العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25/8/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عن الطائفة العلوية: عود على بدء.. لم يبتدئ اصلا!

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 16-8-2013

منذ انطلاق الانتفاضة السورية، في آذار (مارس) 2011، وما طرحته من أسئلة شائكة، ولكن مشروعة وموضوعية تماماً، حول أوضاع الطوائف السورية عامة، والطائفة العلوية خاصة؛ استفحلت أنساق متزايدة من الحساسية، لم تخلُ من مزاج التحريم، إزاء مناقشة تلك الأسئلة. ومؤخراً، بذريعة الامتناع عن صبّ الزيت على نار الاحتقانات الطائفية المختلفة، وتحديداً مع ابتداء عمليات ‘الجيش السوري الحرّ’ في بعض قرى ريف اللاذقية التي تقطنها أغلبية علوية؛ استفحل ذلك المزاج أكثر، ولعلّه تضخّم وتورّم، حتى بلغ مستوى استفظاع تعبير مثل ‘منطقة الساحل’، لأنه ينطوي على تقسيم جغرافي يتنافى مع اللحمة الوطنية؛ أو رفض التعبير الآخر، ‘أبناء الطائفة العلوية’، لأنه يخدم غلاة الإسلاميين، ويؤجج لهيب الاستقطابات الطائفية.

ذلك دفن للرؤوس في الرمال، غنيّ عن القول، من جانب أوّل؛ لأنّ حظر الاستخدامات السياسية أو المعرفية أو التاريخية أو الثقافية للمفاهيم، لا يجتث تجذّرها في الرؤوس، أو يشذّب مدلولاتها. وهو، من جانب آخر، بمثابة استقالة طوعية عن واجب السجال المفيد حول تلك المفاهيم، وترك الساحة خالية أمام الغلاة المتشددين، أنفسهم، كي يبتسروا المفاهيم على هواهم، دون رادع أو منازع. ومن السخف تحريم توصيف ‘منطقة الساحل’ هكذا، في إطار ما يمكن أن تدلّ عليه التسمية سياسياً وطائفياً على وجه التحديد، في موازاة تحليل توصيفات مثل ‘منطقة جبل العرب’ أو ‘منطقة الجزيرة’، إذا كان السجال يتحرى النقاش حول مواقف وأوضاع الطائفة الدرزية أو الأغلبية الكردية.

المرء، إذاً ـ بسبب المقدار الهائل من سوء الفهم الذي يكتنف هذا النقاش، عادة وتلقائياً، سواء عن حسن نيّة أو عن سوء طوية ـ يجد حكمة دائمة في إعادة تثبيت سلسلة من المبادىء الناظمة التي قد تصلح ركائز، سياسية ومعرفية وأخلاقية أيضاً، لأيّ نقاش صحيّ وبنّاء بالمعنى الوطني، ورصين في الحدود المعرفية العليا الممكنة، حول علاقة الطائفة العلوية بالنظام، وحالها اليوم في الطور الراهن من الانتفاضة. ولعلّ خير بدء هو التذكير بأنّ اللاذقية (المدينة، كما تجب الإشارة؛ على اختلاف طوائف ساكنيها، كما أرجح شخصياً) كانت المدينة السورية الثانية التي انضمت إلى الانتفاضة، بعد درعا مباشرة؛ وعمّدت انضمامها، ذاك، بدماء الشهداء، وباتضاح انتقال النظام إلى خطّ دفاع تكتيكي جديد لوّح، بعد الانهيار السريع لسيناريو ‘المندسّين’، بـ’مخطط فتنة طائفية’. المجتمع السوري، اللاذقيّ، في شرائحه المتديّنة خاصة، قدّم ردّاً سريعاً، قاطعاً وبليغاً: مسجد بساتين الريحان، الذي يستقبل المصلّين السنّة غالباً، أمّ الصلاة فيه إمام من الطائفة العلوية؛ ومسجد الحسن العسكري، وأغلبية مصلّيه من أبناء الطائفة العلوية، استقبل إمام المسجد السنّي ليؤمّ الصلاة.

مبدأ ثانٍ، هو علاقة الطائفة العلوية بالمعارضة المختلفة، أي بالعمل السياسي خارج التكوينَين التقليديين لحزب البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي، واللذَين هيمنا عموماً على الانتماءات العقائدية في منطقة الساحل. وفي حوليات التاريخ المعاصر، على امتداد العقود الأربعة من نظام ‘الحركة التصحيحية’، بين الأسد الأب والأسد الوريث، ثمة حقيقة ذات مغزى وطني كبير، ظلّت تترسخ سنة بعد أخرى، وتتأكد أكثر فأكثر كلما نفّذت السلطة حملة اعتقالات جديدة: أنّ المعارضين من بنات وأبناء الطائفة العلوية لم يكونوا في صدارة معتقلي، وشهداء، مختلف التيارات اليسارية والقومية التي طوّرت الحراك الديمقراطي السوري، فحسب؛ بل كانت السلطة توفّر لهم عقاباً إضافياً، أو مضاعفاً أحياناً، جرّاء خيار سياسي ظلت تعتبره ‘خيانة’… عظمى، أحياناً! وليس استمرار اعتقال عبد العزيز الخيّر، الناشط البارز وعضو قيادة ‘هيئة التنسيق’، سوى الواقعة الأحدث في سجلّ النظام (لا تنفك، بقدر ما تستكمل، إنزال عقاب خاصّ إضافي بالخيّر، نفسه، في فترة الاعتقال الأولى 1992 ـ 2005، أي بعد انقضاء أربع سنوات على إطلاق سراح آخر رفاقه).

مبدأ ثالث، استولدته شروط انطلاق وتطوّر الانتفاضة، وأعطى شعار ‘الجيش والشعب يد واحدة’؛ كان ذاك الذي نجم عن إدراك المواطنين مغزى التحفظ الذي أبداه بعض الضباط والأفراد في تنفيذ أوامر لاوطنية، على رأسها استخدام الذخيرة الحية في تفريق التظاهرات السلمية، أو لجوء بعضهم إلى الخيار الأقصى في رفض تنفيذ مثل تلك الأوامر، بما ينطوي عليه ذلك من عاقبة الإعدام في الميدان. ولم يكن ذاك سرّاً، ولا أمنية فقط، لأنّ الزمن تكفل بإماطة اللثام عن حقيقة أنّ العديد من هؤلاء الذين أُعدموا كانوا من أبناء الطائفة العلوية، التي لم تكن في أيّ يوم أقلّ وطنية، أو تطلعاً إلى الحرية والكرامة والديمقراطية، من أبناء جميع الطوائف والمذاهب والأديان والإثنيات في سورية. ورغم أنّ أجهزة النظام حرص على تصنيف أولئك الشهداء في خانة ضحايا ‘العصابات المندسة’، فإنّ الحقائق الميدانية لاستشهادهم إعداماً في الميدان سرعان ما تكشفت، وأعطت مؤشراً مبكراً على أنّ الكثير من أبناء الطائفة يرفضون الذهاب إلى المحرقة الوطنية التي يسعى النظام إلى دفعهم إليها.

الكثير، ولكن ليس السواد الأعظم في واقع ما تراكم بعدئذ من حال، داخل شرائح متزايدة من أبناء الطائفة العلوية، في القرى والبلدات والمدن، وفي صفوف الفئات الفقيرة والوسطى، وليس في أوساط المتطوعين في الجيش ومختلف الأجهزة الأمنية ومجموعات ‘الشبيحة’ والميليشيات البعثية واللجان الشعبية وكتائب الدفاع الوطني، وما إليها من تشكيلات مسلحة. وهذا مبدأ رابع لا يكون استبعاده، عن أيّ نقاش جدّي حول علاقة الطائفة العلوية بالنظام وبالانتفاضة، إلا محاولة إرادية جديدة لدفن الرؤوس في الرمال؛ تتغاضى عن حقيقة نجاح النظام، وعلى نحو اضطرد وتزايد واستفحل، في تسويق سردية الخوف من زحف المتشددين السنّة على القرى العلوية، والسردية الأخرى المكمّلة التي تقول إنّ منجاة الطائفة العلوية لا تنفصل البتة عن منجاة النظام.

الخطأ الفادح، في نقاش هذا المبدأ الرابع تحديداً، اتخذ سمة تعميم مطلق، يرى في الطائفة العلوية كتلة إسمنتية صماء متجانسة، ذات ولاء واحد وحيد، ومرجعية سياسية وعسكرية وأمنية هي نظام ‘الحركة التصحيحية’، وشخص بشار الأسد، خليفة أبيه المرجع الأوّل حافظ الأسد. وهذا تأويل جامد أخرق، يتعامى عن وجود مجتمع وطبقات وفئات ومصالح وتناقضات داخل الطائفة، أسوة بسواها من الطوائف؛ ولا يرى أنّ الضيعة الواحدة يمكن أن تحوي فقراء يسكنون بيوتاً ما تزال سقوفها من طين، تتجاور مع قصور خرافية التصميم فاحشة الفخامة، شيّدها كبار الضباط. وثمة معارضون للنظام، سبق لهم أن قضوا في السجون عقوداً، إلى جانب أولئك الذين يخدمون النظام من منطلقات شتى، بينها الفساد والولاء الأعمى والانحياز الطائفي، وكذلك تأمين لقمة العيش البسيط؛ تماماً كحال الآلاف في كلّ أرجاء سورية، من كلّ الطوائف، في المؤسسة العسكرية أو الأمنية، أو في مختلف قطاعات الدولة.

والأساس، في التوقف عند مبدأ خامس، أنّ مركّب النظام الثلاثي، الأمني والعسكري والاقتصادي، ليس طائفي الهوية على أيّ نحو اجتماعي أو سياسي، وبالتالي فهو ليس علوياً أو سنّياً او درزياً، وليس مسلماً أو مسيحياً، وليس عربياً أو كردياً أو تركمانياً؛ أياً كانت نسبة الحضور الطوائفي أو الإثني في صفوفه، وبصرف النظر عن الغلبة العددية لهذه الطائفة أو تلك الإثنية. خطأ فادح، بدوره، ذلك الميل إلى أي ‘فرز طائفي لوحدات الجيش السوري، بحيث يسهل التفكير بأنّ كتائب ‘الحرس الجمهوري’ سوف تُجهز على الإنتفاضة الشعبية بسبب غلبة أبناء الطائفة العلوية في صفوفها، أو أنّ بعض ضباط الفرقة الرابعة سوف يفعلون العكس للسبب العكس؛ وذلك، هنا أيضاً، بصرف النظر عن النِسَب العددية لأبناء الطائفة العلوية في هذه التشكيلات. ورغم أنّ المؤسسة العسكرية، في الأنظمة الاستبدادية بصفة خاصة، تنضوي غالباً في صفّ الحاكم والنظام، ضدّ المواطن والدولة المدنية؛ فإنّ القراءة الطائفية لهذه الفرضية السوسيولوجية ليست اختزالاً قاصراً، فحسب، بل هي مراهنة خاطئة ومجازفة خطيرة.

وهكذا، ثمة خلاصة (يجوز، أيضاً، اعتبارها مبدأ سادساً يستكمل السياقات الخمسة السابقة)، مستمدة من حقيقة وقائعية بسيطة: أنّ ردود أفعال أبناء الطائفة العلوية ـ الجَمْعية، أو تلك التي تتصادى على أيّ نحو مع سلوك جماعي، غير فردي في كلّ حال ـ كانت، حتى الساعة، أكثر خدمة للنظام، وأكثر اتساقاً مع سياساته؛ حتى إذا صحّ أنها لم تنخرط تماماً في مخططاته الأشدّ خبثاً وشرّاً، والتي تمثلت أوّلاً في محاولات استدراج الطائفة إلى مواجهات أهلية مع الأغلبية السنّية، في أعقاب ارتكاب المجازر داخل القرى والمناطق المحاذية تحديداً. هنالك، بالتالي، ما يشبه ابتداءً لا يبتدىء في سلوك شرائح عريضة من جماهير أبناء الطائفة العلوية، فهم ليسوا تماماً داخل صفوفه العسكرية المقاتلة، خارج الوحدات النظامية والميليشيات وما شابهها؛ وليسوا تماماً في صفوف معارضته، إذْ يندر أن تخرج مظاهرة احتجاج في قرية أو بلدة علوية، حتى حين يعتقل النظام عدداً من أبنائها المعارضين…

لهذا، ليس دون مظانّ كثيرة تطعن في صدقية الحقائق ومنهجية التفكير بالطبع، شاء البعض تضخيم حوادث احتجاج فردية، أو منعزلة، هنا وهناك، على شاكلة ما قيل عن ‘المبادرة الوطنية الديمقراطية’ التي دعا إليها محمد سلمان، وزير الإعلام الأسبق، صيف 2011، وضمّت حفنة من متقاعدي النظام، بينهم عدد من أبناء الطائفة العلوية، أقرّوا بأنّ ‘البلد يمرّ بأزمة وطنية، ويجب على المواطنين المخلصين أن يبادروا لإنقاذ الوطن من أزمته’؛ أو ما قيل، بعدئذ، عن ‘صراعات’ عائلية وعشائرية شهدتها القرداحة، خريف 2012؛ أو ما يُقال، اليوم، عن تظاهرات احتجاج في مدينة اللاذقية، بتأثير اعتقال أو تهجير عدد من أبناء القرى التي كانت ساحة قتال خلال العمليات العسكرية الأخيرة.

ويبقى أنّ قرار النظام اليوم، كما كانت عليه حاله صبيحة انطلاق الانتفاضة الشعبية في آذار (مارس) 2011، في عهدة حفنة محدودة من الأشخاص، العسكريين والمدنيين، على رأسهم الأسد نفسه؛ تنتمي غالبيتهم إلى الطائفة العلوية، في صفوف العسكريين بصفة خاصة، إلا أنّ تركيبتهم البنيوية ليست طائفية، بقدر ما هي اجتماعية ـ اقتصادية في المقام الأوّل. ويبقى، ثانياً، أنهم لا يشتركون في خيارات العنف، والحلول القصوى الانتحارية، والارتهان الخارجي، فحسب؛ بل يتساوون في المصير، إزاء إرادة الشعب وحكم التاريخ، قبل أن يبتدىء معهم أيّ بدء آخر، زائف مؤقت أو عابر كاذب.

 

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«المَلاك» الأميركي الأخرس!

مرح البقاعي *

الحياة

الجمعة 16-8-2013

أين تقع سورية وأزمتها بين أوراق السياسة الخارجية وتقارير مجلس الأمن القومي الأميركي التي يتلقّاها الرئيس الأميركي باراك أوباما يومياً في مكتبه البيضاوي بالبيت الأبيض؟ وهل يعتبر الالتباس في الموقف الأميركي والتشنّج حيال تقديم أي دعم عسكري يساعد في حسم المعركة لصالح المعارضة السوريّة نتيجةً لجهل هذه الإدارة بخارطة الأعمال القتالية على الأرض أم هو محصّلة لسياسات تراتبية لم تنفصل فيها الأزمة السورية الحالية عن مورّثاتها الجيوسياسية كدولة «مواجَهة» مع اسرائيل؟ وأين تقع إيران في الذهن السياسي الأميركي من انتفاضات العالم العربي المعاصرة؟

ارتكزت مرجعية السياسة الخارجية للإدارة الديموقراطية لباراك أوباما حيال دول المحور الساخن: سورية ـ لبنان ـ اسرائيل ـ إلى منعطف استثنائي في الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة انتقل من الاطمئنان الحذِر للاستقرار الطويل الأمد التي وفّرت ظروفه سياسة حافظ الأسد في إرساء نظرية (اللاحرب واللاسلم) مع اسرائيل، إلى صيغة أكثر تعقيداً وإلحاحاً تتضمن علاقة سورية مع الثالوث المضاد: إيران، حزب الله، المنظمات الفلسطينية الراديكاليّة، وهو المنعطف الذي رسم زاويته الحادّة اندلاع الثورة السورية الماجدة في آذار (مارس) 2011، بتداعياتها كافة، متمثّلة في تفاقم الدور الإيراني وذراعه الميليشياوي حزب الله في إدارة الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه منذ عامين ونيف. وجاءت هذه المرجعية على النقيض مما اعتمدته إدارة جورج دبليو بوش، حيث تراجعت في عهده أهميّة المكوّن الاسرائيلي للعلاقات بين دمشق وواشنطن مقارنةً بالمكوّنات السياسية الإقليمية الأخرى في العراق ولبنان. وبناء عليه، اعتمدت سياسة بوش حيال سورية سياسة القوة الناعمة، والتي مفادها مراقبة الحالة السورية بدقّة وعن قرب من دون الدخول في مواجهات مباشرة مع دمشق، هذا إلى جانب إبقاء كلّ الاحتمالات مفتوحة على التعامل مع نظام الأسد وشبكة أحلافه الإقليمية التي انحدرت من أروقة السياسة العليا لدول الجوار إلى أقبية الميليشيات المسلّحة.

وصل باراك حسين أوباما إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض مستنداً إلى عاملٍ أساس، ألا وهو الرغبة الجامحة للشعب الأميركي في تغيير وجهة السياسة الأميركية إلى نقيض ما آلت إليه السياسات البوشية، ولا سيما في العراق، حيث تكمن العقدة النفسية الأصعب في الذاكرة الأميركية المعاصرة ما بعد العقدة الفيتناميّة. وضمن هذا السياق تحوّلت السياسة الخارجية لإدارة أوباما من صفتها «الناعمة» إلى «الذكيّة». والسياسة الذكية ليست بالجديدة على الذهنية الأميركية، بل تعود إلى عهد منظّرين روّاد من أمثال كارل فون كلوزويتز ولورنس العرب الذين دعوا إلى سياسة خليطة تعتمد على استعمال القوة العسكرية محمّلة بأيديولوجيات داعمة. وقد تجلّت هذه السياسة واضحة في النهج الأميركي في ليبيا عبر مساعدة الثوار، عسكرياً ولوجيستياً، في إسقاط القذافي بمنظومة استبداده الأربعينيّ.

أما في الحالة السورية، وربيعها العسير الولادة، فالمقاربة الأميركية تختلف تماماً عن تلك المتّبعة في الحالة الليبية. فقد كان أوباما شيّد صرح حملته الانتخابية الاستثنائية على بسط اليد بالمصافحة وإقامة الحوار مع العالم الإسلامي وفي مقدمه إيران. ومن الجليّ للمراقب أن «غضّ البصر» الذي تمارسه الإدارة الأميركية الحاليّة عن التمدّد الإيراني في المنطقة، ناهيك عن تجاهلها لقمع قوات الباسيج الوحشي للحركة الخضراء التحرّرية عام 2009، إنما يصبّ في خانة رغبة أوباما ـ التي لم تعد تُخفى على أحد ـ في الشروع بحوار مع إيران للضغط على حليفتها سورية ومن ورائها «حزب الله» والمنظمات الفلسطينية المسلّحة وعلى رأسها حماس، من أجل العودة إلى المفاوضات مع اسرائيل، وتحقيق اختراق له على مستوى السلام العربي الاسرائيلي من جهة، وعلى مستوى العراق إثر الخروج الأميركي الشامل في نهاية ديسمبر وكذا لبنان وجبهته الداخلية الهشة من جهةٍ أخرى، ليشكّل تفاهمٌ باطنيٌ على هذا المستوى بين الولايات المتحدة وإيران نصراً سياسياً لأوباما وتركّة زاخرة في سجلّه إذا تمكّن من تحقيق اتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين.

هكذا اقتضت الحاجة الانتخابية لأول رئيس أسود في التاريخ الأميركي أن يُدخِل بيتَه الأبيض في حالة من صمت سقيم من سياسة خارجية بلا ملامح، ولاسيما في ما تعلّق بمواقفه تجاه قضايا الشرق الأوسط الساخنة التي أربكتها المفاجأة باندلاع ثورات الربيع العربي في غير بلد، وذلك بهدف الانتقال بسلاسة إلى فترة رئاسية ثانية تمتد حتى عام 2016، من دون تشويشِ مترتّبات مواقف صلبة وحدّية عقد العزم أن يتجنّبها، انتقال قد يساعد في استمرار حكم الحزب الديموقراطي ونجاح مرشّحه للرئاسة في مرحلة ما بعد فترتيّ وأوباما.

فصل المقال يكمن في العودة إلى مشهد أزمة الرهائن الديبلوماسيين الأميركيين في طهران عام 1979، فقد تعامل الرئيس جيمي كارتر مع الأزمة بلغة استعطاف مبالغ فيه حين خاطب الخميني مباشرة، في رسالة خطية خاصة منه، ملتمساً حل مشكلة الرهائن من «رجل يؤمن بالله»، هذا ناهيكم عن لهجة مبعوثه للأمم المتحدة، أندرو يونغ، الذي توسّل لآية الله الخميني أن يظهر «شهامة ورحمة» مطلقاً عليه صفة «قديس القرن العشرين»، الأمر الذي دفع بالرئيس الجمهوري رونالد ريغان حال فوزه على منافسه الديموقراطي كارتر في انتخابات الرئاسة للعام 1980 أن يخاطب الخميني قائلا: «لو كنتُ في موقعك لسعيت إلى التوصّل لحل مع كارتر فهو رجل لطيف، وأنا على ثقة من أن موقفي حينما أصل إلى البيت الأبيض حيال هذه القضية لن يعجبك»! أما ردّ الفعل الإيراني فجاء مباشراً بإطلاق سراح الرهائن الأميركيين بعد دقائق من أداء الرئيس ريغان للقسم كرئيس للولايات المتحدة إثر خسارة منافسه كارتر بسبب موقفه المائع من تلك القضية المحورية في العلاقات الأميركية - الإيرانية.

في العشر الأخير من شهر رمضان ظهر بشار الأسد بين جنوده، متجوّلاً بين أشلاء الضحايا وانكسار الأحياء الخاوية في مدينة داريا بريف دمشق ليلهب الحماس بين أفراد جيشه «العقائدي»، كما سمّاه في خطابه لهم، مؤكّداً حتمية انتصار هذا الجيش (على شعبه)!

فماذا سيسجّل التاريخ عن شيطان متكلّم وملاك أخرس: الأول في ساديّته السافرة، والثاني في غضّ الطرف عن مشهد الدم السوري المسفوك على خدّ الكرة الأرضية؟!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف:ما الذي سيمنع بشار الأسد من تكرار المجزرة؟!( يا ليت قومي يعلمون )

24.08.2013

زهير سالم

تجرأ بشار الأسد فارتكب المجزرة . استعمل سلاح الإبادة الجماعي . فحصد آلاف النسمات من أطفالنا ونسائنا وشيوخنا وشبابنا .نعلم جميعا أن بشار الأسد ما زال يمتلك الكثير من مخزون هذا السلاح بل يملك ما يكفيه لإبادة سورية بكل أهلها ..

وأن بشارالأسد وشركاه ( نصر الله – خمنئي – بوتين ) يمتلكون من إرادة السوء والشر ومن مشاعر الحقد والكراهية ما يسمح لهم أن يرتكبوا مع كل صباح ومساء جريمة من العيار نفسه أو من عيار أقسى وأنكى ؟!

والسؤال : العلمي الموضوعي الذي يطرحه كل سوري يهمه أمن شعبه ما الذي سيمنع ممولي الجريمة ومدبريها ومنفذيها من تكرارها مرة بعد مرة ومرة ..

هل سيمنعهم من ذلك البيانات الراعفة التي أصدرها فرسان المعارضة السورية في الإئتلاف أو في المجلس الوطنيين أو في هيئة الأركان المشتركة ؟! أعيدوا قراءتها قبل أن تجيبوا على هذا السؤال ..

هل ستمنعهم من تكرار الجريمة المأساة ردة الفعل الإقليمية العربية على المستويين الشعبي والرسمي ؟! أو ردة الفعل الإنسانية على المستوى العالمي ؟! ..

هل سيمنعهم من ذلك بان كيمون الذي ارتفعت وتيرة ردة فعله حيال هذه الجريمة من الشعور بالقلق إلى حد الشعور ( بالصدمة ) ويجب أن نعتبر الانتقال من الشعور بالقلق إلى الشعور بالصدمة تقدما ملحوظا على طريقنا الطويل .

هل سيمنعهم من تكرار الجريمة مجلس الأمن بحالة الشلل التي يعيشها وبالبيانات الصفراء التي خرج علينا بها ؟! أو هل سيمنعهم من ذلك خبراء الرقابة الدولية الذين أقروا في اعتراف مهين أنهم لا يتنفسون على الأرض السورية إلا من منخري المجرم نفسه ؟!

نعتقد أن الأولوية الأولى التي تفرض نفسها على من أمسك بقرار المعارضة و الثورة في سورية هي كيف نمنع تكرار الجريمة ؟ أو كيف نحول دون تكرارها ؟ وكيف نخفف من آثارها إن تجرأ المجرم على تكرار ما اقترفه وهو أمر متوقع في كل لحظة ؟ هذه الأسئلة هي التي يجب أن توضع الساعة على الورق ، وأن يلتف حول ورقتها كل صاحب موقع ورأي وعلم وخبرة . لاتخاذ ما يلزم والصيرورة إلى تنفيذه بما تملك المعارضة والثورة من إمكانات ..

ويجب أن يتم ذلك على ضوء الحقائق التالية : أنه ليس في هذا العالم مجلس أمن . ولا أي جهة نرفع رؤوسنا للاعتداد بها . أي يجب التوقف عن آليات المناشدات والمطالبات كفعل محوري أساسي ننام ونستقيظ تحت ظله .

ثم يجب أن يتم ذلك بالتعامل مع الحالة بنفس المنطق الذي يفرضه على الصراع  بوتين وخمنئي وحسن نصر الله وبشار الأسد وليس بمنطق بان كيمون المرتجف والقلق والمصدوم .

إن أكبر مشكلة في قيادات المعارضة السورية أن أعضاءها ينظرون إلى أنفسهم كقادة سياسيين مستقبليين وليس كقادة ثوريين . قادة سياسيين يحرصون على سيرة ذاتية لائقة تؤهلهم للنوادي السياسية وليس قادة ثوريين يعطون الثورة استحقاقاتها العملية .

ثم إن حقيقة الحقائق في الإطار الذي نتحدث فيه والتي تعمل عليها الدول أجمع وتحمي بها شعوبها وأبنائها هي أن ( استراتيجية الردع ) هي الاستراتيجية الأساسية التي توفر للدول وللشعوب الحماية والوقاية من هكذا أسلحة في عالم أصبح غابة غاب عنها القانون وانفرد بالعربدة فيه المجرمون .

إن معركتنا مع هؤلاء المجرمين طويلة ومريرة . وما دام أحد منا لا يريد التفكير على طريقة الامبراطور الياباني ( هيرو هيتو ) حيال ما جرى على شعبه بعد هيروشيما وناغازاكي ؛ فإنه من الواجب أن يتوجه الذين يصادرون قرار المعارضة والثورة في سورية إلى وضع كل الاستراتيجيات وتوفير كل الإمكانات الضروية لحماية حياة الشعب السوري ، ولتأهيل هذه الثورة لتكون على مستوى الصراع الذي قرر المجتمع الدولي أن يترك لبشار الأسد وشركائه حق العربدة فيه . ..

إن بشار الأسد وحلفاءه لن يعيدوا حساباتهم ، ولن يردعهم عن الاسترسال في جرائمهم إلا إذا علموا أن دماء أطفال سورية ونسائها لن تضيع هدرا . وأنهم سيدفعون ثمن جرائمهم التي أمنوا العقوبة عليها . والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح كيف يمكن لمسئول سياسي مثل حسن نصر الله أن يقف تحت قبة القانون الدولي والقانون اللبناني ليهدد السوريين بالذبح في عقر دارهم  ثم لا يمتلك مسئول واحد في قيادة المعارضة أو الثورة أن يرد عليه خطابه باللهجة نفسها وعلى هذه الواقعة يقيس من يريد أن يتقدم لقيادة الثورة على كل المستويات ...

إن ما نقترحه هنا وما ندعو إليه بكل تفسيراته ما هو إلا دعوة لمنع الجريمة ، وردع المجرمين ، والوقوف في وجه استرسالهم فيها واستهانتهم بدماء أهلنا ، في ظل غياب مستنكر ومدان للقانون الدولي الذي قرر الممسكون به أن يتخلوا عنا .

إن تبني مثل هذه الاستراتيجية الرادعة على مستوى الخطاب وعلى مستوى الإعداد والاستعداد ستكون رسالة مهمة ذات ثلاث شعب ؛ الشعبة الأولى للمجرمين المعتدين ، والشعبة الثانية للسائرين في ركابهم الهائمين في بيدائهم ، والشعبة الثالثة للمجتمع الدولي الذي استسهل النوم على دماء السوريين وضحاياهم ..

كلام له استحقاق وله ثمن وعلى الذين ( يطيقونه ) أن ينزاحوا من طريق قرار ثورتنا ومن طريق المسئولية عنها . وإلا فهم للمرة السابعة والسبعين شركاء في الجريمة . حمالون لوزرها .

لندن : 15 / شوال / 1434

22 / 8 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران وتركيا ودفع الأصوليات للاقتتال!

رضوان السيد

الشرق الاوسط

الجمعة 16-8-2013

قبل شهر ونيف اقترح الجنرال قاسم سليماني على صديقه المالكي رئيس وزراء العراق - أمام ظهور عجز قوات الجيش والشرطة والأمن في مواجهة الإرهاب - أن يرسل إليه عشرين ألفا من فيلق القدس، عشرة آلاف للفصل بين الأنبار وبغداد، وعشرة الآلاف الأخرى للانتشار على الحدود مع سوريا من جهة العراق! وفي العراق بإمرة المالكي منذ عام 2010 زهاء ستمائة ألف من قوات الجيش، والشرطة والأمن، بالإضافة إلى الميليشيات المسلحة من حزب الدعوة، ومما أخذه الإيرانيون من الميليشيات الشيعية (وبخاصة من عند مقتدى الصدر) ووضعوه في خدمة المالكي، ومع ذلك ما استطاعت كل هذه القوى الهائلة الوقوف في وجه عاصفة التفجيرات والهجمات في الشهور الستة الأخيرة. والسائد الآن في أوساط الإيرانيين والأميركيين وأهل النظامين العراقي والسوري الموالين لإيران أن المتطرفين يعبرون من العراق إلى سوريا فيتزودون بالأسلحة والمتفجرات ويعودون إلى العراق للقيام بأعمال إرهابية ضد نظام المالكي، وفي المناطق ذات الكثرة الشيعية! وقد زاد الطين بلة أن المناطق السنية البارزة في العراق تشهد مظاهرات حاشدة ضد المالكي وحكومته منذ أكثر من سبعة أشهر، وبذلك فهي تشكل تغطية من نوع ما لإرهاب «القاعدة»، كما أن هذا الصراع والانقسام السياسي الشديد يفتح شهية عدة أطراف على ممارسة العنف. والطريف أن أهم مطالب المتظاهرين السنة ضد المالكي: إطلاق سراح آلاف المعتقلين منذ سنوات من دون محاكمات. وقد تعذر التوصل إلى اتفاق من نوع ما للإفراج عن الأبرياء أو النساء؛ في حين تمكن أكثر من خمسمائة من كبار معتقلي «القاعدة» من الخروج من معتقل «أبو غريب»، من دون مفاوضات مع المالكي بالطبع، وتحت سمع الإيرانيين وأجهزة أمن المالكي وبصرها!

المهم أن المالكي ما أجاب عن اقتراح سليماني بوضوح، وما كان بوسعه ذلك بالطبع، لكنه قال أخيرا إنه لا بد من خطة أمنية جديدة، وانتشار جديد للجيش والاستخبارات على الحدود مع سوريا لمنع العبور في الاتجاهين. وعلى سليماني والمالكي أجاب بارزاني على الفور (وكأنما هو يشير إلى أمر آخر تماما!) أنه لن يسمح بمذابح جديدة في «إقليم غرب كردستان» وأن بيشمركييه سيتدخلون ضد المتطرفين الذين يتصارعون مع التنظيمات الكردية السورية الموالية للنظام السوري، والعاملة بإمرة تلامذة أوجلان القدامى والمحدثين، والذين يريدون الآن إقامة إدارة حكومية خاصة في المناطق التي يسيطرون عليها من سوريا!

قبل الثورة السورية، ما كانت لحكومة أردوغان وأجهزته علاقة بـ«القاعدة» وتفرعاتها، بل إن تركيا - باعتبارها من دول حلف الأطلسي - كانت في حالة صراع مع المتطرفين السنة، ومتطرفي حزب الله التركي على حد سواء. وقد تحالفت تركيا الأردوغانية مع بارزاني، وصارت نافذة الأكراد العراقيين الرئيسة مع الخارج. وبسبب العلاقة الممتازة هذه أمكن للأتراك الدخول في محاولات تصالح وإنهاء للنزاع مع جماعة أوجلان، ومن ضمن بنود الاتفاق انسحاب مسلحي أوجلان من شرق تركيا إلى جبل قنديل بالمنطقة الكردية بالعراق، بموافقة بارزاني وتنسيقه. وقد تعثر الاتفاق الآن من دون أن يسقط رسميا، لأن إيران ما رحبت بالأمر منذ البداية، ولأن أكراد أوجلان شجعتهم مشكلات أردوغان الداخلية على الضغط لتحسين شروط الاتفاق أو حتى التنكر له! وقد ردت الاستخبارات التركية على هذه الضغوط بدفع المتشددين الإسلاميين إلى الاشتباك مع أكراد أوجلان بسوريا - وهم المتشددون الذين دخلوا إلى مناطق شمال سوريا عن طريق تركيا وانتشروا باتجاه المناطق الكردية بسوريا من جهة، ومناطق الحدود مع العراق، ثم مناطق العلويين بريف حمص والحدود مع لبنان. وعندما كان ذلك يحدث في مطالع عام 2013، كان الأمين العام حزب الله يعلن عن التدخل العسكري في سوريا لمصارعة «التكفيريين». وهكذا فإنه وللمرة الأولى وبوضوح تشتبك الأصوليتان الشيعية والسنية علنا على الأرض السورية وجوارها العراقي، وبدفع من إيران وتركيا!

عندما كنت فيما بين عامي 2007 و2010 أكتب دراستي عن «الشيعة والسنة: التوتر ومداه ومصائره»، عبرت مرارا عن التعجب من أن الأصوليتين القاتلتين السنية والشيعية لم تشتبكا علنا في أي مكان، رغم الأحقاد المعلنة، والمصالح المتناقضة. وقد فسرت ذلك (جزئيا) بأن الجهاديين السنة ما وصلوا للسلطة في أي مكان، وعندما وصلوا في أفغانستان أسقطت الولايات المتحدة حكمهم، ولذلك ظل تركيزهم شاخصا على الولايات المتحدة وحلفائها مباشرة. ولم يقتربوا عمليا من منطقة الشرق الأوسط وإسرائيل باستثناء الصراع المعروف مع الأميركيين بالعراق. ولذا فقد تأخر الصدام بين الأصوليتين لحضور الهدف المشترك (= أميركا)، وتباعد المناطق. ثم إن إيران تجنبت من جهتها مصادمتهم، إذ أوت بعضهم عندما لجأوا إليها من أفغانستان وباكستان، كما أنها استخدمت هي والنظام السوري بعض متفرعاتهم في العراق ولبنان. والأمر الثالث أن «القاعدة» والجهاديين بعامة هم انشقاقات ضمن أهل السنة، ولذلك فهم يتجهون صوب الخصوم في الخليج، وصوب مصر، وفي ذلك مصلحة لإيران، وقد أمكن لها (وللنظام السوري) الإفادة من ذلك من ناحيتين: المساومة مع الولايات المتحدة والدول الغربية على رؤوس هؤلاء (حتى اليوم)، ومساومة دول الخليج ومصر (أيام مبارك ومرسي) بمد اليد للإرهاب من جهة (السودان وسيناء واليمن)، والتفاوض مع الدول الخليجية على رؤوسهم من جهة ثانية!

قبل شهر ونيف جاء وزير الخارجية الإيراني صالحي إلى تركيا وتحدث إلى أوغلو طويلا. وقد عبر عن انزعاجه من دور تركيا في سوريا، كما عبر عن انزعاجه من اتجاه تركيا للاتفاق مع الأكراد من وراء ظهر إيران. وكانت للأتراك شكاواهم وتوجساتهم أيضا، وما اتفق الطرفان إلا على إنقاذ حماس، رغم الاختلاف بشأن التسوية في فلسطين.

وما بعد 30 يونيو (حزيران)، ليس كما قبل 30 يونيو! فالإسلام السياسي الذي كان يستظل بالراعيين تركيا وإيران، ويقيم شراكة وتوافقا من نوع ما معهما وفيما بينهما، تكسرت أمواجه. وهكذا ظهرت الخلافات تحت شمس يوليو (تموز) وأغسطس (آب) الحارقة بين الدولتين المسلمتين الكبيرتين. فدفعت كل منهما بجهادييها لمواجهة جهاديي الطرف الآخر. وتركيا حتى الآن في الموقع الأفضل إنما إلى حين (إذ علينا ألا ننسى إمكان عودة الأكراد للقتال بتركيا، وسليماني يغريهم بذلك!) فهي تقاتل بالجهاديين العرب والدوليين، بينما إيران مضطرة للقتال باللحم الحي: الحرس الثوري وحزب الله، لأن قوات أبو الفضل العباس وما شابه مثل الجيش الشعبي عند بشار الأسد، ليست لها قيمة عسكرية. وجهاديو إيران وإباديوها لا يقاتلون كما نعلم في سوريا فقط، بل في العراق والسودان واليمن شماله وجنوبه ولبنان وغزة والبحرين الأحمر والمتوسط.. وأفريقيا وأوروبا، وإلا فلماذا اضطر الأوروبيون لإعلان الجناح العسكري للحزب تنظيما إرهابيا؟!

تزداد التعقيدات كل يوم على الثورة السورية الباسلة.. إذ تجتمع على أرضها ثلاث قرمطيات: قرمطية الأسد، وقرمطية «القاعدة»، وقرمطية إيران. وليس من العقل في شيء الذهاب باتجاه نشوريات محمود أحمدي نجاد، لكن ابن عساكر يقول في «تاريخ دمشق الكبير» بحسب الآثار المروية، إن الشام هي ملاذ العرب قبل قيام الساعة، وأنا أضيف: وبعد قيامها، لأنها آذنت بالفعل، وإن لم تطلع الشمس من المغرب بعد!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التطرف الأصولي في سوريا (2)

ميشيل كيلو

السفير

السبت 17/8/2013

اندفع شباب حملوا راية السلمية خلال فترة التظاهر الاولى الى طلب السلاح من اي مصدر، بعد ان وجدوا انفسهم في قبضة موت لا يستثني احدا منهم، لمجرد انهم شباب. بما ان سلاح الاصولية كان هو الامضى والاكثر فاعلية وتطورا، وأموالها أكثر وفرة، فإن الشباب انضموا إليها حبا بالحياة ودفعا لأذى السلطة عن ذويهم ووطنهم لا حبا بآرائها، خاصة بعد ان مارست عنفا خارج المألوف يقلد عنف النظام، وبعد أن قال قادة عالميون إن المنظمات الأصولية صارت خطيرة على بلدانهم، التي كره السوريون مواقفها من مأساتهم، وتعمدوا الانضمام إلى خصومها بالذات لا سيما بعد إقناعهم بأن رسالتهم العنيفة ستكون نبيلة، وأنهم لن يقاتلوا فقط نظاما عميلا لاسرائيل واميركا، وإنما سيقاتلون أيضا من سمح له بسفك دمائهم وقتل احبائهم وتدمير وجودهم، فمهمتهم مزدوجة، وهم لن ينتقموا من النظام وحده، وإنما كذلك من الذين سمحوا له بممارسة إجرام لا يرحم ضد اهلهم وذويهم. هذا المزاج العام عززه اعلان بعض التنظيمات الأصولية انضمامها إلى حــركة عابــرة للدول هي منظمة «القاعدة»، التي رأوا في الانتماء إليها بعدا تحالفيا مقابلا ومعاكسا لما يسمونه التحالف السلطوي الصهيو ـ أميركي، المكمل للتحالف الروسي الإيراني مع النظام. هنا، ثمة فارق مهم يميز التنظيمات الأصولية عن «الجيش الحـر» وبقــية الأحـزاب السورية. ويتجلى ذلك في كون الأخــير يحــارب بمـفرده حلفا إقليميا دوليا متشابكا، في حين يستطيع حلف «القاعدة» العراقي السوري بما له من دعم مالي سلاحي، وتأييد شعبي اسلامي عابر للحدود تحسين شروط المواجهة مع الأعداء، علما بانه جــزء تكــويني من تنظيم عالمي أذاق الغرب ونظمه العميلة الأمرين، وصمد في صراعه مع هؤلاء وأعجزهم عن القضاء عليه، برغم أنه ينتشر ويقاتل في كل مكان من ارض العرب والمسلمين، ويجسد سندا قويـا للجــهاد السوري ضد النظام والغرب الصهيــوني، الــذي وقف مع النظام خلال المأسـاة الســورية ولم يفعــل شيئا ضده.

إضافة الى ذلك، هناك حجم التدمير والتشريد الذي قوض تماما حياة السوريات والسوريين الشخصية، ودمر مصادر رزقهم المادية ومواردهم، ورماهم في جوع لم يسبق لهم ان واجهوه، لأنهم لم يكونوا جياعا او مشردين في أي يوم من تاريخهم الحديث. استغل الاصوليون هذه الواقعة، وعاملوا الناس بطريقة من يهتم لمصيرهم، بعد أن وضعوا يدهم على جزء لا بأس به من موارد وثروات سوريا، اتاح لهم دخلا ثابتا وإنفاقا منظما مكنهم من إمداد مناطق سيطرتهم ببعض السلع الحيوية، الضرورية للعيش، ووضعهم في موقع أعلى من مواقع سواهم من خصوم النظام، وجعلهم يبدون كمنافسين له، بينما غرق الجيش الحر غرقا تعاظم باضطراد في نقص السلاح والمال وأخيرا في الفقر والجوع، وبدأ المنتمون إليه ينتقلون إلى هذا التنظم الأصولي أو ذاك، طلبا للسلاح الأفضل والذخائر الأوفر والطعام المتاح، علما بأن الانتقال إلى الموقع الجديد بدا وكأنه لا يعني الكثير على الصعيد الأيديــولوجي، في حين يبرز معناه واضحا على المستوى العملي: مستوى القتال ضد النظام. ولعله ليس سرا أن الفاعلية الميدانية للتنظيمات الأصولية كانت لفــترة طــويلة اعلى من فاعلية وحدات كثيرة في الجيش الحر، الذي لم يعـرف كثــيرون له قيــادة او قوامــا ثابتــا، بينما أدارت معارك وسياسات الأصوليات مراكز قيادية موحدة، تكفلت بالإشراف على معاركها وأمدتها بما احتاجت إليه من طعام وسلاح وذخيرة، حتى شاعت فكرة تقول: حيث يخفق «الجيش الحر» في تحقيق انجازات عسكرية، تصير الحاجة إلى قوات التنظيمات الأصولية جدية، ويكون من المحتم استدعاؤها والاستعانة بها.

ما مستقبل التطرف في سوريا وكيف يعالج؟ هذان سؤالان هامان يرتبط بالاجابة عليهما مستقبل ومصير وطننا، الذي يعاني من انفلات اصولي متطرف غريب عن تاريخه وثورته، شرع يفتك بقدراته المستنزفة بقوة، ويدمر قضيته العادلة ويحولها من ثورة تمثل خطوة على طريق الحرية إلى فوضى تهدد البشرية بأعظم المخاطر، يجبر الخوف منها الدول على أحد خيارين: الابتعاد عن مطالب وحقوق شعب سوريا اكثر مما هي بعيدة عنها، وربما معاداتها باعتبارها التربة التي ينمو فيها التطرف اليوم وستنطلق منها الأزمات والتحديات المسلحة غدا، وإلا فإكمال الانحياز إلى النظام ومساعدته على كسب صراعه ضد الشعب، الذي لن يقبل تحوله إلى داعم لأصولية يرفضها العقل ويحاربها أركان النظام الدولي، المختلفون اليوم على مستقبل سوريا والمتصارعون على ارضها، الذين شرعوا يؤمنون بارتباط اصوليته بنضالها اكثر مما يرونها مرتبطة بنظامها، على الرغم من علمهم بانه لطالما رباها ورعاها، وشكل منظمات لها ومنها ارسلها إلى بقية الدول العربية والاجنبية، أو احتفظ بها لساعات الشدة، ليستخدمها في تشويه سمعة خصومه باعتبارها جزءا منهم وليست تكوينا اشرف هو على ولادته، كما يفعل منذ بعض الوقت في اكثر من واحدة من عواصم العالم الغربي الكبرى، بنجاح نسبي لا يستهان به.

ليست الأصولية ابنة الحرية ومن المحال أن تكون وليدتها. إنها جزء بالغ السوء من عالم الاستبداد وصنيعة له. ولو كان العالم الغربي منصفا لتذكر أن من يصفهم اليوم بـ«الجهاديين» اتوا بعد العام 2003 من سوريا ليقاتلوا اميركا في العراق، وأن النظام درب الآلاف منهم وسلحهم واشرف على تسللهم إلى ميادين المعارك، وأن القسـم الأول منهــم رجــع من العراق بعد منتصف العـام 2012 الى ســوريا. سوريا التي كانت خالية بصورة تكاد تكون تامة منهم، وارتبطوا بظاهرة تفشي العنف كإفراز للسياسات الأسدية، ولم يرتبطوا بصرخة الحرية والمواطنة، التي انطلقت من المجتمع، معلنة تصميمه على طي صفحة الاستبداد إلى غير رجعة. علما بأن السوريين لم يمحضــوا الأصوليــة أي تأييــد جــدي إلـى اليــوم، بــدلالة التظاهرات الشعبية المعادية لها، التي انطلقت خلال الأشهر الأخيرة في كل مكان، وطالبتها بالخروج من ديارها وبرفع يدها عنها وعن ثورتــها. ويلاحــظ انها الى ازدياد يومي، وانها ترفض الأصــولية وتواجهها سلميا في الميادين والساحات التي عرفت مواجهاتها السابقة مع النظام الأسدي وأصولييه، مع ما في ذلك من دلالات هائلة الرمزية والأهمية، قد تخفى على كثير من الدول، لكنها لا تخفى على اي مراقب نزيه.

لم تنطلق الثورة السورية من فكر اصولي، ولم تبدأ على يد قوى أصولية، وكانت نتائج تسرب الأصولية إلى مجتمعها مضادة لرهاناته، لذلك نلاحـظ في كل مكان من سوريا اليوم صحوة مدنية عارمة، يحملها شباب راغب في استعادة مطلب السوريات والسوريين الرئيس: الحرية لمواطنات ومواطني شعب واحد موحد، يلاحظ انه يعزف أكثر فأكثر عن قبول أي طرف لا يجعلها مادة برامجه وموضوع نضالاته، ويتــظاهر ضده ويقاومه من دير الزور إلى حوران، من دون أن ينجح حتى الآن في إبطال الشروط الملائمة لتخلق الأصولية وتنظيماتها سواء في سياسات النظام أو في أوضاع الجيش الحر والسياسات العربية والاقليمية والدولية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المشرق العربيّ: العنف يغلب السياسة

حازم صاغيّة

الحياة

السبت 17/8/2013

مع اندلاع ثورات «الربيع العربيّ»، كان المؤمّل أن تغدو السياسة الثمرة الأكبر التي تنتجها الحرّيّة. لكنّ نظرة سريعة إلى مصر وسوريّة، وإلى العراق الذي عرف «ربيعه» في 2003، وجزئيّاً لبنان الذي يعيش تداعيات «الربيع» السوريّ، تقودنا إلى فرضيّة أخرى. ذاك أنّ العنف والكراهية اللذين ربّتهما العقود الفائتة نالا نصيباً من الحرّيّة يفوق ما نالته السياسة. لقد تحرّر أيضاً العنف والكراهية، ولدينا منهما الكثير المكبوت، بحيث ابتلعا كلّ سياسة.

ففي مصر بدا مفاجئاً مدى إصرار «الإخوان المسلمين» على معاقبة الشعب بالأسلمة، ثمّ بدا مفاجئاً أكثر مدى الكره المكنون والمؤصّل حيال جماعة «الإخوان»، لا عند العسكر فحسب، بل أيضاً عند قطاعات عريضة من المدنيّين، العلمانيّين وأنصاف العلمانيّين. ووسط مذبحة قد تتلوها مذابح، اتّجه «الإخوان» أنفسهم، وقد باتوا الضحايا، إلى الثأر من مكروهيهم الأقباط بالاعتداء عليهم وإحراق كنائسهم!

وفي سوريّة لم تعد جماعات «القاعدة» و «النصرة» تفصيلاً تستطيع الثورة أن تتجاوزه وتطوي صفحته. فهذه التنظيمات القاتلة ابتلعت جزءاً كبيراً من الثورة، وتهدّد راهناً بابتلاع الباقي. وحينما يُختطَف رجل كالأب باولو، يصير جائزاً القول إنّ المشاعر المناهضة للمسيحيّين، وللشيعة والعلويّين، بدأت تغلب كلّ المشاعر الأخرى الدائرة في فلك الثورة، بما فيها بناء سوريّة جديدة لجميع أبنائها.

والحال، وكما يتبدّى في أعمال القتل المتمادي والعديم الرحمة في العراق، وفي جريمة التفجير الأخير في الضاحية الجنوبيّة من بيروت، أن تصدّر النزاع السنّيّ – الشيعيّ في عموم المشرق، وفي بعض الخليج، هو بذاته تعبير عن صعود نوازع القسمة على نازع الوحدة، وعن حلول العنف والكراهية حيث افتُرض حلول السياسة.

إنّ مقتل الثورات يلوح في الأفق العربيّ، تماماً كما تلحّ علينا ضرورة النبش العميق بحثاً عن الوحش الذي يقيم فينا ويمنعنا من أن نكرّر ما شهدته أوروبا الجنوبيّة أواسط السبعينات وأوروبا الوسطى والشرقيّة أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات. وهذا ما لم يعد يفيده حصر النقاش في السياسات الضيّقة وفي مسؤوليّة الأنظمة، وهي قائمة طبعاً، ولا المبالغة في تحميل الغرب المسؤوليّة، وهو مسؤول جزئيّاً، ولا التعفّف عن مواجهة أوضاعنا بنقديّة يمجّها «الصواب السياسيّ» وينسب إليها، بكثير من الاستسهال والتبسيط، عنصريّةً مقيتة، ولا هجاء الاستشراق والمستشرقين الذين سبق أن نبّهوا إلى مصادر العنف في حياتنا.

أمّا الذين أيّدوا الأنظمة وعادوا الثورات منذ بداياتها، فلسبب بسيط لا يستطيعون أن يقولوا لنا اليوم: «ألم نقل لكم». ذاك أنّ تلك الأوضاع القائمة كان لا بدّ أن تسقط من غير أن تنفع العظات الأخلاقيّة في تخليدها ضدّاً على الطبيعة. لكنْ كيف نُسقط الأنظمة في هذا الجزء من العالم، فهذه «أصالتنا» التي تشاركنا إيّاها أنظمتنا المتساقطة.

إنّ الحرب السنّيّة – الشيعيّة، والكراهية المسلمة للمسيحيّين، وعداء «الإخوان» لسواهم وعداء هذا السوى لهم...، عناوين تقول إنّ السياسة مؤجّلة في ربوعنا حتّى إشعار بعيد آخر. المهمّ اليوم الفصل بين المتحاربين والمتكارهين، وأيّ فصل يبقى أفضل من التحامهم «الأخويّ».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: تناقض المسارين الميداني والديبلوماسي

غازي دحمان *

الحياة

السبت 17/8/2013

يختلف سير الوقائع الميدانية السورية كثيراً عن صيرورة المشهد الديبلوماسي الرديف والمتشكل على هامش الحالة السورية. الفارق يكاد يكون جوهرياً، وحتى متناقضاً، مما يدفع كل حالة، على حدة، أن تتطور وفق آلياتها وشروطها ودينامياتها الخاصة، لتنتج صيغتها الخاصة، بعيداً من ترهات إمكان تغذية الميداني للديبلوماسي أو العكس.

يتشكل المشهد الميداني في سورية على هواه، بطريقة فوضوية تتميز بسيولة جارفة، تؤسس لمعطيات رخوة ومتحركة وغير دائمة، طريقة لا يمكن الاستفادة منها أو البناء عليها من قبل الأطراف المتصارعة، كما لا يمكن توظيفها لصالح أي من الأطراف، وهو أمر تحولت في ظله الجغرافيا إلى عبء ومصدر استنزاف دائم للطرف الذي يسيطر عليها، وخرجت من كونها ميزة صراعية لها أثرها وفاعليتها.

ثمة تطورات كثيرة، في الواقع الميداني، أفرغت الجغرافيا السورية من كونها عنصراً منتجاً لأي قيمة إضافية، وحوّلتها إلى مجرد ركام تتطلب المحافظة عليه شروطاً صعبة ليس بمقدور طرفي الصراع المنهكين توفيرها، لا في الظروف الحالية ولا في المستقبل المنظور:

- حالة الحصار الخانق التي تعانيها جميع المناطق السورية، سواء تلك التي تسيطر عليها قوات النظام، أو الخاضعة للثوار، وهي حالة غريبة تحصل في سورية، إذ أن الطرفين في حالة محاصر(بكسر الصاد) ومحاصر( بفتح الصاد)، الأمر الذي نتج عنه تعطيل كل المزايا الإستراتيجية للمناطق التي في حوزة كل طرف، فالمناطق المحررة كلها من دون استثناء تعاني من حالة حصار خانق، وقطع مع باقي الجغرافيا السورية، وكذا بالنسبة الى مناطق النظام، حتى تلك التي تشكل معاقله الأساسية غرب سورية، لا تعمل بكامل فعاليتها الجغرافية ويستلزم تشغيل جزء من تلك الفعالية واستمرار دوامه استنفاراً دائماً واستنفاد مجهودات كبيرة، يكفي للتدليل على ذلك الجهود الكبيرة التي يبذلها النظام و» حزب الله»، ومن ورائهما الدعم الروسي - الإيراني الهائل للمحافظة على خط الساحل- حمص- دمشق، وهي لا يمكن ضمان استمرارها الدائم تحت وقع حالة الاستنزاف الكبيرة، كما لا يمكن ضمان فعاليتها دائماً بالسوية ذاتها.

- حالة تعطل القدرة الإنتاجية الاستثمارية لتلك المناطق بسبب وضعية عدم الاستقرار التي تعيشها البلاد منذ حوالى ثلاث سنوات، وهو الأمر الذي نتج عنه تعطل العناصر الاقتصادية، إن لم يكن بشكل نهائي، فعلى الأقل بالشكل الذي لا يفي حاجة تلك المناطق من متطلباتها الأساسية، ففي الوقت الذي يسيطر الثوار على سهول حوران الخصبة، تعجز هذه الأخيرة عن إطعام البشر الموجودين فيها بسبب توقف الزراعة فيها، كما تتحول آبار النفط، في الشمال الشرقي، وبسبب عدم توافر طرق لنقلها وتصديرها، إلى عبء كبير على المعارضة، وسبباً للخلاف والصراع بين بعضها بعضاً، في المقابل أيضاً تتعطل كل عناصر الاقتصاد التي يعتمد عليها النظام في تسيير شؤونه وتدبير أموره، من سياحة وجباية وضرائب، بل أنه يصبح ملزماً بتقديم الخدمات للمناطق التي يسيطر عليها لضمان استمرار ولائها له، وهو الأمر الذي ينتج عنه مراكمة العجز في ظل اقتصاد عسكري ينوء تحت حالة استنزاف آلته العسكرية المستمرة في حركتها.

- حالة الدمار التي خلفتها الحرب، والتي تتجاوز نسبتها، وفق تقديرات كثيرة، أكثر من نصف عمران سورية، وهي حالة، بلا شك، طاردة لأي إمكان للحياة والاستقرار فيها، حاضراً وفي المستقبل المنظور، فضلاً عن كونها تشكل عبئاً لا طاقة للدولة السورية، التي ستخرج من ركامها، على تحمله، أياً يكن شكل حكامها وطبيعة توجهاتهم.

في المقابل، يصارع الهامش الديبلوماسي، المتاح إقليمياً ودولياً، لإنتاج شكل لسورية، يكون قابلاً لتوظيفه في صراع المصالح الدولية، نمط يحمل في طياته مراعاة كبيرة لواقع جيواستراتيجي متخيل، يرتكز على حيثيات جغرافية ذات طبيعة مؤثرة وفاعلة في عملية السيطرة وإعادة توزيع مناطق النفوذ في المنطقة، من دون أي اعتبار لأثر كل ذلك على مسار عملية التشكل الداخلية السورية والاحتمالات العديدة المفتوحة عليها عملية التشكل هذه.

في سبيل ذلك، ونظراً للتقديرات المختلفة لطبيعة الفرص المحتملة في مدركات كل طرف دولي وتصوراته، ونظراً للواقع المعقد الذي بات كل طرف يجد نفسه فيه، يتجه المجال الديبلوماسي صوب إستراتيجية جديدة للتعامل مع الحالة السورية يعتمد نمط فتح الثغرات الصغيرة في جدار الأزمة.

الهدف من وراء هذا السلوك الديبلوماسي واضح، وهو مراكمة نقاط الاتفاق بين الأطراف الدولية والإقليمية ذات العلاقة بالشأن السوري، وبالتالي الوصول إلى مبادئ أساسية يمكن الانطلاق منها لتأسيس توافق ما، من هنا يأتي ميل الدول الغربية إلى محاولة التقارب مع الموقف الروسي عبر تراجعها عن تسليح المعارضة، وفي السياق ذاته تأتي تصريحات رئيس هيئة الأركان الأميركية مارتن ديمبسي بأن التدخل العسكري «من شأنه أن يحول سورية إلى بلد فاشل».

غير أن هذا البناء الديبلوماسي المراد تأسيسه، قد لا يصار إلى إنجازه بالشكل الذي قد يساعد على حل الأزمة السورية، كما أنه معرض للانهيار في أي لحظة نتيجة اختلاف رؤى الأطراف المختلفة للحل النهائي، فيما الوقائع الميدانية تذهب باتجاه تشكيل حالة قد تتحول مع الزمن إلى واقع صلب لا يمكن لأي جهد ديبلوماسي تعديله أو التأثير به، بخاصة إذا زاوجنا هذا الواقع مع الواقع السيكولوجي للسوريين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الكرد ومصير علاقتهم بسوريا

غازي دحمان

المستقبل

الاحد 18/8/2013

إذا كان للمكوّنات السورية الأخرى سبب للثورة على نظام الحكم الجائر في بلادهم، فإن ثورة الكرد تتزاوج في داخلها أسباب الظلم والتمييز والتهميش. وإذا كان يحسب لأنظمة العسكر السورية عدالتها في توزيع الظلم على كافة مكونات المجتمع السوري العرقية والطائفية، فإن الكرد إضافة لذلك، عانوا من التهميش المقصود والعزل السياسي، بالإضافة إلى التشكيك الدائم بوطنيتهم.

هذه الخلفية والعوامل المشكلة لها، جعلت مشاركة المكوّن الكردي في الثورة السورية منذ بدايتها تبدو أمراً طبيعياً، رغم أن نظام الحكم إتبع إستراتيجية التمييز لشق صف الثورة وتفتيتها، حيث لم يعمد إلى إتباع القوة العنيفة في مواجهة الحراك الكردي، الذي عمّ في أغلب المناطق الكردية. كما حاول النظام إضعاف وعزل القوى الثورية في المجتمع الكردي من خلال طرحه للحوار مع بعض الشخصيات القريبة منه والنافذه في المجتمع الكردي. وهي الواجهات السياسية والإجتماعية التي صنعها على مدار عقود، وسعى من خلالها إلى إختراق المكونات السورية، كما عمل النظام على الإستجابة لبعض المطالب التاريخية المحقة للكرد.

غير أن الكرد شأنهم شأن بقية المجتمع السوري، يعانون من الإنقسامات والأمراض السياسية التي يعيشها مجتمعهم الأم، واستطاع النظام أن يوجد ركائز له داخل المجتمع الكردي كان لها الأثر في التشويش على الحراك الكردي، والتأثير في مساراته ومآلاته، الأمر الذي بدأ يطرح تساؤلات مهمة حول مستقبل علاقتهم بسورية الدولة والثورة.

ثمة رأي يقول بإستمرار الكرد ضمن النسيج الوطني السوري، رغم تمايز المطلبية الكردية في بعض النقاط عن مطلبية نظرائهم العرب، وإرتباطهم بالإطار الكردي الأشمل. ووفق هذا الرأي، فإن الروح القومية لكرد سوريا انتعشت بوصفها رد فعل على سياسات التمييز والإنكار التي مورست ضدهم لعقود من الزمن. وصحيح شكّهم وعدم الاطمئنان للوعود التي تقدم لهم، بدافع من إحساس عميق بالتهميش، تراكم تاريخياً لديهم، وشعورهم بأنهم كانوا دائما وقودا لمختلف القوى السياسية المتصارعة، التي ما إن حققت أهدافها حتى تناست ما رفعته من شعارات لرد المظالم.. لكن الصحيح أيضاً، أن الهموم القومية للكرد السوريين لم تتطور بوصفها اتجاها عاما، كهموم مستقلة وبالقطع مع الهموم الوطنية، ولنقل بثقة إنها لم تطرح يوما بوصفها سمة غالبة على حساب الولاء للوطن. والحال، إذا استثنينا قلة من الأصوات التي لا تزال تروّج لأفكار متطرفة عن الانفصال، فإن الحراك الكردي يتفق عموما على شعارات تؤكد الانتماء السوري، وتدعو إلى الحريات العامة وإلغاء التمييز، وتمتين أواصر الأخوة العربية الكردية.

ويعزز هذا التوجه حجته بحقائق ومعطيات جغرافية صلبة، إذ لا يسمح توزّع المجتمعات المحلية الكردية السورية الراهنة، بحكم تباعدها الجغرافي الكبير جداً، بأيّ حديثٍ ممكن عن مجتمعٍ كرديّ متواصل وممتدّ جغرافياً ومناطقياً وبشرياً يشكّل ما تمّ اختراعه باسم "كردستان الغربية"، وأحياناً "غرب كردستان"، ويسمح بتصوّر قيام إقليم كرديّ سوريّ على غرار إقليم شمال العراق، إذ تفتقد وحدات المجتمع الكرديّ السوري الإجمالي تماماً إلى ما يتميّز به المجتمع الكرديّ في كلّ من كردستان تركيا وكردستان العراق من تواصلٍ مناطقيّ وجغرافيّ وبشريّ، وهو ما تنمذجه حالة المجتمع الكرديّ المحليّ في عفرين، بينما الاتصال البشري الكرديّ ما بين كرد عين العرب وكرد الجزيرة يمرّ بتداخلات سكانيّة عربية كثيفة، فضلاً عن أنّ محافظة الجزيرة نفسها متعدّدة الإثنيات.

وبذلك، لا يسمح هذا التوزّع بأيّ طرحٍ لحلّ "المسألة الكردية السورية" على قاعدة مفهوم "كردستان الكبرى" خارج الإطار الوطنيّ السوري، من دون إرباك وإعادة رسم الحدود السياسية القائمة للدول الراهنة. وهذا غير واقعيّ على المستويات المختلفة في منظور العقود الثلاثة المقبلة على الأقل، فالتماس البشريّ الجغرافيّ كاملٌ بين كرد القامشلي وكرد كردستان تركيّا، لكنّه ضعيف جغرافياً وبشرياً مع كرد إقليم العراق، وتتخلّله مناطق عربيّة كثيفة ومناطق متداخلة عربيّة وكرديّة، كما أنّ المسألة السورية تختلف عن المسألتين التركية والعراقية، ففي العراق وتركيا يعيش الكرد فوق أرضهم التاريخيّة، بينما كرد الجزيرة في معظمهم مهاجرون من كردستان تركيا إلى الجزيرة السورية.

رأي أخر يرى الأمور من زاوية مختلفة، ويلفت النظر إلى جملة المعطيات التي ترسخت في العامين الماضيين من عمر الثورة السورية، حيث أدى إنسحاب قوات النظام والجيش الحر من المناطق الكردية إلى تسلم قوات كردية تابعة لتنظيمات سياسية معروفة أمر تسيير الأمن وإدارة المناطق، ويرفع بعض هذه القوى شعار الإنفصال عن سوريا، أو إدارة المناطق المحررة بشكل منفصل عن الوضع السوري عموماً، ولعل ما يزيد من شكوك أصحاب هذا الرأي بتلك التوجهات، حقيقة الإندماج الحاصل بين القوى الكردية السورية وكرد إقليم كردستان بزعامة مسعود برزاني. ويذهب هؤلاء أبعد من ذلك عبر تأكيدهم أن راية كرد سوريا باتت معقودة بيد البرزاني.

ولعل ما يعزز من وجهة النظر هذه سلوك بعض الأطراف السياسية الكردية المنضوية في الأطر القيادية للثورة السورية، وبخاصة بعض الأحزاب المشاركة في مجالس قيادة الثورة والتي طالما عمدت إلى عزل نفسها عن الحدث السوري بعموميته مع التركيز على قضية المطالب الكردية وحدها، في الإدارة والحكم وصياغة الدستور وإسم الدولة، وإتباع إستراتيجية الانسحاب أمام أي ملف إشكالي من وجهة نظر هذه القوى، وكذلك إتباع تكتيك خذ وطالب، بمعنى كلما حصلت الأطراف الكردية على مطلب تعمد إلى رفع سقفها والبحث في مطالب جديدة، ترى القوى السياسية السورية الأخرى بأن الوقت ليس وقت طرح مثل هذه القضايا، مما يدفعها إلى الشك في حقيقة المشاركة الكردية في الثورة السورية عموماً.

لا يلغي كل ذلك حقيقة تضحيات الكرد و مشاركتهم الفاعلة في الثورة السورية والدور الريادي الذي لعبوه في مختلف المجالات، وليس من المتوقع أن تنتهي مثل تلك الإشكاليات في وقت قريب، رغم أنها قد تبدو من منظار أخر إشكالات صحية وصحيحة ويمكن إدراجها ضمن سياق تصحيح الخلل في الوضع السوري عموماً، غير أن ذلك يتطلب من النخب السورية العربية والكردية أن تدرك هذه الحقيقة، وتبادر جميعها لتحرير سياساتها مما يشوبها من حسابات ضيقة وأنانية ومن تعصب قومي، وتقديم الأهداف الديموقراطية العامة على ما عداها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فوضى السلاح و "الهيئات الشرعية"

الثورة السورية من العسكرة إلى المقاومة

عمر كوش

المستقبل

الاحد 18/8/2013

تبدأ قضية السوريين في ملحمتهم الثورية من الحراك الاحتجاجي السلمي، الذي اندلع في الخامس عشر من آذار/ مارس 2011، وتكشّف عن ثورة شعبية فريدة، قلّ نظيرها في التاريخ الحديث. واجهها النظام الأسدي بالقمع والعنف المفرط منذ يومها الأول، ومع ذلك استمر المحتجون السلميون أشهراً عديدة، قدموا خلالها تضحيات كبيرة في الأرواح والممتلكات والأرزاق.

ولم يكن من الممكن أن يستمر الثائر السوري في التظاهر فاتحاً صدره العاري في مواجهة رصاص قوات النظام العسكرية والأمنية، أو أن يسلم رأسه وجسده لسيوف وسكاكين الشبيحة، أو أن يستقبل المتظاهرون بمختلف انتماءاتهم وتكويناتهم وثقافاتهم قذائف الدبابات وصورايخ الطائرات وبراميلها المتفجرة في صفوف طويلة، تلبس الأبيض، وترفع أغصان الزيتون بيد، وتطيّر الحمام الأبيض باليد الأخرى.

ولعل التحول الأول على مسار الثورة، طرأ نتيجة اضطرار قسم من شبابها، الذين شاركوا بشكل أو بآخر في حركة الاحتجاج العام، الذي شمل معظم المناطق السورية، إلى حمل السلاح، ليدخلوا في حربٍ غير متكافئة مع النظام الأسدي، بعد إعلانه الحرب على المتظاهرين السلميين وعلى حاضنتهم الاجتماعية، وراح يخوض حرباً شاملة مدمرة ضد غالبية السوريين ومناطق سكناهم، الأمر الذي أفضى إلى تراجع المظاهر المدنية السلمية التي أسست للثورة السورية، حين كان المتظاهرون يوزعون التمّر على الجنود، ويحملون الورود وأغصان الزيتون في مواجهة رصاص قوى الأمن والشبيحة. ولعل صور اللافتات التي كانت تجمع بين الهلال والصليب، وتساوي ما بين السني والعلوي والدرزي والإسماعيلي، وبين العربي والتركماني والكردي، مازالت ماثلة للأذهان، وتختزنها ذاكرة الثورة. وكلنا يذكر شعار "واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد"، الذي صدحت به حناجر المحتجين في معظم المناطق الثائرة. لكن التحول في مسار الثورة استحال إلى حرب حقيقية، أزاحت المظاهر السلمية لتظهر مشاعر الكراهية والانقسام، وصعدت مظاهر العسكرة من خلال تسلح مجموعات أهلية، وبخاصة في الريف السوري، حيث أن عائلات وقرى كثيرت جنّدت شبانها ورجالها من أجل الدفاع عن حياتهم وأماكن سكناهم، لكنها أدخلت أيضاً نفساً من الكراهية وروحية الانتقام من الآخر. وراحت المجموعات العسكرية غير المنظمة تبحث عن موارد تسليحها وعيشها بشتى الطرق، المشروعة وغير المشروعة، خصوصا مع انعزال معظم الضباط الذين انشقوا عن الجيش النظامي وآثروا اللجوء إلى تركيا والأردن.

ولعل الدعم الخارجي، المنحاز وغير المنتظم، الذي تلقته المجموعات والفصائل المسلحة، أسهم في تعدد ولاءاتها وتناثرها، وأثار ريبة سوريين كثر من الأجندات التي تهدف إليها الدول الداعمة، وعمل على إشاعة فوضى السلاح والتسلح، وإطلاق اللحى والذقون.

ربما، وبالنظر إلى خصوصيات ما واجهته - وما زالت - تواجهة الثورة السورية، كان لا بد من العسكرة والتسلح غير المنتظم، بوصفهما من مظاهر رد الفعل الأولية والطبيعية على جرائم وهمجية النظام الأسدي، لكنها مع الأسف - لم تتحول إلى فعل مقاومة منظمة ضد استباحة النظام للمدن والمناطق والقرى السورية، بالرغم من أن خصوصية الثورة السورية وفرادتها، تستلزم مقاومة منظمة، متعددة المظاهر والفعاليات، بخاصة وأن سوريا اليوم، تخضع لآثار احتلال مركب: احتلال داخلي، ممثلاً بالنظام الأسدي الذي احتل البلد منذ أربعة عقود، واحتلال خارجي، يجسده العسكر والخبراء الإيرانيون وميليشيات حزب الله وبعض الميليشيات العراقية وسوى ذلك، وبالتالي، ليس صدفة أن توصف المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر، بـ"المناطق المحررة"، والمناطق التي يسيطر النظام السيطرة عليها بـ"المناطق المغتصبة"، ذلك أن ضباطاً من الجيش العقائدي، راحوا يصرحون لبعض وسائل الإعلام، بأنهم يعملون على الأرض كقوة احتلال، وليس كقوة أمنية، وأنهم يعرفون تماماً بأنهم باتوا قوة احتلال في نظر سكان المناطق السورية التي يجتاحونها. وعليه، فإن الثورة السورية تواجه نظاماً، يعتبر نفسه قوة احتلال، واستدعى قوات احتلال أجنبية، كي تساعده وتخوض المعارك معه على الأرض، وهي تتصرف على هذا الأساس. وبالتالي، من المشروع إن يقاوم السوري الاحتلال حتى يتحرر وينال حريته، في اقتران مشروع بين الحرية والتحرر.

وفيما يستمر المدنيون السوريون في فعل مقاومتهم، تبدو معظم الفصائل المسلحة بعيدة كل البعد عن فعل المقاومة، بمختلف مظاهرها، ولعل العسكرة المنفلتة من رباطها وعقالها، أنتجت مظاهر و"هيئات شرعية" و"إمارات"، بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة السورية ومطالب ناسها، فالناس في الثورة أحسوا بأنهم أحياء، حين قرروا الخروج من بيوتهم والنزول إلى الساحات والشوارع للاحتجاج على الاستبداد المقيم منذ أكثر من أربعة عقود. خرجوا طلباً للحرية واسترجاع الكرامة، ولوضع حدّ لليأس والذل والخنوع، وتحملوا لأجل ذلك كل أنواع القذاف والقنابل والرصاص التي مازالت تنهمر عليهم، وتخطف أرواحهم.

لقد شعر الثائرون السوريون بأن حياتهم أضحت ذات معنى في الثورة، وأن كل فرد فيهم يمتلك ذاتاً، شعر لأول مرة في حياته بقيمتها في ميدان التظاهر والاحتجاج، فقرروا جميعاً عدم التراجع أمام إمعان النظام في القتل والمجازر، بل وأظهروا قدرة لا توصف على التحمل خلال أكثر من عامين ونصف من عمر الثورة، بالرغم من كل انواع القصف والدمار الذي لحق بهم وباماكن سكناهم. وبالتالي لن يقبل السوريون بحكم "الهيئات الشرعية"، التي منحت نفسها شرعية مفقودة، ومشكوك بها ومطعون فيها، كونها جاءت من أمراء العسكرة وتوابعها، وهي تنتمي إلى مجموعات ليست مفجرة للثورة، ولا قادتها في أي يوم من الأيام، بل استغلت فراغ القوة الحاصل بعد انحسار سلطة النظام الفاقد الشرعية مثلها، كي تحتل الفضاء العام وتصادر الحرية التي خرج من أجلها الثوار السوريون. وقد تحولت هذه المجموعات المسلحة إلى سلطة استبداد جديدة، حاولت إشغال مكان سلطة الاستبداد القديمة، وراحت تقوم بأفعال لا تليق بثورة السوريين، حتى باتت تعيث فساداً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وذلك بدلاً من ان تنخرط في حركة المقاومة الشعبية وتكون عوناً لها.

وبالرغم من كل ذلك فإن قوى الثورة ستظل تصارع من أجل تحقيق آمال الشعب السوري في نيل الحرية والتحرر، والوصول إلى دولة مدنية تعددية، تنهض على مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان، لذلك من الصعب اختصار الثورة السورية بالعسكرة، ذلك أن العسكرة تعني خضوع كل شيء للبندقية، وتفضي إلى نشوء أمراء الحرب وتجارها، فيما المقاومة تنهض على إخضاع السلاح لحسابات سياسية ومصالح وطنية عليا، وتحقق انتماءً سياسياً وعسكرياً للوطن وناسه. وإن كان ثمة فعل ضروري ومطلوب من المجاميع المسلحة، فهو الانخراط في صف الثورة، والمشاركة في المقاومة بشكل موحد ومنظم، بغية الوصول إلى سوريا الجديدة، والعمل على الحفاظ على صورة سوريا التاريخية، باختلافاتها وتنوعاتها ومدنيتها، ذلك أن التاريخ اليوم - يسطره الفاعلون في حدث الثورة، ولن يتوقف إلا عند بلوغها الهدف، المتمثل في تحقيق تحول تاريخي نحو سوريا الجديدة، ولن يتحقق هذا التحول إلا عبر صراع مديد، وبالتالي فإن أعداء الثورة يلتقون اليوم - دون أن يعلموا - مع أنصارها في تحقيق هدفها المنشود.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عزل مرسي.. جزء من سيرورة سقوط بشار الأسد وليس العكس

ماجد عزام()

المستقبل

الاثنين 19/8/2013

تعاطى أنصار الرئيس السوري بشار الأسد مع سقوط الرئيس المصري محمد مرسي بمزاج متشف وثأري وحاولوا الإيحاء بأن عزل مرسي يثبت نظريتهم عن بقاء الأسد وتجاوز القلق الاستراتيجي له ولنظامه، ويؤكد من جهة أخرى سقوط الإسلام السياسي ليس فقط في مصر، وإنما في عموم المنطقة، بما في ذلك سورية طبعاً، وعلى قاعدة أسلمة أو أخونة الثورة السورية ونزع الطابع المدني الديموقراطي عنها.

هذا التعاطي يعبر حقيقة عن الأمنيات أكثر مما يعبر عن الوقائع، عوضاً عن تجاوزه المتعمد والمنهجي لمغزى انتفاضة 30 حزيران/ يونيو بوصفها إحدى روافد ثورة 25 كانون الثاني/ يناير. كما لدلالات ميدان التحرير المتنقل من دولة عربية إلى أخرى الذي وضعه أنصار الأسد في سياق المؤامرة الخارجية المتنقلة، والهادفة إلى إضعاف وحتى تقسيم وتفتيت الدول العربية، وخاصة الممانعة منها خدمة للأهداف الأمريكية الصهيونية في المنطقة.

مثلت ثورة 25 كانون الثاني/ يناير - كما الثورات العربية الأخرى - رفضاً جماهيرياً مليونياً لفكرة التوريث السياسي، كما للنظام العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال الأول، والتي امتدت لستين عاماً تقريباً، نظام القهر والاستبداد الاستئثار والفساد الذي أمّم كل شيء لصالح السلطة الحاكمة قبل أن يخصخص ما أمّمه لصالح العائلة الحاكمة، هذا النظام الذي تم تأسيسه في مصر مع انقلاب يوليو 1952 قبل أن يتم استنساخه في جمهوريات العالم العربي، ومنها بالطبع سورية وبناء على ذلك فإن سقوط النظام الأصل في القاهرة جعل من سقوط أنظمة التقليد في الجمهوريات العربية الأخرى مسألة وقت فقط، وهذا هو الاستنتاج الأهم برأيي الذي تم الهروب المنهجي منه عبر شيطنة الثورات وتلطيخها بالدم ووضعها في سياق المؤامرة الخارجية الهادفة التي تستهدف وحدة الدول العربية واستقرارها.

أسقطت ثورة كانون الثاني/ يناير فكرة التوريث السياسي، كما االنظام الملكي المقنع بقناع جمهوري، أما انتفاضة 30 حزيران/ يونيو المليونية، فلم تأت بغرض العودة إلى الماضي أو بهدف نسف مكاسب ثورة كانون الثاني/ يناير، وإنما للحفاظ عليها والتأكيد على فكرة الدولة المدنية الديموقراطية كبديل للنظام الأحادي الاستبدادي ورفض أي استبداد آخر فكري أو حزبي ما يعني أن لا مجال لبقاء نظام الأسد في العالم العربي الجديد، لأن التأسيس لنظام عربي مدني ديموقراطي عادل في القاهرة يعني حكماً يصبح استنساخه في العالم العربي مسألة وقت فقط تماماً، كما كان الأمر مع انقلاب 1952، وبالتالي فلا مجال للشك أن لا مكان لنظام الأسد في العالم العربي الجديد الذي ظهر أول ملامحه مع ثورة كانون الثاني/ يناير، ثم تبدى بشكل أكثر وضوحاً مع انتفاضة حزيران.

الاستنتاج الآخر من انتفاضة حزيران والذي يثبت أن احتفال جماعة الأسد ليس في محله، يتعلق بالمواقف العربية من عزل مرسي وتجاوز الموقف الأمريكي المتلعثم والمرتبك من التطورات المصرية، علماً أن الأمر نفسه يمكن قوله أيضاً عن المقاربة الأمريكية للثورة السورية.

وضعت إدارة أوباما ما يشبه المحددات تجاه التطورات في مصر وتحديداً منذ وصول الرئيس محمد مرسي للسلطة العام الماضي، وتضمنت تلك المحددات الحفاظ على الاستقرار العام في مصر، وعدم تحولها إلى دولة فاشلة وضمان استمرار معاهدة السلام مع إسرائيل والحفاظ على الاستقرار والهدوء على الحدود بين البلدين، وكل ذلك على قاعدة الانفتاح والتعاون مع الإخوان المسلمين في سياق مواجهة أوسع مع التنظيمات الإسلامية السلفية االجهادية، مثل تنظيم القاعدة والأطر الأخرى المتفرعة عنه أو المتساوقة معه فكرياً.

بناء على تلك المحددات تعاطت الإدارة الأمريكية مع التطورات العاصفة في القاهرة، وهي لم تر ضرراً في بقاء الرئيس مرسي ونظامه، طالما أنه لم يكسر الخطوط الحمر، وهددت باتخاذ إجراءات عقابية رداً على عزله بحجة الالتزام بالقوانين الأمريكية، التي تمنع تقديم أي نوع من المساعدات أو الحماية لمن ينقلب على نظام ديموقراطي منتخب، وعلى طريقتها حاولت الهروب من المأزق بتلافي أي تعريف محدد لعزل مرسي سواء أكان ذلك انقلاباً عسكرياً أو تدخلاً منطقياً من الجيش لدعم حركة شعبية واسعة، كما لمنع حرب أهلية بين أنصار الرئيس المعزول ومعارضيه، ما قد يحول مصر فعلاً إلى دولة فاشلة، وهو ما تخشاه واشنطن حفاظاً على مصالحها القومية التي تمثل الأساس لموقفها من التطورات والأحداث العاصفة في المنطقة.

هذا الموقف الأمريكي المتلعثم والمرتبك والإحجام، ولو المرحلي عن تقديم الحماية السياسية والاقتصادية للنظام المصري الجديد دفعت دولاً عربية عدة إلى أخذ زمام المبادرة وتقديم الحماية السياسية والاقتصادية اللازمة والضرورية للقاهرة، وتجاوز أو حتى عدم المبالاة بالموقف الأمريكي الذي لا يأخذ بعين الاعتبار إلا المصالح الأمريكية وبغض النظر عن مصالح المنطقة وأهلها.

أمر مماثل يمكن توقّعه في السياق السوري، أيضاً لجهة تجاوز المحددات أو اللاءات الانعزالية الأمريكية التي طرحها الرئيس الأمريكي ببرود في مقابلته التلفزيونية الشهيرة مع قناة سي بي أس - الاثنين 15 حزيران/ يونيو - والتي لا تهتم بإحراق الأسد سورية أو حتى للمنطقة كلها، طالما أنه ذلك لا ينال من المصالح القومية الأمريكية أو يؤثر بشكل مباشر وسلبي على أمن إسرائيل واستقرارها، كما أن واشنطن ترفض ممارسة أي ضغوط فعلية، وحتى تقديم تنازلات جدية لموسكو لإقناعها بالضغط على حليفها السوري من أجل التنفيذ الأمين الدقيق والعادل لإعلان جنيف لجهة إجراء انتقال سلمي وجدي للسلطة، عبر تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات ما يعني ليس فقط نهاية نظام الأسد وإنما نهاية المأساة التي تعيشها سورية منذ عامين ونصف تقريباً.

التجاوز العربي المبادر والجريء للموقف الأمريكى على قاعدة وقف المعادلة المجنونة القائلة الأسد أو نحرق سورية والمنطقة، وتقديم دعم عملي وملموس للمعارضة السورية عبر قيادتها المدنية الديموقراطية وجناحها العسكري لإجبار الرئيس السوري على الاقتناع بتسليم السلطة، وإن لا أمل له بالنجاة حتى عبر الكيان الطائفي والممر الآمن من دمشق إلى الساحل مروراً بحمص، علماً أنه خيار انتحاري له ولنظامه وغير قابل للحياة على المديين المتوسط والبعيد.

عزل مرسي عبّر إذن عن المعطيات الفكرية والسياسية السابقة مجتمعة ما يعنى أن سقوط الأسد هو حتمي وأكيد ومسألة وقت فقط، علماً أن هذا حدث نظرياً منذ يوم 15 آذار، عندما كسر الشعب السوري حاجز الخوف وحطم جدار الصمت، وربما منذ يوم 25 كانون الثاني/ يناير عندما أسقط الشعب المصري فكرة التوريث السياسي ولو بأثر رجعي ليس في مصر، وإنما في المنطقة العربية التي تأخذ تاريخياً صورتها وهو ما تبدى بصورة لا تقبل أي شك في العقود الستة الأخيرة.

() كاتب فلسطيني

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : نحمل الائتلاف الوطني وهيئة الأركان المشتركة المسئولية الكاملة عن جريمة الإبادة في قرى الغوطة الشرقية

22.08.2013

زهير سالم

أيها العابثون في دمائنا ، أيها المتربعون على جماجمنا ، أيها المتصدرون المتنافسون العابثون أنتم المسئولون الحقيقيون عن كل ما ينزل بنا أو يقع علينا. أنتم ظل المجرم ومكمله ومتتمه وخطه الموازي ، أنتم الذين ما زلتم على مدى ثلاثين شهرا تعبثون وتسكرون وتنتشون ..

 

ويعقوب من أجل يوسف واحد ابيضت عيناه فماذا يفعل شعب فقد في لحظة واحدة أكثر من ألف يوسف ؟!

 

 لمن نتوجه ؟! ولمن نشكو ؟! هل ستنفعنا الإدانات والنداءات هل سينفعنا الاستنكار والتنديد ؟! نعتقد أن زمن الكلام قد ولى . وأن الجريمة ستظل متعلقة في رقاب من نفذها ومن مررها بعجزه أو بتشاغله أو بصمته أو باستهانته بدماء الأبرياء .

 

لا ينبغي لأي منا أن يعود كالأحمق للحديث عن المجتمع الدولي وعن بان كيمون وعن خطوط أوباما الحمر وعن مهمة الخبراء الدوليين . السؤال الذي سيظل يلاحق قيادات المعارضة والائتلاف وهيئة الأركان أين كان هؤلاء من سيناريو هذا الصباح الأغبر ؟! ولماذا لم تكن لهم خطوطهم الحمر بدل البكاء على خطوط أوباما الحمراء ...

 

إن كل الذين سكتوا عن الظلم ، وكل الذين سكتوا عن العجز ، وكل الذين تماهوا مع مشروع تقاذف المسئولية هم شركاء في كل هذا وحاملو إثمه ...

 

إن آخر ما كان يفكر فيه الجربا وفريقه هو إصدار بيان يتوجهون فيه إلى مجلس الأمن يطالبونه بطرد الغرباء عن الأرض السورية ...!!!!!

 

وآخر ما قرأته قبل سماع نبأ المجزرة بيان باسم هيئة الأركان يعلن تأييده للانقلاب في مصر ويبدئ ويعيد ..

 

وآخر ملتقى عام للمعارضة السورية كان تصور بعض السكارى – ثلاث مائة أكاديمي ومثقف – لغدهم المتعالي ..

 

لا أحد يريد أن يفكر في اليوم لأن التفكير في اليوم مرهق . وهو مثير لأعصابهم المرهفة . هم وفروا الوقت والجهد ليضعوا كل السنياريوهات المحتملة ليوم سعدهم ، يوم سيكونون على قمة الدولة وعلى ظهر الشعب المسكين . لم يفكروا للحظة واحدة بمأساة هذا الشعب وبمحنة هذا الشعب وباحتمال أن يطلع علينا مثل هذا الصباح المظلم فنرى أرض سورية موشاة بجثامين الأطفال ..

 

مرة أخرى لا كلام يقال ..

ولا إدانة ولا استنكار ولا نداء ...

هذا مصيرنا وهذا قدرنا وعلينا أن نواجه الموت بالموت ..

ولاشيء أمام رهبة المشهد وعنفه ووحشيته يقال ..

لندن : 14 / شوال / 1434

21 / 8 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مصر وسورية .. بين مخالب إعلام إسرائيل والإعلام العميل !

 خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية

الاثنين 19/8/2013

لأننا متأكدون تماماً أن إسرائيل هي الخنجر المسموم في قلب الدول العربية والإسلامية فإننا متفهمون أن الصهاينة لا يعملون وحدهم ولولا اعتمادهم على حبل من الناس وعلى رأسهم الأمريكان المتزعمون للغرب الداعم المباشر لهم ومن جملة أذيالهم بعض الدول العربية والإسلامية فإننا نستطيع من دون صعوبة أن نقول: لقد دهشت إسرائيل بقيام الثورات العربية على الحكام الفاسدين المستبدين الذين ربتهم ودللتهم وذللتهم لطاعة المحتل طاعة عمياء وإن رفعوا في الظاهر شعارات ضد هذا المحتل فقد فضحتها هذه الثورات وهي إذ كشفت أوجهها القبيحة منذ زمن إلا أنها في هذه الأوقات أبانت عوراتها العفنة بعد أن هتكت عنها ورقة التوت السوداء مصممة ألا تجعل لها حركة عودة في نهضات اللاعودة بعد كل هذه الآلام والمذابح ومؤسسات القمع التي حكمتها ولما كانت إسرائيل هي المحتلة وعبيدها هم المستبدون وعرفنا كيف أن المستبد قد ظهر أشد خطراً من المحتل من فرط الطاعة والتبعية الدنيئة إمعانا في القهر والحفاظ على الكرسي كيلا ينقلب عليه إذا عصى فإن المعلم الذي عرف كيف يضرب ضربته أفهم الطالب المتميز أن أي بقاء لهما معا لا يمكن أن يستمر دون استخدام الإعلام الهدام فقد حرصا على الإتقان الشديد لغزو الشعوب بهذه السياسة الخادعة لتقلب بضخها الإعلامي السيئ الحق باطلا والباطل حقا وتحقق مآربها الخبيثة والدليل على ذلك ما جرى في مصر خلال ثورة 25 يناير وبعدها وما يجري اليوم وما جرى في سورية في هذا الإطار وما زال جاريا فإسرائيل التي دعمت الأسدين الأب والابن صرحت أكثر من مرة أنها تعمل الآن على إبقاء بشار ونظامه لأنها تخشى سقوطه الذي سوف يزعزع أمنها في الإقليم الشمالي ويؤدي إلى انهيار الهدوء على جبهة الجولان خصوصا إذا كان الإسلاميون هم البديل، كتب هذا الكاتب الإسرائيلي عنار شيلو كما في هآرتس في العشرين من يناير الأسبق ورأى رئيس الموساد الإسرائيلي السابق أفرايم هليفي أن سقوط الأسد كارثة على إسرائيل ورأى رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية أفيف كوخابي أن رواية نظام الأسد إعلاميا هي التي تقول الحقيقة عندما يتحدث عن عصابات تهاجم قوات الجيش وكم صرح نتنياهو بخوفه من سقوط نظام الأسد لأن ذلك يشكل تحديا لإسرائيل وأن المستوطنات إنما توسعت بفضل الأسد وهو ما ذكرته جانين زكريا مراسلة الواشنطن بوست في إسرائيل عبر مقال " إسرائيل تفضل بقاء الأسد " ولتناغم السيد في تل أبيب مع العبد في دمشق فقد صرح ابن خالته رامي مخلوف أنه إذا لم يكن استقرار في سورية فلن يكون استقرار في إسرائيل ولذا فإن اللوبي الصهيوني في أمريكا والغرب بل وروسيا وإسرائيل يدعمون الاتجاه الذاهب في عدم إسقاط نظام الأسد الإرهابي ضد أي نظام جديد ديمقراطي. ولأن اللعبة محكمة تقرأ الماضي والحاضر وتستشرف المستقبل فإن صحيفة " لوفيجارو " الفرنسية نشرت بتاريخ 28-7-2011 أي منذ بداية الثورة وحالتها السلمية أن إسرائيل طلبت رسميا من حلفائها وقف الحملة ضد سورية الأسد رغم أن دولا عديدة لم تعد قادرة على التمسك به بعد ما كان منه من مذابح للشعب السوري، وطبعا فإن هذا قبل عسكرة الثورة مضطرة ولكن مشكلة إسرائيل وحلفائها أنهم لم يروا المشهد على حقيقته أو رأوا ولكنهم يتماهون مع روايات اللانظام السوري وينسون أن الثوار الذين جابهوا وصبروا وما زالوا على امتداد الأرض السورية طولا وعرضا قدموا جميع الأدلة أنهم منتصرون وما على الأسد المجرم وحليفه البائس إلا الرحيل قلبا وقالبا.

أما إذا شئنا أن ننظر إلى مصر العروبة والإسلام والتي تعتبر العمود الفقري للبلاد العربية حقا فإن إسرائيل قد دعمت نظام مبارك إعلاميا دعما لا حدود له واعتبرت أنه الصديق الودود، وأنا أقول إنه كان شريكا وحليفا لا مجرد صديق ويكفي ما أذل به المصريين عموما من أجل إرضاء إسرائيل ويكفي كم أذاق قطاع غزة الويلات سياسيا واقتصاديا حيث أجاع أهله ووقف ضد النساء والأطفال وأغلق المعابر خنقا وسحقا مما يطول شرحه حتى أذاقه الله البأس فكانت ثورة 25 يناير التي أطاحت بالمستبد اللص المجرم وسقته من كأس الذل نفسها التي أذاقها شعبه وكل شاة برجلها ستناط كما يقول المثل ولقد كان الإعلام المصري المنحاز لمبارك قبل ذلك يذود عنه ويؤكد شرعيته شرعية قوة الطغيان لا قوة الحق واستعمل كل تحريض ضد الثوار ودافع حاكم إحدى الدول العربية الكبرى عن المخلوع وصرح بأنه سيدعمه إلى آخر رمق ووجه إعلامه للسيرورة في هذه الاتجاه تقوية للإعلام المصري الذي عمد إلى التضليل والتقليل من جهد الثورة بل شوهها حتى قال الخبير الإعلامي المتميز ياسر عبدالعزيز: إن وسائل الإعلام المصرية المملوكة للدولة لم تكن على مستوى الحدث خلال أحداث يناير مطالبا بالتغيير الجذري في المنظومة الإعلامية ونشر الحقائق التي قوامها المصداقية والموضوعية لتنمية الوعي المجتمعي والإعلام التربوي الباني لأي دولة تريد النهوض وأن الاستبداد والقمع والقتل والسحل حتى للنساء والأطفال لا يحاصر الأحرار فالأفكار إنما تواجه بالأفكار فقط ولن يرمي الدم أصحابها في اليم ولما أسقطت الثورة المصرية هبل القاهرة صرح رئيس وزراء العدو نتنياهو أنه حزين أشد الحزن لفقدان صديق ودود للحكومة والشعب الإسرائيليين ولما تسلم الرئيس الشرعي المنتخب الدكتور محمد مرسي كانت لهم تصريحات واضحة بعداوتهم لأنهم كانوا يخرجون شريطا مسجلا له قبل تسلمه الرئاسة يحرض على بني صهيون ومقاومتهم وقد علق على ذلك بفرح أحد أكبر مستشاري الأمن القومي الإسرائيلي إيلعيزر بكل وقاحة وكذب: أن الشعب المصري شعب يحب الغناء والرقص والطرب وأن مرسي يريد أن يعيده أربعمائة سنة إلى الوراء ونسي أن هذا الشعب شعب الجد والثورة والتدين ولكن لأنه فارغ فإنه لا ينظر إلا إلى القسم الفارغ من الكأس ثم صدرت التصريحات الإعلامية الإسرائيلية كما العربية العميلة تدعم السيسي لنعرف الحقيقة أن معظم الإعلام العالمي قد انحاز إلى الحق بموضوعية مع الشرعية إلا مثل هؤلاء الذين كشفت حقيقتهم بإعلامهم المجرم والذي يظهر معه أن الحكام الطغاة وعلماءهم المنافقين مع الباطل ضد الحق ومع الظلم ضد العدل وأنهم والصهاينة وجهان لعملة واحدة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مأساة الشعب السوري

حسين العودات

البيان

الاثنين 19/8/2013

لم يبق للشعب السوري سوى مهمة واحدة وحيدة، هي دفع ثمن الحرب في بلاده من دمائه وماله وكرامته وتدمير مساكنه ومزارعه، وقطع سبل عيشه، وتركه تحت مطرقة النظام السياسي، والجماعات المسلحة، وعصابات الخطف والسرقة من جهة، والوعود الخلّبية والخيالية للمعارضة السورية الداخلية والخارجية وحلفائها ومموليها وأتباع مموليها من جهة ثانية.

وأكاذيب وخداع وأطماع القوى الكبرى الإقليمية والدولية، منفردة أو مجتمعة في منظمات من جهة ثالثة، وما زال الشعب السوري ينتظر حلاً ويتلقى "وعود عرقوب" من جميع الأطراف، ويدفع ويدفع دون أن يرى بصيص ضوء في آخر النفق سوى هذه الوعود، مع بعض الأكاذيب والتمنيات التي لم تسمن ولم تغن من جوع ولن تفعل أبداً.

وعجيب أمر السلطة السورية، فهي التي دمرت مساكن ومنشآت ومعامل الشعب السوري وبنيته التحتية، فكانت تقصف قرية أو بلدة قصفاً لا رحمة فيه للاشتباه بوجود مسلح في هذه البلدات، بحجة مقاومة الإرهاب، وكأن جميع سكانها رجالاً ونساءً وأطفالاً مسلحون! وهكذا تشرد حوالي سبعة أو ثمانية ملايين سوري من بيوتهم، منهم أكثر من مليونين ونصف لجؤوا إلى دول الجوار، ومئات الألوف توجهوا إلى أصقاع العالم المختلفة.

وهؤلاء يلاقون من مضيفيهم عجرفة واحتقاراً وتعذيباً، ويجعلونهم محطاً لابتزاز من كل الأنواع، ويصادرون مخصصاتهم التي تقدمها المنظمات الدولية، ولا يصلهم من الجمل "سوى أذنه"، و النظام السوري، الذي يعرف هذا كله، لم يخطر له ـ مجرد خاطر ـ أن يجد حلاً لمآسي شعبه، أو يشعر أن هذا شعبه من جهة، وأنه هو الذي سبب له هذه المآسي من جهة أخرى، وأنه مسؤول عنه قانونياً وأخلاقياً من جهة ثالثة.

ولم يخطر للسلطة أن ترسل وفداً من منظمات المجتمع المدني أو الهلال الأحمر السوري، أو حتى من الجمعيات الخيرية السورية، ليزور هؤلاء النازحين ويدرس أحوالهم ويطلع على ظروفهم، فهؤلاء النازحون هم شعبها، وليسوا من حملة السلاح أو المحاربين، ومعظمهم نساء وأطفال، وها هي تتفرج على مآسيهم دون أن تتصل بدول اللجوء وتنسق معها.

وفي الداخل أيضاً، تترك السلطة الحبل على الغارب في ما يتعلق بهؤلاء النازحين، يفترشون الحدائق والطرقات أحياناً، أو يعيشون أكداساً عند أقربائهم أو في غرف مستأجرة ما زال بعضها قيد البناء، دون أن تهتم هذه السلطة بإقامة مخيمات داخلية لهم، وتقديم المساعدات والخدمات، وإيجاد السبل الكافية لئلا يجوعوا وليتعلم أولادهم، .

وربما لا يكلف كل هذا جزءاً مما تكلفه الحرب والقنابل والأسلحة وتعطيل العجلة الاقتصادية، والأنكى أن بعض عناصر الأمن تبتز هؤلاء بمختلف طرق الابتزاز، ويستغلهم جميع من يتعامل معهم، من البقال إلى التاجر إلى مالك المسكن إلى سائق التاكسي، إلى كل من يتنفس الهواء.

ومن طرف آخر، عجيب أمر المعارضة السورية الداخلية والخارجية، التي امتهن معظم قادتها الثرثرة واللغو وإطلاق التهديد ضد النظام والوعود الكاذبة تجاه الشعب، ويتصرف الجميع متواطئين مع أنفسهم على أنفسهم، فهم يعلمون علم اليقين أن ليس لهم بأمر حل الأزمة حيلة، ومع ذلك يجتمعون وينتخبون، ويزورون دول العالم ويهددون ويتوعدون ويوعدون، وهم موقنون أن لا أهمية لمواقفهم.

ويعرفون الحقائق كلها، ولكن لم يخطر لأي منهم أن يكشف المستور ويقول الحقيقة، جهلاً أو تعصباً أو خوفاً من انقطاع الجعالة أو احتقاراً للشعب، أو دون أن يزور أحد منهم المناطق المحررة ويلتقي بالشعب والمقاتلين، ودون أن يفتح أي من منظمات المعارضة مكتباً في هذه المناطق من غرفة واحدة وموظف واحد، توضع عليه لافتة أكبر منه باسم منظمة المعارضة المعنية، وتركت المعارضة شعبها ليذهب إلى الجحيم.. ألا يكفيه سيل التصريحات العنترية التي تطلقها المعارضة؟

ولكن ليس عجيباً موقف الدول الكبرى، أعني الإدارة الأميركية وروسيا وبعض قادة الاتحاد الأوروبي، هؤلاء الذين يعرفون بدقة مأساة الشعب السوري ومصيبته وآلامه وحاضره المر ومستقبله الأكثر مرارة، والمخاطر المترتبة على الأزمة السورية، ويستمرون في الجدال حول "جنس الملائكة".

وكل منهم يبتغي تأمين مصالحه من خلال مساومته على حل الأزمة السورية، التي لا تأخذ من اجتماعاتهم سوى بضع دقائق، أمام القضايا الكبرى التي يهتمون بها ويناقشونها. فالروس يريدون مقايضة عدم وضع الصواريخ الأميركية في بولونيا، ورفض دخول جورجيا حلف شمال الأطلسي.

وضمان مصالحهم في سوريا والمنطقة. والأميركان يتمهلون ليتم التدمير الكلي لسوريا، أعني تدمير إدارة الدولة ومؤسساتها والقطاع العام والقواعد العسكرية والصواريخ وتخريب النسيج الاجتماعي السوري.

وبعدها فقط سوف يعملون للحل بعد أن توافق إسرائيل. والأوروبيون يعملون على إبعاد المتطرفين وعنفهم وتهديدهم للسلام الاجتماعي في بلادهم. وبعد أن تتحقق مصالح هذه الدول يمكن أن تُحل الأزمة السورية، فكل يغني على ليلاه، ولا أحد بغني على ليل الشعب السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل بدأ توحيد الجيش الحر؟

فايز ساره

المستقبل

الثلاثاء 20/8/2013

يصنف الجيش السوري الحر بين اهم ظواهر الثورة في سوريا، وهو الموازي المباشر والمسلح للحراك الشعبي الواسع الذي اطلقه السوريون مع بداية الثورة، شاملاً حركة تظاهر واحتجاج، واشكال من التضامن والتآزر في مواجهة النظام وسعياً من اجل تغييره واقامة نظام ديمقراطي بديل. بل ان الجيش السوري الحر ولد في اطار ذلك الحراك ومن اجل الدفاع عن حركة التظاهر والاحتجاج وعن حواضنها الاجتماعية.

ورغم الخلفية الموحدة في نشأة الجيش الحر من حيث تكوينه من ثوار مدنيين وعسكريين منشقين، ومن حيث اهدافه الاساسية في الدفاع عن الشعب وحماية المتظاهرين، فقد ظهرت تشكيلاته منفصلة عن بعضها بعضاً لا يجمعها سوى الاسم، وفشلت محاولات عديدة في دمج وتوحيد تلك التشكيلات في كيان تنظيمي واحد وتحت قيادة واحدة،لكنها لم تغلق الباب، حيث بقي شعار وحدة الجيش الحر بين اهم الشعارات المرفوعة في صفوف السوريين الراغبين في انتصار الثورة.

ان اسباباً كثيرة ادت الى فشل محاولات توحيد الجيش الحر، وتأخير انجاز هذا الهدف، ولعل ابرز الاسباب السياسية، يكمن في غياب مركز قيادي فاعل ونشط للمعارضة السورية، يمكن ان يشكل حاضنة ومرجعية سياسية ولوجستية للجيش الحر، كما ان بين الاسباب وجود تدخلات اقليمية ودولية، ساهمت في تكريس وجود تشكيلات منفصلة، وان كانت تنتمي علنا الى الجيش الحر، فان ذلك الانتماء لم يتجاوز حد القول، اذ هي تشكيلات محلية الطابع.

ولم تتمخض تلك الاسباب عن فشل عملية توحيد الجيش الحر تعقيد محاولات توحيده، فقط، بل شجعت اضافة الى البيئة العامة في البلاد- على ولادة مزيد من التشكيلات المسلحة في البلاد، شاركت في اقامتها اطراف داخل المعارضة وخارجها من خلال تأسيس تشكيلات مسلحة تتبع لها على نحو ما فعلت جماعة الاخوان المسلمين في انشاء مجموعة من التشكيلات العسكرية، وكذلك قيام الاتحاد الديموقراطي الكردي (PAD) بانشاء وحدات الحماية الشعبية، فيما قامت جماعات اسلامية متشددة بانشاء تنظيمات عسكرية مثل جبهة النصرة ودولة العراق والشام وثيقتي الصلة بتنظيم القاعدة، وقد شجعت تلك التطورات مع تسلل المال السياسي الى ايدي جماعات محلية وشخصيات على تأسيس تشكيلات عسكرية التبست تسمياتها كما التبست روابطها، وقد تحول بعضها الى ادوات في ايدي امراء الحرب في أكثر من منطقة سورية.

غير انه وفي ظل التطورات السياسية - العسكرية والامنية التي دخلتها البلاد، وابرز ملامحها دخول الصراع بين النظام والمعارضة حيز المراوحة بالمكان، دون ان يستطيع احدهما تحقيق انتصار على الاخر، مع استمرار عمليات القتل والدمار التي يتابعها النظام ضد السوريين، وفي ظل بروز وتنامي قوة تشكيلات مسلحة لها مشاريع تتصادم مع المشروع العام للجيش الحر في حماية المناطق المدنية واسقاط النظام، ومنها كان مشروع الجماعات الاسلامية المتشددة في اقامة دولة اسلامية، ومشروع الاتحاد الديمقراطي الكردي (PAD) في تشكيل ملامح لكيان كردي في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية، مما فجر صراعات دموية بين اطراف متعددة، بينها صراعات بين تشكيلات جماعات التشدد الاسلامي وقوات الحماية الشعبية وتشكيلات الجيش مما وضع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام على حافة الحرب الاهلية، الامر الذي بات يتطلب اقامة قوة عسكرية موحدة لها تغطية وطنية عامة، يمكن ان تتشكل حول هيئة الاركان للجيش السوري الحر، ويمكن للتشكيلات المنتسبة للجيش الحر والقريبة منه، ان تشكل الهيكل الاساسي للجيش الموحد التابع عسكرياً لهيئة الاركان، التي تشكل مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة حاضنة ومرجعية سياسية ولوجستية للجيش الحر.

ان ضرورات توحيد الجيش الحر، لا تتصل بطبيعة الصراع العسكري بين النظام والمعارضة، وهو صراع يبدو في احتمالاته متسع في الاماكن وممتد من الناحية الزمنية، مما يتطلب تحشيد وتنظيم قوى المعارضة العسكرية ووضعها تحت قيادة مسؤولة لها برامج تسليح وتدريب وامداد ودعم مشتركة، تكون قادرة على مواجهة التهديدات التي تمثلها قوات النظام.

وتتجاوز ضرورات توحيد الجيش الحر موضوع الصراع بين النظام والمعارضة الى موضوع آخر وهو حماية الكيان الوطني والمشروع الوطني للسوريين الذي ينبغي ان يركز على ان سوريا دولة لكل مواطنيها بغض النظر عن تنوعهم الديني والقومي والطائفي والمناطقي، وهو تنوع ينبغي حمايته في اطار الدولة الوطنية، وليس على حسابها، والحاضن الرئيس لمثل هذا المشروع هو الجيش الحر الذي تأسس اساساً على قاعدة حماية الشعب من عدوان النظام وادواته، وهو المؤهل للعب دور الموحد والحامي للكيان الوطني من ان يقع اسير تطرف ديني او قومي او طائفي، بحيث يمنع انقسام سوريا الى كيانات متصارعة، ويمنع ايضاً اقامة دولة اسلامية متشددة على نحو ما ترسم القاعدة واخواتها من جبهة النصرة ودولة العراق والشام، او لجهة نواة لكيان كردي في الشمال والشمال الشرقي.

كما ان بين ضرورات توحيد الجيش الحر، تأمين المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بما يعني ذلك من وقف الصدامات بين التشكيلات المسلحة على نحو ماحدث في محافظات عدة في الاشهر الاخيرة، والتي كلفت السوريين فواتير من الدم والدمار اضافة الى تلك الفواتير الناتجة عن عدون النظام على تلك المحافظات، التي باتت بحاجة الى ضبط امني يوفر ارواح وممتلكات السوريين الخاصة والعامة.

ان ضرورات توحيد الجيش الحر كثيرة، والحاجة الى خطوات عملية في هذا الاتجاه تبدو متزايدة وملحة، وقد يكون ذلك بين الاسباب التي دفعت الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الى التحرك مع قيادة اركان الجيش الحر في هذا الاتجاه، وهو تحرك قد تكون نواته الصلبة تشكيل قوة اساسية، تضم نحو ستة آلاف عسكري محترف بمثابة الخطوة الاولى التي تبدأ منها عملية توحيد الجيش الحر الذي سيكون نواة جيش سوريا بعد سقوط النظام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عقدتا السياسة الأميركية في المنطقة

أكرم البني *

الحياة

الثلاثاء 20/8/2013

تشعر كأنك في متاهة عند قراءة السياسة الأميركية من أحداث المنطقة وثورات «الربيع العربي»، فثمة تباينات شديدة في مواقفها تجاه أحداث متشابهة نسبياً، كحالتي سورية ومصر مثلاً، وهناك سهولة وعدم اكتراث في الانتقال من صمت مريب، الى تصريحات نارية مهددة، ثم الى اخرى هادئة ومتفهمة، من غير ايضاح الأسباب ومن دون اعتبار للقيمة الكبيرة والمؤثرة لهذه السياسة، سلبية أكانت أم إيجابية، في الأحداث الجارية، ودورها الهام وأحياناً الحاسم، كقوة عظمى، في حفز ديناميكية العلاقة بين التطورات الداخلية والعوامل الخارجية.

والحال، ما كان المشهد السوري ليبقى على ما هو عليه لو كان الموقف الأميركي مغايراً، وما كانت ثورات تونس ومصر واليمن وليبيا تصل إلى ما وصلت اليه إن أهملنا الدور الأميركي، وتالياً لا يمكن قراءة المشهد المصري الراهن وآفاق تطوره في معزل عن تصريحات البيت الأبيض.

يصيب من يرجع حالة سياسة واشنطن اليوم إلى إعادة ترتيب الأولويات وتراجع الاهتمام الذي كانت تحظى به منطقة الشرق الأوسط لمصلحة التركيز على معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الداخلية وعلى مواجهة التنين الصيني وتعزيز النفوذ والمواقع في شرق آسيا لمحاصرته، ويصيب من يرجعها إلى رد فعل ارتكاسي على سياسة سابقة اتسمت بنزعة تدخلية وهجومية، وانتقالها من عارضة تطرف إلى عارضة أخرى، مغلفة ذلك، مرة بما يسمى القيادة من الخلف أو من وراء الستار، ومرة بجدوى استخدام القوة الناعمة والضغط المرن من دون ان يصل إلى تورط يكبّد واشنطن بعض الجهد والتكلفة.

وإلى جانب ما سبق، هناك عقدتان عميقتان لا تزالان تتحكمان في السياسة الأميركية ويصعب إلى حين التخلص منهما أو تجاوزهما.

العقدة الأولى هي الارهاب الاسلاموي، وتبلورت بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ومنذئذٍ حضرت بقوة مهمة محاربة التطرف والإرهاب في جل المواقف الأميركية التي تتعلق بالأحداث والصراعات الجارية في البلدان ذات الغالبية الاسلامية.

في الماضي، شجعت عقدة الارهاب سياسة أميركية تدعو الى أولوية دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية ونشر الديموقراطية وقيم حقوق الإنسان في بلدان المنطقة لسحب البساط من تحت أقدام قوى التطرف الاسلاموي التي تعتاش عادة على مخلفات القهر والفقر والتخلف، وشهدنا مرحلة رفعت فيها واشنطن الغطاء عن الأنظمة الديكتاتورية والمستبدة ولم يعد يعنيها الاستقرار الذي يفرض بالقوة بقدر ما يعنيها التغيير والإصلاحات السياسية، لكن إخفاق هذا المسار بعد ما خلفته التجربة العراقية، وجّه الأنظار صوب الاسلام السياسي المعتدل كبديل أسهل وأقل تكلفة يمكنه محاصرة القوى المتطرفة وإضعافها.

لقد خلصت بعض مراكز صنع القرار الأميركي إلى وجود علاقة قوية بين نمو الارهاب وبين غياب الأنظمة الإسلامية، وأدخلت في حساباتها النتائج التي تكرست بعد سقوط الخلافة العثمانية، ثم الدور الموضوعي لوصول حكومة إسلامية إلى السلطة في تركية، في محاصرة القوى الجهادية التي عادة ما تنمو وتترعرع تحت عباءة الاسلام السياسي نفسه، ووأد فرص تطورها. ويبدو ان هذه الخلاصة لم تعر الاهتمام لحقيقة تزامن صعود التطرف مع انتصار الثورة الاسلامية في إيران، وما رشح من معلومات عن تواصل ملغوم بين أجهزة أمنية ايرانية وبعض قادة وكوادر القاعدة والتيارات الجهادية في أفغانستان والبلدان العربية.

وبالنتيجة، فتح البيت الأبيض صلات متنوعة مع التيارات السياسية الاسلامية ومدّها بالدعم المعنوي وأحياناً المادي، بما في ذلك تسهيل وصولها إلى السلطة، وتعميق خياراتها الاقتصادية المشابهة لخياراته، في دعم الاقتصاد الحر والالتزام بالخطوط العريضة للنظام الرأسمالي، وتشجيعها على بناء سياسات إقليمية وعالمية تنسجم مع سياساته، كدورها في تهدئة حركة حماس، والتعويل على ذلك في وأد التطرف وتجفيف منابع الارهاب، الأمر الذي ينسحب على موقف واشنطن من الأحداث الاخيرة في مصر، وإصرارها على دعم «الشرعية» والظهور بمظهر المدافع عن حكم الاسلاميين هناك، والذي لا يتناسب بل يتناقض مع موقفها من تطور الأوضاع في سورية، بخاصة لجهة حماستها في ما تدعيه عن دعم الديموقراطية وحقوق الإنسان.

وهنا، يسأل العقل البراغماتي: أليس الغرض من ذلك هو اتقاء شر الجماعات الجهادية خصوصاً والإسلام السياسي عموماً وتمييع ردود أفـعالهم وقـدرتهم عـلى التعبـئـة ضد أميركا، التي خبـرت جيـداً قوة الترابط العقائدي بين هذه الجماعات على اختلاف اساليبها في المنطقة والعـالم، وتـتـوقـع عودة نشاطاتها بعد ان تـلتقـط أنـفـاسها مـن تداعيات الحدث المصري، والتي تدرك أن التنظيمات السياسية التي تستمد من العقائد الدينية والنزعات الايمانية قيمها وقوتها تمتــلك تماسكاً خـاصـاً يصعب تـفكيـكه بسهولة.

العقدة الثانية هي إسرائيل وضرورة الحفاظ على تفوق هذه الدولة وأمنها الاستراتيجي، ومن هذه القناة ننظر إلى الموقف الأميركي السلبي من الثورة السورية وتمرير إطالة أمد الصراع استناداً الى مصلحة تل أبيب في إشغال هذا البلد عنها بما يحل به من خراب وتفكك، وأيضاً الى المساندة السياسية المستمرة لإخوان مصر بما هي تشجيع على مواجهة السلطة وتسعير الصراع الداخلي عساه يذهب بمصر أيضاً مذهب الحرب الأهلية لإضعافها وتسهيل السيطرة عليها، بخاصة أن إسرائيل أدركت أن عقد معاهدات سلام مع بعض الأنظمة لم يحمها على المدى البعيد وأن الخيار الأجدى لضمان أمنها وتعزيز حضورها هو إضعاف جيرانها وإشغالهم بأزماتهم.

وهنا، يسأل العقل التآمري: ألا يمكن اعتبار السياسة الأميركية في المنطقة والتشجيع على قيام أنظمة إسلامية وتسعير الصراعات الطائفية والمذهبية، جزءاً من خطة إقليمية تخدم هدف إسرائيل العتيق في التحول إلى دولة دينية؟ أولا يصح إدراج المحاولات الأميركية لتحريك المفاوضات بين حكومة تل أبيب والسلطة الفلسطينية ضمن هذه الخانة، بخاصة مع ما يثار عن اشتراط الاعتراف بيهودية الدولة الاسرائيلية مقابل وقف بناء المستوطنات وتفكيك بعضها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اغتيال الحرية هدف العسكر والفساد

غسان مفلح

السياسة

الثلاثاء 20/8/2013

رغم أن الحق وحده لايكفي لانتصار القضايا العادلة, لكن يجب ألا تضيع البوصلة بين الحق ووسائل تحققه.

الثورة السورية كشفت حجم الزيف والتزييف الذي تختزنه وتمارسه الشريحة الفكرية والثقافية السورية. إضافة الى بعض تجمعات المعارضة.

هذا الزيف له عنوان واحد وهو اغتيال الحرية, واعلاء قيمة البسطار على قيمة الانسان. الحجة جاهزة وهي العلمانية والخوف من الاسلاميين. حتى اصبح المرء يميل إلى أن عشق البسطار العسكري لدى هؤلاء مرتبط بالايديولوجيات العسكريتارية التي نشأوا عليها وفيها, اضافة الى بيئاتهم الحاضنة عند بعضهم, عندما يتلفت مثقف ما حوله, ليجد غالبية اقربائه وجيرانه ومعارفه ينتمون للعسكر وظيفة ومصلحة وفسادا, هذا المثقف او الناشط لايستطيع ان يجمع حوله خمسة اشخاص, يرفعون شعار »اوقفوا القتل« مثلا! يصبح من قتل مدنيا سوريا بقرار من الطغمة العسكرية الفاسدة, ضحية وشهيدا ويجب الدفاع عن حواضنه الثقافية. هذه الحواضن تكون لدى هذا المثقف سورية وهي تقتل وتنهب و»تشبح«, وتصبح علوية عندما تتعرض لأي هجوم, والمدني الذي قتلوه يتحول جلادا هو وحواضنه الاجتماعية (غالبا هم سنة وهذا عامل موضوعي) ويجب ان يستمر البسطار العسكري حاكما وقاتلا وقامعا ومدمرا. سافترض طيب النوايا عندما يقول احدهم مبررا  »كل هؤلاء ضحايا الطغمة الحاكمة الجندي والمدني« وأنا أوافقه طبعا, لكن النتيجة التي يخرج فيها, أن هذه الطغمة يجب ان تستمر في حكم سورية!! كيف?

لانريد تكرار أن قضية الحرية في سورية, حاصرها المجتمع صحيح لو كانت المجتمعات غير مجتمعاتنا التي فعلا أنزل النظام الدولي ما بعد الاستعمار التقليدي, ونظام الحرب الباردة أنزل تلك الانظمة بالمظلة. الثورة كشفت هذه القضية واماطت اللثام عن قدرة القوى الفاعلة في النظام الدولي, في تغيير الانظمة أو بقائها. سورية وحماية الطغمة الحاكمة رغم ما فعلته وتفعله من جريمة لم يشهد التاريخ مثلها بحق شعبنا. والتجربة المصرية أيضا, وثورة إيران 2009 التي تركت وحدها حتى قمعت. لايمكن أن يستمر نظام سياسي من دون أن يكون للغرب عموما, مصلحة في استمراره واميركا خصوصا. هذا الموضوع لاعلاقة له بنظرية المؤامرة, بل له علاقة بموازين القوى الدولية والاقليمية, أميركا الآن على سبيل المثال من القوة بعكس اوهام بعض اليساريين واحلامهم, من القوة في المنطقة أن كل اعداؤها يتقاتلون. كما تراهم هي انهم اعداء. من يحمي بشار الاسد هو الولايات المتحدة لا جعجعة نصر الله ولا اسلحة روسيا ولا أموال طهران وحرسها الثوري. الغاية تدمير البلدان المحيطة بإسرائيل واعادتها إلى ما تحت خط الفقر السياسي والاقتصادي والثقافي والقانوني. من اللبننة إلى العرقنة إلى السورنة وأخيرا المصرنة الآن, هذا ما كتبته منذ لحظة الانقلاب الاولى. الحرية تخلق دولا قوية, لكن البسطار يخلق دولا فاسدة وفاشلة, النتيجة هي الاستمرار باغتيال الحرية في المنطقة. مشكلة الاخوان المسلمين في العالم العربي ومصر خصوصا, أنهم يحتمون بتركيا لكن لايقتدون بتجربتها الرائدة. لا وفوق ذلك يركضون خلف طهران.

بعضهم يحاول الاستفادة من وجود تنظيمات جهادية على الارض السورية كتنظيم دولة العراق والشام فرع ل¯ »القاعدة« (دعش) والاستفادة من بعض متشددي الصناعة الارهابية في العالم ليدفن معالم الجريمة الاصلية والمستمرة ضد شعبنا, التي تمارسها الطغمة الحاكمة, لكي يعود البسطار فوق رؤوس هؤلاء, ليس لأنه افضل من التشدد الاسلامي أبدا, بل لأن لهم مصلحة في ذلك سواء كانت مادية أو طائفية. يريدون أن تنسى الجريمة الاصلية وتدفن في ملفات الارهاب وقضايا أخرى.

كل التنظميات الملثمة ملثمة لأنها تعرف انها خارجة عن القانون, لو كان ثوريا لما تلثم, بل لأنه صنيعة الاستخبارات, لايوجد في العالم ارهاب قطاع خاص او ارهاب مجتمع اهلي, الارهاب يحتاج الى دول تموله, واجهزة استخبارات, وكانت الاستخبارات السورية تفتخر أنها تصنع الارهاب وتصدره لدول المنطقة, العراق 2009 عندما حاول المالكي تقديم شكوى بهذا الخصوص ضد الطغمة الاسدية واهملت الشكوى بضغط إيراني واميركي. مع ذلك لنلاحظ موقف قسم من المعارضة السورية, وقسم من اعضاء هيئة التنسيق تحديدا (أيام ما سمي المقاومة العراقية بين 2003 و2009 والتي كانت تتزعمها بقايا بعث صدام حسين وتنظيم القاعدة, كان بعض عتاة هيئة التنسيق هم محامي الدفاع الاول عن هذه المقاومة...وكلنا يتذكر ملف اعتقال خلية »القاعدة« في مدريد وتيسير علوني...من كان قائد الدفاع عنهم? ومن كان يدير حملة الدفاع هذه بالتنسيق مع قناة »الجزيرة« الآن اصبحوا ضد »القاعدة« ليس لأنها »قاعدة« كما يدعون, بل لأنهم يعتقدون أنها ضد النظام.

 المشكلة حتى ليس بوجود الارهاب, بل المهم اغتيال حرية شعبنا. كيف اصدق من كان يدافع عن الارهاب في العراق, يصبح ضده في سورية, مع أنه  التنظيم نفسه والاشخاص انفسهم حتى!

الارهاب في النهاية تنظميات خارجة عن القانون, مهما كبرت. بالامكان السيطرة عليه في الحرية.

اغتيال الحرية هو الذي يسمح للعسكر والفساد ان يستمرا.

 كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مخاطر غياب الدولة!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 21/8/2013

الدولة التي أعنيها هي دولة الثورة وليست دولة بيت الأسد، التي لم تكن دولة في أي يوم من أيام حكمها الأسود لسوريا. أعني دولة الثورة، الغائبة إلى الآن، مع أن غيابها يعني افتقار الشعب السوري إلى مؤسسات سيادية، ووجود نقص جوهري في كيانيته الخاصة والوطنية: الخاصة باعتباره حامل الدولة ومجسد شرعيتها، والوطنية بما هي تعبير شرعي عن واقع يكون الشعب مصدر السيادة فيه، وصاحب إرادة جامعة لا تقوم دولة من دونها، والبرهان ما نراه من لا دولة بيت الأسد، التي قامت بإلغاء الشعب وأية إرادة وطنية جامعة، وأحلت محلهما سيادة وإرادة عصابة مركزية عليا تفرعت إلى عصابات دنيا نشرتها في كل مكان، جسد وجودها حجم اختراق العصابة العليا للمجتمع، والمدى الذي بلغه تحكمها بمقدراته، وقدرتها على منعه من إقامة دولة شرعية هي دولته، التي لن تنجح ثورة في غيابها. والآن، والثورة تقضم منذ نيف وعامين عصابات الأسدية الدنيا وتلغي وجودها في منطقة بعد أخرى، وتقوض سلطة وقدرات العصابة العليا، يغدو قيام الدولة السورية أمرا حتميا يرتبط بإنجازه سقوط نظام العصابات.

ما الذي يجعل قيام الدولة ضروريا على صعيد تعبيراتها السياسية؟ ثمة ظواهر عديدة تفرض قيامها تتظاهر اليوم في حالين بارزتين:

- تمزق المعارضة وعجزها عن قيادة الحراك الثوري بإرادة موحدة تضبطه وتوجهه بفاعلية ونجاح نحو هدفه الرئيس: الحرية، مع ما يترتب على ذلك من خلافات مستشرية لا تني تتفاقم وتنتقل من فوق إلى تحت: من أحزاب وتشكيلات المعارضة الحزبية إلى الشارع الثائر، الذي تتحول خلافات وتناقضات المعارضة إلى خلافات وتناقضات خاصة به تعطل انتصاره، لكونها تحول دون توحيد إرادته ونضاله من أجل الحرية. يعني تمزق المعارضة بالضرورة عجزها عن تأدية دور إيجابي، متماسك وواضح، لصالح الشعب، وغيابها عن ساحة العمل الثوري العام، مع ما يترتب على ذلك من فراغ تقوم السلطة بملئه حسبما تريد، وبالإفادة منه كي تستعيد حضورها لدى فئات اجتماعية وقطاعات وطنية عارضتها عند بدء الثورة، لكن تمزق وضعف المعارضة أديا إلى زعزعة موقفها وجعلها حائرة حيال المآل النهائي للحراك الثوري، رغم أن خيارها كان الحرية ورغبتها في الديمقراطية كانت واضحة عند معظم من ينتمون إليها.

- بروز قوى معادية لفكرة الدولة ذاتها، ترفض مبدأ الحرية وتنشر قدرا من الفوضى يأخذ سوريا إلى خراب شامل هو نقيض ما يريده شعبها ويناضل من أجله. هذه القوى نشرت قدرا من الإرهاب في المناطق التي تنشط فيها أو تسيطر عليها دمر حياة سكانها، وكيف لا يدمرها إن كان بعضها قد قام بقطع أصابع شبان شوهدوا يدخنون السجائر، بذريعة أن التدخين حرام ومن الكبائر. وللعلم، فإن جهد هذه القوى ينصرف إلى مقاتلة الجيش الحر واغتيال ضباطه وعناصره، ووضع يدها على الممتلكات العامة، ونهب الثروات الوطنية، فهي تلاقي اللادولة الأسدية بلا دولة فوضوية، وهي تخدم النظام الذي درب قسما كبيرا من قياداتها وساعدها بالمال والسلاح، كي تقاتل من يقاتلونه وتنشر قدرا من الإرهاب يساوي ما ينشره النظام أو يتفوق عليه، أما الهدف في الحالتين فيبقى واحدا: إنه الشعب، حامل الثورة والدولة الشرعية ومادتها.

- بالتمزق والفراغ من جهة، وبالامتلاء المخابراتي الرسمي والقاعدي من جهة مقابلة، يصير من الحتمي البدء في بناء الدولة الوطنية السورية، انطلاقا من هيئة تنفيذية تعمل لوضع حد لتمزق الصف المعارض ولفوضى اللادولة: أسدية كانت أم قاعدية، وتخرج سوريا من مأزق عصيب ينحدر بها إلى مهاوٍ تفتيتية يدفع شعبها ثمنها الفادح، بينما ينمو بالتكامل مع السرطان الأسدي السلطوي سرطان أسدي قاعدي بدأت تنشئته قبل الثورة، وتسارع نموه معها، وشرع يؤتي ثماره بعدها، مثلما نشاهد اليوم في الاغتيالات التي تستهدف الجيش الحر والقوى الديمقراطية، وفي اعتماد مبدأ التكفير لإلغاء أي حقوق أو مشتركات وطنية أو إنسانية.

ثمة في سوريا خطان رئيسان: واحد يقوده النظام، بين مساراته الجهد القاعدي لقتلة محترفين يمكنون النظام من وضع العالم أمام أحد خيارين: هو كنظام علماني مزعوم، أو هم كقاعدة نظام جهادي يعادي العالم. وآخر تجسده دولة تعبر عن الشعب، تبدأ من هيئة تنفيذية أو مجلس مفوضين يعبر عنها ويحلها محل اللادولة الأسدية ولا دولة الفوضى القاعدية، فلا يبقى أمام العالم من خيار غير أن يفاضل بينها وبين إرهاب اللادولة الأسدي - القاعدي المتكامل. هذه المهمة يتوقف على إنجازها وجود سوريا كوطن لشعب حر ودولة سيدة ومستقلة، فلا مفر إذن من وضع أسسها وتحقيق مرتكزاتها بأقصى قدر من التفاني والجدية، وإلا أكلتنا الفوضى وقتلنا الإرهاب، واختنقت ثورتنا تحت وطأتهما، كما نلاحظ في أكثر من مكان!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com