العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26/08/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

سيسقط.. دون منةٍ من أحد

تسمع مايقوله أحد الشباب في كلمة افتتاح الاجتماع فتزداد ثقةً بأن السوريين سيسقطون النظام الجائر، وأنهم سيسقطونه دون منةٍ من أحد

د. وائل مرزا

الثلاثاء 21/08/2012

المدينة

يُدرك السوريون أنهم بشر. يحلمون بأن يقف إلى جانبهم في مسيرتهم نحو الحرية إخوةٌ في الدين والعروبة والإنسانية. ولأنهم بشر، يجهرون بحلمهم ذاك بين آونةٍ وأخرى. لكنهم يجدون أنفسهم كمن يصرخ في صحراء مُقفرة.

لانريد التعميم بشكلٍ مُطلق في هذا المقام، فثمة من يُقدّم بعض المساعدة بصمتٍ وهدوء. لكنّ الوقائع والأحداث تُظهر يوماً بعد يوم أن سقوط النظام السوري بمعناه الحقيقي لن يحصل في النهاية إلا بأيدي السوريين وجهدهم الخاص.

طالب ثوار سوريا بالحظر الجوي، فقيل لهم أن هذا يحتاج لوجود مناطق مُحرّرة.

طلبوا دعمهم بالسلاح لإقامة تلك المناطق، فقيل لهم أن العالم يخاف من وقوع الأسلحة بأيدي (متطرفين).

كان هذا نوعاً من الحصار الذي يكفي لإيقاف مدّ الثورة، وهو أمرٌ تمنّاهُ الكثيرون.. لكن الثوار، ومن خلفهم شعبهم، حسموا أمرهم فحصلوا على الأسلحة وحرروا مناطق واسعة من البلاد، بشهادة رئيس الوزراء المنشقّ، واعتراف الناطقة باسم الخارجية الأمريكية.

هل يفهم النظام الدولي العتيد معنى أن يتمّ التحرير بأسلحة خفيفة في مواجهة جيشٍ يستخدم المدافع والدبابات والطائرات؟ هل يُدرك طبيعة الإنسان الذي يحقق ذلك الإنجاز ومايمكن له أن يقوم به في المستقبل؟ نشكّ في درجة الفهم والإدراك لهذه الظاهرة ودلالاتها، فالنظام المذكور لايزال مصراً على ممارسة كل أنواع المماطلة والتسويف والمراوغة، وعلى أن (يبيع) الشعبَ السوري الكلام، ولاشيء غير الكلام.

تكثر التفسيرات وتتعدد لفهم الموقف المذكور، ونعتقد أن ثمة أخطاء كبيرة في الحسابات لايتم الانتباه إليها فضلاً عن الاعتراف بها.. لكن المهم في الموضوع أن ذلك الموقف، بغضّ النظر عن تفسيره، يؤدي إلى نتيجةٍ عمليةٍ واحدة: على الثورة السورية أن تكمل المسيرة بنفسها إلى آخر الطريق، تماماً كما بدأته بنفسها منذ اللحظة الأولى.

وهو مايجري على أرض الواقع في الحقيقة. فرغم كل التحليلات التافهة عن وصول الثورة إلى حالة جمود، تتقلص مساحات نفوذ النظام السوري على الأرض وسيطرته على الناس بشكلٍ كبير. وهناك واقعٌ جديدٌ تظهر ملامحه تدريجياً على الأرض لاينحصر في ازدياد سيطرة الثوار والجيش الحر على الأرض، وإنما في ظهور مؤشراتٍ على قيام الشعب السوري باستلام زمام المبادرة في إدارة شؤونه في أكثر من مجال.

فبعد الانتخابات المحلية التي شهدتها مدينة كفرنبل، يجتمع في مدينة الباب في محافظة حلب منذ أيام شريحة من الشباب المثقف لمناقشة شؤون الثورة ومجموعة من القضايا المحلية المتعلقة بالتنمية والإدارة المحلية للمدينة في حضورأكثرمن 300 طالب من طلاب الجامعات والأساتذة والمثقفين من مجموعة سمّت نفسها (أسرة مثقفي مدينة الباب).تسمع مايقوله أحد الشباب في كلمة افتتاح الاجتماع فتزداد ثقةً بأن السوريين سيسقطون النظام الجائر، وأنهم سيسقطونه دون منةٍ من أحد.

«لقد اجتمعنا هنا لنعمل» يقول الشاب، ثم يكمل موضحاً: «سننسى شيئاً اسمه كلام وتنظير. نريد أن يكون عملنا ميدانياً جاداً ومنظماً. نحن جميعاً ثوارٌ واعون، خرجنا من رحم الثورة ونشكر هذه الثورة التي سمحت لنا بأن نجتمع بهذا الشكل ونناقش هذه القضايا. سنعمل يداً بيد ونكون أخوةً على هذا الدرب. نحن على هذه المنصة لسنا مسؤولين، ولاناطقين باسم هذا الجمع الكريم، وإنما نحن بمثابة لجنة تحضيرية مؤقتة، وأركز كثيراً على كلمة مؤقتة. لأننا نعمل على أن تكون هناك انتخابات بعد الاجتماع التحضيري القادم. فقد خرجنا من رحم الثورة مطالبين بالحرية والديمقراطية وسيكون عملنا منسجماً مع هذه القيم»، علماً أن كثيراً من الحضور أطباء ومهندسون، وأن اللجنة التحضيرية تعمل لهذا المشروع منذ شهرين.

وفي حلب نفسها تقوم مجموعة أخرى من الشباب بحملة لتنظيف شوارعها من الدمارالذي تخلفه قوات النظام، ويحصل هذا تحت الشعار التالي: «هذه البلد بلدنا وماهي لبيت الأسد:العصابات الإرهابية تسعى إلى أن تدمر كل شيء قبل رحيلها، وهي التي عملت خلال قرابة نصف قرن على توهين نفسية الأمة وإضعاف الشعور الوطني لكل السوريين، فجاءت الثورة لتنظّف قذارتهم في القلوب قبل أن تنظفها من الشوارع. الحفاظ على ممتلكات البلد، والحفاظ على نظافتها وسير الحياة فيها، وحماية الأملاك العامة والخاصة واجب على كل السوريين، وجزء من مواجهة المخطط الإرهابي لتدمير البلد والعودة بها إلى الخلف».

وتقوم مجموعة ثالثة من الشباب، أيضاً في حلب،بإنتاج مسلسل تلفزيوني بعنوان (هيك صار معنا)يتحدث عن واقع الثورة السورية وماتشهده من وقائع وأحداث.

وعلى وجه السرعة، يتم إنشاء جمعية (من أجل حلب) لتقوم فعلياً بتقديم المساعدات للهاربين من القصف،وجمع وإحصاء أسماء جميع المدارس التي لجأت إليها العائلات لتقديم الدعم الممكن لها.

ثمة معانٍ كبيرة تكمن في أن نرى هذه المشاريع تحديداً في حلب، وأن يتم إنجازها خلال الأسابيع الماضية،في أجواء القصف والحصار الذي يعيشه أهلها.

أما في دمشق، فتبادر مجموعةٌ شبابية إلى إنشاء إذاعة(وطن إف إم) التي تبث من قلب دمشق ناطقةً باسم الثورة السورية. ويُصرّ شبابٌ آخرون على استمرار مظاهر الحراك الثوري بأشكاله المتنوعة، فيقوم المتظاهرون من مجموعة (شباب دمشق لبناء الغد) منذ أسبوع برفع علم كبيرللاستقلال في مساكن برزة،مع أداء تحيةٍ للعلم ثم إلقاء منشورات تندد بوحشية النظام وتطالب بالحرية. ثم يخرج شباب المجموعة نفسها منذ يومين، في مكان غير بعيد عن بيت رأس النظام في حي المهاجرين، من جامع العفيف في مظاهرة تتحدّى الوجود الأمني المشدد،وتُلقى فيها المنشورات،مع كسر صورةٍ كبيرة موجودة في المنطقة لرأس النظام،كل هذا في ظل تكبيرات وهتافات تعانق السماء يطلقها الشباب وهم يقولون: «مافي عيد مافي عيد... لناخد تار الشهيد».

تستعصي الأمثلة على الإحصاء في هذا المقام، لكنها تدلُّ بقوةٍ ووضوح على وجود إرادةٍ تجاوزت النظام الدولي وممارساته الفجّة في نفاقها، تمضي نحو تحقيق أهدافها ومعالجة شؤونها ومراجعة أخطائها وتجميع صفوفها بنفسها، وصولاً إلى استقلالٍ كاملٍ جديد، ودون منةٍ قد تصبح سبباً لتشويه ذلك الاستقلال.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

عن دوامة العنف في سوريا!

أكرم البني

الشرق الاوسط

21-8-2012

ثمة جديد بدأ يسم الثورة السورية، حيث باتت قعقعة السلاح تعلو على أي صوت، وتواترت الهتافات المؤيدة للجيش الحر، كما صارت أخباره في الدفاع عن بعض المناطق تحتل الحيز الأكبر من الاهتمام الإعلامي.

أسباب هذا التحول متعددة ومتضافرة، وتتحمل السلطة الحاكمة المسؤولية الأولى والرئيسية، من خلال إصرارها على إنكار مطالب الناس وإظهارهم كأدوات تآمرية وطائفية يحل سحقهم واستمرارها في القمع العنيف والمعمم واستخدام أشنع الممارسات الاستفزازية لشحن الغرائز والانفعالات وردود الفعل الثأرية، والغرض إجبار الناس على تهميش الحقل السياسي والتخلي عن السلمية لصالح منطق القوة والغلبة، كي تسوغ لنفسها خيار العنف وتشرعن القهر والقمع بذريعة مواجهة الإرهاب وعصاباته المسلحة وبدعوى الحفاظ على الأمن وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم، وهو ما تقصدته حين زجت الجيش في المواجهة وورطت كتائبه في قمع المحتجين، مما أضاع فرصة الرهان على دور حيادي له، ومهد الطريق لنشوء الجيش السوري الحر كإطار جديد يضم الضباط والجنود المنشقين أو الفارين الذين وقفوا مع الحراك الشعبي ورفضوا إطلاق الرصاص على أهلهم.

نعم، لقد تراجع النهج السلمي للثورة تحت وطأة الخسائر الفادحة التي تكبدها الناس، من دون أن يقطفوا ثمارا مستحقة أو نتائج ذات مغذى لقاء رهانهم على هذا النهج، ولكن إضافة إلى مسؤولية النظام ثمة عوامل عديدة شجعت اللجوء إلى السلاح من أهمها:

أولا، عدم حصول تحول حاسم لقطاعات مهمة من المجتمع لا تزال خائفة ومترددة لأسباب عديدة ومحجمة عن الانخراط في عملية التغيير وتستسلم لتشويش ومبالغات في قراءة أحوال الثورة ومآلاتها، عززها تأخر مشاركة بعض المناطق جراء تفاوت المعاناة وتباين الاستعداد لكسر جدار الخوف، زاد الطين بلة تنامي مخاوف بعض الأقليات من فوز الإسلاميين بعد تجربتي تونس ومصر، وتحسبها من مظاهر التضييق والتنميط المرافقة لهذا النوع من الحكومات، التي تحاول عادة فرض أسلوب حياتها وثقافتها على المجتمع، وتهدد هوية هذه الأقليات وحقوقها وطرق عيشها!

ثانيا، واقع المعارضة السورية التي لم تستطع كسب ثقة الناس وطمأنة الرأي العام، ولا تزال ضعيفة التأثير على الحراك الشعبي ومقصرة في إبداع أشكال وخطط من النضال السلمي كفيلة بتبديل المشهد والتوازنات القائمة، وهي ثغرة كبيرة في ثورة كالثورة السورية، جاءت مفاجئة وعفوية، ونهضت من دون قوى سياسية تقودها، وطبعا لم يشف الغليل السلمي للثائرين النجاح الجزئي لخطة الإضراب العام ثم إضراب التجار في مدينتي دمشق وحلب والذي يفترض البناء عليه لإيصاله إلى عصيان مدني شامل.

ثالثا، فشل الرهان على دور النضال السلمي في استجرار دعم خارجي عربي أو أممي قادر على التدخل لوقف العنف والقمع المعمم وفرض مسارات سياسية لمعالجة الأوضاع المتفاقمة، ولا يغير هذه الحقيقة بل يؤكدها فشل المبادرة العربية وخطة كوفي أنان، وعجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرار لحماية المدنيين السوريين بسبب تكرار «الفيتو» الروسي - الصيني، فضلا عن النتائج الهزيلة التي توصلت إليها مؤتمرات أصدقاء الشعب السوري، مما أفقد المحتجين صبرهم وهز ثقتهم بجدوى البحث عن داعم لهم، ومع عدم جدوى المناشدات لحماية المدنيين وفرض حظر جوي أو منطقة آمنة، صارت الإشادة بالجيش الحر تتواتر ويتواتر معها الحرج الأخلاقي والصمت الحزين في نقد دعوات الرد على العنف الأعمى والمفرط بعنف مضاد.

والحال، إذ يعي الجميع خطورة دوامة العنف وأنها ببساطة الذهاب نحو إخضاع المجتمع لقواعد لعبة مدمرة، فهم يدركون بلا شك أن اللجوء إلى السلاح يعني تنحية الحقل السياسي وبدء إخلاء الميدان لصالح منطق القوة العارية على حساب دور الناس، وهو ما تكرسه حالات النزوح الجماعي التي تصل كل يوم إلى عشرات الألوف من المناطق الساخنة تاركين أحياءهم وبيوتهم وممتلكاتهم كساحات للصراع وجبهات للحسم العسكري!

إذا كانت أهم نتائج الثورة السورية هي إعادة المجتمع إلى السياسة بعد غياب دام أكثر من أربعة عقود، فإن الصورة التي يكرسها العنف حين يغطي المشهد تهدد هذا التحول النوعي وتعجل بإعادة الأمور إلى المربع الأول. والمعنى أنه مقابل حضور طرائق القوة يفترض من جانب الثورة أن تحافظ على أهمية السياسة وعلى تمكين الحضور الشعبي ودوره المقرر، مما يتطلب الحفاظ على استمرار المظاهرات والاحتجاجات وتوسيعها وتمكين شعارات الثورة في الحرية والكرامة، بما يعني النأي عن الشعارات الفئوية والإسلامية المتطرفة، وخلق نمط من التعايش الصحي بين مكونات المجتمع في المناطق التي تراجعت فيها سيطرة السلطة، والأهم الحد الحازم من التجاوزات والخروقات التي يمكن أن تنشأ في ظل غياب دور الدولة ومؤسساتها الرادعة، والغرض كسب فئات متعاطفة مع الثورة لا تزال سلبية ومترددة، تخيفها لغة السلاح ويصعب كسبها من دون إظهار صورة إيجابية لثورة تستمد على النقيض من الماضي شرعيتها ليس من منطق القوة والإرهاب بل من ممارسات حضارية تنسجم مع شعارات الحرية والكرامة والديمقراطية التي تتبناها، وهنا يقع على عاتق المعارضة السياسية دور كبير من خلال تعزيز دورها في المناطق الساخنة وبذل جهد ضوري لإظهار الوجه السياسي للثورة وطموحها في بناء دولة المواطنة المتساوية، لحفز المشاركة في إنجاز المرحلة الانتقالية بأقل الآلام.

والحال، ينهض السؤال: هل لا يزال ثمة رهان على دور خارجي يوقف دوامة العنف ويضع الحالة السورية على سكة حل سياسي، أم لا بد ذاتيا من اجتراح الروح السلمية للثورة من أتون العنف وأصوات الرصاص والمدافع، والارتقاء باستعداد المعارضة السياسية لتحمل المسؤولية في تمكين الاحتجاجات الشعبية، وفي بلورة خطاب واضح حول الأفق الديمقراطي للتغيير يساهم في طمأنة جميع مكونات المجتمع ويسرع انتشار الثورة في صفوفها، مما يعزز ثقة الناس بوحدتهم وبجدوى نضالاتهم السلمية وبقدرتهم على نقلها إلى أطوار مدنية جديدة تحقق لهم أهدافهم وتبعدهم عن مخاطر سيادة لغة العنف والإكراه؟!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

داعمو بشّار

الثلاثاء ٢١ أغسطس ٢٠١٢

حازم صاغية

الحياة

إذا عدّدنا القوى والمرتكزات، الداخليّة والخارجيّة، التي تدعم النظام السوريّ، وجدنا أنّها تصطفّ في خانتين عريضتين: الانتساب على نحو أو آخر إلى «التحرّر الوطنيّ» وزمنه، كائناً ما كان معنى التعبير هذا، والصدور عن الخوف.

ففي «التحرّر الوطنيّ» وُلدت ونمت العلاقة العربيّة بروسيا (السوفياتيّة آنذاك) وبالصين. وعلى رغم أنّ روسيا تخلّت عن شيوعيّتها، والصين عن عالمثالثيّتها، بقيت العلاقة بهما تندرج في سياق التكتّل ضدّ «الغرب» والولايات المتّحدة أو «القطب الأوحد».

ثمّ في «العداء للإمبرياليّة»، وهو فرع من فروع «التحرّر الوطنيّ»، وُلدت ونمت العلاقة بإيران الخمينيّة منذ نشأتها في 1979. وهذا، بالمناسبة، لا يعود إلى «فارسيّة» إيران بقدر ما يعود إلى انقلابها على «فارسيّتها». لكنْ أيضاً تحت قشرة «التحرّر الوطنيّ» ولفظيّته، وُلدت ونمت العلاقة بـ»فصائل» من طينة «الجبهة الشعبيّة - القيادة العامّة» الفلسطينيّة لأحمد جبريل وما يشاكلها من فرق لبنانيّة «قوميّة وإسلاميّة»، ثمّ بـ «حزب الله» اللبنانيّ في العصر الذي صارت فيه إيران، بدلاً من الاتّحاد السوفياتيّ، فصيل الصدام المتقدّم مع «الغرب». وهذه جميعاً تقدّم خدمات متفاوتة الأهميّة، في سوريّة ولبنان وبين الفلسطينيّين، للنظام الأسديّ.

ولا نبالغ إذا قلنا إنّ الجيش السوريّ وأجهزة الأمن، وهي الركيزة الداخليّة الأولى والمباشرة لبقاء النظام، من تركة «التحرّر الوطنيّ» إيّاه. فالجيش، في كونه «جيشاً عقائديّاً»، كما في تضخّمه العدديّ، وكذلك الأجهزةُ الكثيرة في إحكامها السيطرة على المجتمع وصبغه بصبغتها، هي من معالم زمن «التحرّر الوطنيّ» وثقافته ونظرة قواه إلى الحكم والسلطة. وحتّى الأمس القريب كان الحزب الواحد ومنظّماته، وهو هنا حزب البعث، ركيزة للسلطة وثيقة الصلة بـ «التحرّر الوطنيّ» وشعاراته المعلنة.

بيد أنّ الجيش تحديداً يقع أيضاً في الخانة الثانية، خانة الخوف بوصفه مصدراً في دعم النظام الأسديّ. فلم يعد سرّاً أنّ هذا الجيش إنّما يتماسك بالخوف الذي يضعه في موضع التضادّ مع أهله ومع تركيبته نفسها. والخانة إيّاها تضمّ أيضاً الأقليّات الدينيّة والمذهبيّة، والحسّ الأقلّيّ تالياً. وهنا، كذلك، تُحمل الأقليّات على الوقوف في مواجهة مع مجتمعها الأعرض، بل أيضاً مع الجوهر الديموقراطيّ والمساواتيّ للوعي الأقلّيّ ذاته.

لكنّ المفارقة في هذه الحال أنّ المسألة الأقلّيّة لم تتفاقم كما تفاقمت في ظلّ «التحرّر الوطنيّ» وقواه المستبدّة والصاهرة للمجتمع بما يذيب كلّ خصوصيّة. وانعقاد التحالف الراهن بين المخيف والخائف فيه الكثير من الكذب ومن تزوير الوعي طبعاً، لكنّ فيه أيضاً أنّ زمن «التحرّر الوطنيّ» وغيره من الشعارات الفضفاضة إنّما تحلّل في عصبيّات أهليّة، دينيّة وطائفيّة وإثنيّة. ومن معالم ذاك التحلّل أنّ النظام المدعوم هو نفسه تحوّل استطالةً لعصابة عائليّة وطائفيّة بطّاشة.

هكذا بات من الجائز القول إنّ الرواسب التاريخيّة، وقد بلغ بها التحلّل مبلغاً، هي التي تسند نظاماً منهاراً متداعياً، على نطاق يمتدّ من مجلس الأمن إلى القنص المتنقّل في الأحياء والحارات. وهو ما يستدعي، في مواجهته، وعياً متحرّراً من ذاك الماضي الكئيب، على رقعة تمتدّ، هي الأخرى، من مجلس الأمن إلى الأحياء والحارات ذاتها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

روسيا.. وحيلة التعويل على الأمم المتحدة

2012-08-21 12:00 AM

الوطن السعودية

يحذر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، من التدخل العسكري لإنهاء الوضع في سورية، إلا عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والسبب يعرفه الجميع بالطبع، وهو حق النقض الذي تتمتع به روسيا، مما يعني استحالة التدخل العسكري، ولو صوت المجتمع الدولي بأكمله لهذا الحل العسكري من أجل إنقاذ الشعب السوري، فإن روسيا لن تقبل. وفي ذات الوقت يصرح أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية التركي أنه "في حال زيادة عدد اللاجئين إلى 100 ألف، فإننا لن نكون قادرين على إيوائهم في تركيا". ويطلب الوزير التركي من الأمم المتحدة إنشاء مخيمات للاجئين داخل الحدود السورية، لمواجهة تزايد أعداد السوريين الذين يفرون من جحيم القتل والتشريد، من بداية الثورة السورية قبل أكثر من 18 شهرا.

لا أحد يستطيع تحميل تركيا أكثر من طاقتها، وأن تكون مسؤولية معالجة أوضاع النازحين من العائلات السورية على عاتقها وحدها، فالمجتمع الدولي يتحمل تبعاته أيضا فيما يخص اللاجئين السوريين، وها نحن نرى أن الجميع يرمي الكرة في ملعب الأمم المتحدة، والتي يظهر فشلها واضحا في معالجة الأزمة التي يمر بها الشعب السوري، فما الذي خرج به السوريون من مهمة كوفي عنان التي انتهت قبل فترة وجيزة؟ وما الذي خرجوا به من بعثة المراقبين الذين غادروا سورية أمس، مثلما أتوها قبل أشهر وهي تسيل أنهارا من الدماء، وتئن تحت وطأة النظام الوحشي، الذي لا تفرق رصاصاته وأسلحته البيضاء بين أطفال ونساء وشيوخ وشباب؟

إصرار روسيا عن عدم التخلي عن نظام الأسد، يأتي للمكاسب التي تحققها كل يوم بسبب ضعف المجتمع الدولي، الذي يبدو أن أقطابه تتعدد، على اعتبار أن الصين أيضا تبدو وكأنها أوكلت إلى روسيا وإيران مهمة الدفاع اللوجستي عن نظام الأسد، إضافة إلى إمداده بالمال والعتاد.

إن كلا من روسيا وإيران والصين، تريد حبس الملف السوري في الأمم المتحدة، وتداوله ما بين جلسة وأخرى، وإرسال مبعوثين أمميين في كل حين، فالأمور لن تتغير ما لم يعالج المعسكر الغربي هذه الأزمة بطريقته المعروفة، كما استطاع حلها في البلقان.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لا نحتاج دروساً جديدة من السويد!!

يوسف الكويليت

الرياض

21-8-2012

بعد ألمانيا التي أجازت إحدى محاكمها إعادة نشر الصور المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، جاءت السويد لتعطي دروساً في نظم الحكومات وتعريض المملكة لحملة مرتبة سلفاً وبروح عرقية تماثل بروز النازيين الجدد في ألمانيا، ولا نعرف الغاية من هذا الهجوم بينما لم تتعرض لأي نقد أو هجوم من قبل المملكة، والسويد رغم تمتعها بنظام ديموقراطي وازدهار اقتصادي، لا نجد لها مواقف مؤثرة في أزمات منطقتنا، أو نقد ممارسات إسرائيل التي لا تجرؤ أي جهة أوروبية على توجيه أي لوم على ممارساتها. والمحير في هذه الأمور أن كل بلد أوروبي يريد أن يكون النموذج السياسي والاجتماعي لغيره دون مراعاة للفروق الدينية والتقاليد والأعراف، وحتى البيئة التي شكلت تلك المجتمعات، والتي لا يمكن أن تتطابق مع الغرب الذي يبيح الزواج بين الجنس الواحد ذكر مع ذكر، وأنثى مع أنثى، وهو الذي لا نجده جائزاً في مملكة الحيوان، ونحن هنا لا نركز على النموذج السلبي بالغرب، فله انجازات عظمى لا يمكن التغافل عن تأثيرها في الحضارة الكونية الراهنة..

السويد لم تقفز على التاريخ، وتتجاوز حياتها البدائية بين يوم وليلة، فقد مرت بعصر همجي، فديني، فديموقراطي، ولم تتعرض لما حدث في المنطقة العربية من مآسٍ وحروب استهدفتها باعتبارها مركز الديانات ومنبت الحضارات القديمة، وهي الآن تمر برحلة التطوير والتقدم، ونذكر السويديين أن ما تقدمه المملكة للعالم الفقير من معونات مادية وغذائية ودعم للتعليم، والقضاء على الأوبئة وغيرها، يفوق ما تقدمه السويد البلد الأغنى في أوروبا، وهي التي ظلت بعيدة عن أي عطاء واضح، ولا نرى لها دوراً يؤكد حجمها في التأثير في مسار السياسة العالمية، أو انجازات تساوي ما تقوم به وتقدمه كوريا الجنوبية مثلاً..

الدبلوماسية الواقعية تدار على مفهوم المصالح، لا الدخول في شؤون الغير ونحن والسويد لدينا علاقات وصلات اقتصادية ودبلوماسية، ومراعاة هذه المصالح لابد أن تقوم على الاحترام المتبادل، لأن لكل بلد كرامته، وإذا كنا بدأنا ولم ننته في عدم الدخول باشكالات الدول وشؤونها، فمن باب اللياقة السياسية أن نبقي العلاقة قائمة على قيم ثابتة..

وإذا كانت دساتير الغرب تعطي الحرية في كل شيء، فهذا شأن يخصها، لكن لا تتحول هذه الحرية إلى إهانة لموروثنا الديني والثقافي والأخلاقي، وإلا أصبحت هذه الحرية قانوناً يفرض على الآخر، والسويد جزء من عالم كبير له قوانينه التي لا يرضى أن يتدخل بها أحد..

نحن نحترم شعب السويد، ولا نراه عدواً، ونجد فيه نموذجاً راقياً، ونرحب بالخلاف وفق أسس موضوعية، أسوة بعلاقاتنا مع الدول الأخرى التي بقيت محوراً للحوار والتفاهم، ولا نجد مصلحة لأي طرف للهجوم غير المبرر على بلد يملك قراره وحريته، ولا يحتاج إلى دروس أو عظات من أحد، والحكم على رضاك وغضبك من أي نظام لا يعطي لأحد حق الاتهام مهما كانت الأسباب..

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأخضر الإبراهيمي : الابتداء من نهايات أنان

وليد جداع

الحركة الدستورية السورية

20/8/2012

يربط السوريين بالجزائريين شعبيا ، رباط وثيق من المحبة التاريخية. ورفات الأمير عبد القادر الجزائري التي بقيت فترة طويلة في دمشق ليست سوى شاهد واحد على ذلك. والجزائريون يعرفون جيدا كم كانت القضية الجزائرية حية في الوجدان السوري...إن النشيد الوطني الجزائري كان يحفظ في المدارس الابتدائية السورية كما النشيد الوطني السوري تماما...نعني أن السيد الإبراهيمي قريب جدا عاطفيا من الشعب السوري أو هكذا يفترض، وهو لابد يعرف التفصيلات العاطفية والثقافية والدينية والسياسية السورية، أفضل بكثير مما يعرفه الوسيط السابق السيد أنان... وهذه الخلفية المعرفية بالإضافة إلى الخبرات المتراكمة في المنطقة العربية، تعطي السيد الإبراهيمي ميزات عدة ، تجعل مهمته أقل صعوبة....

ومع ذلك فإن تحليلا دقيقا لمهمة السيد أنان منذ بدايتها إلى إعلان استقالته ، يشير إلى ملاحظات أهمها، أن على السيد الإبراهيمي لكي يحظى بقدر معقول من النجاح أن يبدأ من حيث انتهى السيد أنان وليس من بدايات جديدة.

إن أبرز ما انتهى إليه السيد أنان كما في مقالته الأخيرة التي لخص بها مهمته في دمشق، هو أن على بشار الأسد أن يرحل عن السلطة في سورية رحيلا نهائيا...وهذا ما ذهب إليه الجنرال مود رئيس فريق المراقبين الدوليين أيضا، بعيد مغادرته دمشق. هذا الشرط اللازم وليس الكافي هو عنوان المرحلة القادمة في تحرك السيد الإبراهيمي. إن مجرد تفكير السيد الإبراهيمي في أنه يستطيع إنجاز مبادرة ما أو اختراق، دون أن يضع هذا الهدف نصب عينيه، يعني الإخفاق الفوري لمهمته. لا بد من رحيل الأسد عن سورية أولا، ليمكن للشعب السوري أن يثق بأن هناك خطوات فعلية قد تجعل سورية على الطريق الصحيح.

وثاني هذه الحقائق، أن وجود تدخلات إقليمية أو دولية، كبيرة أم صغيرة، ظاهرة أو خفية، إيجابية لصالح الشعب السوري أو سلبية مناهضة، لا تغير من واقع أن الشعب السوري هو المحرك الأول للأحداث ، وأن كفاح الشعب السوري وتضحياته التي بذلها وما يزال، تحجم وستحجم أي تدخلات سلبية على وجه الخصوص. إن الشعب السوري الذي أمضى عقودا عديدة تحت حكم آل الأسد والبعث، مخنوقا مهانا محروما من أبسط حقوقه، يخوض اليوم معركة انعتاق كبرى قد لا يضاهيها إلا معركته من أجل الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي. وعلى السيد الإبراهيمي أن يرى جيدا وأن يتأمل كثيرا ، كم هذا الشعب السوري عظيم وحر ومقاوم ، وكم أن هذا الشعب مستعد للمضي في درب الشهادة والكفاح حتى تحقيق أهدافه في الحرية والكرامة ولن تثنيه عن تحقيق هذه الأهداف التدخلات الدولية والمساومات ..

نريد أن نقول إن على السيد الإبراهيمي إذا أراد لمهمته النجاح، أن يضع نصب عينيه مساعدة الشعب السوري في محنته هذه وملحمته الكبرى هذه ، للوصول إلى أهدافه المشروعة . وأن يقول للآخرين بالفم الملآن إن الشعب السوري هو الذي ينبغي أن يقرر مصيره بنفسه، وإن تدخلاتهم مهما كبرت أو تفاقمت، لن تغير من الحقيقة شيئا: إن هذا الشعب العظيم قرر أن ينال حريته كاملة غير منقوصة، مهما كانت التضحيات. وإن الاخرين إذا أرادوا لهم مستقبلا في سورية، فإن الطريق واحدة : الوقوقف إلى جانب الشعب السوري ظاهرا وباطنا!

والسيد الإبراهيمي يستطيع-ثالثا- أن يقول لطغاة دمشق إن حبل المشنقة يلتف حول أعناقكم أكثر فأكثر، وإن رهانكم على إيران وروسية وحزب الله وما خفي من مؤامرات على الشعب السوري، لن يصمد أمام قوة هذا الشعب وإرادته. وإنه من مصلحتهم اليوم قبل الغد أن يبادروا إلى تسويات ما ، تسهل الحل على الجميع. وكخطوة أولى ، فإن على طغاة دمشق، أن يلتزموا بالتنفيذ الفوري للمبادئ الستة لخطة عنان رغم إخفاقها السابق، دون تأخير أو تحايل أو مؤامرات. إن على السيد الإبراهيمي مطالبة طغاة دمشق بخطوة أولى ليثبتوا حسن نيتهم تجاهه، هي وقف الغارات الجوية الجهنمية على الشعب السوري، وسحب الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من أرجاء سورية كافة وحفظها في ثكناتها فقط. وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين دون قيد أو شرط، وتمكين الناس من العودة إلى بلدها دون أدنى مضايقة.. بعدئذ يمكن للسيد الإبراهيمي أن يتقدم خطوات للأمام . إنه ما لم تتوقف آلة الإجرام الدموية عن قتل الشعب السوري، وتسحب الأسلحة كلها بشكل كامل من المدن والبلدات والقرى وتعود إلى ثكناتها فلا أمل بخطوة تالية إلى الأمام. إن تنفيذا كاملا حقيقيا ، دون أكاذيب أو خيانات ، لشروط أنان ، هو المدخل الأول لأي حل مستقبلي.

لا نقول كما قال بعض الفضلاء إن السيد الإبراهيمي سيتحمل وزر القيام بمهمة قذرة، ولا نقول إن مهمته محكوم عليها بالإخفاق، كما قال كثير من المحللين الذين لا يثقون أبدا بطغاة دمشق-على حق- ... نحن نقول إن السيد الإبراهيمي سينجح إذا كان إنقاذ سورية من الطغيان والقمع، وتحرير شعبها من الدكتاتورية والعسف، هو الهدف الأسمى الذي سيستبطنه في كل خطوة ودرب.

نحن لا نصدق أبدا أن يقبل السيد الإبراهيمي أن يكون ألعوبة في يد النافذين الدوليين، يمررون بها مخططاتهم، أو يختبؤن وراءها ليسوغوا عجزهم وخذلانهم للشعب السوري المنكوب. لا نعتقد أبدا أن السيد الإبراهيمي سيمرر الوقت تلو الوقت، والفرصة تلو الفرصة، معطيا طغاة دمشق فرصا أكثر للقتل. إنه إن فعل ذلك فلن يغير من واقع المعركة الكبرى للشعب السوري أبدا. ولكنه سيفقد احترام الشعب السوري واحترام أمم الأرض التي لا نقبل أن يترك شعب حي تحت رحمة القنابل والقذائف والحمم، دونما اكتراث أو خجل.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

إيجاد حل عالمي للأزمة السورية

المصدر: صحيفة "موسكو تايمز" الروسية

التاريخ: 17 أغسطس 2012

البيان

يتعزز، يوماً بعد يوم، الشعور بأن نظام الرئيس السوري بشار الأسد يقترب من نقطة حرجة. وقد تخلى كوفي أنان، المبعوث الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، عن جهوده لتنفيذ خطة سداسية النقاط متفق عليها دولياً لإنهاء العنف. والآن، يتعين على المجتمع الدولي أن يفكر بجدية بطريقة للحد من المخاطر الكامنة في الاضطراب السوري الداخلي.

وتسبب عدم التوصل إلى اتفاق في مجلس الأمن الدولي في إطالة أمد الصراع، وساهم في تغيير طبيعته. فما بدأ في هيئة انتفاضة شعبية مستوحاة من مطالب الربيع العربي اكتسب طابعاً مذهبياً ومتطرفاً على نحو متزايد. وهذا يعكس فقدان الأمل في الدعم الدولي، ويزيد أيضاً من صعوبة التوصل إلى حل عن طريق التفاوض. وبشكل خاص، فإن هناك الخطر المتمثل في انتقام الأغلبية السنية من الأقلية العلوية، التي تشكل 12% فقط من الشعب السوري، ولكنها تسيطر على الحكومة والاقتصاد والجيش. والآن، يعتقد العلويون، الذين لم يتجاوزوا وضعية مواطنة الدرجة الثانية إلا عندما تولى حزب البعث، الذي تزعمه حافظ الأسد، مقاليد السلطة في عام 1963، أن بقاءهم يرتبط ببقاء النظام.

وما لم تأخذ المعارضة السورية مخاوف العلويين على محمل الجد، فقد تنهار البلاد من جراء سنوات من حرب أهلية تزيد سوءاً عن الصراع الذي دمر لبنان في الفترة ما بين عامي 1975 و1990.

والعواقب الإقليمية باتت محسوسة بالفعل. فالقتال بين الثوار والقوات الحكومية آخذ في الانتشار، وتدفق اللاجئين الناجم عن ذلك إلى تركيا والأردن ولبنان يهدد بإدخال هذه البلدان في الصراع.

وتقلق تركيا أيضاً بشأن انعكاسات الصراع المحتملة على سكانها من الأكراد، الذين تعاود التطلعات إلى الاستقلال الظهور بينهم من جديد، وعلى علاقاتها بالأكراد في العراق وسوريا، المنسوجة في توازن معقد.

ويرى الأردن، من جانبه، أن تزايد أعداد الثوار السوريين الداخلين أراضيه يشكل تهديداً للأمن القومي، فيما يحيي وصول ألوف اللاجئين السوريين إلى لبنان نزاعات طائفية قديمة في طرابلس بين العلويين، الذين يدعم معظمهم الرئيس السوري بشار الأسد، والسنة، الذين يتعاطفون مع المعارضة إلى حد كبير.

ويمكن للمواجهة والفوضى أن تصلا بسهولة إلى العراق أيضاً، حيث ينعش احتمال سقوط النظام السوري، فيما يبدو، المقاومة السنية لحكومة بغداد الشيعية في الغالب.

ومن أجل التوصل إلى اتفاق، فإنه من الضروري أن تتخذ تركيا ودول الخليج وجامعة الدول العربية موقفاً مشتركاً. فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تُكسب تلك الدول تأييد قطاعات المعارضة السورية المختلفة، التي تشتبه في النوايا الكامنة وراء الدعم أحادي الجانب، وتقرب مواقفها من مواقف الأقليات السورية. وهذا من شأنه أن يعزز الضغط من أجل الحصول على دعم من جانب مجلس الأمن الدولي، ويحرك عملية تقود إلى سياسة تحول في سوريا. وفي حين أن التوصل إلى اتفاق على سيناريو ما بعد الأسد لن يكون بالأمر السهل، فإنه ليس هناك من بديل واعد بشكل أكبر بالنسبة لسوريا والمنطقة بأسرها.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

مجلس حقوق الإنسان غير قابل للإصلاح

جويل برينكلي

التاريخ: 17 أغسطس 2012

البيان

ربما يجدر بكم الجلوس قبل أن تقرأوا التالي.. لقد رشحت سوريا نفسها لعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة، ومن المرجح أنها ستفوز بمقعد فيه. نعم، سوريا، الدولة التي ذبحت نحو 15000 من أبناء شعبها على مدى الشهور ال 16 الماضية، بمن فيهم المئات من النساء والأطفال. تسعى لشغل مقعد في الهيئة التابعة للأمم المتحدة التي تتمثل مهمتها في الدفاع عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. وقد صادف أن عثرت الولايات المتحدة على اسم سوريا في قائمة المرشحين. وعلى الرغم من أن الانتخابات لن تجري حتى العام المقبل، فقد عمد الوفد الأميركي، على نحو مفهوم، إلى دق ناقوس الخطر الآن، قائلا: "إن ترشيح الحكومة السورية الحالية المعلن عنه" لمجلس حقوق الإنسان "لا يستوفي معايير العضوية"، كما هو مبين في وثائق المجلس التأسيسية. وتحظر تلك الوثائق العضوية على أي دولة "ترتكب انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان".

ولكن في ظل نظام الأمم المتحدة، تقدم المناطق قوائم ثابتة من الدول المرشحة "وراء أبواب مغلقة"، وهو ما أخبرني به هليل نوير، مدير منظمة مراقبة الأمم المتحدة، وهي منظمة غير حكومية، مضيفاً: "يتم انتخاب هذه الدول جميعها." وهذا يعني أن سوريا، أسوأ منتهكة لحقوق الإنسان على مستوى العالم في الوقت الحالي، "متأكدة من فوزها عمليا".

وإذا كنتم تريدون معرفة ما يعنيه ذلك، فألقوا نظرة على الخطاب الذي ألقاه السفير السوري فيصل خباز الحموي أمام المجلس في الثاني من يوليو. فهو لم يقل شيئا عن مهازل الإبادة الجماعية التي تشهدها بلده، ولكنه، بدلا من ذلك، أدلى بخطاب انفعالي حول اقتلاع إسرائيل لأشجار مرتفعات الجولان التي تحتلها، والتي تم الاستيلاء عليها خلال حرب عام 1967.

ومع الأسف، فإن الممثلين غير الملائمين غالبا ما يجدون طريقهم إلى مجلس حقوق الإنسان. فها هي كوبا والصين وأنغولا ونيجيريا تجلس هناك الآن. وفي الماضي القريب، كان كل من باكستان وليبيا عضوين في المجلس. ولكن أيا من تلك الدول لا تتصرف مثل بول بوت مبتدئ. وحتى الشعب الكوري الشمالي، الذي يعتبر ثاني أكثر شعوب العالم تعرضا للإساءة الآن، يعاني إلى حد كبير من إهمال الحكومة، لا من المجازر الفعلية.

وهنا تكمن مشكلة استخدام الأمم المتحدة لمعالجة مشكلات حقوق الإنسان. فكل دولة في العالم، وإن كانت أكثر الدول استحقاقا للشجب، تعتبر عضوا متكافئا. ويعتبر ميثاق الأمم المتحدة، الذي تم توقيعه قبل 67 عاما، "الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية، بكرامة الشخص البشري وقيمته" و"بالمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء، وبين الدول كبيرها وصغيرها" مبدأ عالميا.

ومع ذلك، فإن الدول التي تتجاهل تلك المثل العليا تحظى بأصوات متكافئة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي حقيقة الأمر، فإن اثنتين من تلك الدول، وهما الصين وروسيا، تجلسان في مجلس الأمن. وعلى مجلس حقوق الإنسان، يسيطر الممثلون السيئون غالبا. وليس هناك من مثال أفضل من التصويت الذي أقيم أخيرا لإقرار النظر في مشروع إعلان يدعى "الحق في السلام."

السلام. ألا يبدو ذلك لطيفا؟ ويضم شق كبير من تلك الوثيقة لغة منمقة جديرة بالثناء، قلة من قد يعترضون عليها - باستثناء الحكومات نفسها التي أقرتها، بما في ذلك السودان وبيلاروسيا والصين وسريلانكا وكوريا الشمالية، وبطبيعة الحال، سوريا. هل يسعكم تخيل أيا من تلك الدول تلتزم بهذا المبدأ على وجه التحديد الذي أقرته: "يتعين على جميع الدول تعزيز احترام المبادئ الواردة في الميثاق، وتعزيز جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية"، بما في ذلك "حق الشعوب في تقرير المصير ".

في الواقع، فإن المؤلفين يأملون، فيما يبدو، أن تلهيكم هذه الثرثرة الفارغة لكي لا تلاحظوا في الصفحة السادسة أنهم يريدون أيضا للأمم المتحدة أن تؤيد فكرة أن "جميع الشعوب والأفراد لهم الحق في مقاومة ومعارضة الاحتلال الأجنبي الاستعماري القمعي". ويرى نوير من منظمة مراقبة الامم المتحدة أن ذلك يعني أن المؤلفين يريدون من الأمم المتحدة أن تضفي الشرعية على "المصطلحات المستخدمة من قبل المتطرفين."

وفي السادس من يوليو، مررت اللجنة مشروع القرار، وأرسلته لمزيد من الدراسة، ب34 صوتا مقابل صوت واحد. وامتنع ما يقرب من عشر دول غربية عن التصويت. فيما صوتت الولايات المتحدة وحدها بـ"لا"، وأصدرت توضيحا يقول: "ليس التصويت ضد هذا القرار تصويتا ضد السلام، وإنما هو تصويت ضد استمرار ممارسة محفوفة بالانقسامات لا تقدم أية مساهمة حقيقية للسلام على أرض الواقع." وفي الحقيقة، مع 34 صوتا مقابل صوت واحد، فإن هناك احتمالا كبيرا لأن يسن هذا الاقتراح في نهاية المطاف، مثبتا أن مجلس حقوق الإنسان ليس إلا مهزلة، وسيظل كذلك دائما. وفي مستهل فترتها الرئاسية، عينت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عضوا للمرة الأولى منذ سنوات عديدة، على أمل أن يحدث الوجود الأميركي تأثيرا معتدلا.

ومن الواضح أن ذلك لم يجد نفعا. فالمجلس غير قابل للإصلاح. وقد حان الوقت لأن تنسحب الولايات المتحدة، وتولي المجلس الاهتمام الذي يستحقه: لا شيء من الاهتمام على الإطلاق.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

قراءة واقعية في الأزمة السورية

تاريخ النشر: الجمعة 17 أغسطس 2012

د. عادل الصفتي

الاتحاد

في الوقت الذي تنزلق فيه سوريا نحو فوضى العنف المنفلت، أبلغ مؤخراً المبعوث الدولي والأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، مجلس الأمن الدولي بأنه يتخلى عن جهود الوساطة لتأمين حل سلمي للأزمة السورية، وقد أنحى باللائمة في ذلك على تزايد عسكرة الأزمة السورية من جهة، وغياب التوافق في مجلس الأمن الدولي من جهة أخرى، الأمر الذي يصعّب عليه متابعة جهود الوساطة بين الأطراف المتصارعة، فالصين وروسيا تحرصان على مصالحهما الاقتصادية والسياسية، وفي الحالة الروسية المصالح العسكرية أيضاً التي استثمرتها موسكو في نظام الأسد، ولذا يرفض البلدان اللجوء إلى الأمم المتحدة لإسقاط النظام في دمشق. وتصر موسكو على أن الحل لا يخرج عن الحوار بين الحكومة والمعارضة، وليس عبر التهديد باتخاذ إجراءات عقابية. وفي المقابل تدعو الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة إلى تغيير النظام، ولتحقيق ذلك تطلب أميركا من موسكو وبكين الكف عن دعم الأسد في الأمم المتحدة، وتحث موسكو على وجه الخصوص على وقف إمدادات السلاح إلى نظام الأسد، ويقر كوفي عنان بأن مهمته كانت تقوم على انتقال سياسي للحكم تحت قيادة جديدة لأنه، كما قال، سيكون على الرئيس الأسد "الرحيل عاجلاً، أم آجلاً"، وهو ما يعني أن بشار الأسد بموافقته على خطة المبعوث الدولي السابق عنان فقد وافق ضمناً على التنحي عن السلطة والمشاركة في تسهيل عملية انتقالها، ولذا كان يجدر بالمعارضة والقوى الغربية دعم الخطة والوقوف إلى جانبها. وهم بفشلهم في القيام بذلك أهدروا فرصة ثمينة لانتقال منظم للسلطة يشارك فيه النظام ليجدوا أنفسهم الآن أمام خيارات صعبة وأكثر خطورة على مستقبل سوريا في ظل العنف والفوضى.

وهذا أمر يؤسف له حقاً لأن الرأي العام الدولي السائد حالياً يؤيد الحل الدبلوماسي وليس التغيير العنيف للنظام، كما أنه من الواضح اليوم أن مستقبل النظام في دمشق لا يحدد فقط في ساحة المعركة، بل يحدد أيضاً من خلال تماسك دعم بعض الدول الذي ظل قوياً حتى هذه اللحظة. وطبعاً لا يعني ذلك عدم وجود بعض الشروخ في جدار الدعم الدولي للنظام، فإيران على سبيل المثال نظمت في محاولة متأخرة لإنقاذ الأسد قمة حول سوريا شدد فيها الإيرانيون على ضرورة الحوار السياسي بين النظام والمعارضة لإنهاء الصراع في سوريا. ويمكن للصين الانضمام إلى هذه الجهود إذا ما تلقت تطمينات حول مصالحها الاقتصادية في سوريا. كما أن هناك إشارات أخرى عن استعداد روسيا للتفكير في سوريا ما بعد الأسد، ولإقناعها بذلك يتعين التفكير في وسيلة لفك الارتباط بين مصالح موسكو الاقتصادية والسياسية والعسكرية ونظام الأسد حتى يكون الانتقال السياسي إلى قيادة مختلفة منظماً وسلساً.

ويبقى المشهد العام الذي يطغى حالياً على سوريا في ظل الفظائع التي ترتكب والحرب المندلعة بين القوات النظامية والثوار هو انعدام اليقين، واحتمال دخول سوريا منطقة الكارثة في حال اندلعت حرب شاملة على أسس طائفية وعرقية. وبرغم أن مصطلح الربيع العربي ما زال يصف أحياناً بعض ما يجري في سوريا، إلا أنه الملاحظ أيضاً أن مطالب الديمقراطية والحرية والكرامة اختفت وراء بعض الأصوات الحادة التي بدأت ترتفع مطالبة بالانتقام، ومهددة بنشوب صراع على السلطة بين بعض الفصائل المتعددة التي تندرج كلها تحت مسمى المعارضة.

وإذا كان النظام السوري قد فقد شرعيته ومن ثم وجب رحيله، فإن سؤال المشروعية ذاته يطرح على المعارضة، ولاسيما أن الفصائل المتعددة والأسماء الكثيرة التي تشكل المعارضة السورية لم تنجح حتى الآن في بلورة خطاب موحد يتطرق إلى برنامج سياسي وديمقراطي للمرحلة المقبلة يشمل جميع مكونات الشعب السوري. والأمر نفسه ينطبق على المعارضة المسلحة في الداخل التي تقاتل النظام، إذ لم تستطع البروز كقوة موحدة تتجاوز المجموعات المسلحة المتفرقة التي تحارب، وأنها بعيدة عن المتشددين الإسلاميين الذين جاؤوا من دول إسلامية متعددة. واللافت كما تشير إلى ذلك بعض التقارير أن بعض من يطلق عليهم اسم الثوار في سوريا ربما يضمون في صفوفهم عناصر من "قاعدة" العراق، وهو ما صرح به مدير الاستخبارات الوطنية الأميركي، "جيمس كلابر"، في جلسة استماع أمام الكونجرس قائلاً "نعتقد أن القاعدة في العراق تتمدد إلى داخل سوريا"، مضيفاً أن المتطرفين نجحوا في اختراق الثوار. فإلى أي مدى إذن يمكن إضفاء الشرعية على مطالب الثوار، دون التنبه لمثل هذه الأمور؟ وفي المقابل كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً أن بعض ضباط "سي. أي. إيه" ربما ينشطون سراً في جنوب تركيا للمساعدة في تمرير الأسلحة عبر الحدود إلى جماعات المعارضة المختلفة. وبعبارة أخرى فإنه في الوقت الذي تحث فيه واشنطن روسيا على وقف إمدادات السلاح إلى دمشق تقوم هي نفسها بمد الثوار بالأسلحة. والأمر لا يقتصر على ذلك، بل يمتد أيضاً إلى المثل الديمقراطية ومبادئ الحرية التي تدافع عنها أميركا حيث لا تتفق تماماً مع دعمها للجماعات المتشددة في سوريا التي يشك في اعتناقها للديمقراطية مثل "الجهاديين" من "القاعدة" وغيرهم من التنظيمات المتطرفة. وبدلاً من دعم المسار الدبلوماسي لتغيير النظام في سوريا قد تفضل واشنطن استراتيجية العمل السري لتغييره مع كل ما تنطوي عليه من مخاطر، ولذا تبقى الخيارات الغربية في سوريا خاطئة لأنه بدلاً من أن تساهم في وقف العنف ووضع حد لإراقة الدماء فإنها قد تؤدي إلى مزيد من العنف والفوضى والدمار.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الموقف الأميركي من أكراد سوريا

مصطفى إسماعيل

المستقبل

17-8-2012

يبالغ بعض قادة الأحزاب الكردية، في تصريحات يطلقونها بين الفترة والأخرى، حول حجم اهتمام الإدارة الأميركية بالقضية الكردية في سوريا وسبل حلها، وقد مضى أحدهم قبل أيام في ذروة تشطيحاته ( من الشطح ) الحزبية، إلى حد القول إن الأميركان داعمون للمطلب الفيدرالي الكردي في سوريا، وهذا يثير الاستغراب في أكثر من منحى، فذلكم الأمير الحزبي لا علاقات تجمعه بالأميركان، ثم أنه وبصحبة كل أحزاب المجلس الوطني الكردي تراجعوا في يوم 21 أبريل 2012 عن أي مطلب بحق تقرير المصير بناء على اللامركزية السياسية، بل تحولوا عنها إلى ضرب من الإدارة المحلية للمناطق الكردية، ولم يبق غير الثوار الكورد في بلدة عامودا يحملون لافتات تدعو بصراحة لا مجانبة إلى الفدرلة، فمن يريد الفيدرالية من التنظيمات الكردية السورية إذا ما استثنينا المجلس الوطني الكردستاني.

الكورد السوريون ليسوا هاجساً أميركياً بعد، ولم يحتلوا موقعاً لافتا بعد على سلم الأولويات الأميركي، ففي المفضلة الأميركية المخصصة لسوريا الراهن بعض قوى الإسلام السياسي المعتدل فقط، ويأتي الإطار الموسع المسمى المجلس الوطني السوري ليكون فرس الرهان الأميركي إلى حد ما، وكلنا يعلم ما هي تركيبة هذا الإطار المعارض وما هو التنظيم المؤثر فيه، والإدارة الأميركية واضحة في رؤيتها للأزمة السورية، فهي تكرر في أكثر من مناسبة أنها مع الانتقال السلمي للسلطة ( النموذج اليمني )، وهذا يعني الإبقاء على بنية الدولة وهيكلها المؤسسي سيما منه السلطة التنفيذية، والموقف الأميركي من الكورد والآشوريين وغيرهم يندرج في إطار سياستهم المتعلقة بحماية الأقليات ليس إلا.

في سياق الأزمة السورية ومنذ أشهرها الأولى، اشتكى الأصدقاء في المجلس الوطني الكردستاني مراراً من تجاهل أميركي رسمي لهم، وتحول الاهتمام الرسمي هذا صوب التيار الإسلامي السوري، حينها كان المجلس الكردستاني وحده الناشط على الساحة الأميركية، مستفيداً من علاقات نسجها خلال سنوات سابقة مع صناع القرار في واشنطن، فيما كانت غالبية الأحزاب الكردية في الداخل السوري تغط في سبات عميق، منهمكة بمراقبة الشباب الكردي الثائر في الشارع.

بعد انعقاد المؤتمر الوطني الكردي والذي تمخض عنه المجلس الوطني الكردي، وفور تأسيس لجنة العلاقات الخارجية فيه، بدأت الاتصالات بالأوربيين والأميركان عبر توسط من ديوان رئاسة إقليم كردستان، كان المسؤول الأول الذي التقاه الكورد هو فريدريك هوف المنسق الخاص لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون فيما يتعلق بشؤون المعارضة السورية، اللقاءات والمراسلات مع هوف أوصلت إلى قناعة جازمة بأن الإدارة الأميركية ليس لديها لفتة خاصة إلى الكورد في سوريا، وأن السقف الأميركي في التعامل مع الكورد هو رؤية المجلس الوطني السوري، فالسقف الأميركي الموضوع للكورد في سوريا الغد هو التعايش مع الآخرين في دولة تكفل المواطنة المتساوية، ولا مانع أميركي من تطبيق اللامركزية الإدارية في سوريا، وقد دعا هوف إلى إسراع المجلس الكردي بالإنضمام إلى المجلس السوري، فبرأيه أن التغيير سيحدث في كل الأحوال، والأفضل للكورد عدم البقاء خارجاً. لقد كان الالتحاق الكردي بركب المجلس السوري مطلباً أميركياً ولا يزال.

زيارة وفد لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الوطني الكردي إلى واشنطن في شهر ايار 2012 أبقى الأمور في حيز الغموض، ولم يك على جدول أيام الزيارة أي لقاء بالوزيرة كلينتون، بل اقتصرت اللقاءات على بعض موظفي الخارجية الأميركية والمنسق هوف والسفير الأميركي في سوريا روبرت فورد، وهذا يعني سياسياً عدم إيلاء الأميركان أهمية قصوى للكورد في سياق الأزمة السورية.

رغم الاتصالات التي كانت قائمة بين المجلس الوطني الكردي والمنسق الأميركي، فإن الأميركان لم يوجهوا أي دعوة إلى المجلس الوطني الكردي لحضور مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في تونس واسطنبول وغيرها من الفعاليات، فحضور أعضاء من المجلس الكردي في مؤتمر تونس كان بوساطة من المجلس السوري، ومن دون أن يحملوا صفة المجلس الكردي أو تمثيله السياسي.

لم يشذ الموقف الأميركي مؤخراً خلال أعمال الملتقى الذي أقامه معهد بروكينغز في العاصمة المصرية القاهرة يومي 1 و 2 آب عن السياق السابق، فلم يطرأ أي تبدل أو تحوير عليه، وبدا الأميركيون من خلال السفير روبرت فورد متمسكين بمواقفهم السابقة، وأكد فورد لأعضاء في المجلس الوطني الكردي خلال إحدى الجلسات أن وثيقة العهد الوطني لسوريا الجديدة هي الأساس بالنسبة إليهم، وبدا واضحا من خلال وثيقة المرحلة الانتقالية التي يتم إعدادها أن الموقف الأميركي مع تسويف حل القضية الكردية والبت فيها لاحقاً، وقد خيَّر السفير فورد أحد متحدثيه الكورد في تلك الجلسة بين قبول الوثائق كما هي أو مغادرة قاعة الجلسات.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

"القاعدة" في سوريا تقلق واشنطن

جون غليزر

السفير

17-8-2012

بالرغم من ان الإدارة الأميركية تعلم جيدا، منذ زمن بعيد، بوجود عناصر تنظيم «القاعدة» وهم يقاتلون إلى جانب المتمردين السوريين المدعومين من الولايات المتحدة، فإن مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الأميركية يشعرون بقلق متزايد من التنامي المتعاظم، يوما بعد يوم، لهذا التنظيم الإرهابي ضمن صفوف المعارضة السورية.

وهذا ما دفع بأحد هؤلاء المسؤولين إلى القول: "تنظيم القاعدة وسع انتشاره إلى خارج الجيوب المعزولة للنشاط داخل سوريا، ويعمل اليوم على إنشاء شبكة واسعة من الخلايا ذات التنظيم المحكم، ومن هنا برزت مخاوفنا من احتمال ان يكون الإرهابيون قد وصلوا إلى عتبة إقامة معقل لهم على غرار ما فعلوه في العراق، بحيث سيكون من الصعب جدا إلحاق الهزيمة بهم إذا نجح الثوار في إطاحة نظام الرئيس الأسد".

ويبدو أن المسؤولين الاستخباراتيين يكثفون حواراتهم مع وسائل الإعلام - ولو انهم يرفضون الكشف عن هوياتهم - ويستفيضون في الكلام عن مساعدة القاعدة في سوريا، الأمر الذي يعكس المخاوف المتزايدة في واشنطن من مثل هذه السياسة الرعناء التي تنتهجها الإدارة.

من المعروف ان الولايات المتحدة الأميركية تزود المعارضة السورية بمساعدات "غير مميتة"، مثل أجهزة الاتصالات والمعلومات الاستخباراتية، فيما تعمل وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي) على تسهيل شحن الأسلحة من منطقة الخليج، وخصوصا السعودية وقطر، إلى المتمردين في الداخل السوري.

ويؤكد النائب الجمهوري في مجلس النواب الأميركي، "مايك روجرز"، رئيس اللجنة البرلمانية لشؤون الاستخبارات، ان لدى اللجنة تقديرات تفيد بأن ربع المجموعات المتمردة في سوريا والبالغ عددها نحو 300 مجموعة، قد تكون مشاركة في القتال هناك، تحت راية تنظيم «القاعدة»، مضيفا أن هذه الأرقام تزداد يوميا، بسبب تدفق مقاتلين جدد إلى سوريا بدون انقطاع.

ويقال إن وكالة الاستخبارات المركزية تستخدم "عملية تدقيق خاصة" لكي تتحاشى وقوع المساعدات الأميركية بين أيدي إسلاميين متشددين، لكن هذه العملية تتم عبر مصادر غير موثوقة، من طرف ثالث، لدرجة دفعت بمسؤولين استخباراتيين إلى التصريح مؤخرا بأن "الحقيقة هي أن الولايات المتحدة لا تعرف من يتلقى المال ولا من يتسلم الأسلحة".

وانطلاقا مما يظهر انه خليط من الأسباب السياسية والطموحات لتغيير النظام في سوريا، تبدو واشنطن أنها تساعد أولئك الذين دأبت على محاربتهم في حربيها الأخيرتين. ويؤكد المسؤولون في الاستخبارات "ان مقاتلين سابقين من التنظيمات الإرهابية في العراق يستخدمون مهاراتهم في تصنيع المتفجرات والعبوات الناسفة من أجل تنفيذ عشرات الهجمات في سوريا، فيما يقوم آخرون باستغلال خبراتهم في مجال إنشاء وتنسيق وحدات صغيرة من المقاتلين في أفغانستان بغية تجنيد أتباع ومناصرين جدد".

جون غليزر

كاتب في موقع "انتيوار" الإلكتروني

ترجمة: جوزيف حرب

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

شريكان في الدم... والحرائق!

راجح الخوري

2012-08-17

النهار

لا يريد الاخضر الابرهيمي ان ينتهي في سوريا مفلساً وفاشلاً كما انتهى كوفي انان، ولهذا إشترط ان يقترن تكليفه استكمال دور الوسيط الدولي - العربي بقرار يضع مهمته تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي يسمح باستعمال القوة، وهو امر تعارضه روسيا والصين ويقف "الفيتو" حاجزاً في وجهه!

هكذا تنتهي مهمة المراقبين الدوليين في سوريا كما سبق ان انتهت مهمة المراقبين العرب، مع فارق واضح وهو ان الدوليين كانوا اول من امس اسرى داخل فندقهم الدمشقي ونار الانفجار من حولهم، ولهذا سواء كان الابرهيمي هو من سيخلف انان في المهمة المستحيلة او غيره عليه اذا أراد النجاح ان يتمسك بالاستناد الى الفصل السابع، لأن حل الازمة التي باتت تهدد المنطقة كلها يفترض ان يبدأ من موسكو وبيجينغ قبل دمشق، فالروس لم يفعلوا اي شيء ملموس ولم يمارسوا اي ضغوط على الرئيس بشار الاسد لكي ينفّذ البنود الستة في خطة انان التي كان يفترض ان تنتهي بالانتقال السياسي على طريقة "الحل اليمني"، وهو ما دعت اليه "المبادرة العربية".

وعندما يكتب خافيير سولانا ان الفشل في التوصل الى اتفاق داخل مجلس الأمن كان سبباً في اطالة امد الصراع ثم ساهم في تغيير طبيعته بتحويله من انتفاضة شعبية تستلهم مطالب الحرية والاصلاح الى صراع طائفي ومذهبي بغيض، فانه لا يضيف شيئاً الى الخلاصة التي بدت واضحة منذ ما يزيد عن سنة، وهي ان اميركا وروسيا شريكان ولو بطريقة غير مباشرة في جريمة دفع سوريا واستطراداً المنطقة الى مستنقع الحروب الاهلية والمذهبية التي ستدمرها وتنعكس على الاستقرار الدولي.

لقد كان واضحاً منذ سنة ونيف ان لا شيء يوازي التغاضي الاميركي عن الازمة الكارثية في سوريا إلا الإنحياز الروسي الذي عطل فعالية التدخل الدولي بحثاً عن حل يوقف اوهام النظام حيال الحسم العسكري، وهو ما اجج الصراع الى هذه الدرجة المأسوية التي يفترض ان تدين وجدان الجميع.

فأمام سوريا الغارقة في الدم والدمار والتي بات الصراع فيها يهدد باشعال الحروب الطائفية والمذهبية في المنطقة كلها (لنتأمل ما يجري في لبنان والعراق من غليان بين السنّة والشيعة ولننظر الى النار تتأجج عند حدود الاردن وتركيا) تقف الامم المتحدة الآن عاجزة بعد عجز الجامعة العربية، بما قد يعني ويا للمسخرة، انه ريثما ينتهي الاميركيون من همومهم الانتخابية، سيبقى العالم مجرد عاجز احمق يكتفي بمراقبة سوريا تغرق في الدم والمآسي وتكون شعلة متأججة لأحراق المنطقة بالحروب المذهبية!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

قضية سماحة تهزّ الحكومة والعلاقة مع سوريا

فوضى الخطف وقطع الطرق مجرّد "مقبّلات"؟

اميل خوري

2012-08-17

النهار

هل يشهد ملف التحقيق مع النائب والوزير السابق ميشال سماحة ما شهده ملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه من انعكاسات على الاوضاع السياسية والامنية وعلى العلاقات مع سوريا وعلى الحكومة ايضا بعدما ربط التحقيق ما حصل من فوضى وخطف بذلك وكأنه مقدمة لفتنة ومقبلات لها؟

هذه الاسئلة وغيرها تطرح في اوساط رسمية وسياسية وشعبية وتختلف الاجوبة عنها باختلاف المصادر. فالتحقيق في ملف جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه واجه تجاذبات وخلافات بين من يريد ان يكون محليا ومن يريده ان يكون دوليا. ومن يريد ان ينظر القضاء اللبناني في الجريمة ومن يريد ان ينظر فيها قضاء دولي لأنه الاقدر على ذلك خصوصا في جريمة بهذا الحجم.

وعندما تغلب رأي طرف على طرف آخر اهتز الوضع الحكومي بانسحاب الوزراء الشيعة منها احتجاجا على اقرار النظام الاساسي للمحكمة من دون انتظار درس ملاحظاتهم عليه على حد قولهم. وكان ذلك سببا لقيام تظاهرات واعتصامات اتخذت من وسط بيروت التجاري مكانا لها وظلت الاعتصامات تحيط بالسرايا الكبير داخل الخيم بهدف حمل حكومة الرئيس السنيورة على الاستقالة واقفل مجلس النواب ابوابه في وجهها. ولكن الحكومة صمدت ولم تستقل رغم التوصل الى جعلها ميثاقية وشرعية بتعيين وزراء مكان المنسحبين منها. ولم يعد مسار الامور الى طبيعته الا بعد احداث 7 ايار التي لم يكن ثمة سبيل للخروج منها الا بعقد لقاء في الدوحة انتهى الى اتفاق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وعلى اجراء انتخابات نيابية على اساس قانون الـ1960 معدلا، وهو القانون الذي اعتبره العماد ميشال عون بعد عودته من الدوحة انه اعاد الحقوق للمسيحيين ويمكن الانطلاق نحو انتخابات نيابية تقيم نتائجها "الجمهورية الثالثة"...

لكن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر، فكان الفوز في الانتخابات لقوى 14 آذار لكنه فوز ظل منقوصا بفرض تشكيل حكومة من هذه الاكثرية ومن اقلية 8 آذار، فكانت حكومات فاشلة وغير منتجة لأنها تجمع الاضداد ولا انسجام وتجانس بين اعضائها.

ثم حاولت مساع سعودية - سورية عرفت بالسين - سين اخراج لبنان من ورطته وذلك بعقد مؤتمر مصالحة ومسامحة في الرياض على اساس العفو العام عن الجرائم بما فيها جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه يقابل ذلك تسليم السلاح خارج الدولة الى الدولة اللبنانية بحيث تصبح قوية وقادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها فلا تكون سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها كما انها تصبح قادرة على تنفيذ قرار مجلس الامن الرقم 1701 فيخرج لبنان بتنفيذه كاملا من الوضع الشاذ الذي يعيشه على مدى عهود الى وضع طبيعي.

لكن سوريا التي اخطأت في الحساب أصرت على ان تأخذ اولا قبل ان تعطي خصوصا في ما يتعلق بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان فأوعزت الى الوزراء الذين تمون عليهم في حكومة الرئيس سعد الحريري بالاستقالة بعد اجتماع لهم في منزل العماد عون في الرابية وذلك في الوقت الذي كان يدخل فيه الحريري الى البيت الابيض لمقابلة الرئيس اوباما بقصد اعطاء معنى للاستقالة وفي هذا التوقيت بالذات.

وعند تشكيل حكومة جديدة برئاسة نجيب ميقاتي كان نزول اصحاب القمصان السود الى الشارع كافيا لفرض حكومة اللون الواحد من قوى 8 آذار بعدما تحولت اكثرية بخروج نواب من كتلة جنبلاط من 14 آذار. فهل تواجه هذه الحكومة مع ملف التحقيق مع سماحة ما واجهته الحكومات السابقة مع ملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، وبعدما بدأ بعض حلفاء سوريا في لبنان يثيرون الشبهات حول التحقيق الذي اجراه فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي مع سماحة مطالبين بأن يجريه المحقق العسكري؟

وفي انتظار انتهاء هذا التحقيق ومعرفة مصير توقيف سماحة، فإن الخلاف قد يشتد بين 8 و14 آذار حول احالة القضية على المجلس العدلي وحول الشهود فيها ولا سيما ظهور "شاهد ملك" ليصبح قضية جديدة كقضية شهود الزور في جريمة اغتيال الرئيس الحريري. والخلاف ايضا على وضع سفير سوريا في لبنان والاتهام الموجه الى مسؤول الامن في سوريا العميد علي مملوك للتحقيق معه.

كل هذا قد يكون كافيا لتفجير حكومة لم يعد لبقائها مبرر وجدوى لا في نظر حلفاء سوريا في لبنان ولا في نظر خصومها بحيث بات الفراغ اجدى وافعل واحداث فوضى امنية كالتي شاهد الناس طلائعها اول امس، وعلى يد ما يسمى "المجلس العسكري" لعشيرة آل المقداد ما يخدم النظام في سوريا اكثر من حكومة شبه ميتة...

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الحرب على سوريا مقدمة للحرب على إيران؟

رندى حيدر

2012-08-17

النهار

يتزامن تدهور الأوضاع في سوريا واشتداد المواجهات المسلحة هناك مع بلوغ الحملة الإسرائيلية على المشروع النووي الإيراني ذروتها، وتصاعد التهديدات الإسرائيلية بعمل عسكري ضد المنشآت النووية، واشتداد الخلاف في الرأي بين إسرائيل والادارة الأميركية على هذا الهجوم وتوقيته، وخصوصاً مع الرفض الأميركي لأي عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني المقبل. وطوال الأشهر الأخيرة كان ثمة تخوف في إسرائيل من أن تؤدي الأزمة السورية الى انصراف الاهتمام الدولي عن إيران، مما قد يؤثر سلباً على الحملة الإسرائيلية لتجنيد المجتمع الدولي ضدها.

ولكن مع تعقد الأزمة السورية، وتحول الانتفاضة الشعبية نزاعاً مسلحاً وانزلاقها الى حرب أهلية طائفية ومذهبية، وتورط اطراف إقليميين عرب في دعم المعارضة السورية المسلحة، ووقوف دول اقليمية كبرى مثل إيران وحلفائها في المنطقة إلى جانب النظام السوري، والانقسام الدولي حيال التدخل في سوريا وخصوصاً وقوف روسيا والصين ضد أي تدخل خارجي، بدأ يبرز اقتناع في إسرائيل بوجود ترابط بين ما يجري في سوريا والأزمة الإيرانية، وضرورة معرفة كيف يمكن التدخل الخارجي في سوريا أن يخدم الهدف الإسرائيلي الأول أي القضاء على المشروع النووي الإيراني. فبرزت أسئلة من نوع هل يمكن التدخل الخارجي في سوريا أن يساهم في حل المشكلة مع إيران، فيمهد للهجوم عليها، أو يردع إيران ويقنعها بتجميد مشروعها النووي، مما يوفر على إسرائيل مهاجمتها؟

يرى عاموس يادلين رئيس مركز دراسات الأمن القومي الاسرائيلي أن هناك ثلاث وجهات نظر في التدخل العسكري الخارجي في سوريا وتأثيره على الترابط بين الأزمة السورية والمشكلة الإيرانية. وجهة نظر تقول بضرورة عدم التدخل، لأسباب عدة منها التجربة السلبية للتدخل في العراق وأفغانستان. وجهة نظر ثانية تدعم خيار "إيران اولاً" وتعارض التدخل الخارجي لأنه سيضيع الفرصة للهجوم على إيران، إذ سيكون من الصعب خوض حربين على جبهتين، وسيمنح إيران فرصة الاستمرار في مشروعها النووي. وثمة وجهة نظر ثالثة يرى الكاتب أنها الأكثر ملاءمة وهي التي تدعم خيار "سوريا أولاً".

يرى المؤيدون لهذا الخيار أن التدخل الأجنبي في سوريا سيكسر الحلقة المركزية في محور طهران - دمشق - بيروت، وسيقلص نفوذ إيران في المنطقة، وسيوقف سفك الدماء قبل فقدان السيطرة التامة، وسيشكل رسالة قوية الى إيران لوقف مشروعها النووي أو على الأقل سيدفعها الى الدخول في مفاوضات جدية مع المجتمع الدولي.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

كيف يخطط النظام السوري للفتنة في الأردن؟

الغد الاردنية

ياسر أبو هلالة

"سأكون واضحاً معك. أعترف أنني ارتكبت غلطة كبيرة، وأشكر ربي أنكم كشفتم القضية قبل أن تحصل التفجيرات لكي لا أحمل وزر الدم والضحايا التي ستسقط. أعود وأقول شكراً جزيلا أنكم كشفتم العملية قبل إتمامها. على الأقل أنا الآن لا أحمل وزر دم أبرياء كان يمكن أن يسقطوا".

هذه اعترافات ميشال سماحة التي نشرها الإعلام اللبناني. وبالمناسبة، فسماحة هو المستشار السياسي الأقرب للرئيس بشار الأسد، وكان وسيطه وممثله في القوى السياسية اللبنانية. كما كان وزيرا للإعلام في أيام الهيمنة السورية. وقبلها كان متحالفا مع الإسرائيليين. في شخصيته يتجسد السقوط الأخلاقي للنظام السوري وحلفائه، وعلى رأسهم حزب الله الذي لا يتورع عن تبني عميل إسرائيلي مكشوف، بما أنه تحول إلى حليف سياسي.

نحتاج في الأردن إلى وقفة نزيهة مع اعترافات سماحة التي أدلى بها بعد انهياره في ظل الأدلة الدامغة التي حصل عليها فرع المعلومات. وقد نجح الفرع في تزويد العميل، الذي حاول سماحة تجنيده، بكاميرا مخفية صورت العرض، ونقل سماحة للعبوات، والحصول على مبلغ 170 ألف دولار مقابل تفجيرات تحدث فتنة بين المسيحيين والسنة. ولك أن تتخيل لو نجح المخطط كيف سيكون الوضع في لبنان، وكيف سيستعصي على الإصلاح.

بحسب التحقيق، فإن العميل (م. ك.) أبلغ فرع المعلومات أن سماحة طلب لقاءه الثلاثاء الماضي، أي قبل يومين من التوقيف، وذلك في موقف السيارات الكائن تحت مبنى مكتبه في الأشرفية، لتسليمه العبوات مع المبلغ المالي (170 ألف دولار أميركي)، وطُلب منه أن يسجل وقائع اللقاء بدقة بالقلم-الكاميرا.

وبحسب "الرواية" ذاتها، أبلغ (م. ك.) مساء اليوم نفسه، فرع المعلومات أن سماحة سلمه العبوات الناسفة، وقد صور سماحة وهو ينقل العبوات شخصياً إلى صندوق سيارته. فطُلب إليه أن يحضر بسيارته فوراً إلى فرع المعلومات مع العبوات، وتم فوراً إبلاغ مدعي عام التمييز بالوكالة، القاضي سمير حمود، الذي أمر بمصادرتها جميعاً، كما طلب تحضير الملف ومراجعته فيه.

واتفقا على لقاء في مكتب سماحة في الأشرفية، قام خلاله (م. ك.) بتسجيل وتصوير كل الوقائع، وسلمها في اليوم التالي إلى الحسن (كلام عن العبوات ونقلها إلى الشمال، وتفجيرها في أي تجمع كبير في عكار، واستهداف أي شخصية مهمة، وأعطى مثالاً النائب خالد الضاهر، وأي شخصية سورية معارضة). وتوالت اللقاءات بين سماحة و(م. ك.)، وزود مدعي عام التمييز بتفاصيلها.

أتخيل شبيحة النظام السوري عندنا في الأردن وهم يحللون إرهاب القاعدة والجيش الحر، والمؤامرة التركية الخليجية الأميركية. والقصة بمنتهى الصفاقة عملية وسخة، تمت على يد علي مملوك وميشال سماحة. ومن حقنا أن نسأل: بمن التقى علي مملوك في الأردن؟ وهل زودهم بالعبوات ذاتها؟ وما هي الأهداف؟ أتوقع أن النظام السوري يدرك أن المؤامرة على الأردن ليست بين مسيحي ومسلم كما في لبنان، بقدر ما هي أردني فلسطيني. إنه نظام دموي وهو مستقر، فكيف اليوم وليس لديه ما يخسره؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ليس باسمنا

جمانة غنيمات

الغد الاردنية

17-8-2012

البعض ينصّب نفسه ناطقا باسم النظام السوري وباسم الأردنيين أحيانا، ويلقي التهم جزافا على الغير بأنهم باعوا الأوطان، وضحوا بالقضية، وتآمروا مع الغرب ضد "جدار الممانعة الأخير" و"قلعة الصمود"؛ على اعتبار أن هذا البعض هو الحكيم، فيما الآخرون عملاء!

ويسقط من تفكير هؤلاء "الحكماء" كل المعايير والمواثيق الأخلاقية والإنسانية التي تدين القتل وتحترم حق الإنسان في العيش، وتلفهم شوفينية عالية تجعلهم يظنون أن بإمكانهم الحديث باسم كل الأردنيين، ويتناسون أن كثيرين غيرهم يدعمون ثورة السوريين وحقهم في تحقيق مصيرهم ومستقبلهم.

الأوصياء يطالبون الأردن الرسمي بالتخلي عن دوره الإنساني، ويذهبون في مواقفهم حد الفبركة، حين يؤكدون أن حركة اللجوء إلى الأردن ما هي إلا تصنيع لظاهرة اللجوء من أجل الضغط على نظام الممانعة، وأجدني لا أعثر على مسوغ لهذه التهمة.

فأكثر من 150 ألف لاجئ في الأردن، ومثلهم وأكثر في لبنان وتركيا، فيما حماة الأنظمة الشمولية يؤكدون أن 80 % منهم لا تنطبق عليهم شروط اللجوء! هل ثمة ما هو أكبر من القتل والاغتصاب؟

ولا أدري ما هي شروط اللجوء حين يضطر المرء إلى ترك سلمه وأمنه وحياته خلف ظهره هربا من بطش نظام لم يعد يرى له مهربا سوى قتل الأبرياء والتفنن في أشكال التعذيب والقهر والفتك بشعبه!

القياديون المخضرمون، كما وصفوا أنفسهم، والشخصيات السياسية والاجتماعية، والإعلاميون والكتاب والمثقفون والأكاديميون، لا يرون في لجوء فقراء سوريةإلا سعيا إلى تحسين ظروفهم المعيشية وبحثهم عن بعض الأمان.

بعض من الرأي السابق صحيح وفيه وجاهة، فهم فعلا فعلوا ذلك بحثا عن الأمان لحماية أنفسهم من نظام سفاح دموي، قتل عشرات الآلاف منهم. وإذا كان الحال كذلك، فإن المنظرين لم يقولوا كيف يستوي تحسين الظروف المعيشية والبحث عن الأمان معا، أم أنهم يقصدون الأمان الوظيفي؟! وكيف لهم أن يتخيلوا أن ما دفع مئات الآلاف إلى الهرب هو الحاجة إلى العمل وليس الهرب من جور النظام؟

من الصعب تخيل أن السوري في ظل الثورة لا يفكر إلا في فرصة عمل، أين العقل والمنطق؟

في الرسالة التي وجهتها الشخصيات تحت عنوان "ليس باسمنا"، يبدو أن العبارة الوحيدة الدقيقة في مضمون الرسالة تتمثل فقط في عنوانها، فهم حقيقة لا يتحدثون باسمنا، وثمة كثيرون منسجمون مع أنفسهم، ويؤكدون أن من يطالب بالإصلاح في الأردن لا يحق له الحديث عن شرعية النظام السوري وضرورة بقائه.

ومن يطالب بتغيير طريقة إدارة الشأن العام محليا، ويحتج على الفساد وتزوير إرادة الشعب، فمن الأولى أن ينسجم مع نفسه، ويؤكد حق الشعب السوري في تقرير مصيره.

أما الفصل بين المسألتين والتعاطي مع كل واحدة تبعا للمصالح والأجندات، فما هو إلا انفصام في التفكير، وتناقض غير مفهوم وغير مبرر، فكل الدم السوري الذي سال أملا في الحرية والعدالة، وذلك الذي سيسيل، لم يقنعهم بعدالة الثورة السورية!

ما يهمني أن لا يتحدث الموقعون باسمي، وباسم كثيرين يؤمنون أن ثورة السوريين عادلة ومنصفة، وليست مؤامرة كما يقولون.

فالمتآمر هو النظام الذي سمح لنفسه بظلم السوريين وتكميم أفواههم لعقود، وهو من فسد وأفسد، وامتص دم الشعب السوري قبل أن يسيله. والمتآمر هو الآلة العسكرية التي أسالت دماء نساء وأطفال ورجال سورية الذين كل ذنبهم أنهم صحوا ليقولوا كفى لكل ما مضى.

أقول لكم ليس باسمنا تحققون أجنداتكم!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لم يُرفع عنهم "الحجاب"!

محمد أبو رمان

الغد الاردنية

17-8-2012

حتى تصريحات رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب، حول جرائم نظام الأسد، لم تكن لترفع "الحجاب" عن قلوبٍ فقدت البصيرة، وأعين لم تعد تبصر ما يجري من مذابح ومجازر دموية، يشيب لها الرأس وترتجف لها القلوب؛ فغرقوا في مخيّلاتهم المسكونة بمنطق المؤامرات، بل ولم يترددوا في اتهام جميع المنشقين عن النظام السوري بالجبن والعمالة، حتى وصل الأمر إلى اتهام مئات الآلاف من اللاجئين السوريين بأنّ لكل واحد منهم "سعراً"!

هل ثمة عاقل يقرأ هذه "الخزعبلات" يرشدني إلى ما هو "السعر" الذي يعدل أن يفقد الإنسان أمنه وبيته وحياته، ويشرّد مع أبنائه إلى مخيم الزعتري، الذي لا يصلح أن يكون مسكناً لبشر؟!

هل ثمة عاقل يخبرني ما هو "سعر" آفاق محمد، الشاب العلوي، الذي ترك زوجته وابنتيه الصغيرتين، وكان مديراً لمكتب رئيس قسم العمليات الخاصة للمخابرات الجوية السورية، وصهراً له، وتخلّى عن ذلك إلى "سكن المنشقين" لدينا (أشبه بالسجن)، بعد أن كان في غاية النعيم والحياة المترفة؟!

سأنقل لكم جواب آفاق، الذي أخبرني به على الهاتف، بعد أن صدم المحققين الأردنيين كيف يترك ذلك ويأتي إلى هنا؛ إذ كان ردّه: "لأنني إذا بقيت سأفقد إنسانيتي، وأنا أرى يومياً أمامي مئات الجثث المكّدسة بعد التعذيب"!

تصوّروا حجم الاحتقار للناس وكرامتهم وأرواحهم وإنسانيتهم! تصوّروا الانهيار في ميزان الأخلاق والأدب! حتى من فرّوا بعائلاتهم من الجحيم وقصف الطائرات والدبابات والمدفعية، فهم لم يسلموا من "جماعتنا"!

لدينا حزبيون وكتّاب ومثقفون يتجاوز خطابهم التحريضي لقتل وإبادة الشعب السوري سموم قناة "الدنيا" وأكاذيب الإعلام الرسمي، بل يقفون على يمين النظام السوري نفسه؛ لا يرمشون وهم يدّعون أن المجازر الدموية البشعة بحق مئات الآلاف هي مجرد "فبركات إعلامية"!

لا يفكّر "أحباب الأسد" هنا في الذهاب ساعتين فقط إلى مخيمات اللاجئين السوريين، التي تضم مئات الآلاف، للاستفسار منهم عن حقيقة ما يجري؛ فملايين السوريين كاذبون مدّعون عملاء، والمجموعة الدموية التي تحكم سورية وحدها هي الصادقة، و"جماعتنا" هم الوطنيون السوريون الذين يملكون وطنيةً أكثر من الشعب السوري نفسه، بعد أن أفسده الانفتاح الاقتصادي الأخير، فالنموذج الثوري المفضّل لديهم هي كوريا الشمالية وكوبا، حيث "الأنظمة الديمقراطية" الحقيقية!

يُختزل لديهم مشهد الثورة السورية، وإرادة الملايين بالتحرر والحرية، وجرائم النظام ومجازره (بالأمس فقط مئات القتلى والجرحى في أعزاز- بيوت هُدّمت على أهلها)، بالحسم العسكري لمواجهة العصابات الإرهابية!

عشرات الآلاف من الجيش الحرّ، أغلبهم من المنشقين والثوار، يتم استبدالهم -بجرّة قلم- بمئات من المتطوعين الجهاديين العرب!

وتختزل الملحمة الإنسانية التي يخوضها الجيش الحر اليوم ببعض الأعمال غير المقبولة، دينياً وأخلاقياً وإنسانياً، التي يرتكبها أفراد منه، كما حدث مع عائلة برّي في حلب، وهي بلا شك محزنة ومؤلمة، ومسيئة لصورة الجيش الحر والثورة، وهنالك اليوم جهود لإنهائها، بدأت بمدونة سلوك الجيش الحرّ. وما نرجوه أن نقرأ بياناً للعلماء المعتبرين، يخاطب الجيش الحر، ويطالبهم بالالتزام بأخلاق الإسلام في الصراعات والحروب.

بالرغم من ذلك، فلا يجوز وضع الجهتين في كفتين متقابلتين، فالحديث عن أخطاء بحق عشرات (هذا غير مبرّر بالتأكيد) لا يعادل مئات الألوف. وأرجو ألا ننسى أنّ الجيش الحرّ من دم ولحم، فمن وقعوا بأيديهم ارتكبوا جرائم لا توصف بحق النساء والأطفال والشيوخ، فالمساواة هنا بين الطرفين غير موضوعية ولا منصفة البتّة!

كل عام وسورية وطن حرّ أبي ديمقراطي، وقد عاد اللاجئون إلى بيوتهم وفك أسر المعتقلين، وخلص الناس من الجزار وجماعته.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الموقف الأخلاقي من الثورة السورية

ناصر الرباط *

الجمعة ١٧ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

سنة ونصف السنة انقضت على اندلاع الثورة السورية ضد النظام الأسدي الغاشم، وازداد فيهما الثوار صلابة وعزماً والنظام تغولاً وتخبطاً، وتفاقم معدل القتل والتدمير بتصاعد طردي مريع، وتطور استخدام النظام لأسلحة القمع لكي يشمل كل مافي جعبته العسكرية حتى الطائرات الحربية. سنة ونصف السنة تراجعت فيهما الحياة المدنية في مدن سورية وبلداتها، المنتفضة والمهادنة على حد سواء، وتقهقر مفهوم الانتماء والمواطنة لتحل محله مشاعر العداء أو الحذر أو الاحتماء بالطائفة والعشيرة مما يتطلب تغييره أجيالاً من إعادة التثقيف والتأهيل المواطني، وتغيرت فيهما مواقف وتصلبت أخرى في الداخل والخارج ما بين مشارك في الثورة أو موآزر لها بالكلام والدعم المادي والمعنوي أو مؤيد بالرأي والموقف، وما بين معادٍ لها مقاتلٍ في سبيل النظام أو محابٍ له أو مدافعٍ عنه بالكتابة والتصريحات والتآمر حيناً (كما يبدو من قصة ميشال سماحة في لبنان). مواقف الدول أيضاً تغيرت وإن كانت معسكرات الدول المؤيدة لكلا الطرفين ما زالت على حالها تقريباً، وما زال مؤيدو الثورة يجعجعون بالكلام غالباً وبالدعم المادي أحياناً وبالقرارات التي يعرفون مسبقاً أنها لن تجدي شيئاً أحياناً أخرى، ومؤيدو النظام يدعمونه بالمال والسلاح المتطور ويدافعون عنه في المحافل الدولية.

هذه سياسة، أو قلّتها ربما، وهي على هذا الأساس تعود في مرجعيتها لمواقف تتجاوز أحياناً أبعاد الثورة السورية نفسها ومآلاتها وترتبط بعوامل جيوسياسية إقليمية ودولية. ولكن الحكم على هذه المواقف لا يمكن أن يكون سياسياً فقط. أي لا يمكن أن يكتفي بحسابات الربح والخسارة النابعة من تقاطع مصالح الأفراد والمجموعات والدول أو تعارضها. لا بد من تقديم البعد الأخلاقي على البعد السياسي في تقييم الثورة والمواقف منها على حد سواء، وإلا سنكون قد اختزلنا الدوافع النبيلة التي أججتها أصلاً إلى ما يدعيه النظام الأسدي بأن كل المتظاهرين والثوار على مدى سنة ونصف السنة من التضحيات عملاء مرتزقون لأعداء البلاد وسياساتها المقاومة (أو الممانعة في السنوات الأخيرة) أو إرهابيون تكفيريون هدفهم تدمير لحمة المواطنة بين فئات السوريين المختلفة لخدمة مخطط عدواني صهيوني، استعماري، ورجعي عالمي.

الموقف الأخلاقي من الثورة السورية واضح. هذه انتفاضة شعب عانى لعقود خمسة تقريباً من حكم ديكتاتوري وطائفي جبار أقام بنيانه على مزيج متشعب من الهيكلة الأمنية والمخابراتية المعقدة والعلاقات الإقليمية والدولية المتشابكة والقمع الممنهج والتزلم والمحسوبية والتربح الفاسد، بالإضافة إلى نوع متطور من عبادة الفرد القائد الأوحد حل محل سيطرة الحزب الحاكم الواحد في النصف الثاني من عهد حافظ الأسد واستمر وترسخ في عهد ابنه. وقد رضخ الشعب السوري طوال هذه السنين لجبروت النظام وطغيان أجهزته الأمنية والاعلامية والحزبية ورزح تحت وطأة فساده السياسي والاقتصادي، حتى ظن رأس النظام أنه بمأمن من تبعات ثورات الربيع العربي كما صرح وتباهى لأكثر الصحف الأميركية يمينية قبل أقل من شهر من اندلاع الثورة. وعليه فردّ الفعل الأخلاقي المبدئي لا يمكن أن يكون سلبياً مهما كان التخوف من تبعاتها ونتائجها. يمكن للمرء أن ينتقد تصرفات بعض الثوار أو ينبه إلى الأخطاء أو يستنكر بعض مواقف وتصريحات أو يستقرئ الأحداث ويتنبأ بسوء مآلها، لكنه لا ينزع عن الثورة غطاءها الأخلاقي كثورة على الظلم المتطاول، تجد صداها في التراث الانساني العميم من الصراع بين العدل والظلم، بين الحق والباطل، وبين الناس ومضطهديهم.

من هذا المنطلق يجب النظر إلى البيان المؤيد للثورة السورية الذي أصدره العالمان الشيعيان اللبنانيان هاني فحص ومحمد حسن الأمين على أنه موقف أخلاقي قبل كونه موقفاً سياسياً أو دينياً على رغم تأخر صدوره. فعلى عكس غالبية ردود الفعل الإيجابية الأولية على البيان التي ركزت على نفَسه الشيعي، وعلى هوية كاتبيه ودورهما القيادي المذهبي كإثنين من أهم مفكري وعلماء الشيعة في لبنان، وعلى رغم لغة البيان نفسه التي تستخدم الإسلام بشكل عام وخطاب الشهادة الشيعي بشكل خاص كإطار لطروحاته، فأنا أظن أن البيان يؤسس لمسؤولية أخلاقية، فوق-دينية، بل مدنية أو علمانية الروح والانتماء تجاه الثورة السورية. فالبيان يتحدث عن عدم التفريق بين أنواع الظلم والاستبداد مهما كانت المبررات الأخرى من تعاضد ديني أو مذهبي أو مقاومة وممانعة وغيرها. وهو أيضاً يتحدث عن دعم الانتفاضة ضد النظام السوري الاستبدادي كمعادل لدعم أي انتفاضة عربية وغير عربية ضد الاستبداد أياً كان، بما فيها الانتفاضات المتواصلة ضد الاحتلال الإسرائيلي، مما يعلي شأن كل الثورات. والبيان يطمح أيضاً إلى دولة في سورية «ديموقراطية تعددية وجامعة وعصرية»، وهي صفات لا يخفى على القارئ النبيه أنها تنتمي بمجملها إلى لغة عصر النهضة العربية في النصف الأول من القرن العشرين، لغة الليبرالية العربية القصيرة العمر، لغة ما قبل العسكرة والتحزب والتسييس الديني والخطابات التكفيرية التي راجت في السنوات الثلاثين الأخيرة. أي أن البيان بالحقيقة يحاول في صياغته ومحاجّته ما تحاوله غالبية المفكرين العلمانيين العرب الصادقين والمنتمين لأمتهم وتاريخها من المماهاة بين ما هو نيّر ومشرق في الفكر الديني، سنياً كان أم شيعياً، علوياً أم اسماعيلياً، بحكم تراثه الطويل في مقاومة الظلم والاستبداد، والفكر الإنساني التنويري في إصراره على الإطار الأخلاقي الشامل والعالمي لكل نضال سياسي ولكل فكر سياسي بما يعم كل الناس وكل الأمم من دون تفريق أو تصنيف.

وإن كان البيان فعلاً خطوة نوعية كبيرة أخذها هذان العالمان الحرّا التفكير، فهو أيضاً يضرب المثل لكل القوى السياسية السورية والعربية والعالمية ولكل المفكرين والنقاد والكتاب بأولوية الأخلاقي على السياسي والديني المذهبي، وبضرورة مقاربة الثورة السورية من منظور أساسها الأخلاقي الواضح والمحق والذي لا ريب فيه. وهي بتمسكها بهذا الأساس الأخلاقي وبنائها لهياكلها ومؤسساتها ومقاومتها وفقاً لوضوح هدفه وشموليته وعالميته لمنتصرة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

دعم إسلامي لموقف الخليج وتركيا والغرب من الأزمة السورية

الجمعة ١٧ أغسطس ٢٠١٢

راغدة درغام

الحياة

عملياً، إن التصعيد الذي وقع في لبنان قبل يومين متمثلاً بنزول «الجناح العسكري» لعشيرة آل المقداد إلى الشارع في بيروت في انفلات أمني وعمليات اختطاف سوريين وتهديدات للسعوديين والأتراك والقطريين بالاختطاف إنما هو جزء من التفاعل مع القمة الإسلامية الاستثنائية التي عقدت في مكة وحضرتها 57 دولة. هذا التفاعل ليس لعشيرة وإنما لحزب له تأثير جذري في تلك العشيرة هو «حزب الله» الذي له علاقة وثيقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ويكن لها أعمق الولاء. الشق الآخر وراء تفعيل الرعب في قلوب اللبنانيين وزجهم في استعادة كابوس إما اندلاع حرب أهلية أو الرضوخ أمام سلاح «حزب الله» إنما عائد إلى اعتقال القوى الأمنية اللبنانية لرجل سورية في لبنان، الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة، بتهمة نقل متفجرات ضخمة من دمشق إلى بيروت والتخطيط لعمليات أمنية واغتيالات تثير الفتنة المذهبية وتولع لبنان. هذان العنصران – الإيراني والسوري – في الحدث على الساحة اللبنانية ليسا جديدين سوى من ناحية تعزيز عزل النظام في دمشق بقرار شامل للمنظومة الإسلامية في قمة مكة وتمتين تطويق النظام في طهران بإجراءات غربية منها العقوبات في واشنطن والعواصم الأوروبية. «حزب الله» غاضب من الأمرين وهو أيضاً في منتهى الاستنفار نتيجة مراقبة السلطات الأميركية، الاستخبارية والأمنية والمالية، لكل تحركاته واتخاذها إجراءات ضده – آخرها تمثل بعقوبات له بتهمة التورط فعلياً في سورية عبر توفير الرجال والتدريب لمساعدة النظام في دمشق في سحق المعارضة هناك. الرعب، إذن، بات يلاحق الشعب اللبناني بعدما شق الهلع طريقه إلى قيادات داخل «حزب الله» وداخل النظام في دمشق وكذلك داخل قيادات إيرانية. وكل هذا ينذر بتصعيد خطير في المنطقة حيث تتزاوج الحروب بالوكالة في سورية ولبنان وربما العراق مع ازدياد العزم في دمشق على احتواء محنة النظام عبر تصدير أدوات تفجير فتنة مذهبية وحرب أهلية إلى لبنان رداً على تكبيل النظام في عزلة خانقة. ولكن الاستنتاج القاطع بأن «حزب الله» أو إيران قد اتخذا قرار الانتحار في سورية أو عبر توفير الذريعة لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية ضدها – وبالذات ضد «حزب الله» في لبنان – قد لا يكون استنتاجاً صائباً. فهناك من الحكمة في التاريخ الإيراني ما قد يؤدي إلى قرارات تحول دون اندلاع حروب مذهبية بين الشيعة والسنّة. وهناك من الحذاقة السياسية مما قد يسفر عن لجم التصعيد لأن فيه مصلحة بقاء.

الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد كان حاضراً في القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي التي عقدت في مكة هذا الأسبوع برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز. الأمين العام للمنظمة إكمال الدين إحسان أوغلو تلا البيان الختامي للقمة وسمي «ميثاق مكة» الذي شدد على ضرورة الوقوف مع الشعب السوري الذي يواجه العدوان بالطائرات والصواريخ.

هذه لغة غير معهودة في البيانات الصادرة عن قمم كهذه. إنها عملياً، إعلان وعزل وإدانة للنظام في دمشق الذي يستخدم الطائرات والصواريخ في عدوان ضد الشعب السوري. ثم إن منظمة التعاون الإسلامي قررت في ذلك البيان الختامي تعليق عضوية سورية في المنظمة مشيرة إلى حملة القمع العنيفة التي شنتها حكومة الرئيس بشار الأسد ضد الانتفاضة. تعليق عضوية سورية بنظامها الحالي بجميع الأجهزة والمؤسسات المتخصصة التابعة ليس بأمر عابر وإنما هو إجراء مهم على عدة أصعدة.

عملياً، ما صدر عن «ميثاق مكة» هو شرعنة لتقديم الدعم للشعب السوري في وجه العدوان عليه بالطائرات والصواريخ – أي العدوان عليه على أيدي النظام الحاكم. وهذا يعني شرعنة دعم المعارضة والتدخل السعودي – القطري لمصلحة المعارضة، بمباركة إسلامية، بحيث يصبح الدعم الخليجي والتركي والغربي تحت مظلة إسلامية شرعية.

سيترتب على ذلك، كخطوة لاحقة على الصعيد السياسي والديبلوماسي، تحرك منظمة التعاون الإسلامي وأعضائها في المحافل الدولية وبالذات في الأمم المتحدة. هذا يعني أن التحرك هذه المرة لن يكون سعودياً أو قطرياً فحسب، سيكون حشداً إسلامياً، بعرب وأفارقة وآسيويين وغيرهم، تحت مظلة إسلامية، وبعلاقة وطيدة مع الغرب، يتمثل في حملة احتجاج إلى مجلس الأمن الأرجح في الجلسة الوزارية التي أدرجتها رئاسة فرنسا لمجلس الأمن للشهر الجاري على جدول أعمال مجلس الأمن نهاية هذا الشهر.

تجنيد الدول الإسلامية داخل مجلس الأمن لن يكون لعزل سورية بقدر ما هو لعزل روسيا والصين في مجلس الأمن، أمام الرأي العام الإسلامي والرأي العام العالمي. هذا الحشد الحكومي للتجنيد ضد روسيا والصين له أبعاد خارج مجلس الأمن من الأفضل لموسكو وبكين التنبه له. فالرسالة موجهة من ناحية إلى الحكومتين بأن الغضب من مواقفهما نحو سورية بات عارماً، ومن ناحية أخرى، أن الرسالة موجهة أيضاً من الجمهوريات الإسلامية الخمس التي تطوّق روسيا بأن على موسكو الاستدراك قبل فوات الأوان لأن مشاعر الشعوب قد تندلق خارج إرادة الحكومات.

ثم إن تعمد «ميثاق مكة» اعتبار تصرفات ميانمار تجاه المسلمين جريمة ضد الإنسانية ليس خالياً من رسالة إلى الصين في شأن الأقليات الإسلامية وحماية – أو عدم حماية – الدول المعنية ذات الأقليات الإسلامية لهذه الأقليات.

الموقف الجماعي للدول الإسلامية في قمة مكة حقق لتركيا مطلباً فحواه أن تركيا في حاجة لمظلة حماية إسلامية لقيامها بنصب مظلة فعلية لحماية الأجواء عند دعم المعارضة السورية. عملياً، هذا يعني أن تركيا أرادت العمل الجماعي والمباركة الجماعية من الدول الإسلامية البارزة لقيام دول الجوار بما يشبه فرض الحظر الجوي، ودول الجوار في هذا الإطار تعني تركيا. أما فرض الحظر الجوي فإنه يعني عملياً قيام حلف شمال الأطلسي (ناتو) بتأمين مظلة الحماية الجوية عبر تركيا.

هذا الدعم الإسلامي للتوجه العربي الخليجي/ التركي/ الغربي نحو سورية إنما هو شبه إنذار لروسيا والصين بأنهما في عزلة، ثم إن الخطب والمواقف التي برزت خلال قمة مكة تميزت بالنقد اللاذع لروسيا والصين في إدانة جماعية لم تكن هناك أبداً بالأمس وهي الآن إدانة واضحة و «تلويث» لسمعة روسيا والصين إسلامياً، بحسب وصف أحد المراقبين المخضرمين.

في الوقت ذاته، حرص العاهل السعودي على إطلاق مبادرة الحوار بين المذاهب الإسلامية مما يشكل المرة الأولى لإطلاق هذا الحوار في آليات إنشاء مركز في الرياض لتحقيق هذا الهدف. وهذا يعني الحوار بين مختلف المذاهب الإسلامية لمحو الجهل والتحريض بين هذه المذاهب. فهم لا يقرأون بعضهم البعض، لا سياسيين ولا رجال دين ولا ناساً عاديين – إنهم في فرقة وتفرقة وفتنة جاهزة للتفجير، حتى تربية الأجيال قائمة على العداء بين المذاهب. لذلك للحوار والدعوة إلى الاعتدال وطأة وفوائد. فاحتواء التطرف بات أمراً مصيرياً للجميع، وسورية ساحة مهمة لاختبار حسن النوايا وصدقية العزم على تعزيز الاعتدال على حساب التطرف الإسلامي.

لكن مثل هذه الطمأنة لن تحدث بين ليلة وضحاها بين المذاهب الإسلامية. لذلك، قد تكون سورية موقع قدم لإطلاق فعلي لهذا التوجه ميدانياً فيما تتم الترتيبات التقنية عبر المركز للحوار لاحقاً.

فالصراع مستمر بين المذاهب، وبالذات بين السنّة والشيعة. ولعل لبنان يتحول إلى ساحة تفجير لهذا الصراع، إذا لم تجنّد الدول الإسلامية المعنية القائدة في هذا المجال من الرياض إلى طهران كل ما في وسعها لمنع تدهور العالم الإسلامي إلى فتنة مذهبية صاعقة. فالحوار بين رجال الدين شيء، والصراع بين السياسيين استخداماً للمذاهب شيء أخطر. التصعيد في لبنان جزء من التفاعل مع الصراع ومن اختبار النوايا. ولبنان حتماً يتأثر إذ انه ساحة إفراز للعلاقات والأوضاع المعقدة.

اليوم، إن الحروب بالوكالة باتت أكبر حجماً وأثراً وجغرافيةً. قد يقال إن ما يريده الغرب والعرب لا سيما من الخليج هو إنهاء الراديكالية بسقوط أنظمة تمتد من دمشق إلى طهران إلى «حزب الله» في لبنان. قد يقال إن المعركة ليست ضد الراديكالية الشيعية فقط وإنما ضد الراديكالية السنية أيضاً المتمثلة في السلفية أو «القاعدة». قد يقال إن هذه ليست معركة يتحالف فيها الغرب والسنّة ضد الشيعة وإنما هي تحالف مفتوح للجميع ضد الراديكالية.

كل هذا معقول، لربما. إنما في نهاية المطاف، إن ما يحدث في ميادين الانتفاضات أو الحروب هو الذي سيزيد الشعوب اعتدالاً أو تطرفاً، وهو الذي سيترك الأثر.

في مصر، حيث الإخوان المسلمون والسلفيون في تحالف وفي صراع معاً من أجل احتكار الإسلاميين لجميع مراكز السلطة ليس سوى الديكتاتورية الجديدة الأخطر لأنها دينية. وهذا بدوره يُشعل عند المذاهب الأخرى خوفاً من استبداد سنّي وهيمنة سنية على العالم الإسلامي يكون ضحيتها الشيعة والمذاهب الأخرى الإسلامية – وبالتأكيد العلمانية والاعتدال.

قد يقال، لا خوف من إخوان مصر لأنهم لن يتمكنوا من البقاء أولاً لأن الشعب المصري لن يقبل بالديكتاتوري الجديد وثانياً لأنهم لن يتمكنوا من البقاء اقتصادياً – وبالتالي هم في زوال لا محال. هذا لربما وربما تبقى في خانة المغامرة والرهان.

في سورية، هناك حاجة للجم التطرف حتى في الوقت الذي تقوم الدول الإسلامية المعنية بمد المعونة والسلاح للمعارضة. فالمعارضة المسلحة يجب أن تبقى أيضاً تحت مجهر المراقبة والمحاسبة، مهما كان نظيرها أكثر تعمقاً في خروقات القوانين الإنسانية وغيرها. ولا يحق للمعارضة السورية أن تدخل طرفاً في تأجيج حرب أهلية لا في سورية ولا في لبنان. لا يحق لها اللجوء إلى اختطاف للبناني يؤدي إلى معركة اختطافات لعشيرة قد تسفر عن تحقيق الهدف المنشود بإثارة فتنة مذهبية وطائفية وربما حرب أهلية في لبنان.

يبقى أن «حزب الله» الآن تحت المجهر لبنانياً، وليس فقط إقليمياً أو دولياً. انه صاحب قرار توريط لبنان في حروب مذهبية وأهلية، وهو صاحب قرار إنقاذ لبنان من حرب إسرائيلية، وهو مَن يحمل مفتاح تحويل لبنان إلى بلد مزدهر يحق لشعبه أن يعيش حياة عادية. إنه يعرف أن اختياره الالتحاق بحملة إحراق لبنان سيؤدي إلى حرقه نفسه في انتحار، وهو يدرك أن ساعة إثباته الحكمة أتت وأن حسن خياره بأن يكون له مكانه ومكانته في لبنان هو إبرة الفصل بين الحكمة والانتحار.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لبنان ما بعد الأسد... كما يراه «حزب الله»

محمد مشموشي *

الجمعة ١٧ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

في الأسابيع الماضية، وبالتزامن مع تصاعد الثورة السورية وتزايد نجاحاتها وبدء تفكك النظام في دمشق من الداخل، بدا أن لغة «حزب الله» بالنسبة الى مستقبل سلاحه في لبنان وحتى بالنسبة الى لبنان كله قد تبدلت الى حد كبير. قبل هذه الفترة، كان خطاب الحزب وبخاصة أمينه العام السيد حسن نصرالله يصف سلاحه بأنه دفاعي ضد الاعتداءات الاسرائيلية المحتملة، وبأنه في العموم جزء من «استراتيجية دفاعية» يقول تارة انها قيد البحث بين اللبنانيين في سياق حوار وطني مستمر منذ سنوات، وتارة أخرى أن ما يحكمها في النهاية هو معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» التي نصت عليها بيانات وزارية لثلاث حكومات لبنانية على الأقل في أوقات سابقة.

في المدة الأخيرة، طلع الحزب على اللبنانيين بخطاب مختلف بل مناقض تماماً. بدأ يتحدث عما يصفه بـ «مؤتمر تأسيسي» للبنان المستقبل، وكأن لا دستور مكتوباً ولا ميثاق وطنياً موجودان ينظمان شؤون البلد أو يحكمان العلاقة بين أبنائه أو بينه وبين العالم الخارجي، وعن «استراتيجية للتحرير»، قبل أو بالتزامن مع «الاستراتيجية الوطنية للدفاع» المطروحة للنقاش، بدعوى أن لدى لبنان أراضي محتلة (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وبعض قرية الغجر) وأن تحرير هذه الأراضي واجب على الدولة، وأنه سيكون لكل «انسان» الحق في حمل السلاح واستخدامه للقيام بهذه المهمة اذا لم تقم الدولة بذلك.

لا يمكن فصل هذا الطرح الجديد للحزب عن دوره الاقليمي وعلاقته الايديولوجية والعسكرية والمالية مع ايران من جهة، ولا عن تدهور الحال في سورية وبدء تحلل نظامها السياسي من جهة ثانية. وبهذا، يكون «حزب الله» انما يسعى الى فرض أمر واقع سياسي وعسكري في لبنان يجعل منه ومن سلاحه دولة كاملة الهوية والعدة والتجهيز (غير معلنة، ولكن معترفاً بها بقوة الأمر الواقع) على الأرض اللبنانية وفوق الدولة فيها، فضلاً عن كل ما يتصل بهذه الدولة على المستويين العربي – الاقليمي والدولي.

وبهذا المعنى كذلك، يكون الحزب انما يعمل على أن يبقي لبنان جزءاً مما يطلق عليه اسم «محور المقاومة والممانعة»، والذي كان يضم كلاً من ايران وسورية والعراق و «حزب الله»، بعد سقوط النظام وتغير الوضع في سورية... استناداً الى سلاحه الأقوى من سلاح الدولة من جهة، وعلى الأمر الواقع السياسي والعملي في لبنان بما في ذلك استقطاباته الطائفية والمذهبية من جهة ثانية.

لكن كيف يتصور «حزب الله» تحويل مثل هذا السيناريو الى حقيقة؟ غالب الظن أن الحزب لا يرى نفسه خارج الهيمنة الفعلية على لبنان، ولا أساساً خارج منظومة «المقاومة والممانعة» في المنطقة، أياً كانت طبيعة النظام في سورية، خصوصاً بعد ما يعتبره «انجازات» كبرى تمكن من تحقيقها في الفترة الماضية على الصعيدين المحلي الضيق والاقليمي الواسع. واذا كان سلاحه والتفاف الطائفة الشيعية حوله من ناحية، وخضوع لبنان الدولة للوصاية السورية والنفوذ الايراني من ناحية ثانية، قد وفرا له دوراً مقرراً شبه كامل فيه (مصادرة مجالس نيابية وتبديل أكثريات وأقليات واسقاط حكومات وتعيين أخرى)، فهو لا يتصور أي نوع من التفريط بالسلاح أو بالوضع المقرر الذي نشأ عنه.

من هنا كان تجاوزه لما كان اقترحه هو في السابق تحت عنوان «الاستراتيجية الدفاعية» للتهرب من رفض معظم اللبنانيين لاحتفاظه بالسلاح، واستبداله بما سماه «استراتيجية للتحرير» مع علمه المسبق بعجز لبنان البنيوي، السياسي والاقتصادي والعسكري، عن انتهاج مثل هذا الأسلوب من أجل تحرير بقعة من الأرض لا يملك مستنداً – من سورية أساساً؟! – ولا دليل علمياً على ملكيتها.

والواقع أنه بعد أن دار الزمن دورة كاملة منذ بدء الحوار حول «الاستراتيجية الدفاعية» في 2006، وبدأ الحديث عن الأمرة على السلاح، على افتراض بقائه على حاله، والحاجة الى ان تكون الأمرة بأيدي الدولة وقواتها الشرعية، فانه لم يجد بدا من التراجع عن موقفه السابق واعادة النقاش الى مربعه الأول: لا استراتيجية للدفاع، أو لا استراتيجية للدفاع فقط، وانما استراتيجية للتحرير أولا وقبل كل شيء.

بل أكثر من ذلك، هدد الحزب، ومجدداً تحت شعار «الناس» الذي غالباً ما اختبأ خلفه في تعامله مع كل من قوات «اليونيفيل» والجيش اللبناني في الجنوب، بأن يأخذ قضية التحرير بيده اذا تلكأت الدولة في لبنان عن السير في مشروعه واستراتيجيته لتحرير تلك البقعة من الأرض.

ولا يعني طرح الحزب هذا الا أنه يقرر للبنان، ونيابة عنه، ما يريد له من سياسات داخلية واستراتيجيات اقليمية، وربما يضعها موضع التنفيذ أيضا كما فعل في 2006 بأسر الجنود الاسرائيليين وأدى الى تحميل لبنان أهوال العدوان الاسرائيلي الشامل والمدمر عليه.

هذا على المستوى الاقليمي، وبخاصة منه ما يتعلق بمحور «المقاومة والممانعة» الذي يريد الحزب أن يبقيه حياً، وأن يبقي لبنان عضواً فيه، حتى بعد سقوط ضلعه الآخر في سورية. أما على المستوى المحلي فيكفي النظر الى طرحه الخاص بالدعوة الى «مؤتمر تأسيسي» للدولة والصيغة اللبنانيتين. فالحزب، وان لم يعلن ذلك صراحة، يعتبر أن لبنان بلد قيد التأسيس، أو أقله أنه يريد اعادة تأسيسه، تجاوزاً منه للدستور اللبناني المكتوب ووثيقة الوفاق الوطني، وأولاً وقبل ذلك لـ «اتفاق الطائف» الذي دفع لبنان أكثر من مئة وخمسين ألف قتيل للوصول اليه.

لم يسقط النظام السوري حتى الآن، لكن محور «المقاومة والممانعة» الذي ترأسه ايران ويشكل «حزب الله» أحد أضلاعه، يضع للبنان، الأرض والشعب والدولة، سيناريو مختلفاً لابقائه أسير هذا المحور.

وما سبق من طروحات بدأ «حزب الله» يتحدث عنها علناً ليست سوى بعض ظواهر هذا السيناريو. ووفقاً لهذه الظواهر، فما تتصوره منظومة «المقاومة والممانعة» للبنان في ما بعد تغير الوضع في سورية، هو «لبنان آخر» بكل ما تعنيه هذه الكلمة... «لبنان» الذي تحدث عنه الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد بعد اجتماعه في دمشق مع الرئيس السوري بشار الأسد والأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، واعتبره عضواً فاعلاً في ما يسمى «جبهة الشعوب المقاومة للاستعمار»!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

معركة كسر العظم في سوريا

المصدر: صحيفة " روسيسكايا غازيتا " الروسية

التاريخ: 16 أغسطس 2012

البيان

أعلنت السلطات السورية إحكام سيطرتها على كامل أحياء العاصمة دمشق. وبمتابعة الأوضاع يبدو أن مواجهات دامية دارت في مدينة حلب التي تشكل أهمية كبيرة لمقاتلي الجيش السوري الحر الذي يسعى لجعل حلب ركيزته الأساسية على غرار بنغازي الليبية.

السيطرة على حلب تنطوي على أهمية كبيرة جداً بالنسبة لطرفي النزاع. ذلك أن المعارضة تنوي تحويل تلك المدينة إلى عاصمة للثورة.

أما إذا تمكنت القوات الحكومية من طرد الجيش السوري الحر من حلب فسوف يعني ذلك أن المعارضة لم تعد تسيطر على أية مدينة، وانها ستواجه مأزق التشتت في مدن ومواقع مختلفة لن تستطيع فيها تجميع قواتها لمواجهة هجمات الجيش النظامي السوري المستمرة والقوية.

يذكر أن روسيا والصين، بالإضافة إلى عشر دول أخرى صوتت منذ أيام ضد قرار صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يطالب الحكومة السورية بسحب قواتها من المناطق السكنية. واعتبرت موسكو وقتها أن ذلك القرار لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة السورية.

أما ممثل روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين فوصف ذلك القرار بالضار لأنه يتناقض مع خطة التسوية السلمية ومع القرارات التي تم التوصل إليها في جنيف، حيث إن انسحاب قوات النظام السوري من أي مدينة سوف يعني إحلال قوات الجيش السوري الحر مكانها، خاصة وان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة موجه لقوات النظام السوري فقط دون غيرها.

وزير الخارجية الفرنسي فيرى قال إن اعتماد الجمعية العمومية لذلك القرار يبرهن على جدية الجهود الذي يبذلها المجتمع الدولي لإيجاد مخرج للأزمة السورية. واعتماد هذه الوثيقة يعني إدانة قوية يوجهها المجتمع الدولي للخروقات المتكررة والمبرمجة لحقوق الإنسان في سوريا وإدانة القوة المفرطة التي يستخدمها النظام الحاكم لقمع المدنيين السوريين.

عن جهتها أعلنت السلطات البريطانية أنها تنوي العمل على زيادة الدعم الذي تقدمه للمعارضة السورية. وما أن صدر هذا الإعلان عن لندن حتى جاء رد قوي من العاصمة الصينية بكين التي اعتبرت أن الغرب في مساعيه المحمومة لتغيير النظام السوري قلل من فرص نجاح الجهود الدبلوماسية التي تبذل لحل الأزمة السورية.

فقد صرح المستشار في إدارة القوميات والمنظمات العالمية في وزارة الخارجية الصينية لونغ تشجوي أن الصين تعارض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول وتعارض التدخلات الأجنبية الرامية إلى تغيير الأنظمة بالقوة. ودعت الخارجية الصينية الدول التي تطلق مثل هذه المبادرات أو تدعمها إلى التفكير ملياً لمعرفة الجهة الحقيقية التي تحول دون التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة السورية.

وبغض النظر عن الاختلاف في المواقف بين الدول الكبرى وعن السجال بين ساستها يبقى واضحاً أن ما يسمى بالمجتمع الدولي تجاهل مجدداً المقاتلين المدججين بالسلاح المنتسبين للمعارضة السورية والذين يتحملون القسم الأكبر من المسؤولية عما يجري في سوريا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الطريقة المثلى لمساعدة سوريا

تاريخ النشر: الخميس 16 أغسطس 2012

الاتحاد

في وقت فشلت فيه الخيارات الدبلوماسية لحل الصراع المضطرم في سوريا بدأت تتعالى الأصوات الداعية إلى تسليح المعارضة مع تزعم بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي لهذه الدعوات، ومع أننا نقتسم معهم التزامهم بضرورة العمل لوقف قمع نظام الأسد، إلا أن الحجج التي تستند إليها دعوات تسليح المعارضة تقوم على ثلاث فرضيات لا تستقيم من وجهة نظرنا. في الفرضية الأولى، يقول المدافعون عن تسليح المعارضة إن ذلك سيجعل أمد الحرب أقصر وسيمكن الثوار من النصر، والحال أن تحليلات أجرتها مراكز بحثية مستقلة ورصينة مثل "مجموعة الأزمات الدولية" ترى أن حرباً أهلية ممتدة على أسس طائفية ستبقى مستمرة حتى بعد سقوط الأسد، وليس واضحاً كيف يمكن لقوة جوية خارجية، أو مد المعارضة بالسلاح، أن يوقف الصراع الطائفي، ولاسيما أنه لا أحد يتحدث عن إرسال قوات برية. والنتيجة أن تحقيق نصر عسكري ناجز في سوريا يوقف إراقة الدماء أمر غير وارد سواء بتدخل أميركي، أو بدونه، بل على العكس من ذلك سيزيد التدخل العسكري الأميركي من تشجيع روسيا وإيران على دعم النظام والوقوف إلى جانب فلوله حتى بعد رحيل الأسد.

أما الفرضية الثانية التي يسوقها المدافعون عن ضرورة تسليح المعارضة فتذهب إلى أن ذلك من شأنه تعزيز النفوذ الأميركي في سوريا بعد الأسد، ويعتقدون أن البقاء بعيداً عن الصراع سيجعل الثوار وبعدهم النظام الجديد في سوريا ينفرون من الولايات المتحدة التي أدارت لهم ظهرها في وقت الشدة، وربما يؤدي ذلك إلى صعود الأطراف المتشددة لتولي السلطة وإدارة البلاد، ولكن على غرار باقي الصراعات التي انخرطت فيها الولايات المتحدة قد لا تجدي أيضاً المساعدات العسكرية في ضمان نفوذ سياسي أميركي على المدى البعيد. فمن الصعب تصور المعارضة بعد تولي السلطة وهي ترفض اليد الأميركية الممتدة لها ما أن يسقط النظام السوري، فمَن غير أميركا يمثل خياراً وشريكاً جاذباً يمكن للمعارضة الاعتماد عليه في مرحلة بناء الدولة؟ فروسيا وإيران بدفاعهما المستميت عن النظام حرقتا جميع أوراقهما في دور محتمل بسوريا بعد سقوط الأسد.

وأخيراً هناك الفرضية الثالثة التي مفادها أن الدعم العسكري الأميركي للمعارضة سيحول دون تغلغل "القاعدة" في سوريا، والحقيقة الأكثر ترجيحاً هي أن التدخل الأميركي سيزيد من التطرف ويجتذب المتشددين أكثر من طرده إياهم، كما أن "القاعدة" ستستغل المساندة الأميركية للفصائل الليبرالية من المعارضة لتلطيخ سمعتها وضرب مصداقيتها أمام الشعب السوري، هذا بالإضافة إلى التساؤل الجوهري حول الكيفية التي يمكننا بها التأكد من أن الأسلحة الموجهة إلى المعارضة لن تسقط في أيدي العناصر المتشددة منها؟ ومن المفهوم أن تطالب أغلب فصائل المعارضة في عز الصراع مع النظام بالحصول على أسلحة أميركية، ونحن لا نستبعد تقديم مساعدات عسكرية ذات طبيعة إنسانية إذا ما تدهورت الأمور أكثر في سوريا، ولكن التركيز على الأسلحة الأميركية الآن قد لا يكون الخيار الأمثل في الوقت الراهن لا لأميركا ولا للمعارضة، فخطر تسليح المعارضة ما زال مرتفعاً باعتراف الثوار أنفسهم، ولاسيما في غياب دليل على أن هذا الخيار سيكون فعالاً، هذا في وقت يجب ألا ننسى فيه أنواع الدعم الأخرى التي تقدمها الولايات المتحدة للمعارضة متمثلة في الجهود التي تقودها وزارة الخارجية الأميركية ونواب الكونجرس لعزل النظام دولياً وتكثيف الضغوط على أركانه من خلال فرض العقوبات، كما أن الخارجية الأميركية بدأت بالفعل العمل مع المعارضة استعداداً لمرحلة ما بعد الأسد. وحتى في هذا المجال يتعين على الولايات المتحدة تشجيع السوريين أنفسهم على رسم ملامح المرحلة المقبلة مع التركيز على تعددية الحياة السياسية وتسامحها مع المكونات المختلفة للشعب السوري.

-------

داليا داسا كاي

محللة سياسية بمركز راند كور

ديفيد كاي

محام سابق في وزارة الخارجية الأميركية

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

صناعة المؤامرة وتنفيذها!

منار الرشواني

16-8-2012

الغد الاردنية

لنقبل جدلاً ما يؤكده قوميون ويساريون بأن الثورة في سورية هي محض مؤامرة أميركية-إخوانية-خليجية، تستهدف النيل من دور سورية "المقاوم الممانع"، ولا تبالي بفساد نظام بشار الأسد أو دكتاتوريته. وبعد أكثر من سبعة عشر شهراً على الشروع في تنفيذها، يبدو أن المؤامرة تؤتي أكلها فعلاً، بل وبشكل أكثر مما أراد المتآمرون. فنظام الأسد الذي يفترض أنه بدكتاتوريته وفساده قد استخدم ذريعة ليس إلا، لم يسقط بعد، فيما يلتهم الدمار والخراب والدماء سورية البلد ككل، ويضعها على أعتاب حرب أهلية طائفية، قابلة بدورها للتمدد إقليمياً، لاسيما إلى لبنان، ولربما تجديد الحرب الأهلية الطائفية في العراق.

كيف بات ذلك ممكناً؛ كيف نجح الأميركيون والإخوان والخليجيون في تحقيق كل هذا النجاح الأسطوري؟ هل فاجأهم مستوى عمالة أحفاد يوسف العظمة، وإبراهيم هنانو، وسلطان باشا الأطرش، وعزالدين القسام، وجول جمال وغيرهم الكثير، فكان حصاد المؤامرة أكثر حتى مما حلم به المتآمرون؟

بحسب رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب، فإن نظام الأسد لم يعد يسيطر على أكثر من ثلاثين بالمائة من الأراضي السورية. وإذا كانت أخبار القتلى تنبئ بخلاف ذلك، فلأن هذا النظام قد عوض غيابه الكامل عن أكثر الأرض السورية بالتدمير والقتل عن بعد، عبر استخدام الطائرات الحربية، أو بالوكالة من خلال شبيحة وعصابات مرتزقة. هل يبدو ممكناً هنا الاستنتاج منطقياً بأن نظام الأسد بات هو، ومناصروه، من ينفذ فعلياً المؤامرة المزعومة الأميركية-الإخوانية-الخليجية؟ وأهم من ذلك، من يتحمل الوزر الأكبر؛ من يضع المؤامرة المزعومة أم من ينفذها بإخلاص؟!

ولأن سورية ليست إلا جزءاً استعصى لأشهر ضمن مؤامرة أوسع على العالم العربي ككل؛ فلنا أن نسأل أيضاً، حتى خارج الاستثناء السوري، عن الرد العربي القومي اليساري الذي طال انتظاره على المؤامرة الغربية-الإسلامية التي اطلعوا هم وحدهم على تفاصيلها! هل يملك هؤلاء أي برنامج عمل باستثناء الشعارات التي ما أوصلتنا، على امتداد عقود، إلا إلى الاستبداد والفساد، ولربما الحروب الأهلية مستقبلاً؟

للأمانة والإنصاف يملك القوميون واليساريون من أنصار الاستبداد والفساد برنامج عمل واضحا، وواحدا وموحدا، هو: معاداة الإسلاميين! حتى لو اقتضى الأمر معاداة الشعوب. وفي هذا السياق، فإن قول يساريين وقوميين بتنكر الإسلاميين لأنظمة ساندتهم وآوتهم، كنظام الأسد، إنما يمثل فقط إدانة لهم أنفسهم وليس للإسلاميين أبداً! فأياً كانت دوافع الإسلاميين، سابقاً وحالياً ولاحقاً، فقد أدركوا بذكاء أو بفطرة أن لا نظام أبقى من الشعوب وفي مواجهتها؛ فيما قرر يساريون وقوميون أن الشعوب غير موجودة، وأن البقاء يجب أن يكون للنظام.

لكن هل الأمر بهذه البساطة؟ حتماً لا! فالقوميون ما اختاروا هذا الموقف الخاسر سلفاً إلا لأنهم لا يملكون ما يقدمونه للشعوب العربية المقهورة، التي صبرت طويلاً على جعجعتهم ولم تر طحناً. وهكذا يكون الربيع العربي كله، وليس في سورية فقط، مؤامرة فعلاً لأنه كشف عجز وخواء من طال حديثهم باسم الأمة والفقراء والمسحوقين زوراً وبهتاناً عقوداً مديدة.

manar.rachwani@alghad.jo

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

حجاب والنفس الأخير!

طارق مصاروة

الرأي الاردنية

16-8-2012

حين يقول رئيس الوزراء المنشق حجاب انه لا يريد منصباً.. الآن او في المستقبل، فان فراستك تصدق في الرجل الذي يغامر مع 35 فرداً من عائلته في قطع مسافات الدم حتى الحدود الاردنية، ذلك انك امام فلاّح من الجزيرة السورية، وجد نفسه في المكان الخطأ!

في الأيام الاولى لانشقاقه عن النظام، قالت الأنباء انه في الاردن، ووجد الناطق الرسمي الاردني نفسه يكذب الخبر: فهو ليس في الاردن!

وكان واضحاً ان خطة الرجل هي تضليل الامن السوري.. ذلك انه قيل بعد ايام انه وصل الى تركيا، لكنه كان قد وصل الطرة وعمراوة على الحدود الاردنية، وانه كان ينزل «وعربه» ضيفاً على الجيش الحر الذي مرّ به من حوران السورية الى حوران الاردنية!

لقد تابعنا جزءاً مما قاله الرئيس حجاب، في مؤتمره الصحفي، وكان الرجل كانشقاقه.. واضحاً حاسماً يعرف ان النظام ينهار، وانه لا يسيطر على الارض السورية، وان هناك رجالاً صادقين في الجيش، وفي جهاز الدولة من العابرين المرابطين الذين سيحسمون الأمر في النهاية القريبة!

تسمع من اصدقاء النظام السوري هنا، كلاماً حانقاً، غير متوازن بأن الآف المرتزقة يقاتلون في سوريا باسم الجيش الحر، وانه لا جيش حر، ولا ثورة، ولا احتجاج!! وتكاد لا تصدق اذنيك فالوحيدون الذين تم الامساك بهم في دمشق هم خمسون ايرانياً قالت طهران انهم جاءوا حجاجاً!! وآخرون من لبنان جاءوا من طهران عبر تركيا.. ونظنهم كانوا يحجون ايضاً وانت لا تعرف للمسلم ارضاً للحج غير مكة المكرمة، ولا تعرف للشيعي غير النجف وكربلاء في العراق، وعندنا هنا جاء ايرانيون بالآلاف لزيارة قبر جعفر بن ابي طالب نزيل مؤتة وشهيدها، ثم انقطعوا دفعة واحدة فعرفنا ان هذا الحج في مؤتة تم بايعاز سياسي. ولو فرضنا ان الايرانيين واللبنانيين الذين وقعوا في يد الجيش الحر هم فعلاً زوار وحجاج، فانهم يزورون بايعاز مع ان جماعة المعارضة الايرانية عرفوا منهم قادة في الحرس الثوري!

لا فضائيات الجزيرة والعربية وغيرها تصنع ثورة، ولا وجود القاعدة او غيرها توصل نظاماً قمعياً، كالنظام السوري، الى ما وصل اليه من الانهيار، فحلب وريف دمشق ودرعا وحمص وحماه وادلب عصية حتى بعد عام ونصف، وبعد اسابيع طويلة من القتال.

النظام في سوريا اثخن حتى اخذ يسبح في دم سوريا، وصار الوقت الذي يعلن فيه القائد الملهم انه كان فاشلاً، وان ثلاثة وعشرين ألف قتيل يحمل هو وزرهم، وان اهانته التي لا تنسى لجيش سوريا، وهو قائده، كانت الأشد قسوة في العرف الوطني والقومي!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الإبراهيمي وما يمكن أن يقوله للأسد

الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٢

عبدالوهاب بدرخان

الحياة

آتي اليكم اليوم مبعوثاً من الأمم المتحدة والجامعة العربية، والحقيقة أنني لم أتحمس كثيراً لهذه المهمة، للأسباب عينها التي جعلت سلفي كوفي انان ينسحب، وقد تجعلني أنسحب بدوري. لكني أعتقد أن الديبلوماسية يجب أن تبقى متاحةً، وألاّ تُوصَدَ دونها الأبواب، فتكون بذلك جاهزة متى حانت أي فرصة للحلول السياسية، فاعتبروني كما أعتبر نفسي، مجردَ مسهّل للأمور إذا كنتم تَنشُدون إنهاء هذه الأزمة.

أعرف أنكم بتّم تشعرون بحساسية وانزعاج من مجرد ذكر اسم الجامعة العربية، ولا أجاريكم في ذلك، لأني مطّلع على تدرّج موقفها مما يحصل في سورية. وقد رأيتكم تتعاملون مع الأفكار والمساعي الدولية، المستوحاة من قرارات الجامعة والمستندة الى شرعيتها، كما رأيت أنكم أحبطتم «التعريب»، ثم «التدويل»، وفهمت أنكم تُؤْثِرون حلاًّ داخلياً. دعوني أصارحْكم هنا، بأن كل العواصم بلا استثناء، صديقةً لكم أو معاديةً، كانت تفضّل علناً، ولا تزال تحبّذ ضمناً، حلاًّ بين السوريين، غير أن قدرتكم على ضرب هذا الحل واستبعاده أذهلتني وكثيرين مثلي، حتى أننا لم نعد نفهم إطلاقاً إلامَ تستندون في صنع قراراتكم.

لستُ هنا لأكون تغطية لخططكم الأمنية، أو لأكون في خدمة مناوراتكم للبقاء في السلطة ولا حتى في خدمة سعي المعارضة لإطاحتكم، بل أريد أن أنسى وتنسوا للحظات صفتي الديبلوماسية، لأقول كعربي قومي الدواخل، إنني هنا في سبيل انقاذ سورية. لا، لن أعود الى أيٍّ من الشعارات التي طنطنّا جميعاً بها طوال عقود، بل قصدت سوريةَ الدولة والشعب والتاريخ، وسورية التعايش الذي عاند قسوة السياسة المتعسكرة، وصبر ولا يزال قادراً على الصمود، لما في مجتمعها من الأصالة وأريحية الطبائع، وهذا ما أخشى أننا عشيةَ افتقاده في الشرق، ويا لفداحة الخسارة. فأين حلّكم الأمني منها، وكيف تدبّرتم تجنبها بالتمادي في القتل وحزّ الأعناق والتنكيل بالكرامات، وبالإمعان في القصف الأعمى للعمران والمعالم التاريخية والحضارية، وصولاً الى تهجير من كانوا حتى أمس القريب يعتبرون أنفسهم مواطنيكم، وظنّوا دائماً أن مثل هذا المصير لن ينزله بهم سوى العدو، والعدو بالنسبة اليهم هو اسرائيل، وها هم اليوم يقارنون وحشية العدو ضد إخوتهم الفلسطينيين باستشراسكم عليهم، بل يسمّون كل شبر أرض «محرّراً» إذ يُجْلونكم عنه. أعرف أن سورية عانت دائماً من مؤامرات عليها، أسوة بالعالم العربي كله، لكني والحق يقال، لم أستطع إبصار مؤامرة حين خرج الناس من بيوتهم ليتظاهروا ويطالبوا بالحرية، بل استشعرت قصر نظر في احتقار طموحاتهم. كانت لديكم مصلحة أكيدة في حقن دمائهم، وفي محاورتهم حين كان الحوار ممكناً وأقلّ كلفة، ولو كان لديكم الخُلُق والاقتدار لتقدمتم صفوفهم لتكونوا معاً وجميعاً في محق «المؤامرة».

أريد أن أصارحكم بأن المؤامرة جاءت في ما بعد، على ظهر دباباتكم وأجنحة صواريخكم وهي تدكّ المدن والحارات، وطالما أني آتٍ من الخارج، فدعوني أنقل اليكم الصورة الأليمة والممضّة لأي عربي يحب سورية التي توشكون على التفريط بها، وقبل ذلك أسألكم: لماذا تحاربون شعبكم؟ أمن أجل البقاء في السلطة؟ إنكم لفاقدونها عاجلاً أم آجلاً، لا أحد يشكّ في أنكم تستطيعون أن تقاتلوا حتى الرصاصة الأخيرة، أما أن تسحقوا الشعب لتحكموه فهذا كان تقليداً سائداً ولم يعد... أتحاربون لاسترجاع مكانة سورية ودورها الإقليمي؟ بإمكاني أن أؤكد لكم، وأحدس بأنكم تدركون، أن الحكم الذي يفقد دعم شعبه لا يمكنه الاحتفاظ بأي مكاسب خارج الحدود. نعم، سمعت ما قاله مسؤول إيراني بأنكم صامدون لتمتعكم بتأييد شعبكم، ولأنكم «حصن المقاومة المنيع»، وأتساءل: هل يخدع نفسه أم يخادعكم؟ ولكم أن تصدّقوه أو تكذبوه، أما اذا كنتم تعتقدون بإمكان استئناف اللعب بما كان لكم من «أوراق»، فإنني أَصْدُقُكم القول بأن العالم، بمن فيه حلفاؤكم الذين يحاربون بكم، بات يعرف أنكم خسرتموها، ولم يعد لديكم ما تكسبونه سوى هذا الدمار الذي صار مثل إهالة التراب على جثة وطنكم الذي كان في أفئدة العرب بمثابة وطنهم المتخَيَّل... أتحاربون من أجل طائفتكم وعائلتكم؟ اذا كان هذا صحيحاً، فهو على أي حال ما يعتقده العالم، أما أنا فلا أريد أن أصدّق، لأنكم بذلك لا تجازفون بالطائفة والعائلة فحسب، بل تتجاهلون أنكم ائتُمِنتم على سورية العظيمة وها أنتم تعرضونها في سوق النخاسة ليتناتشها السماسرة، ولتعود الطوائف كافة، ومنها طائفتكم، الى استجداء الحمايات من كل حدب وصوب. أنتم أدرى بما تريده العائلة، لكن هل تظنون أن الطائفة وراءكم في ما تعرّضونها له وما ترتكبونه باسمها، أم أن غطرسة العصبية والتقوقع زيّنت لكم أن سورية لا تستحق أن تبقى موحدة أرضاً وشعباً اذا لم ترضَ بكم حكاماً، فتعاقبوها بتقطيع أوصالها لتنالوا كياناً ذاتياً تظنون أنه سيكون آمناً بضمان روسيا وايران و... اسرائيل. هناك آلاف السلالات والعائلات التي حكمت واندثرت، ولا ينوّه التاريخ إلا بمن تشهد مخلّفاتهم على ثوابت وئام اجتماعي وتراث عمراني أو اشتراعي وثقافي. واذا كان لي أن أذهب الى أقصى الصراحة، التي لن تسمعوها مباشرة من أحد، فإني مُبَلِّغُكم أنكم أنى هربتم وتواريتم ستكونون مطارَدين، سواء نجحتم في التسويق لدويلتكم أم لا، فهل هذا كل ما لديكم للطائفة والعائلة طالما أن لم يعد لديكم ما تقدّمونه لسورية؟

لا بد لي أن أحذركم بأن كل ما خططتم له مع ايران، وبدعم خبيث من روسيا والصين، لن ينقذ نظامكم، ولن تستطيعوا إحراق المنطقة، كما قلتم، حتى لو نجحتم ببعض التخريب هنا وهناك. قبل سنة، كان أبناء الشعب يواجهونكم بصدورهم وحناجرهم، وقبل بضعة أسابيع صاروا يردّون على المدفع بالرصاص، والآن يدمّرون دبابات ويسقطون طائرات اشتريتموها بأموال كان الأحرى أن تنفق على بناء مدارس وجامعات ومستشفيات ومشاريع إنتاجية. هل أذكّركم بأن ملايين عدة من الشعب تائهون بحثاً عن ملاذات، وبأن من كان معكم صار الأكثر خوفاً من أخطائكم. هل أذكّركم بأن عملتكم فقدت أكثر من نصف قيمتها، وأن معاقبتكم على سفككم دماء السوريين أهلكت الاقتصاد وهرّبت الاستثمارات وجمّدت تصريف النفط وقضت على السياحة وأغلقت الشركات وأوقفت تحويلات المهاجرين، حتى بلغت الخسائر عشرات بلايين الدولارات ستضاف اليها عشرات اخرى لإعادة الإعمار. لا أعتقد أنكم تحتاجون الى تذكير، لكن اذا كانت هذه هي النتيجة، فلماذا ارتضيتم هذه الحرب داخل البيت السوري؟ هل قلتم إنكم دمّرتم أحياء كاملة في دمشق وحلب وحمص وحماة ودير الزور وإدلب من أجل فرض «الإصلاحات» التي تناسبكم، وبالتالي استدراجاً لمن يرغب في محادثتكم بشأن «حل سياسي»؟ الأكيد أنكم اخترتم الطريقة التي تقتل هذا الحل وتجعل سورية، في أحسن الأحوال وبسبب سوء تقديركم، تحت انتدابات عديدة، إن لم تؤدِّ الى تمزيقها... ومع ذلك، فلكم القرار، هناك فرصة أخيرة لحل من أجل سورية يبدأ بتنحِّيكم ونقل السلطة الى حكومة وحدة وطنية، وعلى هذا أبني مهمتي كمبعوث دولي–عربي، أما أي حل من أجل الطائفة والعائلة فلست معنياً به، لا كمبعوث ولا كعربي، وهو لن يستقيم إلا في اطار حل من أجل سورية.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لبنان والإرث السوري

الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٢

حسان حيدر

الحياة

عبثاً يحاول لبنان النأي بنفسه عن التطورات في سورية، وعبثاً يتقاذف اللبنانيون على اختلاف مشاربهم المسؤولية عن محاولات جر البلد إلى الحرب الأهلية الدائرة بضراوة على أرض جارتهم، ذلك أن نظامهم بتركيبته الهشة والمصطنعة التي عملت سورية نفسها على تكريسها، لا يستطيع اتباع سياسة الحياد حتى لو رغب بها أكثر من مكون، كما لا يستطيع التنصل فجأة من عملية التماهي مع نظام دمشق بعدما استسلم لها طوال عقود، وجعل غياب الدولة الجامعة أساساً لإبرام سلمه الأهلي وفق معادلة الفصل بين مقوماتها: الجيش والشعب والمقاومة، بحيث بات التخلي عن أحد عناصر هذه الثلاثية يوازي الانقلاب على وجود الدولة ذاتها.

منذ الدخول السوري الأول إلى لبنان في 1976 كان واضحاً لدمشق أن البقاء فيه يتطلب إجراء تغييرات بنيوية في نظامه وإفراغ مؤسساته من مضمونها مع المحافظة عليها شكلا، لتتماشى مع نظامها وتتكيف مع حاجاتها وتستجيب بسرعة لتوجيهاتها. وترافق ذلك مع دمج تدريجي للسياسة الخارجية لكلا البلدين انتهى إلى ما بات يعرف بـ «توحيد المسارين» الذي ألغى الفوارق بينهما عملياً وحول لبنان مجرد تابع للموقف السوري في المحافل العربية والدولية.

ونجحت السلطة السورية الجديدة ممثلة بالجيش والمخابرات من كل نوع، في الحلول على مراحل مكان المؤسسات والأجهزة اللبنانية، مع استثناءات بسيطة، في رعاية شؤون الجماعات الأهلية وترتيب التوازنات بينها وربطها جميعاً بمرجعية وحيدة يمثلها مسؤول «الأمن والاستطلاع» السوري.

اما الانتخابات النيابية التي كانت رغم كل العيوب المحيطة بها تمثل حداً معقولاً من التمثيل الشعبي والمناطقي، فتحولت في العهد السوري إلى مجرد إجراء شكلي لإعلان «فوز» لوائح مركبة سلفاً تختار دمشق المحظوظين لدخولها، وصار البرلمان اللبناني نسخة عن «مجلس الشعب» السوري ومجرد أداة في يد السلطة السياسية يواكب «سوريتها» بالقوانين بدلاً من أن يكون رقيباً عليها. حتى أن رئاسته باتت أيضاً لمدى الحياة.

وفي العهد السوري كذلك تربت أجيال من السياسيين على الخضوع التام للأوامر القادمة من الشام، بحيث اعتاد هؤلاء التنافس على تقديم الطاعة لدمشق وأخذ رأيها في كل صغيرة وكبيرة، وعلى الامتثال التام لما تراه في مصلحتها بما في ذلك نزوات التجديد والتمديد. أما الذين أبدوا مقاومة ما، فإما قوطعوا وعزلوا، أو دبرت لهم تهم أدخلتهم السجون، أو لم «ينفع» معهم سوى الاغتيال.

وكانت «درة تاج» الإدارة السورية للبنان، وضع دمشق يدها على الأداة الإيرانية الناشئة (حزب الله) في مطلع الثمانينات، وتبنيها عملياً وسياسياً، وشمولها بالحماية وإلحاقها بمنظومتها للتحكم، وتضخيم دورها عبر منحها حصرياً حق تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، ثم مدها مع الحليف الإيراني بالأسلحة والأموال التي جعلتها دولة أهم من الدولة وجيشاً أقوى من الجيش.

نجح نظام دمشق في تطويع السواد الأعظم من قادة لبنان السياسيين والعسكريين والنقابيين ورجالات المجتمع، وفي ضبط تواقيتهم على ساعته، حتى إذا اضطر جيشه مجبراً على الخروج من أراضي لبنان، ترك وراءه ليس فقط جماعات وتنظيمات وأفراداً مرتبطين بأجهزته ويحفظون له الجميل لما أوصلهم إليه، بل أيضاً بلداً ممزقاً سياسياً ومنهكاً اقتصادياً، يحول تعدد الولاءات فيه دون اجتماعه ونهوضه.

واليوم، إذ يقترب نظام دمشق من نهايته، يكتشف اللبنانيون أن التخلص من إرثه في بلدهم سيكون أصعب من إسقاط بشار الأسد نفسه، ذلك أنه إضافة إلى إحدى طوائفه المدججة، مليء بـ «السياسيين» المقتنعين بفاعلية العبوات الناسفة، ويعج بـ «الأجنحة المسلحة» للعشائر والعائلات، وأن خلاصه يتطلب جهوداً كبيرة ووقتاً طويلاً جداً.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لماذا صعدت إيران؟.. لماذا غضب أردوغان؟

سمير صالحة

الشرق الاوسط

16-8-2012

حين يفجر رجب طيب أردوغان غضبه ويفرد قسما كبيرا من كلمته في حفل إفطار ينظمه حزبه للرد على الهجمات والاتهامات التي يوجهها صقور السياسة الإيرانية لتركيا «المتعاونة مع الرجعية والصهيونية» غير عابئ بإفطار آخر يقيمه وزير خارجيته في اليوم نفسه وعلى بعد مئات الأمتار فقط على شرف نظيره الإيراني - على الرغم من أن الأخير قال إن هذه التصريحات والمواقف لا تعبر عن رأي الحكومة - فهذا يعني أن العلاقات التركية - الإيرانية باتت على المحك وتحتاج إلى مراجعة جدية شكلا ومضمونا.

طهران وأنقرة تتمسكان بصلابة العلاقات وصعوبة اهتزازها بعد سنوات من التنسيق والتعاون والانفتاح وتبادل الخدمات، لكن المواقف والطروحات المتباعدة والمتضاربة حيال أكثر من ملف وقضية تقول عكس ذلك، وهي باتت تشير إلى مواجهة محتملة إذا لم يتم إزالة أسباب الخلاف، وهي في معظمها تتمحور حول الأزمة السورية وتفاعلاتها.

تذكير أردوغان للإيرانيين بالوقوف إلى جانبهم في الأيام الصعبة على الرغم من كل انتقادات الحلفاء والشركاء والجيران رافقه دعوته القيادة الإيرانية لمراجعة مواقفها وسياساتها وتحذيره من أن لعبة الصقور والحمائم في طهران لن تنطلي على الأتراك بعد الآن.

صالحي يحضر لبحث إمكانية التوسط التركي للإفراج عن المحتجزين الإيرانيين في سوريا، وسماع رأي حكومة العدالة والتنمية في جدول أعمال الاجتماع الذي أعدت له طهران حول الأزمة السورية، وجليلي وفيروزآبادي يتهمان باسم القيادة الدينية والحرس الثوري أنقرة بالانخراط في مشروع التآمر على المنطقة ودولها بإشراف أميركي - إسرائيلي.

طهران تريد الحصول عبر تركيا على ضمانات غربية أن مصالحها الإقليمية في سوريا ولبنان والعراق لن تتعرض للاهتزاز في حال تخلت عن النظام في دمشق، وحسين شيخ الإسلام وكاظم جلالي باسم البرلمان الإيراني يتحدثان عن اقتراب تركيا من السقوط في المصيدة التي تعد لسوريا.

حكومة أردوغان تردد على مسامع الإيرانيين أنها تجد صعوبة في انتزاع أي تعهد غربي يطمئن طهران والقيادة الإيرانية، وطهران متمسكة بفكرة المواجهة التي لا مفر منها مع الغرب ورفض التفاؤل التركي حول احتمالات حدوث الصفقة في اللحظة الأخيرة، وربما هذا هو سبب الغضب الإيراني المتزايد والحملة الأخيرة ضد أنقرة.

التصعيد الإيراني ضد أنقرة تجاوز الخطوة التركية الأخيرة باتجاه نشر مظلة الصواريخ باسم حلف شمال الأطلسي على الحدود المشتركة بين البلدين أو انزعاج طهران من اتفاقيات التعاون الاستراتيجي بين أنقرة ودول الخليج الذي وصل إلى مستوى الاندماج الأمني وإعلان تركيا أن أمن الخليج بات جزءا من أمنها الإقليمي.

أنقرة كما ترى إيران باتت تقود بشكل أو بآخر ليس فقط مشروع إبعاد طهران عن دمشق وحرمانها هذه الورقة الاستراتيجية، بل هي ستتسبب بتركها خارج أي طاولة حوار تعد لمناقشة مستقبل سوريا، وربما هذا هو السبب الآخر الذي دفع إيران إلى الرد مؤخرا بأن حدود أمنها الإقليمي تجاوزت سوريا ووصلت إلى السواحل اللبنانية نفسها.

أجواء زيارة وزيرة الخارجية الأميركية الخاطفة إلى تركيا وما أعقبها من مواقف وتصريحات ستتعامل معها طهران على أساس أنها الرد المشترك على توصيات لقاء طهران وتورط تركي مباشر في إفشاله.

قبل أيام وعلى هامش قضية احتجاز مجموعة من اللبنانيين في سوريا تحرك البعض للتهديد باللعب بورقة أتراك لبنان ضد أنقرة. الخطورة الحقيقية على مسار العلاقات التركية - الإيرانية ستكون عندما تبدأ القيادة الإيرانية بالحديث عن دور تركي في اختطاف العشرات من مواطنيها من قبل الثوار في سوريا، وهي التي تطالب أنقرة بالتوسط حتى الآن.

طهران ستكون أكثر صرامة وتشددا حيال حكومة العدالة والتنمية كلما زادت الضغوطات الإقليمية والدولية عليها، وآخر أسباب ذلك سيكون مضاعفات ملف الوزير اللبناني الأسبق ميشال سماحة ببعده الإقليمي، فارتدادات هذه القضية لن تطال النظام السوري وحده، بل هي ستستهدف المحور السوري - الإيراني وامتداداته في لبنان، وتحديدا عندما سيحاول البعض التصدي لمحاولات إخراج القضية من إطارها المحلي ودمجها بملفات إقليمية ودولية تتعلق باستهداف أمن لبنان وسيادته.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

لا صراع على سوريا.. بل من أجل سوريا الديمقراطية!

اكرم البني

الشرق الاوسط

16-8-2012

بدأت الثورة السورية كحركة سلمية، وظهرت في مختلف مفاصل تطورها، بدءا من مظالم أطفال درعا، كمسألة داخلية تتعلق بحقوق الناس في الحرية والكرامة، وليس بأي حسابات أو ارتباطات إقليمية أو دولية، والدليل أنها استمرت لأشهر طويلة كأنها تواجه مصيرها وحيدة أمام آلة قمع لا تعرف هوادة، قبل أن تتقدم ردود الأفعال الخارجية وتتضح مواقف القوى المساندة للنظام كروسيا وإيران ومن يدور في فلكهما، في مقابل قوى انحازت بعد تردد وتحت وطأة الضغط الأخلاقي لما تخلفه آلة الفتك والدمار، نحو دعم مطالب الناس وحقوقهم المشروعة، كالدول الغربية وتركيا وأكثرية البلدان العربية، دون أن نغفل مرحلة اكتظت بالكثير من النصائح والمبادرات من أطراف عربية وإقليمية لمساعدة النظام على تجاوز أزمته، قبل أن تصل الأمور إلى الجامعة العربية وتفشل مبادرتها ثم إلى الأمم المتحدة وخطة كوفي أنان، ويتضح عجز المجتمع الدولي ومجلس الأمن عن أداء واجبه لإنقاذ أرواح السوريين، بسبب «ترويكا» الفيتو الروسي، ما فتح الباب على مصراعيه أمام من يرغب من الأطراف الإقليمية والعالمية للتدخل والاجتهاد في التعاطي مع التطورات السورية الجارية، لكن بداهة ليس على غرار ما عرف بمرحلة «الصراع على سوريا» التي شهدتها خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

صحيح أن باتريك سيل استند في كتابه الشهير «الصراع على سوريا» إلى موقع هذا البلد المفصلي في منطقة حساسة من العالم أو بالتعبير الاستراتيجي «منطقة المصالح الحيوية» الغنية بالثروات الطبيعية وأهمها النفط، منطقة لم تعرف الاستقرار طيلة عقود بسبب التنافس الشديد للهيمنة عليها بين القوى الإقليمية والعالمية وبسبب التحديات التي خلقها تنامي الدور الصهيوني ومخاطره بعد قيام دولة إسرائيل في عام 1948 لتبدو الانقلابات العسكرية التي حصلت وتناوبت على السلطة في سوريا منذ الاستقلال في عام 1946 حتى مطلع السبعينيات كأنها محصلة لصراع القوى العربية والعالمية للسيطرة على هذا البلد والتحكم بموقعه وسياساته.

وصحيح أن التداعيات التي أفرزتها الثورة السورية شجعت البعض على الاستنتاج بعودة «الصراع على سوريا» ربطا بحالة الضعف والإنهاك التي وصلت إليها البلاد جراء العنف المفرط والقمع الدموي الذي مارسته السلطة ضد الاحتجاجات الشعبية، وربطا بانحسار الدور الإقليمي الوظيفي للنظام السوري بعد الاحتلال الأميركي للعراق وانسحاب جيشه من لبنان، وتنامي التدخلات الدولية والإقليمية في المنطقة، لكن الصحيح أيضا أن أصحاب هذا الاستنتاج هم، عن قصد أو دون قصد، يروجون لما يسمى «نظرية المؤامرة» التي دأبت أجهزة السلطة على ترويجها ويصبون الحب في طاحونة النظام الذي يحاول إشغال الناس بالأخطار والتحديات الخارجية للتهرب من الاعتراف بمسؤوليته عن تفاقم أزمات المجتمع ومشكلاته المزمنة، والأهم أنهم يستخفون بتأثير رياح التغيير العربية في استنهاض الشعوب، وبالأسباب البنيوية العميقة التي حفزت الثورة السورية بصورة خاصة وشجعت الأكثرية المهمشة على كسر حاجز الخوف والمطالبة بحريتها وكرامتها.

لقد ارتبطت مقولة الصراع على سوريا وقتئذٍ بالدور المتعاظم للجيش في الحياة السياسية وبتواتر الانقلابات العسكرية التي حركتها مطامع القوى الكبرى في السيطرة على هذا البلد دون الأخذ في الاعتبار مصالح شعبه وطموحاته، لكن المشهد قد تغير اليوم، وها نحن نعيش ثورة تسعى إلى رد الحقوق للناس وتمكينهم من تقرير مصيرهم وشؤونهم، ما يشجع على طرح رؤية جديدة جوهرها اعتبار الصراع المحتدم في سوريا بما يرافقه من مواقف واصطفافات معلنة لقوى إقليمية ودولية مع أطرافه، هو صراع في الساحة السورية وليس صراعا عليها، صراع بين قطاعات واسعة من الشعب تطالب بالتغيير وبحريتها وكرامتها المهدورة وتتحسب أيضا من نيات الآخرين ومطامعهم، وبين سلطة لا تتوانى عن استخدام أشنع وسائل العنف وأكثرها ضراوة وتستعين بكل أصدقائها للدفاع عن بقائها وامتيازاتها، وغير ذلك هو استهانة بالثورة القائمة وبأسباب نهوضها وطعن بوطنية الشعب السوري وبما قدمه من تضحيات لا تقدر بثمن، كي يأخذ قضيته بيده ويضع حجر الأساس لبناء مستقبله الديمقراطي.

والحال، أن الاستبداد المزمن والطابع العسكري للسلطات الحاكمة وتغييب دور الناس وحرمانها من حقوقها، هي شروط تخصّب التربة الحاضنة للصراع على بلد ما وللسيطرة عليه، بينما تغدو هذه التربة عقيمة وقاحلة في حال شيوع الديمقراطية وتقدم إرادة المجتمع في تحديد خياراته، وعليه يمكن القول وبثقة، أن لا صراع على سوريا وما يجري هو صراع داخلي ولأسباب ذاتية أفرزتها أزمة بنيوية متفاقمة طيلة عقود، ولا يغير هذه الحقيقة أن تساند بعض الجهات الإقليمية أو الدولية هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع، في معركتها الخاصة للنفوذ ولتحسين حضورها وموقعها في المنطقة.

إن الشعب السوري الذي يدرك مدى المسؤولية التي يتحملها النظام في فتح الباب أمام التدخلات الخارجية، عندما اعتمد منذ اللحظة الأولى القوة المفرطة، وأنكر الأسباب الحقيقية للازمة وطرق معالجتها سياسيا، وصم أذنيه إزاء كل الدعوات لإبقاء الحل في الإطار الوطني ثم في الإطار العربي، قبل أن يغدو رهين العجز الدولي. يدرك أيضا أنه لن يكون بعد نجاح ثورته صفرا أو نكرة، وأنه بتحرره وخروجه من القمقم وأخذ قضيته بيده، سيكون وحده القادر على الإطاحة، مرة وإلى الأبد، مقولة «الصراع على سوريا» وإظهار أن ما يجري حقا هو صراع من أجل مستقبل ديمقراطي واعد، بين أغلبية عانت الأمرين من القمع والاضطهاد وبين سلطة توغلت إلى نهاية الشوط في القهر والفساد والتمييز، ويدرك تاليا أنه مثلما أسقط في الماضي الكثير من الأحلاف والمشاريع الاستعمارية، قادر بعد ثورته ونيل حريته على إجهاض كل محاولات السيطرة والهيمنة على مقدراته.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أسد ميت خير من أسد جريح

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

16-8-2012

ربما بقي لنظام الأسد شهران، ثلاثة أو ستة، لا أحد يستطيع أن يعطيه عمرا أكيدا، إلا أن الأكيد حقيقتان، واحدة أنه ساقط والمسألة مجرد وقت، والثانية أنه قادر، وحلفاؤه، خلال الوقت المتبقي على إلحاق الأذى بالشعب السوري والمنطقة.

التخريب هو اختصاص النظام ومهاراته المشهور بها. والتطورات الأخيرة، مثل تراجع نجاحات الثوار وتوسيع النظام معاركه في لبنان بالاختطاف والتآمر بالتفجير، تفرض الإلحاح على مسألة تزويد الثوار بسلاح نوعي. وعلى الرغم من أن النظام باشر منذ بضعة أشهر استخدام القصف الجوي ضد المناطق المدنية، وهو أمر نادر الحدوث في الحروب الأهلية ونادر السكوت عليه دوليا، فإن الثوار لم يسقطوا سوى طائرة واحدة وأسر قائدها، ليس لنقصهم أو نقص رصاصهم لكن بسبب عجزهم عن الحصول على الأسلحة النوعية المتقدمة لمواجهة المقاتلات الجوية، والمدرعات، فالمعركة غير متكافئة على الإطلاق. وبالتالي ستستمر المعادلة السابقة، نظام جريح وساقط بعد زمن ما، وفي الوقت نفسه قادر على الفتك بالناس.

ونعرف أنه توجد اعتبارات عدة وراء حرمان الثوار من هذه الأسلحة، أهمها الفوضى الضاربة في معسكر الثوار، وتعدد هويات الثوار السياسية؛ فالإسرائيليون وحلفاؤهم لن يقبلوا بتزويد الثوار بصواريخ مضادة للدروع والطائرات قد تنتهي ضدهم، أو كما انتهت صواريخ ستنغر مجاهدي أفغانستان في يد مسلحين بباكستان، ووجدت مدفونة في السعودية قبل نحو عشر سنوات، وظهرت فجأة في استعراض القوات القطرية. ومثل الإسرائيليين، يخاف الأتراك أيضا من نفس النتيجة أن تقع الأسلحة الحاسمة في يد حزب العمال الكردستاني اليساري الانفصالي المتهم بارتكاب عدد من العمليات على الأراضي التركية. وبالطبع معظم الخوف هو من الجماعات المتطرفة التي من المؤكد أنها دخلت سوريا. وقد يكون النظام السوري نفسه، الذي كان يرعى «القاعدة» وقت الأزمة العراقية، هو من فتح لها الباب ليعزز اتهاماته للثوار ويخيف الغرب بأن البديل هم إسلاميون متطرفون مثل «القاعدة» و«الشباب» في الصومال. وهذه مخاوف كل دول المنطقة لا إسرائيل وتركيا والغرب فقط. وهذه استراتيجية سوريا وإيران وحتى روسيا، التخويف من الجماعات المتطرفة أن تكون البديل لبشار.

إنما على الرغم من وجاهة هذه المخاوف تبقى المعادلة، النظام يسقط ببطء والبلاد تتفكك والجماعات المتطرفة تصبح بطلة وتكبر مع الوقت الطويل على حساب القوى الوطنية السورية التي تتظاهر وتقاتل منذ عام ونصف. وبالتالي الخوف من البديل المتطرف عذر سخيف، حيث توجد حلول تقنية وميدانية تمكن من مناولة الأسلحة المتفوقة للمعارضة بأقل قدر من المخاطرة. إن ترك النظام الجريح لأشهر أخرى يجعله يرتكب المزيد من المجازر، وكذلك سيرتكبها حلفاؤه في لبنان وغيره، وتعرض المنطقة للمزيد من الفوضى والمخاطر، الأمر الذي تعهد النظام صراحة بتنفيذه ضد خصومه في الداخل والخارج.

ومع عجز الدول الكبرى، ومعهم تركيا، عن إقامة منطقة حظر جوي، تحاشيا للصدام مع قوى مثل روسيا، لم يعد هناك من مخرج لهذا الموقف المعقد جدا إلا بدعم الثوار لاختصار الستة أشهر الدموية الباقية والإجهاز على مصدر المشكلات، وهو النظام في دمشق. بسقوط النظام لن يكون هناك ما يبرر الصدام مع روسيا وستقبل إيران التعامل مع الأمر الواقع الجديد، وسيكون الخلاف على الكيفية التي تدار بها سوريا الجديدة.

إذن، المفتاح هو تمكين الثوار لتحييد السلاح الجوي ومواجهة مدرعاته. لو تحقق لهم هذا لتغيرت المعادلة قبل شهر مضى بعد تفجير مبنى الأمن القومي وسط العاصمة وما تلاه من استيلاء الثوار على عدد من أحياء العاصمة التي اضطروا إلى إخلائها بسبب قصفها بالمروحيات والمدرعات والمدافع، وكانوا يدافعون عنها بأسلحة بسيطة.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

كيف ومتى تنتهي الحرب في سوريا.. إن انتهت من الأساس؟!

كينيث بولاك

الشرق الاوسط

16-8-2012

يقول المثل الصيني «بداية الحكمة هي تسمية الأشياء بأسمائها»، والاسم الصحيح لما يحدث في سوريا منذ ما يزيد على العام هو حرب أهلية شاملة. سوريا الآن هي لبنان في السبعينيات، وهي أفغانستان أو الكونغو أو البلقان في التسعينيات. إنها العراق منذ 2005 إلى 2007، فهي لا تشهد تمردا، ولا ثورة، وهي ليست اليمن، وبالتأكيد ليست مصر ولا تونس. من المهم تقبل هذه الحقيقة البسيطة لأن الحروب الأهلية خاصة العرقية والطائفية مثل التي تعصف بسوريا حاليا توضح وتطلق العنان لقوى عتية تكبل كل ما يمكن أن يُتخذ ضدها. ولا يمكن وقف هذه القوى أو تجاهلها، بل يجب التعامل معها بشكل مباشر حتى يكون هناك فرصة لإنهاء الصراع. لذا كيف ينتهي هذا النوع من الحروب؟ إنه عادة ما يكون له واحدة من نهايتين. الأولى هي فوز أحد الطرفين بطريقة دموية، والثانية تدخل طرف ثالث يتمتع بالقوة الكافية لإطفاء نار القتال. وحتى تلتزم الولايات المتحدة إما بمساعدة طرف في مواجهة الطرف الآخر أو قيادة عملية عسكرية داخل سوريا، لن يحدث أي إجراء آخر نتخذه أي تغيير يُذكر. ويوضح تاريخ الحروب الأهلية ومحاولات منعها الأمور التي من الأرجح ستجدي نفعا والأمور التي سيكون مصيرها الفشل.

توقف عن مطاردة السراب:

وعلى رأس قائمة المبادرات، التي نادرا ما تنجح وحدها في إنهاء حرب أهلية، هو التفاوض على تسوية، فاحتمال نجاح هذا الأمر من دون قوة لفرضه أو لضمان الاتفاق ضئيل. لهذا كان من المرجح أن تبوء مهمة كوفي أنان كمبعوث للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بالفشل، والآن بعد استقالة أنان، ينبغي أن تُنحى هذه المحاولة جانبا لأنها تشتت الانتباه. لهذا يعد تركيز إدارة أوباما على تأثير روسيا المفترض على النظام السوري وفكرة الحل وفقا للسيناريو اليمني الذي يتنحى فيه الأسد أمر غير منطقي. من غير المرجح أن يتنحى الأسد لأنه يعتقد مثل رادوفان كاراديتش، وصدام حسين، والعقيد معمر القذافي، والكثيرين قبله، أن خصومه سوف يقتلونه هو وأسرته إذا فعل ذلك، وهو على صواب في ذلك إلى حد كبير. حتى إذا غادر المنصب طواعية، سوف تكون استقالته أو هروبه من سوريا بلا معنى، فالأسد يقود الحرب، لكن من شنهّا هم العلويون والأقليات الأخرى الذين يعتقدون أنهم يقاتلون ليس فقط من أجل مناصبهم وامتيازاتهم في المجتمع السوري، بل من أجل بقائهم. في حال استقالة أو هروب الأسد، سيتولى منصبه على الأرجح زعيم علوي آخر يواصل القتال.

لا يعد التأكيد على أن أيام الأسد معدودة غير صحيح فحسب، بل غير ذي صلة. خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت منذ عام 1975 إلى عام 1991، كان هناك دائما رجل يجلس في قصر بعبدا يطلق على نفسه اسم الرئيس، وكان لديه قوة عسكرية تابعة له تسمى القوات المسلحة اللبنانية. في الحقيقة، لم يكن أكثر من أمير حرب مسيحي ماروني، ولم تكن القوات المسلحة اللبنانية سوى جماعة مسلحة من الموارنة، مع الاحتفاظ بالمسميات.

لذا ربما يظل الأسد صامدا لفترة، وربما يظل يطلق على نفسه الرئيس السوري. كذلك قد يكون قادرا على البقاء في دمشق المحاصرة تحت حماية تشكيل الجيش الذي لا يزال يطلق عليه القوات المسلحة السورية. مع ذلك لن يجعله ذلك إلا رئيسا لجماعة مسلحة من العلويين.

مخاطر اختيار الفائز:

إذا قررت الولايات المتحدة أن من مصلحتها إنهاء الحرب الأهلية السورية، يمكن لواشنطن أن تقرر مساعدة طرف على الفوز، وقد قمنا بذلك بالفعل. لم تطلب إدارة أوباما تخلي نظام الأسد عن السلطة فحسب، بل أيضا توضح عدة تقارير إعلامية أنها تقدم دعما سريا محدودا للمعارضة السورية. وبحسب هذه التقارير، لا تشمل المساعدات السلاح، وتساعد في التحقق من هوية المقاتلين وتقديم بعض الإرشادات الخاصة بالتخطيط.

ما لم تفعله واشنطن هو تقديم مساعدة للمعارضة تجعلها تسيطر في وقت قصير. المواجهة التي تشهدها سوريا حاليا هي مواجهة أسلحة مقابل عدد، فالنظام يمتلك عددا صغيرا من الدبابات والمدفعية والمروحيات الهجومية والأسلحة الثقيلة الأخرى التي تسمح له بالرد على المعارضة في أي مكان كانت. لذا في أي وقت تهدد المعارضة منطقة مهمة بالنسبة لنظام الأسد، مثل دمشق أو حلب، يستطيع إحباط الهجوم. مع ذلك أعداد المعارضة في تزايد، وهذا يتيح السيطرة على مساحات كبيرة من الأرض التي لا يهتم بها الأسد كثيرا. وبمرور الوقت، وخاصة إذا تم التضييق على المعدات البديلة وقطع الغيار المقبلة من إيران وروسيا، سيتقلص مخزون النظام من الأسلحة الثقيلة، ومع تحول الحرب إلى قتال مشاة خفيف بين الجانبين، ستبدأ أعداد المعارضة في إحداث تغيير. المشكلة هي أن مساعدة المعارضة على «الفوز» قد تنتهي بحالة أشبه بأفغانستان عام 2001. وربما ينتهي الحال بسيطرة قوى المعارضة على أكثر أجزاء البلد بما فيها دمشق، لكن ربما يتمركز العلويون وحلفاؤهم في الجبال ويواصلون القتال. وكما حدث في أفغانستان، حيث سيطر التحالف الشمالي على وادي بنجيشير لسنوات ضد قوة مهيمنة أخرى هي طالبان، ربما يستطيع العلويون السيطرة على الجبال وجعلها وطنهم على طول الساحل الغربي في سوريا لمدة طويلة.

هناك بدائل كثيرة، فالمعارضة السورية ممزقة وفي ظل الخلافات الداخلية للفصائل السياسية، والخلاف بين تلك الفصائل والقوات المقاتلة. وفي أفغانستان بعد مغادرة السوفيات البلاد عام 1989، كان موقف مشابه هو سبب نشوب حرب داخلية.

الجماعات الجهادية المختلفة يحارب بعضها بعضا حتى قبل سقوط نظام الرئيس نجيب الله الذي كان دمية السوفيات مما سمح للنظام بالبقاء حتى قمعت حركة طالبان أنصار نجيب الله والمجاهدين على حد سواء. القوة المهيمنة التي ربما تظهر في سوريا من صفوف المعارضة هي الإخوان المسلمون. يختلف تكوين جماعة الإخوان، التي ظلت تعاني لسنوات من قمع حزب البعث الذي يسيطر عليه العلويون، كثيرا عن تكوين الإخوان المسلمين الذين تولوا السلطة في مصر وتونس.

لكل هذه الأسباب، ربما يعني نصر المعارضة خلع نظام مستبد وحشي ليحل محله نظام مستبد آخر. وينبغي أن تتضمن أي مناقشة حول مساعدة الثوار ليسيطروا على البلاد كل هذه النقاط. مع ذلك إذا اختارت واشنطن التدخل، ستكون هناك طرق لتقليل هذه المخاطر، حيث يمكن لأميركا أن تبدأ بتقديم مساعدات عسكرية، خاصة الأسلحة المضادة للدبابات والأسلحة المضادة للطائرات الأكثر تقدما، من أجل المساعدة في استنزاف أسلحة النظام الثقيلة سريعا وتمكين المعارضة من السيطرة بخطى أسرع. الأهم من ذلك هو إمكانية بدء الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي تقديم تدريب عسكري للمقاتلين السوريين، فإذا زادت كفاءة القوات المعارضة ستتمكن من مواجهة وهزيمة قوات النظام. وسيساهم مثل هذا التدريب في الحد من التحزب والتشرذم داخل الجماعات المسلحة وفي تمتع المعارضة بمزيد من الالتزام الذي يمتد إلى ما بعد الحرب. كان البرنامج الأميركي لتنظيم وتدريب الجيش الكرواتي والبوسنيين المسلمين في منتصف التسعينيات ضروريا لكل من الانتصار العسكري في الحرب الأهلية في البوسنة ودعم الاستقرار بعد انتهاء القتال. فضلا عن ذلك، من أفضل الطرق التي تستطيع الولايات المتحدة من خلالها التأثير على العملية السياسية بعد الحرب الأهلية هي تعظيم دورها في بناء الجيش الذي يفوز بالحرب.

إنهاء حرب مقابل بناء أمة:

ومن الناحية التاريخية، يتمثل البديل الحقيقي الوحيد بالنسبة لأي قوة أجنبية تريد إنهاء حرب أهلية عن طريق اختيار الطرف الفائز في قمع الجماعات المتحاربة ثم بناء عملية سياسية مستقرة كي تحول دون مواصلة الحرب. وتعتبر الوسيلة العسكرية لإيقاف الحرب سهلة نسبيا، ما دامت الدولة التي ستقوم بالتدخل على استعداد لجلب ما يكفي من القوة واستخدام التكتيكات الصحيحة. أما الجزء الأصعب فهو التحلي بالصبر الكافي لبناء نظام سياسي جديد وفعال. يكشف وجود السوريين في لبنان وقوات الناتو في البوسنة والاستراليين في تيمور الشرقية والأميركيين في العراق عن الإمكانيات والمخاطر المتعلقة بهذا الأمر.

بعد هذه هي الطريقة الوحيدة لوضع حد للعنف من دون التسبب في حدوث أعمال قتل جماعية ضد الطرف الخاسر. يمكن أن تحول هذه الطريقة دون تفتت البلاد أو حتى اندلاع القتال بين الجماعات المنتصرة. وإذا تم تنفيذ هذه الطريقة بصورة صحيحة، فمن الممكن أيضا أن تمهد الطريق أمام بناء ديمقراطية حقيقية (مثلما بدأت الولايات المتحدة الأميركية القيام به في العراق قبل انسحابها في العام الماضي)، وهو الأمر الذي ينتج عنه المزيد من الاستقرار على المدى البعيد.

ولكن هذه الطريقة ليست رخيصة، حيث إنها تتطلب التزاما طويل المدى بتقديم المساعدات العسكرية والسياسية والاقتصادية، بينما يمكن التخفيف من أعباء هذه التكلفة في حالة حدوث تدخل متعدد الأطراف، كما كان الحال في البوسنة وكوسوفو، بدلا من بذل جهود كبيرة من جانب واحد على غرار عمليات إعادة الإعمار التي قامت بها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. وفي حالة سوريا، فهذا يعني أن الولايات المتحدة لن تكون الدولة الوحيدة التي تتحمل التكلفة، فالدعم التركي والأوروبي والعربي سيكون مهما كذلك.

وفي الوقت الراهن، لا توجد هناك أي رغبة لدى الولايات المتحدة للتدخل في سوريا على غرار ما قامت به في البوسنة، وهذا أمر غير مفهوم. فعلى خلاف ما حدث في ليبيا، لم تكن الكوارث الإنسانية التي تتكشف تباعا في سوريا كافية لتحفيز الولايات المتحدة على التحرك. وعلاوة على ذلك، ليست هناك أي مصالح جوهرية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة في سوريا، حيث إنها لا تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة ولا تعد شريكا تجاريا رئيسيا ولا حليفا للولايات المتحدة ولم تكن يوما دولة ديمقراطية. لذا، فإذا احترقت سوريا برمتها، فقد يمثل ذلك مأساة بالنسبة للشعب السوري ولكنه سيعد أمرا عديم الأهمية بالنسبة للمصالح الأميركية.

ولكن الأمر الذي قد يمثل خطرا حقيقيا على المصالح الأميركية هو انتشار الحرب الأهلية السورية إلى بقية بلدان الشرق الأوسط. عادة ما تنتشر الحروب الأهلية عن طريق تدفق اللاجئين وانتشار الإرهاب ولجوء سكان دول الجوار إلى التطرف، فضلا عن تدخل وانتهازية القوى المجاورة، وسوريا لديها كل هذه السمات المميزة لحدوث وضع سيئ للغاية.

وفي أسوأ الحالات، فإن اندلاع حرب أهلية في أحد البلدان قد يسبب قيام حرب أهلية في بلد آخر، مما قد يؤدي إلى حدوث حرب إقليمية. تنتشر أعمال العنف الطائفية بالفعل في سوريا والعراق ولبنان، وجميعها دول هشة وعرضة لاندلاع حرب أهلية، حتى من دون أن تكون ناتجة عن عدوى مقبلة من دولة أخرى. تقوم تركيا وإيران بالعبث في سوريا، عن طريق مساندة الأطراف المختلفة ومطالبة الأطراف الأخرى بالتوقف عن القيام بالأمر نفسه. ربما يدفع انتشار الإرهاب أو زيادة نفوذ إيران حتى إسرائيل المترددة إلى الدخول في هذا الصراع - تماما كما دفع انتشار الإرهاب وزيادة الهيمنة السورية إلى دخول إسرائيل في الحرب الأهلية اللبنانية منذ أعوام كثيرة.

هذا هو ما ينبغي علينا مراقبته فعليا، حيث إن انتشار العنف قد يرغم واشنطن على التفكير في حلول حقيقية للصراع السوري بدلا من الانغماس في عروض جانبية تافهة. وإذا جاء هذا اليوم، فمن شبه المؤكد أن تنحصر خياراتنا بين اختيار الفائز أو قيادة تدخل متعدد الأطراف.

تشير التقديرات إلى أننا سوف نبدأ بالاحتمال الأول، فإذا فشل في تحقيق نتائج ملموسة فسوف نتحول إلى الاحتمال الأخير. ربما يبدو هذا أمرا بعيد المنال، ولكن يجدر بنا أن نتذكر أنه في عام 1991، لم يكن هناك أي شخص تقريبا في الولايات المتحدة يدعم تدخل متعدد الأطراف في البوسنة تقوده الولايات المتحدة، ولكن بحلول عام 1995، قامت الولايات المتحدة بهذا الأمر في ظل وجود إدارة ديمقراطية.

* زميل بارز في «مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط» في «معهد بروكينغز»، وهو مؤلف كتاب «الطريق للخروج من الصحراء: استراتيجية كبرى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط».

* خدمة «واشنطن بوست»

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ليس كل من خرج هرب…ولا كل من بقي ضرب

الشيخ محمود الدالاتي

نيوز سنتر

2012/08/14

هذه الثورة ثورة عجيبة غريبة فيها كل شيء..فيها السلمية والدموية وفيها النصر وفيها الهزيمة وفيها الأمل وفيها الإحباط وفيها أيام رائعة جميلة وذكريات لاتنسى وفيها أيضا ليال سود كالحات أدمت قلوبنا وأوجعت أفئدتنا..

فيها الصادق وفيها الكاذب ..فيها الشهيد وفيها من مات ميتتة الكلاب .. وفيها من صبر وفيها من جزع .. وفيها من خرج وفيها من أخرج ..وفيها من بقي وفيها من ليته لم يبقى .و

فيها من بكينا لفقده دما بدل الدموع وفيها من فرحنا باستشهاده لأننا خلصنا منه ودعونا الله أن يدخله الجنة ويترك لنا جنتنا…

وبين الحين والآخر يترامى لمسمعي أن من خرج من بلده أو قريته أو حيه هو جبان خوّار رعديد وأن من بقي هو شجاع مقدام همام لم يتخلى ولم يستسلم !!

أقول ليس بالضرورة ياإخوتي فليس كل من خرج هرب ولا كل من بقي ضرب ..ويجب أن لا نتهم الناس هكذا جزافا والأهم أن لا نؤثم بعضنا ولا نكره انفسنا وننسى في حمأة الظروف وقسوة الواقع المجرم السفاح الذي فعل بنا ذلك.

إن لكل إنسان منا ظروفه الخفية التي قد لايقدرها غيره …هل أستطيع مثلا أن أطلب من أهل كرم الزيتون والخالدية وجورة الشياح وجب الجندلي والعدوية والمريجة وغيرها من الأحياء المحتلة أن يبقوا في أحيائهم مثلا تحت رحمة هؤلاء الجلاوذة المجرمين ينتظرون في كل ليلة أن يقتحموا عليهم بيوتهم ليذبحوهم بالسكاكين وينتهكوا أعراض نسائهم ؟ هل البقاء يسمى صمودا في هذه الحال ؟أم هو إلقاء باليد إلى التهلكة؟

هل أستطيع أن اطلب من رب اسرة عنده أربع أو خمس بنات صبابا أن يبقى في حمص لأنه صامد قد دمّر بيته ولم يخرج إلا بالثياب التي تستر عرضه هل ألومه لأنه ذهب إلى أقاربه في حلب أو في دمشق أو هنا أو هناك؟

هل أستطيع أن ألوم شخصا من جانب بيته تنطلق قذائف القتل والإجرام بأصواتها المدوية المخيفة ناشرة الرعب والخوف الذي لايعرفه إلا من جربه وأطفاله يستيقظون كل نصف ساعة يتبولون على أقدامهم يبكون بكاء مرا وبعضهم ربط لسانه والآخر اكتأبت زوجته والثالث فقد صوابه حتى أطلق النار على أسرته وزوجته؟هل أستطيع أن اطالبه بالبقاء وإن خرج يبحث لأهله عن مكان آمن أنعته بأنه جبان؟خصوصا إن كان معظم هؤلاء من المؤيدين للثورة ومن المتظاهرين ومن الداعمين بالمال وبكل شيء هل هؤلاء جبناء؟؟؟

هل أستطيع أن أن اطلب من شاب ناشط جاء الأمن وداهموا بيته ليعتقلوه ويعذبوه ويغتصبوه ويسلموا جثمانه لأهله بعد أيام من المشرحة متفسخ الجثة مسروق الأعضاء هل أستطيع أن اقول له لاتهرب إلى لبنان أو الأردن وابق مكانك ولاتتحرك خصوصا وأنك لاتجد في بلدك مكانا آمنا تختبيء فيه ولا في جيبك قرشا واحدا تشتري فيه ؟هل أستطيع أن اطلب منه ذلك؟ وهل هناك معنى للمستحيل أكبر من هذا المعنى؟

ثم هل كل من هو موجود في البلد شجاع ومقدام؟ حتى ولو لم يفعل شيئا للثورة ولم يخرج في مظاهرة ولم يتبرع بقرش واحد وكل ماطلعت مظاهرة في حيه قال لك ياأخي مشان الله لاتجيبولنا البلا… ويذهب ويسجل اسمه في قوائم المحتاجين ويحلّل لنفسه المساعدات ويعتبر نفسه من الثوار الصامدين ..هل هذا هو الصامد الشجاع…؟

هل الصامد الشجاع ذلك الشيخ القابع في دمشق منذ بداية الثورة يأكل ويشرب وينعم بالراحة والأمان وينتظر مع ثلة من تلاميذه عودة مريحة إلى حمص ليستلم مكان الشيوخ الذين اعتقلوا أو أبعدوا أو استشهدوا مثل عجلة الإحتياط للسيارة((سبير)) حتى لاتخلى البلد من المشايخ؟هل هذا هو المطلوب؟

هل ذلك التاجر المترف الذي كان في يوم من الأيام رمزا من رموز الفساد متأبطا ذراع المحافظ وأمين الفرع ورئيس البلدية من هنا رخصة برج ومن هناك موافقة مصنع ومن هنا قرض بمليار ليرة من دم الشعب كلها الآن تضاعفت لأنها بالدولار والنظام سيسقط متل مابعرفكم وبتعرفوني وبالتالي لن يدفع قرشا للدولة وراحت عليكم يامساكين… هل هذا التاجر وطني وحر وشريف وشجاع فقط لأنه بقي في البلد ولم يخرج منها ؟؟؟؟

وهل كل هؤلاء العاملين للثورة في الخارج والمحرومين من بلدانهم واحيائهم وأحبائهم وبيوتهم وأموالهم ومراتع صباهم جبناء؟؟؟ وهاربون؟؟

هل الشاب الذي يكتب على النت باسمه الصريح يحفّز ويشجّع وينشر ويساهم وقد حكم على نفسه بالنفي عن بلده طالما هذا النظام موجود هل هذا الشاب هارب وجبان؟

هل الشيوخ والدعاة الذين خرجوا من أجل إكمال مسيرة الدعوة والتبليغ والتحريض((والدعاة أساسا مهمتهم التحريض وحرّض المؤمنين)) وجمع التبرعات وتوجيه الجماهير بدلا من انقطاع خيرهم في أقبية الزنازين والمعتقلات وأنتم تعلمون ماذا يفعلون بالدعاة ((خصوصا)) عندما يقعوا في أيديهم ..هل هؤلاء جبناء وغيرهم شجعان؟

هل العرعور والرفاعي وراجح وسويد والخطيب والرشيد وغيرهم ((مع حفظ الألقاب)) جبناء وهاربون وأولئك القابعون في دمشق في مقهى الروضة وسنتر كفر سوسي يتابعون أخبارنا لحظة بلحظة على الآيباد والآيفون صامدون؟

هل داني عبد الدايم وخالد ابو صلاح وأبو جعفر وأمثالهم جبناء ؟قد يقول قائل ولكنهم رجعوا إلى حمص .! وأنا أقول هل يوجد حمصي في العالم يستطيع أن يرجع إلى حمص ولايرجع إليها؟ بس حمصي حمصي حقيقي مو ((مجسم حمصي)) ؟

ثم هل تستطيع هذه الثورة أن تستمر لولا تضافر جهود الداخل مع الخارج؟هل يستطيع الجيش الحر أن يكمل أو ان يصمد من دون الدعم الذي يرسله نشطاء الخارج؟

أحدهم علق يقول ((إذن فلان هرب فعلا كما قالوا)) ولو علم مافعل فلان وماقدّم وأنجز لأكبر همته وعزيمته وماكل الناس يحب أن يتكلم ماذا فعل وماذا قدم لأن بعض الناس يحب أن يلتقط الصور إلى جانب الشهيد والجريح وكذلك وهو يعطي اللاجيء والفقير والنازح وينشر الصور هنا وهناك يرفع خسيسته بذلك من باب تعو شوفوني لاأكثر ولاأقل والكثير من الناس يحب أن يبقى عمله خالصا لوجه الله الكريم لأن القضية عقيدة وجهاد في سبيل الله ..وظننت المتكلم يكتب من تلبيسة أو حمص القديمة أو حديقة العلّو إذا به يكتب من دبي ..

سبحان الله

بكفي ياجماعة ..كفانا جلدا لأنفسنا واتهاما لإخواننا لاتعملوا بالمثل القائل ((نسيت الحرامي وتبلّيت اللي قدامي)) ولاتكونوا مع العدو على أنفسكم

نحن نحتاج أن نحب بعضنا بعضا أكثر من أي وقت مضى ونحتاج أن نعذر بعضنا أكثر من أي وقت مضى وكنت كلما رأيت عائلة تفترش الطريق مهتوكة الستر قلت في نفسي الله يفضحهم متل مافضحوا هؤلاء العائلات المستورة .إحدى السيدات لم نستطع أن نسكنها في مدرسة لسبب بسيط جدا وهي أن فيها ثلث فتيات صبايا مجنونات غير مكلفات وفي بعض الأحيان يتعرّين وفي بعض الأحيان يفعلن أشياء غريبة ومؤذية ..وكم من أمثال هؤلاء كشف الظالم سترهن كشف الله ستره ..لا تزيدوها علينا منشان الله

وسواء كنت في الداخل أو الخارج أو في المدينة أو في الر يف أو كنت مع المحاصرين أو خارج الحصار تعمل من أجل فك الحصار عنهم او تدعو لهم بجنح الليل أو كنت خرجت من بلدك تبحث عن الأمان لأسرتك ولقمة العيش لأطفالك وقلبك في بلدك مع أهلك وإخوانك فأنت حر ّوحرّ وحرّ والوطن يحتاجك وينتظرك.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

رسالة أوباما لنظام الأسد.. المغزى والدلالة

2012-08-22 12:00 AM

الوطن السعودية

تهديدات الرئيس الأميركي للنظام السوري بعمل عسكري إذا استخدم أو قام بتحريك سلاحه الكيماوي، تعكس الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها إدارة باراك أوباما للتحرك بشكل جدي لوقف نزيف الدم المستمر منذ أكثر من عام ونصف في سورية. فاللغة التي استخدمها أوباما وإعلانه بأنه "سيغير حساباته" إذا تجاوزت دمشق "الخط الأحمر" ربما تشي بمواقف مستقبلية أكثر تشددا تجاه نظام الأسد في ظل انسداد الأفق لأي حل سياسي.

لم يكن مستغربا أن تسارع روسيا لرفض تصريحات أوباما والدعوة إلى "الالتزام بصرامة بمعايير القانون الدولي والمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وعدم السماح بانتهاكها"، وكأن موسكو نفسها التزمت بتلك المعايير مع الدعم السياسي والعسكري غير المحدود الذي توفره لحليفتها دمشق، والسلاح الروسي الذي يحصد أرواح مئات المدنيين في سورية كل يوم. ولكنه المعيار المختل الذي تطبقه موسكو فعليا، بل وتدافع عنه باستماتة من خلال استخدام الفيتو ثلاث مرات في مجلس الأمن، الأمر الذي أطال أمد الصراع ورفع من وتيرة أعداد الضحايا والنازحين في داخل سورية وخارجها.

إن الأصوات التي تعالت داخل الكونجرس وفي العديد من مراكز صنع القرار بأميركا وهي تحث إدارة أوباما للتحرك بشكل يتناسب وحجم المآسي التي يتعرض لها السوريون قد بدأت تؤتي أكلها. وبات واضحا أن رأيا جماعيا آخذا في التبلور في مؤسسات المجتمع الأميركي ستتضح معالمه أكثر خلال الأسابيع المقبلة.

رسالة أوباما الأخيرة لنظام الأسد تحمل في طياتها مؤشرات واضحة أن الاستراتيجية الأميركية "البراجماتية" التي ظلت متبعة في التعامل مع الأزمة السورية في طريقها للتغيير مع استفحال الأوضاع الميدانية، واتساع رقعة المعارك، ووصول نيرانها إلى بعض دول الجوار مثل الأردن وتركيا ولبنان.

إن دخول واشنطن بقوة على خط الأزمة سيغير من معادلاتها بشكل كبير لصالح المقاومة التي تقاتل عدوا يسخر إمكانات دولة لقمع الشعب.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

رأي الراية ... المطلوب أفعال لا أقوال

الراية

22-8-2012

التصريحات التي أدلى بها نائب رئيس وزراء النظام السوري قدري جميل والتي أعلن فيها أن النظام مستعدٌّ لمناقشة تنحّي بشار الأسد من السلطة في إطار مفاوضات مع المعارضة السورية رغم أنها إيجابية إلا أنها لا تخرج عن نطاق المناورات التي ظلّ النظام يقوم بها من أجل إطالة أمد بقائه في السلطة ولذلك فإن جدّية النظام محلّ شكوك ليس من قبل الشعب السوري فقط بل وحتى من المجتمع الدولي باعتبار أن تصرّفاته على أرض الواقع تفضح نواياه حيث يُناور من أجل البقاء تحت الحماية الروسية والصينية.

فإذا كان النظام جادًّا فيما يقوله فلماذا يُقرن استعداده لبحث قضية تنحّي الأسد بشرط الحوار مع المعارضة وهو يُدرك تمامًا أن تنحّي الأسد ليس شرطًا من المعارضة السورية فقط وإنّما من المجتمع الدولي الذي أكّد في أكثر من مناسبة أهميّة تنحّيه عن الحكم وأنه لا مكان له في سوريا ما بعد الثورة ولذلك فإن قضيّة تنحّي الأسد وذهاب نظامه يجب ألاّ يكون محلّ مساومة وأن النظام يجب أن يُدرك ذلك ويتخلّى عن أي شروط مسبقة، فالمعارضة السورية ممثلة في المجلس الوطني والجيش الحر لن يقبلا أي شروط مسبقة لتنحّي الأسد.

إن القضيّة أصبحت واضحة وإن النظام يُدرك أنه في أيّامه الأخيرة ولن تُجديه الشروط وأن الحراك الدولي قد بدأ بتعيين الأخضر الإبراهيمي مبعوثًا أمميًّا جديدًا إلى سوريا وأن دوره يجب أن ينحصر في بحث ترتيبات انتقال السلطة للمجلس الوطني الذى أعلن رئيسه عبدالباسط سيدا أنهم بصدد إعلان حكومة انتقالية في المنفى وأن أي محاولة من بعض الدول لعرقلة جهود الإبراهيمي ستقود إلى تأزم الأوضاع باعتبار أن الشعب السوري والمجتمع الدولي قد قرّرا مسبقًا عدم بقاء نظام الأسد ولذلك فليس هناك مبرّر أصلاً لفرض شروط مسبقة لأي حوار من قبل النظام الذي يُحاول شراء الوقت من أجل إبادة الشعب السوري. من المهم أن يُدرك النظام والذين يدعمونه أن القضيّة أصبحت قضيّة شعب يُريد أن يعيش حرًّا، وأنه إذا كانت هناك شروط للحوار مع النظام فكان بالضرورة أن تأتي من قبل المجلس الوطني الذى يُمثّل الشعب السوري، لا من النظام الذي نكّل بهذا الشعب ومارس فيه كل أنواع الجرائم اللا إنسانية، فالقضيّة ليست قضيّة تدخّل خارجي في الشأن السوري كما يدّعي النظام وإنما هي قضيّة شعب فشل المجتمع الدولي في حمايته من نظام غاشم جثم على صدره وإن هذا الشعب قال كلمته فيه ولن يقبل بأي شروط مسبقة لتنحّي الأسد لأن هذه المسألة حُسمت وعلى النظام أن يقبل بالواقع قبل أن يُفرض عليه فرضًا.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المواقف الدولية من الأزمة السورية

عمر كوش

المستقبل - الاربعاء 22 آب 2012 - العدد 4436 - رأي و فكر - صفحة 19

مازالت القوى الدولية الداعمة للتغيير في سوريا تتردد حيال الانخراط بقوة في حل الأزمة، وإيجاد حلّ ينهي معاناة الشعب السوري، بالرغم من هول وفداحة ما يحدث في سوريا منذ عام وستة أشهر، من أعمال قتل يومي ومجازر، تهزّ الضمير الإنساني، وتقشعر لها الأبدان.

ولا شك في أن المواقف الإنسانية والأخلاقية لا تحدد مواقف الدول الفاعلة في المجتمع الدولي. والأمر ينطبق على سواها من الدول. ومن نافل القول إن مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية هي الأساس في ذلك، لكن طول أمد الأزمة والمماطلة والاستهتار بدماء الشعب السوري، تجعل المراقب يقع في حيرة من أمره حيال التصريحات التي يدلي بها المسؤولون الأميركيون والغربيون بشكل عام، التي لا تعكس حقيقة مواقفهم على الأرض، فيما تصريحات المسؤولين الروس والإيرانيين، ومن لفّ في فلك مواقفهم، مقرونة بالأفعال، من الإسناد اللامحدود للنظام السوري، وبأشكال مختلفة من الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي والديبلوماسي وغيره.

واتسم التعامل الدولي مع الأزمة السورية بإدخالها في نفق المماحكات الدولية بين محورين دوليين: محور روسيا الاتحادية الصين إيران، والمحور الأميركي البريطاني الفرنسي. وراح ساسة المحورين يكررون فصول لعبة عبثية، يتجدد مشهدها كلما اشتدت مفاعيل الأزمة وإرهاصاتها. وقد شهدنا بعض فصولها منذ أن نقلت الجامعة العربية الملف السوري إلى مجلس الأمن الدولي.

وارتكز تعامل ساسة روسيا الاتحادية مع الوضع في سوريا إلى اعتباره صراعاً دولياً على سوريا، يجب أن يكون لهم دور فاعل فيه، لحسابات مناكفة الغرب وابتزازه، والحفاظ على المصالح والامتيازات الروسية، خاصة العسكرية والاستراتيجية، مع علمهم تماماً أن الصراع أساسه داخلي، وفي صلبه مطالب غالبية شعب يريد الحرية والكرامة، وإشادة دولة مدنية تعددية ديموقراطية. ومن منطلق تأكيد وتقوية الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط، يتشدد المسؤولون الروس حيال أي حلّ لا يتضمن التمسك ببقاء الرئيس السوري، والتمسك بتفسيرهم المؤامراتي للأزمة. إضافة إلى رفض أي مشروع قرار دولي يدين النظام السوري، ويهدد بالعقوبات تحت الفصل السابع. كما أنهم ينظرون إلى المجلس الوطني السوري، وبعض أطياف المعارضة السورية الأخرى، بوصفها أداوت ضغط للمحور الغربي على النظامين السوري والروسي.

وتثير المواقف الروسية حيال الأزمة السورية العديد من التساؤلات والنقاشات، كونها تبدو معادية للحراك الشعبي، وتدعم النظام بكافة الوسائل. وهي غير مفهومة ومستهجنة من معظم قوى المعارضة، وليست مبنية على أسس منهجية أو وفق ضوابط معينة، وإن كانت محددتها تتمحور حول مصالح الشركات الروسية أكثر من ارتباطها بمصالح روسيا الوطنية البعيدة المدى، إضافة إلى أنها في واقع الأمر تعكس طبيعة وتركيبة النظام الروسي، وهواجسه المعادية والمتوجسة حيال أي حراك شعبي داخلي في الاتحاد الروسي ومحيطه الحيوي، لذلك ينظر الساسة الروس بريبة وتشكك إلى أي حراك مجتمعي في بلدان الأنظمة المتحالفة معهم، ويعتبرونه مجرد أداوت تنفذ مؤامرات أطلسية غربية.

أما موقف الولايات المتحدة الأميركية، ومعها موقف دول الاتحاد الأوروبي، فاتسم بالتردد، وإظهار عدم رغبتها الدخول بقوة على خط البحث عن حل للأزمة السورية، الأمر الذي شجع الروس على اتخاذ مواقفهم المتشددة، بل ظهر أن الغربيين مرتاحون لدور الإعاقة والممانعة الروسية، والسبب هو أن حسابات الدول الغربية، تأخذ في الاعتبار مدى تأثير أي أزمة على أوضاعهم الداخلية، وخاصة حسابات الانتخابات واستطلاعات الرأي وسواها، وتحسب حكوماتها ألف حساب لأمن ومصالح إسرائيل، قبل كل شيء، في منطقة الشرق الأوسط. إضافة إلى أن مصالح الدول الغربية غير مهددة بفعل تأزم الوضع السوري، فلا بترول في سوريا، والضاغط الأخلاقي لا يدفع وحده الساسة الأوروبيين إلى اتخاذ مواقف حازمة وحاسمة، كما فعلوا حيال العراق وأفغانستان ويوغوسلافيا السابقة، لذلك يركزون على الحلّ السياسي، غير المتاح فعلياً، ولا يهمهم كثيراً حجم وهول ما يصيب المحتجين السوريين، وما يقدمونه من شهداء وجرحى ومعتقلين، ولا يكترثون لدمار مناطق سكانهم وتهجيرهم وتشريدهم، داخل سوريا وخارجها، ويعرفون تماماً أن من مصلحة إسرائيل أن تدخل سوريا في نفق مظلم لا نهاية له، وأن تتدمر وتتفكك الدولة، وتصل إلى مرحلة شديدة من الاهتراء والتفكك والتعفن.

غير أن الأهم هو أن الساسة الأوروبيين، الذين لم يحسموا أمرهم بعد، ربما في انتظار شيء ما، وقد أعجبتهم لعبة الرهان على إحراج المحور المقابل، وإمكانية الضغط عليه أخلاقياً، من أجل ليّ ذراع أصحابه، وإرغامهم على تغيير مواقفهم، مع عدم الاكتراث بالوقت الذي تستغرقه الأزمة. لكن المشكلة في المماحكات الدولية بين المحورين، الغربي والروسي، هو أنها لم تسفر سوى عن تعطيل إمكانية التفاهم الدولي والتوصل إلى حلّ سياسي للأزمة، فيما يستمر نزيف الدم السوري.

وبصرف النظر عن طبيعة المواقف والمماحكات الدولية، فإن الثوار السوريين كانوا يدركون منذ البداية أن التكلفة كبيرة والثمن باهظ، ولن يفيد التعويل على الدول الكبرى في إنهاء معاناة السوريين، ولا في تلبية مطالبهم وطموحاتهم في إشادة دولة مدنية تعددية ديموقراطية. ولا شك في أن ثمن الحرية كبير، وأن الخلاص من الاستبداد المستحكم منذ أربعة عقود ليس سهلاً، ويتطلب تضحيات جساما وملاحم بطولية بدأوا يسطرونها منذ أكثر من سبعة عشر شهراً.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سوريا: غدُ هذا كله؟

تهلة الشهال

السفير

22-8-2012

قُتلت في حلب مراسلة يابانية مخضرمة وشهيرة، غطت قبل ذلك حروب أفغانستان والعراق، وانتهت حياتها البارحة في سوريا. قال الناطق باسم الجيش الحر، في معرض تأكيد مقتلها، إنه يأمل أن تتحرك مشاعر الدول الغربية تجاه دماء أبنائهم طالما أن الدماء السورية لم تحركهم. فهل يتعلق الأمر بكمية أو «نوعية» الدماء المراقة في سوريا حتى الآن، ليحدث تطور في المشهد المريع باتجاه اتضاح مخرجه؟ تصريح الرئيس الأميركي الأخير، البارحة أيضاً، لا يوحي بذلك. انشغل أوباما بمصير ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية، محذراً من كل تسريب لها إلى غير يد السلطات السورية، قائلا: «سيغير ذلك حساباتي ومعادلتي». يمكن القول إن هذا الانشغال يستشرف مرحلة ما بعد النظام الحالي، لأن هذا الأخير لن يرتكب عملاً من قبيل نقل أسلحة كيميائية إلى سواه طالما هو ممسك بالسلطة. هل نتفاءل إذاً بأن ذلك الغد قد بدأ يلوح؟ تُذَّكِّر هذه الأسئلة بمقدار الاستعصاء الذي يلف الموضوع السوري، حيث ما زال النظام القائم مستعد لارتكاب أي شيء، وكل شيء، دفاعاً عن استمرار سلطته، بمقابل عجز الانتفاضة عن إسقاطه. ما زالت تلك هي المعادلة، بعد سنة ونصف السنة من عمليات عسكرية وأمنية مروِّعة، بدأت بتعذيب وقتل بضعة فتية في درعا «تأديباً» لهم ولأهاليهم ولعموم من تسوّل له نفسه التمرد، ولو بكتابة شعارات على جدران، وانتهت بطائرات «ميغ» تقصف القرى والبلدات والمدن، وتدمرها بشكل تام، بينما «يُكتفى» حتى الآن بقصف المروحيات لأحياء من العاصمة دمشق.

في الأثناء، ما انفك النظام يُنكر الواقع، ويبشر بقرب تطهير البلاد من «العصابات الإجرامية» المتسللة إليها، والتي «غررت» بالسكان. وأنها مسألة أيام و«فلول». وما زال تلفزيون النظام يتصرف وكأن سوريا بألف خير، فيتناول في آخر النشرة الإخبارية سعر صرف الليرة السورية بالمقارنة مع العملات الأجنبية. هذا بعد أن تكون وزيرة السياحة قد صرحت عن ترتيبات تخص هذه أو تلك من المواقع الأثرية، وبعد تحقيق مصور عشية عيد الفطر يظهر شابات أنيقات «يتفتولن» في الأسواق العامرة، بحسب تصريحهن الوادع! وبينما يضاعف النظام من القتل والحرق والاغتصاب والاعتقال، تمر محاولاته الإعلامية بلا أثر، اللهم إلا الفكاهة، وترسل كبريات الصحف العالمية مراسلين يرافقون المقاتلين هنا وهناك لأسابيع، ويجيبون بعد عودتهم على أسئلة القراء كما فعلت «لوموند» مستخدمة إحدى مشاهير الإعلام، فلورانس أوبُناس (التي اختطفت لنصف سنة في العراق العام 2005، حين كانت تعمل مراسلة لصحيفة «ليبراسيون» الفرنسية)، أو ينشرون «بورتريهات» تفصيلية لمجموعة «أسود التوحيد» العاملة في منطقة حلب، ولقائدها عبد الحكيم ياسين، على مدى ست حلقات كبار في «نيويورك تايمز».

ولعل تلك التغطية الإعلامية تعوض بعض العجز الميداني الغربي، الذي وإن سلح جهات في المعارضة، وأمدّها بالمال (العربي)، والتقنيات، والتدريب، والتخطيط والرصد... وما شئتم، ولكنه، وبوضوح، يعلن أن لا تدخل عسكرياً مباشراً، في الوقت الراهن على الأقل، وهو وقت قد يمتد ويطول، بل ويستمر. والإحجام الغربي عن اتباع ما ارتكبه في النماذج العراقية (وهو احتلال شرس، سبقه ورافقه تدمير ممنهج للبلد) أو حتى الليبية، مفهوم، وله أسبابه المعلنة والمشبعة درساً. ولكن المعارضة، أو أغلبها الساحق والأكثر نفوذاً، ورغم إدراكها لذلك الاستعصاء، إلا أنها لا تتوقف عن مطالبة الغرب بالتدخل، محتجة ببحيرة الدم المسفوك والظلم الفظيع اللاحق بالناس... وهي حجة غير فاعلة سياسياً، رغم أهميتها الأخلاقية.

وطالما أننا أمام حرب عالمية بالوكالة، فروسيا، الحامي الدولي للنظام السوري، تسرِّب معلومات متضاربة توحي كل الوقت بمسافة ما عنه، وباستعداد لرؤية ما يلي. وأهم تلك التسريبات على الإطلاق، تلك الخاصة بمصير ماهر الأسد، وهو رجل/مفتاح لجهة قدرات النظام على القمع بل ومجمل مصيره. ولكن التسريبات السياسية الروسية لم تلق آذاناً صاغية، بينما تمتلك موسكو إحدى الإمكانات القليلة لتوفير خروج من المأزق التام القائم. يتطلب الأمر بالطبع الاعتراف بمصالح روسيا في المنطقة وتوفير ضمانات لازدهارها، كما يتطلب الموافقة على ترتيبات «انتقالية» تخص النظام السوري، حفظاً لماء الوجه على الأقل، والأهم من ذلك بكثير، ضبطاً للسياقات السياسية اللاحقة على التغيير الذي يمكن أن يقع. لا تريد واشنطن منح موسكو مثل هذا الامتياز، وتفضِّل انتظار لحظة امتداد يد النظام للأسلحة الكيمائية لتعلن أن الخط الأحمر قد مُس، ولتتخذ تدابير من «نوع آخر»، غير الإدانة السياسية للنظام والدعم اللوجستي للمعارضة. وهذه مهلة طويلة.

وتعتمد المعارضة، أو بعضها، المنحى الغربي نفسه، وإن بمسميات وتعابير أخرى. هناك من يقاتل على الأرض ويعتبر أن المعركة ستحسم عسكرياً، مُقراً في الوقت نفسه بكلفتها الهائلة، حيث يجري تدمير البلد بالمعنى الحرفي للكلمة. لا يتورع النظام عن استخدام الطائرات الحربية لقصف الأحياء السكنية، ولا تتورع الفصائل المسلحة عن الاحتماء بالمدنيين. ولا تمثل تلك الملاحظة نية للمساواة بين الطرفين، ولكنها تشي بِعظَم المأزق وبامتداده جغرافياً وزمنياً. يقول بعض المعارضة إنها بصدد تشكيل حكومة بديلة عن النظام، وهي لن تكون في المنفى بل، وكما صرح منذ أيام السيد هيثم المالح، ستعود مباشرة بعد إعلانها إلى كل البلاد (فرضية السقوط الوشيك للنظام)، أو بعضها (فرضية قسمة البلد بين مناطق «محررة» وأخرى ينبغي تحريرها، أي مشروع حرب لا نهاية منظورة لها).

وفي أثناء استقرار سياق الحرب التدميرية المديدة هذا، يرتفع منسوب الاستقطاب المذهبي إلى أعلى درجاته، ويصبح الكلام عن «السنة» و«الشيعة» و«العلويين» و«الأقليات» و«المسيحيين»... هو الطاغي، ليس في سوريا نفسها فحسب، بل في المنطقة برمتها، وفي كل بلد من بلدانها. وهو تفكيك وتفتيت لا يقلان خطراً عن ذاك الذي يتهدد الأرض، لا سيما حين يتبعهما وجود عملي لميليشيات تعمل بمقتضى الشيء وتكفِّر الجهة المقابلة، ما يعني شرعية استئصالها. ذاك هو فشل التغيير وقواه، وإن كانت المسؤولية عنه تقع بالدرجة الأولى على عاتق النظام القديم الذي لا يتورع عن توظيف أي شيء حماية لاستمراره. هو فشل موضوعي، وبغض النظر عن النقاش حول نصيب كل طرف من تلك المسئولية، وعن الإمكانات والخيارات المفوَّتة. وهو يطرح سؤال المسلك الذي يُفترض بقوى التغيير أن تسلكه، متجنبة في آن الموقف المترفع والنخبوي/الثقافوي الذي لا يريد التلوث، وموقف الالتحاق بالواقع كما يقدم نفسه بحجج تبدأ من عند أن التاريخ يفرض نفسه، وأن الـ«لو» والـ«إذا» لا وجود لهما في مساره، وتمر بفكرة المرحلية («لننه النظام اليوم، وسنرى بعد انتهاء المهمة الملحة»)، لتنتهي بفكرة ساذجة تتكلم على أن شرط القدرة على التأثير في هذا المجرى هو الانخراط فيه! لا حلول مقترحة ها هنا ولا نية بالنصائح، ولكنه تعيينٌ للمأزق لعله يفيد في شيء... محاولة ممن لا يتلقون القنابل على رؤوسهم لرسم المشهد، كخطوة أولى (ربما) للوقوع على بصيص نور، على مخرج يمكن اشتقاقه لإنهاء النظام القائم من دون تدمير البلد فوق ما دُمِّر وتمزيقه، أو لتلافي أن يكون النظام التالي بسوء سابقه. ومن يُنكر هذه الهموم، يتساوى مع إنكار أهل النظام القائم لشرعية الانتفاض عليهم، ولضرورة زوالهم!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أية عدالة انتقالية بعد التغيير في سوريا؟

د.عبدالله تركماني ()

المستقبل - الاربعاء 22 آب 2012 - العدد 4436 - رأي و فكر - صفحة 19

تحديات كثيرة ستواجه سوريا في المرحلة الانتقالية من الاستبداد إلى الديمقراطية، ومنها "العدالة الانتقالية"، التي تعترضها - بداية - تحديات تتمثل بكيفية محاسبة رجالات سلطة الأمر الواقع المندثرة، خاصة أولئك الذين لوثوا أياديهم بدماء الشعب السوري وأفسدوا بالمال العام، وكذلك ردُّ الحقوق إلى أصحابها. وأكثر ما يهدد هذه العدالة هو العمى الأيديولوجي لدى بعضهم والتعصب الفئوي لدى بعضهم الآخر، اللذين ينذران بنشوء بؤر متفجرة للنزاعات الطائفية أو المذهبية أو القومية، ما يفسح في المجال أمام تصاعد العنف وإسقاط مشروع الانتقال الديمقراطي برمته في أتون الفوضى والصراع الأهلي.

وفي سياق المرحلة الانتقالية ستشغلنا أسئلة كثيرة وحاسمة في سوريا، من أهمها: ما نوعية الجرائم والانتهاكات التي يجب المساءلة عليها؟ ثم ما مستويات المسؤولية؟ وما نوعية المسؤولية، هل هي جنائية أم مدنية؟ وما الفترات الزمنية التي تحتاجها عملية المساءلة والمحاسبة؟

إذ أنّ انتهاكات حقوق الإنسان كثيرة ومتنوعة، وقد امتدت لفترة زمنية طويلة بلغت أكثر من أربعة عقود، إضافة إلى الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها قوات آل الأسد وشبيحتهم طوال ثمانية عشر شهراً منذ بداية الثورة السورية، الأمر الذي قد يجعل مسألة البحث في السبل السليمة للتعامل مع إرث الماضي مطلوباً، بل هو حاجة ماسّة، خصوصاً وقد أصبح مطروحاً على بساط البحث، سواء من قبل الضحايا أو من مكوّنات المجتمع المدني، والأحزاب والقوى السياسية.

إنّ هدف ومنهجية مؤسسات العدالة الانتقالية في سوريا المستقبل هو السعي إلى بلوغ العدالة، أثناء مرحلة الانتقال السياسي من الشمولية إلى الديمقراطية، ومعالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان، ومساعدة الشعب السوري على الانتقال بشكل مباشر وسلمي وغير عنيف. وذلك من خلال توخّي القضاء هدفاً مزدوجاً: المحاسبة على جرائم الماضي، ومنع الجرائم الجديدة من الوقوع، وفق استراتيجية تعتمد إعادة بناء وطن للمستقبل يتسع لجميع مكوّنات الشعب السوري، قوامه احترام حقوق الإنسان والآليات الديمقراطية وسيادة القانون. ومن هنا تأتي أهمية بناء مؤسسات العدالة الانتقالية لمعالجة كل مخلفات الماضي، باعتبارها إحدى الوصفات العلاجية لكيفية التعامل مع مخلفات السلطة المستبدة.

وهكذا فإنّ أهم ما يواجه عملية التحول الديمقراطي في سوريا هو ضرورة إجراء حوار وطني شامل حول كيفية التعامل مع الماضي في إطار العدالة الانتقالية، بما يؤدي إلى رفع الوعي القانوني وتعزيز الثقافة الحقوقية بأهمية التعامل - إنسانياً وقانونياً - مع الماضي بطريقة تجنّب المجتمع السوري ردود الفعل بالانتقام أو الثأر أو الكيدية أو تغذّي عوامل الكراهية والحقد والضغينة.

وإذا كان دور مؤسسات المجتمع المدني مهماً فإنّ أهميتها تزداد في الفترة الانتقالية، لما لها من خبرة ودراية غير حكومية، خصوصاً بمتابعة مجريات الأحداث والانتهاكات، كما يمكن الاستفادة من خبرات دولية في هذا المجال، وذلك بغية اختزال الزمن والوصول إلى هدف المساءلة وهو العدالة. ولكي يتم تسهيل مهمات المحاسبة يمكن تشكيل هيئة عليا للحقيقة لكشف الانتهاكات في الماضي وخلال الثورة، بحيث تضم ممثلين عن جميع القطاعات والحقول القضائية والقانونية والإعلامية والأكاديمية والأمنية والعسكرية والصحية والنفسية، إضافة إلى المجتمع المدني، ويكون لهذه الهيئة شخصية اعتبارية ومعنوية وضمان استقلالها المالي والإداري، ويتم ذلك قانوناً بحيث تحال إليها جميع الملفات، ذات العلاقة بالمجازر واجتياح المدن وقصفها بالصواريخ والاغتيالات أو التعذيب أو السجن أو جرائم الفساد أو غيرها.

إنّ المصالحة الوطنية لا تعني النسيان وإنما إلغاء الثأر والانتقام عبر اللجوء إلى القضاء، وذلك يعني أنه لا بد من أن يقبل كل السوريين، من يشعر أنه كان ضحية للنظام ومن يخاف أن يكون أحد ضحايا التغيير، بأنّ سوريا المستقبل قادرة على حمايتهم جميعاً وأن تؤمّن لهم مستقبلاً أفضل. وهنا لا بد من التشديد على مبدأ ربح الجميع، بمعنى أنّ المسؤولين الحاليين الذين سيصبحون سابقين، ممن لم تتلوث أياديهم بدماء الشعب السوري وبالفساد العام، يتوجب عليهم إدراك أنّ تفاوضهم بشأن التحول الديمقراطي هو ضمانة لعدم تعرضهم للعنف في المستقبل. كما أنّ على الضحايا السوريين أن يدركوا أنّ مستقبل سوريا يتعلق بمدى قدرتهم على تجاوز الماضي من أجل الشراكة في سوريا المستقبل، وهذا لن يتم بالطبع إلا عبر المفاوضات المشتركة من أجل وضع خريطة طريق للانتقال الديمقراطي.

وتتنوع أشكال هذه العدالة بحسب الخلفيات التي تحددها والأهداف المتوخاة منها أيضاً، وعادة ما تتركز آلياتها في إحداث لجان لتقصي الحقائق بصدد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وكشفها بتفصيل أمام الرأي العام، أو من خلال المقاربة القضائية ومحاكمة الجناة أمام القضاء المحلي أو الدولي، أو عبر تقديم تعويضات مادية (أموال وخدمات اجتماعية وتربوية ونفسية وصحية..) ومعنوية (تقديم اعتذار رسمي للضحايا وحفظ الذاكرة..) وجبر الضرر للضحايا عما لحق بهم من مآسٍ ومعاناة، أو بإعمال إصلاحات مؤسساتية تسمح بتعزيز دولة المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون وتجاوز سلبيات الماضي وإكراهاته، وتدبير التنوع المجتمعي بمختلف مظاهره القومية والدينية والثقافية، بصورة ديمقراطية على أساس العدالة والمساواة والحرية، أو بالسعي لتحقيق مصالحة بين مختلف الفرقاء السياسيين، علاوة على إقامة النصب والمتاحف لحفظ الذاكرة، بالإضافة إلى منع المتورطين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من تولّي مناصب حكومية أو ذات طابع سلطوي داخل مؤسسات الدولة.

ومن المؤكد أنّ الثورة السورية لن تقف عند حدود تغيير بنية الدولة الأمنية، وإنما ستمتد وظيفتها للحديث عن توحيد المجتمع السوري المتنوع في إطار دولة المواطنة الحقة، فكل النشطاء ومن كل المكونات الوطنية والشرائح المجتمعية يلتفون حول هدف واحد هو الحفاظ والارتقاء بمكانة الدولة السورية وتطويره بمحض إرادتهم وبقناعة أنّ مصلحة تفعيل المواطنية إنما هي مصلحة خاصة قبل أن تكون عامة.

() كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

ويخلق من الشبه «البعثي» اثنين

سوريا على النار «العراقية»

عبد الحسين شعبان

السفير

22-8-2012

هل يتكرر السيناريو العراقي في سوريا، أم ثمة سيناريوهات أخرى لا تقل خطورة عن السيناريو العراقي؟

فعلى الرغم من التباين والاختلاف بين البلدين وخصوصية تطورهما وخصائص شعبيهما، الاّ أن هناك الكثير من المشتركات بينهما، فسوريا مثل العراق حكمها حزب البعث « القائد» بموجب «الدستور»، مثلما حكم شقه الثاني العراق، وسوريا مثل العراق خسرت حلفاءها الإقليميين الواحد بعد الآخر، وهو ما حصل للعراق أيضاً. وسوريا مثل العراق فقدت حلفاءها الداخليين ويعاني نظامها مثل النظام العراقي السابق من العزلة، كما بدأت بعض قواه تتسرب بهدوء أو بضجة.

وسوريا مثل العراق خسرت حلفاء دوليين، لكن بعض التغييرات التي شهدها المسرح الدولي ألقت بثقل روسي وإلى حد ما صيني في مجلس الأمن وخارجه، في محاولة للتخفيف من عبء الضغوط التي تتعرض لها سوريا وتريد الإطاحة بنظامها السياسي.

واستندت سوريا، مثل العراق، على جهاز مخابرات ضارب بدأ يفقد الكثير من قدراته، وهو ما حدث للعراق في سنواته الأخيرة، وسوريا كانت مثل العراق تمتلك صداقات في أوساط المثقفين والإعلاميين، بدأت تخسرهم بصمت أو بإعلان، بل إن بعضهم بالغ في إظهار العداء لتوجهاتها، لا سيما وقد استشعر سرعة العدّ العكسي التنازلي، وإنْ بقي بعضهم يدافع، وربما يستمر حتى الرمق الأخير عنها، مثلما دافع عن العراق، بحجة مقبولة مثل الموقف ضد الحصار وضد العدوان والتدخل الخارجي، أو بحجة مبطّنة أو متواطئة للدفاع عن نظام الاستبداد والدكتاتورية.

والمعارضة في سوريا منقسمة، مثل المعارضة العراقية، في الموقف من الحصار والتدخل الخارجي ونظام العقوبات الدولية. وسوريا مثل العراق تعاني من مشكلات أساسية مثل المشكلة الكردية التي احتدمت مؤخراً في سوريا، حيث كان نحو 300 ألف مواطن كردي سوري بلا جنسية وأخذت تتبلور فكرة «الحكم الذاتي» لدى بعض الأوساط السياسية والثقافية الكردية، كتعبير عن سوريا الجديدة الديموقراطية، والتي ينبغي لها الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية والقومية للكرد.

وسوريا مثل العراق تعاني من إشكاليات طائفية، بسبب « أقلوية» سياسية انعكست على فريق الحكم مذهبياً، حيث يستأثر عدد منهم بقيادات الدولة العليا ويتصرّف بعضهم بطريقة استعلائية إزاء الآخرين، مثلما كان يتصرّف بعض شخصيات الحكم في العراق المتحدرّين من مناطق معينة بطريقة فوقية، لا سيما وقد اتخذت المسألة بُعداً أكثر سفوراً بعد حملات التهجير العراقية في العام 1980 وعشية الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي شملت بعض الشيعة والكرد الفيلية بحجة التبعية الإيرانية.

وسوريا مثل العراق يتحدّر فريقها الحاكم من قرداحة في حين يتحدّر فريق الحكم الحاكم في العراق قبل الاحتلال من تكريت، وسوريا مثل العراق شهدت استهدافاً للمسيحيين، وهو ما انعكس في العراق خلال الحصار والحرب، وتعاظم على نحو مريع بعد الاحتلال، وكان هو الأخطر، وهو ما برز في سوريا خلال احتدام الصراع، ولا سيما المسلّح بين المعارضة والحكومة.

وسوريا مثل العراق كانت أقرب إلى دولة مدنية وكانت المرأة تتمتع ببعض الحقوق، لا سيما في جوانبها الاجتماعية والثقافية، ولعل هذه الحقوق قد تتعرّض للتهديد فيما إذا انتصر النموذج الإسلامي مثل العراق، حتى وإنْ كان بواجهات سياسية وبمشاركات شكلية لتعددية أقرب إلى المحاصصة السياسية، لكن الجو الديني والتزمّت الاجتماعي أصبحا سائدين.

سوريا مثل العراق بدأت الدولة تفقد سلطانها وسيطرتها ونفوذها تدريجياً على مناطق من البلاد، وأخذت المجاميع المسلّحة تهاجم مواقع عديدة للدولة ومرافقها الحيوية وهياكلها الارتكازية.

سوريا مثل العراق أزمتها عربية، حيث بدأت الدول العربية بمحاصرتها وإصدار قرارات من جامعة الدول العربية، هذه المرّة وتخويل للأمم المتحدة ومبعوثها كوفي أنان، وتصرّفت سوريا مثل العراق في إطار ردود فعل، ومن دون حساب موازين القوى.

سوريا مثل العراق تتعرض لحصار دولي جائر وقرارات دولية مجحفة ستزيد من معاناة السكان المدنيين ومن تفكك النسيج المجتمعي السوري ومن مضاعفة التدخل الأجنبي، لا سيما إيجاد مرتكزات داخلية له. ولعل نظام العقوبات سيسهم بشكل سريع وحاسم مثل العراق في تهيئة مستلزمات الانهيار، حيث يمكن أن تسقط سوريا مثل التفاحة الناضجة بالأحضان، بالتدخل الخارجي أو حتى بدونه، وقد يطول الأمر وقد يقصر، لكن قطار العقوبات الدولية طالما أصبح على السكّة، فإنه لن يتوقف إلاّ في المحطة السورية بعد الإطاحة بالنظام.

وسوريا مثل العراق عدو لإسرائيل، والأخيرة لن تدّخر وسعاً لحل الجيش السوري مثلما حصل للجيش العراقي، وهو الهدف الأكثر خطورة. وسوريا مثل العراق ستخسر الكثير من علمائها وأكاديمييها مثلما خسرت في العقود الثلاثة ونيّف الماضية، وستضيع وتتبدد الكثير من الطاقات، ذلك أن إعادة البناء بعد الهدم والتفكيك، ستكون طويلة وقاسية.

القيادة السورية مثل القيادة العراقية رفضت جميع النصائح بحل سياسي وقبول انتقال سلس للسلطة نحو الديموقراطية والتغيير الديموقراطي، ولعلّ نتيجة هذا الرفض ستكون مكلفة على الجميع بما فيه النظام السوري وأركانه، وكان يمكن قبول حل سياسي منذ بدايات الأزمة بتشكيل حكومة ائتلاف وطني ثلثها من المعارضة وثلثها الآخر من حزب البعث وثلثها الأخير من المستقلين والتكنوقراط، وبقيادة المعارضة، وهناك وجوه بارزة تم ترشيحها لإدارة دفة السلطة خلال الفترة الانتقالية في إطار التنوّع والتعددية ومشاركة غالبية القوى المعارضة وتحديد فترة 6 أشهر أو 9 أشهر لإجراء انتخابات حرّة نزيهة بإشراف دولي وإجراء تعديلات دستورية وإلغاء قوانين ذات عقوبات غليظة أو مقيّدة للحريات، وسنّ أخرى بما يكفل إنسيابية التغيير والتواصل بدلاً من القطيعة، ودرء الخطر الخارجي بالتدخل أو التسرّب سياسياً وعسكرياً.

لكن القيادة السورية لم توافق على حلول من هذا القبيل، ولم تتوقف عمليات الملاحقة والقمع والإرهاب للحركة السلمية والمدنية الاحتجاجية الواسعة، التي لجأ بعض أطرافها لاحقاً وبعد مرور بضعة أشهر إلى السلاح، وهو ما لقي تشجيعاً رسمياً عربياً وإقليمياً ودولياً، سواءً من قطر أو المملكة العربية السعودية أو من تركيا أو الاتحاد الأوروبي وبموافقات ضمنية أميركية، معلنة أو مستترة.

وسوريا مثل العراق يمكن أن تذهب ضحية «فرق عملة»، كما يقال، بسبب تصريحات لمسؤولين رسميين، لعلهم بلا مسؤولية، عندما يتحدثون عن وجود أسلحة كيمياوية، وذهب خيال الإسرائيليين إلى احتمال تسليمها إلى حزب الله «الإرهابي» من وجهة نظرهم والذي يمكن أن يستخدمها ضد إسرائيل، الأمر الذي قد يعطي مبرراً لتشديد الحصار على سوريا، بل وحتى ضربها في إطار استهداف عسكري يطال سوريا ولبنان في الآن.

الولايات المتحدة تريد التعامل مع سوريا مثل العراق، أي خارج مجلس الأمن وذلك في مسعى لإدامة الصراع الداخلي ليتحوّل إلى حرب أهلية، أو ربما باتخاذ خطوة لاحقة بالتدخل العسكري (لم يحن وقتها) كما حصل بالنسبة للعراق، فعندما لم تستطع واشنطن الحصول على قرار جديد بعد القرار 1441 عشية الحرب على العراق، لجأت ومن دون تفويض إلى شنّ الحرب عبر تحالف خارج الأمم المتحدة.

وسوريا مثل العراق لم تستطع المبادرات المطروحة عليها إخراجها من النفق، لا سيما لجهد متوازن، حيث أصبحت العودة إلى منطق الحوار تعبيراً عن التمسك بالهوية الوطنية والحل الداخلي مستعصية، كما أن استمرار الحال على ما هي عليه قد يطول وقد يفرض نوعاً من الملاذ الآمن save haven أو الحظر الجوي No Fly zone كما حصل للعراق، وهذا سيعني التفتيت والتشظي، وكلّما طال الأمد كلما زادت معاناة الناس وهمومهم.

بقي أمر أساسي تختلف به سوريا عن العراق، وهو أن لها تحالفاً متيناً مع «حزب الله» اللبناني الذي يحظى بصدقية عالية، لا سيما في مقاومته للمشروع الصهيوني وتصدّيه للعدوان الإسرائيلي، وهو حليف قوي وأساسي لإيران في المنطقة، مثلما هو النظام السوري، وإنْ كان ذلك عنصر قوة لاستمرار الوضع، كما هو الموقف الروسي، الاّ أنه عنصر ضعف في الوقت نفسه، فالأزمة الداخلية تتفاقم وأعمال العنف تتسع، والفوضى تنتشر، واحتمالات التفتيت والتشظي تلوح في الأفق، بل تدّق على الأبواب، والعودة إلى الوراء غير ممكنة، بل مستحيلة.

هل أصبح اقتفاء أثر السناريو العراقي «حتمياً» أم ثمة احتمال آخر؟ فإن لم يتم قبول مبادرة وحيدة لإنقاذ ما تبقى من سوريا، وهي الانتقال السلس والسلمي للسلطة، ووضع حد لعهود الاستئثار والدكتاتورية، وتحديد فترة انتقالية وإجراء انتخابات حرّة في إطار التعددية فإن سوريا ستزداد لظىً على النار «العراقية».

باحث ومفكر عربي

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

أيها الأخضر الإبرهيمي

راجح الخوري

2012-08-22

النهار

تقول إنك "عانيت كثيراً قبل تولي المهمة" ولكن كم ستعاني الآن بعدما قبلت بان تتولاها في ما يشبه تحدي الذات إذ ليس خافياً عليك وانت الديبلوماسي المخضرم، ان ما تواجهه في سوريا هو مهمة مستحيلة لا تشبه عملك السابق لا في لبنان ولا في افغانستان او المهمات الاخرى التي قمت بها.

ليست المسألة مسألة خبرة او لباقة، لو كان الامر كذلك لما انتهى سلفك كوفي أنان الى الافلاس بعدما تحولت مهمته مجرد غطاء معيب لسقوط أكثر من خمسة آلاف قتيل إضافي في سوريا، فاذا كنت تعرف فعلاً كما تقول: "ان الوضع في سوريا رهيب ومرعب للغاية" ولهذا لم يكن في وسعك ان ترفض المهمة، فإن عليك الآن ان تعرف سريعاً كيف تنجزها او تخرج منها فلقد اشترى أسلافك كثيراً من الوقت المستقطع لمزيد من القتل في سوريا الغارقة في حمامات الدم منذ 18 شهراً!

من المؤكد ان لا عمل لك الآن في دمشق، وخصوصاً اذا كان مطلوباً وقف الحرب الاهلية كما تقول. هذا يفترض ان يقودك الى العواصم التي رعت النزاع الى درجة تحوله حرباً أهلية باتت الآن ساحة لتقاطع الحسابات الاقليمية والدولية، ولهذا ليس مفيداً ان تبدأ من عند نبيل العربي المتكئ مع الجامعة على أكتاف الامم المتحدة حيث حواجز "الفيتو" الروسي - الصيني.

واذا كنت ستطلب الكثير من الاشياء من الامم المتحدة لأنك تدرك ان المشكلة في مجلس الامن وتريد دعماً يساعدك في مهمتك، فأنت مضطر ان تبدأ مع سياسات من موسكو وسياساتها الخشبية التي أوصلت الأمور الى ما هي عليه، ثم عليك ان تنتقل الى ايران المنهمكة في مراقبة ما يسمّيه محسن رضائي "الشوط الاخير من المباراة" الدموية مع اميركا في سوريا وهنا الطامة الكبرى!

كان أنان "المبعوث الخاص المشترك" وأنت اخترت ان تكون "الممثل الخاص المشترك"، وصدّقني لا معنى للتغيير في التسميات فالأهم ان أنان فشل في وقف النار ولم يتوصل الى "الانتقال السياسي" وعليك أنت ترتيب تفاهم دولي على الانتقال السياسي وهو أمر مستحيل بعدما صارت سوريا قالباً من الجبنة تحيط به قطط كبيرة. لا تصدق البيانات المجمعة على الترحيب بمهمتك. فالروس سيأخذونك حيث يريدون وكذلك الايرانيون، لكن الارض الملتهبة هي التي ستقرر في النهاية. فالدولة تتآكل والنظام يتفتت وأخشى ما أخشاه أيها الأخضر الإبرهيمي ان تصبح مجرد ديوجين يحمل الفانوس باحثاً عن حقيقة تحترق مثل المنازل والأحياء. فلقد سبقك ضجيج الدم وتأخرت كثيراً بينما الانحياز الروسي الأحمق والتغاضي الأميركي المجرم يهدمان سوريا!

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

1 - هل العرب جاهزون لقيادة أميركية من الخلف؟

سركيس نعوم

2012-08-22

النهار

الاسبوع الماضي تناول "الموقف هذا النهار" الدور الذي يجب أن تقوم به الولايات المتحدة في الأزمة السورية. ونقل رأي باحث كبير في "مجلس العلاقات الخارجية" مفاده أن موقف بلاده من الأزمة السورية وتحديداً دعوتها الى تنحي الأسد وقيام نظام ديموقراطي جديد في محله نهائي. لكن دورها في تحقيق ذلك يجب أن يكون ادارة التغيير من الخلف، أي بدفع الدول العربية الداعمة الثورة السورية بقوة الى مساعدتها بكل ما تستطيع من خبرة وتوجهات ومعلومات. كما يجب أن يكون مدّ الثوار بكل ما يحتاجون اليه من وسائل غير قتالية تساعدهم على الصمود ولاحقاً على الانتصار. اما الدول العربية وغير العربية التي اعتبر الباحث المذكور أن عليها واجب الدعم المباشر للثوار وبكل الوسائل فذكر منها السعودية وقطر وتركيا والأردن.

لكن السؤال الذي أثاره الرأي الاميركي هذا هو: هل تستطيع الدول المذكورة القيام بما يطلبه منها الباحث الاميركي، وخصوصاً اذا تحول سياسة رسمية تعتمدها ادارة اوباما، وتستمر في اعتمادها اذا وافق الشعب الاميركي على ولاية رئاسية ثانية له؟

متابعو أوضاع هذه الدول، من عرب وأجانب، يشكّكون في قدرتها على القيام بالمطلوب منها باستثناء دولة قطر. فهي دولة صغيرة مساحة وسكاناً. ولذلك فانها لا تستطيع التدخل بجيشها لمؤازرة الثوار السوريين. علماً أنها اشتركت، وإن رمزياً، بعدد قليل من الطائرات الحربية في دعم الثوار الذين كانوا يقاتلون الزعيم الليبي (الراحل) معمر القذافي. لكنها قامت بما تسمح لها به امكاناتها المادية والاعلامية لمساعدة الثوار، اذ وفّرت لهم، ولا تزال، المال الذي به يشترون الاسلحة، وأمّنت لهم التغطية الاعلامية الواسعة عبر فضائيتها "الجزيرة". كما انها استعملت علاقاتها السياسية الجيدة مع السعودية ومجلس التعاون الخليجي، كما مع اميركا واوروبا بغية تعبئة العالم ضد نظام الاسد ودفعه الى الانخراط، كلٌ بحسب قدرته، في مساعدة الثائرين عليه.

أما الدول الأخرى فانها لا تبدو قادرة على القيام بالدور الريادي وخصوصا الذي منه عسكري، الذي يفترض ان يحل مكان دور اميركي مباشر لا يبدو انه سيُنفذ لأن فكرة عدم التورط المباشر في نزاع اهلي مسلح داخل سوريا او غيرها او في عمل عسكري كبير خارج بلادها لا تزال تلقى رواجاً في اميركا. علماً ان هذا الرواج قد يخف قليلاً اذا سقط باراك اوباما في الانتخابات الرئاسية، وفاز فيها منافسه الجمهوري ميت رومني الشاهر سيف الحر ب على الأسد و"حزب الله" وايران الاسلامية، كرمى لعيون اسرائيل في الدرجة الأولى ولحلفاء أميركا من العرب في الدرجة الثانية. فالأردن مثلاً عبّر قبل نشوب الثورة السورية عن خوفه من قيام هلال شيعي يضم لبنان "حزب الله" وسوريا الأسد وربما فلسطين "حماس" و"الجهاد" وتقوده ايران الاسلامية. وهو لم ينزعج من ثورة الغالبية السورية، وكان سبّاقاً بين الزعماء العرب في الدعوة الى تنحي الرئيس بشار الاسد. فضلاً عن انه استقبل نازحين سوريين هاربين من الحرب واقام لهم مخيمات. كما أوفد للثوار مساعدات جدّية عبر الحدود. لكنه رغم ذلك ورغم امتلاكه جيشاً قوياً يجد نفسه في مأزق. فهو من جهة لا يريد حرباً مع جيش الاسد الذي يستطيع ان يمد القتال ليشمل معظم اراضي ما يعتبره "سوريا الكبرى". ولذلك أقام المخيمات بعيداً من الحدود. وهو من جهة اخرى يعاني متاعب داخلية كثيرة، بل وضعاً شعبياً تتصاعد نقمته عليه. ومن يقود الناقمين ونسبتهم كبيرة من شعب الاردن، هم الاسلاميون الذين قد يمكّنهم نجاح "إخوانهم" في تونس وفي مصر قبل اشهر وربما لاحقاً نجاح "إخوانهم" السوريين، من تهديد النظام الاردني على نحو بالغ الجدية. اذ لا يعود المطلوب ملكية دستورية بل تغييراً كاملاً للنظام، وخصوصاً اذا نجح الاسلاميون في ازالة، أو على الأقل في الحد من الحساسية بين الشرق اردنيين والاردنيين من أصل فلسطيني وذلك باختراقهم كل اطياف المجتمع الاردني. وهو اختراق بدأ يتحقق. طبعاً لا يعيش الاردن حالة جزع من تهديد الخارج الشقيق لأنه خط احمر اميركي واستطراداً اسرائيلي ولاعتبارات استراتيجية اميركية. لكن ماذا سيفعل راسمو الخط الاحمر هذا ازاء عدم الاستقرار في الداخل الاردني اذا حصل، واذا تصاعد، واذا تحول تحركات شعبية متنوعة ويومية مطالبة بالتغيير؟

ماذا في تركيا والسعودية؟ هل تستطيعان القيام بالدور المباشر لاسقاط الاسد تحت قيادة اميركية من الخلف؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

نحو طرد سفير الأسد من عمان .. بل باسمنا * محمد حسن التل

الدستور

22-8-2012

رغم كلّ ما يحدث على أرض سوريا منذ عام ونصف، من جرائم وقتل وحرق وتدمير، وتشريد وذبح واستهتار بكل معاني الحياة، لايزال هناك بيننا من يسمح لضميره وعقله، أن يبرر الجرائم التي ترتكب بحق سورية، شعباً وأرضاً من قبل النظام هناك.

ربما كان البعض في بداية الثورة السورية يعطي عذراً لهؤلاء، إذ ربما لم تكن الصورة لديهم بهذا الشكل الواضح، من بشاعة العدوان والهمجية ضد شعب أعزل، ذنبه أنه خرج ليطالب بالحرية والانعتاق، من ظلم استمر نصف قرن قهراً وذلاً، هؤلاء الذين لايزالون بين ظهرانينا ويقفون مع النظام السوري، قلنا ذات مرة أنهم ينقسمون إلى فئتين: الأولى وهي قليلة ومحصورة، ويرتكز موقفها مع النظام السوري إلى قاعدة فكرية، على اعتبار أن هذا النظام امتداد لفكرة البعث، وهم يرون أن سقوط النظام في دمشق يعني سقوط فكرة البعث، والفئة الثانية وهي الأكبر والأوسع، والتي ترتبط بمصالح مع النظام السوري، حتى لا نقول ترتبط وظيفياً معه، هؤلاء هم الذين يملؤون سماءنا جعجعة ، وهم الذين يدافعون عن جرائم النظام السوري بكل صفاقة، حتى وصل بهم الأمر إلى اتهام أبناء سوريا، الذين خرجوا عن بكرة أبيهم بمواجهة القتل والدمار والذل، بأنهم خونة وعملاء للصهاينة، وهم يتآمرون لإسقاط ما يسمونه نظام المقاومة والممانعة في دمشق!!.

هل كان الطفل بلال اللبابيدي، الذي لحقه رصاص الموت إلى الحدود الأردنية، يحمل مؤامرة لإسقاط نظام سوريا؟؟!! هل النساء اللواتي يخرجنَ من بيوتهنَّ هائمات على وجوههنّ، هنّ وأطفالهنّ في الصحراء للبحث عن ملاذ آمن، على الأرض الأردنية خلف الحدود، يحملنَ في صدورهنّ صواريخ ومؤامرات على النظام في دمشق؟! لقد وصل الأمر بهؤلاء بمطالبة الأردن بإغلاق حدوده، بوجه الأشقاء السوريين القادمين إلينا فراراً من الموت، الذي أطلق النظام في دمشق عقاله على أرض الشام بكل وحشيّة وهمجيّة، ويُنصّب هؤلاء من أنفسهم أوصياء على شرف الأمة، حسب مقاييسهم ومصالحهم الصغيرة، ويوزّعون التُّهم جزافاً في كل الاتجاهات، ويدّعون أنّ البديل في سوريا عن نظام الأسد دماء وتقسيم، وكأنهم يقصدون«كمن فر من تحت المطر إلى المزراب»، يعني إما القبول بنظام الديكتاتور، أو الادعاء بأن سوريا ستُقسَّم ما بعد الأسد وستغرق في الفوضى، ولكن هؤلاء نسوا أو تناسوا عظمة الشعب السوري، ووحدته الأبدية التي يحاول الآن النظام اختراقها، ولكن دون جدوى.

لقد كانت آخر تجاوزات هؤلاء إصدارهم بياناً ركيكاً، هاجموا من خلاله الأردن لموقفه من اللاجئين السوريين، واتهموه بأنه جزء مما يسمونه مؤامرة كونية على النظام في دمشق، وطالبوا أصحاب الضمائر بالتدخل لردع الأردن الرسمي عن مواقفه!!!!

هنا أتوقف عند مفهوم (الضمير)، الذي تحدث عنه أصحاب البيان الذي كان عنوانه (ليس باسمنا).... عن أي ضمير تتحدثون؟! أين ضمائركم تجاه أطفال سوريا، الذين يذبحون بدم بارد، ونسائها وشيوخها وزهرة شبابها، وأرض سوريا التي تحترق منذ عام ونصف، كيف صوّغت لكم ضمائركم تبرير هذه الجرائم، حتى تكونوا بهذه الفجاجة في الدفاع عن جريمة سيتحدث عنها التاريخ طويلاً، واصفاً للأجيال همجية القتل والذبح في سوريا، من قبل نظام كان أول واجباته حمايتهم، وصون كرامتهم وحفظ دمائهم...

إنّ الأمة كلها ومعها أحرار العالم، مطالبة اليوم بالوقوف إلى جانب الشعب السوري المنكوب، والذي كانت نكبته للأسف على يد نظامه، وإنقاذه من بحر الدم الذي أُغرق به ظلماً وبهتاناً، أمام نظر العالم وسمعه. علينا منذ الآن إسكات كل صاحب صوت نشاز لا ضمير لصاحبه، يدافع ويبرر الجرائم التي ترتكب على أرض سوريا، من درعا إلى حلب، ونتوجه إلى أصحاب البيان الأخير الذي جاء تحت عنوان (ليس باسمنا)، لنقول لهم: بل باسمنا، وكل ما يقدم للشعب السوري الشقيق، من مساعدة وإسناد من قبل الأردن، هو باسم الشعب الأردني قاطبة، من الطرة إلى الدرة، كفاكم مكابرة فارغة، أزيلوا الغشاوة عن عيونكم، وحرّروا ضمائركم وأنفسكم ومواقفكم، من الأدوار الوظيفية المرتبطة بالنظام في دمشق.

وإننا اليوم نطالب الحكومة بطرد سفير نظام الأسد من عمان، وإغلاق سفارته، لكسره القواعد البروتوكولية، ورفضه تسلم مذكرة الاحتجاج الأردنية من قبل وزارة الخارجية، بعد سقوط القذائف من خلف الحدود على قرية الطرة، وجرح عدد من الأطفال، وترويع السكان هناك، كما نطالب بسحب سفيرنا من دمشق حتى تتحرر، وعلينا تجاوز فكرة مصلحة الأردن بوجود سفير له في دمشق في هذه الظروف.

لقد أثبت النظام هناك أنه لا يراعي مصلحة أحد حتى شعبه، علينا أن نكون أكثر تشدداً إزاء هذا النظام الذي طغت على تصرفاته العنجهية، التي أودت بسوريا إلى المهالك، ولايزال يدير الأمور بطريقة لا تخدم مصلحة أحد فيما يحدث على أرض سوريا.

سوريا وشعبها اليوم على طريق الحرية، وإن كان هذا الطريق يعبّد بالشهداء والتضحيات، لكنه في النهاية سيصل بسالكيه إلى الهدف المنشود، وسيعيد الشام إلى أهلها وإلى أمّتها، وسينكسر القيد عن معاصم الأحرار، وستصدع مآذن جوامع الشام بتكبيرات الحرية، وستقرع كنائسها بمعزوفة النصر، مهما اشتدت المحنة؛ فالله تعالى يقف دائماً إلى جانب الحق لأنه الحق، وينصر طلابه.

إنني اليوم أعيد السؤال ذاته من جديد، ترى هل بات هناك أي فرق، بين ما يعانيه الفلسطينيون من اليهود، وبين ما يعانيه السوريون من نظام الأسد؟! أم أن الأمر تجاوز ما يفعله النظام في دمشق على أرض سوريا، ما تفعله الصهيونية على أرض فلسطين؟! سؤال برسم الإجابة لدى أصحاب (الضمائر الحيّة) الذين يدافعون عن الجرائم في الشّام؟!!.

التاريخ : 22-08-2012

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الأردن والمجهول السوري !

الرأي الاردنية

الاربعاء 22 أغسطس 2012

د. عبد الحميد مسلم المجالي

معظم التوقعات حول ما ستؤول اليه الازمة السورية ، يقع في خانة التنجيم السياسي بعد ان وصلت هذه الازمة الى متاهات ومجاهل محيرة . فما يجري في سوريا لايستند تفسيره فقط الى حقيقة ان هناك شعبا يطلب الحرية ويدفع ثمنا فادحا من اجلها ، وان هناك نظاما يمتنع بالقوة الغاشمة عن التخلي عن نهج الاستبداد واحتكار السلطة . بل افصح الصراع منذ البداية عن تعقيدات تداخلت فيها تراكمات الارث السياسي والطائفي والعائلي في الشرق العربي، مع المصالح الاقليميه والدولية .

وفقا لطبيعة الصراع ومجرياته حتى الان ، فانه ليس صحيحا ان الثورة في سوريا ستنتصر على الاقل في المدى المنظور ، كما انه ليس صحيحا الاستناد الى مقولة ان النظام على وشك تحقيق النصر بعد كل الذي جرى في المجتمع والدولة وفي النظام نفسه . فمجريات الصراع حولت الازمة السورية الى احجية يصعب العثور على حل لها ، او التثبت من دلالات بين تفاصيلها لاختراق الظلال التي تحتجز وراءها صورة المستقبل .

التطورات الاخيرة لاتعطي توضيحات جديدة . فالمنشقون الكبار لم يكونوا اصلا جزءا من حلقة القرار ، بل كانوا قطعا من ديكور للتغطية على الحقيقة الفئوية للنظام . ورغم هذا الغموض المحير وغياب الوقائع الدالة على المستقبل ، فان هناك من يحث الاردن على اتخاذ موقف حاسم الى جانب احد طرفي النزاع . اي بمعنى اخر ان ينخرط الاردن في حالة الاستقطاب الناشئة عن هذه الازمة المربكة ، بدعوى المحافظة على مصالحه ، اذا انتصر طرف على اخر . وقد تكون هذه الدعوى محقة ، لو كانت المعطيات تشير بوضوح كامل ، الى انتصار طرف ما . غير ان قراءة ما يجري تلقي ظلالا من الشك والحيرة على من سيكون المنتصر او المهزوم ، بحيث تصبح الدعوة لاتخاذ موقف اردني حاسم ، مجرد دعوة للدخول في نفق مجهول المنافذ والنهايات .

لاينطوي هذا القول على مبالغات غير واقعية ومعزولة عمّا يفكر به الاخرون . فاستعراض مواقف الدول المعنية بالازمة يعطي بعضا مما يشير الى ذلك . فتركيا لاتزال تقدم رجلا وتؤخر اخرى ، ولبنان والعراق ينآيان بنفسيهما في العلن عن اتخاذ موقف حاسم ، واسرائيل تتخذ الموقف ذاته ايضا . وحتى امريكا والدول الغربية تتستر على غموض مواقفها . ايران وحزب الله وروسيا والسعودية وقطر ، هي وحدها التي قررت حسم مواقفها . وكل جهة من هؤلاء لديها من الموانع ما يكفيها اتقاء الضرر الناشئ عن اي نتائج سلبية للازمة . فهل لدى الاردن هذه الموانع بظروفه الموضوعية المعروفة ؟ . سلوك حلفاء الاسد ، يشير الى انهم مستعدون للدخول في حرب اقليمية للمحافظة على ما يسمونه بالضلع الرئيسي لمحور المقاومة . وهو احتمال ليس بعيدا في معركة يعتبرونها معركة حياة او موت .كما ان الازمة تقترب ان لم تكن دخلت في سيناريوهات حرب لترسيم حدود دويلات طائفية وعرقية بامتدادات اقليمية . كل ذلك يشكل مجهولا سوريا مرعبا ، لايجوز للاردن ان ينخرط فيه دون يقين . فالازمة لاتزال تخفي في بواطنها الكثير . وما يحدث مجرد مقدمات ، والمصلحة والحكمة تقتضيان انتظار ما وراءها .

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تداعيات الأزمة السورية

الرأي الاردنية

الاربعاء 22 أغسطس 2012

د. محمد القضاة

تأخذ الأزمة السورية أبعادا ومفارقات وتداعيات غير مسبوقة على شتى الصعد الداخلية والاقليمية والدولية، ومن يتابع عمر الأزمة وما يجري على الارض يدرك ان أطرافا دولية ترغب وباصرار تدمير بنية الدولة السورية ونشر الفوضى والقتل المجاني دون أن يرف لها جفن، والخاسر الوحيد الشعب السوري ودولته، فضلا عن دول المنطقة، ومن يقرأ هذه التداعيات؛ البدايات والمآلات يعرف انّ الغرب لم يعد معنيا بأكثر من إدامة الأزمة وإطالة عمر آلة القتل الهمجية، وأنّ الدول العربية تبدو مشلولة، خاصةً مع تداعيات النظام العربي بعد ما بات يعرف بالربيع العربي الذي أصبح عبئا لا حرية ولا ديمقراطية؟! ولذلك علينا أن نأخذ التحذّيرات التي أطلقها الملك عبدالله قبل يومين عن تداعيات ما يجري في سوريا وانعكاساتها على أمن واستقرار المنطقة بأسرها بمنتهى الجدية للحفاظ على وحدة سوريا واستقلالها وتماسك شعبها، والحفاظ على بلدنا ووحدتنا الوطنية.

الأزمة السورية أمام أسئلة كثيرة بلا إجابات تدير شعر الرأس، فهل تملك الأزمة السورية وآلة القتل اليومية ترف الوقت الدولي سواء في مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو ما كان يعرف بتجمع أصدقاء سورية؟ فأين هي المواقف الحقيقية التي تنهي هذا الصراع؟ وأين المواقف التركية النارية في بداية الأزمة, لماذا تتبخر المواقف الدولية إلى لا شيء؟ أين المواقف الغربية التي تترنم على وقع مذابح الشعب السوري والقتل المريع الذي يواجهه السوريون يوميا في كل انحاء سورية؟ اين مجلس الأمن الدولي الذي شكل خلية أزمة حين كان العراق هو لب المشكلة وكان يصدر كل يوم قرارته؟ إنه النفط ! كما نفط ليبيا الذي حرّك لعاب الغرب! وكل هذه الدماء لا تساوي برميل نفط عندهم؟! وأين الولايات المتحدة بأوزانها الاقتصادية والسياسية والعسكرية من الازمة السورية، أين الغرب المتباكي على دماء السوريين؟ وأين الموقف العربي الموحد من مواقف الصين وروسيا؟ خاصة أنّ العالم العربي هو السوق الاقتصادي الكبير للصين ومنتجاتها، لماذا تغيب المواقف العربية الجدية عن الأزمة السورية؟ من يتحمل فاتورة الدم السوري خاصة انّ الأعداد بازدياد مضطرد؟ من يعيد لللسوريين بيوتهم وحياتهم واستقرارهم؟ من ينقذ الشعب السوري من آلة القتل بدباباتها وطائراتها وقنابلها الفراغية؟ لا أحد يهتم بالمذبح السوري؛ لأنه مصلحة اسرائيلية بامتياز، كما كانت العراق ولبنان، وكل هذا يتم بصمت عربيّ ورغبة غربية وقرارات دولية بلا طعم، والدم السوري لن يكون هو الأخير؛ لأن تداعياته بدت في لبنان، والأزمة مرشحة للتمدد افقيا وعاموديا، والمواقف الدولية تنطلق في حقدها من مثلنا العربي» فخار يكسر بعضه»، ولذلك لم يعد يهمها عديد القتلى ولا عديد النازحين ولا صور الدمار ولا حتى شيء اسمه الشعب السوري.

شاهدنا القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن والجمعية العامة وجامعة الدول العربية، وكلها لا تتجاوز الألفاظ المنمقة والأحزان المفتعلة، والأحــــداث على الأرض في تزايد مستمر والقتل لا يترك بشرا ولا حجرا، وروسيا وايران وحزب الله جميعهم يشارك في ادامة الأزمة كلُّ بطريقته، ولا نسمع من الطرف الآخر غير التحذير من الحرب الأهلية التي هي الحقيقة الماثلة امام العيان حيث بدت تأكل الاخضر واليابس في جميع انحاء سورية، وتزداد دموية وتزداد معها اعداد القتلى والجرحى والمهجّرين والمعاناة وينتشر معها الخراب ويعم الدمار كل مكان، فماذا بعد كل هذا الصمت الدولي والعربي؟ فماذا فعل عنان حتى ينجح الابراهيمي بعد كل هذه المواقف الدولية الباهتة التي لا تغني ولا تسمن من جوع؟ والمؤسف أنّ كثيرين يتحدثون عن اهمية وضرورة البحث عن حل سياسي للازمة كمخرج وحيد من هذا المأزق الدموي المدمر، ولكن لا أحد ممن بيدهم الحل مستعدا لذلك، فهل الهدف استمرار الدمار والقتل والحرب الاهلية؟! نعم نحن أمام تداعيات مفصلية في الأزمة السورية تجعلنا نفكر جديا وبحذر شديد لكيفية التعامل مع هذه الأزمة لتجاوز تداعياتها المريعة علينا وعلى جبهتنا الداخلية؛ خاصةً أن معظم المواقف الدولية غير جادة في ايقاف نزيف الدم السوري الذي غدت رائحته في كل مكان.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

تفاهم دولي على «اللاتفاهم» حيال الأزمة السورية

غازي دحمان *

الأربعاء ٢٢ أغسطس ٢٠١٢

الحياة

لم يعد الموقف الدولي تجاه الأزمة السورية يحمل في طياته إحتياطاً كبيراً، ليس على صعيد التفسيرات المتعلقة بتوضيح المواقف، بل أيضاً في ما يخص الخيارات التي ما زال الفاعلون الدوليون قادرين على ترجمتها وإنجازها على أرض الواقع. لقد بددت الأزمة، بطول عمرها وحدة تفجرها، كل الإحتياطي الإستراتيجي، النظري والإجرائي، من التصورات والأفكار وأنماط الحلول والقدرة على فرضها، أو حتى مجرد التفكير في مقاربتها.

لكن ثمة معطيات جديدة، يمكن وصفها بالإختراقات، ولدتها حالة تزاوج العجز الدولي مع فوضى الأزمة، لتضع مولوداً جديداً في عالم العلاقات الدولية إسمه «تفاهم على اللاتفاهم»، يمكن تحليل مضمونه على شكل القاعدة النظرية التالية: بما أن القوى الدولية الفاعلة غير مستعدة أو غير قادرة أو راغبة في الإشتباك حول قضية صراعية معينة، فإنه يصار إلى تعطيل الميزة الأهم للحالة موضع الصراع ونزع المكون الجاذب للتنافس فيها، وبذلك لا يخسر اي طرف نتيجة ربح الآخر، ولا الآخر يربح نتيجة خسارة الأول، ويتطلب تفعيل عمل هذه القاعدة تثبيت حالة التعطيل المشار إليها وتزويدها بما يلزمها من ميكانيزمات التشغيل والإستدامة.

في التطبيق العملي على الحالة السورية، يتضح أن هذا البلد، ورغم شراسة الجدال الدائر حوله، إلا أنه أخذ، لحظة بعد أخرى، يخسر صفته كموقع إستراتيجي طالما سعت الأطراف الإقليمية والدولية إلى كسب المعركة فيه، أو أقله تحقيق قدر من النفوذ يمكنها من التحكم والقدرة على ضبط التفاعلات الجيوسياسية، في مقلب إستراتيجي يمتد على رقعة واسعة في منطقة ذات حساسية خاصة.

تخسر سورية هذه المكانة، ولم يعد مهماً البحث في مسببات هذه الواقعة وظروفها، غير أن الواضح أن طبيعة الصراع على هذا البلد لم تكن تقبل القسمة على أكثر من طرف. هو نوع من الصراع الذي تصفه نظريات العلاقات الدولية بـ «الصراع الصفري»، بمعنى إما أن تكون سورية والمنطقة المحيطة بها لطرف معين، أو لا تكون، وهو ما يعكس متغيراً مهماً في طبيعة الصراع الدولي في القرن الواحد والعشرين.

أما لماذا تراجعت قيمة سورية الإستراتيجية، فذلك ما يحتاج إلى شرح وتوضيح. صحيح أن الميزان الإستراتيجي العالمي لم تحصل فيه متغيرات قيمية ومكانية ذات طبيعة مهمة، وهو الأمر الذي يحدث غالباً في أعقاب متغيرات سياسية وإقتصادية وإجتماعية لها صفة الشمولية والثورية، أو ثورات على صعيد الإكتشافات والكشوفات، التي ينتج منها فقدان مناطق ومقالب جغرافية ميزتها الإستراتيجية، فما زالت عناصر الإقتصاد والسياسة الدولية في المنطقة هي ذاتها، وتتمثل بتحقيق أوسع نفوذ ممكن في مناطق الثروات وتأمين طرق إمدادها، والحفاظ على أمن وسلامة إسرائيل، وهي قضايا باتت من كلاسيكيات السياسة الدولية وبديهياتها في المنطقة، وقد تم تحريكها من وصفها ضرورة في القرن العشرين إلى اعتبارها بديهية في القرن الواحد والعشرين.

الواقع أن سورية فقدت قيمتها الإستراتيجية بسبب تحولها إلى بيئة غير أمنة، لا اليوم ولا غداً، إذ تدرك القوى الدولية المؤثرة مدى تدمير السلطة الحاكمة للنظام الإجتماعي وإصرارها على توسيع الجرح الذي إلتهب وتعفن لدرجة بات قابلاً، بل وقادراً، على القضاء على الجسم الوطني السوري الذي صار، بحكم الواقع، مفتتاً ومقسماً، حتى تبدو إمكانية إصلاحه أمراً مستحيلاً في ظل ظهور بوادر حرب أهلية قد تدوم لعقود مقبلة.

لقد توضحت هذه الصورة بشكل كبير في الشهرين الأخيرين عبر اعتماد قوات السلطة على القتل الممنهج والمنظم لكل أبناء المناطق التي تجتاحها وتتعامل معها بإعتبارها مناطق عدوة، مما بدا معه أن النظام يقطع مع هذه البيئات بشكل نهائي، والأكثر من ذلك إتباعه إستراتيجية خطيرة تقضي بإنهاك هذه البيئات، وبخاصة في حلب ودمشق وحمص وحماة وإدلب ودير الزور ودرعا، وإقامة خط نار على مدى هذا القوس يؤمن له عملية إنفكاك عن الدولة السورية والتراجع إلى حدود دولته القادمة.

في مقابل سلوك النظام، تتفلت البيئة الإجتماعية المقابلة وتتسرب، بعضها باتجاه التطرف، وبعضها باتجاه البحث عن أي مخرج ومصير لزيادة نسبة الخطر ودرجته والبحث عن إمكانية تأمين حق الحياة تحت أي ظرف كان، فأمام كل هذا العبث التدميري لا يمكن المراهنة على التعقل والمنطق.

وفي ظل حالة التعفن هذه تتراجع الإستراتجية الدولية، بسلوك إنتهازي مكشوف، إلى مرحلة إدارة الخطر الحاصل في سورية، وربما البحث عن فرص في هذا النمط من إدارة الأزمات، وتتمثل الخطوط الأساسية في هذه الإدارة في حصر آثار النزاع في داخل الحيز السوري، ومنع تمددها إلى خطوط معينة، وهي الخطوط التي تحد مواقع إنتاج النفط وطرق تصديره وإسرائيل.

ولا شك أن هذه المرحلة ستشهد تحولات مستقبلية على مستوى عملياتها، وذلك من خلال محاولة تحويل الخطر نفسه إلى فرص إستراتيجية مثمرة، ربما تناسب إستراتيجيات بيع الأسلحة الأميركية في المنطقة، أو تقوية الإختراق الإيراني للبؤر الشيعية، وكذلك تقوية النفوذ الروسي في مناطق القوقاز وآسيا الوسطى.

خسرت سورية مكانتها كفرصة إستراتيجية في المنطقة. لم تجد القوى الكبرى وسيلة معينة لحماية هذه الوضعية. تصارعت بطريقة اللعب على حافة الهاوية، فإنزلقت سورية من بين يديها، ومن المؤكد أنها لن تستطيع إدارة الخطر بسبب افرازات هذه الحالة المعقدة التي لن تستطيع الإستراتيجيات الإنتهازية ضبطها.

لكن يبقى السؤال الذي يلهث بحثاً عن إجابة، في ظل حالة التقهقر الإستراتيجي، ومحاولة القوى الفاعلة تعويض ذلك باللجوء المكثف إلى الحقل التكتيكي، الذي يبرر التراجع ويسوغ التقاعس ويرش على الموت سكراً: هل ستقف سورية عند حد خمس دويلات في زمن الترف الإستعماري، وكم سيموت على ضفاف تلك الحدود وتخومها، ثم أية بلاد أخرى قد تصيبها حالة العجز عن التفاهم ويجري تفعيل مكونات التعطيل فيها تمهيداً لشطبها؟

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

سيناريوهات سوريا وفق حلفاء الأسد!

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

22-8-2012

على موقع «المنار» التابع لحزب الله مقال يستشرف الوضع في سوريا وفق سيناريوهات محتملة. ومثل بقية الموالين لنظام بشار الأسد، فإن أتباع حزب الله لهم مصطلحاتهم السياسية الخاصة، فالنظام هنا هو «المقاومة»، والشعب السوري المنتفض ضده هو «مشروع مؤامرة».

السيناريو الأول أن ينتصر النظام على معارضيه، ومن خلال الحسم العسكري الميداني، يفرض بعد ذلك عليهم الحوار السياسي معه. ومع أنه احتمال مستبعد تماما، إلا في ظروف فوضى إقليمية غير محسوبة، فإننا سنتفق مع صاحبه بأن النظام لو فعلها، وتمكن من دحر الثورة الشعبية، فإنه بالتأكيد سيستطيع فرض الحل السياسي مع تنازلات كبيرة من جانبه.

السيناريو الثاني، وهو الأكثر واقعية، يقر باحتمال هزيمة النظام. ويفترض إحدى نتيجتين لسقوط بشار، تورط سوريا في مرحلة الحرب الطائفية الأهلية، وكاتب «المنار» هنا يرى من إيجابياتها أنها ستفشل المكاسب الجيوسياسية لدول الخليج وتركيا والغرب. طبعا، لا نختلف معه في أن الحرب الطائفية ستخدم مخلفات نظام الأسد وكذلك إيران، وستفسد على كل السوريين حلمهم في إقامة دولة موحدة مستقرة. والنتيجة المحتملة الأخرى، استيلاء المعارضة على الحكم، الذي يراه أمرا يخدم الخليج والغرب. أيضا، نحن لا نختلف معه في هذا الاستنتاج، باستثناء أن المستفيد الأكبر هنا هو الشعب السوري الذي كان يرزح لأربعين عاما تحت نظام أمني فاشي يحصي عليه أنفاسه، أما الدول الإقليمية فقد تعايشت مع نظام «الأسدين».

والسيناريو الثالث هو حالة «ألا يكون هناك منتصر أو منهزم». وهذا، مثل الأول، أمر صعب التخيل لأن النظام مكون من عصابة ويقتات على منافع الحكم، فكيف سيستمر بلا شعب ولا منافع؟ هذه فرضية شبه مستحيلة لأن المعارضة السورية تمثل فعليا أكثر من 70% من البلاد، سكانا ومساحة، وبالتالي لن يستطيع النجاة وسط هذا البحر المعادي لزمن طويل، مهما دام الدعم الخارجي له.

والعلة في كل التحليلات التي يطرحها مؤيدو النظام أنهم يريدون إلباسه صفات مزورة، انفضحت مع الزمن الطويل، ولم تعد تعني شيئا في داخل سوريا والعالم العربي. لم يعد أحد يصدق فرية المقاومة للنظام السوري أو حزب الله. هي أكذوبة انطلت على كثيرين لأربعة عقود ولم تكن مشاركة نظامي إيران وسوريا وحزب الله سوى جزء من صراع إقليمي لا علاقة لفلسطين به. لا يمكن لنظام مجرم يستعبد شعبه أن يحرر شعبا آخر. وحزب الله، هو الآخر، كان على الدوام مخلبا لإيران التي لها مطامع إقليمية وتستخدم القضية الفلسطينية ستارا لتحقيقها.

ويبقى الفريق المنسي في تحليل السيناريوهات لفريق حزب الله وإيران، هو الشعب السوري. السوريون هم أصحاب الثورة من ساعتها الأولى وإلى اليوم، وغاياتها سوريا بحتة ضد نظام فاشي مجرم مماثل لأنظمة سقطت، كنظامي صدام في العراق والقذافي في ليبيا. ومن المحتم سقوط مثل هذا النظام، إن عاجلا أو آجلا. الشعب السوري هو الذي ثار وتحمل آلام ثورته، وليست السعودية أو قطر أو تركيا أو الغرب. ومحاولة تدليس الحقيقة بمصطلحات سياسية، لا يمكن أن تلغي اللاعب الأساسي، أي الشعب السوري، لذلك قلت إن سيناريوهات بقاء النظام مستحيلة بعد ذبحه عشرات الآلاف وإجماع ملايين الناس ضده.

وهذا لا ينفي القول بتطابق المصالح، إنه من صالح الدول الإقليمية، أن الشعب السوري هو الذي ثار. وربما أيضا من صالح الغرب والسعودية، أن إيران وحزب الله وقفا على الرصيف الآخر من الشارع، فعرف المواطن السوري صديقه من عدوه. تخيلوا لو أن إيران وقفت ضد نظام بشار مبكرا، كان من المؤكد أنها ستشارك في صياغة النظام السوري الجديد. طبعا هذه فرضية خاطئة لأن النظام الإيراني، المشابه لنظام الأسد في فاشيته وعقيدته السياسية، يعجز عن مثل هذا التفكير. وحتى بعد هذا الزمن الطويل، 17 شهرا من حرب النظام على الشعب، يضلل كتاب حزب الله أنفسهم وأتباعهم بتصوير ما يحدث على أنه نزاع إقليمي بين النظام السوري والسعودية وقطر، مع تغييب متعمد لعشرين مليون إنسان سوري هم أصحاب القضية. وبالتالي عندما يحللون ويستنتجون السيناريوهات تظهر لامنطقية، لأنهم يتناسون أن بشار في دمشق مجرد محتل اليوم، وأهل دمشق وحلب وحماه ودرعا ودير الزور وغيرها هم المعنيون بمحاربته، وليست المعارضة السورية في الخارج، ولا الأميركيون أو السعوديون.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*

المهمة المستحيلة في سوريا

عثمان ميرغي

الشرق الاوسط

22-8-2012

إذا حكمنا على مهمة الأخضر الإبراهيمي بالجدل الذي صاحب تكليفه ثم تصريحاته الأخيرة، فلا بد أنها فاشلة حتى قبل أن تبدأ فعليا. فالدبلوماسي الجزائري المخضرم وجد نفسه في عين العاصفة بمجرد نشر التسريبات عن اختياره خليفة لكوفي أنان المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية الذي قرر الاستقالة بعدما وجد أنه يحرث في البحر، وأن مهمته في الأزمة السورية لا تحقق أي تقدم، ولا تملك أي فرصة للنجاح في ظل الانقسام الدولي، والتجاذب الإقليمي، وتصاعد العنف وحدة الحرب في الداخل. فالكثيرون نصحوا الإبراهيمي بعدم قبول المهمة وحذروه من أن الوقت فات على الجهود السلمية وأنه لم يعد هناك مجال لتسوية بين النظام الذي أمعن في العنف والقتل، والمعارضة التي باتت أكثر تسلحا وأشد تمسكا بمطلب رحيل الأسد. لكن الرجل قبل المهمة إما لأنه تعود على التكليفات الصعبة، أو لأنه لم يتأقلم مع الابتعاد عن مسرح السياسة الدولية، أو لأن هناك أطرافا سعت لإقناعه بتولي الملف لأن المجتمع الدولي لا يريد أن يبدو وكأنه تخلى عن الجهود الدبلوماسية نهائيا لصالح الحل العسكري الذي لا يبدو أقل تعقيدا من الحل السياسي.

لم تمر أيام قليلة على إعلان تكليفه بالمهمة حتى تحولت الانتقادات الهادئة للإبراهيمي إلى سيل جارف من الهجوم بعد التصريحات التي ورد أنه قال فيها، إنه من السابق لأوانه الحديث عما إذا كان الرئيس بشار الأسد يجب أن يتنحى. فالمعارضة السورية فهمت الكلام على أنه تلميح إلى إمكانية بقاء الأسد في ظل تسوية سياسية، واعتبرت ذلك استهتارا بدم السوريين يستدعي اعتذارا من المبعوث الجديد، مشيرة إلى أن الوقت قد فات على الكلام عن حلول سياسية تقوم على القبول بوجود الأسد في مرحلة انتقالية، وأن الحد الأدنى المطلوب هو رحيل الرئيس وبطانته إن لم يرحل النظام بأكمله.

هذه الضجة توضح صعوبة مهمة الإبراهيمي والفرص الضئيلة لنجاح الدبلوماسية في ظل التصعيد العسكري والتجاذب بين أطراف الأزمة في الداخل والخارج. فالواقع أن التصريحات فهمت بطريقة محرفة في ظل الأجواء المشحونة بالتوتر والتي لا مجال فيها للقراءة المتأنية للتصريحات المغلفة بلغة الدبلوماسية حمالة الأوجه أو متعددة التفسيرات. بالعودة إلى قراءة التصريحات نجد أن الرجل قال عندما سئل عما إذا كان سيطالب الأسد بالاستقالة «من المبكر جدا بالنسبة لي أن أقول هذا، إنني لا أعرف بدرجة كافية ما يحدث»، والفرق واضح في المعنى بين هذا الكلام والتفسيرات التي ذكرت أنه يلمح لبقاء الأسد في الحكم. لكن الإبراهيمي اضطر للخروج بتصريحات جديدة لتوضيح تصريحاته الأولى ولكي يشرح أنه لم يقل إنه من المبكر الحديث عن تنحي الأسد بل ذكر «أنه من السابق علي أنا أن أقول أي شيء في ما يتعلق بمضمون القضية.. أما أن الأسد يتنحى أو لا، فلم أقل إن الوقت لم يحن ليتنحى»، على حد ما ورد في كلامه التوضيحي.

الإبراهيمي صاحب تجربة طويلة في الملفات الشائكة، وعرف بالصبر والمثابرة في تحركاته بين الأطراف المتصارعة، لكنه سيجد في الأزمة السورية امتحانا أصعب مما وجده في الأزمات السابقة التي توسط أو تحرك فيها، وما أزمة التصريحات الأخيرة إلا عينة بسيطة مما سيواجهه في مقبل الأيام. أما السبب في ذلك فلم يغب عن فطنة الرجل؛ إذ إنه اعترف بأن الانقسامات داخل مجلس الأمن هي التي أحبطت جهود كوفي أنان، وأن مهمته الأولى هي التغلب على هذه الانقسامات مضيفا القول «المشكلة ليست فيما يمكنني فعله بشكل مختلف، بل كيف سيتصرف الآخرون بشكل مختلف». قد يكون هذا جزء من تشخيص المشكلة، لكنه بالتأكيد لا يقدم حلا لمعضلة تجاوز الانقسامات، ولا يطرح تصورا للكيفية التي يمكن من خلالها جعل «الآخرين» يتصرفون بشكل مختلف. فالخلافات في مجلس الأمن على أشدها خصوصا بين روسيا والصين من جهة، وأميركا وبريطانيا وفرنسا من الجهة الأخرى وهي خلافات جعلت العالم يبدو وكأنه قد عاد إلى فترة الحرب الباردة. فالروس والصينيون يرون أن الغرب يفرض حلوله ونموذجه ويمرر ذلك عبر قرارات مجلس الأمن، وإن ذلك يشكل سوابق يمكن أن تستخدم في مناطق ونزاعات أخرى بما في ذلك داخل النطاقات الروسية واالصينية، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالقول إن مبعث القلق هو الكيفية التي ستحل بها النزاعات «إما اتباع ميثاق الأمم المتحدة، وإما أن تفوز ديمقراطية القنابل»، على حد تعبيره. لكن المشكلة الحقيقية هي أن الكل يستخدم ميثاق الأمم المتحدة لأغراضه وأهدافه الخاصة، وأن مطالب الشعوب تتراجع أمام حسابات الدول ومصالحها، والتاريخ الحديث يقدم لنا الكثير من النماذج على ذلك. أما الحديث عن «ديمقراطية القنابل» فينطوي على تجن مزعج على الحقيقة الناصعة بأن الثورات بدأت سلمية ولم تتعسكر إلا بسبب استخدام أنظمة الاستبداد للقمع الدموي، وتداخل المصالح والحسابات الخارجية مع التحركات الداخلية.

الأزمة السورية تقدم نموذجا على ذلك وأكثر، فهي لم تتشابك مع الحسابات الدولية المتضاربة فحسب، بل تداخلت مع الصراعات الإقليمية، والتعقيدات والحساسيات الداخلية، واستعداد النظام لاستخدام أقصى درجات العنف للتشبث بالسلطة. هذه هي الأجواء التي أحبطت مهمة أنان وتواجه الإبراهيمي في مقبل الأيام، بينما تتفاقم معاناة الشعب السوري. لكن السؤال الصعب هو هل يجب أن ينسحب المبعوث الجديد؟

على الرغم من كل التحفظات فإن انسحاب الإبراهيمي سيعني ترك الساحة خالية من أي صوت إلا من صوت المدافع وأنين الضحايا والمكلومين. صحيح أن النظام يتآكل تدريجيا، والمعارضة تكسب المزيد من المواقع والقوة، لكن الحسم العسكري قد لا يأتي قريبا، خصوصا مع التعقيدات الداخلية والتشابكات الخارجية، مما يعني المزيد من المعاناة للسوريين والمزيد من المشاكل لبلدهم في المستقبل. لهذا يجب عدم إغلاق نافذة «الحل السلمي»، مهما بدت مستحيلة، ولو لإعطاء فرصة أخيرة للخروج الآمن وتجنيب سوريا المزيد من الدماء.

_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*

الطلب علي الماء قد يتجاوز العرض بنسبة 40 في المئة .. تحذيرات دولية من أزمة غذاء وماء وشيكة

بقلم ثاليف ديين/وكالة إنتر بريس سيرفس

(آي بي إس / 2012)

الأمم المتحدة, أغسطس (آي بي إس)

حذرت الأمم المتحدة من وقوع أزمة غذائية وشيكة جراء موجة الجفاف الشديد في الأراضي الزراعية في الولايات المتحدة، والبرازيل، وروسيا، وعلي الأقل ولايتين في الهند حرمتا هذا الموسم من الأمطار، مما أثار القلق بشأن مورد طبيعي حيوي لازم ومحدود: الماء.

وأفادت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أنه اذا لم ينتبه المجتمع الدولي إلى هذا التحذير، لجازف بتكرار أزمة الغذاء التي وقعت في عام 2008، وذلك نتيجة نقص المتوفر منه في جميع أنحاء العالم، إضافة إلي رفع أسعار السلع الزراعية، بما فيها الذرة والأرز والسكر والشعير والطحين بل ومنتجات اللحوم.

هذا ويركز معهد إستوكهولم الدولي للمياه في مؤتمره السنوي العالمي -الذي ينعقد بالتوازي مع الأسبوع العالمي للمياه-على قضية تتخذ أهمية بالغة في الوقت الراهن: الأمن الغذائي والمائي.

ومن المقدر أن يشارك في هذا المؤتمر -الذي ينعقد في الفترة 26-31 أغسطس- أكثر من 2،500 مندوبم من الامم المتحدة، وخبراء المياه، والأكاديميون، والعلماء، والصحفيون، وممثلو المنظمات غير الحكومية، وقطاع الأعمال.

في هذا الشأن، صرح بير بيرتيلسون، المدير التنفيذي بالوكالة لمعهد ستوكهولم الدولي للمياه، أن "كل ما نأكله وكيف نأكله، يؤثر علي الموارد المائية أكثر من أي نشاط آخر".

وذكّر في مقابلة مع وكالة إنتر بريس سيرفس أن الزراعة هي المستهلك الأكبر للمياه في جميع أنحاء العالم بما يمثل حوالي 70 في المائة من استخدامات المياه.

وأضاف أن ما يقرب من نصف سكان كوكب الأرض البالغ عددهم سبعة مليار شخصا، محرومين من نظام غذائي صحي.. وهناك مليار شخص يعانون من الجوع، ومليار آخر يقاسي من سوء التغذية، فيما يعاني مليار نسمة من الإفراط في الطعام.

ونبه مدير معهد إستوكهولم الدولي للمياه إلي أن الإمدادات الغذائية ليست هي المشكلة الوحيدة، فالموارد المائية والأراضي اللازمة لزراعة المحاصيل الغذائية تتعرض أيضا لضغوط متزايدة من كافة قطاعات الاقتصاد العالمي.

ولدي سؤاله عن مدي أهمية التركيز علي الأمن المائي والغذائي كموضوع أساسي للأسبوع العالمي للمياه، أجاب أنه على الرغم من ما يزرع يكفي لإطعام السبعة مليارات نسمة في العالم، الا أن أكثر من ثلث هذا الإنتاج يفقد ويضيع.

وشدد علي أن زيادة الإنتاج الغذائي وحده لن يكون كافيا لتحقيق الأمن الغذائي، بل ويتطلب كميات كبيرة من المياه في بعض الأماكن التي قد تكون المياه فيها أكثر قيمة إذا خصصت لاستخدامات أخرى.

وأبرز بير بيرتيلسون مجددا الصلة المباشرة بين الأمن الغذائي والأمن المائي، فلا يمكن تحقيق أي منهما من دون الآخر. وشدد علي أهمية إجراء إستثمارات مكثفة لرفع مستوي فعالية النشاط الزراعي وخفض فقدان الأغذية.

كذلك فلابد من مساعدة الناس لتحقيق خسارة كمية أقل من الطعام الذي تشتريه، وكذلك علي الأكل الصحي، كوسيلة أخرى لتخفيف الضغط على الموارد. "سوف نناقش أساليب أذكى لتبادل الخبرات وبناء شراكات لاتخاذ إجراءات فعالة على كل هذه الجبهات خلال الأسبوع العالمي للمياه"، وفقا للخبير.

وأضاف "سوف نناقش أيضا بعض القضايا المثيرة للجدل والصعبة للغاية مثل الإعانات الزراعية، والتجارة، واستملاك الأراضي، والتي تؤثر بشكل واضح علي الأمن المائي والغذائي والتي يكاد ينعدم الاتفاق بشأنها من حيث ما هو الأفضل أو الأسوأ، وأذكى وسيلة لتنظيمها".

وبسؤاله عن العواقب السلبية المحتملة لخطر نقص المياه في جميع أنحاء العالم حال تعثر المجتمع الدولي في الوفاء بإلتزاماته، أجاب لوكالة إنتر بريس سيرفس، أن "نقص المياه يمكن أن يقيد إنتاج الطاقة والأغذية ويسبب إضطرابات كبيرة للاقتصادات المحلية والوطنية".

وشرح مدير معهد إستوكهولم الدولي للمياه أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة نشر في العام الماضي بحثا قدر أن الطلب المقدر على المياه قد يتجاوز العرض بنسبة 40 في المئة في غضون 20 سنة لو استمرت الاتجاهات الحالية.

وشدد بير بيرتيلسون علي ضرورة الماء لكافة الأنشطة الاقتصادية وجميع النظم الإيكولوجية، ومن ثم فما يحدث حاليا يعني نكسات كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفقدان العديد من الأفراد لمصادر رزقهم، وخطر إرتفاع التوترات الاجتماعية والسياسية، إضافة إلي أن الشركات ستواجه مخاطر كبيرة في عملياتها.

"خمس سكان العالم يعيشون في مناطق تعاني من ندرة حقيقية في المياه، فين حين سيقع 90 في المئة من النمو السكاني العالمي في المناطق التي تواجه بالفعل الإجهاد المائي، مما يحتم الاستخدام الحكيم للمياه"، وفقا لمدير المعهد.

وحذر بير بيرتيلسون من أن العواقب يمكن أن تكون أشد قسوة في المناطق النامية. فقد سلطت المجاعة في منطقة القرن الأفريقي عام 2011 الضوء على الدمار الذي يمكن أن يسببه الجفاف وأهمية مهمة المجتمع في وضع نظم فعالة للإنذار المبكر لمواجهة الكوارث الطبيعية والتغييرات المفاجئة أو التي يطول أمدها في مجال وفرة المياه.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com