العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27 /03/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بشائر حوران

صبحي حديدي

2011-03-20

القدس العربي

 أكتب هذه السطور وأخبار مدينة درعا السورية، عاصمة المحافظة ودرّة منطقة حوران العريقة، تخضع لحصار أمني عسكري شديد، يُخضع الداخلين إليها، مثل الخارجين منها، لعمليات تفتيش وتدقيق لا ينقصها، كما يتندّر بعض أهلنا الحوارنة، إلا إبراز جواز السفر و... تأشيرة الدخول! وكما بات معروفاً الآن، شاءت أقدار درعا، وشرف بناتها وأبنائها، أن يسقط من بين صفوفهم أوائل شهداء الإنتفاضة السورية؛ وأن يختار لهم بغاة النظام وأبواقه تسمية كنّا نظنّ أنها صارت في مزبلة التاريخ، إلى غير رجعة: 'المندسّون'... على مَن؟ من أين؟ كيف؟ ولصالح مَن؟

كذلك تشرّفت حوران (وليس في استخدام هذا الفعل أيّ ميل للتفاخر المجاني، بصرف النظر عن المفارقة المحزنة) بأنها كانت أولى المدن السورية التي أُذيقت الغاز المسيل للدموع، بعد الرصاص الحيّ، بأيدي وحوش السلطة الكواسر. ذلك لأنّ حوران، بادىء ذي بدء، سيّرت أكبر مظاهرات الإنتفاضة السورية حتى الساعة، واستحقت بالفعل لقب 'سيدي بوزيد سورية'؛ كما أنها، من جانب ثانٍ، ردّدت تلك الشعارات، الفصيحة البليغة الشجاعة، التي توجع النظام أكثر: بعد الهتاف ضدّ رامي مخلوف، ابن خال الرئاسة وتمساح النهب والفساد، ذكّر المتظاهرون بأنّ الخائن هو ذاك الذي يقتل شعبه.

وإذا كان مفهوماً أن يتأثر تلامذة حوران الصغار بمشاهد ساحة التحرير في القاهرة، فيردد بعضهم شعار 'الشعب يريد إسقاط النظام'، ويكتبه البعض الآخر على الجدران (فتعتقلهم السلطة لهذا السبب، وهم في الاحتجاز منذ قرابة شهر!)؛ فهل يحتاج شباب حوران وشيبها إلى 'مندسّين' يحرّضونهم على طلب الحرّية والهتاف ضدّ الفساد والفاسدين؟ يحزّ في النفس على نحو مضاعف، وهنا بعض المفارقة المأساوية أيضاً، أنّ 'بطولات' كواسر النظام ضدّ المواطنين العزّل، واستخدام الرصاص الحيّ، كانت تجري على مبعدة كيلومترات قليلة من أرض الجولان المحتلة، حيث لا يتجاسر فرسان بشار الأسد على استخدام بندقية صيد.

ذلك لأنّ حوران صنو الجولان، وليست الجيرة وحدها صانعة أواصر القربى والتواصل، بل التاريخ القريب مثل ذاك السحيق، على مرّ العصور، وفي مستويات إنسانية وثقافية وأنثروبولوجية بالغة العمق وضاربة الجذور. ولا يُلام الواحد منهم، في حوران إسوة بالجولان، حين يحلو له اقتباس هذين البيتين من النابغة الذبياني، على سبيل المفاخرة:

بكى حارثُ الجولان من فَقدِ ربِّهِ/ وحَورانُ منهُ موحشٌ متضائِلُ

فآبَ مضلّوه بعينٍ جليّةٍ/ وغُودر بالجولان حزمٌ ونائلُ

إذْ لعلّ هذه القصيدة البديعة التي ترثي أحد أمراء الغساسنة العرب، ويقول مطلعها: 'دعاكَ الهوى واستجهلتكَ المنازل/ وكيف تَصابى المرء والشيب شامل' هي الأجمل في الإشارة إلى الجولان وحوران معاً، وذلك رغم وجود العديد من الأبيات الأخرى الجميلة التي قالها امرؤ القيس، وحسان بن ثابت، وأبو تمام، والفرزدق، والراعي النميري وسواهم. والحوارنة الجولانيون، مثل الجولانيين الحوارنة، على حقّ في ترجيح كفّة النابغة، لأنه يتحدّث عن حارث الجولان (إحدى القمم فيه)، وحوران (المنطقة الجارة)، وحزم ونائل (من قبائل العرب التي كانت تسكن الجولان)، فيمزج المكان بالزمان والتاريخ بالجغرافيا، ويشدّد تلقائياً على عراقة تلك الهضاب والبطاح والذرى.

من جانب آخر، حين يرفع متظاهرو حوران شعارات تخصّ مطالبهم المحلية، إلى جانب المطالب الوطنية التي تشمل سورية بأسرها، فلأنّ هذه المحافظة الأصيلة ظُلمت مراراً، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً أيضاً، رغم أنها خيّرة معطاءة؛ ليس في إنتاج الحنطة الحورانية المميّزة فحسب، بل أيضاً في إنتاج الشعير والزيتون والعنب والخضراوات واللوزيات. وكان الشاعر الأردني عرار قد امتدح خبزها القمحيّ في بيت شهير: 'فلا عليكَ إذا أقريتني لبناً/ وقلتَ خبزتنا من قمح حوران'.

أتيتُ على هذه الأسباب حين سألني صحافي فرنسي صديق: لماذا درعا، بالذات؟ وكان من باب الإنصاف أن أضيف عامل جيرتها مع السويداء، المحافظة التي لا تقلّ عراقة، وكانت مقرّ أركان المجاهد سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى، 1925، ضدّ الإنتداب الفرنسي. وأضفتُ بأنّ المنطقة خضعت لقوى إقليمية كبرى قبل الفتح الإسلامي في القرن السابع، وقلعة بصرى شاهدة: بناها الأنباط، ثم هدمها الرومان، وأعاد الأنباط بناء مسرحها الكبير، حتى اتخذ الأمويون من مدرجها نواة لبناء القلعة. كذلك احتضنت سهول حوران معركة اليرموك الشهيرة، سنة 636 م، بين المسلمين والروم، وانتهت إلى هزيمة أقوى جيوش العالم آنذاك، ومنها سوف يطلق هرقل كلمته الجريحة الشهيرة، حين غادر إلى غير رجعة: 'السلام عليك يا سورية، سلاماً لا لقاء بعده، ونِعْمَ البلد أنت للعدوّ وليس للصديق، ولا يدخلك روميٌ بعد الآن إلا خائفاً'.

فكيف للنظام أن لا يحاصرها، خائفاً ومستشرساً في آن معاً؟ وكيف لا تتخذ درعا، وقفة كرامة بعد أخرى، يوماً بعد يوم، صفة 'سيدي بوزيد سورية'؟ وكيف لا نغبط أهلها، الفرسان الأصلاء بحقّ، حين يهتفون: من حوران هلّت البشاير؟

بدأتُ هذه السطور بأخبار حصار درعا، وأجدني أختمها برسالة إلكترونية عاجلة، وردتني للتوّ، تفيد بأنّ مآذن المساجد في المدينة تطلق نداءات لإسعاف المصابين، بعد اندلاع تظاهرات جديدة.

ما أبعدَ ما فات، وما أقربَ ما يأتي!

====================

دولة القانون العربية ليست حلما

مطاع صفدي

2011-03-20

القدس العربي

لماذا البحث طويلاً عن أسباب الثورة العربية الجديدة فهي الأوضح والأكثر والأغزر بالكم والكيف. إنها الواقع المعيشي والمجتمعي بجملته، يحوي كلّ الأسباب الباعثة على زلزلة الجبال الراسخة.

فالسؤال الأصح إذن ليس في اجترار الأسباب المفضوحة للقاصي والداني، لكنه السؤال الأصعب: لماذا لم تحدث الثورة. وتأخرت هكذا سنين طويلة حتى انفجرت طلائعها أخيراً. هذا السؤال ينبغي أن يتبعه استفهام لا يقل أهمية وخطراً، عمّا إذا كانت هذه الثورة سوف تبلغ هدف التغيير الشامل، هو مطمحُ الجماهير والنُخب المتحركة جميعها هذه الأيام. فالقلق على مسيرة الثورة ومستقبلها القريب قبل البعيد يصاحب تحركاتها منذ بداياتها.

كلّما حققت فوزاً في ساحة، تعاظم القلق والتطلع معاً إلى النصر الأكبر القادم. لكن الانقطاعات والانتكاسات هي الوجه الآخر من إيقاع كل مسيرة ثورية مهما عظم شأنها، بشرط ألا تأتيها النكسة الحاسمة التي تقمع جذورها في عمق التربة الجماهيرية.

ولا شك أن القمع البوليسي والعسكري هو العدو المادي المباشر للثورة. هما معاً، القمع والثورة، يتقاسمان يتنازعان السيطرة على الشارع. فلم يتأخر انفجار الغضب إلا بسبب حرمانه من الشارع. فلقد أحكمت أنظمة القمع السلطوي سيطرتها على كل ماهو شأن عام، مادي أو معنوي. أي أنها عطّلت الوظيفة الجمعية للكتل البشرية. كل ما هو مجال جمعي سَكَنَتْه أشباحُ السلطة. يحدث انقطاع التواصل بين الأفراد، كذرات الرمال تتلامس ولا تتداخل.

حين تنتقل الثورة من النفوس إلى الشوارع يولد مجتمع إنساني مختلف؛ ساحة التحرير في القاهرة أعادت تكوين المجتمع العربي المصري، ومازالت تعيد تكوينه من إنجاز ثوري إلى آخر. وربما لم تكن عمليةَ إعادة تكوين، بقدر ما أعادت مصر إلى تكوينها الأصلي المسروق منها طيلة الثورة المضادة من السادات إلى مبارك.

نحن نقول لشعب ميدان التحرير ألا يتخلى ليلا أو نهاراً عن الالتصاق أكثر بأحجار هذا الميدان المقدسة؛ الشارع القاهري يبعث الروح في أحجار الشوارع العربية كلها. أطاح بفرعون الهرم، ويطيح بأعلى صخوره النخرة. تقويض (المباحث العامة)، ينبغي أن يكون تدميراً في الشكل والمضمون كيما يمكن التصريح بالفم الملآن أن عصر العبودية دقَّت ساعته، وأن دولة القمع فقدت زبانيتها، أمست مكشوفة الصدر والرأس، مجردة من حراسها وأنيابها معاً. إنهيار دولة القمع يعني إبطال قوانينها، الذي يمنع الفضيلة باسم الرذيلة وحدها.

هل هو مجرد حلم أن يغدو الإنسان العربي سيّدَ نفسه. أن يولد مجتمع الناس الأحرار حقاً. ماذا لو أصبح الوطن العربي ملكاً لمواطنيه الأربعمائة مليون، أين هم زُمَرُ اللصوص، القتلة ومجانين السلطة وسماسرة الخيانات والبغاء السياسي.. عندما تزول دولة القمع لن تبقى ذاكرة بريئة تستدعي وجهاً أو إسماً أو موقفاً لأحد من هؤلاء، صنَّاع الإنحطاط العربي المعاصر.

غير أن صراع الثورة مع دولة الطغيان لن يضع أسلحته جانباً بين عشية وضحاها. وإلا فسوف تكون الثورة الناقصة أخطر على ذاتها ومجتمعها من الثورة المضادة. إذ سوف تبعث اليأس سريعاً من مفاعيلها غير الفاعلة، غير المنتجة إلا شعارات التغيير وحدها. فالخوف هو من ضجر الترداد لذات الأقوال والنوايا الطيبة من دون المبادرة المنظمة، لإعادة تجهيز دولة القانون بمؤسساتها الشرعية الرئيسية.

فالبديل البنيوي عن الأعضاء الفاسدة في الجسم الاجتماعي ليس صناعة إرادية فحسب، لكنه حصيلة جهد طليعي وحضاري معاً. لن تكون دولة القانون تقليداً مستعاداً من تجارب ماضية، أو نسخة مستوردة من تجارب الديمقراطيات المتقدمة. فالعقل النهضوي العربي لم يتفكر القانون الوضعي، ولا كانت له تجارب مؤسسية مع تحققاته العملية. كما أنه ليس من الممكن أو المجدي استعارة نماذج غربية قد تكون شائخة بمزاياها ونواقصها معاً. يبقى السؤال إذن: كيف، على الثورة وحدها أن تتقبل هذا التحدي التاريخي حقاً، أن تبني دولة القانون العربية لأول مرة في وقائع الحدث الاستقلالي الوطني المتعثر دائماً منذ نشأته المتواضعة والمجتزأة والمحرفة. ولعلّ أفدح ما أصاب ذلك الاستقلال هو الحيلولة بينه وبين قدرته في إنتاج سلطة القانون ما فوق كل السيطرات المختلفة لقوى الأمر الواقع سواء المتوارثة أو المفروضة. هذا لا يعني أن وزارات العدل ليست متخمة مكتباتها بتصانيف القوانين، كما هي متخمة بقاعات المحاكم ومنابر القضاة والمحامين والمتقاضنين. كل هذه (الأشياء) أشباهٌ فاقدة لأشيائها الحقيقية.

ما تنادي به الثورة العربية الجديدة عبْر شعار استرداد الكرامة لمواطنيها، هو أنه ليس له من سبيل نحو المستقبل الغريب مادامت وزارة العدل هي شاهدة زور فحسب على وقائع الحياة اليومية للظالمين والمظلومين من أغلبية الشعب المغلوب على أمره، ما قبل (ميدان التحرير) وخلاله وبعده وإن كان مشاركاً في الثورة معظمُه أو بعضه، فإنه لم يعرف بعْدُ كيف يصكَّ عملة الحريات الجديدة النظيفة ويوزعها على أعضائه بالعدل والقسطاس. ذلك هو اللغز الأخفى لمصطلح (مَكرُ التاريخ). فالديمقراطية الفرنسية، على سبيل المثال، احتاجت إلى عشرات الثورات الفرعية، ونكساتها وراءها وفيما بينها، حتى تمكنت من قطع الرحلة الشاقة بين تدمير سجن الباستيل وتشريع الحقوق الاجتماعية بعده بقرنين تقريباً. لكن ثورات العصر الافتراضي الراهن مطالبة بحرق المراحل، بقطع مسافات العقود والقرون، خلال أسابيع وأشهر فقط. ذلك أن انتصارات الشعوب في هذا العصر، تعتمد تراكم النضج الثقافي لمدنية الإنسان الشاملة، الطافحة بدروس الحرية لها ولأعدائها.

الثورة العربية الجديدة هي قديمة كذلك. لم تنبت هكذا من أرض بوارٍ، من فُجاءة التاريخ وحدها. كان لها ماضٍ عريق، وسلالة ثورات مجيدة سبقتها، ومهدت لها. إنها الثمرة الناضجة التي يكتشفها جيل الشباب المتعلم، وتلبيه الطبقات الأعمق من كافة الشعوب العربية الرافضة لمصير الذل والهوان. فهي إذن الثورة التي لن تتوقف عند الإطاحة بالرأس السياسي الفاسد مع الإبقاء على جسم النظام الذي سوف ينبت رؤوساً فاسدة أخرى سواه. ما تعنيه مطالب دولة القانون أن الثورة ترفض خديعة نفسها إذ تقبل خديعة اعدائها. فالقانون هو وحدَه المسؤول عن مأسسة الثورة وإلا أمست الثورة موجة غضب تُبدّدها موجة مضادة أخرى. ذلك ان القانون يُمَوْضع الغضب الإنساني، يمنحه عقلانية المعايير الحاسمة، الفاصلة بين البشر الأخيار وأعدائهم الأشرار. فالأساس الثابت والمؤصل في ثورات الشعوب هو الانحياز التلقائي لحاكمية العدل، بما يشكل أو يغذي نوعاً من آمرية موحدة لضمائر الأفراد والجماعة. وعلى هذا فإن أسوأ ما ينتجه جدل النهضة مع الانحطاط في حال الجولة الفاشلة بينهما، هو انهزام هذا الآمر الإنساني واختفاء هويته، ولو مؤقتاً، في صدور الخاصة قبل العامة من الغالبية المجتمعية. أما في حال صمود جدلية النهضة ضداً على جولات الانحطاط المداهم، وتعثراتها المتوالية. فالثورة الكلية هي التي تبطل الحلول الجزئية. بمعنى أن فكرة العدالة ليست مجدية في حد ذاتها، إن لم تتحول إلى أفعال الإنصاف. تلك هي دولة القانون المؤمنة بأحقية العدالة، لكنها المشرَّعة لمعايير الإنصاف، والحامية لأفعاله وإنجازاته، على مستوى التغيير المادي والمعنوي لحياة الناس.

تظلّ الثورة بعد التخلص من الحاكم الفاسد، مجرد ثقافة شعبوية، إن لم تنتج نظام عدالتها. إن لم تشرّع معه أيديولوجيا قائدة لعلاقات الإنصاف بين قوى المجتمع. إن لم يصبح القانون هو مشرّع السياسة وليس العكس، دائماً. هذه الفكرة هي بمثابة المبدأ الجوهري لكل دستور أمين على منطلقات الثورة ومسيرتها الراهنة والمستقبلية. فالثورة تتحدى ذاتها برهان القدرة على ترجمة العدالة إلى أحكام الإنصاف في كلّ شأنٍ سياسي، اقتصادي، ثقافي واجتماعي شامل؛ ذلك ليس مثلاً طوباوياً، إنه رهان التاريخ المطروح على حضارات الإنسان ومدنياته منذ بداية المعمورة. ولن تُغير الأزمنة والأحوال شيئاً، من أعراضه أو جوهره. نحن العرب محتاجون ربما أكثر من أية أمة أخرى اليوم، إلى طقسنة هذا المبدأ وجعله مصدر التشريع المركزي لدولة الحرية ما بعد التغيير السلطوي. فالمثالية أمست قابلة للبرهان الواقعي مع إنجازات ثورة العرب الشابة. لكن المهم هو تنمية المعادلة الصعبة، بل الخلاقة، بين قيادة الثورة المستوطنة 'ميادين التحرير' في عواصمنا المتحركة، وبين أدمغة الحكام الجُدد في المكاتب العليا للسلطة. والتجربة المصرية تستعيد دور الريادة لذاتها ولعالم عربي فاقد لثقافة الحرية والعدال معاً؛ لا يدري حتى اليوم أية ديمقراطية لما بعد عصر الاستبداد سوف يختار؛ فما حققته ثورة القاهرة هو انها حطمت (باستيل) العرب. لكن إقامة دولة الثورة تحت عنوان القانون وحدها، ذلك هو الجهد الأعظم الذي يتطلب أوسع حضور فاعل لقوى الشعب العامل والمثقف والسياسي والاقتصادي، بمعنى أن المدخل إلى كل هذا، هو ابتكار النظام الأفضل للتمثيل الشعبي.

من هنا يمكن فهم العمق الحقيقي لهذا النقاش الدائر بين أنصار دستور قديم معدل، وآخر جديد كلياً، عاكس لدوافع الثورة وأهدافها. ذلك أن أية مؤسسات تشريعية سيبنيها دستور النظام البائد، وإن كان معدلاً، لا بدَّ أن تترجم الخارطة الانتخابية لمجتمع ما قبل الثورة خلال فترة زمنية محدودة.

وبالتالي سوف يظل الهرم الإداري للدولة الفرعونية قادراً على امتصاص متغيرات وليدة، لم يتح لها الوقت الكافي لإنتاج المنظمات الحزبية الجديدة لشبيبة ميدان التحرير. فالخارطة الانتخابية الراهنة موزعة بين بقايا حزب السلطة الفرعونية، وجماعة الإخوان المسلمين. بكلمة أخرى ليس ثمة موعد قريب لقيام دولة القانون لكن الطريق المؤدية إلى (جنتها) قد شَقَّت مسارها، وإن لم يتم تعبيدُها بعد؛ تلك هي المهمة الأعمق والأبعد مدى لطلائع المرحلة الراهنة والمستديمة، المنخرطة في تشريع الثورة الاجتماعية ومعادلها السياسي اليومي.

دولة القانون لن تنهض إلا على أكتاف مجتمع الناس الأحرار صحيح، لكن متى وكيف.. لن يجازف أحد بأجوبة قَبْلية. إنها الثقة بالعربي الإنسان الذي لن تستبعده بعد اليوم سوى حريته وحدها.

--------******************-------

أما بعد.. فهذا كلام المشفقين من الغد وعليه

زهير سالم*

هذه الكلمات تجديد وتأكيد للدعوة إلى الإصلاح الذي أصبح في ظلال المستجدات التي نعيش ضرورة شرعية، ومطلبا وطنيا، ومخرجا من أزمة. وبديل هذا الإصلاح ما نرى وما نسمع جميعا من عدوان على الحرمات وسفك للدماء ثم الصيرورة إلى ( حيث ألقت رحلها أم قشعم )

هذه الكلمات تنبع من إرادة للخير يعم الناس جميعا، وإشفاق من الشر، قديما قالوا إن مبدأه مستصغر الشرر. والعاقل من اتعظ بغيره. والفيئة إلى الحق، ما كانت ممكنة، خير من التمادي في أخيه. وإن فاتنا من هذه الكلمات ما نترجى من نتيجة فلن يفوتنا حسن القصد وسلامة النية وإقامة المعذرة إلى ربنا.

 

لن نبدئ ونعيد في شرح ما لا يغيب. بل الإنسان على نفسه بصيرة. وليس من غرض هذه الكلمة تنديد ولا تثريب. وفي الواقع الذي تعيشه بلادنا ما يغني عن الشرح والتفصيل.

 

وفي أطراف المعادلة الوطنية بعض الخبء الذي يحجبه أصحاب المصالح. وعلى الساحة الوطنية أيضا رجال صدق في بذل النصيحة. صدق في البحث عن المخرج الذي يعود بخيره على الجميع. صدق في إرادة درء المفاسد عن فضاء البلاد وحياة العباد.

 

ومن هذه المنطلقات يمد هؤلاء الرجال أيديهم لتسهيل القادم، الذي لا بد منه؛ لاجتلاب خيره وتعميمه، ودرء ما يمكن من ضرره وشره وما يمكن أن يصاحبه أو يعلق به.

 

وتقوم هذه الورقة أصلا على أن لكل إنسان قلب يحب به الحق والخير والجمال والحرية والعدل، ويحب به أيضا أخاه الإنسان. كما أن لكل إنسان عقل يعرف به الخير من الشر والصواب من الخطأ. والصلاح من الفساد. وأن كل إنسان تصح في نفسه العزيمة على الخير والرشد يصبح موضعا لخطاب الناصحين، ومحلا لثقة العقلاء المتعاونين..

 

إن الانتقال بسورية الدولة بكل مقوماتها وسلطاتها ومكوناتها إلى مصاف مثيلاتها من دول العالم في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أصبح ضرورة شرعية ومدنية، وعلى كل الذين يحاولون التعويق إيثارا لمصالحهم أن ينزاحوا..

 

الشعب السوري يريد بناء سورية دولة مدنية عصرية حديثة لجميع أبنائها. إن شعبنا الحر الأبي لقادر على التمييز بين ( خطأ في البنيان ) وبين ( خطأ البنيان ). وهو تمييز له استحقاقاته ومقتضياته.

 

نريد – جميعا - أن نضع شعبنا على أول طريق النهوض بعد أن سبقته الشعوب. نريده أن تتاح له فرصة التحدي الحضاري بكل أبعاده.

 

إن السباق لا يصح بين المتسابقين إلا إذا توحدت شروط المضمار. وحين تتوحد شروط المضمار نضمن عن شعبنا أنه لن يغلب ولن يقهر ولن يسبق ولن يتخلف. ولأن يكون أحدنا فردا في شعب حر عزيز خير من أن يكون رئيسا على شعب مهزوز تتداعى الأمم عليه كل صباح ومساء..

 

نحن نقدر أن إحداث هذه النقلة الإنسانية والحضارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ليست بالأمر اليسير ولكنه يسير على من يسره الله عليه.

 

وستواجه السالكين على الطريق إلى الهدف الكثير من الاستحقاقات.ويجب أن نوطن النفس على القيام بحق الهدف النبيل بالحب والرضى وأن نقبل بالتضحية فنخرج عن بعض الأمر مشكورين خير من أن نسير في طريق لا تؤمن غائلته ولا تضمن نتيجته..

 

إن إزالة المظالم وردها على أصحابها. وإغلاق السبيل على أهل الريب والفساد من الطامعين والطامحين جسر لا بد من عبوره للعالم الأرحب والأجمل..

 

وشعبنا قادر على أن يبادل الحب بالحب والثقة بالثقة. ولتكن هذه هي نقطة البداية. لن نفيض في ذكر المدخلات الأساسية لوضع الأسس الصالحة لبنيان الدولة المدنية الحديثة. ولكن حالة الطوارئ، والمحاكم والقوانين الاستثنائية، وامتدادات الأجهزة الأمنية، والدستور المؤسس للاستعلاء الحزبي، والقوانين النابذة والمقيدة للحريات العامة، وغياب قانون الأحزاب والشفافية عن الحياة العامة، والزنازين التي تحولت مع الزمن إلى مطامير؛ كل هذا لا يعطي انطباعا أن هناك حاكما يثق بشعبه، وبالتالي ليس له أن ينتظر ثقة من هذا الشعب..!!

 

إن النزول على الإرادة الوطنية الحقيقية باستحقاقاتها ومقتضياتها هي الخطوة الأولى على طريق مشروع نهضة سورية الوطن والإنسان..

 

 نعيد الكتابة في مثل هذا لتجنيب سورية، التي هي لنا جميعا ويجب أن نحبها جميعا بالقدر نفسه، المزيد من الآلام والمزيد من سفك الدماء....

 

رحم الله شهداءنا في درعا الحبيبة. وأدعو إلى عرض الأطفال من أبناء العاشرة الذين تم اعتقالهم وتعذيبهم على طبيبة نفسية تقنعهم أن ما تعرضوا له كان حلما سيئا في ليل شتوي طويل..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي 

--------******************-------

في آذار تتعانق أرواح ضحايا درعا مع أرواح ضحايا القامشلي وعفرين..

المحامي مصطفى أوسو

 مرة أخرى واستمراراً لسياسة القمع والاستبداد والتنكيل...، بحق المواطنين السوريين ومصادرة حقوقهم وحرياتهم الأساسية، قامت السلطات الأمنية السورية بتاريخ 18 / 3 / 2011 بإطلاق الرصاص الحي والقاتل على تجمع سلمي حضاري في محافظة درعا، مطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية والمساواة وتحسين ظروف حياتهم ومعيشتهم ومحاربة الفساد والمفسدين...

 وقد أدى هذا العمل الإجرامي الذي ينم عن مدى استهتار هذه السلطات بالقيم الإنسانية، إلى وقوع العشرات من الإصابات والعديد من الجرحى، إضافة إلى إزهاق أرواح ثلاثة مواطنين، تم تشيعهم إلى مثواهم الأخير يوم 19 / 3 / 2011 والتي لم تخلو من العنف هي الأخرى في مواجهة المشيعين، لتعانق أرواح هؤلاء الضحايا الثلاثة أرواح أخوانهم ضحايا إطلاق الرصاص الحي والقاتل في القامشلي وعفرين...، أعوام 2004 و 2007 و 2008 ولتصبح دمائهم الزكية الطاهرة أمانة غالية في أعناقنا نحن الموجودين على قيد الحياة، للعمل بصفوف موحدة من أجل تحقيق أمانيهم وتطلعاتهم في بناء وطن تزدهر فيه الحرية وتنمو فيه بذرة الديمقراطية، وطن لا مكان فيه للصوص والحرامية والفاسدين، وطن يعيش فيه أبنائه بكرامة وآمان وطمأنينة واستقرار، وطن لا مكان فيه للاستغلال والتمييز والاضطهاد...

 أن إمعان السلطات الأمنية السورية في إطلاق الرصاص الحي القاتل على التجمعات السلمية للمواطنين السوريين، سواء المطالبين بحقوقهم وحرياتهم... أو الفرحين والمبتهجين بأعيادهم ومناسباتهم، يؤكد بأنها لا تأبه أبداً بأي عرف أو قانون أو شرعة...، وضعية أو سماوية...، فالحق في الحياة، يعتبر من الحقوق اللصيقة بالإنسان، وهو نتيجة جوهرية لكل إنسان، وهو المصدر المحرك لإرادته في الوجود والتمايز والإبداع...، ولخصوصية هذا الحق، حق الإنسان في الحياة ،ولأنه الأساس لحقوق الإنسان الأخرى، فأن القانون الوضعي كفل احترامه، كما حماه أيضاً التشريعات السماوية، ولذلك فأن أي انتهاك له وبأي ذريعة كانت تعتبر جريمة قتل قصد يعاقب عليها القانون بأقسى أنواع العقوبات، فقد نصت المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 على أن حق الحياة هو حق متأصل في الإنسان، ولأن سوريا انضمت إلى هذا العهد وصادقت عليه وتعهدت بالالتزام به، فأن هذا العهد يصبح جزء لا يتجزأ من تشريعها الداخلي ( الوطني )، أي أن الحق في الحياة يجب أن يكون متأصلاً في المواطن السوري، لا أن يكون مهدوراً ببلاش وبطلقة رصاص من بندقية رجل أمن.

 ومثلما لم تنجح عمليات ممارسة السلطات الأمنية السورية للقمع والعنف وإزهاق الأرواح...، بحق أبناء الشعب الكردي في سوريا، في تحقيق أهدافها العنصرية والقضاء على واقع وجوده التاريخي وشطبه وإلغاءه... والنيل من إرادته وعزيمته في التعبير عن ذاته ومواصلة نضاله السلمي الديمقراطي الجماهيري...، وتحقيق آماله وطموحاته وحقوقه الإنسانية والاقتصادية والثقافية والقومية...، وتعزيز أواصر العلاقات التاريخية والتعايش المشترك بينه وبين الشعب العربي والقوميات الأخرى في سوريا، رغم ما رافقتها من حرب إعلامية سلطوية شعواء لتشويه سمعة الكرد وإظهارهم لدى أخوتهم السوريين بمظهر الانفصاليين والمتآمرين والمتآمركين والمرتبطين مع الخارج...، لدق إسفين بينه وبين أخيه الشعب العربي في سوريا، إلا أن الشعب السوري، بعربه وكرده وقومياته الأخرى المتآخية على مر التاريخ، وبفضل جهود أبناءه المخلصين استطاع أن يجهض تلك المؤامرة الخبيثة، ليبقى الشعب السوري أخوة في هذا الوطن يشاركون بعضهم البعض الأفراح والأحزان ويعيشون في حب وسلام ومودة ووئام...، مما جسده بشكل عملي وواقعي الناشط السوري الأستاذ رياض درار، بعد أحداث القامشلي بحوالي سنة واحدة وفي خيمة عزاء ضحية قمع الأجهزة الأمنية السورية الشيخ محمد معشوق الخزنوي بكلمة وموقف مؤثرة دخل على أثرها السجن لعدة سنوات...، نقول مثلما لم تنجح عمليات العنف والقمع وإزهاق أرواح أبناء الشعب الكردي في تحقيق أهدافها...، فإن العنف الممارس اليوم بحق عموم أبناء الشعب السوري وأبناء محافظة درعا بشكل خاص وإزهاق أرواحهم بدم بارد ودون وازع من ضمير، لم ولن تحقق أهدافها في لجم تطلعاته المشروعة والقضاء على إرادته في التغيير الديمقراطي السلمي وتحقيق سيادة القانون وضمان استقلالية القضاء ومحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية وإهدار المال العام...، وإنهاء حالة القمع والظلم والاستبداد والاضطهاد...، من خلال القضاء على أسسها ومرتكزاتها الفكرية والسياسية والقانونية...، كحالة الطوارئ والأحكام العرفية والقوانين والمحاكم الاستثنائية واحتكار السلطة والثروة...، وخاصة إننا نشهد اليوم ما يشبه تسونامي التغيير في المنطقة العربية بفضل النهوض الجماهيري العارم وعدم رضاها بالوضع القائم المؤسس على الحرمان والفقر والتهميش والإلغاء والإقصاء وغياب الحريات ومصادرة الحقوق...، بالتزامن مع طفرة الثورة الإعلامية التي تتابع الحدث من مكان وقوعه لحظة بلحظة وثانية بثانية، وكذلك بالترافق مع تطور مفاهيم حقوق الإنسان في العالم، وخاصة مفهومي " السيادة الوطنية " و " حق التدخل الإنساني " حيث لم تعد أية دولة في العالم تستطيع أن تتذرع بأنها تمارس سيادتها الوطنية عندما ترتكب جرائم ضد الإنسانية.

 وإذا كنت أتوجه بالتعازي الحارة لأهالي ضحايا الرصاص الحي القاتل في محافظة درعا وبالشفاء العاجل للجرحى والمصابين، فأنه يجب العمل على تشكيل لجنة تحقيق محايدة, تقوم بالكشف عن المسببين للعنف والممارسين له, وعن المسؤولين عن وقوع الضحايا من قتلى وجرحى, وأحالتهم إلى القضاء ومحاسبتهم...، ولا بد لكافة الفعاليات الوطنية والديمقراطية في البلاد، من التحرك العاجل والعاجل جداً لوقف هذا النزيف والعنف الغير مبرر والضغط على النظام لوقف ممارساته القمعية بحق المواطنين السوريين والاستهتار بأرواحهم...، والبدء ببناء مجتمع يسوده الديمقراطية والعدالة والمساواة...، وينتفي فيه الهيمنة والاستبداد والاضطهاد...، مجتمع يتمتع فيه الجميع بحرياتهم وحقوقهم المدنية والسياسية والثقافية والقومية...، مجتمع يصون الخصوصية ويراعي التعددية السياسية والقومية والدينية...، ويعيش فيه الجميع بسلام وأمان في ظل سيادة دولة الحق والقانون.

--------******************-------

عن التغيير أو الإصلاح في سوريا

ابراهيم الأمين

التيار

21-3-2011

يرغب كثيرون في سوريا، وفي العالم العربي، وفي العالم أيضاً، في حصول تغيير في سوريا. ونقطة التقاطع بين هؤلاء جميعاً، هي التخلّص من النظام في سوريا، وإطاحة حكم حزب البعث. البعض لديه مطالب مشروعة داخل سوريا، من محاربة الفساد إلى الحد من سطوة السلطات الأمنية، إلى تجاوز حزب البعث كممرّ إلزامي الى السلطة، ومزيد من حريات الصحافة والتعبير والتجمّع، وانتخابات تسمح بتداول السلطة على المستويات كلها.

قسم آخر، خارج سوريا، يريد التخلّص من النظام الحاكم، لأسباب أخرى. بعض الحكومات تريد مدّ نفوذها الى قلب سوريا، وبعض الأحزاب ترى في سوريا عدواً مانعاً لتحقيق برامجها، وفئة تكره سوريا لأنها وقفت الى جانب خصومها في دول المنطقة، من لبنان وفلسطين الى العراق ومصر. أما القسم الثالث، فيهتمّ لأمر آخر، إذ حال النظام الحالي في دمشق دون تحقيق مشاريعه السياسية والاستعمارية، من الولايات المتحدة ودول الغرب الأوروبي، وصولاً الى إسرائيل التي ترى في النظام السوري عدواً مباشراً وراعياً لكل أعداء إسرائيل، ولا سيما حركات المقاومة في لبنان وفلسطين.

منذ اندلاع الانتفاضات الشعبية في تونس، ثم انتقالها، ونجاح ثورة مصر، وما يجري الآن في اليمن وليبيا والبحرين، تدور مناقشات حول ما يمكن توقع حصوله في سوريا، علماً بأنه يجري أيضاً الخلط بين التقديرات الواقعية والتمنيات، ولا سيما عند خصوم النظام الذين يريدون فقط سقوط بشار الأسد ونظامه. وفي هذه الحالة، يجب التوقف بقوة عند مصلحة الولايات المتحدة الأميركية والغرب وحلفائهما بين العرب، الذين يهتمون بأمور لا تتعلق البتة بمصالح الشعوب المنتفضة.

في حالة سوريا الراهنة، ثمة غالبية كبيرة تريد تغيير الواقع القائم، وهي غالبية تأخذ في الاعتبار الواقع السياسي الإقليمي والتنوّع السياسي والطائفي في سوريا، كما تأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن مقارنة بشار الأسد بحسني مبارك أو معمّر القذافي أو زين العابدين بن علي، وإن كان في سوريا من يرفض مبدأ المقارنة باعتبار أنه آلية لتقليص طموحات التغييريين، علماً بأن الشعار الغائب عن التحركات، التي جرت في أكثر من منطقة سورية منذ أسبوع، هو شعار إسقاط النظام، مع تركيز على رغبة في إصلاح كبير، وهو أمر يتعارض مع هواجس مَن هُم خارج سوريا الذين يريدون أمراً مختلفاً، تماماً كما ترغب قوى مثل 14 آذار في لبنان، وسلطة رام الله في فلسطين، وأنصار الاحتلال الأميركي في العراق، وفريق الانتهازيين في السعودية ودول عربية أخرى، وبقايا نظام حسني مبارك في مصر.

هؤلاء يقتربون في مواقفهم، وفي رغباتهم حيال سوريا، من الموقف الأميركي والغربي الأوروبي، والإسرائيلي. وهم يرفضون تقدّم المشروع الذي تؤدي فيه سوريا دوراً مركزياً. ولم يكترث هؤلاء يوماً لواقع سوريا الداخلي، أو لحاجات شعبها، لكنهم استفاقوا عندما صاروا في نزاع وجودي مع النظام في سوريا.

لذلك، فإنّ المرء هنا لا يمكنه مجاراة هؤلاء، بحجة أنهم يدعمون الديموقراطية، بل إن المراقبة الموضوعية النزيهة تحتّم الاستنتاج بأن ذرائع هؤلاء هي تماماً من نوع: كلام حق يراد به باطل. ومعنى ذلك أنه لا يمكن مجاراة هؤلاء في كل ما يقولونه، ولا يمكن تبنّي أي موقف يتّخذونه، أو يعملون على فرضه كأمر واقع، بل بالعكس، يمكن السير في مواجهة هذا المنطق، لا بقصد الدفاع عن النظام في سوريا، بل لفضح هؤلاء الراغبين فقط في وصول حكم الى سوريا، يكون جزءاً من معسكر الاستسلام.

وللمناسبة، فإنّ بعض هؤلاء يساهمون اليوم في دعم «أعمال مدفوعة الأجر» في بعض المناطق السورية. وقد تبيّن لجهات عليمة تورّط شخصيات من فريق الرئيس سعد الحريري في الشمال والبقاع بتمويل أنشطة تركز على حصول تحركات تستهدف حزب الله في سوريا، ولا سيما بعدما تردّد أن ثلاثة شبان سوريين قالوا إنّهم تلقوا أموالاً من ناشطين في تيار «المستقبل» مع كمية من صور للسيد حسن نصر الله وطُلب إليهم إحراقها خلال تجمع كان مقرراً في منطقة سورية قريبة من الحدود مع لبنان.

لكنّ هناك قسماً آخر من المعنيين بالتحرك داخل سوريا، يجب التعامل معهم بطريقة مختلفة. وعلى النظام هناك، قبل أي أحد آخر، النظر الى المطالب المشروعة لهؤلاء ووجوب تلبيتها، من خلال توسيع دائرة المشاركة في الحكم، ومكافحة الفساد والترهل، وإلغاء منطق المحسوبية وإزالة القمع الأمني، وجعل الحريات شرطاً للحياة الحرة الكريمة.ويمكن النظام في سوريا الاستفادة من نقطة مهمة، وهي أن المطلوب تحقيق نقلة تطويرية نوعية، وخصوصاً أن الرئيس بشار الأسد ليس موضع كراهية من شعبه، وأن موقف الحكم من الصراع مع إسرائيل يلبي الحاجات الوطنية السورية لكل الشعب السوري. كذلك، فإن عدم خضوعه للسياسات الأميركية والغربية، وتحمّله كلفة المقاومة لها، يحاكيان الوطنية السورية، ولطالما شعر المواطن السوري بفخر أكثر من غيره من أبناء شعوب المنطقة.

لكنّ زائر دمشق أو المتعرف إليها يسمع باطّراد مطالب عديدة، بعضها يشمل تغيير النظام برمّته، أو الدعوة الى دستور جديد يفرض تداول السلطة على المستويات كلها، وبعضها الآخر ربما يكون سقفه أقل ارتفاعاً، إذ يكفي طلب فصل إدارة الدولة عن حزب البعث وإسقاطه كممر إلزامي للعبور الى المواقع الأمامية في السلطات كلها، وضرورة إلغاء الاقتصاد الموازي المتفلت من الضوابط والمتناقض تماماً وطبيعة دولة الرعاية في سوريا، حتى بات هو المسيطر فعلياً على قطاعات الإنتاج الرئيسية في الاتصالات والطاقة وفي التجارة الحرة، حيث انتهت عملية خصخصة هذه القطاعات لمصلحة أفراد قريبين من النظام، فيما حرم أبناء الشعب السوري من حق التملك. أما في مجال الحريات، فيمكن أي مواطن سوري التحدث طويلاً عن الصحافة الرسمية، التي تعكس صورة لا علاقة لها كثيراً بحقيقة البلاد وهموم الناس، حتى النظام نفسه لم يعد يستفيد منها، بينما يقود تطور آليات التواصل بين الناس الى مرتبة جديدة، يبرعون فيها كأفراد، لكنها تظل مخالفة للقانون. ولا أحد يفهم سبب عدم إنتاج قانون جديد للإعلام، يتيح للناس التفاعل، إلا إذا كانت هناك خشية من تحوله الى سلطة رقابة فعلية على الإدارة العامة، وخصوصاً أن المشكلة أصابت قطاعات حساسة، مثل قطاعي التعليم والصحة، إذ دخلت سوريا مرحلة الترهل في هذه القطاعات الحكومية، لما يقدم للمواطنين من صورة كاذبة تصوّر الحل جاهزاً عبر القطاع الخاص.

ثمة فارق كبير بين ما تريده أميركا وإسرائيل من سوريا، وما يريده شعبها من نظامه، والفارق الأساسي بين النظام السوري وبقية الأنظمة في المنطقة هو انتسابه إلى الممانعة. لكن الاعتقاد بأن هذا الموقف قد يحول دون انتفاضات الكرامة والخبز والحرية هو اعتقاد خاطئ، لأن ما حصل ويحصل في الدول العربية يؤكّد استحالة بقاء الأمور كما هي في سوريا أو في أي بلد عربي آخر على صعيد الحريات والسياسات الاقتصادية.

--------******************-------

هل هي الشرارة السورية؟

طارق الحميد

الشرق الاوسط

20-3-2011

خرجت المظاهرات بعد صلاة الجمعة في عدة مدن سورية: دمشق وحمص، وبانياس، وفي جنوب سورية على الحدود مع الأردن في درعا، ونتج عن تلك المظاهرات قتلى وجرحى واعتقالات، فهل نحن أمام الشرارة السورية؟

بكل تأكيد ان سورية ليست بمعزل عمَّا يحدث بمنطقتنا من مظاهرات وانتفاضات، وبالطبع فإن سورية ليست مثل غيرها من الدول العربية؛ حيث قلنا مرارا وتكرارا: إن تونس غير مصر، والبحرين غير تلك الدول، حيث الدوافع الطائفية، واليمن أيضا غير.. فصنعاء شديدة التعقيد، بل هي قنبلة موقوتة، خصوصا مع عناد الرئيس اليمني، وتبقى ليبيا حيث المشهد المفتوح لكل أنواع الترويع. وكما أسلفنا فإن سورية ليست بمعزل عما يحدث بمنطقتنا، بل إن دمشق ظلت دائما تهرب إلى الأمام، وتستخدم كل الأعذار والحيل لتأجيل ساعة المواجهة مع الحقيقة، وهي الحقيقة الداخلية مع الشعب، وقبل الحقيقة الخارجية، التي قد تكون أخف وطأة، خصوصا مع الهدوء على الحدود الإسرائيلية، الذي فاق الهدوء على الحدود المصرية - الإسرائيلية طوال سنوات نظام مبارك.

مشكلات سورية تشبه كثيرا مشكلات الدول التي تهرب إلى الأمام، وتعتقد أن عجلة الساعة لا تدور، وأن الحيل ستنجح دائما، والتاريخ، الحديث طبعا، يذكرنا دائما بأن الشعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن هناك حقائق لا بد من التعامل معها، فهناك لحظة استحقاق لا مفر منها، ولا يمكن إغفال الحقائق بالتذاكي ومحاضرة الشعوب، على طريقة مقالات السيدة بثينة شعبان، التي كأنها تكتب من سويسرا، فأفضل وسيلة للتعامل مع الحقائق هي مواجهتها. صحيح أن سورية ليست مثل باقي الدول العربية المضطربة، لكنها أشد وضوحا في دوافع التظلم والتذمر، وهي أكثر الأمثلة الصارخة على انعدام التوازن في لعبة الأقلية والأكثرية التي تستهوي المجتمع الدولي هذه الأيام، وبعض وسائل الإعلام، وكذلك بعض وكالات الأنباء، التي لم تلقِ بثقلها إلى الآن في قضية مظاهرات سورية مثلما فعلت بالبحرين مثلا، إما لأسباب المنع، وإما لانعدام توافر الدوافع والخلفية الطائفية، للأسف، كما رأينا بالبحرين، خصوصا من قبل بعض المصورين، وكثير من المصادر المنحازة.

وعليه فإذا كانت هذه هي الشرارة السورية، فإن وضع سورية سيكون صعبا جدا، خصوصا بعد قرار مجلس الأمن ضد ليبيا، وتوافر مزاج دولي للعبة الأقلية والأكثرية، وانعدام الثقة الدولية بالنهج السوري، نتاج مشوار ليس بالهين من السياسات السورية الخاطئة، ومع عداء دمشق التاريخي مع الإخوان المسلمين، وفوق هذا وذاك الوضع الداخلي المتأزم، سياسيا واقتصاديا، وكما قلنا من قبل فإن ورطة الجمهوريات العربية كبيرة؛ لذا فإن القادم ليس بالهين؛ فالتجارب تقول إن استمرار تحدي المواطنين لأنظمتهم القمعية، مثل تونس، ومع توافر نقمة داخلية، عادة ما يؤدي لانفجار.

وعليه فتجب مراقبة ما يحدث في سورية جيدا، ولا بد من مراقبة القلق والتوتر لدى كل من إيران وحزب الله، وملاحظة مدى تطرفهما، وانعدام مصداقيتهما.. فهل يدينان، مثلا، استخدام العنف ضد السوريين العزل، ويدعمان حقهم بالتظاهر السلمي، كما فعلا في البحرين؟ أظن أن القارئ يعرف الإجابة!

--------******************-------

مذبحتا "تدمر" في سوريا.. و"ابوسليم" في ليبيا.. خيانة عُظمى

بقلم الدكتور فتحي الفاضلي

المصدر : موقع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا

ان الذين يدعون محاربة الإرهاب.. حاربوا كل شيء.. إلا الإرهاب

جميع الدلائل تشير الى ان مذبحتي "تدمر" في سوريا، و"ابو سليم" في ليبيا، جرائم مقصودة، مع سبق الاصرار والترصد، وانهما نتاج لعقلية دموية إرهابية مريضة واحدة. وان النظامين، الليبي والسوري، كانا ينتظران حجة ما، لتنفيذ المجزرتين. وان التشابه الرهيب بين القضيتين، في جميع جوانبهما، يدل على ان هاتين المجزرتين، قد تم تنفيذهما عبر خطوات مدروسة، وبرنامج معد مسبقا.

فقد صدر الحكم بالاعدام، على سجناء معتقل "ابو سليم"، قبل المجزرة بسنوات، اي منذ ان طلب معمر القذافي، من المؤتمرات الشعبية، اصدار قانون "الزندقة"، على اعتبار ان الحركات الاسلامية، ضرب من الزندقة، التي تهدد الاسلام والامة العربية معا. بل اضاف قائلا في نفس الخطاب: "ان من يعتنقها، يجب أن يُستباح دمَه". ليس ذلك فحسب، بل واضاف: ان على الليبيين ان ينسوا ابناءهم داخل معتقلات النظام، لانهم كمن اصيب بمرض الايدز، او السرطان، فيجب، بناء على ذلك، سحقهم.

ان هذا التصريح في حد ذاته، يعتبر حكما مسبقا بالاعدام، ونية مبيتة لقتل المعتقلين عمدا، واشارة من معمر، الى الاجهزة الامنية والجهات المعنية بالتنفيذ، في الوقت المناسب.

كما صدر حكم الاعدام في سوريا، على سجناء معتقل "تدمر"، منذ صدور قانون "التطهير الوطني"، والذي يدل هو الاخر، على نية القتل العمد، وينص على ملاحقة وتطهير "كل منحرف عن المسار، ممن يعتنق مباديء هدامة تمس الفكر القومي".

وكان قد اُعلن عن قانون "التطهير الوطني"، عبر خطاب القاه رفعت الاسد (قائد سرايا الدفاع الوطني السوري)، والتي تُعرف ب "سرايا الدفاع عن الثورة والوطن"، والتي نفذت مجزرة "تدمر"، كما سيأتي لاحقا. وقد اقترح رفعت الاسد، حسب مشروع التطهير، انشاء معسكرات تدريبية، بغرض تخضير الصحراء، ويدعي الى هذه المعسكرات، كل من تحكم عليه "المحاكم الشعبية" بالتطير.

والمحاكم الشعبية، هي المحاكم التي تمتلك سلطة القانون (اي قانون التطهير الوطني). وبدلا من "الزندقة"، استخدم النظام السوري، في ذلك الوقت، مصطلح "الهرطقة"، كصفة تطلق على الحركات الاسلامية، والفكر الاسلامي، بصفة عامة.

اما الاسباب المعلنة والمباشرة، للمذبحتين،، فيفترض ان السجناء في المعتقلين، او اتباعهم، قد قاموا بممارسات، ادت الى استباحة دمائهم، وتصفيتهم تصفية جسدية.

فالسبب المعلن لمذبحة "تدمر" هو محاولة "الاخوان المسلمين" اغتيال "حافظ الاسد". بينما السبب المعلن لمجزرة "ابوسليم"، هوتمرد مجموعة من نزلاء المعتقل، بسبب الظروف المعيشية العامة داخل السجن.

وحتى لو صح، ان الاخوان المسلمين، حاولوا اغتيال "حافظ الاسد"، فما ذنب الالاف الذين قُتلوا غدرا وصبرا، بسبب هذه المحاولة، وهم مصفدين في الاغلال، على بعد 250 كيلومترا من العاصمة "دمشق"، داخل المعتقل، محاطين بالحرس المدجج بالسلاح. ليس ذلك فحسب، بل لم يسمع، اغلب الذين قتلوا، بالمحاولة المزعومة اصلا.

وحتى لو صح، ان مجموعة من سجناء "ابوسليم"، تمردوا احتجاجا على سوء المعاملة، والتي كانت فعلا، معاملة لا ترضاها حتى الخنازير، من التعذيب اليومي، الى الاهمال الصحي المتعمد، الى الامور المعيشية، الى فقدان ابسط الحقوق التي يتمتع بها حتى الحيوانات - اذا صح ان مجموعة من السجناء- قاموا فعلا بالتمرد، بسبب تلك المعاملة، فما ذنب الالاف، الذين قُتلوا في معتقل "ابوسليم"، غدرا وصبرا، وهم لم يشاركوا في التمرد، ولم يوافقوا عليه، بل ولم يسمعوا به اصلا. ليس ذلك فحسب، بل حتى المجموعة التي تمردت، تراجعت عن تمردها، وقبلت بالمفاوضات السلمية. فلماذا القتل اذا.

كما جرى تنفيذ المجزرتين، في نفس الشهر من السنة، بل وفي نفس الايام من ذلك الشهر تقريبا، فقد جرت مذبحة تدمر، في 27 يونيو 1980م، وجرت مذبحة ابوسليم في 28 و 29 يونيو 1996م، ولا اظن ان هذا التوقيت اعتباطيا، وربما له علاقة بفترة الصيف، وخلو المدارس والمعاهد والجامعات من الطلبة، مما يقلل نسبيا من ردود الفعل تجاه هذه المجازر، في حالة تسرب اخبارهما.

ومن المعلوم ان شهر يونيو (حزيران)، هو ذكرى انتصار اسرائيل في حرب الايام الستة (حرب 5 يونيو 1967م) واحتلال الجولان، والتهديد باحتلال دمشق، فالمواطن العربي، يتوقع في مثل هذا الشهر من كل عام، ان يقوم النظام السوري القومي، يعاونهم معمر(امين القومية العربية)، بتحرير القدس والجولان، ولكن، بدلا من ذلك، يصر النظامان، في هذه الذكرى "المأساة"، على سحق الانسان العربي المسلم المدني الاعزل، غدرا وخيانة ونذالة.

ليس فقط التوقيت، بل حتى وسيلة تنفيذ المجزرتين، تشير الى مدرسة ارهابية واحدة، فقد اُمر المعتقلون، بالتجمع في الساحات، وامام العنابر، وبين القواطع، ثم فتحت عليهم النار، وقتلوا بدم بارد، غدرا.

فقد تلقت "سرايا الدفاع" السورية، امراً بتصفية سجناء "تدمر"، تصفية جسدية. فتوجهت، اثر هذا الامر، قوة من السرايا المذكورة، وطوقت السجن، واستلم قادة الحملة التاريخية، مفاتيح المعتقل، وزودوا بمرشدين، يعرفون مداخل، ومخارج، وغرف، وردهات السجن، بدقة متناهية. ثم اُمر المعتقلون، بالوقوف امام عنابرهم، مغمضي العيون، وهم ينظرون الى السماء. وعندما نفذ المعتقلون هذه الاوامر، فتحت عليهم سرايا الدفاع النار، مستخدمين الرشاشات، والقنابل اليدوية، وقاذفات اللهب. ثم انطلقت، نفس القوة، الى عنابر اخرى، وقتلت بقية المعتقلين داخلها.

وفي معتقل "ابوسليم"، طلب حراس السجن، من السجناء، الخروج إلى الساحات، الني تفصل بين قواطع السجن، ففتحت عليهم القوات النار، مستخدمة بنادق الكلاشنكوف، ورشاشات الاغراض العامة، وقتلتهم جميعا.

ليس ذلك فحسب، بل اخذ القتلة، عقب المذبحتين، يركلون جثث الضحايا، للتأكد من موتهم، فاذا شعروا، ان الحياة مازالت تدب في احدهم، اطلقوا عليه النار فورا.

واختلفت الروايات عن عدد الضحايا، فاشارت، منظمة مراقبة حقوق الانسان، الى سقوط 1181 ضحية في تدمر، بينما يقدر عدد ضحايا ابوسليم ب 1200 شهيد. وتؤكد مصادر اخرى، عديدة، ان عدد ضحايا المذبحتين، يفوق ذلك بكثير جدا.

وعقب الانتهاء من المجازر "الثورية"، في البلدين الثوريين، دُفن ضحايا ابوسليم في مقابر جماعية، داخل السجن، اولاً، ثم اخرجوا بقايا الجثث لاحقا، ودفنوها في مكان مجهول. واقيمت قاعدة خرسانية، على جزء من الجثث التي تعسر نقلها خارج السجن. كما تم دفن ضحايا تدمر، في مقابر جماعية، في منطقة قريبة من "تدمر"، ثم نقل رفاة الشهداء الى منطقة اخرى، بعد تسرب المعلومات عن مكان الدفن.

وحتى التخطيط والاشراف، على العمليتين، تولاهما، نخبة من اعمدة النظامين. فقد اشرف "رفعت الاسد" (اخو رئيس الدولة)، على مذبحة تدمر، تعاونه طائفة من اعمدة النظام السوري، في ذلك الوقت. بينما اشرف العقيد "عبد الله السنوسي"، عديل معمر، على مذبحة ابوسليم، تعاونه طائفة من اعمدة النظام الليبي، من بينهم، كما جاء في اغلب المصادر: خيري خالد، التهامي خالد، فرج أبوغالية، عبدالله منصور، موسى كوسة، وناصر المبروك (وزير العدل! سابقاً). بالاضافة الى مجموعة من الحراس، والمشرفين على شؤون السجن اثناء المذبحة، منهم خليفة المقطوف، وثابت الاصيبعي، ومصطفى الحيران، والمرغني الحيران، وفرج العجيلي، وفرج الزائدي، ومحمد الريح، وعطية النائلي، وعبدالقادر التاورغي، ورئيس عرفاء عامر، ورئيس عرفاء ابوعجيلة، والجندي القرضاوي.

كما يتبع كل من معتقل "ابو سليم" ومعتقل "تدمر"، ادارة عسكرية امنية مشتركة (الى حد ما)، وذلك لمنع الجهات القضائية المدنية، من التدخل في ادارة السجن، او في قضايا المعتقلين، او في اسباب اعتقالهم، او موتهم تحت التعذيب، او بسبب ظروفهم المعيشية العامة، او المطالبة بحقوقهم في المحاكمة والدفاع.

فسجن ابوسليم، يتبع اداريا، جهاز الأمن الداخلي، بل ويقع داخل معسكر للشرطة العسكرية.

كما يتبع، سجن تدمر، في بعض جوانبه، ادارة الشرطة العسكرية، ويتبع المخابرات العسكرية، فيما يخص السجناء السياسيين. وتقوم قوة من الوحدات الخاصة، بحراسة السجن. كما ان تواجد المعتقلين، في نطاق المعسكرات، يشير الى نية مبيتة، من النظامين، الى تواجد قوات مسلحة، قريبة وجاهزة للتدخل، والقمع، وتنفيذ ما تيسر من المخططات الثورية القومية الوطنية، عندما تحين ساعة الصفر.

كما كانت الاغلبية العظمى، من ضحايا المذبحتين من جميع شرائح المجتمع. فمنهم الطالب، والمهندس، والطبيب، والمحامي، والعامل، والفلاح، والقاضي، والكاتب، والمثقف، والمدرس، والعالم، والشيخ، والمفتي، والكهل، والمراءة، والرجل، والشاب، والموظف، والاعزب، ورب العائلة، وغيرهم من شرائح وفئات المجتمع.

وحاول النظامان، اخفاء هذه الجرائم، والتكتم عليهما، بما في ذلك، بالطبع، عدد الضحايا، واسمائهم، واسباب المجزرة. ولكن أخبار المذبحتين تسربت، عن طرق اخرى غير رسمية. فقد تم الكشف عن تفاصيل مذبحة تدمر، عندما اعتقل النظام الاردني، اعضاء من سرايا الدفاع، شاركوا في المذبحة، وقد قبض عليهم الامن الاردني، عندما توجهوا الى الاردن، لاغتيال "مضر بدران"، رئيس وزراء الاردن في ذلك الوقت.

ولم ينجح النظامين، في اخفاء اثار جرائمهم، داخل المعتقلات بالكامل، بالرغم من محاولات التنظيف. فقد اخبر شهود عيان، في تدمر وابوسليم، عن وجود بقايا من جثث الموتى، وبعض الدماء، على الارض، والجدران، وفي الردهات، والعنابر، بالاضافة الى اثار طلقات الرصاص على جدران السجون.

كما جرت، قبل المذبحتين، ترتيبات وتحركات وتنقلات عديدة، تنبيء بالاعداد، لامر ما. فقد تم في تدمر، الفصل بين المعتقلين الاسلاميين وغيرهم، من ذوي الاتجاهات الاخرى، قبل المذبحة باسبوعين، كما صدرت الاوامر، بنقل المعتقلين الاسلاميين، من فروع التحقيق المختلفة، الى سجن تدمر. وحدث نفس الشيء في ابوسليم، فقد جرت قبل المجزرة بقليل، عمليات نقل للسجناء، من والى المعتقل، بصورة مريبة، تدل على ان النظام، قد جمع في سجن ابوسليم المركزي (الذي تمت فيه المذبحة) كل من اراد التخلص منهم.

وحتى مطالب الناس، في البلدين، تشابهت بشكل محزن. فالناس في ليبيا وفي سوريا يطالبون تقريبا بنفس المطالب، مما يدل على بديهية هذه المطالب من جهة، ومما يدل على انها حقوق اساسية من جهة اخرى، يشترك فيها البشر جميعا.

الناس في ليبيا وسوريا، مازالوا، حتى يومنا هذا، يطالبون بالكشف عن القصة الكاملة، لهذه المجازر، وعن ملابساتها، والاعلان عن عدد الضحايا، واماكن دفنهم، وتسليم جثثهم لعائلاتهم، ودفن الرفاة كما يليق بالمسلمين، من احترام وتقدير لحقوق الموتى، والشهداء، ومحاكمة المسئولين عن الجريمتين، ومن ضمنهم اللجان الثورية، ولجان القبض، والتحقيق، ومكتب اتصال اللجان الثورية، وطاقم وادارة السجن اثناء المذابح، والكشف عن اسماء الذين امروا بتنفيذ المجزرتين، ومارسوا التعذيب داخل السجن، والذين كتبوا التقارير ضد الضحايا، قبل اعتقالهم، وظروف الاعتقال، والتحقيق مع لجان التحقيق التابعة للنظامين، الذين قاموا بتزوير التحقيق.

كما ان هناك اصوات تنادي بالاستعانة بالمحاكم الدولية، ولجان حقوق الانسان، وهيئة الامم، ومحكمة العدل الدولية، ومطالبة هذه الهيئات، واللجان بالتدخل، للتحقيق كطرف محايد، بل وباتخاذ اجراءات قانونية دولية ضد النظامين.

ان هذا التشابه، في جميع جوانب القضيتين، يدل، مرة اخرى، على مخطط مسبق واحد معد ومدروس. ويدل هذا التشابه، مرة اخرى، على نية القتل العمد، مع سبق الاصرار والترصد.

وهكذا..

يخيم علينا الحزن، كلما تذكرنا، ان الذين قاموا بهاتين المجزرتين البشريتين، والذين عذبوا شبابنا، واذاقوهم الويلات، ثم قتلوهم غدرا وخيانة وصبرا، لا زالوا احرارا، لم يحاكموا، ولم يقتص منهم، ولم يدفعوا ثمن جرائمهم، بل ما زالوا احرارا، يتمتعون بالحياة والشمس والهواء، وربما مازالوا، يتمتعون مع اطفالم واهلهم وذويهم، بالاعياد والمناسبات والافراح، وقد تلطخت ايديهم بدماء اولادنا، بينما قتل الحزن حتى الاحياء منا، حسرة على فلذات اكبادنا.

عزاؤنا.. انهم.. باذن الله شهداء.. وعزاؤنا اننا لن نتنازل.. ما حيينا.. عن قطرة دم واحدة.. فهؤلاء الضحايا.. ملك للوطن.. وملك للامة.. العربية.. والاسلامية.. وقتلهم.. بهذه الصورة.. وما تحمله.. من غدر وبشاعة ونذالة.. يعتبر.. بجميع المقاييس.. خيانة عُظمى للوطن والانسان والقيم. ولابد من ملاحقة الخونة.

المراجع:

1. كتاب مذبحة سجن ابوسليم / التضامن لحقوق الانسان http://lhrs.ch/books

2. موقع التضامن لحقوق الانسان http://lhrs.ch

3. تدمر.. شاهد ومشهود (1980-1991م)/ محمد سليم حماد/ الزهراء للاعلام العربي.

4. تدمر.. المجزرة المستمرة/ دار النذير- 10/ الطبعة الثالثة/ مزيدة ومنقحة.

5. ملف مذبحة ابوسليم موقع ليبيا المستقبل على.

--------******************-------

حشفا وسوء كيلة !!

زهير سالم*

أما الحشف فهو في هذه السياسات الرديّة التي يساس بها قطرنا منذ عقود. الحشف في الشرعة التمييزية التي تسوس الناس بسياسة النمرود يوم قال غرورا ((أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ))، فتثمر في وطننا الخوف والجوع والفقر والفقراء ، والمحرومين من حقهم في القبر وفي الوطن وفي الجنسية وفي الهواء والشمس والكلمة، هذه السياسات التي خلفت لنا مئات الألوف من القتلى والمفقودين والمعتقلين والمشردين. سياسة فرعون الذي ((عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.)) فرعون الذي قال ((أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)) والذي قال ((مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي)). وقال ((مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ))

 

وأما الحشف – لمن يريد أن يقول ولكن.. – ففي بقاء الجولان محتلا ثلاثة وأربعين عاما، وفي عجزهم عن تقديم أي تصور لمخرج كريم للمأساة التي تسببوا بها فيه. والحشف في قدرة طائرات العدو الصهيوني على اختراق سمائنا، واختراق جدار الصوت فوق رأس ( رئيسنا!! )، وفي قدرة جواسيس العدو، رغم حالة الطوارئ المنصوبة فيما يقال لهم، أن يقتنصوا مستشار ( رئيسنا ) في عقر داره ( ومن مأمنه يؤتى الحذر )، أوفي تدمير مبنى (بسيط ) لنا في عمق العمق من ديارنا، لأن ضابط موساد صهيوني ( اشتبه فيه ) مجرد اشتبه فيه، فلم تستطع دفاعاتنا حمايته، ولا قيادتنا الرد على العدوان بعد العجز عن رده. أو في السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تجوس كرة بعد مرة في ديارنا..

 

وأما الحشف مرة ثالثة فهو في هذا الفساد المستشري، الفساد الإداري والفساد المالي والفساد الأخلاقي فكأننا أمام سبحة شيطانية للشر كل حبة من حباتها مملكة من ممالك إبليس. يقال إنه في وطننا تباع مواطن الجباية، ومرتكزات المكوس، والأجهزة غارقة، والناس والغون، وما يُكتشف ليس إلا قرابين لضرورة تدخين التعتيم.

 

وأما الحشف مرة رابعة فهو في هذا الاستبداد الذي لا يقبل من طفل في مدرسة ابتدائية أن يشخط على جدار, الاستبداد الذي يعتقل طفلا في العاشرة، ويحاكم طفلة في الخامسة عشرة أمام محكمة عرفية عسكرية، ويعتقل الرجال والنساء لمجرد أنهم وأنهن كانوا وكن أصحاب رأي مخالف، قالوا: لا، أو لا نريد، أو كأنكم أو لعلكم..ثم تفصل لهم ولهن التهم، ويساء بإصدار الأحكام بحقهم وحقهن إلى العدل وإلى القضاء..

 

ننادي بالحرية للفاضلات العشرة المضربات عن الطعام في سجون الطغاة. ننادي بالحرية لأبناء الوطن وبناته من السابقين واللاحقين.

 

وأما الحشف أخيرا فهو في سفك الدم الوطني الزكي، الذي أراقه الممانعون بالأمس في مدينة درعا الصامدة المناضلة، ربما أخطأوا الطريق إلى الجولان... الحشف في سفك دم شباب الوطن الذين امتدت إليهم اليد الهمجية فاغتالت وفجعت ويتمت وأثكلت ورملّت.. وكأنها تزيح عن جبينها المعفر دائما بالسوء بعض الغبار. الرحمة للشهداء الأبطال، والعزاء لأهليهم ولذويهم ولعشائر درعا الأبطال، ولأهل الشام كل الشام ليس فقط في شهدائهم وإنما في حكامهم الذين هان عليهم الإنسان وهانت عليهم الدماء..

 

لم نكن أبدا ممن يريدون لهذا الدم أن يسيل، ولا ممن يدفعون إليه، وما أكثر ما تحملنا مسئولية التحذير منه ، ومن استسهال دروبه، والانزلاق في مساربه وأسبابه، وتحملنا ونحن نكرر النداء مرة بعد مرة تجاهل المتجاهلين، وغرور المغرورين، وبطر البطرين، واستنكار المتعجبين المتعجلين؛ يتساءلون: كيف تعظون؟! وإلى متى تعظون؟! ولم تعظون ؟! وقلنا وما زلنا نقول: معذرة إلى ربنا وربكم..

 

ولأننا نؤمن أن زوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق..

 

ولأننا نؤمن ((أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا..)).

 

ولأننا نؤمن بأنه لم يكن الرفق في شيء إلا زانه، ولم ينزع من شيء إلا شانه..

 

ولأننا لا نحب أن ندفع شعبنا وشبابنا ووطننا في طريق الآلام. يكفي ما كان من تدمير وتمييز وقتل واستكبار. وما يزال للعقل مجال لمن أراد..فهل عن طريق الدم من مرد، وهل لعاقبتها من تلاف؟!.. سيبلغ الكتاب أجله، ولكل أجل كتاب فأحسنوا ((إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ)) وأجملوا وإلا ((فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا..)) واعتبروا من الفرق بين التبديل والتحويل فلا أنتم قادرون على هذا ولا على ذاك..

 

كان ذلك بعض الحشف، وأما سوء الكيلة فهو في هذه المعاذير، ومحاولات الدفع الغبية، وتوزيع الاتهامات، والإحالة مرة على لجنة تحقيق ( !!! ) وثانية كما جرت العادة على عدو صهيوني، وثالثة على مندسين حتى في لباس رجال شرطتكم تعلق في أعناقهم الجرائر والجرائم التي ستلازم الأعناق إلى يوم الدين ( يأتي القتيل يوم القيامة متعلقا بعنق قاتله يقول يا رب سل هذا فيم قتلني..)

 

وهذا موطن لا نملك إلا أن نقول فيه: اللهم إنا نبرأ إليك من كل سوء يقع على مواطن. نبرأ إليك من كل قطرة دم، وصرخة ألم، نبرأ إليك من ترويع الإنسان، ومن العدوان عليه، والنيل منه..

 

ولا نملك إلا أن نجهر بالقول:

إن الألى قد  بغوا علينا     إن حاولوا فتنةً أبينـا

فأنزلن سـكينة علينـا     وثبت الأقدام إن لاقينا

اللهم أدل دولة الظلم والظالمين واحفظ الشام وأهله من كل سوء.

----------------

*مدير مركز الشرق العربي 

--------******************-------

درعا الثائرة.. الثوار يضعون المسؤولين في سورية الآن على مفترق طرق..

نبيل شبيب

مداد القلم

من يعرف درعا وأهلها يعرف ما يعنيه هتاف المتظاهرين فيها: "يحرمن علينا لابسات العصايب.. لن ماخذينا لعيال حوران بالثار"، ويعلم أيضاً أنّ ثورة درعا لن تهدأ.. حتى تبلغ غايتها، وغايتها التغيير، الذي هتفت به من يوم ثورتها الأوّل.

وعندما يثور أهل درعا في محافظة حوران يثور أهل مدينة من أعرق المدن في سورية، تاريخاً ونضالاً وثباتاً، ممّا عُرفت به على امتداد ألوف السنين، منذ عصور الأموريين والآشوريين، وكانت هي المدينة التي قهر الأنباط فيها الإغريق بعد الإسكندر الأكبر، وهي عاصمة المنطقة التي عاش فيها الغساسنة، وهي التي استقبلت الخليفة الفاروق بالأهازيج، ومنها انطلق صلاح الدين الأيوبي إلى معركة حطين..

ودرعا هي المدينة التي قدّمت الآن القافلة الأولى من الشهداء في مطالع ثورة شعبية على الاستبداد والفساد، قد تحرّكت شرارتها في عدد من المدن السورية، وبلغت في درعا ذروة أولى، فلم تنقطع فيها المواجهات اليومية مع ميليشيات القمع "الأمنية"، رغم تسارع المحاولات الحكومية في دمشق بهدف "امتصاص الغضب" –كالمعتاد- بتشكيل لجنة تحقيق، وإرسال وفد حكومي إلى درعا للتهدئة.. بعد أن تحوّلت جنازة تشييع "شهيدين" إلى صدامات جديدة بين الميليشيات الرسمية المسلّحة وبين المشيّعين، وهم يهتفون "من يقتل شعبه خائن"، والشهيدان من عائلات "أبو عون" و"أكراد" بينما رفضت عائلات "الزعبي وعياشين والمسالمة" دفن شهيدين آخرين من أبنائها "إلا بعد الأخذ بالثأر لهما من القتلة".. أمّا "الوفد الحكومي" فقد استقبله أهالي درعا بالتظاهرات الاحتجاجية مجدداً.

وتدرك السلطات مدى الترابط الوثيق بين أهالي درعا وأهالي المنطقة الجنوبية بأكملها، ومكانتهم في سورية وحتى خارج حدودها، وقد حاولت السلطات "توظيف" الشيخ العلامة أحمد الصياصنة ليطالب أهالي درعا بالامتناع عن المظاهرات الاحتجاجية، واستخدمت لهذا الغرض أسلوب التهديد والوعيد، بل الضرب والإهانة أيضاً.. فكانت الحصيلة أن وجّه الصياصنة نداء لأبناء شعب سورية جميعاً، بأنّ "التظاهر فرض عيْن على كل سوري قادر ابتداء من اليوم، وأن أيّ خذلان يُعتبر خيانة لدماء الشهداء".. وبعد أنّ وجّه أهالي درعا للميليشيات إنذاراً بالخروج من المدينة تحت طائلة التهديد باستخدام الأهالي للعنف أيضاً، بدلاً من الاكتفاء بمظاهراتهم السلمية.. تردّدت يوم الأحد 20/3/2011م أنباء عن قيام عدد من رؤساء مخافر الشرطة وعناصر الأمن والشرطة في "محافظة درعا" بوضع أنفسهم تحت تصرف كبار العشائر، مع تسليم أسلحتهم، وأكّد بعضهم أنّهم لا يريدون المشاركة في تعريض أبناء جلدتهم للقتل والتدمير والقمع.

وكانت قبيلة النعيم في درعا قد أبدت استعداداً للتهدئة، ورصدت مقابل ذلك اتهامات المسؤولين السياسيين ووسائل الإعلام للثائرين في درعا بأنّ ثورتهم "أعمال شغب وفوضى من جانب مندسّين" فنشرت قبيلة النعيم بياناً وقّع عليه الشيخ محمد النعيمي، تدين فيه ما صنعت السلطات بأهل درعا، وجاء في البيان أنّ قبيلة النعيم:

- تلزم أبناءها في جنوب سورية ووسطها وشمالها وباديتها وحاضرتها والخارج الالتحاق بتجمّعات الثورة أينما قامت في الجزيرة، أو حمص، القنيطرة، أو سواها.

وأعلن البيان:

- أنّ عضو مجلس الشعب، ممثل قبيلة النعيم، الشيخ محمد النعيمي يعطي مهلة أسبوع من اليوم للقيادة السورية، ابتداء من يوم الأحد 20/3/2011م، للتفكير جدياً بمطالب الثورة، وإلا فسيقوم بصحبة أكثر من 7 نواب (يتم الإعلان عن أسمائهم لاحقاً بناء على طلبهم)، يمثلون العشائر العربية في المجلس بالانضمام إلى الشارع والمشاركة في الاعتصامات.

كما أعلن البيان أيضاً:

- تمّ التواصل مع أبناء العمومة المسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسهم الشيخ حميد بن راشد النعيمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم عجمان في الإمارات، وتم إطلاعه على الوضع في سورية، وقد أكد وباقي الوزراء المنتسبين لقبيلة النعيم في الخليج، ومنهم د. نجيب النعيمي وزير العدل القطري السابق، ود. علي النعيمي وزير النفط السعودي، وغيرهم من المسؤولين.. أكّدوا أنّهم سيلعبون دوراً فعالاً في دعم الثورة ودعم موقف أبناء سورية جميعاً، سياسياً وإعلامياً ومادياً.

وجاء في البيان أيضاً، أن قبيلة السادة النعيم تنعي شهداء الحرية في حوران، وتؤكّد بأنّ النظام الحالي لم يعد صالحاً للقيادة، وتطلب منه التفكير بمطالب الثورة خلال الأسبوع القادم، وفي هذا الصدد تؤكّد قيادة القبيلة وقوف أبنائها بكافة شرائحهم للثورة، "وأنّنا لا نريد التهديد بالسلاح، لأنّنا مسالمون، ولكن نقولها صراحة إن قبيلتنا قبيلة مسلّحة بالكامل، وفي حال أراد النظام التخويف بالسلاح، فإنه لن يلقى منّا إلا النيران والرصاص الذي سيحرق الأخضر واليابس، وأكثر من ذلك فإننا سنقوم بقطع كافة الأنابيب التي تنقل النفط والغاز، والتي تمرّ من مناطقنا في البادية والحاضرة، وما أحلى النصر بعون الله.

عاشت سوريا حرة أبية، وعاشت ثورتها ثورة الحرية والكرامة".

وكان في مقدّمة من استجاب لدعوات درعا المتظاهرون يوم الأحد في حمص، وكذلك أهالي القنيطرة، كما يتردّد –ساعة كتابة هذه السطور- عن تجاوب مماثل في حماة.

يبقى السؤال:

هل يستوعب المسؤولون في سورية، وعلى رأسهم الرئيس السوري بشار الأسد.. أنّ ثورة الشعب قد انطلقت، وأنّه على مفترق طرق عناوينها (المبدئية): علي زين العابدين، ومحمد حسني مبارك، ومعمّر القذافي، وعلي عبد الله صالح؟..

إذا استوعبوا.. سنسمع في الأيام القليلة القادمة أخبار الإفراج عن جميع المعتقلين والمعتقلات دون استثناء، وإلغاء حالة الطوارئ المزمنة دون قيد أو شرط.. كخطوة أولى.

وإن لم يستوعبوا -وهذا ما يشير إطلاق الغازات المسيلة للدموع يوم الأحد 20/3/2011م وتحوّل المسجد العمري إلى مستشفى ميداني للجرحى والمصابين- فسيسمع العالم عن أنباء أخرى عن الثورة من سائر مدن سورية وقراها.

--------******************-------

سوريا على طريق ثورة الكرامة والحرية

د. برهان غليون

لفت صمت الشعب السوري أمام اندلاع ثورة الكرامة والحرية في تونس ومصر وانتقالها المدوي إلى جميع الأقطار العربية، بما فيها دول الخليج النفطية الغنية، والملكيات الأكثر رسوخا في بعض الأقطار، نظر جميع المراقبين في العالم. وتبارى كثير من هؤلاء في تحليل الأسباب التي منعت رياح الحرية المنعشة التي هبت على المنطقة العربية، وألهبت حماسة شعوبها، ووحدت فكرهم ومشاعرهم وإرادتهم، كما لم يحصل في أي زمن سابق، من التأثير في مجرى الحياة السورية.

ولعل النظام السوري اقتنع أيضا بالأطروحة التي روجتها الصحافة هنا وهناك، واعتبر أن التفاف الشعب السوري حول قيادته بسبب مواقفها الحميدة من القضايا القومية، أمر مفروغ منه يجنبه المساءلة في قضايا الحكم والسياسة الداخلية والحريات، ويوفر عليه الإصلاحات التي ما كف عن الوعد بها منذ بداية العقد الماضي، من دون إظهار أي رغبة، مهما كانت محدودة، في تحقيقها.

ورغم مرور ثلاثة أشهر على ثورة شعبية عربية عارمة أدهشت العالم وأصبحت محور اهتمام المنظومة الدولية بأكملها، من سياسيين ومثقفين وفلاسفة وخبراء في السياسة والإستراتيجية، ومن مشاهد الشعوب التي حررت نفسها بقوة إرادتها وعزيمتها وتصميمها، في مواجهة أعتى النظم القمعية، فقد ظل النظام السوري صامتا تماما كما لو أن ما يجري من حوله لا يعنيه بتاتا، أو أن سوريا منيعة كليا على أي تأثيرات عربية أو عالمية.

وبينما لم يبق نظام عربي واحد لم يبادر إلى تقديم تنازلات سياسية والوعد ببرامج إصلاح أو الدعوة إلى حوارات وطنية، لم يجد المسؤولون السوريون ضرورة حتى للتوجه بخطاب أو بكلمة أو ببيان للشعب، واكتفوا بما تنشره أو تبثه وسائل الإعلام السورية عن إنجازات النظام الاستثنائية، الوطنية والاجتماعية والاقتصادية.

وبينما بادرت نظمٌ لا تقل ثقة بقوة الردع التي تتمتع بها أجهزتها الأمنية، إلى إطلاق سراح معتقلين واتخاذ إجراءات فورية لتبريد الأجواء والتخفيف من الضغوط والتوترات التي تعيشها الجماهير المتفجرة توقا إلى الانعتاق، وأعلن بعض الزعماء فيها عن عدم رغبتهم في إعادة ترشيحهم لولاية أخرى، وبادر بعضهم الآخر إلى كف يد الأجهزة الأمنية عن الملاحقات التعسفية واستخدام القوة والعنف مع المتظاهرين، وأقر بعض ثالث بضرورة تنظيم انتخابات نزيهة وحرة، ضاعفت أجهزة الأمن السورية من تشددها تجاه النشطاء السياسيين، وزجت المزيد منهم في السجون لأدنى الأسباب، وها هي تتورط في مواجهة المظاهرات بالرصاص بعدما كالت لهم تهما تساوي الخيانة الوطنية.

وحتى في الملكيات الراسخة والغنية، لم يجد القادة بدا من اتخاذ إجراءات سياسية جديدة بالإضافة إلى الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية، وشعر قسم منهم، لم يعتد مخاطبة الجمهور ولا مغازلته، بضرورة أن يتحدث لشعبه ويخاطبه، كتعبير عن الاعتراف بوجوده أو التظاهر باحترام رأيه. وأعلن ملك المغرب الذي لا يشك أحد بما يتمتع به في بلاده من شعبية، نظرا لما شهدته بداية حكمه من انفتاحات ديمقراطية مهمة، عن مشروعه الجديد لتقليص كبير في صلاحيته السياسية وربما التمهيد لإقامة ملكية دستورية.

بالمقابل، لم يتردد الرئيس السوري في أن يؤكد خلال مقابلات حديثة مع الصحافة الأجنبية، أن الإصلاح السياسي في سوريا مسألة طويلة وصعبة، ولن يكون من الممكن تحقيقه قبل مرور جيل جديد.

لعل القادة السوريين ارتأوْا أن من الأفضل أن لا يتحدثوا في السياسة حتى لا يفتحوا على أنفسهم باب التفكير في الإصلاح السياسي، أو لعل بعضهم اعتقد بالفعل أن تجهيزاتهم وجاهزيتهم الأمنية قوية بما يكفي لردع السوريين عن القيام بأي عمل لا يرضى عنه النظام، أو بأن شعبهم قد فقد تماما الشعور، وأصبح جثة سياسية، أو أنه تحول إلى سائبة لا تعني لها الكرامة شيئا ولا تثيرها رياح الحرية.

أو لعلهم اعتقدوا بأن خوف الشعب بعضه من البعض الآخر، وتخويفه بالحرب الأهلية بسبب الانقسامات المذهبية او الجهوية، سيعطل إرادته ويشله عن القيام بأي مبادرة عملية.

هكذا صم النظام السوري أذنيه تماما عن نداءت - هي أشبه بالاستغاثة - صدرت عن بعض من لا يزال على قيد الحياة السياسية، في شعب يكاد يختنق من شدة ضغط أجهزة الأمن التي تحصي على الأفراد أنفاسهم بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا يكاد فرد -سواء أكان ناشطا سياسيا أو بعيدا عن أي نشاط - يخرج من تحت السيطرة الأمنية المباشرة، ولا نشاط، مهما كان صغيرا أو كبيرا، تجاريا أو ثقافيا، يمكن أن يمر من بين شبكات المراقبة الضيقة وشكوكها المرضية وملاحقاتها الدائمة واليومية.

الإشارة اليتيمة التي قبل النظام أن يقدمها في هذه الظروف التاريخية التي تلهب مشاعر العرب جميعا وتدفعهم لركوب كل المخاطر بما فيها حمل السلاح لمقاتلة أعداء الحرية، كما حصل في ليبيا، هي إطلاق سراح هيثم المالح الناشط الحقوقي المسن، بعد سنوات من المحاكمات والاعتقالات التنكيلية.

وحتى في هذه الحالة، استكثر النظام أن يطلق المالح بعفو خاص، فجمله في عفوه العام الدوري عن الجرائم والجنح المدنية، وأكد أن الأصل فيه هو السن المتقدم، حتى لا يضفي على هذا العفو عن شخص واحد طابعا سياسيا يغذي أوهام الناشطين الحقوقيين والسياسيين بأن من الممكن تعميمه في المستقبل أو توسيع دائرته.

أكثر من الإحباط، أثار هذا الانغلاق السياسي، العميق الدلالة، ذهول الأوساط السياسية والثقافية جميعا، ليس في سوريا فحسب ولكن في العالم العربي بأكمله. وفجر صمت النظام روح الثورة الكامنة، بما أبرزه من عدم الاحترام للشعوب، والاستهتار بمشاعر الناس، وتجاهل تطلعاتهم، والاستهانة بمخاوفهم وقلقهم على مستقبلهم، والاستمرار في المراهنة على كسر إرادتهم، من أجل الإبقاء على إذعانهم، وتمديد حالة الحصار المفروض عليهم، وتحويلهم إلى أسرى محتجزين داخل ذواتهم هم أنفسهم.

ومن هذا الإحباط وانغلاق الآفاق وقتل الآمال، انطلقت يوم 15 مارس/آذار الجاري أول شرارة في حركة يخطئ النظام إذا اعتقد أن من الممكن القضاء عليها بوضع من شارك فيها في السجن وإضافة معتقلين جدد إلى عشرات المعتقلين السابقين.

ليس ما حدث ويحدث في دمشق وبانياس ودرعا وحمص والقامشلي سوى الإرهاصات الأولى لثورة الكرامة والحرية التي حملت بها سوريا منذ وقت طويل، دون أن تجد وسيلة لإخراجها.

وأصبح أصعب فأصعب اليوم، في سياق الانتفاضة الشاملة للشعوب العربية، إخماد نارها بالوسائل والأساليب القديمة التي اعتادت على استخدامها الأجهزة الأمنية، من عنف مفرط وضرب وشتم، بل لن يزيدها ذلك إلا اشتعالا، بمقدار ما تساهم هذه الأساليب في تأكيد الواقع الذي يثير ثائرة الشعوب اليوم في كل مكان، ويدفعها للانتفاض على حكامها، وجوهره حكم الناس بالقوة والقهر، واحتقار آرائهم، وتسفيه خياراتهم، والتضحية بكرامتهم، والاستهتار بوجودهم.

ليس السوريون هم وحدهم الذين لفت جمود النظام وصممُه أنظارهم، ولم تقتصر المقالات والتعليقات النقدية على السوريين، وإنما أصبحت، أكثر، شاغلا رئيسيا لكتاب ومثقفين ومفكرين عربا كانوا ولا يزالون يعتبرون أنفسهم حلفاء أو أصدقاء للنظام.

ولم يتردد هؤلاء في تذكير المسؤولين السوريين بأن المواقف الخارجية الحميدة لا ينبغي أن تكون بديلا للاعتراف بحقوق الشعب السوري وحرياته، وأن تقديرهم لسياسات النظام السوري الخارجية، وحرصهم عليها وعليه، هما اللذان يدفعانهم إلى تحذير المسؤولين من مخاطر هذه السياسة ويناشدونه القيام بإصلاحات سياسية سريعة وفورية تلتقي مع آمال الشعب السوري وترد على تطلعاته المشروعة، قبل فوات الأوان.

كما هو واضح، لم يدرك القادة السوريون أن شعبهم قد تغير تماما، في أتون الثورة المستمرة التي يعيشها بكل جوارحه عبر القنوات التلفزية، ويشارك فيها ساعة ساعة، حتى وهو قابع في بيوته أو في مقاعده الدراسية.

كما أنهم لم يدركوا أن العالم نفسه قد تغير بفضل الثورة العربية ذاتها، وتغيرت معه أيضا الجامعة العربية، كما أبرز ذلك المثال الليبي. ولم يعد أحد يقبل اليوم مشاهد الحرب التي يشنها مسؤول أو زعيم سياسي على شعبه لمجرد طموحه في البقاء في السلطة أو حماية بعض الامتيازات.

ولقد فات الوقت الذي كانت سيادة الدولة فيه تعني حق أي حاكم أو نظام حكم -مهما كان أصله ومصدر شرعيته- في أن يستفرد بشعبه ويفرض عليه الإذعان.

ولم يعد من الممكن للرأي العام العالمي، في نظام العولمة الراهن والتواصل المباشر عبر وسائل الإعلام، أن تتنكر حكوماته لواجب التضامن مع الجماعات والشعوب المعرضة لمخاطر الإبادة والاستعباد، أو أن تستهتر بمصادرة إرادتها من قبل جماعات خارجة على العرف الدولي والقانون، سواء اعتمدت في إخضاع شعوبها على القوة العسكرية النظامية أو الأجهزة الأمنية، ومن باب أولى على عصابات المرتزقة وأمثالهم.

مهما تأخر الوقت، لا يستطيع نظام متكلس يرجع نموذجه إلى حقبة سابقة كثيرا على ثورات التحرر والديمقراطية والانتفاضات الشعبية العربية، أن يستمر. لقد أصبح أثرا من آثار ما قبل التاريخ.. تاريخ الحرية الجديد الذي يحرك الشعوب ويلهمها.

والسوريون ليسوا أقل جدارة من الشعوب الأخرى، وليسوا أشباه رجال، أو نمطا خاصا من الشعوب التي لا تعنيها الكرامة ولا تعرف معنى الحرية، ولن يقبلوا أن يكونوا أنصاف مواطنين. وما ينشدونه هو ما تتمتع به جميع شعوب العالم اليوم وتنشده أيضا: حكم قائم على المشاركة والاعتراف بأهلية الشعوب وحقوقها وحرياتها الأساسية، والتخلص من عسف المخابرات وتسلطها البغيض على حياة الناس ومصادرة أحلامهم وآمالهم. وليس في هذا أي مطلب استثنائي أو تعجيزي.. بالعكس إنه العودة إلى الحالة الطبيعية، أي السليمة.

لكن إذا لم يكن من الممكن المحافظة على نظام يرجع في نموذجه إلى عصر الحرب الباردة، فليس هناك ما يمنع أصحابه أو الذين آمنوا به من أن يجنبوا أنفسهم مصيرا شبيها بمصير الخارج على القانون الذي تحول إليه القذافي -الزعيم الملهم- بعدما غامر بشن الحرب على شعبه وأراد أن يفرض نفسه عليه بالقوة، ولا حتى بمصير بن علي ومبارك اللذين اضطرا إلى الانسلال أو التسلل خوفا من الغضبة الشعبية.

والسبيل إلى ذلك ليس بالأمر الصعب والخطير.. إنه ببساطة ملاقاة مطامح شعوبهم وتطلعاتها الإنسانية الطبيعية، والتجرؤ على إعلانها شعوبا حرة، والاعتراف بأهليتها في حكم نفسها واختيار ممثليها بحرية، وتسهيل انتقالها الحتمي نحو الديمقراطية، والمساهمة في تخفيض تكاليف هذا الانتقال المادية والمعنوية.

ولا أعتقد أن كثيرا من القادة السياسيين - بمن فيهم مسؤولون كبار في أجهزة الأمن- من الذين أتيح لي مقابلتهم بمناسبة العديد من التحقيقات التي يشاركني فيها أغلب عناصر النخبة الثقافية، غير قادرين على مثل هذا الخيار، أو غير آبهين بمستقبل شعوبهم وراغبين في تجنيب بلادهم مخاطر العنف والحروب الداخلية، ومن ورائهما احتمال الانزلاق نحو التدخلات الأجنبية القابعة وراء الباب.

--------******************-------

ميشيل كيلو: المجتمع المدني مع سبق الإصرار

خليل صويلح : صحيفة الأخبار

شخصان استثنائيان شكّلا وعيه المبكّر: والده الدركي، والياس مرقص. الأوّل زرع في شخصيته فكرة العدالة، والثاني علّمه جوهر الماركسية. لكن ميشيل كيلو يبدأ باستعادة تفاصيل عن حياة والده. يروي لنا سيرة ذلك الذي تطوّع في الدرك السوري في ثلاثينيات القرن العشرين، وانتهى رئيس مخفر مغضوباً عليه. خلال جولة في الساحل السوري، سأله الرئيس شكري القوتلي عمّا يحتاج له المخفر، فما كان منه سوى أن أجاب بأن الشعب فقير… وكانت مكافأته على هذه الجملة الذهبية، الحبس 45 يوماً. هذا الدركي العنيد الذي كان يقدّس ستالين، ويحمل الطعام إلى سجناء المخفر، ويرفض قمع التظاهرات ضد انقلاب الشيشكلي، سيذوق طعم السجن مرةً أخرى، وسيبقى منتظراً قدوم ستالين، بين انقلاب وآخر، ليحقّق العدالة الإلهية على الأرض… لكن من دون جدوى.

ابن العاشرة الذي سمع من الأب أسماء محمد عبده ونابليون وباسكال وجان جاك روسو، وجد نفسه بعد سنوات في صفوف الحزب الشيوعي، ثم عتّالاً في المرفأ، يتشارك مع العمال في تعاستهم، وفي لقب «رفيق». انخرط في التظاهرات والصراعات الحزبية والسجالات الحامية، وصولاً إلى اتهام الآخرين بالعمالة والجاسوسية. كراهيته لاستبداد عبد الناصر، انتهت بنوبة بكاء إثر إعلانه تأميم قناة السويس.

في مدرسة تجهيز اللاذقية، سيدهشه كلام آخر مغاير، على لسان معلم، عاد للتو من بلجيكا، هو إلياس مرقص. «علّمني الفرق بين الستالينية والماركسية، وأنّ الرافعة الأساسية هي الفكرة القومية، وأن السياسة ليست نصب فخاخ». ويضيف: «أُصبت بفصام سياسي نتيجة اختلاط الأفكار في رأسي». هذه الحيرة بين أفكار خالد بكداش الأممية، وميشيل عفلق القومية، وخطابات جمال عبد الناصر التحررية، شكّلت خلفيّة صاخبة للشاب المتحمّس الذي استسلم لغواية الأفكار والقضايا الكبيرة… لكنّ صداقته لمرقص وضعته على مفرق حياة، وعلّمته معنى المواطنة والديموقراطية والحرية، وقبل ذلك كله، معنى الاختلاف. هكذا انفصل روحياً عن الحزب الشيوعي، وغادره تنظيمياً في عام 1961، وكان حصوله على منحة لدراسة الصحافة في القاهرة (1958)، حلّاً سحرياً للخروج من هذه الشرنقة. «في القاهرة، أُصبت بصدمة الحداثة. كانت نقلة عظيمة في حياتي: معارك فكرية، وتيارات، وكتب، وأضواء، وشجارات، إحداها كانت مع صدّام حسين الذي كان يدرس حينذاك في جامعة القاهرة». بعد الانفصال بين سوريا ومصر، طرد من القاهرة بتهمة الشيوعية، فغادر إلى ألمانيا الغربية، ليكمل بعثته في السنة التالية…

وهناك سيعيش صدمةً أخرى. «اكتشفتُ أن الرأسمالية لا تحتضر، كما كان يصلني عبر الرواية الرسميّة الآتية من موسكو. تنبهت إلى حراك مجتمع حيّ، يعيش برفاهية وحرية، لا نظام استغلال وحسب. وحين عدت من ألمانيا، كنت متحرراً تماماً من عقدة الاتحاد السوفياتي، وإن بقيت عواطفي مع الشيوعية بما هي فكرة». ذات يوم خلال إقامته الألمانيّة: «زارني زميل جامعي في غرفتي وأخبرني بأن إسرائيل ستشنّ قريباً حرباً على العرب، وستهزمهم. اكتشفت أنّه إسرائيلي ورشقته بمقلاة البيض».

حين عاد إلى دمشق أواخر عام 1966، وجد مناخاً غائماً: «أحزاب تحتضر، ومعارضة داخل الأحزاب، وحماسة للحرب التي ستنتهي بهزيمة مدوّية». انصرف ميشيل كيلو إلى عمله مترجماً في وزارة الثقافة، فنقل إلى لغة الضاد، أعمالاً فكرية مهمة «من هيغل إلى نيتشه»، و«الديموقراطية الأوروبية»، و«الدولة والطبقة»، و«لغة السياسة»، وصولاً إلى عناوين أخرى لافتة… لكن السياسة كانت البوصلة التي تقود خطاه، وهي التي ستأخذه إلى المعتقل مطلع الثمانينيات، على خلفية سجالات ساخنة بين المثقفين والسلطة. تجربة المعتقل تلك ستطبع مسيرته الفكريّة والسياسيّة، ليصبح من أبرز رموز المعارضة السوريّة. يكتفي لشرح هذا المسار بجملة واحدة مكثّفة، أقرب إلى برنامج سياسي يصلح لكل الدول العربيّة: «كنتُ ولا أزال داعية حوار بيدٍ ممدودة، وعقلٍ مفتوح، لتحقيق المواطنة بمعناها القانوني». إثر اعتقاله الأول، غادر إلى باريس، في نوع من استراحة المحارب، عمل في الصحف المهاجرة، كما درس علم الاجتماع في السوربون. «في باريس اكتشفت حال التفسخ العربي، وفكرة الحرية، وأمراض المثقفين العرب في المنفى، فانصرفت إلى عزلة اختيارية».

لكن انشغالات هذا المفكر السوري ستتمحور لاحقاً حول تأصيل فكرة المجتمع المدني، وفكرة المواطنة، بوصفهما الحل للمأزق البنيوي الذي تعيشه الأحزاب والأنظمة العربية: «هذه الأنظمة التي دخلت حقبة ما بعد الاستبداد، محتفظة بتكوينات ما قبل مجتمعية». ويضيف بحماسة: «أعيش هذه الأيام أسعد أوقات حياتي، فالثورات المشتعلة في أكثر من عاصمة عربية أعادت إلينا الروح بصفتنا جيلاً ناضل طويلاً من أجل هذه اللحظة، وها نحن نقطف الثمار… كنت يائساً، وقد فاجأني الزمن الآخر. لم نتنبأ بما حصل، لكنّنا الآن نقطع مع ماضٍ مستبدّ، وندخل عصراً جديداً، وعتبة تنوير تشبه ما حصل في أوروبا قبل قرون، وكل ما عدا ذلك «علاك مصدّي»، فهؤلاء الشباب الذين فجّروا الثورات، لم يأتوا من كوكب المريخ».

لكن من هو ميشيل كيلو الآخر؟ يجيب ضاحكاً: «كدت أن أكون شاعراً، لو لم أنتسب إلى الحزب الشيوعي… كما كتبت روايتين عن فترة اعتقالي، لم أنشرهما، وكنت قارئاً نهماً للأدب. في المعتقل قرأت أدب أميركا اللاتينية، لكن الواقع أغنى من احتمالاته، بدليل هذه الريح التي هبّت على جغرافيتنا بعدما اقتنعنا بأنها مستقرّة». يرى أننا بحاجة إلى أكثر من دوستويفسكي عربي، كي يكتب ويشرّح أوجاع الواقع: «بعد نجيب محفوظ، لم يفرز الأدب العربي قامةً كبيرة في بناء عالمٍ موازٍ لهذا الواقع المتشظّي».

لا يرى ميشيل كيلو نفسه سياسياً محترفاً. «عالم السياسة فاسد، لذلك انخرطتُ في الشأن العام. ولعلّ وجود خمسين مثقفاً فاعلاً، أهم من أي حزب». يصمت قليلاً ثم يقول: «ما أحوجنا إلى مفكرين مثل إلياس مرقص وياسين الحافظ، لتصحيح أخطائنا المتراكمة، وغربلة مصطلحات كثيرة، أعاقت خطواتنا إلى المستقبل». في هذا السياق، التفت ميشيل كيلو أخيراً إلى ترجمة أعمال ماكس فيبر لاستكمال مشروعه الفكري، وسينتهي قريباً من تعريب مؤلَّفين مرجعيين لهذا المفكر الماركسي: «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، و«كتابات خلال الحرب العالمية الأولى». كما يعمل على مشروع بحث طويل عن «تجربة المجتمع المدني في سوريا»… أما يوم الجمعة، فهو مخصص للعب النرد في «مقهى الروضة» بوصفه «راحة ذهنية»، وربما مبارزة فكرية من نوع آخر… مع أصدقائه القدامى.

--------******************-------

القمع في سورية..من حافظ إلى بشار من رفعت إلى ماهر

القناة

قال مراقبون سياسيون إن ماهر الأسد الذي يقود الحرس الجمهوري السوري يلعب إلى جانب أخيه الرئيس بشار، الدور الذي كان يلعبه رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع إلى جانب أخيه الرئيس الراحل حافظ الأسد.

ولاحظ المراقبون أن الحرس الجمهوري هو الذي يتولى قمع مظاهرات الاحتجاج في منطقة درعا القريبة من الحدود الأردنية، وكذلك بقية المناطق التي وقعت فيها احتجاجات من دمشق إلى حلب إلى حمص إلى بانياس.

وأضافوا أن قوات الحرس الجمهوري استخدمت القوة المفرطة ضد المحتجين مما أدي إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، إضافة إلى عشرات المعتقلين.

وكانت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد قد تولت قمع الحركة الاحتجاجية ضد النظام في حماة ودمشق في بداية الثمانينيات، وارتكبت مجازر راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين.

ويطوف الحرس الجمهوري حالياً المناطق التي وقعت فيها احتجاجات، ويجري عمليات تفتيش واسعة النطاق، كما يجري حملة اعتقالات واسعة، ويقول سكان من درعا: إن قوات من الحرس الجمهوري والمخابرات تسيطر الآن علي شوارع درعا، وتقوم باعتقالات عشوائية في ظل حصار تام للمدينة، وتحليق مروحيات عسكرية في سمائها.

من ناحية ثانية، دخلت ناشطات سوريات اعتقلن يوم الأربعاء الماضي في إضراب مفتوح عن الطعام في سجن دوما للنساء، وأفادت مصادر من عائلات النساء المعتقلات أن صحة الموقوفة هيرفين أوسي تدعو للقلق،0 لأنها أعلنت إضراباً عن الماء أيضاً والمعتقلات هن: سيرين خوري، وربا اللبواني، ودانة إبراهيم الجوابرة، وفهيمة صالح أوسي (هيرفين) ونسرين خالد حسن، ووفاء محمد اللحام، وسهير جمال الأتاسي، وناهد بدوية، وليلي اللبواني، وصبا حسن.

يذكر أن قاضي التحقيق الأول بدمشق كان قد استجوب بعد ظهر الخميس كل الموقوفين علي خلفية هذه القضية بتهمة النيل من هيبة الدولة وتعكير صفو العلاقة بين عناصر الأمة وأصدر بحقهن مذكرة توقيف وإيداع في سجن دوما للنساء.

--------******************-------

كل نوروز وسورية بخير

درويش محمى

كاتب سوري

أكثر ما كنا نخشاه ونحن نشاهد بن علي وهو يرحل عن تونس, والرئيس حسني مبارك وهو يغادر القاهرة, ان تدب الحماسة في الشارع الكردي السوري, فيعيد الكرة ويقوم بانتفاضة جديدة على غرار انتفاضة 12 مارس عام 2004, ولحسن الحظ "خشيتنا" لم تكن في محلها, والشارع الكردي لم يحرك ساكناً, والغضب الكردي العارم لم ينفجر, والشباب الكردي وهو السباق دائماً لم ينزل الى الشارع وكأن الامر لا يعنيه, وحسناً فعل, فالمسلم لا يلدغ من الجحر نفسه مرتين.

انتفاضة 12 مارس الكردية خلفت وراءها عشرات الشهداء, كما خلفت وراءها الكثير من القوانين والاجراءات العنصرية بحق الشعب الكردي, فالنظام السوري اعتبر تلك الانتفاضة خروجاً فظاً للكرد على سلطته وطاعته, وفي غياب الشارع السوري العريض, تفرد النظام السوري بالمنتفضين, وتعامل مع الشارع الكردي بقسوة لا مثيل لها, لكنها لم تصل أبدا إلى قسوة الشارع السوري وصمته حيال انتفاضة الكرد السوريين شركائه في الوطن والمصير.

اشاطر الكثير من ابناء جلدتي, عدم ثقتهم بمواقف البعض في المعارضة السورية, فهذه المعارضة تضم في صفوفها من هو ملكي اكثر من الملك, وعفلقي اكثر من عفلق نفسه, لكن هذا لا يعني بتاتاً, ان نفقد الثقة بما هو آت, فالنظام السوري هو الاسوأ على الاطلاق, هذا النظام الذي وصل به الامر مؤخراً لقتل وتصفية الجندي الكردي وهو خدمة العلم السوري.

كما اشاطر الكثير من ابناء جلدتي من الكرد السوريين, تحفظهم على الدعوات التي قالت برفع مليون علم سوري في عيدهم القومي عيد "النوروز", كيف لا وفي ظل هذا العلم تعرض الكرد لكل انواع وصنوف القهر والحرمان, وفي ظل هذا العلم اعتبر الكرد مواطنين من الدرجة الثانية, بل حرم مئات الالاف منهم من حق المواطنة, لكن ماذا عن العلم السوري القديم علم الاستقلال? وللكرد في استقلال سورية رواد ورواد.

اليوم وفي ظل ما يجري في البلد, لا بد لنا ان نقول: عفا الله عما مضى, فالذي جرى يوم الجمعة الماضي, في كل من دمشق ودرعا وحمص وبانياس وحلب ودير الزور, والذي سيجري يوم الجمعة المقبل في كل تلك المدن, امر جلل لا يوقفه لا بطش النظام السوري ولا ضعف المعارضة السورية, والكل يعلم, ان الشعب السوري بصدد بناء دولته من جديد, دولة حرة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات.

طالما قلنا ونقولها اليوم ايضاً, ان قضيتنا نحن اكراد سورية تحل في دمشق وليس في اي مكان اخر, وأذا كانت دمشق ودرعا وحمص وبانياس وباقي المدن السورية, تثور على الطغيان من اجل مستقبل افضل, فمدينة القامشلي ومدينة عفرين وكوباني وباقي المناطق الكردية, وسكانها وكما تعلمون, هم احفاد السلطان العادل صلاح الدين الايوبي والشهيد يوسف العظمة والشجاع ابراهيم الهنانو, لا شك, ان دورهم سيكون فعالاً وحاسماً ورئيساً في عملية التغيير الجارية اليوم في سورية, وكل نوروز وسورية حرة وديمقراطية وبألف بخير.

--------******************-------

الثورة السورية تضع النظام السوري بين الخيار الصعب والخيار الكارثي

الدكتور لؤي عبد الباقي

هل كانت انطلاقة الثورة الشعبية في سوريا مفاجئة؟

حتى يوم جمعة الغضب، الثامن عشر من آذار الجاري، كان الكثير من المراقبين والمحللين يستبعدون فكرة الثورة الشعبية في سوريا. ذلك أن من يجهل سنن التاريخ، ويجهل الشعب السوري العظيم، في حكمته وصبره وشجاعته، ظن أن هذا الشعب قد استكان للظلم واستسلم للطغيان وجبن عن مقارعة الاستبداد، متنازلا عن حقوقه وكرامته وحريته. والحق يقال، لقد حرصت الكثير من الشخصيات الوطنية، الفكرية والثقافية المستقلة، والقوى السياسية المعارضة في سوريا، على تفنيد هذه الرؤية اليائسة والمثبطة، عبر الكثير من المقالات والدراسات والأبحاث والفعاليات، إلا أن وقت التنظير على ما يبدو قد ولى وانقضى، وأصبحت الكلمة الآن للشارع، حيث الفعل وحيث صناعة الحاضر ورسم صورة المستقبل.. اليوم أصبحت المبادرة بيد الجماهير وأصبح الفعل يصنع في الشارع دون الحاجة إلى مراكز الطبخ والتنظير التي تديرها القوى التبريرية النفعية، أو الواقعية اليائسة، أو حتى الإصلاحية التغييرية.

لقد خرج الأمر من أيدي النخب، جميع النخب، بما فيها الحاكمة والمعارضة والمثقفة، وأصبح بيد الجماهير... اليوم لم يبق أمام النخب المعارضة، المستقلة والحزبية، إلا أن تسير خلف الجماهير، بعد أن عجزت عن قيادتها والسير أمامها، ولم يبق أمام النخب الحاكمة إلا أن تنحنى أمام رياح الحرية والتغيير العاصفة والجارفة، ليس أمام قوى الاستبداد خيارا إلا أن تخضع وتستجيب وتستسلم لإرادة الأمة ولصرخة الجماهير...

وعندما نقول أن الأمر قد خرج من أيدي النخب بكافة أشكالها فذلك يعني أن النظام السوري وضع نفسه أمام أحد خيارين: بين الخيار الصعب والخيار الكارثي؛ الخيار الصعب: الاستجابة الفورية والسريعة لإرادة الجماهير، والخيار الكارثي: إعلان الحرب على الشعب ومواجهة العاصفة. وفي كلا الحالتين يواجه النظام مصيره الحتمي في السقوط بفعل الثورة الشعبية الهادرة، التي تنبأنا بها وحذرنا منها طيلة سنوات العقد الأول من حكم الرئيس بشار الأسد (انظر على سبيل المثال: "تساؤلات مشروعة برسم المعارضة الديمقراطية داخل سوريا"، أخبار الشرق– 2 آذار/ مارس 2009:

إلا أن الفرق بين الخيار الأول والثاني، هو أن الأول يوفر للنظام تنازلا آمنا عن السلطة للشعب (صاحبها الشرعي)، بل وربما مشرفا يظهر حرصه على حقن الدماء وعلى المصلحة العليا للوطن، أما الثاني فهو كارثي بكل معنى الكلمة ويصعب التنبؤ بنهايته ومدى ضرره على حاضر ومستقبل الوطن.

لقد حاولت النخب الوطنية الثقافية المستقلة طرح رؤيتها للإصلاح التدريجي والسلمي منذ وصول بشار الأسد إلى السلطة، فاختار الرئيس الشاب، والذي بدأت الشيخوخة تغزوه مبكرا، اختار الحل الأمني-القمعي، فقمع ربيع دمشق وقام بوأده بلا هوادة، وبطش برموز مبادرة إعلان دمشق بلا رحمة ولا تعقل، وأهمل كافة المبادرات السياسية السلمية التي أطلقتها القوى السياسية المعارضة، وتجاهل جميع الوساطات.

ولو رجع اليوم لمراجعة تلك الخيارات، حيث لا رجعة لعجلة التاريخ، للتدبر والتأمل فقط، لأدرك حجم الكارثة التي أوصل نفسه إليها!

لا عودة لعجلة التاريخ... رفض النظام المغرور التعامل مع المبادرات الوطنية، ورفض الوساطات العربية، وتجاهل الدعوات الإصلاحية، فوضع نفسه اليوم أمام الجماهير المنتقضة والغاضبة..

الشعب السوري العظيم، في حكمته وصبره وشجاعته، كان سباقا في تقديم التضحيات، ورائدا في إشعال الثورات، سواء في عهد الاستعمار، أو في مقارعة الاستبداد والطغيان.. فآثار التضحيات التي قدمها في عهد الاستبداد الأسدي لم تنمحي من ذاكرة الشعب والتاريخ، تشهد على ذلك قوافل الشهداء في الثمانينات، وآلاف المعتقلين، الذين مازالت السجون تغص بهم، وعشرات الآلاف من المهجرين الذين مازالوا محرومين من تكحيل أعينهم برؤية وطنهم وأهلهم..

لذلك لم تكن انطلاقة الثورة الشعبية السورية مفاجئة لنا ولكافة الوطنيين الذين خبروا هذا الشعب الأبي، لقد تنبأنا بها وحذرنا النظام من مغبة الجنوح إلى الغرور واستمراء القمع، ومن مغبة الاستماع فقط إلى الدائرة الأمنية الفاسدة التي تحيط به، ومن تجاهل الأصوات الوطنية الحرة والغيورة على هذا الوطن...ولكنه جنح إلى الخيار الأمني وبالتالي عليه تحمل عواقب هذا الخيار، الثورة الشعبية السورية أصبحت أمرا واقعا.

--------******************-------

هل الانتفاضة في سوريا ممكنة؟

كُتب يوم 2011/03/23 بواسطة admin2

سيكولوجية العنف وإستراتيجية التغيير السلمي

الطريق اليمني والطريق الليبي أمامك الخيار فينادي الشاب اليمني الرائع

لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك

إني أخاف الله رب العالمين..

لو سألني أحد قبل ثلاثة أشهر هل تتوقع تغيرا في العالم العربي؟

لكان جوابي نعم لأنه قدر كوني؟

وكل يوم هو في شان. فبأي آلاء ربكما تكذبان، وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام.

لو تابع؟ متى؟

لكان جوابي أعطيها فترة عشرين إلى ثلاثين سنة، وفي ظل التغير العالمي من التسارع يصعب الجزم برقم معين؟

لو تابع وأين؟

لكان جوابي الأقرب مصر بسبب الهامش من الحريات وتشيخ النظام، وعسى أن تنجو من بدعة توريث الحكم فهذا هو التحدي أمامها؟

لو تابع هل تتوقع أن تنفجر الأحداث من تونس؟

لكان جوابي مستحيل!

ثم استدرك فأقول العقل العلمي مفتوح على كل الاحتمالات، ولكن تونس بعيدة عن هذا ولن تكون نقطة البدء ..

هكذا أظن؟ والله أعلم ؟؟

وأحيانا أضحك وأقول لو أن حكام العالم العربي اطلعوا على الغيب ورأوا المسكين البوعزيزي وما فعل حريقه من حرق أنظمة العالم العربي القديمة المتخشبة المتكلسة وبدأ المزاد العلني على عربته؟ أظن أنه كان أعظم ملياردير في العالم العربي؟

ولكن الله اختار له ماهو أفضل جنات الفردوس التي وعدها عباده الصالحين فهو يطلع الآن من علياء السماء فيرى الكثير من الطغاة في سواء الجحيم…

والمهم فقد أصبح البوعزيزي رمز الثورة العربية الكبرى، بل رمز الاتحاد العربي القادم مع منتصف هذا القرن..

لقد قرأت مقالة للأخ غسان الإمام على جزمه باستحالة الانتفاضة في سوريا؟

وأظن أن من خطل القول بقرار جزمي من هذا الحجم، كما بدأت كلامي عن الاستحالات الثلاث؛ التغيير، وان يبدأ من تونس، وأن يمتد الحريق من طنجة في المغرب إلى مسقط والمنامة والقامشلي على طول خط طنجة الموصل خلال ثلاثة أشهر فيطير بن علي في 21 يوما والمبارك في 18 يوما ثم تتعضل الولادة عند الدموي المهرج في الصحراء؟

والتغير قادم مثل قدر الموت وتشرق شمس الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير بسبب بسيط هو تغير المناخ في العالم العربي، كما حصل في شرق أوربا وتهاوي عروش الشيوعيين المخضرمين المتيبسة مفاصلهم؟

بل وحتى سقوط كل الاتحاد السوفيتي الذي قام على دين الإكراه الشمولي والكراهية النفسية والسقوط الحتمي ..

كما في محكم التنزيل أن الكلمة الخبيثة تنمو فتصبح شجرة خبيثة ثم تجتث من فوق الأرض مالها من قرار..

وهذا هو مصير المهرج الدموي في ليبيا كما سيكون هذا أيضا مصير النظام اليمني والسوري مهما كان شرسا دمويا لأن نعومة الماء تفلق جلمود الصخر..

لقد رأيت معجزة تولد في حوران وهي من ريف دمشق يتندر الشوام عليهم، فأصبحوا أساتذة على أصحاب الطبقة البورجوازية الشامية المخملية أن تتعلم من هؤلاء الفلاحين البسطاء روح التغيير وتمرد الروح الإنسانية.

نعم إن هناك ما لا يقل عن عشر عوائق في وجه الانتفاضة السورية: الطائفية وامتدادها في الجيش، وثالثا المؤسسة الدينية (السنية) وهي وظيفة الجبت من أيام فرعون وكهنة آمون، وحواف إسرائيل التي يجب أن تبقى هادئة كما كانت منذ ثلاثين عاما بهدوء جبهة الجولان عكس الشعارات وهو أمر يدعو للضحك أن يكون أمن إسرائيل من أمن النظام السوري؟

ورعب الأجهزة الأمنية وأعرفها جيدا فقد استضافوني في أقبيتهم أربعة مرات عددا، وذقت من أدوات تعذيبهم ما كسر أسناني وطحن عظامي.

وسكوت الإعلام عنهم خوفا وطمعا، وخوف القوى العالمية من بعبع الإسلاميين، الذي اجتث نظام البعث جذورهم وجفف عروقهم بجدارة واقتدار، وأدخل الرعب ألوانا على قلوب السوريين بجرعة الرعب الأعظم، بتدمير مدينة حماة براجمات الصواريخ، ونزع الروح من صدور ثلاثين ألفا من الأنام بما يستحي منه عزرائيل نفسه.

وكما يقول ميكيافليي في كتابه الأمير أن الرحمة يجب أن تعطى بالقطارة أما الرعب فبالعصارة، ومن الحجم الأعظم، وعلى الحاكم أن يكون ثعلبا دمويا يحكم الناس بالعصا والجزرة ولا يرحم أعداءه قط، وأن يكون مخيفا مهابا، أفضل من أن يكون محبوبا ضعيفا؟

وقد أتقنها النظام السوري حتى يحين الأجل؟

ويأتي تحالف إيران الاستراتيجي وبيدقه حزب الله في الميزان، وأرجو أن لا يرتكب حزب الله حماقة أن يقمع انتفاضة داخل سوريا في انخل وجاسم ويبرود وجيرود، فسوف يكون مصيره الانقراض؟

ثم تأتي تجربة الإخوان الدموية الفاشلة، فزادت الطين بلة والعذاب أضعافا والمريض عصابا.

ومشكلة السلاح كما هو في ليبيا أنه من جعبة الشيطان، وله حزمة من المشاكل ليس أقلها التدخل الخارجي وتعضل ولادة الجنين أو ولادته مشوها أهبلا ضعيفا، فمن أخذ السلاح كما يقول المسيح لبطرس مكتوب أن من أخذ السيف بالسيف يهلك، وهو ما حصل للبعثية الانقلابية حيث التهم السلطة الجناح العسكري بقلمة من فم الأسد الانقلابي الدموي، وقتل مؤسس الحزب البيطار في شوارع باريس ضربا بالرصاص هاربا بعد أن كتب مقالة عفوا يا شعب سوريا العظيم؟

فلحقوه وقتلوه مع زوجة العطار في آخن بنان الطنطاوي بدون تردد ولا شفقة ولارحمة كما زعق المهرج الليبي على أبواب بنغازي قبل أن تأتيه طيرا أبابيل ترميه بحجارة من توما هوك فجعلته كالعصف المأكول، وحين ينتهي لن يبكي قط عليه ولا يعسوب..

كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين فما بكت عليهم السماء والأرض..

وحكم على الأب الروحي عفلق بالشنق والخنق ففر نافدا بجلده حتى قبر في بغداد عند صدام المصدوم المشنوق؟

وأخيرا وهو الأهم ضعف المعارضة وتفتتها وتفاهتها، وأذكر كلمات رياض الترك جيدا في صالة القناطر في مونتريال: مايحكم سوريا ثلاث؛ نظام حافظ الأسد غير قابل للإصلاح، ونظام الأسد يلعن أمريكا من الخارج ويتعاون معها من تحت الطاولة (تذكروا قصة ماهر عرار الذي سلمته المخابرات الأردنية إلى مخابرات درعا من الباب الخلفي قدوما من أمريكا) وثالثا النظام ضعيف والمعارضة أضعف وما يحكم العلاقة معادلات الضعف؟ ففي ظل الأنظمة الشمولية لفترة نصف قرن تصاب الأمة بالشلل والكسح والكساح والخرس؛ فإذا نطقت تلعثمت وتأتأت فخرج الكلام غير مفهوم، وإذا مشت عرجت، وإذا خطت تطوحت؛ فهذه عقابيل الديكتاتورية الطويلة.

مع هذا فالمراهنة على روح الله في الإنسان بعد ان نفخ فيه من روحه، والمراهنة ثانيا على قدر التغيير في الكون، وكل يوم هو في شان، والمراهنة على تغير الطقس في العالم العربي فقد جاء الربيع وتذوب الثلوج بالتدريج وهو قدر سوريا بإذن الله..

إنه حريق هائل يأكل مفاصل النظام العربي من المحيط إلى الخليج؛ فإما حرق الستائر والكنبات فلم يبق شيء، وإما التهم المطبخ وتفجرت قنينة الغاز بصوت مدوي، وإما ترك الحيطان مسودة متفحمة من أثر النيران، فلا نجاة اليوم لأي نظام في العالم العربي..

يقول النظام السوري قال سأوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لاعاصم اليوم من أمر الله..

إنه تسونامي أشد مما ضرب اليابان في نفس الوقت وهو من أمور الله العجيبة؟ فننظر عن اليمين والشمال تسونامي يذل أعظم الأمم عند جبل فوجي، وتسونامي سياسي يغرق أنظمة العالم العربي..

أمام الأنظمة خياران؛ فإما غير نفسه وبدل جلده وإما غيرته الأحداث.

ومن يتغافل عن سنن الله فإن سنن الله لا تتغافل عنه، وسنة الله تجري فلا تأخذها سنة ولا نوم..

ما رأينا من مظاهرات بعشرات الآلاف في المغرب في 21 مارس 2011م، وقتلى حوران في سوريا من أول كلمة تظهر الفارق بين طبيعة النظامين ومقدار التحدي..

مع هذا فالنظام المتخشب قد يكسر ضربة واحدة مالها من فواق، واللينة الملكية قد تصمد أكثر، ولكن قدر التغيير سينهي عصر الجملوكيات، ويحول الملكيات إلى دستورية وهو أفضل حتى للملوك..

وأهم ما يجب لفت النظر إليه هو سلوك طريق السلامة والضمانة الطريق اليمني السلامي حتى مع قتل 52 مدني وجرح الآلاف في ساعة من الزمن، فينادي الشاب اليمني الرائع لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين..

وهو مانادينا به منذ ثلاثين سنة اعتماد الأسلوب السلمي اللاعنفي في التغيير؛ فهو مضمون بسبب سيكولوجي من تحرر الإنسان من الخوف بالحب، وتحرر الإنسان من الأوثان برمي السلاح وولادة روح الإنسان، محررة من علاقات القوة والأوثان، وتعاطف الناس مع من يموت ظلما؟

ألا يضرب الشيعة كل عام أنفسهم بالسلاسل والزناجير والسكاكين من اجل الحسين؟

ألا يحمل المسيحيون كل عام الصليب على أكتافهم وصولا إلى جبل الجلجثة؟

لماذا ؟؟ إنها رمز التعاطف على من قتل ظلما…

ووعد الرب بهذا فقال:

ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا..

سوريا سوف تتغير كما تغيرت تونس ومصر واليمن وليبيا فالمناخ العربي سوف يذيب الثلوج ويأتي الربيع ضاحكا والأمل ممزوجا بالألم مغردا.. ألم المخاض بعد حمل طويل..

ويقولون متى هو ؟ قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا..

-------******************-------

عن سهير أتاسي التي جعلت منها الحرية موضوعاً لهذه الزاوية!

محمد منصور

2011-03-22

تضاربت الأنباء التلفزيونية على الفضائيات، فيما إذا كانت الناشطة السورية سهير الأتاسي قد اعتقلت بعد الاتصال الهاتفي مع قناة (الجزيرة) للتعليق على مظاهرة سوق الحميدية، أما بعد الاعتصام الذي شاركت فيه مع أهالي المعتقلين السياسيين أمام وزارة الداخلية... لكن شهود العيان الذين كانوا في موقع الاعتصام في ساحة المرجة في قلب دمشق، أكدوا

ل(الجزيرة) وال(بي بي سي) أن سهير الأتاسي اعتقلت بطريقة مهينة أثناء الاعتصام، وأنه كانت هناك محاولة متعمدة لإذلالها والتنكيل بها، وجرها على مرأى من الموجودين في الساحة!

سهير الأتاسي وأثناء أحداث مصر، قررت مع مجموعة من الناشطين أن توقد الشموع على أرواح شهداء ميدان التحرير في ساحة باب توما... لكن الشموع قوبلت بالسباب والشتائم والضرب، ولأن سهير لا تخاف، لم تسكت على مضايقات رجال الأمن، بل دخلت مخفر الشرطة لتسجل شكوى... أربكت ضباط المخفر الذين رفضوا تسجيل الشكوى، واستنجدوا بضابط مخابرات ضد (المعتدى عليها) ولم يجد المسؤول الأمني سوى لغة التهديد والوعيد والاتهام بالعمالة لاسرائيل، ليواجه بها جرأة سهير التي لم تسكتها لغة التهديد والوعيد.. ولا حتى الصفعة التي لطمها بها على وجهها، فخرجت لتكتب كل هذه الوقائع وتنشرها على الملأ.

سهير الأتاسي ابنة مفكر عربي قومي هو جمال الأتاسي أحد كبار سياسيي سورية، وهي سليلة عائلة كريمة من عائلات مدينة حمص السورية، حفل سجلها بأسماء بارزة في تاريخ الحياة الاجتماعية والثقافية والحراك السياسي، وأنجبت زعماء ورؤساء جمهورية شهد التاريخ بنظافة سجلهم. سهير معتقلة الآن ومضربة عن الطعام، مع نساء أخريات اعتقلن بنفس الطريقة المهينة من أمام وزارة الداخلية: (ربا اللبواني، ليلى اللبواني، صبا حافظ حسين، سيرين خوري، ناهد بدوية، دانة الجوابرة، وفاء اللحام، هيرفين اوسي) نساء ذهبن للتضامن مع أهالي المعتقلين السياسيين، فتحولن إلى معتقلات ينشدن من يتضامن معهن... فهل صار الوطن سجناً كبيراً؟ وهل صار على السوريين أن يشيعوا بعضهم بعضاً، إما إلى السجون أو إلى المقابر؟!

سؤال مرير ومؤلم، حين نعلم أن اثنتي عشرة امرأة من نساء سورية في نظام (علماني) يفاخر بأنه نصير المرأة، وضد سجنها في البيت، معتقلات في سجونه هو، يقبعن في زنازين لا يميز سجانوها بين نساء ورجال، بل بين سوريين يصنفهم موالين يهتفون لكل شيء، أو خونة وأعداء لهم وجهة نظر في أي شيء... وإحداهن مضربة عن الطعام والماء معاً... تم نقلها إلى المستشفى كما أفادت أنباء وتسريبات حقوقية!

طبعاً ثمة أبواق جاهزة كي تكيل تهم العمالة، وتتحدث عن الفوضى وعن وهن نفسية الأمة، وإضعاف الشعور القومي... حسناً الشعور القومي كله اليوم يطالب بالحرية، من تونس ومصر إلى ليبيا واليمن والبحرين والمغرب... فهل التظاهر اقتداء بهذا الشعور القومي هو (إضعاف للشعور القومي) أم العكس هو الصحيح؟ وما هو وهن نفسية الأمة، إن لم يكن بث الخوف في نفوس المواطنين داخل بلادهم.. الخوف من رجل الأمن، ومن كتبة التقارير، ومن المطالبة بالحقوق.. ومن الصراخ في وجه الفساد، ومن ممارسة حق التظاهر السلمي.. ما هو وهن نفسية إن لم يكن هو هذا الخوف الذي ينتاب كاتباً مثلي، حين يكتب في صحيفة عربية ممنوعة من التوزيع في بلده، ليعلن تضامنه مع نساء معتقلات، كنّ أشرف منا، وأكثر شجاعة منا؟!

لقد جعل الخوف من كثير منا أشباه رجال يا عزيزتي سهير أتاسي، التي تتفنن المواقع الإلكترونية السورية (المستقلة) في تشويه سمعتك اليوم، وفي نشر التعليقات البذيئة التي تطالب بحرقك وإعدامك، لقراء يكتبون نفس اللغة ونفس المفردات التخوينية... لكن صوتك وصورتك لن يغيبا في هذه الليلة الظلماء، التي لا نريد سوى أن تنقشع فيها سحائب الخوف كي نتذوق طعم الحياة التي بدت ممنوعة عنا كسوريين.. لقد مللنا حياة الخوف أيتها المرأة التي تعلم الرجال معنى الشجاعة.. مللنا رفع أصواتنا للكتابة (بشجاعة) عن ثورة تونس ومصر وليبيا.. ثم الصمت على ما يجري في بلدنا.. مللنا الكتابة عن فضائيات الآخرين، ونحن نخاف أن نبدي رأينا فيما تبثه الإخبارية السورية من تبريرات مضحكة ومخجلة لأحداث درعا، لقد نفانا الخوف يا عزيزتي سهير خارج أوطاننا، ونحن نعيش في داخلها ونرى كل ما يجري فيها، ثم نصمت، ونلوك صمتنا كالفضيحة.. ونداري غصة الصمت بالنكات التي تضحك وتبكي.. فيما كنا نبكي من داخلنا؛ وحين كنا نحاول الخروج من المنفى للحديث عن بلدنا في مسائل أقل من هذه بكثير كانتقاد التلفزيون السوري أو جائزة أدونيا أو مهرجان السينما، كنا نهدد بالمحاسبة، وكنا نقتاد إلى فروع الأمن لنكتب تعهدات قسرية تعيدنا إلى حظيرة الخوف، وتوهن نفسيتنا كي لا نتورط بوهن نفسية الأمة.

ولكن ماذا بعد أيها الوطن؟! من يدلنا على طريق الإصلاح الذي طالما أملنا أن يحمل لنا بعض الخلاص؟! وهل هناك معبر للحرية في طريق الإخلاص ذاك؟! هل هناك محطة للشجاعة نتنفس فيها نسائم العز والكرامة والهواء النظيف؟ قل لنا أيها الوطن الذي اعتقلت فيه النساء... وضربن في ساحاتك بضراوة... وشددن من شعورهن على أرصفتك... وضرب الشبان الذين حاولوا الدفاع عنهن.. لأنه في زمن الذل ممنوع على الرجال أن يكونوا نبلاء وأن تثور في دمائهم ذرة نخوة أو مروءة؟!

قل لنا فنحن لا نريد أن نرتهن لتجاربنا المريرة في الاستنتاج حتى لا نضعف الشعور القومي أكثر مما يحتمله اتهام قضائي لا يحتاج إلى أي إسناد أو حجة أو تبرير؟!

ثمة فجر يولد من جديد يا عزيزتي سهير... فجر لا نعرف كيف سيكون شكل الصباح بعده، ولا ما ستكون فيه المعالم والوجوه... والنجاحات والإخفاقات.. لكننا نعرف فقط أن الخوف سينجلي والقيد سينكسر.. وأن السوري سينظر في عين أخيه بلا خوف!

مكرمات الملك وثقافة المن والاستجداء

واكب التلفزيون السعودي الأوامر الملكية العشرين بتقديم منح مالية إضافية لأبناء الشعب السعودي، وإعانات للعاطلين عن العمل، وتشكيل هيئة لمكافحة الفساد تتبع الديوان الملكي مباشرة، بإجراء لقاءات مع مواطنين سعوديين، تحدثوا لكاميرا التلفزيون الرسمي بكثير من الامتنان، عن المكرمات والهبات، والدعاء لطويل العمر!

شخصياً قد يخطر لي على سبيل رؤية النصف الملآن من الكأس- أن أقارن ما فعله الملك السعودي مع شعبه لدرء الاحتجاجات، حيث نثر بين أيديهم بعض المليارات.. بحكام آخرين نثروا على رؤوس وصدور المحتجين القنابل المسيلة للدموع والرصاص، لكنني حين أعود إلى رشدي لأفكر بعقل المواطن العربي الحر، في هذا الزمن العربي الجديد فسأشعر بكثير من الاشمئزاز لسلوك التلفزيون الرسمي السعودي، الذي نحا نحو تمنين الشعب بالمكرمات والأعطيات، وكأنها من جيب خادم الحرمين الشريفين الشخصي، وليست من عائدات نفط وطن هو ملك لأبنائه!

ليس الإعلام الرسمي السعودي هو من يرسخ هذه الفكرة، التي ترسخت في غير بلد عربي، بل المواطن البسيط أيضاً... فهو لا يدرك أنه يأخذ (بعض) حقوقه، وهذه ليست فيها منة لأحد!

شكراً لمن أعطى، مع أن أعظم الرشاوى المالية التي يمكن أن تقدم للشعوب لا يمكن أن تغنيها عن نسائم الحرية التي يحتاجها قلب كل مواطن عربي... لكن لا للمن على الشعوب... ولا لثقافة الاستجداء من مال الوطن... فالوطن ملك للجميع، والوضع الصحي والطبيعي جداً أن تنفق أموال وعائدات ثروات الأوطان على الشعوب... لا أن تذهب إلى جيوب الحاكم وعائلته وأعوانه وأبناء خؤولته وعمومته، في مليارات وأرصدة ستذوب كالجليد عندما تجمّد وتصادر بعد تهاوي تلك الأنظمة، وملاحقة أمثال (عائلة الطرابلسي) باعتبارهم ناهبي مال عام، وشبيحة سلطة وامتيازات... دفعت الشعوب ثمنها من الجوع والفقر والبطالة وحياة الذل والعوز وفقد الكرامة!

ناقد فني من سورية

--------******************-------

لماذا يكذب النظام ؟

حسّان رياض

 عبارة دفع قائلها حياته ثمنا لها، بعد أن تعرض لأشد أنواع التعذيب همجية، حتى أذابوا أصابع يده التي كتبت تلك العبارة بالأسيد، ثم رموا جثته على قارعة طريق مهجور. إنه الصحافي اللبناني الشهير سليم اللوزي صاحب مجلة الحوادث.

 ما يزال في ذاكرتي غلاف المجلة تملأه صورة حاكم سورية السابق حافظ الأسد وفوقها بخط عريض : لماذا يكذب النظام. كان ذلك ربيع عام 1980 عندما كانت المظاهرات تشمل جميع المحافظات السورية منادية بالحرية والكرامة، بينما كان النظام يتهم الجماهير أنهم عملاء لنظام (كامب ديفيد) في مصر ولا يقر بما يطالب به الشعب.

 واليوم نرى أن نظام الابن وارث حكم سورية من أبيه وَرِثَ عنه الكذب أيضا. فالتحرك الشعبي في درعا التي تحملت الكثير من النظام الأسدي لم يقنع القابضين على زمام السلطة أنه تحرك سلمي لمطالب مشروعة، وحتى يبرئوا أنفسهم من أرواح الشباب والأطفال التي أزهقوها، وما يزالون، توصل خبراء الأجهزة الأمنية إلى إطلاق جملة من الأكاذيب المفضوحة التي لا تنطلي على أبسط الناس في عصر التواصل والإعلام المفتوح.

 فكان أول فرية لهم خبرا وزعته وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا"، نقلاً عن مصدر مسئول: قيام أشخاص، انتحلوا صفة ضباط أمن رفيعي المستوى، بجولات على عدد من المراكز الأمنية والجهات الأخرى، والطلب باستخدام القوة والرصاص الحي ضد المتظاهرين.!!! هكذا بكل صفاقة واستهتار بعقول الناس.

 أما فضيحتهم الثانية التي أصابت حلفاء لهم فقد أوردتها صحيفة /الوطن/ ، في تقرير لها نشر الاثنين (21/3)، حيث ذكرت : تقدم عدد من أهالي درعا بطلب لقوات الأمن (طبعا الطلب لأن درعا محاصرة من قبلهم) للسماح بدخول العشرات من الشبان للمدينة احتفالا "بوصول وفد رسمي للتعزية بالشهداء وقرار إطلاق سراح عدد من الموقوفين في المدينة .. مؤكدين أن تحركهم سليم وهدفه احتفالي لا أكثر، وبعد أن وافقت القوات الأمنية وفتحت الطرق نحو الساعة الرابعة والنصف دخل قرابة 200 شاب ومنهم من كان على دراجات نارية، ولاحظت القوى الأمنية أن عدداً كبيراً منهم كان ملثما". وبحسب الصحيفة، التي لم تشر إلى مصادرها، فقد قالت إنه "تبين لاحقا لوجهاء درعا، أن أغلبية من شارك في إحداث الفوضى والخراب كان من المتطرفين الفلسطينيين، وأن أبناء درعا كانوا أقلية". وبالطبع سارعت الفصائل الفلسطينية العشر الموجودة في سورية إلى التنصل من الأمر، وإعلان دعمها لنظام الممانعة !!! ولم تحفل بالشعب السوري وشهدائه.

 وثالث الأثافي عودتهم إلى الاسطوانة المشروخة في أن الموساد هو من يحرك هؤلاء الشباب، ولكنهم يستدركون : ربما لا يعرفون ذلك نظرا لتفوق الموساد في الحرب النفسية !!!

 أما خطيئتهم الرابعة فقول رئيس فرع الهلال الأحمر في درعا خلال برنامج (بث مباشر) مساء الاثنين الماضي على الفضائية السورية أن المندسين تسللوا من الحدود الجنوبية .

 وافتراءهم الأخير كان غداة اقتحامهم المسجد العمري وخيم الاعتصام حوله،بعد منتصف ليلة الأربعاء، إذ صرح ناطق رسمي بأن عصابة قامت بالاعتداء المسلح بعد منتصف ليلة أمس على طاقم طبي في سيارة إسعاف تمر بالقرب من جامع العمري في درعا"، مشيراً إلى أن ذلك أدى إلى مقتل طبيب ومسعف وسائق السيارة، وتابع: عندها "قامت قوى الأمن القريبة من المكان بالتصدي للمعتدين، واستطاعت أن تصيب عدداً منهم وتعتقل بعضهم، حيث سقط شهيد من قوى الأمن"، على حد تعبيره.(كأنهم لم يكونوا قد قطعوا أوصال درعا وفصلوا البلدة القديمة عن بقية الأحياء، ووضعوا الحواجز الإسمنتية في مداخل جميع الشوارع، بالإضافة لقطعهم الكهرباء والاتصالات).

 ألا تدفعنا هذه السلسلة من الأكاذيب المفضوحة أن نتساءل : ألا يتعظ طغاة العرب من الرؤوس التي تدحرجت أمامهم؟ وأن تيار الانتفاضة الشعبية لن يقف إلا عند الشاطئ الأخير: شاطئ الحرية والكرامة والعزة الوطنية، وسيكنس معه من لا يتعلمون من دروس التاريخ التي لا ترحم .

--------******************-------

السيد الرئيس..!! البقاء لله

بدرالدين حسن قربي

أشرقت شمسنا تملأ أرضنا ضياءً، وتنادي على كل الطيبين من أهل سورية الأحرار: لكل أجل كتاب، ولكل ظالم يوم، ولكل ليل نهاية، وقد طلع فجرنا وانطلقت انتفاضة شعبنا، وهديرها لاأحلى ولاأجلّ: الشعب السوري مابينذل، ونحن كلنا إخوة طلّ. ورسالتها إلى من يهمه الأمر: البقاء لله.

قالوا: لسنا تونس ولسنا مصر، وفي البلدين سقط النظام ورحل الديكتاتور. واشتعلت الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى وكان ظنهم ألا تشتعل لأنها غير تونس ومصر كما يظن السورييون بأنفسهم. وبما أن نظام ملك ملوك أفريقيا أقرب مايكون إلى النظام السوري شبهاً وتشابهاً، فاعتصموا بالصمت وماقالوا أنهم ليسوا ليبيا وليسوا القذافي الذي بدا في غاية التناحة والغباوة، ومتوحشاً في مواجهة شعبه قتلاً وإبادة، بل اعتبروا مايحدث في الجماهيرية شأناً داخلياً يستوجب عدم التدخل الخارجي حرصاً على ليبيا شعباً وأرضاً وعروبة، رغم أن الديكتاتور القذافي لم يُبق منها شيئاً، ولم يقصّروا أيضاً بإرسال مساعدات لوجستية خفية له فضلاً عن السلاح والعتاد والذخائر والطيّارين مما يدفع به أكثر وأكثر إيغالاً في التوحش والإبادة، لأنها بعض معركتهم مع الشعب السوري على أرض ليبيا، ولتُري السوريين - فيما لو انتفضوا - المصير الذي ينتظرهم في النموذج الليبي. والحقيقة أن النظام السوري بما فعل ويفعل، ورغم المطالبات الكثيرة والدائمة بالإصلاح فهو يؤكد دائماً باختلاقه الأعذار المختلفة عجزه عن إصلاح نفسه رغم حكمه المديد، وذلك لأعطال بنيوية وطبائع شمولية في تركيبته تذكّر ببعض أنظمة الدول الشرقية مما باد من سنين وسنين وبات من التاريخ. وإلا، فهل من المعقول والناس في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين والرئيس يتكلم عن الإصلاح ومشاريع الإصلاح في كل مناسبة، ونحن مانزال في دولةٍ محكومة باستحضار أرواح أموات من خلال نصب وتماثيل موضوعة على مداخل ومخارج المدن السورية، تخصص لها المئات من عناصر المفارز الأمنية والحراسات البوليسية التي تتناوب القيام على خدمتها آناء الليل وأطراف النهار على مدار الساعة، والتي بدورها تتطلب نفقات باهظة من رواتب وصيانات وغير ذلك مما يقتطع من قوت الفقراء وعرق الكادحين.

وعليه، فإننا بمناسبة استمرار اعتقال السلطات الأمنية لعدد من أطفال مدينة درعا منذ أكثر من أسبوعين ممن هم بين العاشرة والرابعة عشرة من العمر بتهمة كتابة بعض شعارات على جدران مدينتهم مما يرونه يومياً من أخبار العرب العاربة والمستعربة المنتفضة والثائرة على ظالميها وفاسديها على القنوات الفضائية من مثل الشعب يريد إسقاط النظام، وجعلها إطلاقَ سراحهم محور بحث ومساومة بين السلطة والأهالي لإخضاعهم وإذلالهم مما له في الحقيقة مدلولات كثيرة، وإننا أيضاً بمناسبة استمرار رؤية الناس جميعاً ومعهم بالتأكيد الجهات الرسمية ما تنقله الفضائيات مع هذه الانتفاضات امتهان الجماهير لنصب وجداريات وصور عملاقة للرؤساء الحالقين والراحلين والمتنحين بمن فيهم الرئيس القذافي والعياذ بالله، صُرف عليها الملايين من قوت الشعب وممن لم يكن يجرؤ أحد على مسها بسوء، وهي تُكسّر وتُحطّم، أو تُضرب بالأحذية والنعال أو تُمزّق وتُشوّه في العديد من بلاد العرب ممن كان يُهتَف لأصحابها نفديك بالروح والدم، وممن كانوا يُنعتون قبل أيام قليلة بأوصاف العظمة وألقاب الفخامة، فإننا نجد أن الجهات المعنية مدعوة إلى تدارك الأمر إما بقطع الكهرباء عن عموم البلدان بحيث لايستطيع بعدها أحد من الناس صغيرهم وكبيرهم أن يرى شيئاً مما يحصل حوله من جديد الحياة ومستجدات الأمور، وهو أمر بات في حكم المستحيل لأسباب كثيرة، أو أن يقوم من يهمه الأمر وهو الأسهل والأفضل برفع تلك التماثيل واللوحات والنصب، تمثالاً تمثالاً، وإزالتها بنفسه لوحةً لوحة وتوضيبها على طريقته قطعة قطعة، ليمنع عنها السوء والبهدلة وقبل فوات الأوان، ولتكون جاهزة مع ماوضّبه ويوضّبه من مقتنيات وأموال وشنط وعفش ومتاع من مستلزمات الرحلة والرحيل، لترحيله مسبقاً أو جاهزيته ساعة الزنقة مما قد ينسى معها الإنسان الضروري من أشيائه وحاجاته، وتضيع عليه حاجات كثيرة.

نأمل لدعوتنا إلى المعنيين أن تجد آذاناً صاغية، تتفهمها في إطارها من النصح الأمين والنيّة الحسنة.

السيد الرئيس ..!! ساعة الفرج دقّت، وانتفاضة الياسمين السورية تحركت، وجماهيرها الغاضبة انطلقت، ورسالتها إليكم تأكّدت: البقاء لله.

--------******************-------

بيان إلى الشعب السوري

لقد قام النظام في الآونة الأخيرة بتصعيد ممارساته القمعية بحق الشعب السوري وانتفاضته الشبابية السلمية المتعطشة للحرية والعدالة والديمقراطية .

ففي الوقت الّذي كان ينتظر فيه الشعب السوري الإفراج عن كافة المعتقلين السوريين , حيث اعتصمت العائلات بدعوة سلمية حضارية مشروعة أمام وزارة الداخلية يوم الأربعاء الفائت 16/3/2011 تطالب بالإفراج عن أبنائها وأخوتها وأزواجها قامت المفرزات الأمنية من شتّى الفروع بعملية همجية فاعتدت على النساء والشباب والأطفال حتّى الكهول واعتقلت ما يزيد عن اثنين وثلاثين منهم وجّهت لهم مباشرة تهمة إضعاف الشعور وإضعاف نفسية الأمة , وفي يوم الجمعة 18/3 بعد صلاة الجمعة كانت تقمع الشباب المحتجين ضمن الجامع الأموي الكبير في دمشق منتهكة حرمة المسجد وقدسيته واعتقلت عشرة منهم , علما بأنّ سلطات الإستعمار الفرنسي لم تكن تجرأ أن تقدم على اقتحام المساجد , وفي نفس اليوم كانت السلطة الأمنية تنفّذ مجزرة رهيبة بحق سكان مدينة درعا وشبابها فاستحلت دماء مواطنيها وقتلت أربعة من الشباب المسالم الأعزل المنادي بمطالب سلمية وإصلاحات حضارية مدنية وجرحت المئات وخطفت العديد منهم , ولقد استمرت الاحتجاجات في الأيام التالية حيث قتلت السلطة شاباً آخر,كما توفي طفل نتيجة استنشاق الغازات السامة ولا يزال الجامع العمري يغص بالمئات من الجرحى وكان النظام قد اختطف العشرات من أطفال مدينة درعا الباسلة وزجّ بهم في السجون ولا يزال مصير الكثير منهم مجهولا.

إننا إذ نترحّم على الشهداء الأبرار ونعزّي أهلنا بهم , نحتسبهم عند الله شهداء إذ رفعوا صوتهم عاليا بكلمة الحق عند سلطان جائر .

إنّ ماقامت به السلطات الأمنية ولا تزال حيث تتعقّب الشباب وتلاحقهم وتعتقلهم في مختلف المدن السورية يعتبر منافياً لأبسط قواعد حقوق الإنسان ويتعارض مع المبادئ الأساسية للمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان الّتي وقّعت عليها الحكومة السورية .

إننا نعتبر أنّ مطالب الشباب السلمية هي حق من حقوقه وتحت مظلة الدستور ومواد القانون العام , وعليه فإننا نحذّر السلطة من التمادي باستعمال العنف بحق المدنيين المسالمين والشعب الأعزل ونطالب الدولة بتشكيل لجنة تحقيق قضائية مستقلة تضم بعض الحقوقيين من جمعيات المجتمع المدني وحقوق الإنسان لتكشف اؤلئك الّذين ولغوا في دماء المواطنين من سكان مدينة درعا وتقدّمهم للقضاء العادل كي ينالوا القصاص الّذي يستحقون .

إننا نؤكد على ضرورة أن يسرّع النظام بإنجاز الإصلاحات الفورية المطلوبة وأولّها رفع حالة الطوارئ والإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين وتوفير الحرّيات العامة وصولاً نحو التعددية السياسية ومحاربة الفساد الاقتصادي والمعيشي وذلك قبل فوات الأوان وقبل أن يصعّد الشباب من سقف مطاليبه المحقّة بحيث لا يتمكن أحد من المصلحين من الوقوف أمام طموحاته المشروعة .

إن نريد إلاّ الإصلاح ما استطعنا , ألا هل بلّغنا اللهم فاشهد.

دمشق 22/3/2011

المحامي هيثم المالح؛الشيخ جودت سعيد؛ الشيخ معاذ الخطيب الحسني؛المهندس غسّان النجار

المحامية دعد موسى ؛ الدكتور محمد العمّار ؛ الدكتور ياسر العيتي

--------******************-------

إلى من قال أن الشعب السوري سيبقى صامت!

د.نصر حسن

تحية إلى شهداء ثورة الحرية والكرامة ,إلى كل شباب وشابات سورية والنشطاء والمثقفين الذين يشكلون النسيج الحقيقي ويعكسون بوضوح تاريخ سورية ,مهد الحضارة والتعددية والقيم النبيلة , تحية لهم اليوم في هذه اللحظات التاريخية وهم يكسرون حواجز الخوف ويهدمون جدران مملكة الرعب ويفتحون طريق الحرية والكرامة ,ويخطون بدمائهم الذكية وأصواتهم الخفاقة وإرادتهم الثابتة مستقبل سورية الجديدة الحرة الأبية, تحية إلى الشعب السوري البطل الذي الذي يستحق الحياة الحرة الكريمة التي اغتصبها الطغاة والجلادين لما يقرب من نصف قرن , ظنوا واهمين أن الغلبة أبدية وأنهم ملكوا سورية وشعبها يتوارثونها ظالم عن ظالم وفاسد عن فاسد ولص عن لص , إلى أن جاءهم يوم الشعب الذي قرر أن يعيد كرامته وللوطن وحدته ووجهه الحر الأصيل.

إن الإنتفاضة الشعبية السلمية الذي بدأها الشعب السوري في الخامس من آذار تمثل امتداد طبيعي لحالة الحراك الوطني العام في سورية ,منذ اغتصاب هذا النظام بوجوهه المتعددة السلطة قبل أكثر من أربعين عاما , تتكثف اليوم في مطلب واحد هو التغيير الوطني الديمقراطي السلمي وبإرادة وطنية واحدة من شرق سورية إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها إلى قلبها ,وبشعار واحد تلخصه قيم الحرية والكرامة والعزة الوطنية , تلك القيم الذي عمل النظام على محاربتها عبر عشرات السنين وعبر سياسات القمع المبرمج المتسلسل من انتهاك الحريات وإقصاء الشعب كله عن مشاركته في الحياة العامة , وضخ متسلسل لقيم النظام التي تمثل الجبن والفشل والخوف والقمع والفساد والهزيمة وتحطيم البنى الوطنية المدنية ودفع إلى الواجهة قيم التعصب والطائفية والخوف من شركاء التاريخ والوطن في الماضي والحاضر, ومافعله النظام السوري من الجولان إلى دمشق إلى حماه إلى القامشلي إلى جسر الشغور إلى حلب إلى سجن تدمر إلى صيدنايا إلى درعا البطلة اليوم إلى كل سورية حيث يصر بعقلية الديكتاتور الغبي على أن القمع هو الوسيلة الوحيدة للسيطرة على الشعب وإخافته وإسكاته إلى أبد الآبدين.

إن شباب سورية الذي قرر اليوم أن يحقق طموحاته في الحرية والكرامة هو في معظمه من مواليد عهد النظام الميمون الذي أغرقه في الخطابات الغوغائية والوعود الكاذبة من تحرير فلسطين إلى الوحدة العربية إلى تحقيق الاشتراكية والعدالة ,فماذا حصد الشباب من هذا النظام ؟ سوى ضياع الأرض وتكسير الإرادة الوطنية وانتهاك العرض والكرامة والفقر والفساد والبطالة والتهميش والقمع والسجون والمنافي وسلسلة طويلة من الذل والإهانة وطنيا وقوميا وإنسانيا في حصار ظالم ونفق مظلم حرمه من أبسط شروط الحياة في وطنه وأبعده عن العصر .

إن تلك الأجيال التي عاشت سنوات طويلة من الفشل والذل والإحباط العام الذي مارسه النظام عن قصد وسوء نية وقلة حياء ووطنية وتعمد ,متوهما أن يغير تركيبة الإنسان الجينية المبنية على الحرية والعزة إلى نقيضها من الخنوع والخوف وعدم القدرة على المطالبة بالحقوق والتعايش مع النظام والقبول به ! حيث هو البديل الأبدي لخصها النظام في شعاره الخائب ,, سورية الأسد إلى الأبد ,,! ورغم أن هذا الشباب نفسه الذي لم يحصد من بيدر النظام الوحيد سوى الذل والقمع والفقروالتخلف ,قد أعطى النظام الفرص العديدة وخاصة في زمن الوريث ووعوده حرصا على الوحدة الوطنية وتجنيب سورية الكوارث في هذه اللحظات الاستثنائية التي يمر بها العالم العربي ,ورضي بالحد الأدنى من الإصلاح والبدء بحياة وطنية جديدة ,وانتقال سلمي تدريجي إلى الدولة الوطنية المدنية , رغم ذلك أصر النظام على التمترس بطباعه وطبيعته في القمع والخداع والإصرار على العنف وقطع الطريق عن أي تغيير سلمي وإصلاح مطلوب ,مبررا ذلك أن التغيير يحتاج إلى أجيال !وكأنه لم يمض عليه كنظام في قمة السلطة ما يقرب من نصف قرن وعلى الرئيس الوريث إحدى عشر عاما يتربع على سورية التي حولها بقمعه ونهبه وفساده إلى ركام, وما جاء على لسان الوريث إلى الصحافة العربية والدولية دليل قاطع وواضح أن النظام لا يمكن أن يحيد عن سياسته الخائبة التي تلغي الشعب وتنظر له على أنه قاصر لم يبلغ سن الرشد بعد ولا يستحق الحرية والديمقراطية! وجاء الرد الشعبي السوري واضحا وقويا ,, الشعب يريد الحرية ,, وسوف يتسلسل إلى ,, الشعب يريد التغيير ,, إلى الشعب يريد إسقاط النظام كله ,,.

قلناها مرارا وتكرارا : بأن النظام كبنية وعقلية وتركيبة وأخلاقية ,لا يمكن أن يكون سوى ضد الشعب وأهدافه ,ورغم كل الدروس والتجارب الحية الطازجة من تونس إلى مصر إلى اليمن إلى ليبيا ,لازال النظام خارج التغطية العقلية وخارج الرؤية الموضوعية وخارج ساحة العصر , يعيش في وهم القوة والجبروت والعنف , موضوعيا يمكن فهم وعدم تبرير مافعله من جرائم من تدمير حماه وقتل عشرات الألوف من الأبرياء وتغييب عشرات الألوف من المفقودين وتشريد مئات الألوف , وتصفية معتقلي الرأي في سجن تدمر وممارسة الوحشية في التعامل مع المظاهرات السلمية في القامشلي وسجن صيدنايا ,وزج نشطاء الرأي في السجون , نقول رغم حجم الدمار وكم العنف المخيف الذي مارسه ,لكنه في ظروف مختلفة حيث مارس كل ذلك سابقا ومعه التغطية من الأنظمة العربية والعالم "ولامن شاف ولا من دري ", لكن خزنها الشعب السوري في ذاكرته ووجدانه وضغط عليها جراحا وطنيا نازفا مستمرا لحين ساعة الحساب ,وقطع الطريق على النظام في جر سورية إلى "داحس والغبراء " من جديد ,ودفع دمائه وحياته في سبيل الحفاظ على وحدة سورية وتماسكها اجتماعيا حيث فشل النظام فشلا وطنيا ذريعا في ذلك, لكن اليوم ورياح التغيير التي تعم العالم العربي كله وتهز العالم وخبرائه ومحلليه ,وأصبحت العناوين الرئيسية الإعلامية والسياسية لكل وسائل إعلام العالم ومعاهد بحوثه , لازال النظام وعلى لسان رئيسه وصحفه وأبواقه يصر على عدم الرؤية وعلى عدم القراءة وعلى دفن رأسه في ذله وفشله ووهمه في الحكم الأبدي ,مسلما بأن حالة الخوف التي أنتجها في سورية وسيطرت على الشعب لعقود هي حفرة عميقة لن يستطيع الشعب السوري الخروج منها أبدا, لذلك يقول بإصرار بأن سورية غير تونس ومصر واليمن ,وان الشعب السوري غير ذلك , واهما بأن غلاف الخداع الرقيق الذي يتلطى خلفه من الممانعة والخطاب الخشبي الذي نسيه الشعب ولم يعد يمثل له سوى اسطوانه مشروخة كاذبة تجاوزتها الأحداث , النظام أصبح عاريا من كل شيء سوى محاولة التصور الوهمي لنسيان شبح رياح التغيير القادم .

لقد انقلب السحر على الساحر ...وأصبح النظام في حالة الخوف والشعب في حالة الثورة الشجاعة وعلى النظام أن يهجيَ الأحداث التي تمت في محيطه العربي وما نتج عنها وأين أصبح حلفاء الأمس من الديكتاتوريين والأنظمة الفاسدة ؟!وأن يفهم قبل فوات الأوان ماذا يحدث الآن في أكثر من دولة عربية ؟!, عليه أن يعرف بسرعة أن يترجم ما يحدث إذا كان ولازال لايجيد القراءة !.

الشعب السوري قرر بوعي وإرادة أن يسقط مملكة الرعب ورموزها , وسيقطع الطريق على النظام الأهوج الذي قابل مظاهرات الشباب التي لا تملك سوى الرأي الشجاع والكلمة الحرة والإرادة القوية , قابلها بالرصاص والقتل والتهييج الطائفي وبكل عدته الخائبة ومفرداته البائسة ,محاولا شق الصف الوطني ودفع الحراك الشعبي السلمي إلى العنف والحرب الأهلية , خاب ظنه كالمعتاد وسمع صوتا شعبيا موحدا في الهدف الوطني العام والوسيلة السلمية والتغطية الوطنية من كافة شرائح الشعب السوري...والعالم أيضا هذه المرة .

بقي أن نقول : إن الشعب السوري يجيد الصبر حفاظا على التاريخ ولا يجيد الصمت الأبدي على الظلم كما توهم النظام , وهو اليوم في مرحلة جديدة تغيرت موازين قواها التقليدية التي يملكها النظام , وأن الشعب اخترع موازين قوى جديدة ولا حاجة له إلى الدبابة والرصاص والأدوات الجارحة والتدخل الخارجي , سيقلع الشعب شوكه بيده وسيفرض موازين قوى مختلفة تربك النظام ... الذي تشير قرائنه وتصرفاته في الماضي والحاضر على أنه سيبقى خارج التغطية العقلية ,أعمى غير قادر على الرؤية الموضوعية , مرتبكا غير قادر على المحاكمة العقلية ,قاصرا عن استيعاب دروس التاريخ البعيد والقريب, وعاجزا عن اتخاذ القرار الشجاع في اللحظات الحاسمة التي تمر فيها سورية.

تحية إلى الشعب السوري البطل الذي قرر الحياة ورسم مستقبله في سورية جديدة حرة أبية ديمقراطية.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com