العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25/12/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هذه هي مدرسة آل الأسد .. محمد فاروق الإمام

مدرسة آل الأسد خرّجت في سورية على مدى أربعة عقود جيشاً من المتزلفين المليئة أرواحهم بالرياء والنفاق والخبث والفساد والضلال والكذب، ولعل كبير هؤلاء وزير خارجية النظام وليد المعلم الذي يجيد تطويع الكلمات وليّ أعناق الجمل وصياغتها بأسلوب ساخر ومضحك، ولا أدل على ذلك مما قاله في مؤتمره الصحفي الأخير الذي ضم لفيفاً من إعلاميّ النظام في غياب مطلق لوجود إعلام عربي أو أجنبي أو إعلام مخالف أو حتى محايد أو مستقل، واكتشاف ذلك ليس أحجية فكل ما طرح على المعلم من أسئلة كلها تصب في خدمة النظام والتشهير بالآخرين دون استثناء عرب وأجانب ومعارضة، فكل هؤلاء متآمرون كونيون جاؤوا من عالم آخر يريدون القضاء على النظام المقاوم والممانع الذي يحتضن المقاومة الفلسطينية واللبنانية، والذي يقف في وجه الأجندة الإمبريالية والصهيونية ويُفشل مخططاتها.

ومما قاله المعلم في مؤتمره الصحفي حول توقيع النظام على البروتوكول الملحق بالمبادرة العربية والذي ينظم دخول بعثة عربية لترصد ما يجري من انتهاكات لحقوق الإنسان في سورية وتتثبت من تطبيق النظام السوري لبنود المبادرة العربية التي وافق عليها النظام بلا أي تحفظ على أي بند من بنودها، والتي من أهمها وقف القمع وسحب المظاهر المسلحة والآليات العسكرية من المدن والبلدات والقرى، وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، والسماح للتظاهر السلمي دون أية معوقات أو تدخل من رجال الأمن والشبيحة، والسماح بدخول وسائل إعلام عربية وأجنبية مستقلة ومحايدة لترصد الوقائع على الأرض بكل شفافية ومهنية.. قال المعلم أن سورية لم توقع على البروتوكول إلا بعد الاستجابة لطلباتها وشروطها، وأنه - أي المعلم – لن يتحدث عن التفاصيل – لأنه كما قال وبأسلوب ساخر – "إن كنا سنغرق البعثة بالتفاصيل عليهم أن يتعلموا السباحة"، ودوت القاعة بتصفيق الإعلاميين الذين تخرجو من نفس المدرسة لأكثر من أربع مرات للمعلم خلال حديثه الساخر من الجامعة العربية وقادة دولها.

 وجاء رد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي سريعاً بتكذيب إدعاءات المعلم حول تعديل البروتوكول، مؤكداً في مؤتمر صحفي أننا "لم نعدل البروتوكول".

في هذه الأثناء أنهى المجلس الوطني السوري المعارض جلساته التي عقدها في تونس برعاية الرئيس التونسي المنصف المرزوقي على رغم انتظار رئيسه برهان غليون أكثر من ساعتين حتى يفرغ المعلم من كلامه علّه يكون هناك في حديث المعلم شيئاً جديداً.. ولكن لا جديد.

فقد اعتبر غليون في أعقاب سماعه المعلم يعلن توقيع النظام على بروتوكول الجامعة العربية بأسلوبه الساخر، أنه استنتج "أن التوقيع جزء من سيناريو المراوغة التي يعتمدها النظام في سورية حيال المبادرة العربية"، أي النظام يعمل على كسب الوقت ومنع الجامعة من تحويل الملف السوري إلى مجلس الأمن وعلى تقويض أسس المبادرة العربية، وهذا ما ذهبت إليه معظم وسائل الإعلام العربية والأجنبية وقاله المحللون السياسيون والمهتمون بالقضية السورية، وبالفعل فقد استغل النظام هذه الفرصة في تنفيذ هجمة بربرية ووحشية، ولمّا يجف حبر توقيعه على البروتوكول بعد، شنتها كتائب الأسد ورجال أمنه وشبيحته على المتظاهرين السلميين وقصف المدن والبلدات والقرى السورية بكافة الأسلحة الثقيلة البرية والجوية والبحرية راح ضحيتها في يومين ما يزيد على استشهاد مئتي مواطن سوري بينهم العديد من الأطفال والنساء.

لم يكن المعلم الوحيد من جيش المتزلفين الذين تخرجوا من مدرسة آل الأسد، فهذا الإعلامي شريف شحادة يتفوق على المعلم في برنامج الاتجاه المعاكس الذي بث يوم أمس الثلاثاء 20 كانون الأول الحالي عند وضع برواز زجاجي يحمل صورة سيده بشار الأسد على طاولة الحوار وينبه محاوره اللبناني صالح مشنوق، الذي أفحمه بما أدلى من حجج وأدلة، وعرض من صور ووثائق تدين النظام السوري وما اقترف ويقترف من جرائم بحق السوريين والفلسطينيين واللبنانيين وعمالته وتخاذله وكذبه وافتراءاته، نبهه قائلا: "حتى عندما تشرق الشمس من المغرب وتغرب من المشرق فلن يسقط نظام بشار الأسد".

وقائمة أسماء جيش المتزلفين الذين تخرجوا من مدرسة آل الأسد أطول من أن يحاط بها في هذه العجالة، ولعل الملايين من السوريين والعرب قد زكمت أنوفهم رائحتهم النتنة، وأصابهم الغثيان والقرف حديثهم الممجوج والمكرر، الذي نسمعه مكرهين منهم في بعض الفضائيات بحجة السماع للرأي والرأي الآخر، ولابد من أخذ حظهم في مساحة برامجها الحوارية والفكرية، وعزاؤنا أن هذه الجماهير التي تستمع وتشاهد هذه الأبواق من متزلفي النظام كان مكسباً للثورة السورية وتصب في انتكاسات النظام وسقوط أوراق التوت عن عوراته، وانفضاض الناس من حوله، وابتعاد المخدوعين بزيف شعاراته عنه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بطل الربيع العربي  .. رسمي أبو علي

الدستور

21-12-2011

بإصراره الذي لا يلين، وتضحياته اليومية الغالية يثبت الشعب السوري الشقيق أنه حقا بطل الربيع العربي.

فبعد تفجر الثورة في تونس ثم في مصر كان واضحاً أن دور الشعب السوري قد جاء، وقد تساءلت أيامها كيف يمكن أن يبدأ الشعب السوري ثورته في ظل نظام أمني قمعي لا يرحم يبلغ عدد أجهزة أمنه أكثر من خمسة عشرة جهاز.

لقد ادركنا جميعاً أن الثورة السورية المنتظرة هي ستكون، أن وقعت، واحدة من أصعب الثورات بسبب ظروف داخلية كما قلنا وبسبب ظروف اقليمية ودولية تتعلق بالموقع الجيوبوليتيكي الذي تحتله سوريا في منطقة الشرق الاوسط، كونها تشكل مجمعا مكثفا للأعصاب السياسية في المنطقة.. الأمر الذي كان واضحاً منذ البداية أن الغرب عموماً لم يكن متحمساً، ولا يزال، لممارسة ضغوط عسكرية كما حدث في ليبيا، كما أننا فهمنا أن إسرائيل غير متحمسة لاي تغير جدي في سوريا لانها تخاف من المجهول والفوضى التي قد تقع، ولأنها خبرت النظام السوري وكانت مرتاحة معه إلى حد كبير رغم كل ادعاءاته بالممانعة ودعم المقاومة.

لذلك بدا أن قدر الثورة السورية منذ البداية سيكون قدراً مأساويا، ومن هنا تنبع عظمة هذه الثورة التي كانت تدرك أنها وحيدة تقريباً في وجه آلة قمع وحشية لا ترحم أبدا..

ومع ذلك استمرت ولا تزال مقدمة كل يوم عددا من الضحايا الشهداء رجالا ونساء واطفالا.. وجبة يومية لا تقل عن عشرين ضحية لغول القمع الفاتح شدقيه دون أن يشبع..

لقد قرأت ذات مرة قولا لكازانتزاكي الروائي والشاعر اليوناني الكبير, يقول فيه أنه لأمر نبيل أن تناضل من أجل هدف حيث يحدوك الامل بالفوز, ولكن الأكثر نبلا أن تناضل وانت تعرف أنه لا أمل لك بالفوز.

لا نقول إن الأمل مستحيل في حالة الشعب السوري، ولكنه بالتأكيد أمل صعب ولا زلنا حتى الآن لا نرى أي شعاع ضوء حقيقا في نهاية هذا النفق الدموي الفظيع.

تحية حب واكبار للشعب السوري بطل الربيع العربي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية و«حماية» المراقبين .. الياس حرفوش

الثلاثاء, 20 ديسيمبر 2011

الحياة

هناك مطبّات كثيرة على طريق المراقبين العرب إلى سورية. المهمة التي سيقومون بها يدور جدل في شأنها حتى قبل أن يصلوا. الجامعة العربية تعتبر أن إرسال المراقبين يهدف إلى التأكد من عدم إطلاق النار على المتظاهرين. أي أن جزءاً من عمل هؤلاء المراقبين سيكون لحماية المدنيين على أساس الافتراض أن وجودهم في الشوارع السورية سيخفف من «نشاط» القوات الأمنية. كما سيتأكد المراقبون من سحب المظاهر المسلحة ومن الإفراج عن المعتقلين. أما الحكومة السورية فترى أن الهدف من السماح للمراقبين بدخول أراضيها هو أن تثبت للعالم صدق روايتها التي تكررها منذ بدء هذه الأزمة في شأن «العصابات الإرهابية المسلحة»، وهو ما أكده وزير الخارجية السوري أمس عندما قال إن المراقبين سيرون بأنفسهم أن المتظاهرين في سورية ليسوا سلميين.

هذا الخلاف ينقل مهمة المراقبين إلى عقبة أخرى: ماذا ومن سيراقبون؟ وإلى أين سيُسمح لهم أن يذهبوا؟ من حيث المبدأ يفترض أن يتاح لهم الذهاب إلى حيث يشاؤون، وأن تتولى السلطة السورية تسهيل وصولهم. أما في الواقع فإن السلطة السورية، كما أشار الوزير وليد المعلم، لا يمكنها أن تسمح لهؤلاء بزيارة «مواقع عسكرية حساسة»، كما أن تحركهم سيكون «تحت حماية الحكومة السورية»، في الوقت الذي يشترط بروتوكول المراقبين أن تقوم دمشق ب «تسهيل» عملهم. ومعروف أن هناك فرقاً بين «التسهيل» و «الحماية»، بالمعنى الأمني، ويبدو أن هذا ما كان المعلم يشير إليه في معرض المزاح، عندما قال رداً على سؤال في شأن العراقيل التي يخشى أن توضع في طريقهم، إنه سيكون على المراقبين أن يتعلموا «السباحة». وهذا سيُدخل الجامعة في جدل مع الحكومة السورية حول طبيعة المواقع التي سيزورها المراقبون، يذكّر بالجدل الذي دار حول زيارة مراقبي الأمم المتحدة المواقع العراقية في عهد صدام حسين.

الحجة التي تتمسك بها الحكومة السورية والتي على أساسها تحاول فرض شروطها على مهمة الجامعة وعلى عمل المراقبين هي حجة سيادة الدولة على كامل أراضيها. غير أن الواقع هو أن مجرد قبول دمشق بالمبادرة العربية وبفكرة المراقبين، يتضمن تخلياً، ولو جزئياً، عن هذه السيادة. ذلك أن مهمة «المراقب» هي أن «يراقب». وعندما تسمح حكومة ما لفريق خارجي ب «مراقبة» ما يجري على أرضها، سواء من جانب أجهزتها، أو حتى من جانب فئات معارضة على أرضها، تكون قد اعترفت بالتشكيك الخارجي في رواياتها وفي أعمالها، كما تكون أتاحت المجال لجهة خارجية لتقرير ما هو سيئ وما هو مقبول من أعمال هذه الحكومة. وهذا بعينه هو انتقاص من السيادة.

حقيقة الأمر أن دمشق دُفعت دفعاً إلى التوقيع على بروتوكول المراقبين. لا يمكن إغفال الظرف الذي وافقت فيه على التوقيع، بعد تردد دام منذ موافقتها على المبادرة العربية في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. سبعة أسابيع مرت والرسائل بين دمشق والقاهرة والدوحة تذهب وتجيء والقتلى في سورية يسقطون. ولو اعتبرنا أن معدل القتل اليومي هو عشرون شخصاً، وهو حد أدنى، نستطيع القول إن حوالى ألف شخص قتلوا خلال هذه الفترة.

ما دفع دمشق إلى اكتشاف فضيلة «الحل السلمي» و «التعاون مع الجامعة» في هذا الوقت المتأخر، ليس بالتأكيد الحرص على حل الأزمة السورية من طريق الحوار مع المعارضة وإدخال الإصلاحات الضرورية. إنه التخوف من تهديد الجامعة بنقل الملف السوري إلى مجلس الأمن، والتخوف من تحول في الموقف الروسي، في ضوء مشروع القرار الذي عرضته موسكو على المجلس.

من اكثر الأمور تعبيراً عن مدى صدق دمشق عندما تتحدث عن رفضها التدخل في شؤونها الداخلية، ما أعلنه وليد المعلم أمس عن أن توقيع حكومته على بروتوكول المراقبين جاء بناء على نصيحة روسية، («نصحونا بالتوقيع واستمعنا إلى نصيحتهم») متجاوزة شروطها السابقة، وأهمها تراجع الجامعة العربية عن العقوبات التي فرضتها على دمشق في اللحظة التي يتم التوقيع السوري.

كسب الوقت على أمل تغيير المواقف وموازين القوى، جعل النظام السوري يتجاوز كل العراقيل والشروط السابقة التي كانت تسميها دمشق «شروط إذعان». إذعان ممكن أمام نصائح موسكو وتهديدات مجلس الأمن... وليس أمام الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا تعني سوريا؟! .. ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

21-12-2011

هذا السؤال الغريب وغير المألوف كان يجب أن يناقش منذ عشرات السنين، أي منذ بدأ البعث يتحدث عن نظامه باعتباره سوريا. في المؤتمرات الصحافية التي يعقدها قادة الحزب والسلطة في سوريا، كما في الخطب التي يلقونها والتصريحات التي يدلون بها، ينسب كل ما هو جيد للبعث ونظامه، وتعتبر الانتقادات الموجهة إليهما انتقادا مرفوضا بالطبع لكل ما هو خير ونبيل في بلادنا. يحدث الشيء نفسه عندما يلحق أذى مادي أو معنوي بأحد من رجال السلطة والحزب، فيبادر النظام وإعلامه إلى اعتبار ما جرى موجها ضد سوريا وليس ضد الشخص المعني أو الجهة المقصودة، بينما يقال عن المشكلات والأزمات إنها ابنة الماضي الذي لم تنجح في التخلص منه بعد، وليست نتاج الحاضر، وإن بدت ظاهريا كذلك!

من المعلوم أن قادة النظم الشمولية يضفون طابعا شخصيا على أوطانهم، انطلاقا من فكرة مسبقة ترى أن هذه يعاد إنتاجها بطريقة صحيحة وتتفق مع هويتها الأصلية بفضلهم، والتي لم تقم قبلهم بسبب التباعد بين القادة والساسة السابقين وبين الوطن، وإذن، فإن وطنهم يستعيد من خلالهم حقيقته الأصلية، التي كانت ضائعة أو مضيعة قبلهم. من هنا، يحق للوطن أن يفخر بتماثله مع المستبد، كما يحق لهذا أن يعتبر نفسه الوطن أو القيمة العليا المتطابقة مع هويته الحقيقية. لا عجب أن قال حافظ الأسد في حديث مع المسرحي الراحل سعد الله ونوس: أنا أعتبر نفسي وطن السوريين، وأعتقد أن أي سوري يسمع نقدا موجها إلي سيدافع عني ضد ما يوجه إلي، باعتباري الرجل الذي يجسد وطنه. كما قال أحد كبار القادة السوريين ذات يوم: إن ما تتلقاه سوريا من معونات مالية خارجية يأتي إلى السيد الرئيس، الذي يحق له حجبها عن الشعب أو منحه جزءا منها. عندما اعترض أحد جلسائه على الفكرة، رد متسائلا بغضب: هل كانت هذه المعونات تمنح لسوريا قبل السيد الرئيس؟! ثم أجاب عن سؤاله دون انتظار رد محاوره: إنها تعطى إذن للسيد الرئيس وليس لسوريا. قال محدثي: إن المسؤول لفظ اسم الرئيس بإجلال وتعظيم، بينما نطق كلمة سوريا باحتقار وتهكم. من جانبه، كان الإعلام الرسمي يعتبر زيادات الرواتب والأجور «منحة أو منة» من «سيد الوطن» - لقب الرئيس شبه الرسمي - تؤكد رعايته للمواطن، بينما كان الوزراء يظهرون على شاشات التلفاز للتأكيد على أن الزيادات لم تكن ضرورية، لأن الشعب ينعم ببحبوحة ظاهرة، لكن السيد الرئيس، سيد الوطن ومجسده، لا يكف لحظة عن التفكير بأبنائه المواطنين، لأنه يحبهم أكثر مما يحبون أنفسهم، ويفكر فيهم أكثر مما يفكرون بذواتهم!

مرت مضاهاة سوريا مع النظام بطورين، بعد انقلاب عام 1963، الذي استولى عليه البعث:

- في الطور الأول اعتبر حزب البعث نفسه الجهة التي ستقيم وطنا يشبهها في سوريا سرعان ما سيصير قدوة للعرب جميعا، لذلك سيكون من حق الحزب إعادة إنتاج هؤلاء أيضا مهما كانت أقطارهم وأمصارهم. في هذا السياق، نشأ مفهوم الحزب القائد، الذي يتقدم التاريخ ولا همّ له غير أن يرتقي بالوطن كي يبلغ مستواه الخاص ويتماثل معه، فيقوم بينهما تطابق تام، ولا سيما أن الوطن ليس فقط أرض وشعب الدولة، بل هو قبل هذا وذاك مؤسسات تحدد كيفية وجود الشعب ووظيفة الأرض، أي هويتهما ودورهما. بما أن المؤسسات الصانعة للوطن ستقام انطلاقا من البعث، فإنه يجب أن تكون له بالضرورة أولوية مطلقة على أي شيء عداه، خاصة أنه هو الذي سيخرج الوطن من تأخره، وسيتيح له بلوغ مستوى نوعي لا يجارى، مماثل لمستواه الخاص كحزب ثوري/ طليعي، سيمكنه من أن يصير وطنا استعاد حقيقته الأصلية، التي كانت غائبة عنه بسبب غياب الحزب عن قيادته وسلطته، فلا عجب أن انقلب إلى وطن بعثي لا فكاك له عن البعث، وإلا فقد هويته ورسالته!

- في الطور الثاني نقلت هذه المهام إلى شخص بعينه، هو قائد انقلاب عام 1970 الرئيس الراحل حافظ الأسد، الذي تولى قيادة الحزب وناب عنه في قيادة سوريا، بحجة أنه شخص لا مثيل له، سبق زمنه إلى درجة تمكنه من جره وراءه نحو المجد والفرادة. بعد الحزب القائد، جاء «قائد المسيرة»، الذي سيتم انطلاقا منه إعادة إنتاج الوطن ليأتي على صورته ومثاله، وذلك بالتعاون مع البعث بعد تصحيح أوضاعه وجعله أداة تصلح لتأدية المهمة الجديدة وتستحق ثقة القائد. في هذا المنطق، تحول شخص القائد إلى جهة تضمر وطنية نقية ستصحح الوضع ما قبل الوطني الذي يعيشه الشعب، وستخرج الوطن من واقعه الزائف وترده إلى صفاء طبيعته الأصلية، وصولا إلى المواطن، الذي عليه التماهي مع قائده والذوبان فيه. وزاد من تعزيز هذا الاعتقاد الرسمي أن انقلاب الأسد أعقب هزيمة يونيو (حزيران)، التي بررها الحزب بفكرة تقول: إن النظام أهم من الوطن، فالوطن إن ضاع يمكن استعادته كليا أو جزئيا، أما النظام فلا يمكن تعويضه أو استعادته إن سقط، لذلك يجب إعطاء الأولوية في نظرة وطنية صحيحة إلى الحزب والنظام، اللذين يعد عدم سقوطهما انتصارا للوطن، رغم خسارته محافظة الجولان مع ما تتمتع به من ثروات مائية وزراعية كبيرة، وأهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى سوريا.

واليوم، وشعب سوريا يصرخ بصوت واحد: «حرية»، و«الشعب يريد إسقاط النظام»، فإن هذا يرى في موقف الشعب مطالبة بإسقاط الوطن، ويعلن بكل صراحة أن سقوطه يعني نهاية سوريا ودولتها، وإلا لما كان اعتبر حراكه السلمي مؤامرة على الوطن لا بد من قمعها بالقوة دفاعا عنه، وبالتالي دفاعا عن الرئيس، مجسد النظام وحامله، فإن سقط هو سقط الوطن معه، كما يقول الإعلام السوري يوميا بألف لسان، ويعلن من يصدقونه أنهم على استعداد لإحراق سوريا من أجل الرئيس، لأنها ليست بدونه وطنا لهم، في حين يمكن انطلاقا منه إعادة إنتاجها كوطن، بمعنى أنه لن يبقى وطنا إن لم يكن «هو» بالذات، ودون جميع خلق الله، رئيسه!

في العمق، تدور المعركة الراهنة في سوريا بين فكرتين: واحدة ترى في الرئيس الوطن وفي الوطن الرئيس.. بينما ترى الأخرى، المعارضة، أنه النفي التام للوطن، الذي لن يعود إلى الظهور وليس هناك من سبيل إلى استعادته من جديد بغير سقوط الرئيس.. أي بغير تحرير الوطن منه!

أدلج النظام الوطن وجعله بعثيا. واليوم، يفك الحراك المجتمعي هذه الرابطة الزائفة ويعيد إلى الوطن وجهه المجتمعي، الوطني والشعبي، الذي يعيده من جديد وطنا لجميع أبنائه، على عكس ما هو اليوم: وطن قلة متحكمة تنهبه وتدمر حياة مواطنيه، الذين فقدوا حريتهم وتحولوا إلى عبيد وأجراء أغراب في وطن تغرب بدوره عنهم، صار استرداده حتميا من أجل امتلاك فسحة مفتوحة تزدهر في ربوعها الحرية والعدالة والمساواة، والخروج منه كسجن عالي الجدران محكم الحراسة مغلق النوافذ والأبواب، يتمرد نزيله المظلوم، شعب سوريا، عليه، ويفضل الموت على البقاء فيه!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مسؤولية الجالية السورية في الخارج  .. د. عماد الدين خيتي

أكملت الثورة المباركة في سورية التسعة أشهر، وقد سطر فيها الشعب أروع الصور في البذل والتضحية في النفس والمال والجهد، فنقلوا هذه الثورة من مجرد فكرة كان السوريون لا يحلمون بها إلى واقعٍ ملموسٍ لم يستطع النظام تجاوزه أو التعامل معه.

وقد أفرزت هذه الثورة المباركة عددًا كبيرًا من النتائج والثمار، ولعل من أهمها: روح التلاحم والتآلف والتعاضد بين أفراد المجتمع، فصدم بتآزره وتعاونه أزلام النظام وزبانيته.

كما أنَّ ثوار الداخل قد أدوا واجبهم على أفضل وجه، ولم يبخلوا في سبيل الثورة بنفسٍ أو مالٍ، وهم ماضون في ذلك وقد حسموا خياراتهم في إزالة هذا النظام، وإحلال نظامٍ آخر بديل عنه يوفر العدالة للمجتمع.

الجالية السورية في الخارج:

والمقصود بالجالية هنا: عموم السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم وتحزباتهم.

وأهم ما يُلحظ في هذا الجانب: أعداد الجالية الكبيرة التي تعيش في الخارج، وتوزعها على معظم بلدان العالم، بل وتركز الكثير منها في البلدان ذات التأثير والنفوذ السياسي أو الاقتصادي.

وقد قدَّمت هذه الجاليات الكثير من التضحيات: المالية، والإغاثية، والدعم الإعلامي بالإسهام في توصيل صوت الثوار للخارج، وذلك تحت مسميات عديدة (تنسيقية، اتحاد، تجمع، رابطة...).

غير أنَّ من أهم ما يُلحظ على جهود الجالية حول العالم: تعدد تلك التجمعات التي تعمل تحتها، وضعف التنسيق بينها، مما يُسهم في تشتت جهودها، وعدم بروزها قوة فاعلة ومؤثرة.

إنَّ جهود الأحزاب التقليدية والجهات السياسية الرئيسة في دعم ثوار الداخل ومواجهة هذا النظام البائس غير كافية، ولا تعفي الجاليات السورية في الخارج من القيام بمسؤولياتها السياسية الكاملة تجاه الثوار ومستقبل الوطن.

فلا بد لهذه الجاليات أن توحِّد جهودها بالانضواء في تجمعات كبيرة بحسب كل إقليم أو دولة تعيش فيها _بغض النظر عن انتماءاتها_ لما يحققه ذلك من أهداف جليلة وعظيمة، ومن أهمها:

1_ توحيد الجهود المبذولة وعدم تشتتها، فما يبذله السوريون في الخارج كبير ومؤثر، لكنه غير منظم.

2_ سيادة ثقافة التعاون والتلاحم، والاستعداد للتنازل عن المكتسبات الشخصية لصالح الجماعة ووحدتها.

3_ غرس بذور ثقافة سياسية واجتماعية واعية بين أبناء الجالية مما سيعود بالنفع على المرحلة القادمة بعد سقوط النظام.

4_ إظهار قيادات اجتماعية وسياسية جديدة قد لا تكون مرتبطة بالفعاليات السياسية التقليدية، ما سيوسع من دائرة الأفكار والآراء السياسية والاجتماعية ويثريها، أو تكون رافدًا لها بالخبرات والدماء الشابة.

5_ إظهار وحدة الشعب السوري: بحيث يظهر للعالم أنَّ الثورة لا تقتصر على بضع أفراد يتظاهرون في الداخل، بل إنها تشمل السوريين في الداخل والخارج.

6_ إظهار الوحدة والتلاحم مع الشعب في الداخل، بإيصال الرسائل المباشرة له بأنَّ الجالية في الخارج تقف معه في تضحياته وآلامه، وتعمل على تحقيق آماله وطموحاته، مما يسهم في دعمه نفسيًا ومعنويًا، وإشعاره بأنهم شركاء في البذل والتضحية، لا في قطف الثمرات فقط.

7_ تكوين قيادات وجهات للتواصل مع الحكومات التي تعيش فيها هذه الجاليات، تقوم بإيصال صوت الشعب ورعاية مصالحه، وعدم ترك الساحة لشبيحة السفارات وأزلام النظام.

8_ دعم مواقف الفعاليات السياسية الحالية في مواقفها المختلفة في المحافل الدولية، بحيث يظهر أن الموقف من النظام الحالي ليس مقتصرًا على هذه الجهات لحسابات خاصة بها كما يزعم النظام، بل هي مطالب لكافة فئات المجتمع.

9_ تقديم النصح والمشورة للفعاليات السياسية الموجودة باختلاف أطيافها، بل ونقد مواقفها والاعتراض عليها بشكلٍ منظم وواضح فيما لو بدا منها ما يخالف تطلعات الشعب ورغباته، فالوطن لكافة الشعب، وهو المقصود بجميع هذه الجهود، فلا ينبغي ترك توجيه مستقبله لفئة قليلة مهما حسنت مسالكها وأساليبها، فضلاً عن وجود توجهات أو تحالفات أو ضغوط غير مقبولة.

10_ رفع الحرج عن الفعاليات السياسية المختلفة في بعض المواقف التي قد لا يؤيدها المجتمع الدولي أو يضغط في عدم تبنيها، وذلك بإظهار أنَّ هذه المطالب شعبية عامة، وليست مجرد آراء نخبوية.

إنَّ أهم ما عمل النظام المجرم على ترسيخه في العقود الماضية بمنظومته الأمنية التسلطية: محاولة تحطيم الحياة الاجتماعية من خلال زرع ثقافة الخوف من بقية أفراد المجتمع، بحيث أصبح كل سوري شخصية مستقلة بذاتها لا علاقة لها بأفراد المجتمع، وبالتالي: فإن أعظم إنجاز مضاد يمكن تحقيقه هو القضاء على هذه الفرقة والاختلاف بالتوحد والاجتماع، وإذا كانت معارضة الداخل بظروفها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية الشديدة الصعوبة قد تجاوزت هاتين العقبتين: فلا يليق بالجالية في الخارج أن تبقى دون توحد وتنظيم للقيام بحقوق ثوار الداخل وما بذلوه من تضحيات، على أقل تقدير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انتهى عهد الدكتاتور وتونس صنعت الدستور و للرئاسة انتخب الدكتور  .. بقلم: رضا سالم الصامت*

تونس تصنع المستقبل ، فمن المعروف أنها مرت بظروف صعبة جدا بسبب اندلاع ثورة 1 يناير 2011 التي نتج عنها إنهاء حكم الديكتاتور بن علي و رغم المصاعب الجمة التي أثرت في البلاد و العباد ، استطاعت تونس أن تتغلب عليها بفضل حكمة الحكومة المؤقتة التي دعت إلى انتخابات نزيهة للمجلس الدستوري و وقعت في 23 اكتوبر2011 حيث فازت حركة النهضة بأغلبية مقاعد المجلس و أحزاب أخرى كحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي حاز على المركز الثاني و نال ثقة الشعب الذي أقدم على هذه الانتخابات بكثافة ...و في أعمال جلسات المجلس الوطني التأسيسي و بدعوة من رئيس الجمهورية المؤقت فؤاد المبزع تنعقد الجلسة الأولى الافتتاحية للمجلس الوطني بالمقر السابق لمجلس النواب بباردو .كانت جلسات المجلس حماسية ..تابعها الشعب عبر شاشة التلفزيون مباشرة ... جلسات هذا المجلس وصفت بأنها خطوة أولى نحو بناء الجمهورية الثانية .رئيس الجمهورية المنتهية ولايته السيد فؤاد المبزع في كلمة أمام أعضاء المجلس قال فيها بالخصوص أن هذه الجلسة موعد فعلي للانتقال الديمقراطي و لحظة فارقة في تاريخ تونس و طالب أعضاء المجلس بالالتزام والوفاء لدماء شهداء ثورة الكرامة و تغليب المصلحة العامة و الانتماء إلى الوطن.. الجدير بالذكر أن السيد الباجي قائد السبسي الوزير الأول المؤقت المنتهية ولايته كان حاضرا وأعضاء حكومته ، بالإضافة إلى رئيس الجمهورية الجديد السيد المنصف المرزوقي و رئيس الوزراء الجديد السيد حمادي الجبالي و رئيس المجلس التأسيسي السيد مصطفى بن جعفر. كما حضر جلسة المجلس التأسيسي التونسي عدد من عائلات شهداء ثورة الكرامة تتقدمهم والدة البوعزيزي مفجر ثورة 14 يناير 2011

رئيس مجلس النواب المؤقت السيد الطاهر هميلة أعلن عن افتتاح الجلسة التي انعقدت بقصر باردو غرب العاصمة التونسية ، حيث قال في كلمة طويلة قاطعها عدة مرات عدد من النواب ، أن هذه هي اللحظة التاريخية التي نضع فيها حجر الأساس لجمهورية ثانية من أجل دولة الحرية و العدل و الكرامة تعمل من أجل تحقيق أهداف الثورة التونسية و تم أداء القسم و وصف مقر انعقاد الجلسة بكونه " محراب الحرية " بعد كلمة الرئيس التونسي المؤقت السيد فؤاد المبزع تم تليق الجلسة قبل انتخاب رئيس المجلس التأسيسي و نائبي الرئيس ثم البدء في الاتفاق على وضع نظام المجلس الداخلي و التنظيم المؤقت للدولة "الدستور الصغير لحين وضع دستور جديد" وقد اتفقت الأحزاب الرئيسة الثلاثة في المجلس " النهضة 89 مقعدا والمؤتمر 29 مقعدا والتكتل 20 مقعدا " على ترشيح زعيم التكتل السيد مصطفى بن جعفر لرئاسة المجلس الوطني التأسيسي، علما و أن السيدة مية الجريبي الأمينة العامة لحزب الديمقراطي التقدمي قدمت هي الأخرى ترشحها لرئاسة المجلس الوطني التأسيسي. وكانت هذه الأحزاب التي تشكل غالبية في المجلس اتفقت على ترشيح السيد منصف المرزوقي زعيم المؤتمر من اجل الجمهورية لرئاسة الجمهورية والأمين العام لحزب النهضة السيد حمادي الجبالي لرئاسة الحكومة الانتقالية الجديدة. كما توافقت على توزيع الحقائب الوزارية.

انه ليوم تاريخي و إنجاز عظيم، المصادقة على القانون المنظم للسلط العمومية و كل أعضاء المجلس التأسيسي يهنؤون بعضهم البعض في لحظة غابت فيها كل مشاهد الحزازيات و الحسابات الضيقة ....

و بعد انتخابه كرئيس للجمهورية التونسية أدى محمد المنصف المرزوقي اليمين الدستورية أمام أعضاء المجلس الوطني التأسيسي بحضور كبار مسؤولي الدولة، واضعا يده على المصحف الشريف و هو يقول : "اقسم بالله العظيم أن أحفظ المصالح الوطنية ودولة القانون والمؤسسات وان أكون وفيا للشهداء وأهداف الثورة".و وعد المرزوقي الذي وضع برنسا تقليديا تونسيا بلون بني فاتح على سترة زرقاء وقميص ابيض وبدا فخورا وهادئا، بان يكون "رئيسا لكل التونسيين" وان لا "يوفر أي جهد" من اجل تحسين مستوى عيش مواطنيه.

 كما تعهد بضمان "الحق في الصحة والحق في التعليم وحقوق المرأة. و ترحم المرزوقي في تأثر باد على أرواح "شهداء الثورة" التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وقال والدمعة في عينيه "بدون تضحياتهم ما كنت لأوجد في هذا المكان. المرزوقي يبلغ من العمر66 عام أول رئيس لتونس يخلف فؤاد المبزع الذي تولى رئاسة البلاد مؤقتا بعد سقوط نظام بن علي.

ولد منصف المرزوقي يوم 7 يوليو/ تموز 1945 في مدينة قرمبالية ، أصيل قبيلة المرازيق من جنوب تونس ،سافر إلى فرنسا 1964 وأقام هناك 15 سنة ، في عام 1970 شارك المرزوقي في مسابقة عالمية للشبان بمناسبة مئوية المهاتما غاندي لتقديم نص عن حياة الرجل وفكره، فازت مشاركة المنصف ليحلّ ضيفاً على الحكومة الهندية لمدة شهر وليتجول فيها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. في سنة 1975 سافر إلى الصين ضمن وفد لمعاينة تجربة الطب في خدمة الشعب في الصين.

عاد المرزوقي إلى تونس عام 1979 رغم إلحاح أقربائه على بقائه في فرنسا، وعمل أستاذاً مساعداً في قسم الأعصاب في جامعة تونس. شارك في تجربة الطب الشعبي الجماعي في تونس قبل وقف المشروع. اعتقل في مارس 1994 ثم أطلق بعد أربعة أشهر من الاعتقال في زنزانة انفرادية، وقد أفرج عنه على خلفية حملة دولية وتدخل من نيلسون مانديلا. أسس مع ثلة من رفاقه المجلس الوطني للحريات فى10 ديسمبر من عام1997 بمناسبة الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

اختير أول رئيس للجنة العربية لحقوق الإنسان من عام 1997 حتى 2000. غادر إلى المنفى في ديسمبر 2001 ليعمل محاضراً في جامعة باريس. حيث بقي هناك حتى أعلن عن عزمه العودة بدون أخذ الإذن من السلطات التونسية.

ثم أعلن عن عودته إلى تونس يوم 21 أكتوبر لمشاركة التونسيين في نضالهم. وعاد في ذلك التاريخ.

عاد المنصف المرزوقي إلى تونس يوم18 يناير 2011 . شارك في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 مع حزبه المؤتمر من أجل الجمهورية الذي حاز على المركز الثاني ب29 مقعد بعد حركة النهضة الإسلامية وقد تحصّل الدكتور منصف المرزوقي على مقعد في دائرة نابل 2. انتخب رئيسا مؤقتا لتونس يوم الاثنين 12 ديسمبر 2011 وهكذا فان تونس صنعت مستقبلها و أنهت عهد الديكتاتور و بالدستور جاء إلى الرئاسة الدكتور " محمد المنصف المرزوقي "

* كاتب صحفي و مستشار إعلامي و إخباري متعاون

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تعريف العصيان المدني  .. اقتباس الدكتور خالد أحمد الشنتوت

يعرف بير هيرنجرين العصيان المدني في كتابه ‘طريق المقاومة ..ممارسة العصيان المدني’ بأنه:

نشاط شعبي متحضر (1). يعتمد أساساً على مبدأ اللاعنف.

أنشطة العصيان المدني هي عبارة عن تحدٍ لأمر ما أو لقرار ما حتى ولو كانت غير مقيدة بالقانون.

هدف النشاط المباشر هو أن يحافظ على ظاهرة معينة أو أن يغير ظاهرة معينة في المجتمع.

النتائج أو التبعات الشخصية هي جزء مهم من النشاط ولا ينظر إليها على أنها نتيجة سلبية.

ويجب الانتباه! إلى أن العصيان المدني تقوم أنشطته على التحدي، فلا تقيده قوانين النظام، أوقراراته، وإن كان أحياناً يتم عبر القوانين. ومن ثم لا يستطيع النظام أن يفرض على حركة العصيان نشاطاً بعينه أو يمنعها من نشاط، أو يفرض عليها ميداناً بعينه.

من المستهدف من حركة العصيان؟ الجمهور هو المستهدف

إن المقاومة يجب أن توجه خطابها إلى المواطنين المذعنين. و يعتقد ‘ثوراو’ أن المواطنين هم الذين يشكلون ويصنعون الجزء الأهم في جماعة العصيان المدني. كما يري أن أكبر الداعمين للأنظمة الجائرة والذين يمثلون أخطر وأكبر المعوقات أمام حركة المقاومة هم أولئك الذين يعترضون ثم يذعنون ويقدمون للنظم الولاء والدعم في النهاية.وينبغي ألا تنشغل حركة العصيان المدني بتوجيه خطابها إلى الحاكم أوالنظام، وتغفل عن اختيار خطاب مناسب للجماهير، يدعوهم للمشاركة في العصيان، ويحرضهم عليه، ويربط مستقبلهم بنجاحه. طالما أنها قررت المقاومة … وليس الاحتجاج.

لقد أوضح المهاتما غاندي – الذي قاد النضال ضد الاستعمار البريطاني في الهند – بشكل لا يقبل الشك أن العصيان يقوض من سلطة الدولة إلى حد بعيد، إذ يقول ‘لو أن الرجل يشعر أنه ليس من الرجولة أن يطيع القوانين الجائرة فلن يستطيع أي طاغية أن يستعبده’.

وتكمن المشكلة الحقيقية في إذعان أكثر المواطنين وكونهم ضمن شريحة المجتمع المطيعة، وحين يستطيع ناشطو العصيان المدني تحفيز الآخرين علي تحدي القوانين والتعليمات الجائرة عن طريق استثمار النتائج والعواقب المترتبة على الممارسة الحقيقية لأنشطة العصيان المدني، فإنهم ينجحون في مساعدة الجمهور كي يتغلب على كسر حاجز الخوف من العقوبات الشخصية.

إن العصيان المدني ينبغي أن ينظرله كوحدة متكاملة، حيث تكون العقوبة بنفس أهمية الأنشطة. إن العقوبات أو بالأحرى التغلب على الخوف من العقوبة هو أساس رئيسي في مبدأ العصيان المدني.

إن العصيان المدني لا يهدف فحسب إلى التأثير في الرأي العام؛ ولكنه يتجاوز ذلك ليصبح طريقة لتحفيز المواطنين على العصيان. والفعل أو النشاط وحده لا يكفي لتحقيق هذا الهدف. ولكن امتزاج عنصر الأنشطة بعنصر العقوبات يحدث الحافز القوي للعصيان والتغلب على الخوف من العقوبات.

لذلك فاكتساب الجماهير يتم من خلال تقديم النموذج، الذي يرفض الانصياع للأوامر، وكلما صمد هذا النموذج أمام العقوبات كلما ازداد عدد المنضمين للعصيان. وعادة ما يكون دور حركات العصيان هو إشعال فتيل المقاومة وتقديم النموذج ليتبعها الأحرار.

 

يقول جون راؤول في كتابه ‘نظرية العدالة’:

‘ليس من الصعب أن! تبرر حالة العصيان المدني في نظام غير عادل لا يتبع رأي الأغلبية، ولكن حينما يكون النظام عادلاً إلى حد ما تبرز مشكلة ألا وهي أن من يقوم بالعصيان المدني يصبح من الأقلية وتغدو عملية العصيان المدني وكأنها موجهة ضد رأي الأغلبية في المجتمع’.

لذلك تستفيد حركات العصيان من الظلم والتسلط، وتوظفهما في عملية التحريض، وكلما ازداد الظلم كلما كان ذلك في صالح حركات العصيان، وكلما زادت الجرائم المعلنة للنظام كلما كان ذلك سبيلاً إلى اجتذاب الجماهير. لذلك تستفيد حركات العصيان من أخطاء النظام، وتوظفها بشكل دقيق لجذب المزيد من الأحرار، ولتسقط شرعيته وهيبته.

 

وسائل العصيان لا تعرف السرية

تبعاً لقواعد العصيان المدني فإن المشاركين لا يتعمدون إخفاء وسائل أنشطتهم عن السلطة، ولذلك ينبغي لحركات العصيان أن تعي هذه النقطة جيداً.. أن المواطنين هم المستهدف الرئيسي للعصيان، أن يرى الناس أفراداً من الشعب يمارسون العصيان جهاراً…ويتحملون عواقبه .. والأعمال التي تتم في جنح الظلام لا تشجع الآخرين على أن يقوموا بنفس العمل.. لذلك قد لا تعد عصياناً.. فالعصيان هو رفض للنظام وكسر لقانون أو وضع ما جائر دون تخفي.

وتكون مهارة الحركة في أن يستثمر جهازها الإعلامي( يشمل الوسائل الاعلامية المتاحة تلفزيون راديو اداعة انترنت… الخ )هذه الأنشطة السرية، وكلما زاد القمع وبدأ التحرش بالمشاركين، كلما كان ذلك مؤشراً على نجاح العصيان. وحينها يستفيد الجهاز الإعلامي المقاوم من كل تحرش، أو صدام، أو كلمة نابية، أو فلتة لسان، أو عمل لا أخلاقي، أو مقتل لأحد المقاومين ليمتلك ورقة رابحة ودليلاً دامغاً على أن الشعب قرر العصيان. وإذا فوت الجهاز الإعلامي هذه الأحداث يكون قد فرط في أداة قوية من أدوات نجاح العصيان. إن قوة النشاط في فقه العصيان قد تكمن في العقوبة التي ستوجه إلى المقاومين!، والتي سيستثمرها إعلام المقاومة.

المقاومة والاحتجاج

يورد بير هيرنجرين حكاية له مع أخيه الصغير وهو طفل: ‘من الدروس الأولى التي تعلمتها في العصيان المدني كان عند ولادة أخي الصغير … ولقد كنت مفتوناً بإصراره البريء على تنفيذ ما يشاء وبالطريقة التي يشاء، وعندما لا يرغب في عمل شئ فإنه ببساطة يرفض ولا يساوم على هذا الرفض وهو ما كان مغايراً تماماً لما كنت عليه حيث أنني كنت ابناً مطيعاً جداً.

ولا أقصد بهذا أنني لم أكن أحتج (protest) فلقد كنت أصيح بشكل عنيف وأصرخ وأجادل، ولكن عندما ينتهي هذا الاحتجاج والصراخ فإنني أنصاع في نهاية الأمر. كان هذا هو التباين بيني وبين أخي والذي ساعدني كثيراً في أن أفهم بوضوح الاختلاف بين مفهوم المقاومة (resistance) ومفهوم الاحتجاج (protest).’

وتتسم كلمة المقاومة اليوم بالنمطية وذلك لأن كل أشكال الاحتجاج – وللأسف – أصبحت فجأة تسمى مقاومة.

إن الاحتجاج قد يكون مجرد تعبير عن موقف إزاء قانون ما، أو موقف ما، ثم العودة والإذعان. أما المقاومة فتسعى إلى إلغاء! القرار، أو تحدي القانون. إنها ترفض الإذعان أو الطاعة.

إن المقاومة في جوهرها هي العصيان. وقد يكون الاحتجاج أكثر قبولاً في بعض الحالات إلا أن تأثيره ليس كتأثير المقاومة (رغم أن الاحتجاج بالنسبة لنظام دكتاتوري يُعتمد شكلاً من أشكال المقاومة لأنه عمل غير مشروع في نظر الديكتاتورية شأنه شأن المقاومة).

جذور العصيان المدني

كان أول من استعمل مصطلح العصيان المدني وأشار إلى فكرته هو الكاتب الأمريكي هنري دايفيد ثوراو في مقاله الشهير ‘العصيان المدني’ المنشور في سنة 1849. وقد كتب مقاله الشهير هذا عقب امتناعه عن دفع ضرائب الحرب احتجاجاً على العبودية والقمع والاضطهاد والحرب التي كانت تخوضها الولايات المتحدة ضد المكسيك. ولم يكن الامتناع عن دفع الضرائب بالفكرة الجديدة وإنما استعملها مناهضو الاسترقاق وآخرون غيرهم. وكذلك لجأ كارل ماركس إلى هذه الفكرة حين حاول أن ينظم حملة لإقناع الأوربيين بعدم دفع الضرائب خلال الثورة التي اجتاحت أوروبا عام 1848م.

أحسن ما يوصف به العصيان المدني أنه عبارة عن حوار، حوار مع الخصم من خلال أنشطة المقاومة والمحاكمات، كما أنه حوار مع المواطنين من خلال تحفيزهم للمشاركة في أنشطة المقاومة. وعادة ما تبدأ المقاومة بشكل تدريجي، فتبدأ حملة المقاومة مثلاً بالمفاوضات -ان اتيح هدا الامر- ثم تُصَعَّدْ تدريجياً (أو تبتكر أساليب أخرى) إذا لم تنجح عملية الحوار في لفت انتباه الخصم وإقناعه بضرورة الاصلاح والتغيير. وقد شبه غاندي هذه العملية بارتقاء درجات السلم، ففي مسيرة الملح الشهيرة عندما كسر الهنود قانون الاستعمار البريطاني وبدأوا يستخلصون الملح من البحر سأل أحد الصحفيين غاندي ماذا سيفعل لو لم تستجب السلطات لذلك.. فأجاب: ‘عندئذ سأُصُعِّدْ الحملة’. وذلك حتى يستمر الحوار بين المقاومة والنظام.

ومن الضروري أن يستمر هذا الحوار وألا يتوقف وألا يتم تجاهله، وأن يستهدف جر المجتمع كله من مسئولين ومواطنين إلى حوار مكثف، ذلك أن استمرار الحوار يعني استمرار الحركة في تحقيق أهدافها وازدياد قوتها، وفي توقف الحوار تعزيز لموقف النظام وازدياد قوته. وعلى الحركة ونشطائها أن يعوا أن عدم التهيب من السلطة يجب ألا يؤدي إلى قطع الحوار الذي قد ينشأ نتيجة الحماس في دفع المقاومة إلى الأمام بشكل غير مدروس. أما إذا كان الخصم هو البادئ في قطع الحوار – لأسباب تكتيكية – فسيزيد ذلك من إمكانية خلق حوار مباشر بين مجموعة النشطاء من جهة وبين المواطنين من جهة أخرى. وهذا التطور هو الشائع في مثل هذه المواقف.

إن استجابة الخصم جزء ضروري في ! عملية المقاومة بغض النظر عما إذا كانت هذه الاستجابة سلبية أو إيجابية، جزئية أو كلية.

العصيان المدني والعمل المباشر

وبحسب استجابة الخصم تكون طبيعة النشاط . فقد يكون من الضروري أحياناً أن يأخذ العصيان المدني صورة العمل المباشر الرمزي، بمعنى أن يصبح الهدف هو الوسيلة. ومن الأمثلة على الفعل المباشر الرمزي ما قامت به حركة السلام في السويد عندما قامت بإعاقة جدية لتصدير السلاح في عام 1983، حيث تمكنت مجموعة من النشطاء – رغم ضعفها التنظيمي – من تعطيل سفينة محملة بالسلاح لمدة ساعة، مرسلة برسالة رمزية بضرورة وقف تصدير السلاح كليةً، وفي نفس الوقت فقد حققت هدفها بشكل رمزي ومنعت تصدير السلاح فعلاً في هذا النشاط.

وعندما تقوم حركة ما بإيواء مجموعة من المشردين ممن لا مأوى لهم فإنها بذلك تسلط الضوء على قضية المشردين، وفي نفس الوقت تحقق هدفاً من أهدافها ألا وهو إيجاد مأوى لهؤلاء المشردين.

وعندما ينام عدد من النشطاء على شريط سكة حديد معترضين سير قطار محمل بأغذية مسرطنة، فهم إنما يمنعون ذلك بأجسادهم، كما يعبرون عن ضرر هذه الأغذية وعن رفضهم لها.

ويجب الإشارة هنا إلى أن العمل المباشر لا يحظر الاستعمال الرمزي للقوة. فلقد قامت مجموعة من النشطاء المسيحيين بربط أنفسهم بالسلاسل، ومن ثم ربطوا هذه السلاسل بأبواب قواعد عسكرية معروفة في بريطانيا. وهم لا يعنون بذلك أن يحققوا هدفاً باستخدام قوة السلاسل؛ وإنما يريدون أن تصل رسائلهم إلى الرأي العام البريطاني والعالمي.

وهنا يبرز سؤال هام عن أخلاقيات حركة العصيان المدني ومبرراته.

أخلاقيات حركة العصيان المدني

يجب أن يمثل العصيان المدني حافزاً أخلاقياً للمواطنين ليكون جديراً بثقتهم. وتبدو هذه الثقة مستحيلة إذا هددت حركة المقاومة باستعمال العنف، مما يخلق عند الناس حالة ذهنية من الهلع تحول بينهم وبين الاستجابة للحافز الأخلاقي، وبهذا يصبح العصيان مصدراً للخوف بدلاً من الثقة. فالعصيان إذا ما كان مصحوباً بالعنف فانه يعزز قوة الخصم.

إن إدخال عنصر القوة الجسدية في المقاومة – خاصة في البداية مع ضعف الحركة – يؤدي إلى عزل الكثيرين من النشطاء عن المقاومة – خاصة الذين لا يمتلكون قوة جسدية. وبذلك تصبح حركة العصيان المدني قائمة على مجموعة مختارة بمواصفات محددة، وهو ما يضعف الحركة أمام قوة الطرف الآخر. ومشاركة المجموعات النسائية في أعمال العصيان المدني خير مؤيد لوجهة النظر هذه. [2]

و يجب الانتباه إلى أن العصيان المدني لا يكون مؤثراً أو فعالاً إلا بمبررات أخلاقيةً نابعة من عدالة المهمة التي قام من أجلها. فمثلا حين يتعارض القانون المدني مع القيم الأخلاقية والدينية للمجتمع، أو يقوم النظام بمنع الحقوق الدستورية للمواطنين مثل حق التجمع السلمي وحق التظاهر أو حرية الاعتقاد الديني، أو فرض ضرائب على أفراد المجتمع واستخدامها في حروب ظالمة أو سرقتها لصالح أسرة النظام وحزبه؛ يجد العصيان المدني مبررات قوية لقيامه بأنشطته! . فتحقيق العدل يفوق الالتزام بأي قانون جائر.

إن مسئولية الفرد تجاه مجتمعه ومطالبته بحقه الطبيعي في تلبية نداء الضمير يؤكد على وجوب مقاومة النظم الديكتاتورية وعدم السماح لها بالتحكم في تصرفاتنا وسلوكنا أو أن تملي علينا مالذي يمكننا أو لا يمكننا عمله.

إننا عادةً ما نسمح للنظام بالتحكم في تصرفاتنا وسلوكنا من خلال مانتصوره ممكناً أو غير ممكن، غير أنه من خلال أنشطتنا فقط تتأكد لدينا إمكانية الفعل أو استحالته. ففي مفاوضات نزع السلاح مثلاً فمن المنطقي والطبيعي أن تكون السلطة أو الحكومة وحدها هي القادرة على تحديد أي الأسلحة تنزع وأيها يدمر، ولكن عندما يقوم عمال مصانع الأسلحة من نشطاء العصيان المدني بإبطال فعالية هذه الأسلحة أو نزعها بأنفسهم تتغير حينها! قناعاتنا حول من بإمكانه أيضاً أن يقوم بالعمل الذي ترفض الحكومة القيام به. فأشياء تبدو لأول وهلة أنها مستحيلة لكنها تحدث، وأمور تبدو في يد النظام وحده، لكن مجموعة بسيطة تستطيع أن تثبت عكس ذلك.

ولهذا لكي تصح تصوراتنا عن الإمكانية الحقيقية لفعل ما فلابد من إخضاعه للتجربة وهي وحدها الحكم الذي يقرر الإمكانية من عدمها. ولا ينبغي أن نكتفي بانهزام الإرادة والتسليم لإيهامات الخصم بأن كل شيء في قبضته وأننا يجب ألا نتخطى الخطوط الحمراء التي وضعها.

وبالمثل فإن رؤيتنا التقليدية لما هو صحيح وما هو خطأ تتحكم بسلوكنا إلى حد كبير، فطاعة القانون مثلاً وعدم تخريب الممتلكات مبدآن أخلاقيان متجذران في ثقافة المجتمع، ولكن حين يقوم نشطاء البيئة في أوروبا بتفكيك الآلات المضرة بالبيئة والتي يحميها القانون – أي يحمي الإضرار بالبيئة وتخريب الطبيعة – سيكون من المعقد جداً أن نفهم هذا التعارض بين القضيتين. ماهو الصواب وما هو الخطأ. وعندما تقوم حركة العصيان المدني بالدعوة إلى الامتناع عن دفع الضرائب، فإنها لا تدعو لعمل غير أخلاقي – رغم أن ظاهره قد يبدو كذلك، فقد يكون الهدف من وراء هذا الامتناع هو إيقاف عمليات الرشاوى والفساد التي ! تتم تحت مظلة ‘الضرائب’.

قد يتحدث الكثيرون عن أخلاقيات العصيان المدني، لكن هذه الأخلاقيات تختلف بحسب النظرة إلى ما هو ممكن وغير ممكن، وما هو صواب أو خطأ، والمطلوب هو إخضاع هذه الأعراف والقناعات للتجربة بالحوار مع الخصم ومن ثم كل المجتمع عن طريق أنشطة واستراتيجيات العصيان المدني.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا والتحرك العربي  .. غازي دحمان

الجزيرة

20-12-2011

يطرح التحرك العربي تجاه سوريا، سواء ما تعلق منه بالمبادرة الهادفة إلى إيجاد مخرج للأزمة السورية، أو ما أفرزته من عقوبات اقتصادية، سؤالاً حول الجدوى والفاعلية المراد تحقيقها من وراء هذا الحراك، وهل كان بالأصل لدى الجامعة العربية قناعة بقدرتها على أن تكون طرفاً ذا فاعلية في الأزمة السورية؟

يشير تاريخ التعامل السوري مع الجامعة العربية، وخاصة منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، إلى سعي القيادة السورية إلى تحويل طبيعة العلاقة بين الطرفين إلى علاقة وظيفية لمصلحة توجهات القيادة السورية وخدمة لسياساتها الإقليمية، وكان قد بدأ بهذا التحول عبر توظيف الجامعة في إصدار قرار يؤيد دخول قوات عربية إلى لبنان توكل قيادتها إلى الطرف السوري، ثم ليصار بعد ذلك إلى استحواذ سوريا على الوضع اللبناني حتى عام 2005، وما نتج عنه من استخدام لبنان كأحد أوراق القوة والضغط والتساوم في مواجهة العرب والعالم.

ولعل هذا التوجه السوري، في حينه، حمل في طياته قناعة ضمنية بجدوى التحرك المنفرد من أجل تحقيق الإستراتيجية السورية الإقليمية دون الإعلان على ذلك، بل على العكس، فقد بقي الخطاب السوري مفعماً بشعارات القومية العربية والدعوة إلى توحيد الجهود العربية، ولكن وفق الرؤية السورية التي تضع الأولويات وتحدد الأخطار والأعداء والحلفاء وترسم تالياً خطط وإستراتيجيات المواجهة، وكل ذلك دون الالتزام العملي بالمعنى الشمولي للأمن القومي، الذي لم يشمل، في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، العراق المهدد بالدمار على يد إيران الإسلامية الصاعدة.

وبناء على هذا التوجه سوف تدخل العلاقات السورية العربية في طور جديد يرتكز على حقيقة ذات جذر براغماتي صرف أدرج في سياسة اشتراكية راديكالية، مفاده أن كل سياسة عربية مؤيدة للتوجهات والرؤى السورية هي سياسة صحيحة من جهة وذات بُعد عربي وقومي من جهة أخرى، بمعنى أن معيار قومية سياسة أية دولة عربية هو مدى دعمها للسياسة السورية، وأن أي خلاف في التوجه والرؤى مع سوريا يعني التشكيك بمدى الالتزام القومي العروبي.

ومع أسف من أن النظام السوري استطاع تعميم هذه القاعدة عربياً، مستفيداً في ذلك من بعض الظروف العربية، خاصة تشدده تجاه الصلح المنفرد الذي عقدته مصر مع إسرائيل، وانشغال دول الخليج العربي بالحرب العراقية الإيرانية، حتى تحولت هذه القاعدة إلى نمط من الإرهاب السياسي الذي ينطوي على التخوين والتهديد لكل سياسة عربية مخالفة لسوريا أو ناقدة لأداء سياساتها الإقليمية في لبنان وفلسطين والعراق.

غير أن قاعدة العمل هذه كان من نتيجتها إرهاق العمل العربي برمته، وتدمير كل ممكنات التطور فيه، الأمر الذي كان له الأثر الواضح في إطار النظام الإقليمي العربي وتبعاً له العمل العربي المشترك برمته، والناتج عن إحساس الكثير من الأطراف العربية بعدم جدوى هذا الإطار طالما لا يتم الأخذ برؤاها وتصوراتها وحتى هواجسها ومخاوفها، وطالما أن الجامعة العربية قد جرى اختطافها -دون مسوغ واقعي- من قبل بعض "القومجيين" العرب، سوريا وليبيا القذافي، المتصارعتين مع نظام صدام حسين (جناح القومية الآخر)، والجزائر المتصارعة مع المغرب والمنكرة عليه قوميته وعروبته، الأمر الذي سينتج عنه ابتداع فكرة المجالس العربية القائمة على أساس الاتحاد والتعاون بين الدول على أساس إقليمي (مجلس التعاون الخليجي) و(اتحاد المغرب العربي) و(مجلس التعاون العربي الذي ضم العراق والأردن ومصر واليمن الشمالي). وبقيت سوريا خارج أي إطار عربي إقليمي، وحاولت تعويض ذلك عبر تشديد سيطرتها على لبنان وقسم من التنظيمات الفلسطينية.

ولاحقاً، وفي عهد الرئيس بشار الأسد، سوف تتجه السياسة السورية -وخاصة بعد الاحتلال الأميركي للعراق- إلى اعتماد التحالف مع إيران أساساً وبديلاً إستراتيجياً نهائياً عن الإطار الأمني العربي، مع الإبقاء على الخطاب السياسي القومي كإضافة ديكورية وليس خياراً إستراتيجياً.

بل سيتحول الاندماج السوري في الإطار العربي إلى مجرد حالة شكلية عند الانفتاح الإستراتيجي الكبير في العلاقات مع تركيا، حيث سيتم تكييف الخطط الإقليمية وتهيئة الواقع الجيوستراتيجي السوري، بما فيه الواقع الاقتصادي والإمكانيات اللوجستية والوضع الإستراتيجي برمته، بما يتناسب والرؤى التركية وتوجهاتها في الدخول إلى المنطقة العربية عبر البوابة السورية، وذلك في إطار المشروع الذي أطلق عليه في حينه (مشروع الربط الإستراتيجي للبحور الخمسة).

وبالرغم من حالة الانفتاح العربي على سوريا بعد حرب لبنان 2006 -والتي قادتها بعض دول الخليج العربي (قطر، الإمارات، الكويت) عبر الاستثمار الاقتصادي في سوريا والانفتاح السياسي على قيادتها- فإن هذه الحالة لا تعكس جهداً سورياً في هذا الإطار أو حتى مجرد مراجعة دبلوماسية وإستراتيجية ومحاولة إعادة تموضع جديدة تستفيد من المعطيات المتمثلة بالنهوض الخليجي الحاصل في السياستين الإقليمية والدولية، بقدر ما يعكس توجهاً إستراتيجياً خليجياً يسعى إلى إعادة دمج سوريا في الإطار العربي بهدف تعزيز التوازنات الحاصلة في المنطقة على إيقاع الأطماع الإيرانية الناهضة والاستدارة التركية باتجاه الشرق، فضلاً عن التعنت الإسرائيلي وتحديه المستفز للعالم العربي.

وبالطبع لم تشهد هذه المرحلة تخلياً نهائياً، من قبل سوريا، عن الإطار العربي، وإن جرى على الأرض تأسيس وقائع إستراتيجية تخالف ذلك، إذ طالما أدرك صانع السياسة الخارجية السورية أن الدور الوظيفي للإطار العربي ما يزال من الممكن استثماره، وخاصة لجهة إمكان تشكيل شبكة أمان عربية تحمي النظام من الأخطار التي تجسدت في فترات معينة من العقد الأخير، وتحميه من الاستهداف وخاصة بعد اتهام سورية بالضلوع في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري وتشكيل محكمة دولية للتحقيق في هذا الأمر.

باستثناء ذلك، لم يكن للعرب أي تأثير سياسي أو دبلوماسي من وجهة النظر السورية، وبقيت قاعدة التعامل في هذا السياق قائمة على أساس أن المطلوب من العرب القيام بوظائفهم تجاه سوريا تنفيذاً لالتزاماتهم العربية والقومية، دون السماح بالتأثير في التوجهات والسياسات التي تعد شأناً داخلياً. من هنا يبدو أن العتب السوري على العرب ناتج عن الإيمان بهذه القاعدة، إذ إن المطلوب عربياً تقديم المساعدة المادية والدبلوماسية في مواجهة (العصابات المسلحة)، على ما تمنى وزير الخارجية وليد المعلم، وترك قضية التعامل مع مطالب الشعب للإدارة السورية باعتبارها شأناً داخلياً محضاً.

وفي واقع الأمر، يشير السلوك السوري تجاه بيئته العربية إلى حقيقة رؤية النظام للإطار العربي وتقديره لإمكانيات هذا الإطار القائمة أصلاً على عدم الثقة بإمكانيات وقدرات النظام العربي، الأمر الذي ينعكس سلباً على استجاباته للمطالب العربية، فإذا كان المطلوب تقديم أي شكل من أشكال التنازل في مواجهة الثورة الدائرة في سوريا فإن ذلك يستدعي تقديمها إلى أطراف دولية ذات فعالية أكبر.

كما أن التنازلات، فضلاً عن ضرورة إرفاقها بضمانات محددة، فإن مفاعيلها يتوجب أن تتجه للمستقبل، بمعنى إعادة تأهيل النظام دولياً، والضغط على إسرائيل لإعادة الجولان، كي يظهر النظام وكأنه تجاوز (المؤامرة) بنصر مؤزر يشرعن بقاءه مديداً، وبغض النظر عن مدى شطح مثل هذه التصورات، هل يملك العرب ومبادرتهم الواقعية جداً مثل تلك المطامح والآمال!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا تكونوا شركاء في قتل السوريين ! .. خلف الحربي

عكاظ

20-12-2011

ماذا يعني توقيع بروتوكول عربي لوقف الحملات الإعلامية ضد سوريا مقابل موافقة نظام الأسد على المبادرة العربية ؟، يعني باختصار توقف القنوات الإخبارية العربية وفي طليعتها العربية والجزيرة وربما الصحافة أيضا عن تغطية الجرائم التي يرتكبها نظام الشبيحة ضد الشعب السوري الأعزل، بحيث يتسنى للأسد وشبيحته ارتكاب مجازر واسعة ضد المدنيين في سوريا دون ضجيج، تماما مثلما فعل الأسد الأب قبل عقدين من الزمان حين قتل عشرات الآلاف في حماة بعيدا عن الأنظار !.

أنا لا أراهن أبدا على موقف الولايات المتحدة من القضية السورية فسوريا بالنسبة للأمريكان ليست مصر أو ليبيا أو تونس، فالنظام السوري الحالي كان ولا يزال لاعبا أساسيا في الحفاظ على أمن إسرائيل وسقوطه يعد أمرا مقلقا بالنسبة للولايات المتحدة، ولا أراهن كذلك على موقف الجامعة العربية لسببين: الأول منهما أن قراراتها ليس لها قيمة على أرض الواقع والثاني أنها لم تتوقف عن تقديم المهلة تلو المهلة للنظام السوري كي يواصل عمليات القتل والتعذيب والاعتقال.

أنا أراهن فقط على صمود الشعب السوري البطل في مواجهة هذا النظام الوحشي الغادر الذي لم تظهر قوته إلا على المدنيين العزل، ولكن الشعب السوري الذي يواجه رصاص الشبيحة بصدور عارية من حقه أن يستفيد من التغطيات الإعلامية التي تكشف للعالم وحشية هذا النظام مثله مثل كل الشعوب العربية التي ثارت ضد الطغيان، ومنع وسائل الإعلام العربية من تغطية الأحداث في سوريا سوف يحرم ثوار سوريا من إيصال صوتهم إلى العالم ويمنح فرصة ذهبية للشبيحة كي يقوموا بأكبر قدر من المجازر حتى تنكسر شوكة الثوار. لذلك إذا كانت الجامعة العربية عاجزة عن مساعدة الشعب السوري في محنته فإن أقل شيء يمكن أن تفعله هو أن لا توافق على شرط النظام السوري الذي أسماه (وقف الحملات الإعلامية التحريضية) كي لا ينطبق عليها المثل الشعبي الذي يقول: (لا من خيرك ولا من كفاية شرك) !.

فحتى لو افترضنا أن النظام السوري وافق على إرسال مراقبين عرب إلى سوريا فإن المراقبين سوف يتعرضون للمراقبة !، كما أن هؤلاء لن ينقلوا الحقيقة إلى العالم لأن مهمتهم تنحصر في كتابة تقارير سرية تناقش داخل قاعات مغلقة، وبعد المناقشة تبدأ الدراسات ثم المفاوضات ثم تدرس القرارات وهكذا حتى يلحق الأحياء بالأموات !، وحينها قد ينجح الأسد في إخماد الثورة عن طريق قتل أكبر عدد ممكن من المتظاهرين أو ربما ينقل السلطة إلى أحد معاونيه بعد السيطرة على الأوضاع.

وكمواطن عربي لا يستغني عن تغطية العربية والجزيرة للثورة السورية ولا يلفت انتباهه في الصحافة العربية سوى أخبار سوريا أدين سلفا كل محاولة للتعتيم الإعلامي على أخبار الثورة السورية وأقول للجامعة العربية: لا تكونوا شركاء في جرائم قتل أشقائنا في سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

امتحان ما بعد التوقيع للجامعة ودمشق والمعارضة  .. رفيق خوري

الانوار لبنانية

20-12-2011

الخطوة مهمة، وإن كانت الخطوات التالية هي التي تضيّق أو توسّع المسافة بين الوقائع والتوقعات. نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد يوقع في الجامعة العربية بروتوكول المراقبين بعد تعديله عبر مراسلات على مدى أسابيع: دمشق تسأل بالمفرق والتفصيل عن معنى كل كلمة، والجامعة ترد بالجملة. ولم تكن لحظة التوقيع خالية من الشكوك المتبادلة. شكوك سورية عبّر عنها وزير الخارجية وليد المعلم في ما تضمره وتسعى له دول عربية معينة. وشكوك عربية لدى هذه الدول في نيات النظام السوري بالنسبة الى تنفيذ خطة العمل العربية.

ومن الطبيعي أن تكثر الأسئلة على المسرح في انتظار الأجوبة في الكواليس. هل أخرج التوقيع الطرفين من الطريق المسدود أم ان وراء الحاجز الذي أزيل حواجز أكبر على الطريق؟ هل تكون نقطة حبر في الجامعة العربية بداية لوقف مجرى الدم على الأرض في سوريا أم تبقى حبراً على ورق؟ هل يسد التوقيع الطريق الى التدويل عبر حل سوري - عربي أم ان زحام الحسابات والمصالح يجعل التعريب محطة مطلوبة على طريق التدويل؟ وما الذي يقود الى فك الاشتباك بين الجانب الداخلي للأزمة السورية الدامية حيث الصراع على النظام، وبين البعد الاقليمي والدولي للصراع على سوريا وموقعها فوق الخارطة الجغرافية - السياسية للمنطقة؟

الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي أعاد التذكير بأن البروتوكول هو مجرد آلية لمراقبة التنفيذ المطلوب لخطة العمل العربية. وهي بالطبع خطة الانتقال الديمقراطي للسلطة عبر خطوات محددة ومتكاملة. من وقف العنف وازالة المظاهر المسلحة الى اطلاق المعتقلين والسماح بالتظاهر السلمي. ومن الحوار بين النظام والمعارضين تحت مظلة الجامعة العربية الى تطبيق ما يصل اليه الحوار من تعديل دستوري أو صوغ دستور جديد الى اجراء انتخابات تعددية على أساس قانون انتخاب ديمقراطي وصولاً الى انتخابات رئاسية. والبداية هي تأليف حكومة يشارك فيها المعارضون برئاسة شخصية محترمة من المعارضة.

والمهمة ليست سهلة. لا على النظام الموحد. ولا على المعارضين المنقسمين بين من يقبل الحوار مع النظام ويدرك أن الواقعية تقضي بالتفاهم على مرحلة انتقالية لا بد منها، وبين من يرفض الحوار مع النظام مطالباً بسقوطه من دون قدرة على اسقاطه.

لكن المبادرة العربية هي الفرصة الوحيدة لحل يحافظ على سوريا، لأن ما يمنع التدويل هو نجاح المبادرة، في حين أن فشلها وصفة للتدويل. فالأزمة مدولة منذ البدء. وليس أخطر من تدويل الحل سوى تدويل الأزمة من دون حل

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من التخلف إلى الاستبداد  .. د. طيب تيزيني

تاريخ النشر: الثلاثاء 20 ديسمبر 2011

الاتحاد

منذ عشرة أشهر وحين بدأت الشرارة الشبابية في سوريا، أبدى مجموع من الشباب والمواطنين والمراقبين دهشتهم مما بدأ يبرز، خصوصاً في العاصمة. وكان آخرون في بلدان عربية قد عاشوا المأساة البطولية، التي قدمها الشاب "بوعزيزي" في تونس. وكان سؤال كبير يطرح نفسه في الرأي العام العربي، بعد هذا الحادث: ما هو الاستثنائي الخطير، الذي جرى تناقله بتونس وبعده في سوريا "بسوق الحميدية" الشهير في دمشق؟ وكانت أحداث مصر الانتفاضية قد أعلنت شرارتها؟ لم يطل الأمر، حتى بدأ الناس يكتشفون ما هو في طور البحث عنه، لقد عرفوا أن ما يصنع الكائن الإنساني إنساناً بعد أن أنجز الاستحقاقات الثلاثة الكبرى، والانتقال إلى وضعية العمل وتطور الدماغ، إنما هو الكرامة الإنسانية. وهنا ظهرت الشعلة الحمراء التي خطها "بوعزيزي" في تونس، والبائع الجوال في دمشق الذي اهتز كيانه احتجاجاً بعد إهانة شرطي له.

كان ذلك الذي قصم ظهر البعير، والذي أعاد للبشرية التفكير بما هي هذه الكرامة. وعبر تجارب واسعة وحوارات مستفيضة، راح البشر يتلمّسون أهمية الثالوث التالي في حياتهم: الحرية والكفاية المادية والكرامة. ذلك أنه اتضح أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل إن الحرية والكرامة تكوّنان الشرط الذي يسمح أن كل الخبز في سياق الحفاظ على إنسانيته، دون قيود، إن غياب الوعي التاريخي الإنساني جعل النظم الاستبدادية العربية تُبدي دهشتها من خروج الشباب إلى الشارع، فراحوا يعِدون بالقيام بإصلاحات اقتصادية مادية. أما أولئك فأعلنوا أن كرامتهم وحريتهم هما ما يتظاهرون من أجله أولاً، بحيث يبرز شعار الكفاية المادية في هذا السياق.

لم يكن يماري أحد في أن العالم العربي "متخلف" وفي أنه صُنف في "العالم الثالث"، ولكن لم يكن أحد يفصل الحرية والكرامة عن الكفاية المادية. ها هنا يأتي "استبداد النظام الأمني" الذي يعيد ترتيب الأشياء والقيم وفق أولوياته. إذ من أجل أن يهيمن هذا النظام في البلدان العربية (وسوريا من ضمنها)، كان يجب منذ البدء أن يحاصَر الشعب السوري (نموذجاً) في الأقاليم الثلاثة المذكورة آنفاً. من هنا، برزت الوظيفة الحاسمة القائمة على ضرورة أن يُفسد من لم يُفسد بعد، بحيث يصبح الجميع ملوّثين.

وقد اقتضى ذلك ألا يتوقف الأمر عند "التخلف" ذي المصادر التاريخية والراهنة، بل أن يمتد إلى حلقة أخرى قصوى، هي التنويه بأن "التخليف" يقف على رأس أولويات النظام الأمني. وانطلق هذا الأخير -في سياق ذلك- باتجاه التحول إلى حالة أبدية تتم، بمقتضاها، مهمات تأسيس "دولة الملفات الأمنية"، التي تُنهي كل مظاهر الحرية والكرامة، لكن التي تحافظ على حدّ ما من الكفاية المادية، إنما عن طريق الفساد والإفساد بكل احتمالاتهما: إلى امتلاك ثروة البلد التي تتضمن كذلك ثروات الأفراد، فإلى المخدرات، مع تأكيد قاطع على سلطة مرجعية حزبية واحدة يُزعم أنها تمثل الجميع. وكل من يقف في وجه هذه الاستراتيجية، يعلن نفسه "معادياً للأمة وواحداً مِمّن يوهّن وجودها ومصائرها التاريخية".

إن تحويل سوريا من بلد متخلف إلى بلد مخلَّف، يمثل استراتيجية تدميرية، وعلى هذا الأساس، كان قانون الاستبداد الرباعي (في السلطة والثروة والإعلام والمرجعية) القوة القصوى الفاعلة باتجاه ذلك التخليف: بطالة هائلة متصاعدة، وثروة وطنية مسروقة، وفتح ملفات النساء المنظمات، للعيش وللقيام بخدمات أمنية، وتصدع وتفكك في مؤسسات "الدولة"، والعمل الدائم على توليد صراعات طائفية ودينية ومذهبية وإثنية وقومية...إلخ، وإلا، كيف تعلن جماعة أنها باقية للأبد، بعيداً عن المساءلة والمراقبة والضبط! وقد لوحظ كيف راح رؤوس تلك "الدولة" وأعوانها يعلنون، إن الذي يحدث في البلدان العربية المنتفضة ما هو إلا "مؤامرة خارجية"، تدبرها الإمبريالية خصوصاً ضد بلدان المقاومة والممانعة، مستكثرين على "غلابا الوطن" أن ينتفضوا وأن يعلنوا نهاية العذابات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المجتمع المدني والتحوّل الديموقراطي  .. جيروم شاهين

المستقبل

20-12-2011

إن موضوع المجتمع المدني هو، اليوم، من المواضيع الأكثر تداولاً في جميع المجتمعات لارتباطه، من جهة، بشكل الحكم الأكثر ديموقراطية، ومن جهة ثانية، بالعولمة في جميع مستوياتها.

فالمجتمع المدني هو، في ذهن النخبة بشكل خاص، والنخبة العربية بشكل أخصّ، مرادف للتحول الديموقراطي.

فهو بالتالي، البديل عن المجتمع الذي تهيمن فيه سلطة الدولة الاستبدادية الشمولية، والبديل، عن النظام القبلي والمجتمع الطائفي الذي تكون فيه الكلمة العليا لشيخ القبيلة أو رئيس الطائفة.

أجل، عندما نتحدث عن "التحول الديموقراطي" في عالمنا العربي يحضر الى ذهننا مدى حاجتنا الى تطور الدساتير، وتطور القوانين، وشرعة حقوق الإنسان ووضعها موضع التنفيذ. وهذا كله لن يتحقق ما لم ينشأ في كل مجتمع موقع فاعل وفعّال لما يسمى المجتمع المدني.

صحيح أن الآراء تعددت وتباينت في شأن تحديد مصطلح المجتمع المدني، منذ نشأته، إلا أن الأسس والمبادئ التي بُني عليها مفهوم المجتمع المدني كانت تتمثل بسيادة القانون واحترام إرادة الإنسان وحقوقه في حقول الاقتصاد والسياسة وتحديد دور السلطة، وإعطاء المجتمع الدور الكبير في بناء الحياة وصنع القرار السياسي، وبناء الدولة على القانون والمؤسسات، والتسامح، وقبول النقد والرأي الآخر. إن بناء المجتمع المدني أصبح هدفاً إنسانياً تسعى لتحقيقه فلسفات ونظريات متعددة. وإن اختلفت هذه النظريات بعض الشيء، إلا أنها كلها تشدد على وظيفة المجتمع المدني في حماية الفرد من عسف الدولة وسطوتها، وعلى إشراك الناس في صنع القرارات.

مع ذلك، وعلى الرغم مما بات يتمتع به مفهوم المجتمع المدني من رواج في الخطاب الفكري والسياسي العربي، فإنه لا يزال يمتلك معاني ودلالات مختلفة من قبل مستخدميه.

وهكذا فإن معظم تعاريف المجتمع المدني تستثني المؤسسات الاقتصادية القائمة على الربح والمتعلقة مباشرة بعمل وآليات السوق في إطار المجتمع المدني خلافاً للمفهوم الكلاسيكي الذي شمل العلاقات الاقتصادية ضمن المفهوم.

كما يستثني بعضهم الأحزاب السياسية من تشكيل المجتمع المدني لافتراض أنها تسعى للوصول الى السلطة، في حين يصر بعضهم الآخر على مركزية دورها في المجتمع المدني كونها تطرح برامج اجتماعية واقتصادية وتعليمية وغيرها. وما زال هناك جدل يدور حول ما إذا كانت التشكيلات القائمة على أساس الدين والطائفة، أو الانتماء الاثني تشكل جزءاً من المجتمع المدني أم ينبغي استثناؤها منه.

فهذه، من جهة، تسعى الى التغيير والدفاع عن حقوق وتطلعات فئات واسعة في المجتمع والضغط على مراكز القرار. لكنها، من جهة ثانية، قد تتناقض مع مبدأ المواطنة.

إن التباين في تحديد حدود ومكونات المجتمع المدني يعود، في جانب منه، الى اعتماد مفهوم ذي بعد واحد معزول عن سياق محدد تاريخياً ومجتمعياً.

لذلك، علينا الأخذ في الاعتبار كلاً من الزمان والمكان عندما نفكر في مفهوم المجتمع المدني والمفاهيم المماثلة.

فالمطلوب هو أن نتجه مباشرة الى الواقع العربي لنلتمس منه محددات مفهوم المجتمع المدني. فعلى سبيل المثال: قد نجد، هنا أو هناك، جمعية تحمل اسماً طائفياً. ولكن العمل الذي تقوم به ليس بطائفي بل يندرج ضمن خدمة الناس بكل شفافية وتجرد. ليس المهم إذن الاسم والشكل. المهم هو المضمون، أي عمل الهيئات المدنية وتوجهاتها ومبادؤها.

وإذا ما تساءلنا عن وضع هيئات المجتمع المدني في البلدان العربية لوجدنا تفاوتاً في هذا الوضع بين دولة وأخرى. لكن، على العموم، لم يتوصل بعد المجتمع المدني بتثبيت موقعه والتوصل الى علاقة تكامل مع السلطة السياسية. فهذه الهيئات غالباً ما نراها واقعة تحت قيود السلطة السياسية وضغوط التمويل.

فمن جهة العلاقة ما بين المجتمع المدني والدولة، يلاحظ أن المشكلة الأولى والأساسية والمعممة هي عدم الثقة المتبادلة ما بين الدولة والمجتمع المدني. فلا هذا الأخير يثق بالأولى، ولا الأولى تثق بهذا الأخير. هذا الأمر تترتب عليه أمور كثيرة مهمة تأخذ شكل قيام الدولة بتبني مجموعة من الأدوات القانونية والأمنية والسياسية والإعلامية التي تؤدي الى إحكام السلطة على المنظمات الأهلية أو المدنية.

نستنتج من هذا الأمر أن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني هي في الواقع علاقة تحتاج الى إعادة النظر من ناحية المرجعية والمفهوم والأدوات بحيث تصبح علاقة شراكة حقيقية تكون فيها السلطة، في إطار التشريعات والقوانين والممارسة، مشجعة للعمل الأهلي ليأخذ هذا الأخير دوره الكامل في خدمة الناس وفي تنمية المجتمع وصولاً الى بناء الدولة المدنية.

في الخلاصة، لا بد من التركيز على ضرورة تنمية العمل المدني بشكل كبير. فمنظمات المجتمع المدني تُعرف بأنها العناصر الفاعلة الأساسية في برامج التنمية البشرية، ولا سيما في ما يتعلق بتقديم الخدمات للفقراء والمهمشين، وفي محو الأمية، ورعاية الشبيبة، والعمل في قضايا العلاقة ما بين الرجل والمرأة، ونوادي تكنولوجيا المعلومات، وحماية البيئة، وغير ذلك.

وبمنظور أوسع، فإن المجتمع المدني هو الساحة الشرعية التي يستطيع المواطنون المشاركة فيها بشكل متزايد في مرحلة التحول الى مجتمع ديموقراطي. لذلك يجب على المجتمع المدني أن يدعو الى إزالة العقبات التشريعية والعملية التي تكبح نشاطه، أو أن يعمل من أجل وضع إطار قانوني يسمح بالدعوة الى تغيير السياسات، ومتابعة أداء الحكومة، والقطاع الخاص، وتطبيق المساءلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار صار من الماضي  .. علي حماده

2011-12-20

النهار

ليس المهم مساجلة وليد المعلم حول ظروف توقيع النظام في سوريا بروتوكول المراقبين العرب مع الجامعة العربية. فما قاله عن فرض التعديلات التي تضمن احترام سيادة سوريا تفصيل بالنظر الى حجم المعاناة التي يعيشها السوريون، والمهم اليوم هو التأكد من التطبيق الفوري والالتزام الدقيق لبنود البروتوكول، علماً ان العالم أجمع، وأوله العرب، يعتبرون ان بشار الاسد يناور ليكسب مزيدا من الوقت، او انه يحضّر لعمل ما أمني ضد المراقبين يجري الاعداد له ليظهر انه من صنع الثوار في سوريا. من هنا وجوب ان تلزم البعثات العربية الحذر الشديد باعتبار ان النظام يعتمد دائما الاساليب المافيوية في نزاعاته مع الداخل والخارج على حد سواء. وما نعنيه بالاسلوب المافيوي ان نظاما لم يتأخر لحظة في قتل الآلاف من أبناء بلده في الشهور القليلة المنصرمة لن يتوانى عن التهيئة لمكمن ينصبه للمراقبين العرب كي يمضي في حملة القتل المنظمة بأقل قدر من الضغوط الخارجية.

وقع نظام بشار الاسد على البروتوكول فيما كان حي الميدان في العاصمة دمشق ينتفض، والعشرات يسقطون برصاص الامن والجيش و"الشبيحة". وان كنا من الذين يعتبرون ان بشار يراوغ، لانه لا يقيم وزناً لغير بقاء النظام، فإننا نرى ان على المعارضة السورية بفئاتها كافة ان تقبل بها وتشجع عليها، وتتعامل معها بإيجابية. فالمبادرة العربية والبروتوكول أوجدا لحماية المواطنين السوريين، ويضمنان مواصلة التظاهر السلمي وحماية المتظاهرين. وبناء عليه ينبغي إعادة تفعيل الحراك الشعبي الواسع لحظة وصول طلائع المراقبين بتظاهرات ضخمة ضد النظام وبشار الاسد.

إن القبول بالمبادرة العربية، وتوقيع بشار البروتوكول لا يعنيان خيار إسقاط النظام ودفن "جمهورية حافظ الأسد" ما عاد قائماً، ولا ان الثورة لطي هذه الصفحة السوداء من تاريخ سوريا والعرب ستضعف، بل العكس تماما. فالتصميم أقوى من أي وقت مضى، والحوار مع قتلة الأطفال غير مجد، ولا حل إلا بتنحي بشار الاسد وتفكيك النظام برمته.

إننا ندرك ان النظام يناور. وندرك انه يتذاكى بقبوله توقيع بروتوكول المراقبين العرب في إطار تهيئته لخديعة جديدة، ولكننا نعرف يقيناً ان الثورة مستمرة، وباستمرارها وتصاعدها على كل المستويات، فإنها هي التي ستفرض على العالم أجندتها بالنسبة لسوريا وليس النظام. فدماء الشهداء هي التي صنعت الثورة، وهي التي مكنت قوى المعارضة المتنافرة من الاتحاد في أطر ذات صدقية، وهي التي فرضت ان تصير الحرية والكرامة في سوريا بنداً عاجلاً على الأجندة الدولية. وهذا العنصر تحديداً سيكون منطلق تغيير النظام في سوريا.

إن بشارالأسد لا ينتمي الى المستقبل، فقد أغرق حاضره بدماء آلاف السوريين، ويقيننا انه لن يكون من مكان في سوريا المستقبل لقتلة الأطفال. وفي اختصار شديد نقول ان بشار الأسد هو الماضي، أما الحرية والكرامة فهما المستقبل في سوريا الغد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في بلد يسوده القتل ورئيسه غائب عن الوعي.. العصيان المدني آخر الدواء الكيّ  .. د. عمّار البرادعي

2011-12-19

القدس العربي

يقولون 'يكاد المريب أن يقول خذوني'، فكيف بمرتكب الجريمة المعروف والموصوف والثابتة عليه أمام أعين العالم، كما هي حال نظام بشار الذي ما زال يلفّ ويدور محاولا التغطية عليها بشتى طرق التحايل لكسب الوقت، رغم إدراكه أن كل هذه الأساليب المفضوحة لن تحول دون مصيره المحتوم على أيدي أبناء شعبه.

لم يُفاجئنا نظام بشار برفضه منذ البداية التوقيع على بروتوكول يسمح بدخول مراقبين من قبل الجامعة العربية، بل على العكس كان يمكن أن يُفاجئنا لو قبل بذلك. لقد كان من البديهي أن يرفض بمجرّد أن يسأل نفسه : ماذا سيُراقب هؤلاء وماذا سيسجلّون عن مشاهداتهم لعمليات التقتيل والقمع، وعن مشاهد أرتال الدبابات وهي تقتحم المناطق السكانية وجثث القتلى التي تبقى في الشوارع إلى حين التمكن من انتشالها، ناهيك عن جنازات التشييع بالجملة كل يوم، والدمار الذي يستحيل أن تُحدثه بنادق 'المتآمرين' من أفراد الشعب، على فرض أنها استُعملت في كل أنحاء سورية لمواجهة آلة التدمير الرسمية ؟

من المؤكد أن كل ما ستراه عين المراقب أو الزائر من جرائم بحق المواطنين هو من صنع أجهزة النظام المدرّبة على قمع المواطن في الأساس بدل مواجهة الأعداء، فهل يمكن والحالة هذه أن يكون الحاكم الدكتاتور ضدّ نفسه حتى يوافق على استقدام من سيكبّل يديه ورجليه بالقيود، وهو الذي يدرك أنه بمجرد توقيعه على البروتوكول يكون قد بَصَمَ سلفا بإبهامه على لائحة إدانته المعززة بكمّ من الوثائق وشهود العيان ؟

رفض النظام من هذه الزاوية كان بديهيا ومتوقعا، ولم يأت بدافع الحرص على السيادة ولا الكرامة كما تُردّد أبواقه الإعلامية، ولا ردا على شعوره بالإهانة من قبل الجامعة العربية التي أثبتت وقائع الأسابيع الأخيرة أنها وبتوجيهات من معظم حكامنا حريصة على عدم إسقاط نظام بشار بأيدي شباب الثورة الشعبية.

ليس بدافع حبّ هؤلاء الحكام له، بل حرصا على بقائهم في كراسي الحكم وتحسّبا ليوم يصل فيه كل واحد منهم الى وضع بشار الآيل الى مصير القذافي ونظامه، بدليل هذا الكرم الرسمي والإستثنائي في منحه العديد من المهل المتتالية، وعدم قطع الجامعة الإتصالات معه لتبادل الآراء حتى بعد أن' زاد على قائمة شروطه السابقة أمورا جديدة لم نسمع بها من قبل'، حسبما قال أمينها العام نبيل العربي، إلى درجة أن كل مهلة 'أخيرة' منها كانت تتبعها على الفور 'أخيرة أخرى'، حتى وصلت حدود المماطلة الى منحه بعد استنفاذ هذه المهل 'مهلة إضافية'.

ورغم كل هذه المراعاة التي لم تلق من النظام إلا التلاعب وفرض الشروط الإحتيالية المستفزّة التي تمثّلت حتى بعودته التكتيكية للموافقة على البروتوكول بصيغة أوقح من الرفض وأكثر مغالاة في المكابرة بالمحسوس، عاد أمين عام الجامعة مجددا إلى الطلب من السلطات السورية توقيع هذا البروتوكول لكي يجري رفع العقوبات عنها، دون أن ننسى أن شرط رفع العقوبات الذي تقدم به النظام يقضي بفورية الرفع بعد التوقيع، وليس بعد التنفيذ كما يُفترض. ولما اضطُرّ بعد ذلك إلى دعوة وزراء الخارجية للاجتماع يوم السبت 17 الجاري، عاد وأجلّ الموعد .. وهكذا دواليك حتى اللحظة.

هذا المسلسل بكل تعقيداته كان من الممكن اختصاره وتفادي نتائجه من قبل النظام، حيث كان بإمكانه الهروب من 'زنقة' المراقبين وخيار القبول أو الرفض قبل الوصول اليها، لو تخلّى عن عقدة المكابرة وتعامل بإيجابية وتعقّل مع مطالب الإنتفاضة الشعبية التي سرعان ما حوّلها بعناده وجبروته الإجرامي الى ثورة شاملة وصلت الى حد إعلان لجان التنسيق المحلية عن بدء 'إضراب الكرامة' المفتوح، واعتباره الخطوة الأولى نحو مرحلة العصيان المدني الشامل الذي سيفضي إلى شلّ كل جوانب عصب النظام.

كان بإمكانه الإعتراف بالواقع الإستبدادي الفاسد دون مواربة ولا تعلّل، والمسارعة إلى اتخاذ قرار جريء بوقف عجلة التقتيل، وإبداء استعداده للنزول عند إرادة الشعب وتلبية مطالبه، بدلا من الإصرار على نعته بالمتآمر والإرهابي والعامل على تنفيذ مؤامرة خارجية تستهدف ممانعته وصموده وتصدّيه التي صدّعنا بها طوال أربعة عقود من التفرّد والتحكم برقاب العباد. وكان بإمكانه أن يُقلل من حجم كارثته القادمة لا محالة، وربما كان بإمكانه عندها المطالبة بضمان نهاية له تختلف عما حصل للقذافي، بدل أن يُصبح من المستحيل عليه اليوم أن ينال نهاية كعلي عبد الله صالح الذي تحايل كثيرا ثم اضطر الى التنازل، ولو بصيغة لا تخلو من الخبث والتحايل أيضا.

الغريب في بشار الذي استغربت باربرا وولترز من تصنّعه الهدوء وإنكاره كل الحقائق أثناء الحوار الذي أجرته معه لمحطة إم بي سي، تأكيده من خلال أجوبته الإستهبالية على الأسئلة التي وُجّهت إليه أنه فعلا كما وصفه الناطق باسم الخارجية الأمريكية 'إما منفصل عن الواقع وإما أنه كما قال هو: 'ليس هناك حكومة تقتل شعبها إلا إذاكانت تحت قيادة شخص مجنون'. فهل يُعقل مثلا أن يكون جوابه على السؤال الذي طرحته عليه باربرا: كيف تصف ما يحصل الآن (في سورية)، بالرد مندهشا: '..وما الذي يحصل؟'.

وحتى عندما رأيناها تسايره على تجاهله وتقدّم له بعض الأمثلة على الجرائم التي ارتُكبت بحق شخصيات معروفة ذكرت ثلاثة منها بالإسم، ادعى أنه لا يعرف أحدهم ولم يسمع عن الآخر لأنه 'غير مشهور!'، ولم يُعلّق على الثالث. ثم ارتفعت وتيرة استهتاره بهذه الحقائق ووعي الدنيا لها فادّعى أن هذه الأمثلة ليست إلا حالات فردية، وأن أكثرية الذين قُتلوا هم من الموالين للحكومة.

لم يفكّر بشار لحظتها أنه إذا كانت أكثرية الذين يُقتلون هم من موالي النظام على حد ادعائه، فلماذا يحجب سورية عن كل وسائل الإعلام، ولا يفتح لها الأبواب كي تُسجّل بالكلمة والصورة كيف أن الشعب يُمارس حرب الإبادة ضد الحكومة 'المسالمة' ورجالاتها؟ أليس من مصلحته ومصلحة نظامه في هذه الحالة أن يُبادر هو لا الجامعة إلى المطالبة بإيفاد مراقبين، ويُسارع الى توقيع بروتوكول يُنظم هذه العملية دون وضع العراقيل والشروط التي لا يرمي من ورائها غيرالعرقلة والتسويف؟

ثم، إذا كان الشعب السوري إرهابيا ومتآمرا وهو الذي يقوم بعمليات القتل الجماعي، فماذا يقول النظام في وصف أولئك الذين التزموا بالمشاركة في الإضراب وهو بالمناسبة تعبير سلمي بأسلوب سلبي حين اكتفوا بإغلاق محلاتهم ولزموا بيوتهم تجاوبا مع نداء اللجان التنسيقية، على الرغم من إقدام عسكر بشار وشبّيحته على كسر أقفال المحلات لإرغام أصحابها على الإسراع بفتحها كي لا يجري نهبها، فهل يُعقَل أن يكون الشعب إرهابيا ومتآمرا لمجرد تجاوبه مع نداء الإضراب؟

إضافة لكل ما تقدّم، تبدو النقطة الأبرز في نظر العالم أن الفضائح التي تضمنتها أجوبة بشار في هذه المقابلة وغيرها من المواقف تكاد لا تُحصى، ولا يجرؤ على التفوّه ببعضها حتى الفاقد لنصف عقله .لذلك فمهما حاول النظام ترقيع ما ورد على لسانه لن يُفلح في إخفائها، حتى لو أعاد فبركتها بالكامل، بل سيغوص أكثر في عملية التضليل والتعالي الكاذب، كقول المتحدث باسم الخارجية السورية ردا على تعليق الناطق باسم الخارجية الأميركية ' .. إذا أراد المسؤول الأميركي، فإنه لدينا معهد لتدريب الدبلوماسيين ويمكننا أن نعطيه دروسا.

السؤال الملحّ الآن: وماذا بعد، وكيف سيكون الحل؟

في محاولتها الإجابة على ذلك تروّج أبواق بشار نقلا عن لسانه أن الثورة ستستهلك ذاتها وسيصيبها الإرهاق مع مرور الأيام، وأن الجيش سيبقى مواليا له، ويتناسون أن أجهزة بشار القمعية باتت تجهد بكل الوسائل كي لا تنتقل مشاهد حمص وحماة ودرعا إلى قلب العاصمة وأحيائها.

ويقول آخرون بأسلوب 'المحايد' الحريص على البلد بأهله ونظام حكمه معا، أن توازن الرعب بين المتصارعين يفتح باب استمرار الوضع على حاله إلى ما لا نهاية. ويخلصون من وراء ذلك إلى أنه لابدّ من إيجاد حل متوازن في المقابل يستند إلى مقولة 'العفو عمّا مضى'، ويتناسون أنه لا يمكن المساواة بين المجرم والضحية.

وليس بعيدا عن هذا الطرح يخرج علينا بعض قادة المعارضة كرئيس المجلس الوطني السوري بتصريحات متشعبة ومختلفة الصياغة لكنها تصبّ في نفس السياق. فهو لا يريد التدخل الخارجي، ولا يريد في الوقت نفسه أن يُواصل الجيش السوري الحرّ تصدّيه لآلة النظام. وعندما يُعرب عن تخوّفه من الحرب الأهلية يُقرن كلامه بالدعوة الى حلّ سلمي (بين النظام وضحاياه). ومع أن أبرز نشاطاته تنحصر في سفرياته المستمرة والتنقّل بمؤتمرات مجلسه من بلد لآخر، إلا أنه لم يتمكن حتى الآن من تحقيق إنجاز عملي يُذكر، لا لجهة توحيد قوى المعارضة أو توسيع دائرة الإعتراف بها، ولا على صعيد تحصيل قدر من الدعم للضحايا وأسر شهداء الثورة .. إلى آخر المهام التي يُفترض أن ينجح في بعضها أو واحدة منها على الأقل، وهو ما دفع البعض إلى التقوّل أنه أصبح حجر عثرة في طريق معارضي الخارج والداخل في آن.

ولكن هذه الأطروحات وما شابهها لا تعكس وجه المعارضة الفاعلة التي تمثلها ثورة شعبنا في الداخل، وما على الباحث عن الحقيقة إلا متابعة سير ما يجري يوميا لجهة تصاعد فعل الثورة، إلى جانب اتساع دائرة انشقاق الأحرارعن جيش ومؤسسات النظام، حتى يرى الوجه الحقيقي الذي لا يريد أن يعترف به النظام، ولا أن تحسم أمرها تجاهه جامعة الحكام العرب.

' كاتب سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما هو المطلوب اليوم في سورية؟ .. سلامة كيلة *

الثلاثاء, 20 ديسيمبر 2011

الحياة

تظهر الانتفاضة السورية وكأنها في مأزق، الأشهر تمرّ من دون أن ينفتح أفق يشير إلى الطريق الموصل إلى «إسقاط النظام». لقد ظهر أن توسعها الأفقي قد توقف، أو حتى تراجع، على رغم أن الملاحظ يلمس أن مناطق جديدة تدخل كل جمعة جديدة، وربما كل يوم. لكن في كل الأحوال ما قيمة التوسع من دون أن يكون واضحاً ما يمكن أن يضيفه لكي يفتح أفق التغيير؟

ثم برزت الحاجة إلى «تعبير سياسي» عن الانتفاضة. وربما أحسّ الشعب المنتفض بأن هذا التعبير يمكن أن يوجد الأفق الذي يدلّها الى طريق التغيير. وإذا كان هدف توحيد المعارضة قد طرح كأساس لبلورة هذا التعبير السياسي، فإن «ألعاب» المعارضة قادت إلى أن يتشكل المجلس الوطني السوري ممثلاً لجزء من هذه المعارضة، معظمه في الخارج. لكنه أصبح التعبير السياسي الذي يلمّ كتلة كبيرة من المنتفضين، انطلاقاً من الأمل الذي يحدوهم بتوضيح الطريق.

وكانت أطراف المجلس الوطني المؤسسة (الإخوان والليبراليين) تشير منذ أمد إلى التدخل الدولي لحماية المدنيين والحظر الجوي، وحتى التدخل العسكري، لهذا ظهر وكأن مهمة المجلس العتيد هي النشاط الدولي من أجل حماية المدنيين، وليتسرّب معها مطلب الحظر الجوي، ويشار من جانب بعض أطراف المجلس الأساسيين (الإخوان وإعلان دمشق) إلى التدخل العسكري. وقد لعب الإعلام الذي هو بيد هذه الأطراف، أو الداعم لها (مثل قنوات الجزيرة والعربية) على العنف الدموي الذي يواجَه به المنتفضون، خصوصاً بعد انتصار ليبيا بمساندة حلف الناتو، لتعميم فكرة الحماية الدولية، والحظر الجوي، وربما البدء بالتحضير لطرح فكرة التدخل العسكري، على رغم أن الوضع الدولي يؤشر إلى عدم إمكانية ذلك (الآن على الأقل).

وبهذا أصبح المخرج من «مأزق» الانتفاضة هو بالضغط من أجل تدخل دولي ل «حماية المدنيين»، وأصبحت مهمة المجلس الوطني هي الحصول على الاعتراف الدولي، ودفع الدول للتدخل من أجل ذلك... الذي كان يُطرح على أن يؤخذ قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع (الذي ينص على التدخل العسكري) من أجل فرض حظر جوي ل «حماية المدنيين» (كما أوضح رضوان زيادة مراراً في نص محفوظ). وهذا ما وجد من يدعمه في الانتفاضة، انطلاقاً من أن حماية المدنيين لا تعني التدخل العسكري، أو أن الحظر الجوي لا يعني التدخل العسكري. وربما يقود القتل الممارس والتدمير وكل أشكال العنف قطاعات إلى الاعتقاد بأن التدخل العسكري يمكن أن يحلّ مشكلتها، بالتالي تطالب بذلك.

شهران وأيام من نشاط المجلس لم تصل إلى حل، وظهر أن الجامعة العربية تماطل، و «الدول الغربية» لا تريد التدخل العسكري. الأمر الذي يجعل هذا الأفق مغلقاً، حتى للمتحمسين له. بالتالي سيكون كل الجهد الذي بذل بلا فائدة، ويكون قد تعمم وهم أربك الانتفاضة، وجعل المنتفضين ينتظرون حلاً لا يأتي، بدل البحث عن أفق آخر. وإذا كان التفكير أصلاً بالتدخل «الخارجي» لأن نتائجه خطيرة، وسيكون الدم والتدمير أكبر، وسيقود إلى صراع طائفي وتفكك الدولة، فإن الوضع الدولي كان يشير إلى أن الإمبريالية الأميركية والأطلسي ليسا في وارد التدخل نتيجة الأزمة الاقتصادية العميقة التي تلفّ الاقتصاد الرأسمالي. وتركيا، وهي التي تمتلك قدرة عسكرية، لا يبدو أنها تريد التدخل العسكري.

بمعنى أنه ارتبط دعم المجلس الوطني بخيار «الدعم الدولي»، ولا يبدو أن «الأمل بحل ليبي» هو أمر ممكن. الآن عاد البحث عن أفق يطرح من جديد. المشكلة التي تحكم النظر هنا هي أن العنف الدموي الذي يمارس يجعل الشعور ب «العجز» لدى المنتفضين أمراً ممكناً، خصوصاً في المناطق التي تتعرّض للقصف والقتل والحصار، وبالتالي يستدعي من يعتقد بأنه يخفف من ذلك... هذا تفكير «طبيعي» في وضع دموي. لكن النظر الإشكالي هو الذي يحكم أطراف المعارضة التي لا تعتقد من الأساس أنه يمكن أن يهزم الشعب السلطة، لأنها أقوى من أن تسقط، لهذا لا بد من الدور الدولي. ولهذا لا نشاط لها سوى على الصعيد «الدولي»، الذي لا يبدو أساسياً في كل الأحوال، لأن الدول «الغربية» تتدخل حينما تفرض مصالحها ذلك، ولا تتدخل حين لا ترى حاجة. وبالتالي سيكون كل نشاط هو زائدة. وقد عززت البلدان «الغربية» من حصارها على السلطة، على رغم أنها لم تحسم كلها حول «التنحي»... والنظم العربية تماطل كما يظهر، لأن دورها لا حاجة له إلا حين تقرر البلدان الإمبريالية، وهذه لم تقرر.

وقصر النظر هذا لدى المعارضة، خصوصاً وبالأساس التي في الخارج، لاتباع سياسات تربك الانتفاضة. وإذا كانت سياسات السلطة تدفع الشعب إلى الانتفاض بفعل الوحشية التي تمارس، فإن سياسات المعارضة هذه تلعب دور تأخير انتصار الانتفاضة. فليست المسألة هي مسألة انتفاضة تفجرت، وتتوسع عفوياً، وبوعي الشباب البسيط المنتفض وجرأته، ليكون دورنا هو «الشحدة» عليها، ليصبح القتل والتدمير هو أساس السياسة الإعلامية من أجل القول إن «هذا الشعب العاجز» يحتاج إلى من يحميه. الانتفاضة هي ثورة حقيقية ليست بحاجة إلى الندب، أو «الشحدة». ولا شك في أن انتصارها مرتبط بفاعليتها هي، من دون كل هذا الخوف من قوة السلطة (الذي كسره الشباب المنتفض)، والشعور بالعجز عن التغيير. على رغم أن الانتفاضة بحاجة إلى فعل سياسي، لكن لتنظيمها وتوضيح شعاراتها، والشغل على انخراط فئات اجتماعية متخوفة أو خائفة.

السلطة يمكن أن تتفكك، والفئات التي لم تشارك لا بد من أن تشارك لأنها معنية بالتغيير ككل الشعب، وأهداف الانتفاضة هي ابعد من هدف إسقاط السلطة، حيث إن الإسقاط هو مدخل تحقيق أهداف طبقات، لكي تشارك لا بد من طرح مطالبها. ووضع سورية يفرض أن تؤخذ «الحساسيات» السياسية والطائفية في الاعتبار، من أجل إفشال سياسة السلطة (التي نجحت في اللعب على أخطاء بعض أطراف المعارضة). ولهذا لا بد من أن يكون واضحاً أن كل دعوة للتدخل «الخارجي»، حتى وإن تعمم تحت الدعوة لحماية المدنيين، هي أمر يؤخر الانتفاضة، لأنه يزيد من تخوّف المتخوّفين، ويربك قطاعاً من المشاركين. كما أن كل شعار أو تصريح أو حديث يأخذ منحى طائفياً يؤخر الانتفاضة كذلك. أو وضع سورية مسبقاً في «صف» عربي ودولي، كما فعل د. برهان غليون في تصريحاته الأخيرة.

بمعنى أن وضع الانتفاضة في سورية الداخل هو الأولوية، والتفكير في توسّعها لكي تشمل الفئات التي لم تنخرط بعد (خصوصاً من «الأقليات») هو المهمة الأكبر. لأن في ذلك ما يسمح بضعف أكبر للسلطة، وبالتالي فتح طريق التغيير.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. حيلة جديدة  .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

20-12-2011

مع المعارضة السورية كل الحق عندما تقول إن توقيع النظام الأسدي على اتفاقية بروتوكول إرسال المراقبين ما هي إلا مراوغة. وهذا صحيح تماما، فالنظام الأسدي لا يجيد إلا الحيل، والمماطلة. فإذا كان التوقيع على البروتوكول استغرق قرابة الشهر، من حيل ومراوغات كان يسقط فيها يوميا قرابة الخمسين سوريا على يد آلة قتل النظام الأسدي طوال شهر التفاوض، أو التحايل، فكيف سيكون الحال بإنجاز ما اتفق عليه، خصوصا إذا كان وليد المعلم مشغولا بإقناع مريدي النظام الأسدي، من الدوائر الضيقة، بأن الاتفاق الذي وقع عليه النظام الأسدي قد تم بعد إجراء تعديلات عليه اشترطها النظام الأسدي؟ فما يريد المعلم إيصاله لتلك الدوائر هو أن النظام الأسدي قوي، ومتماسك، وتوقيع النظام على الاتفاق ليس من باب ضعف. فالنظام الأسدي غير معني بسلامة السوريين بقدر ما يريد حماية صورته المهتزة داخليا، وفي الدوائر الضيقة. كما أن تصريحات المعلم تظهر أن النظام الأسدي لا يزال هو نفسه ذلك النظام المشغول دائما بصغائر الأمور، ويفكر بعقلية المغتر، وليس المضطر!

والقول بأن توقيع النظام الأسدي على البروتوكول حيلة جديدة ستثبته الأيام القليلة القادمة، وأن النظام الأسدي سوف يماطل بتنفيذ الاتفاق المبرم، أيضا صحيح. فمثلما ماطل النظام لمدة شهر في التفاوض، فسيماطل قرابة شهرين آخرين في التنفيذ. ولن يتطلب الأمر كثيرا من الانتظار، فالمتوقع أن تخرج المظاهرات في سوريا بشكل أكبر الآن، خصوصا أن الاتفاق البروتوكولي معني أيضا بضمان حرية المظاهرات. وهنا سنرى ما إذا كان النظام الأسدي سيلتزم بالاتفاق أم لا. وكما أسلفنا، فإن المؤشرات كلها تقول أن لا أمل في هذا النظام، خصوصا أن آلة القتل الأسدي حصدت أكثر من 100 سوري يوم إعلان النظام الأسدي عن توقيعه على البروتوكول العربي!

عليه، فعلى العرب أن يستعدوا لجولة جديدة من المراوغة، والمماطلة، والتسويف، التي سيقوم بها النظام الأسدي في قادم الأيام، حيث سيذيق المراقبين العرب المر في التعامل معهم، وحيث سيغرق النظام الأسدي المراقبين بتفاصيل لها أول، وليس لها آخر.

إلا أن ما سيختصر الأمور كثيرا، رغم المعاناة التي ستطال السوريين العزل، هو الشعب السوري نفسه؛ فكما هو متوقع، ستكون المظاهرات في سوريا أكبر، وستشمل مناطق سورية كثيرة، حيث بات من الملاحظ اليوم أن دمشق وحلب قررتا كسر الصمت، والمشاركة في المظاهرات الشعبية ضد النظام الأسدي. ومما سيضمن إفشال حيل النظام أن المبادرة العربية تشترط سحب القوات، والشبيحة، مما سيضع النظام الأسدي على المحك، فإن سحب قواته فستكون مظاهرات حاشدة، وإن صدق النظام ولو مرة، وسمح فعليا لمراقبين عرب بالدخول إلى سوريا، فإن وجودهم سيعزز الحركات الاحتجاجية بكل تأكيد. فما لم يعه النظام الأسدي هو أن القصة ليست في ما يريده الغرب، أو العرب، بل في ما فعله، ويفعله السوريين، وهذا ما سيفسد على النظام الأسدي كل حيلة من حيله التي لا تنتهي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نحن وسوريا  .. نايلة تويني

2011-12-19

النهار

يسألونني باستمرار عن الموقف من سوريا، وأجيب ترداداً ان شيئاً لا يدعو الى تبديل اي موقف من النظام السوري، كما ليس ما يدعو الى الشماتة اذ ليس الأمر من شيم الكبار، واللبنانيون كانوا كباراً على الدوام، حتى عندما كانوا يُضربون بالحذاء السوري، اذ قاوموا المخرز بالعين، ولو ضعف بعضهم أمام إغراء السلطة والمكاسب، فيما افاق عدد منهم فانتفض ولو متأخراً.

وعلينا كلبنانيين ان نميز بين النظام السوري والشعب السوري. فنظام الأسد، الأب والإبن، اضطهد مواطنيه قبل غيرهم، والشواهد كثيرة على ذلك، وما زالت امهات كثيرات ينتحبن على أزواج وابناء فقدوا او قتلوا او اقتيدوا الى سجون الداخل اليها مفقود والخارج منها مولود. ونظام الاسد تدخل سلباً في لبنان والعراق والكويت ودول اخرى بمخابراته المباشرة او بواسطة عملاء، ودائما بحجة مقاومة اسرائيل، مع ان جبهة الجولان لم تفتح يوما، ولم تخض دمشق اي مواجهة حقيقية مباشرة مع اسرائيل. حتى اتفاق الدفاع المشترك مع لبنان لم يترجم على ارض الواقع، بل سبقه اتفاق مع اسرائيل سمح للطيران الحربي السوري بالتحليق في سماء لبنان ودك قصر بعبدا ووزارة الدفاع بالصواريخ على رأس العماد ميشال عون الذي لجأ انذاك الى السفارة الفرنسية ونفي الى باريس قبل ان يعود منتصرا للدبابة السورية.

هذا النظام الذي قصف الأشرفية وحاصر زحلة، هذا النظام الذي قتل كمال جنبلاط ورينه معوض ورفيق الحريري، ولاحق، مع أزلامه، الطلاب والشباب والصحافيين والسياسيين، وصولاً الى رعاية قتلة ابطال انتفاضة الاستقلال، لا يكفيه العزل، بل يستحق المحاكمة الدولية العادلة، اذ ليس رأسه اهم من جاك شيراك او حسني مبارك وغيرهما.

أما الشعب السوري، فاني وبقلب صادق لا أتمنى له الحرب الاهلية ولا الانقسام المذهبي الطائفي، ولا التدخل الخارجي لفرض التغيير، لأننا عانينا ويلات هذه الامور وعشنا التجارب المرة من جرائها، ولا نطلبها لعدو، فكيف والشعب السوري مظلوم مثلنا ومضطهد؟

لكننا في المقابل لا نريد للشعب السوري ان يعيش عقدة الخوف من التغيير، والتخوف من تجارب أخرى محيطة لم تحقق النجاح المطلوب الى حينه، او الاقتناع بأن الرئيس الاسد قد تحول ضحية يستدعي وضعه الجديد تضامنا من الضحية الحقيقية مع الجاني الذي يوهم الناس انه ضحية، لأن الفرصة اذا ما ضاعت اليوم فلربما لن تكون متاحة في الزمن الآتي القريب.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل الجامعة وحدها التي تقتلهم ؟ .. د. عبد الحميد مسلم المجالي

الرأي الاردنية

19-12-2011

هناك من فرمل حركة الجامعة العربية تجاه سوريا خلال الاسابيع الماضية، بعد ان تصور البعض ان الجامعة تندفع نحو الازمة السورية بسرعة قياسية لن تتوقف، الا وقد انجزت مهمتها بوضع ما اسمته بالحل العربي في مساره الناجز، كبديل عن الحلول الاخرى.

بطء الجامعة او فرملة حركتها، كان واضحا، بمنح المهل المتعاقبة حول العقوبات احيانا، وحول لاشئ احيانا اخرى، ثم بحجة استمرار المشاورات التي لانهاية زمنية لها، بحيث دخلت الجامعة في مرحلة غياب قد تمهد لرفع يدها عن القضية السورية قريبا.

الاتصالات الاقليمية والدولية التي تلت اندفاعة الجامعة، هي التي اصابت حماستها بالاحباط، بعد ان اصطدمت بفتور من قوى اقليمية ودولية مؤثرة، لاترى ان تكتيك الجامعة لحل الازمة، سيؤدي الى نتائج حاسمة، خاصة وان قدرتها على الفعل في هذه القضية وفي غيرها محدودة وهشة. اي ان الجامعة تلقت نصائح خلال هذه الاتصالات بان القضية السورية اكبر من ان يتصدى لها جزء من العرب وحدهم، بعد ان دخلت القضية في دهاليز اللعبة الدولية المعقدة التي تجري فصولها حاليا بين الغرب وكل من الصين وروسيا وقوى صاعدة اخرى.

المشترك في هذه اللعبة، هو ان اطرافها الرئيسيين، يتفقون على ان سقوط النظام السوري، سيؤدي الى وقوع مشكلات خطيرة في الاقليم. فلو كان الامر يتعلق بسوريا وحدها لامكن تحمل النتائج، ولكن المشكلات المتوقعة ستمتد الى العراق ولبنان والى الحدود مع اسرائيل والخليج، وقد تتفاعل لتؤدي الى وقوع نزاعات عرقية وطائفية وفوضى، ستجبر القوى الكبرى على الدخول في مستنقع يعني تحمل كلفة اكبر بكثير من كلفة بقاء النظام السوري. وبالتاكيد فان هذا هو ما يفسر بطء الاجراءات والمواقف الدولية تجاه الازمة السورية، على الرغم من مرور نحو عشرة اشهر على بدئها، اذا ما قيست بسرعة الاجراءات في الازمة الليبية، التي كانت قد بدات عجلتها تدور، بعد نحو ثلاثة اسابيع من الثورة الليبية، في حين تم انجاز المهمة في الازمة المصرية خلال ثمانية عشر يوما فقط.

الازمة السورية بعد ان اتضح الكثير من معطياتها، وجرت دراسة هذه المعطيات من قبل الدول الكبرى المؤثرة، ربما يحتاج حلها الى اتفاق متأن وعلى نار هادئة من قبل هذه القوى، يجري اخراجه بكثير من الحذر واليقظة، لكي لايؤدي تنفيذه الى التورط في مشكلات لا تزال تعبر عنها هواجس ومخاوف تتحدث عنها الدوائر الاقليمية والدولية.

وفي ضوء هذه الحقائق جرت مراجعة المواقف والحدود الزمنية التي كانت تتحدث عنها الجامعة العربية، التي ربما تبين لها بعد كل ما اتخذته من مواقف، ان تحليلها ورؤيتها للازمة السورية، رؤية سطحية لاتتعدى مسألة ان هناك نظاما يقتل شعبه ورايا عاما عربيا ساخطا على ذلك، في حين ان القوى الدولية ترى في هذه الازمة اكثر واعمق من ذلك، ولابد للجامعة العربية ان تحدد خطواتها بما ينسجم مع هذا الاكثر والاعمق.

الشعب السوري المنكوب وقادة المعارضة، ربما لم تكن رؤيتهم لابعاد الازمة بعيدة عن رؤية الجامعة العربية لها. وقد يتبين لهم في لحظة ما، ان الفسيفساء السورية وموقع بلدهم الاستراتيجي، هما السببان الرئيسان لهذا الحظ العاثر، ولذا عليهم ان ينتظروا طويلا قبل ان تطلع الشمس، ويعرفوا بالضبط لماذا يستمر كل هذا القتل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة - القضية السورية والخلاف على المستقبل .. ماهر مسعود *

الإثنين, 19 ديسيمبر 2011

الحياة

بدأت الأحداث الجارية في سورية على هيئة تمرُّد يحمل إمكان الثورة، وتردد العديد من المثقفين «الاستشرافيين»، بنوع من الحفاظ على «واقعيتهم» وانعدام الثقة التاريخية لديهم بالشعب، في تسمية ما يحصل على أنه ثورة.

لكن التمرُّد ما لبث أن أصبح احتجاجاً موسعاً، والاحتجاج أصبح انتفاضة، والانتفاضة تحولت بجدارة الدَّم وإصرار المنتفضين، إلى ثورة. ثورة غايتها التخلص من «استعباد البرية» وهدفها «استرداد الحرية» وتطمح لتغيير وجه سورية «الأسدي» نحو وجه «إنساني» بأقل تقدير. وفضَّاً لكل التباس، عنت الحرية للمنتفضين السوريين شيئاً واحداً، كليَّاً وأساسياً، هو إسقاط النظام برموزه كافة، والبقية تأتي...

لكن الثورة، التي استدخلت جميع المفاهيم السابقة ضمن سياقها وصيرورتها المستمرة، بدأت بعد تسعة أشهر على انطلاقها تتحول إلى قضيَّة، وأصبح لدينا «القضيَّة السورية». فالشروط اكتملت لتحوُّل النظام إلى كيان مُحتلّْ بكل تصرفات المُحتَّل الميدانية وسماته النفسية، فهو ميدانياً يجتاح المدن والبلدات السورية المنتفضة أو من هي قيد الانتفاض، ونفسياً يمارس العنجهية والشوفينية والعنصرية التي تمارسها جميع النظم المحتلة عبر معاملة المنتفضين على أنهم رعاع و «حثالة» ودهماء، بينما يدّعي حماية أتباعه ومواليه «المتفوقين» إنسانياً على هؤلاء البشر الثائرين.

وبالمقابل نجد التعقيد الذي تشهده الأزمة السورية وتجمعه الظروف الدولية والإقليمية والعربية والداخلية، بدأ يرسم ملامحه على الواقع السوري ويحول ثورته إلى «قضيَّة»، تتنازع فيها وحولها «الأمم» وتدلي كلٌّ منها بدلوها لتتحول المسألة إلى وجهات نظر متباينة تجاه «الأطراف» المتنازعة، ويمضي الأخذ والردِّ والمُهل، و «الإشارات والتنبيهات»، ليدفع ثمنها المبدئي والأولي شعباً أعزل يواجه الموت اليومي من دون أن يستطيع إيقافه أو التوقف عنده.

استدرك النظام السوري أخطاء الأنظمة التي سبقته نحو الهاوية، فأدخل الجيش، قبل أجهزة الأمن وتحت رقابتها، في لعبة القتل والقمع. حيث تعلَّم أن الجيش لن يستطيع التدخل ولن يبقى بخدمته إذا تطورت الاحتجاجات بسرعة وتكاثفت على الطريقة المصرية والتونسية، والأمن وحده لن يكفي رغم أرقامه القياسية في سورية. إضافة بالطبع إلى منع الإعلام العربي والأجنبي بشكل كلّي من العمل على الأرض السورية لكي يحافظ على الصورة التي يريد تقديمها للداخل والخارج معاً، ولكي ينشر الشك والريبة في ما تقدمه الفضائيات «المغرضة»، الأمر الذي جعله يحتكر تصدير الواقع.

التماسك الأمني والإعلامي والسياسي لعب الدور الأبرز في ساحة الخوف السورية، ونجح إلى حد كبير في إبراز المخاوف الشعبية لدى الأقليات والفئات الصامتة، وفجر انقسامات مختبئة تحت الرماد، قد تلعب دوراً كبيراً في المستقبل السياسي لسورية، تماماً كما تلعب دورها في انقسامات المعارضة اليوم، مع أن مصدر الخلاف الأساسي ليس هو الاستبداد الذي يجتمع السوريون بأغلبيتهم العظمى على ضرورة التخلص منه وإسقاطه، بل ما بعد الاستبداد ومستقبل البلاد بعد إسقاطه، وهذا ما نجح النظام في تحضيره ومتابعته عبر سنوات حكمه واحتكاره المطلق للسلطة، وهو ما يجعل التهديد بالزلازل مأخوذاً في الاعتبار لدى القوى الإقليمية والدولية التي لا تريد الدخول في لعبة النظام المكشوفة قبل أن تقصقص أجنحته الإقليمية وتزيد من عزله وعزلته، وتضمن عدم الانجرار نحو ما يدفع إليه ويهدد به.

على اعتبار أن الثورة السورية كانت آخر الثورات العربية الكبرى المعلنة (حتى الآن)، فقد استفاد المجتمع الدولي أيضاً مما سبقها، في كيفية التعامل معها، وهذا ما ساهم ويساهم في تحويلها إلى قضية تنازُع، تتوعد بالمفاجآت بقدر ما كانت هي نفسها غير مفاجئة ضمن السياق الثوري العربي. فالزمن المتوقف في سورية عند ثابتين: ثابت الثورة غير القادرة على إسقاط النظام سلمياً، وثابت النظام غير القادر على إسقاط الثورة عنفياً، هو زمن متحرك خارج سورية ويمضي باتجاه تحويل الثورة من ثورة وطنية ضد الاستبداد إلى ثورة تابعة أو مساهِمة في الصراع الإقليمي بين محورين أساسيين «السنّي» و «الشيعي» وامتداداتهما، وذلك كلّه بمساعدة النظام الذي يأبى أن يخسر السلطة قبل أن يخسِّرنا الدولة، ويجعل من كلفة سقوطه تتجاوز قدرة السوريين مستقبلاً على بناء الدولة المستقلة والوطن السيد الحر والموحد بأبنائه المختلفين، من دون الدخول في أوحال الاصطفافات الدولية الساخنة والمساعدات المأجورة، المجهولة الثمن.

إن مستقبل القضية السورية الذي بات مُرتهناً في جزئه الأكبر للصراعات والتوازنات الإقليمية والدولية، يجافي ربما حلم الشعب السوري ب «الثورة النظيفة» والسلمية التي رافقت شعاراته ولافتاته منذ بداياتها الأولى. ومن هنا نرى الدلالة الرمزية التي حملها خروج الكتاب والمثقفين والسياسيين في 16 آذار (مارس) من ساحة المرجة أمام وزارة الداخلية، تلقي بظلالها على الثورة السورية بكاملها. فالساحة التي هي ساحة للشهداء، الذين «زيَّنوا المرجة» بأجسادهم المتدلية من المشانق في أواخر أيام الحكم العثماني، وتحوَّلت إلى «ساحة للعهر» إبان حكم الأسدين (حولها فنادق رخيصة، تشكل مرتعاً للقوادين والمومسات...)، أصبحت هي نفسها رمزاً لسورية التي باتت أرضها بالكامل ساحة للشهداء، ويصر النظام على تحويلها الى ساحة للعهر السياسي الذي يمارسه من دون كلل أو ملل عبر المتاجرة بمشاعر السوريين ودمائهم، وإظهار الحراك الشعبي على أنه حراك سني وسلفي وطائفي، ونزع الصفة الوطنية عن الثورة بإدراجها في مخططات ومؤامرات كونية ضد نظام «الممانعة» الذي لم يمنع إلى اليوم سوى أنفاس الحرية والكرامة عن الشعب، ولم يقاوم إلى اليوم سوى رغبة السوريين التاريخية بالعدالة الاجتماعية والسياسية والعيش الكريم.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأسد.. من الغابة إلى القفص  .. محمد جميل الرنتيسي

الغد الاردنية

19-12-2011

أكثر من تسعة أشهر مضت وما يزال السوريون يدفعون من دمائهم ثمن حقهم في الحرية والكرامة. فالحصيلة الجديدة للأمم المتحدة تتحدث الآن عن أكثر من خمسة آلاف "شهيد"، ناهيك عن عشرات الآلاف من المعتقلين والمشردين، ما يعني أن استمرار تذبذب المواقف السياسية، العربية والدولية، وتراجع بعضها في الضغط على النظام هناك، يزيد من إجرامه، وليس مستبعداً أن يرتكب مجزرة بحجم حماة 1982. وهو بالمناسبة مستمر في حفر الخنادق في محيط حمص وبلداتها.

من ناحية النظام، فالمؤشرات تؤكد يوماً بعد يوم عمق ورطته بفعل إصرار الثوار وحجم التعاطف الممتد على طول العالم مع ثورتهم، ولا أدل على ذلك من تصريحات بشار الأسد للإعلامية الأميركية باربره والترز حول عدم مسؤوليته عما يحدث في البلاد من تعذيب وقتل وترهيب وتشريد، والتي ظهر فيها وكأنه يهرب من الغابة إلى القفص. وكان يمكن فهم هذه التصريحات لو أنه قالها بوصفه طبيب عيون وليس رئيس الدولة وقائد جيشها وقواتها المسلحة، لكن السذاجة التي تعامل بها القذافي في مقابلة تلفزيونية لمحطة أجنبية، تعيد نفسها.

كيف للرئيس أن يشعر بالمسؤولية وهو الذي وجد نفسه حاكماً ب"جرة قلم" بعد أن عدّل "مجلس التصفيق السوري" دستور البلاد في العام 2000، ليتسنى للأسد الابن وراثة الحكم عن أبيه عقب وفاته مباشرة، وبشكل فاضح لا يليق ببلد أنتج وينتج للعرب والعالم نخبا وكفاءات مشهود لها في المجالات كافة، فهو ابن الطبقة الحاكمة وليس ابن الشارع السوري، ولا جاء بانتخابات أو باع نضالي أو حتى مجرد خبرة في دهاليز العمل السياسي والدبلوماسي والاستراتيجي.

الواضح أن النظام السوري دخل في مرحلة انقسام ستنتهي بأن يأكل نفسه. وقبل أن تقع الفأس بالرأس، ستنتهز واجهات النظام أي فرصة كي تبرئ نفسها من دماء الشعب وأوجاعه، هذا للإعلام واستجداء التعاطف، لكن على الأرض ما تزال عمليات التصفية حاضرة بقوة لكل من يخرج رأسه من جيب قميصه أو لسانه من فمه. ولما أعلن الجيش السوري الحر عن بدء عملياته ضد أمن النظام وشبيحته، قلنا الحمد لله أنه أصبح هناك بوصلة يوجه النظام أسلحته إليها، وأصبحت وكالة أنباء النظام "سانا" وتلفزيونه الرسمي وقناة الدنيا يمطروننا بالأخبار المتعلقة ببطولات الجيش والأمن في مواجهة أولئك "المسلحين والمنشقين"، لكن بماذا نفسر الاستمرار في قمع التظاهرات السلمية والمدنيين، سوى أن النظام يضع الجميع في كفة واحدة ولا يفرق من خوفه، بين صوت الحناجر وصوت البارود.

في مدن الثورة، كل يوم تنقل التقارير أن هناك شهداء مدنيين بينهم نساء وأطفال، وأن هناك اعتقالات منظمة وعشوائية في كل مكان ولا يمكن حصرها. والعاصمة دمشق مخنوقة أمنياً، وكل شيء فيها مراقب من قبل رجال الأمن بالزي المدني، والذي ينتشرون في الشوارع والأسواق والأحياء السكنية أكثر من القطط.

الخميس الماضي اعتقل الممثل والمخرج السوري محمد آل رشي من منزله وأمام زوجته وأولاده الصغار، فقط لأنه هتف للحرية وطالب بدولة ديمقراطية، ولم يعتقل على الجبهة وبيده سلاح. وقبله بأيام اعتقلت المدونة الشابة رزان المغربي التي كان آخر كلامها قبل اعتقالها: "لو أصابني مكروه، فأريدكم أن تعرفوا أن النظام لا يخشى المعتقلين، بل يخاف هؤلاء الذين لا ينسون المعتقلين". والقائمة لا تنتهي عند محمد ورزان، ولن تنتهي إلا بانتهاء النظام، والانتقال إلى سورية يتسع حضنها لجميع أبنائها، فالحرية كقيمة إنسانية للشعب هناك هي التي تعزز ممانعتهم وثوابتهم ومواقفهم من كل الأحداث العربية والإقليمية والدولية، بمناخ سياسي متنوع وقابل للحياة والاستمرار، وليس نظام ديناصوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية... كل الطرق تؤدي إلى «التدويل»  .. سلمان الشيخ

مدير مركز «بروكينجز» في الدوحة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«كريستيان ساينس مونيتور»

الاتحاد

تاريخ النشر: الأحد 18 ديسمبر 2011

شكل يوم 4 أكتوبر الماضي لحظة حاسمة في مسار التطورات الجارية في سوريا عندما فشل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في التصدي للأزمة المتفاقمة هناك والعنف المتزايد الذي يعصف بالمدنيين والمتظاهرين السلميين الذين خرجوا احتجاجاً على نظام الأسد، وذلك بسبب استخدام الصين وروسيا لحق النقض "الفيتو" وإبطالهما قراراً أمميّاً يدين النظام في دمشق، ويحذره من إجراءات عقابية مقبلة إذا لم يغير المسار ويوقف القمع الوحشي ضد المنتفضين، ومنذ ذلك الوقت حصلت جملة من التطورات في المشهد السوري كان أبرزها دخول "الجيش السوري الحر" على الخط واتجاه الانتفاضة السلمية نحو العسكرة مع احتمال اندلاع حرب أهلية على أسس طائفية قد تقوض الانتفاضة وتدخل البلد في نفق مظلم. ولذا بات من الضروري البحث في سبل وقف العنف وحل الأزمة التي لن تخرج في جميع الأحوال عن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي وقد أصبح مسؤولاً مسؤولية قانونية وأخلاقية عما يجري من اضطرابات في سوريا ربما يمتد لهيبها إلى خارج حدودها في حال تقاعس المنتظم الدولي عن الاضطلاع بمهامه.

وحسب إحصاءات الأمم المتحدة الأخيرة فقد وصل عدد القتلى في سوريا إلى ما يفوق خمسة آلاف شخص بينهم 300 طفل، وذلك منذ اندلاع الاحتجاجات الأولى ضد نظام الأسد قبل عام تقريباً، هذا في الوقت الذي اعتقل فيه الآلاف من السوريين وتعرض مئات آخرون منهم لإصابات وجروح متنوعة. كما أن الصدامات بين "الجيش السوري الحر"، الذي يتكون أساساً من الجنود والضباط المنشقين عن الجيش الرسمي، وبين القوات النظامية وأجهزتها الأمنية باتت أكثر حدة، وهو ما يعقد الوضع أكثر في سوريا. وعلى رغم المحاولات التي بذلتها الجامعة العربية لحل الأزمة وإبقاء التسوية بين أيدٍ عربية، فقد فشلت في إقناع النظام بالموافقة على المبادرة العربية وقبول مراقبين لاستطلاع الأوضاع. وهذا التعنت الذي يبديه النظام ومراهنته على الوقت، وفي المقابل عجز الجامعة العربية عن الدفع بتسوية مقبولة توقف القتل والعنف، يخرج الحل بالضرورة من الأيدي العربية ويضعه على عاتق المجتمع الدولي.

ومع بروز قضايا ضاغطة مثل حماية المدنيين والمحتجين السلميين وتصدرها الانشغال الإقليمي والدولي فإن جميع الطرق باتت اليوم تقود إلى مجلس الأمن، ولكن حتى يبدي مجلس الأمن فعالية أكبر فإن عليه، كما في الحالة الليبية، إظهار عزيمة لا تلين في تطبيق توصياته، بما فيها اتخاذ الإجراءات اللازمة لكسر تأييد النظام في الداخل. ومع أن المهمة لن تكون سهلة بالنظر إلى المعارضة الروسية القوية لأي قرار يدين النظام مخافة تمهيد الطريق للتدخل العسكري على الطريقة الليبية يبقى من الضروري مواصلة الضغط على موسكو. وربما يكون اللقاء الأخير الذي جمع روسيا بدول الاتحاد الأوروبي في بروكسل الأسبوع الماضي يندرج في إطار المشاورات المستمرة بين الأطراف الفاعلة بشأن ما يجري في سوريا.

وعلى مجلس الأمن والأمم المتحدة الاستفادة من تحركات الجامعة العربية غير المسبوقة بتعليقها عضوية سوريا في مجالس وفعاليات الجامعة، وفرض عقوبات اقتصادية على النظام، الأمر الذي دفع في اتجاه رسم ملامح تحالف إقليمي يجمع بين الدول العربية من جهة وتركيا من جهة الأخرى يشبه إلى حد كبير التحالف الذي نزع الغطاء عن النظام السياسي في ليبيا ومهد للإطاحة به. وتلعب تركيا هنا دوراً مهمّاً للعلاقات التقليدية بينها وبين النظام ولتصريحاتها السابقة بإمكان فرض منطقة عازلة على الحدود بين البلدين.

وتتزايد الضغوط على النظام في دمشق متجسدة في التقرير الأخير للأمم المتحدة الذي يوثق جرائم ضد الإنسانية اقترفتها قوات الأمن ضد المتظاهرين ومارستها على نحو ممنهج ومستمر، حيث يصف التقرير الذي أعدته لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة جرائم الإعدام العشوائية والاعتقالات التعسفية، فضلاً عن الاختطاف والتعذيب والعنف الجنسي، وانتهاكات جسيمة ضد حقوق الأطفال، وهو ما يشكل إدانة واضحة للنظام وتجريده من الشرعية.

كما أن توصيات التقرير القاضية بإحالة الأمر إلى مجلس الأمن وإلى محكمة الجنايات الدولية تضع مسؤولية كبيرة على مجلس حقوق الإنسان للتعامل مع الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي تتم في سوريا والتجاوزات السافرة التي يرتكبها النظام السوري من خلال نظامه الأمني البعيد عن المحاسبة والخارج عن سلطة القانون.

ومن الضغوط أيضاً ضد النظام في دمشق العقوبات الاقتصادية المتنوعة التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية على السلطة، وهو ما بدأ بالفعل في إلحاق الضرر بالقاعدة الاقتصادية للنظام، حيث فقدت العملة السورية أكثر من 25 في المئة من قيمتها مقارنة بالدولار، ما يعني احتمال انخفاضها أكثر إذا ما سارع السوريون المتخوفون إلى بيع الليرة للحصول على العملة الصعبة. هذا ناهيك عن عقوبات أخرى مثل تجميد الأصول التابعة للنظام في الخارج وفرض حظر السفر على الأسد وعائلته وبعض الشخصيات البارزة في النظام، فضلاً عن حظر الطيران التجاري على سوريا الذي فرضته الجامعة العربية، وهي أمور كلها بدأت تضغط سياسيّاً على النظام وتدفعه إلى تقديم تنازلات، ولاسيما في ظل التقارير الموثوقة التي تشير إلى مغادرة رجال الأعمال الذين وقفوا إلى جانب النظام ودافعوا عنه للبلاد خوفاً على مصالحهم وأموالهم.

والأمر لا يقتصر فقط على طبقة رجال الأعمال وأصحاب المصالح، بل لقد امتد التوتر والخوف إلى عناصر بارزة داخل النظام السياسي والأمني مع وجود أنباء عن انشقاقات محتملة في الصفوف الأمامية للنظام، وربما تكون تلك الانشقاقات أكثر وضوحاً في سلك كبار الضباط المسيطرين على النظام الأمني والمنحدرين من الطائفة العلوية في ظل وجهات النظر المختلفة للتعامل مع الأزمة وسبل إخماد الانتفاضة الشعبية، بل حتى بشأن كيفية ضمان مصالح الطائفة العلوية وحماية وجودها.

ولكن على رغم هذه المخاوف داخل النظام تبقى الحقيقة أن نسبة الانشقاقات الفعلية وعمليات المغادرة والهروب من سفينة النظام قليلة حتى هذه اللحظة ولا يمكن التعويل عليها لإحداث اختراق حقيقي في سير الأمور، كما أن تحفظ كل من العراق ولبنان على الانضمام إلى الجامعة العربية في فرض العقوبات وتشديد الضغوط على النظام، وتخوف الأردن من تداعيات تلك العقوبات على اقتصاده المرتبط جغرافيّاً بسوريا قد لا يعجل بظهور نتائج العقوبات الاقتصادية على النظام السوري، وهو ما يرجعنا مرة أخرى إلى المجتمع الدولي من خلال هيئاته الرسمية وضرورة تضافر جهوده لتنسيق العقوبات والتحركات السياسية التي لاشك أنها ستكون مؤلمة أكثر للنظام في دمشق.

وحتى يبدي مجلس الأمن فعالية أكبر في التعامل مع الأزمة السورية عليه صياغة قرار وفق البند السابع لميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح اتخاذ إجراءات عسكرية، أو غير عسكرية "لاستعادة السلم والأمن الدوليين"، على أن يرتكز القرار على أهداف محددة: المطالبة بوقف فوري للعنف، وضمان حماية المدنيين، وفتح سوريا أمام دخول الشهود لنقل ما يجري داخل البلاد، وممارسة ضغوط على من يساند النظام، كما يتعين على القرار إدماج الإجراءات التي تضمنتها توصيات الجامعة العربية ولجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، كما أن عليه، في نظري، إحالة ملف الرئيس الأسد وعناصر مهمة من جهازه الأمني إلى محكمة الجنايات الدولية لمسؤوليتهم المباشرة، أو غير المباشرة، على الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان كما وثقها تقرير مجلس حقوق الإنسان.

وأخيراً فإن عمليات إطلاق النار والقتل التي تعرض لها المدنيون السوريون من قبل الجيش وهم يفرون عبر الحدود إلى الدول المجاورة تعزز مطلب إقامة مناطق إنسانية، أو ممرات آمنة تحمي المدنيين، ولأن المعارضة الروسية والصينية من شأنها نسف مثل هذا القرار فإنه يتعين على الدول العربية الرئيسية، وإلى جانبها الولايات المتحدة وأوروبا، تكثيف الحوار مع هذين البلدين وعدم إغفال المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لموسكو وبكين في سوريا وتهدئة مخاوفهما بهذا الشأن.

وعلى الدول العربية بشكل خاص البحث عن سبل الاستجابة لتلك المصالح وفي الوقت نفسه التحذير من خطورة الوضع على الشرق الأوسط في حال استمرت روسيا والصين في تعنتهما.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تنجح المبادرة العربية في سوريا؟  .. د. رضوان السيد

الاتحاد

تاريخ النشر: الأحد 18 ديسمبر 2011

كنتُ أَكتب عن التوقُّعات التي يستشرفُها الجميع من وراء اجتماع الجامعة العربية بالقاهرة بشأن سوريا يوم السبت 17 ديسمبر. وكانت الأمور قد تعقدت بين النظام السوري والجامعة العربية كما هو معروف، وتحولت إلى لعبة شروط وشروط مُضادّة. وعندما انتظر الجميع أن تُصدر اللجنة الوزارية العربية قرارها النهائي الذي تُعلنُ فيه نجاح المفاوضات أو فشَلَها، وكان إعلان الفشل وزيادة العقوبات هو المُرجَّح، أصدر الأمين العام للجامعة بيانه المشهور، والذي يعلنُ فيه تأجيلَ اجتماع الجامعة وقرارها إلى يوم السبت 17 ديسمبر. ولأني كنتُ وقتَها في الخليج، فقد سألْتُ وسُئلْت، وما كان لدى أحدٍ ممن قابلتُهم تفسيرٌ شافٍ لذاك التأجيل دونما إظهار قلقٍ كبير(!). وقد عنى ذلك أنّ هناك قُطبة مخْفيّة كما يقال، وبخاصةٍ أنّ أعضاء المجلس الوطني الذين سألتُهم مُرتاعاً ما أَبْدَوا قلقاً كبيراً بل قال بعضهم لي إنّ الهيئة العامة للمجلس الوطني سوف تجتمع بتونس بين يومي 16 و18 ديسمبر، وهو اجتماعُها الأول، لتخرُجَ ببرنامجها الوطني للتغيير. أقبلْتُ على الكتابة إذن تعبيراً عن هذه الحيرة، واستشرافاً للتوقُّعات يوم السبت وما بعده؛ فإذا بالروس يتقدمون بمشروعهم حول سوريا إلى مجلس الأمن يومَ الخميس الماضي. ومما تسرب من المشروع المفاجئ لنا نحن المعلّقين على الأقلّ، أدركْتُ لماذا رحَّب به الفرنسيون بحرارة. فطوال الأيام الماضية، كان الروس والفرنسيون يتجادلون عَلَناً بشأن سوريا. يقول الفرنسيون الساخطون على مَنْع روسيا والصين للعالم الغربي من اتخاذ قرار بمجلس الأمن يُدين العنف الذي يمارسُهُ النظامُ السوري: إنّ الموقف الروسي غير أخلاقي، لأنه لا يهتمُّ للعنف الهائل الذي يمارسُهُ النظامُ على شعبه. ويقول الروس: بل إنّ الموقف الفرنسي والأميركي هو اللاأخلاقي، لأنه لا يقبلُ إدانة العنف بطريقةٍ متوازنة، أي من النظام السوري ومعارضيه! بيد أنّ الروس ظلُّوا يقولون دائماً إنهم مع المبادرة العربية، وإنّ حلَّ الأزمة يتطلب حواراً بين سائر الأطراف. والمشروع الروسي أو ما تسرَّب منه يُدينُ العنف من سائر الأطراف، لكنه يُدينُ أكثر العنف غير المتكافئ الذي يُمارسُهُ النظام على مُعارضيه. وهو يدعو إلى وقْف العنف فوراً، ومسارعة النظام إلى إجراء إصلاحات حقيقية، وإجراء حوار وطني. أمّا خريطةُ الطريق لبلوغ ذلك فيعتبرها الروس، كما قالوا دائماً، مبادرة الجامعة العربية ببنودها المعروفة. وهذا يعني أنّ الجامعة كانت على عِلْمٍ بالخطوة الروسية أو أنها تشاورت مع الروس عليها، لذلك أعْطت المُهْلَةَ، وأجَّلت الاجتماع، لكي يُقنع الروس النظام السوريَّ بقبول المبادرة العربية. ويبدو أنّ الجانب الروسيَّ ما استطاع إقناع الجانب السوري فوفى للعرب بوعده، وتقدم بمشروع القرار المذكور إلى مجلس الأمن. وقد جاء في آخِر الأخبار ليل الخميس 15 ديسمبر أنّ النظام السوري أرسل فاروق الشرع نائب الرئيس للاجتماع بوزير الخارجية الروسي.

ما الذي سوف يحصل الآن، أو بعد أن تُصبح المبادرةُ العربية -ومن ضمنها إيقاف العنف وإرسال المراقبين- قراراً دولياً؟ أول ما سيحصل فيما يبدو تأجيل اجتماع الجامعة لحين صدور القرار مطلع الأُسبوع المقبل، وحينها يكون المجلس الوطني السوري قد وضع برنامجه للتفاوُض وليس للحوار. فإذا وافق النظام السوري على المبادرة، فسيمضي المراقبون العرب إلى دمشق، ويمكن أن يكونَ معهم مراقبون دوليون هذه المرة. وإذا تمت الإجراءات الأُولى، وصار المتظاهرون يخرجون إلى الشارع بدون مواجهةٍ بالرصاص، فإنّ التفاوُض على خطوات البرنامج الإصلاحي يمكن أن يجري بالجامعة العربية، وتتشكّل حكومةُ وفاقٍ وطني لتنفيذ البرنامج الإصلاحي الذي يجري الاتفاق عليه بالجامعة.

أمّا إذا لم يوافق النظام السوري على القرار والمبادرة أو عمد إلى المماطلة وزيادة العنف، فإن مجلس الأمن سيجتمع مرةً أُخرى ويفرض عقوبات، ويتخذ قراراً بشأن حماية المدنيين السوريين عبر الملاذات الآمنة وحَظْر الطيران. وفي المدى المنظور ربما يظلُّ من غير الممكن إقرار التدخُّل العسكري لإسقاط النظام.

لماذا وافق الروس أخيراً؟ كانت للروس ولا تزال مصالح استراتيجية بسوريا، وما كان من المتوقَّع أن يتخلَّوا عنها بسهولةٍ وبدون صفقةٍ مع الولايات المتحدة. وعندما كنا نقابل دبلوماسييهم كانوا يقولون لنا: إن بينهم وبين الولايات المتحدة الكثير من مناطق الصِدام في سوريا والمنطقة والعالَم. فكما تعتبر الولايات المتحدةُ سياساتها تجاه سوريا جزءاً من استراتيجيتها الشاملة بالمنطقة والعالم، فكذلك روسيا. وكنا نقول: إن هذا الأمر غير منطقي، لأن الشعب السوري لا يستطيع الانتظار حتى تتفقوا مع الولايات المتحدة على كل القضايا العالقة، وأن لدى الدول الكبرى ذات الحق في الفيتو بالمجلس مسؤوليات تجاه الأمن الدولي، والحالة في سوريا تهدد هذا الأمن. ثم حصلت الانتخابات النيابية الروسية في 4 ديسمبر، فخرج منها الحزب الحاكم فائزاً، لكنه مُثْخن بالجراح. فأرسل الروس مبعوثاً إلى سوريا يوم 5 ديسمبر، وما أُعلن الكثير عما جرى من محادثات، إنما المفهوم أن الروس طالبوا الرئيس السوري بوقف العنف، والدخول في الإصلاحات. وأعاد الروس الاتصال مع المجموعة العربية، ويبدو أنهم اتفقوا معهم على هذا السيناريو الذي تحققت الخطوة الأُولى فيه، وستتلو ذلك بالطبع خطوات. والروسي كما حصل معه اتصال من جانب العرب، لا شكّ أنه حصلت معه اتصالات من جانب الأميركيين الذين سارعوا أيضاً للترحيب بمبادرة روسيا الجديدة. ومن الصعب الحديث عن صفقة تمت أو لم تتم، لكن توافقاً من نوع ما قد تحقق مع الأميركيين، وربما جرى فيه تجاوُز الفرنسيين الذين كانوا ولا يزالون ساخطين على الروس حتى يوم الخميس الماضي، بينما كان الأميركيون ساكتين وكأنهم غير معنيين!

لقد أظهرت الأزمة عدة أمورٍ، أولها أن العرب كانوا ولا يزالون هم الأحرَص على أمن الشعب السوري وأمانه، وعلى دور سوريا في المنطقة. وثانيها أن الروس والإيرانيين و"حزب الله" وحكومة المالكي بالعراق، وحكومة ميقاتي بلبنان، ظلوا مع النظام السوري، وما فتَّ في عضُدهم القتل الذريع الجاري. لذلك فقد راهن هؤلاء على صمود النظام، كما راهنوا على أن الروس لن يغيروا موقفهم، ويكونون هم الذين يدفعون بالقضية إلى مجلس الأمن! وهذا يعني أنّ الدوليين -ومن ضمنهم روسيا- سوف تبدو فعاليتهم في إدارة الأزمة أكثر الآن. وثالثاً أنّ استقرار النظام السوري وبقاءه ما كان مؤسَّساً على رضا الشعب السوري عنه، بل على العلاقات الدولية والإقليمية. وها هي تلك العلاقات تتقطع أو تنقلب ضده، وقد خرج خالي الوفاض من الوظائف والتكليفات. ورابعها أن أي ترتيبات تحصُل بالمنطقة بعد رحيل النظام أو تغيره سيستفيد منها العراق ولبنان والأردن وتركيا، لأنّ وظائف النظام كانت تعني إيذاءً بسائر تلك الدول، وابتزازاً لها. وخامسها أن الإيرانيين سوف يتضررون ومعهم "حزب الله" بالطبع، والمالكي وحكومته، وهم لن يسلموا بذلك بسهولة، وإنما بعد جهد ومماحكات ونزاعات، وكثير من الاجتماعات والنقاشات. لقد انهار النظام السوري ونحن نشهد تداعياته، وستستمر هذه التداعيات إن لم يحدث سلام بالمنطقة عطلته إسرائيل حتى الآن.

إنها نضالات الشعب السوري ودماؤه التي أنتجت هذا القَدْر من الاهتمام وتقع على عاتق المجلس الوطني الآن مهام كبرى لإعادة ترميم الخراب الذي يعيش النظام على أنقاضه، وإحداث التحول الديمقراطي من أجل وحدة الناس وحرياتهم واستقرارهم وصَون مصالحهم الوطنية والقومية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بشار والمنفى.... علي حماده

النهار

2011-12-18

قد يكون الاقتراح الذي أدلى به الرئيس التونسي الجديد المنصف المرزوقي قبل يومين بايجاد حل سلمي للازمة في سوريا تقضي بأن يتنحى بشار الاسد عن منصبه، على ان يتم تأمين اللجوء له ولعائلته ولمن يرغب ربما الى روسيا الاتحادية او روسيا البيضاء - قد يكون الاقتراح جيدا وعلى بشار الاسد والعائلة والبطانة ان يلتقطوا الفرص الاخيرة المتبقية للخروج من البلاد احياء. فالحق يقال ان لا مستقبل لآل الاسد على ارض سوريا بعد مرور اربعة عقود على اقامة جمهورية حافظ الاسد" التي وصفها ذات يوم اول الشهداء كمال جنبلاط ب"السجن العربي الكبير". لا مستقبل لآل الاسد لأن الفرص الذهبية التي منحت للابن منذ ان اورثه ابوه البلاد لا تعد ولا تحصى، وقد جرى تفويتها كلها واحدة بعد الاخرى بطريقة غريبة. فبدءا من لبنان عندما خاض بشار في خريف 2004 حرب التمديد للرئيس السابق اميل لحود ضد كل اللبنانيين، حتى ضد أقرب الحلفاء، ثم تورط في مسلسل الاغتيالات : خسر بشار الاسد لبنان وصارت العلاقة معه عبئا على الحلفاء قبل الخصوم. ومع اننا اخطأنا يوم جزمنا مع وصول نيكولا ساركوزي الى الرئاسة في فرنسا خلفا لجاك شيراك بأنه سوف ينطلق في مقاربته للعلاقة مع النظام في سوريا ولنظرته الى بشار الاسد من حيث انتهى سلفه، بمعنى انه سيكمل المنهج المتصلب ازاءه، فقد تبين بعد عامين ان ساركوزي الذي فتح للاسد الابن ابواب اوروبا على مصراعيها عاد ليتبنى الموقف الاكثر تصلبا وتطرفا ضد بشار، وخصوصا عندما اكتشف وحشية النظام في التعامل مع المواطنين السوريين العزّل.

بدّد بشار الاسد فرصا ذهبية مع العرب. كان ذلك في بداية عهده حيث اعتبر رئيسا واعدا، ثم بنهاية 2009 عندما انطلق العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز بمصالحات عربية، فتح ابواب التعاون والتنسيق مع بشار الاسد في العراق ولبنان، فخانه الاخير في الانتخابات العراقية وناصر الايرانيين فجيء بنوري المالكي رئيسا للوزراء بعدما كان الوعد ان يكون اياد علاوي من يتبوأ المنصب. اما في لبنان مكان ما سمي مشروع "السين – سين" الذي اضطر بموجبه سعد الحريري ان يزور قاتل والده في دمشق ويصافحه، ثم ينام في أحد اجنحة "قصر الشعب " الذي بناه رفيق الحريري واهداه لحافظ الاسد في التسعينات من القرن الماضي اي قبل ان يقتلوه.

لقد قيل الكثير في بشار الاسد، وفي سيكولوجيا "ضياع المُلك"، وقيل الكثير في سيكولوجيا البديل التي عانى بسببها ردحا من الزمن: اختير بديلا من اخيه باسل، وثم رئيسا بديلا برحيل والده. في المرة الاولى قارنوه بباسل، وفي المرة الثانية بحافظ الاسد! عام 2000 ورث سوريا ولبنان معا، وفي 2005 اخرجته دماء رفيق الحريري من بلاد الارز. اما اليوم فإنه يهم بالخروج من سوريا نفسها، ولسوف يخرج منها.

ان اقتراح المرزوقي معتدل ومعقول، وان من غير الجائز حرمان الشعب السوري الحق في ملاحقة قتلة الاطفال اينما حلّوا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

متى يسقط نظام الأسد؟!  .. ياسر الزعاترة

الدستور

18-12-2011

لعل أكثر سؤال يواجهك ككاتب سياسي أينما ذهبت هو ذلك المتعلق بنظام الأسد وتوقيت انهياره، وهو سؤال تصعب الإجابة عليه على نحو جازم بسبب جملة من الاعتبارات لعل أهمها استحالة الجزم بطريقة انهيار الأنظمة الأمنية المغلقة، إذ يمكن أن تنهار بين عشية وضحاها، فيما يمكن أن تصمد لزمن أطول تبعا لتماسكها الداخلي، وبسبب قابليتها لممارسة أقصى درجات البطش التي تبث الرعب في صفوف الجماهير وتحول دون نزول أكبر عدد منهم إلى الشوارع على نحو يزلزل أركان النخبة الحاكمة، لكن لحظة السقوط تبقى ممكنة بين يوم وآخر، وقد قيل الكثير عن معركة طرابلس في حالة النظام الليبي، وإذ بها تنهار في زمن أسرع مما توقع الجميع.

الأهم من البعد الأمني في الحالة السورية هي استناد النظام إلى دعم الأقليات كما ذهب السيد نصر الله في إحدى “تجلياته” المؤسفة، إلى جانب سيطرة شبه مطلقة لتلك الأقليات (تحديدا العلوية) على الجيش والأجهزة الأمنية، وشعورها بأن مستقبلها مرهون ببقاء النظام (مستقبلها كقوة مسيطرة وليس مستقبل أبنائها كمواطنين، لأن الثورة السورية لن تتورط في عمليات انتقام في حال انتصارها).

على أن ذلك لا يلغي حقيقة باتت أكثر من واضحة تتمثل في أن غالبية السوريين لم يعودوا يريدون النظام بأي حال من الأحوال، وهم يلعنونه آناء الليل وأطراف النهار، سواءً فعلوا ذلك بصمت، أم بطرق أخرى، والأهم من ذلك أن الثوار السوريين ورغم ارتفاع حدة البطش ليسوا في وارد التراجع بأي حال.

هذا ما تقوله الأحداث اليومية التي نتابع جزءًا منها في وسائل الإعلام، خلافا لما يزعمه النظام من أنها تتعرض للكثير من التضخيم عبر “وسائل الإعلام المعادية”، لاسيما أن جزءًا أسياسيا من المشهد بات يُنقل من خلال صحفيين أجانب يتسللون خفية ويتابعون الأحداث عن قرب.

من المؤكد أن الحرب الأهلية لا تزال خطرا ماثلا أمام الأعين، وأن العسكرة باتت خيارا مفضلا لفريق من السوريين ممن ملوا بقاء النظام وسياسة القتل والاعتقال والتعذيب بالتقسيط. بل إن دولا ومحاور لا زالت تدعمها لاعتبارات مختلفة. لكن المواقف الجديدة التي باتت سائدة في أوساط المعارضة لم تعد تميل لذلك الخيار الذي دعمته لبعض الوقت في خطابها، وأقله سكتت عليه أو شجعته من طرف خفي.

في هذا السياق جاءت “بروفا” العصيان المدني الذي نفذته العديد من المدن بشكل ناجح، وهو “بروفا” بالغة الأهمية وأثبتت نجاحا أكبر بكثير من المتوقع، ولنتخيل حجم الجرأة والشجاعة التي أبداها المضربون في تلك المدن في ظل سطوة الجيش والشبيحة، واستهدافهم لمحلات المضربين وممتلكاتهم، بل ولشخوصهم وعائلاتهم أيضا.

كل ذلك يؤكد تنامي شعور الناس باقتراب سقوط النظام وحاجتهم بالتالي إلى مزيد من التصعيد من أجل الوصول إلى الهدف النهائي، وربما قناعتهم بأن دفع الأمور نحو العصيان المدني الشامل أو شبه الشامل قد بات ممكنا إلى حد كبير، ولا شك أن ذلك سيدفع بعض المرتمين في حضن النظام، وبعض المحسوبين عليه إلى إعادة حساباتهم وتركه يسقط من دون التورط في حرب أهلية سيكونون هم أكثر من سيكتوي بنارها.

وحين ينأى بشار الأسد بنفسه عن آلة القتل في مقابلته (المفبركة!!) مع محطة “إي بي سي”، ففي ذلك ما يشير إلى شعوره هو شخصيا باقتراب النهاية، وأقله بتصاعد احتمالاتها، الأمر الذي سيدفع بعض أركان نظامه إلى تفضيل السقوط المدني على التورط في حرب أهلية ستجعل مصيرهم بعدها سيئا، حتى لو كان حجم الضحايا كبيرا في صفوف الثوار ومؤيديهم.

في ضوء ذلك تبدو تجربة العصيان المدني في محاولتها الأولى بالغة الأهمية، وهي تشير بدورها إلى إمكانية تحقيق نجاحات متوالية وصولا إلى الانتصار الأكبر، لاسيما أن قدرة النظام على استمرار ضبط دمشق وحلب لن تتواصل، مع العلم أن أزلام النظام وأبواقه هم وحدهم من يروجون حكاية أن المدينتين غير مقتنعتين بالثورة، في حين يعلم المنصفون أنهما تعيشان حالة رعب استثنائية بسبب تركيز الأمن والشبيحة المفرط عليهما.

انتصار الثورة السورية بعد كل الذي جرى لم يعد أمرا قابلا للنقاش، مع أن تأييدنا لا يستند إلى ذلك، وإنما إلى أسس مبدأية يجهلها أصحاب القلوب المغلقة التي لا تعرف لغة القيم والمبادئ وكرامة البشر، ولذلك لا بأس من التصعيد المتدرج وابتكار وسائل جديدة في التصعيد ودفع المترددين إلى الانخراط في الثورة حتى العصيان المدني الشامل الذي سيطيح بالنظام.

بعد خمسة آلاف شهيد، ومئات الآلاف من المعتقلين والمعذبين لم يعد أمام بشار الأسد سوى الرحيل إذا أراد أن يتجنب مصير القذافي، وإذا ما ذهبت الأوضاع نحو الحرب الأهلية، فهو وحده ومن يصطفون معه في الداخل والخارج سيتحملون مسؤوليتها أمام الله والتاريخ، وأيضا أمام الشعب الذي سيعرف بدوره كيف يقتص منهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حوار مع مسؤول في النظام السوري  .. حسين الرواشدة

الدستور

18-12-2011

احد المسؤولين في النظام السوري خرج عن “حرجه” وقال لي بصراحة: سوريا تمضي نحو المجهول، ومن يتحمل مسؤولية ذلك هو النظام الذي ما زال يرفض ما قدمناه له من نصائح، ويصر على الخيار “العسكري” وعلى “وهم” ان ما يحدث في سوريا مؤامرة.. وليس “ثورة” لشعب يريد ان يتحرر من الظلم والاستعباد.

فاجأني الرجل الذي التقيته قبل مدة في عاصمة عربية بهذه المواقف، وقلت له: لدينا في الاردن من لا يزال يرى فيما يحدث في سوريا “مؤامرة” ويدافع بشراسة عن النظام فابتسم –بمرارة- وقال: ما يصلكم من اخبار عن “المأساة” التي يتعرض لها الشعب السوري لا يتجاوز 20% من الواقع، ولو سمح لوسائل الاعلام العالمية او لمراقبين محايدين ان يدخلوا الى المناطق الملتهبة لكان الامر مختلفا، والصدمة اشد، لكن -للاسف- ما زال البعض مقتنعا بالرواية التي يقدمها النظام فيما لا يوجد لدى “الناس” الا وسائل بسيطة لتصوير الاحداث ونقلها او احصاء عدد الشهداء او المعتقلين وغير ذلك من تفاصيل.

قلت له: ارجوك، ضعني في الصورة الحقيقية، هل ما يحدث مؤامرة؟ وهل هناك عصابات مسلحة؟ وما هي توقعاتك للمستقبل؟ اخذ الرجل نفسا عميقا وقال: منذ بداية الاحداث في “درعا” وما حصل من تجاوزات من قبل المسؤولين الامنيين ونحن نحاول مع “النظام” ان يتقدم خطوات عملية وحقيقية لارضاء الناس وتحقيق مطالبهم، قلنا للرئيس: اذهب الى انتخابات رئاسية مبكرة وستكون فرصة “انتخابك” مرة اخرى كبيرة، فرفض، قلنا له: اسحب القوات العسكرية من المدن والارياف، فرفض، نصحناه بان يحاسب المسؤولين الذين “قتلوا” الناس فقال لنا: لم يقدم ضد احدهم اي شكوى.. الآن نحن ندرك تماما ان النظام وصل الى طريق مسدود، وان كثيرا من المناطق اصبحت خارج السيطرة، وان الضحايا الذين يسقطون بالعشرات كل يوم يدفعون الناس الى الاصرار على الثورة.

اضاف: قبل شهور كانت نسبة المتعاطفين مع النظام تصل الى 40% معظمهم من “الاقليات” ومن الاغلبية السنية ايضا، اما الآن فقد تراجعت كثيرا وحتى المدن التي لم تخرج مثل دمشق وحلب اصبحت تغلي من الداخل، ربما ينتظرون اللحظة المناسبة للانضمام الى الثورة، وهذه اللحظة مرتبطة بموقف “الجيش” وما يمكن ان يحدث فيه من انشقاقات.. وهي –للعلم- تتصاعد بشكل متسارع وربما تسمع قريبا عن انشقاقات على المستوى السياسي، فلا احد في سوريا –حتى نحن المحسوبين على النظام- لديه اي امل بنهاية “الازمة” وفق حسابات النظام وتصوراته بل اننا بتنا مقتنعين تماما بان الطريق الذي يسير فيه النظام الان سيفضي بنا الى “المجهول” وبالتالي لا مصلحة لسوريا في الاستمرار بهذه المواجهة او المفاصلة واعتقد –قال الرجل- بان الرهان الآن على الشعب لا على النظام.

لم يُخف المسؤول “خوفه” من حرب اهلية لكنه اكد انه لا مصلحة للنظام فيها الآن، نظرا لما ستشكله من خطر عليه، كما ان الناس اكثر تماسكا وحذرا من التورط فيها، وفيما يتعلق بامكانية “التدويل” قال: هذا وارد، ولكن ليس في المدى القريب فالظروف الدولية لم تنضج بعد للتخدل مع تأكيده –دائما- على رفض هذا الخيار.

فهمت مما قاله المسؤول ان النظام اوشك ان يفقد تأييد اغلبية السوريين. وحتى “المتعاطفون” معه تراجعوا فيما بقي المقربون منه والمستفيدون من بقاء الوضع على مواقفهم، اما خوفا منه او انتظارا لما ستؤول اليه الاحداث مستقبلا، كما فهمت منه ان احدا لا يستطيع الآن ان يدافع عن النظام، وان الوجوه القليلة التي نراها ونسمعها على الشاشات تتحدث باسمه هي كل ما يستطيع ان يقدمه بعد ان نأى اغلبية “المؤيدين” له سابقا عن هذا الطابق المخجل.. قلت في نفسي: يا ليت اخواننا من جماعة “المؤامرة” يسمعون ويعتبرون ايضا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دمشق ووهم الحماية الخارجية .. عبدالله إسكندر

الأحد, 18 ديسيمبر 2011

الحياة

أسقط تبدل الموقف الروسي من الوضع السوري وهماً، أو ادعاء وهم، لدى السلطات في دمشق مفاده أنها تستند إلى جبهة من الأصدقاء الخارجيين قوية ولا تتغير. بما يتيح لها الاستمرار في تكرار روايتها عن الاحتجاجات وطريقتها في معالجتها، ويحميها من قرار دولي في الوقت نفسه.

المهم في الموقف الروسي الجديد أنه ارتبط بدوافع وأسباب روسية بحتة (قبول عضوية موسكو في المنظمة العالمية للتجارة وتمتين علاقاتها الأوروبية عبر دعم منطقة اليورو ب10 بلايين دولار إضافة إلى الوضع الداخلي الروسي موضع الانتقاد بعد الانتخابات البرلمانية)، كما أنه ارتبط بحجم الارتكابات ضد المتظاهرين في سورية (خصوصاً تقريري نافي بيلاي أمام مجلس الأمن ومنظمة هيومن رايتس ووتش). بكلام آخر، لم يحصل التبدل الروسي في إطار الصداقة الأبدية والدفاع الأعمى عن السلطات السورية كما تحاول دمشق أن تشيع عن علاقاتها الخارجية.

صحيح أن الموقف الروسي الجديد لم يصل إلى حدود تبني وجهة نظر المعارضة ومطالبها، لكن الأساسي فيه أنه قابل للتبدل استناداً إلى رواية جديدة وليس رواية النظام وحده. بما يضعه على سكة جديدة ليست تلك التي سلكها حتى الآن. أي أنه قابل للتوجه نحو فهم جديد للأزمة السورية وربما التقارب مع الموقف الأوروبي - الأميركي منها. بما يشكل خسارة أساسية للديبلوماسية السورية التي تعول على موقف روسي لا يحول ولا يزول، ويقود مواقف دول أخرى مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.

قد يكون الجدل في مجلس الأمن صعباً لدى مناقشة مشروع القرار الروسي، لكن المحور الدولي الذي راهنت عليه دمشق بدأ بالتصدع. أولاً، لجهة عدم التطابق مع الرواية السورية الرسمية. وثانياً، لجهة الحلول المقترحة. وهنا تكمن أهمية التشديد على عناصر المبادرة العربية في مشروع القرار الروسي، سواء لجهة المراقبين أو لجهة العقوبات.

هكذا يصبح المسعى السوري الرسمي لإدخال تعديلات على المبادرة العربية، بما يفرغها من مضمون حماية المدنيين وإخضاع هذه الحماية للرقابة، والسعي إلى كسب الوقت، ريثما يتم القضاء على الحركة الاحتجاجية، من العوامل المسهّلة لتدويل طالما رفضته موسكو في السابق. مع كل ما يعنيه ذلك من احتمالات لفرض هذه الحماية.

لقد أدى استمرار الحل الأمني في سورية إلى تصدع جبهة الحلفاء الدوليين، ربما بعدما أحرجهم اتساع الارتكابات وعمليات القتل التي وصلت إلى حدود الجرائم ضد الإنسانية بحسب وصف التقارير الدولية.

أما الرهان الرسمي السوري على جبهة الحلفاء الإقليميين، فإنه قد يصطدم أيضاً بالحسابات والمصالح الخاصة لكل من أطراف هذه الجبهة وقدرته على تحمل السلوك العنفي المحض الذي تعتمده السلطات في دمشق.

معلوم أن إيران تشكل العماد الأساسي لهذه الجبهة. ومعلوم أيضاً حجم الاستثمار الإيراني السياسي والاقتصادي في سورية. ونظراً إلى حجم هذا الاستثمار والحاجة الإيرانية إلى موقع على المتوسط مثل سورية (ومعها لبنان)، ستكون إيران معنية بإنقاذ هذا الرصيد، بغض النظر عن مآلات الحلول في سورية. وهذا ما يبدو أن طهران تحاول القيام به، خصوصاً في ظل إعلاناتها المتكررة عن وجوب الإصلاحات في سورية، وفي ظل معلومات عن الدفع في التعامل إيجابياً مع المبادرة العربية، ريثما تتبلور الأوضاع. وإذا كانت إيران ترغب في إنقاذ حليفها الاستراتيجي في دمشق، فإنها تعتمد سياسة براغماتية تسعى من خلالها إلى إنقاذ مصالحها واستثماراتها، وتعد نفسها للتأقلم، في حال وقوع أي مفاجأة. خصوصاً مع انهيار صدقية النظام واتساع حركة الاحتجاج وتنظيم المعارضة لصفوفها وخطابها السياسي.

أما بالنسبة إلى العراق ولبنان، طرفي الرهان في المعادلة الإقليمية، فهما يتشابهان عموماً لجهة التطابق مع الموقف الإيراني صاحب التأثير الفعلي على المستوى الرسمي في البلدين. إضافة إلى ذلك، تعارض قوى سياسية فاعلة في البلدين، انطلاقاً من انقسامات اجتماعية - طائفية، الموقف الرسمي من الوضع السوري، بما يجعل التأييد الكامل لدمشق مكلفاً على المستوى الداخلي.

في هذا المعنى يؤشر التبدل الروسي، ومعه الحسابات الإقليمية، إلى تصدع الجبهة التي راهنت عليها دمشق، إقليمياً ودولياً. فهل يعيد الحكم السوري قراءة هذه المعطيات ويعيد النظر في نهجه، مع بدء سقوط أوهام حمايته الخارجية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العقوبات الاقتصادية على سوريا وأثرها على الشعب السوري .. منذر خدام

الشرق الاوسط

18-12-2011

في إطار اهتمامي كباحث اقتصادي قمت بجولة على المصارف السورية والأجنبية العاملة في اللاذقية، ومراكز الصيرفة، وكذلك على أسواق سلع التجزئة ذات الصلة بحياة المواطنين السوريين، وقد لفت انتباهي مجموعة من الظواهر التي تؤشر بمجملها إلى ردود فعل السوريين على العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الجامعة العربية وتركيا ودول أخرى، على سوريا كنوع من الضغط على النظام السوري ليتراجع عن خياره الأمني في قمع الاحتجاجات الشعبية. لفت انتباهي، مثلا، أن القسم الذي يستقبل المودعين في مصرف الادخار خال تماما من المتعاملين، في حين كانت الصالة أمام نوافذ قسم السحب مزدحمة بهم. وعندما سألت البعض منهم عن سبب سحبهم لمدخراتهم أجاب قسم منهم بأنه يريد أمواله في بيته في متناول اليد، لأنه ليس واثقا من عدم تعرضها لمخاطر في حال بقيت في المصرف. وقسم آخر أجاب بلا تردد بأنه يريد تبديلها بعملة صعبة أو ذهب حفاظا على قيمتها.

تكاد تكون الصورة مقلوبة تقريبا تلك التي شاهدتها في أحد فروع المصارف الأجنبية، حيث المودعون كثر في حين تكاد تخلو نوافذ السحب من المتعاملين، والإجابة التي حصلت عليها عن سؤالي لبعض المتعاملين عن سبب تفضيله للبنوك الأجنبية على السورية لإيداع نقوده، هي أن أمواله تكون محفوظة أكثر، ويستطيع سحبها من الخارج، لكن مدير أحد الفروع التي زرتها سألته عن صحة ذلك، فأجاب «بأننا نعمل وفق القوانين السورية، وما ينطبق على البنوك السورية ينطبق علينا». هذا يعني أن الأموال المودعة في هذه البنوك لا يمكن سحبها أو تحويلها إلى أي جهة كانت إلا وفق القوانين السورية النافذة. ومن المعلوم أنه صدرت تعليمات لجميع البنوك الحكومية بإيقاف عمليات الإقراض لكل أنواع القروض حتى مطلع العام المقبل 2012، كإجراء احتياطي، إضافة إلى إجراء المراجعات والحسابات المصرفية المعتادة.

من جهة أخرى فإن أسواق الصيرفة الرسمية يقتصر عملها هذه الأيام على شراء العملات الصعبة فقط، وهي نادرة جدا، على عكس محلات الصيرفة غير الرسمية، فهي تشتري وتبيع العملات الصعبة لكن بأسعار عالية. فخلال نحو شهرين فقط قفز سعر بيع الدولار من نحو 46 ليرة سورية إلى أكثر من 60 ليرة سورية، بل خلال يومين فقط قفز سعره من نحو 57 ليرة سورية إلى 61 ليرة سورية في أسواق اللاذقية، وفي كل يوم يمر تنخفض قيمة العملة السورية إزاء الدولار وغيره من عملات التحويل الأخرى.

في أسواق سلع التجزئة يلفت الانتباه تزاحم الناس على شراء السلع الاستهلاكية، وخصوصا الغذائية منها، وذلك من أجل تخزينها. الجميع يتحدث بخوف من المجهول المقبل، وينسجون حوله قصصا، هي في الغالب الأعم حكايات مبالغ فيها، لكن الذعر هو الذعر الذي يدفع الناس إلى القيام بسلوكيات اقتصادية ضارة، خصوصا في غياب أي علامات على انفراج الأزمة التي تعصف بسوريا منذ تسعة أشهر. لقد أدى التزاحم المفرط على السلع الاستهلاكية خلال الأيام القليلة الماضية التي تلت صدور العقوبات العربية على سوريا، إلى ارتفاع أسعارها بصورة جنونية وغير مبررة، وقد ساهم بذلك غياب أي شبكة أمان حكومية، مما دفع التجار إلى استغلال الأوضاع ورفع أسعار سلعهم أيضا.

على صعيد الاقتصاد الكلي أشار أحد التقارير الاقتصادية الدولية إلى أن الاقتصاد السوري قد خسر نحو 27 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الماضية.

وبغض النظر عن دقة هذا الرقم، فإنه يمكن القول إن قطاع السياحة قد توقف بصورة شبه كاملة، وتأثرت نتيجة لذلك جميع الفروع والنشاطات الاقتصادية التكميلية، إضافة إلى ذلك فقد تراجع حجم التبادل التجاري الخارجي بنحو30 في المائة، بحسب بعض المصادر شبه الرسمية، وتقلص الادخار نتيجة ميل الناس للاكتناز، وتراجع بالتالي الاستثمار كثيرا، ليتوقف تقريبا في المشاريع المكثفة لرأس المال، في حين حافظ الاستثمار الحكومي على نشاط ملحوظ في مشاريع البنية التحتية، مثل الطرق والمواصلات. ويواجه قطاع النفط، إنتاجا وتسويقا واستثمارا، صعوبات حقيقية أثرت كثيرا على حصيلة النقد الأجنبي الذي كانت تجنيه الحكومة السورية من وراء تصديره، وأخذت السوق الداخلية لمنتجاته تعاني من تقلص نتيجة ضعف الإمدادات، فظهرت طوابير السيارات والمواطنين أمام مراكز توزيع الوقود. بكلام آخر ثمة ملامح أزمة اقتصادية حقيقية بدأت تظهر في سوريا وهي لن تستثني أحدا، مع أن العقوبات الاقتصادية المفروضة لا تزال في بدايتها، وهناك شك في جدية تطبيقها من قبل بعض الدول على الأقل في المدى القريب.

لقد قيل إن العقوبات الاقتصادية التي أقرتها جامعة الدول العربية وتركيا وغيرها من الدول الأوروبية، تم انتقاؤها بذكاء حتى لا تؤثر على الشعب السوري، وهذا قول مجاف للحقيقة، فلا توجد عقوبات موجهة وانتقائية الهدف في المجال الاقتصادي. إضافة إلى ذلك من المشكوك فيه أن ترغم العقوبات الاقتصادية النظام السوري على تغيير سلوكه ومواقفه تجاه الحركات الاحتجاجية الشعبية في بلاده، وهي عموما سلاح ذو حدين، فكما تؤثر على الطرف المفروضة عليه، فهي تؤثر على الطرف الآخر الذي يفرضها. من جهة أخرى لا يعرف في التاريخ المعاصر أن العقوبات الاقتصادية أسقطت نظاما، وخير مثال على ذلك العراق المجاور، بل الشعوب هي من تدفع الثمن دائما. هذا لا يعني أبدا أن النظام لن يتأثر بها مطلقا، على العكس تماما، فهو بدأ يتأثر فعلا. والتأثير للأسف ليس دائما سلبيا، بل له وجه إيجابي بالنسبة لنظام يشتغل كثير من رجالاته وحواشيه على التهريب والفساد. لقد بدأت تنشط كثيرا حركة التهريب بين سوريا والدول المجاورة، ليس فقط تلك المتعلقة بالسلع الاستهلاكية المنزلية، بل بتهريب النفط ورؤوس الأموال وغيرها. ثم ينبغي ألا ننسى أن خط سوريا على العراق وإيران مفتوح، وكذلك على لبنان، وهناك دول مثل روسيا لا تزال تقف إلى جانب النظام بقوة. وثمة خشية حقيقية من أن يوظف النظام قصة العقوبات الاقتصادية لصالحه لشد أزر مناصريه وجذب القوى الاجتماعية المترددة إلى جانبه، من خلال تحميل المعارضة والحراك الشعبي المسؤولية عن آثارها عليهم. ومع ذلك ثمة قوة رمزية للعقوبات الاقتصادية لا بد أن تولد مزيدا من الأسئلة لدى السوريين، خصوصا في الأسابيع المقبلة، إذا أصر النظام على نهجه الأمني في قمع انتفاضة شعبه في سبيل الحرية والكرامة والديمقراطية. الشعب السوري حقيقة لا يستحق كل هذه الامتحانات القاسية التي يعرضه لها نظامه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لو بقي القذافي وصدام فسيبقى الأسد  .. أسامة الرنتيسي

الغد الاردنية

18-12-2011

انفصل الشريكان الروسي والسوري كما توقعنا منذ مدة، وكما كانت الأحداث تظهر للمتابعين، حيث إن المقدمات غالباً ما تقود إلى النتائج، وروسيا لم تكن لتستطيع الصمود في وجه العالم أكثر من تسعة أشهر، تدافع فيها عن نظام الأسد بطريقة عمياء لا تعكس دبلوماسية أو ذكاء سياسياً عند دولة محسوبة في مصاف القوى الكبرى، ولكن آلة القمع التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً ألجمت الدب الروسي عن الكلام الذي كان يتحفنا به، إذ إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أصبح وكأنه ناطق رسمي للنظام الأسدي، يقدم المبررات لقتل الشعب السوري بدم بارد على يد الشبيحة وميليشيات الأمن، متذرعاً بوجود قوى مندسة وعصابات مسلحة وجراثيم خطيرة هي التي تقوم بجرائم ضد المواطنين العزل، ولم يقف الأمر عند لافروف، بل أصبحنا نشاهد على شاشات التلفزيون شبيحة إعلاميين روساً أكثر تشبيحاً من طالب إبراهيم وبسام أبوعبدالله وشريف شحادة، ولولا صعوبة الأسماء الروسية لذكرت عدداً منهم.

الانتخابات الروسية كشفت عورة الحزب الحاكم هناك بقيادة فلاديمير بوتين وصاحبه ميدفيديف، وهو ما أشار إلى احتمالية التصعيد الداخلي الروسي بالمظاهرات اعتراضاً على نتائج الانتخابات وعمليات التزوير التي شابتها، والغرب لم يكن ليقف متفرجاً إزاء ما يحدث في روسيا، بل بلغت انتقاداته إلى مديات بعيدة، حتى كانت المخاوف تصل إلى حد المطالبة بتحقيق دولي ومراقبة خارجية أو إعادة للانتخابات، وهو ما لا ترضاه الكرامة الروسية على نفسها.

في جميع الأحوال فإن التراجع الروسي عن الموقف المتصلب المنحاز إلى جانب القتل الذي يقوم به بشار الأسد ونظامه القمعي له علاقة من بعيد أو قريب بما حدث في موسكو أثناء الانتخابات وبعدها، ولعل صفقة دبلوماسية غير مباشرة تمت بين الغرب وروسيا لتقوم الأخيرة بتقديم مشروع قرار في مجلس الأمن ضد سورية مقابل الصمت عما جرى من تزوير وانتهاكات ديمقراطية صارخة هناك.

روسيا تقدمت بمشروع القرار المذكور إلى مجلس الأمن، وعلى الرغم من أنه لا يلبي طموحات الشعب السوري وتضحياته العتيدة على مر الأشهر العشرة الأخيرة، ولكنه يشكل نواة جيدة لتململ الدب الروسي وتصحيح بوصلته السياسية نحو المصالح الشعبية المستقبلية بين البلدين، وخصوصاً أن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أبدت ارتياحاً كبيراً وتفاعلاً معقولاً مع القرار الروسي شريطة إدخال تعديلات مناسبة عليه، بحيث لا يساوي بين الضحية والجلاد.

عيوب مشروع القرار الروسي كثيرة، فهو من جانب يدين العنف من جميع الأطراف، وبذلك يتساوى الشبيحة مع حمزة الخطيب وعلي فرزات وإبراهيم قاشوش وغيرهم، ومن جانب آخر لا يدع أي مجال لإقامة منطقة عازلة أو ممرات آمنة أو نحو ذلك، ومع كل هذا فهو جيد جداً من عدة نواحٍ؛ كالإشارة إلى انفصال المصالح الروسية الأسدية بالتدريج، وإمكانية إلقاء دول العالم بثقلها لتغيير صيغة القرار وإصداره بما يناسب الوضع على الأرض، وبالتالي يمكن أن نرى المحكمة الجنائية الدولية تقوم بدورها المنتظر في محاسبة المجرمين السوريين الذين وصل عددهم حسب المنظمات الدولية الرسمية إلى 74 مجرم حرب على أقل تقدير.

قلنا المقدمات تقود إلى النتائج، وروسيا من قبل وقفت مع صدام حسين ثم خذلته، ووقفت مع معمر القذافي ثم خذلته، ووقفت قبل ذلك مع سلوفودان ميلوزوفيتش ثم خذلته، ولن يكون بشار الأسد أحسن حالاً من غيره عند روسيا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تأييد الشارع السوري للمجلس الوطني ليس شيكا على بياض!! .. الطاهر إبراهيم

كاتب سوري

بينما يستعد أعضاء المجلس الوطني السوري للتوافد على تونس لعقد أول مؤتمر لهم ، تثور في الساحة السورية أسئلة كثيرة لم يستطع المجلس الوطني أن يجيب إلا على النذر اليسير منها. هذه الأجوبة لم تغط إلا أمورا جانبية، تاركة أسئلة كثيرة تدور في أذهان المتظاهرين السوريين من دون أجوبة داخل سورية وخارجها، قد تؤدي إلى مواقف يصعب على المجلس الوطني ببنيته الهشة أن يحتويها.

ففي مقابلة مع قناة الجزيرة في نشرة الساعة الحادية عشرة مساء بتوقيت مكة المكرمة يوم 15 كانون أول الجاري، وقد أشارت المذيعة إلى الكم الهائل من التحديات التي تواجه لقاء المجلس الوطني في تونس خصوصا مع انبثاق عدة جبهات سورية معارضة، أراد الدكتور "عماد الدين رشيد" أن يذكّر المشاهدين بأن الثورة السورية أيدت المجلس الوطني، كأنه يقول أن من يسعى ليكون معارضا سوريا عليه أن ينضوي داخل خيمة المجلس، الذي أيده الثوار عندما رفعوا لافتات تقول "المجلس الوطني يمثلني". وبدورنا نلفت نظر الدكتور"رشيد" والمجموعة التي ينتمي إليها في المجلس الوطني إلى عدة حقائق:

إن تأييد الثورة السورية للمجلس "ليست شيكا على بياض". فما لم يقم المجلس بما يجب عليه وما هو مطلوب منه من المهام كان متوقعا أن يقوم بها ويتصدى لها، فإن التفويض الممنوح له يصبح تفويضا لاغيا وإن الثوار سيفتشون على من يقوم بتلك المهام. وحتى الآن لم يشعر المتظاهرون بنتائج إيجابية من التحركات التي يقوم بها المجلس، إلا مقابلات تجريها هذه القناة أو تلك مع أعضاء في المجلس، لم تؤد إلى توقف القتل ولم تمنع الاعتقال.

مع أن أعضاء في المجلس الوطني حاولوا أن يشعروا محاوريهم في القنوات الفضائية أنهم الوحيدون على ساحة المعارضة السورية. إلا أن الواقع يقول غير ذلك، حيث إن أعداد المعارضين السوريين خارج المجلس الوطني أكثر بكثير من المنضوين في خيمة المجلس الوطني، لكن أعضاء في المجلس يرفضون الاعتراف بذلك .

نعيد إلى الأذهان أن مؤتمرات عدة للمعارضة السورية عقدت في تركيا وفي أوروبا، لم يفلح أي منها في أن يجعل للمعارضة السورية كيانا موحدا ينطق باسمها في مواجهة دول العالم. ما دعا جماعة من شباب معارضين أن يحاولوا تغطية الفجوة،فعملوا على تشكيل نواة مجلس وطني. وقبل أن يكتمل لهم البنيان فوجئوا بصخرة ألقيت في بحيرة المعارضة الساكنة تمثلت بقدوم شاب سوري اسمه "ضياء الدين دغمش" إلى أنقرة، حيث عقد مؤتمرا صحفيا أعلن فيه عن تأسيس مجلس وطني برئاسة البروفيسور "برهان غليون" يضم شخصيات من اتجاهات عدة. هذا الإعلان دفع مجموعة الشباب هذه التي أشرنا إليها آنفا إلى المسارعة بالإعلان من اسطنبول عن مجلس وطني يضم قرابة 70 عضوا. هذه المجموعة قامت بتزيين المجلس الجديد بشخصيات معارضة لها مكانتها على ساحة المعارضة خارج سورية، وذلك لتدفع عن نفسها صبغة المناطقية الضيقة.

لكن هذا الإعلان لم يقنع الشارع السوري المتظاهر بهذا المجلس، فلم يعلن تأييده له، ما دفع المجموعة إلى إجراء مباحثات شاقة خصوصا مع الإخوان المسلمين، الذين وافقوا على تقديم تنازلات مؤلمة في سبيل الوصول إلى مجلس معارض موحد باسم المجلس الوطني, ولسمعة الإخوان التاريخية فقد رفع المتظاهرون لافتات كتب فيها: "المجلس الوطني يمثلني".

خلال ثلاثة أشهر من عمر المجلس الوطني كانت خطواته تتعثر في أن يقوم بما هو مطلوب منه، إلا ما كان من ظهور أعضاء فيه بالتناوب على القنوات الفضائية للتعليق على أحداث تجري على الساحة السورية، هذه التعليقات وإن كانت مفيدة بعض الشيء، إلا أن الإنجاز على الساحة في سورية كان أبلغ من المقال.

نؤكد أن استكمال تكوين المجلس الوطني شابه نواقص عدة. منها أن معارضة الداخل ما تزال لم تنخرط بعد في المجلس الوطني، بسبب اعتراض أعضاء فيه على إدراجها إلا عدد محدود من معارضي الداخل. وهذا ما أشار إليه المعارض "عبد العزيز الخيّر" من القاهرة في حوار مع الجزيرة من أنهم مكثوا في القاهرة 12 يوما بانتظار قدوم أعضاء في المجلس الوطني إلى القاهرة للحوار تلبية لدعوة الأمين العام للجامعة العربية.

من الأمور التي فشل فيها المجلس الوطني هو عدم استيعابه لشخصيات هامة في المعارضة يعرفها الجميع ولا نريد أن نسميها. فقط نؤكد أن إدراج اسم شيخ الحقوقيين المعارض "هيثم المالح"، و"وليد البني" خريج معتقلات النظام واجه معارضة شديد من بعض مكونات المجلس الوطني. كما أن هناك فعاليات هامة لم تدرج أسماؤها في المجلس الوطني منها على سبيل المثال لا الحصر عدم تمثيل كتاب معارضين للنظام زادت مقالات بعضهم عن 600 مقالا في بيان ما كان يجري في سورية من قمع وتنكيل.

لم أتجن على المجلس الوطني عندما عنونت للمقال ب"تأييد الشارع السوري للمجلس الوطني ليس شيكا على بياض!". فهذا الناطق الإعلامي للثورة السورية في إدلب "علاء الدين يوسف يشكو للجزيرة مر الشكوى من تقصير المجلس الوطني في جمعة: "الجامعة العربية تقتلنا".

كما أن "عبد الباسط ساروت" بلبل الثورة وحارس مرمى الكرامة في حمص، وقد أصيب بطلقة كادت تؤدي لاغتياله أشاد بحماية الجيش السوري الحر للمتظاهرين. ثم وجه كلامه للمجلس الوطني بقوله: نحن أيدنا المجلس الوطني ونحن نسقطه، فعليه أن يقوم بما عليه.

يبقى أن أقول، ما لم يستدرك المجلس الوطني أخطاء وقعت في تشكيله، ولا يكتفي بالظهور على الفضائيات فقط ومقابلة الجهات الأجنبية، فإن الشعب السوري سيقول فيه ما قاله "علاء الدين يوسف" وما قاله "عبد الباسط ساروت".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنا رئيس ولست مالكاً للبلد  .. بدرالدين حسن قربي

في كلام قاله رفعت الأسد قبل قرابة شهر، نصح ابن أخيه بشار بنظامه المحتضِر أن يقول للشعب: أنا لست بخالقكم. وصلت رسالة العمّ لابن الأخ الذي اختار لها باعتباره الأفهم أن تكون بصيغة أخرى قالها للمذيعة الأمريكية الأشهر باربره وولترز في مقابلة له معها نُشرت قبيل أسبوع: أنا رئيس ولست مالكاً للبلد..!!

وهي مقولة زعمت الخارجية السورية بأنه تم تحريف مُراداتها، وبلغ الأمر بها أنها خرجت على الناس بمؤتمرين صحفيين في يوم واحد، لتزيل آثار ماقيل وترقيع السقطات والطبّات والاضطرابات التي بدت في المقابلة، ولاسيما أن ناطق الخارجية الأمريكية تعقيباً عليها، قال يومها: إما أن الأسد مجنون أو أنه لايعرف ماذا يجري حوله.

ومابين ماقاله العم بمثابة شاهد من أهلها، الذي يعني أن طبيعة العلاقة بين النظام وشعبه هي علاقة الآلهة بالعبيد والذي تعمل عليه كل أجهزة النظام وشبيحته لاستذلال الناس وإهانتهم وتعبيدهم، وبين ماقاله بشار الأسد أنه رئيس وليس مالكاً، نقف على أرصفة الكلمات نتبيّن معالمها وحقائقها.

فبشار الأسد هو رئيس للجمهورية ولكنه أخذها وراثة عن الذي خلّفه، والطريقة معروفة للجميع بما فيها تعديل دستورٍ خلال دقائق كان قد كتبه أبوه على عينه، ولكنه لم يتوقع غير المتوقع، فكان الذي كان.

هو الأمين العام لحزب البعث القائد للدولة والمجتمع والحاكم بأمره يعزّ من السوريين من يشاء ويذلّهم كما يشاء. وهو رئيس الجبهة الوطنية التقدمية بأحزابها الأراجوزية، والقائد العام للجيش والقوات المسلحة الذي أثبت قدرة متوحشة وقوة لم تكن معلومة في مواجهة الجماهير الثائرة، بتوجيهه مئات الدبابات تمور بين المدن السورية قصفاً وحصاراً ودماراً وخراباً للديار. وهو رئيس، وإنما أيضاً الكثير من أقاربه المكافحين وأصهاره المناضلين في مواقع رئيسة عسكرياً وأمنياً واقتصادياً وسياسياً وشفطاً وتشبيحاً ونهباً، ولديه سائل إعلام لاتنشر إلا مايريد. وأجهزة قمع متعددة ومختلفة تقتل وتضرب بيد من حديد، وترتكب من الجرائم ماترتكب ولايسأل فيها عن جرائمهم المجرمون.

هو رئيس وليس مالكاً للبلد، وإنما المعارضون عنده لهم حق الاختيار بين السجون والمنافي أو التخفي أو القبور، وأقلهم شيطان مريد متآمر يوهن نفسية الأمة كلها من المحيط إلى الخليج.

وباعتباره رئيساً وليس مالكاً للبلد، فإن صوره وعائلته في كل مدرسة وشارع ومؤسسة رغم أنه قد مزّق وكسّر وضرب بالأحذية منها الكثير، وهو أيضاً رئيس مجلس القضاء الأعلى لضمان العدل خيمة فوق السوريين تمنع عنهم الظلم والجور.

لسنا في موطن التشكيك بمقولة أنه رئيس ليس غير وتحريف مقاصده منها والعياذ بالله. ولسنا في وارد نفي أو تأكيد مزاعم التحريف مما كان بين الصبية العجوز وبشار الأسد خروجاً من الجدل وتصريحات العكّ السوري الرسمي، بل للتأكيد على تطابق الصفتين تماماً في الحالة السورية من حيث المضمون وإن اختلف المسمّى. فإن اعتمدنا أنه رئيس وفقط، فهو في الحقيقة رئيس بتاع كله، جمّع كل السلطات، واحتكرها بيد واحدة صوناً للحريات والديمقراطية وتحقيق العدالة، وهو ما لايحصل إلا في الأنظمة الديكتاتورية المتوحشة، والتي باتت من النماذج المنقرضة التي تختصر كل ما في الوطن أرضاً وشعباً وسلطة بشخص رئيسها، من مثل شعارات سوريا الأسد ومعاً إلى الأبد المنشورة في الشوارع والساحات، وعلى مداخل الوطن ومنافذه الدولية. وعليه، فهذه حقيقة مفهومية السوريين وقناعتهم من مخزونات أكثر من أربعين عاماً مع النظام الأسدي سواء كان رئيسه رئيساً أو مالكاً، ومن خفي عليه المشهد أو تغابى للتطنيش وفقدان الوعي للتعايش مع حقيقة معاناته وقهره وتعتيره، فإن مشهد المواطن المعارض والمعترض والمطالب بحريته وكرامته وهو يضرب ويعذّب ويقتل بتهمة التطاول على أسياده من آل الأسد، ومشاهد آلاف المتظاهرين وعشراتها من المواطنين بشكل دائم، وهتافاتهم سوريا لينا ومش لبيت الأسد، تكفيه وتكفي الباحث عن اللغز التوربيني في ثورة الياسمين السورية.

ماطلبه رفعت الأسد من ابن أخيه ليقول للسوريين: أنا لست بخالقكم، وماقاله بشار للسيدة والترز دون تحريف: أنا رئيساً ولست مالكاً، وما أثبتاه من تطابق الصفتين، يضعنا وجهاً لوجه أمام حقيقة الثورة السورية، بأنها ليست على مقاومة النظام وممانعته، وليست على دعمه لحزب الله وحماس وعلاقته بإبران، وليست على عدم تحريره الأرض السورية التي فرّط بها أبوه، وليست على طعام وشراب ومعاش، بل هي ثورةٌ لتحطيم أصنامِ نظامٍ يُراد فيه للسوريين أن يكونوا عبيداً، ولاسترداد حرية سليبة وكرامة مستباحة، وصداحهم الأبرز والأعلى في ساحات الثورة يؤكد الحقيقة: الموت ولا المذلّة، حرية للأبد غَصْب عنك ياأسد...!!

http://www.youtube.com/watch?feature=player_

detailpage&v=dyHj2QvXJBU

http://www.youtube.com/watch?v=2X4HLb7cLls

http://www.youtube.com/watch?feature=player_

detailpage&v=8eZxvbxwzz4

http://www.youtube.com/watch?feature=player_

detailpage&v=8jRDfnIbe34

http://www.youtube.com/watch?feature=player_

detailpage&v=QXYxMOxyJpk

http://www.youtube.com/watch?v=Nyco1BBU

93M&feature=youtu.be

http://www.youtube.com/watch?feature=player

_detailpage&v=-6Lv9bJdQWg

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"الاسد .. مرافعة أمام المحكمة الدولية "  .. سالم الفلاحات

Salem.falahat@hotmail.com

استمعت الدنيا كلها بالانجليزية والعربية ومعظم لغات العالم (للسيد الرئيس)في مقابلته الشهيرة قبل أيان على شبكة ABC مع الاعلامية (باربارا والترز) وكان يردد

 هل يقتل الرئيس شعبه ومن قتل شعبه شخص مجنون

والصحيح ان من يقتل شعبه ويستبيح اعراضهم ودماءهم ليس رئيسا لهم ... إنما هو رئيس لعصابة تنهبهم أو تقتلهم، وبسرعة يجب ان يخرج من بقي منهم حبا في مظاهرة لتحيي الرئيس وتشكره على مذابحه

وهكذا فعل والده في الثمانينيات فبعد أن دمر حماة وتدمر وجسر الشغور وغيرها وفعل أخوه رفعت ما فعل ، ألزم الذين كتب لهم البقاء –او الشهادة على الجريمة – جريمة العصر بان يخرجوا في حماة مظاهرة لتاييد الرئيس وخرجوا وصوروا ونشرت صورهم مع انه استكثر عددهم وظن أنهم ماتوا جميعا تذكرت قول المقنع الكندي اليمني من كندة وهو يقول عن قومه

ولا احمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

 

فالذي يحمل الحقد والضغائن على قومه وشعبه ليس لهم برئيس فما بالك بمن يحمل عليهم السلاح ويعمل فيهم آلته العسكرية الروسية والصينية وشبيحته قتلا وتدميرا وأما من يقطع عنهم وسائل الحياة من امن وماء وكهرباء وغذاء ودواء ويحاصرهم بدباباته التي حذفت الغرب من الاتجاهات الاربعة من قاموسها بسبب ( اسرائيل) منذ أربعة عقود ونيف الا لتدمير مدنها وقراها العربية المنكوبة فهل هو رئيس ؟ ولا يدري السامع كيف يفسر التبجح والكذب الصريح على الهواء امام الملا؟

وكل هذا البيدر من الجثث وهذه الزهرات الشبابية وهؤلاء الاطفال الذين يراهم الناس راي العين يقتلون في كل يوم هل هؤلاء سحروا اعين الناس واسترهبوهم وجاروا بسحر عظيم .

هل كل هذه المشاهد وكل هذه الشهادات من الناجين من المذبحة كلها خيالية !! وافتراء على نظام الرئيس ؟ وهل كل هذه التقارير الميدانية المصورة كلها خيالية ومختلقة والرئيس مطظلوم مستهدف ونظامه المنقذ هو هدف العالم كله اليوم

نعم لكل فرد او مجموعة أو حزب او هيئة او نظام خصم او عدو وهذا طبيعي وبدهي ولكن هل هذه العداوة والخصومة تبيح لك قتل شعبك وتدميره الذي صبر عليك وعلى عائلتك اكثر من أربعين عاما هي عمرظلم القذافي المقبور صديقك؟

ولا تحتاج لمزيد ذكاء لتدرك حال الرئيس المرتجف الممثل امام هذ الصحفية وكأنه يستشعر القضاة امامه وقد كتب له طول العمر ووقف امام المحكمة الدولية مخفورا مقهورا وماذا عليه ان يجيب فيتدرب على الانكار ويلجأ لطرق الغادرين الذين يعتصمون بالكذب ويمين الكذب، من اجل النجاة فيردد أنه ليس مسؤولا عن القتل، مع انه بحسب الدستور هو المسؤول الاول وقائد القوات المسلحة السورية وله الصلاحيات الواسعة .

ليس مسؤولا عن القتل مع انه رئيس الدولة وعلى مكونات الحكومة أن تتحمل مسؤولياتها فليس هو الذي يامر بالقتل

ولما افاق من نومه بعد المقابلة الشهيرة واكتشف أنه في سوريا لا زال وبين طاقم عصابته المتضامن معهم على الضراء والقتل، وعلموا انه بهذا يتخلى عنهم بدأ بإعادة انتاج شهادته فغير وحور والا لكانت نهايته على يد من تبرأم منهم ، ولا اظن الا ان الرسالة قد وصلتهم مع انه كان يداريه وهو لا يشعر ... وهو يحفظ انج سعد فقد هلك سعيد.

(( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب...))

صحيح في الانظمة المستبدة هناك من يسرق باسم الرئيس ولكن الرئيس يسرق

ويظلم باسم الرئيس والرئيس يظلم ويقتل باسم الرئيس والرئيس يقتل وإذ سئل أشار انها رغبة الرئيس واوامره حتى اذا دنت ساعة حساب له الشعب انفرط العقد بأسرع مما يتصور المقهورون وقال كل منهم ... نفسي...نفسي إنه هو المسؤول ولست انا بل هو...

هذا في لاالدنيا الفانية واما عدل الله ونقمته وثأره للمظلوم المكلوم فتلك حصتهم الباقية يوم لا ينفع حارس ولا حاجب ولا صاحب ولا منافق عند من لا تخفى عليه خافية

نعم إنك لست الرئيس لهذا الشعب

ولا بد ان يحكم الشعب نفسه ويتحرر من عبودية عقود وهي حقيقية واقعة اليوم او غدا ولو اختصرت الطريق على نفسك لكان أولى لك فاولى.

فهل قتل الرئيس ونظامه أحدا ؟

معاذ الله ... كيف يكون ذلك

بل هم قتلوا انفسهم وأولادهم

هذه هي الحقيقة فصدقوها...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"إنها لعبة يلعبها، هذا لايعني أنه يصدقها "  .. د.جهاد عبد العليم الفرا

كلمة تشي بالمخبوء، وتفضح المستور، وتفصح عن خبايا خبث نية وسوء طوية، وتكشف عن منهجية خداع ودجل وكذب وروغان، وتعري نظاما قائما على نشر الاكاذيب والاباطيل، وتميط اللثام عن وجه قبيح طالما حرص أن يزين نفسه "بمكياجات" " الصمود والتصدي " و " المقاومة والممانعة" و " الحرص على أمن الوطن والمواطنين" و" الحفاظ على أمن واستقرار وسيادة سوريا ووحدة أراضيها " و " وحدتها الوطنية" و" السير في نهج الإصلاح " و " محاربة الفساد والقضاء عليه " و " الاستجابة لمطالب المبادرة العربية في حل الازمة السورية" وحتى "وجود مندوب لسوريا في اروقة الامم المتحدة"

كل هذه ألاعيب يلعبها النظام الدموي في سوريا وهذا لايعني انه يصدقها وبالطبع طالما أنها كلمة أطلقها رأس نظام الفساد فهذا يجري على مندوب هذا النظام لدى الجامعة العربية، وسفراء هذا النظام المعتمدين لدى دول العالم وممثلي هذا النظام في المنظمات العربية والإقليمية والدولية كلها دمى يحركها هذا النظام والاعيب يلعب بها كيفما شاء وليس بالضرورة أن يصدقها مهما حاولت تزيين صورته البشعة أو تحسين مزاياه السيئة.

كل ادعاءات الإصلاح والقضاء على الفساد وإشاعة أجواء الحرية والتعددية بل وحتى انتخابات الإدارات المحلية التي شدد على إجرائها تحت قصف المدفعيات، وإطلاق الصواريخ، ورمي الرصاص، وحصار المدن وحرمانها من ابسط الخدمات وترويع أهلها وتجويعهم وقتلهم وتعذيبهم لتتم كما سيصورها ابواقه " بشفافية قل نظيرها في العالم" و " مشاركة واسعة من جماهير الشعب " ولتفرز من سيتابع مسيرة التطبيل والتزمير من زمرة النظام الفاسد للنظام الفاسد، كل ذلك لعبة يلعبها هذا النظام وليس بالضرورة أن يصدقها.

" إن الله لايصلح عمل المفسدين" فمن ورث الفساد، وتشرب بالفساد منذ نعومة مخالبه، ودأب على الفساد واستمرأ الفساد واستشرى الفساد في كل مفاصله ومكوناته وعم كيانه ومكنوناته هو نظام لايمكن ان يفهم مصطلح الإصلاح ناهيك عن تنفيذه أو السير في خطواته أو تطبيق منهجيته.

هي كلمة قالها سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام لسحرة فرعون وفرعون حاضر عندما ألقوا عصيهم وحبائلهم وسحروا اعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم كادوا أن يخدعوا الناس به أو ظنوا أنهم يستطيعون به تثبيت ربوبية فرعون الباطلة التي أعلنها على الملاء ونشرها زبانيته وجنوده أنه ربهم الأعلى وأنه ماعلم لهم من إله غيره تماما كما يفعل زبانية نظام الفساد والإفساد وجنوده في سوريا الجريحة " فلما ألقوا قال موسى ماجئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لايصلح عمل المفسدين" . فكل مايلفقه الملفقون ومايتكلفه المطبلون والمزمرون من عناء التلبيس والتدليس وتشويه الحقائق لم ولن ينطلي على أحد وسيواجهون الحقيقة وسينالون مصير المفسدين.

وأتبعها ربنا سبحانه وتعالى بقوله :" ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون" نعم فالمجرمون في كل زمان ومكان يكرهون الحق، ويبغضون الصواب ، ويحقدون على الإصلاح والمصلحين، ويجندون كل خسيس عديم الذمة والشرف والامانة والأخلاق متصف بعقد النقص كلها للترويج لفسادهم وتسويق باطلهم، يشرونه بثمن بخس ليرات معدودة ومناصب محدودة سرعان ماتزول . والفساد علة وجودهم ، وسبب استمرارهم ومطيتهم للتسلط والاستبداد، وهم ومن حولهم يظنون أنهم يصلحون وكم ينطبق عليهم كلام ربنا سبحانه وتعالى :" وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لايعلمون " والإجرام سجية من سجاياهم وصفة من صفاتهم وخلق ملازم لهم، وماتشهده سوريا من جرائم وحشية تقشعر لها الابدان ومجازر يندى لها جبين الإنسانية الصماء هو صورة للصراع بين الحق والباطل وبين الحرية والاستبداد وبين الظلم والعدل .

إن ثورة الشعب الأبي البطل في سوريا هي ثورة إحقاق الحق وإزهاق الباطل ثورة الحق والقوة والحرية يقدم فيها اروع أمثلة التضحية والفداء في العصر الحديث للقضاء على الفساد والظلم والقهر في سوريا العروبة والإسلام سوريا التاريخ والحاضر والمستقبل، ومهما افتعل نظام التلفيق والكذب والدجل من الاعيب يلعبها واباطيل يسوقها فلن يحرف بوصلة هذا الشعب عن مسارها الذي اعتمدته كل قوى هذا الشعب الخيرة من رجاله الاشاوس الشجعان وأبطاله الغر الميامين وهي إسقاط هذا النظام العفن الفاسد واستبداله بنظام تعددي ديموقراطي مدني يكفل لكل مواطن مواطنة كريمة وعيشة حرة . وهذه هي الحقيقة التي ترعب هذا النظام وتقض مضجعه وتجعله يعلم أن كل ألاعيبه لم تفلح في إبقائه وعندها سيضطر اضطرار الخاسر المهزوم أن يصدقها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إلى كلمة سواء بخصوص سورية  .. د. رحيّل غرايبة

العرب اليوم

يجب الاعتراف ابتداءً بان الحراك الشعبي في سورية احدث انقساماً في الساحة السياسية العربية عموماً والأردنية خصوصاً,وزادت حدة الانقسام حتى يكاد يكون شرخاً يهدد مسيرة الإصلاح ويعرقلها محليّاً وإقليمياً, وتطور الخلاف بشكل متصاعد من خلال التراشق الإعلامي, والمقابلات الفضائية والندوات السياسية, والمقالات الصحفية, ووصل الأمر الى المستوى الذي يبعث على القلق حتماً, اذا تحولت لغة الخطاب الى الاتهام بالتآمر والتعامل مع العدو, من خلال البحث عن كلمة هنا وهناك وتتبع العثرات وتكبير الأخطاء وعودة الى النبش المجتزأ في التاريخ بطريقة غير علمية ولا موضوعية.

من هنا لا بد من التفكير بإجراء حوارات هادئة في جو هادئ بعيداً عن التعصب والتزمت والتخندق واتخاذ المواقف الحادة, ومحاولة الخروج بموقف سياسي, يقف على المبادئ والقواعد العامة وثوابت العمل السياسي التي تنطلق من وحدة الوطن ووحدة الشعب, ووحدة القارب والسفينة التي نستقلها جميعاً, وأمور أخرى كثيرة مشتركة بيننا بكل تأكيد.

وفي هذا المجال يمكننا الاتفاق على مجموعة لا باس بها من قواعد منطقية, ونقاط مرجعية, تشكل أرضية مناسبة للحوار, وتشكل مرجعية للخلاف, في ظل النوايا الحسنة والجهود الوطنية المخلصة من اجل حل هذا الإشكال, ولذلك دعونا نتلمس بعض هذه القواعد.

أولاً: من حق الشعب السوري كما هو من حق جميع الشعوب العربية بلا استثناء إقامة الدولة المدنية الديمقراطية التي ترتكز على إعطاء الشعب السلطة الكاملة في اختيار الحكومات ومراقبتها ومحاسبتها.

ثانياً: الاعتراف ببدء مرحلة جديدة, تنتفي منها كل صفوف الاستبداد والانفراد بالحكم واحتكار السلطة, وانتهاء منهج الإقصاء والاعتراف بالتعددية وإرساء مبدأ تداول السلطة.

ثالثاً: المعارضة مهما كان لونها أو مذهبها أو اتجاهها الفكري هي جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الوطني, ومن حقها ممارسة حريتها الكاملة في التعبير السلمي عن آرائها وأفكارها, وبكل الوسائل الديمقراطية.

رابعاً: رفض التدخل الأجنبي بكل أشكاله في الشؤون الداخلية العربية, والسورية, وإبقاء الحل ضمن الإطار العربي.

خامساً: إدانة كل أنواع القتل والاعتداء وإراقة الدم الذي يجري في سورية من جميع الأطراف, وضد كل الأطراف الشعبية والرسمية, العسكرية والمدنية.

سادساً: السماح لوسائل الإعلام, ومؤسسات حقوق الإنسان والمراقبين العرب الدخول الى المدن والقرى السورية كافة والاطلاع على الحقائق كما هي, بلا تزوير أو مبالغة أو تهوين.

سابعاً: الاتفاق على ضرورة حماية الشعب السوري من الاعتداءات مهما كان مصدرها, والسماح بإدخال فرق الإغاثة والإسعاف والمستشفيات المتنقلة, لمداواة المصابين والجرحى.

ثامناً: السماح بالمظاهرات السلمية البعيدة عن العنف والتخريب والبعيدة عن العسكرة وحمل السلاح, وكل ما يؤدي الى الحرب الأهلية, وتمزيق المجتمع.

تاسعاً: الاتفاق على وحدة الأرض السورية, ومقاومة كل عوامل التقسيم والشرذمة لكل البلاد العربية.

عاشراً: الأوطان أكبر وأهم منّا جميعاً, أكبر من الأشخاص وأكبر من الأحزاب وأكبر من الجماعات وأكبر من الأنظمة, والأوطان باقية, وكل ما عليها إلى فناء.

الحادي عشر: التفريق بين المبادئ والأشخاص, والتفريق بين الأفكار والأنظمة, ويبقى الانحياز دوماً للمبدأ والفكرة.

الثاني عشر: الاتفاق على ميثاق وطني, يقوم على الثوابت السياسية, ويتكفل بإجراء الإصلاح الحقيقي الجذري الذي يلبي طموحات الشعب السوري بالحرية والكرامة والإرادة الشعبية الجامعة, ويحفظ حق الأقليات ويعترف بالتعددية, خلال مدة محددة, تحقن فيها دماء الشعب السوري, وتنتقل الى مرحلة الديمقراطية التي تكفل حق جميع مكونات الشعب السوري بلا استثناء.

إن مطالب الشعوب العربية في جميع أقطارها تكاد تكون واحدة أو متقاربة, لذلك ما نطالب به في مصر أو تونس أو الأردن, هو ما نطالب به في سورية, بلا تمييز, وما نرضاه لأنفسنا, نرضاه لغيرنا ويمكن أن يكون المدخل أو العنوان لنا جميعاً "إصلاح حقيقي بلا تدخل أجنبي". ثم بعد ذلك دعونا نضع النقاط على الحروف دون كيل للاتهامات, ودون تجريح ودون خروج على قواعد الحوار السياسي الوطني.

rohileghrb@yahoo.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فاجعة حمص برسم التخاذل .. نقولا زيدان

المستقبل

يدور سباق محموم بين الجامعة العربية من جهة والنظام السوري من جهة أخرى. فالمفاجأة التي طلعت بها الجامعة العربية بإلغاء اجتماع اللجنة الرباعية المعنية بمتابعة الوضع السوري الذي كان مقرراً عقده في الدوحة السبت في 10 كانون الأول الجاري الى يوم السبت في 17 في القاهرة، كان لها دوي الصاعقة. فقد كانت لها أصداء مخيفة في أوساط المعارضة السورية وقواها الحية الممثلة بالانتفاضة المستمرة منذ عدة شهور ضد النظام الأسدي الذي يمعن في المدن السورية قتلاً وقصفاً وتدميراً منظماً وسط حملات توقيف واعتقال عشرات الألوف من مختلف الفئات الشعبية.

ومرد تلك الأصداء المخيفة ما تقاطعت عليه معلومات وسائل الاعلام وما نقله المسافرون القادمون الى دول الجوار السوري عن الاستعدادات الضخمة التي يجريها نظام دمشق من تحشيدات هائلة من جنود ودبابات وآليات عسكرية تطوق مدينة حمص تمهيداً لاقتحامها وتحويلها الى انقاض وركام وأشلاء. ذلك ان معركة الرستن منذ أسابيع كانت المؤشر والإنذار الدموي لهذه المعركة الفاصلة الدائرة الآن.

ان النظام الأسدي الذي زعم أنه قبل بالمبادرة العربية نسف هذه المبادرة على مستويات ثلاثة:

الأول: يقبل نظام الأسد بالمبادرة العربية ضمن فهمه هو لهذه المبادرة، وقد جرى استبدال عبارة "شروط" بعبارة "فهم" وهذا يعني عملياً وفعلياً العودة الى نقطة الصفر أي بكل بساطة فرض الشروط الأسدية على أي تمرير للمبادرة كمقدمة لإلقائها في سلة المهملات.

الثاني: ضرورة إطلاع النظام الأسدي مسبقاً على عدد وأسماء المراقبين العرب وتدقيقه بملفاتهم الشخصية كل على حدة: لعله يأمل بأن يجرى تعيين عدد من حلفائه في لبنان والعراق والسودان.

الثالث: فور موافقة الجامعة على مضمون هذه المراسلات، يعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية وقف جميع التدابير والعقوبات المتخذة بحق النظام الأسدي، بل وجود اعتبارها باطلة من الأساس.

وهكذا في الوقت الذي كانت تجري فيه هذه المراسلات، المشبعة بالخداع والخبث والرياء والتلاعب، ويدور الهمس المجبول بالخزي والخذلان عن قبول النظام السوري المزعوم بالمبادرة العربية، هذا القبول الذي ينسف المبادرة برمتها، كان الرئيس الأسد يسدد ضربة أخرى لأية فرصة لوقف إراقة الدماء، وذلك في مقابلته الصحفية مع تلك المراسلة الأميركية. هو بكل صلافة ودم بارد لا يصرّ على متابعة حمّامات الدم في طول سوريا وعرضها فحسب بل يسعى للتلاعب بعقولنا والاستخفاف بنا. انه ليس مجنوناً ولا منفصلاً عن الواقع كما نعتته الخارجية الأميركية: انه يعي تماماً ما تجني يداه، ويدرك بالضبط ما يفعل، وهو ماضٍ في طريقه الغارق في بحر من الدماء. وليكن ما يكون.

ثمة حقيقة ماثلة أمامنا في تاريخ البشرية المعاصر، هي ان ما يجمع الأنظمة الديكتاتورية في مسار واحد ليس عبادة الفرد وخضوع السلطة ومؤسساتها لشخص واحد، وانه هو عبقري الدهور لم تلد نظيراً له الأمهات فحسب بل صمّام أمان البلد المسكين الذي يمسك به عن رغبته. فإن سقط فسيسقط معه العالم. فعندما كانت الدبابات السوفياتية قد أصبحت على مشارف برلين (فريدرشفيلده) وكانت آلاف المدافع تحوّل ما تبقى من العاصمة الألمانية الى ركام مشتعل (نهاية عام 1944) كان وزير الدعاية الألمانية جوزيف غوبلز يزرع أروقة المستشارية الهتلرية في باطن الأرض ويصرخ مولولاً: "اننا نسقط! فإن سقطنا سيسقط معنا العالم!".

ألا يذكّرنا هذا كثيراً بتهديدات الرئيس الأسد في تصريحاته الصحافية عندما يقول انه إذا جرى التعرض لنظامه فإن الشرق سيشتعل من بحر قزوين شمالاً حتى جزيرة العرب جنوباً"؟.

لكن ما جرى على أرض الواقع هو أن "غوبلز" انتحر تماماً كما انتحر "ادولف هتلر" وغالبية قادة النظام النازي الدموي الميامين. وخلافاً لتوقعات وصيحات "غوبلز" لم يسقط العالم. فلا الشرق الأوسط سيشتعل ولا جزيرة العرب ستهتز ولا الأهرامات ستزلزل.

جلّ ما سيحدث هو أن النظام الأسدي وحده هو الذي سيسقط، أما ما سيظل مشتعلاً فهو جذوة النضال العربي الديموقراطي وربيعه المزهر.. والتغيير قادم لا محالة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أعداء الثورة السورية .. عدي الزعبي

القدس العربي

16-12-2011

'يعيش بيننا قوم يتصورون أنهم العدو الأول للصهيونية العالمية... انظر كيف يرون الصهيونية...يرونها القوة التي شكلت التاريخ البشري متنكرة في كل عصر في القناع الذي يناسبه...هذه هي صورة الصهيونية كما تتمثل في عقول الصناديد من أعدائها، لقد رفعوها إلى منزلة الألوهية ...' نجيب محفوظ

الهجوم الشرس، وبالاسم، على برهان غليون، رئيس المجلس الوطني السوري، من قبل حسن نصر الله، زعيم حزب الله، والشاعر سعدي يوسف، الشيوعي، يستحق الوقوف عنده. ما الذي يجمع نصر الله ويوسف، ويفرقهما عن غليون؟

يرى نصر الله ويوسف في الثورة السورية جزءاً من مؤامرة كبرى تحاك ضد المنطقة. نصر الله دعم علناً ثورات الربيع العربي الأخرى، أما الشاعر فقد انتقد الحراك بمجمله: الشباب العربي دجاج تحركه أمريكا، كما عبّر في إحدى قصائده.

يرى هؤلاء أن المهمة الوحيدة التي يجب إنجازها هي التصدّي للغرب. لكي تكون هذه المهمة ممكنة، يجب التغاضي عن كل الأخطاء التي يرتكبها من يتصدى للغرب. تعذيب أطفال درعا، وجز حنجرة القاشوش الشهير وغياث مطر، تدمير منزل الناشط الساروت واغتيال أفراد من عائلته، اقتحام المساجد وإحراقها، حصار المدن السورية، الدوس على رقاب البشر، وما إلى ذلك من ممارسات يومية في سورية الممانعة والصمود، هي أمور ثانوية. من واجبنا ، كعرب نتصدى للمشروع الغربي، التغاضي عنها. من ينتقد هذه الفظائع، عميل للغرب. لا حلول وسط: إما أن تكون في صف الغرب، أو في صف الممانعة. برهان غليون، والمجلس الوطني، وكل ثوار سورية، عملاء للغرب.

تشكل هذا الرؤية جزء من أدبيات أعداء الثورة السورية. نجد بين هؤلاء إسلاميين وقوميين ويساريين. أود هنا مناقشة نقطة أساسية في هذه الرؤية. ليست المشكلة في هذا الطرح أننا نختلف معهم في وجود مشروع للسيطرة على المنطقة بأكملها. المشكلة هي تخوين السوريين وثورتهم، والتعامي عن الفظائع المرتكبة بحقنا. بكل الأحوال، لقد قيل هذا مراراً. النقطة التي أود الإضاءة عليها هي التالية: القوة الأسطورية التي يسبغها أعداء الغرب على الغرب.

يبدو أن نصر الله ويوسف وبعض الممانعين لا يرون أي تحرك أصيل إلا بوجود أياد خارجية. لا يستطيع هؤلاء قراءة التاريخ إلا من منظور العداء للغرب. هكذا يُختزل التاريخ إلى محاولات غربية للسيطرة ومقاومة مشروعة من طرفنا. لا يبدو احتمال أن يتحرك العرب بقرار ذاتي وارداً. تحوّلت ممانعة الغرب عند هؤلاء إلى عملية تأليه للغرب. من هنا كان دعم النظام السوري، أو السكوت عن أخطائه، يعتبر واجباً. كان لانفجار الثورة السورية وقع الكارثة: إما أن ندعم الشعب السوري، أو النظام. هكذا تعرّضت الرؤية التي يتبنونها لامتحان أخير. الجواب كان ملفتاً: صمت البعض، كحماس. في حين أعلن البعض خيارهم: نقف مع النظام السوري في مواجهة الشعب، كنصر الله، وبشكل موارب، يوسف.

في ظل الرؤية الأسطورية لقوة الغرب، كان على نصر الله ويوسف أن يراجعوا منطلقاتهم. إما أن يكون الشباب السوري استفاق من سبات طويل، أو أنهم آلات غبية يحركها الغرب. لم يستطع هؤلاء قبول الخيار الأول. لقد استفاق الشعب السوري. نحن من يصنع التاريخ ويحركه. الرؤية الأسطورية لقوة الغرب، خاطئة. يمتلك العرب قدرة ذاتية على تحريك الأحداث وتوجيهها. نستطيع هنا أن نشير بفخر إلى شباب الثورة المصرية. حتى لو وجدت صفقة بين أمريكا وقيادات الجيش المصري، تقضي بتنحي مبارك لتجنيب البلد الفوضى، فالدور الرئيسي في تنحي مبارك كان لشباب الثورة. نرى الآن الإصرار على إعادة الجيش إلى ثكناته.

أثبت الربيع العربي خطأ النظرية القائلة بغياب العرب عن مسرح الأحداث. هذه فرصة تاريخية لنا كي نغير التاريخ. أكثر من ذلك، يشكل الربيع العربي ملهماً للشباب في الغرب نفسه. يتعلمون قيمة المشاركة في صنع التاريخ. بشكل مباشر، كان الربيع العربي ثورة ثلاثية الأبعاد: ضد الغرب والديكتاتوريات العربية وشكل خاص من الإسلام السياسي الرافض للانتخابات. لم يقرأ أعداء الثورة السورية أبعاد هذه الثورة، بسبب تمسكهم بالرؤية الأسطورية لقوة الغرب.

في الوقت الذي يؤكد الشباب العربي استقلاليتهم عن الغرب، ويقومون بالثورة ضد الديكتاتوريات، ويدعون الإسلاميين للمشاركة بالانتخابات، يرى أعداء الثورة السورية أن الشباب السوري تحديداً مرتبط بالغرب. لذلك، فإن أحد أبعاد الثورة السورية، هي الثورة على هذه الرؤية.

الثورة السورية تشكل نهاية لمفهوم القوة الأسطورية للغرب، ونهاية لدعاتها. سواء أكان هؤلاء متأسلمين أم يساريين أم قوميين. اجتمعت هذه الأطراف الثلاث على مسلّمة عبادة الغرب. ترافق ذلك مع الرهان على أنظمة فاسدة، وعدم ثقة عميق بالشعب، وعدم اكتراث بكرامته ومعاناته.

الثورة السورية قلبت الأولويات. الأولوية الرئيسة هي كرامة المواطن السوري. لا شيء يبرر اعتقال السوريين وتعذيبهم والتنكيل بهم. المسؤول الأول عن هذه الممارسات هو النظام. من يستطيع تغيير النظام هو السوريون أنفسهم. سواء تحالف النظام مع الغرب، أم كان معادياً له، فالشباب السوري مصمم على استرجاع كرامته. الغرب، له قوة ثانوية في هذا الصراع. الكلمة العليا هي للشعب السوري.

يبقى في النهاية الخيار الثاني، لنسلّم جدلاً بأن الشباب السوري مخدوع وتحرّكه القوى الغربية السحرية، هل يستحق هذا الشباب التنكيل اللاإنساني الذي يتعرّض له؟ كنّا نتمنى من منتقدي المعارضة السورية، وهي معارضة مشتتة تستحق النقد، أن يجيبوا على هذا السؤال. بالنسبة لآلاف الشباب السوري، الجواب واضح وقطعي. لا. حتى لو اختلفنا مع المعارضة السورية على الممارسات والتنظيرات والمؤتمرات التي تشي بضعف أصيل، فإننا لن نقبل بما يجري في سورية. من هنا، يبدو لنا أن انتقاد المعارضة السورية بهذه الطريقة، لا أخلاقي. الطرف الذي يجب أن ننتقده هو النظام. الدفاع عن المعارضة السورية في وجه منتقديها واجب أخلاقي، إذا تضمّن هذا الانتقاد تبريراً للفظائع المرتكبة بحق السوريين، كما في حالتي نصر الله ويوسف.

أعداء الثورة السورية أسرى رؤيتهم للغرب كقوة أسطورية تحكم العالم، وبهذا فهم يبخسون قيمة ومقدرة الشعب السوري. من بين الثورات العربية، تشكل الثورة السورية تحديداً نهاية لهذه الرؤية. من يصنع التاريخ هم أبناء وبنات سورية، وليس الغرب. لم يسأل أطفال درعا أو غياث مطر أو القاشوش أو بلال الكن أو ابراهيم عثمان عن موقف الغرب من الثورة. لم يكترثوا. الثورة لها أولوياتها، والغرب بجبروته، مع من يراه قوة أسطورية، ليس بين هذه الأولويات. الأولوية هي كرامة المواطن السوري، فقط لا غير.

' كاتب من سورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دور الثورات الأخرى في فهم الربيع العربي .. روجر أوين *

دار الحياة

الجمعة, 16 ديسيمبر 2011

نادراً ما تمّ ربط اسم لينين بالنقاشات الدائرة حول الربيع العربي. ولا عجب في ذلك أبداً نظراً لسمعته السيئة بالطبع. إلا أنه كان أوّل من أشاع مفهوم «الشرارة» التي تشعل نار الوضع الثوري حتى أنّه أطلق صحيفة تحمل الاسم نفسه باللغة الروسية «إيسكرا». لماذا تمّ اعتبار إضرام الشاب الفقير محمد البوعزيزي النار في نفسه، ما أدى إلى إشعال الثورة في تونس، أكثر من مجرّد صدفة، في حين أنّ الشرارات الأولى التي أطلقها رجال يائسون آخرون بعد أن أضرموا النار في نفسهم قبل أشهر قليلة لم تسبّب التبعات المأسوية نفسها؟

تمّت مناقشة وجود الوضع الثوري أو عدمه خلال الاجتماع الأخير الذي عقدته جمعية دراسات الشرق الأوسط لشمال أميركا في واشنطن في بداية شهر كانون الأول (ديسمبر). وأشار بعض المشاركين إلى أنّ مسقط رأس البوعزيزي يقع في مناطق غرب تونس الذي يعاني وضعاً مزرياً كما أنه بعيد عن الساحل فيما يميل المواطنون الآخرون النافذون والأكثر ثقافة إلى النظر بدونية إلى سكان هذه المنطقة. كما تطرّق البعض الآخر إلى العملية التي لم تؤدّ فحسب إلى خسارة نظام بن علي شرعيته من خلال إطلاق الدعابات الشعبية باستمرار حول الرجل وحول زوجته الجشعة، بل إلى خسارة دعم كافة المؤسسات التي أرساها النظام نفسه مثل اتحاد نقابات العمّال والمجموعات النسائية. ومن ثمّ تمّ الحديث عن المكوّن العاطفي أيّ التطلعات الحارة نحو الحرية والعدالة والرغبة في رؤية تونس أفضل وأكثر انفتاحاً وحيوية.

وأجمع معظم الأشخاص الذين حضروا المؤتمر أنّ سقوط النظام بالنسبة إلى عدد كبير من التونسيين كان كافياً مع الوعود بتوزيع متساوٍ لموارد الدولة من دون الحاجة بالضرورة إلى إرساء نظام ديموقراطي مكانه. ونجد في هذا الإطار تأثير ثورتين أخريين هما الفرنسية والأميركية. فيقدّم كلاهما دليلاً على المرحلة التي يجب أن تلي الإطاحة بحاكم استبدادي أي إرساء دستور جديد وإجراء انتخابات. وساهم القرار باتباع هذا الجدول في دفع مصر وليبيا وتونس إلى أحضان تاريخ العالم بدعم أوروبي وأميركي. ويمكن القول بالطبع إنه لولا هذا الجدول وهذا الهدف، لتحوّلت الحركات الثورية إلى إرباك وربما إلى نزاع داخلي.

لقد بدأت المشاكل من هنا. فمن جهة، يعني إنشاء ديموقراطية تعدّدية فاعلة اطفاء معظم الزخم الثوري إلى جانب تأجيل معظم رغباته الطموحة في قيام نظام ينسخ نظام مبارك أو القذافي أو بن علي بما في ذلك جهاز الشرطة والمحاكم والمؤسسات التعليمية. وتسبّب ذلك في فشل عدد كبير من الثوّار الشباب في ميدان التحرير في تحويل مثاليتهم إلى مكاسب سياسية متينة خلال الانتخابات المصرية الأخيرة.

من جهة أخرى، بما أنّ الانتخابات الحرّة الأولى أفادت كلّ تنظيم له قاعدة انتخابية وطنية وأهداف سياسية، لم يكن ممكناً تفادي ظهور الحركات السياسية الشعبية لا سيّما أنّ ما ساهم في ذلك هو وقوعها ضحية النظام الاستبدادي السابق وعدم تأثّرها بممارساته الفاسدة والوحشية.

وهذه ليست نهاية القصة. فقط الثوار مثل لينين وجورج واشنطن يعرفون إن عملية إعادة صناعة النظام السياسي تتطلب وقتاً طويلاً وتتخللها تقلّبات من دون أن يكونوا أكيدين مما إذا كانت ستؤدي إلى قيام ديموقراطية فاعلة أو ديكتاتورية حزب واحد، أو ربما إلى بروز شبيه بنابوليون بونابارت. فعلى رغم استخدام بونابرت الذخيرة الحية لإخلاء شوارع باريس من الثورات المضادة فقد اعتبر ان تلك طريقته الخاصة لحماية الثورة من نفسها.

لكن، يشير التاريخ إلى أنّ ذلك لم يضع حدّاً للثورة لا سيّما أنّ التقليد الثوري في فرنسا شهد انتفاضات إضافية ومشاكل دستورية أخرى على غرار ما حصل في مصر عام 1919 وعام 1952 ومن ثمّ ما حصل عام 2011 في ميدان التحرير الذي اطلق عليه عبد الناصر هذا الاسم للاحتفال بانتصار الثورة. والأهمّ هو أنّ كلّ ثورة جديدة جلبت شكلاً تنظيمياً خاصاً بها فأنتج ميدان التحرير حركة ثورية متعمّدة وجديدة لجهة افتقارها إلى قائد وإلى برنامج واعتمادها على شبكات وعلى شغف التنظيم الذاتي على حدّ تعبير مشارك في مؤتمر جمعية دراسات الشرق الأوسط.

اما بالنسبة إلى البلدان العربية التي لم تشهد ثورات ناجحة بعد، فيجب ذكر نقطتين مهمّتين. الأولى هي تقاليد الاحتجاجات الشعبية الدائمة التي يبدو أنها تعدّ في الجزائر والمغرب والأردن منفذاً للمطالب الشعبية من دون أن تتحوّل إلى حشد كبير على غرار ذلك الذي شهدته بعض البلدان المجاورة. أما النقطة الأخرى فهي نقل تقنيات التظاهر من بلد إلى آخر مثل القرار الذي اتخذته مجموعة كبيرة من الأشخاص بارتداء لباس باللون الأبيض في يوم خاص وكانت تونس رائدة في ذلك ويبدو أنّ هذا الأمر انتقل سريعاً إلى دمشق.

وبالعودة إلى لينين، وبصرف النظر عن مفهوم انتظار الشرارة الأساسية لإشعال وضع ثوري، يمكن تذكر أقواله بأنه لا يجدي أن يكون المرء ثائراً إلا في اذا كان متفائلاً ومؤمناً إيماناً شديداً بأن الثورة يمكن أن تحصل وستحصل. ويحتاج الشرق الأوسط إلى تفاؤل مماثل للتأكد من أنّ كافة الأمور ستسير على ما يرام وأنّ الربيع العربي لن يليه خريف أو حتى شتاء في مصر وتونس وليبيا ناهيك عن سورية واليمن كما حصل في روسيا لينين. وثمة أسباب كثيرة تدعو الى افتراض أنّ الرغبة في التغيير متجذّرة بشّدة في العالم العربي إلى حدّ أنه لا يمكن العودة إلى الوراء.

* اكاديمي بريطاني - جامعة هارفارد

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أوهام الأسد السوري

الشرق الأوسط

16-12-2011

ماذا يفعل المرء عندما تنفد حججه؟ بالنسبة لبعض المثقفين العرب والإيرانيين فالجواب بسيط، ويتلخص في أن يصم المرء خصومه بأنهم «عملاء» لقوى أجنبية، وقطع شطرنج في «مؤامرة» تحاك في الخارج.

وهذا هو ما حدث في عام 2009 عندما خرج الملايين من الإيرانيين إلى الشوارع للاحتجاج على الانتخابات الرئاسية التي حكموا عليها بأنها كانت مزورة.

وحيث إنه لم يكن هناك أي تحقيق مستقل في هذه المطالب، فلم يتمكن أحد من تأييدها أو رفضها. ولكن الأمر المؤكد، مع ذلك، هو أن الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع كانوا مواطنين إيرانيين عاديين شعروا بالمهانة بسبب التزوير الانتخابي الذي تم على نطاق واسع، ولم يكونوا «عملاء» لأحد.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، لم يكن ببساطة يريد أن يفهم، أو لم يستطع أن يفهم هذه الحقيقة، حيث قام هو وحاشيته، بعد أكثر من عامين من ذلك التاريخ، بتحويل روايتهم الخاصة للأحداث إلى نص مقدس لا يرقى إليه الشك. ونظرا لأنهم قد أصبحوا أسرى نظرتهم العقائدية، فإن خامنئي وحاشيته لم يعودوا قادرين على تحليل ما حدث، ناهيك عن قدرتهم على القيام بوضع سياسات للتعامل مع العواقب.

ونحن نشهد الآن، مع دخول الانتفاضة السورية شهرها التاسع، محاولة مماثلة للهروب من الواقع من جانب الرئيس السوري بشار الأسد وحاشيته، فبعد أن نفدت حججهم، عمد بعض مؤيدي الأسد إلى استخدام الحيلة القديمة المتمثلة في وصم خصومه بأنهم «عملاء» و«متآمرون».

وفي المقابل، فإن أحد الخيارات المتاحة هي وصم الذين يصمون الآخرين بأنهم «عملاء» لقوى أجنبية، بأنهم هم أنفسهم «عملاء لنظام الأسد» في «مؤامرة تحاك من دمشق»، ولكن هذه الشتائم المتبادلة لن توصلنا في النهاية إلى شيء.

وتمر سوريا حاليا، في حقيقة الأمر، بأعمق أزمة في تاريخها كبلد مستقل، وليس هناك من ينكر حقيقة أن الأسد لا يستطيع، أو لا يريد مجرد التفكير في إيجاد حل سياسي لهذه الأزمة، فتصريحاته الأخيرة والمقابلات التي أجريت معه مؤخرا تشير إلى أنه قد وضع كل البيض الذي معه في سلة القمع الوحشي، بعدما قرر، أو بعدما جعله آخرون يقرر، أن القوة هي الشيء الوحيد الذي من الممكن أن ينقذ نظامه.

ومن المفارقات أن الأسد نفسه قد يكون يمهد الطريق أمام التدخل الأجنبي في سوريا دون أن يدري، مثلما فعل معمر القذافي في ليبيا، وصدام حسين في العراق، وهو يفعل ذلك من خلال ثلاث طرق:

أولا، تهديد أمن الدول المجاورة، ولا سيما الأردن، وتركيا، من خلال قيام الأسد بتعميق الأزمة السورية، إلى جانب قيامة بخلق حالة من عدم الاستقرار في منطقة بلاد الشام، حيث يؤدي عدم الاستقرار في أحد البلدان، في كثير من الأحيان، إلى انجرار البلدان المجاورة إلى صراع لا يعنيهم من البداية. وهذا هو ما حدث مع فيتنام الجنوبية في الفترة من 1950 إلى 1975، ومع أفغانستان عقب الغزو السوفياتي في عام 1979.

وثانيا، اعتماد الأسد بشكل متزايد على دعم من الجمهورية الإسلامية في طهران، حيث وصفت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، «إيرنا»، الوضع في الأسبوع الماضي بأن «سوريا في ظل الرئيس بشار الأسد هي جزء من المحيط الدفاعي للجمهورية الإسلامية ضد أعدائها»، وإذا ما قمنا بصياغة هذا الوصف بشكل أكثر بساطة سنجد أن إيران قد تورطت بالفعل في الأزمة السورية، ولن يكون من المدهش، بالتالي، أن يعتبر خصوم إيران سوريا ساحة قتال.

وثالثا، قيام الأسد بجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للحوار الوطني الذي يسعى للبحث عن مخرج سلمي للأزمة، من خلال تعزيز الادعاء بأن الأزمة السورية هي جزء من صراع أوسع نطاقا بين قوى خارجية متنافسة.

ونظرا لأن الأسد يرفض «الحل السوري» للأزمة، بعد أن رفض «الحل العربي» من قبل، فإنه لم يتبق أمامه سوى الأمل في حل عسكري أمني، مبني على أساس الفرضية القائلة بأنه إذا قتل ما يكفي من الأشخاص، فإن الأمور ستبدأ في الهدوء.

ولا يفعل المدافعون عن الأسد، الذين يشجعونه على تصديق أوهامه، سوى أن يعطوه المزيد من الحبل لكي يشنق به نفسه، حيث يعتقد أولئك المدافعون أنهم سوف ينجحون في إقناع الجماهير السورية بالكف عن إزعاج النظام، من خلال وصم الزعماء المؤيدين للديمقراطية بأنهم «عملاء» ووصم الثورة بأنها «مؤامرة»، ولكن ذلك قد يؤدي إلى حدوث تأثير معاكس من خلال إقناع مزيد من السوريين أن هناك حاجة إلى مساعدة خارجية وأنه ينبغي الترحيب بها من أجل التخلص من النظام، حيث إن الناس الذين يتم دفعهم للثورة حتى تأخذهم حماسة التمرد لا يفكرون مرتين في مصدر العون اللازم للحصول على الحرية.

وقد صاحب معظم الثورات التي نجحت من قبل وجود بعض الدعم من الخارج، على الرغم من صعوبة تحديد مدى كون هذا الدعم حاسما في نجاح هذه الثورات أم لا.

فلو سألنا الفرنسيين، على سبيل المثال، فإنهم سوف يقولون لنا إن الثورة الأميركية، التي كان من نتائجها ظهور الولايات المتحدة، كانت نتيجة استراتيجية فرنسية تهدف إلى إضعاف إنجلترا، حيث شارك المئات من ضباط الجيش والمخابرات الفرنسيين في هذا المشروع.

ولو سألنا الإنجليز بعد ذلك فسيقولون لنا إن الولايات المتحدة، التي كانت حديثة النشأة، قد ساعدت في إثارة الثورة الفرنسية بمساعدة من شبكة جماعة «المتنورين» الأوروبية.

وألم يقم الألمان بشراء تذكرة القطار للينين، في الآونة الأخيرة، ومساعدته على العودة إلى روسيا في الخفاء لإشعال الثورة؟

وكان الشاه في إيران مقتنعا في عام 1979 أن الثورة الإيرانية «مؤامرة» حاكتها الولايات المتحدة بقيادة جيمي كارتر، ونفذها «عملاء» لبريطانيا وروسيا.

وقد سمعنا القذافي، وبن علي، وصالح ومبارك وغيرهم، وهم يرددون، في الآونة الأخيرة، كلمات، مثل «عملاء» و«مؤامرة».

إن ما لا يفهمه المدافعون عن الأسد هو العلاقة بين العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل الأحداث، حيث إنه إذا كان لدى المرء بيضة وقام بتدفئتها، فإن الأمر قد ينتهي به بالحصول على دجاجة، ولكنه إذا كان لديه حجر وقام بتسخينه، فإنه لن يحصل إلا على حجر ساخن في النهاية، وبالتالي لم تكن أي قوة خارجية تستطيع أن تدفع سوريا باتجاه الثورة، لو لم تكن سوريا تمر بحالة ثورية منذ البداية، ولذا فإن الأسئلة الوحيدة الصحيحة التي ينبغي طرحها هي: ما الذي اضطر سوريا إلى أن تدخل في هذه الحالة الثورية؟ وما الذي يمكن القيام به لمساعدتها على الخروج من تلك الحالة بأقل ضرر ممكن؟

وإذا كانت مشكلة الأسد تتمثل في أن سوريا تمر بحالة ثورية، فإن مشكلة سوريا تتمثل في حالة الإنكار التي يعيشها الأسد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الربيع العربي والكيان الصهيوني في خطاب شبيحة الأسد  .. ياسر الزعاترة

الدستور

12-15-2011

لا يترك شبيحة الأسد، ومعهم ومن بينهم الناقمون على الربيع العربي وعلى الإسلاميين كلمة أو عبارة أو موقفا يقبل الاستغلال إلا ويلتقطونه من أجل التشكيك بنضارة الربيع وكذلك بالإسلاميين، بخاصة موقفهم من الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني.

ويتوزع القوم إياهم (ثمة تفاوت في المواقف والنوايا) على طيف من اليساريين والقوميين المتطرفين الذين تسكن كثير منهم روحية التآمر ولا يقرؤون ما صرحوا ويصرحون وكتبوا ويكتبون منذ سنوات بعيدة ليكتشفوا “روعة” تحليلاتهم، من دون أن نعدم من بينهم من تفوح من مواقفه روائح الطائفية، وهؤلاء على تفاوت بينهم يشعرون بكراهية خاصة للظاهرة الإسلامية وقواها.

الأهم أنهم يعتبرون أنفسهم أوصياء على الشعوب، مع أنهم أحيانا يزعمون النطق باسمها، فهي برأيهم جحافل من الدهماء التي ينبغي عليها الاستماع لتعاليمهم، هي التي لا تدرك أسرار المؤامرة التي تحاك ضدها، ولا تعرف أن هؤلاء الإسلاميين ما هم إلا عملاء للغرب يلبسون ثياب التقوى والورع!!

لا قيمة ها هنا لاختيارات الشعوب إلا إذا وافقت هواهم، وهم اليوم يعيشون أسوأ أحوالهم؛ لأنهم يجدون أنفسهم معزولين، ليس فقط عن السياق الثوري والانتخابي الذي يحشرهم في الهامش، بل أيضا عن سياق المواقف التي تتناقض معهم، بخاصة حيال الثورة السورية التي لم يتردد الشارع العربي في نصرتها، تماما كما انتصر لسائر الثورات الأخرى.

من يعتقد أن الشعب السوري متآمر وأنه يتحرك ب”الريموت كونترول” من قبل أعداء المقاومة والممانعة يستحق مصحة نفسية أكثر مما يستحق النقاش، لاسيما إذا كان نظيره نظاما قمعيا فاسدا تحكمه أسرة تدافع عن مصالحها؛ حتى حين تتخذ مواقف إيجابية فيما يتصل ببعض قضايا الأمة.

نكتب اليوم بعد ذلك الاحتفاء الاستثنائي بتصريحات منسوبة للشيخ راشد الغنوشي في الولايات المتحدة، إلى جانب تصريحات لبرهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري، وقبلها مواقف وتصريحات أخرى أشبعوها كلاما مثل علاقة الصهيوني برنار ليفي بالثورة الليبية.

والحال أن كلام الشيخ الغنوشي الصحيح، وليس الذي تناقلته أبواق النظام السوري وانطوى على بعض التحريف، ليس فيه شيء يستحق الهجاء، فهو تحدث عن أن الدستور التونسي ليس فيه شيء يتعلق بالدولة العبرية والعلاقة معها، وهذا شيء طبيعي، كما أنه لم يكن مطلوبا من الشيخ أن يقول في واشنطن إنه في طور تجنيد الفدائيين لنصرة قضية فلسطين، ويكفي قوله: إن حكومة حماس شرعية وأن الكيان الصهيوني لم يقبل عروض تسوية كثيرة عرضت عليه، وأن “إسرائيل” دولة احتلال.

وفي حين لم يكن برهان غليون موفقا في جزء من تصريحاته المتعلقة بإيران وحزب الله، إلا أن الرجل لا يعبر البتة عن نظام منتخب، وإنما يعبر عن رؤيته الشخصية (لو سئل آخرون في المجلس ذات السؤال لقدموا إجابات مختلفة)، وهو تراجع بعض الشيء حين دعا الإيرانيين وحزب الله إلى التوقف عن دعم بشار الأسد إذا أرادوا علاقة جيدة مع الشعب السوري.

لا يختلف الأمر كثيرا حين يتصل الأمر بالإخوان المسلمين وموقفهم من كامب ديفيد الذي يتلخص في أن تلك قضية قومية يحددها الشعب المصري عبر أطره الدستورية، وأن المعاهدات ليست أبدية بل يمكن إعادة النظر فيها كما قالوا للسيناتور جون كيري، وليس مطلوبا منهم أن يبادروا إلى التأكيد على أنهم سيعلنون الحرب على الكيان الصهيوني ما إن يفوزوا في الانتخابات، كما لم يكن مطلوبا من الليبيين أن يبادروا إلى مثل ذلك بعد تحرير طرابلس لكي يثبتوا أنهم ليسوا تابعين لبرنار ليفي.

ما لا يريد أولئك القوم الاعتراف به هو أن الثورات العربية ليست انقلابات عسكرية يمكن التشكيك بارتباطات ضباطها وعسكرها، وإنما هي ثورات شعبية نابعة من ضمير الشعوب فوجئ بها الغرب والشرق، ولن يكون أمام من يريدون الحصول على ثقة الجماهير سوى القبول بخياراتها، وخيارات شعوبنا معروفة للأسوياء من البشر.

هناك ثورات لم تكتمل بعد، ويرى رموزها أنه من غير الحكمة استفزاز الأعداء الخارجيين، بل لا بد من ترتيب البيت الداخلي أولا، وهذا أمر طبيعي، لكن أحدا لا يمكن أن يقدم نفسه للناس في نهاية المطاف عبر مواقف يرفضونها.

في مقابل الصيد في الماء العكر، يتجاهل أولئك القوم عشرات التصريحات التي تعكس عمق مخاوف الكيان الصهيوني وعموم الغرب من صعود الإسلاميين ومن سقوط بشار الأسد نفسه (عاموس جلعاد اعتبر سقوطه بمثابة كارثة). ولو كانت السطور تستوعب لنقلنا حشدا من المواقف والتصريحات التي تؤكد ذلك، من دون أن نعدم آراءً صهيونية تذهب في الاتجاه الآخر عبر قراءة مختلفة تمني النفس بتدمير سوريا قبل تحريرها من بشار الأسد.

مرة تلو مرة سنظل نكرر، إن شعوبنا بعد أن عرفت طريق الثورة لن تسمح لأحد أن يستعبدها أو يحرف بوصلتها أيا كانت هويته، فكيف إذا كان عليه أن يواجهها كل أربع سنوات أمام صناديق الاقتراع؟!

لن يستمع القوم إياهم لهذا الكلام، وسيواصلون التنقيب في وسائل الإعلام عن تصريحات ومواقف تمنحهم ذخيرة للطخ على ربيع العرب وعلى الإسلاميين في آن، لكننا واثقون أنهم إنما يخاطبون أنفسهم ومريديهم، بينما لا يجدون من غالبية جماهير الأمة غير الازدراء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لمواجهة العصابات «اللعينة»!  .. صالح القلاب

الرأي الاردنية

12-15-2011

إذا كانت هناك «فعلاً» عصابات مسلحة «لعينة» هي التي تقوم بقتل العشرات من الأبرياء السوريين وهي التي تحاصر حمص وتشن حرباً دموية لا هوادة فيها على درعا وكل مدن حوران وتزرع الموت في ريف دمشق وفي دير الزور والقامشلي وإدلب وحماه واللاذقية فإنه لم تعد أمام النظام السوري إلاّ الخيارات التالية:

أولاً ,التنحي ومغادرة الحكم وتسليم مهمة حماية البلاد والعباد من هذه العصابات المسلحة «اللعينة» لطاقم آخر ولحزب قائد بموجب المادة الثامنة من الدستور غير هذا الحزب وذلك لأن أهم شروط الحكم بالنسبة لأي رئيس أو حزب هو توفير الأمن والأمان لشعبه وهو صيانة حدود الدولة من أي اختراقات خارجية.

ثانياً ,الاستنجاد ب»الأشقاء» العرب وبالجامعة العربية للقيام بواجب قومي مقدس وحماية دولة شقيقة وعزيزة من هذه العصابات المسلحة «اللعينة» ولعل ما هو ليس بحاجة لا إلى نقاش ولا إلى أسئلة وتساؤلات هو أن طلب العون ,حتى العون العسكري, من الدول الشقيقة ليس عيباً والمعروف أن أكثر من ثلاثين ألفاً من القوات السورية قوات «الردع» ,هذا غير المخابرات ومنتسبي الأجهزة الأمنية المتعددة, بقوا في لبنان نحو ثلاثين عاماً بناءً على قرار عربي وتلبية لصراخ الأشقاء اللبنانيين الذي كان يجري عندهم ما يجري الآن على الأراضي السورية.

ثالثاً ,طلب العون من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي «سيء الصيت والسمعة»!! لإرسال قوات حفظ سلام وعلى عجل إلى سوريا لردع هذه العصابات المسلحة «اللعينة» وعلى غرار ما كان حدث في دول كثيرة من بينها «هاييتي» وساحل العاج وبعض دول البلقان والكونغو والعديد من الدول الإفريقية والآسيوية فالضرورات تبيح المحظورات وطلب الأمن والأمان ليس عيباً ولا هو عار!!

رابعاً ,لفضح هذه العصابات «اللعينة» ولكشف ارتباطاتها إن ببعض العرب وبأميركا وإن ب»العدو الصهيوني الغاشم» فإنه لا بُدَّ من فتح الحدود السورية أمام وسائل الإعلام لتكون شاهداً على الجرائم التي ترتكبها هذه العصابات البربرية الغاشمة ولتكشف عمَّنْ يقفون خلفها وكذلك فقد كان ضرورياً منذ اليوم الأول ,أي منذ الخامس عشر من آذار الماضي, استدعاء هيئات حقوق الإنسان والصليب الدولي للوقوف على هذه الجرائم ولإحصاء أعداد الضحايا من الأبرياء.. وأيضاً من المعتقلين والمختطفين والمفقودين على اعتبار أنه قد تكون هذه العصابات المجرمة تمتلك سجوناً ومعتقلات على أرض سوريا الحبيبة طالما أن النظام القائم عاجزٌ حتى هذه الدرجة!!.

وحقيقة أن السؤال المحير بالفعل هو كيف من الممكن أن تكون في سوريا كل هذه العصابات المنتشرة من البوكمال في الشرق وحتى اللاذقية في الغرب ومن ادلب في الشمال وحتى درعا في الجنوب وتفعل كل هذا الذي تفعله وترتكب كل هذه الجرائم بينما هناك في هذا البلد العزيز والشقيق والحبيب سبعة عشر جهازاً أمنياً ,هذا غير التي جرى تفريخها بعد انفجار هذه الأحداث, وبينما هناك ضَبْطٌ متواصل لخطوط التماس مع هضبة الجولان السورية المحتلة منذ نحو ثلاثين عاماً ويزيد وذلك إلى حد التندر والقول :أن عصفوراً واحداً لم يستطع اختراق هذه الخطوط على مدى هذه السنوات الطويلة وذلك رغم كذبة «المقاومة والممانعة» التي غدت مكشوفة!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«ربيع البوعزيزي» يتعثّر في غابة الرعب السورية .. عبدالوهاب بدرخان *

الخميس, 15 ديسيمبر 2011

الحياة

بعد غدٍ يمضي عام على الحدث الذي أشعل أضواء «الربيع العربي». تذكروا محمد البوعزيزي وعربته والنار التي أوقدها بجسده ثم امتدت في هشيم المستبدّين. مات قهراً ولم يدرِ ماذا فعل، ولو درى لما صدّق. بل لو درى لصعقه، هو الشاب الهامشي المسكين، كيف تدحرج نظامان قويّان بهذه البساطة، وكيف أن الغلو في الاستبداد تطلّب «الناتو» لاقتلاع دكتاتور ليبيا، وربما يتطلّب أكثر لإنهاء محنة سورية.

لا يغيّر شيئاً أن تكون الرواية الحقيقية لما حصل مختلفة عما قيل آنذاك، اذ كانت عواصف اللحظة العربية تجمّعت وتنتظر، ولم يقدّر أحد أنها ستنطلق من الريف، أي ريف، لكنها هبّت من سيدي بوزيد. كانت إيذاناً بأن التغيير آتٍ على أكتاف أناس عاديين، وشباب لم يتلطّخوا بتشويهات السياسة، ولا من طريق أحزاب سحقها الحكم القائم أو طوّعها ودجّنها. في ما بعد، اهتمّ الإعلام بتظهير وجوه الثورة المصرية، لكن الحدث الليبي تفاعل، كأن من ثاروا وضحّوا بحياتهم ظلوا بلا وجوه ولا أسماء، أما السوري فلا يزال يدفع الى قافلة الاستشهاد أطفالاً ونساء ورجالاً، ولن يكون آخرهم الطبيب ابراهيم ناهل عثمان، الذي ارتكب جريمة كبرى بتفرغه لإسعاف الجرحى المدنيين كي يمنع «الشبيحة» من الإجهاز عليهم إن هم ذهبوا الى المستشفيات.

لكثرة الدم والإجرام والوحشية بالأمس القريب في ليبيا، واليوم في سورية، نسينا محمد البوعزيزي، أو نكاد، تماماً كما ينسى الغارقون في حروب كبرى الوقائع الصغرى التي قدحت شرارتها. لا نزال نحاول فهم ما حصل والإجابة عن أسئلته. كل ما نعرفه انه كان يجب أن يحصل، بل تأخر كثيراً. لم يكن طبيعياً أن تبقى الشعوب في نومتها الدهرية، ولم يكن متوقعاً أن تدوم أنظمةٌ نشأت أساساً ضد طبيعة الأشياء. قد لا يكون ما يعقبها أفضل، ولو خارجاً من صناديق الاقتراع، فهي حتى في سقوطها تتحكم بما بعدها، لكنه سيتعرض سريعاً لمساءلات ساحات التغيير وشبابها. لا شك في أن «ربيع البوعزيزي» أزاح الستار الحديد عن حقائق كنا نعرفها، ومع ذلك فوجئنا بها: لم تتمكن الأنظمة من إلغاء التاريخ أو مسحه، ولا استطاع الاستبداد تغيير طبائع البشر أو إقناعهم بأن الحرية وهمٌ لا يستحق السعي وراءه. هذا ما برهنته سلسلة وقائع: حجارة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ضربة المطرقة الأولى لهدم جدار برلين، انهيار النظام العنصري في جنوب افريقيا تحت وطأة الصبر المانديلي العظيم، انكسار الصمت بعد الصرخة الاولى في تونس، سقوط الخوف في ميدان التحرير، طابور المستشهدين الواحد تلو الآخر على السلم المفضي الى ثكنة بنغازي، صمود الاحتجاج السلمي رغم القصف ومئات الضحايا في صنعاء، و «خربشات» أطفال درعا وما أدّت اليه من سقوط متواصل للموت -الموت نفسه- في سورية...

من أعماق العذاب العربي الطويل خرجت القامات الغاضبة لتباغت نفسها والعالم. وكيفما يكن هذا التغيير، فإنه أنهى عهوداً سُرق فيها الحكم ثم تحوّل هِبةً لعسكريين جعلوا «الحكم الوطني» بمثابة احتلال أجنبي، «انكشاري» أو إسرائيلي، كيفما يكن ما بعدهم، فإنه يعبّر عن مقدار الوعي الذي استطاعت الشعوب تحصيله رغم ضغوطهم الشديدة لإبقائها في الجهل والهوان. في ساعاتهم الأخيرة تفاوتوا في الذل والكبرياء، ويوصف الرئيس اليمني بأنه أكثرهم دهاءً، لأنه استحصل على إعفاء من الملاحقة والمحاسبة، ظاناً بأنه سيُعفى فعلاً، أما الليبي، فقضى بعدما تأكد بأنه تمكن من تدمير البلد، بما فيها مسقط رأسه، ولا يُعرف ما اذا كان السوري يريد لنفسه مصيراً مماثلاً، بل لا يُعرف ماذا يريد أساساً، فهو كأخيه الليبي، لا يتصوّر خياراً آخر غير بقاء نظامه، مع علمه أن هذا لم يعد خياراً، وهو مثل الليبي، يعتبر نفسه «فوق المسؤولية» عما يجري، وإذ قابل قناة «آي بي سي» بقصد مخاطبة الاميركيين، قال: «أنا الرئيس»، كمن يعني «أنا الملك»، وفي الحالين لا يرى الاميركيون «مسؤولاً» آخر سواه، ولو في نظام كهذا، لا هو «جمهورية» بالقيم المفترضة فيها ولا هو «ملكية» في أي حال حتى لو كان الحكم في يد عائلة.

لم يتمكن «ربيع البوعزيزي» بعد من اجتياز غابة الرعب السورية، لكن أياً من رؤوس الأنظمة التي تهاوت لم يستطع أن يهزم شعبه أو يشذّ عن القاعدة الذهبية. وإذ تشابه النظامان الليبي والسوري في تجسيد ارادة القتل لمجرد القتل، فإن السوري تمايز بجعل القتل وسيلة لإعلان بقائه يوماً بعد يوم، لكنه كمن يلفّ حبل المشنقة حول عنقه. ذهب بعيداً في جولات الدم وما عاد يستطيع مجرد التخيّل بأنه سيستمر كما لو أن شيئاً لم يحدث، بل تولى بنفسه نفيَ وتكذيبَ كل ما نُسب اليه سابقاً من حنكة وحسن تدبير أو حتى من قيم استكسبها لنفسه بلا أي سند لها إلا في تراث غابر لم ينتمِ هذا النظام اليه لكنه نجح على الأرجح في تبديده.

منذ طُرحت المبادرة العربية، كان مفهوماً أنها تستهدف مساعدة النظام السوري على بلورة حل متوازن للأزمة، إلا أنه ركّز جهده على احتوائها واتخاذها غطاءً للقتل أو شريكاً فيه، ثم انتقل الى محاولة تضليلها أو تعطيلها بافتعال انقسام عربي، فالذنب هنا ذنب العرب، اذ لم يفهموا أن مطالبتهم ب «وقف العنف» تعني اسقاط النظام وليس ذَنَبه، اذ لم يترك لشعبه -ولا للعرب- سوى استجداء تدخل خارجي لإنقاذ الشعب من حاكمه. ومع ظهور مؤشرات الى أن «الحل العربي» يتجه الى طريق مسدود، وأنه حتى لو حصل اتفاق مفاجئ على ارسال مراقبين، لم يعد «الخروج الآمن» للنظام قيد التداول الآن، بل الخروج الآمن لرأس النظام، وهذا يوشك مفعوله على الانتهاء، فلا يبقى له بعدئذ سوى السقوط الكارثي. كان «سيناريو علي صالح» وارداً ثم طوي، لأن النظام وافق على تسليم كل المؤسسات باستثناء الجيش والأمن، وكان «سيناريو بن علي» وارداً، ولعله لا يزال، لكن الى حين، إذ ان المكابرة مرشحة لتعطيله. وفي هذه الحال لن يبقى سوى «سيناريو القذافي»... ويكون النظام «نجح» في شراء تسعة شهور بثمن دموي باهظ ليبدأ بعدها ما يعتبره معركته من أجل البقاء، لكن حساباته قد تختلف مع أول ضربة جوية يمكن أن يتلقاها متى اصبحت «المنطقة العازلة» أمراً واقعاً تركياً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اول يوم بروتوكول ... مئة شهيد ...! 20 كانون الأول 2011

إلى كل أحرار العالم وأصحاب الضمير..!! إلى كل مؤمن بقيمة من القيم الإنسانية...!!

إلى كل أحرار العرب من أصحاب الضمير والنخوة والشهامة..!! إلى كل سوري حرّ في سوريا وفي كل أنحاء العالم..!!

إلى علماء سوريا ومثقفيها وكتابها وفنانيها وإعلامييها وناشطيها وثائريها ..!!

إلى الجميع..!! لانريد منكم عوناً في مال، ولا تضحية في نفس من أجل ناسكم وأهليكم في جبل الزاوية، وإنما صمتكم يقتلنا..!! فلا تكونوا مع الصامتين

إلى الجيش السوري وقوات الأمن فيه..!! خائن من يقتل شعبه..!! فلا تكونوا مع الخونة لشعبهم والخائنين لأمتهم ووطنهم.

تتعرض منطقة جبل الزاوية في محافظة ادلب إلى مجازر جماعية، وعمليات إبادة لا تمييز فيها بين طفل وامرأة أو شيخ كبير. قصف بالدبابات وهدم للبيوت وتنكيل بالجثث. وبات مصير أهلنا بين يدي من لايحترم قيماً ولا أخلاقاً ولا مقدسات.

ففي الوقت الذي اجتاحت فيه كتائب الأسد جميع قرى الجبل فر الناشطون إلى البساتين والوديان والشعاب هربا من بطش السفاحين، تمّ حصار حوالي 100 منهم في منطقة وعرة غرب قوقفين المجاورة لكفَرْعَوِيد وانهالوا عليهم بالرصاص وقذائف الدبابات لأكثر من 5 ساعات وسقط العشرات صرعى وحاولت بعض النسوة فك الحصار دون جدوى، كما قامت قوات الجيش والأمن باحتلال جميع القرى في المنطقة واعتقال عدد آخر من الشبان من كفرعويد من منازلهم وأوثقتهم وقامت بإعدامهم ورميهم في نفس المكان وكان عدد من الناشطين من مختلف قرى جبل الزاوية وجبل شحشبو وسهل الغاب قد لجؤوا إلى المنطقة الواقعة في طرف الجبل الغربي قرب سهل الغاب وجبل شَحْشبو.

تم تجميع الجثث في الجامع الشمالي تحت تهديد من الجيش باقتحام الجامع في أي لحظة وتم احصاء أكثر من 110 جثة في جامع كفرعويد الشمالي و11 جثة في مسجد

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإقتصاد السوري بعد رحيل الأسد .. سعود القصيبي

فيما تتزايد فعالية الإعتصام المدني في سوريا ليدخل أسبوعه الثاني, تئن حكومة الاسد من وقع آثار ممارساتها القمعية والوحشية وإرهابها المستمر حتى أصبحت تحت رحمة الإنتفاضة الشعبية السلمية وطائلة المحاسبة القانونية, وكردة فعل دولية يكثر الحديث عن أمور محتملة أكثر شدة كالتدخل العسكري, ومحاكمة أفراد النظام على جرائمه ضد الانسانية في المحاكم الأممية أوالأوروبية, وكذلك الإدانة عن طريق مجلس الأمن. ومن خلال متابعة تسارع الاحداث وتسلسلها فقد بات من الوشيك زوال النظام ورحيل الاسد أياً كانت الطريقة, الأمرالذى يدعونا إلى النظر فى التوجه السياسي المحتمل للدولة الجديدة وما يتبعها من توجه اقتصادي ومالي في مرحلة ما بعد الأسد ونظامه.

 

ففي إطار التوجه السياسي المستقبلي, تؤكد المعارضة في نظرتها لسوريا الحرة, أن الرؤية السياسية الجديدة تقوم على بناء دولة ديمقراطية مدنية تعددية على أساس المواطنة من دون إقصاء، ترتكزعلى إنتخابات حرة وتحترم حقوق الإنسان والحريات العامة، فضلا عن تأسيسهاعلى مبدأ المواطنة للجميع وعدم التمييز بين أي مواطن وآخر. كما أن هناك إتفاق عام بين المعارضة على إسقاط النظام بكل رموزه ومكوناته، ورفض الحوارمع النظام وكل من تلوثت أيديهم بالدماء.

 

وفي الشأن الإقتصادي العام ومن خلال قراءة توجهات المعارضة والتي تتمثل بالعودة إلى فترة الإستقلال بعد خروج الاحتلال الفرنسي وأيضا إبان فترة الحكم العثماني حيث كان الإقتصاد حرا ومن المتوقع إعادة هيكلته على نهج نفس السياسات القديمة وإلغاء النظام الاشتراكي. ومن أهم الملفات التي يتوقع النظر فيها هوالقضاء على الفساد وتحريرالإقتصاد. وقد يطرح إتباع النهج الإقتصادي الجديد على نسق نهج إمارة دبي أومدينة هونغ كونغ أوحتى دولتي سنغافوره أوماليزيا. ويعني ذلك الكثير, إزدياد دخل الفرد ونموالإقتصاد والناتج القومي إلى معدلات لم يعهدها منذ الإستقلال حسب رؤية المحللين الإقتصاديين .

 

وفي شأن موازنة الحكومة السورية, يتوقع فى ظل إقتصاد حر بعد سقوط نظام الأسد إزدياد الموازنة بشكل كبيرلأسباب عدة منها كون العائدات النفطية تشكل ثلث موزانة الدولة والتي تذهب حاليا لصالح الآلة العسكرية للمحافظة على مكتسبات عائلة الأسد السياسية والمالية. كما أن جزء من دخل النفط حاليا يذهب إلى أقطاب النظام الأمرالذي حتما سيتوقف. وكذلك من المتوقع أن يكون هناك تحسن ملحوظ في واردات صناعة السياحة وزيادة نسبة الإستثمار والذي يمثل الثلث الآخر من الموازنة عند عودة الإستقرارنتيجة تمنع وعزوف الكثيرمن الأفراد والمؤسسات التجارية والمالية والحكومات في ظل النظام البعثى من إتخاذ سوريا كوجهة سياحية أومن الإستثمار فيها خاصة من المُهجرين السوريين في الخارج والذين يقارب تعدادهم عدد سكان الداخل السوري . أما بشأن الضرائب الداخلية والرسوم وهي الجزء الأخير من الموازنة, فمن المتوقع إرتفاعها وإنتهاء الفساد المستشري حاليا في تحصيلها من الإدارة السورية. كما يتوقع من ضمن محاسبة أقطاب النظام السابق إسترجاع الإمتيازات الممنوحة إلى عائلة الأسد وأقربائهم وأموالهم إلى خزينة وممتلاكات الدولة.

 

وتحتاج سوريا حسب تقديرات المحللين إلى ثلاث سنوات على أفضل تقدير لعودة الإستقرارالإقتصادي إليها وذلك لعدم وضوح الكيفية التي سيتم فيها إنتقال السلطة سلمياً أو عسكرياً. والمدة التي ستستغرق في إنهاء ترتيب نقل السلطة من المجلس الإنتقالي المتوقع ما بعد سقوط النظام وما يليه من انتخابات وتعديلات دستورية ومحاكمة أعوان النظام.

وللمتابعين فى الشأن السوري ورغم توقع المستقبل الاقتصادي المزدهر في مرحلة ما بعد سقوط النظام, يبقى السؤال المحير فى الأذهان لماذا تأخر إنضمام البعض من العائلات السورية والتي تعمل بالتجارة ولها ثقل إقتصادي كما في حلب ودمشق إلى الثورة بشكل واضح وإستمرارهم فى إعتراضهم الصامت على إدارة الأسد دون المشاركة في العصيان المدني ؟ على الرغم من توضح الصورة بأن سفينة الأسد غارقة لا محاله وأن لا أمل لهم في النجاة إلا أن يقفزوا من السفينة ويلحقو بركب الكرامة.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com