفوق في فظاعتها جريمة قتله والقضاء عليه فرادى وجماعات، بيد دولة علمانية مزعومة يقال إنها قائمة في سوريا، مع أن دولة الأسد تنتهك حقوق الإنسان، ولا تعترف بوجوده، ولم تلاحق خلال السنوات الـ40 الماضية غير الديمقراطيين، بينما وضعت يدها منذ أسسها حافظ الأسد في أيدي أشد عناصر الإسلام السياسي ومؤسسته الأوقافية تطرفا وتعصبا، ونظمت مختلف متطرفي الأصولية ودربتهم وسلحتهم لتخويف بقية المجتمع بهم ومنهم، واستخدامهم ضد جيران سوريا؛ من العراق إلى لبنان، ومن الخليج والأردن وفلسطين وصولا إلى أوروبا.

لم تدمر الدولة العلمانية في سوريا، لأنه لم يكن لها أصلا أي وجود فيها. ولم يؤسلم المجتمع السوري، لو كان تأسلم لما جعل الحرية هدف ثورته، ولما قاوم محاولات حرفها عن غايتها، وأفشلها كما تثبت دلائل متنوعة، وستؤكد مقبلات الأيام ذلك!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com