العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25-05-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إبعاد الشباب السوري عن السياسة

ميسا صالح

الحياة

السبت 17/5/2014

واضح تماماً غياب الجيل الشاب عن ساحة العمل السياسي في كل التكتلات السياسية السورية الحالية. ومن يتابع مسيرة الخط السياسي للشباب منذ بدايات الحراك الثوري يلاحظ هذا الهبوط في الخط البياني لتفاعلهم السياسي. سابقاً، كانت كل الحركات الأهلية والمدنية بمختلف تسمياتها، والتي تتكون كوادرها الأساسية من الشباب، حريصة على أن تكون ذات رؤية واضحة تنقلها برامج عملها حتى لو لم تعترف بأنها حركات سياسية، وكان واضحاً النضوج المفاجئ لمجتمع مغيّب تماماً عن العمل السياسي.

وقد بدأت تجمعات كثيرة تأخذ سمعتها التنظيمية وقدرتها على الحضور في الحدث كما زادت فاعليتها في خريطة الحراك المدني وتألقت على كل الصعد بجهود مميزة. هكذا كانت لجان التنسيق المحلية وحركة ١٧ نيسان وتجمع نبض وتجمع شمس والحراك السلمي وغيرها من مجموعات حملت رؤية واضحة وناضجة. وبعدما حاولت المعارضة تشكيل كيانات تعبر عن مطالب السوريين، كالمجلس الوطني وهيئة التنسيق والمنبر الديموقراطي وغيرها، كان الخطاب الأول لكل هذه المكونات أنها تمتلك الكوادر الشبابية الفاعلة على الأرض، وهي استثمرت ذلك كحالة تباهٍ بأن شرعيتهم منطلقة من هذه الكوادر الشبابية المتحمسة للعمل السياسي على رغم عدم ثقتها بأن هذه التكتلات ستكون على مستوى ما هو مطلوب منهم. وقد حاول الشباب في الكثير من هذه التجمعات أن يكونوا فاعلين بشكل حقيقي وابتكروا أساليب حقيقيّة جديدة للعمل وقدموا نماذج قد تكون مناسبة أكثر لطبيعة الحراك.

وقد انخرط الشباب في هذه التجمعات السياسية بنماذجهم ورؤاهم ابتداءً من الهوية الى النظام الداخلي، وابتكروا هياكل تنظيمية مختلفة عما كانت تعتمده المعارضة التقليدية، مستفيدين من الهامش الذي مُنح لهم والذي كان على ما يبدو وهمياً، موحياً لهم أن المعارضة التقليدية تريد تهيئة الشباب ليكونوا في مراكز اتخاذ القرار وليكون صوتهم واضحاً في الساحة السياسية. وما لبث الكثيرون من الشباب أن أحسوا بإقصاء صوتهم من جانب المعارضة، وبحالة تعالٍ وتفرد بالقرارات، ولاحظوا يوماً بعد يوم تغييبهم بشكل واضح عن المراكز الأساسية في العمل السياسي، ما أدى في النهاية الى انسحابات جماعية، شهدتها غالبية التكتلات، لكوادرها الشبابية، فلم تطل الفترة، مثلاً، حتى كشف المنبر الديموقراطي عن تهميشه الشباب بإعلان ميشيل كيلو زعيماً له، وهذا ما تكرر في التشكيلات السياسية الأخرى.

عزز هذا الإحباط شعور الشباب بعدم الثقة بمعظم المعارضة السياسية التي كانت تستخدمهم كصورة وواجهة تلمّع بها شرعيتها، وأدى الأمر إلى استكمال انسحابهم من العمل السياسي، فيما تعمقت الفجوة مع معارضة تعتبر نفسها صاحبة القرار وتتعامل بنخبوية جامدة كما تسعى وراء نيل الشرعية من دون أن تكون معنية في شكل حقيقي بدعم الشارع والشباب. وفعلاً انتقل الأخيرون نحو العمل مع المنظمات الدولية غير الحكومية التي اجتاحت الساحة السورية وعملت على استقطاب الكوادر الشبابية بطرق مختلفة، فيما أبعدتهم مع الوقت عن صلب العمل السياسي والثوري، وقدمت لهم حالة رضا كاذبة عن نشاطاتهم الخدمية والمدنية «الحيادية». وأدت هذه الهجرة الجماعية للشباب إلى تحويل معظم الناشطين من ثوار لثورة مصابة برضوض شديدة إلى موظفين عند منظمات من البديهي أنها غير معنية بدعم الشباب كي يكونوا ثواراً.

هكذا، بات لنا أن نفترض أن رحلة الشباب المدني الواعي في الثورة قد انتهت، من ثوار إلى سياسيين نبذتهم المعارضة التقليدية، ومن ثم من سياسيين إلى موظفين انعزلوا عن الهم الثوري والسياسي، تستثمر كل طاقاتهم في مشاريع خدمية ليست أبداً من صُلب ثورة جريحة، تحتاج، أكثر ما تحتاج، إلى أن تستعيد الشباب إليها.

* كاتبة سوريّة

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
الغطرسة الإيرانية تتحطم على أرض سوريا

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 17/5/2014

ليس هناك أدنى شك بأن إيران سعيدة جداً بالأساطير التي تـُحاك حولها على صعيد ابتلاعها للمنطقة وتحولها إلى قوة عظمى إقليمية يخشاها القاصي والداني. ولعمري أن الإيرانيين يشعرون بالنشوة عندما يسمعون بعض العرب يحذرون من تغلغلهم في المنطقة، ووصول نفوذهم إلى المغرب العربي والسودان. ولا نستبعد أن تكون إيران أيضاً سعيدة بالوصف الذي أطلقه العاهل الأردني عبد الله الثاني عام 2004 على مشروعها حين وصفه بـ’الهلال الشيعي’.

صحيح أن إيران استثمرت طاقاتها المالية في بناء صناعة عسكرية ونووية يفاوضها العالم عليها، لكن امتلاك المشروع النووي الذي لم يصل بعد إلى مرحلة التصنيع العسكري لا يعني أنها أصبحت قوة عظمى، بدليل أن باكستان تمتلك القنبلة النووية، ولم تدخل أبداً نادي الأقوياء. بل على العكس، فما زالت محسوبة على معسكر التخلف والعالم الثالث. أما تركيا التي لا تمتلك الطاقة النووية، فهي تسبق إيران بمراحل على صعيد التنمية البشرية والاقتصادية، لا بل أصبحت من القوى المتقدمة في العالم اقتصادياً. على العكس من ذلك، يعيش أكثر من نصف الشعب الإيراني تحت خط الفقر، بينما تبذر إيران ملياراتها على حماية أذنابها المتهالكة كالنظام السوري، وتحرم شعبها من ثرواته الوطنية.

وللتدليل على أن انهيار المشروع الإيراني في سوريا، يذكر المفكر الكويتي المعروف الدكتور عبد الله النفيسي، وهو من أعمق المختصين في الشأن الإيراني، يذكر في مقال بعنوان (الفرق بين الأمس واليوم، إيران بين الخيال والواقع):’ يتحدث كثيرون أن ايران الآن تحتل سوريا، وترسل مرتزقتها هناك . وهذا الكلام صحيح، لكن: من قال إن إيران لم تكن تحتل سوريا في السابق، وإن إيران تقريباً كان مخططها يسير إلي نهايته، وبكل سلاسة، وكانت تبتلع سوريا بدون طلقة واحدة، لا بل كان السوريون البسطاء يرفعون صور ملالي طهران في أسواقهم وشوارعهم، وكان حزب الله يشعر بالأمان في دمشق أكثر من الجنوب اللبناني، وكل ما يريده يحصل عليه. هذا ما كان يحدث بالأمس القريب، أو قبل الثورة. أما الآن، فقد صرفت إيران حسب بعض الاقتصاديين عشرات المليارات، وخسرت الألوف من شيعتها ومرتزقتها في سوريا، لا بل خسرت كل الدعم الشعبي، وأصبحت صور ملالي إيران تداس بالأحذية. وصار حزب الله الشيعي اللبناني العدو الأول للسورين بكل شرائحهم، ومع اختلاف أفكارهم’.

ويتطابق تحليل الدكتور النفيسي إلى حد كبير مع التقديرات الأمريكية حول ورطة إيران في سوريا، فعندما سألوا الرئيس الأمريكي أوباما قبل فترة قصيرة عن أن إيران بدأت تنتصر في سوريا رد قائلاً: ‘هذا كلام أشبه بالكوميديا السوداء. كيف تنتصر إيران في سوريا، وحليفها العربي (السوري) الوحيد قد تحطم، وتحول بلده إلى ركام. إن الوضع السوري يستنزف إيران التي تدفع للأسد مليارات الدولارات. أما حليف ايران اللبناني حزب الله الذي كان يتمتع بموقع مريح في لبنان فهو يجد نفسه الآن في مواجهة المتطرفين السنة. وهذا ليس جيداً بالنسبة لإيران. إن ايران تخسر في سوريا مثل الآخرين وأكثر’.

إذاً، على عكس ما يشاع بأن إيران بعد تدخلها المباشر السافر في سوريا صارت تهيمن على البلاد، فإن إيران الآن، حسب النفيسي، لا تحتل سوريا، بل تريد فقط أن تحافظ على موطئ قدم لها هناك ليس أكثر. وقد خسرت، وهي تعلم ذلك جيداً’.

ولا يرى الدكتور النفيسي في العنتريات الإيرانية الأخيرة بأن إيران حمت الأسد من السقوط، وأن حدودها تمتد حتى شواطئ المتوسط، لا يرى فيها سوى تعويض إعلامي عن خسارتها الفعلية في سوريا. فالإيرانيون لا يعلنون عادة عن مشاريعهم وتحركاتهم، بل يتحركون بهدوء ودون ضجة. وغالباً ما يعملون في الخفاء والعتمة. فلماذا تصرح إيران الآن بأنها قوية ومنتصرة، وأنها أصبحت على شواطئ المتوسط؟ لا يوجد مبرر لذلك، إلا أنها مهزومة، وتريد رفع معنويات المناصرين لها، وتقول للغرب: تعالوا فاوضوني على شيء لا أملكه إلا إعلامياً، حسب النفيسي.

ويحذر المفكر الكويتي الجميع من أن إيران باتت بارعة في الحرب النفسية ضد الآخرين، وأصبح لها باع طويل جداً في الكذب والفوتو شوب. وأكبر برهان مثلاً ‘الطائرة الإيرانية الصاعقة’ التي صدعوا رؤوسنا بها، والقردة التي سافرت إلى الفضاء وكانت سمراء، وعادت شقراء من بعد رحلتها إلى القمر. وقال أحد الصحافيين الغربيين بتهكم: ‘ربما أنها خضعت لعملية تجميل هناك’. ولا ننسى بالأمس القريب أن ايران وجيش الأسد، وكل مرتزقة الشيعة، وعشرات الصواريخ، وقصف الطائرات، والبراميل لم تستطع أن تقتحم حمص القديمة التي لا يوجد فيها إلا الف أو يزيد من الثوار وبأسلحة خفيفة. وقد خرجوا باتفاق أقرب للهزيمة للنظام الإيراني ومعه الممانع بشار. والغريب، كما يضيف الكاتب، أن من يتشدق بأنه وصل إلى شواطئ المتوسط فرض عليه ألف مسلح من ثوار حمص شروطهم وأيضاً خرجوا بأسلحتهم. فعن أي نصر وعن أي قوة تتحدث أيها الجنرال الايراني ومن معك من ممانعين ومقاومين . فكروا جيداً، فستجدوا أن إيران تعرضت لهزيمة نكراء في سوريا، خاصة وأن ثمانين بالمائة من الشعب السوري، ألا وهم السنة، باتوا ينظرون إلى إيران على أنها العدو ‘الصفيوني’ الذي لا يقل خطورة عليهم من العدو الصهيوني.

‘ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
مشروع النظام السوري لمحو حمص القديمة

عبد السلام الشبلي

المستقبل

الاحد 18/5/2014

تقول شائعات يتداولها أبناء مدينة حمص، المهجرين من ديارهم قسراً، بعد إمعان نظام الأسد في تدميرها، أن الأخير سيبدأ قريبا بجرف ركام الخراب الذي سببه قصف قرابة عامين لأحياء المدينة، تمهيدا لتنفيذ مشروع «حلم حمص»، الذي طالما عارضه الحماصنة. بالعودة إلى سنوات خلت قبل الثورة السورية، سنجد أن النظام طرح فكرة تغيير معالم المدينة القديمة، عبر محمد إياد غزال محافظ المدينة المقرب من بشار الأسد، إلا أنه واجه نقدا كبيرا من سكان المدينة وتجارها على وجه التحديد، لما فيه من تضييع لمعالم المدينة وحضارتها القائمة منذ مئات السنين، فضلا عن كون المشروع سرقة مقوننة لما يمتلكه المواطنون من أرزاق، أراد النظام أن يعوضهم بدلاً منها بعقارات خارج نطاق المدينة، في الضواحي التي بناها على عجل .

الهدم الذي كان مقررا، يشمل أحياء قائمة بعينها هي التي، تحفظ من التاريخ الحمصي، وهذا ربما جعل أبناءها يقاتلون حتى اللحظة الأخيرة، من أجل منع وصول مدمري العمران الحضاري إلى مبتغاهم.

ورغم رفض المشروع وقتها، أكد النظام بلسان محافظ حمص ، «أن التنفيذ آت لا محالَة»، متوعدا كل من يعارضه باستخدام القانون السوري، من أجل التضييق عليه واجباره على الموافقة، خصوصا تجار المدينة الذين كانوا أكبر الخاسرين من ذلك المشروع.

بين رفض الحماصنة، وتعنت غزال ومن ورائه الأسد، اندلعت الثورة السورية في آذار 2011، وخرج أبناء المدينة في الأسبوع الأول لتظاهراتهم، مطالبين بإقالة المحافظ غير المرغوب فيه، في إشارة واضحة، أنهم لا يريدون حلماً يدمر مدينتهم، ويخفي معالم ذاكرتهم الجميلة .

كان رد النظام على المطلب اليتيم، بأن أطلق الرصاص على المتظاهرين، حاصدا عددا من الشهداء، في أول أسبوع من التظاهر، ثم كلل رغبته بالتفاهم مع أبناء المدينة، بمجزرة ساحة الساعة في يوم الاستقلال السوري 17/4/2011.

تطورت الأحداث بعد ذلك، قتلٌ لأبناء المدينة يحصد المئات، اعتقالات واغتصاب وتنكيل، ثم بداية لحملة شاملة على المدينة، ومجازر لا حدود لها، ومقاومة قل نظيرها، في ظل حصار خانق خلف آلاف الشهداء استمر لأكثر 700 يوم، وسط صمت عالمي على موت مدينة، كان مخططا لها أن تصبح قبل أعوام حاضرة معمارية «مهيبة«، كما زعم نظام الأسد مرارا.

صار الحلم «كابوساً»، دمر النظام المدينة كما أراد مسبقا، لكنه لم يستخدم الجرافات والتريكسات التي عادة ما تقوم بهذه الأعمال، كان القصف بالصواريخ والبراميل المتفجرة هو الوسيلة الأنجع بالنسبة إليه. فلم يَبق حي في المدينة التي رُسٍم ضمن نطاق الحلم، إلا وغزاها النظام بقذائفه ومتفجراته، منقذاً تخريباً تاماً لعمران مديني تاريخي يزيد عن ألفي عام بكل ما في حمص القديمة من مساجد وكنائس وآثار خالدة، بدءا من مسجد الصحابي خالد بن الوليد، ومرورا بكنيسة أم الزنار وقصر بيت الأغا وحمام الباشا العثماني وغيرها كثير.

خرج الثوار من المدينة أخيرا، بعد أن تركوا وحدهم لمواجهة الموت بأشكاله المختلفة.

وإذ تصبح حمص بلا سكانها اليوم، ويتداول أبناؤها البعيدين عنها، فكرة أن رؤية مدينتهم أصبحت بعد اليوم حلماً.

فالنظام باحتلاله لأحياء حمص، يقول إنها أصبحت بعد اليوم سرابا لأبنائها الذين عصوا مشيئته. وعندما يطلق مشروع شائعات «الحلم«، إنما يفتح المجال لتقبل الفكرة، ممن تبقى من أبناء الأحياء الآمنة داخل حمص، المغلوبين على أمرهم في ظل سلطة الشبيحة، وقوات النظام المدعومة بالميليشيات الإيرانية وغيرها من التابعين لحزب الله اللبناني، والتي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حامية حلم النظام، بأن تكون حمص خالية من أهلها الأصلاء كما رغب مؤيدو الأسد منذ بداية الثورة .

وبإعادة لسيناريو حافظ الأسد في حماة بعد 1982، بدأ النظام بإطلاق أفكار لمشاريع بنائية جديدة، استهلها مع خروج الثوار من المدينة، بتأهيل ساحتي الساعة الجديدة والقديمة وسط المدينة و«زرع الأزهار« المصاحبة للافتات ممهورة بتوقيع رأس النظام، يعلوها كلمة «سوا نعمرها«، بعد أن هدمها، وهو عنوان حملة الأسد، في لعبة الانتخابات التي ابتدعها.

كما أوعز النظام لغرفة تجارة وصناعة حمص، تأسيس ما سمي صندوق إعادة إعمار المدينة برأس مال قدره 100 مليون ليرة سورية، إلى جانب تقرير خطط «إسعافية« هندسية، لتأهيل بعض الشوارع قبل البدء بالعملية الأكبر، وهي إعادة هيكلة المدينة بأبنية جديدة ذات ارتفاعات شاهقة، ناهيك عن فكرة المشروع التنموي المتكامل للمدينة المطروح من قبل وسائل إعلام النظام التي تطالب الحكومة بتبنيه .ويحدث كل هذا في ظل منع أكثر من نصف سكان مدينة حمص من العودة إلى ديارهم، بعد وصم شباب المدينة بتهمة الإرهاب، والعائلات الهاربة من جحيم الحرب، إلى بلاد أخرى بتهمة الخروج غير الشرعي من سوريا

لكن الضفة الأخرى من المعادلة تقول غير ذلك، فالصور التي تناقلها السوريون على مواقع الإنترنت تقول إن العائدين إلى أحيائهم، يملكون حلماً آخر، مفاده أنهم سيعودون ويعمرون بيوتهم التي دمرها جيش الأسد، ولن يسمحوا بسرقة ما تبقى من حجارتها .

و»الحلم« الأهم لهذه المدينة المنكوبة ربما، هو كلمات ثوارها الأخيرة قبيل الخروج منها: «نحن عائدون« يقول «عبد الباسط الساروت (ابن الثورة البار) إنه ورفاقه ما خرجوا من المدينة، إلا ليعودوا إليها حاملين راية النصر والتحرير بعد أن يسترجعوا شيئا من قوتهم التي فقدوها جراء الحصار الطويل .

هي الأحلام التي تنقلب كابوساً في المدينة القتيلة.

صحافي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : إلى الذين لم يوقعوا على ميثاق الشرف الثوري للكتائب المقاتلة من أجل الدين والدولة بادروا إلى التوقيع عليه

زهير سالم

21.05.2014

في مبادرة دعوية وسياسية مشكورة ومقدرة ، أقدم لفيف من الألوية والكتائب الثورية المقاتلة في سورية على التوقيع على ميثاق شرف وطني وحيوي مفعم بروح الإسلام وعنوانينه الكبرى . باللغة التي اختارها أبناء العصر الذي نعيش للتعبير عن مقاصدهم في الدين والدولة والثورة والحكم والقضاء ...

وإذا كانت اللغة كما عرفها ابن جني فقيه العربية الأول : ( أصوات يعبر بها كل قوم عن مقاصدهم ) . فإن من جمالية هذه اللغة بل من ضروراتها أن تنتمي ألفاظها ومصطلحاتها إلى المعجم الذي يأنسه هؤلاء القوم وبالألفاظ والمصطلحات التي يفهمونها هم والذين يستمعون إليهم .

على المسرح وفي كرنفالات الفولكلور فقط يمكن للإنسان أن يخرج على الناس بأثواب وأزياء تاريخية محيرة ، وربما تكون حين تنقل إلى عالم السياسة والاجتماع غريبة ومنفرة . والرسول الكريم قد أوصانا بشروا ولا تنفروا ..

 نعلم أن الكثير من " الحَصِرين " سيبادرون للاستنكار على القادة الذين وقعوا الميثاق . بل وسيعملون على التشنيع عليهم باسم الإسلام تارة وباسم الثورة والوطنية والوفاء لدماء الشهداء أخرى ؛ ولكن ولما كان الحق أحق أن يتبع فإن مبادرة الموقعين على الميثاق ، والذي جاء متأخرا جدا في سياق الثورة السورية ، أولى بالتأسي والاتباع.

 فالميثاق في كل بند من بنوده وفي كل عنوان من عناوينه وفي كل كلمة من كلماته ما هو إلا تعبير معاصر ومبشر عن مقاصد الشريعة الإسلامية ، وعن ضمير السواد العام من أبناء سورية الذين يصرون على الانتماء إلى الحياة وإلى العصر وإلى المجتمع الإنساني بكل ما فيه من معطيات أنجزتها الإرادة الخيرة لبني الإنسان ..

إيماننا بنبل وقدسية الفتية من أصحاب الكهف لا يعني أننا نريد أن ننام حيث ناموا ، ولا أن نأوي إلى الكهف الذي أووا إليه ، ولا أن نخرج على الناس ، وهذا الأهم ، بالورِق الذي خرجوا به وإن كان معدنه من عيار 24 قيراط ..

منذ بدأ البشر يتحاورون ويتجادلون أجمعوا واجتمعوا على ألا مشاحة في الاصطلاحات . وأن العبرة فيما يتجادل فيه الناس هو المضامين والمعاني وليس الألفاظ والمصطلحات والمباني ..

وحين سأل رجل رسول الله صلى الله وسلم عليه : هل من امبر امصيام من امسفر أجابه بلغته : ليس من امبر امصيام في امسفر . وحين كتب كتابه لأهل اليمن كتب : إلى الأقيال العباهلة ... خاطبهم باللغة التي يعرفون ويأنسون .

ونحن ، أبناء الثورة السورية وحاملي عبء انتصارها ،علينا اليوم أن نخاطب بهذا الميثاق دولا وحكومات وشعوبا ومجتمعا سوريا لا يعرف من حقائق المصطلحات التاريخية التي يصر البعض على الوقوف عندها إلا القليل ، بل والقليل الشائك الذي حمّلته قرون الصراع من المعاني ما لن تجد ثورتنا فرصة لشرحه وتوضيحه والجدل عليه ولاستدراك على الذين يسيئون فهمه أو إليه .

معركتنا اليوم معركة حقائق تنزف من أجلها الدماء وتطحن المهج ، وتنتهك الأعراض فما أحرانا أن نعرض عن اللغو وأن نمسك بالحكمة وأن نلزم فصل الخطاب ..

ومع تأكيدنا أن ما جاء في نصوص الميثاق الذي أصدره الموفقون من القادة الثوار باسم ألويتهم ومقاتليهم هو جوهر مطلبنا ومقصدنا الشرعي الإسلامي فإنه يجب أن نؤكد من طرف آخر ولقوم آخرين أن ما تتضمنه هذه المواثيق المدنية والشرعية في الوقت نفسه هو تعبير عن التزام حقيقي ينبع من عقل مبصر وقلب صادق يؤمن بسيرورة الحياة وبصيرورة ثورتنا وحراكها إلى حقيقة (( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ .))..

باسم الله وباسم دينه عقيدته وشريعته ..؛ ثم باسم المسلمين وباسم المجتمع الذي يجمعنا والدولة التي نريد ؛ ننادي على هؤلاء الذين أخذوا على عاتقهم ، أو أُوكل إليهم مشروع ( تشويه الإسلام ) ، تشويه عقيدته وشريعته ومنهجه للحياة أن كفوا ، كفوا عن تدمير الذات وتحطيم الحلم والأمل

ننادي على المضللين الصادقين منهم أن كفوا وهلموا فقد بلغ السيل الزبى وتجاوز الأمر كل حد حتى خضتم في دماء المسلمين وأعنتم على انتهاك أعراضهم وأنتم لا تشعرون ..

وننادي على الآخرين منهم سيحبط الله كيدكم وسيبطل مكركم بدينه وبعباده على السواء ..

قالوا ومدح شاعر فج الوليد بن عبد الملك وهو فتى صغير فقال :

تقول بوزع لقد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع

ففزع الوليد من اسم " بوزع " هذه فزعا شديدا وطرد الشاعر من مجلسه وتوقف عن سماع قصيدته وما أحراه لو وجد في سلمى وليلى ونوار ولبنى ولميس غنى ..

وبدت لميـس كأنها بدر السـماء إذا تبدى

وبدت محاسنها التي تخفى وكان الأمر جدا

عينتاب :22 / جمادى / الثانية / 1435

20 / 5 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإسلاميون السوريون والفصلُ بين (الدين) و(الثقافة) (1)

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 18/5/2014

الإسلاميون السوريون والفصلُ بين (الدين) و(الثقافة) (1)لابد، أولاً، من تحرير القول في التطابق الموهوم بين الحديث عن (الإسلام) والحديث عن (الإسلاميين). وهو تطابقٌ يبدو أن الإسلاميين يحرصون على إشاعته والإحالة إليه. يجري هذا بقصدٍ أو بغير قصد، حين يجدون دائماً في أي نقدٍ يُوجهُ لحركاتهم وأحزابهم ومؤسساتهم مساربَ لتحويل اتجاه النقد بحيث يُظهرونَ أنه للإسلام، وليس لِفِقههِم له ولِقُدرتهم على تمثُّل مقتضايته. وفي كثيرٍ من الأحيان، لفشلهم المخيف في المجالين.

وفي خِضمّ الفوضى الثقافية والسياسية السائدة، تُساهمُ هذه العملية في نشر الانطباع المتعلق بالتطابق الموهوم، المذكور أعلاه، بين كثيرٍ من المسلمين، من غير الإسلاميين. في حين أن مثل هذا الاقتران المُتعسِّف يجب أن يزول بشكلٍ شاملٍ ونهائيٍ وناجز.

هذا مطلوبٌ كي لانُغلق بسيف الإهاب الفكري نوافذ المراجعة والتفكير بشأنٍ مؤثرٍ في حياتنا. والأهم من ذلك، كي لا نظلم الإسلام نفسه، فلا نسمح لأحدٍ، خاصةً بين شرائح الحركيين السياسيين ورجال الدين، بأن يدَّعي نوعاً من الاحتكار للإسلام عبر التماهي فيه، بما يُحيل إلى وضعٍ يُشبه فكرة ديغول عن فرنسا تجعلهم يقولون بلسان الحال: "أنا الإسلامُ والإسلامُ أنا".. نتحدثُ عن لسان الحال هنا لأن ثمة (تورعاً) لدى غالبيتهم يمنعهم من إعلان ذلك بلسان المقال. فالأمر يندرج في خانة ما وصفهُ العرب حين قالوا إن "لسان الحال أبلغُ من لسان المقال".

أكثر من هذا، يفرض الواقع السوريُ المعاصر تحديداً، والعربي والإسلامي عموماً، تأكيدَ وترسيخ عملية الفصل بين الإسلام والإسلاميين. فدرجةُ التشظي والانقسام في الهياكل التي تتحدث باسم الإسلام، وكثيراً ما تدعي تمثيله وتمثيل (الأمة)، تجاوزت وِحدة العَشَرات وربما باتت تدخل في خانة المِئات. وهي هياكلُ تحمل صفةً سياسية أو عسكرية أو دينية بحتة، وأحياناً أكثرَ من صفتين. وتختلفُ في رؤيتها لكثيرٍ من مجالات فقه الإسلام وتنزيله على الواقع. هذا واضحٌ بِحُكم المُعطيات المُعلنة التي يراها كل السوريين، وإن حاوَلَت أن تُداريَ بَعضَها حين يتطلبُ الوضع، وأن تسُارع إلى الإعلان عما يجمعُها ببيانٍ هنا وتصريحٍ هناك. لكن المفارقة الهامة أن أكثريتها الساحقة تؤكد، بلسان المقال والحال هذه المرة، أنها تتحدث باسم الإسلام وتُمثلُه وتُمثلُ أهله.

أفلا تكون المفارقة أعلاه سبباً يدفع كل غيورٍ على الإسلام لفك الارتباط (الماهوي) بين الإسلام والإسلاميين؟ نستغرب أن يرفض البعضُ البدهية المنطقية في هذا الطرح، وندعوهم على الأقل للتفكير فيها بمزيدٍ من الهدوء والتجرد.

نعود بعد هذا التوضيح المطلوب إلى قصة الإسلاميين، وخاصةً السوريين مع الثقافة. بل ربما إلى (قصتهم المفقودة) معها.

لن ندخل في بحثٍ أكاديمي عن معنى الثقافة وتعريفها المقصود هنا، بل سنقتصر على ثلاثة أمثلة أحدها عربي والآخران غربيا المصدر، ونريد استعمالها ببساطة بعيداً عن أي تعقيدٍ نُخبوي.

فالمعاجم تذكر أن الثقافة في اللغة العربية هي أساساً الحَذقُ والتمكُّن، وثَقَفَ الرمح أي قوّمَهُ وسوﱠاه. ويُستعار بها للبشر فيكون الشخص مهذباً ومتعلماً ومتمكناً من العلوم والفنون والآداب. ويُقال ثَقِفَ الشيء إذا أدركه وحذقه ومهر فيه، والثقيف هو الفطين، وثقف الكلام فهمه بسرعة. فكلما زاد نشاط الفرد ومطالعته واكتسابه الخبرة في الحياة زاد معدل الوعي الثقافي لديه، وأصبح عنصراً بناءً في المجتمع.

أما العالم البريطاني من أصلٍ بولندي برونسيلاف مالينوفسكي فيعرﱡفها قائلاً: "الثقافة هي جهازٌ فعال ينتقل بالإنسان إلى وضعٍ أفضل، وضع يواكب المشاكل والطروح الخاصة التي تواجه الإنسان في هذا المجتمع أو ذاك في بيئته وفي سياق تلبيته لحاجاته الأساسية".

هناك تعريفٌ آخر مهم للمستشرق النمساوي غوستان فون غرونبوم يقول إن: "الثقافة هي الجهد المبذول لتقديم مجموعةٍ متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية في مجري حياتها، أي هي المواجهة المتكررة مع تلك القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز، فتشكل بذلك مركباً كلياً متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلاً للحياة".

بكل المعاني الواردة في التعريفات المذكورة أعلاه، هناك خصومةٌ تاريخية، تكاد تكون شاملةً، بين الإسلاميين السوريين وبين الثقافة.

لاينحصر الجهد المطلوب لتقديم الإجابات على المآزق الإنسانية في تضخيم المَلزمة الفقهية والإحاطة بها طبعاً، وهذا أمرٌ سنعود لتفصيله في الجزء الثاني من المقال. ولكن نعيد التذكير هنا أن الحديث عن الظاهرة يتعلق بالتكوينات المؤسسية على اختلاف مجالاتها ومُسمياتها، وعلى أفراد هذه التكوينات. إذ يوجد بالتأكيد أفرادٌ، ربما يصفون أنفسهم بأنهم إسلاميون بمعنى من المعاني، ممن لم يتصالحوا فقط مع الثقافة، وإنما حاولوا ويحاولون مصالحتها مع الدين. بل ربما نقول، يحاولون استعادة علاقتها الطبيعية مع الدين.

ثمة مفارقةٌ عمليةٌ عايشها كاتبُ الكلمات صغيراً دون أن يُدرك دلالاتها الحقيقية في ذلك العُمر المُبكر. ففي خضم مُعايشة بعض شرائح الإسلاميين في دمشق السبعينيات المتأخرة، لفَتَت الانتباه ظاهرةُ اختفاءٍ متكرر لبعض (الشباب) الأكثر تنوراً وعقلانيةً وانفتاحاً وموضوعيةً، ممن كان المرء ينجذبُ إليهم في تلك الشرائح. ثم إن أحد الأصدقاء، من العارفين بدواخل ذلك المجتمع فسَّر الظاهرة بعد ذلك بفترة، في معرض تقويم تلك المرحلة، حين ذكرَ مامعناهُ أن بعض النابهين والمتميزين كانوا "إذ يتخرجون من الجامعة يتخرجون معها من الجماعة"..

وفي نفس الإطار، تعددت القصص الواقعية عن حالاتٍ كان فيها أفرادٌ (يُمنعون) من حضور دروس شيخٍ معين، وآخرون (يُحرمون) من (البيعة) والانضمام رسمياً لبعض الحركات والتنظيمات، فقط لأنهم كانوا يحاولون، دون أن يدروا، تمثُّل التعريفات الواردة أعلاه للثقافة. وإنما كانت (مشكلتهم) لدى رافضيهم تتلخصُ في خروجهم على القوانين الصارمة السائدة، وإن لم تكن مكتوبة، في تلك التكوينات، ومُخالفتهم لتقاليدها وأعرافها، إن على صعيد مجالات قراءاتهم واهتماماتهم وصداقاتهم، أو على بعض سلوكهم وهندامهم أحياناً (أعرف شخصياً مَن هو ممتنٌ اليوم لهذا "الحرمان" الذي طالهُ، لأنه كان يقرأ كتباً "غير إسلامية" ويُصادِق مِن غير الإسلاميين ويسمع الموسيقى!).

بهذا المعنى المُعبِّر، لم تحمل التكوينات الإسلامية خصومةً عميقة للثقافة فقط، بل كانت، ولاتزال، تفتقد القدرة على مجرد استيعاب من يبحثُ عنها وفيها، وبشكلٍ قاطعٍ يوحي كأنه كان يمثل تهديداً وجودياً لها على كثير من المستويات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سياسات ضابط المخابرات السوفياتية!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاحد 18/5/2014

كرر بوتين، رئيس روسيا الحالي مرات كثيرة أنه يبني موقفه من الصراع الدائر في سوريا على عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، وعدم جواز تقرير مصيرها بأيد أجنبية. وبرر بوتين استخدام بلاده حق النقض ضد قرارات مجلس الأمن، الخاصة بالقضية السورية، بذريعة رأت فيها مقدمات للتدخل الدولي في سوريا، التي يجب أن تسوي مشكلتها بالحوار بين مواطنيها، دون أي ضغوط خارجية من أي نوع كانت.

على الرغم من ذلك تدخل بوتين في أوكرانيا وأرسل إليها وحدات شبيحة، نظامية وغير نظامية، كلفها احتلال مرافئ القرم ومطاراته وقواعده العسكرية ومدنه، وقطع طرق مواصلاته، وحماية حكومة دمى تستند إلى أقلية روسية تعيش فيه، تتعاون مع قوات التدخل الروسية، وتضفي الشرعية على احتلالها أجزاء مهمة من أوكرانيا. واليوم يقرر بوتين بالنيابة عنها ما يجوز لها فعله، وإلا أكمل شبيحته الإجهاز عليها وقضوا على ثورتها. نسي بوتين مبدأ عدم التدخل من أجل تسوية نزاعات داخلية تشهدها بلدان أخرى، وسوغ تدخله في أوكرانيا بحجة لم يسبق لمتابع للشأن الدولي أن سمع ما هو أشد تهافتا وخطورة على السلام والأمن الدوليين منها هي: «حماية الأوكرانيين الناطقين باللغة الروسية». ماذا سيحدث إن قررت الصين حماية الناطقين باللغة الصينية في أصقاع آسيا وبعض أوروبا وأميركا، وهم بعشرات الملايين؟ أو إذا ما قررت المكسيك حماية الناطقين بالإسبانية في الولايات المتحدة، وعددهم أكبر بكثير من عدد الناطقين بالروسية في أوكرانيا؟ وكيف يمكن حماية من يتذرع بوتين بحمايتهم دون احتلال عسكري دائم لديارهم، والتدخل من ثم في كل كبيرة وصغيرة من شؤونهم؟ ولماذا تناسى بوتين مبدأ حل الصراعات الداخلية للبلدان الأخرى بأيدي أبنائها دون غيرهم؟ ومن يقرر إن كان هؤلاء بحاجة إلى حماية، وما درجة الحماية الضرورية التي يجب أن يفرضها المتدخل لصيانة حياتهم وأمنهم؟ وفي أي كتاب خاص بالحقوق الدولية وجد ضابط المخابرات السابق نصا يخوله تقرير حقوق وخيارات شعب أجنبي بالنيابة عنه؟ وفي أي فوضى سيعيش المجتمع الدولي في حال بادر الأقوياء إلى احتلال البلدان المجاورة لهم بالذرائع التي تروق لهم، والتي قد تصل إلى حد ذلك النزق، الذي كان ملحوظا في تبرير بوتين لمسوغات تدخله العسكري في أوكرانيا وما نجم عنه من مشكلات دولية، أهمها سقوط مبدأ عدم التدخل في شؤون البلدان الأخرى، والامتناع عن فرض إرادة الأقوياء على من هم أضعف منهم، واحترام حق الشعوب في حل مشكلاتها بأيديها.

يعارض بوتين قرارات مجلس الأمن الرامية إلى تخفيف كوارث الحرب التي يشنها النظام السوري ضد شعبه، بحجة عدم التدخل في الشؤون السورية، ولأن التدخل يحول في نظر روسيا دون وقف العنف ويعد عدوانا على إرادة السوريين الوطنية. لكنه رمى هذا الموقف، الذي لطالما زعم وزير خارجيته لافروف أنه مبدئي ولا رجعة عنه، وراء ظهره، بمجرد أن قامت ثورة شعبية بكل معنى الكلمة ضد نظام موال له في أوكرانيا، تمت بإرادة وطنية كاسحة رفعت لواء الحرية وطالبت بإنهاء تبعية كييف لموسكو، وتدخل عسكريا وهو يطلق تصريحات معادية للثورة الأوكرانية، ويبدي رغبته في إفشالها بأي ثمن.

يتظاهر بوتين بالدفاع عن حقوق الدول السيادية في سوريا، وينتهك سيادة أوكرانيا بحجة حماية مواطنين روس، كأنه يقر مبدأ يرى أن حقوق البشر أعلى من سيادة الدول التي تعتدي عليها، إلا في سوريا، حيث يمارس انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان والشعب باسم سيادة دولة تقتلهم منذ نيف وثلاث سنوات، بسلاح بوتين وتحت إشراف نظامه وحمايته.

ترى، أي مصير ينتظر النظام الدولي والجنس البشري، إذا ما سادت ازدواجية المعايير البوتينية، ونجحت روسيا في تعطيل الشرعية الدولية ساعة تشاء، والدوس عليها ساعة تريد؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في نتائج زيارة واشنطن

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 18/5/2014

أنهى وفد الائتلاف الوطني السوري برئاسة أحمد الجربا زيارته للعاصمة الأميركية قبل ثلاثة أيام، وهي الزيارة التي أثارت جدلا واسعا حول نتائجها لدى متابعين ومراقبين للسياسة الأميركية حيال القضية السورية وحول علاقة واشنطن بالمعارضة وبالائتلاف السوري على وجه الخصوص.

وبمقاربة مجريات الزيارة يمكن القول، إنها كانت إيجابية في برنامجها؛ إذ تضمنت سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين وعسكريين وأمنيين إلى جانب برلمانيين وباحثين وأكاديميين، إضافة إلى عاملين في كبريات المؤسسات الإعلامية، قبل أن يتوج برنامج الزيارة بلقاء رئيس الائتلاف أحمد الجربا مع الرئيس أوباما، وهو اللقاء الأول بين رئيس الائتلاف السوري والرئيس الأميركي، ويعكس برنامج الزيارة مدى الأهمية التي تعاملت بها واشنطن مع وفد الائتلاف ورئيسه في شمولية اللقاءات، التي أتاحت فرصة كبرى لوفد الائتلاف بأن يعرض رؤيته ووجهة نظره في الجوانب المختلفة للقضية السورية، متناولا تفاصيل أكثر في القضية عبر الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات الأميركية التي طرحت على مختلف المستويات، وهذا يعني أن صورة الائتلاف بمواقفه وسياساته ونفر فاعل من أشخاصه صارت وعموم المعارضة السورية أوضح، وهي صورة تعكس عموم صورة المعارضة السورية سواء لدى الإدارة أو في المؤسسات وفي أوساط الرأي العام الأميركي، خصوصا لجهة تصنيف قوى الصراع في سوريا والممثلة في ثلاثة أطراف؛ أولها نظام الأسد وتحالفه الداخلي - الخارجي، والثاني قوى التطرف ولا سيما التطرف الديني ممثلا بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة في بلاد الشام، والثالث تجسده المعارضة، التي يعتبر الائتلاف السوري وجهها الرئيسي وقوتها المركزية.

والظاهر في نتائج الزيارة، كان الأبرز فيه إعلان واشنطن إعطاء بعثة الائتلاف في الولايات المتحدة صفة البعثة الدبلوماسية إلى جانب إعلان تقليدي في تقديم واشنطن مساعدات إنسانية و«غير فتاكة»، ثم زاد عليها تأكيدات سياسية أميركية بدعم الولايات المتحدة للشعب السوري وللمعارضة في مواجهة التطرف المزدوج الذي يمثله نظام الأسد وجماعات التطرف الديني، وصولا إلى إعلان استبعاد أي دور للأسد في مستقبل سوريا، وفي مجمل تلك النتائج المعلنة ما هو أكثر من الموقف التقليدي الذي اتخذته الإدارة الأميركية في السنوات الثلاث الماضية من تطورات الوضع السوري.

ورغم أن معلومات محددة لم ترشح في نتائج الزيارة عن دعم أميركي عسكري للمعارضة وللائتلاف الوطني، فإن سماع الأميركيين لمطالب الائتلاف ورئيسه عن الحاجة إلى سلاح نوعي يوقف هجمات النظام الجوية ضد الأهداف المدنية بالبراميل والصواريخ وهجمات المدفعية والدبابات، فإن ذلك يعتبر إنجازا مهما لأنه وضع على طاولة مباحثات الطرفين تلك المطالب، التي لا شك أن الأميركيين سيتفاعلون معها بصورة أو بأخرى، ولم يعد بمقدورهم تجاهلها في سياستهم اللاحقة إزاء سوريا لا سيما بعد طرحها أمام الرئيس أوباما ومفاصل إدارته.

وإضافة إلى النتائج الإيجابية للزيارة في المستوى الرسمي، فإن نتائج لا تقل أهمية، يمكن القول إنها تحققت في مستوى الرأي العام الأميركي؛ إذ أتاحت الزيارة وما شهدته من لقاءات وحوارات مع الفعاليات السياسية والأكاديمية ولا سيما في الإعلام، اطلاع الأميركيين على تفاصيل جديدة في صورة وتوجهات المعارضة السورية، حيث لم تعد صورة مواقفها المعارضة غائمة، فلا هي صورة المتطرفين الإسلاميين المنتمين إلى «القاعدة» وأخواتها، ولا هي صورة متشددين يسعون إلى إسقاط نظام إرهابي ليحلوا محله، أو جماعات مسلحة تصر على حل عسكري. بل كشفت عن معارضة تخوض نضالا من أجل الحرية والديمقراطية ومن أجل العدالة والمساواة، وتسعى من أجل حل سلمي وسياسي، يوفر ما أمكن من دماء السوريين ودمار إمكانياتهم وبلدهم، ويخفف من معاناة شعب يشن عليه نظام الأسد حربا مدمرة ومستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وإذا كانت الزيارة، قد أحدثت من خلال نتائجها تغييرات مهمة في المستويين الرسمي والشعبي في الولايات المتحدة، فإن نتائج تلك الزيارة في المحيطين الدولي والإقليمي، قد لا تكون أقل أهمية، لأنها سوف تخلق بيئة جديدة في المجتمع الدولي وتعامله مع القضية السورية، ذلك أن موقف واشنطن بما تمثله من وزن وحجم في السياسة الدولية، سوف يلقي بثقله على سياسات الدول المعنية ولا سيما دول «أصدقاء الشعب السوري» حيال الوضع السوري بجوانبه السياسية والعسكرية والإنسانية، والتي ستشهد في وقت قريب تغييرات منها قبول دبلوماسي يصل إلى حد حضور دبلوماسي في مستوى بعثات دبلوماسية وسفرات للائتلاف السوري في عواصم كثيرة، وتمرير مزيد من المساعدات بما فيها مساعدات عسكرية للتشكيلات التابعة للحكومة المؤقتة ولهيئة أركان الجيش الحر.

ولا شك أن زيارة سيكون لها نتائج وانعكاسات في الداخل السوري وخريطة الصراع فيه، من حيث خلق بيئة جديدة، أساسها أن الوقائع لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه في الوقت الحالي الذي يعكس توسعا لمجال العنف والدمار الذي تشيعه بصورة مشتركة مباشرة أو بصورة غير مباشرة عمليات النظام وأعمال جماعات التطرف، ويؤدي إلى مزيد من أعمال القتل والتدمير في أنحاء سوريا والتهجير فيها وإلى خارجها، ولا شك أن نتائج الزيارة سوف تحمل رسالة إلى النظام وحلفائه، أنه ينبغي وقف تلك السياسة والاتجاه نحو حل سياسي للقضية السورية، ويمكن تلمس ذلك من التصريحات الروسية التي أعقبت الزيارة مباشرة بأنه ينبغي الذهاب باتجاه حل سياسي، ولو أن التجربة لا تعطي جدية للتصريحات الروسية. وثمة جانب آخر في تلك النتائج يمكن أن تكون ذات صلة بالوضع العسكري، فالبيئة الجديدة، لا بد وأنها ستتضمن تغييرات في موازين القوى من حيث التنظيم والتسليح المتصل بهيئة أركان الجيش الحر وكتائبه في مواجهة النظام من جهة، وفي مواجهة قوى التطرف من جهة أخرى.

خلاصة الأمر، إن الزيارة خلقت أجواء جديدة تحيط بالقضية السورية في المستويات السياسية والعسكرية والإغاثية، لكن تلك الأجواء بحاجة إلى خطوات وإجراءات عملية، وهذا ما ينبغي انتظاره في الفترة القريبة القادمة لإثبات جدية وجدوى تلك الأجواء بصورة عاجلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بوتين (السوري) مؤسساً لإمبريالية الفاشية الجديدة

مطاع صفدي

القدس العربي

الاثنين 19/5/2014

استقالة الدبلوماسي الإبراهيمي ليست شخصية فحسب. كأنه يعلن استقالة الحلول السياسية كلياً من صيرورة النكبة السورية. كانت هذه النتيجة مفهومة ومتوقعة منذ بداية المهمة التي تقبلها الإبراهيمي عن طيب خاطر رغم يقينه المسبق بعقم المحاولة. فلا حلول سياسية في ظل معارك القوة الغاشمة المشتعلة بين أطراف الأزمة. ليس هذا فحسب بل لأن هذه المعارك عينها لا يراد لها أن تنتهي، ولا أن تكون النهاية نصراً لفريق وهزيمة للفريق الآخر. إنها حرب طواحين كبرى صاخبة مستمرة في السحق والمحق من دون أي هدف آخر. فلا يمكن لأحد أن يدّعي أنه صاحبها أو قائدها، من بين جميع المرتزقة في حساب محاصيلها العبثية الدامية. ومع ذلك فإن لهذا العنف المجنون أطرافاً متعارضين من المستغلين، المتعطشين للمزيد من فظائعه وديمومته، وتجاوزه لأعلى معدلات الهمجية المعروفة والمستجدة. ولعلّ المستغلّ الأكبر لهذه المقتلة هي السياسة الدولية نفسها التي تدعي حفاظها على السلم العالمي، فهي عملياً أمست الخبيرة العظمى بأنواع ما يُسَّمى تجارات الحروب ببضائع الدبلوماسيات، من ‘حوارات’ و’اتفاقيات’ السلام الزائفة غالباً.

حتى لا نذهب بعيداً عن الجغرافية العربية، لنتذكر فقط أن قرار تقسيم فلسطين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، قد حكم مختلف خطوط التطور السياسي والاقتصادي وحتى البنيوي للمشرق العربي طوال سبعين عاماً تقريباً. وهو عصر الانقلابات والحروب الإقليمية والأهلية التي لم يعش العرب مثيلاً لها حتى في أحلك عصور انحطاطهم الحضاري. هذا التقسيم المشؤوم كان من أولى ثمرات الدبلوماسية الدولية لعالم النصف الثاني من القرن العشرين، وقد تلاقت حول بنوده قوى الغرب والشرق آنذاك، أي أمريكا وأوروبا والاتحاد السوفييتي، وحتى الصين كان قمة المظلومية العربية المستديمة. ولقد نسجت بقية الإتفاقيات الدبلوماسية في هذه المنطقة على منواله، من معاهدة كمب ديفيد إلى تفاهمات أوسلو. ليس هذا فحسب بل حتى الحرب الأهلية اللبنانية انتهت صورياً تحت بنود اتفاق (الطائف)، لكنها استمرت سياسياً في بلد الأرز حتى أزمة الرئاسة الراهنة، والانقسام الأهلي العنيف إزاء سلاح حزب الله وإيران.

هل يمكن للمقتلة السورية أن تنجو من هذا المصير سياسياً دبلوماسياً أو عسكرياً أو إرهابياً، حتى . بل هو الأمر على العكس تماماً. إذ تبرهن هذه المقتلة أنها هي الذروة المطلقة لمذاهب السياسة المعاصرة. فالعالم العربي ومحيطه الإسلامي، والدائرة الإقليمية الأوسع فالأوسع منه، سيكون لها مستقبل مختلف تماماً بعد المقتلة السورية عمّا كان عليه قبلَها، وإذا كانت بعض شرارات الصراع المؤذية قد انطلقت نحو الخاصرة الأوروبية مع أزمة أوكرانيا، فإن ذروة حروب المشرق ستكون لها الفعالية الرئيسية في تعديل موازين للقوى الكبرى والوسطى. وإذا كان ثمة اجماع بين المراقبين في الغرب على اعتبار الصراع مع روسيا بوتين هو بداية العودة المشؤومة إلى عصر الحرب الباردة. لكنها ستكون هذه المرة حرباً باردة ولاهبة في وقت واحد، لأن منطلقها هو من صنف الحروب الإقليمية والأهلية. والمشرق سيكون هو مهدها الأول. شرط النقل السريع (الترانسفير) لكثير من تداعياتها إلى مناطق رخوة كثيرة من القارة الأوروبية نفسها.

ما يخشاه ويتوقعه بعض الفكر الغربي النقدي ليس عودة آلية لمعطيات الحرب الباردة السابقة بل هي الرجعة الأشد إرهاباً واستفزازاً لعصر الفاشية، لديكتاتورية الفردية الكاريسمية ، وجماهيرها المهووسة بقصص العرقيات؛ ومزاياها المتناقضة والإعتقادات الجماعية وأساطير التفوق وأمجاده الكاذبة. فالعقل النقدي اللاسياسوي، ينظر إلى جولات ‘النصر’ للسلاح الروسي كأسباب رئيسية في إنقاذ الإستبداد السوري من السقوط المحتوم، وقد شجعت بوتين على نقل شيء من فاشيته الداخلية في روسيا إلى محيطها الخارجي، بل حفّزته لإطلاق مشروعه التوسعي. الذي هو العلاقة المميزة دائماً للفاشيات الأوروبية. وهكذا فإن التسليم الأوروبي لبوتين بنجاح مخططه في دعم نظام الإستبداد السوري قد يعني مباشرة أن أوروبا نفسها سوف تواجه نوعاً من انبعاث مضطرد لحركات اليمين المتطرف، ومن ثم لأنظمة، من الديكتاتوريات المتفشية في العديد من أقطارها الشرقية، وقد يقابلها في الأقطار الغربية العريقة صعود نزعات من اليمين المتطرف والقوموي، ومن المعروف أن هذه النزعات كانت متغلغلة في الكثير من كيانات المؤسسات السياسية الحاكمة والمجتمعية، دون أن تكّف أشباحها نهائياً عن تهديد الديمقراطية، عبر مختلف التحولات والإنجازات، كما عَقِبَ النكسات والخيبات التي كانت تقترفها بعض أحزابها (الديمقراطية) أو حكوماتها العابرة.

لا يمكن للغرب أن ينكر أن غروب الأمبريالية الأمريكية ستتابع فصوله الدرامية. ولن يكون انحساره عن بعض مناطق الشرق الأوسط سوى مقدمة كذلك لانسحاب نفوذها وأدوارها الظاهرة والخفية من القارة الأوروبية. هناك إذن شكل آخر من الأمبريالية التي يمكن وصفها بالأمبريالية الفاشية التي عليها أن تؤدلج أنظمة الإستبداد بابتعاث أظلم النظريات العنصرية البائدة، وإن تحت عناوين التمايزات الدينية والعرقية والحضارية. ولقد خاضت هذه الأمبريالية الفاشية تمارينها الأولى الناجحة ختى اليوم انطلاقاً من قلب المشرق، وصولاً إلى الخاصرة الأوروبية. هنالك إذن مشروع بناء كتلة دولية، بمحور قاري، أوروبي آسيوي، يحلم بوتين بقيادته، كأحدث تجمع عالمي، سوف يرث أمبريالية أمريكية هرمة متداعية.

باكورة إنجازات هذا المشروع هو خياره اللامحدود للإستبداد العربي ضداً على ثورات ‘الربيع. فقد نصب بوتين نفسه حامياً مطلقاً لأخطر نماذجه. نَشَل هذا الإستبداد من نهاياته المحتومة. زَرَقها بحياة جديدة. قلب بوتين ما كان يسمى بمعسكر الممانعة ضد الإستعمار والصهيونية، إلى ممانعة دموية رهيبة ضد شعوبها وحضاراتها. فلقد عرف العرب في تاريخهم المديد كل صنوف العنف الذاتي، لكنهم لم يشهدوا مثيلاً لهمجيات دولانية قاتلة للبشر والحجر معاً،على طريقة طواغيت المشرق، وذلك بدعمٍ من السلاح والخبرة والتخطيط الروسي. حيثما فشلت أمريكا بإجهاض ثورات الحرية العربية وفق أساليبها القديمة المكشوفة، تتطوع الروسيا البوتينية بتلقين طواغيت المنطقة طرق النقلة النوعية من مناهج القمع التقليدي، إلى منهج الإبادات الشاملة المحفوفة بفظائع التعذيب والتنكيل الجماعي.

ومن غرائب هذه التحولات في فلسفة البطش الهمجي الممنهج أن ‘السياسة الدولية’ إياها ابتدعت لنفسها أدوار الشاهد الذي لا يعفُّ عن مشاركة المجرم تارة بأساليب الإدانات اللفظوية، في حين يسمح للطغاة أن يتابعوا فظائعهم أمام الملأ الأعظم مما يسمى بالرأي العام العالمي. فقد وصلت صفاقة البطش بأحد كبرائها إلى السخرية من مفاهيم الشرعية الدولية أو الدستورية عندما منح ذاتَه رئاسةً ثالثة على أنقاض دولة سورية. ولسوف لن تعاقبه أية سياسة لأية دولة أو دول عظمى حتى بنزع جديد للمشروعية، بل ربما كافأته مجدداً، تحت مصطلح الإعتراف بالأمر الواقع، وتبرعّت له بإعادة تملك شخصي لسوريا، لسبع سنوات أخرى، وما قد يتلوها من سباعيات التسلط إلى مالا نهاية حتى موته، ومن ثم توريثها لنسله من بعده.

أما على الصعيد العالمي فإن عودة الإستبداد مصحوباً بزميله الدائم الذي هو الفساد، لن تكرر الإستقطاب السابق بين كتلة إشتراكية وأخرى رأسمالية كما كان الحال إبان الحرب الباردة. بل هناك وحدها الأمبريالية ستكون هي الفرس المتفوق، وإن ظل لها إسمان، إحداهما هو الأمبريالية الأمريكية التي سيطول زمن أفولها وانهيارها، والآخر هو إسم الأمبريالية الفاشية. وللإثنين عدوّ واحد مشترك هو حريات الشعوب، المتقدمة منها والنامية، فما أبعد عصر الديمقراطية من هذا الزمن العالمي الرديء.

أما الزمن العربي فهو الخبير التاريخي بإنتاج الحريات الكلية، وبأساليب إجهاضها في وقت واحد. لكنه مع ذلك سيظل هو الحد الفاصل ولو نظرياً، بين ماضيه وكل مستقبل آخر، عربياً كان أو عالمياً. وعصرنا الراهن يمثل فصلاً رئيسياً في هذه الملحمة الإغريقية المستديمة. إنه لا ينذر بالكوارث النهائية وحدها ما دام يمتلك موهبة الإستشعار بالمستقبل المختلف. فلا تأسر عينيه بقعةُ المكان حيثما يتوقف جريان الوقت ولو لحين؛ عيناه مرفوعتان بنظرهما إلى أمام، إلى أفق المجهول، لعله يتعرف إلى بعض رموزه في حاضره الراهن البائس.

‘ مفكر عربي مقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عبادة ‘البسطار’

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 19/5/2014

بعد ثلاث سنوات أعقبت وفاة أبيه حافظ الأسد، وتوريثه مقاليد سلطة ‘الحركة التصحيحية’، خلال وصلة مبتذلة شهدها مسرح الدمى الباصمة، (أو ‘مجلس الشعب’ في تسمية النظام)، اقتضت تعديل موادّ الدستور، الاستبدادي أصلاً، بما يتناسب مع عمر الوريث؛ وضمن استيهاماته الجارفة حول ضرورة تمييز شخصيته، ‘الشابة’ و’العصرية’ و’الإصلاحية’، وقتل الأب السياسي والسيكولوجي ما أمكن؛ بلغ بشار الأسد الخلاصة التالية: عسكرة المجتمع على الطراز الكوري الشمالي (نموذج كيم إيل سونغ تحديداً، الذي كان الأسد الأب مولعاً بأفكاره ونظامه وطرائق إدارته للمجتمع والدولة والحزب في آن)، لم تعد لائقة. فضلاً عن أنها أسفرت عن النقيض أحياناً، كما في نجاح جماعة الإخوان المسلمين في اختراق منظمات شبيبة والطلبة التابعة لحزب البعث، ‘قائد الدولة والمجتمع.

وهكذا، خلع فتيان سوريا ثياب ‘التربية العسكرية’، أو ‘الفتوّة’ في التعبير الأكثر شيوعاً، وعادوا إلى ارتداء أزياء مدرسية موحّدة ذات ألوان أخرى غير الخاكي العسكري التاريخي؛ بل لقد تعمّد خبثاء النظام اختيار ألوان أكثر إنسانية وبساطة وجمالاً، زهرية وسماوية ورمادية، تنزع عن الطلاب والتلاميذ (من حيث المظهر الخارجي، في أقلّ تقدير) صفات ‘جنود’ و’شبيبة’ و’أشبال’ الأسد. كذلك توجّب تخفيف عمليات العسكرة المباشرة، على طراز مطلع الثمانينيات، حين تولّى رفعت الأسد ومفارز ‘سرايا الدفاع تدريب الشبيبة (والشابات، بصفة خاصة) على القفز المظلي مقابل إعفائهم من معدّل الدرجات المطلوب للانتساب إلى كليات الطبّ والهندسة. وعُدّلت، أيضاً، أنظمة عسكرة اتحاد الطلبة عن طريق إلزام الطلاب الجامعيين بأداء تدريب عسكري مستمر، والخضوع لمعسكرات صيفية.

كذلك، وبالتوازي مع هذه ‘المقاربة’ الجديدة، كان مهدي دخل الله (رئيس تحرير صحيفة ‘البعث’، الناطقة باسم الحزب الحاكم، قبل أن يتولى وزارة الإعلام، في خريف 2004)، قد فاجأ رفاقه البعثيين بهجوم كاسح ضدّ ‘المنطلقات النظرية’ للمؤتمر القومي السادس للحزب (وهذه، لمَنْ لا يعرف، ‘درّة’ و’مفخرة’ التيار اليساري في حزب البعث بجناحَيْه، حيث يتردد على نطاق واسع أنّ المفكر السوري الراحل ياسين الحافظ شارك في كتابتها)؛ وذلك بحجة أنّ ‘الدهر أكل عليها وشرب’، وآن أوان وضعها على الرفّ! كذلك بدا دخل الله حريصاً على التمييز بين ‘بعــث سوريا’ و’بعث العراق’، فليس كلّ بعث بعثاً أيها السادة في واشنطن، لندن (وإياهم كان يعني الرجل، ويخاطب)؛ وإلا، فماذا نقول ـ حسب محاججة دخل الله العبقرية! ـ في… ‘حزب البعث الروسي’!

هذان التطوران، في المستوى التربوي ـ العسكري، والمستوى الحزبي ـ العقائدي، ارتديا أهمية خاصة إضافية، بالنظر إلى ما أخذ النظام يشهده من تفاعلات داخلية وخارجية، نتيجة الاحتلال الأمريكي للعراق؛ وما أسفر عنه المشهد الإقليمي من ضغوط مباشرة على خيارات الأسد، في العلاقة مع الولايات المتحدة تحديداً. انحناء، كان أحياناً أقرب إلى ركوع، أمام العواصف، من جانب أوّل؛ ويقين، من جانب آخر، أنّ الحفاظ على تراث ‘الحركة التصحيحة’ في ملفات بنيوية كبرى (مثل فتح شبكات الولاء على مصراعيها، مقابل تضييق هرمية السلطة بحيث تبقى حكراً على الحلقات الأصغر والصلاحيات الأوسع والامتيازات الأقصى، وقتل أيّ وكلّ حراك سياسي أو مدني يمكن أن يتيح انعتاق الاجتماع السوري من ربقة الاستبداد، وإغراق السوريين في خواف مستديم من سرديات كارثية تُقعد لبنان والعراق…)، يظلّ أهمّ وأبقى.

ليس مدهشاً، إذاً، أن يرتدّ الوريث اليوم إلى فلسفة العسكرة ذاتها التي اعتمدها أبوه طيلة 30 سنة، فلا تنتشر مظاهر العسكري في المدن والبلدات والقرى الموالية تحديداً، فحسب؛ بل تتعاظم أيضاً أنماط عسكرة الماضي، فلا تقتصر على ‘التربية العسكرية’ وحدها، وإنما تحوّل ما يسمّيه النظام ‘قوات الدفاع الوطني’ إلى قطعات (بل قطعان!) موازية للقوّات النظامية الموالية، وإلى ميليشيات هوجاء عمياء، تؤجج المشاعر الطائفية، مثلما تشتري وتبيع أمن المواطن البسيط، وتتاجر بالسلاح والذخيرة. وعلى مدخل مدينة اللاذقية، مثلاً، حيث أوكار أفواج الشبيحة الأشدّ فاشية وتغوّلاً، احتفل رجال النظام بتدشين ‘نصب’ تذكاري لا سابق له، في التاريخ المتمدن، من حيث ابتذال المعنى وانحطاط الدلالة: حذاء عسكري ضخم، يجاور مجسّماً لطلقة رصاصة!

وبهذا المعنى فإنّ اللون الخاكي يبدو أقلّ مهانة للبشر، أياً كانت انحيازاتهم، من ‘بسطار’ يُرفع على الرأس في مسيرات التأييد، أو تحضنه صبية ‘منحبكجية’ وتُشبعه لثماً وتقبيلاً. كأنها تقول، في تنويع يخطر على البال: ‘بشار! عسكر! بسطار وبسّ!’…

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الفساد والاستبداد

حسين العودات

البيان

الاثنين 19/5/2014

    لعل من أسوأ الصفات التي تطلق على نظام سياسي، صفتي الفساد والاستبداد. وقد كانت هاتان الصفتان تاريخياً هما المانعان الرئيسان لتحويل السلطة القمعية إلى دولة ذات مضمون اجتماعي، وخاصة خلال القرنين الأخيرين، حيث تشكلت الدول الحديثة وأخذت هيكليتها النهائية.

ولسوء حظ الشعوب النامية، لم تنعم بتأسيس دول حديثة بل أقامت بدلاً منها سلطة «حديثة»، مسلحة بأشد أنواع الأسلحة فتكاً، وبأكثر القوانين قسوة وشدة، وتركت لغرائزها حرية إشباع رغباتها من المال والسلطة والقمع وانتهاك القانون.

يعني الفساد أول ما يعني الاستهانة بالعدالة، وبتكافؤ الفرص بين المواطنين والتوزيع العادل للثروة، وبانتهاك القوانين والأنظمة المعمول بها، وعدم احترام التقاليد والقيم الوطنية والمحلية، والالتفاف على القطاع العام مالياً، وعلى الأخلاق العامة اجتماعياً وثقافياً..

فتخف في نظر الناس أهوال الكذب والسرقة والتدليس والغنى غير المشروع، ويُبرر الإجرام والتجاوز والاعتداء على مقدرات الآخر وقيمه، ويدفع الفقراء وأبناء الشعب ثمناً باهظاً، ويتحولون إلى مغلوبين على أمرهم لا يلوون على شيء، مما يحط من كرامتهم، ويجبرهم على الميل إلى الذل والخنوع للسلطة.

أما الاستبداد فيعني أن السلطة تنفرد بصلاحيات الدولة ومهماتها، وتعطي لنفسها الحق بالسطو على مؤسسات الدولة (العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، وإلحاقها بها إلحاقاً كاملاً، وكأن هذه المؤسسات ملكية خاصة بالسلطة وليست للناس جميعاً، فضلاً عن عدم احترامها للقانون، وعدم تطبيقه، وخاصة في ما يتعلق بقمع الناس واعتقالهم دون تهمة أو دون التحقيق معهم.

ورفض أي ملاحظة أو نقد أو إشارة سلبية لتصرفاتها، وكأن قراراتها قوانين منزلة لا تقبل الاحتجاج أو الرفض أو حتى التأويل! ولتنفيذ هذه السياسة وهذا المنطق، تشكل السلطة أجهزة أمن توكل إليها التنفيذ، وشيئاً فشيئاً يعطي المسؤول الأمني، في غياب المراقبة والمحاسبة، لنفسه الحق في الاجتهاد في كيفية التصرف.

ويضع بدائل للقانون نفسه ولتطبيقه، كما يعطي حرية العمل لغرائزه البدائية التواقة لجني المال والتحكم في الناس، حتى يصبح مسؤولو هذه الأجهزة شركاء في السلطة إن لم يصبحوا السلطة نفسها.

ولأن السلطة سلطة وليست دولة، فإنها رغم مركزيتها وقسوتها، تجد نفسها ضعيفة أمام الناس بسبب ارتكاباتها، وتضطر للجوء إلى أجهزة الأمن لمواجهة معارضة الناس لسياستها، فيزيد صلف هذه الأجهزة وارتكاباتها واستبدادها، وتجد أجهزة الأمن مصالحها في السكوت عن هذا التجاوز مقابل «المعلوم»، والتحالف مع فئة من الأغنياء الجدد الذين جمعوا أموالهم بطرق غير مشروعة.

وفي الخلاصة، يطلقون العنان للفساد، وتشاركهم السلطة ذلك، وهكذا يؤدي الاستبداد إلى الفساد، ويتحالف بذلك الفساد والاستبداد والقمع ومخالفة القانون واختراق القيم. وعندما تتراجع الممارسة الديمقراطية وأعمال الرقابة، يزداد بالضرورة الفساد والاستبداد، ولذلك نجد الظاهرتين ناميتين في البلدان العربية ذات الأنظمة الشمولية، وقد كشفت ذلك بوضوح انتفاضات الربيع العربي، وبانت فضائح في بعض الأنظمة العربية يندى لها الجبين.

فمن منا كان يعتقد أن حجم المال المنهوب في تونس، الجمهورية قليلة الموارد التي تعتمد أساساً على السياحة، يبلغ عشرات المليارات من الدولارات، وتجاوز في ليبيا مئات المليارات (وما زالت البنية التحتية الليبية بدائية وكأنها خارجة للتو من العصور الوسطى)! وبلغ المال المنهوب في مصر أيضاً، من أهل السلطة وحلفائها، مئات مليارات الدولارات، وحتى اليمن (السعيد) الفقير والمحروم، خرجت منه عشرات المليارات، أما الجزائر فقدر أحد رؤساء حكوماتها المال المنهوب بستة وعشرين مليار دولار، وذلك قبل ربع قرن من الآن..

أما العراق، وهو من أغنى بلدان العالم باحتياطي النفط الذي ينتج منه سنوياً ما يعادل مئة مليار دولار، فهو لا يجد في خزينته ما يسد حاجة بلاده من الكهرباء، وأحياناً من الرواتب والأجور! وقدر وزير الاقتصاد السوري الأسبق، أن أموال السوريين في الخارج تجاوزت مئة وثلاثين مليار دولار، في الوقت الذي تقتر فيه السلطة السورية على شعبها في استيراد حاجات لا غنى عنها.

انتشرت ظاهرة الفساد في الدول العربية ذات الأنظمة الشمولية، بلا رحمة ومن دون حدود، فلم تعد تقتصر على الفئات العليا من المجتمع (من المسؤولين أو الأغنياء)، بل طالت ما تبقى من أبناء الطبقة الوسطى، والأهم ما يرافقه من تخل عن الكرامة وعزة النفس، والالتزام الوطني والافتخار بالانتماء للهوية الوطنية والتمسك بالقيم الأخلاقية، حيث انهارت هذه جميعها أمام ضربات الفساد.

حاول بعض السلطات مواجهة الفساد بالأسلوب الذي تفهمه (وتستسهله)، أعني أسلوب القمع، لا أسلوب خلق الشروط الموضوعية لتراجع الفساد وعودته مذموماً مدحوراً كما كان في تقاليدنا الشعبية.

ومن يريد الآن مواجهة الفساد ثم محاربته، لا بد له من ممارسة الديمقراطية في المجتمع، وإطلاق يد وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني (والأهلي أيضاً)، لتراقب أجهزة السلطة وآلية عملها، وتفضح ممارساتها السلبية، وتعزز ثقافة مواجهة الفساد والتربية على رفضه، وفي الوقت نفسه تجفيف منابعه، ليتراجع يوماً وراء يوم، ولتتحول السلطة إلى دولة شيئاً فشيئاً.

 وربما كانت هذه الوسيلة هي الوحيدة للقضاء على الفساد، أي بإقامة الدولة الحديثة واحترام معاييرها، وتحويل السلطة إلى دولة، أي إلى سلطة للدولة، وليست دولة للسلطة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السبب.. «حرب المدن»

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 21/5/2014

ما أن أبدى أحد الحاضرين استغرابه بقاء خطوط إمداد النظام مفتوحة في كل مكان طيلة فترة الصراع معه، حتى قال خبير عسكري: بالأصل، ليست معركة سوريا الراهنة غير حرب سيطرة على خطوط الإمداد، ولا يجوز أن تكون لها أي أهداف أخرى غير قطع خطوط إمداد جيش النظام، ولم يكن من الضروري أن تتركز أو تخاض في أماكن بعيدة عنها أو هامشية الأهمية بالنسبة إليها. حين أضاف شخص آخر ملاحظة تقول: إنها أيضا حرب للاستيلاء على مراكز التوجيه والسيطرة أو لتعطيلها، وعلى مستودعات الذخيرة والوقود، قال العسكري: من الأسهل قطع خطوط الإمداد، الممتدة على آلاف الكيلومترات وتخترق مناطق إما خالية من السكان، يسهل فيها نصب الكمائن وتنفيذ عمليات إغارة متتابعة، أو أنها تمر وسط كثافة سكانية قروية ومدينية تجعل عبورها حافلا بالمخاطر وعرضة لمختلف أنواع الهجمات، سواء من السكان أنفسهم أو من وحدات قليلة الأعداد حسنة التسليح سريعة الحركة، تقاتل على مبدأ «اضرب واهرب»، الذي يتيح للمنشقين من الجنود والضباط الالتحاق بالأهالي والاختفاء بينهم، والقيام بعملهم العسكري على أفضل وجه.

لكن النظام نجح في تموين جيشه وإمداده بالذخائر والأسلحة والوقود طيلة نيف وأربعة أعوام، رغم أن بلادنا تتمرد عليه من أقصاها إلى أدناها، وأن عددا هائلا من بناتها وأبنائها يحملون السلاح ضده، وأنه عاجز تماما عن الاعتماد على أي دعم يمكن أن يقدموه له، لأنهم بكل بساطة ضده من رؤوسهم إلى أخامص أقدامهم، ولا يترددون عن مقاتلته في أي موقع أو مكان، بعد أن أنزل بهم قدرا من الأذى جعل من المحال تعايشهم معه أو قبولهم به أو الامتناع عن مقاتلته بكل وسيلة وأداة.

واليوم، والمعركة تتحول أكثر فأكثر إلى معركة حول طرق الإمداد، والنظام يفقد أكثر فأكثر سيطرته على هذه الطرق والمساحات الأرضية الفاصلة بينها، يطرح نفسه سؤال حول السبب في بقاء طرق الإمداد مفتوحة أمام قوات النظام قرابة ثلاثة أعوام كاملة؟

أعتقد – أنا غير العسكري وغير الخبير - أن السبب يكمن في «حرب المدن»، الحرب التي اختارتها المعارضة أو فرضها النظام عليها – لا فرق - بكل ما شابها من محدودية مكانية وتفكك عملياتي وتشتت قيادي بلغ درجة من التشظي والتذرر يصعب تصديقها: من يصدق أن معارك نشبت ضد بعض الأحياء، وأن الأحياء المجاورة لها امتنعت عن مساعدتها، رغم علمها بأن سقوطها سيضعف موقفها ويهدد قدراتها ويسرع سقوطها هي أيضا؟ في حرب المدن، لا يتركز القتال على قطع طرق إمداد النظام، بل يتركز على انتظار قدومه إليها ومقاتلته داخلها، مما يترك له حرية الحركة ويلزم المقاومة المسلحة بقتال من الثبات خلو من حرب الحركة، التي تجبر قواته على اتخاذ اتباع استراتيجية دفاعية جوهريا مهما اعتمدت من تكتيكات هجومية، وترغمه على الدفاع عن مواقع ثابتة، بينما تتحرك هي بمرونة وتنتهج استراتيجية هجومية مهما تخللها من معارك دفاعية تكتيكيا.

بعد دمار معظم المدن، وعقد هدن غير متكافئة مع النظام كان آخرها في حمص: رمز الثورة ورافعتها الرئيسة طيلة أعوام، بدأت المقاومة تتحرك وإن بصورة محدودة، وأخذت حربها تدور حول طرق المواصلات والإمداد، وتتخذ شكل صراع مع النظام حول تموين قواته بالذخائر والطعام، وقطع طرق إمدادها، التي لا شك في أنها تمثل أخطر نقطة ضعف تواجهها، لن يكون من الممكن إيجاد حل مرض لها، بسبب كثافة المقاومة من جهة والانتشار الواسع جدا لوحداته المبعثرة والمشتتة من جهة أخرى، التي لن تقوى على الصمود لفترة طويلة، بمجرد أن تواجه مشكلة السلاح والطعام، وتجد نفسها معرضة لاضمحلال تنظيمي وقيادي متعاظم، ولضغوط نفسية سيعاني منها جنودها وضباطها، ناجمة عن وحشية وهمجية اعتداءات جيش السلطة على المواطنين العزل والمسالمين.

أخيرا، صرنا نسمع بمعارك لقطع الطرق السريعة، ولتقطيع وتشطير مناطق انتشار الجيش الأسدي. وبرزت معارك مميزة في هذا السياق كمعارك مورك وخان شيخون والطريق السريع بين إدلب واللاذقية، التي تعتبر معارك ناجحة جدا سواء في أساليب إدارتها، أو في عائدها العسكري والسياسي. هذه المعارك، تمثل انعطافة مهمة تثري حرب المقاومة ضد النظام وجيشه، ولا بد أن تغطي الأرض السورية، لأن انتشارها يعني إنزال هزائم متلاحقة بجيش سلطوي فككته قيادته كي ينشر الرعب في كل مكان وتطال يده كل سوري، لكنه سيجد نفسه تحت رحمة السوريين وفي متناول أيديهم، وسينحشر في قواعد قليلة ستزداد ضعفا وستتناقص عددا، وسيخسر ويخسر إلى أن يعلن استسلامه وحدة بعد أخرى، وموقعا بعد آخر.

إنها حرب طرق الإمداد، حرب الحركة والمرونة، التي لن يقوى النظام على مواجهتها، حتى إن عبأ حزب الله سائر مراهقي الضاحية الجنوبية وأرسلهم للموت في سوريا، وجاء جميع مرتزقة العراق إلى سوريا. إنها حرب الحركة، حرب الحرية، التي ستطيح بالطغيان وستمكننا من تحاشي أخطاء كانت ستقضي على الثورة، لولا أن قرر الشعب إنقاذها بالغالي من دمائه، وبروح الفداء والبطولة التي تعصف اليوم بالنظام، وبمن يساندونه من مرتزقة وغزاة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيار أخير للسوريين

زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 22/5/2014

سورية باتت «أكثر أمناً» بعد تخلُّص النظام من كل مكوّنات إنتاج غاز السارين. ماذا عن البراميل المتفجّرة؟... ولو امتلكتها «داعش» أو «جبهة النصرة» أو «القاعدة»، أياً يكن فرعها، هل يبقى الغرب متفرّجاً، متلعثماً كما الآن، فيما يكاد يصدق الوهم الذي باعه للسوريين ليتنصل من دعم المعارضين إلا بالكلام والورود.

وإذا كانت حال مجلس الأمن الكسيح مرآة صادقة لعزوف الأوروبيين والأميركيين عن ابتكار وسائل لوقف فصول الإبادة المسلّطة على رؤوس السوريين، فالفجيعة هي استمرار الإبادة ما شاء النظام، ليلِد سورية مبتورة الأطراف، بائدة الحضارة والتعايش... سورية كما تريدها روسيا وإيران، مجرد ممرٍّ لمصالحهما، وساحة لتصفية الحسابات مع الغرب، ولو بـ «التشبيح».

يقاتل الروس والإيرانيون بدماء السوريين، وبذريعة قطع الطريق على «الخبثاء» الذين يسعون إلى نصب فخٍّ بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ليمهّدوا لغارات جوية على سورية. والكرملين الذي تستفزّه نيات واشنطن وباريس ولندن، لأنها «تريد التدخل» باستخدام القوة، لا يجد أي حرج في ما يفعله النظام السوري بشعبه.

مزيد من الاستبداد إذاً؟... الخيار الآخر أمام العرب جهنّم انهيارات الحدود، ليصبحوا بين فكّي إبادة: أنظمة «تشبيح» لا تجد رادعاً، تسوس شعوبها كالقطعان، تفرّخ «داعش» وأمثالها ليكتمل التحالف الأسوَد بأنهارِ دماء. فمَنْ فوق عليه أن يبقى فوقاً وفاء لمن يحميه بالسلاح والمال و «التشبيح»... وإلا كانت تجارة كاسدة.

دُهاةُ التجارة، الصينيون ضمنوا لبوتين الوجه الآخر للفيتو الثنائي في مجلس الأمن، وفيما هو يحرّك خيوط «لعبة» قضم الشرق الأوكراني، من دون استخدام صاروخ واحد، يندفع التنين في بحر الصين الجنوبي، تتحرك أساطيله وهو يشكو «البلطجة» الأميركية.

بالعزف على الوتر الروسي- الصيني، لا يحتاج الكرملين إلى ما هو أفضل من صفقة القرن: غاز للتنين لثلاثين سنة، أما مبلغ الـ400 بليون دولار فيكفي لضمان فصول أخرى من عرض العضلات، ليسلِّم الغرب بموتٍ معلن لنظام عالمي تحتكر أميركا رأسه وشؤونه.

ولكن، هل يُعقل أنّ كل ما يواجهه الغرب بإذلال، ومعه كيانات عربية، هو مجرد فاتورة لخطيئتَي الحرب على أفغانستان وغزو العراق واحتلاله؟ وهل كل الإرهاب والتطرف والعنف في المشرق هو صنيعة الثأر لتدخّل أميركا وإطاحتها حاكماً عربياً؟

أكثر من ذلك، وبصعود نجم إيران، خصوصاً منذُ فتحت ذراعيها للغرب، هل يتحول المثلث الإيراني- الروسي- الإسرائيلي عامل «استقرار» في نظام عالمي جديد قد يقتضي محو حدود عربية (بدلاً من محو إسرائيل)؟

قد يكون في كل ذلك، رثاء لأمة شاخ تاريخها منذ استسلمت لوهم النهوض القومي... بالكلمات. السياسة العربية في أحسن الأحوال تُدار بالنيات، والخطر الإسرائيلي كان أفضل سلاح في جمهوريات العسكر العربية، لتمديد قبضتهم على كل حياة... في محاربتهم راج الإتجار بالدين، فرّخ تنظيمات ودكاكين، بات مهنة، فتلطت الجاهلية المعاصرة بشعارات العدل وحرية الإنسان.

أليست تلك محنة العراق واليمن وبعدهما سورية؟ أليست لليبيا الميليشيات حصة كبرى؟ البداية دائماً حصص الميليشيات والأحزاب في فيديراليات الرعب والقتل.

في رثاء أمة، مفجع أن يتبصّر بعض العرب ويتبحّر في ما آلت إليه أحوال سورية نظاماً وثورةً وحرباً... الكارثة أن يُستنتج بعد سقوط أكثر من 160 ألف قتيل، أنَّ الأَوْلى كان تغيير المجتمع لا النظام. ولكن، ما مبرر الصدمة؟ كانت كل شجون العرب وأزماتهم تدور حول التخلّص من الاستعمار، اليوم بات البطل رغيف خبز!

وهل يُعقل أن تكون حرية في عالم قطباه الاستبداد والإرهاب؟ كيف لخليفة الديكتاتور أن يتشفّى منه بإعدامه، ثم يمشي على خطاه، خوفاً على الوطن؟ ولاية ثالثة؟ فلتكن رابعة، لأن حبل الإرهاب طويل ومواجهته قبل الحرية والخبز.

فلنمشِ إلى صناديق الاقتراع، وإن كان الأمل ضئيلاً باختصارها مواكب الجنازات. حين تتحول الديموقراطية مجرد عملية تجميلية لشرعية ناقصة، كي تمكّنها فتستأسد، أو تكون قمة الخداع والكذب، ألا يجدر ألاّ ننسى إحصاء الشهداء، ولو بتنا نأبى الصُّوَر.

خيار أخير، ربما، ترك المسرح للديكتاتور والإرهابي، ولتهاجر الأمة، قبل الرثاء الأخير.

بين الرفيق والمرشد والديكتاتور، سينهض العالم الجديد على أشلاء بلا هوية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون بوصفهم عوالم منفصلة!

أكرم البني

الجياة

الخميس 22/5/2014

أفضى استمرار العنف المنفلت إلى انزياحات واسعة في المجتمع السوري، وأكره الناس على الاصطفاف فيما يشبه العوالم المنفصلة، بحيث يبدو أن لكل عالم طريقة عيشه وهمومه ومخاوفه.

هناك السواد الأعظم من السوريين المتضررين مما خلفته الحرب ولغة السلاح وباتوا منشغلين بلملمة جراحهم وتسكين آلامهم وبجهادهم المرير من اجل الاستمرار في الحياة، سواء كانوا مهجرين خارج الحدود او نازحين داخل الوطن أو آثروا البقاء في بيوتهم ويحاولون التكيف مع دوامة العنف وتدبر لقمة العيش في ظل ظروف امنية واقتصادية قاسية.

وإذ يتعرض اللاجئون السوريون إلى أخطار وانتهاكات جسيمة منذ بداية رحلة الهروب من نار المعارك المستعرة حتى تجاوز الحدود، فهم يجبرون على العيش في معازل ومخيمات بشروط سيئة لا تليق بالبشر تتفاوت شدتها تبعاً لبلد اللجوء، أهمها معاناتهم من الإقصاء والاستبعاد ومن هشاشة حياتهم بلا مؤسسات ولا عمل، وخضوعهم تالياً للمعونة المقدمة من منظمات الإغاثة الدولية، التي تعجز عن تلبية احتياجاتهم، بدءاً بالغذاء والملبس، إلى الاستقرار والتعليم والحماية من جنون الطبيعة كالبرد والصقيع، ومن الاستغلال الجسدي وبخاصة للأطفال والفتيات، إلى الواقع الصحي الضنين، وهم الأكثر عرضة للأمراض السارية والأوبئة، وتكتظ صفوفهم بالجرحى والمصابين بإعاقات موقتة أو دائمة.

يشارك النازحون داخل الوطن اللاجئين المعاناة ذاتها بحثاً عن ملاذ يقيهم جحيم الحرب وقد باتوا اليوم بلا مأوى أو في حالة عوز شديد بعد ان فقدوا كل ما يملكون ويدخرون، ومرغمين أحياناً على التسول وغالباً على قبول أعمال وضيعة ومذلة لتأمين قوت يومهم، والأنكى أن عقدة الخوف من الملاحقة والاعتقال والتعذيب تتضاعف عندهم بسبب انتماء غالبيتهم إلى المناطق المتمردة، حتى صار بعضهم يجد الموت أرحم مما يكابده من خوف وقهر وجوع.

ثمة ما يصح تسميته عالم السلطة والمناطق الخاضعة لسيطرتها، وفيها تبدو الحياة كأنها تسير بشكل طبيعي، وإذا استثنينا سقوط القذائف القاتلة على بعض الأحياء، وكثرة الحواجز الأمنية المنتشرة في الشوارع والساحات، ثمة ما يشي بأن البشر قد أدمنوا ظروف عيشهم القلقة، فلم تعد تشغل بالهم حدة المعارك وأصوات الانفجارات وقصف الطائرات وأعداد الضحايا، بينما لا يوفر النظام جهداً لتكريس هذا الإدمان، مستقوياً، مرة بالنتائج التي حققها عسكرياً في الريف الدمشقي وحمص لبعث الثقة بسياساته وبجدوى خياره الحربي، ومتوسلاً، مرة ثانية الانتخابات المزمع إجراؤها لتجديد حيوية السلطة برغم تأثيرها في فرص المعالجة السياسية، ومرة إثارة المخاوف مما قد يحل بالبلاد في حال انتصار الإسلامويين المتشددين، ربطاً بتسخير الدولة وتفعيل مؤسساتها لتوفير أهم مستلزمات الحياة في مناطق نفوذه، كالالتزام بخدمات الماء والكهرباء والاتصالات، والمساهمة في تأمين المواد الغذائية والأدوية، مراهناً على مقايضة رضا الناس بما يلقونه من اهتمام بغض نظرهم عن حالات الحصار والتدهور المريع في الأوضاع المعيشية والإنسانية لأخوة لهم في الوطن.

وفي المقابل هناك عالم يحتفي بنفسه بصفته حامل لواء الإسلام والمسلمين، ويفيض بكتائب متنوعة من محاربين اسلامويين جاءوا من مختلف البقاع، ويتنافسون على فرض ما يعتقدونه شرع الله على الأرض، من دون اعتبار لتعددية المجتمع السوري وتنوع مكوناته ولشعارات ثورته عن الحرية والكرامة والدولة المدنية، ولا يخفف من خطورة هذا «العالم» القول إنه ولد كرد فعل على عنف النظام واستفزازاته الطائفية، أو الادعاء بأنه طارئ وغريب ويرتبط بأجندة خارجية سيزول بزوالها.

والمشهد يثير العجب والأسى في آن، فإلى جانب الصراعات الدموية المفتوحة بين هذه الكتائب في سعي كل منها للسيطرة على مناطق الآخرى، بين داعش والنصرة، وبينهما وبين بعض فصائل «الجيش الحر» تحضر المعاناة المركبة التي يكابدها أبناء تلك المناطق، وكأن الحصار والجوع وغياب الحد الأدنى من الحاجات الإنسانية، ثم القصف اليومي والعشوائي وما يخلفه من ضحايا ودمار، لا يكفيان ولا بد أن يستكملا باستبداد إسلاموي لا يقف عند إرهاب البشر وإرغامهم على اتباع نمطه في الحياة وإنزال أشنع العقوبات بحق من يخالف ذلك، بل وصل إلى حد النيل من رموز وأماكن العبادة، وفرض مناهج دينية تلقن للأطفال لا تمت بصلة لمنطق العلوم والمعارف، والأهم اعتقال بعض المعارضين واغتيال آخرين والتنكيل بالناشطين المدنيين والإعلاميين.

وأخيراً يصح اعتبار الكيان السياسي للمعارضة والمؤلف بغالبيته من سوريين معارضين في الخارج، عالماً قائماً بذاته، فهو لا يزال بتشكيلاته المتعددة في وادٍ بينما المعاناة الشعبية في وادٍ والأنشطة المسلحة في وادٍ آخر، وأهم مثالب هذا الكيان، أنه وضع كل بيضه في سلة الدول الغربية وراهن على دورها في إحداث التغيير المنشود، إن لجهة الامتثال للتوافقات التي تجريها حول الشأن السوري، والمثال «جنيف 2» أو لجهة حضّها على التدخل العسكري المباشر لتعديل مجرى الصراع، أو لمد المعارضة بالسلاح، مع أن ذلك يبقى عنواناً لحرب مديدة تغذي منطق العنف وجحيم الحرب، حتى لو سوغ الأمر بأنه رد طبيعي على عنف مفرط لم يتخلّ عنه النظام لحظة واحدة، أو الادعاء بأن استجرار السلاح غرضه تكتيكي لتعديل توازنات القوى من أجل إجبار النظام وحلفائه على التسليم بالمعالجة السياسية وفتح الباب لقيام الحكومة الانتقالية العتيدة.

لن تعود سورية إلى ما كانت عليه قبل آذار (مارس) 2011، فثمة جديد رسخ في الأرض وهناك متغيرات نوعية حصلت وتركت علامات عميقة في وجدان الناس وطرائق تفكيرها وخياراتها في الدفاع عن حقوقها، ويبقى الأمل قائماً، على رغم بشاعة ما يحصل، بأن تصمد أسباب اللحمة أمام نوازع التفرقة والتمييز، وبأن تحث التضحيات التي قدمتها مختلف المكونات السورية، لبناء دولتها وتعايشها، على الاستمرار في تغليب انتمائها الوطني على أي انتماء!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الروس وحمايتهم للأسد من المحاكمة!

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

الخميس 22/5/2014

سارعت الدعاية السورية لتطمين القلقين من انشغال الروس بأوكرانيا والقرم عن دعم نظام بشار الأسد. استشهدت ببيان اللقاء الصيني - الروسي المؤيد للنظام في دمشق، وبتعهد موسكو باستخدام الفيتو ضد إحالة ملف جرائم الحرب للمحكمة الدولية، وبالطبع أشارت إلى تأييدها مهزلة إعادة انتخاب الأسد. وقالت: اطمئنوا فروسيا واثقة أن الأسد سيستعيد سلطته على كامل البلاد خلال ثلاث سنوات.

تستطيع روسيا استخدام حق الفيتو إلى ما لا نهاية في مجلس الأمن، لكن هذا لن يكفي نظام الأسد للبقاء، ولن تفيده البيانات السياسية. وما تفعله الآن من منعها لفتح ملف جرائم الحرب في محكمة لاهاي، جريمة روسية جديدة. من جانب آخر، لقد استنفدت روسيا كل ما يمكن أن تمنحه للنظام من إمكانيات عسكرية، ومعلومات استخبارية، وإدارة غير مباشرة للمعارك على الأرض، ومع هذا لا يزال معظم التراب السوري خارج سلطته. حتى حمص التي حاصرها، وجوع أهلها، ودمرها، وأجبر المقاتلين على الخروج منها، لم يفلح في وقف الاقتتال في محيطها. كما عادت القوى المسلحة تهاجم العاصمة دمشق من جديد.

الروس يعرفون جيدا أن نظام الأسد استهلك الدعم الخرافي من إيران وروسيا وفشل في الحرب. القوات والميليشيات الأجنبية تقاتل في معظم المعارك نيابة عن الجيش الحكومي، ومع هذا لم تستطع قلب المعادلة. وبالتالي سيسقط الأسد سواء على يد غالبية الشعب السوري الثائر ضده، أو - في حال استمرار الولايات المتحدة رفضها تأييد السوريين - سيسقط النظام بسبب تكاثر الجماعات المتطرفة الراغبة في توسيع مناطق سيطرتها، والأرجح أنها ستذهب باتجاه دمشق لاحقا.

إذن، في كل الحالات لن ينجو النظام سواء دعمته موسكو وإيران أم تخليتا عنه. أما إيران، فإنها أكثر وضوحا اليوم في استعدادها للقبول بحل سياسي في دمشق، لو كان ذلك ثمنه عزل الأسد، إلا أن المطالب الإيرانية لا تزال غير معقولة بعد، ونحن ندرك أن هناك دائما نقطة في المنتصف يمكن الاتفاق عليها في الوقت المناسب.

تبقى روسيا المتورطة في أزمة أوكرانيا على حدودها ليست في وضع يسمح لها بأن تعبث في منطقة بعيدة مثل الشرق الأوسط؛ فهي في أعظم محنة لها منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، تحاول جاهدة السيطرة على الوضع هناك خشية أن تنتقل العدوى إلى بقية جمهورياتها السابقة. روسيا بفقدانها أوكرانيا عمليا خسرت أهم بلد حليف لها في العالم. وكل ذلك نتيجة لنفس العقلية التي تتعامل بها مع سوريا أيضا؛ فقد أصرت موسكو على تتويج رجل مكروه حاكما رغم رفض الناس له، وإعادته قسرا للسلطة، لكن في النهاية طرد في ثورة شعبية، تحولت إلى نقمة ضد موسكو نفسها، دفعت الأوكرانيين لطلب الانضمام إلى حلف الناتو.

وصار الروس في بداية حرب اقتصادية ومواجهات دبلوماسية وغيرها مع الولايات المتحدة وليس مع الجيش السوري الحر الصغير. وموسكو مع الوقت والضغط المتزايد هي من سيحتاج إلى تأييد خارجي، فما الذي سيعطيها السوريون والإيرانيون؟ عمليا، هم عالة عليها، وعبء سياسي؛ فإيران لا تستطيع الاستمرار تحت الحصار العنيف، ونظام الأسد مفلس، ولا يملك حتى ثمن دفع أكياس الدقيق التي يستوردها. كل ما يمكننا قوله أن سياسة موسكو حمقاء، حقا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مأساة لكل مواطن

عبد حامد

القدس العربي

الخميس 22/5/2014

يكفي المواطن العربي الكريم، ان يقرأ أو يسمع أو يرى، مأساة عائلة سورية واحدة، منذ ان اعلن، النظام وشبيحته والميليشيات الايرانية، حربهم الشعواء، على الشعب السوري، وما تعرضت له من مختلف انواع البشاعات والاهوال في داخل الوطن، وما واجهته من محن ورزايا وويلات، وهي في طريقها لمغادرة سوريا، وما صب فوق رأسها من فواجع وكوارث وكل انواع البلاء، حتى تحترق كل ذرة في كيانه مرارة وحسرة ولوعة، لحالها نعم هذا هو حال كل مواطن عربي كريم، وهكذا اصبح لكل عربي ينتمي لهذه ألامة دما وقلبا وروحا وشمائل، مأساة دامية مروعة، وذلك بفضل تقاعس اغلب دول العالم وحكوماته، عن نصرة هذا الشعب المظلوم، والحق ان ظلم هذا النظام لم يقتصر، على ابناء هذا الوطن وحده، بل طال الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين.

ومنذان استلمت هذه العائلة، مقاليد السلطة والحكم في سوريا، لقد دكت صوارخ ارض- ارض قلب بغداد واحدثت دمارا واسعا وخرابا هائلا فيها، وكم من عائلة دفنت تحت ركام منازلها، وكان كاتب هذه السطور شاهد عيان على ذلك، في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، عندما تحالف، حافظ الاسد مع نظام الملالي لقتل العراقيين، وهذا هو نفس ما يفعله بشار الابن، في حربه الشعواء على السوريين والعرب، فهو يقتفي سيرة والده، واذا كان البعض من العرب وغير العرب، لا يعرف حقيقة معدن هذه العائلة، ويستغرب من مايقترفه هذا النظام اليوم، فان شعب سوريا لا يستغرب ذلك، بل كان يتوقعه، لانه يعرف جوهر ووظيفة هذه العائلة، لذلك خرج مطالبابتغييره، والخلاص من ظلمه وجوره، لكن ما يؤلمنا ويوجعنا، ان يتحمل هذاالشعب وحده، مسؤولية رفع كل هذا الظلم والضيم عن كاهل العرب، كان لزاما وواجبا شرعياواخلاقيا ووطنيا وانسانيا، ان تشارك كل الدول والحكومات، الشعب السوري في مهمته النبيلة هذه، وخصوصا الدول والحكومات، التي تعرض ابناء شعبها لقمع وظلم هذه العائلة، وذلك تعاطفا مع ابناء شعبها ونجدة لهم وغيرة عليهم، اما الحكومات التي لم تفعل ذلك، فهذا له أكثر من دلالة ومغزى، نعم هذا فضل كبير، يسديه احرار سوريا لكل العرب، بتحملهم لهذه المسؤولية الجسيمة الكبيرة والكريمه، ولعمري هذا شرف يليق بهم وبمكانتهم، بين شعوب الامم، وعلينا ان نتذكر، ان شر هذه العائلة على العرب، ومهمته في ايذاء العرب لم تتوقف الى الان، فها هو يقود حربااعلامية وغير اعلامية شعواء، على دول عربية اصيلة وكبيرة لمجرد انها، عملت على انهاء هذه الماساة الانسانية المتواصلة، وحقن دماء العرب والمسلمين، ونصرة للحق والعدل والانصاف، وكانت قد طالبت الاسد بالاستماع لمناشدات مواطنيه، منذ لحظة نزولهم الى الشوارع والساحات العامة متظاهرين سلميا، للتعبير عن اهدافهم وغاياتهم المشروعة والمحقة، لكن النظام ابى ان يحقق لهم ولو جزءا من ذلك، بل بادر الى اطلاق الرصاص الحي عليهم، ومن ثم اقترف بحقهم حرب الابادة الشاملة التي لا زالت متواصلة، منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، انه على استعداد مطلق وكامل، ان يضحي بالوطن والشعب، في سبيل بقاء حياته ونظامه، وهذا ما لا يرضاه حر على وجه الأرض على الاطلاق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بعد حمص: من مفاوضات الوكلاء إلى مفاوضات أصحاب الحل

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 22/5/2014

ما حدث في حمص، في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، لا يشبه في شيء سوابق هدنات أجراها النظام، بمساعدة من ‘معارضين معتدلين’ في بعض الأرياف المحيطة بدمشق، بعد بلوغ استراتيجيته العسكرية القائمة على نهج ‘الجوع حتى الركوع خواتيمه المتوقعة.

فقد خرج شبان حمص المسلحون الثائرون من أحيائهم المحاصرة، والسلاح على الكتف، إلى المناطق المحررة من ريفها الشمالي ليستأنفوا منها حملتهم المسلحة الهادفة إلى إسقاط النظام. قايضوا النظام أطلال مدينة باتت مغادرتها مؤكدة، بحريتهم واستئناف كفاحهم البطولي من جبهات أخرى.

للوهلة الأولى بدا سقوط ‘عاصمة الثورة’ بعد حصار مديد وحرب قاهرة بالطائرات والصواريخ، انتكاسة مؤسفة لمصلحة النظام على أعتاب انتخاباته الرئاسية التي يريد منها بث اليأس في قلوب السوريين بالقول إنه باق على صدورهم لسبع سنوات إضافية ببرنامج بنده الوحيد هو تركيعهم واستعبادهم إلى أبد الآبدين. غير أن هدنة حمص المختلفة التي أدت إلى خروج مقاتليها بسلاحهم، انطوت على ما يجعلنا نعيد النظر في هذا الذي يراد لنا قراءته منها. قبل كل شيء، لم يكن المفاوض باسم النظام سورياً، بل تولى الأمر ضباط إيرانيون من الحرس الثوري لم يعدموا، برغم ثلاثة عقود ونيف من ثورة الملالي وسلطان الولي الفقيه وصخب الممانعة الصوتي، مهارات تاجر البازار الراسخة في الثقافة الفارسية التقليدية. وربما هذا ما يفسر نجاح هذه المفاوضات مقابل الفشل الفاضح لقرينتها السياسية في مؤتمر جنيف رقم 2، حيث تولاها من جانب النظام روبوتات بذيئة لا تميز بين اجتماع جماهيري لحزب البعث، حيث الكذب الصفيق هو الكلام لا ملحه وحسب، ومؤتمر سياسي يجمع قوى دولية فاعلة.

تتحدث تسريبات مختلفة، هذه الأيام، عن مبادرة سياسية إيرانية للحل في سوريا. مبادرة تنطلق من اعتبار الانتخابات الرئاسية التي سيفوز فيها مرشح طهران، بشار الأسد، أمراً واقعاً تبني عليه حلاً متكاملاً مستديماً من وجهة نظرها. يقال إن الإيرانيين قدموا هذه الأفكار إلى الدول المعنية بالمسألة السورية وتنتظر تجاوباً منها. ربما في هذا الإطار أيضاً جاءت الدعوة السعودية إلى وزير الخارجية الإيراني لزيارة الرياض التي أعلنت بالتزامن مع وجود وزير الدفاع الأمريكي فيها. بكلمات أخرى، ما دام الانكفاء الأمريكي عن تدخل فعال في سوريا مستمراً، وما دام تدخلها السلبي بمنع قوى أخرى من التدخل الفعال، يمكن القول إن المسألة السورية تركت لبعض الفاعلين الاقليميين. وإذا كان فشل مؤتمر جنيف أمراً مسلماً به من جميع الأطراف، وتحول من همس إلى صخب بعد إعلان استقالة الأخضر الابراهيمي، فلا بد من تجريب ما لم يجرب. الإيرانيون الذين استبعدتهم الولايات المتحدة من ‘وليمة جنيف’ السياسية الفاسدة، أثبتوا لأصدقائهم وخصومهم معاً بأنهم المفاوض الوحيد الذي حقق نتائج ملموسة في حمص، ويتطلعون اليوم لتعميم هذا النموذج على سوريا ككل. تقوم المبادرة الإيرانية، وفقاً للتسريبات، على نوع من تقاسم السلطة يحتفظ فيه العلويون بقيادة الجيش، ويتقاسمون السلطة على الجهاز الأمني مع رئيس الوزراء الموسع الصلاحيات، على أن تترك أمور الإدارة والاقتصاد للمعارضة. وكل ذلك مقروناً بالتسليم ببقاء بشار في منصبه مع تخل نسبي عن قسم من صلاحياته الواسعة.

هل يمكن للقوى المناوئة أن تقبل بحل سياسي من هذا النوع؟ الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون قد لا يجدون غضاضة في حل مماثل، ما دام هاجسهم الأول في سوريا هو إرهاب منظمة ‘القاعدة’ أكثر من اهتمامهم بإسقاط نظام الأسد الذي يطرح نفسه شريكاً لهم في مكافحة الإرهاب، والأهم من ذلك أن القوى الدولية المذكورة لا تملك برنامجاً بديلاً في سوريا في ظل سياسة الانكفاء الأمريكية التي تعزي نفسها عن انخفاض هيبتها بواقع إنهاك الإيرانيين والروس في المستنقع السوري.

ولكن إذا كان التدويل المفرط للمسألة السورية قد أخرج الحل من يد السوريين، فما زال هؤلاء قادرين على تعطيل أي حلول دولية مطروحة لا ترضي الحد الأدنى من تطلعاتهم. ويمكن القول إن هذا الحد الأدنى يتمثل، بعد كل هذا الدم والخراب، في محاسبة رؤوس النظام الأمنية والسياسية على الفظائع التي ارتكبتها طوال أكثر من ثلاث سنوات، وهذا يعني بداهةً أن تلك الرؤوس لا مكان لها في أي سلطة انتقالية. أي أن المبادرة الإيرانية المسربة قائمة على أساس فاسد لا يمكن للسوريين أن يقبلوا به.

بيد أن براعة تاجر السجاد العجمي إنما تكمن في إقامة سوق المساومات. في الوقت الذي يطرح فيه حله السياسي ‘الممكن’ تنطلق تصريحات متشدديه بصدد الحدود الإيرانية التي تصل إلى شاطئ البحر المتوسط في جنوب لبنان، ويعلنون عن إعداد 130 ألف مقاتل إيراني للقتال في سوريا بدلاً من قوات النظام المنهارة، وعن جمع التبرعات وتمويل قتال الأفغانيين الشيعة في سوريا، ويتشدد مفاوضهم في الجولة الأخيرة من المفاوضات حول الملف النووي. هي إذن سياسة العصا والجزرة: إما بقاء النظام التابع لهم في دمشق واستمرار الحرب إلى أجل غير مسمى، أو بقاؤه في إطار حل سياسي يفرضونه على خصومهم، أثبتوا نجاعته في نموذج حمص.

فالوجه الآخر لاتفاق حمص هو قدرة الطرفين المفاوضين على الالتزام بتعهداتهما على رغم وجود أطراف أخرى من شأنها تعطيل أي اتفاق. فكما أرغم الإيراني شبيحة الأسد على السماح لمقاتلي حمص بالخروج مع سلاحهم الفردي من غير أن يتعرضوا لهم، تمكنت ‘الجبهة الإسلامية’ من إلزام مجموعات مسلحة أخرى، في مناطق أخرى، بإطلاق أسرى العلويين والإيرانيين والروس وبإدخال قافلة مساعدات إلى الشيعة المحاصرين في قريتي نبل والزهراء شمال مدينة حلب. الخلاصة أن فشل المفاوضين الوكلاء، النظام السوري والائتلاف الوطني لقوى المعارضة، أفسح المجال للأصلاء، إيران والجبهة الإسلامية، ليحتلا موقعيهما على طاولة المفاوضات.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com