العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27/1/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بوتين يقترح استضافة مؤتمر دولي حول اللاجئين السوريين!!

محمد فاروق الإمام

شر البلية ما يضحك.. فقد حملت الأخبار لنا يوم أمس الأربعاء نبأ مفاده أن السيد بوتين اقترح عند استقباله للرئيس اللبناني ميشال سليمان استضافة موسكو مؤتمراً دولياً حول اللاجئين السوريين، فلم يخطر ببالي ولو للحظة واحدة أن هذا الدب المفترس سيرق قلبه للسوريين المشردين في دول الجوار والعالم، بفعل جحيم الأسلحة الفتاكة التي لم ينقطع سيلها عبر جسور جوية وبرية وبحرية إلى بشار الأسد الذي يفتك بشعبه، وتنظر إليه في موسكو بأنه يتعرض لمؤامرة كونية لإسقاطه وتحويل سورية إلى دولة فاشلة مقسمة تعم فيها الفوضى والخراب والدمار، وأن دعمها له جاء من منطلق حرصها على وحدة سورية والحرص على الأقليات التي تهددها العصابات المسلحة المتطرفة بالفناء!!

موسكو التي لم يرتعش لها جفن أو يرق له جنان وهي تشاهد الدم يتفجر من أجساد السوريين لنحو عامين، أو يتحرك لها ضمير وهي تشاهد الخراب والدمار الذي عم المدن من أقصى سورية إلى أقصاها، بفعل الحمم التي تصبها طائرات روسية الصنع ودبابات روسية الصنع ومدفعية روسية الصنع وصواريخ روسية الصنع وقنابل فراغية وعنقودية وفسفورية ومتفجرة روسية الصنع، فأي دموع تذرفها موسكو على حال السوريين اللاجئين في آفاق الأرض وهي التي عملت وساعدت ذاك الأفاق المتوحش في ارتكاب هذه الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية؟!!

نعم.. إن شر البلية ما يضحك.. فمن يصدق هذا البوتين من أنه يتألم لحال السوريين ويشفق على أوضاعهم، وهم يهيمون على وجوههم جوعى وعرايا وحفايا فارين من وحش متغول استأسد على السوريين بدعم من موسكو، التي تنكرت للشعب السوري الذي كان أول شعب في العالم يمد يد الصداقة إليها عندما عزَّ عليها إيجاد الصديق في خمسينات القرن الماضي!!

بوتين هذا الذي جعل من نفسه قيصراً جديداً لروسيا ويريد أن يعيد أمجاد روسيا القيصرية إلى الساحة العالمية باعتماد مقولة (ميكيافلي): "الغاية تبرر الوسيلة" والذي اعتبر أنه من المسموح به استخدام كل الوسائل في الصراع السياسي، مبرراً القسوة والوحشية في صراع الحكام على السلطة وقهر الشعوب، وهذا ما يفعله بوتين في روسيا ويؤيد كل من يفعله في العالم، فالكل يعرف من هم أصدقاء بوتين.. أصدقاؤه: بشار الأسد ومحمود أحمدي نجاد وفيدل كاسترو وهوغو تشافيز وكيم كونغ وميلو سوفيتش الذي ظل يحميه ويدافع عنه حتى النهاية، ولا غرو بأنه يحمي الأسد ويعلن صراحة أن بشار الأسد خط أحمر!!

ومما يؤسفني ويحز في نفسي أن أقول أن حلفاء بشار هم أصدق من كل أصدقاء الشعب السوري، ففي الوقت الذي يقدم فيه حلفاء بشار الدعم غير المحدود له في المال والتسليح والنفط والتموين والإعلام والمحافل الدولية نجد أن أصدقاء الشعب السوري يقدمون له - وهو الذبيح - الوعود والمواثيق والكلام المعسول وعقد المؤتمرات وتشكيل اللجان وبعض الفتات التي لا تسمن ولا تغني من عوز أو جوع على مدى عامين، كانت نتيجتها قتل ما يزيد على مئة ألف سوري بين أطفال ونساء وشيوخ ومعوقين ورجال، وأضعافهم من الجرحى والمفقودين والسجناء والمعتقلين والملايين من النازحين والمهجرين.

وآخر ما سمعناه أن الولايات المتحدة التي تتحمل أخلاقياً وإنسانياً ما يجري في سورية بصفتها الدولة الأقوى في العالم، والتي كانت على مدار هذين العامين توزع التصريحات على مدار الساعة مطالبة برحيل الأسد، هي اليوم تعلن بكل صراحة على لسان بعض ساستها أن لا مصلحة لها في التدخل في سورية وأنها تخشى غضب إيران وروسيا وحزب اللات، وأنها ستظل على الحياد لتنظر أي الفريقين ينتصر المعارضة أم بشار الأسد وبعد ذلك تتخذ القرار الذي هو في صالحها.

الشعب السوري الذي أحس منذ انطلاقة ثورته تخلي العالم عنه سيظل ماض في ثورته حتى النهاية، وقد عاهد الله والوطن أنه لن يبخل بالمهج والأرواح في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود.. الحرية.. وإقامة دولته المدنية التي يتساوى فيها كل السوريين بمختلف نسيجهم العرقي والديني والمذهبي والطائفي.. ذلك النسيج الرائع الذي خص الله سورية به منذ مئات السنين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المتشككون في إجرام النظام السوري

بدرالدين حسن قربي

ستبقى مجزرة جامعة حلب التي كانت الثلاثاء الأسود يوم 15 كانون الثاني/يناير 2013 عملاً إجرامياً انعدمت فيه كل معاني الأخلاق والقيم الإنسانية، ومن يعرف تاريخ النظام الإجرامي من يوم تأسيسه على يد الأسد الأب، لايستغرب أن تكون مجزرة الجامعة حلقة في سلسلة أعمال إجرامية كثيرة وممنهجة في تاريخه.  وعليه، فقد حاول النظام أن يرمي بفعلته على معارضته المسلحة، كعادته في الفبركة والكذب، وقد صدّق الرواية بعضٌ من أصحاب النوايا الحسنة وآخرون غيرهم من مؤيدين وموالين ومنحبكجية حداً بلغ بهم حد المجادلة بها والعياذ بالله.

 

ولتحرير المسألة نستدعي هنا عموم مشهد الدم على امتداد الأرض السورية في يوم المجزرة الأسود تحديداً لفهم حقيقة ماكان ومايقال إن صدقاً وإن كذباً لنصل منها إلى الحقيقة التي يحاول النظام كعادته، المراوغة فيها والتغطية عليها كعادته دائماً.  لقد كانت حصيلة ذلك اليوم 263 قتيلاً، منهم 15 طفلاً وسبع نساء، ومنهم أيضاً 112 قتيلاً في حلب، ثلاثة وثمانون منهم في الجامعة و تسعة وعشرون في أماكن أخرى.  كما تمّ إحصاء 340 منطقة في مختلف أنحاء البلاد تمّ قصفها من قبل قوات النظام، حيث شهدت حوالي 138 منطقة قصفاً بمدافع الهاون و62 منطقة قصفاً براجمات الصواريخ و120 منطقة قصفاً بالمدفعية الثقيلة، كما شن سلاح الجو غارات جوية على 24 منطقة منها خمسة مناطق قصفت بالقنابل العنقودية.

 

نأخذ الحدثين الأهمين من المشهد، أولهما جريمة قصف جامعة حلب الساعة الواحدة ظهراً، الذي تسبب بدمار هائل ومريع ومقتل 83 شخصاً مباشرة والذي تمّ تدواله إعلامياً بشكل كبير.   وثانيهما وهو الأهم لطبيعته وتوحشه والذي صاحبه صمت إعلامي لايتناسب وفظاعته، فقد كان قبيل ساعةٍ من الأول، أي الثانية عشر ظهر يوم الثلاثاء.  حيث تمّ اقتحمام قرية الحصوية الواقعة شمال مدينة حمص والقريبة منها جداً والتي لايتجاوز عدد سكانها الألفين، وذلك من قبل قوات الأمن والشبيحة بزعم التفتيش، وقد بلغ عدد الضحايا أكثر من مئة وستة قتلى بينهم 16 طفلاً و 12 امرأة.  تنّوع قتلهم مابين ضرب بالرصاص وذبح بالسكاكين وحرق بالنار، وقد شمل ذلك أيضاً إبادة عوائل بأكملها واغتصاب أكثر من أربعين من النساء.  وفي استكمال فظاعات المشهد ووحشيته، فقد ذكر شهود العيان أنه تم إحراق العديد من المنازل والحظائر وبعض الأراضي الزراعية، وسرقة الكثير من محتويات المنازل وأخذ مالدى أصحابها ونسائها من النقود والمصوغات الذهبية.

 

إن رؤية المشهد العام لجرائم النظام السوري يوم الثلاثاء تحديداً، بما كان من مئات القتلى، ومئات المناطق التي تمّ قصفها بالهاونات وراجمات الصورايخ والمدفعية بما فيها الغارات الجوية بالطيران واستخدامها القنابل العنقودية، ثم رؤية المشهد الخاص معه في ذات اليوم، لما كان في مجزرة الحصوية من توحش القتل والذبح والاغتصاب والحرق والتدمير، فلسوف تأخذ هاتان الرؤيتان معاً، كل من يمتلك ذرة من الضمير والخلق، وبعض القيم والإنسانية إلى أن مجزرة الجامعة تبدو في سياق مايفعله النطام أمراً عادياً، فاعله معلوم من خلال أعماله اليومية في الإجرام على امتداد الواحد وعشرين شهراً الأخيرة على الأقل، بل هي واحدة مكمّلة لأربع وعشرين غارة نفذها في ذاك اليوم على مناطق أخرى من سوريا.

 

مجزرة جامعة حلب وصمة عار تضاف إلى سجل نظام متوحش دموي، وأبلغ منها وفي نفس اليوم مجزرة الحصوية، وقبلها مجازر المخابز ومحطات الوقود والمساجد والكنائس والمدن وأسواقها التاريخية والبلدات والأرياف والآلاف من القتلى، تأتي كلها بمثابة عشرات آلاف الشهود والشواهد على إجرامية نظام متوحش، ولكن الغريب والأغرب والعجيب والأعجيب بعد كل هذه الشهادت والشهود والشواهد أن تجد سورياً يشكك ويتشكك في إجرامه ممّن نعيذه بالله أن يكون من المشبّحين

http://www.facebook.com/HADIALJUNDI/posts/464122666981864

http://www.asharqalarabi.org.uk/huquq/d-17012013.pdf

http://youtu.be/gFPZNVrHVvY

http://www.youtube.com/watch?v=iTD90acPLYk&feature=youtu.be

http://www.youtube.com/watch?v=C79MY7EqrII&feature=player_detailpage

مشهد دمار تسبب به قصف طيران النظام في بلدة العتيبة في غوطة دمشق في نفس اليوم الذي تم فيه قصف جامعة حلب

http://www.youtube.com/watch?v=-2EL-uOHwN4&feature=player_detailpage

مشاهد دمار تسبب بها قصف طيران النظام لبلدة بنّش في نفس اليوم الذي تم فيه قصف جامعة حلب

 http://www.youtube.com/watch?v=DY85S5VWeC8&

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

«أربح الحرب إذا دمرت دمشق»

الشرق الاوسط

عبدالرحمن الراشد

23-1-2013

ما دار في آخر اجتماع للأخضر الإبراهيمي، الموفد الدولي، مع الرئيس السوري بشار الأسد، كما روته جريدة «الشرق الأوسط» أمس، يستحق التوقف عنده. فقد قال الأول للثاني: «أنت لن تستطيع الاستمرار في السلطة، بخلاف المعارضة القادرة على الانتصار.. ولكن الثمن سيكون تدمير دمشق». ورد الأسد عليه: «أنا أستطيع أن أربح الحرب إذا دمرت دمشق».

فعلا هذا مشروع الأسد، تدمير دمشق، وتدمير سوريا، وتدمير المنطقة. لقد جربها في العراق، وفعلها في غزة من قبل، واستمر يفعلها في لبنان. وهنا أستعير بعضا مما رواه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في مذكراته «الزمن الرئاسي»، حول كيف دارت الأحداث مع الراحل رفيق الحريري وبشار الأسد.

كتب شيراك عن ليلة العشاء مع الرئيس حينها جورج بوش الابن، يقول «يبدو أن بوش لا يعرف جيدا هذا البلد (لبنان)»، فشرحت له أهمية دعم لبنان، واستعادة استقلاله من سوريا أو حزب الله، وقلت له إن هناك انتخابات رئاسية ستجرى في لبنان في أكتوبر (تشرين الأول)، وإن هذه الانتخابات يجب أن تشكل مناسبة لانطلاقة جديدة إذا لم يكن رئيس الجمهورية اللبنانية - كالعادة - مفروضا من دمشق.

خلال صيف 2004، وبينما كان الفرنسيون مع الأميركيين يعملون على صياغة مشروع قرار يطالب بإجراء انتخابات حرة، وبانسحاب غير مشروط للقوات السورية، حصل ما توقعنا، اتفق الأسد وحليفه إميل لحود على تعديل الدستور بطريقة تسمح له بإعادة انتخابه، والتجديد ثلاث سنوات لولايته. الحريري الذي كان لا يزال رئيسا للوزراء سارع للتنديد بها، فاستدعاه الأسد إلى دمشق في 26 أغسطس (آب)، وقال له: اعتبر لحود ممثلي الشخصي في بيروت، ومعارضته تعني معارضتي.

وهدد الرئيس السوري الحريري ووليد جنبلاط «بالثأر جسديا». إذا ما أصرا على رفض لحود والدستور الجديد، وقال الأسد للحريري وهو يصرخ: «إذا أرادوا إخراجي من لبنان فإنني سأكسر لبنان على رأسك، وإما أن تنفذ ما أقوله لك وإلا فسنطالك أنت وعائلتك أينما كنتم».

ويستطرد شيراك روايته: «قبل ظهر الرابع عشر من فبراير (شباط) كنت أعقد اجتماعا في قصر الإليزيه عندما أُعلمت أن الحريري استهدف بانفجار في بيروت، وكنت قد حذرته من قبل «ليس لدي معلومات محددة» قلت له قبل أسبوعين من اغتياله عندما زار باريس: «ولكن عليك توخي الحيطة. إنهم مجرمون لا يتورعون عن شيء».

نحن أمام مجرم حقيقي تعمد قتل عشرات الآلاف، ليس لأنهم جزء من مواجهات الحرب، بل لأنه يؤمن بأن القتل والتدمير وسيلتان للسيطرة، وهذا ما يفعله كل يوم وسيفعله في المنطقة، لو دام حكمه عاما كاملا أو أكثر.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

فشل أوباما في سوريا

ريتشارد كوهين

الشرق الاوسط

23-1-2013

هناك نوعان من الحروب، كما قيل لنا؛ حروب بالاختيار وحروب تفرضها الضرورة، فالنوع الأول هو الذي يجب تجنبه، أما الثاني فيكون رغما عنا. وقد كانت الحرب العالمية الثانية حربا ضرورية، في حين لم تكن حرب فيتنام كذلك. وكانت حرب العراق حرب اختيار (وضربا من الحماقة أيضا)، ولكن حرب أفغانستان لم تكن كذلك، على الرغم من أنها قد تكون حرب اختيار الآن. ويمكن أن تتغير الحروب بمرور الوقت، مثل الحرب السورية التي تحولت من حرب اختيار إلى حرب ضرورة لم يختر الرئيس أوباما الاشتراك فيها. ويظهر عدد الضحايا الهائل أنه كان مخطئا في ذلك.

لقد لقي أكثر من 60 ألف شخص حتفهم في تلك الحرب، ومعظمهم من المدنيين، علاوة على هروب ما يقدر بنحو 650 ألف لاجئ عبر الحدود السورية المختلفة، ويعيشون الآن في ظروف مأساوية وتجمدوا بسبب الأمطار الغزيرة التي تهطل على البحر الأبيض المتوسط في فصل الشتاء، كما قتل عدد هائل من الأطفال وسيلحق بهم آخرون.

وتهدد هذه الحرب بزعزعة استقرار المنطقة برمتها؛ فالأكراد في شمال سوريا لا يهدأون، كما أن الفلسطينيين اللاجئين في سوريا من وطنهم الأصلي، قد باتوا لاجئين مرة أخرى في الأردن، ويعج لبنان بالسوريين النازحين من المسلمين مثلهم، ولكنهم من طائفة أخرى. وتبدو التركيبة العرقية لهذا البلد (خليط غير مستقر من السنة والشيعة والمسيحيين والدروز) هشة بشكل كبير. وبات جميع اللبنانيين لديهم عقلية تركز على تعداد الطوائف في البلاد: هل جماعتهم في زيادة أم نقصان، وماذا يعني ذلك؟

وماذا عن بشار الأسد، هذا الابن غير المثير للإعجاب لأب مثير للإعجاب بشكل كبير؟ هل سيبحث عن منفى له في العاصمة الروسية موسكو، ليقيم مع جيرارد دوبارديو الذي تتسم أخلاقة بالسوقية؟ أعتقد أن هذا غير مرجح، وسوف يتقهقر الأسد إلى المعقل العلوي وسوف تستمر المذابح، وستكون هناك شلالات دماء واحدا تلو الآخر، وستتم تصفية حسابات الماضي القريب والماضي البعيد، وسيكون المنطق السائد في المستقبل هو: اقتل قبل أن يتم قتلك، في شكل من أشكال التحوط.

إنني أتحدث عن مأساة يصعب وصفها؛ عن أطفال رضع يموتون من الدوسنتاريا (الزحار) وعجائز يخطون آخر خطواتهم الضعيفة.. إنني أتحدث عن الوحشية التي دائما ما تطل علينا برأسها القبيح في الحروب الأهلية، وأتحدث، أخيرا، عن كارثة كان يمكن تجنبها. وكان يمكن لقوة قليلة من حلف شمال الأطلسي، أو بالأحرى الولايات المتحدة، أن تضع حد لما يحدث في وقت مبكر. ولم يكن فرض منطقة حظر الطيران، كما حدث في ليبيا، سيجبر الطائرات والمروحيات السورية على البقاء على الأرض فقط، ولكنه أيضا كان سيقنع الأجهزة الحربية الاستخباراتية بأن الأسد سوف يسقط لا محالة وأن نتيجة الصراع قد باتت محسومة. وفي ذلك الوقت، كان هناك بعض الأماكن التي كان يستطيع الذهاب إليها.

ومع ذلك، كان البيت الأبيض مصمما على التردد، وكانت هناك حملة الانتخابات الرئاسية، ولم يكن هناك وقت للمغامرات الخارجية. كان العراق في طريقه إلى الخمود، وأفغانستان أيضا لو كان هناك بعض الحظ. ولم يكن للولايات المتحدة ناقة ولا جمل في الحرب السورية، علاوة على أن واشنطن - في اعتراف بعدم الكفاءة - كانت غير قادرة على معرفة الغث من السمين، وانتظرت حتى تتضح الأمور. والآن، بات الأشرار (الجهاديون وغيرهم) أكثر تحكما في الأمور، كما خسر المعتدلون، كما هو الوضع عادة، أمام المتطرفين.

وفي وقت لاحق، أصبحت هذه الحرب ضرورية، كما كان من الضروري تجنب حدوث كارثة إقليمية، وانتشار المزيد من أعمال العنف إلى لبنان والعراق.. كان من الضروري تجنب وقوع كارثة إنسانية؛ والمعاناة الكبيرة التي كان يمكن تجنبها أو التخفيف من وطأتها على الأقل.. كان لا بد من اتخاذ موقف ضد البربرية لأن هذا يعد التزاما أساسيا، أليس كذلك؟ كان من الضروري التدخل لأنه كان يمكننا القيام بذلك بتكلفة قليلة للغاية. قد لا يكون لقيامك بما تستطيع وقتما تستطيع وقع المبادئ السياسية التي وضعها مترنيش، ولكن ذلك قد يكون له قوة المنطق. يعد التدخل الآن شيئا مقنعا وقابلا للتطبيق، لا سيما أننا نتحدث ببساطة عن إنقاذ أرواح البشر.

كان ذلك ضروريا، في النهاية، لأنه يجب أن تتم مساءلة بلطجية هذا العالم من قبل المجتمع الدولي. يجب عدم السكوت عن القصف العشوائي للمدن والبلدات السورية، كما يجب ألا يتم السكوت عن استهداف الصحافيين. الشعب في أي بلد ليس متاعا يتم التعامل معه بأي شكل من الأشكال التي تريدها حكومته. وينبغي أن يهيمن الشعور بالالتزام الأخلاقي على السياسة الخارجية الأميركية ويكون محور الفترة الرئاسية الثانية للرئيس أوباما.

في الحقيقة، لم تعد الحرب السورية مسألة اختيار، ولكنها تحولت إلى حرب تفرضها الضرورة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لا خسارة شاملة لبشار الأسد ونظامه؟

سركيس نعوم

2013-01-23

النهار

تداولت الأوساط السياسية ثم الاعلامية أخيراً اخباراً، أو "معلومات" وتحليلات، تنطوي على تفاؤل بمستقبل النظام السوري ورئيسه بشار الأسد وذلك بعد اشهر طويلة من القلق عليهما بسبب عجزهما عن قمع الثوار وعن استعادة "الجغرافيا" التي استولوا عليها وكذلك بسبب تمسك المجتمع الدولي باستثناء روسيا والصين، والمجتمع الاقليمي باستثناء ايران، والعالم العربي باستثناء الجزائر، بضرورة تنحي الأسد كي تصبح التسوية السياسية بين السوريين معقولة.

ماذا تناولت الاخبار و"المعلومات" والتحليلات المشار اليها؟

ركزت اولاً على استمرار ميزان القوى عسكرياً "طابشاً" في مصلحة نظام الأسد. فقواته النظامية لا تزال جاهزة للقتال، وترسانته العسكرية لا تزال متفوقة على ترسانة الثوار وقد تبقى كذلك طويلاً. وقواته غير النظامية باتت اكثر تدريباً وتنظيماً وقدرة على تنفيذ أعمال عسكرية مهمة مع استمرارها في مهماتها الأساسية. فضلاً عن ان عشرات الآلاف من الموالين للنظام، وقد تكون غالبيتهم من "عصبيته الفئوية"، انضموا الى قواته المقاتلة، في حين أن الثوار بدأوا يعانون جراء عدم حصولهم على الأسلحة التي تمكّنهم إما من حسم المعركة مع النظام لمصلحتهم، وإما من تسديد ضربات موجعة وقاتلة اليه.

وركزت ثانياً على التزام روسيا، ومعها الصين وإن بدرجة أقل، الدفاع عن نظام الأسد في المحافل الدولية وتزويده الأسلحة والذخائر التي يحتاج اليها، ومساعدته في تدبير الأموال التي بدأت تشح لديه، وبذلها الجهود الضرورية لجعله طرفاً في أي تفاهم دولي يؤدي الى تسوية للحرب في سوريا اذا كان تعذّر عليها تمكينه من الانتصار.

وركزت ثالثاً على قمة مرتقبة خلال اسابيع او اشهر قليلة في رأي اصحابها ومروّجيها بين الرئيس الاميركي المجدَّدة ولايته باراك اوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، معتبرة انها ستنتهي باتفاقهما على قضايا خلافية عدة في مقدمها وضع سوريا، وذلك بعدما بدأ "الانتشار الارهابي الاسلامي" في أوساط الثوار السوريين. وهذا أمر يرفضه الرئيسان المذكوران معاً.

وركزت رابعاً على التزام الجمهورية الاسلامية الايرانية تقديم كل شيء لنظام الأسد بغية الصمود اذا كان انتصاره متعذراً، أو بغية جعل سقوطه وانهياره جزئياً. ويعني ذلك ان المسؤولين في طهران لن يكتفوا بالتمسك بالأسد حتى سقوطه. لكنهم سيمنعونه من السقوط الكلّي سواء بقيت معه روسيا أو تركته من اجل اتفاق مصالح مع اميركا. واذا عجزوا عن ذلك بسبب تقدم الثوار ونمو ترسانتهم العسكرية وحصولهم على الخبرة والتدريب اللازمين، فانهم سيدعمون تحوّله "الى المربع الجغرافي" لطائفته بعد توسيعه لكي يتصل مع لبنان من جهة البقاع الشمالي، ولكي يتصل مع ايران عبر العراق من جهة حمص. ونجاحهم في ذلك يعني امرين: أولاً، استمرار وجودهم (ومعهم موسكو ربما وبدرجة اقل الصين) في قلب الشرق الأوسط وعلى حدود اسرائيل اي في سوريا ولبنان. وثانياً، الحاجة اليهم للتوصل الى حل لأزمة الحرب السورية بل للوضع الاقليمي المتفجر كله. وركزت الأخبار و"المعلومات" والتحليلات نفسها خامساً على نجاح مسعى توفيقي تقوم به موسكو بين واشنطن وطهران يتناول قضايا خلافية عدة بين العاصمتين الأخيرتين ابرزها على الاطلاق الآن الملف النووي الايراني، وفي هذا المجال يقول مروّجو الأخبار و"المعلومات" والتحليلات اياها ان اتفاقاً أو بالأحرى شبه اتفاق تم التوصل اليه حول الملف النووي. وهو يقضي بتجميد ايران الاسلامية الموضوع النووي أو بالأحرى النشاط النووي، وهذا أمر يريح اميركا، في مقابل اعتبار الرئيس السوري بشار الأسد الذي هو، ومنذ نيف و22 شهراً، جزءاً من المشكلة بل المفجّر لها، جزءاً من الحل او من التسوية عند البدء في البحث في أي منهما سواء بين السوريين انفسهم او مع المجتمع العربي والاقليمي والدولي. وهذا أمر يريح ايران ومعها روسيا".

هل الاخبار و"المعلومات" والتحليلات المفصّلة أعلاه صحيحة أم هي جزء من "بروباغندا" (دعاية صارخة)، رمتها جهات سورية أو حليفة لسوريا في سوق التداول السياسي والاعلامي في لبنان، وذلك بغية استنهاض همم حلفائها من اللبنانيين، ودفعهم الى التمسك باقتناعاتهم وسياساتهم في المواجهة الشرسة وإن سياسية حتى الآن التي يخوضون مع اخصامهم السياسيين كي لا نقول اعداءهم؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في تقدير الموقف: المطلوب من المعارضات السورية .. موقف .. زهير سالم*

بعض ما يجري اليوم على الأرض السورية من عدوان متصاعد على ريف دمشق ودرعا وحلب وحمص هو من ثمرة جهود السيد الأخضر الإبراهيمي بغض النظر عن تقويمنا لشخصيته أو لنواياه .

 

نجح الحكيم السياسي أولا بإقناع بان كيمون الأمين العام للأمم المتحدة الذي فوضه أصلا بمهمته فاستمعنا إليه يدين ( تسليح المعارضة وتسليح النظام ) فتوقف تسليح المعارضة واستمر تسليح النظام . ثم أقنع الحكيم السياسي كل من لاقاه أنه لن ينجح في مسعاه إلا بإضعاف قدرات المتحاربين بدون تمييز فنجح في إقناع من يساعد المستضعفين ولو على استحياء ، وترك للناقلات والبوارج الروسية أن تمخر البحار محملة بكل أدوات القتل والدمار . وترك لإيران أن تستخدم كل وسائل مكرها في التسليح والتجهيز والإمداد ؛ فكانت الثمرة المرة هذا الذي نتابعه من إضعاف موقف الذين يدافعون عن أعراضهم وعن أنفسهم وديارهم وتمكين الطاغية الظالم المستبد وأشياعه من المزيد من القتل والتدمير ..

 

 وفي الوقت الذي فتح فيه هذا الظالم المستبد النار على الحكيم السياسي لمجرد أنه تساءل عن إمكانية رحيل رأس النظام فإن المعارضات السورية بكل هيئاتها لا تزال تظن أن من الحكمة مدارة الموقف ، والتعامل مع الحكيم الدولي بشيء من الدبلوماسية وإن كان ثمن هذه الدبلوماسية المزيد من الانتهاكات والمزيد من دماء الأبرياء ...

 

أليس من حق الشعب السوري ومن حق الثورة السورية أن يسمعوا من هيئات المعارضة قولا في مهمة الحكيم المفوض وأن يروا موقفا من ثمرة جهوده ؟ أليس من حق الشعب السوري أن يسمع من هذه المعارضات صوتا حرا يحمل هذا الحكيم العربي مسئوليته التاريخية الإنسانية والقومية التي نزفت وما تزال تنزف في سورية بفعل وصاياه الحكيمة وجهوده الخيرة ..

 

نسأل وننتظر الجواب ..

المطلوب من المعارضات السورية ...

حضور ...

حضور يجعلها قادرة على التعامل العملي مع كل متغير وطارئ ،ليس على مستوى ماذا يمكن أن نقول فقط وإنما على مستوى ماذا يمكن أن نفعل أيضا . كل حدث مهم يستحق أن يوضع في وقته المناسب على طاولة الجهد . وتطرح حوله الأسئلة ماذا يمكن أن نفعل ؟ ماذا يمكن أن نقدم ؟ ثم يخرج الجواب مع الموكل بالتنفيذ والآليات والإمكانات .

 

نسمع اليوم صوت الاستغاثة من حمص من حي بابا عمرو هل حقا أن المعارضة لا تملك بكل قواها إلا أن تحوقل وتسترجع وتصدر البيانات ؟ ! وحدة المتابعة الساخنة القادرة على الرؤية والممكّنة من القرار كان بإمكانها أن تخفف من أثر العاصفة الثلجية مثلا . دائما هناك شيء نقدر عليه . لا أزعم أننا قادرون على مواجهة كل التحديات بما تستحق ، بل أؤكد أننا قادرون بقليل من علم الإدارة وعلم التفويض أن نحد من الكثير من الآثار السلبية وأن نضاعف الكثير من الثمرات الإيجابية . جربوا تجربة غرفة العمليات التي تضع على طاولة البحث كل المعطيات ..

 

المطلوب من المعارضات السورية ..

مبادرة ...

وتصلنا الأخبار من رأس العين . تملأ القلب بالأسى . سوريون يعالجون مشكلاتهم بالسلاح . يسيل دم سوري عزيز هناك . عربي كردي دم واحد بلا فرق. كله دم عزيز حبيب يفدى بالمهج والأرواح . هناك فريق مخطئ لا يهم من هو ، المهم ألا نرث أسلوب الظالم المستبد في معالجة الأخطاء ، وألا يكون أبدا الحوار بيننا بالدماء .

 

نحن ، المواطنين السوريين ، ننتظر مبادرة كريمة لحقن الدماء . ووضع أسس جديدة للعلاقات . ما يجري في رأس العين ليس خلافنا الأول ، ولن يكون خلافنا الأخير وينبغي دائما أن نمتلك الطريقة الأمثل لحل الخلافات . ينبغي أن تكون لدينا اللجنة الوطنية لإصلاح ذات البين (( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )) هو أمر والأمر للوجوب كما يقولون . يجب أن نتوقف عن السباحة في أثير المثالية ؛ يقول أحدهم لا مشكلة لدينا . بل لدينا مشكلات ومشكلات ومشكلات . وينبغي دائما أن نكون مستعدين للمبادرة إلى حل المشكلة بالحوار وبالرجال الأخيار ..

أين هم في رأس العين اليوم هؤلاء الرجال ..

لندن :12 / ربيع الأول / 1434

24 / 1 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

توصيف أولي لسلطة آل الأسد وتفاعلاتها

د. عبدالله تركماني()

المستقبل

23-1-2013

دخلت سوريا، مع استلام حافظ الأسد السلطة عام 1970، مرحلة جديدة تعزَّز فيها الطابع الأمني - المركزي - الأوامري للسلطة، وعندما جاء الوريث بشار الأسد أطلق في عام 2000 وعوداً بالإصلاح، فساهم ذلك في ولادة حراك سياسي ومدني، وجدل ثقافي ثري، أدى إلى صدور "بيان الـ99" مثقفاً، الذي ركّز على المطالبة بالتحول الديمقراطي، عبر إلغاء حالة الطوارئ، وإطلاق سراح معتقلي الرأي والضمير، وإطلاق الحريات العامة، وصولاً إلى الإصلاح السياسي المنشود. كما توصل هؤلاء المثقفون النقديون إلى تشكيل "لجان إحياء المجتمع المدني"، التي أصدرت "الوثيقة الأساسية" في 9 كانون الثاني (يناير) 2001، المعروفة اختصاراً "بيان الألف". إلا أنّ سلطة آل الأسد أغلقت الباب أمام التحول الديمقراطي باسترجاعها للطرق الأمنية المعتادة.

وفي واقع الأمر "سوريا الأسد" هي البلد الذي لا شريك للأسد فيه، اسمها المتداول ذاته ينفي الشراكة. في سوريا هذه خدم وأتباع، ولكن ليس فيها شركاء وخصوم وأنداد. هذا نابع من صميم تكوين "سوريا الأسد"، و"دستورها" العميق، وليس أمراً عارضاً نشأ مع انطلاق الثورة في 15 مارس/آذار 2011. وما كان لبشار الأسد أن يرث أباه في حكم "الجمهورية" لولا أنّ الوالد حافظ الأسد كان ثابر على قطع أي رأس سياسي مستقل في البلد، إن بالقتل أو السجن أو النفي، أو الترويض والاستتباع والإفساد. النظام الأسدي ليس مبنياً على إنكار القيمة الإنسانية للمعارضين، بل لعموم السوريين. السوريون واحد من اثنين في عُرفه: موالٍ خادم لا قيمة لحياته، أو معارض لا قيمة لحياته أيضاً.

إنّ سلطة آل الأسد صارت بنية مغلقة وصلبة وخرجت من كونها نظاماً سياسياً لديه مرونة التفاوض أو يعمل بوظائف النظام السياسي عموماً، وهو ما يفسر حقيقة أنها تكرست كنخبة أقلوية وأنها تخوض حرباً مصيرية، ولم يعد يهمها غير الحفاظ على وضعيتها كجماعة حاكمة أو الحصول على حصة من سوريا المستقبل، ووفق هذا السياق فإنّ تنحي بشار الأسد عن السلطة يصبح لا معنى له سوى إعلان الجماعة الحاكمة الهزيمة في المعركة وليس محاولة علاج الأزمة أو البحث عن مخارج لها.

وهكذا، فإنّ إشكالية الدولة وأسئلتها من بين أكثر الإشكاليات تعقيداً والتباساً في الخطاب السياسي السوري، فمنذ سنة 1963 هي دولة القهر والتغلُّب، حيث العلاقة بين الحاكم والشعب علاقة تسلط واستئثار وهيمنة. مما جعل أزمة الدولة السورية تكمن في استمرارية الممارسات السلطوية الاستبدادية وغياب الحكم الرشيد طوال ما يقرب من خمسين سنة، حيث لم تدرك سلطة الدولة التلازم الضروري بين الحرية والعقلانية والتنمية، وأحالتها إلى خلفية اهتماماتها.

وبعدما تماهت الدولة مع السلطة وحزب البعث الحاكم والزعيم الواحد الأحد، منذ انقلاب حافظ الأسد على رفاقه في عام 1970، فإنّ التمييز بين الدولة وسلطتها وغيرها من الأجهزة المندرجة في إطارها أمر في غاية الأهمية لفهم مضمون الدولة وتمثلها من جهة، ولترشيد الفعل السياسي والمدني من جهة أخرى.

بل أنّ سلطة آل الأسد حوّلت الدولة من فضاء عام لكل مواطنيها إلى فضاء خاص لأهل الولاء، حيث سلطة الدولة لا تستند إلى شرعية دستورية، وغير خاضعة لأية مؤسسات رقابية حقيقية، بل بوجود مراتبية تلعب فيها الأجهزة الأمنية الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تقرّب أهل الولاء وتنفّر أهل الكفاءة. وعلى امتداد العقود الأربعة الماضية هيمن نمط من الأجهزة الأخطبوطية على مجمل نواحي الحياة السورية، بحيث تم ابتلاع كل المظاهر الأولية لوجود المجتمع المدني السوري. بل أنّ المجتمع السياسي نفسه لم ينجُ من سيطرة هذه الأجهزة، حيث "قُضمت" الدولة وأُرغمت على إخلاء الساحة للسلطة الأمنية.

وهكذا تجمعت لدى أغلبية الشعب السوري مؤشرات تظهر أنّ هذا النظام بات محنطاً وعصياً على الإصلاح، لأسباب عديدة منها الخلل العميق في تركيبته الداخلية نفسها، وطريقة فهمه لدوره وموقعه من الدولة السورية، ولطبيعة الهياكل التي أنشأها انسجاماً مع تلك التركيبة وهذا الفهم. فقد ثار السوريون، منذ 15 مارس/آذار 2011، في وجه الدولة الأمنية التي استبدت في كل مجالات عيشهم، وقرروا أنه لا بد من التغيير على كل المستويات الوطنية، في ظل علاقة قائمة على القناعة والثقة والتفاعل الحر، علاقة مقننة في إطار عقد اجتماعي جديد يوفّر الشفافية والمؤسسية والقانون.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحملة الوطنية

للحوار بقية

د. مازن عبد الرزاق بليلة

الثلاثاء 22/01/2013

المدينة

استمرار نظام بشار الأسد المتهالك، والمضمخ بالدماء في سوريا، حتى اليوم، لم يكن ممكناً، لولا المساعدات الإيرانية والروسية الواضحة والصريحة، وصمت الجامعة العربية، مقابل ما يحصل هناك من مذابح، لم يعد ممكناً، ولا خياراً مطروحاً، خصوصاً بعد فشل المبعوث الدولي السابق والحالي.

الموقف السعودي بدا واضحاً ومتزناً منذ البداية، فالرسالة التي وجهها خادم الحرمين الشريفين للقيادة السورية مع انطلاقة شرارة الثورة الشعبية فى درعا دعت إلى توخي الحكمة والاستجابة لطموحات وتطلعات الشعب السوري المشروعة وتجنب العنف، ولو استجاب النظام السوري وقتها لخرج بأقل الخسائر، كما حصل في اليمن الشقيق.

بدأ الصوت السعودي في رفع سقف المطالب، في الاجتماعات المتواصلة لمجلس الجامعة العربية مع ارتفاع حصيلة القتل والدمار، وجاء موقف المملكة مدوياً وهو يضع الدول العربية أمام مسؤولياتها، بسحب السفير، مشدداً على أنه من العار السكوت على المذابح والقمع اللذين يتعرض لهما الشعب السوري الشقيق.

على الصعيد الدولي تحركت الدبلوماسية السعودية لحث المجتمع الدولي ومنظماته للتحرك لإنقاذ الشعب السوري من جلاديه، وعندما اصطدمت الجهود الدولية بالفيتو الروسي، الصيني في مجلس الأمن كانت المملكة أول من أعلن إدانته للقرار، وبدأت الحملة الوطنية الأولى لمساعدة الشعب السوري حتى وصلت نصف مليار ريال، في غضون أسبوع، للدلالة على مدى تعاطف الشعب السعودي مع إخوانهم السوريين في ظل الغطاء الدولي المنحرف.

حاولت موسكو تبرير موقفها وجاء رد المملكة قوياً وحازماً، وأبلغتهم بعدم جدوى الحوار بعد فيتو مجلس الأمن دون تشاور مع الدول العربية، وتصدرت الأزمة أجندة مجلس الوزراء السعودي الأسبوعية لتؤكد كل عمل لمساندة الشعب السوري وإرسال المساعدات العينية والطبية ضمن الحملة الوطنية لمساعدة اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان.

اشتهرت سياسة المملكة الخارجية بعدم التدخل في شؤون الدول المجاورة، لكن في الأزمة السورية، انقلبت الأوضاع، ولم يترك النظام الوحشي والتدخل الخارجي الأعمى، أية وسيلة لتنأى المملكة بنفسها عن هذه المذابح، لذلك هي اليوم تتصدى لمسؤوليتها في الدفاع عن الشعب السوري الشقيق من منطلقات التزامها الديني والأخلاقي والإنساني، وأبسط طريق هو مواصلة الحملة الوطنية الثانية لمساندة الشعب السوري الجريح.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لئلا يصيب سوريا ما أصاب دولاً عربية

ربط رحيل الأسد بالاتفاق على البديل

اميل خوري

2013-01-22

النهار

هل انشغال الولايات المتحدة الاميركية بتكوين إدارتها الجديدة أخّر حسم الأزمة السورية سياسياً أو عسكرياً، أم الخلاف الذي لا يزال قائماً بينها وبين روسيا هو السبب؟

في معلومات لمصادر ديبلوماسية أن الأمرين معاً هما سبب عدم التوصل الى حسم الأزمة السورية، يضاف إليهما عدم توصّل المعارضات السورية السياسية والعسكرية إلى اتفاق على تأليف حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة تتيح لروسيا البحث في مصير الرئيس بشار الأسد لأن أميركا وروسيا متفقتان، على ما يبدو، على أن يبقى الرئيس الأسد في السلطة إلى أن يتم التوصل الى اتفاق على تأليف الحكومة الانتقالية، وذلك مخافة أن تسود سوريا الفوضى العارمة إذا ما تنحى الأسد قبل الاتفاق على الحكم البديل، خصوصا بعدما حل ما يحل في دول عربية نتيجة إسقاط الأنظمة فيها قبل الاتفاق على أنظمة بديلة، وهي دول لا تزال تتخبط في مشكلاتها الداخلية ولا تستطيع الخروج منها لتعذر اتفاق أهل الثورة على إقامة حكم مستقر.

واستمرار الوضع غير المستقر في هذه الدول يفيد منه الاسلاميون الاصوليون والتنظيمات الارهابية بحيث تنتشر وتتمدد لتهدد الاستقرار في الدول المجاورة لها وفي دول العالم.

وإن ما حدث أخيرا في الجزائر وفي مالي مثير للقلق الشديد ويزيد الاقتناع ببقاء الرئيس الأسد في السلطة الى ان تتوصل المعارضات السورية إلى اتفاق على البديل، وان بقاءه يشكّل ورقة ضاغطة تجعل قادة المعارضات يستعجلون التوصل الى اتفاق، في حين أن تنحي الرئيس الأسد قبل ذلك يجعل هؤلاء القادة يزدادون غرقاً في خلافاتهم، وعندها يصبح مصير سوريا مجهولاً ومعرضاً لشتى الاحتمالات، بما فيها التقسيم بعد حرب أ هلية طاحنة.

لذلك، فإن السؤال المطروح ليس هل تتفق أميركا وروسيا على حل للأزمة السورية، بل هل يتفق قادة المعارضات السورية على تأليف حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة كي تستطيع إدارة شؤون الحكم بعد الأسد، ولا يظلون مختلفين على تمثيل كل القوى السياسية الاساسية وموافقة الفصائل العسكرية الثائرة على الحكم على هذا التمثيل.

وهَبْ أنه تم التوصل الى اتفاق بين هذه القوى، فهل يتم اتفاق على ان تتمثل في الحكومة قوى موالية لنظام الأسد، ومن هي هذه القوى سياسية كانت أم عسكرية؟

حيال هذا الوضع المعقّد يمكن القول إن الرئيس الأسد باق في السلطة إلى أن يتم التوصل الى اتفاق على حكم بديل. وهذا ما جعل الروس يؤكدون مراراً وتكراراً أن البحث في تنحي الأسد غير ممكن لأنهم يريدون أن يطمئنوا قبل أي شيء آخر إلى هوية الحكم الجديد في سوريا والى مصير سوريا قبل البحث في مصير الأسد، خصوصا وقد شاهدوا ما يجري في ليبيا ومصر وتونس واليمن والعراق وإفادة الاسلاميين الاصوليين من خلافات السياسيين المعتدلين للوصول إلى السلطة، وانتشار الحركات الارهابية على نحو بات يهدد دول الجوار وحتى دول العالم خصوصا في افريقيا، واضطرار دول الغرب الى اتخاذ الاجراءات الامنية المشددة تحسباً لمواجهة الارهاب.

وفي المعلومات أيضاً أن أميركا وروسيا متفقتان على ضرورة الاسراع في حل الازمة السورية لأن هذه الازمة كلما طالت نمت معها الأعمال الارهابية وتمدّدت التيارات الاصولية وازدادت موجة النزوح التي تخلق مشكلة انسانية و اجتماعية لدول الجوار بحيث لا يعود في استطاعتها تحمّل اعبائها، ولا الدول القادرة على المساعدة مواصلة ذلك. فهل    يصير اتفاق على تأليف مجلس عسكري لفترة انتقالية إذا ظل الاتفاق على تشكيل حكومة متعثراً أو متعذراً؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

كيف سيرحل الأسد؟

طارق الحميد

الشرق الاوسط

22-1-2013

ندد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بالوضع الذي وصفه بالـ«مقيت» في سوريا حيث يقتل يوميا قرابة مائة سوري على يد طاغية دمشق، بحسب ما قاله فابيوس الذي أضاف قائلا: «الوضع مروع ولا بد أن يرحل بشار في أسرع وقت ممكن»، وهذا كلام مهم، لكن كيف؟

نقول «كلام مهم»، لكن الأزمة السورية، ووقف العنف الأسدي، لا يمكن أن يتحقق من خلال الأحاديث، والتصريحات، خصوصا أن كل شيء قد قيل تجاه الأزمة السورية، ومن قبل الجميع، إلا أن الأمر الوحيد الذي لم يحدث هو الأفعال الحقيقية، دبلوماسيا، وعسكريا، من أجل وقف إرهاب الأسد. فلا مجلس الأمن تحرك لاتخاذ قرارات جادة لوقف آلة القتل الأسدية التي قتلت ما يفوق 60 ألف سوري. ولا القوى العالمية تحركت لدعم الثوار الذين يواجهون قوات طاغية دمشق قرابة عامين وبلا تكافؤ. الأسد تجاوز كل ما فعله معمر القذافي إبان انطلاق الثورة الليبية، من قتل، ودمار، واغتصابات، وقتل أطفال، بل إنه قيل وقتها إن التحرك الدولي في ليبيا كان خشية استخدام القذافي للطائرات الحربية، وها هو الأسد يستخدمها بشكل يومي ضد المدنيين السوريين!

ولذا، فصحيح أن حديث الوزير الفرنسي مهم، خصوصا أنه يبدو أن العالم قد تناسى الثورة السورية، وحجم الجرائم التي تقع بحق السوريين، مع انطلاق العملية العسكرية في مالي، وبعدها وقوع العملية الإرهابية في الجزائر، إلا أن حديث السيد فابيوس لا يعد كافيا، والأهم أنه لا يوقف جرائم النظام الأسدي بحق السوريين.

رحيل الأسد أمر واقع، وهو قادم لا محالة، لكن كيف؟ وما هو الثمن على سوريا، والمنطقة ككل؟ هذا هو السؤال الجوهري، وهذا هو بيت القصيد. فإذا كان الهدف هو أن يترك السوريون لشأنهم حتى يسقطوا الأسد فهذا خطر حقيقي، ولعدة أسباب؛ فإيران، مثلا، لا تتورع عن دعم النظام الأسدي، ومعها حزب الله، ومتطرفو العراق الطائفيون، وسوريا كلها تتفتت، ويتمزق نسيجها بشكل ممنهج سواء من قبل النظام الأسدي أو حلفائه. يحدث كل ذلك والثوار السوريون لا يجدون من يدعمهم بشكل كاف، سواء بالذخيرة والسلاح، أو بالمواقف السياسية الصارمة تجاه نظام دمشق.

والقصة هنا ليست قصة تشجيع التدخل الخارجي، فالتدخل الخارجي واقع في سوريا ومن قبل الثورة وذلك حين جعل الأسد سوريا كلها مسرحا إيرانيا، هذا عدا عن التدخلات الإيرانية الحالية في الأزمة السورية دفاعا عن الأسد، فالمقصود بالدعوة للتدخل الخارجي في سوريا عسكريا، وسياسيا، من خلال مجلس الأمن، هو لوقف آلة القتل الأسدية، والحيلولة دون انهيار الدولة ككل، والحيلولة دون أن تتحول سوريا ما بعد الأسد إلى ماكينة تفريخ للإرهاب في المنطقة مما يعرض أمن المنطقة ككل للخطر.

ولذا، فإن السؤال المتكرر هو كيف سيرحل الأسد، وبأي ثمن؟ وهذا ما يجب أن يفكر فيه الغرب، وفرنسا بالطبع، وقبلهم العرب، فكلما طال أمد الأزمة، كان الخطر على الجميع أكبر. عليه، فإن المطلوب الآن الأفعال وليس الأقوال.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

 المعلم يشرح ويفسر

الشرق الاوسط

 سمير عطا الله

22-1-2013

السبت الماضي ظهر الدكتور وليد المعلم بعد طول غياب ليقول للعالم، ومنه أميركا وروسيا، إن اتفاق جنيف حول سوريا خال من أي إشارة إلى تنحية الرئيس الأسد. وهذا صحيح، ولكن فلنتذكر ثلاثة أشياء حدثت في المدينة السويسرية: حضرت الأمم مؤتمر جنيف حول سوريا وغاب عنه المعني الأول: الوسيط الأممي (والعربي) كوفي أنان، مما حدا بوزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد إلى أن يقف في المؤتمر ويطرح سؤالا واحدا: أين كوفي أنان؟

أمران آخران بعد الاتفاق: تحدثت وزيرة خارجية أميركا هيلاري كلينتون عن ضرورة ذهاب الأسد، وبقي سيرغي لافروف صامتا.. لم ينف ولم يؤكد.. لم يهدد.. لا شيء. مضت بعدها فترة والسيد أنان يمنح العالم والمصورين والمصورات ابتسامته وصمته، وأميركا تتحدث عن ذهاب الأسد وسيرغي يقول - ثم بوتين - ثم ميدفيديف - إن بقاء أو ذهاب الأسد ليس هو المسألة. لا إشارة إلى اتفاق جنيف.. لا إشارة لبنوده.

المعلم هو أول مسؤول معني يجزم في الأمر.. وهذا صحيح، لكن لماذا غاب أنان ذلك الغياب المشبوه ولماذا أكدت كلينتون ولماذا تغاضى وصمت سيرغي على الرغم مما عرف عنه من طلاقته في السراء وفي الضراء وكثرة الهراء؟

تعقد الاتفاقات؛ عادية أو استثنائية، من أجل إلزام موقعيها بشروحها وبنودها والمحاسبة على خرق أي منها.. فهل كان الأهم في اتفاق جنيف، تواطؤ أميركا وروسيا على الغموض والإبهام في أهم موضوع مطروح في القضية السورية؟ لماذا تحدث الروس طويلا عن عدم أهمية التنحي ثم وقف سيرغي يقول بعد أشهر إنه ليس في إمكان أحد إقناع الأسد بذلك؟ لماذا لم يثر الأميركيون أو الروس مرة اتفاق جنيف؟ ولماذا أوحى الأخضر الإبراهيمي في آخر أحاديثه أن الاتفاق يقضي - وإن يكن لا ينص - بخروج الأسد، مما حمل الرئيس السوري على الظهور في الأوبرا، عارضا خطة جديدة «للحل»، هي ترجمة للخطة الإيرانية ولا إشارة فيها إلى اتفاق جنيف أو بحيرة جنيف أو حياد سويسرا أو رحلات كوفي أنان في كل المدن إلا جنيف يوم مؤتمر سوريا؟

قبل الوصول إلى أي اتفاق - حتى بين بقَّالين - لا بد من حضور لجنة الصياغة، لأن أي اتفاق هو في نصه لا في نواياه.. فالنوايا جميعها معروفة للجميع. لذلك تضمن النصوص عدم التنصل والتراجع والإخلال والكذب. فإذا أكثر من 50 ألف قتيل، ودمار أكثر من نصف سوريا، وثلوج الأردن تطمر الأطفال، والعالم معلق بذنب اتفاق جنيف.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

فوز الثوار السوريين يغيـّر وجه الشرق الأوسط

سيمون تيسدال *

الأربعاء ١٦ يناير ٢٠١٣

الحياة

تتعاظم احتمالات اندلاع مواجهة مع ايران قد توسع رقعة النزاع في الشرق الاوسط. والحال اليوم تشبه وقائع 2010. فوفق تقرير اسرائيلي صدر اخيراً، أوشك بنيامين نتانياهو قبل نحو ثلاثة اعوام على شن هجوم على منشآت نووية إيرانية. وحال دون الهجوم اعتراض اثنين من كبار القادة العسكريين والاستخباراتيين.

اليوم تعاظمت العناصر التي قد تشعل فتيل الحرب: البرنامج النووي العسكري الايراني قطع شوطاً كبيراً، كما تحسب القوى الغربية. والمسؤولان (العسكري والاستخباراتي) غادرا منصبيهما، وتربع محلهما من يؤيد الحرب. وفي الشهر الجاري، يدخل نـتانياهو الـسبـاق الانتـخابي للفوز بولاية ثانية رئيسـاً للوزراء. وإذا أفلحت مـساعـيه، فـاقـم الـضغـط على طهران، وقـادة الليــكود سيـنـظرون الى فوزه على انه تفويض بـشن الـحـرب. وإيران صـارت بمثـابة هاجـس «نتـانيـاهـوي».

وفي ايران، تشارف ولاية محمود احـمدي نجـاد الـثانيـة على الانتهاء. ويرجح ان المرشد آية الله علي خامنئي والمتطرفين المحافـظين يسـعون الى انتخاب من يمـثّلهم الى الرئاسـة. لكن المعارضـة، على رغـم انقـسامها، لن تتراجع. فـالانتـخابات الرئاسية في حزيران (يونيو) 2013 قد تؤدي الى اضطرابات اهلية واصـطدام في الـشوارع كمـا حـصل فـي 2009 يـوم بدا ان حركة الشارع أوشكت على اطاحة النظام الثوري.

ويرى ايرانيون كثر ومراقبون غربيون ان زعيم «الحركة الخضراء»، مير حسين موسـوي، فـاز في الانـتخـابات السـابقة. وقد تُلهم ثورات «الربيع العربي» الداخل الايراني لمواجهة تزوير الانتخابات ومقاومة النظام. فيلقي على التدخل الخارجي مـسـؤولية الاضـطرابـات كما جـرت الـعـادة، وقد يفـتح جبـهة خارجية لتـنفيـس احـتقان الـداخل. ويرجح ان يتجنب الأميركيون المواجهة العسكرية، على رغم ان ثمة متطرفين يمـينيين في واشـنطن، كما الـحال في طهران، يشتهون الحرب. وتتواصل فصول حرب الظل الدائرة ضد ايران: هجمات افتراضية واغتيالات وتخريب للمنشآت الايرانية. ولا يرغب باراك اوباما في الانزلاق الى نزاع جديد في العالم الإسلامي، واستأنف الغرب جولة جديدة من المفاوضات مع ايران.

يقال ان ثمة مفاوضات سرية ايرانية – اميركية، ومعالم الاتفاق العريضة مع طهران واضحة: وقف التخصيب الى عتبة 20 في المئة في مقابل تخفيف العقوبات؛ ومواصلة تخصيب اليورانيوم للمنشآت المدنية في مقابل الرضوخ لمراقبة دولية من كثب.

وترى الوكالة الدولية للـطـاقة الذرية ان استئناف عمـليـات التفتيش والرقابة ممـكن في الشهر الجاري، ولكن اسرائيل تقول ان المهلة النـهائـية للـحل هي حـزيران المقبل، موعد بـلـوغ ايران عتبة التخصيب الذري العالي الذي يخولها حيازة قنبلة نووية. وثمة عثرة لا يـستـهان بها تـعيق المـفاوضـات، فلا أحـد يعرف مَنْ يملك صلاحية التـفاوض في طهـران المتعددة مراكز القوة، ولن يـرغب أي سـياسي ايراني في التنازل امام الغرب في مرحلة انتقالية سياسية. وثمة مشكلة وثيقة الارتباط بالملف الإيراني: الحرب الأهلية في سورية. فطهران هي ابرز داعمي نظام بشار الأسد مالياً وعسكرياً، وإذا تراجع الأسد امام الثوار المدعومين من الغرب، قد تحسِب ان الدور دار عليها لتغيير نظامها. وخسارة إيران الشيعية الحليف السوري، هي خسارة استراتيجية في نزاعها الاقليمي مع الحكومات في مصر والخليج.

ورحيل الأسد يقوّض النفوذ الإيراني في لبنان، ويخلّف أثراً سلبياً في حلف ايران مع «حماس» في غزة – وهي نقطة مواجهة مع اسرائيل - ويوجّه ضربة إلى سعي طهران الى إقصاء مصر وتركيا عن قيادة المنطقة. لذا، يبدو ان انتهاء الحرب الأهـلية السورية الى فوز الثوار - وترجح اميركا والحلف الأطلـسي وروسيا غلبة كفّتها في العام الجاري - هو لحظة مفصلية خطيرة في الشرق الأوسط. فطهران قد تستبق الـضربة الإسـرائيلية – الأميركية الوشيكة، وتبادر الى هجوم.

* معلّق، عن «ذي غارديان» البريطانية، 1/1/2013، اعداد منال نحاس

_*_*_*_*_*_*_*_*

المشهد السوري: التأزم الكبير والتحول القادم

تاريخ النشر: الأحد 20 يناير 2013

د. رضوان السيد

الاتحاد

يسير الملف السوري إلى تقاطُع شديد التأزم من جهة، والبدء في تحول عسكري وسياسي. فالمعارضة تجتمع بتركيا للنظر في تشكيل حكومة انتقالية طال انتظارها، والنظام الأسدي يسير منذ الخطاب الأخير باتجاه الحسم العسكري! تقول المعارضة السورية بكل فصائلها إنه لم يعد هناك أمل في حل تفاوضي ما دام الأسد موجوداً، ولذا لابد من تشكيل حكومة مؤقتة تتساوق مع تطورات عسكرية على الأرض تؤدي إلى اندحار بقايا قواته. بيد أن المعارضين قالوا قبل الاجتماع وخلاله إن الائتلاف لم يتلق الدعم الموعود به منذ ثلاثة أشهُر، لا من ناحية الإمكانيات المادية ولا من الجانب العسكري. وما حصل شيء بارز غير بعض التحسُّن الذي طرأ على مسائل مساعدة النازحين السوريين في دول الجوار.

أما النظام فيذهب على الأرض كما يقول باتجاه طرْد قوات المعارضة من جوار دمشق، مع توجيه ضربات مؤثّرة إليها في سائر المناطق السورية. وتنتشر خلال ذلك الحكايات في سوريا والعراق ولبنان عن قدرات النظام على الحسم في أمد لن يطول. وفي هذا الصدد فإن الإيرانيين كانوا ولا يزالون أنشَط من نظام الأسد لهذه الجهة. وقبل أيام عندما زار رئيس وزراء سوريا طهران، أعلنت الصحف والفضائيات عن تقديم إيران مليار دولار مجدداً للنظام، كما أعلن مرشد الثورة أن طهران باقية مع الأسد حتى إنهاء «المؤامرة» التي اصطنعتها الولايات المتحدة وإسرائيل ودخلت فيها دول عربية وإقليمية!

والواقع أن الشهرين الماضيين شهدا تباطؤاً في تقدم الثوار على الأرض، باستثناء مسألة المطارات في شمال سوريا. وقد شاع أن الدعم الخارجي للثوار تراجع بدلا من أن يتعاظم. وترافق ذلك مع أخبار عن إعلان الأميركيين «جبهة النصرة» كتنظيم إرهابي! وفي الوقت نفسه سلَّموا للروسي يساعده الإبراهيمي قيادة المفاوضات من أجل الحل السياسي. وقد تحرك الإبراهيمي بالفعل في كل اتجاه، مترافقاً مع تصريحات روسية بأن الأسد لا يمكن الاستغناء عنه، بينما أعلن الإبراهيمي عن خيبته من خطاب الأسد، دون أن يذهب إلى قطع المفاوضات معه.

إنما الجديد هو صمْتُ الروسي أو خفوتُ تصريحاته بعد الاجتماع الأخير مع الأميركي والإبراهيمي، وارتفاع الصوت الإيراني في نُصرة الأسد والاستمرار في دعمه. وكان الأسد في خطابه قد شكر الروسي والصيني كأنما كان يودّعهما، فتزايدت الشائعات أن الروسي الذي كان يريد الأسد جزءاً من الحلّ ما عاد يعتبره كذلك. وقد عبر الإبراهيمي عما يشبه ذلك عندما تجاهل الأسد، واقترح إنشاء حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، ما وافق عليها الأسد ولا الثوار. وهذا يعني أن الطرفين: الأسد ومعارضيه، خائبون من الإبراهيمي، وأن الروسي والأميركي يتجهان إلى إخراج حل لا يحضر فيه الأسد، إنما ينبغي أن لا يتجلى في انتصار عسكري على الأرض لخصومه. وربما كان تخفيف الدعم للثوار جزءاً من هذا التوافق المتدرج بعد أن تحقق توازن أو تكافؤ على الأرض تجرأ حتى فاروق الشرع للحديث عنه في حديث نادر له.

يستطيع الأميركيون والغربيون التأثير في المشهد السوري بطريقتين: في مجلس الأمن، وفي دعم الثوار على الأرض. ويستطيع الروسي التأثير بطريقة واحدة وهي دوره في مجلس الأمن. أما السلاح الثقيل الذي يزوِّد الأسدَ به، فقد حل محله في التزويد الإيرانيون، وفي أي حال فإن جيش الأسد لا يزال أفضل عدةً وانتظاماً من كتائب الثوار و«الجيش الحر». وهكذا فإن الضغط الروسي لهذه الناحية ما كان أو ما عاد ثقيل الوطأة في المشهد. ولا يستطيع الروس باعتبارهم جزءاً من مجلس الأمن ومن النظام الدولي، أن يصمُّوا آذانهم وعيونَهم عن الكارثة السورية، فيتحول استشراسهم إلى التسبب في انسداد للوضع الإقليمي والدولي. لذا فالراجح أنهم فاوضوا في الشهور الأخيرة على مصالحهم في المنطقة، وتوصلوا إلى وضع مُرض أو شبه مُرض. ولهذين الاعتبارين: المشاركة في النظام الدولي، وصَون المصالح، يتجهون الآن إلى تعاوُن في الإخراج النهائي للحل في سوريا، ظهرت بعضُ معالمه، ولم تظهر معالمه الأخرى بعد.

ما هي الصعوبات الباقية؟ أهم الصعوبات بالطبع الموقف الإيراني، والتصرفات الإيرانية. فإيران تنظر إلى محورها في العراق وسوريا ولبنان، نظرةً واحدةً. وتعتبر أن انهيار إحدى الحلقات، هو انهيار للمحور كله، وفشل للسياسات الخارجية الاستراتيجية في العقد الماضي، فيما بين غزة وبغداد. وعندها مفاوضات صعبة على النووي وعلى الحصار، وسيؤثر انهيار النظام السوري عليها أيضاً لهذه الجهة. وهي تريد من جهة ثانيةٍ صفقةً جديدةً مع الأميركيين بشروط تلائمها، وتريد أيضا ملاقات أخرى بالسعودية ودول الخليج. والعقبة في طريق ذلك كله ما تعتقده من نجاحات حققتها في العقد الماضي، وهي لا تريد التنازل عنها. إنما من جهة ثانية أو ثالثة، ما كان سارياً وجارياً منذ عام 2008، ما عاد سارياً الآن. فوقتها كان المحور الإيراني مستقراً، وما كان الحصار قد تكاثف عليها. ولذا تبدو لدى ساستها وأمنييها هذه التأرجحات التي تميل غالباً إلى التطرف بما لا يسمح ظاهراً بالتفاوض على صفقة بشأنها لا مع الأميركيين ولا مع الخليجيين. ثم إن علاقاتها بالروس ليست على ذلك القدر من الوثوق، بل يمكن القول إن العلاقات الإيرانية مع تركيا لا تزال أفضل من العلاقات مع روسيا، رغم التوترات الأخيرة بشأن سوريا، وبشأن الملف العراقي!

ولنعد إلى الملف السوري. تتجه الأمور إلى تعاون بين الأميركي والروسي والخليجي بشأن سوريا. ولأن السياسة الإيرانية بطيئة في تحولاتها بسبب العوامل سالفة الذكر، وبسبب الوضع الداخلي الإيراني (الصراع بين تيارات المحافظين حول خامنئي)؛ فإن إيران ليست جاهزةً للتعاون فضلاً عن الشراكة. ولذا فالمتوقع أن يتنامى دعم الوسائل الدفاعية للثوار، والذي كان مطلوباً حصوله منذ ستة أشهر على الأقل. إذ إن ذلك متعلق بمكافحة الطيران ومكافحة الدروع وحسْب. وهذه أمور يعرف العسكريون أنه يمكن التحكم بها حتى لا تقع في أيدي «الإرهابيين»، وتحقق فعاليةً بارزةً على الأرض. وتقوية «الجيش الحر» هذه تحدث آثاراً سريعة، ليس من بينها دفع الأسد للتفاوض، بل دفع قطاعات الجيش الباقية لذلك. فالأسد صار خارج الحسبان. وهذا الضغط البارز من جانب الثوار، ومن جانب الروس، قد يدفع الإيرانيين لإعادة النظر، أقله لجهة الخوف على بقية أجزاء ومفاصل المحور، وتعاظم الخسائر التي لا يمكن تعويضها ولو بالاستمرار في خوض المعركة مع النظام الأسدي، والأمل في أن تجتذب مصر الإخوانية إلى صفها!

لقد انتهى أمران: انتظار تراجع الأسد باتجاه التفاوض على الرحيل. وانتظار اطمئنان الروس إلى شراكتهم في الحل ومصالحهم في المنطقة. وهكذا يحدث الآن هذا التحول البطيء والمتسارع في الوقت نفسه، والذي كلف السوريين عشرات الألوف من القتلى، ومئات الألوف من المعتقلين، وملايين من النازحين والمهجرين. هل يصح تسمية ما يحصل وسيحصل حلا ً سياسياً كما يُصر الجميع؟ نعم، ما دامت فيه أو من ضمنه قوة سلام عربية أو دولية. والله المستعان.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريون يعانون وعالم يتفرج

تاريخ النشر: الأحد 20 يناير 2013

ترودي روبين

الاتحاد

تحولت سوريا لتصبح أكثر عروض الواقع فظاعة. فأي أحد لديه القدرة على الدخول لموقع «يوتيوب» أصبح باستطاعته مشاهدة شرائط فيديو بشعة لطائرات النظام وهي تقصف المدنيين عمداً، ولطوابير الخبز، وللمساجد، والجامعات، والبنايات السكنية، والأسواق الخارجية، وهي تنهار على رؤوس قاطنيها والمترددين عليها.

وتقول تقارير الأمم المتحدة إن ما يقرب من 60 ألف سوري قد لقوا مصرعهم منذ اندلاع الأزمة السورية. كما استشهدت دورية «فورين بوليسي» ببرقية سرية لوزارة الخارجية الأميركية جاء فيها أن الأسد ربما يكون قد استخدم الغاز السام ضد المدنيين في حمص الشهر الماضي.

والمشهد العام في سوريا يشبه في الوقت الراهن المشهد الذي كانت عليه هايتي عقب الزلزال المدمر الذي ضربها، وأدى إلى مصرع مئات الآلاف من سكانها. وطالما أن الأمر كذلك، فما السبب الذي يدعو العالم للتفرج على ما يحدث من دون أن يفعل المزيد، من أجل مساعدة هؤلاء الذين يعانون من الحاجة الماسة.ونطاق الكارثة التي تعرض لها السوريون، يبرزه تقرير جديد صادر عن لجنة الإنقاذ الدولية وهي جماعة للمساعدة الدولية تمارس نشاطها في الشرق الأوسط ،حيث ورد فيه أن 600 ألف سوري قد فروا إلى الدول المجاورة المثقلة بالأعباء مثل لبنان والأردن، والتي تحتاج إلى مساعدات دولية عاجلة لتوفير احتياجات اللاجئين السوريين الذين فروا إلى أراضيها، والمرشحة أعدادهم للتزايد باستمرار.

وفي نفس الوقت هناك ما يقرب من مليوني سوري نزحوا من ديارهم لمناطق أخرى داخل سوريا ذاتها، ويحاولون المحافظة على حياتهم وسط ظروف يعانون فيها من نقص الأطعمة، والأدوية، والمأوى، وهو ما تفاقمه موجة البرد التي تضرب المنطقة حالياً.

وما يزيد من معاناة العائلات السورية، حالات اغتصاب النساء والفتيات من قبل رجال مسلحين، وهي ظاهرة باتت مألوفة في الوقت الراهن، وكذلك قيام السلطات الحكومية باستهداف المستشفيات والأطباء.

ورغم تلك المعاناة، فإن النداء الذي وجهته الأمم المتحدة لجمع 1.5 مليار دولار لم يحقق المرجو منه.

وتواصل منظمات ومانحون خصوصيون من دول عربية ضخ أموال للجماعات الإسلامية في سوريا، حيث تقوم تلك الجماعات بتوزيع التبرعات الخيرية على المدنيين اليائسين، وتتحول جراء ذلك إلى أبطال في نظر المستفيدين.

وبدون موارد كافية فإن «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» الذي اعترفت به الولايات المتحدة باعتباره «الممثل الشرعي للشعب السوري» لن يكون قادراً على ترسيخ نفوذه على المناطق المحررة من سوريا، أو تعزيز الشبكات الوليدة المكونة من المجالس المحلية.

وهذا يعني أن فرصة مهمة لتأسيس قناة فعالة لتخفيف معاناة السوريين، وتسهيل عمل الحكومة الانتقالية التي يمكن أن تتفاوض على السلام، قد ضاعت. وسوف يكون هذا بمثابة كارثة جديدة تحل بالسوريين الذين تعذبوا بما فيه الكفاية جرّاء جرائم الحرب التي ارتكبها نظام الأسد ضدهم على مرأى ومسمع من العالم كله.

--------

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي.تي. إنترناشيونال»

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

في تقدير الموقف: دود الخل .... لماذا تشوهت تصورات الآخرين عن الثورة والثوار ؟! .. زهير سالم*

رغم البطولة الفائقة بل الخارقة التي أبداها ويبديها الشعب السوري في صمود وإصرار أسطوريين ، نستطيع أن نقول لم يشهد لهما العالم مثيلا ؛ فإن هذه البطولة بكل آفاقها ومجاليها وليس فقط في مجلاها العسكري ، لم تجد حتى الآن تمجيدا من ممجد ولا إشادة من مشيد . لم يكتب فلاسفة الثورة ولا كهنتها كلمة جديرة بالاعتبار عن بطولة الأطفال والنساء ، ولا عن صمود شعب بسواده العام في وجه الانتهاك والقتل والجراح والتشريد والبرد والمرض والجوع والخذلان العريان من القريب قبل البعيد .

 

لم يستحق هذا الشعب بلهيب جهاده المقدس بكل مجاليه ، كلمة إشادة . لم يستحق هذا الشعب في تعاليه على الجراح ، وإمساكه عن رد الأذى ، وترفعه عن تسمية الأمور بأسمائها ؛ حرصا منه على مستقبل يريد أن يصوغه كما يراه ، ليس مجاملة لأحد ولا خوفا من سطوة ، وإنما وفاء لعقائد وشرائع آمن هذا الشعب بها ، و لحقائق كونت وعي هذا الشعب على مر العصور .

 

من يراقب الموقف العام من هذه الثورة البطولية الرائعة على أطراف أقلام الكاتبين أو ألسنة المتحدثين من المحسوبين على سورية وعلى العروبة وعلى الإنسانية لا يحصد من كثير من المتابعات إلا المزيد من التشكيك والتخويف وأحيانا المزيد من الإدانة و التنديد بالثورة والثوار ..

 

يقول قائلهم أو يكتب كاتبهم الثوار ليسوا قديسين ليجعل من هذه المقدمة مدخلا للتجريح والإهانة والتهوين ، وينسى هذا المتلاعب بالألفاظ أن العلاقة بين البطولة والقداسة هي علاقة بين خاص وعام يعز على نفسه المريضة أن تدركه . ويُظهر آخرون أكثر مكرا ودهاء حرصا أكبر على الثورة وانتصارها ، وسورية ومستقبلها وهم رغم التظاهر والادعاء لم يستطيعوا يوما أن يغادروا قواقعهم الضيقة ، ولا زواريبهم العفنة ، ولا أن يتجاوزا سقفا واطئا حبس قاماتهم ، وصادر آفاقهم .رغم ادعائهم الإنسانية والعالمية والانفتاح والوطنية ...

 

سببت هذه الثورة بنسائها ورجالها وأطفالها ، بشيبها وشبابها وصباياها ، وبشعاراتها وأهدافها للكثيرين صدمة البداية فلم يعودوا قادرين على التفكير أو الاستيعاب أو قبول معطيات الواقع التي أصابتهم بالبهر فعجزوا عن الرؤية والتمييز. وانطلقوا كلٌ في بيدائه وعلى طريقته ينفث في العقد عند أوليائه ، ويبث قالة السوء عن هذه الثورة على منابر وُطّئت منذ نصف قرن لهم ولأمثالهم ، ويزرعون الخوف من هذه الثورة والريبة في رجالها ؛ ليستثمر كل هؤلاء  الذين تربوا على ( دين الملك ) فيما استثمر فيه بشار الأسد وأبوه من قبل . ولم لا يفعلون وهم يجدون آذانا مصغية وقلوبا مستجيبة وعقولا يصدها ما حشر فيها من ترهات عن إدراك الواقع والتعامل معه . 

 

في الخلوات الخاصة بين هؤلاء الذين نعرف وننكر وأوليائهم هنا وهناك وهنالك  نراهم ( ولاجين خراجين ) كلهم يبث السخيمة من هواجسه ومطامعه على سورية وتاريخها وناسها وثورتها وثوارها ..

 

ومع هذا الحجم من النفث في العقد ، ومع ركام معهود  ران على عقول وقلوب ما تزال تعيش ذكريات ( ملاذكرد ) و ( الزلاقة ) و(حطين ) ، وأعين ما تزال تدمع كلما ذكر أصحابها ( هرقل يحمل عصاه على كاهله ويقول ( سلام عليك يا سورية سلاما لا لقاء بعده ) ...

 

 مع كل هذا وبه يفسر الموقف نفسه ، فلسنا بحاجة بعدُ إلى المزيد من الشرح والتفصيل لسر هذا الخذلان الذي يجمع عليه المختلفون والمتناقضون والآمرون والمأمورون .

 

 عودوا إلى ما يُكتب عن هذه الثورة بكل مجدها وعظمتها وتضحياتها وثبات أبنائها ، عودوا إلى هذا الذي يكتب عن هذه الثورة على كل خطوط الطول وبكل لغات اهل الأرض وفسروا لنا كيف تلتقي هذه العقول  على تأييد قتل الوالد والوالدة والوليدة والوليد ..

 

اقرؤوا الذي بين سطورِ يكتبها هؤلاء الذين عرفتم وتعرفون  وعن دبيب مكرهم في الخلوات يرددون الترهات ويستثمرون في سخائم النفوس .

 

أيها السوريون : لا تعظموا أعداءكم لا تشاركوا أخرى في صنع جلاديكم . تذكروا ما قال أجدادكم  : دود الخل ...

 

(( لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ )).

لندن : 8 / ربيع الأول / 1434

20 / 1 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

 “الشعارات” العربية قبل الربيع وبعده

ربما كان مطلوباً إعادةُ النظر في سيمفونية انتقاد (ثقافة الشعارات).إن لم يكن احتراماً لمقتضيات العقل والمنطق في قراءة الأحداث، فليكن احتراماً لأمثال هؤلاء

د. وائل مرزا

الأحد 20/01/2013

المدينة

ليس بالشعارات وحدها يحيا الإنسان. هذا صحيحٌ تماماً. وكثيراً ماغرق العرب بشكلٍ عام، والسوريون جزءٌ منهم، على مدى عقود في عقلية الشعارات.

ساهمت في ترسيخ هذا الواقع سياساتٌ لم تترك للناس مجالاً للمشاركة العملية في صناعة الحاضر والمستقبل. فانغمس الجميع في صناعة الكلام.

لم تكن الشعارات لافتاتٍ تُرفعُ فقط في مناسبات العرب. وإنما كانوا ينامون ويصحون عليها. كانت الشعارات حبةً سحريةً تحلُّ كل المسائل، من رغيف الخبز إلى تحرير فلسطين، مروراً بقضايا التنمية والحرية والمشاركة والإصلاح، وحلّ مشكلات الجوع والفقر والمرض والبطالة والتخلف.

حتى أصبح التعامل مع واقع المجتمعات العربية من خلال الشعارات ثقافةً وأسلوبَ حياة.

أدرك بعض المثقفين منذ تلك الأيام حجم الإشكالية الكامن في تحويل الشعارات مضموناً للثقافة وأسلوباً لممارسة السياسة. كان هؤلاء يعرفون أن هذا سيُنتج مصيبةً مضاعفةً في عالم العرب. فالأسلوب المذكور لن يفشل فقط في التعامل مع القضايا الأساسية التي يجب التعامل معها، وفي حل الإشكاليات الكبرى المطروحة على الساحة، بل إنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى تعميق تلك المشكلات. بل وإلى توليد مشكلاتٍ جديدة. لهذا، كان نقدهم للظاهرة مصحوباً بالمطالبة بتحقيق ماتدعو إليه الشعارات.

مضت تلك السنوات، وظهرَ الفشل المتوقع في كل مجال. ثم جاء الربيع العربي،وعادت قضية الشعارات إلى الساحة مرةً أخرى.

وفي سوريا تحديداً، ملأت الشعارات فضاء الثورة منذ اللحظة الأولى. فمن أسماء الجمع إلى هتافات المظاهرات ولافتاتها، مروراً بعباراتٍ صارت من أدبيات الثورة، خرجت من الصدور إلى الواقع شعاراتٌ تُعبّر عن كل الآلام والآمال المتعلقة بالماضي والحاضر والمستقبل.

لكن رفع الشعارات وترديدها لم يأتِ هذه المرة من استغراقٍ مزيف بصناعة الكلام، وإنما انبثق عن إرادةٍ عملية لصناعة الحياة، عبّرت عنها ممارسات وتضحيات تُصرّ على تحقيق الحرية والمشاركة والإصلاح والتنمية، وحلّ مشكلات الجوع والفقر والمرض والبطالة والتخلف، والبحث عن دورٍ يليق بسوريا وشعبها في هذا العالم.

وعلى مدى عامين، ظهرت التحديات التي تواجه الثورات العربية بشكلٍ عام، والثورة السورية تحديداً، فظهرت ردود الأفعال عليها من قبل بعض المثقفين (الواقعيين)، وسرعان ماأصبح انتقادُ شعارات الثورة (موضة) كاسحة ركبها الكثيرون. وتفنّنَ هؤلاء في نحتِ مصطلحات واختراع تعابيرَ وألفاظ تهدف إلى إظهار السّبق في مسيرة الانتقاد الكبرى، والتنافس على تصدّر صفوفها الأولى.

فواحدٌ يهجو (منطق المثاليات)، وآخرُ يُسفّهُ ثقافة (العنتريات)، وثالثٌ يسخر من (الإصرار على الحياة في الماضي).. وهكذا،تظهر في واقعنا العربي اليوم صنعةٌ جديدةٌ تعتاش على نقد (ثقافة الشعارات).

قفزت الغالبية العظمى من شريحة المثقفين الذين ركبوا موضة نقد الشعارات فوق قضيةٍ مفصلية. نسيت أو تناست أن المضمون الذي كانت تشير إليه تلك الشعارات، حتى في العقود الماضية، كان يتعلق بجملة حقوق أساسية يستحق المواطن العربي أن يحصل عليها بحكم كونه إنساناً وبحكم كونه مواطناً. وأن ارتباط هذا الإنسان بتلك الحقوق أمرٌ فطريٌ وطبيعي يدخل في صلب تكوينه البشري. وأن هذا لاعلاقة له بإساءة استخدام الشعارات في المراحل السابقة.

ربما استُلب العربي المسكين في تلك المراحل بالشعارات، لكن علينا أن نتذكر أن هذا الاستلاب لم يتعلق بمضامين خرافية أو وهمية لتلك الشعارات. وإنما لأن مضامينها كانت، ولاتزال، تمثل الحدّ الأدنى لحقوقه الشخصية من الحياة الكريمة إلى الحرية والمشاركة، ولحقوقه المعنوية من الاستقلال واحترام العالم لهويته ووجوده وكرامته. وكان تعلّق العربي بهذه المضامين مشروعاً وطبيعياً، بل ومطلوباً بكل المقاييس.

لاينتفع العرب شعوباً وحكومات في شيء حين تستمر جوقة انتقاد (ثقافة الشعارات) فتصبحَ هدفاً في حدّ ذاتها. فالعرب كانوا يبحثون عن الكرامة الشخصية والمعنوية، الخاصة والعامة، حين تفاعلوا مع مرحلة الشعارات في الماضي. وهم لايزالون يبحثون عنها في حاضرٍ مُفعم بالحيوية والتغيير، ولو أحاطت به تحديات كثيرة.

ثمة شعارات كثيرة رفعها السوريون على شكل لافتات وهتافات خلال الأشهر الطويلة الماضية. وكان مما قالوه فيها: (فقط في سوريا: العنفُ يُولّدُ التضحية)، (الزبداني لاتنزف بل تسقي بساتين تُفّاحها)، (كيف نخاف ونحن نرى الجنة في أفواه مدافعكم وبنادقكم)، (نريد وطناً بالألوان)، (لن نعود إلى الوراء.. الشعب ذاق الكبرياء.. والكلُّ أجمع أمره.. حريةٌ أو لابقاء)، (لاتسألني متى النصر.. قل لي ماذا فعلتَ لتستحقه؟)، (ادلب لاتريد حظراً جوياً.. فهي تصنعه..)،(إذا كانت حريتنا هي موتنا.. فدعونا نعيش موتنا بحرية)، (الثورة.. تذكرة دخول.. وليست تذكرة خروج..).

وفي مشهدٍ مهيب، يقف شابان ممشوقا القامة على ركام منزلٍ مُهدّم يحملان لافتةً كُتب عليها (من تحت الرُّكام.. سنُسقط النظام).

وأخيراً، يُظهر مقطع فيديو فتاةً محجبة تكتب بالبخاخ على حائط في حماة في يوم عيد الفصح عبارة (أخي المسيحي: سأحمي صليبك بدمي.. فصحٌ مجيد).

ثمة دلالاتٌ لانهاية لها في هذه (الشعارات). فهي تُعبّر عن جملةٍ من القيم والمعاني التي يدفع الشعب السوري دمه لتحقيقها على أرض الواقع. والذين يرفعون هذه الشعارات لايفعلون ذلك أمام مايكروفونات الإعلام في مهرجانات خطابية رسمية، وإنما ينحتونها من عمق تجاربهم الشخصية ليرسموا بأحرفها وكلماتها كل مايعيشونه عملياً من الآلام والأحلام والأشواق والتطلعات.

من هنا، ربما كان مطلوباً إعادةُ النظر في سيمفونية انتقاد (ثقافة الشعارات).إن لم يكن احتراماً لمقتضيات العقل والمنطق في قراءة الأحداث، فليكن احتراماً لأمثال هؤلاء.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الباسيج الأسدي!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

20-1-2013

يبدو أن نصائح الجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، قد بدأت تتبلور في سوريا؛ حيث أعلن النظام الأسدي عن تشكيل فصيل عسكري جديد سماه «جيش الدفاع الوطني» يأتي كرديف للقوات الأسدية. وبحسب ما نقلته الصحيفة عن موقع «روسيا اليوم» فإن هذا الفصيل «سيتم تشكيله من عناصر مدنية أدت الخدمة العسكرية إلى جانب أفراد اللجان الشعبية التي تشكّلت تلقائيا مع تطور النزاع القائم في سوريا»، وأن مهام هذا الفصيل «ستقتصر على حماية الأحياء من هجمات مسلحي المعارضة، وسيتقاضون رواتب شهرية كما سيكون لهم زِي موحد». وسيناهز عدد هذا الفصيل العشرة آلاف شاب من مختلف محافظات البلاد.

وبالطبع سارعت المعارضة لوصف هذا الفصيل بأنه تسمية جديدة للشبيحة، والحقيقة أن هذا الفصيل هو أقرب لميليشيات الباسيج الإيراني والتي تعني التعبئة، وأسسها الإمام مصطفى أحمد الموسوي الخميني في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، وتتبع الحرس الثوري الإيراني. ويقوم الباسيج الإيراني على تشكيلات متطوعة من موالين لا يشك في تبعيتهم للولي الفقيه. ولعب الباسيج دورا مهما في وأد الثورة الخضراء في إيران إبان الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ومن هنا فإن تشكيل فصيل «جيش الدفاع الوطني»، أو الباسيج الأسدي، ما هو إلا دليل على أن الأسد قد بدأ يفقد ثقته بالجيش، أو ما يعرف بالقوات النظامية إعلاميا، خصوصا مع كثرة الانشقاقات، وهو ما أجبر النظام الأسدي على تجنب تسليح أفراد قواته بالأسلحة الثقيلة أو العتاد المتكامل وذلك خشية انشقاقهم ونقل الأسلحة للجيش الحر الذي بات يسعى لتدمير الدبابات، مثلا، لأنه كان يجد أن عدد القاذفات فيها لا يتجاوز الخمس، وعليه فإن التدمير أسهل من جهود الاستيلاء عليها.

كما أن من دلالات تشكيل الباسيج الأسدي أن النظام بدأ يعيد تموضعه طائفيا بشكل واضح، حيث بات يسعى لاستقطاب أهل المصير، وليس الولاء، خصوصا أن كثيرا من الموالين للأسد باتوا مقتنعين بنهايته المحتومة، لذا فإن النظام يريد ضمان أن تكون ذراعه العسكرية الأخيرة مكونة من مقاتلين يعون أن مصيرهم من مصير الأسد، ولذا فإنهم سيقومون بالدفاع عنه حتى الموت.

ونقول إن هذا الفصيل الجديد، الباسيج الأسدي، هو فكرة إيرانية لأنه يأتي في توقيت لا يجد فيه الأسد أموالا حتى يدفع الرواتب، أو ينقذ اقتصاده، خصوصا أن الثورة تكلفه شهريا مليار دولار، ولذا فإن الواضح أن الباسيج الأسدي يأتي بدعم وتنظيم إيراني، وهو ما يتماشى مع الخطة الأمنية المتبعة في دمشق حيث تقسم العاصمة إلى مربعات أمنية وهو النهج الذي استخدم لقمع الثورة الخضراء في إيران يوم قسمت العاصمة طهران لتفريق الحشود، ومنع اهتزاز الأمن فيها.

الباسيج الأسدي يفضح مدى تورط إيران، وعمق أزمة الأسد الذي لم يعد يثق بقواته، ويظهر حجم الدمار الذي يلحقه الأسد بسوريا، كما أن الباسيج الأسدي يدل على خطورة مرحلة ما بعد الأسد حيث يصار الآن لخلق مجاميع إرهابية، وميليشيات طائفية ستكون مهمتها منع استقرار سوريا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الجيش السوري

أزمة في قلب الأزمة

غازي دحمان

المستقبل

19-1-2013

يشكل الجيش السوري أحد أهم عناصر الأزمة واكثرها تأثيراً، وربما أحد اهم إشكاليات سوريا المستقبلية، وعلى الرغم من حالات الإنقسام التي شهدتها البلاد عمودياً وأفقياً، وعلى كل المستويات، ظل الجيش محافظاً على قوته القمعية ومستوى كثافة نيرانه، رغم ما شهدته المؤسسة العسكرية من انشقاقات في بنيتها.

لقد اتضح أن ثمة جيشين في سوريا، جيش عام، وهو لم يكن سوى بنية هامشية، رغم حجمها الكبير، لم يكن لها تأثير في مجرى الحدث، فقد تكشف ان بنية الجيش جرى هندستها بطريقة تجعل من هذه البنية غير ذات فعالية، وظهر أنها تشكل عبئاً في الأزمة، ذلك ان النظام لم يستطع إشراكها في الحدث، إما بسبب عدم تهيئتها لمثل هذا النمط من الأحداث، أو بسبب عدم الثقة بولائها، فجاء إنشقاق غالبية أفرادها مخرجاً مريحاً للنظام وهو ما سماه بشار الأسد عملية التطهير التي ساعد على إنجازها.

المكون الاخر في الجيش هو ما يمكن تسميته الأطراف الصلبة، فهو الذي يتشكل من تشكيلات عسكرية معينة تتكون من فرق وألوية وسرايا، يغلب عليها إنتماؤها طائفيا وجهويا لإتجاه محدد، وتمتلك تجهيزات عسكرية متميزة وتتموضع في اماكن إستراتيجية وحساسة حول العاصمة وداخلها وفي مراكز المدن الرئيسية.

أثناء الازمة، ومع تطورها، امتلكت هذه البنية سلطة على الأرض وأصبحت قيادتها موزعة على مجموعة من الضباط في غرفة العمليات بدمشق، وصارت تعمل على أساس قطاعي، بمعنى كل ضابط يملك القطاع الموجود به ويتصرف بالأرزاق والعباد بالطريقة التي يراها مناسبة لخدمة مصالحه ومصالح الأفراد المحيطين به، أما بالنسبة لهيكلية أوامر الضبط والربط مع المركز فهي تقف عند حدود معينة، على اعتبار أنه يتم تقدير الخطر ذاتياً، وبالتالي طرق التعامل الواجبة وإستراتيجيات المواجهة، وقد ظهر هذا الأمر واضحاً خصوصاً في أرياف درعا ودمشق وحمص.

بذلك تحوّل الجيش، في آلية عمله وطبيعة تشكيلاته، إلى ما يشبه النمط المافيوي، حيث تصبح كل مجموعة مكتفية بذاتها همها الإستحواذ على ما تقدر السيطرة والإحتفاظ به من أراضٍ. صحيح أن هذا النمط من العمل والتشكّل يجعل من كل تشكيل يستخدم كامل طاقته العنفية وفي أقصى درجاتها على اعتبار أنها الوسيلة الوحيدة للبقاء، لكنها بنفس المقدار تجعل من الكتلة العامة للجيش بنى مفككة، بمعنى أن كل وحدة عسكرية تنتمي للضابط المسيطر على القطاع وليس للجيش عموماً، ومن السهل للمراقب للأوضاع الميدانية ملاحظة هذا الأمر بسهولة، ومثال ذلك ما حصل مع كثير من الوحدات العسكرية في ريف حلب، مدرسة المشاة والكلية الفنية وكلية الشؤون الإدارية، وكذا المواقع والوحدات في ريف دمشق ودرعا، حيث تركت هذه الوحدات لمصائرها رغم أنها تعرضت لمدة طويلة للحصار.

وفق هذا السياق المشار إليه فإن الجيش السوري مؤهل، وفي حال استمرار الأزمة وبقائها مدة طويلة، لأن يتحول إلى أزمة مستعصية حتى في ظل سقوط النظام أو مقتل رأسه، ذلك أن آلية عمله الحالية تؤهله للعمل كميليشيات مسلحة بدون عقيدة أو ضابط عسكري وحتى أخلاقي، ما يجعل الجيش أداة مهيأة للبيع والاستئجار من طرف أطراف يهمها استمرار الفوضى في سوريا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

آليتان في إنتاج الاستبداد:

من الوعد الديموقراطي إلى واقع الطائفية!

ميشيل كيلو

السفير

19-1-2013

لا يعرف معظم بنات وابناء الجيل الذين هم اليوم في الخمسين من أعمارهم، وكذلك من ينتسبون إلى الأجيال الشابة الراهنة، إنه دارت في منتصف القرن الماضي معركة بعثية ضارية ضد الشيوعيين، تركزت جوهريا على نقطتين مهمتين هما: الحرية الفردية والشخصية، وإدارة الأموال والأملاك العامة لمصلحة المجتمع.

كان البعثيون يتهمون الشيوعيين بالعمل على إقامة مجتمع يتنكر للحرية العامة والخاصة، ووضع الملكية العامة في يد الدولة، من اجل انتاج بيروقراطية، ستشكل طبقة جديدة، تستأثر بالقسم الأكبر من الثروة الوطنية، تقوم على استغلال العمال والمنتجين وإن في مستوى مغاير للمستوى الرأسمالي الغربي.

في الشطر الأول، الخاص بالحرية، كان البعثيون يلحون على فكرة المواطنة وحق الفرد في أن يكون حرا بالمعنى الغربي/ البورجوازي للكلمة، الذي يعطيه الحق في حرية التعبير والتنظيم والاجتماع والأمن والعمل... الخ. اما في الشطر الثاني، فكانوا يقولون بملكية المنتجين المباشرة بدل ملكية الدولة لوسائل الانتاج، ويدعون إلى مجتمع يسيّر نفسه ذاتيا ولا تسيره بيروقراطية دولة تتحكم بكل شيء فيه، وتعي نفسها كطبقة جديدة يتعارض وجودها مع ما تدعو الماركسية إليه أو تدعيه من بناء مجتمع غير طبقي.

أُذَكِّر بهذه الوقائع لاؤكد على امرين: ان نظام البعث السوري حقق خلال الأعوام الخمسين المنصرمة وفي أسوأ الصور التي يمكن تخيلها، ما كان ينتقد الشيوعية بسببه، فقد الغى الحرية في جميع تعابيرها وأشكالها العامة والخاصة، والغى حقوق الانسان بما في ذلك حقه في الحياة والعيش والأمان، ووضع يده ليس فقط على الأموال والثروات والأملاك العامة، بل كذلك على ملكيات المواطنين الشخصية، وابتكر أشكالا من الاستغلال لم تخطر ببال من كانوا يستمعون إلى وعوده أو عاشوا تحت سيطرته، من ذلك مثلا ما يعرفه جميع السوريين الذين باعوا ما فوقهم وتحتهم كي يشتروا «ميكروباصا» صغيرا أو شاحنة «سوزوكي» ليعتاشوا منها، من دون ان تقدم السلطة لهم أي عون أو أية تسهيلات، لكنهم وجدوا أنفسهم يدفعون حوالي 60% من دخلهم السنوي على شكل ضرائب للمالية ورشى لرجال الأمن والشرطة، بينما دفع مستوردو السيارات أنفسهم معظم ارباحهم لمن فرضوا أنفسهم عليهم كشركاء من رجال السلطة، مقابل حمايتهم وتمكينهم من بيع السيارات بالسعر الذي يحددونه ويعود عليهم باعظم هامش ربح ممكن.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا حدث هذا الفشل في تحقيق اي وعد من الوعود التي قدمها البعث للشعب؟ ولماذا انتقل نظامه السوري من وعد المواطنة والحرية، والملكية المجتمعية المباشرة لوسائل الانتاج إلى نقيضهما: إلى صورة قريبة جدا مما عرفه معسكر السخرة والاعتقال الستاليني في روسيا السوفياتية؟

اعتقد أن هناك اسبابا كثيرة لتفسير ما وقع، أظن ـ والله اعلم ـ أن اهمها ترتب على هزيمة حزيران، التي ترتبت، بين اسباب عديدة، على فترة تناقضات وصراعات وفقدان اتجاه، بعثت قدرا كبيرا من الارتباك والحيرة في جماعة وجدت نفسها تمسك السلطة بعد الثامن من آذار العام 1963، من دون أن تكون لديها خطط عملية ورؤية استراتيجية لإدارة المجتمع والدولة، تمكنها من تنفيذ الوعود التي قطعتها على نفسها.

لنترك جانبا عناصر النقص التي شابت وعي البيئة المجتمعية الريفية التي تحدر منها معظم قادة البعث، خاصة العسكريين منهم، واشاد ماركس في البيان الشيوعي بالرأسمالية لأنها تقضي ما تنتجه من «بلاهة فلاحية». ولنقف قليلا عند صراعات البعثيين بعضهم ضد بعض، وعند المحاور الثلاثة التي تبلورت حول مسائل ثلاث هي :ضرورة إعادة الوحدة مع مصر، لأن البعث أشد عجزا من أن ينجز أي شيء بمفرده، وقد مثلها محمد عمران، وحتمية بناء مجتمع اشتراكي وقد مثلها صلاح جديد، وبناء نظام سلطوي يعيد إنتاج الدولة والمجتمع طبقا لحاجات الطبقة الممسكة بالسلطة، ومثلها حافظ الأسد، الذي صفى محمد عمران في طرابلس، وصلاح جديد في السجن، واعاد بناء الحزب انطلاقا من تبعيته للمؤسسة العسكرية التي استعملها لبناء سلطوية حققت عكس وعود البعث، فقضت على الحرية بجميع صورها وتعابيرها، وجعلت كل ملكية في سوريا ملكية لها: سواء بوضع يدها عليها أو بإدارتها أو بالسلبطة.

أين كمن جوهر النظام السلطوي؟ أعتقد أنه تجلى في مسألتين مهمتين هما: نفي المواطنة وصفة الفرد الحر عن السوري، وبالتالي نفي حقوقه العامة والفردية، الخاصة والشخصية من جهة، وإنتاج المجتمع بما يجعل منه تكوينا يتم التمييز بين مكوناته حسب قربها وبعدها من السلطة، التي استندت من الآن فصاعدا على تكوينات ما قبل مجتمعية / ما قبل وطنية، احتلت الساحة السياسية بجميع طوابقها، وألغت المجتمع كتكوين جامع يتشكل من مواطنين، هم ذوات حرة متساوية أمام القانون، الذي الغته بدوره كحاضنة حقوق لهؤلاء. باختصار: بدل أن تستند السلطة في الدولة إلى المجتمع الذي ينتجها باختياره الحر، أقيم نظام أسند الكسور المجتمعية المرصوفة إحداها قرب الأخرى على السلطة باعتبارها منتجا وحيدا لسياسة خلت من الآن فصاعدا من الشأن العام والمواطنة، وتحولت إلى ميدان تنشط فيه مافيات متخصصة في مختلف المسائل والقضايا، تغطي فاعليتها مختلف ميادين وقطاعات دولة غدت سلطوية وفقدت أواصرها الايجابية مع مجتمع فقد حضوره ودوره فيها، ولم تبق له أية مصالح مصانة في صورتها السلطوية القائمة.

هكذا تلاشى المجتمع الموحد وحل الآن مجتمعان: مجتمع خاص بالسلطة هو حاملها وحاضنتها، يتكون بصورة حصرية من تكوينات ما قبل مجتمعية تم تحديثها وتنظيمها أمنيا، أنيط بابنائها إدارة البلاد والعباد، وتعظيم الهوة بين سلطة تستند أساسا إلى المنتسبين إلى أجهزة أمنية وعسكرية وعاملين في الحزب ينتمون في غالبيتهم الى هذه التكوينات، ومجتمع البشر العاديين، العاملين والمنتجين، الذي هو مجتمع عمال سخرة واجراء يفتقر إلى جميع انواع الحقوق، على عكس مجتمع السلطة الأمني، الذي يخضعه بجميع وسائل القوة والقسر.

لم يعد هذا المجتمع يطيق ان يذكره احد بالوعود، التي كان قد نال شرعيته من التعهد بتنفيذها. وطور بدلا منها شرعية جديدة تركزت على جانبين: وجود معركة يخوضها دفاعا عن الدولة والمجتمع السوريين، اللذين انتفى وجودهما في ظل النظام السلطوي وبسببه، وصيانة العلمانية من المذهبية، وهذا زعم يبطله ارتكاز النظام على ما اسميته تكوينات ما قبل مجتمعية / ما قبل وطنية هي الطوائف،التي مثل قسما منها وأدخل نفسه في معركة دائمة مع قسمها الآخر، الأغلبي، الذي اتهمه بالأصولية ويا لمفارقات الكذب، بالطائفية بوصفها سمة لصيقة به لا يستطيع الانفكاك عنها او الخروج منها.

لندع الآن جانبا مسألة الدفاع عن دولة ومجتمع سوريا، ولنذكر فقط بأن سنوات النظام الأولى شهدت احتلال اسرائيل للجولان، وأنه مر على هذا الاحتلال نيفا وخمسة واربعين عاما، رفض النظام فعل أي شيء خلالها لزحزحة العدو المحتل عن صدر وطنه وعاصمته، مما جعل من سوريا دولة منتهكة ومنقوصة السيادة. ولنتحدث عن علمانية النظام القائمة على أرضية ما دون دينية، أي طائفية، يستحيل فهمها إلا بوصفها نفيا للدين كجامع روحي لمؤمنين ينتمون الى مذاهبه المختلفة.

لا تستحق العلمانية السلطوية اسمها تحت أي معنى نعرفه للعلمانية، لكونها تخلو من الإنسان، ناهيك عن مكانته المركزية كذات حرة تلزمنا برؤية كل موجود بدلالته. إذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن العلمانية كانت نتاج ثورة ثقافية ممتدة محورها مركزية مكانة الإنسان من الوجود، وإعادة تعيين العلاقة بينه وبين الله، قطب الوجود الآخر، الذي لم تبطل الإيمان به والحاجة إليه، سواء بالنسبة إلى الإنسان الفرد أم إلى الجماعات، وتذكرنا أن العلمانية السلطوية تخرج الإنسان من الشأن العام، والثقافة من المجال العام، وتغيب الحرية عنه وعنهما، وأنها تستند إلى تكوينات نافية للمجتمعية كعلاقة تعاقدية بين أفراد احرار، تكون هذه العلمانية المزعومة دين سلطة يستبدل رموز الأديان برموزها، التي تكتسب قداسة مضاعفة سياسيا وطائفيا: بعد أن تنحدر بالدين والقيم من عالم إنسان حر هو مركز الوجود، إلى عالم وثنية ترغم البشر على عبادة أشخاص، ومن رحاب الحرية وما تنجبه من مجتمعية طليقة الى ضيق الاستبداد وازدراء الحياة وقيمها.

نحن هنا، في هذا المثال السوري، امام الواقع وقد انتزع من إهابه الحقيقي وفقد هويته الأصلية، وشحن بما يحول دون عودته إلى حال الطبيعة، اي حالته الطبيعية، فلا عجب أن تثير المعايير التي تسيره قدرا عظيما من الاضطراب والمقاومة لدى الخاضعين له، وأن تفضي إلى تلاشي وموت كل ما هو نبيل في مجتمع البشر، الذي يغرق في شقاء لا يني يتعاظم، يطاول جميع مناحي واركان وجوده المادية والمعنوية. اليس أمرا طبيعيا أن يكون هذا التطور قد قام على تشويه معنى ووظائف الدولة والمجتمع، وعلى نفي وجود المواطن كإنسان حر، ونفي القيم التي لا تربطه بنظام المذهبية الطائفية ورموزه المقدسة؟

كان الوعد يقدم البعث كقوة تتخطى الانتماءات الدنيا والجزئية، وترتبط بالامة كحقيقة متجاوزة للوطنية، التي حملها اسما تحقيريا هو «القطرية». وها هو الواقع يكشف بطريقة فاضحة آليات انحداره من عالم وعود وردية اغرتنا بـ«الوحدة والحرية والاشتراكية»، إلى عالم مقيت يسند التحديث إلى تكوينات نافية له، ويلغي بالسلطة طابع الدولة المجتمعي، وينفي المواطنة عن رعاياه بنفيه الإنسان كذات حرة وتنمي الدولة حريتها، وينفي الدين السماوي لصالح دين سلطوي يشخصن اربابه ورموزه، هو في الوقت نفسه دين تدميري يرغم البشر على الخضوع له بقوة الأجهزة الأيديولوجية والقهرية، وعلى التعامل معه بوصفه دينهم الجديد، والوحيد.

بدأ تحول وعد الحرية والوحدة والعدالة إلى واقع طائفي عند نقطة محددة هي انقلاب النظام السلطوي على مبدأ المواطنة كناظم للحياة العامة ولعلاقة الدولة مع من هم تحت سلطانها، وتركيزه على السلطة بوصفها حقل العمل العام الوحيد، الذي يجب انتاج السياسة والمصالح والتعاقدات الفردية والعامة انطلاقا منه، يتهدده خطر وحيد هو الحرية. في هذه النقطة المفصلية بالذات يكمن الانزياح نحو المأساة التي نعيش اليوم أفظع فصولها واكثرها خروجا على القيم الإنسانية والوطنية.

 

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأسد «المحلل الاستراتيجي في الشؤون السورية» يطرح الحل!

عادل مالك *

السبت ١٩ يناير ٢٠١٣

الحياة

سورية أيضاً وأيضاً.

بعد غياب لبضعة شهور ظهر الرئيس بشار الأسد في دار الأوبرا «ليحاضر» في المسألة السورية!

وبصرف النظر عن المشاعر الشخصية يجب القول إن الرئيس السوري ظهر متماسكاً هادئاً عالي النبرة في خطابه، على رغم كل الظروف التي تحيط به. لكن، وفي جانب آخر ظهر الرجل وقد «نأى بنفسه» عن كل شيء حتى عن الوضع في سورية. وبدا وكأنه محلل سياسي و «خبير في الشأن السوري» يرسم خريطة طريق لحل الأزمة في بلاده من الآن ولغاية عام 2014 موعد ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة.

ولدى مراجعة خطابه يمكن التوقف عند بعض المواقف الأساسية في معرض سرده لما تشهده سورية وعارضاً «خطة الحل» للأزمة القائمة وكأنه يتحدث من كوكب آخر وعن كوكب آخر.

قال: «إن هناك من يسعى لتقسيم سورية وآخرين لإضعافها لتكون تابعة شأنها شأن الآخرين». وتساءل حول ما يجري: «هل الصراع في سورية على كرسي ومنصب أم صراع بين الوطن وأعدائه... هل هو صراع سلطة أم هو انتقام من الشعب الذي لم يعطِ أولئك الإرهابيين القتلة المفتاح من أجل تفتيت سورية وتفتيت مجتمعها».

وتحدث عن «أن معظم من نواجههم الآن من الإرهابيين الذين يحملون فكر القاعدة» وهذه رسالة واضحة إلى الخارج للقول: «عليكم الاختيار بيني وبين الجهاد التكفيري». ويبدو أن مثل هذا الطرح يلقى بعض التأييد لدى بعض الغرب الأميركي منه والأوروبي، الأمر الذي يوضح بعض التراجع في اندفاعات الأطراف التي عملت ولا تزال على اقتلاع بشار الأسد من جذوره.

ويقول بعض المقربين من دائرة الرئيس السوري في معرض شرحهم وتفسيرهم خطابَه الأخير، إن الأسد انتظر طويلاً في إطار خوضه معركة تنازع البقاء، وإن هذا الخطاب هو نتاج بعض التقدم الذي حققه الجيش السوري ضد الثوار ومقاتليه الكثر من كل لون. ولأن الأسد ما زال متمسكاً بدوره في الأزمة وفي مشاريع الحلول المطروحة لها حتى آخر سوري، فهو طرح ما يسميه مبادرة خطة العمل لإخراج الوضع في سورية مما هو فيه وعليه.

وفي هذا السياق، وحيال فشل جميع المساعي والمبادرات السابقة لحل الأزمة، عرض الأسد خدماته في هذا المجال بالقول: «إننا نمد يدنا للحوار، وسنحاور كل من لديه خلافات سياسية معنا وكل من ينتقد مواقفنا». وفي الخوض في التفاصيل يرى الأسد أن «الحل السياسي للأزمة يجب أن يتضمن التزام الدول المعنية وقفَ تمويل تسليح المعارضة، يلي ذلك وقف الجيش العمليات العسكرية «وسأدعو إلى عقد مؤتمر للوصول إلى ميثاق وطني يتمسك بسيادة سورية ووحدة أراضيها».

هذا إذاً في جانب، ماذا عن الجوانب الأخرى للأزمة السورية؟

تبدو المواقف الأساسية على حالها وخصوصاً من الموقف الروسي والداعم بقوة حتى الآن على الأقل لموقف بشار الأسد، وعليه تبقى موسكو على إمساكها بأحد المفاتيح الرئيسة للوضع في سورية سلماً كان أم حرباً.

وليس هناك من منطق كي تقف فيه الأمور عند هذا الحد، بعد كل ما جرى، لذا فمعارك الكر والفر هي التي ستبقى متحكمة بالوضع. وإضافة إلى ذلك فإن ما تشكو منه بعض فصائل المعارضة السورية في الخارج أوقع بعض الوهن في صفوفها، وتذمر أفرادها من عدم الحصول على الذخائر كافية لمتابعة المعارك، إضافة إلى العجز في ضيق ذات اليد لأن بعض الأطراف الإقليمية والدولية والتي وعدت بسخاء بدعم المعارضة لم تفِ بوعدها.

ومثل هذه الشكوى لطرح التساؤل الجدي الآتي:

هل هناك بوادر تحولات أساسية في مواقف هذه الدول التي «التزمت» إسقاط نظام الأسد بأي ثمن؟

على أن الأمر اليقيني والمؤكد أن كل الرهانات التي عقدت لإحداث تغيير جذري في تركيبة النظام في سورية تخللها وقوع الكثير من الأخطاء سواء في التخطيط أو في التنفيذ.

وقياساً على ما جرى حتى الآن والثورة السورية تستعد لدخول عامها الثالث، المؤكد أن الحسم ما زال بعيد المنال سواء بالنسبة للنظام وأهله، أو بالنسبة لمعارضيه والثائرين عليه.

وفي ظل الوضع القائم يجب التوقف عند النقاط الآتية:

أولاً: تبدو سورية وكأنها دخلت مرحلة «إدارة الأزمة»، وما من طرف باستطاعته الإمساك بالوضع بمفرده، لذا سيبقى الصـراع الأميـــركي - الروســـي الغربـي قـائماً بـاسم المصالح وتـقـاسم النفـــوذ فـي منطقـة بالغة الحساسية والأهمية الاستراتيجية.

ثانياً: من روافد الأزمة وتداعياتها هناك بعض التفاصيل اللافتة ومن ذلك تزويد حلف شمال الأطلسي تركيا بطاريات لصواريخ «الباتريوت». إن السبب الذي أعلن أن هذا النوع من الصواريخ هدفه ضمان أمن تركيا من أي «هجوم سوري يمكن أن تتعرض له». لكن منطق الأمور لا يمكن أن يسلم بهذا التفسير لأن النظام السوري القائم وحتى إشعار آخر من المستبعد جداً أن يقوم بالهجوم على تركيا.

وفي بعض المعلومات أن الدوائر المعنية في روسيا ترى أن «الباتريوت التركي» سيكون عيونها على إيران» وتضيف: «أن الدوائر الأميركية استغلت الأزمة في سورية لتصيب أكثر من عصفور بحجر واحد». ومثل هذه المعطيات تؤكد مدى التداخل والترابط بين الوضع في سورية وأطراف إقليمية فاعلة كإيران، حيث لم يعد ممكناً التوصل إلى حل لأزمة دون أخرى كأزمة النووي الإيراني على سبيل المثل.

ثالثاً: إن الوضع القائم على الحدود اللبنانية – السورية يبعث على القلق لأكثر من سبب. وإذا كان لبنان تمكن من طلب المساعدات من بعض الدول لإيواء النازحين السوريين العابرين إلى حدوده من سورية فهذا لا يعني حل كل جوانب الأزمة.

في الواقع لا أحد يملك الرقم الصحيح لعدد اللاجئين السوريين والفلسطينيين في سورية، لكن الإحصاءات تشير إلى ارتفاع الرقم إلى 120 ألفاً حتى الأيام القليلة الماضية. ولأن الأزمة مفتوحة فهذا يبقي باب اللجوء مشرعاً على مصراعيه وعلى تزايد عدد اللاجئين.

إن مخاوف لبنان هي أمنية حيث يختلط بعض اللاجئين بــ «عناصر مسلحة» أخرى، وتفيد بعض المعلومات بأنهم يغتنمون الفرصة للقيام بتدريبات معينة على القتال والرغبة في العودة إلى الداخل السوري لمقاتلة نظام بشار الأسد.

وعليه، فإن سياسة «النأي بالنفس» التي أعلن لبنان الرسمي عن اعتمادها منذ اندلاع شرارة الأحداث في سورية لا تكفي لتجنيب لبنان محاذير تواصل «جحيم المعارك في سورية».

وبناء على كل ما تقدم، لم تعد المواعيد المتصلة بالوضع في سورية توضع في شكل متقارب، ومن ذلك اجتماع ممثلي الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن والمقرر عقده نهاية الشهر الحالي، وهذا يؤشر إلى أن المواعيد المتعلقة بسورية لم تعد خاضعة لما كان يحدث في السابق... والتباطؤ سيد المرحلة.

أين الوسيط الأخضر الإبراهيمي من كل ما يجري؟

نسبت إليه بعض التصريحات التي تفيد بأن الرئيس بشار الأسد لن يكون جزءاً من الحكومة الانتقالية التي نصت عليها مقررات جنيف، الأمر الذي عرّضه إلى هجمات سورية شرسة من التهم المقزعة فاضطر إلى الإيضاح. ويبدو أن الديبلوماسي الجزائري العتيق يريد أن يختتم حياته المهنية بإنجاز كبير من نوع وقف الحرب في سورية، لكن هذا الأمر لا يبدو سهل المنال مع كل تعقيدات الوضع السوري.

... وماذا عن المعارضة - بل المعارضات السورية؟

لقد رفضت بعض فصائل المعارضة «الطروحات السلمية» التي عرضها الرئيس بشار الأسد، لكن التحليل الواقعي يضع هذه المعارضة في موقع اختبار تاريخي حيال الشعب السوري، لأن رفض طروحات السلام مع وجود بشار الأسد يعني، بل يجب أن يعني وجود البديل عن ذلك. ويجب أن تعلم هذه المعارضات أن الدول الكبرى لا تقف إلى جانبها كرمى لعيون هذا الفصيل أو ذاك.

لذا، فإن الظروف الضاغطة تطالب نجوم المعارضة المنتشرين من على ضفاف البوسفور في تركيا إلى ضفاف شاطئ النيل الأزرق في مصر مروراً بالكثير من عواصم النزاع.

على هذه المعارضة أن تعترف بأن خطأ قد حدث في تقدير قوة نظام الأسد، وفي كيفية التخلص من نظامه. لذا، الآن وبعد انقضاء كل هذا الوقت الطويل، ما كان يصلح للأمس لم يعد صالحاً لليوم، وما هو صالح لليوم قد لا يصلح للغد.

إن الشعب السوري المرابط في الداخل لم يعد ليستسيغ تنقل بعض الوجوه المعارضة بين فنادق الخمس نجوم فيما الجحيم السوري يقض مضاجع سائر أفراد الشعب من مسالمين ومقاتلين.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

استخدام «القاعدة» في سوريا

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

19-1-2013

لا بد أنها من المرات القليلة التي يضحك فيها الرئيس السوري بشار الأسد عندما ظهر منتمون لإحدى الجماعات السورية المتطرفة على إحدى محطات التلفزيون العربية يهددون ويتوعدون بأن تنظيمهم يعتزم إقامة نظام إسلامي متشدد محل نظام الأسد. كانت تلك المقابلات كفيلة بإخافة الدول المترددة والقلقة، لتبرهن على صحة روايات النظام السوري للعالم، ويرددها خلفه السياسيون الروس، الذين قالوا إن الغرب سيندم على إسقاط نظام الأسد لأنهم يكررون غلطة أفغانستان، وسيعودون للحرب لمقاتلة «القاعدة» في سوريا هذه المرة. ونحن نرى الفرنسيين الآن يشنون واحدة من أكبر حروبهم في أفريقيا، في شمال مالي، لمقاتلة الجماعات المتطرفة هناك.

ولا شك أن الغرب، وبعض العرب أيضا، في خوف شديد من أن تتحول الثورة السورية إلى أفغانستان أخرى بسبب تدفق الجهاديين للمشاركة في القتال. وبدل أن يدعموا الثوار الوطنيين، ويلجموا نظام الأسد، فإنهم يكتفون بمشاهدة القتال ورصد الجماعات المتطرفة.

والنظام السوري يريد أن يقبل الغرب بفكرة أنه صمام الأمان ضد الإرهابيين وإحباط الثورة وسيكثف من الحديث عن الجماعات المتطرفة، وبكل أسف هي حقيقة موجودة، وبعضها صنيعة النظام نفسه لهذا الغرض، وبعضها يروج النظام لأعمالها وصورها لتخويف العالم من أفغانستان المقبلة.

وقد سبق له أن استخدم نفس التكتيك من قبل عندما كان تحت ضغط دولي شديد بسبب جرائمه في لبنان.. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2008 زعم عبر وكالته الرسمية للأنباء (سانا) أن تنظيم «فتح الإسلام» المتطرف فجر سيارة في أحد أحياء دمشق، وأن تيار المستقبل اللبناني المناوئ لسوريا هو وراء التنظيم الإرهابي، وأن الانتحاري الذي فجر السيارة سعودي الجنسية!

طبعا لم يصدق أحد الكذبة السورية، لأن تيار المستقبل اللبناني، ممثلا في رئيس الوزراء حينها فؤاد السنيورة، كان هو من قاد الحرب قبل عام ضد تنظيم «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد.

وثقوا أن الجماعات المتطرفة التي تقاتل على الأرض السورية المحروقة، بعضها فتحت لها سجون الأسد لتخرج عناصرها للقتال، كدليل على أن الثورة السورية ليست إلا جماعات إرهابية، وبعضها تنتمي بالفعل للتنظيم وترفع علمه الأسود.. لكن الغالبية الساحقة من الثوار في سوريا ينتمون للجيش الحر، فالأسد يريد أن يشوه سمعتهم، ويخوف دول المنطقة العربية منهم، ودول الغرب أيضا. ومن صالحه الترويج لصورهم وفيديوهاتهم وبطولاتهم، في حين أنهم دخلوا على خط الثورة قبل عشرة أشهر ولا يمثلون سوى نسبة صغيرة من الثوار.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا بدها كرامة!

حسين شبكشي

الشرق الاوسط

19-1-2013

كلما كشف العالم حجم جرائم نظام الأسد في حق شعبه، وهي مستمرة بشكل متواصل وتحصد بشكل يومي العشرات من القتلى والضحايا في كافة مناطق سوريا بلا استثناء، يستمر النظام في قدرته على إدهاش العالم بالتفوق على نفسه والقيام بفصول جديدة من الجرائم. فاليوم الأحداث المهينة التي تتعرض لها مخيمات اللاجئين السوريين، وهي تضم الآلاف من الأبرياء الذين تشردوا من بلادهم جراء الوحشية التي يقدم عليها نظام الأسد، بالإضافة إلى المهانة والعوز الذي يتعرض له من في هذه المخيمات، هناك «جواسيس» مزروعة من قبل نظام الأسد يقومون بعمليات تستهدف حرق بعض الخيام وقتل بعض الأشخاص وبالإيقاع بين البعض ومسؤولي الدول المستضيفة.

ولقد نجحوا في كل ذلك بأشكال مختلفة، هذا مع عدم إغفال الأحداث «الغامضة» التي تتسبب في مقتل البعض من اللاجئين في حوادث سيارات أو صدام غريب، وكلها تكون جرائم مقيدة ضد مجهول، ووكر إدارة هذه الأفعال القذرة هي السفارات السورية في هذه الدول المستضيفة للاجئين، وهي سفارات بالاسم فقط، إذ إن موظفي هذه السفارات هم في واقع الأمر ما هم سوى مجموعة من رجال أجهزة المخابرات السورية المعروفة بدمويتها ومتعاونين معهم ممن يطلق عليها مسمى «الشبيحة» البغيض، وهؤلاء المجاميع يتولون إهانة وضرب وسب المراجعين من المواطنين السوريين فيعطلون معاملاتهم وأوراقهم لابتزازهم بشتى الوسائل والطرق.

وليت المسألة تتوقف عند هذا الحد المزعج، ولكن تستمر لتشمل رسائل نصية قصيرة تصل إلى الهواتف الجوالة والبريد الإلكتروني لبعض الشخصيات المستهدفة من عامة الشعب، التي أعربت عن تأييدها للثورة وانتقادها لتصرفات النظام، فيقعون طبعا في الجرم الأعظم وهو الخروج من عبودية بشار الأسد ونظامه، وهي جريمة لا يمكن أن تغتفر، فيجند النظام مجموعة غير بسيطة من «زعرانه» الصغار ليحدثوا نوعا من «الوسوسة» الشيطانية في الأشخاص المستهدفين ليرعبوهم ويخيفوهم ويحذروهم من «هول» ما سيلاقونه إذا استمروا في «نقد» النظام وعدم تأييد الإصلاحات العظيمة التي يقوم بها للقضاء على «المجموعات الإرهابية المسلحة». النظام الأسدي يلاحق السوريين خارج حدود بلادهم ويعمل على إرعابهم وإذلالهم، تماما كما كان يفعل داخل القطر السوري نفسه، ويبدو أن ذلك الأمر هو جزء أساسي من الهندسة الوراثية الشيطانية التي تكون منها نظام حافظ الأسد وابنه ولا يمكن بالتالي أن يخرج منها أبدا.

السوريون في خارج بلادهم يعيشون كوابيس من الإذلال والرعب والقلق والخوف، والوشايات بينهم لا تنتهي ونشر الشائعات المدمرة مستمر، وتعطيل المصالح بل والخلاص من بعضهم بدم بارد مستمر. فنحن اليوم أمام أقذر أنظمة العالم وأكثرها كراهية واحتقارا وازدراء لشعبه، وهو نظام يعلم أن أيامه معدودة، وأنه لا يمكن أن يعود قادرا على حكم نفس الشعب بنفس الطريقة كما كانت مرة أخرى أبدا، فلذلك هو «يودع» السوريين بطريقته القذرة وهو غير «مصدق» أن هناك شعبا يتمرد ويثور ويعترض ضد جنة نظام الأسد، الذي اكتشف الناس أخيرا أنها جهنم وبئس المصير، ولكنهم لن يسمحوا أبدا لأنفسهم أن يكونوا خالدين فيها.

العالم بكل الطرق وبكل التفاصيل سيكتشف تباعا حجم كذبة نظام بشار الأسد وحجم الخوف والمذلة التي عاش فيها السوريون طوال العقود الماضية وحجم الثمن الذي يمنحونه لأجل نيل الحرية الغالية.

السوريون حول العالم يعانون من نظام بشار الأسد وكل نوع من أنواع المعاناة لها ثمن ولها أثر، إلا أن الحقيقة الوحيدة أن كل يوم يستمر فيه بشار الأسد حاكما لسوريا هو في حقيقة الأمر صفعة قوية على كرامة البشرية وانتقاص من آدمية الناس، فلا نامت أعين الجبناء ولا مؤيدي هذا النظام.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

حديث "المعلم" وتخبطات أركان النظام السوري

الوطن

2013-01-21 12:00 AM

دعوة وزير الخارجية السوري وليد المعلم أول من أمس في حديثه على التلفزيون السوري لـ"شباب التنسيقيات" ممن حملوا السلاح من أجل الإصلاح إلى الحوار يعني اعترافه بوجود ثورة، وهذا يناقض الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه الأخير، إذ أشار إلى إرهابيين ومجرمين يريدون تخريب البلد، مستغرباً ممن يتحدثون عن ثورة، مما يشير إلى عدم قدرة أركان النظام على قراءة الأحداث والتطورات على الرغم من إدراكهم للواقع الذي أهم ما فيه أن الثورة كبرت إلى درجة لم يعد باستطاعتهم إيقافها أو استيعابها أو التعامل معها سوى بتلبية شروطها.

إصرار أركان النظام السوري على إنكار الواقع برغم معرفتهم الكاملة له هو ما جعلهم يقودون حملة لتدمير الدولة ويواجهون المتظاهرين بالقمع والقتل، سعياً إلى إخماد ثورة لم يعترفوا بوجودها منذ البداية، ووجهوا أصابع الاتهام كي لا يقروا بمطالب الشعب إلى جهات مخترَعة مثل المندسين والعصابات المسلحة والسلفيين، وتطور الأمر إلى حديثهم عن جماعات إرهابية، وهم يدركون أن كل ذلك محض خيال لا يصدقه أحد، وأن الثورة أمست أكبر من إمكانات النظام القمعية ومخادعته السياسية.

رأي وليد المعلم أن من يطالبون الأسد بالتنحي مسؤولون عن استمرار العنف، يفضح النظام أكثر، فهو اعتراف آخر بأن النظام يواجه المطالبة بتنحي الرئيس بالعنف، لأن المطالبين لن يقمعوا أنفسهم ليكونوا مسؤولين عن استمرار العنف، بحسب حديث المعلم. أما قول وزير الخارجية السوري بأن الأميركيين والروس لم يتوصلوا إلى اتفاق خلال لقائهم الأخير في جنيف حول سورية، بسبب عدم وجود "فهم مشترك للمرحلة الانتقالية الغامضة" التي يبحثون فيها، فهو تهرب آخر من الاعتراف بالحقيقة فـ"الفهم" موجود والخلاف حول الشأن السوري واضح، وهو عملياً ليس بين روسيا والولايات المتحدة، بل بين روسيا التي تحمي الأسد وترفض تنحيه والمجتمع الدولي الذي نبذ الأسد ويطالب بتنحيه كي تبدأ المرحلة الانتقالية.

عثرات المعلم في حديثه التلفزيوني يُستشف منها أن أركان النظام في تخبط، ويصرون على التفكير خارج الواقع، مما يؤكد أن الحل الفعلي يبدأ حين يعودون إلى الواقع وتتخلى روسيا عن حمايتهم.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

وماذا عن إرهاب النظام السوري؟

الشرق الاوسط

طارق الحميد

21-1-2013

أصدر الرئيس الأميركي أوباما بيانا علق فيه على العملية الإرهابية في أميناس الجزائرية قائلا: «اليوم.. أفكار الشعب الأميركي وصلواته تتجه نحو عائلات جميع الذين قتلوا أو جرحوا في الهجوم الإرهابي في الجزائر»، ومتعهدا بأن تتعاون بلاده مع السلطات الجزائرية لعدم تكرار ذلك العمل الإرهابي. والسؤال هنا: وماذا عما يحدث بحق السوريين؟

فأولا، وقبل كل شيء، فإن كل عاقل يدين الأعمال الإرهابية بكل أنواعها، وهذا ليس مجال مزايدات، وليس القصد التقليل من معاناة من اختطفوا من قبل إرهابيي «القاعدة»، وإنما السؤال هنا هو: وماذا عن مقتل قرابة أكثر من ستين ألف سوري على يد قوات نظام الأسد؟ فالإشكالية التي لا يفهمها الأميركيون، أو التي لا يريدون فهمها، أنهم يتعاملون مع منطقتنا، وأمنها، بتبسيط شديد، يجعل أزمة أميركا، أخلاقيا وسياسيا، أعمق وأكبر مما يعتقد البعض، فبيان الرئيس الأميركي تجاه ما حدث في الجزائر يعني أن واشنطن لن تتحرك، أو تتفاعل، إلا إذا تورطت «القاعدة»، وعدا ذلك فغير مهم.

والإشكالية هنا أن نظام الأسد يواصل الليل بالنهار قتلا بالسوريين، ويستعين بجماعات طائفية محسوبة على إيران من العراق ولبنان، لقتال الشعب السوري، وهذا ليس كل شيء، بل إن الأسد يستخدم الطائرات الحربية لقصف المدنيين ورغم كل ذلك فإن الرئيس الأميركي يقول إن «أفكار الشعب الأميركي وصلواته تتجه نحو عائلات جميع الذين قتلوا أو جرحوا في الهجوم الإرهابي في الجزائر»! فماذا عن أكثر من ستين ألف قتيل سوري على يد الأسد؟ وماذا عن حالات الاغتصاب الجماعي بحق النساء؟ وماذا عن قتل الأطفال؟ وإذا قال البعض إن هذا حديث عاطفي، فإن عليهم، أي هؤلاء البعض، أن يشعروا بالخزي أولا، كما أن عليهم، وعلى الأميركيين ثانيا، أن يفكروا في ما ستشكله سوريا من خطر على كل المنطقة سواء طال أمد هذه الأزمة، أم سقط الأسد اليوم، طالما أن لا تدخل خارجيا حقيقيا يضمن مرحلة ما بعد الأسد.

فإذا كان الغرب، وعلى رأسه أميركا، يعتقد أن ما يحدث في مالي، أو الجزائر، هو زلزال بالنسبة لأوروبا، وتحديدا فرنسا، فإن على الجميع أن يعي أن القادم في سوريا سيكون زلزالا على الجميع، سواء في المنطقة، أو دول المتوسط، فحجم الجرائم التي يرتكبها جيش النظام في سوريا، وبمساعدة واضحة من إيران وحزب الله، والطائفيين الآخرين في العراق، كفيل بخلق مزيد من الإرهابيين، بل إن سوريا ستكون بمثابة مصنع لتفريخ الإرهاب، فكلما طال الظلم والقهر والقتل، خصوصا مع إضافة البعد الطائفي، فإن مزيدا من الناس ستتطرف، ومنذ اندلاع الثورة السورية كان التحذير الدائم هو أن أفضل وسيلة لقطع الطريق على الإرهابيين الشروع بخطوات جادة لضمان رحيل الأسد، لكن هذا لم يحدث للأسف.

وعليه، فالقصة ليست انتقاصا مما حدث في الجزائر، وإنما إدانة للتقاعس الأميركي تجاه إرهاب الأسد، وقصر نظر واشنطن التي لا ترى الخطر الحقيقي القادم بالمنطقة جراء ما يرتكبه جيش نظام الأسد من جرائم وإرهاب.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تحرير سورية.. التخبط أم التواطؤ الدولي؟!

د.عبدالله القفاري

الرياض

21-1-2013

 في كل هذا المشهد لايمكن فهم الموقف الامريكي إلا وفق سياق تاريخي يكشف عن علاقته بالنظام السوري منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة في عام 1970، وما تلا ذلك من التدخل السوري في لبنان وحتى تأسيس حزب الله إلى الغزو الامريكي للعراق.. إلى المفاوضات التي تجري بين إيران والإدارة الأمريكية في الخفاء

تثيرالمسألة السورية الكثير من الاسئلة التي تطال الموقف الدولي من الثورة والنظام ومستقبل سورية. وتظل تلك الاسئلة تلح خاصة مع مضي أكثر من 22 شهراً من عمر الثورة التي عصفت بها رياح المواقف الدولية.. إلا أنها ماضية في طريقها رغم كل العوائق ورغم التحالفات المضادة ورغم سياسة التدمير الشامل والتنكيل والقتل والتهجير التي مارسها ولازال يقترفها النظام.

يأتي الموقف الامريكي كأكثر المواقف التي تثير اللبس. يتدثر هذا الموقف بالعديد من القضايا التي تجعله في نهاية المطاف موقفا معطلا. الاتكاء على التصريحات الاعلامية للقادة الامريكان من الرئيس الى وزيرة الخارجية الى وزير الدفاع لم تترك للباحثين عن سر التعطيل سوى التعويل على الوقت المناسب الذي لم يحن بعد، رغم الابادة الواسعة والتدمير الشامل الذي احدثه النظام ورغم ملايين المهجرين في الداخل والخارج، ورغم كل مناشدات منظمات حقوق الانسان..!!

ما هو الموقف الامريكي الحقيقي من الثورة السورية ومن نظام الاسد ومن محور النظام الايراني - العراقي - السوري - حزب الله؟

هل يمكن التعويل على تصريحات بدأت منذ الثورة السورية تطالب الرئيس الاسد بالتنحي ثم تنكفئ لتعود مرة اخرى.. حتى اصبح منظر الدماء والاشلاء والقتل الجماعي والتدمير الشامل لا يستحق حتى تصريحا مماثلا.. أين يمكن صرف تلك التصريحات والمواقف بلا مواقف؟

هل تجسد السياسة الامريكية اليوم (السياسة هي الكذب)؟ هل أصبحت مجرد تصريحات في الهواء تذهب أثرا بعد عين بمجرد نشرها واستهلاكها إعلاميا أم ان الوقائع على الأرض هي التي تكشف عن الموقف الامريكي تجاه الثورة والنظام؟!

على ماذا يفاوض الامريكان الروس في جنيف؟ وعلى أي مستوى تبدو تلك الخلافات؟ وما هو موضوع الخلاف الحقيقي؟

الموقف الامريكي الغامض لا يحتاج للتخمين ولا يكفيه بالتأكيد التبرير بأن المخاوف الامريكية لازالت قائمة في حال التورط في الشأن السوري كما حدث في الشأن العراقي. فالمعادلة على الارض مختلفة والثوار يحققون انتصارات متوالية، وكلما طال الوقت تعقد المشهد في الداخل.. وتكاد تكون فقط جزءا من آلة النظام فاعلة على مستوى التدمير والقتل والحصار.

في كل هذا المشهد لايمكن فهم الموقف الامريكي إلا وفق سياق تاريخي يكشف عن علاقته بالنظام السوري منذ استيلاء حافظ الاسد على السلطة في عام 1970. وما تلا ذلك من التدخل السوري في لبنان وحتى تأسيس حزب الله إلى الغزو الامريكي للعراق.. وحتى المفاوضات التي تجري بين ايران والادارة الامريكية في الخفاء، والتي بدأت اليوم تتخذ طابع التهيئة لجس النبض وتهيئة اجواء تجعلها في سياق جهود للسيطرة على المشروع النووي الايراني بينما هي في حقيقتها تطال كافة القضايا الاقليمية ومنطقة الخليج ومستقبل العراق وسورية ولبنان.

استيلاء حافظ الاسد على السلطة في عام 1970 حظي بعين الرضا الامريكية. لم يكن يعني الامريكان او الاسد علاقات توحي بالارتماء بالحضن الامريكي لأن سر بقاء النظام تلك الممانعة التي استثمرها اربعين عاما.

كان من الضروري ان تبقى الولايات المتحدة الامريكية الحليف العضوي لإسرائيل في موقع التنديد المستمر من قبل النظام. العلاقة الوثيقة مع الاتحاد السوفياتي حينها، ثم روسيا الوريث الطبيعي لذلك الاتحاد لم يكن ليضر العلاقة الامريكية بنظام الاسد طالما ظل في حدود الخبرات العسكرية، وضمن مجال يمكن السيطرة عليه. هذه اللعبة لم تكن جديدة على العقل الغربي في تقاسم حلقات النفوذ ضمن معادلة المصالح وحدودها.

دخول قوات الاسد الى لبنان في عام 1976 اثناء الحرب الاهلية في لبنان جاء تحت المظلة الامريكية، وتسليم لبنان للأسد يعني إبقاء النفوذ الامريكي قويا في لبنان من خلال الوكيل - قوات وأجهزة النظام - ولم يكن تأسيس حزب الله في بداية الثمانينيات سوى حلقة تخدم نظام الاسد بحليف موثوق ومعبأ أيديولوجياً ومسلح يحل مكانه في لبنان ويحصل على مشروعية السلاح من خلال مقاومة محدودة لإسرائيل في جنوب لبنان..

وهو في ذات الوقت لملء الفراغ السوري بأجهزته وقواته ليمارس وظيفته الجديدة.. وهو ما حدث بعد رحيل قوات نظام الاسد بُعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وإذا كانت تلك العلاقة لا تعني التطابق التام بين المشروع الامريكي ونظام الأسد.. إلا ان السياق التاريخي الذي جرت فيه كل هذه الاحداث لايمكن تفسيره بعيدا عن تلك العلاقة السرية التي تضمن حليفا سريا وموزونا في سلم الصراع في المنطقة.

يأتي لاحقا الدور الامريكي الكبير في بناء التحالفات الجديدة في المنطقة. اقتلع الامريكان نظام صدام حسين لإحلال قيادة سياسية بنفس طائفي عززت امتداد تحالف النظام الايراني مع النظام السوري وصولا إلى حزب الله في لبنان.

ومن يعتقد ان الامريكان خسروا العراق بعد رحيلهم لا يدرك أبعاد تلك العلاقة التي جسدت حضور الطائفة السياسي لأول مرة في تاريخ العراق. والادارة الامريكية التي تبنت بعد احداث 11 سبتمبر 2001 اسقاط النظام العراقي استهدفت غرس بنية سلطوية طائفية ممتدة من طهران إلى بيروت ما يمكنها من إحلال تكوينات وتحالفات طائفية تشغل المنطقة، وقد تشعلها لتظل تعيش هاجس الحرب الباردة التي تستنزف قدراتها. وهذا بالتأكيد يضمن أمن إسرائيل، الهدف الكبير الذي لم تختلف حوله الادارات الامريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ورقة الضغط الايرانية لتمرير مشروعها النووي، لم تكن بعيدة عن اجندة مشروع امريكي يستهدف تقسيم القوى السياسية الحاكمة في المنطقة على أسس طائفية. كان المطلوب تقليص المساحة التي يتمدد فيها التكوين العربي الجامع لمختلف الطوائف على امتداد هذه المنطقة لصالح تحالفات طائفية تنشغل بالمخاوف من بعضها عوضا عن الانشغال بمصالحها او بمواجهة الالتهام المستمر لما تبقى من الاراضي المحتلة في فلسطين.

وعليه، فليس المطلوب إنقاذ سورية والثورة السورية وبناء نظام ديمقراطي لدولة سورية لكل مواطنيها وإيقاف حمام الدم الهادر.. المطلوب اليوم - اذا لم يكن من الممكن اعادة انتاج النظام من داخله - تدمير سورية دمارا شاملا، وارهاق الانسان السوري بآثار نزاعات ذات صبغة طائفية او يمكن توظيفها في هذا الاتجاه لسنوات طويلة قادمة. وفي كلتا الحالين فهذا الهدف يخدم اولا واخيرا اسرائيل التي تحمل أكبر القلق من التطورات في سورية، ولا يقض مضجعها أكثر من انعدام امكانية قراءة ما يحمل لها المستقبل من مفاجآت بعد رحيل نظام أمّن حدودها وتغاضى عن احتلالها.

الموقف الروسي يبدو انه ثمرة صراعات خفية على حجم المصالح والنفوذ أكبر منه موقفا مبدئيا لحماية النظام السوري. إنها ورقة ضمن اوراق يحركها الروس لتقاسم كعكة الغنائم في مرحلة تشكّل جديدة في المنطقة.

يبقى الموقف الاوروبي وبالتحديد الفرنسي، يوحي بأن ثمة صراعا أمريكيا - فرنسيا حول سورية، ويدرك الفرنسيون انهم عاجزون وحدهم عن تبني مشروع تدخل، ومباشرته فعليا في ظل التخبط أو التواطؤ الدولي تجاه الثورة السورية.

الرهان الوحيد المتبقي أمام أحرار سورية أن يواصل الجيش الحر وقوى المعارضة المسلحة الانهاك المتواصل للنظام حتى سقوطه.. وهذا مرتبط بدعم نوعي يجب تقديمه بكل الطرق والوسائل فالخصم عنيد وحلفاؤه يبذلون الكثير لإنقاذه. أما القوى الدولية والرأي العام الغربي فقد كشفت الثورة السورية عن أن الدم العربي أرخص - حتى لو سال أنهرا من حناجر الاطفال وقلوب الامهات - من أن يحرك إنسانيتهم ناهيك عن طائراتهم وأساطيلهم..

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لماذا مالي وليست سوريا ؟

أمل وعمل

إبراهيم محمد باداود

الإثنين 21/01/2013

المدينة

فجأة وبدون أي مقدمات وبدون اجتماعات مجلس الأمن أو قرارات للأمم المتحدة أو انعقاد جلسات للتصويت أو إرسال مندوبين من الأمم المتحدة وبدون سقوط آلاف الضحايا من أطفال ونساء وشيوخ وبدون نزوح للاجئين أو وجود أسلحة محرمة أو غيرها من الأعذار الواهية التي توجب وقوع هجوم من دولة على دولة أخرى ، هبت فرنسا بمقاتلاتها لتقصف مالي مشيراً رئيسها في تصريح له أن هذا التدخل هو لدحر الإرهاب في هذا الجزء من أفريقيا .

كما صرح قائلاً ( المحك بالنسبة الينا ليس في السيطرة على أرض أو زيادة نفوذنا أو البحث عن أي مصلحة تجارية او اقتصادية، لقد ولى هذا الزمن". وقال أيضا "في المقابل على بلادنا، لأنها فرنسا، أن تهب لمساعدة بلد صديق هو من بين الأفقر في العالم وضحية منذ أشهر عدة لكي لا نقول منذ سنوات لهذا الإرهاب الذي بات يأخذ اليوم أشكالاً أكثر خطورة".

هل يمكن أن نصدق مثل هذه التصاريح الإعلامية من دولة متقدمة ترى كل يوم سقوط الضحايا في سوريا منذ أكثر من عامين ولاتحرك ساكناً وتكتفي بالشجب والتنديد والاستنكاروإنتظار مبعوث وراء مبعوث أما عندما تم مس المصالح المباشرة فلم تنتظر أياً من هذه الأعذار بل تحركت وحدها لتقصف أراضي دولة أخرى بنفس الحجة المعتادة والتي أكل عليها الدهر وشرب وهي ( مكافحة الإرهاب ) .

هل يعني مما يحدث أن لكل دولة الحق أن تقصف دولة أخرى دون الرجوع إلى أي شرعية دولية بحجة مكافحة الإرهاب ، إننا نعيش في عصر غريب ، عصر تجيز كل دولة من الدول العظمى أن تضرب أي دولة أخرى لتحميها من الإرهاب وذلك كما حدث في العراق وأفغانستان ، أما الإرهاب الحقيقي الذي يحدث كل يوم في سوريا منذ أكثر من عامين فتنتظر تلك الدول أن تقر الشرعية الدولية ماتراه مناسباً اتجاهه !!.

لقد حرصت حكومة خادم الحرمين الشريفين على بذل كل ماتستطيع من اجل إغاثة الشعب السوري الحر الأبي وقدمت لهم المساعدات وجهزت القوافل المتعددة بالمؤن لنصرة هذا الشعب الذي يغمض العالم أجمع أعينه عما يحدث فيه ويفتحها فقط على الأماكن التي يرى فيها مصلحته ومنفعته .

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com