العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24/11/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الجوع والركوع

د. محمود نديم نحاس

عندما أقرأ في كتب التاريخ عن عصور الانحطاط وتغلب التتار والمغول على بلادنا، وكيفية معاملتهم الفظة للناس، ربما أصفها في نفسي بأنها مبالغات من أجل إثبات نظرية سوء معاملة الغزاة، أو الحال الصعبة التي وصل إليها الناس في تلك الأزمان.

لكننا اليوم صرنا نرى الطغيان رأي العين، فالبث المباشر من موقع الحدث، سواء عبر شاشات التلفاز أو عبر الإنترنت وشاشات الحاسوب والهواتف الذكية، يعطينا الصورة أوضح ما تكون، دون مبالغات أو إضافات.

وما يجري في سوريا للشعب المسكين يجعلك تبكي ألماً وحرقة، ربما أكثر مما بكى الناس عندما سقطت البلاد بيد التتار والمغول. فقد ذكرت مصادر إخبارية أن تقريراً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أقر بأن أكثر من نصف سكان ريف دمشق محاصَرون، إضافة إلى أكثر من ثلاثمائة ألف آخرين في محافظة حمص. وكما قال مسؤول أمني لدى النظام: هي حملة (الجوع حتى الركوع). فحواجز التفتيش تمنع تهريب حتى الخبز أو حليب الأطفال أو الدواء إلى المناطق المحاصَرة.

وإذا كان بعض السكان يأكلون الخضروات من البساتين المحيطة، فإن بعضهم يقتاتون على أوراق الشجر والحشائش، وآخرون أخذوا بفتوى جواز أكل لحم القطط والكلاب والحمير. وقد رُصدت أعراض سوء التغذية كالجفاف وفقدان الوزن الحاد والإسهال... إضافة إلى حالات وفاة بسبب سوء التغذية أو الجوع. في حين ذكرت بعض المواقع الإخبارية حدوث حالات تسمم ناتجة عن أكل لحوم البشر! وحالات تسمم جماعي من أطعمة فاسدة أو ملوثة.

صحيح أن القانون الدولي لا يحظر الحصار في الحروب، لكن التجويع جريمة حرب. ويقوم قناصة النظام بقتل الذين يحاولون تهريب المواد الغذائية للمناطق المحاصَرة، كما تقوم الطائرات باستهداف الحقول وإحراقها.

ربما كان الضابط الذي يدير حاجز مخيم اليرموك في دمشق أقل قسوة من ذلك المسؤول الأمني، فقد استخدم أسلوب (الجوع أو الركوع)، إذ بعد حصار المخيم عدة أيام، سمح بفتح الحاجز عدة ساعات ليتزوّد الناس بالخبز! فخرج الناس إلى المخبز القريب، وعادوا بعد ساعات يحمل كل واحد منهم ربطة خبز واحدة حسب تعليمات الضابط، فما كان منه إلا أن صادر كل الخبز! ثم جمع النساء العجائز والرجال الشيوخ وقال لهم: من يعوي سأعطيه ربطة خبز! إنه يتصدق عليهم من مالهم! فتقدّم شيخ سبعيني، وقد ترك أطفال ولديه الشهيدين يئنّون من الجوع داخل المخيم، وأطلق عواء ذئب جريح مخنوق، في مشهد يشبه المأتم حيث وجم الناس وأطرقوا رؤوسهم من هول الموقف! فضحك الضابط وقال للجندي: أعطِ هذا الكلب ربطة خبز!

وتحفل مواقع الإنترنت بقصص الهروب من الحصار ومعاينة الموت المحقق في الطريق، أو فقدان بعض أفراد الأسرة في سبيل بقاء الآخرين، ناهيك عن فقدان كل ما يملكون من مال ومسكن. كما تتحدث تقارير منظمات أوروبية عن قوارب الموت التي تقلّ السوريين الهاربين من الجحيم منذ أن دفعتهم الحرب إلى ركوب البحر بحثاً عن الحياة، لينتهي المقام ببعضهم ضحايا مجهولين في مقابر الأرقام، وذلك بعد معاناة مع أطماع سماسرة مافيا التهريب إلى أوروبا، وحالات الاحتيال التي يتمّ فيها استغلال حاجتهم ونهب أموالهم أو تسليمهم لسلطات بعض البلدان. وتشير التقديرات إلى غرق أكثر من خمسمائة سوري قبالة السواحل الأوروبية منذ مطلع العام الجاري.

لكن الشعب الذي خرج مطالباً بحريته وأقسم ألا يعود قبل أن ينالها، رفع شعار (الجوع ولا الركوع) وشعار (الموت ولا المذلة) لتبقى ثورته ثورة الكرامة التي تستحق قربان الروح والدم. أما الضمير العالمي فالواضح أنه في حالة موت سريري.

عندما نقرأ مقالاً بعنوان: اللاجئون السوريون وحق العودة، ينتابنا الحزن والأسى، فهذا التعبير استُخدم للاجئين الفلسطينيين الذين هرب آباؤهم وأجدادهم من القتل قبل خمسة وستين عاماً ومازالوا يطمحون بالعودة إلى بيوتهم، فهل يعني هذا أن تستمر مأساة السوريين سنين عديدة والعالم يتفرج؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

احتمالات تستدعي الترقّب، لا الاستنتاج

حازم صاغيّة

الحياة

السبت 16/11/2013

يتسرّع بعض المراقبين والمحلّلين في بلوغ الخلاصات وتبليغ النتائج. فالحوار الأميركيّ – الغربيّ مع إيران يرسم تقارباً ناجزاً، والحديث عن مؤتمر جنيف -2 يُصوّر انتصاراً كاملاً للأسد ونظامه. حتّى المحاولة التي يرعاها جون كيري للتقريب بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، تجد من يستبق نتائجها ويهلّل لنجاحها المضمون!

وبطبيعة الحال فإنّ نزوعاً رغبويّاً حادّاً يقف وراء هذا الاستعجال، جاعلاً من الأمنية تفكيراً ومن التفكير أماني.

والأمر ليس كذلك، بدليل أنّ جلسة الحوار مع إيران في جنيف انتهت إلى انسداد، بينما التناقضات الكثيرة، بين النظام والمعارضة السوريّين كما بين الروس والغربيّين، قد تنسف جنيف السوريّ. أمّا في ما خصّ الإسرائيليّين والفلسطينيّين، فبالكاد بدأت مسيرة يقف في طريقها ما لا يُحصى من مستوطنات.

هذا لا يعني أنّ اليوم مثل الأمس، وأنّ لا جديدَ في الأفق. فأغلب الظنّ أنّ ثمّة رغبة يتقاطع عندها الأميركيّون، الراغبون في تقليص التزاماتهم، والروس، الراغبون في توسيع دوائرهم، لإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط المتنازعة والمتصارعة والمقلقة للعالم كلّه. فإذا جمعنا جنيف الإيرانيّة إلى جنيف السوريّة إلى المحاولات الأميركيّة على الجبهة الفلسطينيّة – الإسرائيليّة، ارتسمت ملامح ميل أوّليّ إلى مؤتمر دوليّ جامع من النوع الذي يراجع السياسات وقد يراجع الخرائط أيضاً. وهذا ما يستدعي حكماً أن تكون الأطراف المعنيّة في حال من التواصل الذي تشهد عليه تطوّرات كمثل تدفئة العلاقات الروسيّة – المصريّة، أو استئناف العلاقات البريطانيّة – الإيرانيّة.

وميل كهذا لا ينفصل عن تطوّر كبير مفاده أنّ الثورات العربيّة هزّت الوضع القائم القديم هزّاً عميقاً، إلاّ أنّها أبدت وتبدي عجزها عن استيلاد وضع قائم جديد ذي نصاب مستقرّ. وفي هذه الفجوة اتّسعت رقعة الفوضى وصعدت قوى متطرّفة لا يتّسع لها صدر العالم. يضاف إلى ذلك أنّ قوى، كالأكراد مثلاً، بل خصوصاً، نجحوا في التحوّل لاعباً كبيراً في غير بلد من البلدان التي يتمزّق نسيجها الوطنيّ.

بطبيعة الحال فإنّ ميلاً كهذا يحضّ على استحضار نقاط التقاطع وتظهيرها بين المعنيّين بالأمر، والنقطة الأهمّ، في هذا المجال، مسألة الإرهاب. بيد أنّ استحضار التقاطع لا يعني تغييب الخلافات، وإلاّ انتفت الحاجة إلى أيّ مؤتمر، بل إلى كلّ سياسة أيضاً. وهذا ما يسمح بالقول إنّ تلك العمليّة، التي لا تزال في بداياتها، ستغيّر إيران، وقد تغيّرها أكثر ممّا تغيّر البلدان والمناطق الأخرى. ذاك أنّ نظاماً إيديولوجيّاً وإمبراطوريّ النزوع يصعب أن يصمد لتعديلات يرغب أصحابها في استئصال أسباب التوتّر والاضطراب.

مع هذا، فإنّ ما يدعو إلى شيء من الحذر هو أنّ مبادرة ضخمة كهذه، إذا ما أتيح لها الإقلاع، تتطلّب إدارة أميركيّة تعيش زخمها الأوّل، لا إدارة في النصف الثاني من ولايتها الثانية. كما تتطلّب دعماً عسكريّاً أكبر لقوى كـ «معتدلي» الثورة السوريّة، ودعماً سياسيّاً أكبر لقوى كالسلطة الفلسطينيّة، بما يعدّل توازنات القوى على نحو أكثر نفعاً لصورة المستقبل بوصفه شيئاً أشدّ عدلاً واستقراراً.

ولا بأس، في هذه الغضون، من تغليب المراقبة على الاستنتاج.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حزب الله في سوريا والمجتمع الدولي

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 17/11/2013

لا ينفصل دور حزب الله اللبناني وأمينه العام حسن نصر الله في الأزمة السورية عن المسار العام لمسيرة الحزب وأمينه العام منذ تأسيسه، وقد جاء في إطار استراتيجية إيران في المنطقة، التي وجدت في لبنان بمعطياته وظروفه فرصة لخلق أداة قوية بالتعاون مع النظام السوري بما كان له من وجود فاعل ونشط في لبنان وفي صفوف بنيته الطائفية ونخبته السياسية، وبالاستناد إلى ذلك تطورت سياسات وممارسات حزب الله من لبنان إلى خارجه، ولا سيما في المحيط الإقليمي وصولا إلى دوره الراهن في سوريا.

وسياسات حزب الله وأمينه العام وتجسيداتها العملية تكرست أساسا في الجغرافيا اللبنانية التي ينتشر فيها حزب الله بعد أن تواصلت حلقاتها عبر سلوكيات وممارسات قام بها الحزب منذ تأسيسه في اغتيال شخصيات دينية وسياسية وفكرية لبنانية وصولا إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وعدد من قادة ثورة الأرز على نحو ما هو شائع من معلومات، وسط أجواء من التحريض والحض على الكراهية، والتجييش الطائفي، وتعزيز الانقسام الطائفي في لبنان، سارت بالتوازي مع القيام بعمليات تفجير وإرهاب جماعي، والقيام بعمليات قمع وقهر اتخذت طابعا «شعبيا» في لبنان على نحو ما حدث في بيروت في أحداث مايو (أيار) 2008 المعروفة.

لقد غطت الحملة الديماغوجية في عداء الحزب وزعيمه نصر الله لإسرائيل، والكلام عن نصرة المستضعفين ومقاومة النفوذ الغربي في المنطقة، على تلك السلوكيات والممارسات، وجعلتها خلف ستار من ظروف المنطقة وشعوبها التي عانت وتعاني الأمرين من واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي مرر عبر الحملة الديماغوجية، ليس السياسات والممارسات الإجرامية في لبنان وحده بل وامتداداتها في المنطقة وفي العالم، فكانت سياسات حزب الله وممارساته سلسلة متكاملة في كل المناطق والبلدان وخاصة لجهة دوره في البحرين مثالا وفي تركيا ومصر في المحيط الإقليمي وفي أوساط الجاليات الإسلامية عبر العالم، وخاصة لجهة تعميق الانقسام الإسلامي إلى شيعة وسنة على قاعدة الخلاف والتناقض في إطار استراتيجية إيرانية يمثل حزب الله وزعيمه الذي أعلن منذ زمن طويل أنه ممثل الولي الفقيه في لبنان، واحدة من أهم أدواتها.

ولا شك أن المثال الأشد فظاعة في سياسات حزب الله وممارساته على المستوى الخارجي من نشاط الحزب وزعيمه، هو انخراطه في الأزمة السورية والذي تطور من إعلان تأييد خجول للنظام إلى انخراط شامل في نهج النظام الغارق قتلا للسوريين وتدميرا لبلدهم وقدراتهم، ودعما للنظام الذي قال أحد قادة حزب الله أخيرا إنه كان سيسقط في خلال ساعتين لولا تدخل حزب الله إلى جانبه، وقد أضاف الأمين العام للحزب الذي جاهر بقتال حزبه مع النظام ضد السوريين، أن ميليشيات وأسلحة وقدرات حزبه باقية في سوريا على دورها وممارساتها، ما دام استمر الصراع بين السوريين ونظامهم، الأمر الذي يعني أن الحزب مستمر في عملية قتل السوريين وتدمير بلدهم.

وإذا كان من معنى في موقف وموقع نصر الله وحزبه في الأزمة السورية، فإنه صار طرفا أساسيا سيتحدد بناء عليه مستقبل الوضع السوري، وأنه صار قوة احتلال تتخذ من نظام ساقط بالمعنى السياسي والأخلاقي ستارا لوجودها ودورها، وهو يعني إضافة إلى ما سبق، أن الحزب استبدل بما كان يزعم من عدائه لإسرائيل العداء للشعب السوري تحت حجج «الدفاع عن لبنان» و«الدفاع عن فلسطين والقضية الفلسطينية» إلى آخر شعارات الديماغوجية، التي اعتاد رفعها في إطار ممارساته طوال نحو ثلاثين سنة مضت.

وإذا كان مسار حزب الله وزعيمه مضى في خط واحد للوصول إلى دوره الدموي في واحد من أخطر الأحداث السياسية والإنسانية والأخلاقية في التاريخ، فإن موقف المجتمع الدولي والرأي العام يسجل تهاونا، بل تراجعا في فهمه وموقفه من مسار الحزب وزعيمه ودوره في الحدث السوري، وما يمكن أن يتطور إليه على المستوى الإقليمي والدولي خاصة في ضوء ما قاله نصر الله أخيرا من أن الوضع في المنطقة «قد يخرج عن السيطرة»، ويصل إلى مرحلة لا تستطيع قوى عالمية أو إقليمية أن تتحكم فيها، إذا لم تفلح التسويات السياسية، مما يعني تهديدا مفضوحا بتفجير المنطقة، إن لم يتم ضمان تقاطعات مصالح تهمه، وهو ما يمكن أن يحصل إذا استمر موقف المجتمع الدولي الذي كان قد صنف حزب الله في إطار المنظمات الإرهابية في العالم، وهو يسكت عن ممارساته اليوم في سوريا وتهديدات زعيمه بإغراق المنطقة في الدم والدمار. وهذا يعني أن المجتمع الدولي اليوم أمام تحديات حقيقية يمثلها بقاء نظام القتل السوري، ودور حزب الله في سوريا أداة إيران الاستراتيجية، والتي تجد دعما مباشرا وغير مباشر من جانب روسيا وبلدان أخرى. لقد آن الأوان للعالم أن يقف على قدميه!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المهاجرون السوريون في ذكرى الهجرة

د. محمود نديم نحاس

نشرت صفحة إحصائيات الثورة السورية أرقاماً مخيفة عن المجتمع السوري، إذ بلغ عدد النازحين في الداخل السوري خمسة ملايين وسبعمائة ألف، فيما بلغ عدد المهجرين إلى الخارج أكثر من مليونين وستمائة ألف، وعدد المعتقلين قريباً من ربع مليون، وعدد المفقودين قريباً من تسعين ألفاً، وعدد الجرحى قريباً من مائة وثلاثة وأربعين ألفاً، وعدد الشهداء المعروفة أسماؤهم قريباً من مائة ألف، وعدد المفقودين قريباً من تسعين ألفاً. وبحسبة بسيطة فإن هذه الأرقام تعني أنه منذ بداية الثورة إلى الآن يُقتل مواطن كل ربع ساعة، بينما يُجرح آخر كل 10 دقائق، ويُعتقل ثالث كل أربع دقائق، ويهاجر بيته كل يوم 2758 مواطناً. أما الأطفال فقد قُتل منهم أكثر من ثمانية آلاف، أي بمعدل طفل كل ثلاث ساعات.

الأرقام كلها مرعبة، وإذا جُمعت أعداد النازحين والمهجرين فإنها تعني أكثر من ثلث السكان! والعدد في ازدياد، إذ تشير بعض التقديرات إلى أنه سيبلغ نصف السكان في نهاية العام.

وتطل علينا ذكرى الهجرة النبوية ونحن نطالع هذه الأرقام المخيفة من المهجرين، فلابد أن يأتي في الذهن بعض من دروس تلك الهجرة.

وربما يستطيع الإنسان أن يدبج الخطب والمقالات في نصح هؤلاء الناس وإعطائهم دروساً في الصبر من خلال الدروس المستقاة من الهجرة النبوية، لكن الفرق كبير بين الذين خرجوا من مكة طوعاً بعد أن ضاق عليهم الأمر فيها، فهاجروا أولاً إلى الحبشة حيث ندبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، إذ فيها ملك لا يُظلم عنده أحد، وعاشوا فيها معززين مكرمين، ثم إنهم هاجروا إلى المدينة المنورة، بعد أن فتح الله قلوب أهلها، فاستقبلوهم، وأكرموا وفادتهم، وقال قائلهم لأخيه المهاجر: هذا شطر مالي! فردّ عليه المهاجر: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق... نعم إن الفرق كبير، فالمهاجرون السوريون اليوم يهربون من القصف الذي يدمّر بيوتهم فوق رؤوسهم، فيخرجون وهم لا يعرفون وجهتهم، فالنازحون في الداخل لم يستقبلهم أحد، بل سكنوا المدارس، والحدائق والشوارع، أما الذين هربوا إلى دول الجوار، فتختلف معاناتهم من بلد إلى آخر.

صحيح أن الهجرة سلوك إنساني قديم ومستمر، إذ لولاها لما انتشر بنو آدم في أصقاع الأرض، بحثاً عن الكلأ، واستكشافاً للمجهول، وصحيح أن الهجرة في سبيل الله باقية، كما ورد في الحديث (لا تنقطعُ الهجرةُ حتَّى تنقطعَ التَّوبةُ، ولا تنقطعُ التَّوبةُ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ من مغربِها)، لكن الهجرة من القصف والقتل والترويع والتجويع تختلف عن أي هجرة.

نعم إنهم هم الذين نادوا (ما لنا غيرك يا الله) لكن أوضاعهم في مخيماتهم تحتاج للدعاة ليذكروهم أن النصر مع الصبر (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)، فلا يسيطر عليهم اليأس والإحباط، ولينالوا ثواب الهجرة بحسن النية. لكن عمل الدعاة هذا لا يكفي إلا إذا شعر المهاجرون بتعاطف إخوانهم معهم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، فهم إضافة للكلام الطيب والبسمة المشرقة بحاجة أيضاً ليد حانية تساعدهم على العيش ولو عيش الكفاف.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في (احتكار) الإسلام وتمثيله

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 17/11/2013

في (احتكار) الإسلام وتمثيلهفي يومٍ مضى من تاريخنا، وتحت فصلٍ بعنوان (في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد)، كتب الإمام ابن قيم الجوزية، تلميذ ابن تيمية، في أحد كتبه الكلام التالي: "هذا فصلٌ عظيم النفع جداً، وَقعَ بسبب الجهل به غلطٌ عظيمٌ على الشريعة، أوجبَ من الحَرَج والمشقّة وتكليف مالاسبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به. فإن الشريعة مبناها وأساسُها على الحِكم ومصالحِ العباد في المعاش والمعاد. وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالحُ كلها، وحكمةٌ كلها. فكل مسألةٍ خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل ..... فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمتهُ بين خلقه، وظلّهُ في أرضه، وحكمته الدّالةُ عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتمّ دلالةٍ وأصدقها".

وكتب في مقامٍ آخر قائلاً: "ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفِهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضلﱠ وأضلﱠ، وكانت جنايتهُ على الدين أعظم من جناية من طببَ الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتابٍ من كتب الطب على أبدانهم . بل هذا المفتي الجاهل أضر ماعلى أديان الناس وأبدانهم والله المستعان".

ثم أردف قائلاً في موقعٍ ثالث: "فمهما تجدد العُرفُ فاعتبره، ومهما سقط فألغِهِ، ولا تجمُد على المنقول في الكتب طول عمرك. بل إذا جاءك رجلٌ من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجرِهِ على عرف بلدك، وسَلهُ عن عُرف بلده فأجرِهِ عليه وأفتِهِ به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك. قالوا: فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلالٌ في الدين وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين".

هل قرأ بعض من يدﱠعون تمثيل الإسلام في سوريا اليوم هذا الكلام؟

من الواضح أن في الأمر مصيبةً إذا كانوا لم يقرؤوه، وأن المصيبة أعظمُ إذا كانوا قد قرؤوه.

كيف يمكن لأي فئةٍ أن تدﱠعيَ بأن فهمها للإسلام هو الفهم الأمثل له؟ ثم أن تَقسر الناس على اتباع هذا الفهم؟

إن كلام ابن قيم الجوزية، الذى يُعتبر جوهرياً في كيفية فهم الإسلام وتطبيقه في الواقع، يتضاربُ كلياً مع مثل ذلك الادعاء الذي يقتضي عملياً احتكار فهم الإسلام واحتكار تمثيله.

صحيحٌ أن الانتماء للإسلام، والغيرة عليه وعلى أبنائه، والانشغال بحاضره ومستقبله، حقٌ لكل من ينتمي إليه بشكلٍ من الأشكال. بل ربما يمكن القول أن ذلك الأمر هو واجبٌ عليه.

ولكن من الضرورة بمكان التعامل مع هذه المسألة بنوع من الحساسية والحذر والانتباه. خاصةً عندما تأخذ حركة الإنسان ونشاطاته أبعاداً جماعيةً تخرج عن إطار دائرته الفردية، وخاصةً عندما يصبح لتلك الحركة وذلك النشاط تَبِعاتٌ جماعيّة، ويترتّبُ عليها نتائج تؤثر في مصائر مجموعات أخرى من البشر صغيرةً كانت أو كبيرة، من المسلمين أو من غير المسلمين.

إن الذي يغارُ بحق على مصير الإسلام والمسلمين يجب أن يكون أكثر حذراً في حركته ونشاطه ومواقفه وتصرفاته من غيره من الناس، لأنه يعلم أن كل تلك الحركة وكل تلك المواقف تنبني على اجتهادٍ يمكن له أن يكون اجتهاداً خاطئاً في نهاية المطاف.

وبالتالي فإن الآثار التي ستترتّب على ذلك الاجتهاد يمكن لها دوماً أن تكون سلبيةً بشكلٍ كبير.

وكلّما كان حجم القضية التي يتعلق بها ذلك الاجتهاد كبيرةً وحساسةً ومتشابكة الأطراف، كان الخطأ فيه سبباً للكوارث والمصائب، وسبيلاً لحصول مصائب وأهوال تلحق بالعباد والبلاد، وبشكلٍ لا ينفع في تبريره إطلاقاً صدقُ النيات وطيبةُ القلب وإخلاصُ السرائر. لأن الاجتهاد الذي تنبع عنه مثل هذه الكوارث يكون دائماً اجتهاداً في غير محلّه، ولا يمتلك صاحبه الحدّ الأدنى من نصاب الاجتهاد في قضيةٍ بهذا الحجم وهذا التعقيد.

من هنا، فسيكون صاحب هذا الاجتهاد الذي لم يمتلك شروطَ القيام به موزوراً غير مأجور. وهذا تصحيحٌ لفهمٍ مُتعسف للحديث الذي يتحدث عن أجرِ من يجتهد فيُخطئ. لأن الأصل في أي اجتهادٍ يتمثل في امتلاك شروطه ومقدماته، وهذه لاتقتصر على النية بأي حالٍ من الأحوال.

وإن من أغرب الأمور وأكثرها مدعاةً للتساؤل والمراجعة، تلك السهولة البالغة التي يجدها البعض في ادّعاء الاجتهاد بقضايا كبرى تمسُّ بتأثيراتها المتشعّبة كثيراً من الدول والشعوب، مثلما هو الحال في بعض ما يجري في سوريا، وأن يحصل هذا بدعوى الإخلاص والتفاني والغيرة على مصلحة الدين والإنسان.

وإن المصيبة الأخرى الموازية تتمثل في قبول بعض من يُسمّون أنفسهم علماء ومشايخ ومثقفين ونُشطاء بتلك الدعاوى وإقرارهم لها، ولو بالسكوت عنها، بل وفي التماس المزيد من الأعذار والتبريرات لمن يقوم بتلك الأعمال، ثم التغاضي عن النتائج الكارثية التي تنتج عنها، والقولُ ببساطة أن هذه النتائج إنما تدخل في باب الفتنة والتمحيص والابتلاء والقَدَر المقدور. بدلاً من التصدي مبكراً وبشكلٍ حازم وحاسم، وبكل الوسائل والأساليب، لكلّ من يُدخلُ سوريا وثورتها وحاضرها ومُستقبلها في هذه الأنفاق الخطيرة والمجهولة.

من هنا، يُصبح مطلوباً بإلحاح تحرير مسألة فهم الإسلام وحصر تمثيله في جماعةٍ معينة، تنطلق من ظروفها الخاصة وأحوالها المُعيّنة، وتتحرك بناءً على حدود علمها التي كثيراً ما تكون في غاية القصور، لتقوم بأفعال وتصرفات، ولتتصدى لقرارات ومخططات، تتجاوز بكثيرٍ قدرتها على الإحاطة وينتج عنها مستتبعاتٌ تؤثر على الآخرين.

هذا شيءٌ من جديةٍ يقتضيها المقامُ في سوريا الثورة، وضرورةٌ لوقف استخفاف كبير بالإسلام لايليق به، ولم يعد ممكناً السكوت عليه بأي حالٍ من الأحوال.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا:حول الصفقة (الإيرانية - الغربية) طعنة في صدر الأمن القومي العربي وأخرى في ظهر الثورة السورية

24.11.2013

زهير سالم

أعلن فجر اليوم عن توقيع الصفقة الإيرانية – الغربية . بعد مفاوضات ماراثونية كان الجميع يدرك أنها ليست أكثر من طريقة إخراج لتطمين المتخوفين من شعوب كثيرة منها الشعب الإيراني نفسه .

يقول المطلعون على الخبايا في الزوايا إن الاتفاق كان قد تمت هندسته مقترنا مع الصفقة الأسدية – الغربية على الترسانة الكيماوية السورية . تلك الصفقة التي عقدت شراكة دولية مع مجرم حرب وأهدرت دماء أكثر من ألف وخمس مائة سوري ثلثهم من الأطفال ..

في عالم السياسة لا أحد يفرض إرادته على أحد إلا بما يملك من قوة الحديد أو قوة المصالح . ولن نكون أغير على مصالح الغربيين منهم . إلا أن الذي يهمنا من أمر هذه الصفقة ثلاثة أمور ..

أولا - إن الصفقة بما تفتحه في صيرورتها أمام إيران من سبيل لامتلاك السلاح النووي . سيجعل مهمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، التي تأخذ على عاتقها الحد من انتشار الأسلحة النووية ، مهمة عبثية لا معنى لها ، أو ربما وهذا الأخطر مهمة عنصرية تتغاضى عن امتلاك بعض دول منطقتنا لهذا السلاح المبيد ( إيران وإسرائيل ) ، وتفرض على بقية شعوب المنطقة أن يعيشوا تحت رحمة الآخرين الذين نكتشف يوما بعد يوم أنهم يتمتعون بقدر غير محدود من العنصرية والنزق والكراهية ..

ثانيا – إن امتلاك إيران للسلاح النووي الذي سيكون الثمرة المباشرة لهذه الصفقة ؛ سيشكل تهديدا خطيرا لأمننا القومي العربي ، لحضارتنا وثقافتنا ونظامنا العربي ودولنا وشعوبنا . وإنه لوضع استراتيجي جديد يفرض على ممثلي الأمن القومي العربي أن يبادروا بكل الجدية والمصداقية إلى اتخاذ التدابير الكفيلة لإيجاد نوع من توازن الردع حماية لشعوبهم ووجودهم.

و إنه من العبث بمكان أن يترك أمننا القومي لضمان أنظمة ودول بعيدة عن المنطقة لا يهمها من أمر شعوبها شيء . إن صمت الدول الخمس دائمة العضوية اليوم على الجريمة التي تجري في سورية ، لأوضح دليل على ما نقول .

إن استرسال الحاكم العربي بعد اليوم في الصمت أو في التواني أو في الركون إلى الوعود الدولية سيشكل تخليا فظا عن الأمانة التي استرعاه الله إياها في حماية الإنسان والعمران .

إن اتفاقية الشراكة المعلنة اليوم كمعبر للقنبلة النووية الإيرانية أو الشيعية التي ستكون فك الكماشة الموازي للقنبلة النووية الإسرائيلية أو اليهودية ؛ تشكل طعنة غائرة وغادرة في صدر الأمن القومي العربي على كل الأبعاد .

ومن ناحية ثالثة . وإزاء المعادلة الإيرانية الصفرية أمام مطالب وتطلعات الشعب السوري العادلة ، وإزاء إصرار إيران وأتباعها حول العالم على كسر إرادة الشعب السوري ، ثم انغماسها الطائفي عسكريا وسياسيا واقتصاديا في جريمة الحرب التي تطحن إنسان سورية وعمرانها ؛ ننظر إلى هذه الشراكة الصفقة بأبعادها الاقتصادية على أنها نافذة إضافية لتمكين إيران من الزج بمزيد من الزيت على نار الحرب التي يديرها مقاتلوها هناك . إن إغماض المجتمع الدولي العين عن التدخل الإيراني والحزبللاوي السافر ضد الشعب السوري لهو أكبر دليل على أن الصفقة مؤامرة ضخمة ضد شعوب المنطقة بشكل عام وهي طعنة في ظهر الثورة السورية بشكل خاص ..

إن الأمر اليوم جد وليس بالهزل يحتاج إلى موقف فصل ، موقف يترفع عن لغة الشجب والإدانة أو الخوف والتخويف . موقف يبادر إليه قادة الأمة في كل أقطارها لتدارك ما فات . لحماية أجيال الأمة وصيانة أمنها القومي الثقافي والحضاري والسياسي والاقتصادي . وموقف آخر يناط بالقيادات السياسية للمعارضة السورية لخط الطريق أمام استراتيجية جديدة تحقق تطلعات الشعب السوري وتكون وفية لدماء الشهداء ..

والوفاء لدماء شهداء الثورة السورية لن تجدوه عند إيران ولا عند شركاء وحلفاء إيران . ولا عند شركاء وحلفاء إيران . ولا عند شركاء وحلفاء إيران. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

لندن :20 محرم / 1435

24 / 11 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب الأهلية: أشباح وأوهام

د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 17/11/2013

قبل أيام قُتِل بطرابلس بلبنان شيخ اسمه سعدالدين غيّة، لأنه مُوالٍ لـ«حزب الله»، ومُوالٍ أكثر للتنظيمات المسلّحة بالمدينة والتي ما تزال تعمل عند الاستخبارات السورية. وظاهرة قتل مَن لا تتواءمُ سلوكياتُه مع سلوكيات طائفته جديدةٌ على الطائفة السنية، وقد عُرفت الظاهرة من قبل لدى المسيحيين أولاً ثم لدى «حزب الله»، ولدى الدروز... وها هي تظهر لدى أهل السنة. ولا يدلُّ ذلك على سوء الوضع وتوتره بطرابلس فقط؛ بل ويدلُّ على تصاعد الكراهية بين السنة والشيعة، وسعي كل طائفة إلى تطهير صفوفها، وتصفية «الخونة» من بينهم!

إن هذه الظاهرة في مرحلتها الحالية مستورَدة من العراق وسوريا، بعد أن كانت قد خمدت بلبنان على أثر انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. وبعد عام 1990 صار معروفاً أنّ كل مَن يُقتل أو يُُغتال تكون المخابرات السورية أو عملاؤها أو المتعاونون معها هم الذين قاموا بذلك. أما في العراق فنحن نعرف أنه عندما تطور النزاع بعد الغزو الأميركي عام 2003، أقبلت الفئات المتشنجة من السنة والشيعة أو العاملة مع إيران والنظام السوري على الاقتتال الطائفي حيث تهجر مئات الأُلوف، وقُتل مئات الألوف. ثم جاء الزرقاوي (2005-2007) لا ليُسعّر الحرب الطائفية وحسْب؛ بل وليصفّي صفوف السنة من «الخَوَنة». والخونةُ عنده كانوا يتراوحون بين مَن يعمل مع الأميركيين، إلى من يقول بالمسالمة بين السنّة والشيعة. وفي الوقت نفسه انصرفت ميليشيات فوضوية، وأُخرى منظمة من جانب الإيرانيين، ومن جانب بعض المشاركين في السلطة الجديدة على تصفية «الخونة» من الشيعة تحت عنوان اجتثاث «البعث». وقتل «الإرهابيين» من السنة تحت عناوين «القاعدة» والوهابية والنقشبندية... إلى حزب «البعث»! وهذا الأمر يحدث مثيله في سوريا منذ سنتين. إنما الأمر في سوريا مختلف عما كان عليه في العراق. فالعراقيون الشيعة الذين شكّلوا السلطة الجديدة مع الأميركيين، ما كانوا يريدون الحرب الأهلية؛ بل يريدون أن يستتبّ الأمر لهم. بينما كان الإيرانيون يريدون الفوضى لتصفية الدولة العراقية التي قاتلتهم في ثمانينيات القرن العشرين. والسنّة المتطرفون يريدون الحرب لإزعاج المحتلين الأميركيين، وللانتقام من السلطة الجديدة التي جاءت على ظهر الدبابات الأميركية. أما النظام السوري والذي اعتاد على الاستثمار في الحروب الأهلية والفوضى في لبنان والعراق؛ فقد تعمََّد تسليح «شبيحة» من العلويين لنهب منازل السنة، وقتل العائلات والأطفال؛ ليقوم الريفيون السنة بالأعمال ذاتها ضد العلويين. وأطلق من سجونه مئات المتشددين السنّة الذين اخترقهم بالطبع، لكي يثيروا الفِتَن في المناطق التي يسيطر عليها الثوار. ولأن الإيرانيين و«حزب الله» كانوا مضطرين للتدخل العسكري خوفاً من سقوط الأسد، فقد أقبل الأمين العام للحزب على الدعوة لقتال «التكفيريين» وحماية المزارات المقدسة منهم، لأنهم يريدون تخريبها. وبذلك فقد قال علناً بقتل المسلمين الآخرين، لأن إطلاق النار على بلدات القصير والسفيرة وغيرها واقتحامها، لا يمكن فيه التفرقة بين المتشدد وغيره! فالفرق بين سوريا والعراق، أن النظام السوري هو الذي أراد الحرب الأهلية، لكي تتشبث به الطوائف العلوية والمسيحية والدرزية والإسماعيلية والشيعية بالبلاد خوفاً من المتطرفين السنة. ولكي يُقبل السنة المستثارون والمستضعفون بدورهم على التسلُّح والردود العشوائية، فيظهروا بمظهر الإرهابي القاتل الذي لا يستطيع إقامة نظام سياسي بديل لنظام الأسد!

تقوم الحروب الأهلية على ثلاثة أوهام: شيطنة الخصم من أجل استحلال إبادته، والتصديق بإمكان الإبادة، كما التصديق بطهارة الذات وضرورة الاستمرار في تنظيفها بالدم. بيد أن هذه «الأَوهام» إنما تستقرُّ في أخلاد العامة المقاتلة، وليس في أخلاد المحترفين القائمين على هذه الحروب. ولهذه الجهة فإن القتلة الدوليين والإيرانيين والنظام السوري هم الأكثر احترافاً في صناعة الأوهام القاتلة وإنفاذها بدون هوادة. وتأتي بعدهم «القاعدة» والشبكات التابعة لها في سنوات عزّها (1998-2008). بيد أنها الآن، بل ومنذ سنوات، عرضة للاختراقات الكثيرة، وللتضليل عبر تحديد الأهداف الخاطئة، والإضرار بنفسها من حيث تريد الإفادة والاستفادة. إنما مرةً أُخرى فإن «حزب الله» أشدّ ضرراً لناحيتين: أنه يستند في تصرفاته إلى قوة دولة كبرى وسطوتها، ثم إنه يتسبب أكثر من «القاعدة» ونظام الأسد في إثارة الفتنة بين الشيعة والسنة.

من هم أصحاب المصلحة إذن في الحروب الأهلية المندلعة اليوم في سوريا والعراق ولبنان واليمن والسودان؟ المصلحة الأولى بالطبع للنظامين السوري والسوداني. أما المصلحة بالدرجة الثانية فللإيرانيين وأنصارهم. ذلك أن النظام أولويته بالطبع فرض الاستقرار عن طريق القمع. لكنه إن يئس من ذلك، فليُطل أمد النزاع وليكثر من التكتيكات، وليستقدم عدة أطراف إلى الداخل للضعضعة والإضرار بصدقية الثائرين عليه، ودفع الآخرين إلى اليأس من سقوطه. أما الإيرانيون فإن إطالة أمد الحرب مفيد لهم من عدة نواح: فهم أقلية في كل مكان رغم تفوقهم بالسلاح والحشد، والقلة لا تستطيع تحقيق الانتصار الكاسح، فتطيل أمد النزاع لإرهاق الخصوم وإرغامهم على التفاوُض والمُساومة. والناحية الثانية أنهم يعتبرون الحروب في مناطق النفوذ وعليها أوراق بأيديهم، وقد ظلوا حتى الآن لا يساومون عليها العرب، بل الأميركيين والإسرائيليين. وهم الآن في ذروة هذه المساومة التي قد تطول وإن يكن المسار قد بدأ، ولذا فالأرجح أن يطول الأمر وتبقى الأزمة في سوريا على اشتعالها. وربما يداخلها الخمول كما في الحالة أو الحالات بالحرب الأهلية اللبنانية. والسبب الثالث أنّ الإيرانيين وهم يحاولون إثارة الشيعة في العراق ولبنان واليمن، نشروا فتنةً بين الشيعة والسنة ما أمكن لـ«القاعدة» نشرها. ولو أنّ إيران بدأت تُهدّئ الموقف الآن، لاحتاج الأمر إلى سنوات لكي تُستعاد الثقة بين السنة والشيعة. قال لي صديق تونسي إنّ ابن أخته اعتبر فجأةً أن أهل السنة في خطر نتيجة قتال إيران و«حزب الله» ضدهم في كل مكان، لذلك ترك أُسرته وجاء إلى سوريا حيث قتل فيها. إنها موجة عالية من الكراهية والاستهداف تسبّب فيها الإيرانيون، وأدخلوا فيها الشيعة العرب تضليلا وإمعاناً في تخريب المجتمعات والدول.

لقد كانت السطور السابقة وصفاً لبعض أَوهام الحروب الداخلية وخيالاتها. وهي حروب لها صنّاعها ومحترفوها كما سبق أن أوضحنا. وطرابلس بلبنان مدينة نال منها الحصار والاستنزاف على مدى ثلاثين عاماً وأكثر. إنما رغم ذلك، يبقى مقتل الشيخ سعد الدين غيّة جريمةً لسببين: إنه سفك للدم الحرام، ودخول في العقلية المدمِّرة للحرب الأهلية، وأن الدم يستسقي الدم، وهو دخول في الفتنة والخراب!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل حققت أميركا غاياتها في سوريا؟

حسين العودات

البيان

الاثنين 18/11/2013 

يشار إلى السوريين عادة من قبل المؤرخين والصحافيين والسياسيين بأنهم فتحوا باب الانقلابات العسكرية، فقد حصل أول انقلاب عسكري في العالم الثالث في سوريا عام 1949، وهو انقلاب المرحوم الزعيم حسني الزعيم، الذي حكم ثلاثة أشهر ونيف، صدق خلالها على اتفاقية مرور أنابيب نفط شركة (التابلاين) الأمريكية، من سوريا، ثم وقع انقلاب عليه وأُعدم. وكان انقلاب الزعيم صناعة أمريكية، وقد أكد ذلك الملحق العسكري الأمريكي في سوريا بعد عدة سنوات.

وكرت سلسلة الانقلابات بعدها في سوريا وفي غيرها من البلدان النامية، وصارت حادثاً تقليدياً في بعض البلدان، حتى كادت تصبح نمطاً من أنماط الحكم المتداولة. ومنذ ذلك الوقت بدأت إشكالية العلاقة السورية - الأمريكية، التي أحيطت دائماً بالحذر والشك والخوف، والاتهام بالتآمر والمؤامرة من قبل السوريين، وترسخت قناعاتهم بأن السياسة الأمريكية، تهدف للحلول محل الاستعمار الأوروبي (الكولونيالي) المنسحب..

وتعززت بذلك نظرية (المؤامرة والتآمر)، بسبب الموقف من مشروع الرئيس أيزنهاور (ملء الفراغ في الشرق الأوسط)، الذي عبر عن رغبة بالهيمنة على المنطقة، واكتشاف بعض التدخلات الأمريكية السرية، و(التآمرية) في الشأن السوري، ودعم بعض السياسيين في الانتخابات (مالياً ومعنوياً)،ودعم التهديدات العسكرية التركية لسوريا عام 1957..

ومعاداة السياسة الأمريكية للوحدة السورية -المصرية، وللإجراءات التحررية التي قامت بها مصر قبل الوحدة وأثناءها، مثل كسر احتكار السلاح، (وكانت سوريا هي الوسيط لكسره بين عبد الناصر والسوفييت)، وبسبب استمرار الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل.

وهكذا عززت الممارسات الأمريكية قناعة السوريين بعدائها لهم، وتأكد وعيهم أن الأمريكان يتآمرون عليهم. منذ مجيء حزب البعث للسلطة، أطلق دفقاً غزيراً من الشعارات ضد السياسة الأمريكية، تنطلق جميعها من مقولة، إن هذه السياسة تتآمر على التحرر العربي والحقوق العربية، وعلى سوريا ونظامها التقدمي..

كما تنطلق من قناعة أن الولايات المتحدة هي زعيمة الإمبريالية العالمية، وبالتالي فالعداء كان عميقاً ودائماً معها، ومع الزمن وانتشار الاتصال، دخلت هذه القناعات في أعماق وعي غالبية الشعب السوري، ولم تتغير هذه المفاهيم رغم العلاقات السرية المباشرة أو غير المباشرة، التي قامت بين السياسة الأمريكية وبين النظام السوري..

وقادته خلال العقود الأربعة الأخيرة، التي كان لها عرابون سوريون معروفون، يلعبون دور صلة الوصل، رغم أن هذا النظام خلال هذه العقود، كان يلقي كل فشل أو نقص أو إخفاق، على التآمر الأمريكي على سوريا، و(ثورتها).

ما إن انطلقت شرارة انتفاضة الشعب السوري عام 2011، حتى فوجئ أهل النظام السوري بأمرين: أولهما بأعداد المنتفضين الهائلة، التي انطلقت في شوارع مدينة درعا التي كانوا يعتقدون أنها آخر مدينة ستنتفض، باعتبارهم (بعد ما جرى في تونس ومصر درسوا مختلف الاحتمالات)، وثانيهما أن المطالب كانت بسيطة (وعميقة)..

ولا يمكن رفضها (الكرامة، الحرية، كف يد أجهزة الأمن عن القمع والابتزاز..الخ)، وحسب التقاليد التي مارستها السياسة السورية طوال عقود، فقد أعلنت السلطة فوراً ومن دون تبصر أن هذه الانتفاضة (مؤامرة خارجية مزودة بالسلاح والمال من الخارج..الخ).

كان هذا موقف النظام، وهذه معاييره لتوصيف الموقف، أما من طرف السياسة الأمريكية فقد كانت الانتفاضة فرصة لها (كما يبدو)، لتحقيق أهداف ثلاثة رئيسة وهي: المساهمة في إيجاد الظروف المناسبة ليدمر السوريون بلدهم، ونزع السلاح الكيميائي من أيادي الجيش السوري، وكبح النفوذ الإيراني الإقليمي، ومنع تسلحه بالسلاح النووي، أما ما كان الشعب السوري ومعارضته ينتظرونه من السياسة الأمريكية..

واستطراداً من السياسة الغربية عموماً، أي مساعدتهم لإسقاط النظام وإقامة نظام جديد ديمقراطي تعددي تداولي، فإنه مجرد أمنيات وأوهام لا أرضية واقعية لها في السياسة الأمريكية، وقد وضح الآن أن الأمريكيين والغرب عموماً، يهتمون بمصالحهم غير المعلنة، ولا يهمهم لا حاضر الشعب السوري ولا مستقبله، ولا يهتمون بالتدمير والقصف والعسف، الذي تقوم به قوات النظام السياسي القائم..

ولا يجهدون أنفسهم بإنقاذ هذا الشعب مما هو فيه، ووقف شلال الدم السوري والدمار الاقتصادي والغلاء والجوع والفقر، ويتلقون ببرود وراحة ضمير أعداد القتلى السوريين الذي تجاوز (120) ألف، وأعداد المعتقلين والمفقودين والنازحين عن بيوتهم، وملايين السوريين المشردين، ومعظمهم من لأطفال والنساء الذين (يتلجلجون)، ويهانون في دول الجوار، حيث يواجهون ظلماً واستهانة وعسفاً، لا تقل عما كان يفعل بهم نظامهم.

لقد حققت السياسة الأمريكية أهدافها الرئيسة الثلاثة التي ذكرت، وقضت وطراً مما يجري في سوريا، ولم يعد يهمها بشيء، حاضر الشعب السوري ومستقبله، ويبدو أنها على استعداد للتحالف مع النظام السوري القائم تحالفاً آثيماً بين طامع ومستبد، والمفارقة أن بعض السوريين ما زالوا يأملون خيراً بالسياسة الأمريكية، وأن بعضهم الآخر مازال موالياً للنظام السياسي السوري القمعي الذي لا يرحم ولا يشعر بمسؤولية تجاه شعبه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : ( الجبهة الإسلامية ) العنوان الذي انتظرناه طويلاً من القوى الإسلامية

24.11.2013

زهير سالم

كان المجتمع المدني في سورية مع انطلاقة الثورة المباركة ملحة إلى إعادة تنظيم صفوفه . ليس على مستويات حزبية شعاراتية أو برامجية ضيقة ؛ وإنما على مستوى تيارات كبرى يمكن أن تنتظم كل توجهات الشعب السوري الوطنية .

 يحاول البعض وهو ( يُسرُّ حَسواً في ارتغاء ) أن يجعل عنوان ( الوطنية ) خاصا بالقوى العلمانية أو القومية فيطرحه قسيما موازيا للقوى الإسلامية . فيقول مثلا المعارضة الوطنية والإسلامية ، مما يوحي بانحسار المظلة الوطنية عن القوى الإسلامية . وهي حالة سواء تمت بحسن نية أو بغيرها مما ينبغي أن يتنبه له مسلمو الاختيار ويرفضوه .

نعتقد أن من حق أصحاب كل توجه فكري أو سياسي أن يعبروا عن أنفسهم بالطريقة التي ترضيهم . على أن تكون صيغة التعبير واضحة ودالة وصادقة . على القوى والشخصيات الإسلامية مثلا أن توضح أنها في اختيارها للمظلة الإسلامية لا تحسر اسم الإسلام ولا وصفه عن الآخرين . وأن إعلان إسلامية مظلتها لا يتنافى مع مدنيته ووطنيته في الوقت معا . ويمكن للقوى والشخصيات العلمانية أن يختاروا لأنفسهم العنوان الذي يريدون مع احتفاظهم بتباينات مدارسهم من ليبراليين ويساريين وقوميين ...

ونزعم أنه سبق السوريون إلى تنظيم صفوفهم ضمن أربعة أو خمسة تيارات كبرى لكان تشاورهم أيسر وتقاربهم وتوحدهم أسهل ، وتمثيلهم أقرب ..

لقد عجز السوريون لأسباب غير مفهومة– غير عجز القيادات - عن المبادرة إلى هذه الخطوة الأولية والأساسية ، وما زالوا ، على ضرورتها ، متشاغلين عنها . يزعمون أنهم يريدون أن يتوحدوا على مستوى الكل فيفوتهم الكل . وإذا فات هذا الأمر على مدى ثلاث سنوات أهل الدنيا فمن العجب الأعجب أن يفوت أقواما يزعمون أنهم ممن (( لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا )) ويجمعهم بميثاق غليظ لا يد لهم في الانفكاك عنه : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ..

إن عنوان ( الجبهة الإسلامية ) الذي سبقت إليه بالأمس سبع تشكيلات عسكرية ، وقالت إن له ظلالا ميدانية وظلالا سياسية أيضا ؛ هو عنوان له تاريخ من خمسينات الحياة السياسية السورية منذ أيام المرحوم المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين مصطفى السباعي . كما كانت له سابقته من ثمانينات القرن الماضي يوم كان القادة قادرين على الجمع والتوحيد والانجاز ..!!!

إن ترحيبنا اليوم بالمبادرة إلى إنجاز الإعلان عن ( الجبهة الإسلامية ) سيظل مرتبطا باعتبار أن ما تم الإعلان عنه هو خطوة على طريق المشروع الوطني ، خطوة تهدف إلى الجمع لا إلى التفريق . نعم سنرحب بها على أنها الخطوة التي يجب أن يكون لها ما بعدها في الاستيعاب والتوحيد والتعاون والتنسيق ..

ننتظر من ( الجبهة الإسلامية ) أن تكون المظلة الجامعة والعنوان القابل لاستيعاب كل الرؤى والتطلعات للذين يستجيبون لصوت المؤذن ينادي حي على الصلاة .. حي على الفلاح ...

وننتظر من القوى السياسية الإسلامية بأحزابها وجماعاتها وعلمائها وشخصياتها أن تبادر هي الأخرى لتكون ( الجبهة الإسلامية ) الجامعة عتبتها إلى مشروعها الوطني . والمنصة الوطنية التي تمد عليها يدا موحدة للآخرين للعلمانيين أو لليبراليين أو لليساريين ..

إن أروع وأجمل ما تابعناه في الإعلان عن الجبهة الإسلامية التي ندعو الله أن يوفق القائمين عليها للوفاء بالتزاماتهم أن تضم الجبهة في صفوفها الفصيل الكردي الإسلامي لتترجم عمليا وحدة إسلامية طالما حلم بها المسلمون .

وحين ندعو اليوم إلى ضرورة أن يبادر أصحاب كل تيار إلى تنظيم صفوفهم ، والتعبير عن أنفسهم فنحن لا ندعو إلى تفريق بقدر ما ندعو إلى جمع وتوحيد . إن معضلة المعارضة السورية حتى اليوم أنها معارضة ( أفراد ) ، يصعب جمعهم وتوحيدهم وتمثيلهم ؛ ولكن حين يكون لدينا خمس تيارات وطنية كبرى سيسهل علينا بلا شك تمثيلها بخمسة أشخاص ..

إنه لا يجوز تحت أي ظرف أن ينظر إلى الإسلام في حياة المسلمين على أنه عنوان بعثرة و تفريق . الإسلام الدين الجامع هو في الوقت نفسه منهج حياة له استحقاقاته الفكرية و السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولا يجوز تحت دعوى العموم أن يتم نفي الخصوص ..

ولكل قوم هاد ..

لندن : 19 / محرم / 1434

23 / 11 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القلمون .. هروب من الجحيم !

خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية

الاثنين 18/11/2013

صرحت مسؤولة مفوضية الأمم المتحدة أمس أن عدد النازحين خارج سورية قد تفاقم كثيرا في الأيام الماضية الأخيرة بعد اشتداد المعارك واحتداد الاشتباكات في معظم أرجاء البلاد خصوصا في حلب وريفها وريف دمشق وريف اللاذقية وريف حماة وريف حمص خصوصا من القلمون القريبة إلى لبنان فالنازحون يأوون إلى بلدة عرسال الحدودية وقد فر منهم خلال اليومين الماضيين فقط سبعة عشر ألفا. وبلغ عدد النازحين يوميا كما قالت المسؤولة ثلاثين ألفا يطلبون أي مأمن في الخارج أو بعد الحدود لأن السفاح الجزار جن جنونه ومن معه من مليشيات حزب الله ولواء أبي الفضل العباس وحيدر الكرار وقوات الحرس الثوري الإيراني الذين تعبوا وقتل وجرح منهم المئات مؤخرا وصرح أحد قواد حزب الله أنه لولا دفاعنا لما استطاع الأسد أن يصبر يومين وذلك من شدة ما رأوا من بطولات الجيش الحر والمقاومة الشعبية مما أبهرهم وشاهدوا أنهم ما إن تسقط بلدة أو قرية بيد اللانظام بمساعدتهم إلا ويكون الثوار قد استولوا على العديد من المواقع وسيطروا عليها وجعلوا الأرض والبيوت التي يتحصن فيها الجنود والشبيحة والمرتزقة جحيما عليهم ومما زادهم دهشة الفرق الشاسع بين عتادهم ونوعه وعتاد المقاتلين ونوعه مع وجود الطيران والراجمات والبوارج وكيف أسقط الثوار خلال يومين مضيا فقد طائرتي هليكوبتر وطائرة حربية من نوع ميغ في حلب وحدها. ولا غرو مع هذا اللهيب والدمار والأشلاء أن يهرب المدنيون إلى أي ملاذ يظنون النجاة فيه. ولكن النزوح من القلمون إلى عرسال كان هائلا ولا يزال من القصف والنيران على بيوت القلمون وقد راعني ذلك وأبكاني فتأملت سبب هذا التصعيد والدروس المستفادة من الهجومات الأخيرة غير المسبوقة من العصابات الأسدية فوجدتها تتلخص في أمور.

1. إن اللانظام ومسانديه يريدون قبل انعقاد مؤتمر جنيف أن يحرزوا أية مكاسب مهمة على الأرض ليفرضوا شروطهم أكثر ولا يبعد أن يكون هذا بتوجيه من روسيا وإيران بل أمريكا وإسرائيل إذ لكل مصلحته خصوصا بعد المحادثات الأخيرة عن النووي والانتقال إلى معادلة ومحاولة العفو الذي تمثل بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين بريطانيا وإيران وكذلك محاولة أوباما إقناع الكونغرس للتصويت على رفع بعض العقوبات وما إليها عن إيران. ولا ريب أن القضية السورية تكون لعبة مقايضة بينهم وإن لم تكتمل المسرحية ولكن القرائن قد تدل على ذلك.

2. ازدياد الهجرات المقصودة من قبل اللانظام إنما هو خطة ممنهجة لتفريغ معظم أهل سورية منها ليكسب الأسد ورقتين. الأولى من أجل الانتخابات المقبلة كي لا يبقى في البلد إلا القليل العاجز عن الهجرة أو الخائف ثم جماعة الجزار الذين هم معه من طائفته وبعض الأتباع والمنتفعين الذين سيصوتون له وبالتالي ينجح ويرضى المجتمع الدولي بهذه النتيجة لأن الأكثرين متواطئون معه خصوصا بعد مسرحية الكيميائي ولعمري من سيأتيهم مثل هذا السفاح لإخماد الثورة ولكن هل يستطيعون والله معنا والمؤمنون الثوار الأحرار.

3. تظهر هذه الأحداث التي بلغت وحشيتها الزبى - بل إننا لنعتذر للوحوش من فعل القتلة - إن هذا الجزار المستغل من قبل أسياده بطل في الأنانية وليس له أي قلب جاهلا أن الأنانية سراب الضعفاء. وحاله الواقعية تقول: من بعدي الطوفان. دمار العالم ولا خدش إصبعي! فهذا هو الشرير الذي قال عنه الحكماء: هو كل من لا يعمل إلا لمصلحته الذاتية مهما آذى غيره من الأطفال والنساء والشيوخ ودمر عليهم دورهم. غافلا أن الأنانية تولد زوال الدولة والأمة. وإن الله سيعذبه في الدنيا قبل الآخرة وهو الآن معذب ومهزوم ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا).

4. نشد على أيدي المهاجرين النازحين إلى عرسال من القلمون وجميع اللاجئين داخل البلد وخارجه أن يصبروا فلهم الجنة وقد جاء في الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها وكذلك: (ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة).

كم شدة عرضت ثم انجلت ومضت من بعد تأثيرها في المال والمهج

5. نهيب بأهل الخير والإحسان أن يغدقوا من نفقاتهم على هؤلاء ويقضوا حاجاتهم خصوصا مع دخول فصل الشتاء فما أحوجهم إلى الخيام والمدافئ وقد قدرت مفوضية الأمم المتحدة أن أكثر من 250 ألفا بحاجة إلى مأوى والعدد مرشح للزيادة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لأن أمشي في حاجة أخي أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرا) و(إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله على قضاء حوائج الناس) وقد قال عبد القادر الجيلاني رحمه الله: إذا قضيت لأخ حاجة شعرت أنني شبعت وارتويت. فتعالوا يا إخواني إلى الخير وأعينوا إخوانكم المجاهدين والمهاجرين والجرحى وأسر الشهداء من أهل الشام. فالتعاون خلق الإسلام وقانون الحياة واجتماع القلوب يخفف المحن.

إذا العبد الثقيل توزعته

أكف القوم خف على الرقاب

وأفضل المعروف إغاثة الملهوف

ولم أر كالمعروف أما مذاقه

فحلو وأما وجهه فجميل

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

‘خلطة’ حسن نصر الله

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 18/11/2013

محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني السابق، غادر المنصب السياسي، وتوجّب أن تغادر معه (لا أن يصطحبها هو، بالضرورة!) تلك التخاريف الطريفة التي اقترنت بخطابه السياسي والعقائدي؛ حول ‘الإمام المهدي الذي يدير العالم ونرى يده المدبّرة في شؤون البلاد كافة’، بما في ذلك نصر إيران على العراق، وتقدّم البرنامج النووي الإيراني؛ أو ‘هالة النور’، التي زعم أنها تحيط به كلما خطب؛ أو تهديد الاحتلال الأمريكي في العراق بـ’يد الله’، التي سوف ‘ترفع جذور الظلم عن العالم’. والإنصاف يقتضي القول إنّ تلك الهلوسات أثارت حفيظة بعض ممثّلي التيّار المحافظ أنفسهم، كما في تعليق حجة الإسلام غلام رضا مصباحي، على سبيل المثال فقط: ”مؤكد أنّ المهدي المنتظر لا يقرّ التضخم الذي بلغ 20 في المئة، وغلاء المعيشة، والكثير غيرهما من الأخطاء’.

توجّب أيضاً أن يصمت، وإنْ إلى حين، أولئك الذين كانوا يغرّدون في السرب ذاته، ضمن الصفّ المحافظ الملتفّ حول نجاد، أمثال غلام علي حداد عادل، الرئيس الأسبق للبرلمان الإيراني، والأوّل غير المعمم، عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس الشورى والمجلس الأعلى للثورة الثقافية، حامل الدكتوراه في الفيزياء والفلسفة، والمرشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة… ولعلّ أشهر هلوسات صاحبنا هذا، ذلك التصريح الذي أطلقه سنة 2006، حين كان يتسيّد البرلمان، وكانت إسرائيل لا تُبقي حجراً على حجر في لبنان: ‘الحرب بدأت لتوّها’، ومعها ‘بدأ يوم القيامة’، ‘وجاء يوم عودة الفلسطينيين إلى ديارهم ووطنهم وكذلك عودة الإسرائيليين إلى البلاد التي جاءوا منها أصلاً’! وإذْ أوضح أننا ‘سنؤدي صلاة الشكر في القدس قريباً إن شاء الله’، بشّرنا لا فُضّ فوه بأنّ ‘دماء آية الله الخميني تجري في عروق نصر الله’، ولهذا ‘لن تكون هناك بقعة في الأراضي المحتلة بمأمن من هجمات حزب الله’…

بيد أنّ هذا الطراز من خطاب الاستيهام غاب عن الواجهة الأولى في إيران، لكي يتواصل، أو تظهر تنويعات شتى عليه، في أماكن أخرى مترامية، لعلّ لبنان أبرزها وأشدّها سخونة، أو سعاراً بالأحرى؛ ولعلّ الإطلالات الجماهيرية التي دأب عليها حسن نصر الله، الأمين العام لـ’حزب الله’، أعلاها تمثيلاً لروحيّة ذلك الخطاب، وأكثرها إدراكاً لوظائفه، وإحياءً لمفرداته. والمرء يتذكّر ذلك الإفراط الشديد في تلميع صورة نجاد، أثناء زيارته إلى لبنان قبل ثلاث سنوات، وكيف أنّ تضخيم سجاياه القيادية، ورفع خصاله الشخصية إلى سوية رفيعة (السند العظيم للمقاومين والمجاهدين والمظلومين) بدا وكأنه باغت الرئيس الإيراني السابق نفسه. حصّة نصر الله، في ذلك التلميع، كانت مشهودة حقاً: ‘نشمّ بك يا سيادة الرئيس رائحة الإمام الخميني المقدّس، ونتلمس فيك أنفاس قائدنا الخامنئي الحكيم، ونرى في وجهك وجوه كلّ الإيرانيين الشرفاء من أبناء شعبك العظيم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه في كلّ الساحات، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا’.

الأرجح، اتكاءً على منطق حسابي وأخلاقي بسيط، أنّ الإيرانيين الذين لم يصوّتوا لأحمدي نجاد في ترشّحه الثاني للانتخابات الرئاسية (وهم في عداد ‘الإيرانيين الشرفاء’ الذين تحدّث عنهم نصر الله، في المنطق الحسابي والأخلاقي البسيط هنا أيضاً)، لم يذهبوا مذهب الأمين العام لـ’حزب الله’ في ذلك التفخيم للرجل؛ تماماً كما كان العديد من السوريين قد نظروا بمرارة، وباستنكار، إلى عبارات مثل ‘سورية حافظ الأسد’ و’سورية بشار الأسد’ كان نصر الله قد اعتاد النطق بها في خطب سابقة. هذا بمعزل عن احتمالات مواقف عكسية تصدر عن مرجعيات دينية عليا في إيران، على غرار حجة الإسلام مصباحي، قد تأبى على نصر الله شمّ رائحة الخميني، أو تلمّس أنفاس خامنئي، في شخص نجاد!

‘نريد أن نقول لكلّ عدو ولكلّ صديق، نحن شيعة علي بن أبي طالب في العالم’؛ ‘ونحن حزب الله. الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري، لن نتخلى عن فلسطين’؛ وأيضاً: ”قولوا رافضة. قولوا إرهابيين. قولوا مجرمين. اقتلونا تحت كل حجر ومدر، وفي كل جبهة، وعلى باب كلّ حسينية ومسجد، نحن شيعة علي بن أبي طالب!’، هكذا ردّد نصر الله، في آب (أغسطس) الماضي، احتفاءً بيوم القدس. وبالأمس، في يوم عاشوراء، تكررت النغمة ذاتها: ‘يجب أن نذكّر أمّتنا الإسلامية جمعاء بالقضية المركزية، قضية فلسطين وشعب فلسطين ومقدسات الأمة في فلسطين’؛ ليس دون ربط القتال إلى جانب نظام الاستبداد والفساد ضدّ الشعب السوري، بفلسطين… أيضاً وأيضاً: ‘إنّ وجود مقاتلينا ومجاهدينا على الأرض السورية، هو بهدف الدفاع عن لبنان والدفاع عن فلسطين وعن القضية الفلسطينية’…

هذه ‘الخلطة’، بين الإمامية الإثنا عشرية، وإشعال جذوة الحمية المذهبية على النحو الأشدّ استدراراً للشعور العصبوي الجَمْعي الرخيص؛ وادعاء الجهاد (نعم، وليس ‘المقاومة’ هذه المرّة!) على أرض سورية، ضدّ ‘الإرهابيين’ و’التكفيريين’، وليس ضدّ إسرائيل بأية حال من الأحوال؛ ثمّ الدفاع عن لبنان وفلسطين معاً، ولكن من القصير وحلب وسبينة وبيت سحم والسيدة زينب… هي خلطة ضيزى، شائهة زائفة مضلِّلة، لا ينقصها إلا استلهام هستيريا نجاد حول المهدي المنتظَر، أو التماس هالة النور… على جبين البشار الأسد!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن رهافة المشاعر الانسانية الأميركية!

أكرم البني *

الحياة

الثلاثاء 19/11/2013

تبدو بادرة طيبة دعوة الرئيس باراك أوباما المجتمع الدولي لتنظيم «رد سريع ومنسق» ينقذ الأرواح ويخفف الآلام التي خلّفها الإعصار «هايان» في الفيليبين، ثم أوامره لحاملة الطائرات الأميركية جورج واشنطن كي تتجه مع السفن المرافقة لها إلى سواحل ذلك البلد لتقديم المساعدة وتعجيل جهود الإغاثة.

وهذا بينما تبدو مخجلة ومؤسفة بلادة التعامل العالمي مع أعداد ما فتئت تتزايد من الضحايا والمعتقلين والنازحين في سورية، ومع ما يحدثه العنف المفرط من دمار وخراب، وكأن لا حاجة هنا الى «رد سريع ومنسق» يوقف حمام الدم ويضع حداً «لأكبر كارثة إنسانية تبعث على العار في هذا القرن»، كما وصفها المفوض السامي لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس.

والمفارقة أن رهافة المشاعر الانسانية الأميركية المتعاطفة مع الأرواح التي أزهقتها الأمواج والعواصف في الفيليبين بصفتهم بشراً حرمهم جنون الطبيعة من حقهم في الحياة، لا تنسحب على أرواح مماثلة تنتمي إلى الجنس ذاته، لكن يحصدها منذ عامين ونصف عام تقريباً، عنف بشري منفلت لا يصعب إيقافه إن توافرت إرادة أممية تعمل جدياً على هدفها المعلن في حفظ السلم والأمن العالميين.

والقصد إثارة أسئلة مقلقة عن معنى أننا نعيش اليوم في قرية صغيرة، وعن جدوى القول بأن حقوق الانسان في الحياة والأمن والحرية مسلّمات كونية لا يجوز لأحد أن يتخطاها، وتالياً عن حقيقة دور المجتمع الدولي ومؤسساته الأممية، حين يظهر بمظهر الحريص على أرواح البشر في موقع، بينما يتهرب في موقع آخر من مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية، والأهم عن دور الولايات المتحدة في ذلك بالاستناد إلى تجارب مقاربة، وإلى ما تملكه من وزن نافذ يضعها في موقع اللاعب الأول وغالباً المقرر لمصير الكثير من الصراعات الوطنية والأزمات الاقليمية.

أهي المصالح الضيقة تطل برأسها دائماً وتطغى على القيم الأخلاقية والمبادئ؟ أم أن زعماء العالم وبخاصة الأميركيين منهم، لا تهمهم حقيقة أن مشهد الضحايا من الإعصار «هايان» يبدو كلعبة أطفال أمام ما يحصده الفتك والتنكيل في سورية، وأن منظر بعض السواحل الفيليبينية المتضررة من هيجان الطبيعة لا يقارب صور المناطق والأحياء المدمرة في حمص وحلب وريف دمشق وغيرها؟ أو ربما هو شرعنة الاختيار بين تقديم العون الانساني هناك كأمر بسيط ومربح معنوياً طالما لا تصحبه أية تبعة سياسية، وبين تعقيدات سورية قد تفضي مثلاً إلى تورط في صراع خارجي لا يميل القادة الأميركيون إلى خوضه بعدما ذاقوا مرارة الثمار في العراق وأفغانستان، ويبدو في ظل مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية أنهم أكثر استعداداً الآن للانكماش والانزواء والتخلي عن دور بلدهم الأخلاقي والإنساني في أحداث يعتقدون أنها قد تربكهم وتضر عافيتهم، فكيف الحال إذا كان استمرار الصراع الدموي، وربما حتى آخر سوري، يسهل عليهم استنزاف خصومهم من روسيا إلى إيران إلى تنظيم القاعدة ومثيلاته من الجماعات الجهادية على اختلاف مذاهبها، من دون أن يتكبدوا أي جهد أو خسارة.

قالوا إن ثمة درساً بليغاً تعلمته الولايات المتحدة بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 بأن أهم سبب لما حصل هو رعايتها لأنظمة الاستبداد وإهمال حقوق الانسان العربي، لتخلص إلى أن دعم التحول الديموقراطي في المنطقة هو المقدمة لسحب البساط من تحت أقدام قوى التطرف والإرهاب، وإلى أن تنمية المنطقة اقتصادياً ودعم الحريات السياسية وحقوق الإنسان فيها يخففان إلى حد كبير من عداء المجتمعات العربية لأميركا ومن نمو ردود أفعال حادة وعنيفة ضدها.

واليوم، لا نعرف اذا كان قادة البيت الأبيض قد نسوا ذاك الدرس أو أنهم يصغون جيداً للهجة العداء التي بدأت تنتشر في الشارع العربي من مواقفهم المخزية إنسانياً تجاه ما يحصل في سورية، ومن استرخاصهم دماء البشر واستهتارهم بما يحل بهم من خراب، وتالياً من تنصلهم من مسؤولية المعالجة السياسية الجادة للصراع السوري والتلطي وراء موسكو من دون اعتبار لموقفها واصطفافها، والأهم من انكشاف حساباتهم الأنانية الفظة، حين ظهروا كأن لا همّ لديهم من التهديد بالضربة العسكرية، سوى نزع السلاح الكيماوي وطمأنة الاسرائيليين. وفي المحصلة، لا نعرف إذا كان هؤلاء القادة سيدركون قبل فوات الأوان أن سلبيتهم كدولة عظمى تجاه المحنة السورية وإطالة زمن المأساة ستغدوان مكلفتين ليس فقط على الشعب السوري وإنما لاحقاً على الشعب الأميركي عندما ينمو التطرف العربي أو الاسلامي جراء الشعور بالغبن والظلم ويطرق مجدداً أبواب الغرب وأميركا انتقاماً.

وبعبارة أخرى، يبدو أن واشنطن تسعى بأقدامها مرة أخرى نحو الفخ ذاته، طالما هي لا تريد أن تدرك أن ثمن سلبيتها وترددها قد يكون اكبر بكثير من مبادرتها الى وقف العنف ودعم التحول الديموقراطي العربي على علاّته وصعوباته. فالتلويح بمقايضتها دعم التغيير وحماية المدنيين بمحاربة الارهاب وبحسابات النفوذ سيعز الطعن بصدقية ادعاءاتها عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، ويقوي معسكر القوى المعادية للتغيير، وتالياً الثقافات والتقاليد الرافضة للحرية والديموقراطية، لنقف في نهاية المطاف أمام هوّة تتسع وتفصل الشعوب العربية عن الحضارة العالمية، وأمام مظالم مشينة لا بد من أن تؤلب هذه الشعوب ضد كل ما هو أممي وأميركي على غرار ما أفرزته تداعيات المسألة الفلسطينية.

هو الإعصار «هايان» الذي شغل العالم لأيام خلت، صراع لا مفر من خوضه بين الانسان والكوارث الطبيعية، التي تحظى عادة، وللحد من آثارها، باهتمام مسبق من المجتمع الدولي وإن شابته عيوب في الاستعداد والإغاثة والإنقاذ. لكن أين هو المجتمع الدولي اليوم من الكوارث البشرية التي تمتد وتتفاقم لسنوات بفعل استمرار عنف الانسان ضد أخيه الإنسان!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأكراد في الائتلاف السوري!

فايز سارة

المستقبل

الثلاثاء 19/11/2013

سجلت اجتماعات الدورة الاخيرة للهيئة العامة للائتلاف الوطني تحولاً مهماً في ثلاثة من المسائل السياسية المطروحة على المعارضة السورية منذ انطلاقة الثورة السورية في اذار من العام 2011. وتمثلت المسالة الاولى في دخول المجلس الوطني الكردي الى الائتلاف، وانضمام احد عشر عضواً ممثلين عنه الى الهيئة العامة، وسيتم اختيار اثنين منهم في الهيئة السياسية، واحد الاعضاء ليكون نائباً لرئيس الائتلاف، وكانت المسألة الثانية، اقرار موقف الائتلاف في الذهاب الى جنيف2 وفق محدادات باعتبارها بوابة لحل سياسي للقضية السورية، اما المسألة الثالثة، فكانت تشكيل الحكومة المؤقتة من جانب المعارضة من اجل ادارة الحياة العامة للسوريين سواء في الداخل السوري او مناطق اللجوء وخاصة في دول الجوار، حيث يتواجد أكثر من اربعة ملايين من السوريين.

ورغم الاهمية الكبيرة للنقاط الثلاثة، فان خصوصية انضمام المجلس الوطني الكردي الى الائتلاف تجعلها مسألة تستحق الوقوف عند حيثياتها وتفاصيلها، ولعل الاهم في هذا الجانب، انها انهت حالة من التباعد بين الجماعات السياسية السورية العربية من جهة والكردية من جهة اخرى، وهو تباعد بدأ بعيد انطلاق الثورة السورية، وكان اساسه موقف الاحزاب الكردية بالتوجه الى بناء موقف مشترك للاكراد هدفه تحديد موقعهم وموقفهم في الثورة السورية ومايمكن ان تتمخض عنه الثورة السورية من نتائج وموقع الاكراد في المستقبل السوري، وقد ترتب على هذا التطور انسحاب الاحزاب الكردية من التحالفين الاساسيين السوريين القائمين: اعلان دمشق للتغيير الديمقراطي وهيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير، وحتى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، لجأ الى حالة من تجميد نشاطه في هيئة التنسيق، وان لم يعلن خروجه منها.

وبطبيعة الحال، فقد استكملت اغلبية الاحزاب الكردية توجهها نحو صياغة موقف كردي خاص، عبرت عنه في تأسيس المجلس الوطني الكردي في اواخر العام 2011 الذي ضم معظم الاحزاب الكردية وشخصيات وفعاليات اجتماعية وثقافية في خطوة بدت موازية لتأسيس المجلس الوطني السوري الذي سبق مثيله الكردي بوقت قليل، وصاغ المجلس الوطني الكردي موقفه في اعلان تأييده لثورة السوريين ومشاركة الاكراد فيها باعتبارهم جزء من الشعب السوري، لكنه اضاف الى ذلك مطالب تتعلق بموقع الاكراد في مستقبل سوريا بالتركيز على موضوعين اولهما اعتراف بالقومية الكردية قومية ثانية في البلاد لها ذات المستوى من الحقوق التي يحصل عليها غيرها من المكونات القومية في البلاد، اضافة الى مطلب تطبيق ادارات ذاتية في المناطق ذات الاغلبية الكردية، واعتبار اللغة الكردية لغة ثانية في تلك المناطق في التعليم والتداول.

لقد سعى المجلس الوطني الكردي للتفاهم مع التكتلات السياسية في المعارضة السورية للتفاهم على تلك الرؤيا سواء مع المجلس الوطني السوري او مع الائتلاف، لكن النتائج كانت سلبية، ثم تكرر الامر بعد تشكيل الهيئة الكردية العليا في اواخر العام 2012، والتي جمعت المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي وآخرين، لكن النتائج لم تكن افضل من المرة السابقة، وبذلك تكرس تباعد التمثيل السياسي الكردي عن التحالفات السورية.

غير انه ومع التحولات التي شهدها الائتلاف بعد عملية التوسعة في صيف العام 2013، انفتحت ابواب جديدة في موضوع العلاقات بين الائتلاف والقوى السياسية الكردية، وفي اطارها، فتحت بوابة حوار ادت الى توقيع اتفاق بين الائتلاف والمجلس الوطني الكردي خلص الى تأكيد الائتلاف التزامه "الاعتراف الدستوري بهوية الشعب الكردي القومية، واعتبار القضية الكردية جزءًا أساسيًا من القضية الوطنية العامة في البلاد، والاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي ضمن إطار وحدة سورية أرضًا وشعبًا، والعمل على إلغاء كل السياسات والمراسيم والإجراءات التمييزية المطبقة بحق المواطنين الكرد ومعالجة آثارها وتداعياتها وتعويض المتضررين، وإعادة الحقوق لأصحابها. ونص الاتفاق على أن الائتلاف يرى أن سوريا الجديدة ديمقراطية مدنية تعددية، نظامها جمهوري برلماني يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية وفصل السلطات وتداول السلطة وسيادة القانون، واعتماد نظام اللامركزية الإدارية بما يعزز صلاحيات السلطات المحلية".

ثم اعقب ذلك أخيراً القيام بخطوات عملية، رسخت وجود ممثلي المجلس الوطني الكردي داخل مؤسسات الائتلاف وهيئاته من الهيئة العامة الى الهيئة السياسية وصولا الى هيئة الرئاسة، كما بدأ ترسيخ وجود الاكراد في المؤسسات التابعة للائتلاف ومنها سفارت الائتلاف وممثلياته لدى الدول العربية والاجنبية وفي المؤسسات التي تتعامل مع الائتلاف، وبداية الخطوات التطبيقية في هذا المجال، تمثلت في تعين سفير للائتلاف في ممثلية المانيا.

ان الخلاصة الاساسية لماتم في علاقة الائتلاف مع التمثيل السياسي للاكراد ، تؤشر الى نهاية التباعد والقطيعة السياسية بين الطرفين، وتوحيد جهودهما المشتركة في العمل الوطني العام وخاصة ما اتصل منه بالثورة السورية وفعالياتها، وفتح باب المشاركة بين الجانبين وآخرين (منهم التركمان والاشوريين الذي ينتظر ضمهم الى الائتلاف) في رسم ملامح المستقبل السوري البديل عن النظام الحالي في نظام ديمقراطي يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، كما ان ما تم انجازه يعزز مسار مطلب وحدة المعارضة السورية، لانه يكسر حالة الأنكفاء على الذات التي سادت في اغلب التكوينات التحالفية في البلاد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نحن سوريون مضربون عن الطعام وهذه قصتنا

فراس قصاص

القدس العربي

الثلاثاء 19/11/2013

بداية القصة أن شعبا مكونا من أربعة وعشرين مليونا حلم بالحرية وبحقه في الحياة بكرامة بعد مكوثه في مملكة الرعب والصمت لما يقارب خمسة عقود كان نصيبه مئات الآلاف من الشهداء والجرحى وملايين من النازحين واللاجئين وتدميرا شاملا لكل ما هو إنساني واجتماعي ومادي في حياته أمام صمت عالمي لم تفهمه عيون الأطفال ولا صرخات النساء والأبرياء.

في آذار من عام 2011 حلم السوريون بأن تولد الكلمات من أفواههم دون خوف، بأن يغنوا ويرقصوا ويخرجوا إلى الساحات والشوارع يقولون ويعبرون كما يليق بالإنسان الحر أن يفعل، آمنوا في سرهم وعلنهم بأن الشعوب الحية في العالم لن تسمح للديكتاتور بأن يقتل حتى العشرات منهم وليس مئات الآلاف، فالعالم قد تغير، وعهد المجازر قد خبا وهزم، ولا مكان لهتلر جديد أو لحافظ أسد جديد في زمن الصورة والفضائيات والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ألم يصبح العالم كله قرية صغيرة؟ ألم تكتسب الشرعة الدولية لحقوق الإنسان مسحة كونية ؟

أما فصول القصة وتفاصيلها فطويلة ومعقدة، تبدأ بكيف استطاع الديكتاتور السوري تدمير سلمية الثورة وإجبار الناس على حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، مرورا في اختراق جماعات تكفيرية وتوظيفها لتشويه صورة الثورة السورية واستدعاء الأبعاد الطائفية والاثنية التي حرص على إبقائها متناقضة ومستعرة ولكن محجبة ومقنعة طوال سنين حكمه، وصولا إلى تصديره صورة مزيفة عما يحصل في سورية واتقانه لعبة العلاقات العامة والتأثير في الوعي العام العالمي إلى درجة جعلت الشعب الغربي الذي يتعاطف عادة حتى مع اي كائن حي يعاني، يرفض تدخلا لا بد منه لردع نظام يقتل مئات الأطفال بالأسلحة الكيماوية ومئات الآلاف من الأبرياء في حرب مجنونة لم تزل مشتعلة منذ ما يقارب الثلاثة أعوام . القصة لم تنته بعد، أدوات الحرب التي يجترحها النظام الديكتاتوري في سورية الى تجدد كل يوم، وهي اليوم تتكثف بالحصار والتجويع، ولحظة المجاعة السورية تعيشها الان مناطق المعضمية وحمص ومخيم اليرموك. تحاصر قوى الديكتاتور هذه المناطق وتمنع عنها الدواء والغذاء. الموت يزحف ببطء هذه المــرة، لم يعد بالسكاكين ولا بالمدافع والصواريخ ولا حتى بالأسلحة الكيماوية بل بما هو أكثر نعومة في الشكل وأكثر قسوة في الجوهر بالجوع.

الجوع هذه اللحظة زمن وتقويم في تلك المنطقتين السوريتين، في المعضمية في مخيم اليرموك كما في حمص، الاف من المدنيين السوريين، نصفهم من الأطفال وجلهم من النساء والمتقدمين في السن عداد الجوع لديهم جميعا يهدد حياتهم، يهدد نبض قلوب الاطفال الصغيرة بعد ان اغتال ابتساماتهم وقدرتهم على اللعب والفرح كما يهدد قدرة الجميع على الاستمرار والعيش. لأننا وأهلنا داخل سورية ننتمي إلى روح واحدة، لأنهم أمل الحرية في قلوبنا وعقولنا، لأنهم من يدفع ضريبة إجرام جنوني وقبح خرافي لا يحتمله هذا الوجود، لان الإنسانية كل الإنسانية بقيمها وتجربتها، تتعرض للانتهاك والفتك في سورية، ولأننا لم نفقد بعد الأمل بأن يصحو ضمير العالم، ضمير الأمريكي والانكليزي والفرنسي والألماني، ضمائر كل العالم على هول معاناة المدنيين السوريين أطفالا ونساء وطاعنين في السن، فينتصر لنفسه ولقيمه ولنا، نناشدكم ليس من أجل أن تتدخلوا للضرب على يد القاتل رغم ان ذلك مسؤولية إنسانية وكونية بل حتى يتم إدخال المواد الغذائية إلى حمص والمعضمية فقط. فهل يعز هذا أيضا؟

أرواح أطفال حمص والمعضمية وحياتهــــم رهن لتضـــــامنكم ومواقفــــكم. والإنسانية اليوم كلها أمام المرآة…ونحن نترك لك أيها الإنسان في هذا العالم كتابة النهاية لقصتنا .

ناشط وكاتب مضرب عن الطعام

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الريف العلوي في مفترق مفصلي

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 20-11-2013

تخضع منطقة الساحل السوري، وبالذات منها محافظتا اللاذقية وطرطوس، لما تخضع له بقية محافظات سوريا، ومع أنها لا تقصف اليوم وتدمر بالمدافع والدبابات والطائرات، فإنها لن تنجو من مصير بقية الوطن إن تمرد أهل الساحل أو ثاروا، أو نظموا صفوفهم خارج إطار الأسدية، الأمر الذي يطرح أكثر فأكثر على جدول أعمال الواقع، وليس شيئا مستحيلا أو مستبعدا، كما يعتقد كثيرون.

يحتل المنطقة الساحلية، وبالأخص منها المنطقة العلوية، شيء يسمونه «جيش الدفاع الوطني»، يبدو أنه أخذ اسمه من «جيش الدفاع الإسرائيلي»، هو قطعات شبه عسكرية تضم بصورة رئيسة شبيبة عاطلين عن العمل، استدرجت إلى العمل الأمني والقمعي المسلح وفق عقود لا تذكر نوع شغلها أو مكانه، وتكتفي بحمل توقيع «العامل» وتعهده بالعمل في أي مكان، ليلا ونهارا، ولأي فترة تطلب منه. بما أن الشغل يتطلب حمل بندقية وحماية النظام من الشعب، فإن العامل يرابط في أماكن محددة من المنطقة الساحلية، بما فيها القرى العلوية، حيث يسهر على:

- ضمان انصياع العلويين لأوامر دمشق، بعد أن شرعوا يفقدون ثقتهم بهم ويتساءلون بحرقة: لماذا يقتل أولادنا ولم يقتل في المعارك المستمرة منذ عامين ونصف العام أي واحد من آل الأسد أو مخلوف أو شاليش؟ أليست الأصولية ضدهم، أم أنها لا تضمر العداوة إلا لنا، ولا تريد قتل أحد منهم وتكتفي بقتل أولادنا، مع أنهم ليسوا في الأصل أعداء أحد، ولم يقرروا يوما مقاتلة أحد، ويساقون إلى القتال مرغمين، تنفيذا لسياسات وأوامر نظام يعادي جميع مواطني سوريا بلا استثناء؟

- استمرار الحياة العادية في الريف العلوي، رغم ما يتكبده سكانه من خسائر فادحة في الحرب التي يشنها النظام ضد الشعب، ويعيشونه من حزن وقلق متعاظمين، ومن كوارث لم يعد باستطاعتهم السكوت عنها. وبما أن مظاهر رفضهم للنظام وسياساته تتزايد مع كل جثمان يسلم إليهم، فإن «عامل» جيش الدفاع مكلف بإبلاغ الأمن ما يقوله الناس ويفعلونه، وبالمبادرة إلى قمعهم دون رحمة، كما حدث مرات عديدة في مناسبات تكاثرت في الآونة الأخيرة، تجلت في نزع صور الأسد الأب وابنه من مواكب الجنازات، ورفض حضور أي مسؤول رسمي خلال مراسم الدفن، والأعطيات المالية التي تقدم لذوي الضحايا، والقيام بإلقاء خطب تنتقد إرسال الشباب إلى الموت في سوريا، بدل إرسالهم إلى الجولان وفلسطين للاستشهاد فوق ثراهما الطاهر.. إلخ.

وقد تعاظمت في الأشهر الأخيرة ظاهرة على قدر عظيم من الخطورة، هي امتناع الشباب عن الالتحاق بـ«خدمة العلم» وبصفوف قوات الاحتياط في الجيش، وكثرت حوادث الفرار من الوحدات المقاتلة، والاعتداء على الضباط الموالين، ومغادرة سوريا إلى الخارج، رغم معرفة المغادرين بأنهم لن يستقبلوا من المعارضة ولن ينالوا ثقة معظم فصائلها ولن تساعدهم على مواجهة مصاعب العيش أو تضمهم إلى صفوفها. في المقابل، تعاظمت أيضا ظاهرة الدوريات التي يقوم بها «جيش الدفاع الوطني» في أنحاء الريف العلوي، وكثرت ملاحقات واستدعاءات واعتقالات الشباب، فضلا عن حوادث خطفهم المتعاقبة، التي تتم بسرية ومن دون أن يفصح عن الجهة التي تقوم بها، مع أن أهل الريف يعلمون أن الفاعل هو النظام، الذي يزج بهم في معركة قاتلة بحجة الدفاع عنهم وحمايتهم، ويدركون أكثر فأكثر أنه مصدر الخطر الذي يهددهم، ويتذكرون أنهم كانوا يعيشون قبله في سلام مع بقية مواطنيهم، ويمارسون حياتهم الطبيعية، وأن الظلم الذي كان واقعا عليهم شمل غيرهم أيضا، لأنه كان ظلما اجتماعي الأصل والمنبت وليس طائفيا أو مذهبيا، ولو كان كذلك لما دخل حافظ الأسد نفسه وآلاف الضباط العلويين إلى الجيش، وعرفت سوريا قبل انقلاب العسكر البعثي عام 1963 نوابا ووزراء وأساتذة جامعات وأطباء ومهندسين ومعلمين واقتصاديين وإداريين علويين. بدأ العلوي يدرك أنه يموت من أجل سياسة فاسدة وأسر تتحكم فيه وتهدر حياته دونما سبب غير إدامة حكمها، الذي لطالما عرضه هو أيضا للقمع والإذلال والحرمان، وزج بأعداد هائلة من بناته وأبنائه في السجون، ولم تعد له وظيفة غير دفعه إلى الموت دفاعا عن مصالح ليست مصالحه، وضد مخاطر تهدده بسبب سياسات وتدابير النظام بالذات، وليس لأي سبب آخر.

تقول المعلومات إن الريف العلوي وصل إلى مفترق مفصلي جعله يخرج عن صمته حيال قتل أولاده، ووضعه أمام مستقبل حافل بالأخطار، هو الخاسر الوحيد فيه حتى في حال انتصر النظام على الشعب، ما دام انتصاره سيكون باهظ التكلفة بالنسبة إليه وسيعيده عقودا عديدة إلى الوراء وقد يخلق حالا من العداء بينه وبين بقية مواطنيه تستمر لقرون.

يتعرض العلويون لظلم مزدوج: من نظام يرسلهم إلى الموت دفاعا عنه، لأنه لا يكترث أبدا لمصيرهم، ومعارضة تحملهم المسؤولية عن سياسات نظام يضحي بهم على مذبح مصالحه الخاصة واستبداده. واليوم، وقد صار حل المعضلة السورية رهنا بإسهام العلويين أيضا في النضال من أجل الحرية، فإننا أصبحنا بحاجة إلى موقف صحيح تتخذه المعارضة يرى فيهم مواطنين يقتلون بدورهم على أيدي استبداد لم يعد لديه ما يقدمه لهم غير الموت، فلا أقل من أن يقدم بديله لهم أمل الحياة والكرامة والأمن، كي لا نضيع وتضيع بلادنا إلى الأبد!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حتى لا تقول شعوب الجوار العربي: أكلنا يوم أكل الشعب السوري!

16.11.2013

الطاهر إبراهيم

الشرق العربي

في كلمته التي ألقاها بمناسبة يوم عاشوراء يوم الخميس 15 نوفمبر قال حسن نصر الله: (إن وجود مقاتلينا على الأرض السورية، هو للدفاع عن لبنان والقضية الفلسطينية، وعن سوريا، في مواجهة كل الأخطار التي تشكلها هذه الهجمة الدولية الاقليمية التكفيرية على هذا البلد). كلام حسن نصر الله هو فقط برسم الضحك على ذقون أنصاره الذين يحشرون في قاعة واسعة للهتاف والتصفيق ينظمهم المثل القائل: "حاضري الأجساد غائبي العقول".

نحن السوريين مثلنا مثل اللبنانيين لا يخفى علينا ما يختبئ وراء كلمات نصر الله التي يوجهها في خطاباته.للأمانة لم يخفِ نصر الله في أي وقت من الأوقات جلوسه تحت عباءة ولي الفقيه. كما نعتقد أنه لا فرق بين ما يبطنه نصر الله ومايعلنه ولي الفقيه حتى في لبنان. ما زعمه نصر الله حين دفع مقاتليه داخل سورية بأن ذلك "للدفاع عن لبنان والقضية الفلسطينية، وسوريا". فكيف يستقيم هذا الكلام ومقاتلوه يقتلون السوريين ويقتلون الفلسطينيين بمخيم اليرموك، وقتلوا اللبنانيين في غزوة بيروت في أيار عام 2008. بل يسعى ليسود المذهب الشيعي على حساب المذهب السني الذي يدين به أكثر من 90% من سكان الدول الإسلامية في قارة آسيا لوحدها. وكيف يتهم حسن نصر الله مقاتلي الجيش الحر أنهم تكفيريون، وهم يدافعون ضد مقاتليه الذين استحلوا دماء الأطفال والنساء في سورية، بل التكفيريون هو نصر الله ومقاتلوه.

لكن يظهر أن نصر الله الذي يقبع داخل محبسه، نسي أو تناسى، أن فصائل الجيش الحر عندما بدأت القتال لم يكن تسليحها إلا بنادق كلاشنكوف، قاتلوا بها جيش بشار أسد المجهز الأسلحة الفتاكة بما فيها الطيران والسلاح الكيماوي، ويومها كان الجيش النظامي بأعتى قوته. وقداستطاعت تلك الفصائل أن تبسط سيطرتها على أكثر من 70% من مناطق سورية. وكل ما تملكه الفصائل الآن من الأسلحة الثقيلة ( دبابات مدافع ميدان راجمات صواريخ)، كسبتها من الجيش الممانع الذي يقوده بشار أسد هو وأخوه ماهر.

وإذا كان هناك ضعف في فاعلية الجيش الحر عن ذي قبل، فهو بسبب خذلان المجتمع الدولي، خصوصا أصدقاء الشعب السوري في أوروبا وأمريكا، الذين وعدوه أكثر من مرة أن يسلحوه بسلاح دفاعي يحمي الشعب السوري من براميل النظام وكيميائه. وحتى ما وعدت به واشنطن من أجهزة اتصالات غير مميتة لم ترسل منها إلا النذر اليسير, ما سبب عدم تواصل الوحدات بين شمال سورية وبين جنوبها.

على أن ما حصل من تقدم لما تبقى من جيش بشار أسد المتعب مدعما بمقاتلي الحزب ومقاتلي أبو الفضل العباس في مدينة السفيرة شرق حلب، التي لم تكن كلها بيد فصائل الجيش الحر، بل كانت معامل الدفاع في غرب السفيرة باقية في يد النظام. وإن هذا المد الذي يصوره نصر الله على أنه اجتياح مظفر،ربما كان غوصا في رمال متحركة في السفيرة وماحولها،سوف يحتاج إلى شبه معجزة كي يخلص مقاتليه من تلك الرمال.

اسمحوا لنا ونحن نرى سكين طهران فوق رقاب الشعب السوري هي والميليشيا التي تأتمر بأوامرها أن نضع النقط على حروف الحاضنة العربية في دول الجوار، التي لم تبخل علينا بالتعاطف والتشجيع وبعض الإغاثة، وخصوصا تيار المستقبل في لبنان الذين وقفوا عند حدود التأييد، وهم يرون حسن نصر الله لم يخف حربه الأهلية التي يشنها على أهل سورية، ليس في القصير وما جاورها فحسب،بل انداحوا بعيدا حتى وصلوا شمال شرق حلب. وإذا قدر لمقاتلي "الترويكا" (حزب الله، أبو الفضل العباس، طهران) أن يكسروا صمود أهل حلب لا سمح الله، فإن نصر الله سيرتد بمقاتليه إلى لبنان ليؤدبوا كل من وقف ضدهم ولو إعلاميا. عند ذلك فإن زعماء تيار المستقبل سيكون كل واحد منهم "باش كاتب" في "سراي" نصر الله.

ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أن على تيار المستقبل والجماعة الإسلامية في لبنان أن يفعلوا مثل ما فعل حسن نصر الله يوم دفع مقاتليه داخل سورية،فيهبوا لمؤازرة الشعب السوري "والرطل بدو رطلين". ونصر الله عندما فعل ما فعل فقد كسر سلام العيش المشترك اللبناني، هذا السلام الهش الذي كسره نصر الله ليحتل بيروت في يومي 7و8 أيار عام 2008. وإذا استطاع نصر الله الوصول إلى ما يريد في سورية، ونرجو الله ألا يتم له ذلك، فإن رجال أهل السنة في لبنان وفي العراق وفي دول الجوار العربي سيقولون: أكلنا يوم أكل إخواننا في سورية.

ونفس الكلام نقوله لرجال الأنبار في العراق وقد رأوا ميليشيات أبو الفضل العباس تقاتل ضد أهل السنة في دمشق وحلب. فأين كان شباب الأنبار عندما عبرت ميليشيا أبو الفضل العباس، حدود العراق ودخلت لتقتل المسلمين في سورية.

*كاتب سوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأمم المتحدة من المساعدات إلى جريمة اللعب بالمشاعر الإنسانية

18.11.2013

وليد فارس

الشرق العربي

اتخذ مجلس الأمن بداية الشهر العاشر من العام الجاري قراراً يدعو إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية فوراً للمناطق التي تحتاج لمساعدات في سورية, منذ تلك الفترة دخلت فرق مكتب المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة إلى سورية, بينما أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي انتهاء مهمتها بشكل رسمي في مناطق مختلفة من سورية بعد أن فشلت بإيصال المساعدات الإنسانية لتلك المناطق وأصدرت بيانات علقت على كل الأطراف بما فيها الشعب فشلها وضعفها في إتمام مهامها.

استطاعت المساعدات الإنسانية المدارة عن طريق مكتب "الأوتشا" أن تصل لعدة مناطق في سورية ولم تكن المشكلة الأساسية بالكميات التي وصلت أو نوع المساعدات بل بتنسيقها مع النظام بشكل أساسي في انطلاقها وعودتها وقوائمها ودخولها على الرغم من أن هذه المساعدات موجهة في الغالب لمناطق يسيطر عليها الثوار, إلا أنه جرى تجاهلهم تجاهلاً واضحاً ومتعمداً, وتم تجاهل كل تلك الدعوات المتكررة لإغاثة الآلاف من المعذبين في مناطق على شفير الموت لم يوافق النظام على السماح بعبور المساعدات إليها ولم تمارس تلك المنظمات الضغط الكافي واللازم لإدخالها.

لقد كان قرار مجلس الأمن على طاولة النظام يُقبّل يده صباح مساء, ويمارس عليه جميع أنواع التعديلات دون إشعاره بأي نوع من الضغط, في حين أن صواريخ "التوماهوك" كانت قبل أيام تكاد تطير فوق رأسه لتجبره على تسليم السلاح الكيماوي.

لقد أصدر أهالي حمص وريف دمشق ومؤسساتهم العسكرية والثورية –على سبيل المثال- عشرات نداءات الاستغاثة و تصريحات التعاون والحماية والتنسيق, وأعلنوا عن رغبتهم الصادقة -مرات ومرات- بالتعاون مع مؤسسات الأمم المتحدة ومختلف المؤسسات الإنسانية, لكن تلك المؤسسات اكتفت بالاتصال من أجل الاستفسار عن الأوضاع تارةً, والسؤال عن التغيرات العسكرية الحاصلة تارةً أخرى, وعن أعداد الأطفال الذين يموتون في أحسن الأحوال, وأخيراً عن رغبة هؤلاء الثوار بالتعاون مع النظام أو الذهاب إلى جنيف2!, وكأنها تقول المساعدات مقابل جنيف!.

لقد ساهمت تلك المؤسسات باللعب على مشاعر وعواطف الناس, وقد لا يكون النظام الدولي كتب عقوبة لهذه الجريمة لكن بكل تأكيد يتفق الجميع على عظمها وبشاعتها من مؤسسات إنسانية ومن أصحاب مبادرة وقيادة دولية.

إن نظرة تحليلة لأعمال هذه المؤسسات يجد أنها إما جسم مشلول نتيجة الفشل الدولي في معالجة الأزمة الدولية, أو أنها تُنفذ سياسات عمياء مجردة من المشاعر الإنسانية التي تحمل اسمها بحجج الإجراءات التقنية و الاتفاقات التنظيمية.

لا أعلم إلى أي حد من الممكن أن يسير الإنسان بحجة الاستطاعة والقدرة وأن هناك ضغوط على العمل؟, لكن بكل تأكيد لا يجب أن يصل إلى الدرجة التي يمارس معها جرائم أو يصبح شريكاً فيها.

حمص المحاصرة, 16-11-2013

خمسمائة وعشرين يوم على حصار المدينة

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com