العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27/10/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أي مساعدة يحتاجها السوريون؟

فايز سارة

المستقبل

السبت 12/10/2013

آخر كلام في موضوع المساعدات للسوريين، يتعلق بسعي المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد السيستاني الى تقديم مساعدات للاجئين السوريين في كردستان العراق، حيث كلف كبير وكلائه الذهاب الى هناك والبدء "بحملة توزيع مساعدات إنسانية على اللاجئين"، وهو تحرك يعكس عدم رضى المرجع الديني عن أداء الحكومة العراقية ووزارة المهجرين في هذا المجال.

ويفتح الخبر بوابة الحديث عن المساعدات الإنسانية، التي يقدمها العالم بدوله وهيئاته للسوريين، وهي مساعدات محدودة وغير كافية باعتراف القائمين عليها والمتصلين بها من منظمات ودول وقادة وشخصيات ذات صلة، أبرزهم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي أكد مرات كثيرة ضعف حجم وفاعلية هذه المساعدات في ضوء حاجة السوريين للمساعدة، بل إن هذه المساعدات تتناقص كما أكد آخرون في ضوء حقيقة، أن ذوي الحاجة من السوريين يتزايدون بصورة كبيرة نتيجة استمرار سياسة القتل والتدمير والتهجير التي يتابعها النظام وسط سكوت وغض بصر دولي مريبين.

والتدقيق في موضوع المساعدات من حيث الأطراف التي تقدمها وحجمها، يجعل من البسيط التمييز بين نوعين منها، نوع أول وهو الأكبر حجماً وفاعلية، تقدمه دول وهيئات ومؤسسات في إطار مساهمة لعلاج مشكلة إنسانية تواجه السوريين، والأهداف السياسية مضمرة أو هي محدودة إن وجدت، وغالبها أساسه مساعدة الشعب السوري في مواجهة الكارثة التي دفع النظام الشعب السوري اليها. أما النوع الثاني فهو قليل ومحدود، وأساسه الكسب الدعائي والسياسي للدول والجماعات التي تقدمه، وكل هذه الدول والجماعات تؤيد نظام قتل السوريين وتدميرهم مثل الصين، وهي تدعم بصورة مباشرة النظام بالمال والسلاح والمقاتلين غالباً مثل روسيا وإيران والعراق وأطراف وهيئات أخرى، وتقديمها "المساعدات" للسوريين هدفه تحسين وجهها القبيح، وإخفاء دورها المباشر أو غير المباشر في الجرائم التي يرتكبها النظام ضد الشعب، وإلا ماذا يعني أن تتبرع دولة كبرى مثل الصين بمبلغ قدره عشرة ملايين دولار مساعدات للسوريين؟. وهو مبلغ لم تتجاوزه كثيراً مساعدات كل من روسيا وإيران، وأغلب هذه المساعدات تذهب مباشرة الى النظام ليقوم بتوزيع أغلبها على مؤيديه بما يعزز ارتباطهم به، ويقوي استراتيجيته القائمة على القتل والتدمير، ويدعمه في السير بها الى النهاية على طريق إخضاع السوريين، وفرض سيطرته عليهم مجدداً رغم كل ما قام به من أعمال إجرامية.

إن السوريين وهم يحتاجون الى المساعدات الإنسانية نتيجة تردي أوضاعهم وظروفهم الحياتية، يحتاجون الى مساعدة أكبر وأكثر أهمية، أساسها وقف استمرار وتصاعد تلك الظروف الكارثية، وهذا اساسه وقف القتل والتدمير والتهجير، ومحاسبة القائمين بها وتقديمهم الى المحاكم لينالوا العقاب العادل على جرائمهم، ثم الذهاب الى أبعد في مساعدة السوريين على تغيير النظام، وإقامة نظام ديموقراطي بديل، يوفر الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة لكل السوريين من دون أي استثناء.

ولا شك أن ذهاب الدول والهيئات الدولية والإقليمية نحو مثل هذه المساعدة الحقيقية للسوريين لا يمكن عزلها عن واقع القضية السورية بمجملها، والتي تشكل أوضاع السوريين الإنسانية أحد تجسيداتها العملية مما يتطلب تقديم مساعدات كافية لعيشهم، لكنها تتطلب أيضاً دعماً سياسياً وعسكرياً لقوى التغيير الديموقراطي في سوريا في المستويات الثلاثة الأساسية، أولهما مستوى المعارضة السياسية وفي المقدمة منها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الساعي الى دولة ديموقراطية، ثم تشكيلات الجيش الحر والثوار الذين يقفون في مواجهة آلة النظام وفي وجه قوى التطرف والتشدد، التي تسعى الى أخذ البلاد الى عمق الحرب الأهلية، ثم الحراك المدني والشعبي الذي ما زال يسعى من أجل الحرية والكرامة والديموقراطية.

إن دعم قوى التغيير الديموقراطي في سوريا، يتطلب دعماً سياسياً قوياً وفعالاً للائتلاف الوطني بالسعي الى دعم وحدة المعارضة وتقويتها، ووقف التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، وفي تعزيز مكانتها في التمثيل السياسي للشعب السوري وتكريس مكانتها القيادية على التشكيلات العسكرية ولا سيما تشكيلات الجيش الحر، والتي يفترض السعي الى توحيدها وتنظيمها وتسليحها في إطار تغيير موازين القوى في الداخل، وهو أمر لا يمكن الخروج من الوضع الراهن دون القيام به.

ولعله لا يحتاج الى تأكيد القول، إن حصول مثل هذه التغيير في نوعية المساعدة المقدمة الذي لا يمكن أن يستعيد فعالياته في مواجهة النظام وجماعات التطرف ومن أجل إعادة الخروج من الأزمة وتغيير النظام، والذهاب نحو استعادة الحياة السورية.

إن السوريين شعباً وكياناً، كانوا حاضرين بصورة حية ودائمة في المجتمع الدولي، وقد أخرجتهم سياسة النظام وجرائمه من ذلك الدور والحضور، وعودتهم اليه لا تكون في مساعدات إنسانية وبعضها له أهداف دعاوية إعلامية ليس إلا، إنما في مساعدتهم في الخروج من مسببات الكارثة التي صاروا فيها، وخلاصة تلك المساعدة ثلاثة نقاط: وقف القتل والدمار، ومحاسبة مرتكبي تلك الجرائم، وتغيير النظام الى نظام ديموقراطي بالوسائل السلمية إن أمكن، أو بالقوة إذا كانت الأخيرة هي الخيار الوحيد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

احتمالات سورية!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

السبت 12/10/2013

تشهد الساحة السورية تحولات مهمة تبدل طبيعة المعركة الدائرة فيها، ليس فقط لأنها تضيف قوى مسلحة جديدة إلى القوى التي تتقاتل فيها منذ نيف وثلاثين شهرا، وإنما كذلك لأنها تقدم برامج مختلفة عن تلك التي عرفتها خلال هذه الحقبة الطويلة من صراعاتها، تقع خارج أي نسق آيديولوجي أو فكري – سياسي مألوف فيها.

في هذا الوقت، تشهد الساحة تطورا مهما يتجسد في انزياح يقع على الأرض، يؤدي إلى خروج الجيش الحر من مناطق حررها من جيش النظام، أو إلى تراجع دوره فيها، يجعل بالإمكان القول: إن سقوط المنطقة الواقعة بين حدود العراق والقسم الشرقي من الساحل السوري مرورا بإدلب في أيدي دولة العراق والشام الإسلامية سيفضي إلى تغيير طبيعة الثورة، وسيحصرها في بؤر معزولة هي إدلب وحماه بوضعهما شبه العادي، وحمص التي تختنق بالحصار والضغط العسكري عليها، الذي صمدت له بمفردها من دون أن يبذل أحد جهودا جدية لفك الطوق عنها من خارجها، ودمشق التي نجح النظام في فصل غوطيتها وعزلها عنهما، وحاصرهما ويمارس القتل اليومي فيهما، سواء بالمدافع وراجمات الصواريخ والطيران، أم بإبادة شعبهما جوعا وعطشا وتدميرا من بعيد، وأخيرا درعا، التي أقام خطا دفاعيا قويا يبقي معارك حوران مفصولة عن معركة دمشق وقليلة التأثير عليها.

هذه التطورات، التي تهدد بشطر سوريا إلى منطقتين متنافرتين شكليا في نظاميهما، متماثلتين جوهريا في الاستبداد الذي تخضعان له، على رغم ما بين نمطيه القومجي والمذهبي من فوارق، تهدد بتفتيت وتمزيق الجيش الحر ومجمل الحراك المدني والديمقراطي ووضعهما خارج الثورة، خاصة إن صح ما أقوله حول تحوله من جهة تسيطر على مناطق شاسعة في سوريا إلى بؤر مبعثرة ومحاصرة في مدن مطوقة ومفصولة عن أريافها. إذا ما أضفنا إلى ذلك ظاهرتين مقلقتين هما أولا: الهجمات الإعلامية التي تستهدف وجود الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السياسية، وتشوه سمعته، وتزعم أنه سيبيع الشعب في جنيف 2. ووقع اتفاقا مع النظام واستسلم وانتهى أمره. وثانيا: قيام تنظيمات إسلامية بتشكيل تحالف عسكري أطلقت عليه اسم «الجيش الإسلامي»، يراد به الحلول محل «الجيش الوطني» أو جعل تشكيله نافلا ولا لزوم له، باعتباره أنه سيحمل طابعا منافيا لطابع القوى الإسلامية القائمة بالقتال والمقاومة، وأن وجوده سيؤدي حتما إلى نشوب صراع مسلح معها، كما قالت أصوات في الائتلاف عندما طرح كاتب هذه المقالة فكرة تكليف اللجنة القانونية فيه بإعداد مرسوم حول تشكيل جيش وطني.

هل نحن في الطريق إلى ساحة تضم قوى ثلاثا معادية جميعها للجيش الحر أو الوطني، هي أولا النظام، وثانيا القوى الجهادية المهاجرة القادم معظم من ينتسبون إليها من وراء الحدود، وثالثا الجيش الإسلامي العتيد، الذي أوحى الإعلان عنه بأن هدفه قطع الطريق على إقامة جيش وطني، بينما تتعالى أصوات من داخل الجيش الحر – الذي سيكون نواة الجيش الوطني المطلوب - تنكر شرعية قيادته الحالية، تضاف إلى الأصوات من داخل الائتلاف التي تنكر بدورها شرعية أي إجراء يبادر إليه، وتتهم تيارا واسعا جدا فيه بالعمالة والخيانة، وتقف موقفا شديد التزمت من الحكومة المؤقتة، وتستنفر مناصريها ضدها، في دليل إضافي على تشكل جبهة تضم أمراء حرب وأتباعهم السياسيين في كل مكان وموقع، في معركة يبدو أنهم يريدونها حاسمة ضد التيار الديمقراطي في المجالين المدني والعسكري والمقاوم.

هذه التطورات، تدخل الساحة السورية إلى طور جديد لن يكون فيه أي دور لمن أطلقوا الثورة واستشهدوا دفاعا عن شعبها وقيمها من قوى مدنية وديمقراطية وجيش حر، وسيكون هناك تنظيمات جهادية هي وأتباعها من مستلزمات بقاء واستمرار نظام الأسد، الذي خطط منذ بداية الانفجار الوطني الكبير ضده لتأسيس وإقامة تنظيمات تدعي أنها بديل له، لكنها لم تفعل شيئا إلى اليوم غير مطاردة الجيش الحر وإخراجه من المناطق التي قام بتحريرها وإعادة الأسدية إليها، وظيفتها الحقيقية تخويف العالم إلى الحد الذي يوافق معه على بقاء النظام، والتخلي عن القوى المدنية والديمقراطية السياسية والعسكرية، تمهيدا لذبحها.

ليس هذا السيناريو من بنات الخيال. إنه يطبق منذ أشهر في مختلف مناطق وطننا، طارحا تحديات مصيرية على شعبها وقواه المطالبة بالحرية والعدالة والمساواة، وبالحفاظ على وحدة مجتمع ودولة مهددين اليوم بخيارات من نمط جديد، أشد خطرا من أي شيء واجهته من قبل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : يئسنا أن يساعدونا نرجوهم أن يكفوا عن التآمر علينا .. جنيف المؤامرة على إنسانيتنا

27.10.2013

زهير سالم

من يأس ومن يألم يصرخ السوريون أفرادا وجماعات : لا لجنيف . ولا لجنيف في هذا السياق تعني لا لمحاولة إجهاض الثورة ، ولا لمحاولة الالتفاف على مطالب الثوار . ولا لمؤامرة إعادة الشعب السوري ذليلا تحت سيطرة بشار الأسد ومشايعيه في الداخل والخارج .

تتمثل كل هذه المحاولات التي يعمل عليها بشار الأسد وأصدقاؤه الظاهرون والمبطنون ( خيط بسداة ) في كل ما يتابعه السوريون من سياسات ومواقف دولية ودعوات مريبة إلى إنهاء المعاناة تحت كل العناوين والمبادرات السياسية والإنسانية في تكريس الإنكار لإنسانية الإنسان في سورية بل الإنكار لآدميته لتكريس تاريخ طويل من الامتهان والإذلال   ..

لا شيء حتى اليوم مما يمارسه بشار الأسد في سورية يقلق المجتمع الدولي ، لا شيء يغضب هؤلاء الدبلوماسيين المتأنقين . على المستوى الشخصي صدقت وزير الخارجية الأمريكية ، عندما أعلن عن تعاطفه مع أطفال الغوطة وعندما ذكرنا أنه إنسان وأنه أب ، لم تمض أيام حتى علمت أنه كان سمسارا يراوغ ، وأنه لم يلبث أن اتخذ من جزار الغوطة ( شريكا سياسيا ودبلوماسيا ) .

لا شيء مما يجري في سورية يغضب أحدا من صناع القرار الدولي غضبا منتجا يدفع لمبادرة أو فعل إيجابي ؛ لا الذبح بالسكاكين ، ولا القصف بالمدافع ، ولا اقتحام المدن بالدبابات ، ولا القصف بالطائرات المدمرة وبالقنابل البعيدة المدى ولا حتى بالصواريخ الاستراتيجية البعيدة المدى . وكانت ( فدية ) استخدام الكيماوي ضد أطفال الغوطة توقيع ( عقد شراكة ) لمدة أعوام بين مجرم الحرب والمتأنقين المتحضرين من ممثلي السياسية الدولية الأمريكيين منهم بشكل خاص ..

والكل من صناع القرار في المجتمع الدولي متوافقون متكافلون متضامنون على أمر واحد قائم ومستمر منذ ألف يوم تقريبا أن يتركوا لمجرم الحرب  المدى مفتوحا لقتل المزيد من السوريين بكل وسائل القتل المتاحة لبشار الأسد بلا حساب ..

والكل من صناع القرار في المجتمع الدولي متوافقون متكافلون متضامنون على السماح للروس والإيرانيين والعراقيين وجنود حزب الله أن يدخلوا الحرب ضد الشعب السوري بكل ثقلهم ، وأن يشاركوا في قتل وذبح السوريين بكل أدواتهم ، بعضهم يدافع عن ذلك جهارا نهارا ، وبعضهم يغض الطرف عنه أو يندد به بعبارات خجلى لا تغني من الحق شيئا . ومن المتفق عليه أيضا أن لا أحد من المتأنقين المتمدنين يصف مجندي القتل هؤلاء بالمتطرفين أو الإرهابيين ولا حتى أولئك الذين يتسلون بقنص الأجنة في أرحام النساء !!!!!!

إن أي معارض سوري يحاول أن يقفز على هذه الحقائق ، وأن يصور للسوريين أن في صناع القرار الدولي أصدقاء يمكنه الاعتماد عليهم يكذب على نفسه ، ويكذب على شعبه . وحري بنا أن نذكره بقوله تعالى  (( أَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ))

وإن كان أمر ما في هذه الثورة يقلق صناع القرار الدولي ، فهو ازدياد عدد المشردين واللاجئين . هذا القلق ليس تعبيرا عن تعاطف مع معاناة هؤلاء الآدميين بل لما يفرضه من استحقاقات مادية وأحيانا سكانية على صناع القرار مما لا يستطيعون تجاهله ويتصورونه تهديدا لاستقرار مجتمعاتهم ورفاه قططهم وكلابهم ..

إن الشعب السوري الذي ثار مطالبا باسترداد كرامته الإنسانية التي انتزعتها زمرة الإجرام منه على مدى عقود يؤكد أنه لا يريد من المجتمع الدولي أكثر من الاعتراف بإنسانيته ، في إطار القيم الكونية والوثائق الدولية لحقوق الإنسان ، وأنه لن يتنازل عن أي حق من حقوقه في هذا المضمار ..

وأننا اليوم وبعد أن تمكن اليأس في نفوس كل السوريين الصادقين والمبصرين من صناع القرار الدولي هؤلاء ؛ أصبح مطلبنا الأساسي اليوم منهم أن يتوقفوا عن المكر بنا وعن التآمر علينا، وعن دعم عدونا ونحذرهم أن حصيلة هذا الشر شر أكبر .

لندن :21 / ذو الحجة / 1434

26 / 10 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تحالف شيعي صاعد مقابل تشرذم سُني قاتل

 فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 13/10/2013

مشكلتنا نحن العرب والمسلمين أننا نفضل دفن الأوساخ تحت السجادة بدل تنظيفها وتهويتها، وبدل أن نعرض دماملنا على الأطباء كي يعاينوها ويعالجوها ويستأصلوها، نقوم عادة بالتستر عليها، فتتفاقم حالتها وتزداد سوءاً. لا أدري لماذا كلما تطرق أحد إلى موضوع الطائفية والمذهبية في منطقتنا اتهموه بالتحريض الطائفي وإثارة النعرات، مع العلم أن النعرات تتحرك على الأرض على عينك يا تاجر وبسرعة رهيبة.

نستطيع أن نتحدث عن التقارب السني الشيعي لسنوات وسنوات، ونعقد المؤتمرات تلو المؤتمرات، ويتصافح أعيان الجانبين ويلتقطون صوراً تذكارية، ويظهرون أمام وسائل الإعلام ويقولون: "صافي يا لبن"، لكن الواقع على الأرض يسير في اتجاه معاكس تماماً. هل يستطيع أحد أن ينكر الآن أن "الهلال الشيعي" الذي تحدث عنه العاهل الأردني أصبح حلفاً كامل الأوصاف. ألا يمتد النفوذ الإيراني الآن وبوضوح شديد من اليمن إلى العراق مروراً بسوريا إلى لبنان، ناهيك عن الخليج؟ أليس هناك الآن كتلة متحدة صاعدة متماسكة بقيادة إيران تضم القيادة في جنوب اليمن والعراق وسوريا ولبنان؟ أليس هناك ثقل سكاني من لون مذهبي معين يزداد تماسكاً واتحاداً يوماً بعد يوم؟ أليست هذه حقيقة تفقأ العيون؟ فلماذا عندما يقترب أحدهم من هذا الموضوع يبدأ البعض باتهامه بإثارة النعرات المذهبية والطائفية؟ أيهما أخطر، الحديث عن هذا التحالف المذهبي، أم التحالف المتصاعد نفسه؟ إن من يتهم الذين يتحدثون عن هذا الأمر يذكرنا بما يحدث في سوريا، فمثلاً لا بأس أن تقتل وتذبح الناس في سوريا، لكن ممنوع أن تصور عمليات القتل والذبح، فالذبح حلال، والحديث عنه ونقله إعلامياً حرام. ما شاء الله.

فلنعترف أن هناك مباركة أمريكية لما أصبح يعرف بالحلف الشيعي الذي بدأت تتشكل ملامحه بعد أن سلمت أمريكا العراق لإيران على طبق من ذهب. أما التدخل الإيراني السافر الآن في الشأن السوري سياسياً وعسكرياً وإعلامياً واقتصادياً فلم يعد يخفى على أحد، بدليل أن الغرب غض الطرف تماماً عن الوجود العسكري الهائل لحزب الله والميليشيات العراقية والإيرانية على الأرض السورية. ومن سلم العراق لإيران لا يمكن إلا أن يدعم الجهد العسكري الإيراني في سوريا، بدليل أن أمريكا وافقت قبل أيام على أن تكون إيران جزءاً لا يتجزأ من مؤتمر جنيف (2) الذي سيشكل الخارطة السورية الجديدة. لقد أصبح الدور الإيراني معترفاً به دولياً في سوريا. ومن الواضح أنه سيفوز بنصيب الأسد من الكعكة السورية على ضوء التقارب الإيراني الأمريكي المتمثل في الاتصال الأخير بين روحاني وأوباما.

لنكن واقعيين: هناك تحالف شيعي صلب، ناهيك عن أنه على قلب قيادة وأهداف واحدة. وهو أكثر تنظيماً وتعاضداً من غيره، خاصة أنه أنجز حلماً راوده لمئات السنين بأن يصبح سيد المنطقة. وبناء على ذلك، فمن الصعب جداً أن يتنازل عن إنجازاته الرهيبة لأحد، ولا شك أنه سيتمسك بها بأسنانه. ولو نظرنا فقط إلى الطريقة التي يقاتل فيها الإيرانيون والعراقيون وحزب الله والحوثيون على الأرض السورية إلى جانب النظام السوري ضد الجماعات السنية الأخرى لاتضحت الصورة تماماً. لماذا نكذب على أنفسنا، هناك حرب سنية شيعية تدور على الأرض السورية، بدليل أن الميليشيات الشيعية تدعي الدفاع عن المراقد والمزارات الشيعية في سورية بشهادة حسن نصر الله. لكن الفرق بين المتقاتلين الشيعة والسنة في سورية أن الشيعة متحدون، بينما الجماعات السنية تتقاتل فيما بينها أحياناً. بعبارة أخرى فإن الانقسام السني السني ليس موجوداً فقط على الأرض بل يزداد وضوحاً على الصعيد السياسي.

ألا تتآمر الأحزاب والجماعات السنية في المنطقة على بعضها البعض بالغالي والرخيص. الأمثلة كثيرة أمامكم، فما إن تظهر جماعة أو حزب سني قوي إلا وتبدأ الجماعات السنية والدول الأخرى بضربه وإخراجه من الساحة حتى لو كان منتخباً شعبياً، كما حصل مؤخراً للرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، الذي بدل أن يلتموا حوله لمواجهة الأحلاف الصاعدة الأخرى، راحوا يعملون على إسقاطه دون أن يعلموا أن هذا التشرذم السني سيصب في نهاية المطاف في صالح الحلف الشيعي الصاعد كالصاروخ. ولا ننسى كيف تحالف البعض ضد صدام حسين في الماضي، وبدأوا الآن يتباكون عليه بعد أن استغلت إيران سقوطه وراحت تجتاح المنطقة. لا يبدو أننا نتعلم من التاريخ حتى القريب منه أبدا.

وبينما نجد أن الجماعات السنية في المنطقة تتناحر، نجد أن الحلف الشيعي يفرك يديه فرحاً بهذا الاشتباك السني السني القاتل. لم يخطئ بعض الساخرين عندما علق قائلاً: إن أفضل من يخدم الحلف الشيعي في المنطقة هي الأحزاب والجماعات السنية المتناحرة.

ليس المقصود من الكلام أعلاه سوى إيضاح حقيقة إستراتيجية وجيوسياسية أصبحت واضحة كعين الشمس. ولا يسعنا أن نقول سوى: حلال على الشاطر، ولا عزاء للمتناحرين الذين يطلقون النار على أرجلهم، ثم يشتكون من تآمر الآخرين عليهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تصحيح مسار الثورة السورية: احترام التخصص

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 13/10/2013

في تصحيح مسار الثورة السورية: احترام التخصصلا يختلف اثنان على درجة تعقيد العناصر المؤثرة في الثورة السورية. والاتفاق كبير على كثرة الحاجات المطلوبة ليس فقط لخدمة الثورة ونصرها، وإنما أيضاً لإقامة سوريا الجديدة التي تمثل الهدف النهائي لذلك الانتصار.

من هنا، يظل مطلوباً على الدوام البحثُ عن المداخل والأساليب لفهم ذلك التعقيد والتعامل معه والاستجابة لتلك الحاجات وتلبيتها.

وما من سبيل للإجابة على الأسئلة المطروحة إلا باستخدام مفردتين من لغة هذا العصر وأداتين من أدواته: التخصص والمؤسسات.

ولا تبدو الحاجة لاحترام التخصص كما تبدو في حالة الثورة السورية اليوم. فمن علم الاجتماع إلى علوم الإدارة والتنظيم، ومن علم السياسة إلى العلوم العسكرية، يظهر واضحاً افتقاد الغالبية العظمى من العاملين في هذه الحقول إلى الخبرة المطلوبة للعمل فيها بفعالية. بل إن كثيراً ممن يتصدون للعمل يُسيئون بنشاطاتهم وقراراتهم إلى الثورة أكثر بكثير مما يقدمونه من فائدة.

ما هي التحولات الاجتماعية التي نتجت عن الثورة السورية وملابساتها؟ كيف يمكن تشكيل هوية وطنية جامعة تلمﱡ ما تفرق من شمل شرائح المجتمع السوري؟ وهل هذا التشكيل ممكنٌ أصلاً؟ وما هي بدائله إن لم يكن ممكناً؟ لماذا فشلت تقريباً كل المنظمات والهيئات والمؤسسات التي يُفترض أنها وُجدت لخدمة الثورة وأهلها؟ لماذا تكثر هذه التشكيلات في المجال السياسي والعسكري والإغاثي والخدمي وتكثرُ معها المشكلات؟ أين المؤسسات التي تدﱠعي العمل لتمثيل الشعب السوري سياسياً من الفكر السياسي المحترف والممارسة السياسية المحترفة؟ ماذا يفعل وكيف يُخطط أكثر من 150 ألف مقاتل يُقال لنا بأنهم يحملون السلاح ضد النظام؟!

هذه وغيرها أسئلةٌ كثيرة لا توجد لها اليوم إجاباتٌ حقيقية. ولو وُجدت مثل تلك الإجابات لكان وضع الثورة مختلفاً إلى حدٍ كبير.

نفهم كل ما يُقال عن وحشية النظام، وعَون أصدقائه الكثيف له، وخُذلان السوريين من قبل (أصدقائهم) مالياً وسياسياً وعسكرياً، لكن من المُعيب حصر تفسيرنا لواقع الثورة السورية اليوم بتلك المقولة. خاصةً وأننا لا ننحو في هذا المقال إلى التخوين والطعن في نيات أحد، وإنما حسبُنا الإشارة إلى عنصرٍ نعتقد أنه السبب الأكبر في الوضع الراهن يتمثل في غياب احترام التخصص.

فالثورة السورية اليوم ظاهرةٌ مشاع. وكل إنسان يُقحم نفسه في شأنٍ من شؤونها بغض النظر عن درجة معرفته وخبرته واختصاصه في ذلك الشأن.

هنا تبرز الجوانب المأزومة من الثقافة الشائعة، من عقلية (أبو فهمي) الذي يفهم في كل شيء ويعتمد على شطارته وفهلوته وخبرته في الحياة معتقداً أنها تؤهله للعمل في السياسة والحرب والتنظيم والإدارة، مروراً بآفات حب الظهور والتصدر والتشاوف بأي طريقة ممكنة، وصولاً إلى التسامح السلبي المتبادَل بين أبناء المجتمع لتمرير مثل هذه الظواهر وعدم الحسم في إلغائها ومنعها لأسباب متنوعة منها الإهمال، ومنها المحسوبية العائلية أو المناطقية أو الأيديولوجية، ومنها الفساد والرغبة في تبادل المصالح والانتفاع من الثورة.

لقد تنوعت معارف الإنسان في هذا العصر واتسعت آفاقها وأصبح ازديادها من ناحية الكم وعمقها من جهة الكيف هائلاً وسريعاً إلى درجة تكاد تكون عسيرة على التصور والإدراك.

وفي حين كانت العوامل التي تؤثر في حياة الأمم والشعوب في الماضي معدودةً ومحصورةً في بيئتها الجغرافية وواقعها الخاص. تزايدت تلك العوامل بصورة متوازية مع تقدم العلوم الإنسانية في كل مجال حتى أصبحت اليوم مجموعةً هائلة لا حصر لها في العلوم والفنون والآداب والصناعات.

وفي حين كان العلماء فيما مضى يتصفون بصفة الموسوعة، فنجد أحدهم عالماً في اللغة والاجتماع والفلك والطب والكيمياء وما إليها.. صارت غايةُ المنى لكثير من علماء اليوم أن تكفي حياتهم للإحاطة الشاملة الدقيقة ليس بعلمٍ واحد من العلوم، بل بموضوعٍ مُحدد من ذلك العلم.

ومن أهم ملامح هذا العصر أن كثيراً من تلك العمليات العفوية التي كانت تمارسها المجتمعات أو يقوم بها الأفراد في الماضي صارت اليوم علوماً تُدرس في المدارس والجامعات وتُكتب فيها المقالات والكتب والأبحاث وتُقام لها حلقات البحث والندوات والمؤتمرات.

لم يعد شيءٌ يتعلق بالإنسان عفوياً في هذا الزمان. وإذا ظن أحدٌ ذلك فإنما ينتج شعوره عن جهلٍ بهذا العصر وبهذا العالم.

وإذا كان هذا ينطبق على حياة المجتمعات في الظروف الطبيعية، فإنه أولى بالاهتمام في ظل الأوضاع الاستثنائية، كتلك التي تمر بسوريا اليوم.

لن يستطيع سوريٌ أن يخدم قضيته اليوم ما لم يدرك تلك الحقيقة الكبرى أولاً، ثم يعمل على ممارستها على أرض الواقع. والاعترافُ بها والعمل من خلالها يمثل الحد الأدنى من الجدية والاحترام لتضحيات الشعب السوري الكبيرة، وهذا وحده الذي سيُمكن السوريين من توظيف طاقاتهم الهائلة ومخزونهم الحضاري لتحقيق أهداف الثورة.

إن التعامل مع العالم والعصر من خلال رفع الشعارات والحديث عن المبادئ واستخدام العواطف والنيات الحسنة أمر في غاية السهولة. إلا أن عملية إثبات الوجود في وسط هذا العالم الذي تموج فيه الزوابعُ والعواصفُ والأعاصيرُ بالأمم والدول يتطلب فهماً آخر ووعياً آخر وجهداً آخر مختلفاً تماماً عن تلك الطريقة.

وإذا كان لأحدٍ أن يفكر في تصحيح مسيرة الثورة فإن عليه أن يبدأ من احترام الاختصاص في كل مجالٍ من مجالاتها، بحيث يُبنى على هذا الاحترام موقفٌ عملي يؤكد على وضع الإنسان المناسب في الموقع المناسب، لتظهر المُخرجات المناسبة للثورة في نهاية المطاف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وقفة مع «جنيف 2»

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 13/10/2013

لا شك أن القضية السورية دخلت في تعقيدات محلية وإقليمية ودولية، وأن معالجتها أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، والأساس في هذه التعقيدات كان سياسة النظام الذي اختار منذ اليوم الأول خيار الحل الأمني - العسكري طريقا، يقوم على مبدأ إخضاع الشعب وإفشال ثورته من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية، والتي بدأت سلمية واستمرت طويلا على هذا المسار، قبل أن يجري إكراهها وإدخالها عبر التسلح والعسكرة على خط النظام في المواجهة المسلحة.

وكان للدعم العسكري والاقتصادي الذي قدمه حلفاء النظام الدوليون والإقليميون، وأبرزهم روسيا والصين وإيران، إضافة إلى حزب الله والميليشيات العراقية، دور كبير في تعزيز مسار النظام ونهجه في استمرار خيار الحل الأمني - العسكري، بل إن ذلك ساهم في إفشال أي مبادرة محلية أو إقليمية أو دولية لحل سياسي للقضية السورية، وهذا أطال أمد الأزمة في سوريا، وزاد من تكلفتها الإنسانية والمادية، وخلق لها تداعيات إقليمية ودولية، ما زالت تتزايد بصورة مستمرة.

غير ان دعم النظام ودمويته، عجزا عن تأمين نصر له في الصراع مع الثورة، والأخيرة بفعل ضعف قياداتها وارتباكاتها، ومحدودية الموارد المتوفرة، عجزت هي الأخرى عن حسم الصراع مع النظام في وقت ما زالت فيه القوى الأساسية للثورة مصرة على المضي في مطالبها من أجل الحرية والكرامة وبناء دولة ديمقراطية بديلة عن النظام الحالي، توفر العدالة والمساواة لكل السوريين.. الأمر الذي دفع إلى تحرك أكبر للمجتمع الدولي لمعالجة القضية السورية لا سيما بعد مجزرة الكيماوي، التي ارتكبها النظام في غوطة دمشق في أغسطس (آب) الماضي.

ورغم الاختلال الذي جسده التعامل الدولي مع الملف الكيماوي للنظام الذي نقل الموقف من معالجة إجمالي الوضع والوصول إلى حل شامل للأزمة بمعالجة أحد جوانبها (ولعله الأقل أهمية فيها) فقد جرى تعزيز المساعي الدولية لعقد «جنيف 2» بهدف الدخول في حل سياسي شامل للوضع السوري على أساس وثيقة «جنيف 1»، وخلق آليات تنفيذية أساسها حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، تدير المرحلة الانتقالية، وتعالج ملفاتها الشائكة والمعقدة.

وكان من الطبيعي أن يتصادم مسار «جنيف 2» مع موقف النظام وخياره في الحل الأمني - العسكري، غير أنه وفي ظل توقعه رفض المعارضة ومسايرة الضغوط الدولية، ورغبته في كسب الوقت على نحو ما كانت تجربته مع المبادرات السياسية السابقة الهادفة إلى معالجة الوضع دفعته للقبول بالذهاب إلى «جنيف 2» مع إبداء مزيد من الاشتراطات، بلغت ذروتها بالقول إنه لن يذهب إلى «جنيف 2» للتفاوض على انتقال السلطة، وهو لن يحاور الائتلاف الوطني، ولا الجيش الحر، الأمر الذي أظهر النظام وكأنه ذاهب إلى جنيف ليحاور نفسه.

لقد كرست المعارضة، من الائتلاف الوطني إلى أطرافها الأخرى، مأزقا للنظام عبر موافقتها على الذهاب إلى «جنيف 2» رغم الاشتراطات التي أعلنتها ولا سيما اشتراطات الائتلاف الوطني التي ركزت على نقاط أبرزها إجراءات عملية تجري قبل بدء المؤتمر من شأنها إثبات الطابع الانتقالي للمؤتمر، وضرورة توفير تغطية عربية ودولية له، ووجود ضمانات تثبت مصداقية المؤتمر وحسن تطبيق نتائجه، وكلها اشتراطات قائمة على التجربة العملية لسياسات النظام في خيار الحل الأمني - العسكري وفي سلوكياته في إفشال مبادرات الحل السياسي المحلية والإقليمية والدولية الكثيرة.

ولعله من الطبيعي القول إن سلوكيات النظام واشتراطاته سوف تؤخر انعقاد «جنيف 2»، وهي يمكن أن تؤدي إلى فشله في حال انعقاده، وسوف تستغل اشتراطات المعارضة (رغم أحقيتها ومشروعيتها) من جانب النظام لإفشال المؤتمر، غير أن ذلك لا ينبغي أن يغير أو يبدل من المساعي الدولية نحو حل سياسي للوضع السوري، والتي ينبغي أن تتكثف للضغط على النظام وإجباره على التخلي عن اشتراطاته، واتخاذ موقف مؤيد لاشتراطات ومطالب المعارضة، التي لا يمكن النظر إليها من الزاوية التي ينظر منها إلى اشتراطات النظام بسبب من طبيعتها المتساوقة مع مطالب السوريين في الحرية والكرامة والتغيير، ولأنها تحمل رسائل تطمين للشعب السوري الذي عانى من قتل ودمار وتهجير النظام، وتساعده في وقف نمو التشدد والتطرف بأنواعه وأشكاله، وهي تشكل استجابة تتناغم مع المساعي الدولية لحل سياسي، يمكن أن يوفر سفك دماء مزيد من السوريين ومن دمار بلدهم وعودة المهجرين إلى بيوتهم.

خلاصة القول أن «جنيف 2» إذ فتح الباب نحو حل سياسي للوضع السوري، فلا بد أن تستجيب مجرياته ونتائجه للطموحات الأساسية للسوريين في الحرية وبناء نظام بديل عبر حكومة انتقالية، وهذا سيعالج القضايا الأساسية في الواقع السوري الراهن ويفتح الباب لبناء إرادة سورية قادرة على معالجة قضايا المستقبل أيضا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إشهار السيوف السورية الموالية والمعارضة

حسين العودات

البيان

الاثنين 14/10/2013

كما توقع عديد من المحللين السياسيين، فقد كان من نتائج اتفاقية تدمير الأسلحة الكيميائية السورية زيادة التطرف زيادة كبيرة، سواء لدى أهل النظام السياسي أم لدى المعارضة السورية المسلحة، وأصبح كل من الطرفين يشهر سيفه ويهدد الآخر، ويسعى لكسر عظمه ولي ذراعه، ولم يعد يقبل أية تسوية لا تحقق له النصر المبين، وبديهي أن هذا النصر لن يكون إلا نصراً عسكرياً بالنظر لطبيعة الصراع والمعارك والمواقف التي تجري في هذا البلد.

أعلن النظام إشهار سيفه على لسان الرئيس الأسد الذي صرح لجريدة دير شبيغل الألمانية أنه يرفض أية محادثات مع المعارضة قبل أن تلقي سلاحها، هذا يعني أن تستسلم كلياً وتأتي طامحة أن تكون شريكاً ثانوياً جداً يقبل فتات ما يلقي له النظام. كما يعني أن أهل النظام في سوريا لم يأخذوا عبرة من تجربة الحرب المدمرة خلال عامين ونصف..

ولم يقتنعوا باستحالة النصر العسكري، رغم استخدامهم، جميع أساليب العنف والقمع والقتل والتدمير ضد الشعب السوري، بما لم يشهد مثيله شعب في العالم من سلطته السياسية، ولعل اتفاقية تدمير السلاح الكيميائي السوري التي لم تعاقب من استخدمه، أفلتت أهل السلطة السورية من العقاب وشجعتهم على الاستمرار في ممارسة سياسة العنف والاستهانة بالشعب وبالرأي العام العالمي الرسمي والشعبي.

وبدورها صعدت المعارضة السورية السياسية والمسلحة من مواقفها (المتطرفة) فصرحت قيادة الائتلاف الوطني السوري المعارض (وهو المعارضة الخارجية الرئيس المعترف به من معظم دول العالم) أن الائتلاف لن يشارك في مؤتمر (جنيف 2) إلا بعد تحقيق عدة شروط، ثم صرح المجلس المشترك للمعارضة السياسية وقيادات المعارضة المسلحة أن الائتلاف ( والجيش الحر) لن يشاركا في مؤتمر (جنيف 2) ما لم يتنحى الرئيس بشار الأسد عن منصبه قبل بدء المؤتمر.

أو أن يضمن العرب حصول ذلك، ليتسنى للحكومة الانتقالية العتيدة المتوقع تشكيلها في المؤتمر أن تمتلك صلاحيات كاملة بما في ذلك إعادة هيكلة الجيش السوري، والجيش الحر، وأجهزة الأمن، وهذا يعني أن يندحر أهل النظام مسبقاً قبل المؤتمر، ويلقوا سلاحهم، تماماً كما طالب أهل السلطة بأن تندحر المعارضة المسلحة وتلقي سلاحها قبل المؤتمر (قبل أية تسوية).

يوقن كل من الطرفين استحالة تحقيق مطلبه، ومع ذلك يصر عليه، مما يؤكد إما أنه يعيش في الخيال والوهم ومازال يعتقد بإمكانية الانتصار الساحق الماحق، أو أنه لا يشعر بمسؤولياته تجاه سوريا وشعبها وأهلها ومآسيها ومستقبلها، وكأن التدمير والقتل والبلاء الذي حصل في سوريا، يحصل في بلد آخر ولا يحمّل أحداً أية مسؤولية حتى ولا مسؤولية إنسانية.

والأمر الأخطر هو أن كل طرف ربما كان يرى الأزمة من نافذة مصالحه هو فقط، لا مصالح الوطن ولا مصالح الشعب، فالنظام الذي تخلى عن السلاح الكيميائي من أجل بقائه ولم يحسب حساب الوطن الذي يقوى بهذا السلاح، والذي يسعى لقهر المعارضة، ولا يقبل بإصلاحات بديهية وضرورية، هذا النظام ..

كما يبدو، انفصل عن الواقع وعن شعبه، ولم يعد يرى سوى مصالحه الذاتية ولا شيء غيرها. والمعارضة بدورها، السياسية والمسلحة، ربما غرقت في شروط وظروف قامت وترسخت بدون إرادة منها، فلا هي استلمت سلاحاً يؤهلها للنصر العسكري، ولا أقنعت دول العالم بدعمها بدون تحفظ، وخسرت شعبها الذي بقي ستة أشهر، يتظاهر بالملايين بصدور عارية ويتلقى رصاص النظام دون أن يكل، ثم انتزعت منه هذه المعارضة دوره، وزعمت أنها ستحل المشكلة وتحقق النصر، فلا حلت المشكلة..

ولا حققت النصر، فتنحى الشعب جانباً واستمر يدفع الدم والموت والاعتقال وتدمير مساكنه دون أن يكون له حق إبداء الرأي، وانتقل حل الأزمة للخارج وها هي السلطة كما المعارضة والشعب جالسون هادئون ينتظرون كلمة من الولايات المتحدة، أو أخرى من روسيا، أو همهمة من إيران وحزب الله وغيرها، ربما يرون فيها بعض الضوء في نهاية النفق.

حاول بعض أهل النظام تأكيد استحالة انتصار كل من الطرفين انتصاراً عسكرياً، فقد قالها فاروق الشرع (نائب رئيس الجمهورية)، وقالها قدري جميل (نائب رئيس الوزراء)، وطالبا بالعمل للوصول إلى تسوية تاريخية، وهذه التسوية تبدأ بديهياً باعتراف كل من الطرفين بالآخر، بعد الاقتناع باستحالة النصر العسكري لأي منهما..

كما حاول بعض قادة المعارضة أيضاً العمل للوصول إلى تسوية بالشروط نفسها، إلا أن الرؤوس الحامية كانت ترفض دائماً، ضاربة بمصالح الوطن والشعب عرض الحائط، متمسكة بالمزاودة وبالشعارات المتطرفة، التي تؤجج الصراع وتتجاهل مآسي الشعب، وتتجاهل أن التسوية هي الحل الوحيد للأزمة السورية رغم قناعتها بذلك.

odat-h@scs-net.org

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القتل تجويعا!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 16/10/2013

يحاصر جيش بشار الأسد شعب الغوطتين وحمص منذ نيف وعام. وبعد أن عجز عن كسر إرادة شعب هاتين المنطقتين بالقوة، ها هو يقرر شطبه من الوجود بالحصار والتجويع، ويفرض عليه طوقا من حديد ومرتزقة لا ثغرة فيه، ويتركه للموت جوعا وتحت وابل من القصف المستمر، الذي لا يتوقف ليلا أو نهارا.

تقول الأخبار القادمة من المناطق المحاصرة إن سعر كيلو السكر وصل إلى 3000 ليرة سورية، إن توفر في الأسواق، وكان قبل الحصار 169 ليرة. أما كيلو الرز فهو بـ2200 ليرة، إن وجد، وكان بخمسين ليرة، في حين غاب الخبز غيابا تاما عن حياة المواطنات والمواطنين، حتى صار من غير الممكن إيجاد ولو رغيف خبز واحد في أي مكان. وقد روى لي صديق أنه كان يحمل قبل شهر أربعة أرغفة إلى بيته، لكنه لم يتمكن من إيصال رغيف واحد منها إلى أطفاله، لأنه قدمها في الطريق إلى أطفال انتفخت بطونهم، طلبت أمهاتهم إليه كسرة خبز لصغارهن. بينما ماتت طفلة وليدة جوعا بعد ستة أيام من ولادتها دون أن تذوق نقطة حليب واحدة، لأن أمها، التي توفيت بعدها بأربعة أيام، لم تكن قد تناولت أي طعام قبل ولادتها بعشرة أيام.

عجز الجيش الأسدي عن استعادة الغوطتين الغربية والشرقية بالقتال، فحاول أول الأمر استعادة بعض قراهما وبلداتهما بالاحتيال، وطلب من المدافعين عنها السماح له برفع علمه فوق بعض المآذن مقابل فك الحصار عنها. وحين رفض المقاتلون عرضه الاحتيالي المكشوف، وأفهموه أن المؤمن لا يلدغ من جحر الأفعى الاستبدادية ألف مرة، شن حملات قصف واسعة ومكثفة ضد المدنيين بالتحديد، وشدد حصاره عليهم، وسد جميع المنافذ التي يمكن أن تصلهم بالعالم الخارجي، قبل أن يشجع مرتزقته على شراء ما كان موجودا في أسواقهما من سلع غذائية شحيحة، لإفراغها منها وتجويع سكانها. هكذا، ارتفع سعر كيلو الرز من 260 إلى 2200 ليرة، قبل أن يغيب كليا عن الأسواق. واختفى السكر بدوره بعد أن كان قليلا إلى حد الندرة، ولم يعد هناك ما يؤكل أو يشرب، وبدأ الناس يموتون جوعا بصورة يومية، وتزايدت أعداد موتاهم يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، حتى صار شبح الموت مخيما فوق قرابة مليوني إنسان يعيشون في المناطق المحاصرة، التي لم يتوقف قصفها لحظة واحدة، وتقف اليوم على مشارف مأساة إنسانية قد تودي بحياة الآلاف من بناتها وأبنائها، بينما يستمتع العالم ببؤسه في كل ما يتعلق بسوريا، ويتغنى بنجاحه في انتزع الكيماوي لصالح إسرائيل من المجرم الذي لم يستخدمه ضد أحد غير مواطنيه، وفق معادلة حدها الأول أمن وسلامة من كان نظام الخيانة يسميه «العدو»، وحدها الثاني إبادة السوريين بجميع الوسائل. هذه المعادلة سمحت للأسد باستخدام كل ما في حوزته من أسلحة تقليدية ضد الآمنين ومناطقهم، وجنبه غضب أميركا، التي أكدت ما كان وليد المعلم يقوله دوما، وهو أنها لن تفعل شيئا ضد النظام، بل كان موقفها من الكيماوي بمثابة ضوء أخضر أعطي له ساعة بلغ يأسه من البقاء حد الشروع في الفرار، وقد مارسه بالفعل معظم قادته العسكريين والمدنيين، وكان هو نفسه غير بعيد عنه.

يستخدم النظام اليوم سلاحا من أفظع أسلحة الدمار الشامل فتكا وهو التجويع، وسط صمت عالمي وتجاهل تام من مؤسسات الشرعية الدولية، التي تكتفي بموقف وعظي عاجز، يعبر عن استيائها مما يجري وإحجامها عن اتخاذ أية تدابير عملية ضد المجرم، مع أنها كانت تستطيع التظاهر بأنها تفكر بالإقدام على معاقبته، بعد أن فضحت أفعاله حقيقة علاقته الإجرامية مع الشعب السوري، وكشفت طابعها غير السياسي وغير الوطني وغير الإنساني، وأظهرت ما اكتنفها دوما من عنف وشابها من سمات عدائية تبز في فظاعتها تلك التي كانت للاستعمار الخارجي، وتأكد أن الأسد لا ينتمي إلى شعب سوريا، بل يقتله بالجملة والمفرق لأنه لا يناصره، كما أنه ليس رئيسه، لأنه يستمد اليوم شرعيته من موته وليس من تدبير شؤونه ووضع نفسه في خدمته، ويعيد إنتاج نظامه منذ الثورة ويرسيه على عنف شامل هدفه إبادة من كان يسميهم «إخوته» المواطنين، أقام على ممارسته إجماع عصاباته من حوله وولاءهم له.

لن ينجح التجويع في كسر شوكة شعب يمشي نحو حريته وسط بحر من دمائه. هذا ما يقوله المحاصرون، بعد نيف وعام من التجويع وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء جوعا وبالرصاص، وهم يطالبوننا بفك قبضة الموت عن أعناق أطفالهم وشيوخهم، وإنقاذ من تبقى حيا منهم، كي لا تكون سلبيتنا رديفا - غير المقصود طبعا - للمخطط الأسدي، ونجد أنفسنا في مواجهة هياكل عظمية تقاتل من أجل حريتنا، بينما نتقاعس نحن ونحجم عن مساعدتها بما نستطيع، ونبخل عليها بالدعم، وببعض ما عندنا، وهو كثير كثير!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مطبّات جنيف والخيارات الصعبة أمام المعارضة السورية

لؤي صافي *

الحياة

الخميس 17/10/2013

تبحث الإرادة الدولية عن حل سياسي ينهي الصراع ويعيد الهدوء إلى سورية. لكن الشعب السوري لا يبحث عن هدوء بل يبحث عن حرية وعن نظام سياسي يحترم الحقوق ويسمح بمشاركة المواطن في الحياة العامة. وهنا مكمن المخاطر التي يستشعرها السوريون الذين ضحوا للحصول على حريتهم والمخاوف التي تعتورهم من السقوط في اتفاقية تبقي النظام وتكافئ المجرمين.

الحل السياسي له عنوان اسمه «جنيف»، وله مضمون اسمه بيان جنيف. لكن هذا البيان معقد ومفتوح على تفسيرات مختلفة. الموقف المبدئي، والمنطقي، الذي يتخذه كل من يعرف حقيقة النظام وإصراره على الحل العسكري هو رفض التعاطي مع «جنيف 2». بيد أن هذا يبدو أنه رفض للحل السياسي، واستهتار بالظروف الصعبة التي يعيشها السوريون، وتكريس لحالة الدمار التي تعيشها البلاد. ورفض جنيف 2 يعطي النظام الفرصة للهروب إلى الأمام وتحقيق مكاسب ديبلوماسية ثم توظيفها سياسياً وعسكرياً لمحاصرة الثورة.

هذا يعني أن على المعارضة السياسية والعسكرية تطوير استراتيجية للتعاطي مع جنيف تساعد في الحد الأعلى على الوصول إلى أهداف الثورة في الحرية والمساءلة والديموقراطية، وتسعى في حدها الأدنى إلى تعرية حقيقة النظام وتضعه في مكانه الصحيح في ميزان استخدام القوة والاستهتار بالحقوق.

من الناحية النظرية ومن حيث المبدأ يمكن لمبادرة «جنيف 2» أن تسهم في تحقيق أهداف الثورة السورية في التحول الديموقراطي وإنهاء حكم الأسد، نظراً لأنها تسعى إلى تحقيق مبادئ إعلان جنيف لعام 2012 التي تقوم على أساس خطة النقاط الست التي أعلنها كوفي عنان في مبادرته المعروفة والتي لاقت دعماً أممياً من خلال قراري مجلس الأمن رقم 2042 و 2043.

تطوير استراتيجية للتعاطي مع جنيف ومفاوضات نقل السلطة في سورية يجب أن يستحضر السياق الجيوسياسي والمصالح الإقليمية والدولية المتشابكة التي تسعى إلى التأثير في منحى المفاوضات وشكل النظام المستقبلي في سورية. وهذا يستدعي تسليط الضوء على مصالح ومواقف القوى الأساسية الفاعلة بدءاً من النظام ومروراً بالقوى الدولية والإقليمية وانتهاء بالقوى الداعمة.

موقف نظام الأسد من جنيف يقوم على أساس إعلان الرغبة في حل سياسي على مستوى الخطاب والمضي في الحل العسكري على مستوى الفعل. ولم يتمكن بشار الأسد، رغم محاولات فاشلة، من إخفاء التزامه بالحل العسكري. وقد أظهر في مقابلته الاخيرة مع جريدة «الرأي» أنه غير معني بالحل السياسي وأن مشاركته إن تمت تهدف إلى تحييد القوى المناؤئة في الصراع العسكري. هذا الموقف يتبناه حليفا النظام الرئيسيان، روسيا وإيران. ازدواجية تعاطي النظام وحلفائه يضع المعارضة في وضع صعب لأن عليها أن تأخذ بعين الاعتبار خطاب النظام السياسي المضلل في الوقت الذي تعمل لمنعه من كسب الوقت والدعم الخارجي والداخلي، والحيلولة دون توفير الفرصة له لرفع الضغوط الدولية عليه والتهرب من استحقاق نقل السلطة.

من ناحية أخرى تواجه المعارضة صعوبة في الحصول على الدعم السياسي والعسكري الكافي لتحقيق نصر واضح على نظام يخالف كل المعايير الدولية المقبولة. فالدول الغربية مترددة في تقديم الدعم الكافي بسبب مخاوف تتعلق بأمن إسرائيل وظهور التيارات الإسلامية المعادية للمصالح الغربية في المنطقة. وعلى رغم وقوف دول شقيقة وداعمة خلف الثورة عموماً و»الائتلاف» خصوصاً، وفي مقدمها تركيا والسعودية وقطر، إلا أن هذه الدول مرتبطة بتحالفات استراتيجية مع الغرب تمنعها من التحرك خارج دائرة القرار الدولي.

الدول الصديقة الداعمة أعلنت أكثر من مرة دعمها الكامل للثورة وأهدافها. ولكن هذه الدول غير قادرة على اتخاذ مواقف بعيدة عن الموقف الأميركي، نظراً لوجود تحالفات عسكرية واستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة، وتأثير أي موقف منفرد على هذه العلاقة التي من الواضح أن أياً منها ليست مستعدة للتضحية بها من أجل انتصار الثورة. لذلك تسهم الدول الداعمة في العمل الديبلوماسي لإقناع إدارة أوباما بتغيير موقفها من الثورة من جهة، وتقديم المعونات العينية كلما سمحت الإرادة الدولية بذلك.

إضافة الى الموقف الدولي تتحكم في التفاوض عوامل القوة والضعف الذي يميز قدرات وأداء المعارضة والنظام. النظام يستفيد من تقاطع المصالح الجيوسياسية في المنطقة والتي تصب في صالحه، كما يستفيد من الاختلال الكبير في موازين القوة الذي يميل لصالحه بصورة كبيرة. تعويل النظام الكبير على قدراته العسكرية والأمنية وإصراره على الحل العسكري تحول مع مرور الوقت إلى عامل ضعف، لأنه أدى إلى تمزيق الجهاز الأمني والعسكري. لكن النظام يستفيد من تمزق المعارضة وفقدانها للخبرة السياسية اللازمة لتوظيف نقاط الضعف عند النظام في معركتها السياسية ضده.

ضعف المعارضة الأساسي يتمثل بحالة التمزق والتنازع بين أطرافها على المستويين السياسي والعسكري. الانقسام السياسي الكبير بين المعارضة السياسية «الداخلية» المتمثلة بهيئة التنسيق والقوى السياسية المتعاطية معها، والتي يتحدد سقف مطالبها بتحقيق مشاركة سياسية أوسع مع النظام وتوسيع دائرة الحريات السياسية. في حين تطالب قوى المعارضة وفي مقدمها «الائتلاف» بتنحية الأسد والفريق الأمني المحيط به وانجاز تحول ديموقراطي كامل في البلاد.

النظام يستفيد أيضاً من دعم الأقليات الطائفية والدينية والقومية التي اختارت الولاء للنظام خوفاً من تهميشها في نظام سياسي لا تثق في قدرته على حمايتها، أو خوفاً من بطش النظام الذي يعمل وفق مبدأ: من ليس معي فهو ضدي. وتزايدت المخاوف بعد دخول جماعات دينية تدعو إلى إقامة دولة دينية وفرض الشريعة الإسلامية بالقوة على المجتمع، وتقاد من قبل قيادات غير سورية أو سورية مجهولة الهوية.

النظام يستفيد أيضاً من تماسك قوات النخبة في الجيش النظامي والدعم المالي والعسكري المستمر الذي يتلقاه النظام من حليفيه الرئيسيين، إيران وروسيا. النظام سيكون قادراً على الاستمرار لوقت طويل طالما استمر هذا الدعم وبقي توازن القوى على حاله. كسر إمكان الاستمرار تتطلب تغييراً جذرياً في هاذين العاملين.

هذا يعني أن على المعارضة أن تعمل على زيادة مستوى التنسيق الداخلي وإيحاد جبهة داخلية متماسكة. توحيد الصفوف ورفع مستوى التنسيق بين القوى السياسية والثورة سيدفع القوى الداعمة إلى إعادة النظر، في ضوء التآكل المستمر في قوى النظام العسكرية والمالية، في مواقفها من الثورة وطريقة التعاطي معها، كما سيؤدي إلى تغير كبير في موازين القوى الداخلية.

يتضمن بيان جنيف الذي أصدرته «مجموعة العمل من أجل سورية» جملة ثغرات يمكن أن يستفيد منها النظام لتعطيل المفاوضات وخلط الأوراق لإحراج المعارضة. في ما يلي أهم هذه الثغرات:

أولاً: التزام المجتمع الدولي بإنهاء المعاناة. الأشهر الماضية أظهرت ضعف هذا الالتزام واستعداد المجتمع الدولي للتعايش مع مستوى عال من القتل والدمار. وبالتالي المطلوب من «الائتلاف» تحديد خطوات معينة في التعاطي مع الاستخدام المفرط للعنف وإعطاء ضمانات محددة لذلك.

ثانياً: لا يلزم بيان جنيف النظام بوقف العنف ولا يحدد إجراءات رادعة في حال استمراره في عمليات القتل. وعلى رغم أن القرارين الدوليين 2042 و 2043 يطالبان النظام بوقف عمليات القتل والاعتقال التعسفي فإن هذين القرارين غير ملزمين.

ثالثاً: يدعو البيان إلى البدء بالعملية الانتقالية ويطالب الأطراف بتحديد جدول زمني لها، ولكنه يترك المبادرة كاملة بين الفريقين المفاوضين من دون تقديم أي ضمانات لتنفيذها.

رابعاً: هناك سكوت كامل بخصوص مصير الاسد، وهذه الثغرة ولدت تفسيرين لاتفاق جنيف: التفسير الروسي الذي يبقي الأسد في موقعه بالتوازي مع الحكومة الانتقالية، والتفسير الأميركي الذي يخرجه من موقع الرئاسة. في غياب وجود تفسير واحد فإن العملية التفاوضية غير ممكنة لأن الأسد لن يتنازل تلقائياً عن موقعه كما هو واضح من تصريحاته.

خامساً: يعطي البيان الحكومة الانتقالية «كامل السلطات التنفيذية» من دون إشارة إلى السلطة العسكرية والأمنية المرتبطة في النظام السوري بمنصب الرئيس. بالتالي المطلوب توضيح هذه النقطة من قبل الراعي الدولي للمفاوضات.

سادساً: ينص البيان على إعادة «النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية». لكنه لا يحدد آليات للمراجعة والجهة المعنية بذلك. لذا يلزم إضافة مهمة انتخاب هيئة تأسيسية تتولى مسؤولية كتابة الدستور الجديد للبلاد.

سابعاً: يشير البيان إلى «أطراف» تمثل الجميع وتشارك في العملية التفاوضية. من الضروري الاصرار على وجود طرفين أساسيين لا غير يمثل أحدهما الحكومة ويمثل الآخر «الائتلاف»، المحاور الوحيد من طرف المعارضة. النظام وحليفته روسيا يطالبان بمشاركة أطراف بعينها، وهذا سيمنح النظام فرصة للعب على حبلين.

على رغم الصعوبات والتعقيدات التي تحيط ببيان جنيف فإن المعارضة لا تعدم الخيارات، ويمكنها أن تحول جنيف إلى معركة سياسية رابحة تعطيها تقدماً كبيراً يدعم مكاسبها. وبطبيعة الحال فإن الخيارات ما زالت غير واضحة تماماً ولكن مقاربة النجاح في مواجهة جنيف تتكون من العناصر الخمسة الآتية:

أولاً: دعوة القيادات السياسية والعسكرية للقوى الأساسية الفاعلة للمعارضة السورية إلى لقاء تشاوري لتبادل الرأي والوصول إلى تصور مشترك.

ثانياً: الإصرار على أن يلتزم النظام والقيادة الروسية بصراحة بأن المفاوضات تهدف إلى قيام هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، بما فيها الصلاحيات الأمنية، لنقل السلطة والإعداد لانتخابات عامة تحت رعاية دولية لانتخاب مجلس تأسيسي لوضع دستور جديد وحكومة انتقالية.

ثالثاً: الحصول على ضمان أممي، قبل بدء أي مفاوضات، يحظر على النظام استخدام الطيران الحربي والأسلحة الثقيلة لاستهداف المراكز السكانية.

رابعاً: الإصرار على وصول مجلس الأمن إلى اتفاق على تنحي بشار الأسد والقيادات الأمنية المحيطة به، وذلك بالتوازي مع تشكيل هيئة حكم انتقالي. والإصرار كذلك على أن هذا ليس شرطاً إضافياً، بل فعلاً ينبثق مباشرة من تأسيس هيئة حكومية بكامل الصلاحيات تنهي صلاحيات رئيس الجمهورية.

خامساً: تحديد جدول زمني للمفاوضات وفق نقاط مفصلية، لمنع تحول المفاوضات إلى ذريعة لتدمير المدن والقرى السورية.

سادساً: رفض أي محاولة لإحضار مفاوضين من خارج المعارضة الواسعة الممثلة بـ «الائتلاف الوطني»، لأن هذا يعني أن ممثلي النظام المتضامنين داخلياً سيواجهون جبهة ممزقة من المعارضة، وهذا سيعطي فريق النظام القدرة على ضرب أطراف المعارضة بعضها ببعض.

هل تستطيع المعارضة تبني المقاربة السابقة والتمسك بها. هناك بالتأكيد شكوك نتيجة ضعف المعارضة التنظيمي، والشرخ الذي حدث أخيراً بين «الائتلاف» وقوى الثورة داخل البلاد. أضف إلى ذلك غياب الإعداد المطلوب للتعاطي مع جنيف.

غياب الثقة والمخاوف المتعلقة بالإعداد للمؤتمر شكلت الأساس الذي بنت عليه الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري موقفها الرافض للمشاركة في جنيف. وهذه المخاوف حتى ولو فهمت أسبابها، تنعكس سلباً على العمل السياسي للمعارضة، وتعطي النظام فرصة ذهبية للتهرب من مسؤولياته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نحن أكثر رفضا للتطرف والمتطرفين .. فمن هم المتطرفون ؟!

23.10.2013

زهير سالم

حين نستمع إلى سياسي أو مثقف بعيد عن ساحتنا ، بعدا ماديا أو معنويا ، يتخوف من التطرف والمتطرفين وينظر إلينا ، ندرك أن الرجل واقع أسير الدعاية السوداء التي تديرها آلة إعلامية عالمية ضخمة ضد الإسلام عقيدته وشريعته وشعوبه ومجتمعاته ، أو ربما هو جزءٌ منها !!!

إننا من موقع معرفتنا بديننا وبحضارتنا وبمجتمعنا نؤكد أن الموقف العام لمسلمة الاختيار في سورية كما هو لمسلمة الدار أنهم الأشد رفضا للتطرف والمتطرفين وأكثر تخوفا منهم على عقيدتهم وشريعتهم وعلى مجتمعهم ومستقبل أوطانهم ..

لقد قدم إسلامنا ببعديه الفقهي النظري والتاريخي العملي النماذج المضيئة للمجتمعات والحكومات الأكثر رحابة والأكثر انفتاحا والتي نستعد للتحدي بتاريخها وفق منهج علمي وعملي مقارن على سياقين : تاريخ الأفكار وتاريخ الحضارات .

ولقد ثار شعبنا في سورية ثورته لاستئناف مسيرته الحضارية المضيئة. مسيرته الحضارية التي قامت على مجتمعنا المدني الموحد بكل إرثه التعددي الواقعي ، الذي حافظ على تعدديته التاريخية بأبعادها الدينية والقومية والثقافية  قبل صدور مواثيق حقوق الإنسان ، وقبل قيام المنظمات المدافعة عن حقوق المواطنة والأقليات ، وقبل صدور قانون الامتيازات الهياموني من قبل السلطان سليمان القانون في القرن السادس عشر .

وثار شعبنا لاستئناف عيشه التاريخي الحضاري المشترك تأسيسا على كل ما كان في إرثه من تعايش وحب وتعاون ، متطلعا في الوقت نفسه إلى الالتحاق بأرقى ما وصل إليه الفكر الإنساني  الحديث من رؤى و صيغ لبناء الدول وتوطيد العلاقة بين أبناء المجتمعات .

ولم تكن الحرية والمساواة والعدل أكثر حضورا في تاريخ حضارة من الحضارات ولا في إرث شعب من الشعوب كما حضرت في قيم شريعتنا وفي إرث حضارتنا.

إن الاعتماد على طروحات فكرية منبّتة ، وعلى تصرفات شاذة  تصدر عن مجموعات أو أفراد مأزومين كردود أفعال غير منضبطة على ظلم وظلمات متراكمة في إدانة دين وحضارة ومجتمعات ثم في إدانة ثورة هي الأولى في ألقها وفي نقائها في القرن الحادي والعشرين هو بحد ذاته فعل متطرف على المستوى المنهجي وعلى المستوى الإنساني والسياسي على حد سواء ..

لقد آمن شعبنا في فقهه الحضاري  الأرقى أن التطرف حال نفسي وفكري مرضي لا هوية له ..

وأن أمام كل حالة من التطرف ( الديني ) عشرات الحالات من التطرف  القائم على الفقر الحضاري والفكري والشعور القاتل  أو الذهان المتلبس دائما بالخوف وأن أشنع التطرف وأبشعه وأقساه ذلك الذي يتسلم صاحبه مقاليد سلطة ويختلس في غفلة أمر شعب أو وطن ..

لقد ثار شعبنا في سورية رفضا لتطرف ظالم فاسد مستبد يقتله التصحر الحضاري والمدني وتعشش في عقله غربان اليأس والخوف ..

  ثار شعبنا رفضا لتطرف يرعاه بوتين وخمنئي وبشار الأسد في أشخاص المتطرفين الصغار الذين أشار إليهم أشهر الجراحين البريطانيين ديفيد نوت بعد خمسة أسابيع من العمل التطوعي في سورية حسب تقرير الاندبندت :

كانوا يتسلون بقنص المواطنين .

ويراهنون على علبة سجائر على تحديد مكان الإصابة في جسد الضحية من طبيعة مكان الإصابة في الصباح تستطيع أن تخمن مكان الإصابات سائر ذلك اليوم الرأس أو الصدر أو العنق ..

في يوم من الأيام جاءت كل النسوة وإصابتهن في الرحم . لا بد أن هذه المنطقة من أجسادهن كانت هدفا !!!  أحيانا تموت النساء مع الأجنة وأحيانا تموت الأجنة وفي إحدى الحالات أظهرت صورة الأشعة أن جنينا تلقى الإصابة في دماغه ..

يكمل الطبيب نوت : لا يمكن أن أصف مدى بشاعة الأمر وهذه هي المرة الأولى التي أشهد فيها مثل هذا الأمر لقد كان القنص متعمدا ولقد كان جحيما فوق الجحيم ...

من حقنا ومن حق شعبنا أن يخاف من المتطرفين هؤلاء ، أن يخاف من حلف من القادة والرؤساء المتطرفين يتواطؤون كما بوتين وخمنئي وبشار على منع الرضيع في وطنه من زجاجة حليب حتى يموت من الجوع . من حقنا أن نخاف من حلف الفجار المتطرفين هؤلاء الذين يقصفوننا بالطائرات وبالصواريخ البعيدة المدى وبالغاز عديم اللون والرائحة ..

نرفض التطرف كله وهذا أول التطرف الذي نرفضه ..

لندن : 17 / ذو الحجة / 1434

22 / 10 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا بد من عقد مؤتمر وطني جامع يرسم مستقبل سورية

عقاب يحيى

القدس العربي

السبت 19/10/2013

أعلم بالخبرة واليقين أن عقد مؤتمر وطني جامع دونه الكثير من العقبات، والموانع، والفيتوات، والإمكانات. فهناك من يعتبر نفسه الأجدر بالفرض، وهناك من يعتبر أنه الممثل الشرعي والوحيد، وهناك من يحمل السلاح ولا يرى جدوى من العمل السياسي، وهناك من حسم أمره حول جنيف وانتهى، وهناك مصاعب مالية جمّة، وجهة مؤهلة تقوم بالدعوة والرعاية، وهناك الأمل بأن يسفر مثل هكذا مؤتمر عن شيء مهم، يستحق الاهتمام، والتكلفة، وتعليق الآمال، وهناك من ملّ جميع المؤتمرات الكثيرة التي خصّبها الوضع السوري وتشابهت بنتائجها، وقراراتها المأرشفة، وهناك. وهناك ..

لكن لنعترف أن القوى السورية لم تعقد سوى مؤتمر واحد كان قريباً من أن يكون جامعاً، وهو مؤتمر القاهرة للمعارضة والذي عقد في تموز 2012 ورعته ومولته الجامعة العربية. وأنه كان ناجحاً فيما أنجز من وثائق لا زالت صالحة، ولا زالت تشكل مرجعية مهمة تحتاج بعض التطوير لتتناسب والمتغيرات، وأنه لو اجتمعت إرادة المعنيين- بعيداً عن عقلية المباكسة، والتفسير التآمري – لكان يمكن التوصل إلى صيغ وتفاهمات مهمة عبر لجنة المتابعة التي أجهضت، وربما وفرنا على الثورة الزمن، وهذا التشتت.

اليوم اللوحة أكثر تعقيداً في جميع المجالات، والمسألة السورية خرجت من أيدي السورين ـ مكرهين ـ أو بسبب أدائهم وزخم الضغط الدولي، وازدادت شقة الخلافات بينما تبدو الاستحقاقات السياسية هي التوجه الذي يُراد فرضه، في حين أن الحلول السياسية التي توفر المزيد من القتل والدمار، وتؤمن أساس إنهاء نظام الطغمة والانتقال إلى النظام الديمقراطي تلقى القبول العام عند معظم السوريين، لكن وفق شروط الحد الأدنى.

شروط الحد الأدنى لا يمكن تحصيلها، أو الانطلاق منها، واقعياً، أو التأثير على الأطراف المعنية للقبول بها ما لم تكون قواها وعناصرها متوفرين في الأرض، وفي الأساس من ذلك وحدة الموقف والقرار على الأرض وسياسياً.

ولأن الشقة تزداد ابتعاداً. فإن التفكير الجدي بعقد مؤتمر تدعو له من جديد الجامعة العربية، أو الأمم المتحدة، وإلا الإئتلاف قد يكون المدخل والمخرج الوحيد لوضعنا. حيث يمكن لهكذا مؤتمر يضم القوى السياسية والثورية المختلفة ـ ولا يهم المكان ـ أن يناقش الأوضاع الحالية، ويتحمل مسؤوليته في إيجاد المخارج المتوافق عليها. سياسية كانت، أم مشتركة، أم عسكرية بحتة، ومن ثم التعامل مع جنيف وغيره من موقع مختلف عما هو حالنا اليوم.

قد يكون التجسيد صعباً، ودونه الكثير من المقتنعين به، وغير ذلك من أسباب. لكن لنحاول. ولنتجه نحوه. بكل ما يلزم من تهيئة، وحوار واتصال. ونرى بعدها الحصيلة ونتصرف وفقها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار الأسد بطل جائزة نوبل للسلام!.. أي مهزلة...؟!

 داود البصري

الشرق القطرية

السبت 19/10/2013

مع إعلان اللجنة الترويجية لجائزة نوبل الدولية الشهيرة للسلام عن هوية الفائز بها هذا العام وهو مرشح اللحظة الأخيرة "منظمة التخلص من الأسلحة الكيماوية"! عادت الخيبة والقرارات الخاطئة لتعيد تصدير نفسها وفرض رؤاها على قرارات لجنة هي الأسوأ في العالم من حيث المعايير وأسباب الاختيار ودوافعه وخلفياته السرية والعلنية، فالمنظمة الدولية المذكورة لم يكن لها في العير ولا في النفير قبل أن تتدخل القوى الدولية الكبرى وتفرض على النظام الإرهابي السوري المجرم صفقة وخيار "التشليح مقابل البقاء"!!، وهي الصفقة المشبوهة التي تلقفها نظام بشار ليزداد إرهابا وإجراما وتجويعا بحق الأحرار من السوريين الرافضين لنظامه والثائرين منذ ما يقارب الأعوام الثلاثة، لقد كان الفائز بتلك الجائزة طرفا آخر قد يكون الطالبة ملالا أو غيرها ولكنه بالتأكيد ليس تلك المنظمة التي لم يعد يتذكرها أحد منذ أيام الصراع الدولي الماراثوني مع نظام صدام الراحل في العراق.

جائزة نوبل هذا العام جاءت خيارا بائسا وشاحبا وميتا منذ أن أعلنه رئيس اللجنة النرويجية "توربيورن ياغلند" والذي هو الزعيم السابق لحزب العمال النرويجي ورئيس الحكومة النرويجية الأسبق كما كان رئيس البرلمان الأسبق أيضا!، واستعراض الأسماء التي حصلت على تلك الجائزة عبر تاريخها الطويل والممتد شوه سجلاتها وجود عناصر إرهابية وإجرامية دولية من أمثال الإرهابي الصهيوني النافق مناحيم بيغن الذي تقاسمها مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وكذلك جزار قانا ورئيس الدولة الصهيونية الحالي شيمون بيريز وهو بالمناسبة أحد مهندسي المشروع النووي الإسرائيلي!! كما أن النرويج ذاتها كانت أحد أهم عوامل وأسباب ونجاح ذلك المشروع النووي منذ عام 1957 حينما جهزت مفاعل ديمونا الإسرائيلي بالماء الثقيل الضروري لتشغيل المفاعل، معايير اختيار الفائزين بتلك الجائزة تخضع على الدوام للمزاج الدولي السائد في ظل منافسات ترشيحية شرسة من مؤسسات مختلفة وعديدة، ولكن دخول منظمة الأسلحة الكيماوية على الخط في ربع الساعة الأخير وفوزها بالجائزة يمثل الخيار الأسوأ، فهذه المنظمة لم تفعل شيئا لتجريد السلاح الكيمياوي من النظام السوري بقوتها الذاتية بل كان ذلك الخيار خيار النظام السوري بعد أن ارتكب جريمته التاريخية الكبرى في الغوطتين في 21 أغسطس الماضي، واتهم المعارضة بذلك مع شلة الأنس والفرفشة المساندة له في موسكو وبغداد، ثم تهرب من وجع الرأس والملاحقة عن طريق "التشليح الذاتي" والذي يعني تسليم سلاح الجريمة التي سجلت ضد مجهول بعد أن رفعت عنها بصمات النظام! وإبداء حسن النية في الانبطاح الدولي مع ضمانات روسية فاعلة بغلق الملف الكيماوي، مقابل ترك النظام السوري يمارس تكتيكا عسكريا مجرما هدفه القضم التدريجي لمواقع الثوار، وهو أسلوب عسكري خبيث ومراوغ تميز بزيادة حدة النيران الموجهة ضد مواقع المعارضة والاستعمال المفرط للقوة والاعتماد على العصابات الطائفية العراقية واللبنانية تحت القيادة الحرسية الإيرانية بارتكاب المجازر الشنيعة في ريف دمشق كما حصل في الذيابية ومخيم الحسينية، إضافة لاستعمال التكتيك المخابراتي في استعمال السيارات المفخخة في التجمعات والأسواق الشعبية مترافقا مع القصف الجوي وبالبراميل القذرة مضافا لذلك حملة علاقات عامة يقوم بها رئيس النظام من خلال مقابلاته المتلفزة مع القنوات العالمية والتي يمرر من خلالها رسائله للعالم ويشيع تصورات واهية عن قدرة نظامه العسكرية وعن صموده وعن مطاولته في مقاومة الإرهاب الدولي بينما يستعين هو بعصابات طائفية إرهابية دولية معروفة، والغريب أن العالم الذي يسمي نفسه حرا يتفرج على مصارع السوريين ويغض النظر تماما عن جرائم النظام وعن استباحة العصابات الإيرانية لحرمة وقدسيىة الأراضي السورية وكأن المجازر الجارية هناك تحدث في مجرة أخرى، والرئيس السوري لم يخطأ أبداً حينما تهكم وقال بأنه يستحق جائزة نوبل للسلام! والتي عمليا أعطيت له ولنظامه بعد أن وافق على التشليح الذاتي مبررا بنفس مبررات الأنظمة الفاشية وهي الحفاظ على النظام السياسي أهم من الكرامة الوطنية وحتى من مبادئ السيادة، لقد قالها البعث السوري بعد هزيمة 1967 وقيام الوالد حافظ أسد وزير الدفاع وقتذاك بتسليم هضبة الجولان للإسرائيليين، ويقولها اليوم وريثه ووارث سره وهو يقوم بنزع السيادة والكرامة الوطنية قطعة تلو أخرى، فيما ينشغل العالم بتدمير بعض من أسلحة النظام القذرة ويتركون له حرية قصف وذبح السوريين بالجملة والمفرق.. فما أتعس حالة النفاق الدولي وما أتعس جائزة نوبل النرويجية والتي تعطى لمن لا يستحق وتكرم القتلة والدجالين.. لقد مات الضمير الإنساني واستطاع الفاشيون تمرير طروحاتهم السخيفة بكل صفاقة..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مأساة الثورة، مأساة سورية

حازم صاغية

الحياة

السبت 19/10/2013

تفترض الثورة، أية ثورة، أنها بإطاحتها النظام القائم تطيح وضعاً شاملاً كاملاً. ذاك أن النظام مصدر ذاك الوضع، صانعه ومهندسه. وكلما كانت السلطة أكثر استبدادية، وأشد دمجاً لمستويات الوجود الاجتماعي وإمساكاً بها، كان الوضع الذي يخضع للتغيير أشد اتساعاً وعمقاً.

في هذا المعنى لم تشذ الثورة السورية عن ذاك المبدأ العام، هي التي واجهت نظاماً شبه توتاليتاري يستولي عنوة على معظم مصادر الحياة وتجديدها.

الآن، بل منذ أشهر، بدأ يتغير هذا الوضع. فلأسباب عدة، داخلية وخارجية، تناولها كتاب ومحللون سوريون وغير سوريين، لم يستقر الوضع على هيئة ثورة تقضم السلطة والأرض مقابل نظام يخسر سلطته ويفقد أرضه. لقد حل، في المقابل، تعدد وتنازع في مراكز النفوذ وفي السيادة على الأرض، ما بين السلطة و «الجيش الحر» والقوى الإسلامية المتطرفة، وهي كثيرة ومتضاربة، والأطراف الكردية.

هكذا غدت الثورة تواجه، في وقت واحد، قوة النظام الأمنية الموروثة عن الأمس، وضعفه المجتمعي، وبالتالي السياسي والأمني، الناشئ راهناً. وقد يجوز القول، في هذه الحدود، إن الثورة لم تعد ثورة حين كف النظام عن أن يكون نظاماً يستحوذ وحده على صناعة الواقع والوقائع.

وصورة كهذه تغير جذرياً وجوهرياً في طبيعة الثورة وفي المهمات المطروحة عليها، إذ تضعها في مواجهة كل تلك القوى التي تتقاسم السلطة والأرض، لا في مواجهة النظام وحده. لا بل حتى لو اكتمل إسقاط النظام، وهو دائماً شرط شارط لكل تغيير، بقيت الثورة، والحال على ما هي عليه، تصارع أعداء يسيطرون على أجزاء أساسية من السلطة والأرض. ولما كان معظم هؤلاء الخصوم ذوي ألوان دينية أو طائفية أو إثنية خاصة بهم، بات من المحسوم تغلب «الحرب الأهلية» على «الثورة» داخل المكون العنفي الجامع بينهما.

وغني عن القول إنه حتى في الحسابات العسكرية والتقنية الصرفة سيكون انتصار الثورة مستبعداً جداً. ذاك أنها لم تستطع حسم الصراع العسكري مع النظام وحده، وإذا كان مؤكداً أن دعم روسيا وإيران و «حزب الله» لبشار الأسد قد لعب دوراً في هذه الحصيلة يكمل الدور الذي لعبه ضعف المساعدات التي حظيت بها الثورة، يبقى أن العاملين هذين لا يحجبان قدرات فعلية استعرضها ذاك النظام، إن لجهة نهوضه على تماسك أهلي مضمون، أو لجهة إبقائه على وحدة الجسم الأساسي لأدواته القمعية. فإذا صح ذلك، بات صحيحاً القول إن القضاء على السلطة، وفي الآن نفسه القضاء على القوى الإسلامية، لا سيما وقد أتيح لها أن تنمو وتكبر وتتعزز بمقاتلين أجانب، غدا من شبه المستحيل.

وهذه مأساة سورية ومأساتنا في هذا المشرق العربي.

لقد كتب ياسين الحاج صالح على صفحته في «الفايسبوك» مودعاً سورية «مؤقتاً»، ومعلناً مغادرته إياها. والحاج صالح ليس فقط أحد ألمع الكتاب العرب، لا السوريين وحدهم، بل هو أيضاً الأقرب لأن يسمى منظر الثورة السورية ومتابع تطوراتها وناقد إخفاقاتها وأحد الأصوات الضميرية في نقله معاناة السوريين ورغباتهم. وانتصار الثورة هو ما يضع أفضل أبناء سورية، وياسين في عدادهم طبعاً، في موقع القرار عن مستقبل بلدهم وشعبهم. لكنْ حين يُضطر الحاج صالح إلى المغادرة فهذا يعني، للأسف، أن سورية لن تكون مكاناً للحياة. لهذا يجوز الشك كثيراً في أن يبقى الوداع الموقت موقتاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لن تنتصر ثوراتنا قبل أن نثور على أنفسنا

  فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 20/10/2013

لو دققنا في طبيعة المعارضين الذين استلموا السلطة أو الذين يصارعون بعض الأنظمة لاستلام السلطة أثناء الثورات وبعدها لوجدنا أنهم في بعض الأحيان صورة طبق الأصل من الطواغيت الساقطين والمتساقطين. ولا عجب، فالمعارضات العربية مصابة بنفس أعراض الأنظمة الحاكمة. وقد لاحظنا في الماضي أن بعض أحزاب المعارضة في بعض الدول العربية كانت ومازالت حكراً على بعض العائلات والأشخاص وذريتهم. ففي سوريا مثلاً تصوروا أن الحزب الشيوعي كان وما زال ملكاً عائلياً يتناوب عليه أبناء وأقرباء عائلة معينة. لا فرق أبداً بين النظام ومعارضيه. بعبارة أخرى، "ما حدا أحسن من حدا"، فكما أن الرئيس السوري ورّث الحكم لابنه، فلا بأس أن يورث أصحاب الأحزاب "المعارضة" الحزب لأبنائهم وذريتهم. وهذا الأمر لا يقتصر على سورية، بل هو موجود أيضاً في مصر، وبشكل صارخ أيضاً في السودان، حيث تحولت بعض أحزاب المعارضة إلى ما يشبه "العزبة" العائلية. وبما أن المعارضين يتشبهون بالطغاة الحاكمين، فكيف تنجح ثوراتنا إذاً. هل ثارت الشعوب لكي تستبدل "الببسي بالكوكا كولا"، أو "السبرايت بالسفن أب"؟

لقد قال المفكر عبدالله القصيمي عام ١٩٦٣: "لكل مستبد معارضة مستبدة تحمل صفات الطاغية إذا وصلت إلى الحكم". بعبارة أخرى، فإن معارضي الطواغيت يحملون الكثير من صفات الطاغوت. لهذا يتصرفون بطريقة طاغوتية عندما يصلون إلى السلطة. وما ينطبق على المعارضين، ينسحب أيضاً على عامة الناس، الذين تربوا على كل مكونات الطغيان، خاصة إذا عاشوا تحت حكم طاغية لعقود وعقود. فمن المعلوم أن الطاغية ينقل طبائعه إلى بقية أفراد المجتمع، فالأب في المنزل يصبح طاغية صغيراً، وكذلك المعلم في المدرسة، والواعظ في المسجد، والمدير في العمل، وهلم جرا، بحيث يصبح الطاغية متجسداً في شعبه. وبالتالي، لا قيمة أبداً لسقوط الطاغية وترك الثقافة العامة التي أنتجها على حالها دون تغيير، فالعقلية التي أنتجت الطاغية يمكن أن تنتج غيره.

وقد لاحظنا مثلاً أن بعض الثوار الذين انتصروا على نظام القذافي في ليبيا لا يختلفون عنه قيد أنملة، لا بل إنهم قد يتفوقون عليه في الاستئثار بالسلطة وإرهاب معارضيهم. وكذلك حدث في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، والذي حدث جعل بعض الساخرين يقول: "الفرق الوحيد بين العهود السابقة والعهود الجديدة، أننا في الماضي كنا نتعامل مع طاغية واحد وأولاده، أما الآن فقد أصبح عدد الطواغيت لدينا بالمئات والألوف"، لأن الكثيرين ممن حلوا محل الطواغيت الساقطين راحوا يبارزونهم في الطغيان والتسلط، ليس فقط في ليبيا والعراق، بل أيضاً في معظم البلدان التي سقطت فيها الأنظمة القديمة. ففي الصومال برزت عشرات الجماعات التي تتصرف كما كان يتصرف الطاغية سياد بري، وكذلك في سوريا الآن.

ومن أبرز مظاهر هذا المرض الطاغوتي الذي ابتلي به العرب أن الثوار يتصارعون فيما بينهم بعد النصر، فيحولون البلاد إلى خراب ودمار. وقد شاهدنا ذلك في معظم الدول التي تخلصت من طواغيتها، فتذبح المجاهدين في أفغانستان، وكذلك نظرائهم في الصومال، وسوريا، والعراق وليبيا، وكأنهم لم يثوروا على الطغاة، بل كي يحلوا محلهم في احتلال البلاد واستعباد العباد.

باختصار، فإن الثورة على الطغاة قد تنتصر بسرعة، لكنها لا شك أنها ستستغرق وقتاً طويلاً كي تنتصر على ما زرعه الطغاة داخلنا، لهذا تعاني ثوراتنا الآن مما خلفه الطغاة وراءهم من طبائع طاغوتية. فما تعلمته الشعوب على مدى عقود على أيدي الطواغيت لا يمكن أن تتخلص منه خلال سنة أو سنتين، فحتى التدخين يصعب تركه بسهولة. فالطاغية ينفق جسداً، لكنه يبقى روحاً في نفوس الملايين من شعبه لسنوات وسنوات بعد نفوقه.

فما أسهل أن نتخلص من الطاغية الذي يحكمنا، وما أصعب أن نتخلص من الطاغية في ذواتنا. القذافي مثلاً مات، لكنه ما زال حياً يُرزق في نفوس يعيش في نفوس معظم الليبيين تفكيراً وعملاً، كما نرى من تصرفات من حلوا بعده في السلطة.

لن ننتقل إلى عهود جديدة بعد الثورات بمجرد أننا تخلصنا من الطغاة. لا أبداً، فلابد أن ننتظر ولادة أنظمة ومعارضات جديدة لم تتلوث بأمراض الأنظمة القديمة، بحيث تكون نظيفة تماماً من الإرث الطاغوتي الذي تربت عليه أجيال وأجيال.

لقد صدق أحدهم عندما قال:" العمل الصعب هو تغيير الشعوب. أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائياً عندما تريد الشعوب ذلك".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كلمة (وطن) ليست حرامًا

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 20/10/2013

منذ أيام، تُقيم إحدى الفصائل الإسلامية المقاومة للنظام السوري مناسباتٍ خلال العيد ليحتفل الأطفال بقدومه، ويبثُّ الفصيل المذكور تقريرًا مصوَّرًا بإتقان عن المناسبة، وتَحملُ معاني الحدث وكلمات المُعلّق إجمالاً دلالاتٍ إيجابية تتعلق بالظاهرة بأسرها. لكن المرء يشعر أن المُعلّق يتجنّب بكل حذر ذكر كلمات مثل (الوطن) و(الشعب) والمفردات القريبة منها. فهو يتحدّث دائمًا عن ضرورة أن يشعر «أبناء المسلمين بالفرح في العيد»، وعن «واجبنا تجاه أبناء المسلمين»، ومثل تلك العبارات.

شكرًا للفتتكم الكريمة أيّها السادة. لكن هذه اللفتة تجري على أرضٍ (سورية)، وأنتم تعملون في خضم ثورةٍ أشعلها (الشعب السوري)، وهؤلاء الأطفال الذين تشعرون بمسؤولية إدخال الفرحة على قلوبهم هم (سوريون) من أبناء هذا (الوطن). فلماذا يبدو في خطابكم شيءٌ يُشبه الخوف من استعمال هذه الكلمات؟ نعلم أنكم لا تعتبرون نُطقها حرامًا، فلماذا تجنبها في هذا المقام وفي غيره من المقامات إلى هذه الدرجة؟! وما الذي يُقلل من التزامكم لو أن المُعلّق قال مثلاً: «هذا واجبنا تجاه أطفال وطننا وشعبنا السوري»؟ وكيف سيتأثر الإسلام سلبيّاً من استخدامكم لهذه المفردات؟!

الكل يعرف أنكم إسلاميون ملتزمون، واستخدام مثل هذه العبارة الأخيرة سيكون دليلاً على أنكم تنطلقون من معاني الإسلام السامية للقيام بهذه النشاطات. بل إن استخدامها لن يعني بحال إنكار (إسلاميتكم)، لكنه يُضيف رسالةً فيها درجةٌ أكبر من حميمية الهوية والانتماء إلى أبناء شعبكم السوري، وهو ما سيعود ليكون رصيدًا لكم على كل حال.

لا نعتقد أنكم كنتم تطلبون هوية كل طفلٍ يحتفل مع أقرانه، فماذا لو أن بعض هؤلاء لم يكونوا مسلمين؟! نشك أنهم كانوا سيُطردون من الاحتفال، لأنهم في النهاية من أبناء الشعب السوري الثائر المصابر الذي يُشكل حاضنتكم الاجتماعية.

لا يخاف الإسلامُ الحقيقيُ الكبير من انتماء أتباعه إلى (شعبٍ) و(وطنٍ)، فضلاً عن استحالة خوفه من مجرد ذكر هذه الكلمات. وإذا كان هناك حقًّا من يخافُ على الإسلام من اقترانه بالشعوب والأوطان فإنه لا يُقزِّم هذا العملاق ويظلمهُ فقط، بل ويُثبت أنه، هو نفسه، أقلُّ شأنًا وأصغر قامةً بكثير من أن يُمثل هذا الدين.

وحتى لو كان من تلك الشعوب، وفي تلك الأوطان من لا ينتمي للإسلام، فإن من يُدرك انفتاح الإسلام الكبير، والمبني على قوته الحقيقية، يعلم يقينًا وجوب التعامل مع هؤلاء كإخوةٍ في الوطن والإنسانية، خاصةً إذا كانوا من أهل الثورة، والعاملين لتحقيق معاني الكرامة والحرية.

في مقابل المشهد السابق، يُفرز الواقع السوري ظاهرةً أخرى تَكثر بين من يعتبرون أنفسهم ليبراليين وعلمانيين، وتحديدًا لدى شريحةٍ معينة بات أصحابُها الآن بشكلٍ أو بآخر في موقع القيادة وصناعة القرار السوري (أو ما تبقى منه..) في المعارضة.

وأنت إذ تقرأ كتابات هؤلاء وتُحلل خلفية قراراتهم السياسية ومواقفهم العملية، فلا تشعر إلاّ بدرجاتٍ متفاوتة من الجهل بحقيقة الإسلام، لكنها تصبُّ في نهاية المطاف في اعتباره بُعبعاً، بل وكابوسًا حقيقيًّا يزداد الهوس به تدريجيًّا ليُصبح أكبر من الهوس بإسقاط النظام.

لا نتحدث هنا عن المجاملات التي يُمارسها البعض في المناسبات السياسية، ولا عن الشعارات التي يرفعها آخرون هنا وهناك، فكلا الأمرين لا يفيد في التعامل مع الموضوع إيجابيًّا بأي شكلٍ من الأشكال.

وإنما الحديثُ عن طريقة في التفكير تُركز على كل ممارسةٍ خاطئةٍ تُرتكب باسم الإسلام، وعلى اصطياد كل نقيصةٍ يُمكن أن تُنسب إليه، وتجاهل أي ظاهرةٍ إيجابية تنبع من قيمه الأصيلة.

الأخطر في الموضوع أن يتكرر الإصرارُ على وضع كل من يرتبطون بالإسلام كانتماءٍ ثقافي وحضاري وديني في سلةٍ واحدةٍ. فرغم وجود فروق جوهرية في فهم الدين وكيفية تنزيله على الواقع بين أفراد ذلك الطيف الواسع، يجري اختزال القضية إلى كلمة واحدة تُطرح بحد ذاتها كبُعبع: (إسلاميون).

نجزم أن هذا الموقف يمثل أكبر دليل على وجود المُشترك الثقافي للمُتطرفين وأصحاب القراءة السطحية من جميع الانتماءات والتوجهات الفكرية بين السوريين، وأن ما يجمعُ هؤلاء معرفيًّا في الجوهر هو أكبر بكثير مما يُفرق بينهم في المَظهر.

ما من شكٍ، والحالُ كذلك، أن الثورة السورية محاصرةٌ اليوم بين رؤيتين تُساهمان في تمزيق نسيجها الثقافي والاجتماعي والسياسي.

مرةً أخرى، لابد من التأكيد على أننا نتحدثُ هنا عن شريحةٍ معينة بات أصحابُها الآن مؤثرين في قرار المعارضة السورية (أو ما تبقى منه..)، وفي المجالين السياسي والعسكري تحديدًا، ولا نتحدث عن شرائح واسعة من النشطاء والمثقفين من الطرفين، والذين كانوا ولا يزالون الأكثر اعتدالاً وتوازنًا، لكنهم ابتعدوا عن مواقع التأثير، غالبًا بإرادتهم، لأن هذه المواقع باتت موبوءةً، إذ اختلط فيها الحابل بالنابل والصالح بالطالح، وأصبح كل من فيها عرضةً للاتهام والتخوين بغض النظر عن صدقية الاتهامات.

أما آن الأوان ليتعارف هؤلاء، الأكثر توازنًا واعتدالاً، من الطرفين؟ وأن يحصل هذا بالمعنى الشامل لمفهوم (التعارف)؟ أليس من واجب المثقف الحقيقي ومقتضيات موقعه أن يبذل جُهدًا لقراءة الخارطة الثقافية والفكرية والسياسية لوطنه بشكلٍ أكثر دقةً بعيدًا عن التعميم والأحكام المبنية على الانطباعات والمقولات التاريخية؟!

وهل يكون مُستحيلاً لمثل هذا اللقاء المعرفي أن يكون الخطوة الأولى لاستعادة الثورة واستعادة سوريا؟!

الأرجح أن الإجابة النظرية سهلة، وأن الجهد العملي المطلوب لتحويلها واقعًا صعبٌ وكبيرٌ. لكن سوريا وثورتها تستحق، على الأقل، المحاولة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون عشية «جنيف 2»

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 20/10/2013

لعله من البديهي القول إن أوضاع السوريين عشية الحديث عن انعقاد مؤتمر «جنيف 2» هي الأصعب في تاريخهم الحديث والمعاصر، وهو قول تؤكده المعطيات العامة والشائعة عن واقع الحال السوري سواء كان لجهة المعطيات الخاصة بالنظام أو تلك المتعلقة بالمعارضة وبعموم الشعب السوري، ولكل واحد منهم وضعه الصعب في إطار الوضع السوري العام.

لقد استنفد النظام كل قدراته في حربه ضد السوريين.. فاستخدم كل أسلحته الآيديولوجية والسياسية والإعلامية والمادية، فكذب وضلل وبذل كل طاقته في تفتيت السوريين، ودفع كل وحداته العسكرية والأمنية في مواجهة خصومه في المدن والقرى، واستخدم كل الأسلحة التقليدية من طائرات وصواريخ ومدرعات وصولا إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل، واستعان بكل تحالفاته الدولية والإقليمية في معركته، قبل أن يستقدم خبراء ووحدات عسكرية وميليشيات طائفية لتشارك في القتال اليومي إلى جانبه ضد الشعب وضد تشكيلات المعارضة العسكرية، بل إنه لم يوفر الاستخدام المبطن لجماعات التطرف، وخاصة الجماعات المرتبطة بـ«القاعدة»، في معركته، قبل أن يوافق على التخلي عن سلاحه الكيماوي الذي طالما اعتبره الأهم في عناصر قوته وقدرته في تهديد الآخرين في الداخل والخارج.

ورغم وقوف المعارضة في الخندق المقابل الذي يجعلها أفضل حالا من الناحية السياسية، فإنها من حيث البنية ووضوح الأهداف والأداء، أثبتت أن وضعها صعب هي الأخرى.. فلا هي استطاعت أن تتوحد في بنى وتحالفات عامة، بل صار منها ما يعاني من انقسامات وتشظيات أفقية وعمودية في آن معا، وهي لم تتمكن من خلق رؤية عامة، وتحديد أهداف واضحة في المستويين المرحلي والأبعد منه، وفي كل الأحوال لم تتعد مستوى الشعارات التي طرحها الشارع السوري، وعجزت عن صياغة خطط تعجل من الوصول إلى تحقيق الشعارات. وأثبتت المعارضة عجزها عن الاستفادة من ظروف إقليمية ودولية داعمة، كان يمكن رغم ضعف ذلك الدعم أن تعزز قدرتها وفرصها في دور أكبر في القضية السورية.

لقد عانى السوريون من جرائم القتل والتدمير والتهجير بفعل سياسات النظام، وعانوا من عجز المعارضة عن القيام بدورها في قيادتهم نحو أهدافهم، وكلاهما كان بين عوامل عززت نمو التطرف الديني وزيادة حضور ونفوذ جماعات «القاعدة» من «جبهة النصرة» و«الدولة الإسلامية في العراق والشام»، إضافة إلى معاناتهم الشديدة من ظروف حياتية ومعيشية بلغت مستوى كارثة إنسانية غير مسبوقة سواء في داخل سوريا أو بلدان اللجوء، وفي الحالتين عجز العالم وقصر في مساعدتهم لمواجهة الكارثة، الأمر الذي زاد من ضعفهم، وإن كان الأخير لم يغير في نظرتهم للنظام الذي لم يعد من الممكن التوافق معه تحت أي شروط.

صعوبات الواقع السوري وأخطاره، والتي يعني استمرارها ترديات أكثر سوف تنعكس في المحيط الإقليمي والدولي، ربما كانت هي أهم العوامل الدافعة إلى تحرك دولي نحو «جنيف 2»، رغم تمايز أجندات الداخلين في رعايته والمشاركين فيه بين حدين مختلفين، أحدهما أميل لمعالجة أقرب إلى مصالح النظام، وآخر أقرب إلى مصالح السوريين ومعارضتهم، وهو تمايز يعبر عن نفسه في الحوارات العامة والثنائية الجارية اليوم بين عواصم معنية وأخرى مهتمة بمؤتمر «جنيف 2» وما يمكن أن يتمخض عنه. غير أن الحوارات العامة والثنائية، لا تسير خارج ضوابط عامة، إنما ترسم ملامحها المعطيات الواقعية، التي كرستها حرب النظام الدموية ضد السوريين، وما تمخض عنها، إضافة إلى خلاصات المساعي الإقليمية والدولية لتسوية الوضع السوري، ولا سيما بيان «جنيف 1» ذي النقاط الست في عام 2012، وقد رسم «خارطة طريق» كانت في حينها كفيلة بتغيير النظام وفتح الباب لتحول سياسي عميق في الحياة السورية، وكلاهما أمر دفع النظام وحلفاءه لرفض تطبيقها وتوفير دورة من الدم والدمار والتهجير على مدار أكثر من عام على أمل أن يكسب النظام معركته ضد السوريين، لكن ذلك لم يتحقق، ولن يتحقق، كما تشير الوقائع.

إن «جنيف 2» باعتماده بيان «جنيف 1» أساسا حسب المداولات وحسب أوراق يجري تبادلها بين الأطراف المعنية والمهتمة، يوفر فرصة حل سياسي للوضع السوري، ليس فيها مكان لقادة النظام الأمني - العسكري الذين غرقوا في جرائم لا يمكن أن يفلت أصحابها من العقاب، ويفتح الباب أمام هيئة حكم انتقالي تقود سوريا نحو نظام ديمقراطي تعددي، يحفظ حقوق السوريين ويضمن مشاركتهم في إدارة شؤونهم بصورة طبيعية، بل إنه يوفر بمجرد الموافقة عليه إجراءات تشمل وقف عمليات النظام العسكرية واستخدام أسلحته ضد المدنيين ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة ودخول المساعدات بكل الطرق.

«جنيف 2» بالمحتويات التي يجري التداول فيها، يمثل فرصة أخرى للسوريين تخرج بهم من عمق ما صاروا إليه من كارثة، وما يتهددهم ومحيطهم في السير إلى أعماقها. والتحدي الرئيسي للعالم وللسوريين هو التعامل بجدية ومسؤولية مع «جنيف 2»، ولا شك أن مقدماته الإجرائية هي البرهان العملي وليست الإعلانات والنصوص والوعود!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
ثورة الشام وُلدت قبل الصفقة الدولية.. وسوف تبقى بعدها

مطاع صفدي

القدس العربي

الاثنين 21/10/2013

الفراغ السياسي الذي كان العرب يشكو من سيطرته على علاقات كياناتهم الحاكمة فيما بينهم، لم يأت ‘الربيع بثوراته واضطراباته كي يملأه، بل ربما زاد في مؤثراته، نقله من حال الركود إلى أحوال من الأفعال الملتبسة أو العشوائية، فلا يمكن الركون إلى الحكم السريع القائل أن هذا الربيع صار هو الربّان المتميز لسفينة الأحداث الكبيرة والفاصلة في هذا المستنقع العربي الذي لا تزال ديدانه المترسِّبة في قيعانه الموحلة قادرة على إجهاض تياراته المتبقية من حمولتها من المياه العذبة الصافية.

مع ذلك يثبت الربيع أنه سيبقى هو الحدث الأعظم الذي يتهدد الفراغ السياسي ليلغي أسبابه قبل أن تكبّل نتائجُها المدمرة أعناقَ الأجيال الجديدة الصاعدة، وتحولهم إلى سلالة أخرى من أسياد التخلف المتجدد أو من عبيده. ما نريد الإشارة إليه هنا هو أن الربيع أتاح للنهضة الولوج إلى حراك دورة أخرى، من تاريخها المفعم بالوثبات الوجودية والردات العدمية خلفها. غير أنه لن يكون سهلاً على النهضة أن تتماهى كلياً مع حقبة الربيع، أن تسلّمها كاملَ عُدّتها الفكرية، ومعها خلاصات تجاربها. بل لن تجازف النهضة في اعتبار الربيع أنه سوف يشكل منعطفاً في مسيرتها، أو أنه سينحت له حقبة قائمة بذاتها في سياق زمانها وعصرها، ومع ذلك لن يكون الربيع غريباً أو متطفلاً على ثقافة النهضة، قد يكون طامحاً إلى أن يتبوأ ما يُصطلح عليه أنه هو عصر التغيير الكلي الذي طالما حلم به رواد النهضة ومفكروها، لكنهم عجزوا عن تحقيقه وإن أوغلوا في التبشير به، بأسمائه ومفاهيمه، وأحياناً تداعوا إلى مشاركات في إنتاج مقدماته الثقافية أو قوانينه الحقوقية، لكن هاهو الربيع يتجاوز كل عتبات الدعوات والتبشيرات والتصورات، ويضع مجتمعات الأمة دفعة واحدة في حمأة الثورات وفوضاها العارمة، وتناقضاتها المفجعة. لعلّ الربيع بات متعجلاً في أمره اليومي، يصدره في صباحات المدن الغافية، لتملأ شوارعها وميادينها جحافلُ الصخب والغضب.. الجماهيرية.

بيد أنه لا يمكن اختصارُ الربيع بالثورات التي تفجرت تحت شعاراته، كما لا يمكن لهذه الثورات أن تُختزل بأحداثها الدموية، قد تحاول حركات العنف هذه أن تعبّر عن بعض مفاعيله الواقعة، سواء بموافقته على فحواها ونتائجها، أو برفضه لها جزئياً أو كلياً، لكن الربيع يظل متهماً على الأقل بأبوته المعنوية لهذا المايحدث المجهول الناهض باسمه والمنتشر تحت أعلامه.

إذا كان الربيع هو أب للثورات، غير أنه ليس مطلوباً منه أن يتنبأ بأفعال أبنائه مقدماً، يمكنه أن يعلن براءته من بعضها عندما ينحرف هذا البعضُ عنه نحو كل ما يتناقض مع مبادئه الأخلاقية، أو أهدافه السياسية، يمكنه أن يعلن بالفم الملآن أمام شعبه أن أبناءه الحقيقيين بل الشرعيين قد تواروا أو اخْتُطِفوا أو فقدوا وجودَهم، وأن هؤلاء الحركيين في الساحات ليسوا هم الثوار، إلا الأقل الهامشي منهم، وأن جلّهم ربما كانوا من منسلبي الوعي والإرادة، وأن شذاذ الآفاق وحدهم، ممن يسمون بالقادة و(الأمراء) هم المتاجرون بهم. فهذا هو زمن التزوير الأفظع عندما تصل فواجع الأمور إلى حد إخفاء أصول الأشياء والمفاهيم، إلى حد نسيان هذه الأصول، في سياق التعامل الحصري مع أشباحها الفارغة من المعنى والمبنى؛ فما يحدث للثورات العربية هذه الأيام أن أهدافها الأساسية تكاد تضيع في زحمة من صراع المبادئ مع المصالح الفئوية التي تشغل الثوار فيما بينهم بأتفه الأطروحات، بينما تغيب هموم المتغيرات الاجتماعية المأمولة عن ساحات معظم الجبهات المفتوحة، حتى يبدو أن الصراعات الفرعية هي التي تكون لها الغلبة في المحصلات النهائية.

الربيع العربي ليس باعثاً على الفوضى، لكن الفوضى تلاحق ممارساتِه أينما حلّ، وكيفما تصرّف. إنها توأمه الثاني الشيطاني؛ فهي العدو الأول لكل ثورة، وخطرها الأفعل أنها نابعة من جسم الثورة عينه، فما أن تتراكم أخطاء الثورة حتى تنفجر في وجهها مختلفُ نقائضها، لذلك نبّه مفكرو الثورات منذ القديم إلى ضرورة أن يزدوج نضال الثورة ضد أعدائها المكشوفين تحت حواسها، بصنف آخر من أعدائها الباطنيين. فهؤلاء هم العناصر الأشد مكراً ودهاء، اكتشافهُم وفضْحُهم، ومن ثَمَّ تنظيمُ طرق كفاحهم، هي مهماتٌ معقدة وشاقة، ولن تكون الثورات العفوية، طرية العود، متهيأة أو معدة للتصدي المباشر لها.

تبرز الثورة السورية كأنها المثال النموذجي لهذا الصنف من ثورات الربيع الغارقة في مآزقها الذاتية، فهي منذ أن وُلدت من انتفاضة بضعة فتيان إلى أن قفزت بها تطوراتها الشعبية المتصاعدة لتجعلها تضم ألوية وجيوشاً، وتدخل حروباً حقيقية، وتفتح جبهات نارية في أنحاء الجغرافية الوظيفية، هذه الثورة منذ أيامها الأولى كان عليها أن تصارع صنوف الفوضى النابعة من تشكيلاتها الصدفوية عينها. كان الناس يتدافعون إلى صفوف الثوار من كل حدب وصوب، لم يكن الفتية الأوائل، رواد الثورة، يمتلكون أية هياكل أو أُطُرٍ تنظيمية قادرة على استيعاب الجحافل البشرية القادمة إلى الميادين، والمتلهفة لإسقاط (النظام) بين يوم وليلة، لم تكن لدى هذه الطلائع المندفعة أية أفكار شمولية تحكم رؤوسهم، كان الفرح بملاقاة الحرية وحده سيّد المواقف والمشاعر، فالثوار أصبحوا هم الرجال الأحرار اليومَ حتى قبل أن تتحقق الحرية بتدمير مركّب الاستبداد/الفساد، المُخْتَطِف للوطن منذ نصف قرن.

هذا الميلاد الشعبي والعفوي بمعنى الكلمة مثلما كان يشكل امتياز الثورة الربيعية فعلاً، إلا أنه جعلها مفتوحة الحدود، أي قابلة للدخول عليها من مختلف الطارئين والطفيليين وأصحاب الأيديولوجيات المغلقة داخل رؤوس أصحابها، كانت ثورة بلا حدود، بلا أفكار وعقائد مسبقة، لذلك كان الأمر سهلاً على الدول والتنظيمات الجاهزة أن تغزو جسد الثورة، أن تختطف حصصاً لها من خلاياه وأعضائه وأجهزته، أن تمزقه إرباً حتى يكاد الثوار الحقيقيون المتبقون يصبحون طريدين أو مطرودين، غرباء عن المخططات والممارسات التي تتخاطف كلية الفعل الثوري في مختلف الاتجاهات المتضاربة؛ لم يعودوا هم الفاعلين المسؤولين عملياً، وإن اتُهموا بانحرافاتها الظاهرة زوراً أو بهتاناً. هكذا باتت الثورة أحياناً نائية عن أبنائها وأرضها، وتغدو محشورة في ملفات دولية، تفكر عنها، وتقرر بغير ألسنتها، وتصوغ نصوصها بغير أقلامها، وتختمها بغير توقيعاتها، ومع ذلك تطرح (هذه الملفات) نفسها للتداول، كبدائل فاقدة لأصولها دائماً.

ما يحدث لثورة سورية هذه الأيام هو أن وقائع تزويرها فكراً وعملاً في الداخل بات مسوّغاً كلَّ عمليات تزويرها في الخارج الإقليمي والدولي معاً. هذه المحصلة البائسة لكل تضحياتها، شعبها معها، طيلةَ ما يقرب من ثلاث سنوات، هل سوف تكون أعطالُها كافيةً لوضع حد نهائي لوجودها، هل سوف تأتي عليها بنهايتها، خاصة وأن صفقة الصديقين اللدودين (أوباما و بوتين) لم تكن لتتم نتائجها الباهرة عالمياً(؟) حتى الآن لو لم يكن كامناً في جوهر الصفقة هذا الاتفاق الضمني بين العملاقين حول الإجهاز على الثورة السورية كلياً.

هنا، وفي هذه اللحظة المفصلية في تاريخ المشرق العربي تحديداً لعلنا لا نخسر ثقافة التفاؤل، إن قلنا أن هذه الثورة مثلما لم تكن صنيعة أحدَ حين اندلاعها، كذلك لن تكون في استطاعة أحد أن يقرر عنها متى تقفل ساحاتها، وهي لن تفعلها أبداً قبل أن تغرس أعلامها في قمة (قاسيون) دمشق. ولأن هذه الثورة كانت صنيعة نفسها، فهي إبنةٌ شرعية وأصيلة للربيع العربي، إنها أحد أدلته التاريخية الحاسمة على سلامة توقيته التاريخي، بالرغم من كل الندوب العميقة التي لا تزال تنزف من حسدها الطاهر. أعطالها وأخطاؤها كثيرة، لكن تحت قشرة هذه النوافل ثمة جوهرٌ ما، ترك شعاعاً من كنزه الضوئي في قلب كل عربي؛ لن يخبو هذا الجوهر أبداً، حتى عندما تغلق الميادين، فالثورة لها موطنها الدائم في ضمائر مواطني هذه الأمة جميعاً.. والربيع صار واحداً من الفصول الأربعة في سنوات الزمن العربي.

 

‘ مفكر عربي مقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا من لاعب إقليمي إلى ملعب دولي

حسين العودات

البيان

الاثنين 21/10/2013

طالما كانت سوريا منذ استقلالها حتى مطلع قرننا الحالي، لاعباً إقليمياً هاماً يحسب الجميع حسابه، ولم يكن أحد يستطيع أن يتجاهل سوريا عندما يخطط استراتيجيته أو يضع سياساته.

لقد تصدت سوريا للاستعمار الفرنسي لها وللبنان والبريطاني لفلسطين والأردن والعراق، فحارب شعبها الفرنسيين في الداخل وانتزع منهم الموافقة على عدة أمور هامة تؤدي لاستقلال سوريا وتحافظ على وحدة أراضيها، منها إفشال المخطط الفرنسي لتقسيم سوريا إلى أربع دويلات، واضطراره للرحيل منها بقوة السلاح، وقد دعمت سوريا قبل استقلالها ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق.

وأمدت قوات الثورة الفلسطينية الكبرى (1936) بالمال والسلاح والعون، وشاركت في حربي عام 1967 وعام 1973، وبقيت دائماً نصيراً للثورة الفلسطينية، وملجأ أميناً لمناضليها ومنظماتها، ورهنت سياستها الخارجية بموقف الدول الأخرى من القضية الفلسطينية.

قبيل لفظ الاستعمار البريطاني أنفاسه الأخيرة أسس حلف بغداد (بدعم أميركي) لفرض الهيمنة على الدول المتحررة في الشرق الأوسط بقوى محلية وإسلامية (تركيا، العراق، باكستان.. الخ) فتصدت سوريا لهذا الحلف بدعم مصري، رغم تهديدات الجيش التركي المباشرة، وتكالب القوى الأوروبية ضدها.

وتحريض فئات في الداخل السوري ضد النظام السياسي السوري التحرري والديمقراطي آنذاك، وخاصة ضد العلاقة التي أقامها مع مصر ومع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية، وقد كُسر احتكار السلاح وتم الاستغناء عن السلاح الغربي وما يحيط به من إملاءات واستفزازات وشروط إذعان متعددة..

والتقت سوريا بذلك مع ثورة يوليو المصرية وشكلا معاً، بوحدتهما، رأس حربة لقوى التحرر في المنطقة، ثم سلمت الدفة لجمال عبد الناصر، الذي قاد نضال حركة التحرر العربية والإفريقية والآسيوية وساهم في تأسيس منظومة الحياد الإيجابي ثم منظومة عدم الانحياز، وكانت سوريا حليفاً لعبد الناصر، وشكلت مجالاً حيوياً لمصر وعمقاً إقليمياً هاماً، ولعبت دائماً دوراً محورياً في سياسة المنطقة.

وفي الخلاصة لم يكن بد لأي طرف سياسي دولي إلا أن يأخذ القدرات السورية والمواقف السورية باعتباره عندما يريد ملامسة شؤون المنطقة وشؤون أي من دولها، وتكرست السياسة السورية كمدافع عن حقوق العرب وحقوق الشعوب المتحررة الأخرى.

للأسف الشديد، كان النظام السياسي السوري طوال الأربعين عاماً الأخيرة يمارس السياسة العربية والإقليمية على حساب شعبه، يغطي بها عيوبه وظلمه لتثبيت نظامه وتقويته، واستغل هذه السياسة التي كانت تبدو متحررة وتدافع عن الحق العربي، فمارس اضطهاداً داخلياً لتعميق شمولية النظام، ومركزة السلطة مطلقة بيد الرئيس.

وعدم احترام القانون، وتحويل الدولة إلى دولة أمنية بالكامل، فانتشر الفساد والمحسوبية وعدم تكافؤ الفرص، وتم الاستيلاء على ثروة البلاد كلها بدون حق، وتلاشت الحريات.

وأُبعدت الديمقراطية من حياة الشعب السوري، وتم تزوير الانتخابات، فكانت مهزلة من ألفها إلى يائها، وهكذا قبضت السلطة ثمناً لسياستها الإقليمية التي سمتها مرة سياسة الصمود والتصدي..

وأخرى سياسة الممانعة، وأخذته مضاعفاً من الشعب السوري بإلغاء حرياته وحقوقه وهدر كرامته ومنعه من تقرير مصيره، وتحويله إلى دمى تتلاعب بها. وعندما انطلقت انتفاضة الشعب السوري تصرفت السلطة معه على أنه شعب رعايا لا مواطنين، فرفضت أي إصلاح للنظام السياسي ولم يخطر لها ضرورة أن يتشارك الشعب معها في السلطة والثروة..

ومارست أساليب العنف والقتل والتدمير، فتحولت الانتفاضة إلى ثورة، وانشق الجيش وحمل الناس السلاح، ثم استباحت السلطة شعبها وممتلكاته ودولته ووطنه، وأتيح المجال كي تتدخل دول أخرى في الشأن السوري وتقدم مساعدات مالية وتسليحية للداخل، وزاد الأمور تعقيداً أن الأزمة السورية انتقلت برمتها إلى خارج البلاد هي وظروفها وجميع مفرداتها، فتهمش الشعب السوري..

وصار متفرجاً، ووجدت الدول الأخرى وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا فرصتها، وأخذت تعمل لتحقيق مصالحها في المنطقة عن طريق التدخل بالشأن السوري، إلى أن وصل الأمر الآن إلى كارثة خلاصتها: أن الدول الأجنبية الكبرى تعمل لاستغلال الأزمة السورية لتحقيق مصالحها، ولا تهتم كثيراً بما يجري داخل سوريا من قتل وتدمير ومجاعة وتشريد، وأصبح الشعب السوري مشرداً لاجئاً مهجراً يتسول لقمة العيش..

ومازال الكل يلعب بالشأن السوري، الذي ينتظر دون أن يجد معيناً أو حلاً حقيقياً لأزمته، وهكذا فالكل يركض وراء مصالحه والشعب السوري (حمزة لابواكٍ عليه).أما أهل النظام فيبدو أنهم سيكتفون بحكم سوريا حتى لو كانت ملعباً لمن هب ودب، ويرددون ما قاله المستعصم عندما هاجمه المغول (إن بغداد تكفيني ولا يستكثرونها عليَّ).

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية… رؤية في المأزق والحلول

احمد فيصل الخطاب

القدس العربي

الثلاثاء 22/10/2013

في شهر نيسان/ابريل من عام 1980 اي قبل ثلاثة وثلاثين عاما من الان، وفي عز احداث الثمانينات الدامية في سورية، كتب المفكر القومي صلاح الدين البيطار افتتاحية مدوية، في مجلته التي كان يصدرها من باريس: ‘الاحياء العربي’، وكانت الافتتاحية بعنوان: ‘سورية مريضة، مريضة، وتعيش محنة ومأساة’، تطرق فيها الى لقاء مثير في دمشق عام 77، بينه وبين حافظ الاسد رئيس النظام السوري انذاك، لقاء تم خلاله حوار ونقاش مطول بين الرجلين، حول الاوضاع السورية الداخلية والاوضاع العربية، والتحديات التي فرضها انفراد مصر السادات يومها بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، والانعكاسات السلبية لذلك الحدث على مجمل الصراع العربي الاسرائيلي، وسبل الرد على هذه التحديات. وخرج صلاح البيطار بعد نقاش طويل مع حافظ الاسد بخلاصة فحواها ان سورية، وفي ظل عقلية القائمين على الامور فيها سائرة، لا ريب الى ازمة نظام عميقة، وفقا لما كتب هو حرفيا في افتتاحيته تلك.

اليوم وبعد مرور كل هذا الزمن برزت ابعاد هذه الازمة اكثر فاكثر ثم جاءت الثورة، وما رافقها من نهج فاشي للنظام، وممارسات سلبية هنا وهناك، لتتحول الازمة الى مأزق، مأزق شامل يلف، ليس فقط النظام، وانما السلطة والمعارضة والشعب وربما يهدد الكيان السوري برمته. واذا كانت سورية اليوم مريضة، وهي كذلك، وقد تفاقم مرضها وازداد وتشعب مع الايام ، فان من البديهي القول ان نقطة البداية الصحيحة للتصدي للمرض السوري واي مرض عموما، تبقى في التشخيص الدقيق له، ثم البحث عن الادوية والحلول المناسبة، وصولا الى الشفاء التام منه.

المأزق السوري

للمرض السوري، للمأزق السوري اليوم، في رأينا ابعاد رئيسية اربعة:

1- طبيعة النظام: النظام السوري فريد في نوعه بين كل الانظمة العربية، فقد اتى منذ بدايات 1970 في ظل توافق دولي عليه، لا يزال مستمرا ربما حتى اليوم بشكل او بآخر، والاسباب عديدة، واتخذ مع مرور الزمن طابعا مزدوجا: فهو من جهة نظام فردي، عائلي، عسكري، امني (بوليسي) ونظام تمييز فئوي بين المواطنين، من جهة ثانية.

ومع تفجر الاحداث قبل نحو ثلاثة اعوام يتصرف، ليس كحكومة مسؤولة عن جميع مواطنيها، وانما كطرف، كعصابة مثلها مثل الكثير من العصابات التي نمت كالفطر على ارض سورية، على هامش الاحداث المأساوية، يقتل الالاف لمجرد انهم ذو رأي سياسي مخالف، من دون اي حق قانوني، يقتل الالاف من المدنيين المسالمين بلا رحمة، يهجر الملايين من المواطنين، من دون ادنى حس وطني او انساني.

وجذر المشكلة هي في فلسفة حكمه، فهذا الحكم الفردي يفرض ديمومته بالقوة، وفق ما يسمى بقانون الحق الالهي الذي كان قاعدة شرعية الحكم لملوك اوروبا في العصور الوسطى، والحكم العسكري يطبق بكلتا يديه على خناق المجتمع المدني. المفكرون والعلماء والمهندسون والاطباء هجروا البلد، منذ سنوات بعشرات الالوف هربا من المجتمع العسكري الى مجتمع والى وطن اخر يحترم العلم ويكرم العلماء، فالحرية والوطنية لا تفترقان وهكذا بات من المتعذر التعامل مع هذا ‘النظام ‘ على انه حكومة، او نظام، او حتى ادارة رشيدة.

2- طبيعة المعارضة التقليدية: من المعروف لكل المتتبعين للشأن السوري، ان عملية تجريف سياسي واسعة جرت في سورية على يد نظامها، على امتداد اربعة عقود ونيف. لم تكن هنالك اية حياة سياسية حقيقية: لا احزاب معارضة، لا صحافة حرة، لا قضاء مستقل، في بلد محكوم بقانون الطوارئ منذ عام 1963 وحتى اليوم، بلد كان يُقضى فيه بكل بساطة، على حياة الانسان، حتى من دون استئذان من قانون الطوارئ هذا. وفي ظل هذه الاوضاع، كانت المعارضة التقليدية، من الاحزاب القديمة والمستجدة، مضطرة الى ان تمارس نشاطها بسرية، وتتحرك في الخفاء، وانتهى الامر، باغلبية مسؤوليها وقادتها الى السجن او المرض، واحيانا الى الموت في السجن او بفعل الهرم، واخيرا الى التشرد والهجرة، والموت في المنافي.

وهكذا، وفي ظل هذا القمع الاستثنائي الطويل الذي تعرضت له كوادرها وقياداتها من قبل السلطة، انتهى الامر بالمعارضة السورية التقليدية الى الضعف والتشتت.

3 – البعد الثالث في المأزق السوري، وربما الاهم، يتعلق بقيادات المعارضة الجديدة والحراك الشعبي. مع اندلاع الاحداث الاخيرة في سورية، ظهر على السطح بعض القيادات الشابة في الحراك الثوري، كما تقدم الى واجهة العمل السياسي المعارض عدد لا بأس به من الكوادر والمثقفين وقياديي الاحزاب القديمة والمستجدة. وكان اللافت للانتباه ضعف الاداء الاعلامي والسياسي للكثيرين منهم (وليس للكل) وهذا ربما ليس ذنبهم، فاكثرهم يفتقر الى تجربة سياسية طويلة، كي يتحول الى رجل سياسي، ناهيك عن امكانية تحوله الى رجل دولة، وربما لم يكن ذلك التحرك اختيارا منهم، فقد وجد العديد منهم نفسه وقد قذفت به الاحداث المأساوية التي تجري في بلده الى الواجهة، من دون استعداد او اعداد مسبق، ومن هنا كانت البلبلة وكان الارتباك، اضف الى ذلك تسلل بعض الطامعين (وليس الطامحين) والمتسلقين والانتهازيين وبعض تجار الحروب الى صفوف هذه المعارضة، وذلك على خلفية بعض الآفات المعروفة مثل: الفردية والنرجسية الزائدة، وعدم سيادة روحية التحرك ضمن فريق عمل مؤسساتي ومتكامل، مما ادى كما نرى اليوم، الى سيادة حالة من الشرذمة والفوضى في الساحات الثلاث الرئيسية: الساحة السياسية والعسكرية والاغاثية.

4 – البعد الاخير للمأزق السوري يتمثل بالتشابكات العربية والاقليمية والدولية المذهلة في المسألة السورية، ولعبة الامم كما كتب ذات يوم الامريكي مايلز كوبلد، تبدو اليوم جلية بكل تعقيداتها ومأساويتها في سورية اكثر من اي مكان اخر. كل التناقضات الاقليمية والدولية، انصبت دفعة واحدة في الساحة السورية، والشعب السوري يدفع ثمنها، ولا زال حتى اليوم عذابا ومعاناة ودماء . امام هذه التراجيديا المتعددة الابعاد، يبرز بداهة السؤال الكبير ما العمل، وكيف الطريق الى الخلاص؟

وفي معرض الجواب، نبادر الى القول باننا لا نعتقد انه يوجد احد في هذا العالم يملك وصفة سحرية لحل كل هذه المشاكل السورية دفعة واحدة، لكن بالاستشعار والمقاربة المتدرجة يمكن التأكيد على الامور الاساسية التالية:

1- المهمة الاولى التي تقع على عاتق القوى الوطنية السورية اليوم، بعد كل هذه المآسي وسياسة الجري في كل الاتجاهات تتلخص في اجراء وقفة تأمل ومراجعة جذرية لكل السياسات والمواقف والممارسات السابقة، بهدف انجاز عملية فرز وطني وتخصصي وقيمي في الساحات السياسية والعسكرية والاغاثية.

2- كلمة السر في النصر هي الوحدة، الوحدة الوطنية، ومن هنا ضرورة السعي لتوحيد كل قوى الحراك الثوري (اقترح ان يطلق عليها من الان فصاعدا حركة المقاومة المدنية) عبر خلق تعبير سياسي موحد، قدر الامكان عنها، كي تتمكن من الاستمرار في السير على طريق مقاومة النظام المستبد، بكل الصيغ والاشكال الممكنة: الثقافية، الفكرية، التظاهرية، الاقتصادية، الاعلامية والسياسية لتوحيد كل القوى المدنية (او على الاقل صيغة تنسيق وثيق بينها) من طرف، وتوحيد وتأطير كل قوى المقاومة العسكرية من طرف آخر، كل ذلك بناء على استراتيجية واضحة ورؤية شاملة، تحت شعار ‘الاتحاد ضد الاستبداد’ استبداد النظام اولا، فهو الادهى والامر، وثانيا ضد كل مظاهر الاستبداد الثانوية في الساحة السورية من اي طرف كان.

3- ولعل الوسيلة الانسب لتحقيق هذا الهدف قيام جبهة وطنية ديمقراطية، تضم كل القوى الحية في المجتمع السوري الساعية الى التغيير الوطني الديمقراطي، فبخلاف الحزب او الحركة او التيار، يبقى هامش الحرية اوسع بالنسبة لكل طرف من اطراف الجبهة، مع التزام الجميع بالخطوط الرئيسية لميثاقها، وحين تقول ايضا وطنية، بمعنى انها بعيدة عن كل المتبلورات المذهبية او الطبقية او الايديولوجية او الجهوية او الفئوية. وحين نقول ايضا وايضا ديمقراطية، فهذا يعني ان تكون ممارسات اعضائها وقياداتها منسجمة مع هذا المبدأ وهدفها الرئيسي قيام دولة الحق والقانون والمؤسسات الدستورية، دولة مدنية تكفل لمواطنيها الحريات الرئيسية الثلاث، والحقوق الاساسية الثلاثة، والمساواة بينهم من دون اي تمييز، مع الابتعاد عن كل الخلافات المفتعلة والتناقضات الثانوية، عبر العزوف عن اثارة الثنائيات المزيفة التي يحاول البعض في الساحة السورية، اغراق هذه الساحه بها منذ الان، لقصور في الوعي، او لاهداف مشبوهة، ثنائيات مثل: علمانية /دينية، مركزية/ لامركزية، سلمية/ مسلحة، داخل/ خارج، وهلم جرا. ربما تكون كل هذه القضايا تستأهل النقاش، ولكن ليس مكانها اليوم فبعد ان يتخلص الشعب من حالة العبودية، وينتقل الى حالة الحرية، ستكون هذه القضايا وغيرها الكثير، محل نقاش وطني واسع ومفتوح، كي يقول الشعب فيها كلمته الفصل، اذ لا يحق لاحد ان يفرض منذ الان، تصوره الخاص على شعب باكمله. هذه ابجديات السياسة، والف باء الديمقراطية.

4 – ولا بد لانجاز هذه المهام الوطنية، من مجموعة ريادية (وليست قيادية)، تتقدم الصفوف، تدل على الطريق الصحيح، تتوفر فيها شروط الكفاءة الثلاثاء 22/10/2013 العمل بتفانٍ واخلاصالثلاثاء 22/10/2013 المناقبية العالية، ومستعدة، في خضم هذه المعركة الرئيسية الحامية الوطيس بين الشعب والنظام، وغمرة المعارك الاخرى الثانوية، مستعدة ان تدفع حتى حياتها ثمنا لتحقيق هذا الانجاز العظيم. هذه المجموعة الريادية، يمكن ان تكون من داخل اطر المعارضة الحالية ومن خارجها في آن.

والهدف المركزي هو استعادة القرار الوطني السوري المستقل، بعد ان ضاع في متاهات التدخلات الاقليمية والدولية، استعادته بالاعتماد على القوى الذاتية للشعب السوري في الوطن والمهجر، القوى الاقتصادية والمادية، الفكرية، السياسية والعسكرية والبشرية، وهي اذا ما تم توحيدها قوى هائلة، وعلى الصعيد السياسي التوجه للرأي العام الداخلي والعربي والدولي، بخطاب اعلامي واحد موحد خلاصته ان ما يجري في سورية هو ثورة شعب مظلوم، ضد نظام دكتاتوري فاشي ظالم، شعب يطالب بابسط حقوق الانسان وحرياته.

وهنا لا بد من التأكيد على التمسك بخطوط القوة الرئيسية المتمثلة في الوفاء لمبادئ الثورة العظيمة التي اطلقها الشعب السوري الجريح، والمتمثلة بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، على قاعدة الوحدة الوطنية التي هي عدتنا وذخيرتنا للخروج من النفق المظلم.

وعلى قاعدة وحدة سورية ارضا وشعبا ودولة، وان نسلم سورية للاجيال القادمة، كما استلمناها نحن من جيل الاباء المؤسسين، جيل الاستقلال، بعد ان نكون قد انتقلنا بها من العبودية الى الحرية، ومن الذل الى الكرامة، ومن الظلم الى العدالة. انها امانة تاريخية ثقيلة، يجب على الوطنيين السوريين جميعهم حملها والايفاء بها في النهايه مهما عز الثمن… وغلت التضحيات.

 

‘ معارض سياسي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في ضرورات الوحدة حول "جنيف2"

فايز سارة

المستقبل

الثلاثاء 22/10/2013

رغم ان ثمة حركة دبلوماسية نشطة تتواصل عبر عواصم كثيرة من اجل عقد مؤتمر جنيف 2 الخاص بمعالجة القضية السورية، فانه ليس من تأكيد بان المؤتمر سيعقد في وقت قريب، والسبب الاساسي في ذلك عدم توفر البيئة المناسبة لانعقاد المؤتمر، ولعل الابرز في ذلك موقف نظام دمشق الذي وان كان قد اعلن موافقته على حضور المؤتمر استجابة لمطالب شريكه الروسي، فانه يضع اشتراطات من بينها ان المؤتمر لن يبحث في انتقال السلطة في سوريا، وان النظام لن يحاور الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، ولا الجيش السوري الحر، وسيحاور فقط احزاب المعارضة المرخصة في دمشق.

وتشكل اشتراطات نظام دمشق تحدياً، ليس لهدف المؤتمر برفض الدخول في اطار حل سياسي للوضع السوري فحسب, بل لجهود رعاة جنيف2، وللمجتمع الدولي الساعي الى معالجة الوضع في سوريا، وقد تجاوزت تردياته السياسية والامنية والانسانية حدود سوريا الى محيطها والى الدول الابعد من ذلك، التي اصابتها بعض تداعيات الوضع في سوريا.

واشتراطات النظام على اهمية اثرها في تأخير عقد مؤتمر جنيف2، او في افشال عقده، لاتمثل العقدة الوحيدة امام جنيف2. ذلك ان وضع المعارضة السورية وموقفها، قد يعيق انعقاد المؤتمر او يؤجله، وبين الاسباب ان المعارضة ليست موحدة في موقفها من المشاركة، وهذا سوف يؤثر على شكل مشاركتها، اذا يطرح فكرة مشاركة عدة وفود للمعارضة بخلاف ما ينبغي ان يكون عليه الحال في حضور وفد موحد للمعارضة مقابل وفد النظام.

ثم هناك انقسام المعارضة ازاء جنيف2، حيث هناك ثلاثة مواقف رئيسية، تبدو مختلفة، اولها موقف اعلن موافقته على الذهاب قريباً مع تصورات الداعين للمؤتمر في امكانية الوصول الى معالجة للوضع السوري، وهذا هو موقف هيئة التنسيق وقوى اخرى قريبة منها، والثاني موقف يرفض المشاركة في المؤتمر لانه لايضمن رحيل النظام ورئيس النظام، ويتبنى الجيش السوري الحر هذا الموقف، وقد انضم اليه المجلس الوطني السوري في قرار امانته العامة الاخير، والموقف الثالث، هو للائتلاف السوري الذي يفترض ان يقرر موقفه في دورة جمعيته العامة بعد ايام بما يتوافق مع توجهاته الاساسية، التي سعى رئيس الائتلاف الى تأكيد جوهرها في امكانية مشاركة الائتلاف، اذا توفرت ظروف من بينها ضرورة تأمين غطاء عربي واسلامي للمشاركة، ووجود ضمانات دولية لحكومة انتقالية وبرنامج زمني يؤديان الى رحيل النظام.

وسط تلك التعقيدات في مواقف المعارضة السورية، يبدو موقف المعارضة ضعيفاً، وهو ضعف يضاف الى ضعفها العام ممثلاً في تشتتها وانقسامها ونمو جماعات التطرف القومي والديني في البلاد وخاصة لجهة توسع قوة ونفوذ الدولة الاسلامية في العراق والشام "داعش" وجبهة النصرة المحسوبتين على تنظيم القاعدة، بالتزامن مع اختلال توازنات القوة القائمة على الارض بين قوى المعارضة العسكرية وقوة النظام، وفي ضعف الدعم الاقليمي والدولي السياسي والمادي للمعارضة مقارنة بما يقدمه حلفاء النظام له من دعم سياسي وعسكري ومادي يجعله قادراً على الاستمرار في حربه على السوريين لاخضاعهم، وكلها عوامل تضاف الى الانهاك الشديد الذي يصيب القطاعات الاوسع من السوريين نتيجة تدهور اوضاعهم المادية والمعاشية والانسانية، التي وصلت حد الكارثة، مما اضعف الحاضنة الشعبية للمعارضة بكل تنظيماتها وقواها.

الشيء الاساسي في مؤتمر جنيف2، انه يطرح بوصفه ممراً اجبارياً لبداية حل سياسي للوضع السوري بعد ان كثرت التأكيدات على عدم وجود حل عسكري للوضع، وقد استحكمت قواه المحليه في مواقع سياسية وعسكرية لا تمكنها من النصر، ولاتسمح بهزيمتها الى حد انتصار فريق على آخر بالقوة المسلحة.

والامر في الخلاصة يفرض على المعارضة تعاملاً مسؤولاً مع جنيف2، لان مابعده (اذا عقد) سيكون مختلفاً عما قبله، وهذا يفرض على المعارضة بكل تجمعاتها وجماعاتها التدقيق في موضوع جنيف2، ومايحيط به وبها وبالقضية السورية من ظروف وبيئات بحيث يمكنها اتخاذ القرار الصائب والافضل حول المشاركة في جنيف2 او عدم المشاركة.

ان التدقيق في تفاصيل ومايحيط بالقضية السورية، يبين على نحو واضح، ان ثمة توافق اقليمي ودولي على فتح حل للوضع السوري، وهذا مايمثله جنيف2، او اي جهد اخر سيأتي بعده اذا فشل جنيف2، بمعنى ان امراً كهذا سيكون ممراً مفروضاً للحل في المدى المنظور، مما يعني ان حضور جنيف او غيره، وان كان لا يلبي طموحات المعارضة واهداف ثورة السوريين، فان الغياب عنه سيكون اكثر ضرراً، وسيعطي النظام قوة اكبر في حربه ضد الشعب والثورة وضد المعارضة، ويعزز فرص بقائه في الفترة القريبة القادمة.

ويتطلب الوضع السابق بمافيه من اكراه سياسي للمعارضة في الذهاب الى بوابة الحل السياسي سواء في جنيف او غيره وحدتها او وحدة برنامجها وتكتيكاتها، وكلها امور ممكنة اذا توفر فهم عميق وارادة صادقة في اخراج الوضع السوري مما صار اليه من انسدادات، تدفع لاستمرار النظام في مسار القتل والتهجير والتدمير، وفي تصاعد الصراعات المسلحة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، التي يتنامى فيها التطرف الديني والقومي الموازي لتطرف النظام.

واذا كان من الصعب في ضوء التجربة توحيد المعارضة وتوحيد برنامجها، فان من الممكن الانطلاق من اقامة توافق لها حول بوابة الحل السياسي على نحو ماتمت صياغة برامج ومواقف سابقة في المجلس الوطني وهيئة التنسيق والائتلاف السوري، وهذا سيساعد في تقريب مواقفها وتعزيز علاقاتها، ويمهد لعمل مشترك رغم الاختلافات الايدلوجية والسياسية القائمة بين مختلف الاطراف فيها.

ان المحتوى الاساسي لمؤتمر جنيف2، يقوم على مضمون جنيف واحد بنقاطه الست المعروفة، التي تؤكد الانتقال نحو نظام ديمقراطي جديد، يوفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين، وكلها بين المسلمات، غير انه وللوصول الى ذلك عبر المفاوضات، لابد ان تتوفر بيئة مناسبة، تقوم على اربع عناصر اساسية، اولها حاضنة دولية لرعاية المؤتمر، وثانيها ضمانات دولية بتنفيذ مقررات المؤتمر وفق جدول زمني، والثالث وفد موحد للمعارضة اساسه الائتلاف باعتباره اوسع تمثيل سياسي سوري، والرابع خطوات تنفيذية من النظام، توحي بانه سيتعامل بصورة جدية مع جنيف2 ومقرراته، وابرز الخطوات اطلاق المعتقلين وفك الحصار عن المناطق المحاصرة والسماح بادخال المساعدات وبدء عودة المهجرين الى مناطقهم.

ووفق هذا المحتوى لبوابة الحل السياسي، يمكن تشكيل فريق موحد يمثل المعارضة، يكون مسؤولاً عن ادارة ملف الحل السياسي والتعامل معه انطلاقاً من التوافقات المحددة، والتي ينبغي ان يتم الاحتكام اليها في تقدير الموقف من القضايا المستجدة وفي طريقة التعامل معها، بل ان المطلوب في هذا الجانب توفير طواقم من الخبرات السياسية والدبلوماسية والاعلامية لتدعم فريق العمل الموحد، وتساعده في ادارة الملف حيث دعت الحاجة.

ان المعارضة السورية امام تحدي حقيقي يطرحه جنيف2 باعتباره بوابة لحل سياسي للقضية السورية. والسؤال الطبيعي عما اذا كانت المعارضة ستكون بمستوى هذا التحدي ام لا؟. لقد عاشت المعارضة اوضاعاً بائسة في العامين والنصف من عمر الثورة، وعجزت عن مواجهة تحدياتها، والمطلوب اليوم ان تأخذ زمام المبادرة بصورة مختلفة وبعقلية وادوات مختلفة في ظروف ليست اقل صعوبة عما كانت عليه ظروفها السابقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«جنيف 2»: استراتيجية تفاوض

علي العبدالله *

الحياة

الثلاثاء 22/10/2013

يثير التحرك الدولي لعقد مؤتمر سلام حول سورية تحت اسم «جنيف 2» أسئلة حول مدى منطقية الدعوة وجديتها، في ضوء مواقف الأطراف المحلية والإقليمية التي لا تجد في المناخ السائد فرصة لعقده، ناهيك عن نجاحه في بلوغ اهدافه المعلنة: تشكيل هيئة حاكمة بصلاحيات كاملة تمهيداً للدخول في مرحلة انتقالية تقود الى نظام ديموقراطي تعددي يلبي تطلعات الشعب السوري.

ومع ذلك، فإن من الحصافة السياسية ان تكون المعارضة جاهزة لملاقاة هذا الاحتمال، مهما كانت نسبة عقده ضئيلة وكان موقفها منه، والتعاطي مع مقتضياته بجدية عبر تحضير الملفات ودرسها ووضع خطط وتصورات لتحقيق هدفها من المشاركة فيه (تحقيق هدف الثورة في التغيير الديموقراطي)، واختيار مرشحين لتمثيل المعارضة فيه، ووضع خطة تفاوضية والتدرب عليها، وأن تكون استعداداتها كاملة حتى لا تؤخذ على حين غرة وتشارك، وهي غير مستعدة بشكل جيد، فتفشل في أداء المهمة وتعود بحصاد هزيل او بعبارة ادق تعود مهزومة.

وأولى القضايا التي يجب دراستها، وتكوين صورة دقيقة وواضحة عنها، خريطة القوى المحلية والإقليمية والدولية ومواقفها وأدوارها ومدى انخراطها في الصراع وعمقه، ومدى تلبية «جنيف2 « لمصالحها، ومدى التزامها بإنجاحه، ودراسة موقف الدول الصديقة والمدى الذي يمكن المراهنة عليها في دعم المعارضة في مطالبها، وإمكانية نجاح المؤتمر، ووضع تقدير موقف حول المؤتمر في ضوء توازن القوى.

ان وضع خريطة دقيقة ومحددة لقوى النظام وحلفائه، ولقوى الثورة وحلفائها، ولمواقفها من وثيقة «جنيف1 «، بالإضافة الى موقف المجتمع الدولي من الصراع والمؤتمر، ستمنح المعارضة القدرة على تقدير امكانية عقد المؤتمر من عدمه وفرص نجاحه وما يمكن ان تحققه من اهداف الثورة من خلاله، وأخذ القرار المناسب بالمشاركة او عدمها ووضع تصور لإخراج هذا الموقف بحيث تكون عند حسن ظن الثوار بها ومن دون ان تصطدم مع المجتمع الدولي ولا مع الدول الصديقة.

وفي حال كان القرار بالمشاركة، إن نتيجة للدراسة او تحت الضغط الدولي، فإن الخطوة التالية ستكون وضع خطة تفاوضية من مستويين، مستوى التحضير للمؤتمر، ومستوى عقد المؤتمر ونتائجه المحتملة.

في المستوى الاول، لا بد من بيئة مواتية لعقد المؤتمر ولنجاحه، وهذا يستدعي الاتفاق على مرجعية محدد للمؤتمر. فالحديث المطلق حول وثيقة «جنيف1» غير كاف لضبط عملية التفاوض. صحيح ان ثمة توافقاً على ان البحث سيتناول تشكيل هيئة حاكمة من النظام والمعارضة، لكن الصحيح ايضاً ان ثمة قراءتين لهذا البند من وثيقة «جنيف1» حيث يقول النظام وحلفاؤه ان ذلك لا يشمل الصلاحيات العسكرية والأمنية والبنك المركزي، في حين تقول المعارضة وحلفاؤها انه يشمل كل الصلاحيات بما فيها الجيش والأمن والبنك المركزي.

لذا يجب العمل من اجل الاتفاق على قراءة موحدة لهذا البند تنسجم مع قراءة المعارضة له، وإصدار الاتفاق في قرار من مجلس الأمن الدولي يجعله ملزماً بحيث ننهي احتمال توظيف الاختلاف على قراءته في افشال المؤتمر او دفعه خارج هدفه الرئيس: هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات، واعتبار هذه القراءة معياراً للمشاركة فيه. وهذا اذا حصل سيسمح للمعارضة بالدخول في مرحلة ثانية من مستدعيات توفير بيئة مناسبة بالمطالبة بتنفيذ بنود خطة السيد كوفي انان الستة: وقف اطلاق النار، سحب الجيش، الإفراج عن المعتقلين، السماح بالتظاهر السلمي، السماح للإعلام بالدخول لتغطية الأحداث، السماح بدخول المساعدات الإنسانية، كمدخل لتبريد الأجواء وتهدئه التوترات ووضع الساحة السورية على عتبة الدخول في أجواء توافق وطني.

اذا استطاعت المعارضة ان تحقق مطلبها هذا في الاتفاق على قراءة موحدة وملزمة لوثيقة «جنيف1» تكون قد حصّنت موقفها التفاوضي قبل ان تدخل قاعة المؤتمر، ويصبح الطريق لتحديد الدول التي ستشارك فيه سالكة وضمان الا تشارك دول تسعى للعرقلة او لإخراج المؤتمر عن هدفه الرئيس: نقل السلطة الى هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات، كما سيمنحها تنفيذ البنود الستة فرصة كشف واقع النظام وافتقاره الى الشرعية الشعبية عبر النزول الى الشوارع واحتلال الساحات في المدن والبلدات والقرى.

في المستوى الثاني، مستوى عقد المؤتمر، لا بد من الاتفاق على تشكيلة وفد النظام، والحرص على استبعاد القتلة والمجرمين الذين سفكوا الدم السوري ودمروا المدن والبلدات والقرى، والدول التي ستحضر وفق معيار الموافقة على القراءة الموحدة المذكور اعلاه، ووضع جدول زمني يحدد الفترة الزمنية التي سيستغرقها المؤتمر، وتحديد الجلسات التي يجب عقدها للوصول الى هدف المؤتمر: تشكيل هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات، والجلسات التي ستبحث برنامج المرحلة الانتقالية التي ستبدأ من اليوم الاول لتسلم الهيئة الحاكمة لصلاحياتها الى وضع دستور جديد وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية مروراً بإعادة هيكلة الجيش والأمن وحفظ مؤسسات الدولة ومنع الفوضى وضبط الامن في عموم البلاد وإعادة النازحين واللاجئين ومباشرة اعادة الإعمار.

ان انجاز التحضيرات والجاهزية الشاملة دليل اضافي على جدية المعارضة وأهليتها لتمثيل الثورة والمشاركة في صوغ مستقبل سورية السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهذا يستدعي عملاً جاداً ودؤوباً يبدأ بحوار داخلي بين مكونات المعارضة وبينها وبين قوى وفعاليات الثورة والتواصل الفعال مع المجتمع السوري عبر قواه السياسية ومنظمات المجتمع المدني والفعاليات الاجتماعية لتوحيد الرؤية والموقف إزاء المؤتمر العتيد، والاتفاق على تشكيل وفد موحد من قوى المعارضة والثورة. كما يستدعي تحركاً واسعاً مع الدول الشقيقة والصديقة ومع المنظمات الاقليمية (جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي، مجموعة عدم الانحياز، الاتحاد الافريقي) والدولية (الامم المتحدة بمؤسساتها السياسية والحقوقية والقانونية) ومنظمات المجتمع المدني في العالم (الاحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية والإنسانية) للتذكير بحقيقة ما يجري في سورية: ثورة شعبية ضد نظام استبدادي وفاسد، وشرح موقف المعارضة من المؤتمر والمخرج المناسب لتلبية تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة.

يستحق الشعب السوري بعد هذه التضحيات الكبيرة والصبر على القتل والتدمير والنزوح واللجوء، والمعاناة القاسية التي كابدها لعقود ان يصل الى بر الامان بتحقيق اهداف ثورته في اقامة نظام ديموقراطي تعددي يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات اساسه المواطنة وسيادة القانون وعدم التمييز بين المواطنين لأي اعتبار ديني او مذهبي او عرقي او جنسي او مناطقي. سورية الجديدة هذه تعويض عادل للثمن الباهظ الذي دفعه السوريون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"جنيف ـ2" وحديث "الثوابت" في زمن المتغيّرات

د. عبدالله تركماني()

المستقبل

الاربعاء 23/10/2013

يبدو أنّ الحلول الأمنية والعسكرية في سوريا مقفلة ومن الصعب التوصل عبرها إلى حل ما سوى الدولة الفاشلة التي تتنازعها الجماعات المسلحة، مما يفرض ضرورة الولوج إلى حل سياسي تدار آلياته تحت إشراف وضمانات الأمم المتحدة، لإنشاء إطار تفاوضي للتوصل إلى حل داخل سوريا، وهو فرصة لتجنيب السوريين مزيداً من الدماء. ومن هنا فإنّ رفض جنيف 2 يعطي سلطة الأمر الواقع الفرصة للهروب إلى الأمام وتحقيق مكاسب ديبلوماسية ثم توظيفها سياسياً وعسكرياً لمحاصرة الثورة.

ومن أجل الوصول إلى الحل الذي يستجيب لمطامح الشعب السوري في الحرية والكرامة يجدر بوفد المعارضة السورية إلى مفاوضات جنيف 2 معرفة أهداف وفد السلطة إلى المفاوضات، من أجل ترويضها وتذليلها لتتناسب مع طموحات الشعب السوري، من خلال عرض وتبادل وتقريب وتكييف وجهات النظر واستخدام كافة أساليب الإقناع والضغط الإقليمي والدولي للحفاظ على المصالح العليا للدولة السورية. وفي هذا السياق يجب أن لا ننسى أنّ أطراف التفاوض ليسوا فقط الأطراف المباشرة للعملية التفاوضية، وإنما هناك أطراف غير مباشرة تلعب دوراً من وراء الكواليس، وهي قوى الضغط، المحلية والإقليمية والدولية، التي لها مصلحة في توجيه الأطراف التفاوضية المباشرة.

ومن أجل الوصول إلى الحل المنشود نقترح للمفاوضين من المعارضة خريطة الطريق التالية:

(1) - إدراج القضية السورية في إطار الموجة العالمية الرابعة للدمقرطة، بهدف الاستقواء بالتوجهات العامة للمجتمع الدولي، وقطع الطريق على وسم الثورة السورية بالتطرف والإرهاب.

(2) - الأداء التفاوضي هو محصلة لعامل القدرة أساساً، ويمكن تحقيق القدرة التفاوضية من خلال حسن الاختيار للمفاوضين ممن تتوفر فيهم القدرات والخصائص والمؤهلات. كما ترتبط القوة التفاوضية بعدة جوانب تبدأ أهمها بحدود أو مدى السلطة والتفويض الذي تم منحه للمفاوضين وإطار الحركة المسموح لهم بالسير فيه وعدم تعديه أو اختراقه. وإزاء تسابق الأطراف المختلفة للمعارضة لتمثيل الشعب السوري في المفاوضات القادمة يجدر الاعتراف بأنّ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الذي نال الاعتراف من الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو المظلة للوفد المفاوض الذاهب إلى جنيف 2.

(3) - يجب أن تكون أسس التفاوض مكتوبة ومعلنة لكافة عناصر الفريق المفاوض، حتى يكون كل منهم على بينة من الأمر واعياً لحدود الحركة واتجاهاتها، وإن كان يحق لرئيس فريق التفاوض وضع حدود أدنى من التي وضعت للفريق لكي يتحرك بحدود مرحلية وفقاً لما يراه من تطورات أو اتجاهات لفريق السلطة.

(4) باعتبار أنّ أية عملية تفاوضية لا تتم في إطار من عدم المعرفة، فإنّ أي مفاوض ناجح يحتاج الى توافر كم مناسب من البيانات والمعلومات، وتعد المعلومات جانباً أساسياً وهاماً يعتمد عليه الحوار التفاوضي لتحقيق الهدف في الجولات التفاوضية. والحد الأدنى للمعلومات التي يجب توافرها للقيام بعملية تفاوض ناجحة هي في الإجابة عن الأسئلة التالية: من نحن، من هو الخصم، ماذا نريد، كيف نستطيع تحقيق ما نريد، هل يمكن تحقيق الذي نريده دفعة واحدة أم على مراحل، وما هي الأهداف المرحلية وكيفية تحقيقها، ما الذي نحتاجه من دعم وأدوات ووسائل وأفراد للوصول إلى تلك الأهداف ؟

وبناء على هذه المعلومات يتم وضع برنامج زمني للتفاوض محدد المهام ومحدد الأهداف وتتاح له الإمكانيات وتوفر له الموارد، ووفقاً لذلك يتم متابعة العملية التفاوضية والتأكد باستمرار من أنّ المفاوضات تسير في الطريق السليم المرسوم لها.

(5) - لا بد من وجود أمانة تقوم بالتنسيق بين أعضاء الوفد المفاوض من سياسيين وتقنيين، تقوم بحساب درجة الترابط والتفاعل بين كل القضايا المطروحة على طاولة المفاوضات. وباعتبار أنّ الثورة السورية لا تستجدي التغيير يجب أن يكون وفد المعارضة المفاوض محاطاً بمجموعة من القانونيين والحكماء والإعلاميين، وخاصة من أولئك الديبلوماسيين السوريين المنشقين العارفين بفن وعلم التفاوض.

(6) يجب الحصول على ضمانات من القوى الكبرى، من خلال مذكرة اتفاق تحدد آلية التفاوض وبناء الثقة بين الطرفين، على قاعدة تفعيل البنود الستة لـ " جنيف 1 " والتي طرحها المبعوث الدولي السابق كوفي أنان، وبأنّ رأس النظام وأركان نظامه والأيدي الملطخة بدماء السوريين لن يكون لهم دور في المرحلة الانتقالية، على أن يطرح الوفد المفاوض هذه المطالب في كلمته الافتتاحية. كما يجب ضمان أنّ المفاوضين من طرف سلطة الأمر الواقع مفوضون تفويضاً كاملاً وملزماً، والتأكيد بوضوح على أنّ الحكومة الانتقالية التي ستنبثق عن المفاوضات حكومة كاملة الصلاحيات. ومن أجل تحقيق ذلك ينبغي: توافر ضمانات أنّ رأس النظام ليس جزءاً من الحل، وتشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات تشمل كل الوزارات، وجدول زمني محدد لعملية جنيف 2، وصدور نتائج المؤتمر بقرار دولي ملزم.

(7) - لعل أكبر إشكالية في المفاوضات القادمة هي القناعة الخاطئة أنّ التفاوض يجب أن يفضي إلى أن يفوز طرف بكل شيء ويخسر الطرف الآخر، وأنه لا توجد أرض مشتركة يستطيع الجميع الوقوف عليها. مع العلم أنّ أفضل الاتفاقيات هي تلك التي تحتوي على أفكار ومعطيات من الطرفين لا طرف واحد فقط، كي يتحول التفاوض من عملية تحاور إلى واقع تنفيذي يثمر إلى نتائج ملموسة، تؤدي إلى الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. ومن أجل ذلك لا بد لمفاوضي المعارضة من تحديد الأولويات لا المشاعر، بمعنى تكييف ثوابت الثورة مع تغيّرات موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية.

(8) - الحكومة الانتقالية ينبغي أن تكون سلطة تنفيذية بصلاحيات كاملة، أي أن تحصل على كل السلطات من الأسد.

ومن المؤكد أنّ انعقاد مؤتمر جنيف 2 لا يعني على الإطلاق أنّ أزمة سوريا قد انتهت، بل هو بداية طريق تكتنفه صعوبات كثيرة، لأنّ ملف الأزمة وتداعياتها لم يعد ملك السلطة والمعارضة بل هناك مصالح دولية وإقليمية، ولكل منها حساباتها الخاصة بها. كما يجدر بالمفاوض المعارض أن يحذر من تحوّل المفاوضات إلى غطاء لاستمرار القتل اليومي الذي تمارسه سلطة الأمر الواقع لتحقيق مكاسب على الأرض واعتبارها وقائع دائمة.

() باحث استشاري في مركز الشرق للبحوث

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بتر مخالب دراكولا الموت والرعب واحداً بعد الآخر

محمد فاروق الإمام

يوم أمس حملت لنا الأخبار نبأ مقتل اللواء جامع جامع الذي اقترن اسمه بحقبة الرعب والخوف التي عاشها لبنان خلال احتلال قوات الأسد لها لأكثر من ثلاثين سنة، قتل على يد أبطال الجيش الحر في دير الزور؛ حيث كان ينفذ هذا المخلب الرخيص عمليات القتل والسجن والاعتقال والملاحقة والقمع بحق الثائرين في محافظة دير الزور والمتعاطفين معهم.

اللواء جامع جامع لا تنقصه الشهرة فهو علم – ليس في الفيزياء أو الطب أو الكيمياء – بل في اختراع أساليب الإجرام والقتل وحوك المؤامرات وبث الرعب والخوف حيث يوجد أو يقيم، فهذا الرجل منذ أيام شبابه الأولى كان نجمه يرتقي صعودا في كواليس العالم الاستخباراتي، حتى تسلمه قبل تقاعده بعدة سنوات، رئاسة فرع الأمن العسكري في دير الزور، رأس حربة النظام ضد كتائب الجيش الحر والثوار والشباب المتعاطفين معهم أو الناشطين في الحقل الإعلامي والطبي والإغاثي.

رجل المخابرات جامع جامع سبق أن تصدّر اسمه نشرات الأخبار في العام 2005، حين وضعه رئيس لجنة التحقيق الدولية ومعه فريق "14 آذار" في مقدمة الضباط السوريين المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري، كما دارت شبهات كثيرة حول دوره في اغتيال الرئيس اللبناني رينيه معوض، وظل اسمه يغيب ويظهر إلى الضوء، حتى تولت لجنة التحقيق الدولية نهائيا مهمة إعلان صكوك البراءة ولوائح الاتهام، مبعدة اسمه وأسماء أخرى عن التداول. وأدرج اسمه على اللائحة الأميركية السوداء للاشتباه بدعمه "الإرهاب" وسعيه لزعزعة استقرار لبنان.

وعاد اسم الضابط الأمني الكبير، ليتردد حين تسلم موقعه الأخير، كرئيس لفرع الأمن العسكري في دير الزور بعد عودته من لبنان بفترة قصيرة، حين تولى إلى جانب اللواء غازي كنعان أمن بيروت، في مهمة بدأها كضابط برتبه نقيب واستمر فيها لمدة 20 عاما.

وتصدى هذا الرجل في العامين الأخيرين لمهمة الدفاع عن نظام سيده دراكولا دمشق، فيما كانت المواجهات بين الجيش الحر وشبيحة النظام تستعر في الأحياء المحيطة لدير الزور، حيث كان يرتكب هذا الرجل أفظع المجازر وحشية بحق المدنيين والنساء والأطفال، ويمنع الدواء والماء والغذاء عن دخول المدينة في حصار خانق يفتقر إلى أبسط معايير القيم والأخلاق الإنسانية.

لبنان وشعب لبنان؛ وخاصة العاصمة بيروت يتذكرون بكثير من الألم اسم هذا الرجل يوم كان المسؤول عن مركز "بوريفاج" للمخابرات السورية في بيروت، وكيف كان يشيع الرعب والخوف والابتزاز ويهين أهلها لأكثر من عشرين سنة، وقد كان أحد أعمدة الجهاز الأمني السوري الذي سيطر على لبنان وتولى مسؤولية أمن بيروت وأمن المطار، سياسياً وأمنياً، كما اشتهر مكتب جامع جامع في المشرفية في لبنان بأنه وكر للرعب وابتزاز السياسيين وزرع الفتن فيما بينهم.

فإذا ما قضمت يد الثوار هذا المخلب فهناك العديد من المخالب تنتظر دورها المحتوم سواء على يد الثوار أو على يد رأس النظام أو يده هو؛ كما حدث للواء غازي كنعان الذي كان "رمزاً من رموز الأمن السوري، ورئيس شعبة المخابرات السورية في لبنان مما جعله يعتبر حاكم لبنان الفعلي في الفترة من 1982 حتى ما بعد 2001، ووزير الداخلية في سوريا من تشرين الأول 2003 حتى انتحاره بتاريخ 12 تشرين الأول 2005" وقد وجه له دراكولا دمشق الأوامر بعد أن شك بولائه "إما أن تقتل نفسك وتكون بطلاً وشهيداً أو نقتلك وتكون خائناً وعميلاً"، واختار هذا المخلب الجبان قتل نفسه.

ثم كان مقتل العميد محمد سليمان المستشار الأمني لدراكولا دمشق، الذي اغتيل بمدينة طرطوس السورية، يوم السبت بتاريخ 2 آب 2008 في ظروف غامضة دون الكشف عمن كان وراء اغتياله، وكان سليمان قد تسلم منصب مدير مكتب دراكولا دمشق الخاص، وأصبح يدير غرفة العمليات الخاصة به، والتي تتعلق بنقل الضباط وتسريحهم ومتابعة شؤون الجيش والشؤون الأمنية. وأسس مكتباً خاصاً بالتنسيق مع مكتب المعلومات التابع للقصر الجمهوري لمتابعة الوضع الداخلي، وكل ما يتعلق بالوزارات والمؤسسات الحزبية. وخلال موت الأسد الأب كان سليمان رئيس غرفة العمليات التي تدير الأجهزة الأمنية، وكان المسؤول الأول عن تعيين اللجنة المركزية وأعضاء القيادة القطرية في المؤتمر القطري لحزب البعث عام 2000 ولاحقاً في المؤتمر القطري عام 200.

وبعد ترقيته إلى رتبة عميد، أسندت إليه كافة الملفات المتعلقة بالجيش، وألحقت له رئاسة الأركان ووزارة الدفاع التي أصبحت تحت إمرته مباشرة. وكان العميد سليمان يدير من خلف الستار تعيينات الوزراء والمحافظين، ولم توفر له كل هذه المناصب الحماية أو تحول دون قتله.

أخيراً أقول لهؤلاء المخالب: أما آن لكم أيها البلهاء الذين باعوا أنفسهم للشيطان وارتضوا أن يكونوا عبيداً لدراكولا دمشق يسخرهم لارتكاب جرائمه وبوائقه.. أما آن لكم أن تستفيقوا وتشبوا عن الطوق الذي طوق به دراكولا دمشق أعناقكم وتعتقوا أنفسكم من طوق العبودية إلى رحابة الحرية والكرامة التي يكافح الثوار في سورية للفوز بها وتكونوا إلى جانب شركائكم في الوطن أعزاء كرماء؛ فإنكم ميتون أو مقتولون أو منتحرون إما على يد الثوار أو على يد دراكولا أو على يدكم، فاختاروا أي حياة كريمة أو ميتة ذليلة تريدون!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أيها العرب: دونكم الخريف، أما الربيع فلا تحلموا به!

فيصل القاسم

رغم قوة أجهزتها الاستخباراتية الرهيبة، إلا أن الدول الغربية وأذنابها من طواغيت المنطقة فشلوا فشلاً ذريعاً في استشراف الثورات، أو حتى التنبؤ بها، بدليل أن الاستخبارات الأمريكية اعترفت بأنها فوجئت بالثورات العربية وسرعة اندلاعها. وبدورها لم تستطع الاستخبارات العربية في بلدان الربيع العربي استشعار الحراك المتصاعد الذي أدى أخيراً إلى زلزلة الأرض تحت أقدام الديكتاتوريات. وقد أنب أحد الزعماء العرب أجهزته الأمنية الرهيبة على فشلها في رصد الغليان الشعبي على مدى سنين. لا بل راح يستعيض عن الأجهزة بالجيش لضبط الأمور وتسييرها، بعدما خذلته الأجهزة.

لكن يجب الاعتراف أيضاً أن القوى المتحكمة بالمنطقة وعلى رأسها أمريكا وحلفاؤها من الطواغيت الساقطين والمتساقطين لم يألوا جهداً في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بعد فشلهم في الحيلولة دون اندلاع الثورات. وقد أظهرت الشهور القليلة الماضية كيف استطاعت أمريكا وفلول الأنظمة القديمة في عكس حركة الدومينو، لا بل تحويل الثورات إلى وبال على شعوب البلدان التي قامت فيها.

لقد ثارت الشعوب بالأصل من أجل التغيير والإصلاح، لكن أعداءها في الداخل والخارج عرفوا كيف يضعون العصي في عجلاتها، وحتى فرملتها، وجعلها تحن إلى أيام الطغيان الخوالي، مع الاعتراف طبعاً بأن هناك شريحة شعبية كبيرة ليست نادمة على الثورات مهما كانت التضحيات. لقد نجح الخارج والداخل المتحالف معه حتى الآن في حرف الثورات عن مسارها وتحويل كل واحدة منها باتجاه معين.

في مصر مثلاً عاد النظام السابق منتقماً إلى السلطة بقوة أكبر بكثير. وقد ساعده في ذلك الغضب الشعبي على القيادة الجديدة التي فشلت في تحسين أوضاع الشعب المصري، أو بالأحرى التي تم إفشالها من قبل الدولة العميقة المنتمية للنظام السابق بالتعاون مع قوى عربية وإقليمية ودولية وعلى رأسها أمريكا. بعبارة أخرى، يمكن القول إن الثورة المصرية الأولى التي اندلعت في 25 يناير تبخرت، وحلت محلها ثورة مضادة. ليس هناك أدنى شك أن الثورة المضادة اندلعت بتأييد شعبي كبير، لكن العبرة دائماً بالنتائج، فهل تحسنت الأوضاع بعد إسقاط محمد مرسي، أم أن مصر مقبلة على مستقبل مظلم نتيجة الصراع السياسي والتدهور الاقتصادي؟ لكن هذا الوضع لن يضير المنقلبين على الثورة في الداخل والخارج طالما أنهم أحبطوا الثورة، وجعلوا الشعب يحن إلى أيام الطغيان الخوالي. والسؤال الآن، هل سيقبل الشعب الخدعة التي تعرض لها، ليس دفاعاً عن محمد مرسي، بل لأنه وجد نفسه من جديد في مواجهة النظام القديم؟ لن تنته الأمور هنا، فالوضع يبقى سيالاً في كل الاتجاهات على تعاسته. لكن هذا لا ينفي أن الأمور تعقدت لصالح أعداء الثورة وضد مصالح الثوار.

وحدث ولا حرج عن الوضع في سوريا، فنجاح أعداء الثورة في مصر صب في صالح النظام في سوريا رغم أن النظام السوري من المفترض أنه على عداء مع نظام مبارك في مصر. لكن مع ذلك، نرى الآن أن هناك ما يشبه التحالف غير المعلن بين الانقلابيين في مصر والنظام في سوريا على اعتبار أن الطرفين يواجهان الإسلاميين. أضف إلى ذلك أن إدخال السلاح الكيماوي على خط الثورة السورية نجح في اختزال الثورة السورية في المسألة الكيماوية والجماعات المتطرفة وسط فرحة كبيرة من قبل النظام ومؤيديه.

 

والأمر الأخطر أن حجم الدمار الذي تسبب به النظام في البلاد جعل الشعب والثوار يتجرعون كماً هائلاً من المرارة، لا بل جعل البعض يلعن الساعة التي طالب فيها بالإصلاح والتغيير. ليس هناك أدنى شك أن الثورة السورية تعرضت لضربات مؤلمة جداً من أعدائها في الداخل والخارج على حد سواء لإجهاضها وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لكن من المستحيل أن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل الثورة، فالتحول قد حدث، ولا يمكن لأحد أن يحكم الشعب السوري بالطريقة القديمة كائناً من كان، مع الاعتراف أن الثمن الذي دفعه السوريون باهظ جداً عقاباً لهم على ثورتهم.

وفي ليبيا، صحيح أن الخارج ساعد الليبيين في القضاء على نظام القذافي، لكن هذا لا يعني أنه سيساعدهم في بناء بديل أفضل. على العكس من ذلك، فالانتقام من الثورة الليبية يحدث بطرق مختلفة، وعلى رأسها شرذمة البلاد قبائلياً ومناطقياً وتقطيع أوصالها، بحيث لا تصل الثورة إلى أهدافها. والسؤال: هل يستطيع الشعب الليبي أن يحبط مخططات تحويل الثورة إلى وبال على الليبيين؟ الأمر ليس صعباً.

وفي تونس حاول أعداء الثورة في الداخل والخارج أن يلعبوا اللعبة المصرية بإثارة صراع مرير بين الإسلاميين والعلمانيين وذلك من خلال اغتيال بعض الشخصيات العلمانية، لعل ذلك يشعل فتيل حرب أهلية تجعل الشعب التونسي يكفر بالثورة. لكن أعداء الثورة لم ينجحوا حتى الآن، مع الاعتراف أن الوضع في تونس يبقى سيالاً.

وفي اليمن يختلف الوضع، لكن أهداف إجهاض الثورة وإحباطها كانت موجودة في الطريقة التي تم فيها نقل السلطة من علي عبد الله صالح إلى الرئيس الجديد. لا عجب أن بعض الثوار ردد قائلاً: "وكأنك يا بو زيد ما غزيت"، وذلك تدليلاً على أن التغيير المنشود لم يحصل كما هو مطلوب، وأن ما حصل هو مجرد جائزة ترضية للثوار. لكن أيضاً في اليمن، اللعبة لم تنته. والأيام قد تكون حبلى بالمفاجآت.

ليس غريباً أبداً أن يتكالب القاصي والداني على الثورات العربية، فمنطقتنا مبتلية بثنائي لا يمكن أن يقبلا بأن تمسك الشعوب بزمام أمورها، فإسرائيل تفضل وجود ديكتاتوريات عربية تحميها من غضب الشعوب. وأمريكا تجد أن النفط أغلى بكثير من أن يترك لشعوب المنطقة كي تتصرف به كما تشاء بعيداً عن الأيادي الأمريكية. لهذا فالمطلوب من الشعوب الآن: إما أن تقبل بالموجود، أو أن القوى الكبرى وأذيالها وعملاءها في الداخل مستعدون أن يحولوا حياة البلدان التي ثارت على الطغيان إلى جحيم. طبعاً يجب ألا نستهين أبداً بحجم المؤامرات على الربيع العربي من أعدائه في الداخل والخارج. لكن من المستحيل أن تعود المنطقة إلى ما كانت عليه قبل الثورات بعد أن كسرت جدران الخوف وعرفت أعداءها الحقيقيين داخلياً وخارجياً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دائرة الدم ،،،، رجال حول الأسد

إبراهيم الجبين

العرب- نُشر في 06/10/2013، العدد: 9342، ص(6)]

اعتاد حافظ الأسد، ممارسة لعبة إنماء مراكز القوى في سوريا، وإيصالها إلى الحد الذي يراه هو من القوة والهيمنة على قطاعات من مؤسسات الحكم، ثم معاجلتها بإقصائها المفاجئ أو التدريجي، وهو ما طبقّه على كثيرين من رجالاته منذ أواسط الستينيات وحتى فيما بعد مع شقيقه رفعت الذي وصل الأمر به إلى محاولة الانقلاب على حافظ الأسد نفسه، وانتشرت صورٌ مطبوعة في المناطق التي سكنتها قوات سرايا الدفاع التي أسسها رفعت الأسد، وقد كتب عليها (السيد الرئيس رفعت الأسد) أو (القائد رفعت الأسد) وفي صفقة معروفة، ساهمت فيها دول إقليمية، تم إخراج رفعت الأسد من سوريا إلى المنفى الأوروبي! محمّلاً بما تمكّن من حمله من أموال الخزينة العامة للدولة السورية، ومكاسبه من تجارة الآثار التي تم تهريبها على مدى سنوات من سوريا، بلا رقيب أو حسيب، إضافة إلى عدة مئات من ملايين الدولارت قام العقيد القذافي بدفعها له، بناء على طلب من حافظ الأسد، كما أورد عبدالسلام جلود في شهادته المتلفزة مؤخراً، وقد تم الاتفاق على أن يكون المبلغ على شكل قرض على الدولة السورية، قام الشعب السوري بدفعه من ضرائبه، مقابل خروج رفعت الأسد وترك حافظ الأسد ليستمر في الحكم.

اللواء علي دوبا واللواء علي حيدر واللواء علي أصلان واللواء شفيق فياض واللواء محمد الخولي واللواء ناصيف وآخرون مروا على المشهد الأمني والعسكري في سوريا من أصحاب الرتب الرفيعة تم التخلّص منهم بالتدريج، بعد أن وصلوا إلى حلقة حافظ الأسد الضيقة وسكنوها مؤقتاً، ثم نبذهم منها وسارع إلى إقصائهم، وكانوا يتقبلون هذا بفهم فريد لطبيعة هذا الحكم الفردي المطلق، في الوقت الذي كانت تنمو فيه أسرة حافظ الأسد الصغيرة وتكبر، وصار ابنه باسل الأسد مؤهلاً لخلافة والده، بعد أن انخرط في الجيش السوري وصار مكتبه مرجعاً مهماً في الدولة، بينما بدأ بشنّ حربه على أبناء عمومته من آل الأسد في معاقلهم في اللاذقية، حيث ما كان يعرف وقتها بـ(الشبيحة) قبل أن تنتشر هذه الكلمة بسنوات، وهؤلاء كانوا زعماء مافيات التهريب والمخدرات وتجار الحديد والإسمنت والمواد الممنوعة ( بمفارقة عجيبة) في سوريا، فيزداد فقر البلاد والمواطنين وتزداد ثروة المقربين من الأسد الذي لم يكن يمانع إطلاقاً بأن يتجاوز القريبون منه القوانين ولكن ليس قوانينه هو، فقد حرص على إبقاء صورته فوق كل شبهة، وكذلك فعل من خلال تقديم ابنه باسل كمحارب للفساد وظواهر الشبيحة، ولكن باسل الأسد قتل في (حادث قضاء وقدر لم تعرف أسراره حتى اللحظة) على مدخل مطار دمشق، وفقد حافظ الأسد خليفته، فيروي أقاربه أنه طلب أن ينفرد بجثة باسل الأسد في المستشفى وقضى ساعات طويلة وحده في الغرفة، ثم خرج بعدها بقراره تأهيل بشار الأسد دون أن يضيّع الوقت.

الموت يلاحق دائرة الأسد

ومنذ العام 1994 عام موت ابنه باسل، بدأ حافظ الأسد بالتهاوي، فقد تدهورت صحته بسبب سرطان البروستات الذي سكن جسده، وتعزّزت قوة المحيطين به، ولم يعد قادراً على السيطرة على أركان الحكم، فبالتزامن مع صعود بشار كبطل يحارب الفساد أيضاً، وأوكلت مهمّة الترويج له للسفير الحالي في الأردن بهجت سليمان، والذي كان مديرا للأمن الداخلي في المخابرات السورية، و ضابط أمن سرايا الدفاع ومدير مكتب رفعت الأسد سابقاً، الذي قام بتقديم بشار الأسد كواحد من المثقفين السوريين، مقرّباً منه عدداً من الفنانين والكتاب، دافعاً بصورته إلى الأمام، وقائداً لسيل من التنظيرات التي واكبت صناعة اسمه، كنظرية (ضرورة الفساد) التي أسس لها الدكتور عماد فوزي الشعيبي والتي كان حرص وقتها على التأكيد من خلالها أنه لا بدّ من الفساد كظاهرة عامة وشاملة، كي تتكامل الظروف المواتية لظهور صاحب الكاريزما الذي بإمكانه أن يحارب هذا الفساد الذي ظهر في البر والبحر السوريين!

وازداد نفوذ بهجت سليمان كمتعهّد لمشروع بشار الأسد، وأصبح يعيّن الوزراء والمسؤولين، حامياً ظهره بابن الرئيس، فيما اصطدمت مراكز القوى ببعضها البعض، في تنافر بين المصالح، ما بين سلالة عبدالحليم خدام التي ذهبت إلى التجارة وتأسيس الشركات وجلب الماركات العالمية إلى سوريا، فيما اتجه والدهم إلى التخلي بالتدريج عن ملف لبنان وأمنه والذي تكّفل به طويلا، ليسلّمه لبشار، ويتفرّغ لمناقشة المعارضين السوريين وبعض الأجنحة التي كانت لا تزال تحلم بالإصلاح في حزب البعث، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى كان أبناء العماد مصطفى طلاس الذين أسسوا امبارطوريتهم التجارية بالتوازي مع بقية السلالات المتنفّذة من ورثة القوة التي بدأت تتناثر من حول الأسد.

وبدأ الدرس الأخطر، الذي تلقاه بشار الأسد من والده تلك الفترة، والذي مثّله انعدام ثقته بكل مساعديه باستثناء العائلة الصغيرة التي استأمنها حافظ الأسد على اسمه حين تقدّم طالباً مصاهرتها، آل مخلوف، عائلة زوجته أنيسة مخلوف، والذين كانوا حتى وقت قريب أقل الناس استمتاعاً بالسلطة بمعناه الفاحش في سوريا، واكتفى محمد مخلوف بإدارة البنك العقاري الذي ضمن له تنمية سرطانية لثروته، بفضل عمولات القروض العملاقة التي كان يمنحها من المال العام والتي استمرّ في تقاضيها حتى بعد أن ترك منصبه، إضافة إلى العديد من الصفقات السوداء، ومع إضعاف الشخصيات التقليدية التي كانت أعمدة حكم حافظ الأسد بدأ إنتاج رموزٍ جديدة للمرحلة التي بدأت بموت حافظ الأسد في العام 2000.

وبتطوّر طبيعي لنظام مبني على انعدام الثقة في العمل المؤسساتي، حتى في تلك الأمنية والعسكرية منها، فقد ارتدّ الولاء لينحصر، في انكماش مضطردٍ للنظام القومي الاشتراكي إلى الحلقة العائلية، وأصبحت الدائرة أضيق شيئاً فشيئاً، حتى خالطتها شؤون الأسرة وشجونها، فصار آصف شوكت مركز ثقلٍ في سوريا الأمنية، بفضل زواجه من بشرى الأسد شقيقة بشار، واستمر ماهر الأسد الشقيق الأصغر لبشار بالتمترس خلف غيابه الإعلامي وحضوره العسكري والأمني الذي أخذ يكبر مع استمرار الموافقة الدولية والإقليمية على هذا الشكل من الحكم في سوريا.

وبعد عملية الخلية الأمنة واغتيال آصف شوكت ورفاقه من كبار المسؤولين الأمنيين في دمشق، انحسرت الدائرة الضيقة التي تحيط ببشار الأسد لتقتصر على عدد محدود جداً ممن يعتمد عليهم في محاولة تلافي الانهيار الذي يتعرّض له نظام الأسد المتماسك ذي البنية الصلبة، والتي أخذت في الذوبان حتى مع تمسّكه بالمزيد من القصف والعنف والاعتقال وارتكاب المجازر..

 

ماهر الأسد.. ظلال العم والشقيق الأكبر

لم يعرف عن ماهر الأسد الكثير، سوى اهتمامه بالتمثّل بشخصيتين هما الأسوأ في ذاكرة السوريين، رفعت الأسد وباسل الأسد، الأول بسبب الجرائم الكبرى التي ارتبكها في المدن السورية ومشاركته المباشرة في أحداث حماة والمجازر التي وقعت في سوريا أواخر السبيعينات والثمانينات والثاني باسل، الذي كان ظهوره استفزازاً للسوريين الذين يرون معاناة أبنائهم في شتى صعوبات الحياة، وينظرون إلى ابن حافظ الأسد وهو يمارس رياضة الفروسية ويشتري اللوحات من الفنانين في المعارض بمبالغ كبيرة.

ويشغل المهندس الميكانيكي ماهر الأسد منصب قائد الفرقة الرابعة الخاصة، والتي هي الشكل المتطور لسرايا الدفاع التي أسسها عمه رفعت، بينما تمتد أذرعه لتطال عدداً كبيرا ًوحساساً من مؤسسات الدولة، ونواحي الحياة السورية، فهو المسؤول عن اختيار عدد كبير من رجال الأعمال الصغار، ليكونوا واجهات مالية لأنشطته التجارية المختلفة، وأكبر هؤلاء هو محمد حمشو، الذي أقام صرحاً مالياً ضخماً معتمداً على التجارة بالاتصالات والبناء والقطاع الأكثر خطورة والذي استثمره نظام الأسد جيداً طيلة حكمه، (الدراما السورية) من خلال شركة سوريا الدولية والتي قدّمت أعمالاً ضخمة قامت بتوجيه الرأي العام حسب الاتجاه الذي يضعه الخبراء الأمنيون في المكاتب المعتمة في مراكز اتخاذ القرار، وكذلك قناة الدنيا التي حاولت لعب دور الإعلام الخاص والمستقل والمختلف عن الإعلام الرسمي، وكان لها وما يزال فظائع ارتكبت بحق الشعب السوري، ليس آخرها الحوار الذي أجرته إحدى مذيعاتها مع سيدة تحتضر ثم مع أطفالها بعد أن ماتت أثناء اقتحام الجيش لإحدى ضواحي دمشق.

ولدى ماهر الأسد اهتمامات خاصة ومختلفة في طبيعة المؤسسات التي يضع عينه عليها لتحقيق هدف حفظ النظام، فقد اتجه مبكراً نحو قطاع الشباب، وقام بتعيين صديقه المهندس عمار الساعاتي رئيساً لاتحاد الطلبة السوريين والذي يتولى الإشراف المباشر على قطاع الشباب والطلاب والجامعات في سوريا، أمنياً وعسكرياً، ولديه كتائبه الخاصة التي أسسها لتمارس القمع والقتل والاعتقال منذ بدء أحداث الثورة السورية في آذار 2011.

ويعتبر ماهر الأسد المسؤول عن عدد كبير من المجازر التي وقعت بأمر مباشر منه، وقامت بتنفيذها الفرقة الرابعة التي يقودها، فقد وصفته قناة CNN بأنه (أمين سرّ أسرة الأسد الأب)، على حد وصف جوشوا لانديس، الباحث في جامعة أوكلاهوما، والرجل المكلف بإبقاء العائلة في الحكم، وهو دور يبدو أن الشقيق الأصغر للرئيس السوري يستمتع بالقيام به، إذ ينقل أحد الذين قابلوه شخصيا، بأنه ظهر خلال الاجتماع ببذلته السوداء ونظاراته الشمسية وشعره المصفف إلى الخلف، وكأنه أحد أعضاء المافيا، أما تيودور قطوف، السفير الأمريكي السابق في سوريا، فيقول إن ماهر الأسد (يعتبر نفسه مصدر القوة لآل الأسد)، وتولى ماهر عبر رجال من عائلات كبيرة، بعض أسمائها معروفة للسوريين عمليات مالية كبرى، تمكن من خلالها من ابتزاز رجال أعمال سوريين وعرب، عبر دعوتهم للعمل في سوريا، وتكليف أشخاص من قبله بالإشراف المباشر على أعمالهم والأراضي التي قاموا بشرائها، والمصانع التي بنوها وكلّفـــت مئات المليارات، ولكــــن معظمها توقف ولم يسمح له ماهر بالاستمرار، في ضغــوط كبيرة مارسها على أصحاب رؤوس الأموال تلك.

وقد نشرت عدة صحف إسرائيلية أنباء تتحدث عن لقاءات جمعت ماهر الأسد مع قيادات مخابراتية إسرائيلية تمت في الأراضي الأردنية، في السنوات الأخيرة، ومنها ما كان له الدور الكبير في إعادة إطلاق ما سمّي بالمفواضات غير المباشرة ما بين نظام الأسد والإسرائيليين، ولا يعرف مصير العلاقة الحساسة بين ماهر الأسد وشقيقه، التي ينعكس توترها وتراخيها من خلال مؤيدي كل منهما، فكثيراً ما سمعت في المناطق التي يسكن فيها ضباط وعسكريون يتبعون لماهر الأسد عبارات تنمّ عن الضيق بالفشل الذي وصل إليه بشار في معالجة الأزمة التي تكاد تطيح بالنظام، ونسبت أجهزة استخبارات دولية عدّة إلى مسؤول كبير في النظام إصداره لقرار استخدام السلاح الكيميائي في مناطق عدّة بسوريا، وأشارت مصادر صحفية مختلفة إلى أن المسؤول الكبير لم يكن سوى ماهر الأسد وذلك لانسجام هذا القرار مع تاريخه وطبيعة شخصيته.

رامي مخلوف.. والأذرع الاخطبوطية

لم يكن رامي مخلوف المولود في العام 1969 معروفاً لدى كثير من السوريين، قبل أن يصل بشار الأسد إلى منصب رئاسة الجمهورية، وكان ظلاً خفياً اشتهر بملف واحد هو (ملف الخليوي) الذي احتكر عقوده في سوريا، ومنع بقوة الدولة أي منافس من الاقتراب منه، بحجج مختلفة، أهمّها أن الموضوع أمني وأن الاتصالات ملف يخص الدولة، والدولة هنا هي العائلة، فرامي ابن محمد مخلوف خال بشار الأسد، وهو الذي بدأ يحقق للرئيس الشاب طموحاته المالية، التي اختلف بها بجدراة عن والده حافظ الأسد، الذي أحب أن ينجح فقط بترسيخ سلطته ونقلها إلى أحد أبنائه، ولم يكن معنياً بالثروات، على الأقل لم يعرف عنه هذا، وما ظهر فيما بعد أن بشار الأسد استعمل رامي مخلوف كذراع مالية له، بحيث كانت معظم اجتماعات الرئيس مع ضيوفه من الاقتصاديين وممثلي الدول تنتهي بقوله: سأرتب لكم لقاء مع رامي! ويقوم بإحالتهم إلى ابن خاله، ومستودع أسراره المالية، وكان يطيب لرئيس النظام القول في مقابلاته الصحفية، حين يطرح عليه السؤال عن رامي مخلوف وتضخم ثروته، بأن رامي مواطن سوري وله الحق في العمل في التجارة، مثله مثل بقية السوريين!

أسس رامي شركة الشام القابضة، ثم شركة سيرياتيل، لتكون غطاءه القانوني، وتفرعت عنها عدّة شركات تولت ترتيب الاستثمارات الكبيرة في سوريا، وقد صنّفته الفايننشال تايمز، كمالك لأكثر من( 60٪) من الكتلة النقدية في سوريا، وتوسعت استثماراته التجارية لتشمل قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية والنفط والغاز والبناء والخدمات المصرفية وشركات الطيران والتجزئة، والأسواق الحرّة، وفي وسائل الإعلام مثل صحيفة الوطن ، تلفزيون نينار، وفي شركات الدعاية والإعلان مثل شركة بروميديا، وفي قطاع التعليم كمدرسة الشويفات الدولية، وفي قطاع الصناعة، إذ يملك شركة (ميدل إيست إيلتيل)، وعددا كبيرا من الشركات العامة مثل شركة تى بى راماك، ويحتكر تجارة التبغ والسجائر واستيرادها في عموم سوريا.

وكان اسم رامي مخلوف أول اسم طالب متظاهرو درعا بإسقاطه، قبل المطالبة بإسقاط بشار الأسد، وذلك لأن درعا كانت من أكثر المنافذ الحدودية تضرراً من هيمنة رامي مخلوف على المعابر، بحيث قطعت أرزاق المخلّصين الجمركيين والمهربين الصغار والمستفيدين من التبادل التجاري البسيط ما بين المنطقة الجنوبية في سوريا والأردن والخليج، وقد استثمر رامي مخلوف المليارات في بنوك العالم، وابتعد منذ البداية عن أوروبا الغربية، تجنباً للمساءلة عن مصدر أمواله، فكانت محاولته لإجبار شركة مرسيدس على سحب توكيلها لأسرة سنقر التي استمرت وكيلة للشركة منذ أكثر من خمسين سنة، وقد تدّخل حينها المستشار الألماني غيرهار شرويدر للتوسط لدى بشار الأسد في زيارته لألمانيا كي يفرج رامي مخلوف عن شحنة تحتوي على مئة سيارة مرسيدس مستوردة لصالح القصر الجمهوري يقوم رامي مخلوف بمنعها من المرور من مرفأ طرطوس لشهور عدّة حتى أن الصدأ بدأ يهدّدها بالتلف، مع أنها كانت في عقد موقع ما بين الوكلاء الرسميين وممثلي القصر الجمهوري، ومنذ ذلك الحين اتجه رامي مخلوف للعمل شرقاً مع البنوك الروسية والأكرانية ودول شرق أوروبا، وساعد على إبراز شخصيات مجهولة ظهرت فجأة كرجال أعمال وتجار انتشروا في المنطقة العربية والعالم، في عمليات غسل أموال عرف بعضها والقسط الأكبر ما يزال طي الكتمان.

وورد في تقرير لوزارة الخزانة الأميركية أن (مخلوف تلاعب بالنظام القضائي السوري واستخدم مسؤولي الاستخبارات السورية لترهيب منافسيه في الأعمال، ووظف هذه التقنيات عند محاولة الحصول على تراخيص حصرية لتمثيل شركات أجنبية في سوريا والحصول على منح العقود) وفي 10 مايو من العام 2011 وضع الاتحاد الأوروبي عقوبات على مخلوف بتهمة بتمويل النظام وأعمال العنف التي يمارسها الشبيحة، ولم يفت رامي مخلوف في بداية الثورة السورية أن يعلن اعتزاله العمل التجاري، والتفرغ للعمل الخيري، في محاولة لخداع الرأي العام العالمي أولاً، ثم ما لبث أن أطلق تصريحاته المتعلقة بأمن إسرائيل والتي أراد أن يطل بها من خلال صحيفة النيويورك تايمز في 12 من مايو 2011: قائلاً: “لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا”، وأكّد على أنه “ليس بإمكان أحد أن يضمن ماذا سيحصل إذا حدث شيء للنظام لا سمح الله.. إن قرار الحكومة الآن هو القتال، سنقاتل حتى النهاية ولن نغادر”!

قاسم سليماني.. والشراب اللذيذ

لم يكن حافظ الأسد يسمح لأي من حلفائه بتجاوز خطوطه الحمراء، وكان على رأس قائمة تلك المحرمات، التدخل المنفرد في شأن داخلي سوري، فكانت طاولته مرتبة بحكمة شر تسمح له بتقليب ولاءاته وتحالفاته بإشعار الحلفاء بخطر انهيار التحالف في أية لحظة، وهو ما لم يتمكن بشار ابنه من تطبيقه بعد وراثته الحكم، فحجم التحديات التي واجهت نظامه، الذي بدأ يتغيّر شيئاً فشيئاً ليصبح مختلفاً عن نظام والده، كان كبيراً جداً، تحديات داخلية، وتحديات خارجية، ومتغيرات في المنطقة والعالم، لم يجد الرئيس الشاب، قليل الخبرة، بدّاً من التموضع فيها بصورة تجعله كائناً من كائنات الاختلاط الإقليمي وليس على مسافة منه، فتورّط في المحور الإيراني، وكان لحسن نصرالله الدور الأبرز في إغراق بشار الأسد في الحضن الإيراني أكثر فأكثر، بعد تقدم إيران ووكلائها في عراق ما بعد صدام حسين، وبعد اغتيال الحريري في العام 2005 الذي لم يبق للأسد من حليف سوى حزب الله وبعض الأطراف الأضعف في لبنان، ثم جاء القرار بالتخلّص من اللواء غازي كنعان الذي كان يهدّد المشروع الإيراني في سوريا بفضل خبراته في لبنان، وصراعه الطويل مع مختلف الجهات فيه، ومن ضمنها الإيرانيين أنفسهم، ومن يمثلهم هناك، فأذيع خبر انتحار غازي كنعان في مكتبه، وفقاً للدرس السوري الذي أصبح معتاداً، وبدأت دمشق تشهد حضوراً إيرانياً متزايدا، سواء في العمل التجاري والاستثمارات التي كان آخرها استحداث مصنع للسيارات الإيرانية، وإطلاق تسمية (شام) على خط إنتاجه، في تغطية على العمل الأكثر خطورة، الاستثمار في الإنسان السوري، فانتشرت في سوريا مجموعات التشييع، التي لم يكن الهدف الرئيس لأعمالها نشر الفكر الشيعي، بقدر ما كانت تبحث عن أتباع في أكثر المناطق السورية غنى من حيث الموارد وأكثرها فقراً في كل شؤون الحياة ونواحيها، المنطقة الشرقية السورية، المشرف على هذا المشروع هو قاسم سليماني الجنرال الإيراني ذائع الصيت، الذي ولد عام 1957 في مدينة قُم، والتحق بفيلق الحرس الثوري الإيراني أوائل عام 1980، ليشارك في الحرب العراقية الإيرانية، حيث قاد فيلق (41 ثأر الله) في الحرب ضد الجيش العراقي، وفي 1998 تم تعيينه قائدا لقوة قدس في الحرس الثوري خلفا لأحمد وحيدي، ثم وبأمر مباشر من المرشد علي خامنئي، كلّف سليماني بمسؤولية السياسة الخارجية الإيرانية في كل من (لبنان والعراق وأفغانستان وفلسطين)، وذكرت مصادر استخباراتية أميركية أن سليماني هو من قام بتدريب (المقاتلين العرب) في البوسنة بهدف إرسالهم عبر الحدود الإيرانية الأفغانية في عامي 1996 و1997، ويتهم سليماني بالتدخل في العراق وزعزعة الأمن فيه، كما وصفته صحيفة واشنطن بوست الأميركية بأنه من أهم صناع القرار في السياسة الخارجية الإيرانية، بينما قالت صحيفة الغارديان البريطانية إن (البغداديين يعتقدون أنه الذي يحكم العراق سراً، وأنه ضحى بحياة العديد من العراقيين من أجل مصالح إيران في حربها ضد الولايات المتحدة).

ويحكم سليماني دمشق اليوم بإشرافه المباشر على أعمال الحرس الثوري الإيراني في سوريا، ولواء أبي الفضل العباس القادم من العراق شرقاً، وميليشيات حزب الله المتقدمة من جهة الغرب، وبعلاقاته الغامضة مع الجهاديين العرب من أيام البوسنة والهرسك وأفغانستان، ووجودهم الطاغي شمال سوريا مؤخراً، وكانت صحيفة نيويوركر الأمريكية قد نشرت تحقيقاً مطولاً في 24 أيلول الماضي 2013 أجراه الصحفي ديكستر فيلكينز حول الجنرال قاسم سليماني، وصفه بأنه القائد الفعلي في الظل للحرب الدائرة في سوريا، حيث يتخذ مركزاً لقيادة عملياته التي ينفّذها لخوض القتال في سوريا دفاعاً عن نظام الرئيس بشار الأسد، وكان من مساعديه في دمشق حسن الشاطري الذي قُتل مؤخراً في عملية للمعارضة السورية المسلحة على الطريق الذي يربط العاصمة السورية دمشق بالعاصمة اللبنانية بيروت، وقد أصدر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي بيان نعي قال فيه “في النهاية، لقد شرب الشاطري العصير اللذيذ للاستشهاد”.

بينما تقول نيويوركر أن “سليماني سعى خلال فترة تكليفه بالمهمات في المنطقة، إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط ليكون لصالح إيران، وعمل كصانع قرار سياسي وقوة عسكرية: يغتال الخصوم، يسلّح الحلفاء، ولأكثر من عقد من الزمن، يقود شبكة مجموعات عسكرية قتلت مئات الأميركيين في العراق، وقال سليماني لأحد السياسيين العراقين “الجيش السوري لا ينفع!”. وكان يميل إلى (الباسيج)، الميليشيا الإيرانية التي سحق عناصرها التمردات الشعبية في جميع أنحاء إيران.

وفي أغسطس من العام 2012، ألقى عناصر من الجيش السوري الحر القبض على 48 إيرانياً داخل سوريا. واحتج القادة الإيرانيون زاعمين أنهم حجاج جاؤوا ليصلوا في مقام ديني شيعي، لكن الثوار ووكالات الاستخبارات الغربية قالت إنهم إعضاء في (فيلق القدس) فيلق سليماني، وقد كانوا مهمين لدرجة أن بشار الأسد وافق على إطلاق سراح أكثر من ألفين من السوريين المعتقلين في سجونه مقابل إطلاق الإيرانيين، وفي 5 حزيران ـ يونيو من هذا العام 2013 قرّر قاسم سليماني خوض الحرب على مدينة القصير السورية. وقال ماغواير عميل الاستخبارات الأميركية السابق في العراق، الذي لا يزال ناشطاً في المنطقة “العملية بأكملها كانت من تنظيم سليماني. لقد كانت نصراً عظيماً له” ويعد سليماني من أصحاب العقلية ذاتها التي تعاملت مع الربيع العربي بقسوة شديدة وعنف، ففي تموزـ يوليو من العام 1999، وأثناء خروج التظاهرات الطلابية المعارضة للنظام الإيراني، وقّع سليماني مع غيره من قادة الحرس الثوري، رسالة حذّرت الرئيس الإصلاحي الدكتور محمد خاتمي من أنه في حال لم يقمع الثورة، فإن الجيش الإيراني سيتدخل، وجاء في رسالة القادة العسكريين (لقد نفد صبرنا)، الجنرال الذي يحكم سوريا اليوم هو قاسم سليماني الذي لم يتردد مائير داغان، الرئيس السابق للموساد عند سماعه باسمه بالقول (آه… إنه صديق عزيز).

 

علي مملوك.. العقل المبتكر

اللواء علي مملوك، العقل المخابراتي المختلف عن بقية مجايليه وزملائه من كبار ضباط الأمن السوريين، فقد كان أوّل من سلّح المخابرات السورية بالمراكز البحثية وموّلها وأنفق عليها، كي تقدم له المزيد من المعلومات، وعرفت عنه نظرية تقول: “إن المجتمعات المعقدة في سوريا لا تتقبل أن يطرق بابها رجالنا من عناصر المخابرات السورية لجمع المعلومات، ولكنها تقبل الصحفيين والإحصائيين والباحثين، وعلينا أن نجهّز جيشاً من هؤلاء”. ولد علي مملوك في العام 1945 وفي 20 تموز ـ يوليو 2002 ، نشرت المعارضة السورية وثيقة تحوي قائمة تتضمن 76 اسماً من أسماء ضباط المخابرات السورية مرفقة بموجز لأخطر الجرائم التي تورطوا بارتكابها، ضد حقوق الإنسان في سورية ولبنان، وكان علي مملوك من أبرز الأسماء في تلك القائمة، والذي احتل على مدى أكثر من ربع قرن مهمات حساسة جدا في فرع المخابرات الجوية.

يتحدر اللواء علي مملوك من لواء إسكندرونة، في تركيا حالياً، وكانت أسرة المملوك من أوائل الأسر التي هجرت مسكنها إلى حلب واللاذقية ودمشق، وقاد علي مملوك بعد سنوات، أكبر عملية قمعية أسندت للمخابرات الجوية ضد المعارضة السياسية ضد (حزب التحرير الإسلامي) مطلع التسعينات من القرن الماضي، والتي أسفرت عن تفكيك البنية التنظيمية لهذا الحزب واعتقال حوالي المئتين من قياداته وكوادره المؤهلة تأهيلا علميا عاليا (أطباء، مهندسون، محامون .. إلخ). وقبل ذلك كان العقل المدبّر لعملية الإيقاع بالضباط المشكوك في ولاءاتهم في العام 1986، فتم اعتقال عدد كبير من ضباط الجيش السوري وسجنهم ومحاكمتهم، بحجة البحث عن خيوط مؤامرة انقلابية، إضافة إلى عملية مطاردة أتباع الجنرال ميشيل عون في (بيروت الشرقية) التي كانت تحت سيطرة الجيش السوري. ومن خلال رئاسة اللواء علي مملوك لفرع التحقيق في المخابرات الجوية عرف عنه ممارسة التعذيب بيديه بشكل مباشر، وثبتت عليه اتهامات بتنفيذ ممارسات غاية في الوحشية، مثل اختبار الأسلحة البيولوجية والكيميائية على عشرات المعتقلين السياسيين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين، وقام بابتكار وسائل تعذيب خاصة به، اشتهرت في المنطقة العربية ووثقتها مراكز حقوق الإنسان التي رصدت شهادات الضحايا من المعتقلين المفرج عنهم، والذين كانوا داخل معتقل (خان أبو الشامات) قرب دمشق. وكان علي مملوك صديقاً خاصاً لأحد أشهر طياري سلاح الجو السوري، الطيار بسام العدل الذي هرب بطائرته من طراز ميغ 23 إلى إسرائيل في العام 1989.

انكماش الدائرة وتهافت الراغبين

(دعني أقتل مليونا منهم وأذهب بدلاً عنك إلى لاهاي، يا سيادة الرئيس)..هذه هي أكثر العبارات شهرةً في عصر الثورة السورية، وقد روى السفير السوري في بغداد نواف الفارس للإعلام أن اللواء جميل حسن رئيس فرع إدارة المخابرات الجوية قالها لبشار الأسد مع بداية انطلاق المظاهرات السلمية في المدن السورية في مارس 2011. ويشغل منصب مدير المخابرات الجوية السورية، والذي أظهر، طيلة الوقت، أكبر قدر من الشراسة في التعامل مع ملف الأزمة، ولم يتسامح مع أيٍ من معتقليه، ولم تهتز شعرة في بدنه وهو يشاهد مدينته حمص تتحول إلى حطام، تحت قصف مدافع الأسد، يفعل جميل حسن هذا كلّه في سبيل الدخول إلى الدائرة الضيقة، ومثله فعل وليد المعلم وبثينة شعبان وآخرون..

غير أن الدائرة أغلقت هذه المرة، فلا يعتبر أي مسؤول آخر في جسم النظام السوري ذا شأن مطلقاً، والجميع ينفّذ السياسات التي ترسمها الحلقة الأضيق آنفة الذكر، ويعدّ القرار المتخذ على يد دائرة الموت التي تحيط ببشار الأسد قراراً نافذاً، جميع أعضائها يشترك في التخطيط له، وتطبيق خطواته التي كانت قد أعدّت لها الدراسات المسبقة، في الفترة التي سبقت انطلاق الثورة السورية، ناهيك عن التحضير المستمر للمجتمع السوري للعيش وفقاً لقواعد الاستبداد التي أخضعت كل شيء، ولكن الدائرة تضيق، حتى لا تعدّ أكثر من أصابع اليد الواحدة، ليصبح النظام مجرد جماعة صغيرة أو عصبة، يدعمها التكوين المنظم الذي سبقها ولا يعزّز قوتها اليوم سوى الغطاء الذي تتقاطع عنده خطوطها جميعا.. وهي علامة استفهام السؤال السوري المفتوح.. إسرائيل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل سنشهد ربيع عالمي في الأمم المتحدة

محمد فاروق الإمام

لاشك أن مجلس الأمن يعيش في هذه الأيام موتاً سريرياً بعد أن فقد دوره كمنظمة دولية في إرساء السلم والأمن العالميين لكل دول وشعوب الأرض، وقد بات مرتهناً بيد دولة واحدة بفعل ما تملكه من قرار الرفض (الفيتو)، تشهره في وجه العدالة الدولية بحق أو بغير حق، وأكبر مثال على ذلك استعمال الولايات المتحدة لهذا الحق لنحو سبعين سنة تكريساً لوجود إسرائيل ومصالحها في المنطقة، بغض النظر عما يسببه ذلك من ضياع حقوق الشعب الفلسطيني وقهره وإذلاله وتهجيره من أرضه ووطنه، والتضييق على البقية الباقية منه في العشرين بالمائة من أرضه ومدنه وقراه وبياراته وتاريخه ومقدساته، واليوم تلعب روسية نفس الدور الخسيس تجاه الثورة االسورية والشعب السوري منذ ما يزيد على سنتين، وتقدم الحماية والدعم عبر الفيتو الذي تملكه لنظام دمشق السفاح، الذي يقتل الشعب السوري ويرمل نساءه وييتم أطفاله ويستبيح أعراضه ويدنس مقدساته، ويدمر المدن والبلدات والقرى في طول البلاد وعرضها، ويسوق الآلاف إلى أقبية السجون والمعتقلات، ويدفع بالملايين إلى النزوح داخل الوطن والهجرة خارج حدود الوطن، ويحاصر المدن والبلدات والقرى ويمنع عن المواطنين العزل الماء والغذاء والدواء في عملية تجويع ونزيف دم حتى الموت، ويرتكب أبشع المجازر والمذابح بكل الوسائل الحربية الجهنمية التي يمتلكها ويمده بها الروس والإيرانيين، من الغاز السام إلى صواريخ سكود وبراميل الموت والقنابل الفسفورية والفراغية، مدعوماً بعشرات الآلاف من الخبراء العسكريين الروس والحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب اللات ولواء أبو الفضل العباس، والعنصريين الطائفيين القادمين من اليمن والهند وباكستان وأفغانستان ودول القوقاز، ومن كل بقاع الأرض نصرة وتأييداً لنمرود دمشق الماجن الأفاك.

وجاء اعتذار السعودية عن قبول المشاركة في هذا المجلس بعد أن فازت بأغلبية ساحقة لشغل عضويته غير الدائمة.. جاء هذا الاعتذار حتى لا تكون السعودية شريكاً في كل ما يجري على الساحة الدولية من تضييع للعدالة وتفريط بالحق وقهر للأمم المستضعفة، وعدم الوقوف إلى جانب الشعوب المنتهكة حقوقها أو المقموعة من قبل حكامها الفاشيين الظلمة، كالحال الذي يجري في سورية منذ ما يزيد على سنتين ونصف، دون أن يتمكن هذا المجلس المشلول من إصدار قرار يجبر نمرود دمشق على التوقف عن غيه وجبروته وقهره وظلمه للشعب السوري، الذي ذاق ألواناً من العذابات والقهر ما لم يسجله التاريخ عبر كل صفحاته السوداء التي نقلها لنا المؤرخون، فالذي يجري اليوم في سورية فاق كل ما فعله الصليبيون في بيت المقدس وبلاد الشام وما فعله التتار في قزوين وبغداد وحلب ودمشق، وما فعله الفاشيون والنازيون والبلشفيون والخمير الحمر في بلدانهم وبلدان الجوار، فهل سيحقق الاعتذار السعودي أمنيات وتمنيات أمم الأرض في البدء في إصلاح هذا المجلس، ونرى ربيعاً عالمياً يزهر عدالة ومساواة، ليكون بحق مجلساً يراعي بعدل وإنصاف مصالح الشعوب وحقوق الدول، بغض النظر عن الحجم أو المكانة أو القوة أو الضعف أو الفقر أو الغنى، وتتوافق دول العالم على إلغاء امتلاك أي دولة لحق النقض، مع مراعاة بعض الدول العظمى القوية والفاعلة عسكرياً واقتصادياً، فتعطى حق العضوية الدائمة دون امتلاك حق النقض (الفيتو)، ويتم توسعة المجلس بحيث يكفل التوازن بين كل دول العالم ومكوناته البشرية ويكفل لها الأمن والأمان والعدل والمساواة في أوطانها وفي علاقاتها الإنسانية فيما بينها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 58)

تفقد طلاس للوحدات المؤيدة للرئيس حافظ الأسد

محمد فاروق الإمام

بعد أن أصبحت القيادة العامة للقوات المسلحة في وضع آمن وكذلك القصر الجمهوري ومنزل السيد الرئيس قررت أن أنطلق بزيارات ميدانية لكافة أنواع وصنوف وتشكيلات قواتنا المسلحة, وكان يرافقني بهذه الزيارات العماد علي أصلان نائب رئيس الأركان. وفي كلمتي التوجيهية العامة التي كان يحضرها الضباط وصف الضباط والجنود كنت أهاجم بقسوة الهيمنة الأمريكية وعملاءها في المنطقة ودعم أمريكا غير المحدود للعدو الصهيوني وتحيزها المكشوف له ومعاداة كل هدف يخدم مصلحة الأمة العربية. وكنت أنوه بالمآثر القيادية للرئيس حافظ الأسد ودوره في بناء سورية الحديثة وحرب تشرين وحرب الاستنزاف للدفاع عن استقلال لبنان ليبقى دائماً عربي الوجه واليد واللسان.. كما كنت أشيد بالدور الوطني الذي لعبته المقاومة اللبنانية ضد الجيش الإسرائيلي وضد الجيوش الأجنبية التي جاءت لتشد من أزر إسرائيل ضد أمتنا العربية, وكانت هذه الكلمات تلاقي صدى إيجابياً لدى المستمعين كافة.

وفي اللقاءات الخاصة مع الضباط حتى مستوى قائد كتيبة كنت أضعهم في صورة المؤامرة كاملة وأسمي الأسماء على المكشوف بصراحتي المعهودة, وفي نهاية الجولة كان التشكيل الذي أزوره يقدم لي وثيقة عهد بالدم ولاء للسيد الرئيس.

وكانت أخبار اللقاءات تصل للسيد الرئيس سواء عن طريق القنوات الرسمية أو الخاصة, وكان سعيداً بالنتائج وأن الجولات بدأت تعطي ثمارها ميدانياً وقد سحبت البساط من تحت أقدام رفعت ولم يعد أحد في القوات المسلحة ينخدع بأنه الحارس الأمين لشقيقه سيادة الرئيس.. وسألني القائد الأسد فيما إذا كنت أقوم بهذه الجولات يومياً.. واعترفت للرفيق الأمين العام للحزب بأن العماد مصطفى طلاس لم يعد مثل المقدم طلاس أيام زمان عندما كان يفلح الأرض شرقاً وغرباً في أوائل ثورة الثامن من آذار وإبان الحركة التصحيحية وفي أيام الإعداد لحرب تشرين المجيدة!. فقال: إذن كيف تبرمج وتيرة العمل؟..

فأجبت أقوم بزيارة التشكيلات يوماً وأرتاح في العمل المكتبي يوماً آخر..

فقال: هذا جيد تابع العمل على نفس الوتيرة وذات النهج.

وكان موعد السابع عشر من نيسان 1984م مكرساً للقاء مع الفرقة الخامسة في موقع أزرع, وطلبت إلى قائد الفرقة اللواء (احمد عبد النبي) أن يدعو قيادة الفرع في درعا وأمناء الشعب الحربية كما يدعو كافة الوجهاء والمثقفين والمخاتير وزعماء العشائر في حوران لأن السابع عشر من نيسان هو عيد وطني لكافة شرائح المجتمع ويجب أن يعكس الاحتفال هذه الحقيقة.. ولبى المدعوون جميعاً الدعوة وازدان المكان بصور الرئيس الأسد وأعلام الحزب وأعلام الجمهورية غير أن أمين الفرع (أحمد زنبوعة), والمحافظ (محمد مصطفى ميرو) اعتذرا عن الحضور بحجة أن لديهم جولة حزبية في وادي اليرموك..

قلت لقائد الفرقة: ألم تقل لهم أنني قادم إلى المحافظة بتوجيه من رئيس الجمهورية حافظ الأسد وأن اللقاء رسمي وليس جولة عسكرية أو حزبية..

فقال: والله لقد قلت لهم ذلك ولكنهما آثرا التملص لسبب ما أجهله..

فقلت له: إنهما من المنافقين المرتبطين مع العميد رفعت وسوف أجعلهما يدفعان ثمن الهروب مهما طال الزمن.

علم العميد رفعت الأسد بهذه الزيارات الميدانية فحاول أن يستبق الموضوع وبعث إلى سيادة الرئيس عهداً كاذباً بالدم من سرايا الدفاع ولكن الكلام الذي يخرج من القلب يدخل إلى القلب أما الكلام الذي يخرج من اللسان فلا يكاد يتجاوز الآذان ومن هذا المنطلق لم يجد (عهد النفاق بالدم) الذي أرسله العميد رفعت أي صدى لدى سيادة الرئيس.

وبعد اثنتي وستين جولة ميدانية إلى المناطق العسكرية كافة وتشكيلات قواتنا المسلحة بأنواعها وصنوفها تمت صياغة كتاب (عهد بالدم) الذي قدّمته لسيادة الرئيس في عيد ميلادي الثاني والخمسين أي في 11/5/1984. وكانت المقدمة التي تصدرت وثائق العهد بالدم من أروع ما كتبت في النواحي السياسية والقومية.

 

يوم الجمعة الحزينة 13/4/1984م

في الساعة الخامسة بعد الظهر اتصل اللواء علي حيدر من مقره في معسكرات القابون وأبلغني بأن المعلومات المتوافرة لديه أن سرايا الدفاع بدأت بالتحرك من بين أشجار الزيتون باتجاه دمشق..

وبعد لحظات اتصل العميد عدنان الأسد. قائد سرايا الصراع ضد الدبابات وقال بأن سرايا الدفاع تحركت باتجاه دمشق وأنه يراها من معسكر (المعضمية) بالعين المجردة..

كما أعلمت مفارز المخابرات العسكرية المنتشرة على كافة محاور الطرق المتجهة إلى دمشق بهذا التحرك.. وهتفت إلى الرئيس الأسد وأعلمته بالأمر وبعد أقل من دقيقة هتف الرئيس الأسد وقال لي: لقد اتصلت بالعميد رفعت وأكد لي أن المعلومات التي أعلموك بها كاذبة ولا أساس لها من الصحة.. وقلت للرئيس الأسد: إنني على يقين كامل بأن العميد رفعت قد أمر عناصره بالتحرك وهو يريد أن يكسب الوقت..

وقال لي: سأتصل من جديد وأعلمك..

وبعد خمس دقائق لم يتصل وإنما اتصل العميد عدنان مخلوف قائد الحرس الجمهوري وقال بأن السيد الرئيس قد توجه بمفرده إلى مقر شقيقه رفعت الأسد (في ضواحي المزة) وأعطاه التوجيه التالي: إذا لم أعد بعد ساعة من الآن قل للعماد طلاس أن ينفذ الخطة وعليك في الوقت نفسه أن تعطي التعليمات لقادة الفرق أن لا ينفذوا أي أمر إلا إذا كان صادراً عن العماد طلاس.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 59)

غياب الرئيس حافظ الأسد واضطراب قيادته العسكرية

محمد فاروق الإمام

يقول طلاس معبراً عن قلقه وما أصاب القيادة العسكرية من اضطراب: كانت الساعة التي غاب فيها الأسد عن عرينه تعادل دهراً بكامله (وأن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) كانت القيادة تعيش على أعصابها وكذلك قادة التشكيلات الضاربة لأن المعركة ستكون ضارية ولا أحد منا يريد أن يصاب مواطن بريء بأذى.. وكان العميد رفعت يطبق تكتيكات صديقه ياسر عرفات (أبو عمار) لأن من عادة المذكور الاختباء بين المدنيين حتى لا تطاله الضربة مباشرة. وجاءنا الفرج قبل خمس دقائق من الموعد المحدد لتنفيذ الخطة, فقد تمكن الأسد بحكمته وشجاعته وحنكته من أن ينزع فتيل الأزمة وتم سحب الدبابات من المواقع التي وصلت إليها في جنوب وشمال دمشق. وحتى يعيش القارئ في جو الأحداث سأروي له ما جرى في تلك الجمعة الحزينة.

اتفق الرئيس الأسد مع شقيقه رفعت أن ينتظره رفعت في نهاية طريق (أوتوستراد المزة) ومن هذه النقطة توجها إلى الطريق المحلق الذي يؤدي إلى المطار وإلى دوار (كفر سوسة). وفي دوار (كفر سوسة) ترجل الرئيس وشقيقه وقال له: انظر بعينيك إلى الدبابات التي كنت تزعم أنها لم تتحرك.

وطلب الرئيس الأسد إلى قائد السرية الملازم أول (معين بدران) أن يعيد الدبابات إلى مكان تمركزها, ولكن قائد السرية بقي في مكانه متجاهلاً أوامر سيادة الرئيس وكأنه آخذ سيجارة حشيش: وكان رفعت مسروراً من هذا المنظر لكي يوحي إلى السيد الرئيس بأن الأمور خرجت من يده وأنه غير قادر على لجم اندفاع الضباط وحماسهم في مؤازرته للاستيلاء على السلطة.. هنا خرج الرئيس الأسد عن هدوئه المعهود وقال لقائد السرية بصوت قصم ظهره: أنا قلت لك أرجع الدبابات إلى أماكنها فوراً، عندها صعد العميد رفعت بحركة مسرحية على ظهر الدبابة وصفع الملازم معين كفاً على خده قائلاً له: نفذ أوامر الرئيس هل أنت أطرش لا تسمع.. وعادت الدبابات إلى أماكنها وعاد الرئيس الأسد والعميد رفعت كل إلى مقر قيادته، وهكذا انزاحت الغيمة السوداء عن صدورنا وعن صدر الوطن.

خطة القيادة في مجابهة سرايا الدفاع

لم نضع خطة عملياتية لمجابهة المشكلة التي نواجهها لسبب بسيط وهو اختلال ميزان القوى وميلانه بشكل راجح إلى جانب الرئيس الأسد، وكانت سرايا الدفاع تعادل واحد إلى عشرة بالنسبة لقوة الجيش البرية، بالإضافة إلى سلاح الطيران وقوات الدفاع الجوي وسلاح المدفعية والصواريخ والاستطلاع والهندسة والتسليح، وكافة وحدات وتشكيلات القيادة العامة هي مع الرئيس الأسد حُكماً، وإذا كان هناك بعض الخروقات فقد انقلب المنافقون على أعقابهم بمجرد الإعلان أن رفعت الأسد أصبح مناهضاً للنظام، وقد سُحبت عنه مظلة أخيه الرئيس الأسد وغدا بمفرده يحيط به بعض أصحاب المصالح والوصوليين مثل محمد حيدر نائب رئيس مجلس الوزراء السابق، والعماد ناجي جميل رئيس مكتب الأمن القومي والقوى الجوية السابق، وحفنة من المرتزقة تذكرنا بقول الشاعر سليمان العيسى يصف جماهير المنافقين والانبطاحيين والإمّعات من الاتحاد القومي في حلب الذين هرعوا إلى المطار وتزاحموا مثل الكلاب على الطريدة الميتة ولم يتركوا مجالاً للمثقفين وأصحاب الشأن للقيام بواجبهم.

والتفت شاعرنا وقد أضاع "شاروخه" في الزحمة إلى زميله المقدم مروان السباعي المسؤول الأمني في المنطقة الشمالية وقال له:

وحولك "ركّة" تدعى اتحاداً .. فخذ نعلاً ودق بها وآجر

ومع كل هذه الحقائق والتوضيحات فقد وضعنا تصوراً لمجابهة التمرد على الشكل التالي:

لدى تحرّك وحدات سرايا الدفاع لاحتلال الأهداف الرئيسية في مدينة دمشق يقوم سلاح الطيران بتوجيه ضربة كثيفة بالقنابل الارتجاجية والصواريخ المضادة للدبابات مدتها ثلاثون دقيقة، بعد ذلك تقوم صواريخ أرض – أرض بتوجيه ضربة نارية إلى مواقع الخصم وبنفس الوقت تقوم طائرات "الغازيل" وال "ميج 25" التي تحمل صواريخ "جو – أرض" بالتحليق فوق التشكيلات المناوئة لضرب أي تحرك!. كما تقوم بنفس المهمة وحدات سرايا الصراع ضد الدبابات واللواء(65) (احتياط القيادة العامة المضاد للدبابات).

في اللحظة نفسها ومع بداية الضربة الجوية يكون الرئيس الأسد والعماد رئيس الأركان ونائب رئيس الأركان لشؤون العمليات والتدريب وعدد من الضباط الأمراء والمساعدين من الاختصاصات كافة قد غادروا دمشق إلى موقع قيادة تبادلي في معسكرات الجلاء (الكسوة) ويبقى اللواء (91) دبابات كحراسة مباشرة لمقر القيادة بينما تتوجه باقي ألوية الفرقة لتشتبك مباشرة مع ما تبقى من سرايا الدفاع في معسكر "المعضميّة" وتكون الفرقة التاسعة نسقاً ثانياً للفرقة الأولى لمتابعة مهمتها إذا لزم الأمر..

كما تقوم الفرقة الثالثة بالاستيلاء على مقرات وحدات سرايا الدفاع في موقع "يعفور" وكان موقع تمركزها الميداني في (وادي القرن) يساعدها على إنجاز المهمة وتكون الفرقة السابعة كاحتياط للفرقة الثالثة إذا لزم الأمر.

وتم الاتفاق أن أظلّ في مقر القيادة الرئيسي ومعي رئيس هيئة العمليات وقائد القوى الجوية وقائد الدفاع الجوي ورؤساء الهيئات التي لها علاقة بالتأمين القتالي (المادي والفني والطبي).

كان قادة التشكيلات يحثونني على إقناع الرئيس الأسد بتنفيذ الخطة وكذلك أجهزة القيادة العامة جميعاً، وكان أكثر المتحمسين العماد حكمت الشهابي والعماد أصلان واللواء علي دوبا وقادة الفرق كافة.. وكنت أقول لهم:

لقد كلمت الرئيس ثلاث مرات حول الموضوع وكان جوابه الوحيد: أبو فراس اتركوا لي هذا الموضوع فأنا أعالجه بحكمة وعلى نار هادئة.. يجب أن تظلوا في حالة الجاهزية الكاملة وعيونكم مفتوحة.. فقلت له: إن أعصاب الرفاق محروقة.. فقال: أعطيهم مهدئات.. وكنت أنقل للرفاق في القيادة والتشكيلات المقاتلة توجيهات السيد الرئيس.. ومع ذلك كانوا يلحون عليّ يومياً ويقولون: متى نبدأ؟.. وكنت أجيب ظلوا هكذا والإصبع على الزناد. على أن ضغط الضباط القيادة والتشكيلات كان بكفة وضغط زوجتي أم فراس كان بكفة ثانية، فزوجتي بطبعها محروقة ولذلك كل يوم وعبر القناة الهاتفية تطالبني بالحسم، وكان جوابي دائماً اتركي لنا هذا الموضوع.. ولكنها لم تيأس فكانت دائماً تلجأ إلى ولداي (فراس ومناف) لكي يعزفا على نفس اللحن ولكن النتيجة كانت واحدة في جميع الحالات، ولم تهدأ الأعصاب وتستقر النفوس إلا بعد أن بدأت المفاوضات الجديّة بين الرئيس الأسد وشقيقه الأصغر لحل الأزمة.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 60 والأخيرة)

محاولة اعتقال رفعت الأسد الفاشلة

محمد فاروق الإمام

كان قادة الفرق والتشكيلات يتكلمون مع العميد رفعت الأسد بقصد إخافته وإرهابه بأن أي تحرّك معادي ضد الرئيس الأسد سوف يجابه بالقوة.. وكانوا ينقلون ردود فعله إلى سيادة الرئيس أولاً ثم إلى القيادة العامة ثانياً، وفي إحدى المرات.. قال له اللواء إبراهيم صافي قائد الفرقة المدرعة الأولى: أخي أبو دريد شو رأيك بأن أدعوك إلى الغداء في مطعم العندليب وهناك تلتقي مع قادة الفرق وتحدثهم بنفسك عن أسباب الأزمة الناشبة بينك وبين سيادة الرئيس بدون مراسلين؟.. وكان جواب العميد رفعت بالموافقة وتم تحديد التوقيت الساعة الثانية بعد الظهر.

أعلمني اللواء إبراهيم صافي بذلك وقال لي: لقد وضعت الرئيس الأسد بالصورة وكذلك العماد حكمت واللواء علي دوبا والشباب محضرون وجاهزون لاعتقاله مع مرافقته.

اتصلت بالرئيس الأسد وقلت له: إذا رفض العميد رفعت الاستسلام وأصر على المقاومة.. ماذا نفعل؟.. فأجاب: إنها شريعة الحرب إما غالباً وإما مغلوباً وأنا لا أريدك إلا غالباً.

جاء نهار الغد ونحن ننتظر ساعة الصفر.. ولكن العميد رفعت كان حذراً مثل القاق الأسود فلم يحضر إلى المكان المذكور وأرسل بدلاً منه ست عربات (C.M.C) بيك آب مزودة بزجاج دخاني تسمح لمن بداخلها فقط أن يرى ولا يُرى.. وهي مملوءة بالعناصر المرقّطة والمبرقعة.

وبدلاً من أن تتوقف أخذت تمر من أمام المطعم لتقول نحن جئنا حسب الموعد.. فماذا تنتظرون؟.. وسألني اللواء صافي: ماذا نفعل؟.. فأجبته: اتركهم وشأنهم وسيعودون إلى وكرهم إذا أبديتم عدم اهتمامكم، وأعلمت الرئيس الأسد بالأمر.. فقال: حسناً تصرفت..

 

بداية المقاومة

في أواخر نيسان من العام 1984م بدأ العميد رفعت يشعر بأن ميزان القوى قد مال لصالح شقيقه الرئيس الأسد لدرجة لم تعد تسمح له بالحركة إطلاقاً فاتصل بشقيقه جميل الأسد ليمهّد له المصالحة مع أخيه وأنه جاهز لأي عمل يرتئيه.. وكان الرئيس الأسد ينتظر بفارغ الصبر انهيار رفعت ورضوخه إلى السلطة، ونجح الرئيس في لعبة عض الأصابع، ومن هذا المنطلق أعلم شقيقه جميل بالموافقة على طلب قائد سرايا الدفاع.. وبدأت المفاوضات الصعبة، ومع أن الرئيس الأسد مقيّم دولياً وعربياً أنه سيد من أتقن فن هذه اللعبة، ولكن في الطرف الآخر هناك أيضاً سيد من ابتزّ أخيه وغير أخيه وبعد أن وافق على الخروج من سورية ثم العودة عندما تهدأ الأمور بدأ يساوم على المبلغ الذي يحتاج إليه للإقامة عدة شهور خارج البلاد حتى تهدأ العاصفة، ومع أن الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي وقائد الحرس الوطني كان يدفع له شهرياً خمسة ملايين دولار كما أن الشيخ خليفة آل ثاني لم يقصّر ومثله ياسر عرفات والشيخ سحيم آل ثاني.. إلخ، فقد طلب مبلغاً من المال بالقطع النادر لم يكن متوافراً في المصرف المركزي لأن الدنيا كما يقول المثل السائد وجوه وأعتاب ونواصي، فمنذ أن تسلّم الدكتور عبد الرؤوف الكسم رئاسة الوزارة فقد خيّمت غمامة من الشؤم على سورية لا مثيل لها.. فمرض الرئيس حافظ الأسد مع أن بنيانه الجسمي متماسك لدرجة تقترب من حدّ الأسطورة، ومات خمسة وزراء في عهده، وأصبح المصرف المركزي خاوياً حتى من الفئران كي لا أقول من الدولارات.. وسُدت منافذ الرزق في وجوه المؤسسات والأفراد وسائر العباد وبدأ الناس في سورية يتساءلون متى ينزاح ظل هذا الغراب عن الرقاب.. المهم فكّر الرئيس الأسد من أين يأتي بالمال اللازم لإشباع فم أخيه رفعت.. وارتأى أن الرئيس معمّر القذافي يمكن أن يكون الشخص الذي يحل هذه المشكلة فأرسل كتاباً خاصاً إلى قائد ثورة الفاتح من أيلول (سبتمبر) مع اللواء محمد الخولي رئيس إدارة المخابرات الجوية، وعندما وصل إلى طرابلس الغرب كان القذافي والحمد لله بمزاج حسن وتذكّر مواقف الأسد القومية في دعم ومؤازرة الثورة الليبية ورد على رسالة الأسد رداً جميلاً وتم تحويل المبلغ بكامله إلى المصرف المركزي وأعطى الرئيس الأسد شقيقه جزءاً منه وبقي الجزء الأكبر احتياطاً للطوارئ الاقتصادية التي كانت تعصف بنا وما كان أكثرها.

وتم الاتفاق على أن تعود سرايا الدفاع لتوضع بتصرف هيئة العمليات في القوات المسلحة، وتم تشذيبها بحيث بقيت في حدود ملاك الفرقة المدرعة زائد كتيبة دبابات مستقلة، كما تم الاتفاق على أن يبقى الفوج (555) بتصرف العميد رفعت كنائب لرئيس الجمهورية مسؤولاً (نظرياً) عن شؤون الأمن لأن الرئيس الأسد أحرص من أن يسلّم أمنه الشخصي وأمن البلاد لرجل لا يتقي الله لا بوطنه ولا بأهله.

كما تم الاتفاق أن يسافر معه إلى موسكو اثنان من الضباط الأمراء طلبهما العميد رفعت شخصياً وهما اللواء شفيق فياض واللواء علي حيدر كما سافر معهم اللواء الخولي وكان ذلك بطلب خاص من العميد رفعت حتى يطمئن أن الطائرة لن تنفجر بعد إقلاعها بالجو، وصدر أمر الإيفاد بتاريخ 28/5/1984م وسافر العماد ناجي جميل مع حاشية العميد رفعت، وما حزّ في نفسي كثيراً أن العماد ناجي هو الذي طلب أن يسافر العميد رفعت، ومع أن الفارق كبير بين رتبة العماد ورتبة العميد، فإن العماد ناجي كان يخاطب العميد رفعت دائماً بكلمة (سيدي) أقول هذا الكلام والغصّة في حلقي لأن للعسكرية هيبة لا يجوز خدشها ولا يجوز مسّها وإلا تصبح العسكرية ضرباً من الانكشارية.

وظل الرفاق قرابة شهر في موسكو، وكان العميد رفعت ومجموعته قد ودّعوا موسكو بعد سلسلة من المقابلات البروتوكولية الشكلية مع المسؤولين السوفييت، وبهذه المناسبة لابد من شهادة حق للتاريخ فقد كان موقف أصدقائنا في موسكو مع الرئيس الأسد قولاً واحداً وكلّفوا رسمياً مستشار قائد الوحدة (569) (سرايا الدفاع) بأن ينقل إليّ عن طريق كبير المستشارين الجنرال "غوردينكو" الحالة النفسية للعميد رفعت وضباطه، وكنت أنقل هذه المعلومات لسيادة الرئيس كما كنت أضع الرفاق في القيادة العامة بالصورة وكانت هذه المعلومات مفيدة للغاية بالنسبة لنا لأنه أمر أساسي لتقدير الموقف أن تعرف حالة الخصم النفسية..

وضاق اللواء شفيق واللواء علي حيدر ذرعاً بالإقامة في موسكو وخشيا أن زحمة أعمال الرئيس الأسد قد تؤخّر صدور الأمر الخاص بعودتهم إلى أرض الوطن، وأرسل إليّ اللواء شفيق رسالة مؤثّرة واتصلت هاتفياً بهم إلى موسكو وطمأنتهم بأن الرئيس لن ينسى أبداً أبناءه، وعندما أعلمت الرئيس بالموضوع استغرب وقال لي: هل أمضيا شهراً في موسكو؟.. وعندما أجبته: نعم.. قال: أصدر نيابة عني الأوامر بعودتهم إلى أرض الوطن.

وهكذا عاد أبو علاء وأبو ياسر من بلاد الغربة، مع أن الإقامة في موسكو ذلك الحين كانت تعتبر مثل الإقامة في باريس باستثناء أن الإقامة في موسكو كانت تكلف أقل بخمس مرات، ولكن شعور المرء أنه يعيش الغربة وأنه ليس ذاهباً بإجازة أو نزهة تجعل الحياة صعبة لا تطاق.

وهكذا أسقط الأسد – كما يقول طلاس - جميع الرهانات المعادية المحلية والعربية والأجنبية التي كانت ترى بوصول العميد رفعت الأسد إلى السلطة هو انضواء سورية تحت المظلة الأمريكية ونهاية لوقفة العز والشموخ التي اتّسمت بها المسيرة التي قادها أمين هذه الأمة.

بهذه الحلقة ختمنا ما جرى في سورية منذ تسلق حفنة من ضباط حزب البعث في الثامن من آذار 1963 جدران السلطة في دمشق غيلة وغدراً، متوخياً الحيادية والموضوعية والمهنية بكل صدق وأمانة، آملاً أن تكون قد أدت الغرض واستوفت الحال، راجياً أن أتمكن في قابل الأيام من تقديم حلقات دقيقة ومفصلة عن حقيقة الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام السوري وما لحق بسورية من تداعيات وأحداث جراء هذا الصراع الدموي، متعهداً أن تكون هذه الحلقات تنبض بالصدق والموضوعية والحيادية دون الانزلاق أو الانحياز إلى أي جهة كانت والله الموفق.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com