العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24-08-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لماذا يقتلون الأطفال ؟ .. د. محمود نديم نحاس

لماذا يقتلون الأطفال في سوريا؟ إنه السؤال الصعب المطروح على الضمير الإنساني. ربما يجيبك المفكرون بسيل من الأسباب. ولكن السؤال الأصعب: لماذا لم يقم الضمير العالمي حتى الآن بإيقاف شلال الدم في سوريا؟ ولماذا لم يأخذ القادرون على يد المجرمين؟ فها قد مضى ثلاث سنوات ونصف ومازال تحقيق الأمن والأمان حلماً عند أطفال سورية، ومازالت آمالهم غير منجزة. بل إن أحلامهم تزداد يوما بعد يوم. ربما كانوا قبل فترة ينشدون التخلص من البراميل المتفجرة، فإذا بهم يضيفون إلى ذلك أماني جديدة كأن يأكل أحدهم ولو وجبة واحدة في اليوم، لا أقول وجبة دسمة، بل وجبة وكفى.

ليس ما أقوله تعبير مجرد، فقد سمعت من أحد مسؤولي الإغاثة يوجّه نداء يحث فيه المحسنين على الإسهام بما يستطيعون لإطعام اللاجئين على حدود دولة مجاورة، سبق للسوريين أن استقبلوا أهلها في بيوتهم يوم أصابهم ما أصابهم. ولكن بعضهم قلب للسوريين ظهر المجن، ونسوا قول الحق سبحانه وتعالى (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ).

لم تكن جريمة أطفال سوريا سوى أن أهليهم ثاروا ضد الظلم والطغيان، إذ لم يعد باستطاعتهم البقاء عبيداً تحت البسطار، فنالهم ما نالهم من القتل والتنكيل والتشريد واللجوء والاعتقال والسحل... وزد على هذه الكلمات مما قرأت عن الغزو المغولي وهجوم التتار، وستجد في النهاية أنك لم تصل إلى الوصف النهائي، حيث وصفها أحد الغربيين بأنها حروب العصور الوسطى تجري في القرن الحادي والعشرين.

وقد يسأل سائل: وما الفرق بين العصرين؟ وهو سؤال وجيه، فالإجرام ليس له عصر يخصه، ولا مصر يسكنه! لكن الفارق بين العصرين هو سرعة وصول الخبر! فما يحصل اليوم في زاوية من زوايا الأرض يصل خبره إلى أقاصي الدنيا بسرعة البرق، في حين لم يكن يعرف الناس في العصور الماضية ما يجري في بلدة مجاورة، إلى درجة أن أهل كل بلدة كانوا يصومون ويفطرون منفصلين عن البلدات المجاورة نظراً لصعوبة نقل الخبر. فإذا كان ذلك كذلك فلماذا لا يتحرك الضمير العالمي لإنقاذ الأرواح؟

عندما تصنّف مواقع صحفية أمريكية مدينة حلب التاريخية على أنها أخطر مدينة للسكن هذا العام على مستوى العالم، فهذا يعني شيئاً كثيراً. فهي المدينة الأقدم في التاريخ، وكانت تقع على خط الحرير، وهو طريق القوافل التجارية بين آسيا وأوروبا منذ القدم، ولم يسبق لها أن صُنّفت إلا ضمن المدن الأكثر حضارة. لكنها اليوم ووفقاً لأقل التقديرات فإن عدد الضحايا حتى الآن بلغ 568 من بين كل مائة ألف مواطن.

العناوين التالية منذ عيد الفطر وإلى الآن تعبر عن نفسها تجاه الطفولة في سوريا: عيد الغوطة: جوع وخوف، ناشطون يحاولون زرع الابتسامة على وجوه الأطفال في العيد، وحدهم أطفال سوريا يتظاهرون في العيد، أطفال سوريون اشتروا أسلحة بلاستيكية ليقاتلوا الشبيحة، الحزن يخيم على حلب في العيد، مقتل عشرة أطفال وستة نساء في أول أيام العيد، دمار جيل كامل من أطفال سوريا، ألعاب أطفال سوريا تتمحور حول الموت والشهادة، أطفال سوريا مهددون بالضياع.

ورشة عمل لتعريف الأطفال السوريين بحقوقهم، الطفولة المسروقة في سوريا، من أين يأتي الفرح لأطفال سوريا، مائة ألف سوري تحت القصف في عرسال، العالم نسي مأساة الأطفال في سوريا، المآسي تحرم ريف حمص بهجة العيد، عودة شلل الأطفال إلى سوريا، مساعدة أطفال سوريا على التعافي من الصدمة، الطفولة في سوريا تدفع الثمن، يعلمون أولادهم ضرب الأطفال السوريين: الطفولة السورية ضحية إجرام تحريضي، منع توزيع المساعدات على الأطفال السوريين، جيل محروم من التعليم في سوريا...

ويبقى السؤال الأصعب على الإطلاق: هل القاتل المباشر لأطفال سوريا هو وحده المجرم؟ أم أن الذين يسكتون عنه وهم قادرون على فعل شيء مشتركون معه في الجريمة؟ لقد نطق بها الشاعر:

الكلُّ مشتركٌ بقتلِكَ، إنّما *** نابَتْ يَدُ الجاني عن الشُّركاءِ

ويبقى السؤال الذي ربما لم يخطر على بال المجرمين: ما هو هذا الجيل الذي سينجو من القتل؟ وما هي الأفكار التي سيحملها؟ وماذا سيتولد في قلبه تجاه العالَم الذي كان بإمكانه إيقاف نزيف الدم ولم يفعل؟

وأخيراً وليس آخراً، لو أني قرأت خبر الحاجة صبرية الخلف التي عمرها مائة وسبع سنوات والتي تم إنقاذها مع تسعين آخرين على شواطئ اليونان، وهي في مسعاها للهرب من جحيم سوريا لتلحق بعشرين من أفراد أسرتها في ألمانيا، أقول لو أني قرأت خبرها قبل كتابة المقالة، لربما عدّلت العنوان إلى: لماذا يقتلون البشر؟

-*-*-*-*-*-*-*

أسباب إخفاقات الثورة في إسقاط النظام .. محمد فاروق الإمام

لعل من الواجب علينا أن نعترف بإخفاق الثورة وعدم تمكنها من إسقاط النظام وإطالة عمره لأسباب لم تعد خافية على أحد، وفي مقدمة هذه الأسباب وأخطرها إقحام البعض لشعاراته الفكرية والإيديولوجية، وطعن البعض بالبعض على خلفيات مناطقية وعقائدية، واتهام البعض للبعض بالخيانة والغدر والأنانية وحب الذات والاستئثار ونهب المال العام والخاص والفرقة والتنافر والتنابذ، حتى التبس ذلك الأمر على عامة الناس واختلط لديهم الحابل بالنابل دون معرفة الصادق من الكاذب.

وكلنا يعرف أن الثورة انطلقت ثورة عفوية شعبية بلا أية خلفيات إيديولوجية أو مناطقية أو دينية أو عرقية أو مذهبية أو طائفية، تحمل شعارات جامعة لكل السوريين.. تنشد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي يتفق عليها الجميع، ولا يختلف عليها أي طيف من أطياف المجتمع السوري المتنوع والمتعدد، متفقين على مبادئ أساسية ينشدها كل السوريين، وكانت شعاراتهم التي يرددونها في كل مظاهراتهم: "الشعب السوري ما بينزل"، "الشعب يريد إسقاط النظام"، "واحد واحدواحد الشعب السوري واحد".

وكنا نسمع أو نشاهد كيف أن المسيحي ينتظر صديقه المسلم عند باب المسجد حتى ينتهي المصلون من صلاة الجمعة ليتظاهر معهم ويهتفوا سوياًبصوت واحد مطالبين بإسقاط النظام،

وكيف كان ابن الريف يذهب إلى المدينة ليشجع شبابها على التظاهر، وكيف كان ابن المدينة يذهب إلى الريف ليشارك الشباب في التظاهر، وكيف كان الشاب العلماني ينام مع الشاب الإسلامي في بيت واحد متخفين من أجهزة الأمن ليجهزوا اللافتات ويكتبوا الشعارات الجامعة لكل السوريين ويوثقوا المظاهرات ويرسلوها للعالم الخارجي.

وكان الشاب الدرزي يرفض الالتحاق بالجيش الأسدي لقتل أهل السنة. وكان في مقدمة المعارضين للنظام صراحة وعلناً ابنة قائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش وهي من الطائفة الدرزية، والجميع يذكر موقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ونداءاته المتكررة لدروز سورية بالانسحاب من الجيش الأسدي.

وكان أول صوت أنثوي سوري لسيدة دمشقية غير محجبة تخرج عن صمتها تظهر على "bbc" هي رزان زيتونة "المخطوفة عند الدولة الإسلاميةالآن" فكانت تفضح النظام المجرم، وتوثق الجرائم التي يرتكبها، في وقت كان بعض خطباء المساجد والعديد من المعممين وعلماء السلطان يقومون بخدمة النظام والتعاون مع قوات الأمن للقبض على الشباب الثائر، كما أننا لا يمكن أن ننسى الأب باولو الإيطالي الذي قتل على يد الدولة الإسلامية، ولا يمكن أن ننسى بلاءه الحسن في وسائل الإعلام وفضحه جرائم النظام وقمعه للمتظاهرين السلميين.

والأمثلة كثيرة على شمولية الثورة من بداياتها وانخراط كافة شرائح المجتمع الفكرية والإيديولوجية والدينية والعرقية والمذهبية والطائفيةفيها.

لكن عندما انزوت الثورة بتوجهها الفكري وانحسارها بالتيار الإسلامي وهو الهدف الذي عمل عليه النظام بكل الوسائل، وبدأت تأخذ طابعاً خاصاً متشددا كإقامة خلافة إسلامية.. وفرض أمور على الشعب السوري المتعدد الأطياف والأديان والأعراق والمذاهب والطوائف؛دخل إليها كثير ممن ليسوا منها واختلط الحابل بالنابل وتظاهر البعض بالمظهر الإسلامي، ولم يكن من أهدافهم رفع الظلمولاإسقاط النظام وأطلقوا شعارات مختلفة تماما عن الشعارات الأولى وهذا ما أراده النظام المجرم من اليوم الأول للثورة، وبالتالي انقلب الجميع عليها بما فيهم الداعمين والمؤيدين لها، لتخسر الثورة أهم الأصدقاء فيما بعد.

ومن منا لا يذكر الكاهنة بثينة شعبان التي كانت أول من روج لهذا الامر عندما حذرت من إمارات إسلامية وحرب طائفية وقتل على الخلفية الفكرية.

وإنني أجد أن الحل يكون بعودة الثورة إلى نقائها وعفويتها وأصالتها بعيداً عن الإيديولوجيات والأفكار المتطرفة من أي نوع وأي شكل بحيث تكون الثورة ثورة الشعب السوري بكل فئاته وأطيافه وألوانه التي زينت فسيفساء بلاد الشام على مر العصور.

وبعد إسقاط النظام ورحيل الطاغية لنحتكم جميعاً إلى صناديق الاقتراع والقبول بنتائجها لأنها ستكون قرار شعب ناضل وكافح وقدم آلاف الشهداء ومن حقه أن نحتكم إليه ونرضخ لإرادته، وفاء للدماء التي سفحت لتعبد طريق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية،وعلينا جميعاً أن لا نستعجل الخواتيم فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

وختاماً نقول لأولئك الذين ينادون بقيام الخلافة الإسلامية، التي يريدها كل مسلم ويحلم بها، أن هناك سنن كونية في التدرج إلى قيامها ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة والنبراس، فقد أقام النبي الرحيم المجتمع المدني في دولته الفتية في المدينة، وسن قوانين الحياة والتعايش بين سكانها وأهلها وبدوها وحضرها من أعراب ومشركين ومنافقين ومسلمين وأنصار ومهاجرين، فعاش كل هؤلاء في ظل قانون ودستور سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يظلم في ظله أحدولا يجور على أحد ولا يقصي أحد ولا يحابي أحد فالكل سواء أمام أحكامه، ولم يفرض على أحد أسلوب حياة أو اعتقاد فلا إكراه في الدين، ومن خلال المعاملة الحسنة والدعوة إلى الله بالتي هي أحسن تحول المجتمع المدني إلى مجتمع مسلم في أقل من عشر سنوات، وانطلقت جحافل الفتوح فيما بعد إلى أصقاع الأرض تحمل رسالة الإسلام القائمة على العدل والمساواة ورفع الظلم وتحول الناس من عبادة الناس إلى عبادة الواحد القهار، لتقام للإسلام أعظم دولة امتدت من أسوار الصين حتى أبواب باريس في زمن قياسي لم تعرفه البشرية في تاريخها (30 سنة).

-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : تعددت الأسباب والقتل واحد بين القتل التكنولوجي الأنيق و القتل البدائي العنيف .. زهير سالم

23.08.2014

أحدثت الجريمة المنكرة التي ارتكبها إرهابيون ( بدائيون ) ردة فعل عنيفة لدى المجتمعات الإنسانية المتمدنة أو مدعية التمدن. وكان من الحق على الجميع أن يبادر إلى استنكار الجريمة جريمة القتل ، واستنكار طريقة تنفيذها ، واستنكار العنوان الذي ارتكبت تحته الإسلام وشريعته السمحة الآمرة بالبر والقسط.

ولكن وبينما كانت المجتمعات المخملية المعولمة من زبائن وجبات ماكدونالدز وكوكا كولا مشغولين باستنكار الجريمة ( البدائية الوحشية القاسية البشعة ..) كانت هذه المجتمعات تتابع بروح مترفة مشهد الموت الأنيق تحدثه التكنولوجيا الأمريكية ( الطائرات والقذائف ) باليد الصهيونية فوق رؤوس المدنيين الفلسطينيين . وكان أنيقا – عند اللاهين في العالم المتمدن - مشهد ردم زوجة القائد الفلسطيني ( الضيف ) وطفلها الرضيع تحت أنقاض القذائف الصهيونية المدمرة ..

كما كان لطيفا – عند المتفرجين المرهفين - مشهد الموت يتسلل إلى رئات مئات السوريين في مثل هذا اليوم من العام الماضي في غوطة دمشق . وما زال لطيفا أنيقا عصريا حضاريا مليئا بالفنتازيا مشهد الموتى من أطفال ونساء وآدميين سوريين تنتشلهم أيد آدمية أخرى من تحت أنقاض البراميل المتفجرة ترميها الأيدي الناعمة لبشار الأسد وعصاباته وشركاه...

ما عجزنا كعرب وسوريين أن نوصله إلى العالم الأكثر تمدنا هو أنّ في صدورنا كما في صدورهم قلوبا . وأن في مآقينا كما في مآقيهم دموعا . وأننا نألم كما يألمون ، وأن أم السبع في الفلاة تجزع لفقدان وليدها، وليس فقط والدة جيمس فولي والتي ننتظر منها وهي في محنتها التي نعيشها معها أن تبلغ هذه الحقيقة للأمريكيين . كل البشر يتألمون . وكل الأمهات تتفرط قلوبهن على فقد أولادهن . وقد أعيتنا وسائلنا البدائية عن إيصال هذه الرسالة لمن تعنيهم ..

أوباما الذي يؤكد أن العدالة الأمريكية ستطال قتلة الصحفي الأمريكي فولي يتحدث كرئيس أمريكي . والمطلوب منه فيما نظن أن يتحدث كإنسان أولا ، وكرئيس لأكبر دولة في العالم ثانيا ، أكبر دولة تزعم أنها حاملة لمشروع الحرية والكرامة وحقوق الإنسان ..

وأوباما الذي يدير ظهره عمليا لدراما القتل المأساوي ( العصري التكنولوجي الأنيق ) يباشرها في سورية بشار الأسد وفي فلسطين نتنياهو هو الذي يشرعن القتل ويمنح القاتلين الحق في ممارسته ولكن على الطريقة الأمريكية وبالأدوات الأمريكية . هو يستنكر القتل فقط عندما يتم بالطرق البدائية الوحشية ومن الذين حرمهم أوباما وشركاه من أدواته العصرية ..

وحين يقول أوباما إن المجموعة التي نفذت الجريمة بحق الأمريكي جيميس فولي لا مكان لها في العالم في القرن الحادي والعشرين ، يقفز إلى عقولنا وقلوبنا وعلى طريقة التداعي الشرطي سؤال : وهل بشار الأسد صاحب مجزرة السارين ، وصاحب ربع مليون شهيد كلهم لهم آباء وأبناء وإخوة وأخوات مثل فولي له مكان في القرن الحادي والعشرين ؟!

استنكرنا ، حين استنكرنا قتل الصحفي جيميس فولي ، قتل الإنسان ، وأدنا حين أدنا القتل الجريمة والقاتل المجرم ، لا تهمنا كثيرا هوية المجرم ولا هوية الضحية ولا أداة القتل وطريقته ..

وهذه هي الهوة السحيقة التي تفصل موقفنا نحن أبناء أرض النبوات عن الرئيس أوباما ابن أرض المغامرين والمغامرات ..

لندن : 25 / شوال / 1435

21 / 8 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

غزة ودمشق .. د. مصطفى يوسف اللداوي

حرقت قلوبنا غزة، ومن قبل أدمتنا دمشق،

أبكتنا غزة دماً، وبللت دمشق مآقينا دموعاً وحزن،

عيون الشام هما، ومن قلبهما القدس،

بين فلسطين والشام توزعت قلوبنا، وتمزقت مشاعرنا،

دعاؤنا بينهما مقسم،

وأملنا بينهما موزع، 

وعيوننا إليهما تتطلع، وترحل إليهما كل يوم،

ونفوسنا من أجلهما تتمزق،

تبعثرت الأجساد وتباعدت، وهاجرت أصحابها وتشردت،

فهل إلى فرجٍ قريب، وفتحٍ جديد،

فيبرأ الجرح في الشام، وينكشف الغم في غزة،

يا شام يا حاضنة غزة، ويا دمشق يا صنو غزة،

ترابكما تبرٌ، وأرضكما طهرٌ، وهواؤكما عطر،

أنتما من كل داء شفاء، ومن كل سقمٍ براء،

آهٍ عليكما من الحزن والألم، وآهٍ عليكما من الجرح والدم،

متى تعودان كما كنتما، شرفاً وعزةً، وسماءً عربيةً عليةً،

فتيتان نريدكما، عزيزتان نعرفكما، عربيتا الوجه والقلب أنتما، 

من قلبي أحبكما، وأشتاق وأحن إليكما،

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

21 آب.. يوم لن ينساه السوريون .. نصر الحريري

الشرق الاوسط

الجمعة 22/8/2014

  في الساعة الثانية والنصف فجرا من يوم الأربعاء الموافق 21 آب (أغسطس) 2013، استيقظ أهالي غوطتي دمشق على أصوات انفجارات الصواريخ والقذائف، وهي مأساة اعتاد ألمها السوريون منذ انطلاقة الثورة السورية، لكن ما لم يعتده السوريون هو غاز السارين الذي حملته هذه الصواريخ التي انطلقت من اللواء 155 المتمركز في منطقة القلمون. استمر قصف النظام للغوطتين بالصواريخ المحملة بغاز السارين حتى الساعة الخامسة والنصف فجرا، وفي غضون ساعات رأى العالم أجمع مظاهر الهلع وأجساد الأطفال والنساء والشيوخ تتلوى على أرض المشافي الميدانية في المنطقة.

وفي الذكرى الأولى لهذه المجزرة؛ يستعيد الشعب السوري أحداث المأساة التي نفذها نظام بشار الأسد بحق أهالي الغوطتين، ويتذكر أن تلك المجزرة أدت إلى استشهاد 1507 أشخاص معظمهم من الأطفال والنساء قضوا خلال ساعات خنقا بالسارين.

كان للوعيد الذي أطلقه الرئيس الأميركي باراك أوباما باعتبار استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين خطا أحمر لن يقبل بتجاوزه، أن يقدم نوعا من أنواع العزاء للشعب السوري، لكن لم يكن يخطر ببال أحد من أهالي الضحايا وكافة أبناء سوريا وصولا إلى جميع المتابعين للثورة السورية وحرب النظام على الشعب السوري حول العالم، أن يتمخض الجمل فيلد فأرا، وأن يكتفي المجتمع الدولي، حتى اللحظة على الأقل، بتسليم أداة الجريمة دون معاقبة الجاني، فاتحا الباب على مصراعيه أمام المجرمين والقتلة ليأخذوا عبرة واضحة لا لبس فيها.

لقد أبدت قوى الثورة بالتنسيق مع قيادة أركان الجيش الحر والائتلاف الوطني منذ الأيام الأولى، استعدادها الكامل للتعاون مع لجنة تحقيق منظمة حظر السلاح الكيماوي وتسهيل عملها في المناطق المحررة، وتوجهت اللجنة إلى الغوطة الغربية والغوطة الشرقية بريف دمشق، بالإضافة إلى خان العسل في ريف حلب، وانحصر دورها في تأكيد استخدام السلاح الكيماوي فقط دون تحديد الجهة التي قامت باستخدامه أو تأكيد التهمة على نظام الأسد. وكانت النتيجة قرار مجلس الأمن رقم 2118 الذي يقضي بتسليم نظام الأسد سلاحه الكيماوي. جاء القرار دون تفعيل الفصل السابع في حال تخلف الأخير في تسليم أسلحته، أو تجرأ على إعادة الكرّة في المستقبل، مما فتح الباب واسعا للنظام كي يماطل ويتلاعب بموضوع تسليم الأسلحة ويستخدم هذه القضية ورقة للمساومة.

ورغم أن المجتمع الدولي تمكن من تحييد قدرة نظام الأسد على تصنيع الأسلحة الكيماوية واستخدامها، وبالتالي جنّب الشعب السوري خطر استخدامها ضده، فإن هذا التنازل الذي قدمه النظام بمباركة إيرانية وتنسيق روسي أمده دون شك بأسباب جديدة للاستمرار وقتل الشعب السوري بالأسلحة التقليدية، بل إنه تجرأ على استخدم المواد السامة، كمادة الكلور التي لا تصنف دوليا جزءا من ترسانة النظام الكيماوية نظرا لاستخداماتها المتعددة في الصناعات المحلية، وبهذه الطريقة يكون نظام الأسد قد التف على إرادة المجتمع الدولي واستمر في انتهاكاته ضد المدنيين دون حساب. أما الشعب السوري فلا يمتلك اليوم غير الأمل بالخلاص من المجرمين وتقديمهم إلى العدالة؛ أمل يدخل السكينة إلى أرواحهم المعذبة بعد أن خسروا أحباءهم وبيوتهم ومستقبلهم.. أمل يمنحهم القدرة على الاستمرار في النضال ضد جلادهم.

لكن مثول الجناة، وعلى رأسهم بشار الأسد المسؤول الأول عن القرار السياسي والعسكري بضرب الغوطتين بالكيماوي، أمام العدالة لا يبدو قابلا للتحقيق اليوم، فنظام الأسد، كما هو حال إسرائيل، ليس عضوا في محكمة الجنايات الدولية، ولم يوقع على أي من مواثيقها واتفاقياتها. أما مجلس الأمن فهو معطّل بالفيتو الروسي والصيني، ومن الواضح أنه لا توجد إرادة دولية حقيقية لاستنساخ تجربة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وفي هذا المقام يجدد الائتلاف مطلبه لدول أصدقاء الشعب السوري بتخطي جميع المعوقات والعمل على تطوير دعمهم لقضية الشعب السوري وراء حدود تقديم المعونة الإغاثية بالتوازي مع الدفع باتجاه تفعيل محاسبة مرتكبي الخروقات عن طريق كافة الوسائل المتاحة.

ويبقى دعم الجيش السوري الحر وتزويده بالسلاح النوعي الحل الوحيد لحماية المدنيين من إجرام نظام الأسد الذي يتلقى كافة أشكال الدعم اللوجيستي والمادي والسياسي من روسيا وإيران، دون إغفال دوره في التصدي لجرائم التنظيمات المتطرفة التي أصبحت خطرا حقيقيا يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في سوريا.

* الأمين العام للائتلاف الوطني السوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ذكرى المجازر الكيماوية: أوباما ليس أفضل من أدونيس! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 22/8/2014

محطة CNN الأمريكية شاءت إحياء الذكرى السنوية الأولى للهجمات الكيماوية الوحشية، التي شنّها نظام بشار الأسد على الغوطتَين الشرقية والغربية، فجر 21 آب (أغسطس) 2013؛ بطريقة مبتكرة حقاً، أخلاقياً ومهنياً أيضاً: استضافة بثينة شعبان، مستشارة الأسد الإعلامية، وصاحبة الهرطقة الأشدّ بؤساً وابتذالاً وخبثاً حول تلك الهجمة (أنّ المعارضة السورية خطفت أطفالاً ونساءً وشيوخاً من منطقة الساحل، ونقلتهم إلى الغوطة، ثمّ قصفتهم بالأسلحة الكيماوية)؛ لا لكي تعلّق شعبان على تلك الذكرى، حتى من باب نفيها أو تكرار التخرصات إياها، بل لكي تشرح للمشاهدين دور «حكومة الرئيس بشار الأسد» في مكافحة «داعش»!

في عبارة أخرى، اختارت أتيكا شوبيرت، مذيعة الCNN التي حاورت شعبان، أن تستذكر الهجمة الكيماوية عن طريق… عدم استذكارها نهائياً، وعدم إحراج شعبان بأيّ سؤال عنها، وعدم إثارة الرابط (كما صارت الموضة الرائجة اليوم) بين إخفاقات سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول سوريا، واستفحال جرائم «داعش» وانتقال أخطارها إلى الجوار… مدهش، في جانب ثانٍ خاصّ، ومهني وأخلاقي أيضاً، أنّ شوبيرت (أندونيسية الأصل، وبنت العالم الثالث على نحو ما) اشتُهرت بتغطيات صحافية دراماتيكية، حول الذكرى الستين لإسقاط القنبلة الذرية على هيروشيما؛ وكذلك محاكمات شوكو أساهارا، مهندس هجمة غاز السارين الإرهابية على طوكيو، سنة 1995؛ والتوتر النووي في شبه جزيرة كوريا، سنة 2006.

ولكن لماذا يعتب المرء على شوبيرت في هذا التقصير، إذا كان المواطن السوري علي أحمد سعيد إسبر (أدونيس)، لم يكتفِ بتجاهل هذه الذكرى، فحسب؛ بل تفادى نهائياً أية إشارة إليها منذ وقوعها، ويتباكى اليوم على ويلات سنجار وقراقوش والموصل، بل ويترحم على أيام «جنكيز خان وهولاكو وبقية الطغاة قبلهما وبعدهما»، ممّن «كانوا على بدائيتهم ووحشيتهم أكثر إنسانية وأصدق إسلاماً من الطغاة الجدد في القرن الحادي والعشرين»؟ ثمّ، في مستوى آخر سوري بدوره، لماذا يُلام أدونيس إذا كانت جهة معارضة مثل «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي» قد تجاهلت الذكرى  حتى ساعة كتابة هذه السطور على الأقلّ، واعتماداً على موقع الهيئة الرسمي  ولم تنسَ، في المقابل، الترحيب بقرار مجلس الأمن الدولي 2170، «المتعلق بالجماعات الإرهابية المتطرفة في كل من سوريا والعراق»؟

انعدام الاكتراث، أو ندرته، أو قلّته، بصرف النظر عن النوازع الأعمق خلف كلّ مستوى؛ ليس جديداً على مأساة السوريين مع نظام لم يعد يأبه لرادع، أو يقيّده وازع، حتى حين تكون المجازر بين الأشدّ وحشية وبربرية. هنا استعادة، وجيزة، لنماذج من جرائم النظام، ابتداءً من كانون الثاني (يناير)، 2013، وحتى مجازر الغوطتين: مصرع 87 من طلاب جامعة حلب، و106 من أبناء حمص، بينهم نساء وأطفال قُتلوا حرقاً أو بالسلاح الأبيض، والعثور على 80 جثة في نهر قويق بحيّ بستان القصر في حلب؛ وفي شباط (فبراير)، مقتل 83 من المدنيين، بعضهم سقط جراء تفجير قرب مقرّ حزب البعث في دمشق؛ وفي نيسان (أبريل)، أكثر من 483، بينهم نساء وأطفال، في مجزرة «جديدة الفضل» التي ارتكبتها وحدات الحرس الجمهوري؛ وفي أيار (مايو)، إعدام قرابة 50 من السجناء في سجن حلب المركزي، ومقتل 145 رمياً بالرصاص في مجزرة شهدتها مدينة بانياس الساحلية؛ وفي حزيران (يونيو) أجهز الجيش النظامي على 191 مواطناً في مجزرة قرية «رسم النفل» في ريف حلب؛ وفي آب (أغسطس) أسفرت الهجمات الكيماوية على الغوطة عن أكثر من 1500 ضحية.

على صعيد مواقف قوّة كونية عظمى مثل الولايات المتحدة، تحيل ذكرى المجازر الكيماوية إلى ذلك الخطاب المخاتل، والمتحذلق، الذي اعتمده الرئيس الأمريكي في هذا الملفّ. كان النظام السوري قد استخدم الأسلحة الكيماوية مراراً، في مناطق سورية مختلفة، حين أصرّ أوباما على أنّ استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا ما يزال مسألة «تصوّر»، واحتمال «انطباعي» فقط، وليس واقعة ملموسة ومرئية، تستند على أدلة مادية قاطعة. الإدارة، استطراداً، لم تكن متأكدة، أو ليست متأكدة نهائياً وقطعياً، من أنّ النظام السوري قد تجاوز ذلك الخطّ الأحمر الشهير الذي رسمه سيّد البيت الأبيض. لهذا يصعب «تنظيم تحالف دولي» حول أمر «مُتصوَّر» فقط؛ و»لقد جرّبنا هذا من قبل، بالمناسبة، فلم يفلح على نحو سليم»، قال أوباما، في إشارة (صحيحة) إلى الخطأ الذي ارتكبه سلفه جورج بوش الابن في العراق.

هذا بالرغم من أنّ أوباما كان المعنيّ الأوّل بتداعيات ما وقع بعدئذ، وقبلئذ، من استخدام للأسلحة الكيماوية، لأنه كان صاحب الوعد الشهير بأنّ اللجوء إلى هذا السلاح سوف يغيّر قواعد «اللعبة»، وبالتالي سوف يستدعي خطوات أخرى تصعيدية من جانب واشنطن، ضدّ النظام السوري. وقبل شهرين، فقط، من وقوع مجازر الغوطتين، كان أوباما قد أعاد التأكيد على هذا الخطّ، ثمّ تابع طرائق الالتفاف على تبعاته (التي كان هو الذي ألزم نفسه بها!)، حين أكّد: «مهمتي هي أن أزن المصالح الفعلية الحقيقية والشرعية والإنسانية لأمننا القومي في سوريا، ولكن أن أزنها على أساس الخطّ الأساس الذي رسمته، وهو البحث عمّا هو أفضل لمصلحة أمن أمريكا والتأكد من أنني لا أتخذ قرارات مرتكزة على أمل وعلى صلاة، بل على تحليل صلب بمصطلح ما يجعلنا أكثر أماناً، ويكفل استقرار المنطقة».

وفي أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية تقريراً بالغ الأهمية، حول مجازر الغوطة، وقّعه ثلاثة من خيرة أعضاء الفريق الذي يغطّي الشأن السوري: آدم إنتوس، نور ملص، وريما أبوشقرة. الخلاصة، التي تتكىء على شبكة من التفاصيل المترابطة والمتقاطعة، تفيد التالي: كان البنتاغون قد علم بالضربة مسبقاً، وبالتالي يصعب القول إنه لم يسكت على مذبحة كانت وشيكة، كفيلة بالانقلاب إلى صيغة إبادة جماعية؛ تماماً كما حدث بعدئذ، باعترافات مسؤولي البيت الأبيض أنفسهم، ابتداءً من أوباما نفسه، وانتهاءً بوزير خارجيته جون كيري، مروراً بمستشارته للأمن القومي سوزان رايس. الفارق أنّ ضجيج الإدارة وعجيجها لم يصطخب إلا خلال مراحل التلويح بضربة عسكرية ضدّ نظام الأسد، ثمّ خفت وخمد تماماً حين استدار أوباما على عقبيه، وصرف النظر.

أخيراً، كان الموقف الشعبي العامّ في أمريكا، وضمنه معظم التغطيات الإعلامية، يذكّر بمناخات ما بعد انكشاف مذبحة «ماي لاي»؛ التي نفّذتها قوات أمريكية نظامية في فييتنام، سنة 1968، ضدّ المدنيين العزل، وأسفرت عن مقتل قرابة 500 شيخ وامرأة وطفل، وارتكاب فظائع بربرية كالإعدام الجماعي والاغتصاب واللواط والتمثيل بالجثث. ذلك لأنّ عشرات الأصوات الأمريكية، التي ترتدي اليوم أقنعة الطهارة، وتحضّ على تجريد حملات صليبية ضدّ مَنْ تصنّفهم في خانة «الإرهاب»، عشوائياً وكيفما اتفق؛ هي نظائر الأصوات ذاتها التي لم تكتف بالسكوت عن مجرمي الحرب، منفّذي مجزرة «ماي لاي»، فحسب؛ بل حاولت تبريرها ومباركة أبطالها طيلة أسابيع، قبل انكشاف الحقائق على النحو المروّع المعروف.

وفي هذا السياق، تظلّ الدلالة الأهمّ هي الاجذاب الأمريكي، الجَمْعي والهستيري، الشعبي وليس الشعبوي فقط، نحو قراءة المذابح الجماعية بوصفها سيناريوهات لا مفرّ منها؛ أو، في خطّ تأويل آخر، أنها أقلّ ويلات من سواها. الأمر الذي يسمح بتساؤل مشروع: لماذا يتوجب أن يكون الأمريكي أوباما، أفضل من السوري… أدونيس؟

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من الثورة إلى الحوار .. د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 22/8/2014

ما يزال الغموض يلف حكاية ظهور «داعش» ونموها ومفاجأتها المدهشة للعالم بإعلان دولة «الخلافة»، وقد كبرت الاتهامات والتكهنات، فهناك من يرون أن التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي خرجت عن شعارات الشعب السوري لقيت تشجيعاً من النظام وغض الطرف عنها كي يجد مبرراً لمتابعة قمع الثورة، وإحراج داعميها الذين سيجدون أنفسهم يدعمون إرهاباً. وهناك من يرون أن الولايات المتحدة نفسها عملت على تشتيت المعارضة وإضعاف الجيش الحر، وإهمال المعتدلين من المطالبين بدولة مدنية وبالحرية والديمقراطية، فجاء المتطرفون من كل أصقاع العالم واختطفوا الثورة السورية وأهدافها ليعلنوا دولة الخلافة وليبدؤوا مسيرتهم السياسية بقطع الرؤوس وبتر الأيدي دون محاكمات علنية! ويرى بعض المحللين أن دعم تنظيمات التطرف كان الوسيلة الأنجع لجعل المجتمع الدولي يعيد النظر في موقفه من القضية السورية، ومن ثم يعيد تأهيل النظام ويدعو إلى التحالف معه في حرب أشمل ضد الإرهاب، وهذا ما حدث. ولكن لا توجد أدلة قوية على هذه الفرضيات، وبالوسع نقضها بكون النظام يعرف أن هذه التنظيمات ستنقلب عليه، وستكون في حربها ضده أشد شراسة من الحرب ضد ضباط الجيش الحر الذين هم جنوده وضباطه أصلاً، وخلافهم مع النظام على رغم التراكمات كان منحصراً في رفضهم للحل الأمني الذي طالبهم بقتل أهلهم وقصف مدنهم، ولولا هذا الحرج لبقوا في جيشهم النظامي، وكان بوسع النظام أن يجد حلاً سياسياً معهم لو شاء لأنهم معتدلون ومطالبهم مدنية صرفة.

ومع أن المعارضة والجيش الحر مسؤولان عما حدث بينهم لاحقاً من شقاق وتنافس على المال والسلاح والمناصب إلا أن أصدقاء سوريا مسؤولون أكثر منهم عن حالة التشتت والضياع التي تمت صناعتها قسراً وعبر خطة مدروسة أفقدت المعارضة السياسية والعسكرية كثيراً من مكانتها عند الشعب السوري قبل أن تفقد ما لقيت من احترام دولي.

ولم يعد السوريون يطمئنون إلى دعم المجتمع الدولي منذ أن غض بصره عن جريمة الكيماوي في غوطة دمشق واكتفى بمصادرة السلاح دون أن يعاقب الذين ارتكبوا الجريمة، وهي إلى اليوم أخطر من كل جرائم «داعش» و«حالش» الإرهابية؟ وقد فجع السوريون منذ أن أعلن أصدقاؤهم أنهم قلقون فقط على مستقبل إسرائيل، فهم يخافون أن تقع الأسلحة النوعية في اليد الخطأ التي يمكن أن تستخدمها ضد إسرائيل إذا سقط النظام! وتم التغاضي الدولي عن القتل والتدمير اليومي بالبراميل المتفجرة التي لا تحدد أهدافاً، وكلها سقطت على المدنيين، وتضاعف عدد المعتقلين والموتى تحت التعذيب، وصار المشردون والنازحون واللّاجئون يعدون بالملايين. وبعد فشل مؤتمر جنيف في الوصول إلى حل سياسي فقد السوريون الأمل بالوصول إلى حل، فنشطت التنظيمات المتطرفة للتغرير بالشباب اليائسين، وعزفت على لحن أمجاد الدين والتاريخ، وأفادت من وضع التهميش القاتل لأهل السُّنة في العراق وسوريا، ونهض مشروع «الدولة الإسلامية» المزعومة، ولكنه بدا مشروعاً خاوياً من الحكمة ومن السياسة ومريباً في خوائه، ولا أظن ذلك جهلاً أو غباء سياسياً فحسب، وإنما بدا الخطاب كأنه مشهد تمثيلي من مسلسل دموي يراد أن تغرق فيه بلاد الشام والعراق.

وكان الحديث عن السيف مرجفاً ومثيراً، وقد جاءت ممارسات «داعش» عجيبة كأنها تتقصد الإساءة للإسلام، وجاء طرد المسيحيين وقتل الإيزيديين والتحرش بالأكراد دليلاً واضحاً على أن الهدف ليس بناء «دولة»، وإنما هو فتح ساحة فوضى وتمهيد لحرب دولية ضد العراق وبلاد الشام ستمتد إلى سنوات طويلة، كما كان الأمر في أفغانستان يوم ظهرت «طالبان» فكان أول ما فعلته هدم تمثال بوذا وملاحقة ممرضات مسيحيات والبدء بالجلد وقطع الرؤوس وحظر تعليم النساء، ولهذا لم تنجح «طالبان» سوى في القتل والإجرام، وما أظن أن الأفغان كانوا يحتاجون لمن يقول لهم ما هكذا تبنى الدول. والأمر يتكرر اليوم، وقد بدأ يحقق مآرب من يدعمون «داعش»، فقد استدعت تصرفاتها المحسوبة على الإسلام هجوماً واسعاً على الدين كله، وعلى أهل السنة الذين قد تحسب التجربة عليهم، دون وجه حق، فتقدم حجة للوزير لافروف الذي قال قبل عام: «لن نسمح لأهل السنة أن يصلوا إلى الحكم في سوريا»!

ومهما تكن الظروف الراهنة قاسية فإن المطلوب عمله على الصعيد السوري هو مواجهة هذا التحدي الأكبر الذي يهدد سوريا بأن تكون ساحة حرب عالمية ضد الإرهاب يقتل فيها من لم يقتلوا بعد من المدنيين الأبرياء الباحثين عن الحياة وعن الكرامة الإنسانية، ويتم تدمير ما بقي قائماً من البنى التحتية والمدنية، ويتم نسيان وإهمال فواجع المشردين فيبقون في المخيمات عقوداً قادمة كما بقي الفلسطينيون. وستدفع كل الطوائف ثمن هذه الحرب، ثم لا ينفع ندم ولا رثاء، والحل المتاح أن يسمو السوريون جميعاً إلى مرتبة فوق المعارضة والموالاة، وأن يخرج الرماديون من صمتهم، وأن يتداعى جميع السوريين إلى مؤتمر وطني شامل جامع، يكون مضمون شعاره الحفاظ على سوريا. ويمكن التأسيس على ما وافق عليه العالم في مؤتمر جنيف مرة أخرى، فالأحداث الراهنة تستدعي أن يراجع النظام موقفه، وأن تراجع المعارضة أداءها، ولابد من تقديم تنازلات من الطرفين، كما يحدث في كل مؤتمرات السلام، فقد كفانا ما خسرنا من دماء أبناء شعبنا، وما تعرضوا له من فواجع ومن فقر وتشرد وإذلال، ولابد من الاعتراف بأن مزيداً من العنف لن يحقق نصراً للنظام أو المعارضة، وإنما يحقق مزيداً من الدم المراق. وأدرك أن كثيراً من قادة المعارضة سيرفضون هذه الدعوة كما يرفضها النظام، وأذكّر بما قلت في هذه الصفحة مرات منذ ثلاث سنوات، إن سبب ما وقعنا فيه من كوارث هو الغرور والعناد، ولا حل إلا بالحوار، ولا بديل عنه سوى التقسيم واستمرار الحروب. ولكي ندرأ هذا المصير المحتمل يجب أن يتوافق السوريون على حل وسط، يتم من خلاله تشكيل جمعية وطنية تدعو لمراجعة الدستور، وأن تشهد سوريا مرحلة انتقالية ضمن رؤية جنيف، يتم فيها تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كل الأطياف بصلاحيات كاملة، ويعاد بناء الجيش الوطني وقوى الأمن بقيادة الحكومة وتحت سقف البرلمان، ولن أستبق ما يمكن أن يقرره السوريون، فهذه أفكار يتداولونها كل يوم، ولا طريق إليها سوى الحوار، قبل أن تلتهم النار ما تبقى من سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في الذكرى الأولى ... أوراق اعتماد معمدة بالدم .. محمد صبرا

العربي الجديد

الخميس 21/8/2014

لعب النظام السوري، منذ بداية تشكله على يد الأسد الأب، دوراً وظيفياً مهماً في السياسة الدولية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط، كان نتيجة طبيعية لموقع سورية الجغرافي الذي ساهم بتضخيم القوة التي يتمتع بها نظام مستقر، يحكم هذا البلد. لقد كانت سورية تقع، على الدوام، بين حدي عبء الجغرافيا وعبقرية المكان، ما أدى إلى وضع متأرجح في المكانة السياسية للنظام الحاكم في سورية، أياً كانت طبيعته. وانطلاقاً من فهم عميق لهذا الموقع الجيوسياسي، مارس النظام السوري صلفاً غير معتاد منذ بداية الثورة السورية، وهو يدرك أن موقف القوى العالمية من عملية التغيير في سورية لن يكون على الشاكلة المصرية أو الليبية ولا اليمنية.

كانت ممارسات هذا النظام تشي بأنه مرتاح في استخدام فائض القوة لديه ضد طموحات الشعب، من دون خشية حقيقيةٍ من المحاسبة على ما يفعل، فبعد أربعة أشهر من الثورة، وسقوط أكثر من ألف شهيد، أبدت الولايات المتحدة الأميركية موقفاً اعتبر الأشد لهجة حتى ذلك التاريخ، إذ قالت هيلاري كلينتون، في مؤتمر صحفي مشترك مع المفوضة الأوروبية، كاثرين أشتون، في 12 يوليو/تموز 2011 "الرئيس الأسد ليس شخصاً لا يمكن الاستغناء عنه، ونحن ليس لدينا أي شيء على الإطلاق للاستثمار في بقائه في السلطة".

جاء هذا التصريح في عقب جمعة "إرحل" التي صادفت يوم 1 يوليو/تموز 2011، والتي أكدت أغلب وكالات الأنباء أن عدد المتظاهرين فيها كان زهاء أربعة ملايين متظاهر، في أكثر من مائة نقطة تظاهر على امتداد الجغرافيا السورية. كان جلياً، منذ هذا التاريخ، أن "الثورة السورية قد أصبحت قوة لا تقاوم، اصطدمت بشيء لا يمكن تحريكه"، على حد تعبير فؤاد عجمي.

يدرك المتفحص لكلام هيلاري كلينتون طبيعة الدور الوظيفي الذي كان يلعبه النظام السوري في السياسات الأميركية في المنطقة، في ظل علاقة شديدة التعقيد، تحكم الطرفين، ويبقى الثابت الأساسي فيها عدم تعريض أمن إسرائيل للخطر. هذا الدور الوظيفي هو نقطة الارتكاز التي استثمر فيها حافظ أسد، منذ منتصف السبعينيات، بتدخله في الحرب الأهلية اللبنانية. ولا يغيب عن بالنا أن دخول الجيش السوري إلى لبنان كان بمباركة أميركية، وبمعارضة من الاتحاد السوفييتي السابق، والذي يفترض أنه الحليف الاستراتيجي للنظام السوري وقتها. هذا الأساس التاريخي قد يلقي بعض الضوء على البعد الوظيفي للنظام السوري.

لقد أدرك بشار الأسد أن اهتمام المنظومة الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ينصب بالدرجة الأولى على أهمية ضبط السلاح الكيماوي، وليس على تحقيق أي عملية ديمقراطية في سورية، تؤدي إلى رحيله. لم يكن هذا الموقف خافياً على أحد، وكان أكثر من مسؤول أميركي يردِّد أن الولايات المتحدة لن تسمح بتسرب الأسلحة الكيماوية السورية إلى حزب الله، أو إلى الحركات الجهادية. كان واضحاً أن الولايات المتحدة تعيش أزمة أخلاقية، بسبب موقفها المتردِّد من تقديم دعم جدي للثورة السورية، لكن ضغوط أطراف دولية أخرى، ولا سيما بعض الدول العربية وتركيا وفرنسا والتي كان موقفها واضحاً بعدم إمكانية بقاء بشار الأسد في السلطة تحت أي مسمى، قد حرك الولايات المتحدة الأميركية، للبحث عن حلول أخرى للمعضلة السورية.

تجلت هذه الحلول في بيان جنيف في 30 يونيو/حزيران 2012، وهو حل غير قابل للتطبيق، بسبب غموضه، وعدم وجود فرصة حقيقية لتغيير جدي في موازين القوى، يسمح بفرضه من جانب قوى الثورة السورية. أعقب صدور بيان جنيف تقدم جيد للمعارضة المسلّحة على الأرض، سمح بسيطرتهم على مساحة كبيرة من الجغرافية السورية، تقدر بأكثر من نصف مساحة سورية، واستمر هذا التقدم يضطرد باتساع خلال عام 2012 وبداية عام 2013. وكانت كل الدلائل تشير، على الرغم من تعقد المشهد السوري ونمو الحركات المتطرفة، إلى إمكانية زحزحة مكان الأسد، وإلزامه باتباع حل سياسي ما.

في هذه اللحظة الحرجة بالنسبة له، بدأ النظام السوري يقيس مستويات الصراع، وإمكانية الاستغناء عنه أميركياً بالدرجة الأولى. كان بشار الأسد قادراً على إعادة تجديد أوراق اعتماده لدى الإدارة الأميركية، ليس من باب مكافحة الإرهاب الذي لم يعد يقنع أحداً، بل من باب استثمار الحساسية الإسرائيلية المتعلقة بالسلاح الكيماوي، فكانت عملية استخدام السلاح الكيماوي في غوطة دمشق في يوم 21 أغسطس/آب 2013 هي العرض الذي قدمه الأسد، وتلقفه الأميركيون بشغف، فقد كانوا ينتظرون هذه اللحظة التي كان الجميع يدرك أنها ستأتي.

في مؤتمر هرتسليا للأمن، المنعقد في 14 مارس/آذار 2013، صرح رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، الجنرال أفيف كوخافي: "الأسد ما زال يسيطر على السلاح الكيماوي في البلاد، لكنه يدرس تصعيد الحرب مع الثوار، ويقوم بتحضيرات متقدمة لاستخدام السلاح الكيماوي ضد الثوار". وأردف "الأسد لم يعط الإشارة بعد لاستخدامه". تناقلت هذا التصريح كل وكالات الأنباء العربية والأجنبية. كان الجميع يعلم أن الأسد سيستخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه، لكن الجميع تركه يستخدم هذا السلاح، ليفاوضه على تسليمه، والأسد فهم هذه المعادلة. وافق مباشرة على تسليم هذا السلاح، وبهذا تمت صفقة مع العالم أجمع، يضمن بموجبها أنه لا يمكن إطاحته في فترة التسليم التي تمتد تسعة أشهر، أي حتى منتصف عام 2014، كما جاء في قرار المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية في 27 سبتمبر/ أيلول 2013، والذي تبناه مجلس الأمن في القرار رقم 2118 الصادر عن مجلس الأمن في التاريخ نفسه. إذن، ارتكب الأسد جريمته، وضمن بقاءه في السلطة تسعة أشهر، وبقرار دولي، باعتباره أصبح شريكاً في عملية تسليم السلاح الكيماوي. في هذه الفترة، سيعمل نظامه على تغيير جوهري في موازين القوى، يضمن له تجديداً إضافياً، وهو ما استطاع تحقيقه بإيجاد البيئة اللازمة لازدهار تنظيم الدولة الاسلامية الذي سيكون محلاً لتفاوض مقبل بين الأسد والقوى العالمية.

كانت جريمة استخدام السلاح الكيماوي مزدوجة، فهي، فضلاً عن وحشيتها والهمجية الكامنة وراء العقل المخطط لها، كانت جريمة من أجل بقاء فرد في السلطة، بمباركة من المنظومة الدولية. لم تكن أداة لكسر إرادة الثورة، أو لتحقيق الانتصار على العدو، وإجباره على الاستسلام، كما يحدث عادة في حالات استخدام السلاح الكيماوي، أو أسلحة الدمار الشامل، بل كانت مجرد استثمار بدماء السوريين ساهم العالم كله بأخذ الحصة المناسبة منه. ستبقى هذه الجريمة جرحاً غائراً في الوطنية السورية، وستبقى وصمة عار على جبين المنظومة الدولية. إنها السقوط الأخلاقي المريع لعالم يدّعي أنه متحضر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

على «داعش» الفعل وعلى الآخرين رد الفعل .. لؤي حسين

الحياة

الاربعاء 20/8/2014

أقرّت، منذ حين، غالبية الأطراف الدولية بعدم إمكانية الحسم العسكري لمصلحة أي من أطراف النزاع المسلح في سورية. لكن هذا الإقرار لم يغيّر شيئاً في مواقف أو ممارسات أطراف النزاع المسلح الرئيسة، أي النظام والمجموعات المناوئة له. إذ واصل جميع الأطراف القتال والتحشيد ولزومات ذلك، معتقدين أنهم قادرون على كسب انتصار صريح إذا ما توافرت لهم بعض الشروط الخارجية.

سياسياً، الموقف يختلف قليلاً. فما زالت جميع الأطراف الرئيسة، المحلية والدولية، ترى إمكانية انتصار طرف على الآخر (على رغم عدم تحديد من هو الطرف المعارض) حتى لو لم يكن انتصاراً «نظيفاً». ومع ذلك، فمن بين هذه الأطراف من يتحدث خلف الأبواب، وبشكل غير رسمي، عن قناعته بعدم وجود إمكانية للحسم السياسي في المدى المنظور. أي لا إمكانية، في الوقت الراهن، للإطاحة ببشار الأسد وفريق حكمه، وكذلك لا إمكانية لإنهاء حال الاعتراض والاحتجاج عليه.

بُنيت هذه المواقف واعتُمدت من جانب الأطراف مع احتدام النزاع المسلح في سورية، والذي مضى عليه أكثر من سنتين، أي قبل أن تدخل «داعش» (الدولة الإسلامية) بقوة في ميادين المعارك. والآن، ومع تنامي دور «داعش»، وتحولها أكبر قوة مسلحة، مقارنة بالمجموعات المسلحة الأخرى، من غير قوات النظام، بقيت تلك المواقف على حالها من دون أي تغيير.

ربما يكون عدم تغيّر مواقف الأطراف نتيجة سرعة المتغيرات التي تحدثها «داعش». فخلال أشهر قليلة تمكنت «داعش» من السيطرة على مناطق عدة شرقي البلاد وشمالها، مستمرة في التوسع في منطقة حلب وغيرها. لكن المرجّح أن بقاء هذه المواقف على حالها ناجم عن أن جميع الأطراف تنظر إلى «داعش» على أنها حال طارئة وعابرة لا تستدعي تغييراً في المواقف الاستراتيجية.

إضافة إلى أن كل طرف ينتظر، سراً، أن يستفيد من وجود «داعش» من خلال إضرارها بخصمه، ويراهن على أن تصيب من الخصم ضعفاً تجعله يأتي صاغراً إليه. فالمعارضة لا تجد في «داعش» مشكلة طالما أنها تقاتل النظام وتحقق انتصارات عليه. بل ترحب بانتصارات «داعش» على النظام، لأنه ما لم يسقط نتيجة ذلك، فسيطاوله من الضعف ما يجعله يأتي خاضعاً راضخاً (مع حلفائه الدوليين) لشروط المعارضة. أو يتم التضحية ببشار الأسد أسوة بنوري المالكي. وإن سقط النظام تحت ضربات «داعش» فسيكون هذا أمراً مباركاً. وحينها يتم التفكير بكيفية التعامل مع «داعش».

وفي المقابل، لم يقرب النظام «داعش» طالما هي تتحرك في المناطق الخارجة عن سيطرته وتقاتل المجموعات المسلحة الأخرى. بل يأمل أن يصيب الضعف واليأس المعارضة (وحلفاءها الدوليين) تحت ضربات «داعش» فتقبل بالاستسلام له، ولو تحت يافطة «المصالحات المناطقية»، ويتم تكليفه دولياً بمحاربة «داعش».

نلحظ من هذا العرض المبسط أن «داعش» هي الطرف الفاعل الوحيد، وأن أفعال بقية الأطراف هي مجرد رد على أفعالها؛ فوفق «داعش»، تكون خيارات الأطراف الأخرى. أي تحولت «داعش» في سورية لتكون المحور الرئيس الذي تدور في فلكه القوى الأخرى بما في ذلك النظام.

تحولت «داعش» بعد استيلائها على الموصل ومناطق عراقية كثيرة، وكذلك على مناطق ومساحات سورية واسعة، من مجرد تنظيم متطرف يمارس دوراً تخريبياً بطريقة «الهواية» إلى حال سياسية اجتماعية أقرب إلى «الحرفة»، لا يصلح النظر إليها بعد الآن على أنها حال طارئة أو عابرة يمكن ان تتلاشى مع مرور الزمن، أو تندثر بالمنافسة، أو تزول بقتل عدد من قياداتها وكوادرها.

إذاً، والحال هذه، تجد المعارضة السياسية السورية نفسها في حال ضياع تام، فلا هي لديها القدرة على تغيير استراتيجيتها، ولا طائل من ثباتها على مواقفها التقليدية التي لم تعد تمتّ إلى الواقع بأي صلة، بما في ذلك مناشدتها الأخيرة للمجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة (وفق تعابير الائتلاف) بالتدخل العسكري، أسوة بالعراق، لضرب قوات «داعش» وقوات النظام. فالمعارضة اعتادت ألا توفر فرصة من دون أن تدعو الولايات المتحدة للتدخل العسكري في سورية حتى لو كان ذلك لصيد العصافير.

لا بد الآن للمعارضة، ومع التغيرات التي تحدثها «داعش» على الأرض، من إعادة ترتيب الأولويات. على ألا يكون ذلك مجرد إدراج مواجهة «داعش» كقوة غاشمة هدّامة أو كتنظيم إرهابي. أو النظر إلى داعش من خلال منظار إسقاط النظام وتقويم دورها وكيفية التعامل معها وفقاً لما يخدم ذلك. بل لا بد من وضع الحفاظ على الكيان السياسي السوري على رأس قائمة الأولويات. هذا الكيان الآخذ بالتمزق والتفتت بين طرفين تفتيتيين: النظام و «داعش». فمن لازم الأمور أن يكون لدينا كيان سياسي واضح المعالم والحدود إذا ما كنا نطمح الى بناء وطن سوري ضمن حدوده.

الآن، الفرصة مناسبة جداً للانقضاض السياسي على النظام. إن كان ذلك على صعيد «الانتهازية» السياسية المشروعة، أو على صعيد العمل الوطني البالغ الضرورة. فحلفاء النظام الآن «لا بد» من أنهم يستشعرون خطر «داعش» الحقيقي على النظام وعلى مصالحهم التي باتت تضيق مع تنامي «داعش»، حتى لو لم يصرّحوا بذلك. وكذلك حال الدول التي «تعادي» النظام، «فلا بد» من أنها تشعر بفقدانها السيطرة الكلية على مسارات الواقع السوري أمام تنامي «داعش» وانتشارها على مساحات غير متوقعة، حتى لو لم تعلن ذلك رسمياً.

هذا الانقضاض على النظام لا يعني البتة العمل على إسقاطه، فهو أمر غير ممكن وغير مجدٍ أمام الحال «الداعشية». كما لا يعني في المقابل السير في ركب النظام أو التحالف البيني معه. وإنما يعني الضغط الممنهج لإنتاج سلطة انتقالية (مشكّلة من النظام والمعارضة وشخصيات عامة)، تقوم على تقويض أسس النظام الاستبدادي، ويشارك فيها جميع شرائح وقوى المجتمع السوري لتتمكن من المحافظة الحقيقية على وحدة الكيان السياسي السوري.

* رئيس تيار بناء الدولة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عندما تأمر واشنطن وينفذ الإئتلاف .. د. عوض السليمان

فرنسا

القدس العربي

الاربعاء 20/8/2014

لا أستطيع أن أخفي صدمتي مما فعله الأستاذ هادي البحرة رئيس الائتلاف الوطني السوري، بالطلب من المجتمع الدولي والولايات المتحدة الإسهام في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وذلك لأسباب عديدة أهمها أن الائتلاف أظهر اليوم أنه لا يستطيع تقديم هذا الطلب إلا بأمر الإدارة الأمريكية. ومع أن كثيراً من المعارضين قد ألمح إلى أن السيد رئيس الائتلاف سيعقد مؤتمراً صحافياً يطالب فيه بذلك تنفيذاً للرغبة الأمريكية، إلا أنني تمنيت ألا يفعل حفاظاً على هيبته، واحتراماً للشعب السوري الذي لا يعرف الخوف وثار على الظلم وواجه بطش الأسد.

نشرت الجزيرة الخبر بهذه الصيغة «علمت الجزيرة من مصادر في المعارضة السورية أن الإدارة الأمريكية طلبت من المعارضة توجيه نداء للمجتمع الدولي للإسهام في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية وضرب مواقعه في سوريا, وإن النداء سيوجهه الائتلاف السوري المعارض وقيادات الجيش الحر من مدينة إسطنبول التركية.»

نتساءل بعد قراءة هذا الخبر، عن المدير الفعلي لسياسة الائتلاف، وعن الجهات التي تصنع مواقفه وقراراته، ونذهب أبعد لنسأل فيما إذا كان الائتلاف يمثل الشعب السوري وثورته، أم يمثل الإدارة الأمريكية والقوى المتصارعة على سوريا.

إنه لأمر أشد من فضيحة، أن نعلم ما سيقوله الأستاذ البحرة قبل أن ينطقه، ممتثلاً لأوامر خارجية، لا لرغبة سورية مرسلة من الداخل، ودون رجوع للفصائل الثورية في الميدان.

بكل حال، ما توقعنا من «رئيسنا» الجديد أفضل مما توقعناه من الجربا، صاحب جنيف، أو من رجل المبادرات معاذ الخطيب، صاحب فكرة الترشح لرئاسة الجمهورية مقابل الأسد، وصاحب فكرة التحاور مع نظام التشبيح من أجل الحصول على جوازات سفر.

كنا نتمنى من هادي البحرة أن يسأل واشنطن عن عدم إدراجها المنظماتِ الشيعية على قوائم الإرهاب حتى اليوم، من الحوثيين إلى عصابات أبي الفضل العباس، ولماذا لم تدرج جيش بشار الأسد على تلك القائمة.

لماذا لم يسأل هادي البحرة البيت الأبيض حول سر منع الأسلحة عن الجيش الحر في الوقت الذي تمكن فيه تنظيم الدولة من السيطرة على مدن عديدة في الشمال السوري.

أريد أن أسأل رئيس الائتلاف، عما فعلته قوى التطرف في القصير ويبرود وريف دمشق، وعرسال، وأريد أن أسأله عن الذبح اليومي الذي تمارسه تلك القوى على أعناق السوريين؟ وبعد ذلك أسأله عن عدم مطالبته بضرب مواقع تلك القوى أيضاً.

في الأيام القليلة الماضية اختطف شبيحة النظام مسافرين سوريين في عرض البحر، ولم نسمع مجرد إدانة من الائتلاف، وأمس تم تفجير عدة مساجد في جنوب سوريا وقت صلاة الجمعة، وفي كل دقيقة تنهمر البراميل المتفجرة على الشعب السوري، فلو أن «البحرة» طلب من أمريكا قصف الإرهابيين كلهم.

يعلم الأستاذ هادي، أن الولايات المتحدة لم تمنع السلاح فحسب عن الجيش الحر، بل ساهمت بمنع الممرات الإنسانية ومناطق حظر الطيران، وسعت لإفقاد الثوار مكاسبهم الميدانية، ويعلم أنها راضية كل الرضا عن الرجل الذي يحمي حدود الكيان الصهيوني، ومع ذلك استجاب «رئيس الثوار» لطلب الخارجية الأمريكية، بل لم يساهم في إعادة صياغته بطريقة تعبر عن كرامة الثورة السورية التي ترفض الخضوع للإملاءات.

ليت الأستاذ البحرة يطلب من أمريكا أن ترفع يدها عن سوريا وشعبها، وعن الائتلاف، بل وعن رئيس الائتلاف نفسه أيضاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نعم.. لمجلس يقود الثورة السورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 20/8/2014

لا شك في إيجابية إعلان منظماتٍ مقاتلة في سورية، يقارب عددها العشرين، عن تشكيل "مجلس يقود الثورة"، على الرغم مما شابه من معلومات متناقضة بشأن هوية القائمين به. ومن غير الجائز، على كل حال، النظر إلى خطوةٍ على هذا القدر من الأهمية، انطلاقاً من كلمةٍ، قيلت هنا أو هناك، ولا بد من تقويمها، انطلاقاً من الواقع القائم وبدلالته، وما يمكن أن تحدثه من تأثير إيجابي أو سلبي فيه.

 بدايةً، من الأهمية بمكان تخطي التشرذم القائم في الساحة العسكرية، المسؤول مباشرة عمّا نزل بالثورة من تراجع، وشهدته الأصولية الإرهابية من تقدم، والسنة الماضية من نجاح حققه النظام في مناطق حيوية من وطننا، ذلك أنه من المحال أن يهزم نظام لديه جيش موحد، تقوده هيئة مركزية على يد كتائب وألوية تقاتل، غالباً، متفرقة، أو معزولة بعضها عن بعض، وتفتقر إلى قيادةٍ مركزيةٍ، توحد جهودها وتوجه معاركها. وسيجعل هذا الوضع من الصعب جداً أن تنتصر ثورةٌ فشلت في توحيد قدراتها والإفادة منها بطرق تحولها إلى قوة مقاتلة ورادعة في آن معاً، يضع قيامها حدّا لما عاناه الجيش الحر، وبعض الإسلاميين، من ضغوط عرّضته لها قوتان منظمتان تقاتلان للقضاء عليه، هما: جيش النظام من جهة، وداعش وأخواتها من جهة أخرى.

إلى ما تقدم، تأتي الخطوة لسد فراغٍ، غدا مصدر خطر جدّي على الشعب والثورة، يسود اقتناع عميق لدى جهاتٍ عديدة بضرورة التخلص منه، بعد سلسلة هزائم تعرضت لها وحدات مقاتلة تابعة للجيش الحر وجهات إسلامية في مناطق متنوعة، أفضى وقوعها إلى نوع من تقاسم جغرافي/سياسي لبلادنا، يربك الثورة، ويهدد بطي صفحتها، وبتحول الصراع من أجل الحرية إلى اقتتال طائفي/مذهبي، طرفاه النظام وتنظيمات الإرهابيين. ويزيد من أهمية ما أعلن وقوعه في لحظة مفصلية من اتساع، وتشعب هذا الاقتتال، الذي لم تعد الفترة المتاحة لمواجهته مفتوحة، بل صارت تقاس بالأسابيع، وفي بعض الأحيان والأماكن بالأيام، وصار من الضروري والحيوي الخروج منها بالأسلوب الوحيد المجدي: أسلوب توحيد القوى السياسية والعسكرية، وإعادة تنظيمها وتعبئتها، وفق أسس مدروسة تعزز تماسكها، وتمكنها من القتال المتكامل والمستمر كجهة واحدة، بغض النظر عن موقعها الجغرافي، ومكان انتشارها ونشاطها.

 والآن، يطرح السؤال التالي نفسه: هل نحن إزاء تجربةٍ أخرى من تجارب التوحيد الفاشلة، التي أسهمت في إحباط السوريين وتهميش الثوريين، ولم توقف تدهور أوضاعهم؟ ليس من المقبول أن نكون أمام تجربة كهذه، لذلك، أخشى أن يكون الفاصل الزمني الطويل بين إعلان المجلس وانتخاب رئيسه تعبيراً عن افتقار المشروع إلى الجدية، ويكون قولهم مفصولاً عن عملهم، أو مرجحاً عليه، فنقع، عندئذٍ، في الخطأ الذي لطالما جعل معظم حلولنا كلامية، بدل أن تكون حلولاً عملية تعبر عن نفسها بالكلمات.

تبعث محاولة توحيد المقاتلين الأمل في نفوسنا، وتجعلها جزءاً من حلمنا الوطني، الذي يحتاج مشاركة الجميع فيه، لكي يضع شعبنا أقدامه، أخيراً، على درب انتصار طال انتظاره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : لماذا الآن ...؟! .. بشار الأسد يصعّد ضرباته ضد الأفعى التي رباها !! .. زهير سالم

20.08.2014

لا أحد ينكر علينا قولنا ضد الأفعى التي رباها ...

ولا يهمنا رأي الأفعى في نفسها ، وعقيدتها في ذاتها ، ولا ينفع معها قول فنقول لها بعض ما تجني يداها ..

ليس من الذاكرة البعيدة أن نذكر الناس بأبي القعقاع ضابط الاستخبارات الأسدي ، الذي تحول داعية على منابر حلب ، يجيّش لدولة العراق جنودها ، ويعبّئ كتائبها وسراياها ، ويسيّر العابرين من أصقاع الأرض لمقاتلة ( الأمريكي ) المحتل بزعمهم ، ولم يقتلوا على الحقيقة إلا عراقيين سنة وشيعة على السواء . حتى أعلن المالكي أنه سيرفع على شريكه ( الحاوي ) دعوى إلى مجلس الأمن ، وذاكرة السياسيين ما تزال تذكر مصير ضابط الاستخبارات الذي يجب أن يكون عبرة لكل زملائه ( المساكين )

المفاجئ اليوم ، وبعد ادهان ، دام سنين ، وإمداد ورعاية مباشرة ولوجستية ، ومع فزعة الطيران الأمريكي في حملاته ضد تمددات الأفعى في العراق ، تصاعدت الغارات الأسدية على تجمعات ومراكز الأفعى على امتداد الجغرافيا السورية فما هو سر هذا الارتباط ؟ كلام كثير يقال ...

- هل هو مجرد ( المواكبة للمواكبة ) حرصا على إظهار حسن النية ( في الخفق في الركاب ) الأمريكي وإعلان الاستعداد لاستئناف الدور الوظيفي المعهود ..؟!

- هل الفزعة الأمريكية في العراق كانت جزء من صفقة مع إيران سطر منها يرسم مستقبل المالكي ، وسطر آخر يرسم دور بشار وبالتالي هناك اضطرار إلى مبادرة ما في اتجاه ما في إظهار حسن النوايا وجميل الاستعدادات ؟!

- هل هي محاولة للسبق وقطع الطريق على أي استجابة أمريكية مستقبلية أمام المطالبة الغبية من البعض بالتدخل ضد الأفعى في سورية كما هو في العراق ..

- هل الغارات الجوية اليوم هي الإجابة المتأخرة على السؤال الذي ألقي على عمران الزعبي في مؤتمر جنيف 2 من صحفي واحد بضع عشرة مرة ، ولأن سورية الأسد تحتفظ دائما بحق الرد فها هو الآن قد حان ؟!

- هل هي تعبير عن خوف حقيقي يتملك الحاوي الذي ربما يشعر أن الأفعى التي ربّى أصبحت عصية عن الاحتواء ، لا حظوا العلاقة اللغوية بين الحاوي والاحتواء ..

- أم هل هي طريقة جديدة لإثبات القدرات والمهارات ودفع التهمة عن الذات . واكتساب الشرعية باختزال المشهد السوري ، كما فعل حسن نصر الله ، لم تكن حربنا في سورية ضد معارضة ولا ضد جيش حر وإنما كانت ضد هؤلاء الذين يستحقون الرمي بالبراميل المتفجرة والخنق بالغاز ...؟!

لن نطيلها عليكم ربما يكون كل هذا مقصودا وربما يكون للثعابيني فيما يفعل مآرب أخرى لا يحيط بها عقل العقلاء..

فهمنا للهدف يعيننا لنحدد أين نقف ؟ أو كيف نقف حيث نقف ؟!

لندن : 23 / شوال / 1435

19 / 8 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فلسطين كسورية.. لن تقهر .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 18/8/2014

... لكنّ غزة لن تستسلم، لأنها فلسطين بدلالاتها العربية عامة، والسورية/العراقية بصورة خاصة، كما أن سورية والعراق لن يستسلما في معركة الحرية والعبودية الكبرى، الدائرة الآن على مستوى المنطقة، حيث تقاتل نظم مفتوحة على الاستبدادين، السياسي والمذهبي، إلى جانب إسرائيل في جانب، والشعوب المتعطشة إلى الحرية والاستقلال في جانب مقابل، وتدور أحداثٌ سيتقرر بها مصيرنا إلى زمن بعيد، يعلم الطرفان المتواجهان أنها تضع، اليوم، أحجار الأساس لواقعٍ يغاير ما عشناه، في نيف ونصف قرن مضى، فإما الصعود إلى ما تريده الشعوب، أو النكوص إلى بربرية من نمط أسدي/ داعشي/ صهيوني لا تبقي ولا تذر.

لن يبقى شيء بعدها كما كان قبلها، فليس مستغرباً أن يحاول كلا الطرفين توظيف كل ما لديه من قوة لقهر الطرف الآخر، وأن تقدم الشعوب مئات آلاف الشهداء، وتبقى في ساحة المعركة، إلى أن تخرج من المأساة التي عاشتها تحت احتلالين، داخلي وخارجي، لهما وظيفة واحدة أو متكاملة، هي إبقاؤها خاضعة ذليلة، والحؤول بينها وبين ما تصبو إليه من حرية وعدالة وكرامة.

لن تستسلم غزة أو سورية أو العراق، لأن الاستسلام باب هزيمةٍ، ستغير بتكلفتها البشرية والسياسية ما صنعه التاريخ من حقائق، صمدت خلال قرون، يعني وقوعها ترسخ حلف أبدي، صهيوني القسمات والطبيعة، بين عرب سحقوا شعوبهم، عدو الكيان الدخيل والغاصب، أوصلتهم هزيمتهم إلى نقطةٍ، لن يكون بعدها خلاف بين حكامهم و"عدوهم" المزعوم الذي تبنوا خططه ونهجه وسياساته حيال المواطن العادي: المطالب بحقه في الحرية والحياة، وسيتبناهم، من جانبه، لأنهم نفضوا عنهم غلالة العداء الكاذب تجاهه، وبلغوا النقطة التي يريدها، حيث لا شعوب ولا مقاومة ولا نضال ولا حرية.

لن تستسلم فلسطين أو سورية أو العراق، لأن الاستسلام لم يعد خياراً، بعد أن تغير معناه وتبدلت هويته، وأغلق أي باب يقود إلى تسويةٍ أو حل وسط، وجعل من المحال أن تتوقف المعركة ضد الشعب بقبوله، ومن المحتم أن تتواصل، إلى أن تغير هوية المنطقة التاريخية، ويرحل القسم الأكبر من شعوبها عن الوجود، ولا يبقى فيها كلمة لغير من أحكموا سيوفهم في رقاب من كانوا يسمونهم "شعوبهم".

لا خيار أمامنا في فلسطين وسورية والعراق غير النصر أو الفناء، فالمعركة التي يخوضها قتلتنا ضدنا ليست ردهم على مطالبتنا بالحرية، بل هي ردهم على وجودنا ذاته الذي لن نرتضيه، بعد الآن، إلا إذا صار مفعماً بها وبالكرامة، وبالتالي، نافياً وجودهم الذي أسسوه على عبوديتنا وإذلالنا.

في معركة لها هذه الأبعاد بالنسبة إلى واقعنا ووعينا، لن يكون خيارنا النجاة بجلودنا، في مقابل استمرار قتلتنا، عرباً كانوا أم إسرائيليين، في حكمنا أو التحكم بنا. ولن نرتضي أن يخرج أي جزء يتحرر من فلسطين أو سورية أو العراق من الصراع، وينأى بنفسه عن بقية ميادينه وساحاته، لأن ذلك سيكون خياراً قاتلاً لمن لم ينل حريته بعد، في عالمنا العربي، وقبل كل شيء لنا نحن أيضا، ما دام انتصارنا محالاً من دون تلاحمنا ووحدتنا كشعوب لها قضية واحدة، ولأن هزيمتنا مستحيلة، إذا لم ينفرط عقدنا، ونبتعد بعضنا عن بعض، ونقاتل فرادى ومتفرقين.

والآن: إذا كنا موحدين معنوياً وروحياً، وفي أهدافنا ومطالبنا، ألا يجب أن نتحد أيضاً مادياً وتنظيمياً، سياسياً وبشرياً، وأن نتحول إلى بنيان مرصوص، لا يمكن اختراقه أو كسر أي جزء منه؟  ألم تحن ساعة حوار بين قوى الحرية وممثلي شعوبها، لإقامة هذه الوحدة، وتلمس سبل تأسيسها وإدامتها، اليوم وفي الزمن المقبل، الذي ستلعب وحدتنا دوراً عظيماً، في جعله زمن حرية وعدالة ومساواة، وعالم شعوب حرة وكريمة؟ ألم يأت وقت وحدة القوى الحرة داخل كل بلد من بلداننا، وبينهم وبين جيرانهم الأحرار الذين يهددهم، اليوم، خطر البراميل المتفجرة وأيديولوجيات إرهابية لن ينجو منها أحد منهم، شرعت تحيق بهم من كل مكان، على امتداد الأرض العربية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

"طائف عربي" بديلاً عن ثنائية الاستبداد والتخلف .. سعد كيوان

القدس العربي

الاثنين 18/8/2014

النار تلتهم العراق وسورية ولبنان (وغزة)، وإن بدرجاتٍ متفاوتةٍ في فظاعتها، وليس في دمارها. نار أصولية، إرهابية، وإنما، أيضاً، وبالأخص فتنوية، مذهبية وعرقية، همجية وقروسطية، تدمر السياسة والاقتصاد، وتقتلع المجتمعات والفرد-الإنسان والحياة البشرية، أين منها عصور الجاهلية، وغزوات تيمورلنك! نار تفتك بهذا الشرق العربي والإسلامي وتحوله إلى ركام، إلى جيف نتنة، إلى لا حياة، إلى عدم. وما أكثر عشاق الموت و"المجاهدين" في سبيل أن ينتصر الموت.

وحدهم الديكتاتوريون والمستبدون والجلادون، وعشاق السلطة ومغتصبوها، يعيشون في الماضي قابعين على كراسيهم، يتلذذون بمن أحالوهم جثثاً على طول هذه الرقعة الجغرافية وعرضها، في هذا اللامكان من العالم المتحضر. بشار الأسد ونوري المالكي وحسن نصر الله، وداعش و"النصرة" والقاعدة وحزب الله، أوجه متعددة لعملة واحدة.

فهل من سبيلٍ إلى إعادة الحياة الطبيعية، قبل التفكير في النظم والقوانين والآليات؟ هل من سبيلٍ إلى العيش والتعايش بأمان وسلام، بعيداً عن الأيديولوجيات والمعتقدات والموروثات على أنواعها، بعيداً عن المصالح والحسابات الضيقة؟ هل من سبيل للإفلات من كماشة "ثنائية الاستبداد والتخلف" التي تمسك بخناق شعوب هذه المنطقة منذ عقود؟ وهل من سبيلٍ إلى الخروج من مفهوم وعقلية "الأمة" والعقل الجمعي، والتعامل مع البشر بصفتهم أفراد، يحترم أحدهم الآخر، ويتقبله، ويتعامل معه كما هو، من دون أن يحاول فرض إرادته ونزواته عليه؟

نحاول، هنا، في هذه العجالة، أن نطرح فكرة "بسيطة"، علها تساهم في إطفاء هذا الحريق، وتشكل أساساً، وتضع إطارا للعيش أفراداً ومواطنين، في مجتمعات تحترم التعدد الثقافي والتنوع الطائفي والمذهبي، وتصون حقوق الجميع، وفي مقدمها حرية التعبير والمعتقد.

فكرة تبناها لبنان، المتعدد ثقافياً وطائفياً ومذهبياً (18 مذهب)، والذي يتمتع، في الأساس، بنظام ديموقراطي برلماني، غير مثالي بطبيعة الحال، وتشوبه عيوب كثيرة، إلا أنه يحافظ على مناخٍ من الحرية، وعلى التعايش بين مكوناته، بعد أن عرف وخبر ضروب الحروب والاقتتال.

ففي نهاية عام 1989، تمكن لبنان من طي صفحة الحرب، بالتوصل إلى ما يعرف ب"اتفاق الطائف" (مدينة سعودية)، والذي أفضى إلى تخطي مسألة "التنافس الديموغرافي" (العدد) بين المسيحيين والمسلمين.

وأرسى قواعد المساواة، عبر المناصفة في التمثيل في البرلمان المنتخب مباشرة من المواطنين، وكذلك في مؤسسات الدولة وإداراتها، وثبّت (من خارج النص) طائفية المواقع الرئيسية الثلاث في البلاد، بين رئيس الجمهورية المسيحي، ورئيس البرلمان الشيعي، ورئيس الحكومة السني. كما أقر إنشاء مجلس شيوخٍ، يتم انتخابه من ممثلي الطوائف مباشرة.

عندها، يصبح التمثيل البرلماني على أساس غير طائفي. وهذا يعني أن "اتفاق الطائف" يعتبر أن الطوائف مصدر غنى وتنوع، ويجب المحافظة عليها، وصون حقوقها كطوائف، وليس كأحزاب، أو كتل سياسية بطبيعة الحال، فيما يبقى الأفراد أحراراً، في آرائهم وخياراتهم.

إلا أن هذه الصيغة الفريدة والحضارية، والتي لم تطبق بعد، بشكل كامل وسليم، في لبنان، هي، بطبيعة الحال، نقيض لكل ما هو سائد حالياً في المنطقة، فيما يعمل "اللاعبون الكبار"، منذ سنوات، على تقويض الدول القائمة، وتدمير أي صيغة تعايش وتفاهم بين مكوناتها.

إذ إن طرفي الصراع، الولايات المتحدة وإيران الملالي، يسعيان إلى السيطرة على هذه الدول الهشة، ويعملان على تفتيتها وتحويلها إلى كيانات طائفية "متجانسة"، وإلى بسط سيطرة القبائل (عرقية أو مذهبية، لا فرق)، المتناحرة فيما بينها، كما هو حاصل في العراق، وكما يبدو أنه سيحصل في سورية.

وهذا "الخليفة الجديد"، أبو بكر البغدادي، تمكن بقدرة قادر من الهروب من المعتقل الأميركي، ليصبح "الأمير المتوج" لتنظيم داعش الذي تمكن، في أشهر قليلة، من السيطرة على نصف العراق، والزحف نحو بغداد.

وهذا المالكي، رجل الحرس الثوري الإيراني الذي تحول إلى ما يشبه صدام حسين جديد، شن حرباً بلا هوادة على السنّة، ودفع بكثيرين منهم الى أحضان داعش. وهذا الأسد، ربيب طهران، يمارس عملية إبادة جماعية، ويستعمل السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري الذي شُرّد بالملايين في دول الجوار.

وما عجز عنه المالكي والأسد يقوم به الآن داعش الذي يريد أن يفرض نظام "الخلافة"، ويعيد شعوب المنطقة إلى مجاهل القرون الوسطى، إلى الجهل والتخلف، والقضاء على حضارة العرب الغابرة، وعلى أي فكرة للحياة والعيش الكريم.     

اليوم، أصبح نوري المالكي وحيداً، تخلى عنه أسياده في طهران، بعد أن أصبح يشكل عبئأ عليهم، وكذلك الولايات المتحدة. فهل سيأتي دور الأسد، ومتى؟ أم أن داعش يشكل بديلاً للاثنين في حسابات الكبار، طالما أن مهمة تفكيك الدول، والقضاء على "الربيع العربي"، أي على طموحات الشعوب وإرادتها في الحرية والعيش الكريم، لم تنته بعد؟

لا بديل عن "طائف عربي"، من أجل أن يستعيد الإنسان في هذا الشرق حريته، وحقه في تقرير مصيره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كيف نجفف منابع الإرهاب؟ .. حسين العودات

البيان

الاثنين 18/8/2014

أبدى معظم السلطات العربية تخوفا من نشوء منظمات إرهابية في بلادها أو جوارها، ومن توسعها وتطور أهدافها وأساليبها، انطلاقاً من أن هذه المنظمات ضالة ومضلّلة، جاهلة بالدين الإسلامي مضموناً وروحاً وصحيحاً وأهدافاً، ومع ذلك تحاول خطفه وتفسيره كما يحلو لها، إلى الدرجة التي توحي بأنها استكملت بناء إسلام جديد، يعتمد على العنف والقتل والإرهاب، ويجافي التسامح والعدالة واحترام حياة الإنسان وملكيته وإنسانيته التي نادى بها الإسلام، وتتجاهل تعاليم الدين المجيدة وتطبيقاته التي طورت الحضارة الإنسانية وأغنت تاريخها، وتعتمد على المشكوك في صحته وصوابه من اجتهادات فقهية لم تكن يوماً محط إجماع المسلمين أو قبولهم بصوابيتها، فضلاً عن أن معظم المنتمين إلى هذه المنظمات هم في الأصل بعيدون عن الدين والتدين وجهلة بهما، غير متعلمين، وأحياناً أمّيون وعاطلون عن العمل، وجدوا في هذه المنظمات ضالتهم، إذ يسترزقون من السلب والنهب والمصادرة، ويتمتعون بالسلطة والتحكم في رقاب العباد وإدارة المجتمعات التي يسيطرون عليها، ويروون غرائزهم العنفية بالقتل متعدد الأنواع والأشكال.

وعلى أية حال، ترى السلطات ومعظم الشعوب العربية أن هذه المنظمات خارجة عن الإسلام الصحيح وترتكب الكبائر باسمه، ولا تفرق بين الرئيسي والثانوي، وتشكّل خطراً حقيقياً على المجتمعات العربية والإسلامية حاضراً ومستقبلاً، ولذلك تنبغي مواجهتها والقضاء عليها وعلى تنظيماتها وإرهابها.

والأمر الملحّ في مجال محاربة الإرهاب، هو كيف تتم محاربته وبأي وسيلة وأي كيفية، خاصة أن المنظمات الإرهابية ترفع شعارات إسلامية تحاول بها خداع فئات شعبية عديدة، وبعد أن اختلط حابل الإرهاب بنابل الدفاع عن الدين!

وفي هذا المجال يرى بعض السلطات العربية، إن لم نقل معظمها، أن محاربة الإرهاب تتم من خلال أسلوبه نفسه، (ويعتقدون أن الدواء من الداء نفسه)، أي العنف والملاحقة والاعتقال واستخدام أقصى درجات القوة، وتجفيف المساعدات المالية التي تحصل عليها المنظمات الإرهابية، والمقدمة من الذين لا يزالون مخدوعين بها وبأهدافها، حتى أصبح بعضها غنياً جداً، وامتلأت صناديقه بالمال من العملات الصعبة والسهلة، سواء بسبب التبرعات من المخدوعين، أم بسبب الأموال التي استولت عليها هذه المنظمات نتيجة عملياتها الإرهابية، والقضاء على سلاحها الذي غنمته أساساً من التنظيمات العسكرية النظامية في البلدان التي تعمل فيها، أو اشترته بطرائق ملتوية من أسلحة الجيوش في بعض البلدان، حتى غدت تملك مختلف أصناف الأسلحة باستثناء الطائرات المقاتلة.

إن هذا الأسلوب لا يجدي نفعاً في مواجهة التنظيمات الإرهابية، ولذلك فقد زاد عدد هذه المنظمات، وتكاثر عدد المنتسبين إليها، واتسعت المناطق التي تهيمن عليها، ونبتت كالفطر في كل مكان، وذلك بسبب فشل الأسلوب الذي يعتمد أساساً على العنف والقوة العسكرية بالدرجة الأولى والرئيسة، لمواجهة الإرهاب وتنظيماته.

تقتضي محاربة الإرهاب اتباع أساليب أخرى تختلف جذرياً عن هذا الأسلوب، وتهتم أساساً بتشكيل وعي جديد للدين، وفهم جديد لصحيحه وللتنزيل الحكيم، والحلال والحرام، وعديد من القيم السائدة، وتصحيح الممارسات التي شوهت الإسلام نفسه، لأنها لا تخلو من الفهم الخاطئ للدين، ومن التطرف، بسبب الثقافة السائدة في بعض المجتمعات العربية، ورفض تنقية الفقه مما لحق به من شوائب، والإصرار على الجمود والاكتفاء بما جاء به الأولون، واستمرار اعتبار الإبداع ضلالة والاجتهاد زندقة، حتى كادت شرائح واسعة من المسلمين تقتنع بأن هذه المنظمات تعمل فعلاً للحفاظ على الإسلام.

ولا شك أن الأساليب المتعددة الوسائل والأهداف المتعلقة بالوعي والثقافة والدين والفضيلة والقيم العليا، والمعتمدة على التحديث والحداثة والاجتهاد، والمحافظة على صحيح الدين وجوهره، لا تشويهه بحجة حمايته، هي وحدها القادرة على تجفيف منابع الإرهاب ودحر الإرهابيين، وهذه المهمة لا يمكن أن تقوم بها الرصاصة ولا البندقية ولا المدفع ولا حتى الطائرة المقاتلة، ومن ثم لا يكفي أن ننصح الناس ونحذرهم من الإرهاب، لنتفادى مخاطر هذه المنظمات وشرورها.

إن تجفيف منابع الإرهاب على هذا النحو، هو الأسلوب الوحيد الذي يخلّص العرب والمسلمين من منظماته ومن شروره، ولا تنفع التحذيرات في هذا الشأن ولا النصائح، فلا بد من برنامج ثقافي شامل، وتربية حقيقية وجدية تسهم في تشكيل وعي الأفراد والمجتمعات، وتؤسس ثقافة صلبة متماسكة عميقة، قادرة على رفض الإرهاب ودحره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

داعش» إذ يتجاوز الحدود .. حسن شامي

الحياة

الاحد 17/8/2014

يبدو أن تنظيم «داعش» وقع في المحظور الذي حذر منه قبل ستة قرون فقيه تاريخنا الاجتماعي وعصبياته ابن خلدون. إنه «إرهاف الحدّ» كما يقول صاحب المقدمة منبّهاً السلطان إلى عدم الغلو والإفراط في طريقة سوس الرعية، بما في ذلك الإفراط في الذكاء والكياسة. قد تكون العبارة البلاغية هذه مجرد وصفة وعظية وإرشادية أطلقها عالم متعدد الاهتمامات ومتشائم تاريخي بل حتى وجودي. ما دام التاريخ مسرح عصبيات ودول لا تتعدى أعمارها، وأطوارها، أعمار الأشخاص. كانت الوصفة تتوخى مقداراً من الحكمة والاعتدال ليس في زمن ابن خلدون فقط بل في كل زمن. ومن يلتفت إلى ظواهر التاريخ الطويلة الأمد والعصية على التغير، إلا ما شاء ربك، يدرك أن زمن التاريخ الخلدوني ليس خلفنا. فنحن ما زلنا في بعضه، وقد نختلف على تقدير حجم هذا البعض ومفاعيله.

وإذا كان ثمة وجه كشفته انتفاضات الربيع العربي في ما يخص علاقة السلطة الحاكمة بالمحكومين، فهو «إرهاف الحد» هذا، وإن كانت شروط عمله وإعماله شهدت تطويرات وتنقيحات موصوفة بالتحديث والمعاصرة. والغريب أن الحكم على سلطة «داعش» بأنها بلغت درجة لا تطاق من إرهاف الحد، قد تأخر كثيراً. والتأخر هذا اكتنفه غموض والتباس في مواقف كثيرين من اللاعبين الإقليميين والدوليين، الأمر الذي كان يطرح، ولا يزال، علامات استفهام حول رهانات التوظيف السياسي في ظاهرة «داعش» المتنامية والمرتدية طاقية إخفاء تجعلها لغزاً كبيراً. وهذا ما يجيز الظن في أن يكون تنظيم «داعش» عقدة ثعابين.

اللافت أن يكون صوت البلدان والهيئات الإسلامية الدولية خافتاً قياساً إلى حجم الفظاعات المرتكبة باسم الإسلام. وتهجير المسيحيين من الموصل ومن كل بلدة استولى عليها «داعش» والتنكيل بالإيزيديين التائهين والمحاصرين في جبال سنجار، سبقهما اضطهاد المسيحيين في الرقة وحرب ضروس مع فصائل سورية معارضة وإسلامية أودت بحياة حوالى ثمانية آلاف إنسان وفق تقديرات المرصد السوري المعارض. أليس غريباً أن تحرص بيانات البنتاغون على التشديد على أن عمليات القصف الجوي استهدفت بالتحديد أسلحة داعشية تتحرك في اتجاه أربيل الكردية؟ أليس غريباً أن يصرّح السيد راسموسن بأن قوات «الناتو» ستتخذ كل التدابير الضرورية للدفاع عن تركيا في حال تعرضها لتهديد من «داعش»، وكأننا أمام تهديد من العيار السوفياتي في زمن الحرب الباردة فيما الأمر يتعلق ببضعة آلاف من المقاتلين وبتركيا المتمتعة بقوة عسكرية ضخمة؟ أليس غريباً أن ينفتح سباق بين الدول الغربية على تزويد الأكراد أسلحة متطورة لمواجهة «داعش»، بعدما وعد وزير الخارجية الفرنسي بتسهيل استقبال المسيحيين المطرودين من بيوتهم وممتلكاتهم في الموصل، كما لو أن الأمر لا يستحق استنفاراً دولياً لتثبيت الحق في نصابه؟ أليس غريباً أن تلزم تركيا الصمت فيما يحتجز «داعش» حوالى أربعين تركياً كرهائن؟ وكيف نقرأ إعلان الأمم المتحدة أن مجلس الأمن يدرس إمكانات قطع التمويل عن «داعش»؟ وكان كثيرون استغربوا بحق أن ينهار الجيش العراقي في الموصل خلال ساعات وأمام بضع مئات، أو بضعة آلاف إذا شئتم، من المقاتلين الذين يتمتعون بالتأكيد بشراسة قتالية كبيرة إلى حد الافتراس، إلا أنهم يخلطون بطريقة هذيانية بين استعراض وتحصيل الأرجحية الأخلاقية؟

قد تكون النقطة الأخيرة المتعلقة بانهيار الجيش العراقي في الموصل أكثر إثارة للفضيحة والصدمة، منها إلى الاستهجان والاستغراب. فقد كشف هذا الانهيار قِصَر نظر حكومة نوري المالكي في كيفية بناء الإطار الوطني العراقي في الظروف المعروفة لما بعد صدام حسين والاحتلال الأميركي، ناهيك عن الفساد والمحسوبية وإطلاق العنان لشتى ضروب التعصب الفئوي. لكن هذا لا يمنع التساؤل عن وجود مداخل ومخارج لاستيلاء «داعش» على الموصل، تتعدى محدودية أفق المالكي ومسؤوليته عن بلوغ المشهد العراقي حداً كبيراً من العبثية والتذرر الطائفي والعرقي والمناطقي.

ثمة آخرون يتحملون قسطاً من المسؤولية. وقد تتضح الصورة بعض الشيء مع انسحاب المالكي من الترشح لولاية ثالثة، وقبوله تكليف حيدر العبادي تشكيل حكومة جديدة يفترض بها أن تضم أوسع أطياف الوطن العراقي المهدد بالتشظي على نحو يُعدُّ سابقة.

الغرائب التي نصوغها في صورة أسئلة وتساؤلات ترمي إلى إلقاء الضوء على ظاهرة «داعش» المحيّرة بمقدار ما هي خطيرة. فهناك ما يشبه الإجماع على أن القيمة الفكرية والعقائدية الإسلامية ل «داعش» تقارب صفراً. هذا الفقر العقائدي معطوفاً على وعود بالتمكن والسؤدد والتنعم بمباهج الفردوس للراغبين في الخلاص من عذابات الدنيا، يخاطب بالتأكيد مخيلة شبابية مضطربة ومجروحة. أما القيمة الاستعمالية للظاهرة والتعويل عليها لتحقيق أهداف أخرى، فهما بالضبط ما ينبغي أن يسترعي الانتباه.

بات أمراً شائعاً استخدام فزاعة «داعش» لتمرير رسائل متعارضة مما يجيز لكل طرف أن يزعم لنفسه الحق في كل شيء على حساب الطرف الآخر. وهذا يكفي ربما للتدليل على وظيفة الراية الداعشية في تثبيت انقسامات عمودية، وجعل الولاء المذهبي والطائفي وما يستدعيه من استحكام الأهواء الثأرية والانكفاء على جروح الذاكرة الجماعية القريبة والبعيدة، مداراً وحيداً وأخيراً للسياسة. ولا يقتصر استخدام الفزاعة الداعشية في مشاريع وتصورات متعارضة ومتنازعة على السلطات الحاكمة والمتنافسة، بل بات يطاول الوسط الإعلامي واصطفافاته. لا ينبغي أن ندين «داعش» بطريقة يمكن أن يستفيد منها الخصم السياسي الكلي، أياً يكن هذا الخصم. هذا ما يتلجلج في كتابات وتعليقات كثيرين. ولا يتفطن معظم هؤلاء إلى أنهم يساهمون، لا شعورياً في الأقل، في توطين الظاهرة الداعشية وتطبيعها.

قيل وسيقال الكثير عن الأيدي الخفية التي تقف خلف «داعش». فهناك من يعتبره صناعة أميركية لمواصلة الفوضى الخلاّقة وتغيير خرائط الشرق الأوسط... أو صناعة إسرائيلية للغرض ذاته ولتبرير الصفة اليهودية الحصرية للدولة. وهناك من يعتبره صنيعة النظام السوري، كما ردد الائتلاف الوطني المعارض زاعماً امتلاك أدلة قطعية على ذلك. والحال أن سيناريو «القاعدة» يعاد إنتاجه عبر «داعش» و «النصرة». الكل يلعب بالنار... ويحصل أن تصل النيران إلى اللاعبين. وحدهم الإطفائيون الكبار يربحون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا تنتظر الفصائل الإسلامية السورية؟ .. د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 17/8/2014

ماذا تنتظر الفصائل الإسلامية السورية؟ثمة حديثٌ نبويٌ ترد فيه العبارة التالية: ".. ولن يُغلب اثنا عشرَ ألفاً من قِلَّة". الحديث واردٌ لدى ابن ماجه والترمذي فيما أعتقد، وهناك درجةٌ من الاتفاق على صِحَّته.

ولكن، بغض النظر عن الدخول في جدلٍ حول صحة الحديث وضعفه، يبدو، في واقعنا السوري الراهن على الأقل، أن اجتماعَ قلوب وعقول اثني عشر ألف مقاتلٍ سوري، بشكلٍ حقيقي وشامل، على كلمةٍ واحدة، لابد أن يؤثر في أحداث سوريا بشكلٍ واضحٍ وكبير.

لماذا يستحيلُ حتى الآن حصولُ هذا في الداخل السوري؟

لو فكرنا قليلاً في الموضوع، سيكون هذا بالتأكيد أكثر سؤالٍ يحرقُ قلوب السوريين ويُحيُّرُ ألبابهم وأفئدتهم.

سيقول البعض أن أعداد المقاتلين لم تعُد على ماكانت عليه، وأن بعضهم ذهب إلى (داعش)، وآخرين انسحبوا من الميدان، وغير ذلك من المقولات. لن نتساءل هنا: لماذا لم يجتمع اثنا عشر ألفاً، بمعنى (الاجتماع) المقصود في الحديث، عندما كان هناك أكثر من مائتي ألف مقاتل غالبيتهم الساحقة تتحرك بخلفيةٍ (إسلامية)؟ سنتجاوز كل علامات الاستفهام والتعجب حول الوضع في تلك الأيام، ونؤكد أن بضعة عشرات الآلاف لايزالون يحملون السلاح اليوم، وأن هؤلاء يتحركون بهوية (الإسلام) وشعاراته، وأننا لانُدرج أتباع (داعش) بينهم، لكن سؤال السوريين الحارق لايزال يطرح نفسه عليهم، وعلى قادتهم وأصحاب القرار فيهم، وبقوة.

ولاجواب.

لدينا تفسيرُنا الخاص للظاهرة، وهو مكتوبٌ في ثنايا مجموعةٍ من المقالات نُشرت خلال الشهور الماضية، ويتلخصُ في وجودِ إشكاليةٍ كُبرى وجذرية في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع. ونحن نعتقدُ أن المشكلة لاتزال موجودةً، وأن الحوارات والمُدارَسات والنصائح التي جَرَت وتجري.. لاتزال تحوم حول (الأعراض) ولاتدخلُ في (الجوهر).. وهذا يجعلنا على يقينٍ مُحزِن بأن القضية لن تجد حلاً على المدى المنظور، ونتحدى بأنه (لن يجتمع اثنا عشرَ ألفاً) من الإسلاميين السوريين على قلب وكلمةٍ رجلٍ واحد في هذا المدى، بالمعنى الشامل لكلمة (الاجتماع)، والذي تعرفه نظرياً جميع الفصائل الإسلامية، ويعرفهُ كل العلماء والشرعيون الذين لهم علاقة بالموضوع بشكلٍ أو بآخر.

لكننا لن نلقي بالاً في هذا المقام لذلك التفسير الخاص، وسنتجاهلهُ بكل تفاصيله، لنتحدث حصراً بِمَنطِق ولُغة ومفاهيم أصحاب العلاقة..

والحقيقة أن الحديث في الموضوع بذلك المنطق وتلك اللغة والمفاهيم يمكن أن يجعل سؤال السوريين الحارق أقربَ لأن يُصبح مدعاةً للجنون.

فهؤلاء يسألون بكل بساطة: هل تجهل الفصائل، بقادتها وشرعييها، واحدةً من أوضح وأسهل القواعد الأساسية المندرجة في أسباب النصر بالمفهوم الإسلامي؟ والمتمثلة في ضرورة الوحدة و(الاجتماع)، وبالتالي ضرورة تجنب الفرقة والتنازع اللذين يؤديان بالضرورة إلى (الفشل وذهاب الريح). إذا كانت هذه الفصائل لا تُدرك فعلاً أهمية هذه القاعدة، فتلك مصيبةٌ تُلقي ظلالاً كبيرةً من الشك على مُجمل دورهم في مجال حركتهم وسبب وجودهم أصلاً، لأنه لا يُتصورُ أن يمتلك أهليةَ العمل فيه من توجد فيه مظنةُ الجهل بتلك القاعدة الواضحة والسهلة. أما إذا كانت الفصائل تُدركها لكنها لا تستطيع العمل بها فالمصيبة أكبر، ويصبح الكلام عاجزاً عن وصفها. فلايبقى إلا سؤال كبيرٌ يصرخ به السوريون في وجوه أصحاب العلاقة: لماذا لاتستطيعون العمل بتلك القاعدة؟

يكاد الموضوع يُصيبك، كسوري، بالسكتة القلبية حين تتحدث في الموضوع بمنطق ولغة ومفاهيم الفصائل الإسلامية نفسها! وتشعر أنك تريد أن تضرب رأسك بالحائط، حين تتذكر أننا نتحدث عن فصائل توجد بينها تقاطعات ومُشتركات واسعة جداً فيما يتعلق برؤيتها الإسلامية، بل إن بعضها يكاد يكون نُسخاً متكررة عن بعضها الآخر! ورغم هذا، (لايزالون مُختلِفين).

كيف يستطيع قادة الفصائل والألوية التي لاتزال قائمةً تفسيرَ هذه الظاهرة شرعاً أو ديناً أو عقلاً؟

أين يجدون المبررات التي تسمح بوجود هذا الواقع وترسيخه في ظل ما يجري لأهلهم وإخوتهم من أبناء سوريا؟

كيف يبقى الوضعُ كما هو عليه، ويظل الحال هو الحال؟ بعد كل المصائب والدروس والتطورات التي حصلت خلال عامٍ واحدٍ فقط.

نتجاهلُ كل منطق، ونجبرُ أنفسنا على القول بأننا (نتفهم) أن يكون وضعُ (الفُرقة) سائداً حين كانت الفصائل تتوزع السيطرة على مناطق واسعة من سوريا، وحين كانت هناك وفرةٌ لابأس بها من الذخيرة والسلاح، وحين كان كل فصيل يشعر أنه قويٌ بنفسه أو في طريقه لأن يصبح أقوى فصيل، وحين كان كل فصيل يشعر أنه (مدعومٌ) من هذه الجهة أو تلك، وحين كان السادة في المجتمع الدولي يضحكون علينا بأنهم (أصدقاء)، وحين كان النظام منكمشاً، وكانت إيران وحزب الله تبحثان عن استراتيجية، وكانت (داعش) مُجرد ظاهرةٍ صوتية..

أما وقد انقلبَ كلﱡ ذلك رأساً على عقب، فكيف يمكن أن تبرر الفصائل استمرار انقسامها، بل وزيادته بالتصدعات التي حَصَلت وتحصلُ حتى في (الجبهات) التي اتَّحدت باسمها، ولو بشكلٍ إعلامي وظاهري؟

وبمنطق ولغة ومفاهيم الفصائل نفسها يكون السؤال مشروعاً جداً: كيف يستطيع قادتها وشرعيوها أن تنام أعينهم لحظةً واحدة من ليلٍ أو نهار؟

دع عنك، للمفارقة، استعادة النظام وحلفائه الغُزاة للمبادرة في بعض المناطق. هذه (داعش) تكاد تأكل الشمال السوري (المُحرر) بأسره بعد أن أكلت الشرق وبدأت تتمدد في الجنوب. وهي تبتلع مناطق وجود الفصائل، والفصائلَ نفسَها، لقمةً لقمة. فماذا ينتظر السادة القادة والعلماء ليتَّحِدوا؟ ماذا ينتظرون بحق الله وباسم كل الأنبياء والشهداء؟

منذ يومين، كتب عضوٌ في المجلس الوطني السوري على صفحة المجلس النداء التالي: "رسالة وصلتني من حلب أضعها بين أيديكم: السلام عليكم دكتور الله يخليك إذا إلك تواصل مع شرفاء المعارضة البارزين خليهم يتحركو.. يطلعو يحكو.. احكو.. اعملو ضجة.. اعملو كل شي.. بلكي الله بفرجها وبساعدونا.. الوضع زفت.. المجازر فظيعة.. والقادم أفظع.. لهلأ ماطلع حدا وقال شو صار بالريف الشمالي.. اتحركو.. اجعلوها لألله".

وفي إجابةٍ ساخرة كأنها سيفٌ ينغرس في الأحشاء، أجابه عضوٌ آخر: "ولايهمُّو وَصل.. هسَّع بنزِّل بيان.. حسبنا الله ونعم الوكيل". كأني بهذا الرجل أرادَ البكاء كالأطفال، لكنَّهُ، وقد جفَّت مآقيه، لم يستطع إلا أن يكتب تعليقه بدلَ ذلك.

ويلٌ لكل من يستطيع أن يفعل شيئاً في هذا المجال، ثم يزهد في ذلك. ويلٌ لهُ في الدنيا والآخرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

انتشار «داعش» والحرب عليه! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 17/8/2014

لعله من الشائع المعروف أن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق»، هو الأساس الذي بني عليه تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف ب«داعش» اليوم، ومعروف أيضا أن التنظيم بني في العراق في ضوء التطورات الصراعية في بلد هزته حرب لها أبعاد داخلية وخارجية، حيث الصراع في الداخل بين السنة والشيعة العراقيين من جهة، وخارجيا كان هناك صراع العراقيين مع الوجود الأجنبي في عراق صدام حسين الذي جلب التحالف الدولي العسكري إلى العراق خاصة الوجود الأميركي، وتناغمت التطورات العراقية مع رغبة التطرف الديني الذي يمثله تنظيم القاعدة في الوجود والتمدد في العراق، فكان ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» كأحد التعبيرات.

ورغم نشاط تنظيم الدولة في العراق، الدعوي والسياسي والعسكري لسنوات طويلة، فقد ظل التنظيم مغمورا ومحدود الأثر هناك، ولم ينجح في الانتشار والتمدد إلى دول الجوار على نحو ما هو عليه الآن، وهو انتشار وتمدد اقترن بتطورات الواقع السوري، خاصة في العام الأخير، الأمر الذي يتطلب بالفعل التوقف مع التطورات السورية المتعلقة بهذا الجانب ورؤية أثرها في تمدد «داعش»، وقد بات يشكل تهديدا إقليميا ودوليا حسبما قدر مجلس الأمن الدولي في قراره الأخير، حيث اعتبر «داعش» و«جبهة النصرة» تنظيمين إرهابيين، وقرر قطع التمويل عنهما تحت الفصل السابع القاضي باستخدام القوة لتنفيذ القرار في إطار «مواجهة الإرهاب في كل الدول»، كما قال المندوب الروسي في مجلس الأمن الدولي.

لم يشكل تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» أي وجود في سوريا حتى أواخر النصف الأول من عام 2013، وهذا لا يمنع من احتمال بعض خلايا نائمة له أو بعض مؤيدين في إطار بيئة التطرف الديني التي أخذت تظهر، وتتسع، أواخر عام 2012، مستفيدة من تطرف النظام ودمويته ومن نداءات عسكرة الثورة سواء تحت شعار حماية الثورة أو سعيا إلى إسقاط النظام.

ورغم أن تحذيرات متكررة ومتواصلة للجميع وللمجتمع الدولي ظهرت في أوساط المعارضة والثورة ومن كتاب وصحافيين، حذرت من احتمال ظهور وتمدد تنظيمات التطرف، وأخذ الثورة إلى العنف والدم، ودفع البلاد نحو الأفغنة والعرقنة، فإن تلك الدعوات لم تقابل بجدية وسط استمرار إرهاب النظام، وزاد عليها فسح المجال أمام تدفق قادة وكوادر من «القاعدة» وأخواتها إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام عبر دول الجوار، وكان أخطرها في صيف عام 2013 عبر عملية تهريب سجناء التطرف في سجون العراق، وتمرير أغلبهم إلى سوريا، ولم يكن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بعيدا عن تلك العملية الإجرامية.

وإذ التحق المتطرفون الوافدون إلى سوريا بالتشكيلات المسلحة، التي اتخذت لها شعارات إسلامية، فإنهم أخذوا في بناء أنوية تنظيمية تخصهم داخل تلك التشكيلات، وكان المثال الأبرز في حركة أحرار الشام، التي استولت على الرقة بعد طرد قوات النظام منها في ربيع عام 2013، ومنها خرج تنظيم جبهة النصرة، ثم خرج من الأخير التنظيم السوري لدولة العراق والشام «داعش»، وما لبث الأخير أن استولى على الرقة قبل أن يتمدد بشكل ظاهر في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

وجاء التمدد بالتوازي مع تعزيز قدرة التنظيم بشريا وماديا وتسليحيا. ووسط عنف وإكراه ورشوة سكان المناطق التي تمت السيطرة عليها بتوفير احتياجات يومية، جرى ضم عناصر جديدة للتنظيم خاصة من أعضاء تشكيلات مسلحة هشة ولا تملك إمكانات مادية للاستمرار، ثم استعين بما وفرته مخابرات نظام المالكي وغيره من أسلحة وأموال للتنظيم، إضافة إلى سيطرة التنظيم على مصادر الثروات في المنطقة ومنها آبار النفط، مما حول «داعش» إلى أغنى تنظيم إرهابي في العالم.

وأهلت التطورات السابقة التنظيم لفورة في العراق للاستفادة من ظروف عراقية أبرزها واقع الانقسام والصراع في تكويناته السياسية والطائفية والعرقية مع نزوع المالكي للاستمرار في قيادة السلطة الديكتاتورية المدعومة من إيران والداعمة لنظام الأسد، ووفرت فورة «داعش» العراقية إمكانات مالية وعسكرية وبشرية للتنظيم ذهب قسم منها إلى سوريا، وهي الإمكانات التي استخدمها في هجومه الواسع عبر شرق سوريا من دير الزور إلى الحسكة مرورا بالرقة إلى ريف حلب وبعض ريف إدلب.

ومما لا شك فيه أن فورة «داعش» في العراق، وتمدده في سوريا، مع بروز طموحاته في إقامة دولة «خلافة» إسلامية، قام بنشر خريطتها مؤخرا تشمل بلدانا في العالم العربي وجواره، أمور عززت مخاوف العالم، فأخذت الأحاديث والخطوات تتوالى عن الحرب على «داعش»، من إعلان ضرب قواته في العراق وصولا إلى قرار مجلس الأمن الدولي الأخير.

غير أن هذا المسار في الحرب ضد التنظيم لا يأخذ بعين الاعتبار ولا يعالج معطيات أدت وتؤدي إلى استمرار «داعش» ونموه سواء في مستوى السياسات الإقليمية أو الدولية المحيطة بالوضعين السوري والعراقي، وهو يتجاهل البيئتين السورية والعراقية اللتين ولدتا التنظيم وساعدتا في تقويته وانتشاره وسط حالة من الفوضى والدمار والقتل وإضعاف المجتمعات، كما يتجاهل سياسة النظامين السوري والعراقي وما يقوم به الاثنان في البلدين وضد الشعبين.

ولئن خرج نوري المالكي شخصيا من هذه المعادلة، فإن الأهم خروج نظامه منها، في حين أن الأسد ونظامه ما زالا حاضرين بقوة فيها، والأسوأ من ذلك أن أحاديث وتنظيرات يتوالى طرحها حول ضرورة جلب الأسد ونظامه للمشاركة في الحرب على «داعش»، وهي نكتة سمجة، لأن نظاما خلق بيئة وجود وانتشار تنظيم إرهابي، ولم يدخل في مواجهة معه، مطلوب منه الانخراط في جهد دولي في الحرب على التنظيم.

ولعله لا يحتاج إلى نقاش كثير قول إن الحرب على «داعش» تبدأ وتتزامن مع الحرب على نظام الأسد الذي يمارس إرهاب دولة وعلى نظام بغداد الذي يماثله في استمرار بيئة تنمي الإرهاب، والأهم مما سبق ضرورة تقدم المجتمع الدولي لأخذ مسؤولياته ومعالجة أوضاع المنطقة عامة والوضعين السوري والعراقي بشكل خاص اللذين يضعان المنطقة والعالم أمام تحديات الإرهاب المزدوج؛ إرهاب التطرف من جهة وإرهاب الدولة من جهة أخرى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العنصرية المعادية للسوريين و العنصرية المضادة… وموت الأوهام .. مازن كم الماز

القدس العربي

السبت 16/8/2014

أصبح السوريون اليوم ، خاصة في أماكن لجوئهم ، الهدف الأسهل لعنصرية البلاد التي استضافتهم ، و أيضا لألاعيب الساسة وتوهيمات المثقفين ، بمن فيهم السوريين أنفسهم .. كحال الفلسطينيين على مدى عشرات السنين ، توفر آلامهم و دماءهم مادة خصبة للخيال ، للتحريض ، و للتلاعب بمشاعر الناس ، سواء معهم أو ضدهم، لقد أنتج المخيال المعادي للسوريين ، الرسمي والسائد ، السياسي والثقافي ، في بلدان اللجوء ، كما هائلا من الأوهام و الأساطير عنهم ، و صنفهم في نماذج تقوم على التعميم و التبسيط تنسب إليهم أنماط سلوك متخلفة أو إجرامية متأصلة الخ .. و النتيجة المنطقية لهذا التنميط هو تبرير المجزرة التي يتعرض لها بسطاءهم على يد النظام.

و في مواجهة هذه العنصرية ظهرت عنصرية مضادة ، أنتجت هي الأخرى أوهامها و أساطيرها عن السوريين، كحالة فوق إنسانية الخ ، خاصة عند مقارنتهم «بالشعوب» التي استضافتهم ، تستخدم نفس التنميطات و الأفكار المسبقة المهينة لهم بعد أن توجهها ضد «الآخر» .. بعد فترة انقطاع تخللها نقد قاس ، عادت مفردات ثقافة البعث للتداول و بنفس الحماسة الممانعجية ، لكن من قبل «منظري» الثورة هذه المرة ، و عاد السوري من جديد إلى مكانته التي حددتها له ثقافة البعث التي دبت فيها الحياة من جديد : مجرد لا شيء أمام الحضور الطاغي للوطن أو الطائفة أو الأمة أو القضية الخ، كان فعل الثورة الذي قام به السوريون أجرأ خطوة ممكنة نحو تحطيم أوهام الثقافة السلطوية السائدة ، و خاصة تهميشها للأفراد و تشييئهم (تحويلهم إلى أشياء) كتبرير لواقع استعبادهم.

لقد فرضت الحرب الدائرة اليوم في سوريا، ونتائجها الكارثية ، خاصة نزوح ملايين السوريين عن ديارهم ، و شهوة السلطة عند النخب ، فرضت منطقها المعاكس، تقوم ثقافة الحرب ، خاصة الحروب الأهلية ، على تنميط الخصم بهدف نزع إنسانيته، وتخلق ثقافة الحرب الأهلية أوهامها و أساطيرها عن «الأنا» و»الآخر» ، و رغم منطقية وجود رد فعل على أي فعل ، فالمشكلة في الأوهام الجديدة ، كما القديمة ، ليس فقط في كونها مجرد أوهام أو تزييف للواقع .. ليس للأوهام و الأساطير من هذا النوع ، أو أي نوع ، أية سمة تحررية ، مهما حاولت : الأوهام أيا كانت ليست في النهاية إلا سلاحا لخداع الجماهير ، أو وسيلة دفاعية تقوم على خداع النفس .. عندما يرددها «الطيبون» لن تكون تلك الأوهام أكثر من خداع للنفس بحثا عن عزاء ما ، و عندما يرددها المهووسون بالسلطة ، فإنهم يريدون خداع الآخرين.

على الصعيد النفسي المرضي ، من المعروف أن جنون العظمة يترافق دوما مع جنون الاضطهاد .. ليس هذا فقط ، بل إن الآلية أو الميكانيزم الأهم لهذه العملية النفسية العقلية المعقدة هي إلغاء أنا الفرد : لا تقوم فكرة «تفوق» مجموعة ما على سواها على احتقار الآخر فقط ، بل أساسا على احتقار أنا الفرد و إلغائها ، الأنا الخاصة بكل أفراد الجماعة ، و تحويل كل فرد من أفرادها إلى رقم ، مجرد صورة مكررة عن نموذج محدد سلفا ، أي باختصار إلى شيء ، أو في الواقع ، إلى لا شيء، كل فرد من هذه المجموعة إذا أخذ بمفرده ليس إلا صفرا كبيرا ، لا شيء ، كحال أو كحكم كل من يوجد خارجها، و يستمد كل فرد «أهميته» فقط من استسلامه الكامل للجماعة ، للصورة النمطية التي تلقنه إياها عن «هويتها» و عن «الآخر»، و استسلامه الكامل لهرميتها ، و كلما اقترب سلوكه و تفكيره من مستوى سلوك و تفكير الروبوت أو الببغاء كلما زاد تقمصه لفكرة تفوق جماعته على من سواها .. دون أن يفقد فرديته و يصبح مجرد رقم من أعداد لا حصر لها عن نموذج واحد يفترض تكراره بكل غباء ، لن يمكنه أو يحق له أن يتقمص ذلك الشعور باحتقار و امتهان الآخرين، باختصار، لم يتغير شيء : الوهم أو الوعي الزائف لن ينتج إلا تحررا زائفا، و ما زال تحطيم الأوهام شرط لا بد منه ليحرر الإنسان نفسه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية والمنزلق الخطير .. فايز الدويري

القدس العربي

السبت 16/8/2014

إنطلقت الثورة السورية في شهر آذار من عام 2011 مستجيبة لنسائم الربيع العربي. جاءت انطلاقتها عفوية رغم ان الإرهاصات الكامنة وراءها عميقة، عمق تجربة البعث في تكميم الأفواه وسلب الحريات وقمع المعارضين، فكان يكفي النظام أن يقوم صبية بكتابة عبارة (إجاك الدور يا دكتور) على احد الجدران في مدينة درعا، لتتسارع الأحداث وتصبح ككرة الثلج تأخذ كل مافي طريقها الى هاوية سحيقة ليس لها قرار.

بداءت الثورة سلمية وإستمرت بسلميتها طيلة الأشهر الستة الاولى وبإعتراف رأس النظام، و رغم سلمية الثورة الى ان النظام إعتمد مقاربة أمنية متصاعدة مستفيدا من التجربة الإيرانية في قمع الثورة الخضراء، وبدل ان يستخدم قوات شعبية منظمة على غرار قوات الباسيج استخدم ما اصطلح عليه ( الشبيحة)، وكانوا يواجهون المسيرات السلمية بالرصاص الحي تحت سمع ونظر وحماية قوات النظام، بعد فشل الشبيحة في إنجاز المهمة الموكلة لهم بداء النظام السوري يزج الوحدات ذات الموثوقية العالية من حماة الديار علها تنجح فيما فشل الشبيحة وقوات والأمن في تحقيقه.

ادى الفشل في قمع الحراك السلمي الى تحول النظام السوري الى المقاربة العسكرية بدلا من الأمنية، وقد جاء هذا التحول بعد زيارة وزير الخارجية الروسي مصطحبا معه مدير الاستخبارات العسكرية الروسية،حيث تم اعتماد المقاربة الروسية في غروزني او ما يعرف بعقيدة بوتن، والتي تعتمد سياسة الارض المحروقة والانتقام من البيئة الاجتماعية الحاضنة.

استخدم النظام السوري ما يعرف بالتصعيد المسلح المتدرج، فبداء بإستخدام الاسلحة الخيفة ثم المتوسطة فالثقيلة فالطائرات العمودية ثم المقاتلة ثم صواريخ ارض ارض فالسلاح الكيماوي، وكان في كل مرة يستخدم بها مستوى جديد من الاسلحة، كان يستخدمه بصورة محددة زمانا ومكانا يتبعها بفترة هدؤ ليرقب ردود الفعل الدولية، وعندما وجد ان ( ردود الفعل العالميمة لا تتعدى الشجب والاستنكار من قبل أصدقاء الشعب السوري، فيما حظي النظام السوري بغطاء فاعل في مجلس الأمن من خلال استخدام روسيا والصين لحق النقض الفيتو ضد اي قرار يدين النظام السوري كما حظي بمساعدة إيرانية غير محدودة في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية)، دخل في حرب مفتوحة مع الشعب السوري.

ادت الإجراءات العسكرية السورية الى تزايد عمليات الانشقاق لدى منتسبي الجيش السوري، وما يؤخذ عيها انها كانت انشقاقات أفقية على مستوى فردي فيما لم تتمكن أية وحدة عسكرية من الانشقاق بسبب الرقابة الأمنية الصارمة، والتي بلغت حد حجز بعض الوحدات غير الموثوقة في معسكراتها لفترات طويلة.

كما يؤخذ على الثورة السورية انها بدأت في الريف السوري ومنه اتجهت الى المدن السورية، مما سمح للنظام ان يشدد قبضته على مراكز الثقل الديموغرافية والاقتصادية، كما ان نسبة كبيرة من العسكريين المنشقين لجأوا الى دول الجوار مما حرم الثورة من خبراتهم العسكرية. رغم كل ذلك نجحت قوات الثورة في منتصف عام 2012 الى الوصول الى قلب دمشق وأصبحت على بعد 300 متر من ساحة العباسيين، كما نجحت في تحقيق إختراق أمني كبير تمثل في تفجير خلية الازمة الأمنية، كما بداءت معركة تحرير حلب وبالتزامن مع احداث إختراقات كبيرة في معظم المحافظات السورية.

عانت الثورة السورية من ضعف الجناحين السياسي والعسكري وعدم قدرتهما على مواكبة الانجازات الميدانية، حيث بداء الحراك السياسي بتشكيل المجلس الوطني ثم إئتلاف قوى المعارضة وتشكيل حكومة مؤقتة، فيما أسس الجيش الحر وتم انشاء المجلس العسكري الأعلى ورئاسة الأركان، ولكنها جميعا لم تحقق الحد الأدنى لما هو مطلوب منها، ويقف وراء ذلك أسباب عدة منها ان العديد من منتسبيها مصابين بأمراض النظام او مرتهنين للقوى الإقليمية والدولية الداعمة لهم، مما نقل الخلافات الإقليمية والدولية الى داخل مؤسسات الثورة السياسية والعسكرية.

رغم عدم نجاح المؤسسات السياسية والعسكرية اعلاة في إحداث اختراقات كبيرة الا ان المقاتلين من الجيش الحر والتنظيمات الاسلامية المعتدلة وجبهة النصرة حققوا كثيراً من الانجازات الميدانية حتى سيطروا في نهاية عام 2012 وبداية 2013 على ما يقرب من 60/ من الجغرافيا السورية وإن بقيت معظم المدن الرئيسية تحت سيطرة النظام بصورة كلية او جزئية. ادت تلك النجاحات الميدانية الى قيام ايران وبأوامر من القيادات السياسية والعسكرية والمرجعيات الدينية الى تجنيد الآلاف من الشباب الشيعة للقتال في سوريا بحجة حماية المزارات الشيعية، كما طلبت من حزب الله التدخل العسكري، وكانت باكورة هذا التدخل معارك القصير والسيدة زينب والقلمون لتتوسع لاحقا لتشارك لاحقا في كل المعارك الحاسمة التي تخوضها قوات النظام.

ادى كل ذلك الى بروز حالة من التذمر لدى العديد من التنظيمات العسكرية المنضوية تحت رئاسة الأركان، فبداء مسلسل الانسحابات من الجيش الحر وتشكيل تنظيمات جديدة كالجبهة الاسلامية وغيرها مما اضعف الجيش الحر وجعله تنظيم هلامي غير فاعل، كما دخل تنظيم الدولة الاسلامية الى ساحة المعركة.

إعتمد تنظيم الدولة في بداية تدخله على انشاء مراكز دعوية وتقديم المعونات الاقتصادية وفرض الأمن على المناطق التي يتواجد فيها كما عمد الى استخدام المقاربات الدموية المفرطة على مخالفيه مما بث الرعب في قلوبهم، كما بداء بالتوسع التدريجي في المناطق المحررة فتواجدت قواته وبدرجات متفاوتة في تسع محافظات سورية منها محافظة الرقة التي سيطر عليها سيطرة شبه مطلقة، ومما يؤخذ على تنظيم الدولة عدم خوضه معارك حاسمة مع قوات الجيش السوري كما فعلت جبهة النصرة إنما اكتفى في المشاركة في بعض المعارك مثل معركة مطار منغ العسكري، كما بداء تنظيم الدولة بالاحتكاك بكتائب الجيش الحر من خلال عمليات اختطاف وقتل لبعض قادة الكتائب ومنتسبي المجالس العسكرية مما ادى الى عمليات إقتتال بين تنظيم الدولة وبقية مكونات المعارضة المسلحة ادت الى انسحاب قوات الدولة من ريف أدلب وريف حلب الغربي وإعادة تنظيم صفوفه في محافظة الرقة.

يعتبر يوم العاشر من حزيران الماضي علامة فارقة في مسار الثورة السورية وهو اليوم الذي إنطلقت به العمليات العسكرية في العراق والتي ادت الى سيطرة تنظيم الدولة والجماعات السنية المسلحة على ثلاثة محافظات عراقية وعلى كميات كبيرة من الاسلحة والذخائر بلإضافة الى مايزيد عن نصف مليار دولار من بنوك مدينة الموصل، ولقد استطاع تنظيم الدولة ان يجير الانتصارات الميدانية له ويصبح اللاعب الرئيس على الساحة العراقية. بعد الانتصارات الميدانية الكبيرة في العراق بدء تنظيم الدولة في نقل معركته الى سوريا فأزال الحدود السياسية وسيطر على المعابر الحدودية، كما سيطر على معظم أراضى محافظتي دير الزور والحسكة وعلى حقول النفط والغاز فيهما، كما سيطر على اهم المواقع العسكرية للنظام ممثلة في قيادة الفرقة 17واللواء93 وهو في طريقه للسيطرة على مطار الطبقة العسكري. هذه الانتصارات الميدانية السريعة عززت من قدرات تنظيم الدولة الاقتصادية والعسكرية والبشرية كما تمكن من بث الرعب والفزع في قلوب معارضيه لإعتماده المقاربة الدموية المفرطة مما سيجعل منه العدو الصلب بجانب الجيش السوري للثورة السورية رغم الاقتتال بينهما وإختلاف توجهاتهما واهدافهما.

رغم كل الإخفاقات السياسية والعملياتية للجناحين السياسي والعسكري الا ان المقاتلين في الميدان يحققون إنجازات ميدانية هامة في كل من ريف حماة وريف إدلب والقلمون ومحافظتي درعا والقنيطرة وبعض مناطق الغوطة الشرقية ولكنها تبقى إنجازات ميدانية لا ترقى للمستوى العملياتي والاستراتيجي مما يقلل من اثارها الإيجابية المستقبلية على الثورة السورية.

لاتزال الثورة السورية تواجه العديد من التحديات الجسام والتي تتلخص في عدم الاهتمام الدولي والإقليمي بالشعب السوري وتخوفهم من سيطرة المتشددين الإسلاميين على الجغرافيا السورية خاصة بعد اشتداد عود تنظيم الدولة والتخوف من ان تنهج جبهة النصرة نفس النهج وتعلن عن انشاء إمارة إسلامية في ريف إدلب، يضاف لذلك استمرار الدعم الايراني اللامحدود على كافة الصعد والمساعدة العسكرية من حزب الله مما يعزز من مكاسب النظام العسكرية ويدعمه سياسيا، يقابل ذلك ضعف وتشرذم القيادات السياسية والعسكرية لقوى المعارضة السورية،مما يعني استمرار الصراع لسنوات قادمة دون وجود القدرة لدى اي من الأطراف المتصارعة على تحقيق الحسم العسكري، وهذا سيقود حتما الى تدمير الدولة السورية وتحولها الى مناطق يسيطر عليها أمراء حرب، وسيكون العالم امام صومال جديد.

٭ خبير عسكري واستراتيجي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا بارك الله بثورات تطيح بالدولة .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 16/8/2014

استضفت قبل شهور إعلامياً عراقياً قريباً من السلطة الحالية الحاكمة في بغداد، وفاجأني كثيراً عندما قال:» لو كنّا نعرف أن سقوط نظام الرئيس صدام حسين سيؤدي إلى سقوط الدولة العراقية، وتفتت الشعب العراقي إلى ملل ونحل متقاتلة، وتشظي الجيش واستبداله بميليشيات تابعة لفصائل وشخصيات مختلفة، لما كنّا تمردنا وهللنا، لسقوط النظام. ولكنّا انتظرنا سنوات وسنوات، فالانتظار وتحمل نظام استبدادي أفضل وأهون ألف مرة من الوضع الذي آل إليه العراق بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق.» لاشك أنه كلام لافت، خاصة وأنه يأتي من أشد معارضي صدام حسين. ومع تدهور الأوضاع في ليبيا وتحولها إلى عراق آخر، وربما أسوأ، بدأ الكثير من المتحمسين للثورات والربيع العربي، بدأوا يرددون نفس كلام الإعلامي العراقي أعلاه. وقد سمعت أحدهم قبل أيام، وهو ناشط محترم، يقول: « إذا كانت المفاضلة بين انهيار الدولة، وبقاء الديكتاتور لبضع سنوات، فلا بأس ببقاء الديكتاتور، فهو، على علاته الكثيرة، يبقى أهون بكثير من سقوط الدولة وعودة الشعب إلى عصر ما قبل الدولة.

لا ندافع هنا بأي حال من الأحوال عن ضرورة بقاء الطواغيت الذين دفعوا شعوبهم إلى الثورة بعد عقود من الطغيان، بل لا بد من التحذير من عواقب إسقاط الأنظمة بطريقة فوضوية، مما سيؤدي بالضرورة إلى إسقاط الدول، خاصة وأن معظم الأنظمة الديكتاتورية ربطت الدولة وكل مؤسساتها بالديكتاتور، فما أن يسقط الطاغية حتى تنهار الدولة معه، كما حدث في ليبيا، حيث لم يبن القذافي مؤسسات صلبة، بل بنى مؤسسات على مقاسه، بحيث تسقط بسقوطه. وهذا ما حصل. لاحظوا أن القذافي مثلاً لم يبن جيشاً وطنياً، لأنه كان يخشى من الجيش، وبدلاً من ذلك، بنا كتائب تابعة مباشرة له. لهذا عندما سقط، لم يكن هناك جيش وطني يحمي البلاد من عواقب السقوط.

ولو نظرنا إلى الأوضاع الآن في كل من اليمن وسوريا والعراق وليبيا لوجدنا أنه من الضروري جداً أن تكون المعارضات على مستوى المسؤولية، وأن لا يكون هدفها التخلص من الأنظمة القديمة بأي ثمن، لأن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى الصوملة وانهيار الدولة. ولا بد للجميع أن يعلموا أن الدولة، أي دولة، ليست ملكاً لأي نظام، بل هي ملك للشعب والوطن. وانهيارها هو انهيار للوطن. لهذا يجب أن تكون الأولوية بالنسبة لكل البلدان التي ثارت والتي ستثور في المستقبل أن تعمل المستحيل للحفاظ على كيان الدولة، وأن لا تربط الدولة بالنظام، حتى لو كان النظام يفعل ذلك على مدى عقود. فما أسهل سقوط الدولة، وما أصعب إعادة بنائها. ولو نظرنا إلى البلدان التي انهارت فيها الدولة لوجدنا أنه أصبح من المستحيل إعادة ترميمها. لاحظوا أن الشعب الذي يتعود على غياب الدولة ربما يستمرئ الوضع لاحقاً، كما حدث في الصومال، حيث يعيش الصوماليون منذ حوالي ربع قرن بدون دولة، بحيث اعتادوا على الوضع، لا بل ربما تجد الكثير منهم ممن يعارض عودة الدولة بعد أن نما جيل بأكمله على العيش في وضع اللادولة. وكما هو واضح فإن الشعب الذي يستمرئ العيش في بلد لا دولة فيه سيعتاد على الأمر، وربما يستمتع به، مع ما يحمل ذلك طبعاً من فوضى وتخبط وتفتت وانفلات.

لا شك أن الإعلامي العراقي أعلاه كان يدرك ما يقول عندما رأى في بقاء صدام حسين أهون الشرين. لقد أخطأ السياسيون العراقيون المعارضون خطأً فادحاً عندما وافقوا مع الغزاة الأمريكان على تفكيك الجيش العراقي والقضاء على مؤسسات الدولة بحجة أنها كانت تابعة للرئيس صدام حسين. لم يستطع هؤلاء المعارضون الانتقاميون أن يميزوا بين الرئيس والدولة، فكانت النتيجة أن العراق عاد إلى عصر ما قبل الدولة، خاصة بعد حل الجيش والسطو على وزارات الدولة ونهبها، كما لو أنها من ممتلكات صدام حسين.

 

صحيح أن الدولة السورية، كما يرى حتى المقربون من النظام، فقدت الكثير من هيبتها، وربما أصبحت دولة فاشلة، لكن على الأقل لم تنهر كل مؤسسات الدولة، وما زال معظمها متماسكاً، وهذا شيء إيجابي، وفي مصلحة السوريين بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم. لا شك أن الدمار طال كل مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية، لكن الدولة ما زالت قائمة، ولو شكلياً، وبالتالي على كل السوريين مؤيدين ومعارضين، أن يعملوا أقصى ما بوسعهم للحفاظ على هياكل الدولة، لأنها ليست ملكاً لا للنظام ولا للمعارضة، بل هي ملك السوريين جميعاً، ولو خسروها سيصعب إعادة بنائها ولو بعد عقود.

هناك مثل انكليزي شهير يقول: «لا تقطع أنفك كي تنتقم من وجهك». ومن يطيح بالدولة نكاية بالحكومة، فهو تماماً كمن يقطع أنفه كي ينتقم من وجهه. في الختام لا بد من توجيه الشكر لكل من يعمل جاهداً في بلدان الربيع العربي لحماية الدولة مؤيدين كانوا أو معارضين.

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لسنا خرافاً تنتظر الذبح .. ريما فليحان

العربي الجديد

السبت 16/8/2014

لا يمكنني أن أتفهم حالة التغاضي والتماهي مع ما يحصل في سورية من جرائم، يرتكبها النظام، أو ما تقترفه داعش وأشباهها من ذبح وصلب وسبي وتقطيع للأوصال في كل مكان. لم يفعل العالم أمراً جدياً في الأعوام الثلاثة التي مضت، يؤدي إلى وقف الدم، ويحقق مفاوضات سياسية مفيدة، للدخول في تحولٍ ديموقراطي في سورية. وهو يعرف أن إحالة الوضع في سورية إلى فوضى مزمنة يعني، وبشكل مؤكد، كتم الأصوات الديموقراطية والمدنية، وإعطاء المساحة المطلوبة للتطرف، وصولاً إلى ولادة تنظيمات خطيرة إجرامية. وتثير الجرائم التي ترتكبها داعش يومياً علامات تعجب واستفهام كثيرة، تبدأ بكيفية نمو ذلك المسخ، بطريقة غريبة وعجائبية، وتسهيل انتشاره وتمدده، وكأنه في رحلة صيد.

هل يمكن القول إن هناك من يريد تحويل الشعب السوري إلى خراف تنتظر الذبح، كل بدوره، وحسب تموضعه الجغرافي والطائفي والإثني. هل يمكن القول إن هناك مصالح خفية لبعض الجهات والدول، في الوصول إلى ذلك التصعيد؟ أو ربما يكون ما يحدث، اليوم، خروجاً عن النص، أو تطوراً دراماتيكياً، لم يحسب له حساب؟

وإذ طالما انتقدت أنصار نظرية المؤامرة، إلا أن ما يحصل في المنطقة، عموماً، وفي سورية خصوصاً، بات يحفز الجميع على التفكير بها، فما يحصل بات عصياً على فهمنا؟ أو ربما يكون فهمنا أقل من درجة الخبث التي تسيّر تلك المقتلة في كل مكان؟ لكن، ما هو ثابت بفهمي، اليوم وأكثر من أي وقتٍ، أننا يجب ألّا نقف متفرجين، بينما تصل السكين إلى رقاب الجميع، وإننا لن نكون خرافاً معدّة للذبح.

أختنق يومياً عشرات المرات، أمام شاشة الأخبار، وأتابع تقدم الوحش الذي يدفن الأطفال والنساء من أبناء الطائفة الأزيدية أحياءً، أو يذبح أبناء العشائر في دير الزور كالنعاج، أو يعدم الجنود السوريين المحاصرين بدم بارد، بعد سيطرته على فرق عسكرية في الرقة ودير الزور، من دون تدخل من طائرات النظام التي أجادت رمي البراميل المتفجرة على المدنيين في كل مكان، وتفرجت على ذبح داعش هؤلاء الجنود.

لست في مقام التدخل، أو إصلاح السياسة العالمية، الظاهرة منها والخفية، كوني مواطنة بسيطة، كتب عليها القدر أن تكون من أبناء العالم الثالث، وفق تصنيف العالم الأول. لكن، ألا يحق لنا كشعوب أن ندافع عن وجودنا، بمقاومة الفكر المتطرف، والتعالي عن الأنانية السياسية، وإعلاء المصلحة الوطنية والإنسانية فوق كل شيء، واتخاذ خطوات جدية لمقاومة المد المتطرف الذي يكاد يأكل سورية، والمنطقة بكاملها.

"بجب ألّا نقف متفرجين، بينما تصل سكين الإرهاب والتطرف إلى رقاب الجميع، وإننا لن نكون خرافاً معدة للذبح"

شعوب المنطقة ورموزها من شخصيات عامة ورجال دين وساسة ومثقفين أمام استحقاق تاريخي، في الوقوف صفاً واحداً أمام هذا الطوفان، وأمام السكين التي ستجز رقاب الجميع، سنّة وشيعة وعلويين ودروزاً وأزيدين ومسيحيين وعرباً وكرداً، أطفالاً ونساء وعواجيز.

حان الوقت، اليوم، للقيام بعدة خطوات، منها أن توحّد جيوش المنطقه مواجهتها ذلك التنظيم، ومنها أن يجتمع رجال الدين من كل الطوائف والأديان على ميثاق شرف، وقول كلمة واحدة ضد التطرف ونبذ الطائفية، ووضع استراتيجية جديدة للتعامل مع الفكر الديني في المنطقة، عبر التنوير والتجديد والإصلاح، وبتعزيز الفكر الليّن المتسامح والاستيعابي، بدلاً من الفكر التكفيري الإجرامي، والمحمّل بالكراهية للجميع، ولكل شيء، وقد يكون مؤتمر قمة روحي على مستوى المنطقة، خطوة أولى باتجاه ذلك.

وعلى المعارضة السورية، اليوم، وبكل أطيافها، التفكير بطريقة مختلفة بمستقبل بلدها، والبحث عن حل سياسي منصف، يوقف نزيف الدم، ويحقق تطلعات الشعب السوري نحو الحرية والديموقراطية. أما النظام فلا أقول عنه شيئاً، إذ فقد جدارة المبادرة الوطنية والإنسانية، وهو الذي يستخدم العنف وسياسة الإنكار لمواجهة التحركات الشعبية المطالبة بالتغيير في سورية. لكن ما يحصل اليوم، من قضم أصحاب الأعلام السوداء أجزاء من سورية لا بد أن يحرك الشريحة الموالية للنظام، والتي يجب أن تضغط عليه، من أجل حل سياسي، ولتغيير سياسته التي استجرّت الويلات للوطن والمنطقة عموماً.

ودورنا، نحن الشعوب، يبدأ بإعادة التفكير في الزوايا الضيقة التي فرزنا أنفسنا فيها مع ازدياد تقوقع كل المكونات السورية، وارتفاع وتيرة الاحتقان الطائفي والمناطقي، ما يتطلب الخروج من عباءة الطائفة والقومية إلى رحابة الوطنية السورية والإنسانية الجامعة، والتي قد تكون المخلص للوطن من الشر المحدق.

ولدول عديدة أقول إن هذا التطرف لن يتوقف، هنا، وفي هذا المستنقع الذي ساهم الجميع بإغراقنا فيه، فكل من جاء إليه، وخاض في أسنه، سيعود من حيث أتى، وسيحمل معه حيث ذهب الموت والدمار والفكر المتطرف، وأياً كانت السياسات التي تمر في ذهنية الساسة، في كل مكان، فهذا الوحش سيصبح عصياً على السيطرة، وحينها، لن يكون استدراك الخطأ أمراً متاحاً.

كفى اتجاراً بدماء السوريين. كفى ذبحاً لشبابنا من أي طرف كانوا، كفى موتاً ودماراً. آن لهذا الشعب أن يرتاح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com