العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28 / 03 / 2004


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

مذكرات ناشط:

الحرية لحامل الرقم....!!

كاد العيد أن يكون عيدا، و كل شيء سيمضي بالطقس الباهت نفسه، الناس يتبادلون التهاني والزيارات، يوزعون الحلوى ، ورائحة القهوة المرة تفوح من أغلب المنازل، والأطفال يمارسون احتفالاتهم الصغيرة ، حضر كل شيء إلا الفرح الذي أبعدته هستيريا الانتظار التي أصابت مئات العائلات السورية، جاعلة إياها حبيسة دائرة مغلقة من الألم والأمل .

انتشر نبأ الإفراج عن عدد من المعتقلين بسرعة البرق، وكنا جميعا ننتظر ، كنت أحس باللحظات تمضي كحد السيف متسارعة،خبر من هنا ، اتصال من هناك، معلومات متضاربة،البعض يرحب، الآخر يتريث، البعض يحلل .ومع ذلك ، عادت عقارب الساعة تمضي ببطء مرعب. "ترى ، كيف يحسون هم بالوقت؟، مضت حتى الآن أكثر من ثمان وأربعين ساعة على بدء انتشار النبأ. وهم ينتظرون، يترقبون، هل يحيى الأمل بحق، أم يموت في مهده؟ المشهد أشبه بدواليب "اليانصيب"، حوالي ألف معتقل ينتظر ، وحوالي المئة فقط سيودعون ظلام سجونهم، على من يستقر دولاب الحظ يا ترى؟

    مصادر المعلومات شحيحة للغاية، هل أتصل ببعض العائلات لسؤالها؟ هل أستطيع أن أشارك في لعبة الألم هذه.؟ غامرت وأجريت اتصالا هاتفيا مع زوجة أحدهم. جاءني صوتها بعيدا ومتعبا، لم أجد ما أقوله،ابتسمت ببلاهة وأنا أوقن أنها لا ترى ابتسامتي ،أنقذتني وبادرت إلى القول أنها سمعت الخبر كما سمعنا، وهي تنتظر ، مازالت تنتظر منذ أكثر من عشرين عاما، قالت ،تابعت:" سمعت أنه ليس بينهم، لكنني أنتظر"، أنهيت مكالمتي، وأيقنت أن عذابات عشرين عاما قد تساوي عذابات يومين من الشائعات التي تحيي الأمل ثم تدفنه . تساءلت لماذا يتعين على ابن بلدي أن يدفع ثمن لحظة فرح أضعافا. والأمر لا يحتاج إلى أكثر من إعلان عن أسماء من شملهم الإفراج، وتوفير كم الألم الذي تعانيه باقي العائلات من انتظار سيزيد الجرح عمقا..والقلب شيخوخة.

لا أستطيع أن أتخيل إحساس المعتقلين وهم يودعون رفاق سجنهم الذين استعادوا حريتهم، بينما يستمرون هم في ليالي الانتظار والعتمة ، و الأعمار تتساقط كأوراق يابسة.لكنني أعرف تماما إحساس العائلات التي كانت تنتظر، لأنني كالكثيرين، انتظرت معهم وقضيت العيد حبيس الدائرة المغلقة إياها.

تمت عملية الإفراج وبدأت أسماء المفرج عنهم تتضح شيئا فشيئا، بات الأمر أكثر صعوبة، ما أن نعلم باسم أحدهم، وقبل أن تكتمل الابتسامة على وجوهنا فرحة بعودته، حتى نتلقى اتصالا من أم حزينة "لماذا ولدي ليس بينهم"، أو تصلنا عبر البريد الإلكتروني رسالة زوجة "مبروك للمفرج عنهم، لكن هل سيفرج عن زوجي قريبا" أو تصلنا صرخة احتجاج غاضبة "الأولاد لم يكفوا عن البكاء ثلاثة أيام بلياليها، لماذا والدهم مازال في المعتقل"، ولأننا لا نملك إجابة عن أي من تلك الأسئلة، كان الصمت أجدى من عبارات المجاملة الفارغة.

أحدهم اتصل بنا وقال إن اسم والده موجود في البيان الذي أصدرناه حول المفرج عنهم، لكن والده مازال معتقلا ،وصمت، وأحسست في صمته أنه يحثنا على نفي الخطأ الحاصل وتأكيد نبأ الإفراج عن والده، لكن الأمر كان مجرد تشابه أسماء، أغلقت سماعة الهاتف على أمله، لأعتذر له في قلبي آلاف المرات عن لحظة أمل كاذبة تسببنا له بها عن غير قصد.

مضت الأيام الثلاثة ومازالت التساؤلات المحمومة من الأهالي مستمرة، "هل هناك دفعة جديدة"، "هل سيفرج عنه قريبا؟" "هل من جديد؟" مرة أخرى، أسئلة لسنا كنشطاء مخولين للإجابة عنها، لكنها مؤلمة لدرجة أنني تمنيت للحظة لو كنت "عالما بالغيب"، لربما حينها استطعت أن أطفئ اللهب المستعر في صدور أولئك الملتاعين على أحبتهم.

مضت الأيام الثلاثة وكان عيدا ليس ككل عيد. أحسست لأول مرة بأننا يجب أن نبدأ حملة من نوع جديد للمطالبة بالإفراج الفوري عن حيوات عائلات المعتقلين، تلك الحيوات السجينة منذ سنين طويلة في زنازين الانتظار والألم وعذابات الأمل الذي لم يصدق بعد، أن نطالب بالإفراج عن والدة عماد شيخة وأبناء عماد العشي وعائلات عبد العزيز الخير ومحمود الكيكي ورفيق الحمامي وووو...... فالآلاف من الزوجات والأمهات والآباء والأبناء، يشاركون في دفع ضريبة الحرية في بلدنا بشكل أو بآخر.

المرصد / صادرة عن جمعية حقوق الإنسان في سورية

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org