العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25/11/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الدم واحد والقاتل واحد

محمد فاروق الإمام

نتنياهو: لماذا يغضب العرب منا ونحن ما نفعله أقل بكثير مما يفعله بشار الأسد.. بشار الأسد يقتل شعبه منذ عشرين شهراً ويدمر المدن والبلدات والقرى السورية ويهجر الملايين داخل البلاد وخارجها والعالم كله يتفرج والعرب يذرفون الدموع، ونحن كل ما فعلناه هو قصف بعض مواقع الإرهابيين واغتيال قادتهم وكل ما سقط من المدنيين بالخطأ نحو 50 وجرح 400، فهل يقاس ما نفعله نحن بأعدائنا مما يفعله بشار الأسد بشعبه.. تطلبون إحالتنا إلى محكمة جرائم الحرب على قتلنا لبعض الإرهابيين.. ولا تطالبون بإحالة بشار الأسد إلى تلك المحاكم وهو يستحقها بامتياز.. وقد قتل أكثر من أربعين ألف مواطن مدني، بينهم آلاف الأطفال والنساء والشيوخ والمعوقين، وغيب أكثر من مئتي ألف بين سجين ومفقود، وفرض النزوح على أكثر من ثلاثة ملايين مواطن داخل سورية، وهجّر نحو مليون إلى الدول المجاورة، ودمر المدن والبلدات والقرى في طول البلاد وعرضها، بما فيها من مؤسسات ودور عبادة ومعالم تاريخية وبنية تحتية، وإسقاط عمارات وأبنية على رؤوس ساكنيها، أمام سمع العالم وبصره وتصارع الكبار في مجلس الأمن وندب العرب وذرف دموعهم؟!

يحق لنتنياهو أن يقول ما يقول ويدعي ما يدعي.. أما نحن ضحايا هذا القاتل الذي يضرب في دمشق وفي غزة في آن واحد فلنا قول آخر.. فالدم الذي يسفح في سورية هو من نفس فصيلة الدم الذي يسفح في غزة، والجزار الذي يجتز الرؤوس ويقطّع أوصال الأطفال، ويبقر بطون النساء ويقطع الرؤوس ويبتر أطراف الرجال في دمشق ومخيم اليرموك وحمص ومخيم الرمل وحلب ومخيم النيرب ودير الزور ومخيم درعا وإدلب ومخيم فلسطين، هو نفسه الذي فعل نفس المجازر في حماة ومخيم نهر البارد وحلب ومخيم الكرنتينا وجسر الشغور ومخيم تل الزعتر في ثمانينات القرن الماضي، ويفعل ذلك اليوم في غزة واليرموك، والذي يدمر أحياء دمشق وأحياء حلب وحمص ومعرة النعمان ودير الزور ويسقط العمارات والأبنية على رؤوس ساكنيها هو نفسه الذي يفعل نفس الشيء في غزة.

ما أقوله ليس أحجية أو لغزاً يستعصي على الحل.. إنه واقع تعيشه دمشق الفيحاء مع شقيقتها غزة العزة حيث القاتل في ذينك البلدين وجهان لعملة واحدة لا تصرف إلا في بنوك القتل ومصارف سفك الدماء، والفارق بين القاتلين أن الأول يقتل شعبه والثاني يقتل عدوه والضحايا ينتمون لشعب واحد تربطهم أواصر الأخوة والدم، ويشتركون في أهداف وآمال واحدة وينشدون الحرية والانعتاق من الاحتلال.. الاحتلال الصهيوني في فلسطين والاحتلال الأسدي في سورية.

القاتل اليوم في غزة يسابق القاتل في دمشق ولكن هيهات هيات أن يكون قصب السبق لنتنياهو المتخلف كثيراً عما أنجزه جزار سورية.. صحيح أن نتنياهو قاتل ومن نفس فصيلة القاتل بشار الأسد ويبيح لنفسه قتل الفلسطينيين لأنهم أعداء، ولكن الأسد يسفك دماء مواطنيه السوريين بوتيرة عالية ومتسارعة لم يسبقه إليها أحد لا في الماضي ولا في الحاضر، حتى أن كتاب جينز أصبح متأخراً كثيراً عن الإحاطة بكل إنجازات الأسد الدموية، وهذا ما يستدعي ابتكار كتاب جديد حروفه أطراف وأشلاء ورؤوس وعظام، ومداد كلماته دم قان تختلط به بناطيل وقمصان وأحذية وجلابيب ولعب أطفال وحجارة وقضبان حديد وبقايا أدوات مطبخ وخزائن وأسرة ومصابيح كهرباء.

لا أريد ان أسوّق ما سُرب عن طلب رامي مخلوف من أحد نواب الكنيست الإسرائيلي في إيصال رسالة إلى نتنياهو ووزير دفاعه، يطلب منهما فتح جبهة في غزة بضمان عدم تحرك حزب اللات ضد إسرائيل، لتحويل الأنظار عما يفعله بشار الأسد في سورية، لأن كلاً من نتنياهو ويهود باراك لا يحتاجان إلى التذكير بما عليهما فعله، وليسا بحاجة إلى ضمانة من الأسد بعدم تحرك حزب اللات، لأنهما جربا هذا الحزب عام 2008 عندما اجتاحت القوات الصهيونية غزة واستباحت دماء أهلها ودمرت أبنيتها ومؤسساتها وبنيتها التحتية لنحو شهر، دون أن نسمع سوى جعجعة وفرقعات إعلامية من كل من النظام السوري وحزب اللات، اللذان صكا آذاننا بمقولات خرقاء في ادعاء المقاومة والممانعة والصمود والتصدي والتوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني، والرد في المكان والزمان المناسب.. الذي تبين أن المقصود به دمشق وبيروت وحلب وصيدا وحمص وطرابلس وتل كلخ وعكار!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حكاية ليلية (قصة واقعية من ذكريات السجون الأسدية)

ميشيل كيلو

فُتِحَ بابُ زنزانتي فجأة, كانت الساعة تقارب الثالثة فجرًا. أمرني رجل الأمن أن أخرج وأتبعه. بعد قرابة خمسين خطوة، فتح باب زنزانة سبقني إلى داخلها وهو يمسك بيدي ويجرني وراءه. رفع الغطاء عن عيني وقال لي هامسًا: “سأعود بعد ساعة لإعادتك إلى غرفتك (يسمون الزنزانة المنفردة في السجون السورية غرفة)”.

أشار بإصبعه إلى زاوية فارغة وقال لي: “اجلس هناك واحك حكايةً لهذا الطفل”.

كان في المكان الضيق (مترين بمترين) سيدة في نحو الثلاثين من العمر. خرج الحارس وأغلق الباب وراءه وهو يأمرني أن لا أتحدث بصوت مرتفع كي لا يسمعني أحد من زملائه فتقع الكارثة ونذهب معًا إلى تدمر.

ألقيت التحية على السيدة، فلم ترد. كانت خائفة ومتكورة على نفسها كمن يتقي خطرًا داهمًا. قلت لها مطمئنًا: “لا تخافي يا أختي فأنا سجين مثلك”. بعد صمت قصير سألتها كم مضى عليها من الوقت هنا؟ فقالت ستة أعوام. نظرت إلى الطفل الذي كان في الرابعة، ففهمت أنها حملت به وولدته في السجن. سألتها عن سبب وجودها في الفرع، فقالت وقد بدأت حبات الدموع تنساب من عينيها: “رهينة”.

جلست أمام الطفل، سألته عن اسمه، فلم يرد. قالت إنها لم تطلق عليه اسمًا بعد؛ لأنه لم يسجل في أي قيد، لكنها تسميه أنيس.

قلت وأنا أمسك يده الصغيرة: “سأحكي لك الآن حكاية يا أنيس. كان هناك عصفور صغير كثير الألوان حسن الغناء”، فسأل: “شو العصفور؟”، صمتُّ قليلًا، ثم قررت تغيير القصة وقلت: “كانت الشمس تشرق على الجبل”، فبدت على وجهه علامات الاستغراب وعدم الفهم!

قالت الأم: “لم يخرج أبدًا من هذه الزنزانة، فهو لا يعرف عن أي شيء تتحدث”، وانفجرت بنحيب لم تعد تستطيع السيطرة عليه.

جلست حائرًا لا أدري ما علي فعله: رواية حكاية للطفل هي استحالة لا سبيل إلى تحقيقها، أم مواساة أم منتهكة الكرامة تضيع عمرها في هذا المكان الخانق، بصحبة طفل لا تدري من أبوه، ستخرج معه ذات يوم تجهل متى يأتي إلى عالم لن يرحمهما!

تسمرت في الزاوية البعيدة عنها، لم يعد لساني قادرًا على قول أي كلمة، فقبعت هناك متكورًا على نفسي. بعد قليل جاء الحارس لإعادتي إلى زنزانتي، عندما فتح بابها واطمأن إلى أن أحدًا من زملائه لم يشاهدنا، سألني إن كنت حكيت حكاية للطفل. عندما رأى الدموع على خدي، أغلق الباب وراءه وانصرف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب في دير الزور ...شهيدا ..نعي برسم اتحاد الكتاب العرب ...

سيكون محمد رشيد الرويلي واحدا من عشرات الألوف من الشهداء  حملة مشاعل الحرية الذين قضوا على طريق بناء سورية الحديثة .

سندعو للمناضل الشهيد ولجميع إخوانه الشهداء بالرحمة . وأن يتقبلهم الله في الصالحين ..

سنقول لأسرة محمد رشيد الرويلي الصغيرة ولأسرته الوطنية الكبيرة ولأسرة الحرف العربي : عظم الله أجركم . ورحم ميتكم وعوض الأمة والشعب والوطن والأسرة في مصيبتهم خيرا ..

مضى محمد رشيد الرويلي مشعلا جديدا يضيء طريق الحرية . يشارك الشهيد اليوم  بإضاءته بدمه كما أضاءه من قبل بكلماته ..

ودائما كانت الكلمة الطيبة مضيئة ومشعة...

وكل الذي نتمناه ، و تتمناه أسرة الشهيد الرويلي ، و تتطلع إليه روح الشهيد  (رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب في مدينة دير الزور) أن يضيء دمه عقول وقلوب القائمين على هذا الاتحاد ليس فقط وفاء لدم الشهيد ولأمانة الكلمة التي يزعمون الانتماء إليها ؛ بل لكي لا تحل عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ...

تشهد ابنة الفقيد أن أباها اعتقل من بيته منذ شهرين بحضور مجموعة من القوات الخاصة بقيادة عقيد من الجيش السوري . وكان على باب البيت مجموعة من الدبابات وفي السماء سرب من الحوامات . نسرد كل هذا لكي لا تنسب الجريمة النكر كما تنسب كل أخواتها إلى العصابات المسلحة فيقال  هي التي قتلت وهي التي شوهت ..

كل ما تبقى من الكاتب المفكر الأديب بقايا جسد ستكون دليلهم للتثبت من هوية الشهيد ..

استشهد الكاتب صاحب رواية ( الرباط الواهي ) لا أدري لماذا أُلهم يوما هذا العنوان هل للتعبير عن علاقة المجتمع السوري بظالمه المستبد أم للتعبير عن علاقته باتحاد الكتاب ( المزيفين ) الذين ما زالوا يلتوون أمام حقائق الدم السوري المهراق ...

رحم الله الشهيد وغفر ذنبه وألهم أسرته وذويه حسن العزاء وإنا لله وإنا إليه راجعون ...

لندن : 9 / محرم 1434

23  / 11 / 2012

زهير سالم : مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا .. معالم في طريق سقوط النظام

أحمد العالم

المستقبل

21-11-2012

سقط النظام السوري نظرياً صباح 15 آذار عندما كسر الشعب جدار الصمت وحطم قدرة الردع التخويفية الارهابية التي استخدمها النظام لاربعة عقود تقريبا ونظريا ايضا يمكن القول ان النظام سقط يوم 25 يناير عندما انتفض الشعب المصري واسقط النظام الاستبدادي الاحادي الذي اقامه العسكر بعد انقلاب عام 1952 وتم استنساخه من حيث الاطار العام والبنى السلطوية في معظم جمهوريات العالم العربي وتحديداً في العاصمتين الأكثر تأثرا بالقاهرة عبر التاريخ والجغرافيا السياسية وهما بيروت ودمشق.

المفاهيم الفكرية والتاريخية السالفة الذكر لا تقدم وحدها البراهين على السقوط الحتمي للنظام وانما ثمة دلائل اخرى تتعلق بالاسس السلطوية الادارية والسياسية التي بناها حافظ الاسد عبر عقود من اجل حماية النظام وديمومته بينما تعاطى معها ابنه وخليفته بمزيج من الجهل والغباء والاستخفاف.

أدار الاسد الاب الوضع الداخلي ضمن ثلاثة اسس ومفاهيم مركزية اولها ادارة الحزب المباشرة للدولة في الابعاد المختلفة السياسية الاقتصادية والاجتماعية والحرص على اتخاذ القرارات الكبرى من خلاله حتى لو كانت نتاج اجتهاد وتفكير من قبل الرئيس القائد الذي كان حريصاً دائما على ابراز دور الحزب الاساسي والمركزي في ادارة الدولة.

في السياق الاقتصادي الاجتماعي اتبع الاسد الاب نظاماً اشتراكيا منفتحاً نوعاً ما وادارة مباشرة من قبل النظام والدولة للاقتصاد والسعي لتقديم الخدمات الاساسية للمواطنين ولو بحدها الادنى والحرص على ان يدفع الشعب كله او معظم قطاعاته ثمن هذا النظام الصارم والقاسي والتضحية من اجل المصلحة الوطنية والقومية العامة. وفي السياق ابرم الاسد الاب تفاهمات ضمنية وغير رسمية مع الكتلة السنية الكبرى في الشام وحلب لحظت عدم تدخلها في السياسة والامن مقابل توفير بيئة ملائمة لها للعمل والتجارة ضمن الخطوط العريضة التي تحددها الدولة بينما تم سوس الملايين في الريف بالقمع والقهر الامني اضافة الى الخدمات الاجتماعية التعليمية والصحية ولو ضمن الكفاف والحد الادنى.

الاسد الاب اجتهد ايضاً لصياغة مظلة عربية ودولية لحماية وديمومة الوقائع الداخلية التي فرضها ان في السياق السلطوي او الاقتصادي والاجتماعي وهكذا عمل دائما على نسج علاقات متينة مع الرياض والقاهرة او احداهما على الاقل وفق قناعته او مقولته الشهيرة -دمشق لا تستطيع العيش في قطيعة مع الرياض والقاهرة في الوقت نفسه، واذا كان متعذراً الوصول الى علاقة حميمة ومتينة معهما فلتكن مع احداهما على الاقل- علماً ان هذا ساعده ايضاً في الانفتاح على العالم والاحتفاظ بقنوات مفتوحة مع المجتمع الدولي والحرص على تنظيم الخلافات وتحييدها لصالح نقاط التوافق والتلاقي. وهذه السياسة تبدت كافضل ما يكون في الملف اللبناني-وبدرجة اقل الفلسطيني- لجهة الحفاظ على مصالح سوريا وفق رؤية الاسد دون كسر الجرة مع الاخرين والحفاظ قدر الامكان على مصالحهم ايضا.

تعاطى حافظ الاسد في الغالب مع لبنان كشأن داخلي وباعتباره جزءاً من سوريا التاريخية وضمن مقولته الشهيرة- شعب واحد في دولتين- ولذلك اجتهد لانتاج معادلة ثلاثية لبنانية خاصة بعد الطائف شبيهة في الجوهر بتلك التي اقامها في الشام لحظت ادارة للصراع مع اسرائيل ومواجهة احتلالها للجنوب بوتيرة منخفضة بحيث لا يؤثر مشروع المقاومة سلباً على هيبة وسلطة الدولة او على التوازنات الطائفية الهشة ومن هنا كان حثها بل اجبارها على البقاء في الجنوب ومنع انتقال السلاح منعاً باتاً الى بيروت او اي من المدن اللبنانية الاخرى.

اضافة الى مشروع المقاومة، صاغ الاسد الاب مظلة سياسية محلية واسعة لحمايته كما لحفظ وصيانة الاستقرار والسلم الاهلي بمشاركة القوى الاساسية والمركزية طائفياً وسياسياً علماً ان الرئيس الشهيد رفيق الحريرى لعب دوراً اساسياً في هذه المظلة كما في واحدة شبيهة اخرى اقليمية ودولية لحماية لبنان ومنع انفجار الوضع فيه او عودته الى مربع الاقتتال والحرب الاهلية.

بشار الاسد المغرور المتغطرس والمفتقد لقدرات ومواهب والده القيادية والسلطوية تعاطى بمزيج من الاستخفاف والجهل والغباء مع تركة وارث الاسد الاب. وهكذا بادر الى تهميش الحزب وابعاده عن القرارات والتوجهات الكبرى والاستعانة بمجموعة من المستشارين والمساعدين محدودي القدرات والامكانيات بينما عمد من جهة اخرى الى حزمة من الخطوات لخصخصة الاقتصاد وتخفيف قبضة الدولة ما اجحف بالطبقات الضعيفة وقلص الخدمات الحكومية. والادهى من ذلك كانت هيمنة العائلة على الاقتصاد الجديد وتحديدا قطاعات الاتصالات والسياحة والسيارات ما فاقم من الغضب والنقمة على النظام خصوصاً مع التحسينات الشكلية التي ادخلت على الاجهزة الامنية دون ان تنال من سطوتها وهيبتها وقهرها للشعب.

النهج الساذج والمتغطرس تم استنساخه خارجياً. وهكذا ركل بشار دلو الحليب الذي استغرق والده عقوداً في ملئه وبدا لبنان بمثابة الدليل الصارخ على غباء الاسد الابن وقصر نظره، فتم توسيع مشروع المقاومة لتتحول الى جيش كبير نال من هيبة وسلطة الدولة وحطم في السياق التوازنات الطائفية الهشة والحساسة بينما داس بقدم فظة المظلة المحلية التي اقامها والده لحماية المقاومة الاستقرار والسلم الاهلي كما المصالح السوريا في لبنان عبر التمديد القهري للرئيس اميل لحود والاقصاء السياسي للرئيس رفيق الحريري قبل اغتياله، ثم ادخال البلد في المجهول عبر سلسلة من الاغتيالات السياسية وتأجيج الاستقطاب الطائفي والمذهبي وجعل سوريا مجرد تابع للسياسات والمصالح الايرانية لدرجة ان خطوة عملاقة بحجم اصطحابه من قبل الملك عبد الله بطائرته الخاصة الى بيروت لم تنجح في اعادته الى جادة الصواب او اقناعه بتبني مقاربة مغايرة تتساوق مع ثوابت ومرتكزات ابيه.

مع سياسته البائسة والعقيمة داخلياً واقليمياً تشاجر بشار مع العالم كله تقريباً وعانى لسنوات العزلة قبل ان يهدر فرصة اقليمية كبرى بحجم اتفاق الدوحة كانت كفيلة هي الاخرى بمصالحته مع المجتمع الدولي وتشجيعه على تبني مقاربة بل مقاربات مختلفة في الداخل والخارج.

اذاً، هدم بشار بعيون مفتوحة وعقل مغلق اسير، الاسس التي بنى عليها والده نظامه السلطوي الاستبدادي وحتى التحذير المدوي من تونس مصر وليبيا تعاطى معه على طريقته باستخفاف وغطرسة وغباء. وعموماً، فقد رسم مصيره بيديه وبات سقوطه مسألة وقت فقط، علماً ان نظرة الى الوراء تشجعنا على القول ان نهايته بدأت باكرًا جدا وتحديداً يوم ورث السلطة بعد رحيل والده قبل اثني عشر عاماً واستمر طوال هذه المدة فقط بفضل االقصور الذاتي الذي استدركته قوى الثورة منهية في السياق زمن زعماء الصدفة ومسقطة مشروع التوريث السياسي ولو بأثر رجعي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما سرّ اطمئنان النظام السوري إلى درعه الواقي من الإنقلابات؟

د. عمار البرادعي

2012-11-20

القدس العربي

قليلا ما كنا نسمع في الماضي عن تأثير حدث ما في رفع وتيرة التعصّب الطائفي إلى حدّ الجنون. لكننا أصبحنا نرى اليوم أسوأ صور تحكّم هذا التعصب في كل مجريات الوضع في سورية، الى درجة تعدّت حدود إذلال المواطنين والتمييز بينهم، إلى ارتكاب المجازر الجماعية بحقهم منذ اندلاع الثورة التي قاربت على العامين، وأصبح السؤال الطبيعي الذي يُردده الكل باستغراب: ما سرّ 'اطمئنان' النظام إلى وضعه الداخلي، وإصراره على المضي في تنفيذ جرائمه اليومية دون الخشية من ردود فعل القيادات العسكرية عليه، خصوصا وأن أحدا من غير المرتبطين به لم يعد يصدّق محاولاته الدؤوبة لقلب الحقائق، وإظهار كل ما يجري على الأرض على أنه مؤامرة ضده، وهجمة إرهابية مدعومة من الخارج على نظام علماني وليس طائفيا؟ الثابت أن تركيبة النظام التي نجحت بكل خبث وباطنية في العمل على استحواذ اللون الطائفي الواحد على مراكز اتخاذ القرا ر، والإستفراد بأبرز المواقع القيادية العسكرية والأمنية والمخابراتية، هي التي شكّلت صمام الحماية له ودرع الوقاية من الإنقلابات، مهما استفحل في ممارساته وإرهابه وتقتيل أبناء شعبه. وهي التي كانت في الوقت نفسه السبب الأساس للإحتقان الشعبي المزمن. وما الثورة الشعبية التي انطلقت مطلع العام الماضي إلا وليد استمرارية هذا الوضع واستشرائه أكثر وأكثر مع مرور الأيام، ساعد على انطلاقها جو الربيع العربي الذي مهما قيل عنه، ومهما تعرّض لمحاولات احتواء أو اختراق، يبقى هدفه الأساس تحقيق الحرية والديمقراطية وعيش المواطن بكرامة كباقي بني البشر.

إذا أخذنا هذا الوضع بعين الإعتبار، وعدنا إلى بدايات وضع اللبنات الأولى لأساسه الذي جرّنا إلى كل المصائب اللاحقة، لأدركنا قبل قدوم الربيع العربي بسنين طويلة أن الربيع السوري آت، حتى لو لم يأت لأي بلد عربي آخر، وهذا ما لا يريد النظام ولا أتباعه من المتاجرين بالممانعة كلاما الإعتراف به، ذلك لأن هذه البدايات وطبيعتها الطائفية لا تعود للسنوات الأخيرة ولا لما قبلها، بل لحوالي خمسة عقود، وتحديدا إلى اليوم الذي تشكل فيه تكتل سري عُرِف باسم 'اللجنة العسكرية' التي ضمّت مجموعة من الضباط السوريين المتواجدين في مصر أيام الوحدة مع سورية، ضد ما وصفوه يومها بالتمييز داخل الجيش، وقد جمعهم لون طائفي واحد، وكان من أبرزهم وقتها صلاح جديد، محمد عمران، عبد الكريم الجندي، حافظ الأسد، وغيرهم من الضباط. هذه المجموعة التي عاد أعضاؤها الى سورية بعد جريمة الإنفصال بدأوا نشاطهم التخريبي سرا داخل الجيش، ثم داخل الحزب والدولة بعد سقوط الإنفصال، وركزوا جهودهم على ممارسة التمييز الطائفي بين أبناء بلدهم وتعزيز التكتلات الموالية لهم، وهم الذين كانوا يحملون لافتة الإعتراض على التمييز بين ضباط الجيش. ولم يتوقف هذا النشاط إلا بعد أن أمعنوا في تصفية بعضهم، حتى استفرد 'رفيقهم' حافظ الأسد بقيادة السلطة، وقام بإعادة هيكلية الحزب والدولة والجيش حسب توجهه الطائفي لضمان استمرار تحكّمه بالبلاد والعباد، وصولا إلى تحكّم ابنه بشار الذي تم تعديل الدستور على مقاس سنّه، كي يجري تنصيبه مكان أبيه. وها هو يسير على نهجه سواء بالنسبة للإعتماد على أبناء الطائفة في قيادة المراكز الأساسية داخل الجيش والأجهزة الأمنية، أو بالنسبة لمحاولة استمالة الأقليات وإشعار كل فئة منها، سواء المسيحيين أم الدروز أم الأكراد وغيرهم بأنهم أقلية، مثلهم مثل العلويين، ولهذا فإن مصيرهم مرتبط بمصير النظام وهو حامي حماهم. ثم، أخيرا ما هو اكثر من ذلك، وها هو ابنه يتفوّق عليه بعد أن عمّم مجزرة حماه الدموية بامتياز لا سابق له على سائر أرجاء سورية وأهلها. وبناء عليه، أصبح الانطباع السائد لدى البعض قبل اندلاع الثورة السورية ان الأقليات على مختلف تصنيفاتها الطائفية والعرقية تقف في صف النظام باعتباره 'علمانيا' حتى ولو اكتوت بناره، ولم يعد مستغربا بعد ذلك أن يزداد خوفها من البديل الآتي في الآونة الأخيرة، بحكم القناعة التي حاول النظام ترسيخها لدى هذه الأقليات بأن ذهابه يعني ذهابهم.

ولكن هل هذا الموقف يشمل الجميع، أم أن الحقيقة غير ذلك؟ إذا كان موقف العلويين معروفا، ويكاد ينحصر بين النخبة المستأثرة بمراكز اتخاذ القرار في عصب النظام إلى جانب المرتبطين والمنتفعين، مقابل سائر أبناء الطائفة الذين لا تختلف أوضاع الكثيرين منهم عن أوضاع كل أبناء الشعب. وإذا كان موقف الأكراد متوقعا وخيارهم مقروءا في ضوء المتغيرات والظروف وإمكانات تنفيذ ما في رؤوسهم. يبقى من المهم معرفة موقف المسيحيين وهو الذي كان وما يزال مثار تساؤلات حول حقيقته، ودور أتباع كل كنيسة في إسناد النظام أم الثورة. ذلك لأن للمسيحيين كشعب وقيادات دينية مواقف مختلفة ومتباينة بل متناقضة أيضا. فمنهم المنحاز الى النظام، ومنهم المنحاز الى الثورة، ومنهم من يحاول التزام الحياد حتى اللحظة، وإن استنفر قوته مؤخرا تحسبا لأكثر من احتمال، ومنهم الخائف من المستقبل والمصير ويؤثر الهجرة على البقاء بانتظار المجهول. هذه المواقف يمكن رصد أمثلة عليها كلها في ما تنشره وسائل الإعلام. فعلى سبيل المثال، خرجت علينا صحيفة الديلي تلغراف البريطانية في 13 ايلول الماضي قائلة ان الطوائف المسيحية في مدينة حلب قد حملت السلاح مع الأرمن إلى جانب النظام في مواجهة مقاتلي الثورة والجيش الحر.

وعلى النقيض من ذلك سمعنا شهادات مختلفة على ألسن كوادر في المعارضة السورية تؤكد ان المسيحيين في حلب لم يقفوا مع النظام ولا قاتلوا في جبهته، بل جاء حمل بعضهم السلاح بهدف المحافظة على أمن أحيائهم نتيجة الفوضى وغياب الأمن، وأن ما يتردد حول انحيازهم للنظام ليس إلا انعكاسا لما يروّجه النظام نفسه، بغية شق الصف الوطني من خلال اللعب على ورقة الأقليات وخصوصا المسيحيين. على نغمة أخرى حول موقف المسيحيين نشرت الفيغارو الفرنسية أكثر من موضوع كان أكثرها لفتا للإنتباه ما نشرته في 2 آب تحت عنوان 'مسيحيو سورية يسقطون بين فكي كمّاشه' علّقت فيه على المعارك التي دارت للمرة الأولى على حدود الأحياء المسيحية في دمشق بين جيش النظام وشباب الثورة، وكيف أن المسيحيين قد 'آثروا التزام أماكنهم وعدم المشاركة، رغم أن احتمال سقوط نظام بشار الإستبدادي يقلق ما يقرب من 12 كنيسة في سورية تنتمي الى الطائفة الأرثوذكسية أو تنتمي إلى الفاتيكان'. هذه الملاحظة الأخيرة هي بيت القصيد في قراءة انشطار الموقف المسيحي بين النظام والثورة. وهذا ما أكده للفيغارو الدبلوماسي الفرنسي في سورية إينياس لوفوريه بقوله 'لاشك أن الكثير من المسيحيين يفضلون بقاء النظام الحالي، وهناك مسيحيون آخرون كالمعارض ميشيل كيلو يرفض هذا التوجه، ويؤكد أنه إذا قرر المسيح أن يعود في عصرنا هذا، فسيكون أول شيء يفعله هو النزول للشارع والمشاركة في التظاهر ضد النظام'. وعلى ذكر هذا القول المتعلق بجوهر الموقف المسيحي الصائب من انتفاضات الشعوب ضد القتلة والمستبدين من حكامها، يجدر التذكير برسالة النصيحة التي بعثها ميشيل كيلو الى قداسة البابا بمناسبة زيارته إلى لبنان في شهر أيلول الماضي قائلا فيها بالنص 'لا يخوض النظام (السوري) معركة الدفاع عن المسيحيين الذين لا يهددهم أي خطر أعظم من حماقة بعض كنائسهم وكهنتهم، التي وصلت إلى حد جعَلَهم يباركون قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وينظمون حفلات راقصة احتفالا به، ويرون فيه حربا إنقاذية على الإرهاب والتطرف، كأن العنف الرسمي المفتوح ليس إرهابا وليس تطرفا' وخاطب البابا قائلا 'لابد أن تتوجهوا بكلمات لا لبس فيها، تُعيد هؤلاء إلى صوابهم وتذكّرهم أن على المسيحية أن لا تدعم أي حرب، وخاصة الحرب التي يشنها النظام السوري ضد شعبه باسم مكافحة الإرهاب، لأنه لا يخوض معركة الدفاع عن المسيحية كي يحظى بتعاطف كنائس وكهنة، بل يقاتل دفاعا عن استبداده وامتيازاته وقدرته عل امتهان كرامة الناس، فلا تُسهم ولا توافق على هدم الهيكل فوق المسيحيين العرب، ومد يدك لإنقاذهم من حماقات تقترفها كنائسهم وأحبارهم'.

وما دمنا قد تحدثنا عن الكنيسة ورجالها بألسن بعض أبنائها، فمن الإنصاف أن نقرأ بعض ما صدر على ألسنة رجال الكنيسة أنفسهم دعما للنظام، دون أن ننسى بداية الإشارة إلى إقدام الفاتيكان مؤخرا على تكليف القاصد الرسولي في دمشق تعيين عدد من الأساقفة المقرّبين من النظام. فاستنادا لهذا التكليف الذي يحمل معاني مقروءة بوضوح، لا يبدو غريبا على الإطلاق إبداء المونسنيور ابراهام نيهمي لصحيفة الفيغارو تخوّفه من أن يأتي الأخوان المسلمين الى السلطة بدل النظام، بما يمثّله ذلك من تهديد للوجود المسيحي. ولا يبدو غريبا قول البطريرك غريغوس الثالث لحام أن 'الثورة أجنبية وأن وراءها أيد وأفكار وقرارات وأسلحة أجنبية، والأهم من كل هذا أن نواتها أجنبية' كما يصب في نفس الإطار قول رئيس الكنيسة السريانية اينياس زكا أن قوى خارجية هي التي أجّجت الثورة وليس الشعب السوري. هذا جانب من الصورة التي أصبح عليها الموقف المسيحي بشقيه الشعبي والكنسي من الثورة ونظام بشار الجزار، دون أن ننسى الإشارة إلى جوانب مضيئة لا يمكن أن تُعتّم عليها مواقف بعض القوى ورجال الدين، منها على سبيل المثال لا أكثر تحويل ردهات العديد من الكنائس الى مستشفيات لاستقبال المصابين، وقيام الثوار في مدينة يبرود بحماية كنيستها الى جانب مبادرة الكنيسة للدعوة إلى إفطار في شهر رمضان.

يبقى القول ان تركيبة النظام واستفراد طائفيين من لون واحد بمقدرات البلد ليس قدرا لايمكن تغييره أمام إرادة الشعوب .. وحتى المفاجآت المتوقعة بين يوم وآخر. يا قدرة الله.

-*-*-*-*-*-*-*-*

أخطاء قاتلة!

الشرق الاوسط

ميشيل كيلو

21-11-2012

ثمة أخطاء شائعة في عمل المعارضة السورية تتكرر منذ قيام الثورة المجيدة، أهمها قاطبة موقف بعض المعارضين من مسألة الحوار، التي أربكت العقل السياسي المعارض بالأمس، خلال نيف وعامين، وتربكه اليوم أيضا.

في بداية الثورة، وقع نقاش حول مسألة الحوار مع النظام تباينت وجهات النظر فيه، فقال البعض برفضه المطلق، وقال البعض الآخر بقبوله على علاته، ودعا كاتب هذه الأسطر إلى حوار تتوفر فيه ثلاثة معايير هي: أن يخدم الثورة والشارع، ويقلل أعداد المحايدين والخائفين ويدفع بهم إلى المظاهرات، ويفكك أو يضعف النظام، وإلا فلا حوار، ولا محاورين، تحت أي ظرف كان.

بعد أشهر قليلة على قيام الثورة، عرض النظام الحوار من خلال ما سماه «هيئة الحوار الوطني» برئاسة الأستاذ فاروق الشرع، نائب الأسد. وبالفعل، فقد أجرى بعض المعارضين حوارات معه ومع أعضاء في اللجنة انطلاقا من المعايير الثلاثة السابق ذكرها، انتهت بقرار إجماعي من المعارضة يدعو إلى مقاطعة الهيئة ومؤتمر صحارى الذي نظمته، فكان ما فعلته مفيدا للحراك الشعبي، لأنه قلل بالفعل أعداد المحايدين، وأقنع جمهورا كبيرا من الناس بأن النظام لا يريد تسوية سلمية للأزمة، وأنه اختار الحل العسكري سبيلا وحيدا للتعامل مع الشعب، كما أدى إلى خلخلة جدية في صفوف النظام، حيث أحدث داخله تناقضات زاهرة بين دعاة التسوية السياسية وأصحاب الحل العسكري - القمعي، عكستها إزاحة عدد من المسؤولين الكبار والمتوسطين عن مواقعهم، أو اعتقال البعض منهم، بينما تعززت ثقة الشارع بقدرة الثورة على بلوغ أهدافها، بعد أن اقتنع بأن النظام يحاول كسب الوقت وإضفاء صبغة معتدلة على عنفه، ويبحث عن تغطيته سياسيا من خلال توريط المعارضة بما يناقض مصالح الشعب.

فيما بعد، وخلال فترة قصيرة من تأسيس المجلس الوطني، رفع شعار «لا حوار مع الدبابات»، وتم رفض «مبدأ الحوار» باعتبار أنه لن يفضي إلا إلى خيانة الثورة، ثم ربط الرفض بإسقاط النظام، واستخدم لتحقيق أغراض ليست على علاقة بذلك، تفرعت عن الصراع على قيادة المعارضة وانصبت على شرعية منظماتها، فكان من الطبيعي أن تنتهي الأمور إلى تخوين معارضة الداخل واتهامها بالرغبة في حوار مع النظام سيخرجه من مأزقه، كأن كل شيء كان قد أصبح معدا بالفعل لإطاحة السلطة، أو كأن هذه كانت راغبة في حوار يضع حدا للأزمة والصراع مع أي طرف داخلي معارض، وأخيرا، كأنه لم يبق لإسقاط النظام غير التخلي عن الحوار معه. حدث هذا، بينما كان النظام يستعيد بعض من تخلوا عنه في الفترة التي أعقبت قيامه بإفشال الحوار الوطني، ويوحد صفوفه بدرجة لم تعد تسمح لأي شخص أو جماعة بقول أو فعل أي شيء يتعارض وخط الأسرة الأسدية وزرازيبها. وحدث كذلك بينما كانت المعارضة تزداد فرقة وانقساما وتصارعا، والشعب يزداد إصرارا على التضحية دون أن يجد بين المعارضين من يعبر عن رغباته ونضالاته. هكذا، انقلب الخلاف حول الحوار إلى أداة مزقت الصف الوطني، ومكنت النظام من التذرع بأنه لا يحل الأزمة سلميا وسياسيا، لأنه لا يجد من يريد الحوار معه. ذلك نقل مركز ثقل الصراع من السياسة إلى استخدام القوة، كما خطط لها النظام، وتخلت المعارضة بكافة ألوانها وأطيافها عن ورقة السياسة، التي لم يكن من الجائز التخلي عنها، لصعوبة كسب الشعب من دونها، وخاصة قطاعاته الواسعة المطالبة بحل سياسي وسلمي، الخائفة من المصير الذي يأخذها العنف إليه. لقد كان من الممكن كسب أقسام كبيرة من هذه القطاعات عبر استعمال الورقة السياسية أداة فاعلة في صراع متنوع لا يتورع النظام عن استعمال جميع ما هو متاح له من أوراق فيه، لكن ذلك لم يحدث.

واليوم، صارت استحالة إجراء أي نوع من الحوار مع السلطة من مسلمات العمل المعارض، كما يقول: «الائتلاف الوطني للقوى الثورية والمعارضة». والغريب أن القائلين بهذا المبدأ لا يلاحظون تعارضه مع استعدادهم المعلن لمحاورة من «لم تتلطخ أيديهم بدماء الشعب من أهل السلطة»، وللمشاركة (حسب الميثاق السياسي للمجلس الوطني) في حكومة «وحدة وطنية» مع مؤسستهم العسكرية، التي لا ينكر هؤلاء أنها تسفك دماء السوريات والسوريين منذ قرابة عامين، ويتجاهلون أيضا ما في القولين من استعداد للحوار مع من لم تتلطخ أيديهم بالدماء في الأول، ومن تلطخت حتى أعناقهم في الثاني، ولا يأخذون بحسبانهم واقعا قد يترتب على تداعي النظام، يعبر عن نفسه في بروز تيار داخله يريد التخلص من بشار وعصابته، والمساعدة على انتقال سوريا إلى نظام ديمقراطي، مقابل منحه ضمانات خاصة بأمن وسلامة أطراف في السلطة. ماذا سيفعل المعارضون في حال اتصل بهم بعض أهل النظام وطالبوهم بحوار حول هاتين النقطتين: التخلي عن النظام والمشاركة في إسقاطه والمطالبة بضمانات؟ هل يكون من مصلحة الثورة أن يقولوا لهم: ابقوا حيث أنتم، مع بشار الأسد ونظامه وقاتلونا حتى النهاية، لأننا نرفض مبدأ الحوار معكم، أم سيكون من المصلحة محاورتهم؟

هذه مسألة على قدر عظيم من الأهمية، يصعب الوصول إلى موقف صحيح منها عبر سياسة الرفض المطلق لمبدأ الحوار، الضيق جدا بالنسبة لحجم الاحتمالات المتنوعة التي يمكن أن تواجهنا في الواقع خلال الفترة القادمة، عندما سيكون من الممكن أن يقتنع بعض أهل النظام بضرورة العمل على حماية أنفسهم من خلال الإسهام بطريقة ما في تفكيكه، بالتعاون مع المعارضة. ماذا نقول لمن يأتي إلينا معلنا استعداده للمشاركة في تفكيك النظام ووقف العنف والتخلص من قيادته الحالية؟ هل نلقي بمبدأ اللاحوار وراء ظهورنا أم نرتكب غلطة التمسك به، فنطيل أمد الأزمة ونتسبب بالمزيد من قتل السوريات والسوريين، ومن دمار وطننا المنكوب بحكامه؟

لا بد من التخلي عن بعض الشعارات التي ورثناها من حقبة تأسيس المجلس الوطني، وكان القصد منها الصراع ضد أطراف في المعارضة وانتزاع قيادة العمل منهم، أكثر مما كان الصراع مع النظام، والدليل ما شاب أقوال المجلسين من تناقضات صارخة ترفض الحوار مبدأً، لابتزاز المعارضة، وتقبله كممارسة، مع النظام.

ويقيني أن الائتلاف كان يجب أن يقول في بيانه برفض الحوار، إلا إذا كان يفضي إلى تفكيك النظام وإسقاط العصابة الحاكمة، والإسهام في نقل سوريا إلى النظام الديمقراطي العتيد. ذلك كان سيشجع أطرافا كثيرة في النظام على تلمس دربها نحو دور وطني، وسيسهم في تخفيف وطأة القتل عن شعبنا، وسيعيد ورقة السياسة إلى يدنا باعتبارها الورقة التي تكمل ورقة مقاومة شعبية ندين لها بصمودنا الأسطوري وانتصاراتنا. وأعتقد، في الختام، أن وقت تصحيح هذا الخطأ لم يفت بعد، وأن علينا التخلص منه، لأنه مفيد ومطلوب!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من يقاتل من في سوريا؟

الأربعاء، 21 تشرين الثاني 2012 01:26

السبيل

ناصر السعدي

عاشت سوريا الجغرافية والإنسان أسوأ أيامها في العشرين شهرا الماضية أو أكثر من عمر الأحداث الجارية بها، وما أطلق على هذه الأحداث من ألقاب كحراك أو ثورة أو انتفاضة، مهما اختلفت هذه الألقاب والمسميات فإنّها في حقيقة أمرها تلتقي في أنّ هناك حراكا شعبيا رافضا لحكم النظام السوري الحالي، وأنّ هذا المقال لا يسعه أن نستفيض في كم هي نسب وحجم المشاركين والمناصرين لهذا الحراك على المستوى الشعبي على طول الأرض السورية وعرضها.
وفي مقتبل عمر هذه الثورة أو الحراك كانت لا تخرج تكتيكات هذه التحركات عن المدّ الشعبي الواسع مستخدمة أسلوب التعبير الحر والسلمي، وبلا شك لطالما اشتاقوا إليه أهالي الشام بني أمية، وكان بدوره هذا التعبير يعبّر عن شجون هؤلاء المنتفضين، دون أيّ تدخلات خارجية، سواء كانت بشكل مباشر أم غير مباشر، وبذات الوقت كانت قواعد الاشتباك التي ابتدعتها هذه الجماهير لا تخرج عن هذه المبادئ، إلاّ أنّ سلوكيات النظام الحاكم قابلها برزمة من الإجراءات الأمنية والأمنية البحتة، وكان الهدف أولا وأخيرا إخماد الثورة أو الحراك، إلاّ أنّ تطورات المشهد السوري أخذت تنحدر دراماتيكيا رويدا رويدا إلى الصدام المسلّح وتجييش هذه الثورة أو الحراك.
وقد دعم هذا المسلك عدة عوامل، معالجات النظام لاحتواء هذه الثورة، وعززه الانشقاقات منقطعة النظير من أفراد وعناصر من الجيش العربي السوري، والتي طالت مرتبات وألوية منه أثراها انشقاق عناصر من الأجهزة الأمنية المختلفة وانضمامها إلى جيش الثورة والذي عرف فيما بعد بالجيش الحر وما رافقها من تدخلات خارجية متربّصة بسوريا الدولة والإنسان زاعمةً التأييد لأحد أطراف النزاع.
كل ذلك أودى بالبلاد إلى ما نشهده في أيامنا من استعصاء الحل لمسألة تدمير سوريا، حيث وصلت حد الاقتتال الطائفي والمذهبي وأخذت هذه الأحداث سوريا إلى مكان آخر، وهي من أخطر مراحل الصراع، حيث أدّت وستؤدي أولا إلى شرذمتها وتقسيمها عموديا وأفقيا إلى طوائف وأقليات ومذاهب وقوميات متصارعة، ثانيا، تقسيم الأرض السورية إلى دويلات صغرت أم كبرت فهي بالـتأكيد أصغر من سوريا اليوم والأمس، ثالثا، ضعف دور الكينونة السورية على مستوى المنطقة (الإقليمي) الذي هو بالتأكيد يقوّي دور محاور أخرى في المنطقة وعلى رأسها الدولة العبرية التي لا تضمر الخير بمحيطها العربي، رابعا، تعميق التدخل الأجنبي في المنطقة وترسيخه، وهو الموجود أصلا، ولكن قواعد اللعب مختلفة بعض الشيء.
في إلقاء النظرة على لاعبي معادلة الصراع في المشهد السوري نجد أنّ النظام السوري يلقى دعما لا محدود وغير مشروط من روسيا الاتحادية والصين ولو كان بزخم أقل، هذا على المستوى الدولي، أمّا على الصعيد الإقليمي فنجد إيران، بلا شك، هذه الدولة الكبرى على مستوى إقليم الشرق الأوسط، وفي الجهة المقابلة نجد الدول الغربية لا تجد ضيرا في دعم المعارضة السورية، سواء كانت السياسية منها أم المسلّحة، وفي مقدمة هذه الدول، بلا شك، الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا التي كانت عظمى وفرنسا ومن لفّ لفّهم من المنافقين والمستنفعين، أمّا على المستوى الإقليمي فنجد أنّ تركيا في المقدمة التي تبحث منذ زمن عن دور إقليمي فاعل في مشهد العالم العربي بعد أن خسرت كل حظوظها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبالتدقيق في حيثيات ومآرب الدعم لكل طرف من أطراف الصراع نجد بما لا تخطئه العين أنّ لكل دولة أو طرف لها مآربه الخاصة به التي بالتأكيد تعبّر عن مصالحها ومصالحها فقط دون سواها.
لا بل نستطرد قائلين أنّ قائمة الأولويات والمصالح لكل من هذه الدول الداعمة لكل طرف من أطراف النزاع لوجدنا ما هو مذهل، أنّ مصالح سوريا الدولة والإنسان في ذيل هذه القائمة من الأولويات، لا بل تكاد تكون غير موجودة أصلا، لذا على السوريين أولا وأشقائهم العرب ثانيا، وليس سواهم، أن يحكّموا العقل ويفرضوا على أنفسهم الجلوس على طاولة الحوار للخروج بمعادلة يتّفق عليها كافة الأطراف لتجنيب سوريا الدولة والإنسان مزيدا من الكوارث والهدم، وذلك وصولا إلى إعادة بناء سوريا على أسس من الديمقراطية والتعددية والمساواة وإلغاء سياسات الإلغاء والتهميش والابتعاد بعيدا جدا عن سياسة الانتقام والانتقام المضاد، حيث أنّ الوقت ليس به فسحة لمزيد من العبث، بل حانت ساعة البناء والديمقراطية.

-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف الوطني وضرورة اليقظة أمام مخاطر السيناريوهات الثلاث

د. سمير التقي

2012-11-19

القدس العربي

لم تعد سورية في خطر وحسب، بل صار الخطر وجودياً كما لم يكن. فبشار الأسد حاول طوال حكمه إثبات أنه أفضل الحلول السيئة، واستمر خلال الثورة كذلك، وهو في مواجهة هذا النمط المجيد الجديد من الثورة الذي ابتدعه شباب وأبطال الحراك الثوري بما هو نقيض تاريخي أرقى للنظام وبما هو نتاج عقل وأداة أكثر تحضراً وتطوراً اجتماعياً وسياسياً من مجمل منظومة النظام، فإن بشار أراد أن يفرض على الثورة من خلال عنفه البربري العاري، وحله الأمني الأخرق، أن تتحول ارتداداً إلى الوراء لتصبح مسخاً متخلفاً من طينته وجنسه.

وبحله الأمني ومنطقه الملتوي حاول بشار شرذمة المعارضة الخارجية، كي تصبح الثورة عنفاً عارياً بربرياً وعصابة بل بندقية بلا عقل، وكائناً أحمق عنيفاً جاهلاً يمضي بلا أي هدف سياسي.

لكن الثورة السورية المجيدة أثبتت أنها تجاوزت سن الطفولة السياسية، وأنتجت بديلها التاريخي المجيد. فلقد فعلها السوريون متفردين، دون انتظار هاتف من أحد ولا صفقات الدولية وإذ يقتات شعبنا اليوم بالفتات ويقسم رغيفه مشتركاً فإن على القوى الدولية أن تستنتج باكراً أن شعبنا لم ولن ينحني لبشار، ولا لأي غاصب غاشم آخر.

لن نقبل إلا أن تكون الثورة ناجزة بإسقاط كامل للنظام بكل رموزه وأدواته، ولن نقبل إلا الاستقلال كاملاً، كما لم نقبل سابقاً بالاستقلال إلا ناجزاً شامخاً عام 1936.

نعم، تقف سورية الآن على أعتاب مخاطر سياسية داهمة ومصيرية. فلقد نجح بشار جزئياً في أن يولد نقيضاً له من جنسه من خلال استشراء التطرف، ومع ذلك فإن السؤال الراهن لم يعد حول مصير سلطة بشار؟ فهو إلى مزبلة التاريخ قريباً لا محالة، بل أصبح السؤال كيف يمكن إنقاذ البلاد من براثن هذا الوحش قبل أن تنهار كل مكاسب وقيم الاستقلال، وكل ما أسسته سورية عبر تاريخها؟.

إن الثورة ليست مجرد شطب لتاريخ ماضٍ، بل هي بناء على أفضل ما أنتجه عقل وفكر وعرَق شعبنا على مدى العقود. فكيف يمكن أن نرضى بأن نخرج بسورية بربع 'حرية' تفتقد لأمجد ما انجزه شعبنا، ألا وهو استقلال الوطن وسيادته.

سورية كانت وستبقى أرض للعروبة والوطنية والتعدد، وإلا ما كنّا جديرين بدماء الثوار. سورية اليوم أمام مخاطر التقسيم والانكشاف التام على القوى الاقليمية الطامعة بمختلف راياتها. ولئن كانت الحرب الأهلية لم تصبح حقيقة عامة بعد، فإنها بلا شك وشيكة، مروعة وفادحة.

ثمة مخاطر ومطامع حقيقية اقليمية ودولية تحاول إعادة هيكلة منطقة سايكس بيكو، وتقطيعها عبر مشاريع تبدأ من فريد زكريا ولا ينتهي عند بريماكوف. فهذا يريد ممراً إلى البحر، وذاك يحاول قطع الطريق عليه واستعادة احلامه الماضية، وفي حين يلهث البعض وراء هذه القوة أو تلك، فإننا نؤكد هنا أن الغرب والشرق على حد سواء لن يتدخل إلا ليقصف بيوتنا وقرانا بحجة تواجد عناصر القاعدة فيها، وكل من يعتقد أن الغرب سيتدخل مباشرة في الصراع لإنقاذنا واهمٌ ومخدوع، ومنطق النصائح والسياسات التي يخرج بها السيد فورد إلى إدارته تذكرنا بالمنطق الاغترابي الكارثي لبرامرتز في العراق. وعلى الثورة ألا تشتري السمك في الماء أبداً، وهذا شاهدٌ آخر على سذاجة وهم التدخل الغربي.

والله لو أن بعض هذه القوى الخارجية سعت فعلاً لتمكيننا من إسقاط النظام وفتح طريق الحرية أمام سورية المستقبل، لاطمأنينا (مؤقتا وجزئياً). لكن العديد من المؤشرات والدلائل تثير خشيتنا وجل ما نخشاه هو صفقة تذهب فيها سورية من يدنا، وتبقي أدوات النظام. فبعد أن شبعنا خطوطاً من كل الألوان، وشربنا كل المقالب التي حرمنا فيها من حقنا في الدفاع عن النفس لن نقبل بأقل من سيادة الثورة. لا حاجة بنا للاستجداء وكل من يدعي ان الغرب لا يأبه لمصائر الوضع في المنطقة يعلم ان الغرب والشرق بات بعد الربيع العربي قلقاً على كل البنى الاستراتيجية التي أسس لها ويخطط لها لاحقاً في المنطقة. نعم سنفاوض ونتفهم ونتبادل المصالح لكن سيادتنا واستقلالنا الناجز وحماية الثورة من اي صفقات تحت الطاولة تجريها هذه القوة الاقليمية أو الدولية أمر لا مساومة عليه. إننا لا ندعو هنا للارتداد نحو سياسة انعزالية او مغامرة بل يجب عمل كل شيء على المستوى الدولي لاختصار درب العذابات المروع الذي سقط فيه شعبنا تحت براثن وحش دمشق ومن الطبيعي والمفهوم ان تؤخذ هنا التحالفات الدولية بعين الاعتبار وأن يجري جهد دبلوماسي وسياسي مضن من اجل التوفيق بين رؤية الثورة لسورية الجديدة ولسيادتها ومصالحها من جهة وبين المصالح الإقليمية المتقاطعة في منطقتنا من جهة أخرى. نحن إذاً امام ثلاثة سيناريوهات مترابطة بتسلسل زمني. أولها أن يغيب بشار الأسد، وينهار نظامه خلال أسابيع أو شهور قليلة مقبلة. في هذه الحالة ينبغي على قوى الثورة أن تكون جاهزة للتشارك مع كل القوى الخيرة وكل فئات الشعب السوري وما تبقى من مؤسسات الدولة لرسم طريق المرحلة الانتقالية. هنا ينبغي على قوى الثورة الأصيلة أن تكف عن القبول بالسير وراء الشعبوية والطفولة السياسية، بل أن تــــقولها وتثبتها الآن بصراحة: إنها ستدافع عن أهلنا من العلويين والمسيحيين والدروز والأكراد، وغيرهم من إخوتنا في الوطن بنفس روح التضحية والتصميم والقناعة التي تقاتل فيـــها النظام الطائفي، الذي نطــــمح لإسقاطه وتفكيك مكوناته. لامجال للالتباس هنا هذه هي النزاهة والقيادة السياسية المطلوبة من أجل سورية المستقبل، ونحن لن نسير خلف أية عفوية عبيطة همجية جنونية تستكمل حريق البلاد. ولا مجال إلا للقول أيضاً أن الثورة ستقتص بسلطة التشريع والقانون من كل من تلوثت أيديهم بدماء السوريين الأبرياء أياً كانوا.

هذه ثورتنا، وهي لن تقبل بأقل من وطن جديد بعيد عن كل ما يمت لطائفية بشار والمطامع الإقليمية والدولية. ولدينا هنا بضعة أسابيع قبل أن يفرض سقوط الشمال من قبضة النظام واقعاً جديداً يحتم على قوى الثورة السورية احباط محاول النظام الاستئثار بدمشق وقطع الطريق على بشار من أن يكون أفضل الحلول الكارثية لسورية.

وإلا فإننا سنمضي نحو السيناريو الثاني: يعلم بشار أن لا أم المعارك في حلب ولا في أختها دير الزور مكتوب لها اية ثمرة، فإن فشلت المعارضة السياسة في توحيد قواها وتأمين الأساس السياسي كشرط لإطلاق التفاعل التسلسلي لمرحلة ما بعد بشار، فإن تفكك الدولة من جهة وتقدم الثوار عبر انتصاراتهم العظيمة في الشمال رغم بدائية وسائلهم من جهة أخرى، سيؤدي إلى أن يسير بشار في السيناريو الذي يعمل عليه منذ الآن، ألا وهو: الاحتفاظ بما تبقى من دمشق سانداً ظهره غرباً إلى حليفه عبر الحدود اللبنانية، آملاً أن يتمكن، عبر سلسلة من المذابح، من تأمين شبه كيان، ليكون مجرد جنرال حرب على رأس شقفة من سورية، عله يكون جزءاً من حل إقليمي ما في المستقبل. وإلا فما معنى تهديد لافروف وفورد بتقسيم سورية؟ .

لكن ماذا لو استمر توازن الضعف القائم بين الثورة وقوى الثورة ولم يتمكن بشار من حرف الصراع في هذا الاتجاه رغم سقوط الشمال؟ وطالما أن بابا نويل التدخل الأجنبي لن يأتي فإننا سننحدر نحو السيناريو الثالث: إذ لا يبقى أمام بشار إلا دفع البلاد نحو حرب أهلية شاملة ومفتوحة.

فأمام سيناريوهات التقسيم أو الحرب الطائفية البغيضة أو مخاطر اختطاف الثورة وتدجينها عبر صفقات او أجندات إقليمية، فان السيناريو الآمن الوحيد هو سيناريو الوحدة والتصميم على السير بالثورة إلى النهاية. العامل الحاسم في قطع الطريق على أي من هذه السناريوهات هو مدى قدرة قوى الثورة والشعب على قطع الطريق سواء على ألاعيب النظام أو على القوى الخارجية المتربصة. إنها الوحدة ثم الوحدة ثم الوحدة.

كان تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية انجازاً وطنياً كبيراً. وبغض النظر عن حيثياته وكواليسه المعروفة جاء تشكيل الائتلاف نجاحاً لكل مخلص لقضية الوطن السوري الحر الكريم. إنها محاولة جدية لإنتاج عقل جماعي يكون الأداة السياسية القادرة على قهر هذا الديناصور الذي أنشب أظافره في لحم أطفالنا وتاريخنا ومجتمعنا، وكل ما أنتجه شعبنا منذ الاستقلال. لقد أطلق تشكيل الائتلاف تداعيات مهمة لمصلحة الثورة، وكان انتخاب الشيخ معاذ الخطيب، هذه الشخصية الوطنية المرموقة، خياراً صحيحاً تماماً، ولسنا هنا في معرض مدح الشيخ، لكنه بكل ما يتمتع به من مناقب يشكل عاملاً حكيماً موحداً من جهة، وضمانة مهمة لدرء مخاطر الطريق. وسيلتف لاشك عندي ان الشعب السوري سيلتف بقوة حول الائتلاف تدعيماً وتعزيزاً عبر المزيد من الوحدة.

لكن التجربة علمتنا أن التحديات قد تكون أكبر منّا جميعاً. فالثورة لن تمحض مصيرها على عماها لأي كان سوى لروحها الحرة التي لن تقبل إلا بالخلاص التام من كل أمراض وبقايا المرحلة السابقة.

الطريق لا تزال محفوفة بالمخاطر والمنزلقات. ومن يعرف تاريخ سورية الوطني يدرك أن القضية الوطنية فيها كانت وستبقى أهم الأقانيم التي تحدد الوعي السياسي والاجتماعي للشعب السوري. إن يقظة الشعب ستبقى تترقب كل خطوة سيخطيها الائتلاف، ونحن نثق أن الائتلاف لن يقبل إلحاق الثورة بأية أجندة غير الأجندة الوطنية الموحدة الجامعة للشعب السوري الحر بكل مكوناته وطوائفه، ومن هذا المنطلق، وبغض النظر عما يحتاجه الائتلاف من مأسسة وتطوير لأدواته السياسية والتنظيمية، فإن ثورتنا وائتلافنا الوطني يحتاجان إلى الحذر والتنبه الشديد من تلك الصفقات التي قد تدبّر من وراء ظهر الثورة. نحن لا نقصد توتير ولا تعقيد علاقاتنا في هذه المرحلة مع أي من الأطراف الدولية، لكن عيوننا ستبقى مفتوحة. فسورية كانت منذ أربعة آلاف عام العقدة الاقليمية الأهم، وكي تبقى كذلك فإنه ينبغي لنا، نحن السوريين، أن نكون جديرين بها.

' كاتب سوري - رئيس مركز الشرق للأبحاث - دبي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من حلب الى غزة

الياس خوري

2012-11-19

القدس العربي

لا ادري ما هي فلسفة الأسماء التي تطلقها اسرائيل على حروبها؟ هل هناك جهاز خاص بانتقاء الأسماء، ام ان المسألة محض مصادفات؟ من 'عناقيد الغضب' في لبنان الى 'عمود سحاب' في غزة الى آخره... يبدو ان هناك اصرارا على مزج الخيال المُحبَط بالجنوح الدموي، وان 'جيش الدفاع'، يسعى دائما الى تغليف الجريمة بالأدب!

في حرب تموز 2006 نسي القادة الاسرائيليون اطلاق اسم على حربهم، لأنهم اعتقدوا انها ستكون نزهة طائرات فوق لبنان، لكنهم تداركوا الخطأ في حربهم على غزة 2008-2009، فاختاروا اسما رديئا ينم عن فقر في الخيال. فكانت 'الرصاص المصبوب' كارثة سياسية واخلاقية على اسرائيل، واليوم تحترق غزة تحت اسم شاعري 'عمود عنان'، كأن السحاب وهو يتعومد يغطي النار بماء الكلام!

بصرف النظر عن الإسم الذي يسعى الى اخفاء المسمى فإن اسرائيل دخلت عشية انتخاباتها في حرب هي اشبه باستطلاع بالنار للمتغيرات التي تحيط بها، بهدف وضع حدود مبكرة لأثر الثورات العربية على الصراع في فلسطين.

التزامن بين اشتعال الجنوب الفلسطيني في غزة مع اشتعال الشمال السوري، يشير الى ان مصير المشرق العربي يتحدد في القوس الذي ترسمه بلاد الشام وهي تنفض عنها الاستبداد في سورية، ويتشكل على ايقاع موازين قوى جديد بدأت ترتسم اولى ملامحه في مصر.

من السابق لأوانه الخلوص الى استنتاجات سريعة، لكن القراءة الأولى لحرب 'عمود سحاب' تشير الى ان طرفي الصراع يسعيان الى رسم قواعد اللعبة من جديد:

الاسرائيليون يريدون افهام المصريين والاسلام السياسي الصاعد ان القواعد الصـــــارمة التي ارتسمت في كامب دايفيد لا يمكن تغييرها. وحماس ومعها التيار الاسلامي يريــدان فرض قواعد جديدة، تبدأ برفض الوضع الراهن الذي يعني تعفنا فلسطينيا وعربيا شاملا، وتمتد لتشمل اعادة رسم ملامح التوازنات الفلسطينية الداخلية، واستعادة مصر لقرار الحرب والسلم.

من هنا تتخذ حرب غزة مسارات متعددة، مفاوضات بدأت منذ اليوم الأول يقودها المصريون، وتلويح باجتياح بري تلجأ اليه اسرائيل من اجل ايصال الحرب الى ذروة تعتقد ان مصر بقيادتها الاخوانية لا تستطيع تحمّل نتائجها.

اهمية المواجهة الراهنة في رسم مستقبل المنطقة عبر عنها وصول رئيس الوزراء التركي الى القاهرة، واعلانه عن اهمية التحالف المصري-التركي، واصراره وعلى الانخراط التركي الذي لا يزال غامض الملامح.

نجحت المقاومة، عبر صمودها وقدرتها على الردع، في فرض اجندة جديدة مؤهلة لقلب مفهوم محور الاعتدال الذي صاغته مرحلة حسني مبارك في تحالفها مع العربية السعودية، والذي سعى الى تهميش الصراع العربي- الاسرائيلي واستبداله بأولوية الصراع ضد ايران، ما اطلق يد اسرائيل بشكل مطلق في فلسطين، ودمّر قدرة العالم العربي على الامساك بمصيره، وقام عمليا بتلزيم القضية الفلسطينية لما اطلق عليه اسم محور الممانعة.

مهما كانت نتائج الحرب، فانها لن تنقذ اسرائيل من ورطتها الاحتلالية، وستكشف ان فائض القوة الصهيوني لا يستطيع تحقيق انتصار على شعب قرر ان يقاوم.

ما علاقة الشمال السوري المنتفض ضد الاستبداد بما يجري في الجنوب الفلسطيني؟

بالطبع هناك علاقة وجدانية بين الدم الفسطيني والدم السوري، من مخيم اليرموك الى مخيمات غزة. لكن هناك ايضا ما هو اكثر من ذلك، فاستعادة السوريين لحريتهم سوف تعني ان استمرار هدوء الاحتلال في الجولان لن يعود ممكنا، وان تحرير الجولان هو جزء من معركة الفلسطينيين والسوريين ضد الاجتلال.

مرة اخرى نكتشف صحة المقولة التي اقترحتها الثورة الفلسطينية عند انطلاقتها عام 1965، ففلسطين هي البوصلة العربية، وحرية المجتمعات العربية هي الطريق الى فلسطين.

لا اريد ان اوهم نفسي بأن المعادلة العربية الجديدة ارتسمت، فالمشرق العربي لا يزال في بداية مسار جديد بدأته الثورات العربية، ودونه معوقات كبرى. لكنني لا اريد ايضا ان اقلل من اهمية الاشارات التي ترسلها مواجهات غزة اليوم، والتي تقول ان صفحة جديدة من الصراع مع الاحتلال باتت ممكنة، وهي صفحة لا علاقة لها بزمن العتمة الذي صنعته اوهام التسوية مع محتل لا يرتوي من دماء ضحاياه.

هذه الصفحة الجديدة لن تتبلور ملامحها الا بعد سقوط الاستبداد في سورية، ورسو الثورة المصرية على معادلة سياسية متوازنة داخليا، عندها يمكن ان يتشكل مركز عربي جديد يستعيد القيادة ويضعها حيث يجب ان تكون، ويعلن ان العالم العربي يستطيع ان يستعيد قراره.

بلاد الشام هي مسرح هذه الحرب، وفيها سترتسم ملامح المرحلة.

والشعبان الفلسطيني والسوري هما ضحاياها وابطالها.

في غزة تبرز الحاجة الى افق فلسطيني جديد يتجاوز الوهم الذي اعقب اوسلو والوهن الذي جاء بعد هزيمة الانتفاضة الثانية، والخراب الذي حلّ بعد الانقسام الفلسطيني. وفي سورية يتبلور احساس بأن على الثورة ان تقبض على زمام مصيرها، كي تعجّل في سقوط النظام، وتخفف من آثار الدمار التي خلفتها آلة القتل الأسدية.

الآن تعود الأمور الى نصابها، فالمحتل يستفيد من المستبد الذي لا همّ له سوى الاحتفاظ بسلطته، والمستبد يستفيد من المحتل كي ييبرر قمعه بضرورات المواجهة مع العدو.

قناعان يسقطان معا في الجنوب والشمال.

الاسرائيليون لم يتعـــــلموا شيئا من حروبهم السابقة، وسيجدون انفسهم مرة جديدة عاجزين عن شراء امن احتلالهم بالدم.

المهم ان يعي الفلسطينيون درس غزة الجديد، وتحصل معجزة الوحدة التي بات غيابها فضيحة سياسية، وتستفيق حركة فتح من سباتها السلطوي قبل فوات الاوان.

اما المستبد فإنه مهما قتل ودمر ذاهب الى السقوط مخلفا وراءه ذاكرة العار والجريمة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف السوري الجديد وتغيّر موازين القوى

عمر كوش

المستقبل

20-11-2012

بيّنت تجربة تناثر تشكيلات المعارضة السورية أن المشكلة ليست خلافات سياسية بين تيارات وقوى، بل تفشي أمراض متعددة الأبعاد، عملت على تثبيط فاعلية أطرها وهيئاتها ومجالسها، وبدلاً من أن تشكل داعماً حقيقياً للثورة صارت عالة عليها، حيث لم تقدم لها الدعم الكافي، فضلاً عن عدم تمكنها من قيادة الثورة الشعبية الواضحة الأهداف. واكتفت قيادات المعارضة بترديد مطالب الناس، وما تصدح به حناجر المتظاهرين من شعارات المتظاهرين، الأمر الذي بيّن انقطاعها العملي عن وقائع الثورة ومسارها وتحولاتها.

وقد بذلت مساع عديدة مع "المجلس الوطني السوري"، كي يضم مجموعات المعارضة الأخرى، لكنه فشل في ذلك، بالرغم من عقد عدة اجتماعات لقوى المعارضة السورية، أهمها كان مؤتمر القاهرة، الذي عقد في الثاني والثالث من تموز / يوليو 2012، وصدرت عنه وثائق هامة.

ومع توالي جهود جمع قوى المعارضة في هيئة أو ائتلاف جديد، برزت مبادرة رياض سيف، التي عرفت باسم "المبادرة الوطنية السورية"، ولاقت قبولاً ودعماً قوياً لدى قوى دولية وإقليمية وعربية، حيث اجتمع في لقاء تشاوري بالعاصمة القطرية الدوحة، في الثامن من تشرين الثاني / نوفمبر 2012، ممثلون عن غالبية قوى وهيئات المعارضة السياسية السورية، إلى جانب شخصيات مستقلة، وممثلون عن قوى الحراك والمجالس المحلية للمحافظات السورية. وبعد ثلاثة أيام من الشد والجذب والنقاشات والاجتماعات، اتفق المجتمعون على تشكيل "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، الذي يعتبر تحولاً في مسار المعارضة السورية، وتغيراً في موازين القوى، سيؤثر بلا شك بشكل كبير على مسار الأزمة السورية، وقد يسرع الوصول إلى نهايتها.

ويبدو أن عناصر عديدة، تقف وراء مسعى قوى المجتمع الدولي الفاعلة في الملف السوري لتجميع المعارضة تحت مظلة واحدة، أهمها، الخشية من الفراغ الذي قد يحدثه سقوط مفاجئ ووشيك للنظام السوري، بناء على التقدم الواضح للجيش السوري الحر والتشكيلات العسكرية الأخرى، وعلى حالة الانهاك التي بات يعاني منها الجيش السوري، بعد اقحامه في معارك الشوارع والأحياء والبلدات السورية، وحدوث انشقاقات متتالية ومتسارعة في تركيبته. إضافة إلى اقتراب النظام من حالة الإفلاس الاقتصادي وتناقص الموارد المالية، التي يعوض جزءا منها الدعم الإيراني، ودعم أطراف في الحكومة العراقية وقوى أخرى داخلية وخارجية. وهناك التخوف من تنامي قوة بعض التشكيلات المسلحة المتطرفة، ومن امتداد الأزمة السورية إلى دول الجوار، وخاصة إلى لبنان والعراق، حيث يحاول النظام السوري جاهداً تصدير أزمته إلى الخارج. يشهد على ذلك التوتر والمناوشات التي تشهدها الحدود التركية السورية، وكذلك الحدود الأردنية، إلى جانب التوتر والاحتقان الذي تعرفه الساحة اللبنانية، خاصة بعد انكشاف ملف التفجيرات الذي اتهم فيه الوزير اللبناني الأسبق ميشال سماحة، وتبعها عملية اغتيال رئيس شعبة المعلومات في الاستخبارات اللبنانية، حيث مازالت تبعات عملية الاغتيال تتفاعل في ثنايا توظيفات الطائفية السياسية في لبنان.

وقد عنى فوز باراك أوباما بولاية رئاسية ثانية، انتهاء ساسة الولايات المتحدة من حساباتهم الانتخابية، والالتفات إلى الملفات الدولية، وبالتالي إعطاء الملف السوري المزيد من الاهتمام. وهو أمر يعيه الأوروبيون جيداً، حيث أعلنت بريطانيا، خلال زيارة رئيس وزرائها ديفيد كاميرون لمخيم الزعتري في الأردن في 7 تشرين الثاني الجاري، أنها ستفتح خط اتصال مباشر مع المعارضة المسلحة في سوريا، بعد أن كانت تقصر اتصالاتها على القادة السياسيين، ثم جاءت تصريحات رئيس أركان الجيش البريطاني، الجنرال "ديفد ريتشاردز"، عن إمكانية نشر قوات بريطانية حول الحدود السورية. إضافة إلى تصريحات، "أندرس فوغ راسموسن"، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، عن استعداد الحلف لحماية تركيا من أي خطر ناجم عن الصراع في سوريا، وتأكيده عن وجود خطط جاهزة في هذا الصدد.

ومع الإعلان عن التشكيل الجديد للمعارضة السورية، بدأ ينال الاعتراف الدولي، بالتزامن مع صدور بيانات التأييد والدعم داخل سوريا، من مختلف التنسيقيات والمجالس المحلية، المدنية والثورية، في المحافظات والبلدات السوية، ومن قوى المعارضة العسكرية، الأمر الذي يعني بداية عملية إعادة ترتيب موازين القوى لمختلف القوى الفاعلة في الثورة السورية.

والناظر في خارطة القوى والشخصيات المشاركة، يجد أنها شاملة لمختلف القوى الفاعلة في الثورة السورية. وهو أمر لم يتحقق من قبل في أي تشكيل سياسي للثورة السورية، والأهم هو أن قادة الائتلاف هم من نتاج الثورة في الداخل السوري، وساهموا في حراكها على الأرض، وتعرضوا للسجن والملاحقة، واضطروا إلى مغادرة بلدهم.

ويمكن القول إن المبادرة الوطنية السورية، التي تمخض عنها تشكيل الائتلاف، نشأت بناء على حاجة داخلية سورية، ولم تك وليدة ساسة الولايات المتحدة أو فرنسا أو تركيا أو قطر وسواها، أي صنعها سوريون، مع عدم التنكر للجهود الكبيرة التي بذلها المسؤولون في دولة قطر، وبعض سفراء دول أصدقاء الشعب السوري في العمل على تقريب وجهات النظر.

وكان رياض سيف المبادر الذي حملها، وأخذ على عاتقه مهمة جمع التأييد الدولي والإقليمي لها، والأهم هو تمكنه من جمع مختلف أطياف المعارضة لمأسسة المبادرة وجعلها صناعة سورية بامتياز. وقد عمل معه ناشطون ومعارضون، خلال الأشهر الثلاثة المنصرفة، كي يجدوا سبيلاً لإطلاقها، فبحثوا في ممكنات نجاحها، وفي حصولها على الدعم، الداخلي والخارجي، اللازمين لإنجاحها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سياسة الولايات المتحدة تجاه سورية بين الأمس واليوم

ناصر الرباط *

الثلاثاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

ما أشبه اليوم بالبارحة أو ما أبعده عنه؟

جاء الرئيس الأميركي وودرو ويلسون إلى مؤتمر الصلح في فرساي في فرنسا عام ١٩١٩ بعد الحرب الكبرى، تسبقه سمعته المثالية التي أسست لها مبادئه الأربعة عشر والتي حاول فيها رسم خريطة العالم بعد الحرب على أسس ليبرالية تضمنت حرية تقرير المصير لكل الشعوب. وقد تفاجأ ويلسون بالمخططات الأوروبية لاقتسام المناطق غير التركية من الدولة العثمانية (بشكل خاص سورية والعراق) وحاول مقاومتها. فاقترح تشكيل لجنة تقصي حقائق تذهب إلى الولايات العثمانية المحررة لتستطلع أراء السكان في ما يريدونه من مستقبل حكمهم. وبعد مماطلة مديدة من بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا قد اتفقتا على اقتسام الولايات العربية قبل المؤتمر، شكل ويلسون لجنة أميركية، عرفت بلجنة كينغ - كراين (King-Crane Commission) كانت مهمتها استطلاع آراء السكان وتقديم تقرير للمؤتمر. قضت اللجنة ستة أسابيع بين حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) ١٩١٩ جالت فيها في مختلف المدن السورية والفلسطينية، وقدمت تقريراً خلصت فيه إلى أن الأكثرية المطلقة تطالب بدولة سورية مستقلة استقلالاً كاملاً، وترفض فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. أعلنت اللجنة أيضاً أن السكان الذين قابلتهم، وجلهم طبعاً من الأعيان، فضلوا في حال كان عليهم القبول بقوة منتدبة أن تكون هذه السلطة أميركية، بما أن الرأي السائد كان أن الولايات المتحدة دولة غير-استعمارية وتحترم الحريات على عكس فرنسا وبريطانيا. ولكن التقرير جاء متأخراً لكي يغير مقررات التقسيم والانتداب التي اعتمدها مؤتمر الصلح والمؤتمرات التي تلته. واحتلت فرنسا سورية وقسمتها لدويلات صغيرة، وأسست دولة لبنان الكبير، وسلخت لواء الاسكندرون وأعطته لتركيا. أما تقرير كينغ - كراين فقبع في الأدراج عدة سنوات ولم ينشر إلا عام ١٩٢٢ بعد أن مرر مجلسا النواب والشيوخ قراراً يحبذ إنشاء وطن قومي لليهود على أساس وعد بلفور، على رغم أن التقرير عارض قيام هذه الدولة على أسس أخلاقية.

عام ١٩٤٧ كانت الدولة السورية الحديثة الولادة تنعم بنظام برلماني مقبول وإن كانت السيطرة فيه لطبقة ملاك الأراضي. لم تر الولايات المتحدة في ذلك النظام حليفاً مضموناً في صراعها الكوني مع الاتحاد السوفياتي. وكانت كذلك متوجسة من النزعة القومية في سورية التي قاومت نشوء دولة يهودية في فلسطين. وعليه تشكلت مجموعة من مقرري السياسة الأميركيين مكونة من فئتين، صقور الواقعية السياسية وحمائم التغيير الديموقراطي، كانت مهمتها العمل على تغيير نظام الحكم في سورية لتحقيق هدفين: تمثيل أوسع للطبقات المتوسطة والفقيرة وانتظام أوضح في سلك الدول المناهضة للشيوعية.

جربت الولايات المتحدة الطريق الديموقراطي عبر تنظيم حملة انتخابية واسعة في الانتخابات السورية عام ١٩٤٧ مولتها وزارة الخارجية وشركات النفط، ولكنها لم تحسم أمرها فيمن ستدعمه من المرشحين مما أدى إلى فشل المشروع. قرر الأميركيون بعد فشلهم أن الحل الأمثل للتأثير في السياسة السورية ولحقن الدولة بجرعة أكبر من الديموقراطية يكمن في دعم انقلاب عسكري. وهو ما فعلوه. وجاء حسني الزعيم إلى الحكم بعد انقلاب آذار (مارس) ١٩٤٩. ولكنه سرعان ما قتل في انقلاب عليه بعد بضعة أشهر. وكرت سبحة الانقلابات العسكرية التي مولتها مختلف أجهزة الاستخبارات الأجنبية والعربية والتي جلبت إلى الحكم سلسلة من الزعماء العسكريين واحداً تلو الآخر، تجاوز كل منهم سابقه في تفننه بدفع أيديولوجية منقوصة من قومية سورية إلى قومية عربية إلى اشتراكية متشددة ثم اشتراكية/رأسمالية. كان حافظ الأسد آخر هؤلاء الجنرالات الذي استلم الحكم بعد «حركته التصحيحية» عام ١٩٧٠، والذي تمكن بفضل دهائه السياسي والأمني والطائفي من البقاء رئيساً لثلاثين سنة معتمداً في ذلك على قمع شديد لأي بادرة معارضة وتعظيم سافر للذات واعتماد أساسي على ولاء قبلي طائفي وأسري.

عام ٢٠١١ بدأت الثورة السورية ضد النظام الأسدي القمعي والطائفي الذي أصبح الآن نظام متوارثاً. جابه النظام الحراك السلمي بالقتل والاعتقال والتخوين، وتدهورت الأمور إلى صراع مرير بين ثائرين مسلحين تسليحاً خفيفاً ونظام لا يتورع عن استخدام أكثر الأسلحة تدميراً في قصف المناطق السكانية للقضاء على الثوار. دانت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية عنف النظام وطالبت بتنحي الأسد الابن. ولكنها امتنعت عن اتخاذ أي خطوات عملية لتعجيل سقوط النظام، وعللت ذلك بشتى الأعذار.

أما الآن وقد انتخب الرئيس باراك أوباما لولاية ثانية، فالبعض يتوقع تغييراً جذرياً في السياسة الأميركية تجاه الثورة السورية مثل دعمها بالسلاح أو بالحظر الجوي، ولو أن إمكانية التدخل العسكري المباشر ما زالت بعيدة. أما البعض الآخر فهو ما زال يرى بأن السياسة التي انتهجها أوباما ستستمر للأسباب نفسها مثل التوازن الجيوسياسي، أو العامل الإسرائيلي المسيطر على السياسة الأميركية، أو خطر أسلمة الثورة والخوف من وقوع الأسلحة في الأيدي الخطأ. وتبقى غالبية المعلقين على توجسهم من الولايات المتحدة، ولو أنهم يقرون أيضاً بأن الحل الوحيد للاستعصاء في سورية يكمن في تدخل أميركي هناك، أو على رأي المثل الشامي «عيني فيه وتفو عليه».

اليوم، أصبح للمعارضة السورية ائتلاف موحد يمثل طيفاً واسعاً من الشعب السوري. وهو قد بدأ بمحاولة الحصول على اعتراف الجامعة العربية المترددة كعادتها، ولو أني أظن أن عينه على البيت الأبيض فعلاً. وهو في ذلك محق. ومع أني لست في موقع يسمح لي بأن أخمن أي نهج ستنتهجه الولايات المتحدة في تعاملها مع سورية ولكني آمل أن يقرأ ائتلافنا الموحد تاريخ العلاقات مع الولايات المتحدة ويستقرئ منه سبلاً أفضل للتعامل مع هذه الدولة العظمى التي تنازع سياستها العالمية منذ فترة طويلة تياران: الأول طوبوي يرى أن الحرية والديموقراطية على الطريقة الأميركية يؤمنان أفضل سبيل لازدهار الشعوب، والثاني توسعي يرى أن مصالح الولايات المتحدة الإمبريالية تعلو على أي اعتبار آخر.

-*-*-*-*-*-*-*-*

المرحلة غير قابلة لاختلاف المعارضة

منصور محمد مكين

عكاظ

19-11-2012

مؤلم ومخزٍ للأمة والمجتمع الدولي ما يواجهه الشعب السوري من قتل وتدمير بأسلوب يؤكد حقد النظام وفقدانه الإنسانية في تعامله مع الشعب، ما يخفف كل الآلام هو قيمة الهدف الذي قامت من أجله الثورة لتحقق للشعب الحرية والديمقراطية والعيش في وطنه في أمن واستقرار.

والأكثر إيلاما ما كنت أخشاه على الثورة السورية أن تطل علينا المعارضة بعقول أعرف أننا كعرب لن نتخلص منها وستظل مرافقة لأي تجمع لنا دون اعتبار للهدف مهما كانت أهميته. وها هو ما كنت أخشاه قد وصلنا من داخل اجتماع المعارضة الذي عقد مؤخرا في الدوحة حدوث شيء من الاختلاف، وهذا لن يكون مقبولا والقتل والدمار يزداد يوميا..

وبكل أسف ما يصلنا عن الاجتماعات المتكررة للمعارضة عبر وسائل الإعلام يدمي القلب ويؤكد أن العرب لهم مفاهيم لا تحمل في طياتها غير الاختلاف حتى الذي لا خلاف عليه.

أعرف الوضع الذي أتى بالمعارضة وجيش سوريا الحر. لهذا فالمعارضة والجيش الحر لهما هدف واحد لا يمكن الاختلاف عليه.. وهو إسقاط نظام بشار الأسد. فهل هناك اختلاف يمكن أن يكون مبررا على هذا الهدف. وما دام الهدف لا خلاف عليه فمن العيب أن يأتي الخلاف على المواقع القيادية . أو أن يكون لكل جماعة داخل المعارضة هدف خاص بها.

فهل ستدرك المعارضة خطر الاختلاف في هذه المرحلة، وتبدأ من الآن في إزالة أي اختلاف داخل المعارضة والذهاب مباشر إلى ما يخدم الهدف ويقوي القدرات الميدانية (الجيش الحر) وتتحرر سوريا وطنا ومواطنا من نظام مجرم..

إخواني عناصر المعارضة لا يمكنكم الآن تحقيق أي هدف مهما كانت المعارضة. وحدوا صفوفكم وتذكروا رجالكم المقاتلين الجيش الحر والعائد الكبير على مهمتهم في حالة معرفتهم بزوال الاختلاف داخل المعارضة لكونكم قوتهم السياسية والاقتصادية في الخارج. وبعد زوال النظام سيكون لديكم الوقت لتعارضوا بعضا، وأكثر من ذلك لتغرسوا خناجركم في نحور بعض، وهذا ما لا نتمناه، إلا أنه لن يكون مستغربا في المجتمع العربي الذي بدأ الاختلاف فيه قبل التخلص من النظام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

وراء كل “طاغية”.. “فيتو”!!

معنى الأحداث

عادل السلمي

الإثنين 19/11/2012

المدينة

«الفيتو» هو «الاعتراض» على أي قرار يقدم لمجلس الأمن، دون إبداء أسباب، ويمنح للأعضاء الخمسة الدائمي العضوية بالمجلس، وهم: روسيا، والصين، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية. ويكفي «فيتو» أيٍّ من تلك الدول لرفض أيِّ قرارٍ، وعدم تمريره نهائيًّا، حتى وإن كان مقبولاً للدول الأربع الأخرى. هذا «الفيتو» قدّم خدماتٍ كبيرةً، ومنح الضوءَ الأخضر لعددٍ من الطغاة بالتمادي، بقتل الآلاف من الأبرياء، وذلك عبر «إجهاض» بعض من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن لأي قرار يتعلّق بالتدخل لوقف ما يقومون به من مجازر. ف»الثورة السورية»، والتي اندلعت قبل نحو 20 شهرًا؛ للتنديد بالفساد، وكبت الحريات، لايزال «طاغية دمشق» بشار الأسد يواصل قمعه لشعبه، ويرتكب المجازر التي خلّفت -بحسب معارضين- أكثر من 38 ألف شخص. ورغم كل ما يجري في سوريا من انتهاكات في حقوق الإنسان، إلاّ أن مجلس الأمن يقف عاجزًا عن إدانة أفعال الأسد ضد شعبه؛ بسبب لجوء روسيا والصين إلى حق النقض «الفيتو» ضد أي قرار يتعلق بإدانة الجرائم التي يرتكبها النظام السوري.

أمّا العدو الصهيوني، ف»الفيتو الأمريكي» قدّم -ولايزال يقدم- أفضل دعم له، وذلك بإفشال صدور أيّ قرار من مجلس الأمن يلزم تل أبيب، بضرورة وقف احتلال الأراضي الفلسطينية، وأعمال العنف ضد الشعب الفلسطيني، والذي قضى على إثره آلاف الضحايا من الشيوخ والأطفال والنساء.

«الفيتو» والذي لا يمكن وصفه إلاّ ب»حامي الطغاة»، ساهم بإضعاف وتقويض نزاهة الأمم المتحدة، وحال دون تمكّنها من حل أهم النزاعات الدولية، لذا فإن الحاجة باتت ملحّة إلى تغيير نظام الأمم المتحدة، وبخاصة «الفيتو».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

غزة والجولان اختباران ل"انتهاء" النظام السوري

وتوالي الاعترافات بالمعارضة يبدِّل في الواقع

روزانا بومنصف

2012-11-19

النهار

على رغم سرقة غزة والاعتداء الاسرائيلي عليها الاضواء من الحرب المستمرة بضراوة في ما اعتبره كثر خدمة للرئيس بشار الاسد، وعلى رغم التطورات السياسية التي حصلت منذ توافق المعارضة السورية الاسبوع الماضي على الانضواء الى ائتلاف واحد، شكلت الحرب على غزة امتحانا صعبا للنظام السوري وحلفائه.

وثمة من يقول إن النظام السوري بات يفتقر الى أي حجة في الانتصار لغزة مع سقوط قتلى من أبناء شعبه يومياً على يد قواته، في حين ان اسرائيل كعدو ليس معروفاً عنها إلا استهدافها الشعب الفلسطيني وسواه من الشعوب بكل فئاتها من دون تمييز.

والامتحان القاسي الآخر الذي برز في الايام الاخيرة هو تصعيد اسرائيل قصفها الاراضي السورية عبر الجولان المحتل في ردود تقول انها تقوم بها على ما يطاولها من ملاحقة قوات النظام السوري للثوار، وذلك وسط اعلان اسرائيلي واضح عن فقدان النظام السوري سيطرته على اراضيه وعلى حدوده بحيث تسمح اسرائيل لنفسها بالرد العسكري والتهديد بالمزيد في ظل الواقع الجديد الذي بات يفرض نفسه على سوريا. وتفيد كل المعطيات بأن النظام لن يبقى ولا يستطيع ان يفعّل سيطرته او يستعيدها وفقا لمؤشرات باتت تثبت اكثر فاكثر صعوبة، لا بل استحالة، العودة الى الوراء، خصوصا ان النظام السوري بدا غائبا كليا عن التطورين في ترجمة قاسية لما بات عليه من الوهن السياسي. وهذا العنصر عززته مشاركته في اجتماع نظمته طهران للحوار بين النظام والمعارضة كما تقول، انما المعارضة التي يقبل بها وليس المعارضة التي انضوت من ضمن ائتلاف واسع، بما يؤشر الى افتقاد النظام الصدقية أيضاً في تنظيم أي حوار، وافتقاره الى القدرة على المبادرة، حتى لو كان كثيرون يعتبرون خطوة طهران ردا على رعاية الدول العربية والغربية لمؤتمر المعارضة السورية وتوحيدها في الدوحة الاسبوع الماضي.

هذه التطورات اضافت الكثير الى الاعتراف الذي محضته دول عدة للائتلاف السوري المعارض. اذ ان اعتراف فرنسا ومعها ايطاليا وتركيا بالائتلاف ممثلا شرعيا وحيدا للشعب السوري وقبول باريس بتعيين سفير له لديها يعد خطوة كبرى على طريق المزيد من الضغوط الديبلوماسية والسياسية على النظام السوري، علماً ان هذا التعيين يحرج الدول العربية التي لم تصل الى هذا الحد في الاعتراف بالائتلاف المعارض، كما يحرج الدول الغربية والاوروبية تحديدا ويحضها على السير على الطريق نفسه. وفي الوقت نفسه تتحدث معلومات عن آلية مرسومة للتطورات ستؤدي الى امرين: احدهما هو الضغط على الائتلاف المعارض للسير قدما في الخطوات المطلوبة من اجل توسيع شبكة دعمه والاعتراف به دوليا، وذلك من خلال اقناع المعارضات الليبرالية في الداخل بالانضمام اليه، والآخر توفير التزام الداخل العسكري بالخارج السياسي المعارض. علماً أن تأمين هذين الشرطين سيوفر للائتلاف اعتراف واشنطن ويتيح لها تالياً امتلاك الاوراق من اجل التفاوض مع موسكو على تغيير موقفها والتعاون من اجل تحديد المرحلة الانتقالية على رغم ان روسيا اظهرت تشبثها بموقفها في اللقاء الاخير الذي عقده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليحي. الا ان كثرا يعتقدون ان روسيا لن تبيع موقفها في اي حال للدول العربية متى اقتنعت بوقف دعمها للنظام، بل ستبيعه لواشنطن نظرا الى جدول الاعمال الكبير بين الدولتين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المتاجرون بالقضايا.. غزة.. أم سوريا؟!

تركي الدخيل

الرياض

19-11-2012

ليس من الضروري التأكيد المستمر والدائم على حق الفلسطينيين بالتحرر من أعباء الاحتلال الإسرائيلي، غير أن التأكيد على ضرورة أخذ مبادئ الحكمة في رئاسة الأحزاب التي تتخذ المواقف وقرارات السلم والحرب يمكن أن نكررها كثيراً لضرورة ذلك.

الأحزاب الشمولية التي أخذت من القضايا تكأة لترسيخ شعبيتها العربية والاجتماعية في الداخل والخارج مثل حماس وحزب الله عليها مسؤولية كبيرة أن تكون ضمن سياق الاحتياجات البشرية فهي أولى من الطموحات الأيديولوجية والأحلام الحزبية. يمكن للأحزاب أن تكون منتجة لمجتمعاتها وهي في ذات الإطار ضمن حالتها السياسية وطموحاتها في التحرر أو الانعتاق من الاحتلال أو الغزو. حالة "حماس" الأخيرة أوضحت كم أن هذه الأحزاب أو بعضها لا ترى في القضايا إلا مواضع للمتاجرة.

منذ أول هجمة من قبل إسرائيل على غزة بادر حزب الله بإدانة الهجمات، وحقّ له ذلك، غير أن حزب الله نفسه لم يدن حتى الآن قتل النظام السوري لأكثر من أربعين ألف قتيل، بل تشير التقارير إلى تورطه الميداني والأيديولوجي والتحريضي الإعلامي من خلال وسائله على الشعب السوري. استطاع حزب الله أن يحول فلسطين إلى منجم ذهبي يكسب من خلاله المواقف من قبل الفئات الشعبوية أو الأقليات التي تشعر نفسياً بالمظلومية، غير أنه لم يستطع حتى الآن أن يدين أي هجمة من النظام السوري ضد الشعب السوري الأعزل، ولا أدري ما الفرق بين طهارة الدم الفلسطيني والدم السوري، إنها السياسة الإيرانية التي تحرك الحزب نحو أي وجهة تريدها.

حزب الله يمكنه أن يدافع عن النظام السوري ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، غير أنه يحاول أن يدّعي مهاجمة إسرائيل والوقوف ضدها، بينما إسرائيل هي شريكة للأحزاب بالغزو على البلدان واسترخاص النفوس، ولا عجب فهي الأحزاب التي تعطيها المبررات لأن تضرب أكثر وأكثر بمباركة دولية وعالمية.

بآخر السطر، فإن إدانات حزب الله لن تكون مصدّقة من الناس إلا حين يجرؤ على إدانة القتل والسفك في سوريا، وما مقتل 40 قتيلا في فلسطين بأقل من مقتل 40 ألف قتيل في سوريا. ليس مستغرباً أن يقتل العدو الإسرائيلي منا الأبرياء وهو النظام الغاشم، لكن المستغرب أن يصمت حزب الله عن النظام السوري الذي ادعى أنه من أنظمة "الممانعة" هذا هو الإشكال الكبير!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مستقبل سوريا

عطاء الله مهاجراني

الشرق الاوسط

19-11-2012

سوريا كدولة، والسوريون كأمة تاريخية عظيمة، وبشار الأسد وعائلته والإدارة والقوات الأمنية، وأخيرا وليس بآخر، الجيش السوري جميعهم يواجهون مستقبلا جديدا.

هناك الكثير من اللاعبين في المشهد السياسي والاجتماعي السوري في الوقت الراهن، لكن بعض اللاعبين يلعبون مغمضي العينين، وهذا هو السبب في كون المشهد الحالي في سوريا معقدا للغاية.

عندما أشاهد الدمار في حلب وتحولها إلى مدينة أشباح، أسأل نفسي عما أصاب سوريا، وشعبها وحكومتها، والمعارضة أيضا؟ هل يريدون إنقاذ سوريا أم يدمرونها ويحولون مدنها إلى مدن أشباح؟ لماذا لا يفكرون في الدمار الهائل الذي تعانيه سوريا نتيجة كل هذه الصراعات؟ لماذا تستخدم المعارضة المباني الأثرية والتاريخية كملاجئ، ألا يعلمون أن نظام بشار الأسد يرغب في إحراق البلاد بأسرها؟ الموقف خطير للغاية إلى درجة أن المراقب الخارجي الذي يشاهد المدن السورية سيعتقد أن عدوا أجنبيا هاجم وقصف تلك المدن.

في أعقاب الاجتماع الأخير الذي عقد في الدوحة والذي شهد توحيد صفوف المعارضة واختيار الشيخ معاذ الخطيب رئيسا للائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة، يتوجب عليه الآن أن يتعامل مع التحدي الأساسي والمتمثل في تحويل جماعته الجديدة صعبة المراس إلى قوة تتمتع بمصداقية داخل سوريا ومع الغرب، والتي يمكنها في النهاية التحول إلى حكومة ظل.

الشيخ الخطيب، إمام يحظى بالتقدير، لكن هل سيتمتع بالفاعلية كما يقال، فالأفعال خير من الأقوال. وأتمنى أن يتمكن من توحيد كل الفصائل ومئات الناشطين الذين يبدون حتى الآن وكأنهم حريصون على قتال بعضهم البعض أكثر من الإطاحة بالنظام السوري. وهذا إنجاز لا شك فيه، لكن الطريق لن يكون سهلا.

الآن هناك تحد واحد كبير، وهو أن غالبية أعضاء الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة يعيشون خارج سوريا، وأنه لا توجد إشارات واضحة على أن هذه الهيئة من المدنيين، الكثير منهم في المنفى، سيتمكنون من الفوز بتأييد الأغلبية السورية الصامتة، والقلقة إلى حد بعيد من دمار البلاد ولم تقرر بعد ما إذا كانت ستواصل دعم النظام أم أنها ستخاطر بمستقبل مجهول مع الثوار. هذا يشكل التساؤل الرئيسي الذي ينبغي على سوريا كدولة وأمة أن تواجهه. ينبغي علينا أن نذكر الحشود الضخمة من المواطنين في مصر الذين امتلأ بهم ميدان التحرير ولم يغادروا الميدان حتى النصر. هذه هي الحلقة الأخيرة من الثورة السورية.

السؤال الثاني والتحدي الأكبر الذي يواجه الائتلاف هو هل سيتمكن الخطيب من قيادة وفرض إرادته على الكثير من المجموعات المسلحة الذين يقاتلون ويقتلون في سوريا؟

أعتقد أن المعارضة بحاجة لأن تتعلم من التجربة الليبية. استخدم الليبيون مصطلحا رائعا - انتقالي - لوصف المعارضة. وهو ما يعني أنهم بعثوا برسالة واضحة إلى كل الشعب الليبي، قائلين إنهم لن يقاتلوا من أجل الوصول إلى السلطة. وأنهم في المقابل يقاتلون من أجل مستقبل أفضل وأكثر إشراقا للشعب الليبي.

لذلك اختاروا مصطفى عبد الجليل الذي يتمتع بشخصية مميزة وتحظى باحترام الجميع، كرئيس للمجلس الوطني الانتقالي، وأدى دوره على الوجه الأكمل في الفترة من 5 مارس (آذار) 2011 وحتى 8 أغسطس (آب) 2012، ما جعل منه أيقونة الثورة الليبية.

أعتقد أن بمقدور معاذ الخطيب أن يلعب دورا متميزا مشابها في الثورة السورية. إن سوريا أحوج ما تكون في الوقت الراهن إلى قائد مثل مانديلا وعبد الجليل، قائد لا يمتلئ بالكراهية والرغبة في الانتقام، إذ يجب أن يتوقف تدمير وقتل الأفراد؛ لأن سوريا بحاجة إلى وقت طويل كي تلتئم جراحها. ويبدو لي عندما يقتل أكثر 31.000 شخص ويختفي أكثر من 30.000 ويتواصل مسلسل الجرائم بصورة يومية ويغادر ملايين السوريين منازلهم، فإن هذا الشعب بحاجة إلى إعادة بناء نفسه مرة أخرى.

إن العمود الفقري لأي ثورة هو الأمل والرغبة في الخروج منتصرين. هذا الشعور ربما يكون قد تحطم عندما استمر مسلسل قتل الأفراد وتدمير المدن ومن ناحية الأخرى عندما تباهت الحكومة - المدعومة من الصين وروسيا وإيران وحزب الله - بقوتها.

تقف سوريا في الوقت الراهن في منعطف تاريخي. فدراساتي التاريخية وخبرتي في الثورة الإيرانية علمتني أنه من دون الوحدة والأمل والرغبة الأكيدة في الانتصار ستصاب قيادة المعارضة بالعجز نتيجة الشكوك في قدراتها. إن سوريا بحاجة إلى اكتساب نوع وروح جديدة من الكبرياء الإيجابية، والآن، وبعد انتخاب قائد جديد وبعد الاعتراف بالمعارضة من قبل الجامعة العربية والدول الأوروبية يبدو لي أننا على المسار الصحيح في التقدم إلى الأمام.

يشير بيان الرئيس هولاند إلى أن فرنسا تعترف رسميا بمجموعة المعارضة الجديدة كممثل شرعي وحيد للشعب السوري، وكحكومة انتقالية مستقبلية بعد الحرب الأهلية التي أصابت دولة عربية فهي مسألة جديرة بالاهتمام، تعزز الثقة في جبهة المعارضة. كان ذلك مشوقا على نحو خاص على اعتبار أن ذلك كان المؤتمر الصحافي الأول له منذ توليه الرئاسة قبل ستة أشهر، وأنه استغل المناسبة للإعلان عن اعتراف بلاده بالائتلاف الوطني السوري، الذي تشكل نهاية الأسبوع الماضي. وكانت فرنسا أول دولة غربية تمنح هذه الدرجة الكبيرة من الاعتراف للائتلاف.

ويبدو لي أن على الشيخ معاذ الخطيب أن يسافر إلى الصين وروسيا وإيران لإجراء محادثات مباشرة مع حكومات هذه الدول. فالوقت الراهن هو الأنسب لتغيير منظور هذه الدول تجاه مستقبل سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أحداث غزة بين حماس ونظام بشار

حمد الماجد

الشرق الاوسط

19-11-2012

يصعب ألا نربط الهجمات الإسرائيلية الوحشية على غزة بالهجمات الأسدية الوحشية على الشعب السوري، فالهجمة الإسرائيلية فكت بعض عقد الأنشوطة التي التفت مؤخرا على رقبة النظام السوري وصرفت الأضواء ولو قليلا عن الساحة السورية، وأعطت النظام السوري وحليفيه الإيراني والروسي لا أقول أملا في البقاء، فهذا ما لا يمكن تصوره، ولكن في إطالة أمد البقاء لعل تشابكات الوضع الإقليمي تفرز متغيرات وصراعات تصرف النظر عن أولوية الاتجاه العربي والدولي للإجهاز على النظام السوري وتسريع موتته.

الرأي الذي أبعد النجعة كثيرا هو الذي يقول بأن الصراع العسكري الحماسي الإسرائيلي هو في الحقيقة صراع إيراني إسرائيلي نابت فيه حماس عن إيران، وبتعليمات صريحة من طهران، لتخفيف الضغط عن نظام بشار، فحركة حماس وإن ربطتها بإيران علاقة مصالح عابرة خلخلت بعضها الثورة السورية، إلا أن الحقائق والمعطيات على الأرض تعطي مخرجات مختلفة، فمنذ انسحبت قيادة حماس من دمشق وانحياز الحركة الواضح والمنطقي مع الثورة السورية، والعلاقة مع نظام سوريا وإيران تعاني شيئا من التوتر، فلا نتصور أن ترضى حركة حماس أن تكون معبرا لتنفيذ أجندة قذرة لا أقول ضد الشعب السوري فحسب والذي تجمعها به روابط أقوى من نظام إيران، ولكن أيضا ضد الثورة التي يشكل «توأمها الإخواني» أحد عناصر القوة فيها.

يقول خبراء التحقيقات الجنائية: حين يشكل عليك الجاني فتش عن المستفيد، إسرائيل وبامتياز هي المستفيد الأول وهي الجاني من كل تداعيات أحداث غزة، فإسرائيل كما ذكرت صحيفة «الفايننشال تايمز» اللندنية هي التي أشعلت ثقاب المواجهة العسكرية (وذلك في أعقاب اغتيال إسرائيل قائد كتائب القسام الذراع العسكرية لحركة حماس أحمد الجعبري، وشنها غارات جوية على مواقع متعددة في القطاع، بعضها يحتوي على سلاح)، وإسرائيل أيضا هي التي حولت قطاع غزة إلى حقل تجارب لأسلحتها الجديدة، فاغتيال الجعبري نفذ من خلال تجربة استخدام طائرة من دون طيار، وتجرب إسرائيل هذه الأيام مدى فعالية منظومة «القبة الحديدية» في اعتراض صواريخ الفصائل الفلسطينية، والتي كانت في السابق محور جدل؛ حيث شكك الإعلام الإسرائيلي في مدى نجاعتها أثناء عملية «الرصاص المصبوب» في ديسمبر (كانون الأول) 2008، وحققت حكومة نتنياهو باغتيال الجعبري نصرا معنويا أمام الشعب الإسرائيلي، فالجعبري هو الذي أهان حكومتها واستخباراتها التي تتباهى برصد الساحة الفلسطينية، من خلال هندسته لعملية إخفاء الجندي جلعاد شاليط، كما أن نتنياهو يريد أن يخوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وفي جعبته قمع للفلسطينيين وحزمة من اغتيالات قادتهم، كما أن استدراج إسرائيل للفصائل الفلسطينية لتوجيه صواريخ ضد المناطق السكانية في إسرائيل من شأنه أن يقوي الموقف الإسرائيلي المناهض للاعتراف الغربي بالدولة الفلسطينية.

إذن، فإسرائيل وبكل المقاييس اصطادت بحجر غزة الدامي عددا من العصافير السياسية والعسكرية، وعليه فتبدو نظرية تآمر حماس مع إيران لنصرة نظام بشار رأي ساذج لم يطبخ جيدا ليبدو مهضوما ومنطقيا، وإنما غذته مناكفات وخصومات آيديولوجية وسياسية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بجاحة لافروف!

جميل الذيابي

الإثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

في وقت غير بعيد، سيدمغ شرفاء العالم وصمة عار على جبين روسيا، بسبب مواقفها الانتهازية والاستفزازية والإجرامية من الثورة السورية. فلاديمير بوتين وحكومته لا يزالان يدافعان بشراسة عن بشار الأسد حتى بعد قتله 40 ألفاً، بل ويشتركان مع «شبيحته» في إزهاق أرواح أطفال سورية عبر إمداد نظامه بالسلاح ومساندته، إما باستخدام «الفيتو» في مجلس الأمن أو بالتعنت في المواقف في كل محفل دولي. تصرُّ روسيا على الوقوف بعنجهية من الثورة السورية منذ اندلاعها، رافضة «بصلف» كل المحاولات الدولية الداعية إلى تنحي الأسد لإنهاء وحشية النظام ضد الشعب السوري، بمبررات كريهة الطعم والرائحة، ما يؤكد أنها دولة تكفر بالحقوق الإنسانية والمواثيق الدولية.

الأربعاء الماضي اجتمع في الرياض وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في اللقاء الوزاري الثاني للحوار الاستراتيجي بين دول المجلس وروسيا. كان اللقاء غير ودي وغير إيجابي، نظراً إلى قفز موسكو على الحلول وعلى حقيقة ما يجري على الأرض من قتل وتدمير وتعذيب واعتقالات، والتنصّل من تشكيل الائتلاف الوطني السوري واعتراف دول عدة به.

رفض لافروف الحلول، وتشدّق بالعلاقات مع دول عربية، وهو يدرك حجم الكراهية المتزايدة لبلاده جراء مواقفها اللا إنسانية ضد الشعب السوري، موضحاً لوزراء خارجية دول الخليج أن الموضوع السوري ليس من ضمن بنود الاجتماع المتفق عليها منذ شهرين، بل وبكل تغطرس يرى أن لا حاجة إلى قرار جديد من مجلس الأمن، لأن بيان جنيف يكفي.

وفي تناقض واضح، كان لافروف صرّح قبل عام في الرياض خلال الاجتماع الأول، بأن المبادرة الخليجية في الشأن اليمني تعتبر نموذجاً يحتذى به لحل الأزمات السياسية، ومع ذلك لا يزال الموقف الروسي في الأزمة السورية يزداد تشدداً مع إيجاد الحلول، استجابة لمصالح ورغبات تحكم علاقاتها مع إيران قبل غيرها، إذ يتجاهل الوزير الروسي ما قاله سابقاً، ويؤكد أن وقف أعمال العنف لا بد أن يكون من الطرفين (الحكومة والمعارضة)، وأن ربط حل الأزمة برحيل الأسد سيزيد من سفك الدماء، وهو بذلك يساوي بين الضحية والجلاد، في إصرار على إفشال كل حلٍّ لأجل مصالح بلاده مع الأسد وإيران!

من المعلوم أن العلاقات بين موسكو وطهران قوية، ويتبادلان المواقع، إذ لم تكترث إيران بالمذابح التي ارتكبتها روسيا في الشيشان في تسعينات القرن الماضي. كما أن روسيا هي مَنْ أنهت بناء مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني، وتجمع البلدين نقاط مشتركة استراتيجية مهمة في بحر قزوين والقوقاز وأذربيجان!

ومن فرط البجاحة الروسية وعدم الاكتراث بالمذابح وسفك دماء الأبرياء يومياً في كل المدن والمحافظات السورية، يذكّر لافروف وزراء خارجية دول الخليج بأن معارضة الداخل لم تُدعَ إلى اجتماع الدوحة، وأن بلاده لا تعترف إلا بالمعارضة موحدة في تجاهل تام للائتلاف الوطني السوري والاعتراف الدولي به. هل هناك أكثر من تلك البجاحة والصفاقة والقدرة على المراوغة وتسويق الوهم؟

يعلم لافروف قبل غيره أن المعارضة في الداخل تذبح من «شبيحة» الأسد من الوريد إلى الوريد، ويزج بها في غياهب السجون، ولن يسمح لها النظام بالخروج من سورية إلا إذا كانت في «توابيت» طائرات روسية. هذا الاجتماع بين دول المجلس وروسيا يعد الثاني من نوعه، ولا أعرف لماذا لم يتم الضغط على روسيا وإلغاؤه، خصوصاً أن موسكو تطمح إلى بناء شراكات مع دول الخليج، وتمني نفسها بعلاقات متطورة معها في مجالات عدة، بينها التجارة والصناعة والاقتصاد!

أعتقد كان من المفترض إبلاغ لافروف أن ركيزة اللقاء ليست لمناقشة العلاقات الخليجية - الروسية بل الملف السوري وحده، ولا غيره سيكون على جدول الأعمال، بدلاً من أن يصرح وهو في وسط الرياض بأن الموضوع السوري لم يتفق على مناقشته سلفاً!

التعنت والنبرة السياسية الروسية لم يتغيرا، وهو ما يستدعي زيادة الضغط عليها، وتهديدها بسحب سفراء دول المجلس من موسكو، ومساعدة الائتلاف الوطني السوري في تقديم مشروع قرار لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي (57 دولة) ضد المواقف الروسية، وتجميد عضويتها لكونها تحضر فعاليات المنظمة كمراقب من أجل إنقاذ أطفال سورية.

الأكيد أن لافروف يكذب ويراوغ، وبلاده شريكة للأسد في قتل السوريين، وسياستها الراهنة ستضر بها بعد أن أصبحت وحشية نظام الأسد لا تقهر الثوار، وإنما تشكّل وقوداً للشعب السوري سيحرق شبيحته وحلفاءه ومؤيديه قريباً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

منبج السورية نموذج لما قد تكون عليه سورية مابعد الأسد     

الحياة 2012/11/16

في منبج يذهب الاطفال الى المدارس وتتبضع ربات العائلات بينما يعمل الفنانون والصحافيون في هدوء من دون خوف من الرقابة، فالمدينة الواقعة شمال غربي البلاد باتت تعد نموذجاً لما قد تكون عليه سورية ما بعد الاسد.

وخلافاً لمدن اخرى في هذه المنطقة الشمالية من سورية، لا تعبأ منبج بالنزاع بين قوات الرئيس السوري والمعارضة، والذي خلف اكثر من 39 ألف قتيل وفق منظمة غير حكومية. ويقول سكان المدينة ان جنود النظام رحلوا مسرعين في تموز (يوليو)، الامر الذي جنّب منبج معارك طاحنة كالتي تشهدها حلب، في حين لا تنشر قوات المعارضة فيها سوى القليل من عناصرها.

وتعيش المدنية بمنأى عن ويلات الحرب، فقد أنشأ مسؤولون مدنيون فيها صحفاً مستقلة ونظموا عمليات تنظيف كبيرة للشوارع، وطلبوا من الفنانين رسم رسوم كاريكاتورية محلية وكل ذلك على امل النهوض بالروح الجماعية. وتخلى هؤلاء المناضلون المدنيون عن عملهم او الدراسات التي كانوا يتابعونها في حلب ودمشق، فهم يعلنون انهم مثقفون ليست لديهم اي رغبة في القتال ويعتقدون ان في امكانهم الدفع بالديموقراطية عبر فنون الشوارع والصحف.

وأوضح فايز ابو قتيبة مدير «هيئة شباب المستقبل» وهو لا يكل من تكرار ان «هدفنا هو مساعدة بلادنا في هذه اللحظة الحرجة على ارشاد الشباب نحو المستقبل في هذا الظرف الذي غابت فيه الحكومة». وأضاف ان «الناس يعملون، انهم ينظفون الرصيف امام محالهم، اننا نطرح على كل من يريد الانضمام الينا ان يختار ما الذي يريد القيام به». وعلى جدران منبج، تلفت الرسوم الكاريكاتورية أنظار المارة وتحدث وقعاً خاصاً في بلد يشهد نزاعاً شديداً.

ويدين رسم الانتهازيين بينما يشجع رسم آخر سائقي السيارات على عدم الإفراط في استعمال المنبه. ويمثل رسم ثالث مسؤولاً حكومياً سميناً، وقد عصبت عيناه وقيّد الى كرسي وهو يقول: «الكرسي هو المذنب، لست انا»، وذلك تنديداً بالفساد وضعف نظام بشار الأسد. وبعد ان درس الترجمة اصبح احمد (24 سنة) راقصاً في دمشق وهو الآن من بين الفنانين المساهمين في المشروع.

وروى الشاب ان «طيلة اربعين سنة حاول نظام (الاسد) قمعنا، لم نكن نستطيع ان نفعل ما نريد، لم يكن امامنا سوى أن ندرس، لم يكن هناك عمل ولا مؤسسات، والاقتصاد في انهيار، لكننا الآن نبدي رأينا في كل الامور». وأضاف «بدأنا نرسم على الجدران وفي يوم من الايام فكرت مع بعض اصدقائي ان نؤسس صحيفة، لكن ذلك لم يتم بين عشية وضحاها».

غير ان صحيفة «صوت الحرية» بلغت الآن عددها السابع، وبين النظام والمعارضة اختارت الاسبوعية طريق الوسط.

وفي عددها في تاريخ 22 تشرين الاول (اكتوبر)، تحدثت «صوت الحرية» عن كاتب سوري، عن ممثل ترك دراسته في الولايات المتحدة لينضم الى مكافحة النظام، لكنه اعتقل في دمشق، وتناول سجل وفيات الصحيفة حياة احد المقاتلين المحليين بينما انتقدت الافتتاحية فصائل المعارضة التي تقضي وقتها في التبجح اكثر من استهداف الطائرات المقاتلة التي ما زالت من حين لآخر تقصف منبج بقنابلها.

وأكد باسل رئيس تحرير «صوت الحرية» انه كان يحلم منذ زمن طويل بتأسيس صحيفة مستقلة، لكن ذلك كان مستحيلاً في عهد النظام. وقال: «في السابق كانت الصحافة حكراً على بعض المجموعات الدينية وقسم من البورجوازية وبعض المثقفين، لكننا تجاوزنا ذلك ونقترب من النموذج الديموقراطي».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف الوطني السوري

د. وائل مرزا

الأحد 18/11/2012

المدينة

لايمكن النظر إلى تشكيل الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية إلا من باب كونه نقلة نوعية على طريق ظهور قيادة سياسية سورية تؤدي دورها بحنكةٍ واقتدار في هذه المرحلة الحساسة من عمر الثورة.

وهي نقلةٌ تحمل الكثير من الدلالات الإيجابية، لكنها تواجه أيضاً العديد من التحديات.

فرغم كل الحساسيات والمخاوف، جاءت مشاركة المجلس الوطني السوري في الجسم الجديد لتكون عنصراً رئيساً في نجاح المشروع. ورغم استمرار بعض تلك الحساسيات والمخاوف داخل المجلس وخارجه، سيكون وجود المجلس بشكلٍ فعالٍ ومُنظّم في الائتلاف سبباً رئيساً من أسباب استمراره وقدرته على تأدية مهماته. فالمجلس يضم عدداً كبيراً من الطاقات والكوادر التي لم يتمّ تفعيلها على مدى أكثر من سنة لأسباب عديدة. وهي كوادر لايمكن أن يستغني الائتلاف عنها إذا أراد تحقيق أهداف وجوده سياسياً وإدارياً.

ثمة من يدعو في داخل المجلس إلى وضع شروطٍ للاستمرار في الائتلاف، والبعض يتحدث عن محاصصات وطلب نسبٍ محددة في قيادته ولجانه، مع التهديد بالانسحاب في حال رفض الشروط المذكورة. في حين أن مثل هذا الانسحاب يُعبّر عن تفكيرٍ سياسي قاصر لايجب أن ينجرّ إليه قادة المجلس، لأنه سيكون سلبياً عليه قبل غيره مع زخم الاعتراف الشعبي والدولي الذي ناله الائتلاف. بل قد يكون مسماراً كبيراً في نعشه، ومدخلاً إلى تفجيره ونهاية دوره بشكلٍ كامل، يقود إليه البعض بناءً على ردود الأفعال.وسيكون موقع هؤلاء في أحسن الأحوال مثل حال الفيل الذي قتل صاحبه بصخرةٍ وهو يريد أن يطرد ذبابةً من وجهه.

لقد أفلح الإصلاحيون في تفكيك آلية إدارة المجلس القديمة التي كانت تقوم على مبدأ التوافق الذي انقلب أداةً للتعطيل، وانتقلوا بالمجلس إلى آلية الانتخاب. وهؤلاء يُدركون أبعاد المشهد السياسي الجديد ومطالبون بأن يتابعوا مسيرتهم الإصلاحية من خلال المشاركة الفعالة في الائتلاف ومؤسساته.

لاداعي للافتقار إلى الإبداع السياسي والوقوع في ثنائية متناقضة بين عقليتي المحاصصة والإقصاء، فثمة خيارٌ ثالث يتمثل في الاندماح الإداري المدروس بين المجلس والائتلاف، بحيث يستفيد الأول من زخم الاعتراف الشعبي والقبول الواسع الذي حازه الائتلاف وقيادته الجديدة، ويستفيد الثاني من تراكم الخبرات والطاقات في المجلس.

وإذا صحّت النيات وصدقت الإرادات، وأصحابها موجودون في الطرفين، فليس مستبعداً بجهدٍ سياسيٍ مركّز أن تقدم المعارضة السورية خلال أسابيع قليلة قادمة جسماً سياسياً مؤسسياً يلبي حاجات الثورة أولاً وقبل كل شيء، وينسجم مع دعوات النظام الدولي لترتيب الشؤون الداخلية لبيت المعارضة السورية.

لقد حققت المعارضة المذكورة عن طريق المجلس الوطني ضربة معلم أولى بانتخاب جورج صبرا رئيساً للمجلس الوطني. ثم انتقل الأمر إلى مستوىً أعلى من الإنجاز المدروس مع انتخاب قيادة الائتلاف التي حققت توازناً سياسياً شبه مثالي فيما يتعلق بقيادة المعارضة من حيث خلفية أفرادها ومصداقيتهم الكبيرة.

وسيكون من العبث والسفسطة الفارغة مامارسه ويُمارسه البعض من هواة السياسة حين يغرقون في عقلية المعاندة والإنكار لمحاولة التشويش على التركيبة الجديدة. والواضح أن هذا لايأتي إلا نتيجة جهلٍ سياسي فاضح، أو تغليب مصالح شخصية يخاف أصحابها أن تضيع مع نجاح التركيبة لأنها ستكشف وزنهم الحقيقي في ساحة المعارضة.

انطلق الائتلاف الوطني إذاً، وبلغة الأرقام والوقائع، سيكون معيباً الزهد في حقائق عملية تفرض نفسها يوماً بعد يوم. فثمة دلالةٌ رمزية في أن يبلغ المشاركون على صفحة الائتلاف خلال أسبوع نصف عدد المشاركين في صفحة المجلس الوطني على امتداد أكثر من عام! هذا مقياسٌ من المقاييس التي تؤخذ بالاعتبار في عالم الاتصال السياسي اليوم. وإذا أحصينا بتركيزٍ كميٍ ونوعي عدد ونوعية ومصادر بيانات الدعم والتأييد التي صدرت عن أطياف الشعب السوري وثورته من عسكريين ومدنيين، نجد أنه لاوجه للمقارنة بينها وبين الشرعية التي أعطيت للمجلس الوطني، خاصةً أنه خسر رصيداً كبيراً منها على مدى الأيام.

الأهمُّ من هذا، حصول الائتلاف على شرعيته كممثل شرعي وحيد من جملةٍ من الدول الأساسية، الأمر الذي ستكون له تداعيات إيجابية أساسية وسريعة على الوضع السوري. ويكفي أن يقدم وفد الائتلاف دراساتٍ متقدمة بخصوص صندوق الدعم لسوريا يوم الجمعة الماضي في لندن لدول الحلقة الأساسية من أصدقاء سوريا، يُقدِّر فيها الحاجات الأولية بأربعة مليارات دولار، وأن تستجيب تلك الدول لها مبدئياً، على أن يتم التعاون على بلورة مشاريع عملية لإنجازها في المسارات المختلفة.

لامفر في هذا الإطار من الحديث عن ممارسات صاحبت مسيرة العمل على إنشاء الائتلاف وكانت لها دلالات على استمرارية ثقافة تقليدية سائدة تتناقض مع كل شعارات ترفعها بعض الشرائح.

وفي هذا الإطار تأتي عقلية الاستصغار القاتلة التي تهيمن على مجموعات هنا وهناك. إذ يدفع هؤلاء مثلاً على مرّ التاريخ شباباً يطلبون منهم حمل الراية ويؤكدون الثقة بقدرتهم وإمكاناتهم بناءً على مؤهلات التخصص والخبرة والعمل المؤسسي. ثم إذا حانت ساعة الجدّ رأيت درجةً غريبةً من النكوص عن الشعارات ودلالاتها من قبل تلك المجموعات.

لايُصدّق هؤلاء مقولة سلفنا العظيم: (هم رجال ونحن رجال).. وحين يقتحم الشباب آفاقاً جديدة عالمية على الساحات الإقليمية والدولية بنجاحٍ مشهود، تُصرُّ المجموعات المذكورة، رغم شعارات الإخلاص والتجرد، على أحد أمرين: فإما تخفيض سقف تلك الآفاق بحيث تنحصر في فضائهم المحدود منذ زمن. أما إذا ماحقق الشباب إنجازات تؤكدها وقائع كثيرة، أصرّ التقليديون على استحالة هذا، وعلى أنه لايعني إلا أن الشباب سقطوا فريسة الاحتواء والضياع وبيع القضية!..

ثمة عملياتٌ كبرى من المراجعات يجب أن يمارسها هؤلاء. والأخطر أنهم بطريقتهم في العمل والتفكير يُعطّلون طاقات أخرى من الشباب في دوائر ومنظمات وهمية ومكرورة، وهيئات تجترّ نفسها وعطاءها وتدور حول ثقافتها التاريخية وتنحصر في أشخاصها التاريخيين..

لانشكّ في إخلاص هؤلاء، لكن مراجعات متجردة وصادقة يمكن أن تؤكد ماقاله لهم أحد من يثقون به حين سألوه عن دورهم فأجاب: حيدوا عن الطريق وأفسحوا المجال للأجيال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فلسطين وسوريا... الزمن الجديد

تاريخ النشر: الأحد 18 نوفمبر 2012

د. رضوان السيد

الاتحاد

نقصد بالزمن الجديد أمرين: حركات التغيير العربية من جهة، والسلطات الجديدة في روسيا والصين والولايات المتحدة وكثير من دول أوروبا الغربية من جهة ثانية. في أوروبا وأميركا وجنوب شرق آسيا، يتأثر تكون السلطات الجديدة بالأزمة المالية العالمية عام 2008. وفي المنطقة العربية نتأثر في الزمن الجديد بثلاثة أمور: الثورات ومعها إرادة التغيير والظاهرة الإسلامية، والسياسات الدولية في منطقتنا، والقضايا العربية والمشكلات التي لا يزال الزمن القديم يؤثّر فيها أو يحاول إبقاء طابعه عليها.

وقد تحدثتُ وتحدث كثيرون من قبل عن حركات التغيير والظاهرة الإسلامية، ولذا فسأركّز حديثي هذا الأسبوع على الأمرين الأخيرين: القضايا والمشكلات، والسياسات الدولية الجديدة القديمة. وأهمُّ القضايا المشتعلة الآن: الثورة السورية، وانسدادات القضية الفلسطينية. والمعروف أن الموقف العربي تجاه قتل الشعب السوري من جانب نظامه، تبلور قبل نحو عام، وقاده لذلك موقف دول مجلس التعاون. إنما لم يتبلور موقف دولي بعد، يسمح باتخاذ قرار في مجلس الأمن ينهي العنف، ويسمح بالدخول في المرحلة الانتقالية.

والواقع أن هناك "عوامل مشتركة" تجمع الدوليين إزاء الأزمة السورية أو إزاء الموقف منها. أول هذه العوامل الخوف على أمن إسرائيل من المتغيرات الحاصلة في سوريا وغيرها. وفي هذا الصدد فإن الأميركيين مضغوط عليهم من النفوذ الصهيوني. أما الروس فإنه خيارٌ لهم، إذ لا يخشون النفوذ الصهيوني في روسيا. فهم يريدون أن يُظهروا نفوذهم وحرصهم ومسؤوليتهم لأنّ عندهم مليوني يهودي من أصل روسي بإسرائيل اليوم، أي أنهم يشكلون ثلث مواطني الدولة العبرية. وقبل أسبوع كان رئيس الدولة العبرية بروسيا، وأقنع بوتين بعدم بيع إيران بعض أنواع الصواريخ الباليستية، لأنها تهدد أمن إسرائيل، ووافق بوتين على ذلك. وعند الروس طموح العودة لعهود الدولة العظمى، بينما ينكفئ الأميركيون بعد حروبهم الهوجاء.

وثاني هذه العوامل الخوف من الإسلاميين المتطرفين. فالولايات المتحدة والروس والصينيون والأوروبيون يخشون "القاعدة"، ويقولون إنها صارت في سوريا. كما يخشون المتطرفين الآخرين غير المعروفين، والذين لم تكن لهم ارتباطات أو اتصالات بـ"القاعدة". ونحن نعلم مشكلات روسيا والصين مع الإسلاميين الجهاديين في عدد من أقاليمهما. وما نفع حتى الآن مع هؤلاء ومع الأوروبيين القول إن طول المدة وكثافة القتل سيتسببان في ظهور التطرف، وإن العناصر التي يتحدثون عنها قليلة ولا علاقة لها بالجيش السوري الحر، ولا بأطراف المعارضة الرئيسية. وقد تسلل إليّ الاعتقاد بأن هذا الإصرار من جانب الدوليين على وجود "التطرف" الذي بدأ يغير من طبيعة الثورة، إنما هدفه أن يكون عذراً لعدم التدخل أو عدم إمداد الثورة بالسلاح.

وثالث تلك العوامل: عدم الاطمئنان إلى الذين سيخلفون الأسد في السلطة، لجهة الدولة المدنية وحقوق الأقليات، ولجهة النوايا نحو دول الجوار. والواقع أن هذا "العذر" غير مفهومٍ ولا معقول. إذ المفروض أن تكون الانتخابات هي التي تكون السلطات الجديدة، ولا يمكن أن نعرف شيئاً من الآن. ثم إن الأسد ما كانت سياسته عظيمة ومثالية تجاه دول الجوار وبخاصة العراق ولبنان. والمالكي الذي دعمه الآن، سبق أن هدده بالشكوى لمجلس الأمن بسبب التدخل السوري في العراق عبر إرسال المسلحين المتطرفين!

والعامل الرابع: التفكير المشترك الروسي الأميركي بكيفية السلوك مع إيران. ومحاولة ربط التنازل عن النووي بمغريات مثل مناطق النفوذ. ويوشك الجميع على التسليم لها بالعراق، وهم يريدون التمهل والمساومة على انتزاع سوريا ولبنان منها. ففي سبيل عدم التحرش بإسرائيل سلموا منذ العام 2010 للأسد ولـ"حزب الله" بالسيطرة على لبنان. وقد انتهت هذه الهدنة بالطبع بقيام الثورة السورية، وإنما كيف يجري التسلُّم والتسليم مع استمرار الاشتباك في النووي؟!

خلاصة الأمر أنه ليس هناك موقف واضح تجاه الثورة السورية من جانب الغربيين باستثناء الفرنسيين منهم. وكما تصرف الخليجيون بحزم في البحرين واليمن، يمكن أن يتصرفوا في سوريا، وقد ظهر ذلك في الاجتماع الأخير للجامعة العربية بعد توحد المعارضة. وإذا تابع العرب (الخليجيون) هذا الموقف، فلن يكون مهماً تردد الأميركيين وإعراض الروس.

والقضية الفلسطينية في مرحلتها الحالية أكثر تعقيداً. والموقف الروسي الاستراتيجي لا يختلف عن الموقف الأميركي الاستراتيجي: أمن إسرائيل وتفوقها. لكن الروسي عنده حريةُ في التكتيك، لأنه غير محتاج لإسرائيل وهي المحتاجة إليه. ولذا يبدو الأميركي أقل حريةً بكثير، وأكثر إزعاجاً للفلسطينيين والعرب. فهو لم يستطع إيقاف الاستيطان، ولا جَعل "الرباعية" أكثر فعالية، ولا استطاع التأثير على سياسات تل أبيب في منع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، والاستيلاء الكامل على القدس. ويقف الأميركي الآن في وجه إعداد الفلسطينيين للتوجه إلى الجمعية العامة للأُمم المتحدة للحصول على وضع دولة غير عضو بالمنظمة الدولية. وحجة الأميركي أن هذا "التصعيد" يجعل من الصعوبة بمكان العودة إلى المفاوضات، بينما هو يعلم أن الإسرائيلي هو الذي جعل المفاوضات بدون فائدة.

ولا يغيب الإيراني عن المشهد. فقد أرسل الطائرة بدون طيار من لبنان، وطلب من حركة "الجهاد الإسلامي" والجهاديين السيناويين إرسال الصواريخ إلى إسرائيل من غزة وسيناء، لكي يقول إنه يستطيع إزعاج إسرائيل، والاستمرار في حمل راية فلسطين! ولذا فإنّ موقفاً عربياً صارماً ضروري أيضاً لهذه الناحية. وإذا كانت هناك مشكلات مع بعض الدول بشأن سوريا، فلا خلاف بشأن فلسطين، وتستطيع مصر، والمغرب، لعب دور أكبر إلى جانب الخليجيين. وإذا كان عامل الوقت لصالح الثورة في سوريا، فإنه ليس كذلك في فلسطين. وإذا كانت خطوة الاعتراف في الأُمم المتحدة بدولة فلسطين المستقلة، خطوةً رمزية فإنها تشير إلى قدرة العرب على استنان سياسات مستقلة تُغضب الأميركيين أحياناً، وتُغضب الروس أحياناً أخرى. فالإغضاب غير مقصود، لكن المقصود تحقيق المصلحة العربية العليا وسط تصعيد من الطرفين، الإسرائيلي الإيراني، عبر سوريا وغزة!

لدى العرب اليوم إذن قضيتان، أو قضية ومشكلة. القضية هي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. والمشكلة هي قيادة الثورة السورية إلى النجاح من أجل وقف حمّام الدم. وفي القضية والمشكلة لا يزال الدوليون مترددين أو غير واضحين. لكننا نحن العرب صرنا نعرف مصالحنا، كما صرنا نعرف ما يمكن القيام به وما لا يمكن. علينا أن نعود الإقليميين والدوليين -كما فعلنا في البحرين واليمن- أننا لا نتهاون بأمننا ولا بقضايانا ولا بوحدة مجتمعاتنا ودولنا. وفي الحالتين الفلسطينية والسورية، للمسائل حلول أو نهايات تعتمد على قرارنا الذي يكون على الآخرين التسليم به وليس العكس!

-*-*-*-*-*-*-*-*

قادرون على الثورة.. قاصرون على الحكم!

عمر قدور

المستقبل

18-11-2012

من المؤسف أن تترسخ تلك الصورة التي تُظهر السوريين كأنهم غير جاهزين لتولي مقاليد الحكم في بلادهم حال سقوط النظام، ومن المؤكد أن الأخير أكبر المستفيدين من رواج هذه النظرة التي ساهمت قوى دولية فيها من خلال تذرعها بسلبيات المعارضة السورية كسبب لعدم اتخاذها موقفاً حازماً ينهي معاناة الشعب السوري. سيبدو، وفق هذا التصور، أن النظام هو الوحيد المؤهل للإمساك بدفة البلاد، وأن السوريين عموماً قاصرون على ذلك، وبالتالي سيتم تبرير مختلف أنواع المساومات التي تفتقر إلى الأخلاقية، كما سيتم تبرير إضاعة المزيد من الوقت بما يعنيه هذا من إعطاء مهل للنظام كي يتمكن من سحق الثورة.

منذ البداية حاول النظام تمرير الرسالة ذاتها إلى القوى الدولية الفاعلة، فأولاً أكد على أنه الوحيد القادر على ضبط الحدود مع إسرائيل، سواء عبر قواته في سوريا أو بواسطة حليفه حزب الله في لبنان، أي أنه طرح نفسه بلا مواربة حامياً للحدود الإسرائيلية على العكس من الفوضى التي يهدد بها إن استُهدف دولياً. ثم تالياً قدّم نفسه كحامٍ للأقليات، أي كضامن للاستقرار الاجتماعي، وكأن المجتمع السوري لم يشهد الاستقرار أو الوحدة إلا في سنوات حكمه. إذاً أصرّ على التأكيد للخارج، ولجزء من الداخل، على أنه الأجدر باحتكار السلطة دائماً، وعلى أن مصالحهم معرضة للخطر بفعل أية سلطة قادمة ما دام الذين سيأتون من بعده لا يتمتعون بالمقدرة السياسية التي يتمتع بها؛ تماماً كما حاول خلال عقود تكريس هذه الفكرة في عقل السوريين أولاً.

لا يعرف الآخرون الكثير عن سوريا، فقد أصبحت منذ مستهل سبعينيات القرن الماضي بمثابة الصندوق الأسود الكتيم، وقد أغلقت سلطة الأسد باطراد كافة المنافذ التي تتيح للسوريين التعبير عن إمكانياتهم. ولم يكن مسموحاً لأحد أن يبرز على أي صعيد. كان من المؤمل حقاً أن تتحول البلد إلى مزرعة من المسوخ تتربع على عرشها السلالة الحاكمة إلى الأبد، لذا كان تغييب سوريا هدفاً تسهر عليه الأجهزة الأمنية طوال الليل والنهار. أُفرغت البلد من الكفاءات، ولمدة من الزمن ظنت نسبة كبيرة من السوريين أيضاً أنها باتت عقيمة، وغير قادرة على مواجهة سلطة استولت في المقابل على كافة مقومات القوة. لقد نسي العالم وجود شعب في هذه البقعة من العالم، وكذلك كان الأمر بالنسبة لأبناء البلد الذين فقدوا الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على أن يكونوا شعباً يقارع سلطته المستبدة، ويعيدها إلى حجمها الطبيعي كمحض استبداد فاسد، لا يرقى في أحسن حالاته لأن يمثّل أحداً، لا لأن يدعي علو كعبه على ما عداه.

ليس من سؤال مهين اليوم كذلك الذي يرسم علامات استفهام وتوجس من البديل، فهذا يتضمن إقراراً بجدارة النظام الذي لم يمارس فعلاً سوى الإرهاب. يتناسى أصحاب هذا السؤال أن سوريا لم تكن طوال التاريخ محكومة بالنظام الحالي، وأنها لم تشهد منذ استقلالها فاشية مشابهة له، وحتى انقلاباتها العسكرية في خمسينيات القرن الماضي تُعدّ مزحة بالمقارنة مع الانقلاب على كافة أسس الحياة الذي بدأ منذ مستهل السبعينيات. كان من المتوقع، على الأقل، أن يبدد إجرام النظام اليومي مثل تلك التساؤلات، وأن يعزز القناعة بأن أي بديل سيكون أقل سوءاً، إن لم يكن أفضل. بل لعل اختيار سلطة جديدة بقرعة عشوائية لن يكون أسوأ من الواقع الحالي، ولن يأتي بسلطة تداني الحالية في انعدام الأخلاق. نعم، هذه السلطة تبز جميع السوريين، إذ يصعب أن نتصور وجود بديل يضاهيها انحطاطاً على المستوى الإنساني العام.

ربما لم يكن أحد ليتخيل قبل سنتين أن يثور السوريون على نظامهم بالإرادة والتصميم اللذين تكشفا لاحقاً، ولقد أقر العالم بدايةً بجدارتهم وأحقيتهم قبل أن يبدأ الانقلاب عليهم وتصيد أخطاء ثورتهم والتذرع بها للتجاهل والتسويف. حتى بات الكثيرون يتناسون الأسس والغايات التي انطلقت عليها ومن أجلها الثورة، فضاعت أحقية السوريين بمستقبل لائق وكريم في متاهات الدبلوماسية الدولية، وفي ذلك الجدل العقيم الذي يبتغي المساواة بينهم وبين جلاديهم. بعض أولئك الذين لم يعترفوا سابقاً بأهليتهم صار مستعداً للاعتراف بها، ولكن على قدم المساواة مع نظام قاتل. هكذا يتعرض السوري لعملية ابتزاز كبرى، إذ ليس هناك أسوأ من تحويل شعب إلى مجرد طرف في بلاده بالتوازي مع العصابة التي تحتل إرادته وتدمر يومياً مقومات حياته.

كأن هناك من يضمر القول بأن السوريين قادرون على الثورة وقاصرون على الحكم، وفي الوقت الذي يُنظر فيه بإعجاب إلى تضحياتهم الجسيمة في سبيل الحرية يُنظر باستهانة إلى قدرتهم على حكم أنفسهم. كأن السوري، من وجهة النظر هذه، يبرهن على قدرته على الموت وحسب، من دون أن يُرى وراء ذلك تصميمه على الحياة. في الواقع ما يتجاهله العديدون هنا ليس التصميم على الحياة فقط، بل الثورة ذاتها كفعل حياة يمارسه السوري يومياً، ولعل أي نظرة متفحصة تكشف عن المواهب الاستثنائية التي كشفت عنها الثورة، والتي يُصار إلى التغطية عليها يومياً بالمزيد من المجازر.

ما سبق لا ينفي واقع أن المعارضة السورية لم ترقَ بدورها إلى مستوى الثورة، ومن يتابع الانتقادات التي تتعرض لها الأخيرة في صفوف الناشطين يدرك مدى حيوية الثورة وقدرتها على ممارسة النقد تجاه المستوى السياسي، بل إن ديموقراطية الثورة تتجلى أولاً في قدرتها الملموسة والمستمرة على نقد ذاتها، الأمر الذي لا يكف الكثيرون عن ممارسته وعن التذكير به. أما تعثر المعارضة السياسية واختلافاتها فهذا ينبغي أن يكون محموداً، ومن طبيعة الحياة السياسية، فيما لو سقط النظام وانخرط الجميع في العملية الديموقراطية، لذا من المستغرب أن يطالب العديد من القوى الدولية بتوحيد المعارضة كشرط لتقديم المساعدة لها، بخاصة لأن غالبيتها العظمى تتفق على هدف إسقاط النظام. إن وضع مثل هذا الشرط ينفي أحقية السوريين بالاختلاف حول مستقبلهم، هم الذين ثاروا أصلاً ضد هيمنة الفرد الواحد والرأي الواحد.

ليس من النزاهة أبداً أن يُنظر إلى الذين قاموا بالثورة كقاصرين، ومن أهم ما تتجاهله هذه الرؤية عمليات الاعتقال والقتل التي مارسها النظام طوال مدة الثورة، وقد غيبت هذه العمليات عدداً كبيراً من الكوادر التي كان يُفترض بها تمثيل الحراك الحالي على المستوى السياسي. هذا الواقع أدى إلى فصل تعسفي بين الثورة وتمثيلها السياسي، واستطاع النظام عملياً أن يفرض تأجيل السياسة لحساب معركة كسر العظم على الأرض، فأهم ما يشغل الثوار هو الانتصار وليس حصد النتائج السياسية؛ ذلك من وجهة نظرهم حق واستحقاق لجميع السوريين عندما يبدأ الغد. يدرك الثوار، والسوريون عموماً، أن السياسة بكافة أشكالها ممتنعة طالما بقي هذا النظام، لذلك فإن أي تخرصات فيما يخص مقدراتهم السياسية تدخل في باب الدجل السياسي ليس إلا، فقدرة السوريين على حكم أنفسهم تتبين لدى تمكينهم من هذا المطلب لا في الوقت الذي لا يزال ممنوعاً عليهم. لا ضمانات مطلقة يقدّمها السوريون للآخرين، وهذا بالضبط من ملامح الممارسة الديمقراطية. الضمانات المطلقة تقدّمها الديكتاتوريات فقط، بخاصة عندما تبدأ بالانهيار، فهي لا تخسر شيئاً إذ تبيع مستقبل شعوبها بمجرد البقاء في السلطة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مساعدة السوريين في محنتهم كيف تكون؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

18-11-2012

ليس من المبالغة القول إن بلدا في العالم، لم يتعرض في الخمسين عاما الأخيرة إلى مثل ما تعرضت له سوريا وسكانها من قتل ودمار وتهجير ونزوح، والأمر في هذا يتجاوز التقديرات إلى الأرقام. ففي بلد لا يتجاوز عدد سكانه ثلاثة وعشرين مليون نسمة، قتل أكثر من ثلاثين ألف شخص، إضافة إلى نحو مائة ألف من المفقودين غالبيتهم في حكم الأموات، وجرح مئات آلاف أغلبهم صارت لديهم عاهات أو تشوهات دائمة، وهناك مئات آلاف المعتقلين والمطلوبين. وطبقا لتقديرات المنظمات الدولية، فإن عدد النازحين داخل سوريا بلغ نحو ثلاثة ملايين نسمة، وعدد اللاجئين إلى دول الجوار يزيد عن نصف مليون شخص، وإن كانت تقديرات الداخل السوري، تشير إلى اقتراب عدد النازحين من أربعة ملايين واللاجئين من مليون شخص.

ولا يقل حجم الدمار الذي أصاب سوريا بشاعة عما لحق بسكانها. فثمة مدن وقرى كانت تضج بالحياة قبل عشرين شهرا، أصبحت مجرد أطلال وخرائب مدمرة، وهو أمر حاضر في أغلب المحافظات السورية ومنها درعا وريف دمشق وحمص وإدلب وحلب ودير الزور، حيث أدى القصف الجوي والمدفعي والتفجيرات والاشتباكات المسلحة إلى دمار كلي أو جزئي لما يزيد عن ثلث المساكن في البلاد، وقد يزيد عن تلك النسبة ما لحق بالمحال التجارية والحرفية والمنشآت الاقتصادية بما فيها المشاريع الصناعية والزراعية، إضافة إلى المنشآت الخدمية ومنها المؤسسات العامة والمشافي ودور العبادة، وكذلك شبكات المواصلات والاتصالات والكهرباء والماء والصرف الصحي، وبذلك أصيبت بدمار كبير مصادر عيش السوريين وهياكل خدماتهم العامة.

وتمثل الأرقام السابقة ملامح كارثة إنسانية ضربت سوريا والسوريين، وتبدو معها المساعدات التي قدمها المجتمع الدولي بمنظماته ودوله إلى جانب ما قدمه المجتمع في سوريا، ضعيفة ومحدودة التأثير في مواجهة تلك الكارثة. والأثر الهش والضعيف المباشر لهذه المساعدات، يمكن ملاحظته في حياة البؤس التي تعيشها مئات آلاف العائلات في مدن وقرى سورية كثيرة بشروط غير إنسانية تفتقد الأساسيات من مأوى وطعام وصحة، مما يدفع بعضها إلى اللجوء إلى دول الجوار. كما يمكن ملاحظة الأثر المحدود للمساعدات في واقع مخيمات اللاجئين السوريين التي تتزايد في دول الجوار ومنها مخيم الزعتري في الأردن الذي لا تتوفر فيه أقل ظروف الحياة الإنسانية، حيث يعاني اللاجئون فيه من نقص مياه الشرب وقلة الخدمات الصحية، وهو مثال مقارب لما عليه حال مخيمات تركيا ولبنان، وإن كانت الظروف العامة هناك أفضل بقليل.

لقد عجزت المساعدات التي قدمت للنازحين في سوريا واللاجئين خارجها عن توفير أساسيات الحياة من مكان إقامة إلى طعام ولباس وخدمات أساسية، صارت في مكانة الكماليات مثل الصحة والتعليم والعمل، الأمر الذي يؤكد ضعف وهامشية المساعدات المقدمة لمحتاجين يزدادون يوميا، وفي ظل سوء إدارة رسمية داخل سوريا في توزيع المساعدات المحدودة التي تصل من الخارج، وتجريم شبه معلن للمساعدات التي يقدمها سوريون في الداخل ومن الخارج، وهي مساعدات تراجعت في الأشهر الأخيرة.

وحيث إن الوضع على هذا النحو، فثمة حاجة ضرورية ومؤكدة لتحرك دولي جدي في موضوع المساعدات الإنسانية للسوريين، وهي مساعدات يفترض أن تكون شاملة، وتتضمن تأمين المأوى والطعام واللباس إضافة إلى المساعدة الصحية والتعليمية، بل إن الأهم من ذلك كله، توفير مسارات آمنة من أجل وصول هذه المساعدات إلى المناطق المنكوبة، وتلك التي تعاني من حصار أمني وعسكري رسمي بحجة وجود «إرهابيين» و«عصابات مسلحة» داخلها، بل ينبغي ضمان وصول المساعدات إلى المستحقين، وإن كان أغلب السوريين مستحقين اليوم، فإن المساعدات ينبغي أن تذهب إلى الأكثر حاجة إليها بغض النظر عن مواقفهم وخياراتهم السياسية بالنسبة للسلطة أو معارضيها.

إن الطابع العام للمساعدة المطلوبة في إطارها السابق هو أنها إسعافية، هدفها التغلب على الظروف الصعبة التي آل إليها وضع قطاعات واسعة من السوريين ومساعدتهم على مواجهة تحديات الأزمة، لكن الأهم من المساعدة الإسعافية، هو تقديم مساعدة جذرية وشاملة، توقف توليد المعاناة السورية، وأساسها معالجة الأزمة وإخراج سوريا من دوار القتل والتدمير، بما يؤهل السوريين إلى إعادة تطبيع حياتهم على نحو يحقق لهم معالجة ما خلفته الأزمة، التي ضربت بلادهم بفعل سياسات النظام الأمنية - العسكرية وما أدت إليه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الجيش الحر» يريد دعماً عملياً وليس مؤتمرات بالخارج

ائتلاف المعارضة: ترحيب حذر في سوريا

الاتحاد

تاريخ النشر: السبت 17 نوفمبر 2012

بعد يوم واحد على توصل المعارضة السورية لاتفاق يوحد صفوفها في إطار هيئة جديدة عقب أسبوع كامل من المفاوضات الصعبة جرت في العاصمة القطرية الدوحة، يقول النشطاء داخل سوريا ممن تابعوا أطوار الاتفاق من بعيد، إنهم يساندون التطور الأخير، لكنهم حذرون ولن يرموا بثقلهم وراء تحالف المعارضة الجديد حتى يثمر نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وتأتي هذه التصريحات لتعكس مدى الإحباط الكبير الذي بات يشعر به الثوار الذين يخوضون معارك ضارية مع قوات الأسد بعدما تخلى عنهم المجتمع الدولي وفشل قادة المعارضة في الخارج في توفير الدعم الدولي الضروري لاستمرار المعركة ضد الأسد وإسقاط النظام.

وعن هذا الموضوع يقول بدر أبو أحمد، الناشط السوري في الداخل والعضو بحزب “الشعب”: “إلى الآن لا نعرف ماذا سيقوم به التحالف الجديد للمعارضة، لكن في جميع الأحوال ندعمه ونأمل أن يحقق جزءاً من وعوده للشعب السوري والتي في مقدمتها إسقاط النظام وإقامة حكومة انتقالية تدير المرحلة المقبلة”. وكانت المعارضة السورية قد عانت لشهور عدة من حدة الانقسامات التي تنخر جسدها من الداخل.

وفي هذا السياق واجه “المجلس الوطني السوري” حتى تاريخ انضوائه تحت لواء الائتلاف الجديد، انتقادات شديدة لفشله في تقديم دعم حقيقي للثوار في أرض المعركة واكتفائه بعقد اجتماعات لا وقع لها على الأرض. هذا ناهيك عن ضعف التواصل والتنسيق بين المجلس والتنسيقيات المحلية للثورة السورية التي تدير الثورة من الداخل وتتعرض لأبشع أنواع القمع والتنكيل. ويضم التحالف الجديد الذي انبثق مؤخراً في الدوحة باسم التحالف الوطني السوري للمعارضة وقوى الثورة، قادة ونشطاء ممن يعملون في الداخل، كما يشمل أيضاً شخصيات وطنية عاشت في المنفى.

ويحدو الثوار في الداخل الأمل في أن ينجح الائتلاف المعارض الجديد فيما فشل فيه المجلس الوطني السوري ويساهم فعلاً في ترجيح كفة الثوار والتسريع في إسقاط النظام قبل أن تتعقد الأمور أكثر ويتزعزع الاستقرار الإقليمي. ولعل ذلك ما دفع البلدان الغربية وحلفاءها من دول المنطقة إلى الضغط على المجلس الوطني للقبول بتوسيع مظلة المعارضة ورص صفوفها استعداداً على ما يبدو لمرحلة ما بعد الأسد.

وقد تمكن ائتلاف المعارضة من التوافق على شخصية معاذ الخطيب كرئيس يقود المعارضة باعتباره الشخصية السنية التي تحظى باحترام وإجماع الأطياف المختلفة، هذا بالإضافة إلى سمعته الطيبة في الأوساط السورية كونه يميل أكثر إلى الاعتدال وشغل في السابق منصب إمام المسجد الأموي وسط دمشق، كما عُرف عنه أيضاً دعوته المبكرة لتوحيد أطياف المعارضة وتماسك النسيج المجتمعي الموزع بين الطوائف السورية المختلفة، مؤكداً على قيم التسامح والتعايش المشترك.

والأكثر من ذلك، كان الخطيب من أوائل المعارضين للنظام السوري، ما عرّضه للاعتقال أكثر من مرة خلال الفترة التي اندلعت فيها الثورة السورية قبل أكثر من عام.

لكن مع ذلك يظل اسم معاذ الخطيب مجهولاً لدى بعض النشطاء والمعارضين في الداخل، وهو ما يعبر عنه طارق مهرا، رجل الشرطة الذي يعمل مع “الجيش السوري الحر” في حلب: “لا أعرف الكثير عنه، لكنه يملك سمعة جيدة”، مضيفاً: “بالنسبة للسياسيين من المهم أن يتوحدوا تحت غطاء واحد يضمن وصول الدعم والمساعدات للثوار، لكننا نحن في الجيش السوري الحر لدينا هياكلنا الموحدة والمعروفة ونعمل بتنسيق مع باقي الوحدات العسكرية في جميع أنحاء سوريا”.

ومع ذلك يظل الخطيب بالنسبة للعديد من الثوار الذين يحملون السلاح شخصاً غامضاً لم يسمعوا به من قبل، هذا الأمر يؤكده شادي حافظ، المقاتل في صفوف الجيش السوري الحر بحلب، قائلاً: “لا نعرف الكثير عن هذا الرجل، لكن أي خطوة في اتجاه توحيد المعارضة التي بدورها تفضي إلى إسقاط الأسد ووقف الحرب المستعرة، نرحب بها، فلا يهم الشخص بقدر ما يهم الهدف النهائي المتمثل في سوريا بدون أسد تكون حرة وديمقراطية”.

وفيما يتعلق بعدم وجود المعارضة السياسية في الداخل، رد المقاتل: “لا يهمني كثيراً إن وجودوا معنا على أرض المعركة أم لا طالما هم يقدمون لنا الدعم الملموس، أما أن يستمروا في عقد الاجتماعات تلو الاجتماعات في الخارج وإنفاق الأموال الطائلة فذلك لا يرضيني”.

ويُذكر أنه إلى جانب معاذ الخطيب الذي يرأس التحالف الوطني السوري للمعارضة وقوى الثورة، هناك رياض سيف وسهير الأتاسي اللذين يساعدانه كنائبين له، وهما الشخصيتان المعارضتان المعروفتان داخل سوريا، وإن كان الثوار أقل معرفة برياض سيف منهم بسهير الأتاسي التي راكمت سنوات مديدة من المعارضة لنظام الأسد.

هذا ويأمل “الجيش السوري الحر” في أن يتمكن التحالف الجديد من إقناع المجتمع الدولي بتسريع وصول السلاح للمقاتلين بعدما تردد سابقاً في القيام بذلك، بذريعة تشرذم المعارضة السورية، وهو ما يشير إليه المقاتل أبو إسماعيل شمالي قائلاً: “نحن كمقاتلين نريد الذخيرة والأسلحة، هذه هي المساعدات العاجلة التي ننتظرها بفارغ الصبر علّها ترى النور مع ائتلاف المعارضة الجديد”.

توم بيتر

حلب

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«كريستيان ساينس مونيتور»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية... من سيء إلى أسوأ

جمال خاشقجي *

السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

الوضع في سورية سيء، ولكن من الممكن أن يكون أسوأ، فالشتاء قادم ومعه المزيد من القتل والمعاناة. حروب أهلية صغيرة داخل الحرب الأهلية الكبرى، كانتونات ومناطق نفوذ، موانئ غير شرعية، جباية ضرائب خارج سلطة الدولة المنهارة والائتلاف الوطني البديل، صراع للسيطرة على هذه الموارد، مذابح ومزيد من المذابح الطائفية وما يتبع ذلك من تهجير، ثم يطفح كل هذا على الجيران وبخاصة في لبنان الضعيف، ربما الأردن أيضاً.

يجب الاستعداد جيداً لذلك «اليوم الأسود»، ولكن من الأفضل أن نسعى لمنع حصوله، فذلك أفضل من الانتظار حتى يقتنع الروس أن النظام الذي يدافعون عنه قد انهار حكماً، وعليهم تغيير موقفهم لإنهاء معاناة الشعب، وحتى يبدأ الأميركيون بتنفيذ «المرحلة التالية» من خطتهم التي لا نعرف عنها الكثير. ليت جيران سورية يدركون أن عليهم فعل شيء، ولو خارج المنظومة الدولية لأنهم أول المتضررين.

يعلم كل أصدقاء سورية أن النظام لم يعد نظاماً، وإنما أصبح مجرد ميليشيا ولكن لديها سلاح طيران، النظام مهترئ، يقف على الحافة، سيسقط بسرعة، بتدخل إقليمي حازم (طالما أنه من المتعذر اتخاذ موقف دولي)، ولكنهم لا يزالون يدورون في حلقات مفرغة! هل يعقل أن يكون السبب الحقيقي هو خلق دولة فاشلة أخرى – بعد العراق - في المنطقة كخدمة استراتيجية لإسرائيل؟

إذا كان هذا الاحتمال ممكناً في الحالة الأميركية، فإنه غير متوقع من الدول الإقليمية الثلاث (السعودية ومصر وتركيا) صاحبة المصلحة في وجود سورية قوية ومستقرة، تخرج من أزمتها متماسكة وإن كانت مثخنة بالجراح، لتكمل الشراكة الإيجابية المتوقعة بينهم، إذن من الحكمة أن يتحركوا بسرعة.

أما إذا استمرت الأزمة السورية تُرحل من اجتماع أصدقاء سورية في باريس إلى أصدقائها في تونس إلى الانتخابات الأميركية إلى الاجتماع الخليجي الروسي في الرياض (الأربعاء الماضي)، فإن حالة التعفن في الداخل السوري لن تنتظر مجريات هذا الاجتماعات، وإنما ستزداد وتيرتها وبسرعة أكبر، فخطر تقسيم جارتنا سورية بات حقيقياً، وكذلك حرب بين «الجيش الحر» والأكراد، وما سيتبع هذا وذاك من تدخلات أجنبية، وطفح الصراعات إلى دول الجوار.

بدأت خرائط تتداول بين المهتمين بالشأن السوري تشرح احتمالات التقسيم القادم والذي يعد «الخطة ب» للنظام وحلفائه، فإيران لا تريد أن تستسلم لكابوس انهيار هلالها الشيعي الذي أوصلها لأول مرة منذ 3000 عام إلى البحر المتوسط، وضمان مستقبل استثمارها الأهم هناك («حزب الله») - الذي سيختنق لو انهار النظام وترك الدولة السورية متماسكة موحدة بيد الغالبية السنية، فيعود طائفة وسط محيط سني، إنها مستعدة أن تعاند التاريخ والجغرافيا من أجل أوهام، خطتها والنظام في تأمين منطقة تمتد من غرب دمشق حتى الحدود اللبنانية بضمان المنطقة والقرى على طريق الشام الشهير الواصل إلى بيروت، ومن هناك إلى جبال العلويين، وما يتبع ذلك من ضرورة إجراء عمليات «تطهير عرقي» في الساحل السوري حيث غالبية سنية معادية بالتأكيد لهذه الدولة العلوية، ما يفسر استعداد بلد بعيد وهو اليونان لتجهيز معسكرات لاستقبال نحو 20 ألف لاجئ سوري في جزيرة رودس، ولكن ثمة دور عسكري لـ «حزب الله» في هذه الخطة، فالغالبية السنية في وادي خالد في طرابلس وشمالها تحول بينه وبين «جماعته» في جبال العلويين ودولتهم الحديثة الولادة، عليه أن يحارب في شمال لبنان لضمان طريق أو منطقة آمنة إليها.

تخيلوا ذلك الكم الهائل من الأخبار السيئة التي ستتوالى علينا لو شرع النظام المنهار وحلفاؤه في تنفيذ مخطط غبي كهذا! بينما ننتظر اجتماعاً دولياً آخر حول سورية في مكان ما حول العالم الحر.

لا يقولن أحد «مستحيل»! فكل ما يحصل الآن كان مستحيلاً قبل أعوام قليلة.

لن يقتصر الأمر على لبنان إقليمياً. العراق الشيعي مستعد للمشاركة، فنحن جميعاً ننزلق طائفياً، فمثلما هناك معلومات عن متطوعين عرب في صفوف الثورة السورية، شكل الشيعة العرب «كتيبة أبو الفضل العباس» لتقاتل مع النظام، يقول قائدها «أبو هاجر» العراقي إنها تضم 500 عنصر من العراقيين والسوريين والعرب الشيعة بالطبع. إنهم لا يرون هناك شعباً يريد الحرية، ولا ديكتاتوراً يقتل شعبه، وإنما نظام يكمل حلمهم في تحقيق زمن الشيعة الذي ينهي ما يعتبرونه مظلمة وقعت عليهم منذ 1400 عام جارٍ تصحيحها، ويرعبهم أن ينهار هذا الحلم. بالطبع هم شيعة أصوليون، مخيف أن نرى في سورية سعودياً مع «جبهة النصرة» يقاتل سعودياً آخر ولكن شيعياً مع «كتيبة أبو الفضل العباس»!

بعيداً إلى الشمال والشرق، بل حتى في الدوحة، بدأت الإشكالات بين الثوار والأكراد، فالنظام ترك للأكراد وأحزابهم إدارة مناطقهم، وسحب قواته منها. «الجيش الحر» لم يرَ ذلك انضماماً للثورة، فصور بشار وأبيه وشعارات الحزب لا تزال موجودة في تلك المناطق، ولم يرَ في موقف الأكراد غير استغلال للموقف، يعززون قواهم ويحمون مناطقهم ويراقبون من يخرج منتصراً، فعمد بعض من عناصره إلى «تحرير» حي الأكراد في حلب وقرى شمال شرقي البلاد، وهو ما أدى إلى مواجهات معهم، فهم يرون أن مناطقهم «محررة ولا تحتاج إلى أن تحرر مرة أخرى»، وأنهم مع الثورة وإن لم يشاركوا في القتال، ولكن لا يجوز للثوار العرب السنة أن يدخلوا مناطق الأكراد مثلما لا يجوز للأكراد أن يحرروا حمص مثلاً. من الواضح أن الأكراد أو بعضهم لا يزالون يرون أنفسهم أكراداً بهوية عابرة لـ «الإقليم السوري»، لا مواطنين في دولة سورية تولد من جديد، وقد ظهر ذلك الأسبوع الماضي في الدوحة عندما تأخروا عن ترشيح نائب لهم في الائتلاف الوطني الذي تريده المعارضة السورية – والولايات المتحدة – أن يكون الممثل الوحيد للثورة السورية، ولم يحلّ هذا الإشكال بعد.

وبينما يحاول الطرفان ضبط النفس، تستمر الاشتباكات حتى وصلت غرب سورية على الساحل في ذلك الشريط الضيق بين هاتاي التركية وجبال العلويين، حيث يخشى «الجيش الحر» وربما تركيا أن يكون من أسبابها سعي الحزب الديموقراطي الكردي القريب من حزب العمال الذي تحاربه تركيا، إلى البحث عن موطئ قدم له على البحر.

ما المخرج من كل هذه المخاطر؟ تدخل سريع لإسقاط نظام ضعيف تحول إلى ميليشيا، ويقف على الحافة، ويعيش بفضل تردد الآخرين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعارضة السورية وانتقادات الخارج!

اكرم البني

الشرق الاوسط

17-11-2012

شجعت هيلاري كلينتون في دعوتها لتجاوز زعامة المجلس الوطني وتوسيع تمثيل المعارضة السورية بعض أطرافها على إحياء مبادراتهم واجتهاداتهم لتطوير العمل المعارض ومعالجة وجوه العجز والتقصير التي رافقته لأكثر من عام ونصف العام من عمر الثورة، وكان الوليد الائتلاف الوطني السوري.

ليس أمرا جديدا أو مستغربا أن تحفز انتقادات الخارج حراكا في الوسط المعارض، وهو المعروف بحساسيته وسرعة استجابته لما يسمى النصائح العربية والغربية الداعمة للثورة، وكلنا يذكر كيف تسابق المعارضون لعقد المؤتمرات بين أنطاليا وإسطنبول وإعلان مجالس وطنية تلبية لإشارات صدرت عن هذا الطرف الخارجي أو ذاك، كشرط لتقديم الدعم الضروري للثورة وتشبها بالدور الذي لعبه المجلس الوطني الانتقالي الليبي.

وفي السياق ذاته، لا ننسى حماس المعارضين لتوحيد صفوفهم بعد الدعوات التي أطلقها مؤتمرا تونس وإسطنبول، وتلبيتهم نداء رئاسة الجامعة العربية لعقد اجتماع موسع في القاهرة أثمر وثيقتي «العهد الوطني» و«رؤية مشتركة لتحديات المرحلة الانتقالية» للظهور بحلة جديدة وللتكلم بصوت واحد أمام مؤتمر باريس لأصدقاء الشعب السوري، كما لا ننسى سرعة التقاط بعض المعارضين لتصريح وزير الخارجية الفرنسي عن استعداد بلاده للاعتراف بحكومة انتقالية تشكلها المعارضة، للبدء بنشاط مكثف من أجل تشكيل هذه الحكومة وطرح مبادرات متعجلة لأسماء وشخصيات يعتقد من يرشحها أنها محط قبول من الجميع!

كل ما سبق هو إشارات واضحة تدل على حجم الاهتمام الذي تعيره أهم أطراف المعارضة السورية للانتقادات والاقتراحات الخارجية، ولا يغير من هذه الحقيقة تصدي المجلس الوطني السوري لدعوة كلينتون عندما انتقدت دوره القيادي، ومجاهرته باستقلاليته، وبأن سياسته ومواقفه وخططه التنظيمية لا تخضع لإملاءات أحد.

ولكن، وبعيدا عن لغة الاتهام، فإن ما يجري هو أمر مفسر، ويعود إلى أسباب كثيرة:

أولا، ارتباك المعارضة السورية وهشاشة حضورها وضعف ثقتها بنفسها أمام دور مفاجئ لملء فراغ سياسي لم يكن في حساباتها، ولنقل: ألقي على عاتقها في غفلة من الزمان، ربطا بجذور تشكلها وخصوصية تطورها بعد سنوات طويلة من الاستبداد ومعاناة مريرة من القمع والإقصاء، تركت آثارا سلبية عميقة على صحة أحوالها وحاصرت دورها وحدّت من فاعليتها، ناهيكم عن حضور الحسابات الأنانية وروح التنافس المرضي بين بعض أطرافها، مما يفسر تكاثر الأخطاء وأجواء التنابذ وتبادل الاتهامات، زاد الطين بلة انسداد أفق الحلول السلمية، وانعدام أي فرصة لوضع الحالة السورية على سكة المعالجة السياسية، مما أفقد المعارضة الدور المنوط بها، الذي كان يفترض تعويضه بتقديم إجابات شافية عن أسئلة ملحة تشغل بال الكثيرين حول سياق عملية التغيير وشروطها وما يكتنفها من منزلقات ضمن خصوصية المجتمع السوري بتعدديته وحساسية ارتباطاته الإقليمية والعالمية.

ثانيا، ضعف تأثيرها في الحراك الشعبي بسبب قوة عفويته وتباين النشأة والتكوين والتجربة بينهما وانجرار الكتلة الأهم منه نحو منطق الغلبة والسلاح، لتبدو المعارضة السورية مع وجود جسمها الرئيسي في الخارج، كأنها تركض لاهثة لتلحق بنبض الشارع، وفي أحسن الأحوال، كرد فعل أو صدى لصوت الثورة وما يحققه الوجود العسكري على الأرض.

وللأسف، بعد هذا الزمن الطويل وفداحة ما قدم من دماء وتضحيات، لم تستطع المعارضة السورية تدارك هذه النقيصة أو تنجح في استحضار دور سياسي نشط يتفاعل مع مكونات الحراك الشعبي وهمومه، خاصة مع المكون العسكري وتوحيد صفوفه وتصويب مساره، والأهم عدم نجاحها في كسب ثقة الناس أو على الأقل إزالة إحساسهم بأن قوى المعارضة على كثرتها وتنوعها لم تقدم لهم شيئا إلى الآن وتبدو كمن تدور في حلقة مفرغة، أمام حاجة ملحة لسد فراغ سياسي حيوي ومد الثورة بأسباب الدعم، مما أشاع حالة من الشك حول كفاءتها ومدى جديتها في قيادة التغيير، وبأن بعضها يحاول ركوب الموجة، ليبيع ويشتري، على حساب دماء الحراك الشعبي وتضحياته.

ثالثا، الدور الكبير الذي يحتله العامل الخارجي والإرادة الدولية وطابع قراراتها في تقرير نتائج الكثير من الأزمات الإقليمية والصراعات الوطنية، عزز حضوره في الوعي السوري فاعليته في الثورات العربية الأخرى، والأسوأ طموح شخصيات معارضة لتبوء موقع أو دور سياسي يقارب أدوار معارضة المهجر في تونس وليبيا، وانشغالهم بالتحضير لهذا الدور والموقع في ضوء رهانهم على سقوط سريع ودراماتيكي للنظام السوري، زاد الأمر تعقيدا السلوك المستفز لهذا الأخير في توظيف تحالفاته الخارجية من أجل تعزيز سيطرته واستجرار مساندتها ودعمها في مواجهة الاحتجاجات والتنكيل بها.

والحال، لم تعد ثمة قوة من المعارضة السورية ذات وزن لا تقول بدور خارجي مساعد للثورة، حتى من كانوا من أشد المدافعين عن التغيير الداخلي الصرف، ليس فقط بسبب انكشاف حجم الدعم الخارجي الذي يتلقاه النظام، أو لاستهتاره المريع بالمعالجات السياسية أو بأي مبادرة لتخفيف حدة العنف، بل بسبب شدة معاناة المهجرين والمشردين والمنكوبين وازدياد الحاجة للتدخل الدولي ولما تقدمه هيئات الإغاثة الإنسانية.

لا تزال الأوضاع السورية تتفاعل، ويحتمل دخولها في أطوار جديدة، يصعب التكهن بأنماطها وبماهية المخاطر أو الآفاق الكامنة وراءها، وإذا كانت العوامل الإقليمية والدولية مرشحة للتطور، خاصة بعد تشكيل الائتلاف الوطني، فإن المرء لا يحتاج إلى التأمل كثيرا كي يستنتج أنه إذا كان من المهم وجود حساسية لالتقاط جديد مواقف الخارج وانتقاداته، فإن المهم هو قدرة المعارضة على تفهم صحة تنوعها وتباين أدوارها، والأهم أولوية تنمية قدراتها على خلق قنوات للتنسيق والتكامل مع الداخل، بما يرسخ أقدام الحراك الثوري ويطمئن الجميع، خاصة القطاعات المترددة، على مستقبل البلاد، وربما لن يتأخر الوقت كثيرا إلا ويقف الجميع أمام صورة جديدة لمعارضة سورية تسعى بالأقوال والأفعال كي تنال ثقة الناس، وهمها الرئيسي هو التنافس الصحي على المزيد من الإيثار والتضحية لنصرة مجتمع الحرية والكرامة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حل غزة.. العودة إلى سوريا

طارق الحميد

الشرق الاوسط

17-11-2012

باتت الحروب في منطقتنا كحلبة سباق، للأسف، فكل حرب هي للتغطية على حرب أخرى، أي عملية هروب للأمام، وما يحدث في غزة هو الهروب للأمام بعينه على أمل حماية الأسد، أو جعل تكلفة سقوطه أكبر على الجميع، وأبرز مهندسي هذا الهروب هو إيران، منذ طائرة «أيوب» من غير طيار، وكذلك كل المحاولات في سيناء. وعندما لم تتحرك سريعا جبهة الجولان كما أراد الأسد وإيران، تم اللجوء إلى جبهة غزة لأنها أسرع اشتعالا، كما أنها أسهل بالنسبة لإسرائيل.

غزة بالنسبة لإسرائيل بمثابة كيس ملاكمة للتدريب وفرد العضلات، كما أن النجاح في غزة يضرب «ملفات» بعدوان واحد. ففي غزة تستطيع تل أبيب تكسير حماس، وإحراج مصر مرسي، الذي يعتبر الخاسر الأكبر في هذه المعركة، مهما فعل. فإذا نجح مرسي سياسيا فسيخسر شعبيا، والعكس صحيح، إلا إذا جاء الرئيس المصري بمعجزة سياسية تنم عن دهاء، ولكن اختياراته محدودة جدا. كما أن ضرب غزة بالنسبة لإسرائيل فيه رسالة قوية للأسد، وقصقصة لأجنحة إيران، خصوصا في حال كانت هناك ضربة إسرائيلية لإيران، وفوق كل ذلك فإن ضرب غزة تعزيز لفرص نتنياهو في الانتخابات القادمة.

حسنا، ماذا عن سوريا؟ الآن أفضل حل للخروج من حرب - أو ضرب - غزة هو العودة لسوريا، وبقوة، فمن حرك الصواريخ التنك في غزة فعلها وهو مدرك أن ليس هناك تكافؤ. فكل المراد هو إنقاذ الأسد الذي باتت أيامه معدودة، بل هو قاب قوسين أو أدنى من السقوط، كما أنها حرب من أجل إلهاء الأطراف العربية، خصوصا أننا نشهد اليوم حفلة مزايدات، حيث لم يجرؤ العرب على طرح سؤال أساسي: من حرك جبهة غزة؟ ولماذا الآن؟ سؤال جوهري، خصوصا أن حسن نصر الله يطالب العرب بالضغط على أميركا لوقف العدوان، فلماذا لم يطالب نصر الله عملاء إيران في غزة بعدم رمي القطاع في المجهول؟ ولماذا لم يطالب هو وإيران الأسد بوقف العدوان على السوريين؟ إنها حفلة مزايدات، وما أكثر الراقصين فيها.

المراد قوله الآن هو: من يدري؟! قد ينقلب السحر على الساحر، فلا الجماعات الفلسطينية المسلحة في غزة، ومنهم حماس، يريدون مواصلة القتال، لعدم قدرتهم على ذلك، ولا إسرائيل تريد إطالة هذا العدوان لأنها ترى أن هناك مكاسب قد تحققت، وعلى عدة أصعدة، كما أن مصر مرسي لا تريد، بل ولا تتحمل، هذه الأزمة، وبالطبع المجتمع الدولي لا يريدها أيضا.

وعليه، فإن أفضل وسيلة للهروب من غزة الآن هي سرعة العودة إلى سوريا، فحريق غزة كان بسبب شرارة أسدية، ومن هنا فقد ينقلب السحر على الساحر، خصوصا أن الجميع قد اقتنع بخطورة نظام الأسد، وضرورة إسقاطه. وعليه فإن الحل في غزة يكمن بالعودة إلى سوريا وتسريع طي صفحة نظام طاغية دمشق الإجرامي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وصراعات العالم

تاريخ النشر: الجمعة 16 نوفمبر 2012

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

لم يعد الصراع في سوريا بين فريقين، معارض ومؤيد، فقد صارت سوريا ساحة للصراعات الدولية، وسوق تصفية الحسابات بين متنافسين كبار على مواقع الصدارة في العالم.

ولم تكن حكاية المؤامرة الكونية في بداية ترويجها أكثر من هروب من مواجهة الحقيقة اتكاء على القابلية التاريخية عند العرب لفكرة المؤامرة الخارجية، ولكن الأكذوبة صارت حقيقة فعلاً حين نجحت خطة تدويل الصراع، وامتدت مساحته الزمنية لتوفر الوقت لرسم سيناريوهات التدخل الخارجي، بمعنى أن المؤامرة حدثت، وباتت كونية فعلاً، ولكنها لم تأت ضد النظام، وإنما بدت مؤامرة كبرى على سوريا، وعلى العرب جميعاً.

ولعل كثيراً من المشككين بقدرة الشعوب على فعل أي شيء إيجابي، سيصرون على أن "الربيع العربي" كله هو نتاج مؤامرة، وأن كبار قادة الاستخبارات في العالم المعادي للعرب اجتمعوا سراً بالبوعزيزي البائع الجوال على عربة في بلدة تونسية مهمشة، ودفعوا شرطية لضربه، وتعهد لهم البوعزيزي بأن يحرق نفسه بعد تلقيه الصفعة كي يسقط عرش رئيس تونس، وتمتد شرارة عود ثقابه إلى ليبيا ومصر واليمن وسوريا! والمفارقة أن هذا التصور الذي يبدو مضحكاً يتبناه مفكرون ومثقفون كبار لم تتحمل عقولهم صدمة أن يكون البوعزيزي وأمثاله من بسطاء الناس أهم منهم في صناعة التاريخ، وهم الذين قدموا أنفسهم على مدى عقود بأنهم فلاسفة العصر.

ولا يمكن تجاهل السياق التواصلي بين الثورات في الجمهوريات العربية، وحسب المتأمل أن يرى ما حدث في المغرب حين كانت استجابة الملك عاقلة كيف عاد الناس إلى أعمالهم وقبلوا خطة الإصلاح، ولو أن القادة الآخرين عالجوا الموقف بقليل من التواضع والحكمة والاعتراف بحق الشعوب في الحرية والكرامة (وهما المطلبان الوحيدان في شعارات المظاهرات السلمية) لأحبطت المؤامرة التي كانوا يتخيلون، ولكن بعض القادة خافوا من هذا التنازل أمام الشعب لأنه حسب ما ظنوا يكسر هيبة الدولة (وهي ذات الدولة التي كسروا عظامها ومزقوا لحمها)، كما أنهم خافوا أن تتوقف مصالحهم الشخصية، فبعضهم آثر أن يتصرف بعقلية صاحب شركة عائلية، بدل أن يتصرف بعقلية رئيس دولة، وبعضهم أخذته العزة بالإثم، ونجحت خطة خلط الأوراق فاستخدمت كل أدوات تمزيق الشعب الذي حمل أغصان الزيتون فواجهه سيل الرصاص.

كان لابد بعد صبر طال من أن يدافع الناس عن أرواحهم فانتقلوا من السلمية إلى الدفاع، وانتصر أصحاب الضمائر الحية من ضباط الجيش وهم جميعاً بعثيون، لأن الجيش السوري جيش عقائدي لا يدخله إلا بعثيون، وهم على الغالب ممن دخلوا في الحزب لأنهم لا يجدون طريقاً آخر.

ومع اشتداد الصراع وتحوله إلى مجازر يومية يقتل فيها المئات كل يوم، تمكن كبار قادة المجتمع الدولي من إحكام مؤامرة حقيقية وجادة هذه المرة، ولكنها أحكمت ضد سوريا كلها، وكان الهدف المتفاهم عليه (دعوا السوريين يقتل بعضهم بعضاً، ويدمرون سوريا فنخلص منها كما خلصنا من العراق، ولئن كنا اضطررنا لخوض حرب كبيرة وإقامة تحالف دولي ضخم لهدم العراق وتفتيت قوته، فإن ما يحدث في سوريا يحقق ما نريد بأيدي السوريين أنفسهم دون أن نبذل عناء أو ندخل حرباً) وهذا ما يفسر صمت المجتمع الدولي، وتلكأه وإصراره على مد أمد الصراع، وعلى المعالجة بالمسكنات عبر مبادرات الدابي وعنان والإبراهيمي، وعبر افتعال "الفيتو" الروسي والصيني، وتبرير تلك المسرحيات الهزلية بانقسام المجتمع الدولي حول القضية السورية.

وأنا واثق أنه لا يوجد انقسام حقيقي، وإنما هناك توزيع أدوار، ضمن لعبة دولية تريد أن ترى سوريا ضعيفة منهكة، وهي بعد نهاية الدمار ستخذل النظام الذي تدعي أنها تقف إلى جواره، وعندها ستكون إسرائيل مطمئنة إلى أمنها المستقبلي، وهو الهدف الأكبر لدى قادة المجتمع الدولي، فالسوريون سيعودن من المنافي والشتات مشغولين بإعداد مخيمات لسكن ملايين من المشردين الذين دمرت بيوتهم، وستقع الحكومات السورية في اضطرابات ما بعد الثورة التي ستأكل أبناءها في صراعاتهم المتوقعة على السلطة، وستكون مشكلات تمويل إعادة الإعمار مأساة كبرى، ولن يفرغ أحد لشيء من مشاريع سوريا القومية.

والفاجعة الأكبر التي أحدس بها خشية أن تصير حقيقة، هي احتمال ظهور تيارات يتراجع عندها الشعور بالكراهية نحو إسرائيل إلى المرتبة الثانية، بعد أن بدأ السوريون يكتشفون أن هناك عدواً داخلياً أخطر عليهم من إسرائيل، ولاسيما أن الكوارث التي حلت بالسوريين وطرق القتل الجماعي بالذبح والإبادة لم تكن أقل بشاعة مما فعل الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل إن ما كنا ندرسه عن مجازر كفر قاسم ودير ياسين وما عشناه من الحرب على جنوب لبنان وغزة ورأينا فيه فظاعة وحشية الإسرائيليين، كله لا يعادل ما ذاقت حلب وحدها من دمار، فكيف إذا أضفت إليها مجازر بابا عمرو والحولة وبانياس والحفة ودير الزور وريف إدلب وحماه وفوق ذلك كله ريف العاصمة الذي لم تتوقف المجازر فيه ليلة واحدة منذ عشرين شهراً.

وربما يستغرب قارئ اتهامي للمجتمع الدولي بالرغبة في تهديم سوريا، ويقول هل حقاً يريد قادة المجتمع الدولي الكبار أن يروا سوريا مهدمة؟ وأضيف له أنهم يريدون أن يروا الوطن العربي كله مهدماً منهكاً ضعيفاً، لقد قال كبار من مفكري الغرب ومنهم برنارد لويس وبعده هنتنغتون "إن الإسلام جعل أوروبا تعيش على قلق ألف عام"! ومشكلة انتشار الإسلام في أوروبا بدعم عربي مقلقة للصهيونية التي تسعى إلى إحياء النزعة الصليبية في أوروبا. ولم يكن سراً شعارهم "نريد عالماً بلا إسلام" وقد زجوا الولايات المتحدة في حروب متلاحقة ضد العرب والمسلمين، وحين لم تفض هذه الحروب إلى تحطيم نهائي للخصم، بدأت سياسة الاحتواء المزدوج، وهذا ما يفسر القبول الدولي الحذر والمضطر للتعامل مع قوى إسلامية صاعدة على مبدأ اقتل عدوك من داخله. ومع أنني ضد التدخل العسكري الأجنبي في سوريا وأتفاءل بحل داخلي، إلا أنني وكل السوريين غاضبون من التجاهل الدولي لتدمير سوريا، مع تقديرنا وامتناننا لمن قدموا دعماً إغاثياً لشعبنا على رغم كونه أقل مما نحتاج ومما يستطيعون. وفصل الشتاء القادم مرعب لمن يفترشون الأرض في العراء، ويلتحفون السماء.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تنسحب أميركا من الشرق الأوسط؟

الرأي الاردنية

16-11-2012

د. فهد الفانك

تحت رئاسة باراك أوباما ، انسحبت أميركا من العراق بعد تكبدها خسائر مالية وبشرية فادحة ، راضية من الغنيمة بالإياب. وهي تتعجل الآن الانسحاب من أفغانسـتان في أقرب وقت ممكن ، فهل يعني ذلك أنها سوف تنسحب من منطقة الشرق الأوسط كما يدعو البعض.

هذا البعض الداعي للانسحاب ينقسم إلى قسمين ، الأول يمثل الاتجاه الإنعزالي الأميركي الذي كان راسخأً لمدة طويلة قبل تورط أميركا في شؤون العالم خلال القرن العشرين بما في ذلك خوض حربين عالميتين.

والثاني يمثل من يعتقدون أن منطقة الشرق الأوسط في الجيب ، وأن على أميركا أن تركز اهتمامها بعد اليوم على القوى الجديدة الصاعدة التي تمثل التحدي الحقيقي لسلطة أميركا عالمياً. وفي المقدمة الصين ، التي توشك أن تصبح عملاقاً اقتصادياً وعسكرياً يحسب له ألف حساب.

مع ذلك فإن من المشكوك فيه أن تنجح دعوة الداعين للانسحاب الأميركي سياسياً وعسكرياً من الشرق الأوسط ، لأن لأميركا مصالح استراتيجية في المنطقة لا تستطيع ولا ترغب في التخلي عنها ، وفي المقدمة إسرائيل والبترول والإرهاب.

لا تستطيع أية إدارة أميركية أن تتخلى عن التزاماتها تجاه إسرائيل ، لأن الأخيرة تملك قوى أميركية داخلية ضاغطة تستطيع إحراج وربما إسقاط من يحاول ذلك.

ولا تستطيع أية إدارة أميركية أن تتخلى عن هيمنتها الضمنية على البترول العربي وتأمين حرية وصوله إلى الأسواق العالمية. وفي هذا المجال يعتبر مضيق هرمز مثلاً نقطة أمن دولية لا تحتمل التساهل.

ولا تستطيع أميركا أن تتغاضى عن خطر الإرهاب ومصادر إنتاجه في المنطقة. ويقول خبراؤها أنه حتى لو انسحبت أميركا عسكرياً من منطقة الشرق الأوسط فإن الإرهاب لن يتركها لحالها ، ولذا فهي تفضل أن تلاحقه في ارضه ، لا أن تنتظره في أرضها.

بالنتيجة فإن أميركا كانت وستظل في المستقبل المنظور قوة شرق أوسطية وجارة سياسية وعسكرية لجميع الدول في المنطقة. وهي بوضوح أحد أهم العوامل التي تقرر الاتجاهات العامة للتطورات الإقليمية ، كما أصبحت في المدة الأخيرة تأخذ على عاتقها تهيئة بعض الجهات لاستلام الحكم إذا كانت قادرة على تأمين المصالح الاستراتيجية الثلاث المشار إليها أعلاه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين دمشق وغزة: أي فارق في هوية الضحية وطبائع الجلاد؟

صبحي حديدي

2012-11-15

القدس العربي

العدوان العسكري، في أغراضه الردعية ـ الأمنية بصفة خاصة، ركيزة كبرى قام عليها كيان إسرائيل منذ حروب تأسيسها، ولم يكن ارتكاب المجازر خياراً مستبعَداً ضمن هذه العقيدة، والأمثلة عديدة، ومستويات الوحشية التي انطوت عليها كانت قياسية على الدوام.

في عبارة أخرى، لم تكن إسرائيل بحاجة إلى ذريعة لكي تطلق عملية 'عامود هاعنان'، فتمارس ما اعتبرته 'قصاص السماء' ضدّ غزّة، بما في ذلك اغتيال أحمد الجعبري، القيادي في 'كتائب عز الدين القسّام'، وهو الأبرز ربما، والقائد الميداني الفعلي. غير أنّ انتفاء الحاجة إلى ذريعة لا يعني، من جانب آخر، أنّ التخطيط لهذا العدوان لم يضع في الحسبان إمكانية استغلال سياقات معيّنة تشهدها المنطقة، قد تساعد في تخفيف الضغط 'الأخلاقي' الذي قد يخضع له جيش العدوان الإسرائيلي في ناظر الرأي العام العالمي.

وهكذا، إذا ما قورن عدد شهداء غزّة، جرّاء القصف الإسرائيلي؛ بعدد شهداء سورية، جرّاء قصف النظام السوري لمناطق في حلب ودير الزور وريف دمشق وسواها... فإنّ المقارنة لن تنعقد لصالح القصف الأوّل (أقلّ من عشرة فلسطينيين، مقابل أكثر من مئة سوري)، فحسب؛ بل سيبدو من حقّ جنرال إسرائيلي أن 'يتفاخر' بها، قياساً على سلوك أيّ من جنرالات بشار الأسد! ومع حفظ الفارق بين عدوان 'وطني'، يمارسه استبداد سوري محلّي؛ وآخر صهيوني، تمارسه دولة معادية قامت على العدوان والاستيطان والعنصرية؛ فإنّ فارق الضحية، بين سوري وفلسطيني، غير قابل لحفظ تمييزي (إلا عند أولئك 'الممانعين'، و'القومويين'، الذين قد يساجلون بأنّ مجزرة يرتكبها طاغية عربي ضدّ أبناء بلده، أقلّ مضاضة من مجزرة يرتكبها كيان أجنبي غاصب!).

في المقابل ثمة مَن يذهب أبعد، ليس دون وجه حقّ، فيساجل بأنّ توقيت عملية 'عامود هاعنان' لم يكن قد استهدف هذا الغرض وحده، حتى إذا كان تخفيف بعض الضغط الأخلاقي عن جيش العدوان الإسرائيلي يستحقّ ضبط التوقيت عند سياق يتيح عقد المقارنات بين وحشية أجنبية وأخرى عربية. الغرض الآخر، في نظر هؤلاء، هو تخفيف الضغط الهائل الذي يتعرّض له النظام السوري، ليس أخلاقياً فقط، بل سياسياً وعسكرياً، عن طريق 'محاصصة' من طراز ما، تحقق الغاية الإسرائيلية، كما تلوح وكأنها تُشرك النظام السوري في الحملات العسكرية لمحاربة 'الإرهاب': كوادر 'كتائب القسّام'، في غزّة؛ و'العصابات المسلحة'، و'القاعدة'، و'الجهاديين'، و'المندسين'... في سورية.

هذه المساجلة تتكيء على فرضية مفادها أنّ الموقف الإسرائيلي الفعلي، الذي لا يُفصّل علانية بالطبع، وإنما يُلتمس في الأفعال على الأرض، يفضّل الإبقاء على النظام السوري الراهن، رغم كلّ مزاعمه عن 'الممانعة' و'المقاومة'، لأنه يظلّ أفضل لأمن إسرائيل، وأعلى ضمانة، من أيّ نظام سوري قادم، معلوماً كان أم مجهولاً. ورغم يقين إسرائيل، الذي بات نهائياً وقاطعاً، بأنّ نظام 'الحركة التصحيحية' يوشك على السقوط، والأمور مرهونة بخواتيم الوقت وبعض الترتيبات السورية والإقليمية؛ فإنّ النقاش الإسرائيلي الداخلي، في الحلقة الأضيق من صناعة القرار الأمني ـ العسكري، انتهى إلى ترجيح خيارات مدّ النظام بمزيد من أسباب الاستمرار... إلى حينٍ محسوب تماماً، بالطبع، حين ستستقرّ إسرائيل على صيغة عسكرية و/أو سلمية، لمعالجة ملفّ البرنامج النووي الإيراني.

العلائم تقود المراقب للموقف الإسرائيلي ـ وخاصة ذاك الذي خَبِر مقدار السلام الفعلي، المتين والمنيع، الذي هيمن على وديان وسهول وتلال الجولان المحتلّ (مقابل حالة 'الحرب' المعلَنة رسمياً!)؛ وذاك الذي يحسن استذكار طبيعة الخدمات المباشرة، وغير المباشرة، التي أسداها نظام 'الحركة التصحيحية' طيلة أربعة عقود ونيف ـ إلى خلاصتَين، بين آراء أخرى أضعف دلالة ربما، حكمتا القرار الإسرائيلي. الأولى عسكرية صرفة، تطرحها غالبية الجنرالات، وترى أنّ إطالة عمر النظام سوف يتكفّل بإلحاق المزيد من الأذى بالجيش السوري، عدداً وعدّة ومعنويات؛ وهو جيش يظلّ عدوّاً لإسرائيل في الكمون البعيد، ومرشّح لأن يصبح أشدّ عداءً، وأقوى شوكة، في سورية المستقبل، بعد سقوط النظام الراهن.

الخلاصة الثانية عسكرية ـ أمنية مختلطة، ترى أنّ استمرار تآكل النظام السوري سوف ينتقل ـ حكماً وسريعاً، وليس من باب الاحتمال والتدريج ـ إلى هضبة الجولان، وعلى جميع خطوط المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي. الخطر هنا سوف يتمثل في قفز 'القاعدة'، أو هذه أو تلك من الكتائب المسلحة ذات التوجه الإسلامي والجهادي المتشدد، إلى ملء الفراغ في الجولان، الأمر الذي سيضع إسرائيل في مواجهة مفتوحة، هي الأولى من نوعها، مع طرائق القتال التي تعتمدها 'القاعدة'، واختبرتها وجرّبتها في أفغانستان والعراق واليمن. يزيد في الأخطار أنّ مناطق الفصل بين القوّات، على امتداد الجولان، تشكّل طبوغرافية اختلاط معقدة، ومربكة تماماً، بين قوّات الاحتلال الإسرائيلية، والجيش السوري، ومراقبي الأمم المتحدة.

وكانت المعطيات تفيد بتوافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع وزير الدفاع إيهود باراك على تفضيل الخلاصة الأولى، ميدانياً وعلى المستوى العسكري؛ وتدعيمها سياسياً، عن طريق الاستنجاد بمجموعات الضغط الأمريكية، لإقناع إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأن تبقى الضغوطات على النظام السوري مقتصرة على الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية. إلا أنّ الأمر أخذ يتبدّل في الآونة الأخيرة، وبدا أنّ إسرائيل تريد للتبدّل أن يتخذ صفة تهويلية، وذلك عن طريق إجراءات مسرحية مثل إخلاء جبل الشيخ من السيّاح، بذريعة نجاح 'مسلحين سوريين معارضين للنظام' في الوصول إلى مناطق قريبة من ذرى حرمون، و'على الحدود مع إسرائيل'.

ومع اندلاع أولى المواجهات العسكرية بين قوّات النظام السوري والمقاومة الشعبية في بعض قرى وبلدات الجولان المحاذية للاحتلال الإسرائيلي، وخاصة ريف مدينة القنيطرة (بريقة، وبير عجم)، أخذ تبدّل الموقف الإسرائيلي يتجلى أكثر، وبات أوضح. ذلك لأنّ هذه المواقع السورية تقع في منطقة الفصل منزوعة السلاح، وبالتالي لا يحقّ للجيش السوري أن يستخدم فيها أيّ طراز من الأسلحة الثقيلة أو المدفعية؛ وما دام جيش النظام السوري قد قصفها بشدّة، وبمعدّل قذيفة في كلّ دقيقة، وسكت الجانب الإسرائيلي عن عمليات القصف (ما خلا تلك 'الطلقات التحذيرية'، الخلّبية، التي استهدفت ذرّ الرماد في العيون)؛ فإن التفسير يصبح بسيطاً بقدر ما هو جلي: أنّ عمليات القصف هذه تخدم إسرائيل، ولهذا فإنها لم تسكت عنها فحسب، بل قبلتها وتقبّلتها، إذا لم يذهب الظنّ إلى ترجيح احتمال تطوّعها لتقديم العون في التنفيذ.

ولقد لاح، في المقابل، أنّ جنرالات الجيش الإسرائيلي قد أحنوا الهامة أمام أقطاب المؤسسة الأمنية، فعرضت التلفزة الإسرائيلية لقطات سخية من جولة تفقدية قام بها الجنرال أفيف كوخافي، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، 'آمان'، على بعض نقاط حدود الاحتلال الإسرائيلي. صحيفة 'يديعوت أحرونوت' نقلت عن كوخافي هذا التصريح الدراماتيكي الدالّ: 'إنّ المعارك السورية تقع على مبعدة أميال قليلة من إسرائيل، وهي تهدد أمننا'؛ فضلاً عن أنّ 'القتال بين الجيش النظامي السوري والثوّار يقترب شيئًا فشيئًا من الخط الحدودي بيننا وبين سورية'. أمّا جرعة التهويل الختامية فقد انتهت إلى التالي: 'تشير تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية إلى أن هضبة الجولان ستصبح، فى الوقت القريب العاجل، منطقة ضعيفة مع ضعف الحكم المستمر فى سورية'؛ وأنّ 'عدم سيطرة النظام السوري على الحدود، وتسلل المزيد من عناصر نظام الجهاد العالمي، خلـق أوضاعاً جديدة تهدد النظام الأمني في إسرائيل'.

أليست هذه هي جرعة التحذير، الأمنية ـ العسكرية، الأشدّ تهويلاً، منذ قرابة 40 سنة، أو حتى قبلئذ؟ متى تحدّث جنرال أمني إسرائيلي عن اقتراب 'نظام الجهاد العالمي' من حدود الاحتلال، مقترناً بتقدير صريح عن 'ضعف الحكم المستمر' على الضفة الأخرى؟ وإلى جانب إغماض العين وصمّ الآذان عن قصف بلدات مثل بير عجم وبريقه، وتوفير المعلومات الاستخبارية والتجسسية حول انتشار 'الثوار'، وذلك عن طريق إطلاق القنابل الضوئية في نطاق عمليات جيش النظام السوري... ما الذي يمكن لإسرائيل أن تفعله، لكي يعود النظام السوري إلى سابق عهده في حُسْن حماية 'الحدود'، كما فعل طيلة أربعة عقود؟

المرء يعود بالذاكرة إلى 18 شهراً خلت من عمر انتفاضة الشعب السوري، وإلى التصريحات التي نسبتها صحيفة 'نيويورك تايمز' الأمريكية إلى رامي مخلوف، ابن خال الأسد، صيرفي النظام، وتمساح الاستثمار والأعمال الأشرس، بصدد العلاقة الوثيقة بين استقرار النظام السوري، واستقرار إسرائيل. آنذاك، قال مخلوف بالحرف: 'إذا لم يتوفّر استقرار هنا، فلا سبيل إلى استقرار في إسرائيل'؟ بعد أسابيع قليلة، سوف يفتعل الأسد حكاية السماح لعدد من الفلسطينيين باقتحام حدود الاحتلال الإسرائيلي في محاذاة بلدة مجدل شمس، على السفح الجنوبي لجبل حرمون، في الجولان المحتل. وكانت تلك رسالة إلى أصدقاء إسرائيل، والعالم بأسره، أنّ الأسد مستعد لخرق المحرّمات، وافتعال حرب فلسطينية ـ إسرائيلية (لن تتضمن إرسال جيش النظام ذاته لعبور الحدود، غني عن القول!)، حفاظاً على نظام الاستبداد والفساد الذي ورثه عن أبيه.

والمرء يتذكّر، أيضاً، أنّ مناحيم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي سنة 1981؛ وأرييل شارون، وزير الدفاع الصقر؛ ويوسف بورغ، وزير الداخلية الممثل للأحزاب الدينية المتشددة؛ وجدوا فرصة ذهبية سانحة لإصدار قرار من الحكومة الإسرائيلية، صادق عليه الكنيست بعدئذ، وقضى بضمّ الجولان المحتلّ إلى دولة إسرائيل. كان حافظ الأسد منشغلاً، يومها، بتنفيذ مجازر جبل الزاوية، وسرمدا، وسوق الأحد وحيّ المشارقة في حلب، وساحة العباسيين في دمشق، وسجن تدمر... ولم تكن الفرصة متمثلة في انشغال جيش النظام بمعاركه ضدّ الشعب السوري، إذْ كانت الحكومة الإسرائيلية واثقة تماماً أنّ الأسد الأب لن يحرّك ساكناً في كلّ حال؛ بل لأنّ ضمّ الجولان سيمرّ دون حرج دبلوماسي، ودون تعاطف دولي مع نظام يذبح مواطنيه في طول سورية وعرضها؛ وبالتالي فهو غير مكترث بخسران أرض محتلة، هو عاجز أصلاً عن تحريرها، لا بالحرب ولا بالسلام. وهل للمرء أن يردّد: ما أشبه اليوم بالأمس، إذاً، بين قرار ضمّ الجولان، وعملية 'عامود هاعنان'، من حيث استغلال السياقات المجاورة، أو البناء عليها؟ أغلب الظنّ أنّ الإجابات، باستثناء تلك التي يمكن أن تصدر عن 'الممانع' و'القوموي' دون سواه، لن تفلح في طمس البُعد الأكبر في معادلات المقارنة: فارق طبائع الجلاد لا يصنع فارقاً نظيراً، في هوية دم الضحية!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نتنياهو يهبّ لنجدة بشار؟

علي حماده

•2012-11-15

النهار

أول التعليقات التي صدرت عن ديبلوماسيين غربيين في بيروت اثر بدء العملية العسكرية الاسرائيلية ضد غزة، لم تستبعد ان تكون من بين أهدافها اضافة الى البعد الانتخابي الداخلي الاسرائيلي، محاولة خلط الاوراق في البعد العربي المباشر، اي احداث اختراق سلبي على مستوى المعركة الديبلوماسية التي يديرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لتقديم طلب الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو في الجمعية العامة للامم المتحدة، ومن ناحية أخرى دفع الصراع العربي - الاسرائيلي الى الواجهة بما يخدم مصلحة النظام في سوريا غداة تعرضه لضربة سياسية كبيرة تمثلت في تشكيل الائتلاف الوطني في الدوحة، ثم اعتراف جامعة الدول العربية به، وبدء دورة الاعترافات به اوروبياً واميركياً. كل ذلك مع التقدم النوعي الذي تحققه الثورة السورية على مسرح القتال في كل مكان، وبالتحديد مع توسع نطاق معركة دمشق، واعلان وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك أن الجيش السوري الحر يسيطر على معظم القرى المتاخمة للجولان المحتل. الضربة الاسرائيلية في غزة تستهدف أساساً حركة "حماس" التي تغيرت كثيراً عما كانت عليه سنة ٢٠٠٨ في حرب غزة السابقة. فقد حصلت الثورات العربية ولا سيما في مصر حيث وصل "الاخوان المسلمون" الى الحكم، ثم اشتعلت الثورة في سوريا، وخرجت "حماس" من دمشق، وانسحبت بهدوء من المحور الايراني - السوري، لتنكفئ الى غزة في محاولة منها لصنع "شرعية" حكم اكثر استقراراً.

هل قام نتنياهو بالعملية العسكرية لنجدة بشار كما يتهم ثوار سوريا؟ غالب الظن ان اسرائيل لا تحدد سياساتها في اطار خدمة الآخرين، لكنها لا تنظر بعين الرضا والارتياح الى الثورة لكونها تحدث تغييرات كبيرة في المعادلات التي قامت منذ اربعة عقود بين اسرائيل ونظامي حافظ وبشار الأسد. فعلى مدى أربعين عاماً لم يخرق الأسد الأب والابن الخطوط الحمر مع الدولة العبرية.

في مطلق الاحوال تبدو العملية العسكرية الاسرائيلية ضد غزة عملية سياسية اكثر منها عملية لحسم عسكري. فالغارات قد ترمم الردع الاسرائيلي لفترة، لكنها لن تنهي خطر الصواريخ، ولن تنهي "حماس" في غزة، لكنها بتزامنها مع العديد من التطورات الساخنة في المنطقة تذكر العالم بأن الشرق الاوسط المثقل بالازمات والصراعات المتقاطعة يقف على فوهة بركان. والعملية العسكرية الاسرائيلية الأخيرة تبرز الحاجة الى مزيد من الانخراط الدولي في تفكيك الالغام القابلة للانفجار. واول الالغام الازمة السورية حيث الحاجة الى الدفع في اتجاه حسم الامور واخراج بشار الاسد من الحكم، ومعه تدمير الجسر الايراني الى المنطقة. وثانيها الصراع العربي – الاسرائيلي بالمسارعة الى اطلاق عملية سلام جدية تنتهي بولادة دولة فلسطين المعترف بها دولياً.

خلاصة القول، إن المنطقة التي طال انتظارها انتهاء الانتخابات الأميركية تحتاج الى ديبلوماسية أميركية منخرطة أكثر مما كانت عليه في الأشهر الثمانية عشر الأخيرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطيب سوريا

فهيم الحامد

عكاظ

15-11-2012

تحول محوري وتاريخي شهدته الأزمة السورية مؤخرا عبر تشكيل الائتلاف الوطني السوري المعارض، والذي يعتبر بكل المعايير تطورا نوعيا واستراتيجيا في تاريخ الأزمة السورية، إذا وضعنا في الاعتبار، ما تسببت فيه المعارضة من انتكاسات لثورة الكرامة.

وليس هناك شك أن الاعتراف الخليجي والعربي السريع بهذا الائتلاف، أعطاه دفعة سياسية ومعنوية كبيرة وقوية باعتباره ممثلا شرعيا وحيدا للشعب السوري، كما أنه أعطى أيضا الثورة والشعوب العربية، روحا ونفسا إيجابيا كبيرا، وشعر الجميع ولأول مرة أن هناك توحيدا في الرؤى السياسية للمعارضة وخارطة طريق وواضحة المعالم للوصول للهدف النهائي وهو إسقاط النظام طوعا أو كرها عاجلا أو آجلا.

وأعتقد جازما، أن انضواء المجلس الوطني تحت لواء الائتلاف وتأجيل الخلافات فيما بين القيادات المعارضة على الأقل حتى إشعار آخر أيضا خطوة يحمد عليها.

ويجسد التوافق على شخصية قيادية وهو أحمد معاذ الخطيب لقيادة الائتلاف خطوة مهمة من ممثلي قوى الثورة المختلفة، خاصة أن الخطيب شخصية إسلامية معتدلة وغير حزبية، تحترم التعددية وعدم تهميش الآخر، ما جعلته يلقى القبول في الداخل السوري والمحيط العربي وحتى الدولي.

وبعد هذا الإنجاز السوري غير المسبوق المطلوب من الكيانات العسكرية في الداخل السوري التي تعتبر رئة وشريان النضال ضد النظام الأسدي أن تتحد وتنضوي تحت لقاء هذا المولود الذي حظي بالشرعية الخليجية والعربية والدولية لكي تنصهر هذه المجالس في مشروع نضالي موحد وتعطي الضربة القاضية لنظام الأسد المتهاوي، ويتحقق التكامل بين المعارضة الشرعية والمجالس العسكرية في الداخل لكي نوقف نزيف الدم السوري ويتحقق الانتصار الكامل على طاغية سوريا.

ويرسل المناضلون السوريون الشرفاء رسالة واضحة لأولئك الذين دعموا النظام الأسدي أن استمرار وقوفهم خلف نظام يتهاوى ستكون له عواقب وخيمة وسيدفعون ثمنه كبيرا قريبا.

لقد حان الوقت لكي يستعيد الشعب السوري المناضل كرامة ثورته التي دفع قيمتها الآلاف من الشهداء وأن تستعيد سوريا مجدها الذي سلبه نظام ديكتاتوري طائفي سرق حريتة لعقود. إن الثورة السورية ستسجل اسمها بأحرف بيضاء في تاريخ الثورات العالمية وستثبت أن الظلم والاستبداد قد يستمر لعقود ولكنه لن يستطيع الاستمرار للأبد.

-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وإسرائيل.. مرة أخرى

طارق الحميد

الشرق الاوسط

15-11-2012

بعد مقال «إسرائيل تحاول إنقاذ الأسد»، المنشور الثلاثاء الماضي، كان السؤال الرئيسي المطروح: هل فعلا تقوم إسرائيل بإنقاذ الأسد؟ ولماذا لا يكون الجيش الحر هو من يريد جر إسرائيل للمعركة؟ وأسئلة كثيرة، فالواضح أن كثيرين باتوا قلقين من اقتراب الأزمة السورية للحدود الإسرائيلية، وخطورة انعكاسات ذلك.

وما يجب التنبه إليه هنا أمران؛ الأول أنه من المؤكد أن من مصلحة إسرائيل بقاء حدودها مع سوريا بشكل آمن ولأربعين عاما مقبلة، كالتي مضت، حيث كان نظام الأسد، الأب والابن، خير حارس لاتفاقية وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل، رغم سعي النظام الأسدي لإحراق المنطقة بمعارك وأزمات مع إسرائيل، سواء في غزة، أو لبنان، أو تسخين الملف المصري الإسرائيلي، منذ اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية. وذلك استثمارا للشعار الكاذب للمقاومة والممانعة، حيث تكون المقاومة في كل مكان إلا الجولان. وهذا الواقع، وعلى مر أربعة عقود، كان موضع تقدير إسرائيلي؛ حيث لم تقم إسرائيل بتقليم مخالب الأسد إلا عندما يخرج عن قوانين اللعبة، بين فترة وأخرى، ودائما ما تقوم إسرائيل بخطوات استباقية ضد نظام الأسد، الذي دائما ما يردد أنه يحتفظ بحق الرد! وما يؤكد هذا الأمر التصريحات الإسرائيلية المتكررة حول أهمية المحافظة على حدود هادئة وآمنة مع سوريا، كما كانت بالطبع طوال أربعة عقود!

الأمر الآخر المهم هنا هو أن جميع ما طرحه النظام الأسدي من تهديدات منذ بدء الثورة، سواء على لسان مقربين منه، أو عبر الإعلام الإيراني، أو ما قاله بشار الأسد نفسه حتى في مقابلته الأخيرة مع «روسيا اليوم»، تم تنفيذه، أو الشروع فيه، سواء في لبنان، أو الأردن، أو على الحدود مع تركيا، وكذلك العراق، ولم يتبق إلا أمران اثنان من تلك التهديدات لم يقم النظام الأسدي بفعلهما وهما إقحام إسرائيل في الأزمة السورية، واستخدام الأسلحة الكيماوية. والآن بدأ النظام الأسدي باستخدام الورقة الإسرائيلية، وسارعت إسرائيل للرد عليه، ثم عادت وأحجمت، وربما إلى حين، مدعية ضبط النفس لأنه بات من الواضح أن تدخلها يعني حماية الأسد، لا أكثر ولا أقل، خصوصا أن المجتمع الدولي بات يتحرك بشكل أسرع، وأكبر الآن، وقبله الدول العربية، وخصوصا الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري كممثل وحيد للشعب السوري، من قبل العرب وفرنسا وأميركا. فحتى زيارة وزير الخارجية الروسي للسعودية ستكون أمام واقع من الصعب تجاهله، أو القفز عليه، وهو أن الخليجيين هم أول من اعترفوا بالائتلاف الوطني السوري. وبالتالي فليس هناك الكثير مما يمكن أن يقدموه للروس، فكما يقول أحد أبرز الساسة العرب في المنطقة إن روسيا كمن يبيع الآيس كريم في الظهر، وتغالي في السعر دون أن تشعر أن الآيس كريم قد ذاب بين يديها. والخطورة الآن أن تأتي «الهبة» الإسرائيلية لتعيد تجميد هذا الآيس كريم!

ولذا فنحن أمام خطرين حقيقيين، هما تدخل إسرائيل في الأزمة السورية ولخبطة الأوراق، والخطر الثاني أنه لم يتبق إلا الأسلحة الكيماوية من قائمة تهديدات الأسد التي لم تستخدم بعد. عدا عن ذلك فإن كل حيل الأسد وتهديداته قد تم استنفادها.

-*-*-*-*-*-*-*-*

للثورة السورية ظروفها الخاصة انتصارها بات مسألة حتمية

طارق الحميد

الشرق الاوسط

15-11-2012

قبل الخطوات التوحيدية الأخيرة التي اتخذتها المعارضة السورية المسلحة والجيش السوري الحر وقبل آخر اجتماعات المعارضين السوريين المدنيين في الدوحة في قطر تعرضت هذه المعارضة، وبخاصة جناحها العسكري، إلى حملات تشويه غير بريئة شارك فيها نظام بشار الأسد وحلفاؤه الإيرانيون والروس وإعلامهم بكل وسائله وأشكاله، كما شارك فيها أيضا الأميركيون وبعض الأوساط الغربية بحجة أن العمليات العسكرية التي تشنها المعارضة العسكرية باتت تتخذ طابع العنف الإرهابي وأن التنظيمات الأصولية التي تعتبر امتدادا لـ«القاعدة» غدت هي التي تقوم بمثل هذه العمليات التي تستهدف أناسا أبرياء، والتي تطال بعض أفراد الجيش النظامي بعد الاستسلام وتسليم أنفسهم.

وحقيقة، لا يمكننا الدفاع عن بعض التجاوزات ولا تبرير بعض الأفعال المشينة والمدانة ولا إنكارها لكن ما يجب أخذه بعين الاعتبار هو أن كل ثورات التاريخ التي كانت ولادتها عسيرة، والتي كانت من إنتاج ظروف صعبة كالظروف التي كان لا بد أن تفرز وتعطي هذه الثورة السورية المباركة العظيمة قد وقعت في أخطاء كهذه الأخطاء، وقد ارتكبت تجاوزات ربما أسوأ من هذه التجاوزات وهذا بالتأكيد يشمل الثورة الخمينية الإيرانية ويشمل أيضا حتى الثورة الجزائرية العظيمة التي تعتبر أحد معالم القرن العشرين.

ثم ويجب الأخذ بعين الاعتبار ونحن نتحدث عن هذه المسألة الخطيرة أن نظاما مخابراتيا كالنظام القائم في سوريا الآن لا يمكن إلا أن يلجأ، منذ البدايات وحتى الآن وفي المستقبل إذا استمرت الأوضاع الحالية، إلى تشويه هذه الثورة وتسريب عملائه إلى قلب الفصائل المقاتلة، التي ما كان يجب أن تتكاثر وتتعدد على هذا النحو، لارتكاب تجاوزات بشعة ومرفوضة إن ضد «الأسرى!!» من ضباط وأفراد الجيش النظامي وإن ضد المواطنين العاديين من طوائف معينة وتحديدا من الطائفية «العلوية» المختطفة من قبل هذا النظام الذي هو نظام طائفي لكنه ليس نظام هذه الطائفة.

إن من لم يتردد في إرسال «شبيحته» ومغاويره واستخبارات قواته الجوية لإلقاء القبض على شابٍ صغير بتهمة الغناء للثورة السورية والتغني بها ورمْيه في نهر العاصي في حماه بعد انتزاع حنجرته، من غير المستبعد أن يدس أعدادا كبيرة من مخابراته في صفوف «الثوار»، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لحمل السلاح في ظروف صعبة واستثنائية لا تسمح بأن تكون هناك عمليات فرز حقيقية للمنتسبين إليهم، والسعي لتشويههم وتلطيخ أيديهم بدماء الأبرياء من خلال القيام بالأفعال الشنيعة التي نقلتها شاشات الفضائيات العربية والعالمية.

كل ثورات ما سُمِّي «الربيع العربي» لم تنْشأ في مثل الظروف والأوضاع التي نشأت فيها «الثورة السورية»؛ ففي تونس أدى انحياز الجيش التونسي إلى انتفاضة الشوارع، التي بدأت في الجنوب الفقير والمحروم، في اللحظة المبكرة الحاسمة، إلى فرار زين العابدين بن علي إلى الخارج، وحسم الأمور بسرعة. وفي ليبيا، التي لا تزال أوضاعها لم تستقر نهائيا بعد، وكان لتدخل حلف شمالي الأطلسي (الناتو) الدور الرئيسي في تدمير كتائب معمر القذافي العسكرية وتمكين الثوار من الانتصار في فترة زمنية معقولة. أما في مصر، فإن ما بات مؤكدا هو أن الجيش قد انحاز ومبكرا إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) وهو أن المجلس العسكري الأعلى بقيادة المشير حسين طنطاوي وبالتنسيق مع مدير المخابرات السابق عمر سليمان، رحمه الله، قد انقلب على حسني مبارك وأرغمه على الاستقالة في اللحظة الحاسمة، ثم تمت بعد ذلك الإجراءات الانتقالية وفق المراحل الدستورية المعروفة مما جنب هذا البلد العربي الذي تجاوزت أعداد مواطنيه الخمسة وثمانين مليون نسمة ما هو أسوأ بألف مرة مما تعرضت وتتعرض له سوريا.

ولنتصور، لو أن المجلس العسكري الأعلى لم يبادر مبكرا إلى الانحياز إلى ثورة شعبه، ماذا كان من الممكن أن يحدث لو أن مبارك لم يذعن لتوجهات الجيش المصري وانحيازه إلى الثورة ويبادر إلى الاستقالة التي فرضت عليه فرضا.. إنَّ ما لا نقاش فيه على الإطلاق هو أن خسارة مصر بالأرواح، ما كانت تقتصر على 864 قتيلا، وأن الأرقام على هذا الصعيد كانت ستصل إلى الملايين لو أن ما جرى في سوريا قد جرى في مصر، ولو أن القوات المسلحة المصرية لم تغلّب انحيازها إلى مصر وإلى الشعب المصري على ولائها للحاكم، الذي يختلف عن الحاكم السوري بأنه ابن هذه القوات وأنه كان قد قادها في أهم محطات الظروف الصعبة وأنه صاحب أول ضربة جوية لإسرائيل في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 وذلك رغم أنه كان قائد سلاح الجو المصري في تلك الفترة.

ولذلك فإننا عندما نقلب هذه الصفحة ونفتح الصفحة السورية فإننا نجد أن الجيش السوري بكتائبه الطائفية لا يزال مواليا لنظام بشار الأسد، وأنه بقي يقدم هذا الولاء الطائفي على الولاء للوطن وعلى الولاء للشعب السوري. ولهذا فإننا نجد أن الانشقاقات عن هذا الجيش، الذي خضع لتربية «أسدية طائفية إسبارطية» ولتصفيات وتنقيات امتدت على مدى نحو 50 عاما، بقيت فردية واقتصرت في البدايات على بعض «المغامرين» و«المجازفين» لكنها ما لبث أن اتخذت طابعا شموليا بعد تمادي هذا النظام الدموي الأرعن في ذبح شعبٍ أعزل وتدمير المدن والبلدات السورية.

على مدى أكثر من 40 عاما، أي منذ ما سمي «الحركة التصحيحية» التي كانت انقلابا عسكريا قاده حافظ الأسد في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970 ضد رفاقه الذين ألقى بهم في زنازين «المزَّة» حتى ماتوا جميعا، اتبع هذا النظام كل الأساليب التدميرية التي استخدمها كل طغاة الكرة الأرضية ضد شعوبهم لتدمير الشعب السوري نفسيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا. ولهذا فإن هذه الثورة العظيمة قد بدأت في درعا في الثامن عشر من مارس (آذار) العام الماضي كانتفاضة شعبية دون أي إطار تنظيمي ودون قيادة ودون أي تنسيق مسبق على مستوى «القطر العربي السوري» كله.

وهنا فإن ما يفترض أن لا خلاف عليه ولا نقاش حوله هو أن هذه الثورة كان من الممكن أن تبقى سلمية كما انطلقت لو لم يتقصد بشار الأسد ومعه مجموعته الحاكمة ومخابراته واستخباراته إلى استدراجها استدراجا إلى العنف والمواجهة المسلحة.

ولهذا، ولانعدام الأطر التنظيمية والحزبية المسبقة، إن في الجيش والقوات المسلحة وإن بالنسبة للشعب السوري كله بكل فئاته، وأيضا إن لانعدام القيادات الـ«كاريزمية» التي من الممكن أن تحقق التفافا وطنيا حولها ومنذ البدايات، فقد جاءت الانشقاقات العسكرية فردية وعشوائية لم تأخذ طابع التمردات «القطاعية» حتى الآن، وقد جاءت التشكيلات المدنية السياسية كمجموعات جهويَّة وعشائرية، وذلك رغم بروز «التنسيقيات» التي لعبت ولا تزال أدوارا تنظيمية وطنية مؤثرة حافظت على شمولية العمل وعلى التواصل بين الفصائل المتعددة والمجموعات المختلفة. وهذا كله أدى إلى هذه الاختلالات التي تسربت من خلالها أجهزة النظام الأمنية والمخابراتية لتعزز بروز المجموعات المتطرفة القادمة من الخارج.

ثم وبالإضافة إلى كل هذا، فإن ما بات واضحا هو أن تعدد الأطراف والجهات المساندة والداعمة العربية وغير العربية قد عزز هذه الظاهرة «الشللية» إن بالنسبة للمعارضة السياسية الخارجية، التي اتخذت انشقاقاتها وتقارباتها وتباعدها طابع الانشطار البكتيري، وإن حتى بالنسبة للمعارضة المسلحة الداخلية والجيش السوري الحر التي بادرت أخيرا إلى تحقيق إنجاز توحيدي، بالإمكان البناء عليه، بتشكيل الخمس «جبهات» العسكرية التي جرى تشكيلها والتي تلاءم إنشاؤها مع ما جرى في الدوحة في قطر، والذي في النهاية، وبالنتيجة، من المفترض أن يؤدي إلى وحدة الجسم الرئيسي والحقيقي لهذه المعارضة الخارجية وإلى إنجاز خطوة الاتفاق على الحكومة الانتقالية المؤقتة التي غدت مطلبا للشعب السوري كله ومطلبا عربيا ودوليا.

-*-*-*-*-*-*-*-*

«الائتلاف» السوري... مهمتان في النفق

زهير قصيباتي

الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٢

الحياة

بتوسيع المظلة السياسية الحاضنة لقوى الثورة والمعارضة في سورية، يدخل الصراع مرحلة توحيد الفصائل و «الكتائب» المسلحة تحت جناح مجلس عسكري لـ «الائتلاف الوطني» الذي وُلِد في الدوحة، بعد مداولات عسيرة مع تلك القوى. دشّن مجلس التعاون الخليجي الاعتراف بالائتلاف «ممثلاً شرعياً للشعب السوري»، فيما بقيت جامعة الدول العربية دون هذا السقف، لتثير قلقاً لدى المعارضة التي ظنّت ان لقاءات الدوحة وما تمخّضت عنه، كفيلة بإعلان بدء العد العكسي للمرحلة الأخيرة من الصراع مع النظام السوري.

إعلان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند اعتراف باريس بـ «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب»، إذ يذكر برفع سلفه نيكولا ساركوزي راية الحرب على نظام معمر القذافي، تبقى واشنطن متمسكة بـ «القيادة من خلف». تعترف بالائتلاف «ممثلاً شرعياً» لكنها تصر على أن ما تحقق في الدوحة لا يبرر إسقاط سياسة الامتناع عن تسليح المعارضة.

تنتظر إدارة أوباما الثانية أن يثبت الائتلاف وبعده مجلسه العسكري قدرتهما على احتواء «الكتائب» لمعالجة هواجس الأميركيين والغربيين عموماً إزاء «تغلغل الجهاديين» والمتشددين المتطرفين في صفوف الثوار، وهذه ما زالت مقولة النظام وحلفائه في الخارج، لتبرير حرب «استئصال» ما يسميه «المجموعات المسلحة الإرهابية».

وشتان ما بين قيادة أميركا الحرب على نظام القذافي «من خلف»- عبر الغطاء الجوي لعمليات «الأطلسي»- وقيادتها بحذر ديبلوماسية مواكبة الصراع في سورية. وبعدما نأى الغرب طويلاً عن أي سيناريو للتدخل العسكري من أجل وقف المجازر التي حصدت حوالى أربعين ألف قتيل من المدنيين والمعارضين وقوات النظام السوري، توجّه واشنطن الى «الائتلاف» رسالة تحدد له مهمة أخرى غير إسقاط النظام، هي «تطهير» البلد من «الجهاديين» وبعدها يمكن إدارة أوباما تسليح الثوار، باطمئنان.

والحال أن الرئيس الأميركي الذي فاز قبل أيام بولاية ثانية، سيجد كثيراً من الأعذار للتراجع حتى عن «القيادة من خلف». وإلى وطأة الأزمة الاقتصادية، تتحول هزة الفضائح في واشنطن كرة ثلج، منذ استقالة مدير «سي آي أي» التي لو كُشِفت قبل أسبوعين مثلاً، لربما بدّلت في حظوظ أوباما خلال الانتخابات الرئاسية.

سينقلب الحذر مزيداً من موجات التردد والتلعثم في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وقد يبقى الاعتراف الأميركي بـ «الائتلاف» السوري الجديد مجرد حماسة لفظية، ربما ينقذها إقدام موسكو على طرح مخرج من الحرب في سورية، لئلا تغامر بفقدان ما بقي من مصالحها في المنطقة. أما وقد اعتبرت دمشق لقاءات الدوحة «إعلان حرب»، فما الذي يبقى لروسيا لتناور به؟

قبل وصول وزير الخارجية سيرغي لافروف الى الرياض أمس للقاء نظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي، طُرح السؤال مجدداً عن جوهر الأفكار أو «المبادرة» التي يحملها، علماً أن الديبلوماسية الروسية كانت تلح لعقد اللقاء منذ فترة. وإذا كان جلياً أن الهوة بين موقفي الكرملين والمجلس وراء تأخير المحادثات الوزارية، فاللافت أن رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف استبق الاجتماع بتكرار مقولة «انحياز» بعض الدول الى المعارضة السورية، بالشكل الذي «لا يشجع الحوار لإيجاد حل سياسي» مع النظام. ومشكلة الثنائي بوتين- مدفيديف مشكلتان: أن لا أحد في المنطقة ولا في أوروبا وأميركا يصدق ادعاءهما عدم الانحياز الى أي من طرفي الصراع في سورية... وأن الكرملين لم يدرك بعد نعي غالبية المعارضين السوريين الحوار مع النظام منذ شهور، أي منذ أُرغِمت الثورة على العسكرة تحت وطأة المجازر والتدمير الشامل للمدن. وللسبب ذاته، أي موت فرص الحلول السياسية، منذ ما قبل كسر المجازر حاجز العشرة آلاف قتيل، لم تعد المعارضة تعي مغزى الدعوة العربية - الأوروبية الى حوار «موسع» بين «الائتلاف الوطني» والمبعوث العربي- الدولي الأخضر الإبراهيمي، من أجل تأمين «انتقال (سلمي) للسلطة»!

ينتظر هولاند لتسليح المعارضة، إعلانها حكومة انتقالية تحظى بشرعية... ينتظر أوباما «تطهير» سورية من «الجهاديين» لئلا تقع في أيديهم صواريخ «ستينغر». ينتظر الإبراهيمي ويتكتم على خطته. يتريث أردوغان معتصماً بإنذارات وضمانات من «الأطلسي». وحدهم السوريون الى الأمام... في النفق الطويل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الائتلاف الوطني السوري وبداية الحل

د. موسى شتيوي

الغد الاردنية

15-11-2012

كان من أهم الانتقادات التي توجّه للمعارضة السورية، هو أنها غير موحدة ومنقسمة في الداخل، وبين الداخل والخارج، وبين المعارضة المسلحة وغير المسلحة. وتمثلت الاستراتيجية الوحيدة للمعارضة الخارجية، وبخاصة المجلس الوطني السوري، في طلب التدخل العسكري الخارجي، مع عدم قدرة المجلس على تمثيل كافة الأطراف وتفرد إحدى الفئات به وبسياساته. أما على الأرض، فقد تنافست قوى المعارضة الإسلامية المتشددة، ولاسيما ذات الارتباط بتنظيم القاعدة.

إن عدم قدرة المجلس الوطني على ضم كافة أطراف المعارضة، وبخاصة الداخلية منها مثّل مشكلة، وتحديداً للولايات المتحدة، لأن المجلس كان رافضاً للحوار مع النظام. وتنامي المعارضة المتشددة بدأ يثير حفيظة الولايات المتحدة، لأنه لم يكن في واردها التدخل العسكري. وعليه، فقد أصبح المجلس الوطني السوري عبئاً عليها، وكذلك الحال فيما يتعلق بالمعارضة العسكرية المتشددة التي أصبحت تثير قلق النخبة في الولايات المتحدة، وبخاصة بعد الهجوم على السفارة الأميركية في ليبيا، ومقتل السفير الأميركي على يد متشددين إسلاميين.

لقد تمّ وضع الأزمة السورية على صفيح ساخن بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، وإعادة انتخاب باراك أوباما. وهذا ما حدا بوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، إلى توجيه انتقادات حادة للمجلس الوطني وللمعارضة العسكرية المسلحة المتشددة.

لذلك، جاء تشكيل "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" ليتجاوز الثغرات في تشكيلة هذه المعارضة، المدنية منها والعسكرية. ومن وجهة النظر الأميركية، فإن دعم تشكيل هذا الائتلاف يحقق مجموعة من الأهداف، أهمها إيجاد تمثيل أوسع للمعارضة السورية من الداخل، واحتواء المعارضة المسلحة، وإضعاف الأطراف الراديكالية منها. وبالطبع، فإن هذه الترتيبات ليست من أجل المعارضة السورية، وإنما لتهيئة الظروف للاستراتيجية الأميركية في سورية.

حتى هذه اللحظة، فإن التدخل العسكري الأميركي الشامل في سورية ليس خياراً مطروحاً على الطاولة، لأسباب عدة، من أهمها المخاطر الإقليمية المترتبة على ذلك، والمعارضة الروسية والصينية التي لن تسمح بإعطاء غطاء دولي لهذا التدخل. وفي المقابل، فإن إبقاء الأمور كما هي سوف يأخذ سورية إلى المجهول. لذلك، فإن الاستراتيجية المحتملة هي حلّ الأزمة سلمياً. وحتى يتحقق هذا الهدف، فسوف تصعّد الولايات المتحدة، من خلال أدواتها الإقليمية والمحلية، الضغط العسكري لإضعاف النظام من أجل القبول بتسوية سياسية لا يمكن أن تتم إلا بتفاهمات يشكل النظام والمعارضة أطرافاً أساسية فيها، ولكن تشارك فيها القوى الدولية والإقليمية.

الخطوة الأساسية بعد تشكيل "الاتئلاف الوطني" هي إعطاؤه مشروعية سياسية، دولية وعربية. وهذا ما يحصل الآن، وبخاصة من جانب الجامعة العربية التي اعترفت بالائتلاف باعتباره ممثلاً شرعياً ووحيداً، وكذلك اعتراف فرنسا به. ومن المتوقع أن تتوالى الاعترافات الدولية في الفترة المقبلة.

خلاصة القول إنه يتم تهيئة الظروف السياسية والعسكرية على جبهة المعارضة السورية، من أجل تهيئة الظروف لحلّ سلمي للأزمة السورية من خلال حكومة انتقالية تشارك فيها أغلب الأطراف السورية الفاعلة.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com