العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27-04-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مجرمون يستحقون العقاب!

مشيل كيلو

الشرق الاوسط

السبت 19/4/2014

إكراما لما يزعمونه من وفاء الشعب في سوريا لبشار الأسد ونظامه، وقبيل انتخابه رئيسا للمرة الثالثة لما كان يسمى حتى نشوب ثورة الحرية أواسط مارس (آذار) من عام 2011 «الجمهورية العربية السورية»، كرر الجيش الأسدي استخدام السلاح الكيماوي ضد «مواطنيه المخلصين» في بلدتي كفر زيتا وجوبر، بعد أن فشل في اقتحامهما. وهناك أنباء رفيعة المصداقية حول اعتزامه استخدام السلاح الكيماوي في منطقة الساحل السوري، حيث يمتلك مخزونا كبيرا منه ومن أسلحة بيولوجية فتاكة أخفاها في قواعد عسكرية كقاعدة زاما الصاروخية قرب مدينة جبلة، ومعسكر الشبيبة قرب مصياف.

بما أن استخدام السلاح المحرم دوليا يتم وسط عملية دولية تستهدف تجريده منه، فإن جريمته تغدو مضاعفة، وتستدعي رد فعل دوليا جديا جدا وموحدا، يكون عمليا لا كلاميا هذه المرة، ليس فقط من أجل إنقاذ شعب سوريا بل كذلك شعوب منطقتنا، المهددة بحل عسكري مفتوح على أشد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يهدد كل من يقاوم سحق ثورة الشعب السوري، أو ينخرط فيها، علما بأن الجرائم الناجمة عنه يمكن أن تنتقل في أي لحظة إلى أي بلد من بلدان الشرق العربي والأوسط.

يقدم استخدام السلاح الكيماوي ضد كفر زيتا وجوبر المنكوبتين دليلا إضافيا على عزم النظام إبادة شعب سوريا، وعلى رفضه التقيد بأي قوانين دولية وإنسانية، وتجاهله لإرادة العالم والشرعية الدولية واحتقاره لقراراتهما، وتحديه لهما بصورة سافرة، ويرسل رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي تخيره بين الرضوخ لإرادته وبين الموت بعجزه.

يطالب اتحاد الديمقراطيين السوريين الشرعية الدولية بالتصدي لبؤرة الخطر الداهم، المتمثلة في النظام ذاته، الذي يستخدم السلاح المحرم دوليا، ويعتبر بالتالي مصدر الخطر الذي لا بد من التخلص منه، ومرتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي لم يعرف التاريخ مثيلا لهمجيتها. ويحذر «الاتحاد» من جريمة ستفوق أبعادها أي شيء عرفناه إلى اليوم، هي استخدام السلاح الكيماوي ضد منطقة الساحل، المكتظة بملايين السوريين، الذين جاءوا إليها هربا من الموت في مواطنهم، ويجدون أنفسهم اليوم مهددين بموت جماعي وشيك وشامل!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حازم صاغية

ذبذبة في التحالف الإيرانيّ-السوريّ

الحياة

السبت 19/4/2014

تحالف النظامين السوريّ والإيرانيّ بخير طبعاً، ولا فائدة من نشر الأوهام حول اعتلاله أو سقوطه. هذا لن يحصل. وسيترشّح بشّار الأسد مجدّداً للرئاسة مسلّحاً بهذا التحالف وبإنجازاته في الكيماويّ والبراميل.

مع ذلك، اعترت التحالفَ قبل أيّام ذبذبة تستوقف. الإعلام عكس ذلك كما عكسته الوزيرة السوريّة الفصيحة. فنظام دمشق منع قناتي «المنار» و «الميادين»، وهما حصّة إيران المباشرة، من التغطية المباشرة للتطوّرات الميدانيّة في سوريّة. ذاك أنّ تقاريرهما أكّدت دور الفصائل التابعة لطهران في المعارك، أمّا القوّات النظاميّة السوريّة، وفقاً لتلك التقارير، فبدت كأنّها تغطّ في سبات عميق.

الوزيرة بثينة شعبان ناقضت هذه الصورة، مؤكّدة أنّ «جيشنا الباسل... العربيّ السوريّ» هو الذي يحقّق التقدّم على الأرض، أي أنّه هو الذي يقتل أكثر ويحرق أكثر. وفقط بعد توكيد المبدأ، لحظ الموقف الرسميّ السوريّ التفاصيل، ومفادها أنّ «المنار» و «الميادين» جزء لا يتجزّأ من جبهة المقاومة والممانعة.

في الحالات كافّة، مفهومٌ أن يشعر النظام الأسديّ بشيء من المهانة. فبعد العرافة التي مارسها غير مرّة أمين عام «حزب الله»، محدّداً المراحل التي يمرّ فيها القتال في سوريّة، وكيف أنّ النظام نجا وينجو من السقوط، أعلن قائد سلاح الطيران في «الحرس الثوريّ» الإيرانيّ، أمير علي حجي زادة، «أنّ الأسد ما زال في السلطة لأنّ إيران شاءت ذلك». وهذا وذاك من المواقف استحقّت «ردوداً» مداورة من نوع أنّ «طهران بتصدّيها للعثمنة الجديدة، لا تدافع عن سوريّة، وإنّما عن وجودها بالذات». فالأمر، في النهاية، مصلحة مشتركة لا محلّ فيها للمنّة والتمنين.

لقد خاض جمال عبد الناصر، مطالع الستينات، حرب اليمن وكان مدعوماً من الاتّحاد السوفياتيّ، علماً بأنّ خلافاته مع موسكو كانت لا تزال حادّة في شأن العراق، فضلاً عن التباين في تقويم الوحدة المصريّة – السوريّة التي كانت قد سقطت للتوّ. وهذا ما تناولته خطابات وكتابات وكتب سجاليّة كثيرة صدرت عن الطرفين يومذاك. إلاّ أنّ اصطفاف حرب اليمن دلّ على أنّ الخلاف في مكان ليس بالضرورة خلافاً في كلّ الأمكنة.

فإذا طبّقنا هذا المبدأ على العلاقات السوريّة – الإيرانيّة الراهنة، وتعاملنا بجدّ مع الدعاوى الإيديولوجيّة المعلنة، تبدّت لنا أسباب موضوعيّة للخلاف. هكذا يغدو التنافس على جبهات القتال في سوريّة ظلاًّ من ظلال التنافس العريض. ففي مقابل البعث وقوميّته العربيّة العلمانيّة، هناك النظام الإسلاميّ ودعوته الإيديولوجيّة العابرة للحدود. وفي مقابل التصوّر العروبيّ للعراق ومستقبله، حيث يتمتّع البعث بوجود عريق، هناك التصوّر الإيرانيّ الإلحاقيّ الذي جرى التقليد العروبيّ على وصفه بالشعوبيّة. أمّا في لبنان، وما هو إلاّ خاصرة سوريّة، فبات من الحاسم أنّ طهران وحزبها ومُواليها حلّوا محلّ دمشق وتشكيلاتها الحزبيّة الوطنيّة والتقدّميّة وأجلوهم كلّيّاً عن المشهد.

نبادر إلى تنبيه القارئ أن يضع بنفسه المزدوجات حول الكلمات الواردة أعلاه: فلا العلمانيّة علمانيّة ولا التقدّميّة تقدّميّة. أمّا الذي يبحث عن كتب ومطالعات، كالتي رافقت النزاع المصريّ – السوفياتيّ، تفسّر له اختلاف النظرتين السوريّة والإيرانيّة فعن عبث يبحث. كلّ ما في الأمر، في الحالة التي نحن في صددها، حزازات ومناكفات صغرى وعبارات مموّهة في حواشي المقالات تظهر يوم إثنين وتختفي يوم أربعاء.

وهذا، والحقّ يقال، أقرب إلى سلوك عصابات صلتها بالغنائم القليلة المباشرة أكبر كثيراً من صلتها بالكرامة الوطنيّة والأطروحات الإيديولوجيّة. ولأنّ الغنيمة الكبرى بقاء النظام السوريّ، المشروط باستمرار الدعم الإيرانيّ، فإنّ المسألة لن تكون أكثر من ذبذبة عابرة.

بيد أنّ الذبذبة التي استحضرها تقدّم طفيف على الأرض، تنبّه إلى مسألة أهمّ: كيف ستكون العلاقة بين العصابات حين تحلّ الهزائم محلّ الغنائم الصغرى ولا تبقى إلاّ هي موضوعاً للتنازع؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : اختطاف الآباء المسيحيين ليس باسم الإسلام ، ولا باسم المسلمين ، ولا باسم المشروع الإسلامي

زهير سالم

*مدير مركز الشرق العربي

23.04.2014

كائنا من كان قد اختطف الآباء المسيحيين ، أو اختطف أي إعلامي أو صحفي أو ناشط وناشطة على الأرض السورية ؛ يقتضينا المقام أن نوضح بلغة واضحة لا لبس فيها ، أن الخطف للمدنيين والمسالمين وحملة رسالة السلام والحب والكلمة والحقيقة لا يمكن أن يحسب في حال لا على الإسلام ولا على المسلمين ولا أصحاب المشروع الإسلامي من الصادقين والجادين .

ليس باسم الإسلام فقد أرسى الإسلام منذ ألف وخمسمائة عام قواعد أساسية لقانون الحرب قبل أن يعرف العالم أن للحرب قانونا يجب أن يحترم ويصان ، وكان مما جاء فيه عن رجال الدين ( وستجدون رجالا قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ) ..

وليس باسم المسلمين فعمر المجتمع السوري بأديانه ومذاهبه وأعراقه قريبا من ألف وأربع مائة عام ، تنامى وجودها جميعا في مضامير القسط والبر والود والتعاون والمحبة والسلام والإخاء ..

وليس باسم المشروع الإسلامي الوطني لأن المشروع الإسلامي الوطني أعلن منذ تاريخ طويل ومع ولادة الدولة القطرية السورية وحدة المجتمع السوري على قاعدة السواء بين أبنائه ، وطرح دائما إيمانه بمجتمع أسنان المشط تظلله دولة إسلامية مدنية ( لا كهنوتية ) ترفع فوق رؤوس المواطنين جميعا مظلتها للعدل والبر والقسط.

نذكر بهذه الحقائق ، والأشقاء المسيحيون يعيشون في سورية والعالم أيام فصحهم ، لنتساءل كم كان إنسانيا وإسلاميا وجميلا لو تذكرتها اليد القاسية الغليظة التي تحتجز المطرانين من مدينة حلب : يوحنا إبراهيم وبولس يازجي منذ عام فقامت برد حريتهما التي سلبت منهما بغيا وعدوانا .

ونذكر بهذه الحقائق والأب باولو داليلو المغيب منذ ثمانية أشهر، وهو الذي كان سفير الصدق للثورة والثوار في سورية ، ما يزال في محبسه لنتساءل كم كان جميلا من هؤلاء الخاطفين لو أنهم أعادوا تقدير أبعاد فعلتهم فأعادوا للأب داليلو حريته وأعادوه مع شقيقيه المطرانين هدية عيد لكل السوريين وليس للمسيحيين منهم فقط .. ..

نذكّر بهذه الحقائق اليوم ونذكّر معها بحقيقتين اثنتين ..

الأولى نذكر أن أساليب عصابة الجريمة المتسلطة على سورية في إيقاع الفتنة بين المسلمين والمسيحيين بكل الطرق والأساليب والتي كان منها : مؤامرة ميشيل سماحة المنكرة التي كان من مقتضاها أن يقتل مسيحيي مثل ( يهوذا الاسخريوطي ) مطارنة المسيحيين وكبراءهم في لبنان الشقيق ، ثم يُتهم بالجريمة المسلمون . وفي الجريمة المؤامرة المنظورة أمام القضاء اللبناني ثمرة مرة لشجرة الشر التي قال في مثلها السيد المسيح : من ثمارهم تعرفونه . جريمة ميشيل سماحة واقعة موثقة وليست حكاية أو أسطورة يرويها متعصب تكفيري أصولي كما تعودوا أن يقولوا .

ثم بالأمس يوم وقف بشار الأسد في معلولا يتباكى على المسيحية دون أن يسأله سائل كم هو عمر معلولا شاهد الحضارة السورية في التاريخ . وحين يخرج صوت راهبة مجهولة – رغد – عبر إذاعة الفاتيكان تحكي عن وطنها سورية ما حكته ( سالومي ) عن نبي الله يحيى ( يوحنا المعمدان ) من حقنا كسوريين أن نتساءل أين غاب أو غيّب صوت راهبات معلولا اللواتي نطقن بعد إطلاق سراحهن بالحق والصدق وبفصل الخطاب ..؟!

والحقيقة الثانية التي نريد أن نؤكد عليها ..

هي دور المسيحيين السوريين واللبنانيين في ريادة عصر النهضة ، وبالتبشير بفجر الحرية ، وبتحملهم مع بقية أبناء وطنهم عبء مشروع التحرير والتنوير ، ومن هذه الحقائق التاريخية نؤكد أنه ليس بإمكان كائن من كان أن يكرس المسيحيين في سورية وفي لبنان عبيدا في مدارس الاستبداد ، ولا أتباعا لمستبد فاسد . ولن تقل جريمة هؤلاء الذين يخونون أول ما يخونون رسالة المسيح نفسها ، كما يخونون الوجود المسيحي نفسه عن جريمة ( يهوذا الاسخريوطي ) أو جريمة ( ميشيل سماحة ) الكريهة والمقيتة نفسها ..

المقام ليس مقام شجب وإدانة واستنكار لنشجب ونستنكر وندين باسم الإسلام ، وباسم والمسلمين ، وباسم أصحاب المشروع الإسلامي في سورية أي عدوان يستهدف أي مظهر من مظاهر الوجود الروحي أو الديني الإسلامي والمسيحي ؛ بل المقام مقام توضيح وبيان نؤكد من خلاله أن الضرب على وتر العصبية الدينية : الإسلامية – المسيحية هو جزء بنيوي من خطة الجريمة المنظمة للإيقاع بين أبناء المجتمع السوري الواحد . وأن الأيدي التي اختطفت الآباء الكنسيين المسيحيين ، والتي تخطف الصحفيين والناشطين هي أيد تعمل بوعي أو بغيره في تنفيذ الخطة القذرة نفسها . كما إن كل المحاولات المريبة التي تنساق في السياق الذرائعي المفتعل لتكريس المسيحيين السوريين كحماة لمشروع الاستبداد أو متترسين به هي وجه آخر للجريمة القذرة ...

الحرية لكل المظلومين في سورية ، الحرية للمعتقلين والموقوفين والمختطفين ..

والحرية في أيام الفصح خاصة للمطرانين : الأب يوحنا إبراهيم – والأب بولس يازجي بعد مرور سنة على اختطافهما المستنكر الأثيم ..

والحرية لسفير الثورة السورية للعالم المسيحي ألأب باولو داليلو ..

لندن 22 / جمادى الآخرة 1435

22 / 4 / 2014

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد إذ يطلق نيراناً صديقة

بيسان الشيخ

الحياة

السبت 19/4/2014

كشف اغتيال ثلاثة اعلاميين من قناة «المنار» التابعة لـ «حزب الله» في بلدة معلولا السورية أخيراً بوادر أزمة بين النظام السوري و «حلفائه» المقاتلين الى جانبه. ففي الوقت الذي نسبت القناة والآلة الاعلامية المحيطة بـ «حزب الله» مقتل الصحافيين الى قوات المعارضة، تبين أن ثمة ثغرات تجعل تلك الرواية غير متماسكة حتى لدى شرائح واسعة من جمهور الحزب نفسه. ذاك أن الاحتفال بـ «تطهير» معلولا والمناطق المحيطة بها من «الارهابيين» المزعومين وما رافقه من توزيع حلوى كان تم قبل وقت غير قليل من مقتل الشبان اللبنانيين الثلاثة برصاص قنص استهدفهم بشكل مباشر، لا باشتباكات لم تعد دائرة أصلاً.

وتأتي تلك الحادثة بمثابة ذروة في سياق متراكم من الضيق والتبرم السوري مما قد يعتبر في عرف نظام البعث «تجاوزات» أقدم عليها رفاق السلاح إعلامياً وسياسياً. فكانت وزارة الإعلام السورية اتخذت بداية تدابير من شأنها التضييق على تغطية قناتي «الميادين» و «المنار» لساحات المعارك، إلى أن تقرر منعهما كلياً لأسباب «تنظيمية بحتة» على ما قيل، بعدما انكفأ المراسلون عن مقابلة جنود سوريين واكتفوا بإظهار مقاتلين لبنانيين وعراقيين.

لكن «المنار» التي تبث من بيروت ولها باع في تغطية الحروب والاشتباكات بغض النظر عن موقفها السياسي، لم تذعن لقرار حظر لم تعتد عليه، فأرسلت فرق عملها ضمن وحدات المقاتلين التابعين لـ «حزب الله» ظناً أو أملاً ربما بأن أركان حرب النظام السوري قد يقيمون لهم استثناء.

ويعطف على ذلك ما نسب الى مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان من أن «بعض المحطات الصديقة أقدمت على بث مقابلات وتقارير توحي بأن سورية ودولتها لم تكن لتصمد لولا دعم فلان وفلان من الدول والاحزاب، وهذا أمر مرفوض. سورية صمدت بشعبها الذي قدم الى الآن أكثر من ربع مليون شهيد». وإذ توظف شعبان ضحايا النظام في معركة بقائه فتمنحهم لقب «شهداء»، لم ينفعها كثيراً أن عادت وتراجعت عن أقوالها. ذاك أن الحرس الثوري الايراني أعلن على لسان أحد مسؤوليه أنه «لولا الدعم الايراني لخسر الأسد المعركة»، وهو ما أعاد تأكيده نائب الامين العام لـ «حزب الله» نعيم قاسم حين قال: «لولا وقوف الحزب مع نظام الاســـد لكان سقط في ساعتين». أما أمين عام الحزب حسن نصرالله، فذهب أبعد من ذلك في إحدى اطلالاته الأخيرة، إذ أعرب عن استعداده للقتال بنفـــسه في سورية إذا دعت الحـــاجة، وهو ما لم يصــدر عن أي مسؤول سوري ولا حتى عن بشار الاسد نفسه!

والى ذلك، وفي الوقت الذي يخوض النظام معركة الرئاسة بصفتها استجابة لرغبة السوريين «المدنيين» في مواجهة القوى التكفيرية، ونجح الى حد بعيد في تسويق نفسه دولياً كمفاوض يحمي الاقليات، قفز له الشيخ نعيم قاسم من جديد، وسبقه الى اعلان ترشيحه لولاية رئاسية جديدة مطالباً المعارضة السورية بالقبول به، فيما يقف بلده (لبنان) عند مفترق رئاسي لم يتخذ الحزب منه موقفاً واضحاً بعد.

وبعيداً من التصريحات والمواقف السياسية المعلنة، كان الاحتقان بدأ يعتمل منذ فترة في نفوس السوريين واللبنانيين (من جمهور النظام والحزب) على حد سواء وإن لم تتخذ شكل النقاش الفكري او السياسي. فعدا عن الأشكال المختلفة للاحتفال بـ «نصر يبرود» و«القصير» و«معركة القلمون» من بهرجة في الشوارع أو حملات تلفزيونية، وأقراص مدمجة تصدح بموسيقى النصر الذي لا يأتي على ذكر الجيش السوري، او نظام الأسد، طفت على السطح فوارق اجتماعية - طائفية ما عادت «القضية» قادرة على إخفائها. فالبيئة المقربة من دوائر الأسد لا تجد في سلوكيات «حزب الله» ومقاتليه انعكاساً لخياراتها ولا تجمعها بهم قواسم حياتية مشتركة، لا بل تنظر اليهم على أنهم أقرب الى «المتشددين السنّة» الذين يفترض أنها تقاتلهم. وهو ما ظهر جلياً في دمشق اخيراً خلال إحياء مراسم «عاشوراء»، وامتعاض الدمشقيين من إضفاء طابع ديني «شيعي» على المظهر العام واستقطاب بعض الشباب اليه. وفي منطقة الساحل السوري حيث أمسك الحزب بزمام الامور لفترة وجيزة ثم اضطر الى تسليم مواقعه الى «اللجان الشعبية» خصوصاً في المناطق المختلطة «اقلوياً»، والمحاذية للمسيحيين.

وكما يمتعض «البعثيون» السوريون من أدبيات «النصر الإلهي» وتمجيد «المجاهدين» في المقاومة، فإن بيئة «حزب الله» في المقابل، لا تستسيغ الخطاب «العلماني» الذي يتغنى به النظام، لا بل شاعت في بيروت نكات ساخرة عن تقاعس الجيش السوري وتراخي عناصره وعدم خبرتهم في القتال، خصوصاً أن «العلويين منهم ينصرفون الى شرب الخمر، فيما السنّة غير موثوق فيهم». فهم (أي الجنود السنّة في الجيش السوري) إن لم ينشقوا في أي لحظة قد يقومون بتصفية رفاقهم وهو ما حدث فعلياً في بداية الاشتباكات ومشاركة «حزب الله» فيها.

لعل طول الأزمة عرّى ما لم يكن في الحسبان. فإضافة الى الجهل المتبادل بين قاعدتي الهرمين والاختلاف العميق بينهما، كشفت حادثة اغتيال الصحافيين وجهاً «لبنانياً» لـ «حزب الله» وسلوكاً بعثياً متجذراً لدى نظام الأسد. فالأول اعتقد أن الإنجاز العسكري يمنحه سلطة وحصانة في سورية كما في لبنان، والثاني لا يعرف معنى للشراكة ما لم تكن تحت إمرته فلا يتورع عن التذكير بقدرته على اطلاق «نيران صديقة» حين تدعو الحاجة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ولادة عسيرة لرئيس لبنان بانتظار التجديد للأسد

سليم نصار

الحياة

السبت 19/4/2014

عرضت صالات السينما في بيروت وطرابلس عام 1958، فيلماً طريفاً اشترك في بطولته طوني كيرتس وهاري باليفونتي تحت عنوان «التحدي الكبير». ويروي الفيلم حكاية أسيرَيْن نجحا في الهرب من السجن، على رغم الأصفاد التي تغلل يديهما وتعيق ابتعاد الواحد عن الآخر. وهكذا اكتشفا، وهما يركضان هرباً من رجال الشرطة، أن حريتهما مقيّدة عملياً برباط معدني. لذلك اتفقا على البحث عمّن يحطم أصفادهما بحيث يستطيع كل واحد منهما مواصلة طريقه على نحو مستقل.

ولوحظ في حينه أن إقبال اللبنانيين على مشاهدة ذلك الفيلم كان مرتبطاً بالتمزق السياسي الذي أبعد تيار الناصريين عن تيار حلف بغداد بزعامة الرئيس كميل شمعون وسامي الصلح.

ومثل ذلك الانشطار السياسي والعقائدي ينسحب على الوضع القائم في لبنان اليوم. خصوصاً أن جماعة 14 آذار افتتحت البازار الانتخابي بالحديث عن حاجة لبنان إلى رئيس «قوي» يعيد الاعتبار إلى الطائفة المسيحية المهمّشة، وإلى قصر بعبدا الذي جرّده اتفاق الطائف من الصلاحيات المعطاة له في دستور 1926 وميثاق 1943.

في إحدى جلسات طاولة الحوار، حاول الرئيس ميشال سليمان عرض استراتيجية وطنية للدفاع مستوحاة من الدستور والقوانين ومستلزمات العيش المشترك وقرارات الشرعية الدولية. وتوقع الرئيس أن يحلّ العرض الذي طرحه إشكالية سلاح «حزب الله.»

ولكن كيف؟

جاء في اقتراح رئيس الجمهورية: «ضرورة التوافق على الأطر والآليات المناسبة لاستعمال سلاح المقاومة ولتحديد إمرته، ولإقرار وضعه بتصرف الجيش المولج حصراً باستعمال عناصر القوة، وذلك لدعمه في خططه العسكرية».

في تعليقه على اقتراح الرئيس، تحدث في حينه باسم 14 آذار النائب بطرس حرب، الذي اعترض على اعتراف الرئيس بالمقاومة كجسم مستقل عن الدولة.

وفي رده على العرض الذي تقدم به الرئيس ميشال سليمان، قال المتحدث باسم «حزب الله» إنه «مهما ازدادت أهمية الجيش فلن يتمكن من كسر العدو، لأن الشعب هو المدافع الأول عن الوطن. والمجتمع المقاوم هو الأساس في الاستراتيجية الدفاعية». وكان بهذا الكلام يحدد مهمات الجيش المدافع عن الدولة ومؤسساتها... ومهمات المقاومة المدافعة عن الشعب الذي انبثقت منه.

ويرى الفريق المحايد أن تنفيذ رؤية الرئيس يحتاج إلى إلغاء الطائفية السياسية كما تنص المادة 95 من الدستور. وعندها فقط تنتقل مقاومة «حزب الله» من القوقعة المذهبية، كحزب يقتصر تكوينه على الشيعة، لتصبح مقاومة وطنية مشَكَلة من مختلف أطياف المجتمع اللبناني وطوائفه المتعددة.

ويرى المراقبون أن التطورات السياسية والعسكرية التي حدثت في سورية، خلال السنوات الثلاث الماضية، قد حسمت هذا الإشكال المزمِن لمصلحة «حزب الله.» والسبب أنه تدخّل في الوقت الحرج لإنقاذ النظام وتغيير ميزان القوى على ساحات المعركة. وهو حالياً يستعد للإشراف على عملية إعادة انتخاب الرئيس بشار الأسد في منتصف حزيران (يونيو).

ومن المتوقع أن يختار «حزب الله» فريقاً مدرباً وموثوقاً لملء الفراغ الذي سيتركه قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، الذي نقلته طهران إلى العراق لدعم مرشحها نوري المالكي.

وفي رأي المحللين، فان إدارة باراك أوباما تُعتَبر المسؤولة الأولى عن بقاء نظام بشار الأسد، بسبب الخلافات القائمة بين وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع تشاك هيغل. فالأول يستند في موقفه الصدامي إلى توصيات الجنرال ديفيد بترايوس الذي شغل منصب قائد القوات في العراق وأفغانستان. وكان يسعى إلى تنفيذ خطة تسليح مقاتلي المعارضة السورية، إلى جانب توسيع تدريبهم. كذلك طالب بضرورة تحديد أماكن محظورة للطيران، كالتي تقررت في حرب العراق.

وزير الدفاع هيغل، عارض مطالب زميله لأنها، في نظره، تورط بلاده في حرب إقليمية مكلفة كالحرب التي أغرقت الجيش في معارك الاستنزاف داخل العراق وأفغانستان. وقد وجد هذا الموقف السلبي تأييداً من رئيس الأركان الجنرال مارتن ديمبسي، الذي ادّعى بأن الاشتراك في الحرب السورية سيكلف الخزينة الأميركية خمسين مليون دولار يومياً. ووصفها بأنها حرب بلا نهاية كونها تستمد استمرارها من اندفاع روسيا وإيران.

بين هذين الموقفين المتعارضين، اتخذ الرئيس أوباما موقفاً متحفظاً انتهى بالمصادقة على تزويد ثوار سورية بسلاح نوعي متطور ضد الدبابات، وتوسيع خطة التدريب لمئة مقاتل كل شهر. وقد وافقت الإدارة الأميركية على زيادة العدد إلى ستمئة كل شهر، على أن يتم تدريبهم في الأردن وقطر.

منذ أسبوعين نُشرت على الإنترنت أفلام تُظهِر الثوار في سورية وهم يحملون صواريخ متطورة مضادة للدبابات والمصفحات. وأعلن قائدهم أن الصواريخ نُقِلت من ترسانات الجيش الأميركي. علماً أن السلاح المتطور يثير قلقاً في البنتاغون بسبب الخوف من انتقاله إلى أيدي جماعة «القاعدة» وأنصارها.

وتحاشياً لهذا المأزق، اكتشفت واشنطن نوعاً جديداً من الثوار الذين يحملون لقب «الإسلاميين المعتدلين.» وقد حصلوا على بعض الأسلحة وفق شروط مشدّدة. ويقدّر النظام السوري أن هذا الاختبار سيفشل مثلما فشل اختبار «طالبان المعتدلة» في أفغانستان.

حقيقة الأمر أن تراجع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ناتج من ثلاثة أسباب مرتبطة باستراتيجية السياسة الخارجية التي وضعها أوباما:

أولاً- استقلال الطاقة، ومعنى هذا أن أميركا في عام 2016 لن تستهلك نفطاً مصدره الشرق الأوسط، وإنما ستصبح أكبر بلد منتج للنفط في العالم... أكبر من روسيا ومن السعودية. وقد اتفقت مع كندا والمكسيك على التعويض عن أي نقص في هذه المادة الحيوية.

ثانياً- يرى أوباما أن سياسة سلفه جورج بوش قد فتحت للبلاد جرحاً نازفاً في أفغانستان والعراق. كما أن «الربيع العربي» كان بمثابة عملية مرهقة، أفسحت المجال لظهور ثلاث قوى غير عربية هي: إيران وتركيا وإسرائيل. وعليه، قرر الرئيس الأميركي أن يتعامل مع الواقع حفاظاً على مصالح بلاده.

ثالثاً- من المُلاحظ أن مركز الاهتمام الدولي قد نقل مصالح الولايات المتحدة من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى. وهذا يعني أن واشنطن أصبحت مشغولة بتطور الصين والهند وتايوان وجنوب شرقي آسيا. ويتوقع الإسرائيليون أن يخف اهتمام أميركا بدولتهم وحليفتها التاريخية بريطانيا، بينما تصبح استراليا واليابان وكوريا الجنوبية هي البدائل في سلم الأولويات.

ومثل هذا التغيير الواسع في استراتيجية واشنطن الخارجية، أبعدها تدريجياً عن أصدقائها التقليديين في الشرق الأوسط كالسعودية ولبنان والبحرين. أما علاقتها مع الأردن، فهي باقية بفضل قوة الاستمرار. خصوصاً بعدما سقط المبرر الأميركي للحفاظ عليها سابقاً، كجدار واقٍ يمنع إسرائيل من الوصول إلى نفط الخليج. حيال هذا التحول العميق، لوحظ أن واشنطن تتعاطى بعدم اهتمام مع انتخابات الجزائر ومصر والعراق ولبنان. وكل ما ذكره مساعد وزير الخارجية، لاري سيلفرمان، كان من نوع رفع العتب. وقد ذكر، أمام لجنة العلاقات الخارجية في المجلس النيابي، أن الإدارة قررت الابتعاد عن لعبة الأسماء في انتخابات الرئاسة اللبنانية، وانفتاحها على كل الخيارات بما في ذلك تعديل الدستور، وإعطاء أولوية لتوافق اللبنانيين حول اسم الرئيس المقبل.

وكان بهذا الإعلان يحدد مواصفات الرئيس المقبل بـ «التوافقية» المُستَبعَدَة في ظل الوضع القائم. والسبب أن السيد حسن نصرالله حدد، في المقابلة المسهبة التي أجراها مع جريدة «السفير»، خريطة الطريق لعام 2014، ما لم تحدث مفاجأة تبدل في الوضع القائم.

قال إن برنامج رئيس الجمهورية المقبل يجب أن يوافق عليه «حزب الله». وإن الحزب ملتزم استمرار المقاومة ضد إسرائيل... وحماية نظام الأسد في سورية.

وهذا معناه، بحسب قاموس «حزب الله»، إبعاد كل المرشحين الذين يرفضون الانصياع لهذا المنطق... وانتخاب رئيس يتبنى شعارات المقاومة، ويسمح بعودة النفوذ السوري إلى لبنان.

ويبدو أن هذا الإملاء السياسي أنتج ردود فعل غاضبة لدى الكتل المنتمية إلى السنّة والمسيحيين والدروز، وكأن انتصار نصرالله في سورية حقق له انتصاراً آخر في لبنان. وقد تبدّت هذه الحقيقة للجناح المعتدل في «حزب الله»، الأمر الذي دفع بنائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم إلى انتهاج خط مهادن يساوي بين اللبنانيين، ولا يميّز طائفة عن أخرى.

وفي لقائه مع أهالي منطقة الشياح، قال لهم الشيخ قاسم: «لا يوجد في لبنان توازن دقيق بين ما يُسمّى 8 آذار و14 آذار. لا هم أكثرية ولا نحن أكثرية. ولو افترضنا العكس، فان طبيعة التوازنات لا تسمح بالغلبة، لأننا بذلك يمكن أن نوجد حالاً من الصدام لا ينتهي. ويبقى التفاهم هو الخيار الوحيد للوصول إلى نتيجة مُرضية في لبنان».

وزاد على ذلك: «استقرار لبنان هو مطلب إجماع يلتقي حوله الأميركي والعربي واللبناني من جماعة 8 و14 آذار، لأن الفوضى يمكن توظيفها لمصلحة الأزمة السورية. والكل لا يريد ذلك». ثم دعا إلى إنجاز الاستحقاق الانتخابي الرئاسي في موعده، متعهداً بتحسين لغة الحوار مع كل الأطراف التي تهمها مصلحة لبنان.

وعلى رغم تلطيف لغة الأمر والإملاء التي تحدث بها السيد حسن نصرالله، إلا أن مرشحي الرئاسة توقعوا ترجمة كلامه إلى العمل على تأجيل الانتخابات إلى ما بعد 25 أيار (مايو) المقبل. أي إلى منتصف حزيران (يونيو) المقبل، موعد انتخابات التجديد للرئيس بشار الأسد. ومن الطبيعي أن ينعكس انتصار «حزب الله» في سورية على المناخ السياسي اللبناني بحيث يبتسم الحظ لمرشح الحزب الذي بقي اسمه سراً حتى اليوم.

أما السيناريو الذي يراه المشككون بدعم «حزب الله» للحليف العماد ميشال عون، فيتلخص بالتأجيل المتواصل بحيث يقع لبنان في الفراغ السياسي، تماماً مثلما حدث بعد انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود. يومها تولت حكومة فؤاد السنيورة ملء الفراغ، مثلما قد تتولى حكومة تمام سلام المهمة ذاتها في حال تكررت تلك السابقة.

الأميركيون يستبعدون حدوث ذلك الفراغ لأنهم عازمون على مصالحة السعودية وإيران، وأن جدول الأعمال يتضمن زيارة الرئيس حسن روحاني إلى المملكة. وفي تقدير واشنطن أن السعودية تملك في لبنان قوة الرفض، مثلما تملك إيران بواسطة «حزب الله» قوة الفرض. وهذا يقتضي تعاون هاتين الدولتين من أجل انتخاب رئيس لبنان الثالث عشر!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هـل طـال الـطـريق؟

مجاهد مأمون ديرانية

سألني أخ كريم فقال: ها قد أتممنا ثلاثَ سنين ودخلنا في الرابعة. هل تعتبر السنوات الثلاث وقتاً طويلاً؟ وما معيار الوقت الطويل والقصير؟

قلت: هذا سؤال ليس له جواب. لو سألتك: هل تعتبر مليون ليرة ثمناً مناسباً لبيت؟ فإنك سوف تجيب عن سؤالي بسؤال: ما هو هذا البيت؟ أخبرني أولاً عن حجمه وموقعه وصفاته حتى أستطيع تقديم الجواب الصحيح. إن بيتاً من غرفتين ليس كبيت من ستّ غرف، والبيت الكبير ليس بسعر القصر الفاخر، وهو في المدن الكبيرة أغلى منه في القرى والبلدات الصغيرة بكثير.

حسناً، ما الذي “نشتريه” بثورتنا؟

في أول أيام الثورة أراد المتظاهرون في درعا محاسبة المجرم عاطف نجيب وطالَبَ متظاهرو حمص بإقالة المحافظ وتلا متظاهرو بانياس قائمةً بمطالبَ متواضعةٍ منها الفصلُ بين الطلاب والطالبات في المدارس! هل تستحق هذه المنجزات وأمثالُها ربعَ مليون شهيد ونصف مليون مصاب وعشرة ملايين مشرد وملايين المعذَّبين والمعذَّبات، في ثلاث سنين مضت وفيما لا يعلم عددَه من السنين الآتيات إلا الله؟

لو كنا دفعنا ذلك كله من أجل المطالب التي أعلنها المتظاهرون في الأسبوع الأول فإنها لَصفقة خاسرة ظالمة! ولكنْ ماذا عن التخلص من عبودية نصف قرن؟ ماذا عن استرجاع الكرامة والخروج من حياة الذل والهوان (إن كان يصحّ أن تُسمَّى حياة)؟ ماذا عن إعادة ولادة الشعب السوري من جديد؟ ماذا عن تحطيم المؤامرة الرافضية الكبرى لابتلاع بلاد المسلمين؟ ماذا عن إيقاظ الأمة المسلمة واسترجاع عزّها المفقود؟ ألا تستحق هذه المغانم الجليلة العظيمة ما دُفع من ثمن باهظ؟ بل ألا تستحق أن ندفع أكثرَ وأكثرَ لننالها؟

*   *   *

نحن الآن في أول السنة الرابعة. في مثل هذه المرحلة من عمر الدعوة النبوية كان بلال يئنّ تحت الصخرة وهو مطروحٌ على رمل الصحراء اللاهب ويردد بلا انقطاع: “أحَد، أحَد”. في مثل هذه المرحلة من تلك الدعوة العظيمة مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بآل ياسر وهم يعذَّبون، وقد طعن المجرمُ الكافر أبو جهل سميةَ بالرمح في قلبها (أو في فخذها -في رواية أخرى- فنفدت الطعنة إلى فرجها فقتلتها) فقال عمار: يا رسول الله، بلغ منّا العذاب كل مبلغ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صبراً أبا اليقظان”، أو قال: “صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة”.

وربما قريباً من هذه المرحلة جاء أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم إليه -وهو متوسّدٌ بُردةً له في ظل الكعبة- فقالوا: ألا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: “قد كان مَن قبلَكم يُؤخَذ الرجلُ فيُحفَر له في الأرض فيُجعَل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعَل نصفين، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه. والله لَيتمّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.

ثم انتظَروا بعدها تسعَ سنين حتى أتى يومُ الهجرة فتخلّصوا من العذاب وانتقلوا من الخوف والهوان إلى العزّ والأمان، وانتظروا بعدَها قريباً منها حتى جاء يوم الفتح الأكبر. لا أقول إننا سنعاني كل تلك السنين حتى يأتي النصر المبين، فلا يعلم متى يأتي ذلك اليوم العظيم إلا الله، إنما أقول إن المكاسب العظيمة لا تُشترى إلا بالثمن الكبير، وإني لأسأل الله تبارك وتعالى أن يعجّل بالنصر والفرج لأن البلاء الذي أصابنا أعظمُ ممّا أصاب الصحابةَ من بلاء، ولأن عدونا فاق في الخِسّة والإجرام أبا جهل وسائرَ كفار العرب في ذلك الزمان.

*   *   *

يا أهل سوريا الكرام ويا أحرارها ومجاهديها الميامين: لقد أردنا أمراً وأراد الله أمراً، وما أراده الله خيرٌ ممّا أردنا، ولا يختار لنا إلا الخير. أردنا السلامة والدنيّة وأراد الله لنا العُلُوّ والسُّمُو، أردنا مخدّراً نخدّر به الألم الناشئ عن الورم، وأراد الله للورم الخبيث كله أن يُستأصَل من أصله لنتعافى منه إلى الأبد.

قد تطول المحنة وتطول، ولكننا ماضون إلى النصر بإذن الله، سوريا إلى خير بأمر الله. نسأل الله أن لا يحمّلنا ما لا طاقةَ لنا به، وأن يعفو عنا ويثبّتنا وينصرنا على عدونا، والحمد لله على كل حال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الناس بالناس والقطة بالنِّفاس

د. محمود نديم نحاس

عنوان مقالتي مَثَل من بلاد الشام. إذ يُحكى أنه كان هناك حفلة عرس، وكان الناس مشغولين في التحضير لها، فهذا يأتي بالكراسي، وذاك يجهّز القهوة، وآخر مهتم بجلب الطعام والماء، وغيره أخذ على عاتقه تحضير أجهزة الصوت... الخ.

وفي ذلك الحال كان باب الدار مفتوحاً والناس داخلون خارجون، كل واحد يحاول أن يكون جاهزاً قبل موعد وصول الضيوف. وفي أثناء ذلك كانت قطة الدار في حركة دائبة كأهل البيت، تدخل وتخرج مسرعة مثلهم، وكأنها تشاركهم فرحهم. لكن واحداً من أهل البيت، وقد لاحظ عليها تلك الحركة غير العادية، أخذ يرقبها لعله يعرف سرها. ولم يطل به الوقت حتى اكتشف أنها كانت حاملاً على وشك الوضع، وأنها كانت تفتش عن مكان هادئ آمن لكي تجلس فيه وتبدأ نِفاسَها.

ومع تلك الحركة الكثيرة لأهل البيت لم تجد المكان المناسب فأخذت تبحث مسرعة، جيئة وذهاباً. وعندها قال: الناس بالناس، والقطة بالنِّفاس. أي الناس مشغولون بأمورهم المهمة، لكن القطة مشغولة بأمر نِفاسِها. فذهب كلامه مَثَلاً يُقال لمن كان منشغلاً بأمره الخاص الصغير، بينما الناس منشغلون بأمرٍ جَلَل.

تذكرت هذا المَثَل وأنا أقرأ عن الحركة الدؤوبة لكثير من الجهات الإغاثية التي تسعى لتقديم خدماتها المتعددة للسوريين المشردين واللاجئين، لاسيما أولئك الذين أصابتهم البراميل المتفجرة فجعلتهم معاقين. وفي الوقت نفسه تسمع عن أناس يؤمّون مخيمات اللاجئين يبحثون عن الزواج من ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ لم يجدوا ما يساعدون به إخوانهم السوريين إلا بالزواج من بناتهم، مستغلين ظروفهم الصعبة، كي يحصلوا على زوجة دون مهر يُذكر.

وقد كنت من أوائل من كتب حول هذا الموضوع في مقالتي المنشورة هنا بعنوان: نصرة أهل الشام وخط أحمر. وقد أوضحت فيها أن طرق مساندة الشعب السوري كثيرة بَدَأَتْها المملكة بحملة لجمع التبرعات لإعانة الشعب السوري المنكوب، فمن أراد أن يؤازر إخوانه السوريين فيمكنه بذل المال، أو تقديم الطعام والكساء، أو الفرش والغطاء، أو الإسعاف والدواء. ومن نوى المساعدة فسيجد طرقاً وأساليب للمعاضدة لم تخطر على بال غيره.

أما أن يستغل ظروف الناس ليتزوج من بناتهم بثمن بخس دراهم معدودة، فليراجع قلبه، وليتق الله ربه، وليخالف شيطانه. فإن أراد دعم إخوانه المنكوبين فليبذل لهم من ماله، وليؤمّن لهم ما يليق بهم من مسكن وطعام ولباس، ثم إن أراد الزواج بعد ذلك من بناتهم فليدفع المهر الذي يُدفع لمثيلاتهن في غير وقت المحنة، وإلا فإن عمله مدخول، ولْيَخْشَ أن يُفجع يوماً ما، فليراقب الله فيما يفعل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الرسالة الاستعمارية للعرب: لا تحلموا بالربيع!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 19/4/2014

كم كنا مغفلين عندما ظننا أن الشعوب تستطيع أن تثور، وتمسك بزمام أمورها إذا أرادت. كم كنا ساذجين عندما اعتقدنا أن الثورات شأن داخلي لكل شعب. كم كنا رومانسيين عندما ظننا أن العين يمكن أن تقاوم المخرز.

لو درسنا جيداً أهداف العولمة وأغراضها الخبيثة لربما فكرنا طويلاً قبل أن نثور. فلم يصنع سادة العالم العولمة جزافاً، بل ليضعوا العالم كله تحت قبضتهم. وبالتالي، فكيف يسمحون لهذا الشعب أو ذاك أن يمسك بزمام أموره، وينفصل عن القطيع المتعولم؟ لا أبداً. لن يسمحوا.

ومن يريد أن يشذ عن القطيع، فليحاول! لا شك أنه سيندم على الساعة التي حاول فيها. ولو نظرنا إلى ما حدث للربيع العربي على أيدي سادة العالم لاتضحت الصورة أمامنا بجلاء. تريدون أن تتحرروا أيها العرب؟ لا تحلموا؟ تريدون أن تثوروا رغماً عنا؟ لن نسمح لكم. نحن قادة العالم. نحن من نوزع الأدوار. نحن من نحدد المهمات. نحن من نبقي هذا النظام، ونحن من نزيله متى نشاء.

ولو أردتم أن تتصرفوا بعيداً عن إرادتنا، فسنحول ربيعكم إلى جحيم، وسنجعلكم تحنون إلى أيام الطغيان الخوالي. انظروا حولكم لتروا كيف أصبح حال الشعوب التي ظنت أنها قادرة على التمرد على إرادة راعي القطيع. تشردت، خسرت أوطانها، وباتت تحلم بكسرة الخبز، ولتذهب الحرية والكرامة إلى جهنم. إن مصالح القوى الكبرى في منطقتنا أكبر بكثير من أن تترك شعوبها تقرر مصيرها بنفسها، وتختار الحكومات التي تريدها، بعد أن كان الكبار يختارون لها أنظمتها، ويقررون سياساتها منذ عشرات السنين.

لا أبالغ إذا قلت إن أي شعب عربي يريد أن يثور من الان فصاعداً يجب ان يجمع تواقيع الدول الكبرى والاقليمية والمجاورة قبل ان يبدأ ثورته، وإلا حولوها وبالاً عليه، فالثورات لم تعد شأناً داخلياً كما كانت. لا يمكن لثورة أن تمر إلا إذا حصلت على مباركة القاصي والداني. وإلا استخدموا ضدها كل وسائل العولمة الخطيرة ليحولوها نقمة على الشعوب التي قامت بها.

لا نقول هذا الكلام انطلاقاً من نظرية المؤامرة، بل بناء على ما نراه من محاولات دولية مفضوحة للعبث بالثورات العربية وحرفها عن مسارها وتجييرها لمصالح القوى الكبرى.

هل كانت الثورة السورية لتتعثر، وتتسبب في تدمير معظم البلاد وإزهاق مئات الألوف من الأرواح لو لم تتدخل الدول الكبرى لعرقلتها من أجل الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في سوريا؟

بالطبع لا. لم يأت الدعم الروسي للنظام السوري سياسياً وعسكرياً واقتصادياً إلا من أجل ضرب مسار الثورة كي لا تتأثر المصالح الروسية والإيرانية في سوريا في حال جاء نظام آخر.

وحتى في مصر، لا يمكن أبداً عزل المخططات الغربية عما يحدث هناك. هل تسير الأمور في مصر بعيداً عن التدخلات والضغوط الخارجية؟ لقد اعتبرت صحيفة ‘الغارديان’ البريطانية الرصينة أن ‘الثورات العربية المتصاعدة تشكل تهديداً فعلياً للنظام الاستراتيجي العالمي، وأن الغرب لا يكل، ولا يمل أبداً في سعيه للسيطرة على الشرق الأوسط، مهما كانت العقبات، ومعيدة الى الذاكرة سنوات الاستعمار الغربي للبلدان العربية بعد تقسيمها’.

وتشير ‘الغارديان’ إلى أنه ومنذ يوم سقوط حسني مبارك في مصر، ظهر اتجاه مضاد متعنت بقيادة القوى الغربية وحلفائها ‘لرشوة أو تحطيم أو السيطرة على الثورات العربية’. وتربط الصحيفة بين ثورات الربيع العربي والثورات التي حدثت في العالم العربي في بداية ومنتصف القرن الماضي.

ومن المدهش أن بعض المصادر الغربية توقعت قبل أكثر من سنة أن يكون مصير الإسلاميين فيما لو وصلوا إلى السلطة مشابهاً لمصير القوميين العرب الذين وصلوا إلى الحكم في بعض البلدان العربية في منتصف القرن الماضي، حيث هددوا المصالح الغربية، فما كان من القوى الاستعمارية إلا أن عملت على إزاحتهم بطرق شتى كما حدث في مصر جمال عبد الناصر وعراق صدام حسين.

فقد درج الغرب كما ترى ‘الغارديان’ مثلاً أن يوصم العرب الذين ‘يصرون على إدارة شؤونهم الخاصة دون تدخل خارجي بأنهم ثلة من المتعصبين الإرهابيين بقطع النظر عن انتماءاتهم الإيديولوجية والحزبية’. وترى الصحيفة أنه حتى لو سمح الغرب بوصول الإسلاميين إلى السلطة فإن ‘أمريكا وحلفاءها يحاولون ترويضهم – على السياسة الاقتصادية الغربية بدلاً من تفسيرات الشريعة. والذين يخضعون لذلك سوف يتم اعتبارهم ‘معتدلين، أما الباقي فسيمونهم متعصبين، متطرفين’.

باختصار شديد يرى كثيرون على ضوء تعثر حركة الربيع العربي في أكثر من بلد بأن الكبار ‘منهمكون بالفعل في إجهاض مقاصد الثورات العربية من الانعتاق من سيطرتهم على البلدان العربية مؤكدين بأنهم لن يسمحوا بأن تخرج المنطقة العربية عن سيطرتهم’، ناهيك عن وجود إسرائيل فيها.

وهناك طبعاً الكثير من الشواهد التاريخية على تدخل الغرب ‘لإجهاض كل الثورات والانتفاضات العربية ضد سيطرته عبر دعم أنظمة صديقة له, بدءاً بثورة تموز (يوليو) في العراق بقيادة مجموعة عبد السلام عارف القومية المتأثرة بالرئيس جمال عبد الناصر على الملكية الموالية للغرب. خذ المرة الأولى التي حاول فيها العرب أن يقذفوا بأنفسهم بعيداً خارج المدار الغربي في خمسينيات القرن الماضي تحت تأثير قومية ناصر العربية.

ما ذا حدث؟ لقد قام الغرب بدعم انقلاب البعث عليها، ذلك الانقلاب الذى مكّن صدام حسين من الوصول الى السلطة عام 1963. ولم تتوقف جهود أمريكا وبريطانيا عن مسعاها في استرداد العراق الغني بالنفط منذ ذلك الوقت حتى تحقق لها ذلك في عام 2003 حيث تمكنتا من إعادة احتلال العراق بالكامل والسيطرة التامة على ثرواته النفطية’.

هل سينجو الربيع العربي من مخالب القوى الكبرى، أم إنها في الواقع تمكنت من تحويله إلى صيف حارق ساحق ماحق؟ هل نفهم مما يحدث لثوراتنا أننا نعيش في عالم أسوأ من عالم الغاب، والويل كل الويل لمن يتمرد على إرادة ضباع الغابة البشرية وذئابها؟

 

‘ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
«الرئاسيات» ومتغيرات المنطقة

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 20/4/2014

هناك ثلاث رئاسات عربية، بل خمس، معرضة للتغيير خلال الشهرين القادمين: رئاسة وزراء العراق، رئاسة الجمهورية في سوريا، رئاسة الجمهورية في لبنان، رئاسة الجمهورية في الجزائر، رئاسة الجمهورية في مصر. لكني لن أبدأ بالرئاسات المأزومة، والتي تفتح على تأزُّم أكبر؛ بل أود الافتتاح بالتغيير المنتظر للأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي والدولي المكلف بالأزمة في سوريا. إذ يبدو أن هناك توافقاً بين أعضاء مجلس الأمن على الاستبدال بالإبراهيمي أحداً آخر. ولو تأملنا المشهد قليلا لوجدنا أن الروس والأميركيين كانوا متفقين على تعيينه عام 2012، وأن العرب- وبخاصة السعوديين والقطريين- إنما قبلوه على مضض. وقد اشتهر عن الإبراهيمي بشأن نهجه في الوساطة أمران: أن أطراف النزاع ينبغي أن تُصاب جميعاً بالإنهاك الشديد بحيث لا يستطيع أحدها رفض الخطة المطروحة للحل، وأن الخطة ينبغي أن تخاطب سائر الأطراف، أي أن تكون لها مصلحة أو مصالح ما في القبول. ولا ندري كيف يتأمل الإبراهيمي بعد سنتين ونصف السنة ما قام به، وهل يعتبره نجاحاً أو نصف نجاح، بغض النظر عن النتائج، أم أنه يعتبره فَشَلا بالنظر إلى النتيجة، بمعنى أن الأزمة السورية التي توسط فيها ازدادت عمقاً وتفجراً بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها! وقد اشتهر كوفي عنان المبعوث الأول بالنقاط الأربع أو الست التي طرحها، بينما اشتهر الإبراهيمي بالاعتقاد بأنّ الروس والإيرانيين هم الذين يستطيعون حل الأزمة السورية. وقد زارهم الرجل مراراً وتكراراً دونما جدوى. وفي كل زيارة أو حديث كان يزيد من غضب السعوديين عليه. لكنه عندما يذهب الآن والأزمة تزداد اشتعالا سيكون هناك أمران يُذكران عن مهمته في المستقبل، أولهما أنه استطاع جمع الروس والأميركيين من حول طاولة جنيف1 وخطتها، وأنه عندما ذهب الجميع بعد أكثر من عام من القتال إلى جنيف2، فإنّ الروس والإيرانيين الذين تأمل فيهم كثيراً كانوا هم الذين خذلوه، لأملهم بالقدرة على الانتصار مع بشار الأسد على سائر الخصوم. وهكذا كانت جنيف1 انتصاراً له، وكانت جنيف 2 هزيمة له. وقد سمعتُ دبلوماسياً بريطانياً يقول إنه لو كان مكان الإبراهيمي لاستقال بعد جنيف 2! وكانت قد شاعت أخبارٌ قبل شهر أن الإبراهيمي وسط أطرافاً من أجل زيارة السعودية. وعلى أي حال فإن فشل الإبراهيمي في حل الأزمة هو فشل للعرب والأميركيين بالدرجة الأولى، لأنهم ما استطاعوا دفع الروس والإيرانيين للقبول بحل سياسي للأزمة: روسيا لأنها في «مزاج» انتصار على أميركا، والإيرانيون لأنهم في «مود» انتصار على العرب!

ولنعد من رئاسة الإبراهيمي إلى الرئاسيات الإيرانية الأخرى. فالإيرانيون يراهنون على المالكي والأسد، باعتبارهما عضوين في محور الممانعة والتصدي الذي أعلنوه من طهران عام 2008. وقد ساعد الإيرانيون المالكي والأسد كثيراً حتى قيام الثورات عام 2011. ففي عام 2010/2009 –ورغم عدم نجاح المالكي في الانتخابات، تفاوض الإيرانيون (الجنرال قاسم سليماني) مع جيفري فيلتمان عبر شهور طويلة على مشارف الانسحاب الأميركي من العراق. وكانت الترتيبات التي جرى الاتفاق عليها ما يلي: يبقى المالكي رئيساً للوزراء بالعراق، ويعود السفير الأميركي إلى سوريا، ويُغضُ الطرْفُ عن تصرفات الحزب والنظام السوري بلبنان؛ مقابل: عدم التحرش الإيراني بالأميركيين أثناء انسحابهم، وعدم تحرش «حزب الله» بإسرائيل. وتعقُّل الإيرانيين في الملف النووي. فماذا حصل لهذا التوافق بعد ثلاث سنوات ونيف؟ خلال السنوات الماضية ساد المالكي في العراق، والأسد في سوريا، وعمل «حزب الله» (بمعاونة جنبلاط وفيلتمان وتركيا وقطر) على تنحية سعد الحريري والمجيء بميقاتي صديق الأسد على رأس حكومة بقيت ثلاث سنوات. ويقال إنه حتى الإبراهيمي ليس بعيداً عن هذه الأجواء، وكذلك سياسات الولايات المتحدة تجاه الملف السوري حتى أزمة أوكرانيا. فالمعروف أنّ الأميركيين والإيرانيين دخلوا في المرحلة الأولى من اتفاق حول النووي ضمن المباحثات التي لم تنقطع أيام نجاد وسرعها انتخاب روحاني.

والملاحظ أن أطراف «التوافق» الأميركي الإيراني بدؤوا يتوارون، دون أن يعني ذلك بالضرورة ذهاب التوافق نفسه: فروبرت فورد، السفير الأميركي الشهير بسوريا، تقاعد، وفاينشتاين الذي حل محله بدأ عهده بإقفال السفارة السورية في واشنطن. وحكومة ميقاتي سقطت. والإسرائيليون الذين طالما مدحوا الأسد بدؤوا يشكون منه، ويشكون من مخالفة «حزب الله» للاتفاقات. إنما الأهم من ذلك كله أن رجلي إيران في العراق وسوريا يقعان في قلب عاصفة هائلة: الأسد بسبب ثورة شعبه عليه وقتله مئات الألوف، وتهجيره الملايين، والمالكي بسبب شنِّه حروباً على السنة والأكراد، وانقسام الأطراف الشيعية عليه. وليس من الواضح سبب إصرار الإيرانيين على خوض الحروب الأهلية في العراق وسوريا، وهم يعرفون أنه لا يمكن لهم الاستمرار في الغلبة بهذه الطريقة. وإذا سلمنا بأنهم لا يملكون بديلا للأسد في سوريا، فلماذا هذا التمسك بالمالكي في العراق؟ فلأول مرة يفقد المالكي السيطرة على غرب العراق، أي على الحدود مع سوريا والأردن، وقسم من الحدود مع السعودية. ثم إن القبائل و«الإرهابيين» صاروا على مشارف بغداد. وهم يحجبون المياه عن ناحية، ويغرقون بالمياه نواحي أخرى. وإذا لم يكتسح المالكي الأصوات الشيعية كلها -وهذا غير مرجح- فهو لن يستطيع تشكيل حكومة بعد الانتخابات إلا إذا أرغم سليماني «الحكيم» و«الصدر» والأطراف الشيعية الصغرى على دعمه، وهددهم كالعادة بالمليشيات الخاضعة له، وبالاغتيالات. ثم كيف يستطيع سنة كُثرٌ الذهاب إلى صناديق الاقتراع ومدنهم محاصرة وعندهم تهجير كبير، و«الإرهابيون» المسيطرون في الفلوجة لا يؤمنون بالديمقراطية؟!

ولندع العراق إلى سوريا، حيث الوضع أسوأ. فلو فرضنا أن العشرة ملايين سوري الذين غادروا مساكنهم بالداخل والخارج، بينهم خمسة ملايين مقترع؛ فهذا يعني أن ثلث الناخبين السوريين لا يستطيعون المشاركة حتى لو أرادوا. ولأن الانتخابات ستبدو عبثاً ومسخرة؛ فإن الإيرانيين والروس يشيرون على الأسد أن يمدد له «مجلس الشعب» بسبب الظروف الاستثنائية. وخلال الأسبوعين الماضيين تنافس «حزب الله» والأسد في إعلان الانتصار. ولأن حسن نصر الله بالغ، فقد انزعج الأسد وأنصاره وقالوا إن «الأصدقاء» يكذبون، لأن الذي انتصر الجيش السوري والشعب الذي سقط منه ربع مليون قتيل! وبذلك يكون الذين قُتلوا بالكيماوي والبراميل المتفجرة ماتوا أيضاً من أجل نُصرة الأسد!

وبالطبع لا علاقة للانتخابات المصرية بما يجري في البلدان الأخرى. أما الانتخابات الجزائرية أو السودانية فهي جزء من الظاهرة نفسِها: بقايا العسكريين والأمنيين العرب الذين تحاول إيران الحفاظ عليهم في مواجهة حركات التغيير الشعبية.

أما الانتخابات الرئاسية اللبنانية، فإن إيران ترتهنها لكي ترى كيف يمكن تحقيق مصالحها وحصاد استثماراتها في سوريا. محور الممانعة كلُّه مأزوم، بما في ذلك بؤرته في طهران. فهناك أمور في الجيواستراتيجيا لا يحلها القتل والإبادات. وقد انقضى عهد فيلتمان، وما أدراك ما عهد فيلتمان:

وإذا لم يكن من الموت بُدٌّ فمن العجز أن تموتَ جبانا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

البحث عن البديل في دمشق

  ماجد كيالي

المستقبل

الاحد 20/4/2014

لا شيء يقيني في الثورات تحديداً، لأنها بمثابة انفجارات، لا يمكن التحكّم بها، أو تحديد مدياتها، أو التقرير سلفاً بتأثيراتها، سواء السلبية أو الايجابية، فهي يمكن أن تنهزم أو أن تنتصر، ويمكن أن تحقّق نجاحات جزئية أو تنحرف أو يجري التلاعب بها. هكذا، فكل شيء جائز، بحسب التجارب التي عرفتها المجتمعات البشرية، لكن ما هو أكثر يقينية، على هذا الصعيد، أن الثورات تنهي حال الاستعصاء، أو الانسداد، في تطوّر المجتمعات المعنيّة مهما كانت مآلاتها، وتعرّجت مساراتها، ومهما كانت أثمانها، ما ينطبق على حال الثورة في سوريا؛ على الرغم من كل تناقضاتها ومشكلاتها ونواقصها.

في هذا الإطار، ثمة ملاحظة على غاية الأهمية لفت لها كرين برينتن، الذي أرّخ للثورات الأربع، الانجليزية والأميركية والفرنسية والروسية، في كتابه: «تشريح الثورات» (دار الفارابي 2009)، مفادها أن الثورات لا تنتهي، في معظم الأحوال، إلى النجاح المشتهى، أو المتخيّل، وأنها تفقد طاقتها، وتتحرّر من رومانسيتها، ليعود المجتمع الى الاشتغال بالطريقة العادية، أي بطريقة التطوّر التدريجي، باعتبار أن عملية التطوّر لا تحصل إلا على هذا النحو، لكن ذلك يحصل فقط بعد التخلّص من حال الاستعصاء، أو الانسداد، التاريخي، الذي فجّر الثورة.

الآن، ثمة تساؤل بات يلحّ بنفسه على كثيرين، أكثر من أي وقت مضى، بشأن ما إذا كان ثمة خيارات بديلة عن الثورة في سوريا، لاسيما مع كل المعاناة والعذابات والأثمان الباهظة التي تمخّضت عنها، نتيجة همجية النظام، والخذلان الذي تعرّضت له، وحال العجز والتخبّط والتلاعب الذي تعتري مساراتها وإدارتها.

والواقع فإن هذا السؤال، على مشروعيته، ينطوي على مخاتلة واضحة بإحالته حال الفوضى والاضطراب إلى الثورة ذاتها لا إلى النظام الذي تسبّب باندلاعها، ناهيك أنه ينطوي على إقرار بتطويب البلد للنظام القائم، وتالياً التسليم بمصادرة مستقبل السوريين، وحقوقهم وحرياتهم.

والحال، فإن النظام القائم في سوريا، منذ أربعة عقود، ظلّ بمثابة سدّ أو حاجز، أمام التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في هذا البلد، والذي كان بدوره عرضة، في أية لحظة، للتصدّع أو الانهيار بسبب حال الامتهان والقهر والغضب، التي ظلّت تعتمر في قلوب السوريين، طوال تلك الفترة؛ وهو ماحصل قبل ثلاثة أعوام.

هكذا، فقبل آذار/مارس (2011)، لم يكن أحد في سوريا يمتلك بديلاً أو خياراً آخر، فالنظام يعتبر سوريا بمثابة «عزبة» خاصّة يتوارثها الأبناء من الآباء، أي ليس لأحد حقوق فيها، فهذه عندهم «سورية الأسد إلى الأبد». أما بالنسبة لـ»المعارضة»، في ما يسمى «الجبهة التقدمية»، فهي على هزالها وفواتها مدجّنة وتشتغل تحت «سقف الوطن»، أي ضمن الإطار الذي رسمه لها النظام، لذا فقد كان جلّ همّها، طوال تاريخها، مجرد تحسين شروط عملها عنده، وكسب رضاه.

على ذلك، فإن استمرار حجز الدولة والمجتمع السوريين، وإبقائهما خارج التاريخ، في أسر العائلة الأسدية، من الأب إلى الإبن (وإلى الحفيد كما يفترض)، مع ما في ذلك من أدلجة وعسكرة وبعثنة، ومحو لهوية السوريين وتاريخهم وثقافاتهم وتنوعاتهم، هو البديل الوحيد عن الثورة، التي جاءت، كحالة انفجارية، بوصفها نقيضاً له، أو تصحيحاً له. وهذا يفيد بأن أي كلام عن مستقبل سوريا خارج هاتين الثنائيتين، أي النظام من جهة والثورة من الجهة المقابلة، هو كلام رغبوي، ولا معنى له، ويصبّ في إطار الإبقاء على حال «سوريا الأسد»، وبالتالي تطويع السوريين لعمليات الخضوع والمحو، بدعوى عدم يقينية الثورة أو بدعوى تجنّب أثمانها الباهظة.

ومعلوم أن الثورة في سوريا كانت عند كثيرين من سابع المستحيلات، لذا فهي لم تكن خياراً بين خيارات، ولم يجر التخطيط، أو التنظير لها. أي أنها انبثقت كحالة انفجارية، وعفوية، وباعتبارها بمثابة طريق اجباري للتغيير، ولتحرير السوريين من حال الإفقار السياسي والثقافي والروحي التي كانت تعتريهم، خلال العقود الأربع الماضية.

باختصار، فمع وجود نظام الأسد، كنظام شمولي، الذي اعتبر البلد بمثابة ملكية خاصة، لم يكن ثمة امكانية لبديل يتأسس على التطور التدريجي أو الطبيعي للبلد، وهذا ما تجسّد في طرح شعار: «الأسد أو نحرق البلد»، كبديل عن الثورة، والذي عبّر فيه النظام بشكل واضح عن استراتيجيته الخاصة لوأد تمرّد السوريين، أو سلب سوريا منهم، بمعنى تمزيقها وتخريبها والحكم عليها بالموات. أيضاً، لم يتوفّر أي بديل عن الثورة، عند النظام، بدليل أنه وبعد كل ما فعله بالسوريين، وضمن ذلك مصرع حوالي 150 ألف منهم، وتخريب عمرانهم، وتمزيق مجتمعهم، لم يقدم أي شخص آخر كمرشح للرئاسة بدلاً من بشار الأسد، الذي بات له في الحكم 14 عاماً، ولو كان من داخل النظام ذاته. حتى عند جمهوره ليس ثمة بديل، بل إن هذا الجمهور لا يبدي ولو بعض الحساسية الأخلاقية في التعاطف مع ضحايا النظام، الذين يذهبون بالعشرات يومياً ضحيّة الصواريخ العشوائية والبراميل الغبية، كما ولا مع ضحايا القتل تحت التعذيب ولا مع المشردين واللاجئين. أي أن هؤلاء لا يبدون بلادة سياسية وحسب، وإنما يبدون أيضاً لامبالاة إزاء قيم الحقيقة والعدالة والحرية، في وقت لا يتسامح فيه جمهور الثورة، أو المتعاطفين معها، مع المسارات والسلوكيات الخاطئة والمنحرفة في ثورتهم، والتي ظلت تتعرض إلى نقد قاس وشديد ودائم من قبلهم منذ اندلاعها.

هكذا، وفيما تحاول الثورة أن تصنع تاريخاً لسوريا، خارج تاريخ الطغمة الأسدية الحاكمة، وأن تدخل السوريين في السياسة، بعد أن حرمهم الأسد (الأب والإبن) منها، يعمل النظام بالضد من هذا وذاك، بإصراره على إبقاء السوريين في إسار «سوريا الأسد»، وبتجريده الصراع من أي معنى سياسي، إن باعتبار ما يجري مجرد مؤامرة خارجية، أو بتحويل الثورة إلى نوع من صراع هوياتي، أو بأخذ البلد إلى احتراب وجودي، وإلى حالة عدمية.

طبعاً، لاشكّ أن ثمة أشياء كثيرة يمكن قولها بشأن الثورة السورية، كعدم قدرتها على توليد مؤسسة قيادية بعد ثلاثة أعوام، وضعف حصانتها إزاء المداخلات والتلاعبات الخارجية، وغلبة الطابع العسكري عليها، وانحرافها عن المقاصد الأساسية التي انطلقت من أجلها، وحال الفوضى في المناطق «المحررة» التي تخضع لسيطرتها. لكن ما ينبغي قوله أن البديل عن كل ذلك لا يكمن في استمرار النظام، لأنه ببساطة هو المسؤول عن كل ماوصلت إليه سوريا اليوم، وعن كل ما يجري فيها منذ ثلاثة أعوام، وضمن ذلك فهو المسؤول أساساً عن تخليق ثورة على هذا النحو بالذات، بإيجابياتها وسلبياتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : الغربيون ينتظرون انتصار الأسد وقيادات المعارضة تنتظر الغربيين !!!

زهير سالم

*مدير مركز الشرق العربي

22.04.2014

بين مقالي الديلي تلغراف في 17 / 4 / 2014 حيث بشر محررها السياسي بيتر أوبورون بشمس أسدية دافئة . حيث قرر أن في دمشق أمنا وأمانا وحبا لبشار يبشر بانتخابات ودودة تأتي برئيس محبوب يرفع ( مسلسل القتل ) كل يوم من شعبيته ، ويزيد من عدد محبيه وعاشقيه . مقال الديلي تلغراف التي لم يجد محررها السياسي في دمشق قتلا ولا قتالا ولم ير أي مظهر للحياة غير المألوفة وحيث استطاع الشاهد ( الانكليزي ) العدل أن يجري حوارات مع أصحاب متاجر وجنود وأطباء ونواب ووزراء في الحكومة فوجد الجميع يقولون في بشار الأسد كما قال القس المصري في السيسي : أذوب عشقا فيه ..

مقال الغارديان ليس فلتة اعتباطية لكاتب صحفي ربما يكون قد ثقلت موازينه قبل الكتابة ؛ وإنما هو تبشير بما يدور في الخلفية العقلية لمؤسسة صحفية يمينية عريقة في صنع السياسة البريطانية ، المقال تبشير حالم بالمناخ الذي ينتظر البريطانيون أن يصيروا إليه في سورية ، فيعود ( صهرهم ) الطبيب المحبوب إلى كرسي الدكتور ( جيكل ) بعد أن يستفرغ ( هايد ) كل طاقاته العدوانية المكبوتة . أكتب هذا الكلام وأنا أتذكر شهادة الزور المنمقة التي أدلى بها مدير المستشفى البريطاني الذي تحدث يوما بشار الأسد عن التلميذ النجيب المتواضع والذكي ..

وفي المقابل يأتي مقال الأندبندت في 21 / 4 / ( الحرب المنسية في سورية ) ليؤكد أن الغربيين في موقفهم الحالي قد نفضوا أيديهم من سورية وهم لا يحبون المعارضة السورية وبالتالي فقد قرروا أن يديروا ظهرهم للمشهد . تاركين الأسد يحقق يوما بعد يوما المزيد من الانتصارات ..

ولا بأس في الإطار أن ينسى محررو الغارديان والأندبندت أن الانتصارات التي يحققها الأسد إنما تأتي عبر إضافة سلاح جديد ( السلاح الكيماوي ) إلى أدواته اليومية ، وأن قضم الأرض من أيدي الثوار إنما يتم عبر المزيد من الاستعانة بقوات أجنبية ، ( لبنانية وعراقية وإيرانية وروسية ) وخارج إطار القانون الدولي ، حيث قرر المجتمع الدولي السكوت عليها لإعطاء بشار الأسد مزيدا من الفرص لتحقيق الانتصار المرتقب ..

ندرك أن العوامل الأخلاقية لن تخدش في أي لحظة انتصار الأسد ( المرتقب ) إن القدرة على الكذب والاختلاق ستكون في أي لحظة قادرة على التلفيق أمام الرأي العام الوطني ، حيث لم تتوقف ماكينة الكذب والافتراء للحظة ، وأن هذه العوامل الأخلاقية لا قيمة لها في ميزان مجتمع غربي ، القيم الأخلاقية بالنسبة إليه ليست أكثر من خرافة . وأنه عندما سينتصر الأسد كما يتوقعون فلن يضيرهم بأي طريقة أو أسلوب انتصر .

الاستراتيجية الغربية ( الأمريكية – الأوربية ) القائمة على إنهاك القوى الثورية ، والضرب الدائم على وتر اتهام المعارضة السياسية وتحميلها المسئولية ، والسكوت على كل الخروق للقوانين الدولية والإنسانية التي يرتكبها بشار الأسد كل ذلك يجعل المراهنة على انتصار الأسد من قبل المجتمع الدولي حقيقة سوداء مدلهمة لا يتغيب ملا محها إلا العمي الصم البكم ..

والأعجب من كل ذلك أن الغربيين الذين تقوم استراتيجيتهم العملية على انتظار انتشار بشار الأسد يجدون في قيادات المعارضة السورية من ينتظرهم ويعول عليهم ...

لندن : 21 / جمادى الآخرة / 1435

21 / 4 / 2014

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رغيد الططري مثالاً

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 20/4/2014

يسعى سوريون في واحدة من حملاتهم لدى منظمات حقوق الإنسان من أجل إطلاق سراح أقدم سجناء الرأي في سجون نظام الأسد، وهو رغيد الططري الذي يقف اليوم عند بوابة العام الستين من العمر، وقد قضى أكثر من نصف عمره معتقلا في سجون الأسد الأب قبل أن ينتقل بالوراثة إلى سجون الأسد الابن، وقد برهن الأخير أنه ليس أقل وحشية ودموية من أبيه.

رغيد الططري من مواليد دمشق عام 1955، اعتقل قبل 33 عاما، والسبب تقديمه طلب لجوء في مقر الأمم المتحدة بالقاهرة التي كان يزورها عام 1981، بعد أن قامت الحكومة السورية بفصله من عمله كضابط في الجيش وطيار حربي، ولم يعد له مورد للعيش مع عائلته، فاضطر إلى طلب لجوء.

عندما عاد الططري إلى دمشق من القاهرة أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 1981، جرى اعتقاله في مطار دمشق الدولي، ومثل كل المعتقلين تم تعذيبه بصورة وحشية، وجرى انتزاع أقواله بالإكراه في سجن المخابرات العامة ثم في سجن المزة العسكري، ولم توجه له أي تهمة، قبل أن يعرض لدقائق على محكمة استثنائية عسكرية في عام 1982، هي المحكمة الميدانية الثانية بدمشق، التي أصدرت الحكم بالمذكرة رقم 433 /2، دون الإعلان عنه أو نشره أو إبلاغه لصاحب العلاقة.

بعد رحلة عذاب أولى في أقبية فروع المخابرات وصولا إلى سجن المزة العسكري، بدأت رحلة القسوة الفظيعة التي ما تزال ممتدة حتى اللحظة، حيث انتقل الططري إلى سجن تدمر الصحراوي الرهيب في عام 1982، وبقي هناك 21 عاما، ثم نقل بعدها إلى سجن صيدنايا العسكري، ليمضي هناك عشر سنوات كانت الأصعب في تاريخ السجن وفيها حدثت عمليات تمرد السجناء الذين تمت مواجهتهم بأقصى درجات الوحشية، ونقل بعدها في عام 2011 إلى سجن دمشق المركزي في عدرا الخاضع لوزارة الداخلية، حيث ما زال هناك معتقلا محتجز الحرية، ومعزولا لا يسمح بزيارته من أهله وأصدقائه بسبب تعسف الإدارة وعدم السماح له بمقابلة الزوار إلا بشروط خاصة بعد ثلث قرن من اعتقال تعسفي، ووسط أسوأ الظروف والأمكنة والظلم والقهر النفسي والأوضاع الصحية الصعبة.

حكاية رغيد الططري، مجرد مثال على ما أصاب ويصيب سجناء الرأي في سوريا من ظلم وقهر، وهي مثال لحالات عشرات ومئات آلاف اعتقلوا بسبب آرائهم، التي لا تشكل خطرا على الدولة والمجتمع ولا على الأمن القومي في سوريا، بل هي مجرد أفكار وآراء، وفي حالات أخرى رغبات ومبادرات هدفها خروج سلمي وهادئ من الحياة النمطية التي فرضها نظام الاستبداد على السوريين منذ مجيء الأسد الأب إلى السلطة في عام 1970، وأصابت مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية وصولا إلى الأشخاص بمن فيهم شخصيات في النخبة السورية من رجال السياسة والاقتصاد والثقافة في المجتمع، بل إن أشخاصا من رفاق الأسد الأب الذين كانوا على رأس السلطة قبل عام 1970، قضوا نحو 25 عاما من حياتهم في الاعتقال دون ذنب ودون أن توجه لهم تهمة محددة، وبعضهم مات داخل معتقل المزة الرهيب.

وسياسة القتل والإخضاع وصولا إلى التصفية الجسدية عبر الاعتقال، التي كانت صفة ملازمة لعهد حافظ الأسد، وامتدت 30 عاما، جرى تعميمها وتوسيعها في عهد الأسد الابن، ولعل مجريات الأعوام الثلاثة الماضية هي التعبير الأقوى عن هذا التحول في مسار القمع والإرهاب ضد السوريين، فقد جرى اعتقال مئات آلاف الأشخاص ليس فقط بسبب آرائهم السلمية المناهضة للنظام، وإنما بشكل عشوائي تختلط فيه دواعي العقاب مع التخويف والإذلال والابتزاز المادي من جانب الأجهزة الأمنية وعناصرها، إضافة إلى ما قامت به الميليشيات التابعة للنظام وتلك التي تقاتل معه مثل ميليشيات حزب الله اللبناني ومثيلاتها العراقية.

وإذا كان من البديهي ترافق الاعتقال مع التعذيب، فقد ترافقت معهما أوضاع معيشية وصحية أسوأ بكثير مما يتوقع أو يقدر له أن يحدث، انطلاقا من فكرة أن «المعتقلين أعداء وإرهابيون وعملاء للخارج» وغير ذلك من تهم، لا تبرر اضطهادهم بصورة غير إنسانية فقط، إنما تبرر قتلهم سواء بالإعدام الكيفي المباشر أو تحت الإهمال المتعمد للمرضى والمصابين بفعل التعذيب الشديد، وطبقا لتقارير مصورة فإن 11 ألفا تم توثيق موتهم تحت التعذيب في أحد مراكز الأمن التابعة لنظام بشار الأسد.

حالات الاعتقال في سوريا في مجرياتها ونتائجها، واحدة من أكثر الحالات وحشية ربما في التاريخ الإنساني، ليس بسبب أرقامها الكبيرة فقط، ولا فيما يعقبها من عمليات تعذيب تخلط ما بين الطرق القديمة شديدة الهمجية وأدوات التعذيب بتقنياتها الأكثر ضررا بالإنسان، بل بنتائجها وما تتركه على المعتقلين أولا من آثار قد يكون الموت أرحمها، وبما تتركه من حسرة على أسر المعتقلين وأهلهم وأصدقائهم وعلى المجتمع بصورة عامة، وكلها تفاصيل تجعل من حالات الاعتقال سببا في ضرورة وضع حد لنظام الأسد، واستبدال نظام من طبيعة إنسانية مختلفة يوقف هذا الجور الفظيع الواقع على السوريين به.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حين يكشف (تشبيح) روسيا الأزمة السياسية والأخلاقية الغربية

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 20/4/2014

حين يكشف (تشبيح) روسيا الأزمة السياسية والأخلاقية الغربيةربما كان من فضائل الثورة السورية أنها سهلت على الناس فهم السياسة الدولية من خلال مصطلح (التشبيح).

فلاديمير بوتين، قيصر روسيا الجديد، شبيحٌ دوليٌ بامتياز.. يشتري الولاءات، ويُحرك عملاءه في مختلف أنحاء أوكرانيا من القرم إلى دينتسك مرورًا بماريوبول وغيرها من المدن والمناطق.

يصادر حق الشعب الأوكراني في تقرير مصيره السياسي، فيتحدث باسمه ليلغي شرعية الحكومة الأوكرانية بكل بساطة قائلًا: "نعتبر اليوم السلطات الأوكرانية غير شرعية، وليس بإمكانها أن تكون شرعية إذ لم تحصل على تفويض وطني شامل لإدارة البلاد".

يمارس الكذب بكل وقاحة وجرأة، فيؤكد أن كل الأحاديث عن "يد موسكو" في شرق أوكرانيا وغيرها هي مجرد هراء، رافضا بشكلٍ مطلق وجود أية قوات روسية أو أجهزة خاصة أو خبراء في شرق أوكرانيا، ومؤكدًا أن من يتحرك هم مجرد مواطنين محليين لا يستطيعون ترك أراضيهم ويجب إجراء الحوار معهم.

هكذا، بكل بساطة، يتمكن المواطنون البسطاء من وقف رتلٍ من المدرعات الأوكرانية، ومن احتلال ثكنات عسكرية في مناطق متفرقة من البلاد، والسيطرة على مباني البلدية في مدينة ماريوبول المرفئية الصناعية ورفع أعلام روسيا وإعلان جمهورية "دونيتسك" فيها.

يُطلق هذه الادعاءات في حين يعرف كل متابع قريب من الواقع أن غالبية من يتحرك هم عمليًا مجموعات جنود من قوات النخبة الروسية، تمامًا على غرار المجموعات التي نشطت في القرم قبل ضمها إلى روسيا الشهر الماضي.

يمارس البلطجة مؤكدًا أن الجزء الأكبر من سفن أسطول البحر الأسود الروسي سينقل من مدينة نوفوروسيسك إلى مدينة سيفاستوبل التي كانت من أهم مدن أوكرانيا واستولت عليها روسيا مؤخرًا.

يلعب لعبة توزيع الأدوار، فيطلب من وزير خارجيته عقد اتفاق مع كيري في جنيف لحل الأزمة، ويوحي لعملائه في أوكرانيا بالتنصل من الاتفاق بشكلٍ كامل بدعوى أنهم ليسوا معنيين بها ولم يوقعوا عليها.

لا يكتفي الشبيح العالمي الجديد بأوكرانيا بل يتدخل في مولدوفيا ويوجه تحذيرًا لحكومتها طالبًا منها أن تُعطي منطقة ترانسندستريا الانفصالية فيها حق تقرير المصير.

يمارس المناورات السياسية المُبتذلة، فيهدد أوروبا بقطع شريان حياتها من الغاز، ولكن باسم خلافٍ على الأسعار مع حكومة أوكرانيا.

يستخدم الفاسدين لتوظيف الهياكل القضائية والتشريعية لتحقيق أهدافه، فيُحرك بعض المرتزقة من نواب (الدوما)، فيطلب هؤلاء فتح التحقيق في الأسباب التي أدت إلى تفكيك الاتحاد السوفييتي، ومعرفة الأشخاص الذي كانوا وراء ذلك!..

يستعمل التهديد والوعيد فيقول في لقائه (المفتوح) مع المواطنين: "حلف شمال الأطلسي لا يخيفني.. يمكننا بأنفسنا أن نخنقهم جميعًا، لماذا أنتم خائفون؟".. "آملُ ألا أضطر إلى استخدام حقي في إرسال قوات عسكرية إلى أوكرانيا".

بمثل هذه العبارات يعلن قيصر روسيا الجديد ولادة حقبةٍ جديدة في العلاقات الدولية.. لا يعني هذا قدرة روسيا على السيطرة والتحكم في هذه الحقبة، فهذه درجةٌ من المبالغة والتهويل. كل ما في الأمر أنها ستتمكن أكثر من لعب دورٍ (تشبيحي) متزايد على الصعيد الدولي في هذه الحقبة. فكل المؤشرات تدل على ذلك.. المفارقة الأكبر أن واقع النظام الدولي السائد هو الذي يسمح بهذه العملية، وأن ممارسات روسيا وقيصرها تكشف سوءات هذا النظام ومشكلاته العميقة سياسيًا وأخلاقيًا، وربما اجتماعيًا وثقافيًا.

والذي يسمع ردود أفعال الأوربيين والأمريكان على قرارات بوتين وتصريحاته يعتقد أن هؤلاء ينتمون لجمهوريات الموز. فعلى مدى أسابيع طويلة، ينتقل المسؤولون في القارتين من تحذيرٍ إلى تحذير بتشديد العقوبات، دون أي مصداقيةٍ لتهديداتهم المتكررة.

فقد صرح دبلوماسي أمريكي رافق كيري في رحلته الأخيرة لجنيف أن الرئيس الأمريكي "كان واضحًا جدًا بأنه إذا لم تغتنم روسيا هذه الفرصة لتخفيف التوتر فإن الثمن الذي سيتعين عليها دفعه سيرتفع". والحقيقة أن أوباما نفسه لم يقصر في ممارسة التهديد بالثبور وعظائم الأمور، إذ قال في مقابلة مع شبكة "سي بي سي نيوز": إنه في كل مرة تتخذ فيها روسيا إجراءات تهدف إلى زعزعة استقرار أوكرانيا وانتهاك سيادتها ستكون هناك عواقب". المضحك المبكي أن الرجل قلَّل من احتمالات مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وروسيا على خلفية تصاعد التوتر في أوكرانيا، ليس بسبب افتقاد الإرادة والقدرة لدى أمريكا المتراجعة، بل لأن روسيا لا تريد أن تخوض حربًا مع الولايات المتحدة لعلمها بتفوق الجيش الأمريكي، كما قال!..

أما الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند فقد (هدد) الخميس أن الاتحاد الأوروبي يبحث تشديدًا لعقوباته في حال فشل محادثات جنيف. في حين أكدت كاثرين آشتون، مسؤولة الشوون الخارجية في الاتحاد الأوربي أن النقاشات مع الروس كانت "بناءةً وصريحة".

وأخيرًا، لم يجد رئيس المفوضية الأوربية ما يفعلهُ، بعد الموافقة على إجراء محادثات مع روسيا حول الغاز، أكثر من التحذير بأن "مصداقيتها كمصدرٍ للطاقة ستكون على المحك" بعد تهديدها بوقف الإمدادات.

لا عجبَ، مع كل هذا التهديد والوعيد الفارغ، أن تدرك روسيا أن تشبيحها مؤثرٌ وناجح، وأنها تتعامل فعلًا مع منظومةٍ دوليةٍ بدأت تهترئ من الداخل.

ثمة تحليلٌ شاملٌ ومُعبر يُفسر الظاهرة نشره منذ أسابيع الكاتب والصحفي Ben Judah في موقع Politico الإخباري الأمريكي، وهو يشرح كيف تحوّل المسؤولون الأوربيون والأمريكان إلى قطط وديعة ترجو وُدّ الدب الروسي، لأن الأمر يتعلق في نهاية المطاف بمصالح اقتصادية كبرى، خاصة وعامة، لا مجال معها للحديث عن المبادئ. يكفي كمثالٍ واحد فقط تسريبُ وثيقةٍ من مقر رئاسة الوزراء في بريطانيا مفادها أن الحكومة ستحتج وتشجب، ولكنها ستتجنب أي إشارة لأي تجميد للأموال الروسية.

ليس المقامُ هنا مقام الاستمتاع بهجاء الغرب، والشعور بالراحة النفسية من شتمهِ كما يحصل كثيرًا في ثقافتنا العربية والإسلامية.

ولاشك أن في هذا الواقع الدولي خسارةً على المدى المنظور للدول والشعوب التي تبحث عن حقها في الحياة بعزٍ وكرامة. لكن ما يجري مؤشرٌ على أزمةٍ إنسانيةٍ كبرى لن تكون الدول الغربية نفسها بمنجى من تَبِعاتها.

الأهمﱡ من ذلك، قد يمثل هذا الواقع المدخلَ الوحيد الذي يقنع تلك الدول والشعوب بأن عملها وإنجازها هو، وهو وحدهُ، الذي سيصنع مصيرها في نهاية المطاف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دعوا السوريين يدمرون بلدهم

حسين العودات

البيان

الاثنين 21/4/2014   

لعل هذا هو الجواب المضمر والافتراضي، عن سؤال مضمر وافتراضي بدوره، تجيب به الدول الكبرى، والدول ذات النفوذ إقليمياً وعالمياً، إذا ما وجه إليها طلب العمل على إنهاء المأساة السورية، وعذابات السوريين، التي سببتها وتسببها السلطة السورية وبعض المسلحين من بعص أطراف المعارضة، وهي جميعها أفعال بدائية انتقامية، وهمجية تمليها الغرائز.

لا يرى أهل السلطة وبعض المسلحين أبعد من أنوفهم، فتراهم يتصرفون وكأن كلاً منهم له دور في ما يجري في سوريا، ويتحفنا مسؤولوهم بتصريحات نارية توحي وكأن مطلقها صاحب قرار، مع أنه يعرف أن الحل يقع في يد القوى الخارجية، التي أصبحت صاحبة الحل والربط في حاضر المأساة السورية ومسارها، بعد أن استخدمت السلطة السورية العنف، وسببت التدخل الخارجي...

ونُقلت الأزمة برمتها إلى خارج الحدود، وغدت «أمانة» بين أيادي الدول الأخرى، وفُتح الباب للتدخل الفردي والجماعي، فتدخل من له علاقة، ومن لا علاقة له، بعضهم بدعوة من السلطة، وبعضهم الآخر بلا دعوة، فانتشر العنف واشتعلت الحرب، وأخذ السوريون والمتدخلون، منذ ذلك الوقت يدمرون ما يستطيعون تدميره من سوريا، ويقتلون ما يقدرون على قتله من شعبها، ويعمقون الأحقاد الطائفية الذابلة...

ويزيدون سعار التحارب الداخلي، ويمارسون ممارسات همجية، لم يكن أحد يتوقعها من شعب، بلغ منذ عشرات السنين مرحلة من التطور والنضج الإنساني، والتقدم الحضاري والحداثة السياسية، كانت تحسده عليها شعوب أخرى قريبة وبعيدة، وانقلب تسامح الشعب السوري، وتعايشه، واحترام فئاته بعضها للبعض الآخر...

والتضامن العميق بين هذه الفئات، إلى أحقاد، وعدم احترام، ورفض للتعايش، وتحويل الاختلاف إلى خلاف، والتنوع إلى تناقض، والتخلي عن الفكر النقدي والموضوعي، بسبب سياسة الإعلام الرسمي، حيث دخلت البلاد دهاليز الإشاعات والأوهام.

لا أريد أن أكرر إحصاءات الدمار البشري والمادي والمعنوي، الوطني والقومي، الاقتصادي والاجتماعي، الذي أصاب سوريا وشعبها خلال السنوات الثلاث الماضية، لأن الناس يعرفونه، إنما أريد فقط التأكيد أنه لا توجد أسرة سورية لم يلحقها الضرر، إما بفقدان أحد أبنائها، وإما بتدمير مسكنها، أو بنزوحها من بيتها أو قريتها أو مدينتها، أو نفاد مدخراتها ووظائف أبنائها...

حيث أصبحوا عاطلين عن العمل. ومع انغلاق سبل العمل في سوريا، لم يبق أمام هذه الأسر سوى التسول في الداخل، وفي الخارج، أو اتباع أساليب غير مشروعة في كسب ثمن لقمة العيش، لم يتبع السوريون مثلها من قبل، كالسرقة والخطف والاحتيال وما أشبهها!

ربما لم يشهد بلد آخر مثل ما جرى ويجري في سوريا، فمسلحو السلطة وبعض مسلحي المعارضة، أُعطوا أو أعطوا لأنفسهم حقوقاً لا مثيل لها، تصل حتى القتل من دون محاكمة، ناهيك عن الابتزاز والرشوة والمصادرة، وإهانة الناس بكلام بذيء وتهديدات وحشية لا تستثني أحداً.

وقد أُعطي مثلاً جنود الحواجز، التي تملأ الشوارع والزوايا وتقاطعات الطرق، مثل هذه الحقوق. يضاف إلى هذا كله، ضعف مؤسسات الدولة، وانعدام رقابتها، وغلاء الأسعار بين ضعفين وخمسة أضعاف، وبقاء الأجور مجمدة، وفقدان السلع والأدوية والأغذية، وعلى الجانب السياسي والإنساني، فقدان الكرامة والحرية والديمقراطية وتكافؤ الفرص، وضعف القضاء والمؤسسات الإدارية والخدمية وغيرها.

طوّرت السلطة سلاحاً جديداً لا مثيل له في العالم، هو البراميل المتفجرة، ولمن لا يعرف، تُملأ هذه البراميل بمواد متفجرة، وبقطع حديدية، وأدوات جارحة، وأحياناً بمواد شديدة الانفجار، وتلقى من طائرات حوامة، بحيث تسقط سقوطاً حراً، ولا يستطيع الطيار، الذي يطلقها التصويب على المكان المقصود، لأنها لم تطلق بقوة دافعة، وتحركها الرياح يميناً أو يساراً، وبالتالي تتحول إلى سلاح شديد الانفجار، يخطئ أهدافه غالباً، ويصيب من لا يشاركون في هذه الحرب القذرة.

من مهمات منظمة الأمم المتحدة، والهيئات والمؤسسات التابعة لها، والمنبثقة عنها، حفظ السلام في بلدان العالم، وعلى النطاق الإقليمي والعالمي، ونجدة الشعوب التي تصاب بكارثة، ومنع استخدام الأسلحة النووية، وخدمة السلام العالمي والعمل على استتبابه، وممارسة مختلف السبل لتحقيق هذه الأهداف، بما في ذلك التدخل العسكري.

ولا شك في أن ما أشرت إليه آنفاً والمتعلق بالمأساة السورية، تعرفه منظمة الأمم المتحدة، والدول الكبرى، والدول المعنية، بل تعرف تفصيلات وأحداثاً، ربما لا يعرفها إلا بعض السوريين، وهي متأكدة أن ما يجري في سوريا لم يشهده أي بلد في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، مع فارق أن التدمير في تلك الحرب كان من قبل أعداء، أما هنا فهو تدمير ذاتي.

ومع أنه لا يوجد أي أفق لحل الأزمة السورية، فإن دبلوماسيي الدول المعنية وسياسييها يهذرون، ويزعمون أنهم يعملون للوصول إلى حل سياسي، ويؤكدون استحالة وصول الصراع العسكري إلى نتيجة حاسمة، فماذا تنتظر الدول ذات الشأن ما دامت غير قادرة على الحل السياسي أو العسكري؟ ولماذا لا تمارس المنظمة الدولية حقها في التدخل وصولاً إلى إنقاذ السوريين من بلواهم، كما مارسته سابقاً أكثر من مرة، وفي بلدان عديدة؟

يميل بعض السوريين إلى نظرية المؤامرة لتفسير سكوت الدول الكبرى تجاه ما يجري في بلدهم، بينما يرى البعض الآخر في هذا السكوت استجابة لمطلب إسرائيل تدمير سوريا بأيدي السوريين، ولكنهم يجمعون على أن المأساة السورية تشكل عاراً على منظمة الأمم المتحدة، وعلى الدول ذات الشأن التي لا تهتم بما يجري في سوريا، وكأنها تقول؛ دعوا السوريين يدمروا بلدهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في صدد تحركات بشرية مرافقة للصراع السوري

ياسين الحاج صالح

الحياة

الثلاثاء 22/4/2014

أول شكل يتبيّنه الملاحظ للتحركات البشرية في سنوات الثورة هو بالطبع التهجير الداخلي والخارجي لما قد يزيد على 40 في المئة من السكان. يحتمل أن تسعة ملايين ونصف المليون هُجّروا من ديارهم بفعل الحرب، مليونان ونصف مليون منهم على الأقل خارج البلد. هذا غير مسبوق في تاريخ سورية، ونظائره نادرة في المنطقة وعالمياً. وهو، في ما وراء معالجات فورية واجبة تهتم بها جهات غوث سورية وإقليمية، وهيئات الأمم المتحدة، يثير أسئلة عن التفاعلات المحتملة بين اللاجئين وبين بلدان مستقبلة مثل لبنان وتركيا، والأردن وكردستان العراق، ومَهاجر أبعد.

كثير من اللاجئين يتصرفون كأنهم عائدون بعد وقت قصير، لكن غير قليل منهم يبدأون حياة جديدة في البلدان المستقبلة، ومن غير المحتمل أن يقطعوا روابطهم الناشئة والنامية بمجرد أن ترتفع الأسباب المباشرة للجوء. هذا مألوف في تاريخ ظواهر اللجوء، ويؤدي في حالات كثيرة إلى إقامة دائمة في البلد التي قدم إليها اللاجئون اضطراراً أو إلى ترجّح بين بلدين. الجيل الأصغر الذي يكتسب بسهولة لغة البلد المستقبل ويعتاد حيـاتـه قد يفضل البقاء فيه، خلافاً للجيل الأكبر الذي يعرض مرونة أقل في هذا الشأن. لا يزال الشتات السوري صغير العمر، لكن كلما طال به الأمد فـرض استمرار الحياة الجديدة أوضاعاً خاصة لا تنعكس بمجرد ارتفاع الظروف العامة التي تسببت باللجوء.

هذا الشكل الظاهر من التحركات البشرية التاريخية يخفي شكلاً آخر أضيق نطاقاً، لكنه قوي الأثر، واتجاهه من الخارج إلى الداخل عكس سابقه. أعني الشكل المرتبط بالحرب على البر السوري. هناك تحركات الجهاديين السنيين التي ألفنا أنها مرتبطة بالأوضاع الصعبة في بلدان تنهار فيها الدولة. ظاهرة المجاهد الجوال وليدة تلاقي ما يتسبب به فشل الدولة في بلدان الاستقبال (انهيار مادي وسياسي) والمصدر (فشل فكري وسياسي) من اقتلاع نفسي واجتماعي لأعداد كبيرة من سكانها من جهة، مع شبح الإسلام الامبراطوري الهائم في آفاقنا من جهة ثانية. العولمة ساعدت على اكتساب الشبح أجنحة إلكترونية في الوقت الذي فاقمت فيه ضعف الدولة المادي والفكري.

يقول إعلام النظام السوري إن «إرهابيين» من 83 بلداً منخرطون في «المؤامرة الكونية» على سورية. بصرف النظر عن تهويل دعائي أكيد في كل ما يقوله النظام، فإن هذا يعطي فكرة عن تحركات بشرية واسعة من الخارج إلى الداخل هذه المرة.

ومن المفهوم جداً أن يغفل هذا الإعلام مشاركة ألوف وربما عشرات الألوف من الشيعة اللبنانيين في حرب النظام السوري تحت راية مجاهدي «حالش» اللبنانيين، ونظراء عراقيين لهم في لواء أبو الفضل العباس وعصائب الحق وغيرهما، فضلاً عن الحرس الثوري الإيراني وآخرين من بلدان قريبة وبعيدة، يحتمل أن بينهم «مجاهدين» مسيحيين يحتضنون قضية النظام. وهؤلاء في أكثرهم، الإيرانيون واللبنانيون والعراقيون خاصة، لم يأتوا ليرجعوا بعد القيام بـ «واجبهم الجهادي». بطبيعته، هذا الواجب لا يتوقف أياً تكن محصلة الجولة الحالية. هناك الكثير من الجهاد ينبغي النهوض به في بلد له تركيب سورية السكاني الديني، وهناك كثيرون ممن ينبغي قتلهم أو هدايتهم أو القيام بالأمرين معاً. ومن يدين لهم النظام برقبته من غير المحتمل أن يكون هو صاحب القرار في شأن بقائهم أو ذهابهم.

أياً يكن، يحتمل أن نرى تغيرات ضخمة في الجيولوجيا الاجتماعية والدينية السورية، يصعب تقدير مداها.

هناك تحركات أضيق من خارج إلى داخل ليست جهادية، سوريون كانوا ملاحقين سياسيين من قبل النظام وعادوا إلى مناطق خرجت عن سلطته، لكن الظاهرة لم تأخذ مدى واسعاً بسبب السيطرة الجوية للنظام والسيطرة الأرضية لـ «داعش» وأشباهها في غير منطقة، فضلاً عن أن المعنيين مدوا جذوراً في بلدان الشتات بفعل طول المقام فيها.

هناك شكل ثالث أقل ظهوراً بعد من التحركات البشرية، ليس من الداخل إلى الخارج على غرار اللاجئين، ولا من الخارج إلى الداخل من صنف المجاهدين الجوالين، بل هو داخلي داخلي مبدئياً. يتعلق الأمر هنا بتحركات باكرة للسوريين نحو مواطنهم الأصلية، بعيداً من مراكز جذب مدينية اختاروا أو اضطروا إلى الإقامة فيها. الحركة هنا من العاصمة باتجاه مدن البلد الأخرى وأريافه، ومن المدن إلى الأرياف عامة. تحركات الجنود المنشقين كلها سارت على هذا النحو. وقبل أكثر من نصف عام وجدت نفسي مندرجاً في هذا الصنف من التحركات، وكانت مدينتي الرقة خياري الطبيعي. كان أكثر شركائي في الرحلة منشقين عن جيش النظام عائدين إلى بلداتهم وقراهم في الشمال والشمال الشرقي.

ومن هذا الصنف أيضاً الهجرة من مناطق خارجة عن سيطرة النظام إلى مناطق خاضعة له في دمشق والساحل من قبل منتفعين كبار كانوا أدوات للنظام في مناطقهم.

يبدو أن هذا الضرب الأعمق والأقدم من التحركات ينضبط بميل عام: يعود الناس إلى قواعدهم في أوقات المخاطر والتحولات الكبرى السريعة غير المسيطر عليها، بحثاً عن أمان أو عن أرض صلبة يعاودون الانطلاق منها. تعاكس هذا الميل العام، «الطبيعي»، قوى أخرى مرتبطة بما بقي من منطق الدولة الصنعي (الجيش، الجامعة، الوظيفة الحكومية...)، وبمنطق الدين الصنعي بدوره («الجهاد»)، وبمنطق النشاطية السياسية، الصنعي أيضاً. في غياب هذه الميول المعاكسة، تسير الأمور في اتجاه نابذ عن المركز/ المراكز، باتجاه الأطراف. وهذا ميل معاكس لسير الأمور طوال عقود منذ استقلال سورية، بل منذ تكوّن كيانها الحديث قبل أقل من قرن. وهو تحول تاريخي بهذا المعنى، وقد يكون باب تشكل ديموغرافي جديد.

الشكل الأخير من التحركات البشرية، الداخلي الداخلي، هو الأقدم والأوسع. الشكل الأول، اللجوء الداخلي والخارجي، على رغم هوله واتساع نطاقه مُركّب فوقه، وهو مؤشر على عنف محطم للبيئات المحلية، أو على اندلاق العنف وانتقاله من نطاق السلطة والسياسة والمركز إلى نطاق المجتمع والبيئات المحلية والأطراف. أما الشكل الثاني، الجهادي، فله حركية خاصة، لا تنضبط حصراً بعوامل سورية محلية. وبما أن اتجاهه من الخارج إلى الداخل، فلعلنا لا نخطئ بوصف هذه التحركات بأنها من طبيعة احتلالية. في سورية احتلالان أجنبيان اليوم، يرمز إليهما «حالش» و«داعش».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أين مجلس الأمن والمحكمة الجنائية؟!

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 22/4/2014

طلع علينا التلفاز في السادس عشر من هذا الشهر ببرنامج يهز الإنسان كرامة وضميراً ومصيراً، ويطرح أسئلة عظمى على المشاهد عموماً والسوري خصوصاً. أما هذا البرنامج فينقل لقاء يعلن أنه يعالج قضية تتصل، هكذا قيل، بحالة مذهلة حدثت في سجن بسوريا تسيطر عليه عناصر من الشرطة العسكرية، أما ناقل هذه الحالة فهو واحد من هذه العناصر انشق عنهم واسمه سيزار، وقد ظل هذا صامتاً، إلى أن وجد المكان المناسب للإعلان عن المشاهد المرعبة في السجن المذكور، من طرف آخر، كان المتلاقون في البرنامج التلفازي ذوي علاقة بمجلس الأمن مع أنهم التقوا بكيفية مغلقة غير رسمية وغير ملزمة، وقد أعلن رئيسهم أنهم يلتقون بهذه الطريقة وبتلك الصفة بعد أن أعلنت روسيا والصين كلتاهما اعتراضهما (الفيتو) على رفع القضية هذه إلى المحكمة الجنائية الدولية.

والآن، علينا أن ننقل ما نقله الشرطي المنشق مما شاهده مشاهدة العين في السجن، لقد أعلن السجين المنشق هذا في «ملف السجون في سوريا» أنه يوجد في هذه الأخيرة أحد عشر ألفاً من السجناء.. وكانت هنالك صور أخذت لهؤلاء وصل عددها إلى خمسة وخمسين ألفاً، وهذه الصور أخذت لأولئك الأحد عشر ألفاً، وبالتالي يكون لكل واحد من هؤلاء خمس صور، أما أعمار السجناء فهي بين عشرين وأربعين عاماً، وقد التقط تلك الصور ذلك الرجل سيزار ما بين عامي 2011 و2013، أما كيفية قتل أولئك السجناء (الأحد عشر ألفاً) فقد تمت بطريقة «الخنق باليدين» وليس بطريقة الإعدام.

هذه هي الصورة الفائقة الوحشية التي ناقشها التجمع المذكور في ضوء الاعترافات التي قدمها الشرطي العسكري الذي ضبطها بعد أن شاهد أحداث الخنق وقرر بعدها أن ينشق عن أولئك الوحوش القتلة، لم يحتمل الرجل تلك المشاهد فكان بحاجة هائلة لاكتشاف أن ذلك الذي طُلب منه (القتل بطريقة الخنق باليدين)، يحتاج أن يتحول الإنسان المعروف بالعاقل إلى كائن آخر ليسميه المرء ما شاء.

ولعلنا نعود إلى مرحلة تاريخية منصرمة هي تلك التي عاد إليها المفكر الفرنسي رينيه جينون (توفي 1951) أي إلى الإسلام فوجد فيها حلاً لما لم يجد فيه مثل هذا الحل. ثنائية الشرق والغرب هي التي عاد إليها "جينون": هذا الشرقي الذي يمتلك شعوراً بالآخر، والغربي الذي لا يمتلك شعوراً بالآخر، ولكنه العالم المادي، بماديته التقنية وثرواته المالية والاقتصادية، وعلينا أن نختار بين هذا وذاك. جينون الذي كتب كتابه الشهير «أزمة العالم الحديث» وجد أنك إن أردت العيش فعليك أن تنبذ العالم الغربي الحديث وتأخذ بقيم العالم القديم ومن ثم فأنت تسير بقدم واحدة.

كانت الفكرة التي جرى تجاوزها هي تلك المتمثلة بالمادي (هنا: الشرقي والسوري من ضمنه) من أجل امتلاك المادي، ولكنك حين ترغب في الاثنين كليهما معاً، فإنك تكون قد أنشأت علاقة زائفة، كما هو الحال بالنسبة إلى روسيا التي رفضت الاعتراض على من تسبب في خنق أحد عشر ألفاً من الناس وفضلت الوقوف إلى جانب القتلة، أما لماذا؟ فإنك تواجه بفكرة المصالح من طائرات ودبابات وأسلحة متوسطة وخفيفة، من تلك التي قدمتها روسيا للمتعاملين معها في المصالح، لقد ترك جينون عالمه الغربي (القاسي بإجرامه) وانحاز إلى عالم شرقي مازال قائماً في العالم العربي -ومن ضمنه سوريا- يعتاش على الاستبداد والفساد والإفساد وعلى رفض الإصلاح والنهضة والتقدم والتنوير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com