العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25 / 01 / 2004


نشرنا لأي مقال أو بحث لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

داء الفالج في انتظار الظرف الناضج!

داء الفالج، لا تعالِج !

 ( مثل دمشقي)

مئتا مليون عربي نضجت جلودهم تحت سياط القمع والإرهاب والإستبداد ، لكن الظروف المواتية للديموقراطية والحرية لم تنضج بعد !

 أما متى تنضج هذه الظروف ، ومن الذي سيحدد مواصفاتها، فان الأمر مرهون بوقت ينادي حين يأزف، لا يُنادى !

كل شيء ينضج في هذا الشريط المترامي بين المغرب والخليج، إلا الظروف المواتية للحرية والديموقراطية .  ومنذ خمسة عشر قرناً، وهذه الشعوب تنجب مفكرين وقادة وفلاسفة وشعراء وملوك وأمراء وشيوخ ورفاق ،  وكلهم بلغوا درجة التعفن من كثرة ما نضجوا ، ولم يبق شيء غير ناضج سوى الظروف الموضوعية للديموقراطية !

لكن، كيف حدث أن أمة أنجبت هذا القطيع من القادة التاريخيين الناضجين ،  وبقيت هي غير ناضجة لممارسة الحرية والديموقراطية ؟

كيف حدث أن بطون الأمهات ولدت حكاماً ووزراء وجنرالات وماريشالات وقطاع طُرُق ناضجين، في شعب لم ينضج بعد ؟

واحد من الذين يحملون شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع، سألني وعلى شفتيه شبح ابتسامة :

- ما هي الديموقراطية التي تطالب بها ؟  و لمن ؟

أجبت بانفعال ظاهر :

- ديموقراطية بلا ضفاف ،  ديموقراطية للجميع ،  لخصومي في الرأي حتى ولو كانوا أعداء للديموقراطية !

وبلهجته الأكاديمية تابع الحوار وعاد يتساءل وكأنه لا ينتظر جواباً ،  فسؤاله سؤال مفحم :

- معنى ذلك أنه لو جاء الآن شخصٌ ، وطعنك بسكين، فلا يحق لك أن تعترض ،  فهو يمارس حريته ،  وأنت تقول أن الحرية بلا ضفاف .

سكت محدثي " الدكتور " وكأنه يدرس هذا المخلوق أمامه وانتظر، قلت :

- أهكذا تفسر الأمور يا صديقي ؟  وهل معنى الحرية والديموقراطية بلا ضفاف الاعتداء على حريات الآخرين ؟ لكنني لم أحصل على شهادة الدكتوراه والحمد لله ، والحرية عندي لها مفهوم بسيط جداً بساطة الأسماك ، الديموقراطية تعني عندي يا رعاك الله، أن أقول رأيي في الحاكمين دون أن أتعرض للسجن بدون محاكمة عشرين عاماً، أن لا أعتقل بدون سبب قانوني ، أن أتعرض للاستجواب بالحوار لا بالرفس واللبط والخيزرانات ، أن أستطيع كتابة مقال أنتقد فيه أياً كان، وأنام بعد ذلك في بيتي لا في بيت خالتي، غير خائف من زوار الفجر.

لكن صديقي الأكاديمي الناضج لم يتركني، قذف في وجهي حجة ظنها دامغة ، قال بلهجة المشفق:

- ما تقوله صحيح لا يختلف فيه اثنان ، وصحيح أن هناك أخطاء لدى الحكام والأنظمة، لكن شعبنا لم ينضج بعد لممارسة الديموقراطية ، ثم إن الديموقراطية يجب أن تكون نابعة من أرضنا ، من ظروفنا، لا مستوردة من الغرب ، هل تريد ديموقراطية مثل المطبقة في فرنسا وبريطانيا مثلاً ؟

قلت وأنا أكاد أخرج من جلدي :

- إذا كانت الظروف لم تنضج في بلادنا، ونحن أقدم شعوب الأرض حتى الآن ، فمتى تنضج ؟ و ما تسميه أخطاء لدى الحكام هو في الواقع جرائم و آثام ، فهل إبقاء ثلاثة أشقاء في سجون المغرب ثمانية عشر عاماً دون محاكمة، ودون تهمة واضحة، هو خطأ أم هو جريمة موصوفة ؟ هل إن قتل المعتقلين تحت التعذيب هو خطأ أم هو جريمة ؟ هل إن إثراء بعض المسؤولين والحكام بمليارات الدولارات هو خطأ أم أنه جريمة قطع طريق وإفساد في الأرض ؟

أما عن ضرورة أن تنبع الديموقراطية من أرضنا ، فهذه والله قصة عجيبة ، هل سنصل إلى زمن نتعاقـــدُ فيه مع شــركات للتنقيب عن الديموقراطية، كشركات التنقيب عن النفط؟ أعطني ديموقراطية وحرية نابعة حتى من الكونغو وأنا معك ، الفكر لا جنسية له ، ولا توجد ديموقراطيات تختلف عن بعضها ، كل ديموقراطية معناها انتخابات برلمانية وأحزاب وفصل بين السلطات ، كل ديموقراطية في العالم لا يمكن أن تعني غير سيادة القانون وعدم توقيف إنسان إلا بنص قانوني . كل ديموقراطية لا يمكن أن تعني تعذيب الناس وجلدهم وإخفاءهم في السجون عشرات السنين ، ثم لماذا تعترضون على استيراد الأفكار ، وتبررون استيراد المرسيدس والفيديو والتلفزيون ...

استغرقت في الحديث ، علا صوتي ، سَمِعَـــنا كل من في المقهى ، قال لي صاحبي حامل شهادة الدكتوراه :

- تكلم بهدوء ... لماذا تنفعل ؟

قلت بانفعال :

- هذه طبيعتي ، لا أستطيع إلا أن أنفعل ، لكن انفعالي لا يعني أنني أحجر على رأيك ، أو أطالب بمنع هذا الرأي ، بالعكس فأنا مع حريتك في إبداء رأيك حتى ولو كان هذا الرأي لا يثير إلا سخريتي ، فهناك أيضاً حرية السخرية ، إنهم هنا في فرنسا يسخرون من رئيس الجمهورية، يصورونه في التلفزيون على شكل ضفدع ، أو على شكل شخص شبه معتوه، والمذيع ينام مساء في بيته لا في الكـــرَكـــون!

همست بعد ذلك في أذن محاوري ، قلت له إننا لا نطمح إلى ديموقراطية على النمط الفرنسي فهذا كثير، وحجم الحلم لا يجوز أن يتجاوز حجم الواقع المرير ، نحن نحلم في هذه الأيام أن يعاملنا الحاكمون كما تعامل سلطات الاحتلال الفلسطينيين في الأرض المحتلة !

ثم أن الأرض العربية أنبتت خلال مئات السنين عدداً كبيراً جداً من الطغاة والجلادين ، فلماذا لا يراد لها أن تنبت حكاماً ديموقراطيين ؟

التعذيب والاستبداد والقهر ، مفردات لا جنسية لها ، لكنها توشك في هذه الأيام، أن تصبح مفردات عربية مئة بالمئة .

إن تراثنا العربي مليء بقصص عن العدالة والحرية ، عمر بن الخطاب كان إماماً من أئمة الحرية في العالم ، وعمر بن عبد العزيز كان نبعاً من الصفاء والمثالية في التقوى والورع ، فلماذا نضجت الظروف قبل خمسة عشر قرناً للبدو، لكي يمارسوا الديموقراطية والحرية ، ولم تنضج اليوم لشعوب تُخّرج هذا العدد الهائل من الدكاترة والبروفسورات والجنرالات ؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها ...

مصباح الغـفـري

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org