العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24 /07/ 2011


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أسباب الثورات العربية.. سوريا نموذجاً..!! .. حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

قبل فترة ليست ببعيدة كانت معظم قيادات الدول العربية التي مضى على وجودها في السلطة عقوداً من الزمن، تفكر في تأمين عملية توريث أو انتقال للسلطة إلى من تراه مناسباً ليتابع مسيرتها السياسية والأمنية، بطريقة هادئة تتضمن شكلاً دستوراً وديمقراطياً، ولكنها في حقيقة الأمر تتم وفق أصول وأساليب ديكتاتورية لا تراعي رأي الشعب ولا توجهاته ولا رغبته في التغيير والتطوير، واستندت هذه الديكتاتوريات في تفكيرها إلى حالات متعددة تمت فيها سابقاً عملية انتقال للسلطة في أنظمة دول جمهورية وليست ملكية تحت سقف البرلمان أو مجلس الشعب وبالتصويت، وهذا ما جرى في سوريا عام 2000، بعد وفاة حافظ الأسد، حيث تم تعديل الدستور ليتاح لولده بشار أن يحكم سوريا بإرادة شعبية انطلقت من مجلس الشعب وتحت سقفه..؟؟ ولم يتم تسجيل أية حالة اعتراض شعبية أو حزبية وحتى دولية على هذا الانتقال للسلطة من الأب إلى الابن في دولة جمهورية وضمن أطر حزب يقدم نفسه على انه حزب قومي شعبي يحمل في فكره طموحات وتطلعات الطبقة والشريحة الأوسع من أبناء شعبه ويجسد رغبتهم في تعميق أسس النظام الجمهوري والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، وتثبيت مبادئ الكفاءة والنزاهة والخروج من دولة العشائر والقبائل والعائلات والتباينات الدينية والعرقية..؟ هذه التجربة شجعت عدد من زعماء الدول العربية على تكرارها..؟؟

 ولكن فجأة ودون مقدمات اندلعت سلسلة من الثورات في العالم العربي التي بدأت في دولة تونس وامتدت إلى مصر، ولا تزال مشتعلة في العديد من الدول العربية، وجميع هذه الثورات تطالب التغيير الشامل والكامل لهذه الأنظمة ورموزها دون استثناء. قد يكون صحيحاً أن الانتفاضات والثورات الشعبية العربية قد انطلقت دون مقدمات ظاهرة أو بارزة للعيان بحيث فشل معظم المراقبين السياسيين في توقع حدوثها أو انطلاق شرارتها. ولكن ما أشعل هذه الثورات هو تراكم ممارسات وتصرفات قادة وأحزاب هذه الأنظمة على امتداد سنوات طويلة وقاسية من إمساكهم بالسلطة وممارستهم التسلط، والاختباء خلف مؤسسات إعلامية تعمل للترويج لهم ولأشخاصهم ولعائلاتهم وإخفاء ممارساتهم، والاستناد إلى مؤسسات وأجهزة أمنية تعمل على قمع وإخماد وإخفاء كل صوت حر ومعارض، والاعتماد على انتمائها القبلي والعشائري والحزبي والديني والعرقي إضافةً إلى ارتباطهم بقوى خارجية لحمايتهم ورعايتهم، مما أعطى قادة هذه الأنظمة فرصة الاستمرار على رأس السلطة والتحكم بمصائر شعوبها وثرواتها ومستقبلها.. لذا فإن الثورات العربية التي اندلعت اليوم ولا تزال هي حالات شعبية جماهيرية ليست ذات طابع حزبي أو أنها على الأقل منظمة بشكل جيد ضمن مؤسسات وأطر ومؤسسات تسعى للانقلاب على السلطة والإمساك بها. ولهذا السبب فإننا نرى وإلى اليوم أن معظم الانتفاضات العربية والثورات الجماهيرية لا تزال تعقد لقاءات ومؤتمرات تبحث وتدرس كيفية تنظيم حراكها وتطوير انتفاضاتها وصولاً لتحقيق تغيير حقيقي في بنية السلطة وتركيبتها وتفادي الوقوع في فخ تكرار التجربة عينها مع أشخاص جدد وأحزاب جديدة..ولكن هنا لا بد لنا من إلقاء بعض الضوء على الدوافع الحقيقية التي دفعت هذه الشعوب للانتفاض على السلطة الحاكمة والسعي لتغييرها، وبما أن الثورة السورية لا تزال مشتعلة وملتهبة، وبما أن التشابه موجود وبقوة بين حالة وطبيعة النظام السوري وسواه من الأنظمة العربية، لذا يمكن القول أن بعض هذه الأسباب التي دفعت الشعب السوري والشعوب العربية للانتفاض هي:

- التوريث، أو الجمهورية الملكية: لقد كان انتقال السلطة في سوريا عقب وفاة حافظ الأسد إلى ابنه بشار عملاً يتناقض مع مبادئ حزب البعث القائمة على رفض النظم الملكية، كما كان لا يتوافق مع منطق الهرمية الحزبية التي تقوم على تقديم الأفضل من الكفاءات الشعبية داخل الأطر الحزبية لتتبوأ المواقع الأساسية والأمامية في الحزب والسلطة، فكان تعديل الدستور ليتمكن بشار من تسلم السلطة خلفاً لوالده من نائب والده عبد الحليم خدام، برعاية أمنية وعسكرية، أول تناقض مع هذه المفاهيم، وحتى مع مبادئ حزب البعث الحاكم وتثبيتا لمفهوم الجمهورية الملكية، وإشارة إلى عدم احترام رغبة الشعب السوري وحريته في اختيار الأكفأ والأصلح لقيادة البلاد.

- الحالة الطائفية: قد تتباين هذه النقطة بين دولة وأخرى فقد تكون الحالة الطائفية موجودة في دولة وقد تكون العشائرية أو العرقية في حالة دولة أخرى ولكنها مشكلة متشابهة في كل حال. ولكن في حالة سوريا فقد كان استناد حافظ الأسد محلياً لحماية نظامه، ومن بعده بشار على ميليشيات أمنية (الشبيحة) وهي ذات انتماء طائفي محدد، أما إقليمياً فكان بتعميق التحالف مع دولة دينية ذات فكر ديني وعقائدي معين ومصالح قومية تتضارب مع مصالح الأمة العربية بل هي في حالة حرب معها، وهذا يتناقض مع ثقافة معظم أبناء الشعب السوري، ومع فكرة قيام الدولة المدنية التي يعيش فيها كافة أبناء الشعب جنباً إلى جنب بمساواة وعدالة مهما اختلفت انتماءاتهم وثقافاتهم.. واليوم يستخدم هذا الواقع الذي صنعه النظام للترهيب من قيام حرب طائفية في سوريا..؟؟

- الوضع الاقتصادي: من الواضح أن القاسم المشترك بين كافة الثورات العربية والانتفاضات الجماهيرية في كافة الدول العربية هي الوضع الاقتصادي المتردي، فنسبة البطالة مرتفعة للغاية ولا يوجد إحصاءات دقيقة لمعرفة حجم البطالة ولا يوجد مؤسسات رسمية تعمل على معالجة هذه المشكلة ووضع الحلول المناسبة للعمل على استيعاب القوى العاملة الناشئة التي تتخرج سنوياً من جامعات ومؤسسات مهنية وتربوية مختلفة، مما يدفع بعدد كبير من خيرة مثقفي ومتعلمي هذه الدول وبالتحديد سوريا إلى الهجرة للخارج حيث ذكرت إحدى النشرات العلمية أن 24000، طبيباً سورياً يعملون خارج سوريا. فالنظام السوري ومثله سائر الأنظمة القمعية تنفق ثروات شعوبها على تنمية وتطوير وتفعيل مؤسسات أمنية تعمل على حفظ السلطة وحمايتها وتأمين استمرارها وتداولها..

- الحريات السياسية والإعلامية: الأحزاب الحاكمة سمحت لنفسها بممارسة العمل السياسي والإعلامي على شكل واسع ولكنها قامت بحرمان شعوبها من حقها في تشكيل أحزاب، وممارسة حقها في العمل السياسي ومن حرية التعبير فاحتكرت هذه الأنظمة حق إنشاء الوسائل الإعلامية وإدارتها، وجعلت منها أبواقا لها وصدىً لتوجهاتها ورغباتها فغاب عن الإعلام الرسمي الذي تمسك به هذه الدول كل أوجه النقاش والحوار والانتقاد باستثناء تمجيد الرئيس وعائلته وسلطته وحزبه، وإدانة خصومه في حال وجودهم أو التحذير من المؤامرات القادمة التي تستهدف الزعيم والقائد ومواقفه والحزب وأعضائه ومحبيه وليس الشعب والكيان والأمة...؟؟

- الفساد: كافة الأنظمة التي تعاقبت على حكم الدول العربية منذ استقلالها، كان شعارها محاربة الفساد في الإدارة والسلطة وحماية المال العام..ولكن الواقع مختلف تماماً، بل هو يختلف مع تسلم هذا الفريق أو ذاك لزمام السلطة، وقد تبين أن مشاكل الرؤساء المخلوعين أو الذين هم على طريق التغيير هي فساد عائلاتهم وإمساكهم بمفاصل إدارية وأمنية تمكنهم من الاستيلاء أو الاستبداد بالحركة المالية في البلاد، والهيمنة على طرق الاستثمار بحيث لا يمر إلا من خلالهم وعبرهم مع ما يراكم لهم هذا الأمر من ثروات وأموال تحجب عن مواطني هذه الدول وشعوبها، وحكاية قريب الأسد (رامي مخلوف) وغيره كثير ليست بعيدة عن الأذهان والذاكرة أيضاً..

- القضية الفلسطينية: إنها قضية الأمة المركزية وفي سبيلها تهون كل التضحيات، وعلى هذا الدرب وتحت هذا الشعار استطاع حكام هذه الشعوب وبعض أحزابها استغلال الشأن الفلسطيني أيما استغلال، من قمع وتسليح تنفق عليه ثروات وأموال طائلة ليتبين بعدها أن هذا السلاح إما لخوض حروب إقليمية مع دول شقيقة أو لقمع الشعوب وإرهابها، ولنا نحن في لبنان (لبنانيين وفلسطينيين) مع النظام السوري حكاية مريرة وتجربة قاسية ومعاناة طويلة في هذا الشأن وتحت عنوان فلسطين وحماية الشعب الفلسطيني وقضيته..وحماية لبنان من المؤامرة الصهيونية؟؟

معاناة شعوبنا العربية متشابهة ومتقاربة وأسباب انتفاضاتها سواء في الشمال الإفريقي أو في سوريا واليمن تكاد تكون واحدة وإذا كنا قد عددنا بعض الأسباب، فلا شك أن هناك أسباب أخرى يختص بها كل شعب وكل وطن ولكنها كانت كافية لتشعل ثورة وانتفاضة، والاستعداد لتقديم التضحيات والشهداء والدماء لتغيير هذا الواقع المؤلم. ولكن تبقى العبرة في انجاز عملية التغيير نحو واقع أفضل يقودنا نحو مستقبل زاهر ومزدهر، وأن لا نقع في فخ تكرار نماذج سلطوية فاشية جائرة تمسك برقابنا ورقاب أبنائنا لعقود قادمة وحتى لا ندفع ثمن التغيير مرة أخرى..

hasktb@hotmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حرمة الجامع في سورية بين عهدين .. محمد فاروق الإمام

سطرت سورية على مر العصور عظمة رجالاتها وبطولة أبنائها، ففي كل زاوية بطولة، وفي كل زنقة فروسية، وتحت كل حجر قصة، وتاريخنا يعبق بقصص وحكايات تروى لتكون مثلاً لنا ولأولادنا وأطفالنا ليتذكروا دائمًا عظمة سورية بلد التاريخ والحضارة.. ودمشق الفيحاء عاصمة سورية القديمة قدم التاريخ هي كما كانت وستبقى قلب العروبة النابض.. دمشق التي يعرفها كل العرب كانت وستبقى المدرسة التي خرَّجت قادة عربًا ولا ينكر ذلك إلا جاحدا، دمشق التي يعرفها القاصي والداني، هي التقيه النقية التي يتوضأ رجالها من مائها الطاهر العذب الذي يتدفق من بحيرات مساجدها، ويصلون خمس مرات تحت قباب جوامعها التي توحد الله راكعين لله الواحد القهار ولا تسجد جباههم إلا إليه.

 

دمشق تاريخ مفتوح نقرأ فيه قصصًا وروايات، سرًّا وأسرارًا، نقرأ في تاريخ دمشق حكايات لها أول وليس لها آخر... ومن أسرار تاريخ دمشق حكاية الإضراب الستيني أيام عهد الانتداب الفرنسي الذي كانت بدايته مع بداية عام 1936، ذلك الإضراب الذي بدأت شرارته الأولى من جامع بني أمية، عقب إلغاء فرنسا لاتفاقية الاستقلال، حيث وقف شيخ جهوري الصوت حادّ النبرة لا يعرفه إلا قلة ممن حوله، يستثير همم الناس وحميتهم ويلهب مشاعرهم ويحثهم في خطب نارية على الإضراب العام حتى تعود فرنسا عن إلغائها معاهدة الاستقلال، وكان خطاب هذا الشيخ يسري كالريح في الهشيم تلهب مشاعر المصلين والمحتجين فيخرجوا في مظاهرات صاخبة تنادي بخروج المحتل والاستقلال لسورية، وداوم هذا الشيخ على خطبه النارية لنحو ستين يوماً دون أن يتمكن الفرنسيون من إلقاء القبض عليه أو معرفة شخصه للوصول إليه، مما دفعهم للإعلان عبر صحفهم، ومن بينها صحيفة (الطان) الباريسية الشهيرة آنذاك نداء تحت عنوان (الشيخ المجهول مطلوب حياً أو ميتاً.. جائزة 5000 آلاف ليرة لمن يرشد إليه أو يقبض عليه)، ولكن هذا الشيخ تمكن من خداع الفرنسيين وعملائهم ستين يوماً دون أن يتمكنوا من إلقاء القبض عليه، ففي كل يوم كان يغير من شكله وهندامه وهيئته حتى حار به كل العملاء الفرنسيين الذين كانوا يندسون بين المصلين أو في المظاهرات حتى حقق الإضراب غايته ورضخ الفرنسيون لمطالب الشعب وإضرابهم السلمي، حيث جرت مفاوضات بين قادة الكتلة الوطنية والفرنسيين على إنهاء الإضراب وفق شروط وضعتها الكتلة وسلمت بها حكومة الانتداب الفرنسي، والتي كان من أهم بنودها:

 

1- الموافقة على أن لا تقل حقوق السوريين في المعاهدة العتيدة عن حقوق إخوانهم العراقيين في معاهدتهم الأخيرة مع بريطانيا.

2- تصريح الجانب الفرنسي بأنه ليس له مصلحة ما في تجزئة البلاد السورية.

3- الموافقة على نقل ساحة العمل للعاصمة الفرنسية بواسطة وفد من المواطنين يتولى البحث مع المراجع العليا في باريس.

4- إعادة الحياة النيابية الحرة بأسرع ما يمكن على أساس الانتخاب الشعبي.

5- الإلغاء في الحال لجميع الأحداث التي ولدتها الحالة الحاضرة في البلاد السورية كافة منذ 18 من كانون الأول الماضي أي سنة 1935م إلى الآن، من عفو عن المحكوم عليهم وإعادة حرية المعتقلين وإطلاق سراح الموقوفين وإلغاء التدابير الإدارية المتخذة في معاهد العلم.

ما دفعني لاستذكار هذه القصة الرائعة لبعض رموز الوطن وهو يتحدى الانتداب الفرنسي ورجال أمنه وعملائه، دون أن يجرؤ أحدهم من تخطي عتبات باب المسجد الأموي احتراما لهذا البيت المقدس وحرمته، ما شاهدته يوم الجمعة (جمعة أحفاد ابن الوليد) على شاشات الفضائيات العربية والعالمية في جامع آمنة بمدينة حلب، والهجوم الهمجي الشرس والفاجر على المصلين من قبل أبناء الوطن رجال الأمن والشبيحة على إخوانهم وشركائهم في الوطن داخل الجامع، لأنهم يخالفونهم الرأي ويطالبون بالحرية والكرامة بشكل سلمي وحضاري بعد انتهاء الصلاة، ويوسعونهم ضرباً بالعصي والهراوات الكهربائية وطعناً بالسكاكين، وكيف كانت تتعالى الاستغاثات من المصابين ولا يجدون من يسعفهم أو يوقف ضربهم المتواصل حتى فارق اثنان منهم الحياة وسقط العشرات من الجرحى، وقد صبغت دماؤهم الطاهرة الزكية جدران المسجد وسجاجيده.

هذا الفارق العجيب بين محتل فرنسي غاصب يحترم قدسية المكان وحرمته فلا يجرؤ على تخطي عتبات أبوابه، ونظام فاجر يسلط ذئابه وضباعه على المصلين الآمنين المحتمين ببيت الله غير آبهين بقدسيته أو حرمته، ينهشون لحمهم ويكسرون عظامهم.. إنهم يتحدون الله في بيته ويدنسون حرمته في فجور سافر ما سبقهم إليه أحد، حتى الصهاينة لم تفعل ما فعلوه فلم نشاهد لمرة واحدة دخول الصهاينة بيتاً من بيوت الله في فلسطين على كل إجرامهم وشنيع فعالهم وحقدهم على الإسلام وأهله، هذا التحدي الفظ والغليظ القلب عقابه كبير وكبير جداً، فقد جاء في الحديث القدسي الشريف: (قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار).

أخيراً لابد من أن اذكّر بان الشيخ الذي دوخ فرنسا ورجال أمنها وعملائها ورافقه لقب (الشيخ المجهول) حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى هو (الشيخ أحمد الإمام) أحد رجالات سورية الوطنيين، الذين كان لهم الفضل علينا في انتزاع استقلال سورية من الفرنسيين بعد جهاد وكفاح ونضال دام خمساً وعشرين سنة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هذا ما تقدمه إيران لدعم النظام السوري  .. فما موقفكم يا عرب من شعب سورية الذي يذبح؟! .. محمد فاروق الإمام

تناقلت وكالات الأنباء العربية والعالمية خبراً يؤكد دعم إيران للنظام السوري الذي يواجه ثورة شعبية تطالب بإسقاطه ورحيله منذ أكثر من أربعة شهور، دون أن يفلح النظام في كسر شوكة الثائرين أو وقف انتفاضتهم أو الحد من امتدادها وزخمها، رغم القمع الوحشي الذي سخّر له النظام كل إمكانيات الدولة السورية من أجهزة مخابرات ورجال أمن وفرق عسكرية وتجييش آلاف الشبيحة من أعوانه والمستفيدين من فتات موائده، وفرق الموت الإجرامية التي استقدمها من خارج الحدود بكل خبراتها وأدواتها وحقدها، في مواجهة شباب سلمي متظاهر يطالب بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، وسلاحه الورود وأغصان الزيتون يلوح بها في وجه هؤلاء الساديين القساة، الذين لم يتورعوا عن قتل ما يزيد على 2000 من المتظاهرين، منهم 100 طفل لم يتجاوز بعضهم الخامسة عشرة من العمر وعشرات النساء، وجرح واعتقال وتهجير الآلاف إلى دول الجوار، ومحاصرة المدن واستباحتها بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني، لا تقل وحشية عما فعله هولاكو عندما استباح بغداد قبل نحو ألف عام تقريباً وما فعله قاظان في دمشق وقسطنطين في حلب.

فقد كشفت صحيفة فرنسية نقلا عن مصادر في مركز للدراسات الإستراتيجية يوم الجمعة 15 تموز الحالي، (أن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي خصص مبلغ 5.8 مليارات دولار لدعم نظام بشار الأسد في سورية).

ونقلت وكالة أنباء رويترز ما جاء في صحيفة "لس اكوز" بخصوص قرار خامنئي لدعم الاقتصاد السوري، مضيفة أن دمشق تعد حليفا استراتيجياً لطهران منذ فترات طويلة مقارنة بسائر الدول العربية المتخاصمة مع إيران.

وأضافت الوكالة أن الاقتصاد السوري متأزم نتيجة للانتفاضة والإضرابات التي تعم البلاد منذ 4 أشهر، وإثر انخفاض تصدير النفط وتقلص التبادل التجاري مع البلدان الأخرى والعقوبات.

ويؤكد التقرير (أن المشاكل التي يعاني منها النظام السوري دفعت القيادة في إيران إلى تخصيص 5.8 مليارات دولار لمساعدته على أن يستلم الدفعة الأولى من هذا الدعم، وهي 1.5 مليار دولار فورا، ويستلم المبلغ المتبقي على دفعات خلال 3 أشهر).

وتؤكد مصادر صحيفة "لس اكوز" السرية استقتها من مركز للدراسات الإستراتيجية مرتبط بمكتب المرشد الإيراني الأعلى، أن إيران (قررت تزويد النظام السوري ب290 ألف برميل من النفط الخام يوميا، ابتداء من الشهر المقبل، وستدعم مراقبة الحدود المشتركة بين سورية ولبنان للحيلولة دون هروب الرساميل).

وكان المرشد الإيراني الأعلى قد اعتبر في كلمة في وقت سابق من الشهر الماضي الأحداث التي شهدتها البحرين في ميدان اللؤلؤة عادلة، في حين وصف الاحتجاجات المستمرة في سورية ضد بشار الأسد بالانحراف، مؤكداً أن إيران لن تدافع عنها.

 كما اعتبر الثورة السورية نسخة مزيفة عن الثورات في مصر وتونس واليمن وليبيا، متهماً الولايات المتحدة الأمريكية بصنع هذه النسخة بغية إيجاد خلل في "جبهة الممانعة"، حسب تعبيره، زاعماً أن فحوى أحداث سورية تختلف عن مثيلاتها في المنطقة.

لم أفاجأ بهذا الدعم الخامنئي للنظام السوري ولا بمواقفه المؤيدة له، وهو ربيب ملالي قم كحال دولة الكيان الصهيوني ربيبة واشنطن، فكما تدعم واشنطن تل أبيب مادياً وعسكرياً وسياسياً في كل الأحوال سواء كانت ظالمة أو مظلومة، فكذلك الحال بالنسبة لدعم خامنئي لبشار الأسد سواء كان ظالماً أو مظلوماً، بغض النظر عما يعنيه الحديث النبوي الشريف (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) ومفهوم ملالي قم يختلف كل الاختلاف عما يعنيه هذا الحديث عند كل فقهاء المسلمين بكل مذاهبهم في كل أصقاعهم وبلدانهم.

لن أعلق كثيراً على هذا الدعم الخامنئي لبشار الأسد لأنه لن يغير من المعادلة شيء، فالشعب السوري اتخذ قراره بإسقاط هذا النظام ورحيله دون أية رجعة عن هذا القرار، وقد تنسم الحرية بعد مصادرتها لنحو نصف قرن ولفظ نتن رائحة العبودية والقهر والإذلال، ووطّن نفسه على دفع الثمن مهما علا وارتفع، وهو يعرف أن مهر الحرية غال وباهظ التكاليف، والشعب السوري سيصبر على هؤلاء القتلة مهما جمعوا وجيشوا مستلهمين قول الله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل).

أخيراً أتوجه إلى العرب حكومات وشعوب وأستنهض فيهم الشهامة والعزة وأقول لهم وأنا المشفق عليهم: (ماذا أنتم فاعلون تجاه إخوانكم في سورية الذين يُذبحون بيد جلاد بهيمي سادي لا يرحم، مدعوم من نظام حاقد يتربص بنا وبكم الدوائر ليجهز علينا وعليكم، لن يكتفي – إذا ما تمكن من إخماد ثورة الشعب السوري - بهلال حذر منه العاهل الأردني قبل سنوات، فهو يستهدف قبلة المسلمين وبيت الله الحرام، ولن يكتفي باختطاف الحجر الأسود كما فعل أسلافه القرامطة بل غايته إنجاز ما أخفق به أبرهة الحبشي وهدم الكعبة).. اللهم اشهد أني بلغت.. اللهم اشهد أني بلغت!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مثقفون سوريون في الشارع... والسجن.. وسام كنعان, محمد الشلبي

الاخبار 14-7-2011

دمشق | مع بداية الثورة المصرية، اعتصم عدد من المثقفين السوريين، معظمهم كانوا من فئة الشباب، أمام السفارة المصرية في دمشق، في حركة عُدّت الأولى من نوعها منذ زمن بعيد عندما كان للمثقف حضوره مع عامة الشعب، أكثر منه على صفحات الجرائد والكتب وغيرها. اُتبع هذا الحراك الاستثنائي باعتصام مماثل أمام السفارة الليبية عشية الأحداث الدامية والمجازر التي ارتكبها معمر القذافي بحق شعبه الأعزل، لكن سرعان ما غاب دور المثقف السوري على أرض الواقع، مع بداية الأحداث السورية، واقتصر حضوره على إطلاق عدد من البيانات المتباينة، بين مؤيدة ومعارضة للطريقة التي تعامل معها النظام السوري في مواجهته للانتفاضة الشعبية، كانت حصيلتها خلق انشقاق واضح بين الفنانين والمثقفين السوريين، لا تزال تبعاته حاضرة حتى اللحظة.

وبعد مرور نحو أربعة أشهر على الانتفاضة السورية، قرر عدد من المثقفين السوريين أخيراً، الخروج في أول تظاهرة سلمية «والنزول إلى الشارع إلى جانب أخوتنا الذين قدّموا من دمائهم وعذاباتهم الكثير ليجلبوا لنا الحرية، هذا الحقّ الذي أقرّته كل الشرائع السماوية، والمواثيق العالمية»، حسب ما جاء في بيان «معاً إلى الشارع» الذي نشره المثقفون الناشطون والمنظمون للحدث في صفحة «مثقفون لأجل سوريا» على موقع التواصل الاجتماعي «الفايسبوك».

وأكدت السيناريست السورية ريما فليحان، إحدى المنظمات لهذه التظاهرة، أن الهدف الأساسي من مشاركتها هو «تأكيد انتمائنا نحن المثقفين إلى جماهير الشعب، ومشاركتنا في الحراك الشعبي المطالب بالحرية والعدالة والمساواة».

ولدى سؤالها عن الأسباب الكامنة وراء تأخر هذا الحراك، قالت فليحان إن «هناك العديد من أصدقائي المثقفين يشاركون دورياً في التظاهرات، لكن من دون إعلان ذلك للصحافة ووسائل الإعلام، والعديد منهم تعرضوا للاعتقال، كما حدث أخيراً مع المخرج المسرحي أسامة غنم في المكان نفسه الذي دعينا للتظاهر فيه، ومنهم من لا يزال معتقلاً لأسابيع عدة مثل الصحافي عمر الأسعد والناشط أدهم القاق وغيرهم».

على الأرض انتشرت قوات أمن سورية وشرطة حفظ النظام بكثافة منذ ظهر أمس في منطقة الميدان، وتحديداً عند جامع الحسن، المكان الذي اتفق أن تنطلق منه التظاهرة. ومع اقتراب عقارب الساعة من السادسة، كانت تقريباً جميع الطرق المؤدية إلى الجامع مغلقة بالنسبة إلى السيارات، ما اضطر الجميع إلى النزول من سيارات الأجرة في أماكن بعيدة والمشي نحو المسجد. لكن مع اقتراب الناس من المسجد، طلبت منهم قوات حفظ النظام الموجودة التراجع، فأصبح التجمع قبل الجامع بنحو مئة متر، فبدا أن التظاهرة هي حدث اعتيادي وخالية من عدد كبير من المثقفين، لكن الواقع أنه كان هناك عدد من الناس وصلوا باكراً وتجمعوا أمام المسجد غالبيتهم من المثقفين، انضم إليهم فايز سارة، أحد رموز المعارضة السورية، وتجمع مع مجموعة من الصحافيين والكتاب، منهم يعرب العيسى وراشد عيسى ومحمد الأمين وعثمان جحا وإيمان الجابر. وعند ازدياد العدد، طلب الأمن بكل هدوء من الجميع التفرق حالاً ومغادرة المكان. وبمجرد سير الناس، تجمعوا على نحو عفوي بعدد يقارب ثلاثمئة شخص وبدأوا بترديد النشيد السوري الوطني وأعادوا ترديده مرة ثانية ثم انطلقت الهتافات «الله سوريا حرية وبس» و«واحد واحد واحد الشعب السوري واحد»، فيما رفع نحو عشرة شبان لافتات وصور مؤيدة للنظام وهتفوا بحياة الرئيس.

بعد دقائق معدودة، وصلت تعزيزات أمنية مكثفة وهاجمت المتظاهرين الذين تعالت أصواتهم «سلمية سلمية»، قبل أن يلوذ معظمهم بالفرار أثناء حملة اعتقال لنحو ثلاثين شخصاً ممن وصلوا في البداية. وقد تأكدت «الأخبار» من أسماء عدد منهم، وهم: الممثلة مي سكاف والكاتبة ريما فليحان والكاتبة يم مشهدي والمخرج السينمائي الشاب نضال حسن والمخرج التلفزيوني شادي علي والممثلان الأخوان ملص والصحافي إياد شربجي رئيس تحرير مجلة «شبابلك».

ويقول الكاتب والسيناريست الشاب عثمان جحا ل«الأخبار» إن «الوقفة كان مقرراً لها أن تكون وقفة اعتصامية مع دماء شهداء الوطن والمعتقلين السياسيين في السجون السورية ومحاولة لدعم المطالب المحقة والمشروعة للشباب السوري والشارع عموماً». ويضيف: «الهدف أن نقول إن الإصلاح يجب أن يحصل سريعاً دونما تسويف وانتظار صدور مراسيم، ولا بد للسلطات السورية من السماح بالتظاهر السلمي حتى تفرز شباباً قادرين على الحوار إذا بقىت فسحة ما للحوار للوصول إلى بر الأمان، ولا بد من دمج البعثيين في المجتمع بعدما صاروا شلة منغلقة على نفسها».

جحا كان يتوقع الحل الأمني وينفي أن تكون التظاهرة قد حققت هدفها أو أوصلت صوتها، لأن «كل التظاهرات في سوريا لا يصل صوتها، ولا تحقق أهدافها، فلو حقق شيء من هذا لما اضطر المتظاهرون إلى النزول إلى الشارع من جديد».

إذاً باختصار، يمكن القول إن التظاهرة تفرقت بدقائق، ومنظموها باتوا ليلتهم في السجن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا ما قبل الأسد-3..د/ هشام الشامي

مركز الدراسات الإستراتيجية لدعم الثورة السورية

دخل إلى الأمم المتحدة حديثة المنشأ، بطربوشه الأحمر وبذته البيضاء الأنيقة... قبل موعد الاجتماع الذي طلبته سوريا من أجل رفع الانتداب الفرنسي عنها بدقائق واتجه مباشرة إلى مقعد المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة وجلس على الكرسي المخصص لفرنسا. بدء السفراء بالتوافد إلى مقر الأمم المتحدة بدون إخفاء دهشتهم من جلوس 'فارس بيك الخوري ' المعروف برجاحة عقله وسعة علمه وثقافته في المقعد المخصص للمندوب الفرنسي، تاركا المقعد المخصص لسوريا فارغا. دخل المندوب الفرنسي بعده، ووجد فارس بيك يحتل مقعد فرنسا في الجلسة... فتوجه إليه وبدأ يخبره أن هذا المقعد مخصص لفرنسا ولهذا وضع أمامه علم فرنسا، وأشار له إلى مكان وجود مقعد سوريا مستدلا عليه بعلم سوريا ولكن فارس بيك لم يحرك ساكنا، بل بقي ينظر إلى ساعته.. دقيقة، اثنتان، خمسة...

استمر المندوب الفرنسي في محاولة 'إفهام' فارس بيك بأن الكرسي المخصص له في الجهة الأخرى ولكن فارس بيك استمر بالتحديق إلى ساعته: عشر دقائق، أحد عشرة دقيقة وبدء صبر المندوب الفرنسي بالنفاذ واستخدم عبارات لاذعة ولكن فارس بيك استمر بالتحديق بساعته، تسع عشرة دقيقة، عشرون، واهتاج المندوب الفرنسي، ولولا حؤول سفراء الأمم الأخرى بينه وبين عنق فارس بيك لكان أمسك بها وخنقه.... وعند الدقيقة الخامسة والعشرين، تنحنح فارس بيك، ووضع ساعته في جيب الجيليه، ووقف بابتسامة عريضة تعلو شفاهه وقال للمندوب الفرنسي:

سعادة السفير، جلست على مقعدك لمدة خمس وعشرين دقيقة فكدت تقتلني غضبا وحنقا، سوريا استحملت سفالة جنودكم خمس وعشرين سنة، وآن لها أن تستقيل. في هذه الجلسة نالت سوريا استقلالها ، و جلا الجنود الفرنسيون عن أرضها.

أما في 8 آب أغسطس1920، فأقيمت مأدبةٌ في قصر المهاجرين – القصر الجمهوري الحالي – حضرها وزراءُ ثاني حكومة شكَّلها الفيصليون وعددٌ كبير من وجهاء المدينة. أخذ غورو القائد الفرنسي المغرور يمتدح منظر دمشق وغوطتها أثناء الطعام، ثم أجال نظره في القاعة التي هم فيها، وكأنه أراد التهكم والاستخفاف بالملك فيصل فقال: "أهذا هو القصر الذي سكنه فيصل؟" فأجابه فارس: "نعم، يا صاحب الفخامة، هذا هو القصر الذي سكنه الملك فيصل، وقد بناه والٍ عثماني اسمه ناظم باشا، ثم حلَّ فيه جمال باشا، ثم الجنرال ألنبي، والآن تحلُّونه فخامتكم. وجميع مَن ذكرتُهم أكلنا معهم في نفس القاعة، وكلهم رحلوا، وبقي القصر وبقينا نحن." سمع الجنرال غورو هذه العبارة فصمت، ووجم كلُّ مَن كان حول المائدة، ولم ينطق أحد حتى انتهاء المأدبة. وكان الشيخ تاج الدين الحسيني حاضرًا، فقال لفارس بعد الحفلة: "منذ هذا اليوم انتحرت، ولن تقوم لك قائمة مع الفرنسيين." فيجيب فارس: "وأنا أيضًا لم أرغب أن تقوم لي قائمة، وإنما هي معركة ولن تنتهي حتى يرحلوا.

أما عن رأيه في الإسلام فقد أدلى به أكثر من مرة:

- (.. يمكن تطبيق الإسلام كنظام دون الحاجة للإعلان عنه أنه إسلام). (… لا يمكننا محاربة النظريات الهدامة التي تهدد كلاّ من المسيحية والإسلام إلا بالإسلام). (… لو خيرت بين الإسلام وبين الشيوعية لاخترت الإسلام). (… هذا هو إيماني. أنا مؤمن بالإسلام وبصلاحه لتنظيم أحوال المجتمع العربي وقوته في الوقوف بوجه كل المبادئ والنظريات الأجنبية مهما بلغ من اعتداد القائمين عليها. لقد قلت ولازلت أقول، لا يمكن مكافحة الشيوعية والاشتراكية مكافحة جدية إلا بالإسلام، والإسلام وحده هو القادر على هدمها ودحرها).

لقد كان فارس الخوري متجرداً في أحكامه، عميقاً في تفكيره، صائباً في نظرته، وقد جره هذا الإنصاف لأن يقول عن (الإسلام) الذي درسه وتعمق فيه أنه محققاً للعدالة الاجتماعية بين بني البشر. ويؤثر عنه كثير ممن عاشره حبه للإسلام وتعلقه به عقيدة وشريعة، وكثيراً ما أسر باعتقاده هذا إلى زائريه ومخلصيه.

فلننظر إلى هذا الإنسان العادل المتجرد حتى في مواقفه السياسية : فأثناء ترؤس فارس الخوري الحكومة عام 1954 أقدمت محكمة الثورة المصرية بعهد عبد الناصر على إصدار الحكم بالإعدام على ستة من زعماء جماعة الإخوان المسلمين المصرية فعمّت المظاهرات العارمة كافة المحافظات السورية احتجاجا على ذلك، قام فارس الخوري بالاتصال بجمال عبد الناصر ومما قاله في مناشدة المسئولين المصريين: " إنني أضع كرامتي وكرامة حكومتي مقابل إسقاط الحكم والإفراج عن المحكومين من جماعة الإخوان المسلمين ، ولكن السلطات المصرية لم تستجب له (كما لم تستجب لكافة الدعوات الشعبية و الحكومية ) ، رغم الذكريات الخالدة في أذهان المصريين عن هذا الرجل و دفاعه عنهم في المحافل الدولية كما سنرى في سيرته ، و قد تركت هذه الحادثة أثراً في نفسه بقي معه حتى وفاته 0

و قد حافظ سهيل ابن فارس الخوري الوحيد على إرث أبيه في مواقفه المتجردة من الطائفية ففي عام 1957 حصلت انتخابات تكميلية في دمشق على مقعد شاغر في مجلس النوّاب بعد وفاة شاغله الأصلي، فتنافس على المقعد مرشّح الحكومة اليساري البعثي والمرشح الإسلامي مصطفى السباعي، فوقف سهيل فارس الخوري ( والد الروائية المعروفة كوليت ) داعما قويّا للدكتور مصطفى السباعي.

أما عن تعلقه بلغته العربية فقد كان شاعراً وطنياً و أديباً متميزاً و لولا انشغاله بالسياسة و الاقتصاد و الشؤون الوطنية و القومية لكان أحد أكبر الأدباء في زمانه و كان يحرص على الفصحى تكلماً و سماعاً و لتبيان ذلك نذكر هذه القصة الطريفة من احدى جلسات مجلس النواب الذي كان يرأسه والذي كان فيه العديد من النواب العوام قليلي الثقافة ، فوقف أحد هؤلاء يخطب و يقول :حضرات النواب المحترمون 0 فصحح له فارس ، بل قل : حضرات النواب المحترمين ، فصحح النائب ثم تابع وقال : كان النواب المحترمين ، فقاطعه فارس بيك قائلاُ : بل قل : كان النواب المحترمون 0 هنا غضب النائب العامي وقال عندما قلت محترمون خطأتني وقلت محترمين 0اتسخر مني يا بيك ،ماذا تريدني أن أقول ، محترمون أم محترمين 0 فأجابه فارس بيك : لا ، لكن هكذا يريد سيباويه.

فمن هو فارس الخوري :

ولد فارس يعقوب الخوري في قرية الكفير ( حاصبيا –لبنان) في 20تشرين ثاني 1873م. لوالد مسيحي بروتستانتي، كان يعمل نجاراً ، والدته حميدة عقيل الفاخوري ابنة رجل قضى في مذبحة عام 1860 بين الدروز والمسيحيين. كانت مهتمة بابنها البكر فارس كل الاهتمام وتخطت كل المصاعب من أجل تعليمه.

تلقى فارس الخوري علومه الابتدائية في مدرسة القرية، ثم بالمدرسة الأمريكية في صيدا، ولما كان متفوقاً على أقرانه فقد عينه المرسلون الأمريكان معلماً في مدرستهم الابتدائية في زحلة.

دخل فارس الكلية الإنجيلية السورية، والتي سميت بعد ذلك (الجامعة الأمريكية) ببيروت. وحصل على شهادة بكالوريوس في العلوم عام 1897.

دعي فارس الخوري لإدارة المدارس الأرثوذكسية في دمشق، ولإعطاء بعض الدروس في مدرسة تجهيز عنبر. ثم عُين ترجماناً للقنصلية البريطانية (1902 1908) حيث أكسبته وظيفته الجديدة نوعاً من الحماية ضد استبداد الحكم العثماني.

لم يترك فارس الخوري الدرس والتحصيل، بل ظل منكباً على الدراسة والمطالعة فدرس اللغتين الفرنسية والتركية لوحده دون معلم وبرع فيهما، كما أنه أخذ يطالع الحقوق لنفسه، وامتهن المحاماة، وتقدم بفحص معادلة الليسانس بالحقوق فنالها. في عام 1908م انتسب لجمعية الاتحاد والترقي فكان هذا أول عهده بالسياسة.

انتخب فارس الخوري سنة 1914 نائباً عن دمشق في مجلس المبعوثان العثماني. وفي سنة 1916 سجنه جمال باشا بتهمة التآمر على الدولة العثمانية، لكنه بُرئ ونفي إلى استانبول، حيث مارس التجارة هناك.

عاد فارس الخوري إلى دمشق بعد انفصال سوريا عن الحكم العثماني. وفي عام 1919 عُين عضواً في مجلس الشورى الذي اقترح على الشريف فيصل تأسيسه، كما سعى فارس مع عدد من رفاقه إلى تأسيس معهد الحقوق العربي، وكان هو أحد أساتذته، كما اشترك في تأسيس المجمع العلمي العربي بدمشق.

تولى فارس الخوري وزارة المالية في الوزارات الثلاث التي تألفت خلال العهد الفيصلي. وعلى إثر احتلال الفرنسيين لسوريا عام 1920 انصرف الخوري إلى العمل الحر كمحام. ثم انتخب نقيباً للمحامين واستمر خمس سنوات متتاليات، كما عُين حقوقياً لبلدية دمشق، وعين أستاذاً في معهد الحقوق العربي لتدريس مادتي أصول المالية وأصول المحاكمات الحقوقية. لفارس الخوري ثلاث مؤلفات في القانون هي: (أصول المحاكمات الحقوقية) و(موجز في علم المالية) و(صك الجزاء).

أسس فارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر وعدد من الوطنيين في سوريا حزب الشعب رداً على استبداد السلطة الفرنسية... ولما نشأت الثورة الفرنسية عام 1925 اعتقل فارس الخوري وآخرون ونفوا إلى معتقل أرواد.

في عام 1926 نفي فارس الخوري إلى خارج سورية بسبب استقالته من منصب وزير المعارف في حكومة الداماد أحمد نامي بك احتجاجاً على سوء نوايا الفرنسيين.

شارك فارس الخوري وعدد من الوطنيين في تأسيس الكتلة الوطنية، وكان نائباً لرئيسها يضع القرارات ويكتب منشوراتها، وهذه الكتلة قادت حركة المعارضة والمقاومة ضد الفرنسيين، وكانت من أكثر الهيئات السياسة توفيقاً وفوزاً مدة تقارب العشرين عاماً.

على أثر الإضراب الستيني الذي عم سوريا عام 1936 للمطالبة بإلغاء الانتداب الفرنسي تم الاتفاق على عقد معاهدة بين سوريا وفرنسا، ويقوم وفد بالمفاوضة لأجلها في باريس، فكان فارس الخوري أحد أعضاء هذا الوفد ونائباً لرئيسه.

انتخب فارس الخوري رئيساً للمجلس النيابي السوري عام 1936 ومرة أخرى عام 1943، كما تولى رئاسة مجلس الوزراء السوري ووزيراً للمعارف والداخلية في تشرين أول عام 1944... وكان لتولي فارس الخوري رئاسة السلطة التنفيذية في البلد السوري المسلم وهو رجل مسيحي صدى عظيم فقد جاء في الصحف الغربية : (... وأن مجيئه إلى رئاسة الوزراء وهو مسيحي بروتستانتي يشكل سابقة في تاريخ سورية الحديث بإسناد السلطة التنفيذية إلى رجل غير مسلم، مما يدل على ما بلغته سورية من النضوج القومي، كما أنه يدل على ما اتصف به رئيس الدولة من حكمة وجدارة). وقد أعاد تشكيل وزارته ثلاث مرات في ظل تولي شكري القوتلي رئاسة الجمهورية السورية.

في عام 1945 ترأس فارس الخوري الوفد السوري الذي كُلّف ببحث قضية جلاء الفرنسيين عن سوريا أمام منظمة الأمم المتحدة، التي تم تأسيسها في نفس العام، حيث اشترك الخوري بتوقيع ميثاق الأمم المتحدة نيابة عن سورية كعضو مؤسس.

كما ألقى الخوري خطبة في المؤتمر المنعقد في دورته الأولى نالت تقدير العالم وإعجابه. حيث أبدى فيها استعداد سورية وشقيقاتها العربيات لتلبية نداء البشرية من أجل تفاهم متبادل أتم، وتعاون أوثق، كما تحدث فيها عن خطورة المهمة الملقاة على عاتق المؤتمر، وأظهر تفاؤله في إمكانية تحقيق الفكرة السامية التي تهدف إليها المنظمة العالمية. وبناء على جهوده فقد منحته جامعة كاليفورنيا (الدكتوراه الفخرية) في الخدمة الخارجية اعترافاً بمآثره العظيمة في حقل العلاقات الدولية.

‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍انتخب فارس الخوري عضواً في مجلس الأمن الدولي (1947 1948)، كما أصبح رئيساً له في آب 1947، وقد اهتم بالقضية الفلسطينية اهتماماً خاصاً، وأكد رفض الدول العربية إقامة دولة لليهود فيها. كما شرح القضية المصرية وطالب بجلاء الإنجليز عن أراضيها، وأكد على السلام العالمي وطالب بإنهاء تنافس الدول الكبرى، وحذر من وقوع حرب ذرية مدمرة. ولطالما ضجت هيئة الأمم بخطبه ومناقشاته باللغة الإنجليزية من أجل نصرة الحق في القضية العربية.

عاد فارس الخوري إلى بلاده بعد انتهاء عضوية سورية في مجلس الأمن الدولي، وكان قد انتخب رئيساً للمجلس النيابي لعام 1947 عندما كان يمثل سورية في مجلس الأمن. ولكن عندما حل هذا المجلس على أثر الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم ثابر فارس الخوري على عمله في الحقل الدولي، وترأس الوفود السورية إلى هيئة الأمم متابعاً نضاله ودفاعه عن القضايا العربية.

في عام 1954 طلب رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي من فارس الخوري تشكيل حكومة سورية، لكن الوزارة الرابعة التي شكلها لم تستمر سوى أشهر معدودة0

بعد ذلك اعتكف فارس الخوري في منزله.. يذهب مرة كل عام إلى جنيف ليشترك في جلسات لجنة القانون الدولي التي هو عضو فيها. وأقيمت الوحدة بين سورية ومصر ولم يكن للأستاذ فارس الخوري أي رأي بقيامها أو بانهيارها.

في 22 شباط 1960، أصيب فارس الخوري بكسر في عنق فخذه الأيسر بغرفة نومه، وكان يعاني من آلام المرض الشديد في مستشفى السادات بدمشق، حينما منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من قبل الرئيس جمال عبد الناصر بناء على توصية المجلس الأعلى للعلوم والفنون.

ترجل هذا الفارس العظيم عن خيله العربي الأصيل و كانت وفاته مساء الثلاثاء 2 كانون الثاني يناير1962، في مستشفى السادات بدمشق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورات بين الشباب والعلماء والمعارضين .. ثورة شعب سورية نموذجا.. نبيل شبيب

عذرا للقارئ.. فلا بد من كلمات من قبيل التوطئة قبل الدخول في صلب ما يقول به نص العنوان، فليس في الفقرات التالية تحليل إعلامي دقيق، ولا رأي من قبيل التعليق على حدث بعينه، إنّما هي خواطر من قبيل تداعيات الأفكار، ولئن دارت حول سورية وثورة شعبها، فهي تنطلق من أن شعب سورية جزء من الأمة لا ينفصل عنها، وأن ثورته كثورات الشعوب الأخرى، منطلقاتها واحدة، وضروراتها مشتركة، وغاياتها متماثلة، وانتصارها -جميعا- محتّم بإذن الله، وإن تعدّدت المسارات وتباينت التفاصيل.. بسبب المعطيات الواقعية، أي المنبثقة عن واقع التجزئة عبر عشرات السنين الماضيات، وهي تجزئة تعكس تشبّث الأنظمة الناشئة على أرض الأوطان بما خلّفه تنفيذ مخططات المستعمر، عدوّ الشعوب والأوطان.

ويأتي الاعتذار مسبقا فينسكب مع هذه الخواطر والأفكار عبر القلم، إذ تأتي دون ضبط منهجي، فهي لا تشمل جميع ما ينبغي أن يقال، ولا تخلو من ذكر جوانب قد يوجد أهمّ منها ولا يُذكر، كما أنّها لا تخلو من بعض الرؤى والمشاعر الشخصية البحتة.

-1-

إنّما دفع إلى تسجيل هذه الخواطر والأفكار بعض الأمور الجوهرية للغاية التي انطوت عليها أجواء من عالم الواقع ومجرى الأحداث، ممّا يعايشه ويواكبه كاتب هذه السطور، باعتباره فردا من الأفراد، يمتد بصره مع خفقات قلبه ليعانق الشباب من أهله في أرض الوطن الذي حُرم منه هو وكثير من أمثاله لزمن طويل، فلا يملك عبرات عينيه إزاء القامات العملاقة لشباب الثورة وهم يقدّمون ما يرتفع بهم إلى أسمى مقام في هذه الثورة الأبية في سورية الأبية، وهي منتصرة بإذن الله، آجلا لا عاجلا..

كما أنّه لا يملك إلا أن يُخفض بصره إجلالا واحتراما للمخلصين من كبار علماء هذا الشعب وهذه الأمة، وهذا بعض ما يعرفه من قبل عنهم، وما رأى بعض تجلياته رأي العين أثناء مشاركته في مؤتمر العلماء المسلمين لنصرة الشعب السوري في اسطنبول (13 و14/7/2011م)..

كما يلوح بريق من الأمل في بصره إزاء كلّ من يتحرّك -رغم ثقل إرث الحقبة الماضية بمختلف المعايير ولمختلف الأسباب- كي يرتفع بنفسه إلى مستوى تلبية احتياجات الشعب وثورته، والمقصود ما بات يوصف بالمعارضة التقليدية تارة، والناشطين السياسيين أو الحقوقيين أو المعارضين تارة أخرى، ومن هؤلاء ما تابعه كاتب هذه السطور مباشرة من جهود كوكبة من المخلصين في فترة الإعداد لمؤتمر الإنقاذ الوطني في اسطنبول، الذي يشارك فيه (16/7/2011م)، ويُرجى أن ينجم عنه ما يؤمل منه بقدر ما يحمل من المسؤولية الجسيمة والأمانة الثقيلة لأدائه.

-2-

قبل سرد الخاطرة الأولى حول كلمات صدرت عن أستاذي الجليل عصام العطار.. أقف هنيهة عند سؤال طرحه عليّ أحد الأحبة مرة: علام أقول أستاذي الجليل أحيانا، بينما لا أضيف إلى اسمه لقبا من الألقاب، كالداعية الكبير، والشيخ الجليل، والعالم الأديب، أو سوى ذلك مما يعبّر عن بعض جوانب شخصيته وحياته وعطاءاته، بل أذكر اسمه عصام العطار، هكذا مجرّدا في غالب الأحيان، كلّما تطلب الحديث في أحد المواضيع ذكره!..

وقد أجبتفي حينه: أقول ببساطة أستاذي الجليل عند ذكر أمرٍ يمس جانبا شخصيا، فهذا ما يصف العلاقة الشخصية لي به، مع إدراك أن نسبة الاستفادة من مثل هذه العلاقة مرتبطة بجهد التلميذ وليس عطاء الأستاذ فقط.

أما فيما عدا ذلك فأعتقد أن الاسم يكفي، إذ أصبح هو العنوان والمضمون لِجميع ما يراد قوله عبر الألقاب، دون أن يكون تعدادها كافيا ووافيا للتعبير عما يراد قوله فعلا!.

ذاك بعض ما كان يجول في نفسي وأحيانا في بعض ما يترقرق في عينيّ، وأنا أرى أستاذي الجليل يقف بصعوبة بالغة وقد ناء بظهره ثقل 85 عاما ونيف، وما ناء بهامته ثقل جميع ما لاقاه في حياته منذ تحرّكه في درب الدعوة وهو دون السادسة عشرة، إلى أن أصبح يخطب فينصت إليه كبار العلماء الأجلاّء في سورية مع جماهير شعبها الأبيّ، ثم من بعدُ على امتداد حياته الحافلة بمواصلة العطاء والجهاد منذ بداية حياة الترحال في غربته القسرية، منذ عام 1964م.. أي منذ 47 سنة!..

إن مكانة العلماء وتأثيرهم والثقة بهم والأخذ بما يقولون، جميع ذلك مرتبط ارتباطا وثيقا بثبات العلماء.. وهذا بالذات ما كنت أراه على ذلك المنبر في اسطنبول يوم 13/7/2011م، فلم أكن أسمع كلمات عصام العطار في تلك اللحظة، بل أسمع موقفا قويا راسخا كالجبال، على لسان ابن الخامسة والثمانين، يعبر عشرات السنين الماضيات فيتصل اتصالا مباشرا بذلك الموقف القوي الراسخ كالجبال، على لسان ابن الخامسة والثلاثين، في يوم جمعة، في جامعة دمشق، كان أوّل يوم أسمع فيه خطبة يلقيها أستاذي الجليل، قبل 49 سنة، بعد انقلاب عبد الكريم النحلاوي (28/3/1962م) واستلام بشير العظمة لرئاسة الحكومة (16/4/1962م)، وقد أنذر الخطيب الذي رضيت بمواقفه جماهير شعب سورية وقياداتها وعلماؤها.. أنذر بإسقاط الحكومة، واستقالت الحكومة قبل حلول موعد خطبة الجمعة التال

-3-

في ختام كلمته الأولى في مؤتمر العلماء المسلمين لنصرة الشعب السوري، وجّه عصام العطار تحيّة إجلال وتقدير إلى شباب سورية الذين يصنعون "ثورتنا" وتحيّة إجلال وتقدير إلى شيوخ سورية منوّها بهيثم المالح "الجالس بيننا".

ورأيت -كما لم أرَ من قبل- ما تعنيه أضلاع ذلك المثلث في "نسيج شعب سورية" ومن خلال ذلك في واقع ثورة شعب سورية، ومسار الثورة على أرض سورية، ومستقبل سورية من خلال انتصار هذه الثورة، ولقد جسّد أضلاعَه الثلاثة، على أرضية الثورة:

(1) موقف للعلماء يعقد عرى رابطة سورية ماضيا وحاضرا ومستقبلا..

(2) بطولات شعب ثائر مع قياداته الشبابية في الميدان..

(3) جهود متواصلة متكاملة يرجى لها أن تفضي إلى تثبيت ما يعمل له المخلصون من ناشطين ومعارضين، صادقين ثابتين داخل الحدود، وصادقين مشرّدين خارج الحدود، من أجل ضبط المسار على نهج الثورة وحفظ ثمراتها التي ترويها دماء الضحايا وآلام المعاناة.

-4-

إنّ ما يعزّز الثقة الشعبية، على مستوى شباب الثورة، وخنساوات الثورة، ورجالات الثورة، بمكانة العلماء، هو صدق مواقف العلماء، التي تُغيّب -كما تغيّب شعلة النور دياجير الظلمة- جميع ما يصدر من مواقف تُنسب إلى العلم زورا، وتسيء إلى موقعه ودوره واقعا مشهودا، وقد تعمّم على العلماء دون وجه حقّ، فالعالم الحقّ هو العالم الذي يصدع بكلمة الحق ويبيّن ضوابط الطريق، فلا يخشى في كلمته إلا الله، ولا يجامل فيها طاغية يتجبّر، ولا ينحرف فيها عن درب الحق الأبلج.

هذا ممّا جعل فعاليات مؤتمر العلماء المسلمين لنصرة الشعب السوري تخترق الحواجز والحدود جميعا إلى قلوب من تجاوب معها من الشباب ومن مختلف الأعمار في قلب سورية..

وهذا ممّا جعل كلمة الحق فيه عروةً وثقى تصل ما بين مراحل ثلاثة من مسار الثورة، يرمز إلى أولاها المسجد العمري في درعا الثائرة الأبية الصامدة (الذي يشهد ساعة كتابة هذه السطور في جمعة أسرى الحرية.. مواصلة الثورة وإطلاق نار كثيف من جانب طغيان عاجز عن إخمادها وهو يعلم أنه ساقط لا محالة) ويرمز إلى المرحلة الثانية موقف التحدي الصادق بقوّة الحق الصادر عن علماء مدينة حمص الثائرة الأبية الصامدة (التي تشهد ساعة كتابة هذه السطور جولة أخرى من جولات الصدور الأبية العارية في مواجهة الدبابات والشبيحة المتعبة) مثلما يرمز إلى المرحلة الثالثة تلاقي علماء أجلاّء من أقطار إسلامية عديدة على كلمة الحق الواحدة، مع ثورة الحقّ في سورية، في لقائهم الذي انعقد في اسطنبول على وقع الخطوات الحاسمة قبيل جمعة "أسرى الحري

-5-

يجب أن يكون الحرص كبيرا.. كبيرا.. لا ينقطع ولا يتراجع على تكامل الأضلاع الثلاثة للمثلث الواحد..

لا يغني دور العلماء وحده عن دور الشباب ودور الناشطين..

ولا يغني دور الشباب عن دور العلماء ودور الناشطين..

ولا يغني دور الناشطين عن دور الشباب ودور العلماء..

ولا يغني أحد عن الأرضية الشعبية الجامعة لهذه الأضلاع الثلاثة في مواجهة مثلث الاستبداد والفساد والأتباع.

إن انتصار ثورة شعب سورية رهن بتلاقي مهمّة العلماء صدعا بكلمة الحق في وجه الطاغوت وكلمة البيان لضمانات الثبات على الحق بما يجمع جميع أطياف الشعب الواحد، بمختلف انتماءاته العقدية وغير العقدية، وبمختلف توجهاته واجتهاداته، في الحاضنة الحضارية المشتركة لترسيخ الكرامة والحرية والعدالة على كل صعيد في واقع بلادنا ومستقبلها..

وإن انتصار ثورة شعب سورية رهن بتلك البطولات السامقة مع هامات الشباب الذين يصنعون الثورة ويمضون بها بعزيمة لا تلين من قمة إلى قمة نحو النصر الموعود والمستقبل المنشود بإذن الله عز وجل..

وإن انتصار ثورة شعب سورية رهن بالحرص الأكبر على عدم ضياع التضحيات الجسيمة الغالية، من خلال تلاقي الناشطين على رؤية مستقبلية لا تفسح مجالا لتكرار ممارسات الإقصاء والاستئصال، والعداء والتخوين، ولا لاقتناص الفرص على حساب الإرادة الشعبية الجامعة، وهذا بالذات ما يحمل الناشطون من مختلف الأطياف المسؤولية عن تحقيقه عبر وضع الأسس والقواعد الضرورية له، جنبا إلى جنب مع ما يصنعه الثوار بأجسادهم وبطولاتهم، ويدعو إليه العلماء بالإخلاص في مواقفهم..

ولئن أخذ مؤتمر الإنقاذ الوطني في اسطنبول ودمشق (16/7/2011م) على عاتقه هذه المهمة، أو جانبا كبيرا من هذه المهمة، فهذا ما يرجى أن تعطي نتائجه ما يؤكّد القدرة على النهوض بهذه المهمة.. وآنذاك يجد ذلك مزيدا من الخواطر والأفكار في حديث آخر إن شاء الله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مخطيء من ظن أن للثعلب ديناً.. نبيل العربي مثالاً ..احمد النعيمي

Ahmeeed_asd@hotmail.com

اشتهر الثعلب من بين الحيوانات بالمكر والخداع والتلون، حاله حال كثير من بني البشر الذين عرفوا بخداعهم ومكرهم وتقلباتهم ووجوههم الكثيرة، يميلون مع القوة حيث تميل، تدفعهم انانيتهم ليكونوا كل يوم في اصحاب مواقف مختلفة، يختبئون وراء شهواتهم ونزواتهم يحسبون أن لا أحد يراهم أو يسمعهم، يعطونك من طرف اللسان حلاوة ويروغون منك كما يروغ الثعلب، ومن هؤلاء "نبيل العربي" الذي تسلق ظهر الثورة بعد أن راى موجها قد اقتلع حسني من جذوره، فركب الموجة واطصف بصف الشعب حتى وصل الى رئاسة وزارة الخارجية، ومن ثم أميناً عاماً للجامعة العربية، وبعد ان وصل إلى ما وصل إليه عاد الى التلون من جديد وكشف حقيقة نفسه وفضح خباياها، ناسياً أن حبل الخداع قصير، وذلك بزيارته الى سوريا ولقائه الأسد الفاقد للشرعية، ليعلن من هناك بأن الاسد هو رئيس سوريا الشرعي ولا يحق لأحد ان ينزع الشرعية من زعيم!! ومؤكداً لرفيقه في الخيانة والتامر مع الصهاينة والحماية لحدودهم بأنهم اصدقاء خيانة طويلة وصداقة مليئة بالعمالة وأنهم لن يتخلوا عنه أبداً!!

ومن أرض سوريا الحبيبة التي تنزف أرضها دماً، وعلى تراب دمشق الابية عاصمة الاسلام وعاصمة بني امية وقف الثعلب "نبيل العربي" مادحاً المجرم القاتل بشار، ومففخراً بنظامه البعثي، ومقدماً له القبلات والتحيات، ومؤكدا ان سوريا دخلت مرحلة الاصلاحات، دون اي احترام لدماء الشعب السوري التي اريقيت ولا زالت تراق.

 وقف ليبرز شخصيته الحقيقية شخصية العمالة، وليظهر أن الانظمة العربية قد تربت على يد الموساد الصهيوني، سواءً المنبطح منها أم الذي يدعي كذباً الصمود والمقاومة، لدرجة أن الصهاينة يصلون للرب من أجل بقاء هذا النظام حاميا لحدودهم، ويطالبون الدول الغربية بعدم الضغط عليه، وهو الذي لم يلو جهداً بهذا العمل وهو ينوء بهذه الامانة طيلة عقوده الأربعة الماضية.

وقف ليؤكد أنه بريء من العرب والعروبة وبريء من الاسلام والمسلمين، وليثبت ما قاله من قبله نائبه بن حلي: " بأن الجامعة العربية قد خلقت لتسيير مصالح الحكام، وليس لتسيير مصالح الشعوب!!".

هذا الموقف المخزي والمحزن جاء من رجل يدعي أنه يمثل جامعة تنسب نفسها للعرب، ولذا كان من الواجب بعد هذا اليوم أن نسمي الاشياء باسمائها، فهذا الرجل الخائن لدماء المسلمين ليس جديراً بأن يكون اميناً على العرب والمسلمين، وهو من الذين قال الله فيهم:" صم بكم عمي فهم لا يرجعون" لأنه كان مصراً على أن يظهر بمظهر الذي لا يسمع ولا يرى ولا يعلم ما يحدث بسوريا من مجازر ومذابح، ولسان حاله يقول للمجرم بشار: " نحن سعداء بما قدمت للشعب السوري من اصلاحات، ومبهورون بما انجزت من قتل للمتظاهرين وسحق لهم، لأن هذا الشعب لا يحترم سيدتنا اسرائيل، وسيعمل على تنغيص علاقاتنا معها، لذا فان اصلاحاتك التي قدمتها لهم نالت على اعجابنا، فلك كل الاحترام والتقدير، فقد قدمت لنا ما لم يستطيع تقديمه حسني او زين العابدين.

ومن منطلق الاخوة والعروبة والاسلام نناشد اخوتنا في مصر الكنانة أن لا يرجعوا عن اعتصامهم حتى يعملوا على اقتلاع باقي اذناب نظام حسني المجرم، وتطهير بلاد الكنانة من اذناب الصهاينة واذناب دول الصمود، وأن يعتصموا امام الجامعة العربية حتى يسقط هذا الخائن، والحقيقة تقول: إذا لم ينظف الجرح ويطهر تطهيراً كاملاً، فإنه بعد أن يندمل قليلاً لا يلبث إلا ويعود للانتكاس من جديد، ويصبح الألم أشد من ذي قبل، وتعود رؤوس الخيانة تشرئب من جديد.

والواجب علينا كشعوب عربية واسلامية أن يكون مطلبنا اليوم وفي المستقبل ولحين تحقيق هذا الامر، بأن نعمل على هدم هذا الصرح الكاذب والخائن، ونقيم مكانه صرحا نسميه بجامعة الشعوب العربية والاسلامية، لأن صرحاً لا يهتم بشعبه ولا يعطيه أي اهمية أو احترام وهو يتسمى باسمهم كذبا وزوراً، لا يستحق أن يكون له وجود، وهو أكثر جدراة بأن يهدم من أساسه!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إبراهيم قاشوش رمزاً للثورة السورية.. ناجي حسين

المركز الإعلامي

أغنية "ارحل يا بشار" التي غناها ملايين السوريين في الشوارع "يا بشار ومانّك منّا.. خود ماهر وارحل عنّا.. شرعيتك سقطت عنا ويلا ارحل يا بشار.. يا بشار ويا كذاب.. وتضرب أنت وهالخطاب.. الحريّة صارت عالباب.. ويلا ارحل يا بشار"، أغنية رددتها حناجر آلاف المتظاهرين في مدينة حماة السورية التي شهدت أكبر تظاهرة مليونية تطالب بإسقاط نظام (الأسد) لقبه الحقيقي الوحش في "جمعة ارحل"، وكتب كلماتها الشاب السوري إبراهيم قاشوش الذي صار رمزاً للثورة وصدح بصوته في ليالي مدينة حماة مطالباً بالحرية والكرامة.

الشهيد قاشوش لم يحمل السلاح ولم ينضم إلى "العصابات المسلحة" لكن صوته أزعج النظام السوري فقرر كتمه إلى الأبد، ليعثر على جثته ملقاة مساء 6 تموز الجاري في نهر العاصي وقد قطع نصف رقبته واستئصلت حنجرته من الوريد إلى الوريد.

وأكد أصدقاء "بلبل الثورة السورية"، كما يحلو لمحبيه تسميته، أنه قاد "عراضة حموية" في جمعة ارحل الشهيرة وصدح بأهازيج ثورية ألهبت حماسة الملايين من المتظاهرين وفي صبيحة يوم الأحد 3 تموز الجاري خرج متوجهاً لعمله لكنه تعرض لعملية اختطاف من قبل قوات الأمن ليعثر عليه بعد ذلك مرمياً في نهر العاصي بعد قطع رقبته بسكين. تبين أنها عائدة ل"بلبل الثورة السورية" إبراهيم قاشوش صاحب أغنية "ارحل يا بشار" التي غناها ملايين السوريين في الشوارع ليل نهار، ولا سيما في "جمعة ارحل".

اللافت أن قاشوش ذبح من حنجرته واقتعلت الحنجرة من مكانها ثم رميت الجثة في العاصي. وكان في طريقة ذبح قاشوش ما يذكرنا بما جرى لسليم اللوزي أيام الوحش (الأسد) الأب، أي قبل 31 عاماً. في الرابع من آذار 1980، حينما عثر عليها راعي في منطقة عرمون يتسلق مرتفعات المنطقة إذا به يعثر على جثة... كان لافتاً أنها كانت لرجل في منتصف العمر، وأوضح الراعي أن إحدى يدي الضحية كانت متحللة. كان هذا سليم اللوزي أحد عمالقة الصحافة العربية لثلاثة عقود. كان قد خطف قبل ذلك بثمانية أيام على طريق المطار وهو يهم بمغادرة لبنان بعدما حضر لتقبل التعازي بوفاة والدته و(كان مقيماً في لندن). كان اللوزي يصدر مجلة الحوادث من لندن بسبب الحرب في لبنان. وحاول الرئيس الراحل ياسر عرفات العثور عليه لأنه كما نقل عنه "في ما بعد" كان يعرف أن قرار تصفية سليم اللوزي اتخذ، ولن يقدر على إنقاذه. أسرّ الرئيس عرفات لعدد من أصدقائه الصحافيين اللبنانيين بعد ذلك، أن قرار اغتيال سليم اللوزي اتخذ في دمشق على أعلى مستوى، ونفذته منظمة "الصاعقة" بقيادة زهير محسن. كان سليم اللوزي تميز بمقالاته المعارضة للنظام السوري، وقد اغتيل شقيقه مصطفى لهذا السبب في طرابلس. وبدل أن يتراجع ويستكين قرر اللوزي المواجهة، فكتب إحدى أجمل المقالات في رثاء شقيقه مصطفى وكأنها تتضمن استشرافا لاغتياله ووصية سياسية لما بعد اغتياله. وختم المقالة بهذه الكلمات: "وغداً إذا نجحت المخابرات العسكرية في تنفيذ الحكم الذي أصدرته باغتيالي، وهي قادرة على ذلك بوسائلها المختلفة، فإني أكون قد استحققت هذا المصير، وعزاء زوجتي وبناتي وأولاد مصطفى التسعة أنني أحببت بلدي وأخلصت لمهنتي".

وتأخذني باللافتات التي رفعت في حماه قبل أيام حاملة شعار "حافظ قتل جدي سنة 1982، وبشار قتل والدي سنة 2011" ما يعكس صورة حقيقية لمأساة شعب عاش أكثر من أربعة عقود في ظل ستالينية دموية. وها هو يثور اليوم ويقينه أن لا عودة إلى الوراء. وأن الفرصة التاريخية إما أن تفضي إلى الحرية والكرامة أو يستمر هذا النهج الذي أحرق يد سليم اللوزي قبل ثلاثة عقود، واقتلع حنجرة إبراهيم قاشوش... إلى ما لا نهاية.

عرف اللوزي أنه وضع على لائحة الاغتيالات ولم يغير قيد أنملة في مواقفه. ولما عُثر على جثته كانت يده التي يكتب بها محروقة متحللة من أسفلها بفعل مادة الأسيد التي وضعت فيها فترة لتذويبها. كانت رسالة القتلة بتذويب يد سليم اللوزي "الجانية" بالأسيد، معاقبة كل الأقلام المعارضة!

لم تكن هناك محاكم دولية كمحكمة رفيق الحريري، تماما مثلما لم تكن من محاكم يوم قتل كمال جنبلاط برصاصات عملاء فرع "المخابرات الجوية السورية" قبل ذلك بثلاث سنوات.

ولم تقل الصور التي بثها ناشطون سوريون على موقع "يوتيوب" لإبراهيم قاشوش فظاعة عن الجرائم التي ارتكبها "الشبيحة" في حق كل سوري خرج مطالباً بالحرية، وقد اتهم أصدقاء له ومحبوه عبر شبكات التواصل الاجتماعي قوات الأمن والشبيحة الأسد بقتله والتنكيل بجثته.

وأكد محبو قاشوش الذين سارعوا لإنشاء أكثر من 12 صفحة عبر "فيسبوك" تخليداً لذكراه، عزمهم على مواصلة ما بدأه رفيقهم والغناء للحرية في ساحات المدن السورية حتى ولو كان ثمن الكلمة الذبح من الوريد إلى الوريد.

ولم تقل الصور التي بثها ناشطون سوريون على موقع "يوتيوب" للطفل حمزة الخطيب والتمثيل بجثته قطعوا ذكر الشهيد حمزة الخطيب.. أما الشهيد إبراهيم قاشوش فقد نشر أهازيجه في الثورة وردد خلفه العالم كله بصوته الثوري. بسوريا في ٢٢ مليون إبراهيم. الفكرة والأغنية لا تموت بموت صاحبها لا يقوم بهذه الأفعال سوى الذي له عرق قذر من الدولة الفارسية إيران وأذنابها في منطقة الخضراء وحقدهما على الأمة العربية والإسلامية فقد فعلو بأبناء العراق أكثر وأكثر ما لا يتصوره العقل.

متى ستصحون يا أمة العرب والمسلمين وسنقول للمؤيدين قبل المعارضين إننا ثوار الكرامة لن نتراجع حتى ننتزع حريتنا منكم ولو لم يبقى منا أحد سيأتي من بعدنا أطفالنا ومن بعدهم أحفادنا وسيرددون أهازيج إبراهيم قاشوش لكي ينالوا حريتهم المسلوبة ويبنوا دولتهم المدنية الديمقراطية. ثورتنا مستمر حتى ننال حريتنا عاشت سوريا حرة أبية. الثورات العربية بدأت بالبوعزيزي ولن تنتهي بإبراهيم قاشوش.

يُذكر أن مدينة حماة السورية التي شهدت خروج أضخم المظاهرات المناهضة للأسد منذ بدء الاحتجاجات لا تزال محاصرة من قبل قوات الأمن والشبيحة والجيش، وقد نزح المئات من سكانها نحو الجنوب خوفاً من شن الجيش عمليات عسكرية انتقامية على غرار ما وقع في مدينة جسر الشغور ودرعا.

وهكذا ما يحدث في العراق على أيدي عملاء للأمريكان وللنظام الإيراني الصفوي الذي يقطع الحناجر حتى لا يسمع صوت معارض؟ هل يرضى الحسين وعلي وفاطمة الزهراء بقطع الحناجر؟ انتموا إلى وطنكم وكونوا مع الثوار ضد الظلم... النظم القمعية من واقع تركيبتها لا تتعلم وتظل ترتكب الجرائم دون وجود آلية للتعلم. الشهداء هم وقود الثورة وكلما زاد البطش والقتل والتنكيل كلما دفع الشعب للخروج والثورة ثأراً لدم الشهداء ودفعاً للمظالم. النظام السوري وقع ضحية تاريخه الدموي وغير قادر للفكاك منه حتى بمطية المجرم بشار ورث جينات الأب. النظم القمعية تخشي الكلمة أكثر من الرصاص. فالكلمة تخاطب العقول وتنتقل دون حواجز. الجديد أنهم لم يكتفوا بالقتل وأمعنوا في التنكيل باستئصال الحنجرة. أنهم يعادون الصوت الحر حتى منبعه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريون مقاومون في زمن هزيمة النظام.. لافا خالد

المركز الإعلامي

في القاموس السياسي لأيديولوجية عصابة البعث والشبيحة الحاكمة في دمشق (الديمقراطيون أصاحب بدعة.. العلمانيون بقايا زندقة.. الشيوعيون عملاء موسكو.. الأكراد خنجر في خاصرة الأمة.. المسيحيون بقايا جيش صليبي.. أصحاب الجمعة صاعق ومفخخة.. الطفولة في سوريا مؤامرة الغد على حاضرة البعث.. الشباب الجراثيم الفتاكة التي تنخر جسد النظام). في القاموس السياسي لأيديولوجية الشبيحة الحاكمة في دمشق، تم تقسيم الشعب إلى 72 فرقة، أدناهم "كرد مجردين ومكتومين" وأنبلهم "عائلة الأسدين". كل فرق سوريا عاشت ولا تزال في جحيم البعث، عدا القتلة، فهم الناجية بقرار شبيحة الأسد.

دستور جمهوريات القمع يمثل قوة مضاعفة للنظام، لإلغاء إنسانية الإنسان ومصادرة كافة حقوقه، الدستور القمعي يلغي حتى لحظات عودة الوعي وحنين الدكتاتور للحظة قد تمتلك روحه كي يعيش بشراً في لحظة تصالح مع الذات الضائعة. الدستور القمعي يمنع الحاكم من التحرر ويبقيه أسيراً في جوقته وحوله قتلة يهمسون في أذنيه الطويلتين الكبيرتين: سيدي كل شي تمام، فأي حوار تحت خيمة دستور البعث؟. دستور مواده مفخخة، والوطن فيه زنزانة، والأمة قطيع أعيد تشكيله وفق خطاب "قائد الضرورة" في ثامنة مقصلته، وموتنا المعلن، بنص (البعث قائد المجتمع والدولة). قاد البعث المجتمع السوري، فمن اختلف معه تم خلعه من "أمة البعث" ليواجه الموت المحقق ضمن نص العقد المزور اجتماعياً بتهمة (مندس، خائن، مرتبط، متآمر، غوغاء، إرهابي، جراثيم) وكان الطفل حمزة الخطيب إمام المندسين والإرهابيين من وجهة نظر الأسد الذي ارتعش حينما سمع باسم حمزة الخطيب.

* * *

حمزة الخطيب إرهابي خطير، شاغلَ جيش التحرير ونظام المقاومة والممانعة وقلعة العروبة، أرشيفه في دوائر الأمن السياسي بلا سيرة ذاتية لأن المخبر "السري"، "المخصي" لم يمتلك الوقت كي يكتب عنه التقرير. سجله في دوائر المخابرات ومشتقاتها بلا صورة فوتوغرافية لأنه كان أصغر من أن يلتقط صورة، وأكبر من أن يرحل دون يرسم "تراجيديا اللوحة". لم يبقى من جسده سوى شظايا بعد أن تقاسم شبيحة البعث طراوة طفولته وانقضوا على جسده الغض الطاهر, حمزة الخطيب مقاوم في زمن هزيمة النظام، لم يكن يعرف حديث الدبلوماسية أو أدلجة الهزيمة، لم يُزين الخيانة ولم يحاور الشبيحة, كان واضحاً كسنابل القمح في الحسكة شجاعاً كأطفال درعا الممتدة بمساحة الوطن. لم يحاور لأنه يحمل من الوفاء لأقرانه من الشهداء كل الإخلاص، لم يستجدي الشبيحة، لم يبكي بلغة الحوار الوطني، فضل الموت على أن يشتم الوطن ويبصق في جرح الشهداء، كما يفعل البعض من المحاورين تحت خيمة الطاغية بشار هل سمعت بحوار وطني في وطن مستباح، وشبيحة يحكمون حتى في العرين المفترض للأسد؟ من يحكم من؟ ومن يُحاور من؟

* * *

حينما ينزل الشعب ويمتلك الشارع سلطةً ودستوراً، على المسيسين أن يستمعوا لصوت التوحد والموحدين. هل سمع المحاورين ضمن خيمة البعث أو تجاوره أو بديله الأسوأ، نشيد الثورة ببسملة "الشعب يريد" وخاتمة "إسقاط النظام"؟ في الثورة يصرخ الشعب وعلى البقية أن يستمعوا، في الثورة يحكي الشعب أسطورته ويترك طقوس الاستماع وحديث المحلل عن إمكانية بقاء الدكتاتور بحكم التوازنات الهشة وموقع الدلع في منظومة التوازن الإقليمي والدولي الذي فيه النظام. لم تسأل المدن "المقاومة" و"المحاصرة" عن صراع (تركيا وإخوانها) مع (إيران وأحزاب الله بإمامة الشبيحة) في وطن صار مسرحا للرصاص المجهول والصراعات المتقاطعة حينا والمتجاورة أحيانا والمتفاهمة في بعض الخواتم لم يسال الشعب عن تكاليف الثورة التي تتضاعف من خلال صمت عربي فيه رائحة المشاركة وخطاب دولي خجول يمتزج فيه صوت العصا ورائحة الجزرة لترويض الأسد كما تم ترويض النمور في اليوم العاشر، على حد تعبير الكاتب السوري في قصته (النمور في اليوم العاشر). لم يسمع شعبنا لغير صوت الشهداء وأغنية الغد بسوريا الوطن وبشعب سعيد.

* * *

من يدلني علي سوريا ديمقراطية، قزحاً لتعدد هوياتنا دون أن يكون فيه فضاء البعث جامعاً للألوان ومزجه بعبثية تلك الإيديولوجية التي أنجبت الأسدين في غابة الفكر القومي الشوفيني الاقصائي التي تنجب الثالث أن بقي هذا الحزب حاكماً فأي حديث وحوار لا يتناول رحيل هذا الحزب بل وتحريمه دستورياً كما الحال مع النازية في ألمانيا وأوربا والبعث في العراق.

الأزمة وتراكماتها غير متعلقة بسياسات أفراد أو مفردات دستور أو مافيا الشبيحة. المشكلة في إيديولوجية حزب انتهى عراقياً ومازال يحكم سوريا بقوة الحديد والنار والقبضة الأمنية المتجردة من أي صفة آدمية.

"فيصل الكلام": سوريا الوطن والمواطنة ينهض من جديد لن نركع حتى رحيل النظام...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: سقوط النظام لا إصلاحه؟ .. علي حمادة

النهار اللبنانية

وتمر ايام "الجمعة" الواحدة تلو الاخرى، وتتعاظم حركة الثورة في سوريا. انها ثورة حقيقية يغذيها القمع الدموي. ثورة حقيقية تدفع ثمن الحرية والكرامة دما غاليا، وتقدم الشهداء يوما بعد يوم في مشهد من اروع مشاهد النضال الانساني ضد الظلم والقهر والاستعباد. انها مكاسرة وجودية بين الخير الذي يمثله حلم ملايين السوريين بالعيش احرارا في وطنهم، وشر احدى آخر الستالينيات على وجه الارض. انها مكاسرة بين ارادة الشعب في بناء وطن الشعب لا وطن العائلة والقلة المتنفذة. مكاسرة بين من يريدون ارساء نظام ديموقراطي تعددي حديث ومن يريدون تأبيد جمهورية حافظ الاسد. وقد كان مشهد يوم امس معبرا عندما تحدى ملايين السوريين الرصاص الحي، والدبابات، والاعتقالات، وخرجوا يعلنون موقفهم الرافض للبقاء اسرى في "السجن الكبير" ليسقط منهم العشرات معبّدين بذلك الطريق نحو الحرية. وسيأتي يوم تقام فيه في كل مدينة من مدن سوريا، وكل قرية نصب يحمل اسماء شهداء الحرية الذين رووا بدمائهم شجرة الحرية.

وبالعودة الى واقع الحال، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

1 - بدأت الثورة على شكل حركة اعتراضية على الاعتقالات والتعذيب. ثم تطورت الى حركة مطلبية لاصلاحات في النظام ولا تمس التركيبة الحاكمة ولا سيما الرئيس. والآن تحولت الحركة الاعتراضية المطلبية ثورة عارمة.

2 - في الاسابيع الاولى اقتصرت التظاهرات على ايام الجمعة، وكانت البؤرة الاولى في درعا وقراها وبعض مدن ريف دمشق. اليوم صارت حماة اشبه بمدينة محررة، والتظاهرات صباحية ومسائية في اكثر من 160 مدينة وقرية من اقصى البلاد الى اقصاها، وحجم التظاهرات يكبر بشكل مطرد: في حماه ودير الزور وحدهما خرج يوم امس ما يقارب المليون.

3 - قتل اكثر من 1500 مدني وجرح الآلاف، واعتقل ما يقارب 12000، وانتشر الامن والمخابرات في كل مكان، واستخدمت قطعات مضمونة الولاء من الجيش، ولم يمنع ذلك توسع الثورة.

4 - فشل النظام في تشتيت مثقفي الثورة. ففشلت المؤتمرات التي نظمها اما مباشرة وإما مداورة، وبدت خارج سياق المسار الثوري. وشكل اعتقال المثقفين في حي الميدان بدمشق يوم الخميس الفائت نهاية لاستمرار غالبية المثقفين في الموقف الرمادي.

5 - حتى الآن لم تنجح كل المحاولات لتطييف الثورة، وإخافة ما يسمى الاقليات. وبالتالي سوف تنضم تلك الاقليات في مرحلة قريبة الى الموجة.

6 - الاقتصاد الى انهيار مع استمرار النظام والثورة ضده. وسوف تنفضّ طبقة كبار التجار عن النظام سريعاً.

7 - ان الموقف الدولي والاقليمي ولا سيما التقاطع الاسرائيلي – الايراني - الروسي الحامي للنظام سيتلاشى مع اثبات الثورة انها الى تعاظم لا الى ضمور.

فهل يصير المطروح نهائيا، هو سقوط النظام لا اصلاحه؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السوريون الجدد... فايز سارة *

السبت, 16 يوليو 2011

الحياة

لا شك أن تعبير «السوريون الجدد»، يرتبط بما شهدته سورية في الأشهر الأربعة الماضية من حراك شعبي تواصل وتنامى في حجمه وانتشاره، وبما واجه هذا الحراك الشعبي من تحديات المعالجة الأمنية لتحرك في أساسه تعبير سلمي عن أزمة سياسية اقتصادية اجتماعية وثقافية، أصابت سورية والسوريين واستفحلت، وباتت معالجتها ضرورية على أن تتم المعالجة بطريقة سياسية لا أمنية على نحو ما غلب طابع المعالجة التي تقوم بها السلطات باستخدام القوة العارية بمواجهة الحراك الشعبي.

والسوريون الجدد، هم أبناء الحراك الشعبي، وغالبيتهم من الشباب، وقسم كبير منهم من المتعلمين الموزعين على سلم قاعدته الأساسية التعليم الأساسي ثم المتوسط الى التعليم العالي، وعلى رغم أن أكثرهم من الرجال، فإن قسماً مهماً منهم من النساء، ويتركز وجود هؤلاء جغرافياً بصورة أساسية في الأرياف وفي المدن المتوسطة وعلى حواف المدن الكبرى، ولهذا الانتشار الجغرافي ما يبرره. ففي غالبية هذه المناطق كان السكان مهملين أو على هامش الحياة العامة بمناحيها وأنشطتها، حيث لا أنشطة ولا مشاركة سياسية، وإن حضرت فإنها أنشطة ومشاركات للتسبيح بحمد وشكران السلطة وحزبها، في وقت لا تتوافر فيه الفرصة لأنشطة من ألوان سياسية وأيديولوجية أخرى، كما لا تتوافر الفرصة لأنشطة عامة في إطار المجتمع المحلي أو منظمات المجتمع المدني ومنها الجمعيات التي تهتم بالبيئة أو التنمية وحقوق الإنسان وغيرها.

ويترافق التهميش السياسي في الحيز الجغرافي للسوريين الجدد، مع سوء في الواقع الاقتصادي، وغالبية هذه المناطق شهدت تهميشاً من خلال تدمير أو تحجيم غالبية بناها التقليدية، وهو ما ترافق مع غياب المشاريع التنموية والاستثمارات الجدية، وبالتالي عدم وجود أية مجالات عمل منظمة وحديثة، وإن توافرت فرص العمل فهي تقليدية أو خدمية وشخصية، تعيش حالات من المنافسة الحادة، بحيث يصعب عليها، أن تصير فرصة عمل توفر حياة كريمة ومناسبة للأفراد وللأسر، الأمر الذي جعل الفقر شائعاً في تلك المناطق، والبطالة صارت طارداً للشباب نحو المدن، وتحويلهم الى فئات هامشية وهشة هناك، وهو تحول اجتماعي خطير أساسه الفارق بين ما كان عليه، وما صار إليه المهاجرون باتجاه المراكز الأكثر نمواً وتحضراً.

وبطبيعة الحال، فإن الوقائع السياسية والاقتصادية، التي عاشها الحيز الجغرافي للسوريين الجدد، اشتدت، وزادت قسوتها بما رافقها من وقائع طبيعية اجتاحت عموم سورية في السنوات العشر الأخيرة، والتي غلب عليها الجفاف وقلة الأمطار في بلد تعتمد فيه الزراعة على الأمطار، ويعيش نحو نصف السوريين على الزراعة وملحقاتها، وهذا كله لم يؤدِّ الى الفقر والبطالة والهجرة الداخلية والخارجية فحسب، بل الى أمراض وظواهر اجتماعية سلبية الطابع، فرضت مع سابقاتها تبدلاً في العادات والتقاليد وفي المفاهيم، التي تحكم سلوكيات وحياة الناس.

إن تأثير الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الحيز الجغرافي للسوريين الجدد، فرض ملامح خاصة لثقافة هذه المنطقة. إذ دفع بأكثرية السكان للابتعاد عن الثقافة بمعناها العميق، وهو سلوك يقارب المسار العام للثقافة الذي ترسخ في سورية في ظل نمط الاستهلاك والاستسهال الشائع والمعتمد بصورة رسمية، ما جعل الثقافة هشة وسطحية، بل إن بعض الأوساط صار يجاهر باحتقار الثقافة والمثقفين.

لقد خلفت تلك البيئة بكل تردياتها حالة من رفض الواقع في أوساط بعض سكان المناطق الريفية والمدن المتوسطة وعلى حواف المدن الكبرى، وترافق رفض الواقع مع نمو في الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي، وهو ما جعل هؤلاء أقدر على القيام بالدور الذي نراه، ليس من خلال ما يقومون به في إطار الحراك الشعبي وعبر حركة التظاهر والاحتجاج وغيرهما، بل من خلال ما رفعوه من شعارات، أكدت سلمية حركة التظاهر والاحتجاج، وتحديدها مطالب أساسية وضرورية، جعلت النظام يقرّ بأحقيتها وضرورة الاستجابة لها، وفي تركيز المتظاهرين على وحدة السوريين من دون تمييز عرقي أو ديني أو طائفي.

لقد عكست تلك الوقائع روحاً وشخصية جديدة للسوريين، تتجاوز ما هو شائع من صورة نمطية شاعت في السنوات الأخيرة للسوريين. وعلى رغم أن تلك الشخصية والروح، كانتا واضحتين في حيز جغرافي معين بين تعبيراته درعا وريفها، وفي أرياف كل من دمشق وإدلب والحسكة واللاذقية، وفي مدن حمص وحماه وإدلب، فإن ذلك لم يمنع ظهور روح السوريين الجديدة في مدن ومناطق، ما زالت خارج إطار حركة الاحتجاج الشعبي كما هو حال مدن من بينها طرطوس والرقة وحلب ودمشق بصورة جزئية، وبالتالي خارج حدود التعبير عن السوريين الجدد الذين يمكن القول، إن صورتهم فاجأت العالم من حولهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

السياسة الأميركية والنظام السوري ..حسين العودات

16 يوليو 2011

البيان

في النصف الثاني من مايو الماضي كانت الاحتجاجات والمظاهرات في سورية قد اتسعت وشملت معظم المدن والبلدات والقرى، وأربكت النظام الذي كان يعتبر ما يجري مجرد عمل متمردين ومتآمرين وعصابات. وبدا طريق التهدئة وكأنه مسدود، في هذا الوقت ألقى الرئيس أوباما كلمة شرح فيها سياسته الشرق أوسطية، وقال فيها (إن أمام الرئيس الأسد إما قيادة آلة التحول في سورية أو الابتعاد عن الطريق)، أي (إما أن يقود عملية الإصلاح أو يتنحى) .

ومن الواضح أن هذا يعني أن السياسة الأميركية لم تكن معادية للنظام السوري بالمطلق، لأنها طلبت من الرئيس أن يقود عملية الإصلاح بنفسه، فإذا قادها سيكون الأمر مقبولاً لديها، وكان هذا الموقف في حينه يخالف الموقف الأوروبي الأكثر شدة وتصلباً وعداء، إلا أن ذلك لم يمنع الإدارة الأميركية من اتخاذ عقوبات اقتصادية بحق بعض المسؤولين السوريين وبعض رجال الأعمال وعدد من الشركات، ثم اتخذت الدول الأوروبية قرارات مماثلة. ومع ذلك استمر المراقبون يعتقدون أن الإدارة الأميركية أبقت الباب موارباً تجاه موقفها من النظام السوري وأنها لم تضع في اعتبارها وفي ممارساتها إسقاط هذا النظام، أو نزع الشرعية عنه .

يوم الاثنين الماضي صرحت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية فقالت (إن الرئيس الأسد فقد الشرعية وإن ليس للولايات المتحدة مصلحة في استمراره وإن ذهابه لن يكون أمراً لا يمكن الاستغناء عنه)، ومن الواضح هنا أن الإدارة الأميركية صعدت موقفها المعادي للنظام السوري تصعيداً نوعياً. مستغلة محاولة اقتحام السفارة الأميركية في دمشق من قبل محتجين، بعد زيارة السفير الأميركي لمدينة حماة وتواصله مع قادة المظاهرات فيها الذين اتهمهم الإعلام السوري بالعمالة وبأخذ التعليمات من السفير وأنه يتدخل في الشؤون الداخلية السورية.

كان قد أشيع في بعض الأوساط السياسية والإعلامية السورية قبل أسابيع عن وجود اتفاق سري بين الرئيس الأسد والإدارة الأميركية، يقضي بأن يتولى الرئيس بنفسه عملية الإصلاح، ويحول النظام السياسي السوري إلى نظام ديمقراطي تعددي يحترم معايير الدولة الحديثة كلها، على أن يتم هذا على التوازي مع الاستغناء عن الرؤوس الحامية والمتطرفة في نظامه سواء كانت في قيادات الأجهزة الأمنية أم في قيادات الجيش، مقابل تأييد أميركي للرئيس، وسعي أميركي مع التكتلات الدولية لدعم هذه الإصلاحات الموعودة، وعزز هذا الافتراض عدم تعرض وزير الخارجية السوري وليد المعلم في مؤتمره الصحفي الذي عقده في الشهر الماضي للإدارة الأميركية بأي نقد.

في الوقت الذي هاجم فيه دول أوروبا وقال أنه سيعتبرها (غير موجودة على الخارطة) وأن سورية تسير و(الكلاب تنبح)، وكان ملفتاً امتناعه الكلي هذا عن نقد الإدارة الأميركية . ولذلك بدا غريباً تفجر الخلافات في الأيام الماضية بين الطرفين بشكل مفاجئ وتصعيدها تصعيداً كبيراً، مما أثار التساؤل حول صحة الاتفاق المشار إليه، وفي حال صحته هل تراجعت الإدارة الأميركية عنه، وما هي خطوات سياستها المقبلة تجاه النظام السوري ؟.

يقول أنصار الاعتقاد بوجود اتفاق تحت الطاولة بين الرئيس الأسد والإدارة الأميركية، إن التيار المتطرف في النظام يحاول تخريب هذا الاتفاق بمختلف السبل، وهذا يفسر الهجوم الإعلامي العنيف على زيارة السفير لمدينة حماة واقتحام السفارة الأميركية وبيت السفير، وبالتالي فإن هذا الموقف الأميركي المستجد، حسب رأيهم، هو رد على أعمال هؤلاء المتطرفين من جهة، وتحريض للرئيس ليكون أكثر جدية وسرعة في تنفيذ الإصلاحات من جهة أخرى، مما يساعد الإدارة الأميركية على تنفيذ التزاماتها تجاه النظام. ويرون أن هذه الخلافات بمجملها هي خلافات عابرة لابد أن تنتهي بتسويات جديدة، خاصة أن الطريق الوحيدة أمام النظام السوري هي القيام بالإصلاحات المطلوبة وتنحية المتطرفين عن موقع السلطة.

في الوقت الذي تخشى الإدارة الأميركية فيه من تغيير النظام بشكل عنيف وجلوس نظام محله لا تعرف أبعاد سياساته، مما يفتح الأبواب أمام المفاجآت بما قد يؤدي إلى فتن وعدم استقرار في سورية . وتصبح بؤرة للتوتر في منطقة متوترة أصلاً. وهذا ما لا ترغبه لا الإدارة الأميركية ولا الدول الأوروبية ولا الدول الإقليمية أيضاً، فضلاً عن أن تنفيذ الاتفاق المزعوم بينها وبين الرئيس الأسد سوف يحقق لها بعض المكاسب منها تحويل سورية إلى ديمقراطية على الطريقة الأميركية لها مواقف مختلفة عن مواقفها الحالية تجاه قضايا الشرق الأوسط بما فيها إيران وإسرائيل.

بقي القول إن مثل هذه السياسة الأميركية، إذا صدقت احتمالات الاتفاق الضمني بين الطرفين، ليست سهلة التحقيق، بل ربما كان تحقيقها صعباً جداً بسبب وجود شكوك في قدرة الرئيس النظام على تنحية المتطرفين والرؤوس الحامية في نظامه واستبدالهم بآخرين معتدلين، وفي الوقت نفسه من الصعب الرهان على أن النظام أصبح مؤمناً كلياً بالديمقراطية والحرية والتعددية وتداول السلطة والاستعداد للتخلي عن صلاحيات الرئيس المطلقة التي منحه إياها الدستور السوري الحالي.

مع كل هذا، يشكك بعض المراقبين في أن الإدارة الأميركية سوف تتابع عداءها للنظام السوري وصولاً إلى القطيعة بينهما، ويعتقدون أن هذا التصعيد الأميركي ما هو إلا ضغوط هدفها امتثال الرئيس لرغباتها، وتنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التغيير من أجل الاستقرار.. في سورية.. د. وائل مرزا

المدينة

17-7-2011

العنوان أعلاه هو عنوان كتابٍ للخبير الاقتصادي المصري الدكتور حازم الببلاوي كتبهُ منذ سنوات طويلة. لكنه فرضَ نفسه عندما كنت أفكر في عنوانٍ للأفكار الواردة في هذا المقال، ولم أجد أنسبَ منه للتعبير عنها بدقةٍ واختصار .. وأنا هنا أستميحُ الدكتور العذر في نقل بعض فقرات من الكتاب بعد قليل، لأنها تُلخّص بدقّة شيئاً مما أريد طرحه والإشارة إليه.

ثمة مقولة مُتداولة في الأوساط الأكاديمية في الغرب تقول أن (الثابت الوحيد في هذه الدنيا هو حقيقة التغيّر والتغيير). فالتغيير سنةٌ من سُنن الحياة البشرية، لايمكن من دون وجوده استمرارُها، فضلاً عن تطوّر الحياة نفسها. من هنا، فإن الحاجة للتغيير أمرٌ طبيعيٌ جداً ابتداءً، بغضّ النظر عن أي ملابساتٍ سياسيةٍ معينة، أو عن أي ظروفٍ دوليةٍ طارئة. فكيف إذا كانت الأوضاع كما هي عليه في سورية اليوم؟

لكن من الضرورة بمكان أن ندرك دلالات مفهومي التغيير والاستقرار بشكلها الشامل. وكما يقول الدكتور الببلاوي: «فالتغيير ليس مناقضاً للاستقرار بل قد يكون من أهم مقوماته. والاستقرار ليس معناه الجمود وعدم التغيير بل معناه التلاؤم بين الظروف والأوضاع والنظم والقواعد. وكما أن الظروف والأوضاع في تغيرٍ مستمر، فكذا ينبغي أن تكون النُّظمُ والقواعد، وعدم مسايرتها لتطور هذه الظروف والأوضاع يُولّدُ المصادمات والانفجارات وبالتالي يُهدّدُ من أساس الاستقرار . فالاستقرار يتطلب توازناً مستمراً بين ظروف الحياة من ناحية والنظم والقواعد من ناحية أخرى، وهو توازنٌ لا يتحقق إلا بمتابعة هذه التطورات وأحياناً الإسراع بها وليس بالوقوف أمامها، وقل أنه توازنٌ مُتحرّك أقربُ إلى توازن راكب الدراجة يستمر طالما كان متحركاً إلى الأمام، ويختلُّ وقد يسقط من فوق دراجته إذا توقف عن السير»..

بشيءٍ من التأمل المنهجي والتفكير، نلمح في هذه الكلمات رؤية استراتيجية كان يجدر بصانع القرار السياسي السوري أن يفهمها. لكن هذا لم يحصل للأسف.

لم يمتلك الفكر السياسي القدرة على فهم ضرورة التلاؤم في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة بين الظروف والأوضاع والنظم والقواعد.

لم ينتبه إلى أن الظروف والأوضاع في تغيرٍ مستمر، وأن النُّظمُ والقواعد يجب أن تتغير معها بشكلٍ جذري وشامل.

ضاعت الرؤية السياسية بشكلٍ نهائي فلم تدرك أن عدم مسايرتها لتطور هذه الظروف والأوضاع يُولّدُ المصادمات والانفجارات وبالتالي يُهدّدُ من أساس الاستقرار.

لم يكن هناك أي درجةٍ من المعرفة بضرورة وجود توازنٍ حساس لا يتحقق إلا بمتابعة التطورات، وأحياناً الإسراع بتغيير النظم والقواعد التي تتعامل معها وليس بالوقوف أمام التطورات المذكورة فيما يشبه محاولةً لإيقاف التاريخ.

يُمثّلُ المذكور أعلاه قمة سوء الفهم للعلاقة بين التغيير والاستقرار، وهو يُفسّر الوقوع في عقلية الإنكار أولاً عندما يتعلق الأمر بحقيقة الثورة السورية، ثم البطء القاتل في التفاعل معها والاستجابة لمطالبها، وفي محاولة استيعابها بشكلٍ إيجابي عميق وجذريٍ من خلال التغيير الكامل للأنظمة والسياسات والقوانين والهياكل والمناهج.

قد يعود الأمر إلى افتقاد الفكر السياسي المتقدم الذي نتحدث عنه على أعلى المستويات، وقد تنتج المشكلة عن وجود مستشارين يحملون فكراً تقليدياً حول العلاقة بين التغيير والاستقرار لايستطيعون الانفكاك منه. وقد يكون السبب في غلبة أصحاب التوجّه الأمني المتحجّر على صناعة القرار السياسي.

لكن النتيجة في نهاية المطاف واحدة. وتتمثل في مارأيناه خلال الأشهر الأربعة الماضية ونراه اليوم على أرض الواقع.

هناك أمرٌ آخر يجب الحديث فيه بصراحة وشفافية في هذا المجال. فسوء الفهم المذكور لايتعلق فقط بالمنظومة السياسية وأهلها، وإنما يمكن أن تقع فيه بعض شرائح الشعب نفسها.

فرغم الشعور العام الطاغي بالحاجة إلى التغيير في كل مجال وعلى كل صعيد عند الغالبية العظمى، إلا أن هناك فيما يبدو درجةً من (التوجس) الخفي عند بعض الشرائح. لهذا، يحرصُ هؤلاء أحياناً على نوعٍ من الاستقرار، تمّ الاعتياد عليه، رغم أن فيه من عوامل الاهتراء والخلخلة مايؤكد بأنه سائرٌ إلى الانفجار إذا ما بقيت الأحوال على ماهي عليه.. ورغم أن الاستقرار الذي يفكرون به هو في حقيقته استقرارٌ زائفٌ ومتوهّم..

من هنا، يأتي حديث الدكتور الببلاوي عن «أن التغيير قد يكون مطلوباً من أجل الاستقرار، وأن عدم التغيير، أو بالأحرى مقاومة متطلبات التغيير، كثيراً ماكانت من أسباب تهديد الاستقرار».. ومن هنا تأتي خطورة أن يُصبح أحياناً «تدخّلُ الأفراد معرقلاً أو معوقاً للتغيير، بالإصرار على إبقاء نُظُم أو مؤسسات لم تعد مناسبة، أو بفرض قواعد وتنظيمات غير مواتية». ومن هنا أخيراً، تأتي حساسية الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه المثقفون وكل من يساهم في تشكيل الرأي العام، حين يُدركون طبيعة العلاقة الصحيحة بين التغيير والاستقرار، بحيث يصبُّ نشاطهم وعطاؤهم في الدعوة إلى التغيير بالمعنى الذي نتحدث عنه، وفي اقتراح مَدَاخلهِ وأُطُرهِ وأساليبه، وفي تهيئة الرأي العام للمطالبة به وقبوله. وهو ماعملَ عليه منذ زمن رموز المعارضة السورية، ومارسهُ منذ أيام جملةٌ من المثقفين والفنانين السوريين حين خرجوا في تظاهرةٍ مُعبّرة تُطالب بالتغيير.

بالمقابل، تظهر خطورة الدور السلبي الذي يمكن أن يلعبه صُنّاع الرأي العام، سواء كانوا كتاباً أو صحافيين أو علماء دين أو أكاديميين.. عندما يرفعون سيوف الإرهاب الفكري والأيديولوجي في وجه التغيير، وفي وجه الدُّعاةِ إليه، وفي وجه صُنّاعهِ.. وأمثال هؤلاء لا يُمارسون فقط انتحاراً ذاتياً، بدعوى المحافظة على الاستقرار، وإنما يُهدّدون أهمَّ أُسس ومقوّمات الاستقرار والسلم الاجتماعي والثقافي والأمني والاقتصادي والسياسي على المستوى الاستراتيجي.. وهم غارقون في تفكيرهم التكتيكي قصير المدى..

الواضح أن الغالبية العظمى من الشعب السوري سبقت الآخرين في فهم المعادلة الحساسة التي نتحدث عنها حول التغيير والاستقرار. والثورة السورية مصممةٌ على السير في طريقها لتحقيق أهدافها كما يظهر يوماً بعد يوم.

وهذا كلُّه إن كان يعني شيئاً، فإنما يعني أنه لم يعد هناك مجالٌ اليوم للخوف من التغيير في سورية، أو للنظر إليه على أنه قد يُهدّدُ الاستقرار، وهو يعني أن الأوان قد آن لمشاركة الجميع على تحقيقه دون حذرٍ مُبالغٍ فيه، وبعيداً عن الحسابات التقليدية، لأنه أصبح المدخل الأكيد، وربما الوحيد، إلى الاستقرار الحقيقي الذي يبحث عنه الجميع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: الماضي، الحاضر والمستقبل! .. علي حماده

النهار

17-7-2011

يمثل "مؤتمر الإنقاذ الوطني" السوري الذي عقد في اسطنبول امس خطوة تضاف الى مجموعة خطوات تساهم في بلورة بدائل مقنعة من النظام في سوريا. واذا كان مؤتمرا انطاليا وبروكسل اللذان سبقا مؤتمر اسطنبول فضلا عن لقاءات معارضة اخرى جرت على مستوى اقل اتساعا لم تتوصل الى قيام قيادة للثورة، فإن ذلك يعود الى اسباب عدة، اولها ان ثورة الشارع فاجأت كل احزاب المعارضة التقليدية، وفاجأت المثقفين بسرعة انتشارها وتحولها ثورة حقيقية ممتدة على مستوى سوريا كلها. كما ان التنسيقيات التي تعمل على الارض غير قادرة حتى الآن على الدخول في مؤتمرات ومناقشات علنية لبلورة مرحلة ما بعد النظام لأنها تخوض المعركة في الشارع، وهي معركة دموية واسعة النطاق، والخصم فيها على ما قال شيخ المعارضين هيثم المالح امام مؤتمري اسطنبول يعتبر "أعتى الانظمة في العالم"، ويخوض حربا بكل معنى الكلمة ادت حتى اليوم الى قتل ما يزيد على 1500 مواطن وجرح الآلاف، واعتقال اكثر من 12000. وبالتالي فإن التنسيقيات التي تعمل معظم الاحيان في شكل سري، لا تملك اليوم امكان المشاركة الفعلية في مؤتمرات كمؤتمر اسطنبول، وهي تكتفي بأن تستمد من مؤتمرات كهذه مزيدا من الشرعية الخارجية.

غير ان المرحلة تستدعي التفكير فعليا في مرحلة ما بعد النظام، وان يكن لا يزال قادرا على البقاء في الشارع بالقتل والترويع، فهو يمتلك غطاء اقليميا واضح المعالم تتقاطع فيه مصالح اسرائيل و ايران من جهة، ومصالح بعض العرب الذين يرون ان بقاء النظام على صورته البشعة يظل اقل كلفة من زواله بالنسبة الى "الانتظام الاقليمي" العام. اما الولايات المتحدة حيث يخوض اللوبي الاسرائيلي معركة الدفاع عن النظام في سوريا، فلا تزال على رغم تصريحات باراك اوباما وهيلاري كلينتون متأخرة جدا عن ركب الثورة في سوريا. فالعقوبات الشخصية غير مجدية وقليلة التأثير، في حين ان العقوبات الأكثر شمولا ما تزال بعيدة المنال. وفي أوروبا لم يصل الامر بعد الى مرحلة وقف التعاملات مع النظام بالاورو. ان البحث في مرحلة ما بعد النظام ضرورة قصوى. فالاصلاح غير ممكن، والرئيس بشار الاسد الذي فقد شرعية الشارع السوري ويوشك ان يفقد شرعيته الخارجية، لا يملك مفاتيح المستقبل في بلاده. والحال ان رئيسا صار الملايين من شعبه يهتفون ضده وفي الشكل الحاد الذي نراه يستحيل عليه ان يستعيد زمام المبادرة السياسية والاخلاقية في بلاده. وعندما يستفرس ملايين السوريين في مواجهة الرصاص الحي في الشكل الذي يحصل فإن من خرجوا الى الشارع، ومن سيخرجون غدا لن يعودوا الى منازلهم قبل ان يسقط النظام ويرحل الأسد. لقد انقضت الفرصة التي كانت متاحة امام الاسد الابن ليتخلص من إرث والده وينقذ سوريا، ويقود التغيير جديا. واليوم باتت الكلمة للشارع السوري الذي يبني مستقبله بمعمودية الدم.

الخلاصة : ان النظام هو الماضي، والثورة هي الحاضر والمستقبل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حماه.. المدينة التي يخشى النظام السوري استفزازها

الشرق الأوسط

تخلو شوارعها من صور الأسد ووالده.. وسكانها لا يكتفون بالمطالبة بالحرية.. بل يمارسونها

يجمع زوار مدينة حماه، الذين تسنى لهم التجول في شوارعها ولقاء أقاربهم في بيوتها، على أن المدينة الواقعة على ضفاف نهر العاصي، والتي تبعد نحو 210 كلم عن العاصمة دمشق، تكاد تخلو جدران شوارعها وأعمدة ساحاتها من صور الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد، كما لو أن النظام السوري قد سقط فعلا في هذه المدينة، كما يردد أهلها كل يوم جمعة قائلين: «يا شباب الشام، عنا بحماه سقط النظام».

ويوضح عامر، أحد منسقي التحركات الشعبية في المدينة، والذي يتنقل بحذر من منزل إلى آخر مستخدما اسما مستعارا خوفا من الوقوع في يد قوات الأمن الذين يلاحقونه منذ فترة، أن «سكان المدينة باتوا في قطيعة نفسية مع النظام ويتصرفون وكأنه سقط فعلا، إذ يعيدون تنظيم حياتهم بمعزل عن سلوكياته وممارساته». ويشدد ل«الشرق الأوسط» على أن «أهالي حماه لا يطالبون بالحرية فقط، بل يحاولون ممارستها»، مشيرا إلى أنه «ربما قد لا نجد لهذا الكلام ترجمة على أرض الواقع، حيث إن النظام لا يزال يمتلك الدبابات والشبيحة وأجهزة الأمن، إضافة إلى دعم بعض الدول الغربية، لكن الناس من شدة رغبتهم في إسقاط النظام تحاول تجاهل وجوده، وتتمرن على العيش من دونه».

وكانت المدينة التي يبلغ عدد سكانها 800 ألف نسمة، قد فاجأت النظام في جمعة «إسقاط الشرعية»، حيث نزل نحو نصف مليون متظاهر من سكانها إلى ساحة العاصي، وسط المدينة، مطالبين بإسقاط النظام، مما استدعى حصارا شديدا من قبل دبابات الجيش السوري وموجة اعتقالات نفذت من قبل الأمن في بعض الأحياء بحق المتظاهرين، إضافة إلى عزل محافظ المدينة بقرار من الرئيس بشار الأسد وإجراء تغييرات في ضباط الأجهزة الأمنية. وأقدم سكان المدينة على إغلاق بعض الشوارع الرئيسية في المدينة، لمنع وصول الأمن إليها بواسطة حواجز بدائية مكونة من حاويات النفايات وإطارات السيارات.. ولم يحل الحصار الأمني على المدينة من دون استمرار الأهالي بالمشاركة في الاحتجاجات في «جمعة ارحل» بالزخم الجماهيري نفسه، ولتشكل حماه مؤخرا في «جمعة أسرى الحرية» ثنائيا مذهلا مع مدينة دير الزور، حيث نزل في المدينتين ما يقارب المليون متظاهر، كما قدرت العدد وسائل الإعلام العالمية.

وأوضح أحد الناشطين في المدينة وهو محام متقاعد ل«الشرق الأوسط» أن «مدينة حماه وبسبب خصوصية الثمانينات التي تحملها يخشى النظام استفزاز جراحها، وهي استطاعت بفضل جرأة أهلها وشجاعتهم أن تجسد فكرة الساحة أو الميدان التي برزت بقوة في الثورات العربية، سواء في تونس أو مصر». وأشار إلى أن «المنتفضين السوريين حاولوا إيجاد هذا الميدان في مدينة دمشق حين زحف المتظاهرون إلى ساحة العباسيين وسط المدينة، فهاجمتهم أجهزة الأمن والشبيحة وأفشلت محاولتهم بعد اعتقال الكثير منهم، وكذلك الأمر في مدينة حمص، حيث أقام المتظاهرون اعتصاما سلميا في ساحة الساعة وسط المدينة، فداهمتهم فرق الشبيحة محمية من أجهزة الأمن وارتكبت مجزرة في المكان».

ورأى أن المدينة «تمكنت من إيجاد ساحة للثورة السورية تلفت عبرها أنظار العالم إلى حجم هذه الثورة، واستطاعت إقناع العالم بأن المظاهرات التي تخرج في سوريا وتطالب بالحرية والديمقراطية هي سلمية تماما لم تنجر إلى العنف والفوضى على الرغم من كل ممارسات النظام الوحشية والدموية، وهذا ما أكدته زيارة السفير الأميركي إلى المدينة وتجوله في شوارعها أثناء الاحتجاجات ولقائه المتظاهرين، ومن ثم تصريحه بأنه لم ير حتى سكينا في يد واحد منهم».

من ناحيته، أوضح سعيد، الذي يملك سوبر ماركت قرب ساحة العاصي ويقدم المياه المعدنية والمرطبات للمتظاهرين مجانا، أن «لمدينة حماه أسبابا إضافية للتظاهر ضد النظام، فعدا عن الحرية التي يطالب بها جميع السوريين هناك جرح قديم لم يندمل بعد». وقال: «أخي دخل السجن في أحداث الثمانينات واتهمه النظام بأنه منتسب إلى تنظيم الإخوان المسلمين علما بأنه لا علاقة له بهم، وأمضى ستة عشر عاما ليخرج بعدها مريضا نفسيا، إضافة إلى العاهات الجسدية التي يعاني منها بسبب التعذيب». وأضاف: «هناك ما بين عشرين وأربعين ألف ضحية قتلهم النظام في أحداث الثمانينات، إضافة إلى فقدان نحو 15 ألفا لا يزال مصير عدد كبير منهم مجهولا حتى الآن، وهذه الأرواح لا بد من أن تتظاهر معنا وتهتف ضد من قتلها».

وكان النظام السوري في عام 1982، وضمن سياق صراعه مع تنظيم الإخوان المسلمين، شن حملة عنيفة ضد مدينة حماه، أودت بحياة عشرات الآلاف من أهالي المدينة، بعد أن طوق النظام السوري المدينة وقصفها بالمدفعية ومن ثم اجتياحها عسكريا، وارتكاب مجزرة مروعة كان ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين من أهالي المدينة.

ويستبعد سعيد أن يكون بين المتظاهرين في مدينة حماه أي نزعات انتقامية أو ثأرية، إذ إن الأهالي «يريدون معرفة مصير أبنائهم الذين اختفوا في الثمانينات ومحاسبة من قتلهم، لكنهم لا يبحثون عن الثأر، وتحديدا بمعناها الطائفي. وقد أصدر سكان المدينة بيانا خاطبوا فيه أهالي القرى المجاورة الذين ينتمون بمعظمهم إلى الطائفة العلوية، مؤكدين أننا دعاة سلم ولسنا دعاة انتقام ونريد أن نطمئنكم».

وينتقد هذا الناشط بشدة تسمية إحدى الصحف اللبنانية المحسوبة على النظام السوري لمدينة حماه بقندهار، في إشارة إلى التطرف الديني المنتشر بين أهلها، مؤكدا أن سكان المدينة «محافظون بالمعنى الاجتماعي والديني، لكنهم ليسوا متطرفين عنفيين». وذكر أن «أحداث الثمانينات وتمركز جماعة الإخوان المسلمين في المدينة كانت لها ظروفها وسياقاتها، ولا يمكن أن نشخص الوضع في المدينة في الوقت الحالي بناء على تلك المرحلة». وخلص إلى أن «حماه تخرج الآن وتتظاهر بشكل سلمي ضد النظام الحاكم وتطالب بحقوقها بشكل حضاري، وهذا ما أظهرته صورة النصف المليون التي يتم التقاطها كل يوم جمعة عبر هواتف المنتفضين».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إلى ابنة السبعين.. والشهيدة غنية حمدو.. الشاعر يحيى حاج يحيى

قتلت عام 1981م في معركة الحجاب في ساحات دمشق

هـي  حـرة كـنسائم الفجر      ونـقـيةٌ كـبـراءةِ الـطّهر

وأصـيلة  كـالشام، عِـزَّتُها      مـن غـير عـجرفةٍ ولا كِبرِ

لـهفي  عـليها إذ يُـروِّعُها      وَغْـدُ  الـخَنا، وربيبةُ العهر

وهي  المصونةُ ، أين معتصم      لـيرد عـنها مِـخلبَ الـكُفر

لا  تـصرُخي –يا أمُّ- معذرةً      فـبنوكِ  بـين السجن والقبر

فاستجمعي العَزمات في غضبٍ      وتـهـيئي لـلـكرِّ والـفَـرِّ

مَـنْ كـانت الخنساءُ أسوتَها      فـلتحطمن  أنـيابَ ذي شـر

لـهفي عـليها وهي مُحصنةٌ      مـمـا يـدبّر ثـعلبُ الـمكر

لـكأنها  والـعِلج يـصرعُها      بـرصاصة الجبناء في الظهر

أخـتُ  الرجال "سَمَيُّ" عاجلَها      طـاغوتُ  مـكةَ بالقنا السُّمر

أشـهيدة  الـسبعينَ تـكرمةً      هـذي  الدما من أطيب العطر

لـهفي عـليها بـعدما نزفت      ويـداها مـمسكتان بـالخُمُرِ

فـاستبشري  يا أختَ "عائشةٍ"      بـجحافل الـتوحيد والـنصر

أحـفادُكِ الأبـرارُ قـد وثَبوا      فـي غـضبةٍ كعواصف الثأر

والـشامُ مـا ركعت لمغتصبٍ      هـل  تـنحني للرعب والقهر

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل طبَّقت الرئاسة السوريَّة النصيحة المكتوبة على جدران قصرها؟!.. خبَّاب بن مروان الحمد*

ذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غدة أنَّه رأى في القاعة الشماليَّة (بقصر رئاسة الجمهوريَّة السوريَّة) مكتوباً على جدرانها الخشبيَّة المزيَّنة:

حفظ التاريخ في طيَّاته * اسم من شادوا على العدل الدُول

ولقد أنبأ عمَّن ظلموا * فجرى ذكرهم مجرى المثل!

وقد ذكر ذلك في تحقيقه ل(رسالة المسترشدين للمحاسبي، ص:128).

فقلت في نفسي: أيا سبحان الله!

ألم يقرأ بشار الأسد ( الرجل المثقف الطبيب قبل أن يكون رئيساً هذا الكلام!!)

وإنني لأعجب مِمَّن لا يزال يناقش في مجالسه الخاصَّة مدافعاً عن النظام السوري، الذي يفتك بأرواح الأبرياء من الشيوخ والنساء والشباب الأعزل وحتَّى الأطفال ...والذي فعل بشعبه ونكَّل بهم كما يفعل العدو اليهودي بالشعب الفلسطيني ...

 

وأستغرب من المدافعين عن هذا النظام الذين يقولون:ما يجري فيها مجرد أيادي خفية تحركها الماسونية والصهيونية... مع أنَّهم صفقوا للثورة في مصر ، وتونس، واليمن، وغيرها ...

 

بل لربما أزرى أولئك المدافعين عن النظام السوري على أولئك الشباب الذين خرجوا يطلبون الحرية والكرامة والعزة بعد قمع دام عقوداً من الزمن.

 

وسر دفاعهم عن ذلك النظام : أنَّ النظام السوري ( نظام ممانعة يحمي المقاومة!) ...

 

ألا ساءت هذه الفكرة!!

 

فهل يُعقل أن تحتضن دولة (ما) المقاومة في مكان فيها ، ويحق لها بعد ذلك لتنفرد بقتل وسحق شعبها الذي يبتغي الحرية والكرامة؟!!

 

إنَّ المقاومة كما أنَّها تريد الحريَّة والكرامة لنفسها، فإنَّ الشعب السوري يريد الحرية والكرامة لنفسه بعد حكمه لأكثر من أربعة عقود بحكم الحديد والنار، وبحكم لا يمت للدين الإسلامي بصلة، ولا للديموقراطية كذلك بصلة إلا إن كان بِصِلَةِ (البصلة)...!!

 

فما فرق النظام السوري الذي يقتل الأحرار عن اعتداءات الكيان اليهودي على المسلمين المتظاهرين ضدَّ احتلالهم !!!

 

أقول بكل مرارة: إنَّ أكبر مشكلة عند بعض الإسلاميين حينما يقدَّم بعضهم المصالح الحزبيَّة أو الفئويَّة على مصلحة الأمَّة الإسلاميَّة أو مصلحة الشعب الذي عاش الضيم والضنك ، وبدأ يتحرر من جلاده، فبدلاً من أن ندعو لهم، نتحدث عنهم وكأنَّهم أصحاب فتنة....

 

وما درى أولئك الذين يقولون عن النظام السوري أنَّه نظام الممانعة بأنَّه من من أكبر حماة الكيان اليهودي المغتصب لأراضينا في فلسطين، وإنَّ العدو اليهودي كذلك يضع يده على صدره يرقب الأحداث ويكتم على نفسه، خشية من سقوط هذا النظام السوري المتعفن...

 

ولنا أن نستغرب كذلك من سكوت الأمم المتحدة ومجلس الأمن وأمريكا لمدة ثلاثة أشهر على المجازر التي يقترفها النظام السوري، وهذا إن دلَّ فإنَّما يدل على تراخيهم عن قمع النظام السوري، ويبدو أنَّهم يرون مصلحة وجوده أفضل وأولى من مصلحة زواله....

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل نُزع الغطاء الخارجي،حقا،عن نظام الأسد؟..أسامة عثمان

20/7/2011

النظام الذي يصل إلى هذه الدرجة من الانفعال المؤسي، حين لا يقتصر أذاه، وقمعُه الوحشيُّ، على من يدعي أنهم مندسون، وجماعاتٌ مسلحة؛ ليطال المثقفين والفنانين، وقد خرجوا في وضح دمشق، هذا النظام لن تطول أيامُه، ولعله، علم، أم لم يعلم، يستشعر ذلك، كمَنْ دنتْ منيَّتُه.

وتلك إشارة، وتنسحب فائدتُها على سائر تصرفاته، وتُبطل أكاذيبَه في تشويه التظاهرات السلمية التي بلغ بها الظَّرْفُ حدا جعل المتظاهرين يلثغون بها: «ثلمية ثلمية يا بثّار!» لعلهم يُفصحون عن أنفسهم، بعد أن لم ينفع النُّطقُ الفصيح!

لكنَّ لصُنَّاع القرار العالمي منطقا آخر, يقوم – كما هو معلوم- على القياس الدقيق والدائم للتطورات، والنظر في عواقب المواقف على «الاستقرار» الذي يعني الحفاظ على المصالح الدولية، وحفظ التوازنات الإقليمية، مع الأخذ بعين الاعتبار الطاقة الشعبية السورية، هل هي قادرة؟ أو بالأحرى مُوجِبة لتغييب نظام الأسد؟ وليس أقل من ذلك الاطمئنان إلى قيادة هذه المظاهرات والثورة، والمحركين الفعليين، والميدانيين، ومدى تمثيل أقطاب المعارضة لهم.

 

المواقف الدولية والحسم:

صدر الموقف الأمريكي الذي طال انتظارُه، أخير: (الأسد فقد شرعيته، عند شعبه) لكن ما إنْ كان هذا الموقف، حتى بادرت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، إلى التخفيف، قليلا من حسمه، ونهائيته، بالقول: «إن الوضع في سورية لا يزال مفتوحا».

 وشككت بقدرات المعارضة: « لا اعتقد أننا نعلم كيف ستتمكن المعارضة في سورية من قيادة تحركها، وما هي مجالات التحرك لديها».

ولم يكن مؤتمر المعارضة الذي انعقد في اسطنبول قبل أيام مطمئنا، من حيث قوة التماسك، بين مكونات المعارضة، والاختلاف على التمثيل، وحتى إن خلافات جوهرية نشأت حول طابع سورية، من حيث انتماؤها العربي، أو تعدد الانتماء، بما يشرك الأكراد إشراكا مهما، كما العرب. ويجعل سورية دولة تشاركية عربية كردية، حسب الموقف الكردي.

ولم تكن المواقف الدولية الأخرى أكثر حسما من الموقف الأمريكي، فأحدث تصريح لوزير الخارجية البريطاني- يُعدُّ من أكثر المتشددين ضد نظام الأسد- قال بعد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوربي: «الموقف ما زال بالغ الخطورة. يجب على الرئيس الأسد، إما أن يجري إصلاحات، وإما يتنحى.».

وهذا يُبقى الباب مفتوحا، أمام نظام الأسد، حتى بعد كل ما كان منه، وبعد كل الذي قيل عنه، دوليا.

 

المواقف الإقليمية والعربية:

وفي المواقف الإقليمية أيضا اتساق مع هذا التوجه، إذ قال وزير الخارجية التركي، أحمد داود أغلو، بعد مؤتمر إسطنبول:«قال الأسد إنه سيشكل جماعات متعددة الأحزاب في البرلمان.. آمل أن يكون لدى سوريا أحزاب معارضة، وأن يكون بسورية أحزاب معارضة ترفع صوتها». وأبقى على تخيير النظام بين تنفيذ إصلاحات، أو مواجهة الإطاحة به، على أيدي قوى ديمقراطية.

وأما موقف الجامعة العربية فغنيٌّ عن التوضيح؛ إذ كان متقدما على المواقف الدولية، والتركية، حين مال أكثر لصالح بشار الأسد، إذ نفى الأمين العام، نبيل العربي إمكانية أن يتم الضغط على الجامعة؛ لإصدار قرار مشابه ضد سوريا، مشيرا إلى أهمية سوريا لاستقرار المنطقة، رافضا أي تشهير يطالها، ويطال رموزها، مفترقا بذلك عن الموقف الأمريكي المعلن، إذ قال: «لا يملك أحد أن يقضي بأن رئيس دولة فقد شرعيته، هذا أمر يقرره الشعب».

وهو، بالمناسبة، لا يبتعد عن الموقف الأمريكي الحقيقي الذي صرحت به كلينتون، حين قالت، بعد أن أعلنت افتقاد الأسد للشرعية:« إنه لا يمكن التأثير على الوضع في سوريا من الخارج. وقالت: «لا أحد منا لديه تأثير حقيقي باستثناء أن نقول ما نعتقده، ونشجع على التغيير الذي نأمله».

 

الإصلاح لا زال خيارا دوليا:

قد تسمح المواقف السابقة، بالاستناد إلى خطورة المغامرة بغياب نظام الأسد الذي لا يزال يتوفر على بنية أمنية متماسكة، داخليا، وعلى تعاون دولي فعلي، واستقرار, مع إسرائيل، قد تسمح بترجيح الظن القائل بأن الدول الغربية، بما فيها أمريكا، والاتحاد الأوروبي لا تزال تفضل الإصلاح الديمقراطي على الإطاحة الكاملة بالنظام في سورية.

وأما المواقف التي أعلنتها عن فقدان الأسد للشرعية، فهي إما استجابة للضغوط، وإما ضغوط تمارسها على الأسد؛ للانخراط الجدي في قيادة سورية إلى التحول الديمقراطي والإصلاح. فهو فقد شرعيته بهذا النظام القمعي غير الديمقراطي.

أو أن هذا الموقف، حين نفهمه مع المواقف المبقية على خيار الإصلاح، يعبِّر عن حيْرة صانع القرار الأمريكي، والأوروبي، واستشعاره المخاطر والصعاب التي تقف في طريق مشهد جديد غير مضمون. ولا سيما بعد الاستعصاء الذي منيت به الجهود الدولية في ليبيا، في الوقت الذي لا يليق أخلاقيا، ولا حتى سياسيا، إذا تغلبت الثورة أن تبقى أمريكا وأوربا في المكان الخطأ.

 بالطبع ليس بالإمكان أن تُقبل الإصلاحات الشكلية، أو الجزئية، كما يريد النظام، ولكنها، حتى تُقبل ينبغي أن تكون جذرية، تفضي، فعلا، إلى تحول سورية إلى دولة ديمقراطية، تتعدد فيها الأحزاب، وتقوم على الشراكة في الحكم، وإجراء انتخابات رئاسية، وبرلمانية نزيهة، وغير ذلك، مما يشعر المواطن العادي، والقوى السياسية السورية بتغير حقيقي.

وتتولى تركيا رعاية هذه الرؤية، وإقناع الأسد بالتحول إليها، جديا.

 

صعوبات خيار الإصلاح:

لكن أمام ذلك صعوبات، تتعلق بالنظام نفسه، والعناصر الفاعلة فيه، وتركيبته الأمنية، وعقليته التي لا يسهل عليها التسليم بخسارة الاستفراد في الحكم والدولة، فضلا عن أرباب المصالح الذين يتخوفون على امتيازاتهم، ونفوذهم الذي تتشابك في السياسية بالمال.

وثمة عامل إقليمي يعوق التحول الديمقراطي، يمثله إيران، وحزب الله؛ للأسباب المعروفة، والتحالف الوثيق، ولن يبقى على حاله بعد دخول مكونات سورية جديدة، من أوضح ما يجمعها، معاداة إيران، وحزب الله؛ لما قدماه من دعم أعمى لنظام لم يقصر في قمعهم بكل الوحشية التي أتاحتها له، إيران وحزب الله، بالدعم السياسي، وهو الأهم، والمالي، وحتى المباشر, كما يردد مواطنون سوريون، وغيرهم؛ فإيران، وحلفاؤها أكثر من يدرك مخاطر غياب استفراد نظام الأسد بسورية، وبروز قوى سياسية سورية لها مواقف مختلفة، أصلا، حتى قبل الانحياز الإيراني، وإلقائه كل بيضه في سلة الأسد.

وأما العامل الأقوى الذي يعيق هذا الخيار الإصلاحي فهو موقف الجماهير السورية الثائرة، وممثلوها، والمعارضة الذين لا يريدون أن تبقى من هذا النظام باقية. بعد أن قطع كلَّ الخيوط بينه وبينهم، وجعل الحوار معه، أو الالتقاء به، أمرا تجاوزته الدماء والأحداث.

والواقع أن أمريكا، بالذات، لن تتسرع، لا في استخدام القوة للإطاحة بنظام الأسد، ولا هي حتى ستُلقي بكلِّ ثقلها السياسي في دعم المعارضة التي لا تستوثق بعد من قدرتها، أو تماسكها، أو توجهاتها السياسية. فواشنطن تنتظر، وتحفظ لنفسها مكانا في الحالتين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري: أوراقه الأخيرة وإفلاسه السياسي.. محمد حسن فقيه

المركز الإعلامي

إن بداية إفلاس النظام ومؤشرات سقوطه بدأت حقيقة من الأيام الأولى للمظاهرات حين وجه بنادق أجهزته الأمنية وشبيحته إلى صدور ورؤوس الشباب الحر الأبي الثائر الذي خرج يطالب بالحرية والكرامة، ومازال هذا النظام الغاشم يسير بقدميه قدما نحو سقوطه بتصرفاته الرعناء وردات فعله الحمقاء، مما يؤشر على ذعره وتخبطه ورعبه من هذا الحراك الشعبي الذي يهدد زواله ويتوعد بسقوطه أقرب مما يتصور.

يبدو أن النظام بدأ يفقد أعصابه بسرعة في الأيام الأخيرة مما حدا به القيام ببعض التصرفات الهمجية، وبردات فعل غير محسوبة العواقب تساهم في دق المسامير الأخيرة في نعشه المشؤوم يمكن ذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر.

* اعتقال المثقفين والفنانين الذين طالبوا بالحرية والكرامة.

خرج النظام عن طوره وغابت دبلوماسيته أما م المظاهرات المطالبة بالحرية والكرامة من المثقفين والفنانين الذين كانوا يسيرون في ركبه ويعملون في أجهزته وقدموا له الكثير خدمة للثقافة والفن... والنظام نفسه.

فلقد أقدمت أجهزة النظام الأمنية على اعتراض مظاهرة قام بتنظيمها المثقفون والفنانون في حي الميدان وسط العاصمة السورية دمشق، دعما للثورة ومطالبها العادلة واحتجاجا على المسرحية الهزلية لحوار النظام مع ملحقاته وأذنابه والتي انطلقت بمشاركة المئات من المثقفين الأحرار والفنانين الشرفاء من أمام جامع الحسن، وتصدت لها القوات الأمنية وفرقتها بالقوة بعد أن اعتقلت العشرات منهم، عرف من هؤلاء المثقفين والفنانين الذين اعتقلوا: المخرج محمد ملص والفنانة مي سكاف والناشطة الحقوقية ريما فليحان وريم مشهدي وفادي زيدان ونضال حسن وسارة الطويل.

وقد شارك في هذه المظاهرة الممثل خالد تاجا والمخرج نبيل المالح.

* تهديد الإعلاميين والصحفيين والمذيعين في الجزيرة والعربية وال ب ب سي... قامت أجهزة المخابرات السورية بتهديد المذيعين والإعلاميين في القنوات الفضائية وطالبتهم بالاستقالة من أعمالهم في هذه المحطات، التي تنقل الحقيقة عن جرائم النظام السوري ضد شعبه الأعزل داخل الوطن، وهددت بنشر فضائح جنسية مفبركة لفقوها في مكاتب المخابرات ومختبرات الأمن الضليعة بالكذب والتلفيق، ولم يكن ذلك بدعاً جديداً عند هذا النظام البوليسي الفاسد، فقد أجبروا الفنانين والمذيعين والمقدمين السوريين قبل ذلك على الاستقالة، من أولئك الذين يعملون في المحطات الفضائية التي تحترم نفسها وتنقل الحقيقة والأخبار عن الثورة السورية على قنواتها الحرة، وهددوا في حالة عدم الاستقالة باعتقال أهل هؤلاء المذيعين وأقرباءهم داخل سورية، وما أمر المذيعة رولا إبراهيم في الجزيرة عن ذلك ببعيد، فقد أجبر أهلها على التبرؤ منها، كما قامت عصابات الشبيحة بإحراق بيتها في طرطوس، بعد أن رفضت الانصياع لأوامر المخابرات السورية وتقديم استقالتها من الجزيرة!.

وإذا كان النظام يتهم هذه القنوات بعدم نقل الحقيقة عن طريق شهود العيان وصور كاميرات الناشطين ومقاطع الفيديو التي يرسلونها، فلم لا يسمح لهذه القنوات بزيارة مواقع الحدث بشكل رسمي لنقل الحقيقة كما يزعمون ويدعون؟!

* توجيه مظاهرات أمام السفارتين الأمريكية والفرنسية.

قاد هذه المظاهرات مخابرات النظام الفاسد والشبيحة وبعض الأذناب والملحقات الفاسدة من المنظومات المنتفعة في أجهزة النظام، التي تقلدت مناصبها على حساب إذلال الشعب السوري وسمنت من سرقات خيراته.

 والدعوى في قيام هذه التظاهرات ضد زيارة السفيرين الأمريكي والفرنسي لمدينة حماة، لدراسة الأمور من الواقع عن دعاوي النظام الكاذبة حول المندسين... والعصابات... والسلفيين... والإرهابيين... والطرف الثالث، خوفا من كشف الحقيقة لأن الغرب لا يرتعب ويتحسس إلا من هذه المصطلحات، لكنه ليس غبيا حتى يصدق دعاوي أكاذيب النظام وإفكه وتلفيقاته.

والسؤال الموجه للنظام: لماذا سمح النظام لموكب السفيرين لزيارة حماة، مع الإشارة إلى إعلان السفير الأمريكي بتبليغ السلطات مسبقا عن هذه الزيارة؟

وبحسب دعوى إعلام النظام - الذي لا يعرف الحقيقة ولم ينقلها يوما - أن زيارة موكب السفيرين لم تكن بإذن مسبق من النظام والسلطات الأمنية، لماذا إذن لم يوقف هذا الموكب على مئات الحواجز الأمنية بين دمشق وحماة عندما مر عليها؟.

ناهيك عن الغرب وأمريكا خاصة، لم تجامل أو تهادن حاكما مستبدا ضد شعبه كما هادنت حكام سورية ونظامها الاستبدادي، بالمقارنة مع النظام الليبي والتونسي وحليفها الإستراتيجي وعرابها في المنطقة حسني مبارك؟!

والسؤال الآخر: لم قامت أجهزة الأمن بتوجيه دعوة للسفير الأمريكي والفرنسي وغيرهم إلى جسر الشغور؟

وذلك بعد قيام الجيش بتهجير أهلها وإدخال الهتيفة من القرى المجاورة الطائفية بقيادة الشبيحة مع العصابات المرتزقة المستوردة وعناصر الأمن، ليتظاهروا فيها تأييدا للنظام بالنيابة عن أهالي الجسر الذين شردوا من ديارهم واعتقلوا شيوخهم ونهبوا ديارهم ومحلاتهم وقتلوا أطفالهم ولم يرحموا حتى أبقارهم التي صبوا عليها جام غضبهم وأفرغوا في أجساد تلك البهائم العجماء رصاص أحقادهم.؟!

* استخدام العنف والحصار بالدبابات للمدن والأحياء والقرى الثائرة مع القتل والاعتقال والتعذيب متزامناً مع ما يدعيه من حوار للإصلاح.

إن الجهة المسؤولة في النظام إذا كانت ترغب في حوار وطني هادف وجاد وتصغي إلى مطالب الشعب الحقيقية، فعليها أن تثبت حسن النية وتبدأ هذا الحوار بمصداقية، تفتح المجال للمعارضين الحقيقيين من شتى الأنواع والأطياف والإثنيات والتوجهات دون تهديد وترهيب، كما عليها أن توقف آلة القتل والقمع ورفع الحصار عن جميع المدن والقرى والمناطق وسحب الدبابات والإفراج عن جميع المعتقلين من أصحاب الرأي والذين اعتقلوا في هذه المظاهرات التي انطلقت بحراك شعبي يمثل كل أطياف وأجيال الشعب السوري ورفعوا شعاراتهم المطالبة بالحرية والكرامة بعفوية مطلقة.

 كل ذلك يجب أن يتم مع إعلان النظام عن الحوار والتحضير له قبل الحوار، وأما ما ينفخ به الأبواق عن المؤامرة الخارجية واستهداف النظام، فإذا أردنا أن نضع الأمور في نصابها وننظر لها نظرة منصفة وجدنا أن الشعب السوري هو ضحية الخارج والمتآمر عليه، سواء كان من الجامعة العربية أو الأمم المتحدة أو دول الجوار أو القوي العالمية الفاعلة الأخرى كأمريكا وروسيا والصين وأوربا وإيران.... وغيرها وذلك بسبب هذا الصمت المشين أو السياسة المنحازة للنظام، أو تدخلات البعض المشبوهة ودعمها السري للنظام، والذي لم يفلح بإدانته في مجلس الأمن رغم جرائمه المتعددة والمريعة من القتل والقمع والبطش خلال أربعة أشهر مضت، فضلا عن إسقاط شرعيته كما حدث في الثورات الأخرى خلال فترة أقصر بكثير وضحايا ودماء أريقت أقل بكثير.

إن هذا التقاعس من المجتمع الدولي هو الذي يملي لهذا النظام بالاستمرار في استبداده وقمعه لشعبه ويطيل عمره.

إن النظام الوطني الذي يبحث عن مصلحة الشعب والجماهير الحقيقية، لا مصلحة طائفة معينه أو حزب شمولي أو حاكم مطلق مستبد، لا يخيفه ولا يهز أركانه تآمر جميع العالم في الخارج عليه مادام متوافقا مع شعبه مصطلحا مع جماهيره، له مالهم وعليه ما عليهم.

الحقيقة المرة: إن هذا النظام البائس لا يحاور غير نفسه بزعامة أجهزة أمنه وشبيحته ومخابراته السرية تحت أسماء مثقف أو إعلامي أو محلل سياسي أو معارض!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الديمقراطية كقوة تحرير! ..ميشيل كيلو

2011-07-18

القدس العربي

ما أن يتلفظ مواطن عربي بكلمة ديمقراطية، حتى يسارع حكام عرب كثيرون إلى معاملته على طريقة الزعيم النازي جورنج، الذي قال: ما ان اسمع كلمة ثقافة، حتى أسارع إلى تحسس مسدسي !. المطالب بالديمقراطية في معظم بلداننا العربية إما عميل أو 'أهبل'. إنه عميل اشترته الإمبريالية والصهيونية، أو أهبل يسهل تلاعبهما به، فلا ينفع معه حوار أو إقناع، وينفع ما قاله زعيم ألماني آخر هو الملك فريدريك الثاني: لا دواء للديمقراطيين غير العسكر!.

 

ومع أن من المفهوم أن تكون الصهيونية قد طالبت النظم العربية بكل شيء إلا الديمقراطية والإصلاح، فإنه يثير العجب أن تكون نظمنا في معظمها مصممة على اعتبار الديمقراطيين طابورا أجنبيا خامسا، والديمقراطية مؤامرة امبربالية / صهيونية ستغرق مجتمعات العرب، المتخلفة والمحتقنة بشتى أنواع المشكلات غير المحلولة وغير القابلة للحل، في العنف، وستفجر دولها، إذا ما تراخت قبضتها الأمنية: حافظة السلام والوئام الاجتماعيين والوحدة الوطنية. في هذا النوع من الفهم، ليست الديمقراطية ولا يمكن أن تكون إلا أكذوبة تفضحها مكوناتها: فهي ' والمجتمعات العربية في حروب أهلية لا نهاية لها!.

 

بهذا الخطاب، واجهت وتواجه نظم عربية كثيرة المطالبين بالديمقراطية من مواطنيها، وتعتبرهم خارجين على الوحدة الوطنية والقانون، داعين للعنف ولتدمير مجتمعاتهم ودولها، لمصلحة الإمبرياليين والصهاينة. بذلك تنقلب الديمقراطية من نظام هو أكثر النظم التي عرفتها البشرية على مر تاريخها مواءمة للمواطنة، وسيادة القانون، والقضاء المستقل، والعدالة، والحرية، وسيادة الشعب، والانتخاب الحر، والنظام التمثيلي، وتبادل السلطة، والدولة المدنية والفرد الحر إلى دعوة للحرب الأهلية والفوضى والعنف، وينقلب أنصارها ودعاتها من وطنيين يقلقهم كثيرا تدهور أحوال أوطانهم ومواطنيهم طيلة نصف القرن المنصرم، إلى أوغاد ومجرمين يستحقون السجون والمنافي والقتل، لأنهم يطالبون بشيء خطير وفي غير وقته، ليس المجتمع العربي قابلا به أو مؤهلا له، ويدعون إلى شيء جميل بالكلمات ويريدون شيئا آخر قبيحا في الواقع، بدعوتهم إلى الديمقراطية والحرية، التي تحجب رغبتهم في الفوضى وتدمير أوطانهم.

 

أخيرا، شرع حكام عديدون يقولون: نحن لسنا ضد الديموقراطية، لكن مجتمعاتنا ودولنا ليست ناضجة لتطبيقها بعد. ومع أن هؤلاء يعفون أنفسهم من المسؤولية عن 'عدم نضجها' المزعوم، مع أنهم انفردوا بحكمها طيلة العقود الخمسة الأخيرة وقرروا مصيرها وحدهم ودون العودة إلى مواطنيهم، فإنهم يدعون الرغبة في تحقيق الديمقراطية، ولكن في الوقت المناسب. من جهة أخرى، يزعم هؤلاء أنهم ضد الديمقراطية الملغومة والفورية التي يدعو إليها المثقفون. ويقولون: سنطبق ديمقراطيتنا الرشيدة بمجرد أن تنضج شروط تطبيقها وتخرج مجتمعاتنا من التأخر والتخلف والانقسام. وهم يغضبون إن أنت عزوت التأخر والانقسام إلى سياساتهم وخياراتهم، أو ذكرتهم بأن وجود التأخر والتخلف في مجتمعاتنا، بعد سنوات حكمهم الطويلة، دليل دامغ على فشلهم، وأنه كان يجب أن يدفعهم إلى ترك السلطة لا التمسك بها، خاصة بعد إخفاق وعودهم الكثيرة والمتكررة بالتقدم، ونجاحهم منقطع النظير في كتم أنفاس شعوبهم وتنمية عوامل تأخرها وتخلفها، لأن نظامهم لم ينتج غير التأخر والانقسام وما شابههما من معوقات نشوء وتطبيق الديمقراطية، وأجهز على ما كان متوفرا في مجتمعاتنا من شروط تحقيق الحكم الرشيد والحداثة.

 

لنقفز الآن من فوق حقيقة معروفة للخاصة والعامة، هي أن النظم الشمولية تثقل كاهل أوطانها بأحمال ضخمة من المشكلات المعقدة، وتنتج بمرور الوقت واقعا يتعاظم تعقيده، بينما تتناقص قدرتها السياسية والأيديولوجية على التصدي لمعضلاته، لذلك تغرق بلدانها في أزمات لا تجد ما تواجهها من خلاله غير خيارات وممارسات فات زمانها، تنبثق من انقلابها إلى نظم تقليدية تزداد رجعية ومحافظة، وتكره التغيير وتقاومه، مهما كان جزئيا ومحدودا، وتعيش خارج عصرها وتفرض على مواطنيها أنماطا ماضوية من التفكير لا تنتمي إلى عالم البشر!.

 

هذا هو حال الديمقراطية والمطالبين بحكمها عندنا. لوتأملنا الآن ما جرى في قارة أمريكا اللاتينية، حيث دارت معارك هائلة المعاني والأبعاد، استخدمت شعوب متأخرة وشبه محتلة الديمقراطية فيها كأداة للتحرر من سيطرة الخارج الأمريكي، بعد أن فشلت في تحرير نفسها عبر الكفاح المسلح، وشقت بمعونة الانتخابات الحرة دروبا كانت مغلقة مكنتها من استعادة أدوار ومواقف فقدتها منذ زمن طويل.

 

ومع أن معركة الديمقراطية جرت وتجري هناك في بلدان متأخرة تواجه أزمات معقدة، فإنها لم تتسبب في نشوب أية حرب، أهلية كانت أم خارجية، بل وضعت حدا لما كان دائرا من حروب، بعد أن أوصلت إلى السلطة قوى عجز كثير منها عن الاستيلاء عليها بقوة السلاح (نيكاراغوا على سبيل المثال). تعيش بلدان أمريكا اللاتينية ثورة ديمقراطية حملت إلى السلطة قوى يسارية واشتراكية مناوئة للرأسمالية وصديقة لكوبا، عدو واشنطن اللدود، التي كانت تعتبرها 'حديقة أمريكا الخلفية'.

 

فهل كان بالإمكان وصول اليسار إلى السلطة بغير الإرادة الشعبية، أي بغير الديمقراطية ؟

 

وهل كانت أمريكا ستسكت على ضياع جزء كبير من قارة هي حقا حديقتها الخلفية، لو أخذ اليسار السلطة ضد إرادة شعوبها الحرة، ولم تطح صناديق الاقتراع بالحكومات الموالية لها، وتجد نفسها مرغمة على قبول حكومات ونظم اليسار الجديد، لا تستطيع إسقاطها على غرار ما فعلته ذات يوم في تشيلي، حيت أسقطت الرئيس الليندي المنتخب ديمقراطيا ؟. أليس أمرا فائق الدلالة أن هذه الحكومات الديمقراطية هي التي تقيم لأول مرة في تاريخ القارة علاقات ندية مع واشنطن: المقيدة اليدين والعاجزة عن فعل أي شيء، التي تبنت موقفا معاديا من انقلاب عسكري في هندوراس ضد رئيس منتخب، كي لا تستفز شعوب ودول القارة، وتبدو وكأنها تعادي خيارها الديمقراطي؟!.

 

لماذا تحرر الديمقراطية أمريكا اللاتينية من السيطرة الأمريكية، ومن حكم الطبقات والقوى التقليدية الموالية لها، ومن التخلف السياسي والاجتماعي، ولا يمكنها القيام بالدور ذاته عندنا؟ ألا يكذب ما يحدث هناك ما يقال هنا حول الديمقراطية ؟

 

وهل يمكن للديمقراطية أن تكون أداة تناسب شعوب أرض الله الواسعة، بينما لا يمكن أن يوجد ما يناسبنا نحن غير الاستبداد، وحرمان مواطنينا من حقوقهم، واضطهادهم وإخضاعهم لإرادة تجافي إرادتهم؟. هل خلق الله غيرنا لينعم بالحرية، وخلقنا نحن لنعيش ونموت عبيدا؟

 

تثبت الديمقراطية، كما تمارس في أمريكا اللاتينية، أنها نظام الحكم الوحيد القادر على التعبير عن إرادة المواطن وحريته، وأنها دليل على يقظة شعوب مظلومة تستعيد دورها وثقتها بنفسها، وتثق بالقوى والأفكار الداعية إلى المساواة والعدالة والحرية، وتجدد وتعزز مشروعها التغييري، بعد أن كانت 'ثورات 'السلاح والعنف قد أوصلتها إلى قاع العجز واليأس.

 

تسقط ديمقراطية أميركا اللاتينية خطاب وحجج أعداء الديمقراطية في عالمنا، وخاصة في وطننا العربي، الذي بدأ يلتحق بالركب وقام بثورتين ناجحتين اعتبرتا نموذجا يحتذى للنضال الشعبي، السلمي والمدني، في سبيل الحرية والكرامة، ويواصل كفاحه من أجلهما في أكثر من بلد عربي، مع فرص نجاح لا يستهان تبدو مؤكدة. ألا يؤكد هذا أن من يجنح إلى الحرية والديمقراطية يربح، ولو كان عدوه أمريكا، ومن ينبذها ويعاديها يخسر، كما خسرت نظم عربية بالأمس القريب، وتخسر اليوم أيضا، وستخسر في المستقبل جميع معاركها ضدها وضد الشعب الذي يناضل في سبيلها، لأنها كانت قد خسرت ثقته وولاءه لها!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في مظاهرة المثقفين والفنانين بدمشق .. فايز سارة

الشرق الاوسط

19-7-2011

إبان اعتقالي الأخير في نهاية الأسبوع الثاني من انطلاق حركة الاحتجاج والتظاهر، قيل لي إنني كنت أحد المحرضين على التظاهر في إحدى ضواحي دمشق، وقد نفيت أنني فعلت ذلك، وأكدت أنني لا أعرف المنطقة أصلا، وهو أمر دفع المحقق لسؤالي عما إذا كنت مؤيدا للتظاهر، فقلت له إنني أعارض «التظاهر القاتل»، بمعنى أنه إذا كان الاشتراك في مظاهرة يمكن أن يؤدي إلى القتل، فأنا أعارض المشاركة في التظاهر.

 

غير أن هذه الفكرة في اختبارها السوري أثبتت أنها خارج السياق التطبيقي. فمنذ انطلاق المظاهرات في مارس (آذار) الماضي، صار الموت برصاص الأمن في المظاهرات الشعبية أحد المصائر التي تنتظر المشاركين فيها، والأخف في تلك المصائر هو الإصابات الجسدية غير القاتلة، التي ينجم بعضها عن الرصاص، أو نتيجة الضرب بأدوات مختلفة من قبل عناصر الأمن أو عناصر الشبيحة، وقد يكون الاعتقال بصورتيه المباشرة أو اللاحقة، الذي يأتي بعد المشاركة في التظاهر نتيجة صور يلتقطها أو تقارير يكتبها الوشاة وأعوان الأمن، تتعلق بالمشاركين بالمظاهرات. لقد أدت المظاهرات والاحتجاجات في ال4 أشهر الماضية إلى إصابة آلاف المتظاهرين، بعضهم ماتوا وكثيرون جُرحوا، وبعض هؤلاء أصيبوا بعاهات دائمة، بينما الآلاف من الذين شاركوا في المظاهرات اعتقلوا، وأكثر من هؤلاء مطاردون من الأجهزة الأمنية ومعرضون للاعتقال في أي وقت.

 

ربما كانت تلك الأوضاع سببا في تأخير المشاركة المباشرة والخاصة لجماعات المثقفين والمبدعين في حركة التظاهر والاحتجاج، التي تواصلت في كثير من مدن سوريا وقراها، لكن هذا لم يمنع كثيرا منهم من المشاركة الشخصية في فعاليات الحراك الشعبي بما فيها المظاهرات، وقد اعتقل بعضهم في الأشهر الماضية في دمشق ومدن وقرى سورية عدة. وقد يكون ذلك بين عوامل أدت إلى تنادي المثقفين والمبدعين السوريين لتنظيم مظاهرة تخصهم بهدف التعبير عن مواقفهم من جهة، وتأييدا للحراك الشعبي في سوريا عشية دخوله شهره الخامس، وتجاوبت مع الدعوة مجموعة من المثقفين بينهم كتاب وصحافيون وفنانون منهم ممثلون ومخرجون في إطار حركة «مثقفين من أجل سوريا».

 

وبطبيعة الحال، فإن المظاهرة كانت في أحد جوانبها تأكيدا لحضور المثقفين والفنانين في الحراك العام، وتأكيدا لحق المبدعين، كمواطنين سوريين، في التظاهر حسبما ينص عليه الدستور السوري، وهو الحق الذي سُلب من عموم السوريين على مدار عقود، بحيث صار التظاهر «خارج القانون» وعندما تم السماح به في الآونة الأخيرة، جرى تقييده إلى درجة المنع المؤكد، إضافة إلى الأخطار المحيطة بالتظاهر.

 

وبغض النظر عن الحيثيات المتصلة بدخول المبدعين السوريين حيز التظاهر، فإن ذلك ترافق مع تطور عام، أساسه قيام السلطات بإعلان توجهها نحو الحوار باعتباره نهجا تتوجه إليه في سياق معالجة الوضع القائم، وهو ما ترافق مع عقد الاجتماع التشاوري لهيئة الحوار الوطني برئاسة نائب الرئيس فاروق الشرع، الذي سبق المظاهرة بأيام؛ حيث أقر الاجتماع التشاوري توصيات طالبت النظام بالتوجه نحو دولة ديمقراطية تعددية، السلطة فيها للشعب، دولة محمية بإعلام حر، وانتخابات حرة، الأمر الذي يعني تحولا في معالجة السلطات السورية من مسار الحل الأمني – العسكري إلى مسار الحل السياسي الذي يتطلب وقف العنف والاعتقال ومطاردة النشطاء، وإشاعة الحريات العامة، بما فيها حرية التظاهر، التي تمثل مظاهرة المبدعين من مثقفين وفنانين أحد تعبيراتها، خاصة أن هذه المجموعة أبعد ما تكون عن الاتهام بالعنف والتنظيمات المسلحة والسلفية وغيرها.

 

لقد قوبلت المظاهرة بإجراءات أمنية مشددة من ناحية إغلاق الطرق المحيطة، ونشر القوى الأمنية على محيط ربع ضلعه مئات الأمتار، إضافة إلى تحشيد رجال أمن وشبيحة في المنطقة، الأمر الذي حوَّل المنطقة إلى ثكنة، واعتقال بعض القادمين إلى المظاهرة بصورة مسبقة. وكلها لم تمنع من تجمهر القادمين للتظاهر في عدة تجمعات ما لبث أحدها أن أطلق المظاهرة بالنشيد الوطني، ثم بالهتاف لسوريا وللحرية قبل أن يتدخل الأمن والشبيحة لتفريق المتظاهرين بالقوة، واعتقال عشرات وتم الاعتداء على كثيرين ضربا بطريقة وحشية.

 

لقد أكدت تلك الممارسة أن النظام لا يتجه إلى تغيير توجهاته بالسير نحو التحول إلى السياسة بدلا من القوة والعنف؛ إذ أكدت الوقائع ما هو شائع في المعرفة السورية من أن هناك فارقا يصل إلى درجة التباعد بين القول والفعل، وهذا أحد ملامح الأزمة القائمة الآن في سوريا، وقد أضافت الوقائع إلى ما سبق احتجاز المعتقلين والمعتقلات لعدة أيام في الأمن الجنائي، وتم الاعتداء على معظم المعتقلين في فترة اعتقالهم، قبل أن يتم إطلاق سراحهم وإنهاء الفصل الأخير من مظاهرة المثقفين والفنانين في دمشق، التي كانت اختبارا للنظام واختبارا لدخول هذا القطاع دائرة الحراك الشعبي العام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أين العرب من سوريا؟ .. د.خالد الحروب

الإثنين 18 يوليو 2011

الاتحاد

العالم كله مشغول بما يحدث في سوريا وفي ثورتها والقمع الذي يتعرض له شعبها. الولايات المتحدة تراقب عن كثب كلينتون تصدر كل يوم تصريحاً ينبي بالقلق الأميركي والمتابعة اللصيقة وتطور الموقف. والاتحاد الأوروبي يلاحق ما يحدث على الأرض ويخرج كل يوم بمشروع أو فكرة أو تصريح. التحركات في مجلس الأمن لا تهدأ للوصول إلى قرار يدين قمع النظام للشعب، ويحاول أن يوقف البطش المتواصل في حق الناس العزل. تركيا أصبحت وكأنها طرف في الثورة السورية: تفتح حدودها للاجئين الهاربين، وتفتح عاصمتها ومدنها لمؤتمرات المعارضة والثورة، وتقف حكومتها بكل يقظة على آخر التطورات. وإسرائيل قبل هؤلاء جميعاً ترسم السيناريوهات البديلة وتتحسب لكل نهاية وتعمل مع الولايات المتحدة من دون كلل لتضمن مصالحها وتحاول دفع رياح التغيير باتجاه أشرعتها. كل هذه الأطراف تندفع من منطلق المحافظة على مصالحها بكل تأكيد، سواء أكانت تأييداً للثورة أم تأييداً للنظام أم مجرد الحياد وانتظار النتيجة. ولكن أكثر هذه الأطراف، وفي سياق إعادة ترسيم شكل مصالحها تلك، تزعم أنها تبني سياستها بناء على انحياز للشعب السوري وثورته ومطالبه المشروعة. وفي كل حالة من حالات المواقف المختلفة يمكننا اختبار مدى جدية هذا الزعم أو الخداع الذي يحتوي عليه. ولكن المهم في كل ذلك أن إرادة الشعب السوري الصلبة وثورته المتواصلة التي تدخل شهرها الخامس أجبرت كل الأطراف حتى أكثر المتحالفين مع النظام القائم على تغيير موقفهم. وأحد الدروس البليغة التي أفرزتها الثورات العربية، وتؤكدها الثورة السورية الآن، هو أن إجبار المواقف الغربية على تفكيك تحالفاتها التقليدية والإمبريالية مع بعض الأنظمة يمكن أن يتحقق والطريق إلى تحقيقه هو الإرادة الشعبية.

 

أما الطرف الوحيد الذي يبدو وكأنه يعيش على كوكب سياسي آخر إزاء ما يحدث في سوريا فهو النظام العربي و بعض الحكومات العربية العتيدة، حيث تتمسك بالجمود في مواجهة حرارة ودموية وتاريخية وخطورة ما يحدث في سوريا. كأن ما يحدث في سوريا، وضد شعبها، ليس في قلب المنطقة العربية وعلى حدود أكثر من دولة عربية، كما أن نتائجه ستؤثر في كل الوضع العربي. وبذلك يُترك الشعب السوري في مواجهة آلة النظام وحده وينتشر صمت مطبق في عواصم العرب. والتحرك الوحيد الذي أظهره النظام العربي تمثل في الزيارة التي أداها نبيل العربي، أمين الجامعة العربية الجديد، لدمشق وللأسد ليُنقل عنه تصريحات تفيد بأنه ليس من حق أحد نزع شرعية النظام الحاكم هناك. نبيل العربي الذي جاءت به ثورة شعبية نزعت شرعية نظام مبارك، وساندها العالم كله خضوعاً لإرادة المصريين القوية، لم تصدر عنه كلمة تأييد أو حتى تضامن مع الشعب الذي يطحن يوميّاً في المدن والحواضر السورية. ولكن العربي، وللإنصاف، لا ينطق عن نفسه بل عن نظام عربي عام.

 

ولكن هذا المنطق على ما فيه من واقعية بشعة لا يلغي الحقيقة المرة وهي أن الشعب السوري وثورته يُتركان لكل الأطراف الأخرى ولتدخلاتها ولتأثيراتها ولرسم طبيعة التحالفات المستقبلية. ولذا تُسجل هذه الأطراف نقاطاً لحسابها من خلال تأييدها المصلحي للثورة الشعبية لأن الساحة خالية والغياب العربي مذهل. ولأن الثورة، أية ثورة، تحتاج إلى كل أنواع الدعم، خاصة السياسي والدبلوماسي، فإن التسرع باتهامها واتهام قيادتها بهذه التهمة أو تلك فيه نزق سياسي. ماذا تفعل الثورة السورية والشعب السوري إزاء تخلي العرب والأنظمة العربية عنهم؟ هل يعتذرون للنظام عن انتفاضاتهم ويقولون له أخطأنا وسنعود إلى بيوتنا حتى تعود كما كانت الحال طوال العقود الأربعة الماضية وأكثر؟ نعرف جميعاً أن سيرورات الأحداث الكبرى تنفر من الفراغ السياسي والقيادي، وأي فراغ حادث يتم ملؤه بسرعة بآلية تشبه فيزياء الأواني المستطرقة. وعندما يغيب العرب في إقليمهم هم، وفي منطقتهم هم، وفي سوريا الخاصة بهم، فإن ذلك الغياب ليس إلا دعوة مفتوحة لكل القوى الخارجية كي تتدخل وتؤثر في مسار الأحداث. والشيء الغريب هو أن عقيرة العرب، وبعض الرسميين على وجه الخصوص، سرعان ما ترتفع عندما تتدخل الأطراف الأخرى لأن مستوى القمع وإسالة الدماء تجاوزت قدرة الجميع عن التعامي عنها. لا يقدم العرب أي حل، ولا يحتضنون الثورة السورية حتى تبقى في الفضاء العربي مصلحيّاً واستراتيجيّاً ومستقبليّاً، ولا يفتحون عواصمهم حتى لاستضافة مؤتمرات المعارضة السورية، طاردينها إلى خارج المنطقة العربية، ثم يتصايحون بعد ذلك كله ضد "التدخل الخارجي". وهذا يشير إلى بروز مسار جديد يشق طريقه مع الثورات العربية على العموم، فارضاً نفسه على مرأى منا جميعاً ومعه مقادير كبيرة من الغموض والحيرة، ألا وهو موقف وعلاقة الغرب من، ومع، هذه الثورات. فهناك من ناحية التقصير العربي المريع في احتضان هذه الثورات، وهو طبعاً احتضان لا يمكن أن يتم، وهناك من ناحية أخرى حاجة هذه الثورات للدعم والمساندة. وخلاصة ذلك تتمثل في محاصرة هذه الثورات بالمعادلة المستحيلة: عليها أن تواصل الثورة والتعبير عن إرادة الشعب، ولكن من دون غطاء أو دعم عربي، وعليها أيضاً أن ترفض أي دعم خارجي، بل وعليها أن ترفض كذلك مجرد التأييد اللفظي الخارجي وخصوصاً الغربي. فإن حدث وأن صدر تصريح غربي هنا أو هناك ليقف مع حقوق الشعب السوري فإن الثورة السورية تصبح متهمة بأنها عميلة للغرب. ولا أحد يقلل من عمق التجربة التاريخية المريرة مع الغرب في المنطقة، التي جوهرها الشك (المنطقي في أغلب الأحوال) في أي موقف غربي إزاء أية قضية في المنطقة. ولكن علينا الانفكاك من تعميم تسيس ساذج وطفولي في الوقت نفسه. فطوال عقود طويلة كان انتقادنا الأكبر للسياسة الغربية يقوم على أنها تتحالف مع بعض الأنظمة ضد الشعوب لتحقيق مصالحها. وكانت المطالبة الدائمة بوجوب احترام الغرب مصالح الشعوب العربية والتعامل معها وليس مع بعض الأنظمة لتحقيق المصالح المشتركة كما هو منطق السياسة. أما الآن فنحن أمام مرحلة جديدة، هي أن الشعوب تفرض على السياسة الغربية أن تفكك تحالفها القديم والتقليدي مع بعض الأنظمة وأن تتعامل مع الإرادة الشعبية. وعندما يبدأ هذا في الحدوث نتوتر ونقول إننا لا نريد أن يؤيد الغرب الثورات العربية، نريده أن يؤيد بعض الأنظمة -وهذا يحتاج إلى مقاربة منفصلة. ولكن كل الدمار الذي قد يصيب أي تحول إيجابي في المنطقة مرده إلى التكلس العربي والجمود وعدم الفعل الجماعي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العربي و«بئس القول» في دمشق! ... جميل الذيابي

الإثنين, 18 يوليو 2011

الحياة

هل كانت زيارة الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل العربي إلى دمشق لمؤازرة نظام الأسد أم لمواساة الشعب السوري أم لمساندة «الشبيحة» على تقطيع أوصال الثورة؟ هل ذهب العربي إلى دمشق خجولاً أم وصل عجولاً؟ لماذا لم يجد العربي جملة مفيدة يقولها للشعب السوري ومن ورائه شعوب عربية «غاضبة» خلال زيارته للأسد إلا القول بأن «الجامعة العربية ترفض أي تدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية ولا يحق لأحد سحب الشرعية من أي زعيم عربي لأن الشعب هو من يقرر ذلك»، في رد على تصريحات البيت الأبيض بأن الأسد «فقد شرعيته».

 

ماذا كان يسمع العربي ويشاهد على الشاشات التلفزيونية ويقرأ في الصحافة ووكالات الأنباء عما يفعل نظام الأسد بالشعب السوري وبماذا يطالب المحتجين، أليس برحيل الأسد ونظامه وتفكيك حزبه؟ هل أراد العربي التجاهل أو التذاكي أو التغافل عما يحدث في المدن والبلدات السورية من إراقة للدماء البريئة؟

 

للأسف الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية صوَّب المسدس على رؤوس المتظاهرين «المسالمين» في سورية في أول زيارة إلى دمشق بعدما تسلَّم مهماته «العروبية» في جامعة لا حول ولا قوة لها إلا الكلام فقط.

 

لقد كانت الشعوب العربية تنتظر من العربي قولاً سديداً ورأياً حكيماً يصون الأنفس ويحفظ الكرامة ويدافع عن المطالب المشروعة للشعب السوري والشعوب العربية الأخرى وينتقد الممارسات «البعثية» و»العبثية»، وإذا به يقلب الآية رأساً على عقب. حضر العربي إلى دمشق لا ليقف إلى جانب المطالب الشعبية بل ليجامل حزب البعث ويتجاهل ممارساته القمعية والوحشية ويسجِّل زيارة رسمية «كرتونية».

 

«هزلت يا عربي» قالها المتظاهرون في الشارع السوري للأمين العام الجديد قبل أن يغادر مطار دمشق بعدما سمعوا ما قال وعاد خالي الوفاض. كان السوريون ينتظرون أن يسأل العربي بشار الأسد بأي ذنب يُقتلون ويُسحلون ويُركلون ويُهجَّرون وتهدُّ بيوتهم على رؤوسهم ويودعون في السجون، وإذا به يتجاهل الشعب «الثائر» ويجامل النظام الحاكم.

 

«هزلت يا عربي» ستُقال ليس للعربي وحده، بل ستُقال بالفم المليان لكل من لا يقدر الشعوب ورغباتها وحقوقها وأمنها وكرامتها وحريتها.

 

لا تحسب للعربي «عروبته» عبر تسويق «مخدر» الشعارات القومية التي سئمت الأجيال من نفثها وتكرارها والبطون خاوية والحقوق ضائعة، ولن يغفر التاريخ (للأمين الجديد) مجاملة نظام الأسد والتماهي «بصمت» مع شبيحة نظامه وقتل المتظاهرين. ألم يكن العربي من بين الذين رفعوا الصوت انتقاداً ضد نظام حسني مبارك وندَّد بقتل المتظاهرين في بلاده خلال ثورة 25 يناير لماذا لا يفعل الشيء نفسه في دمشق؟ إلا يعلم العربي أن نظام مبارك «جنة» إذا قورن بنظام الأسد؟ لماذا لم يستنكر العربي تصريحات مسؤولي البيت الأبيض عندما دعوا مبارك إلى التنحي فوراً. هل هناك فوارق في مواد الجامعة العربية بين التدخل الأميركي في شؤون القاهرة أو دمشق؟ أليست التصريحات الأميركية الموجَّهة للجمهوريات العربية واحدة وإن اختلف الزمان والمكان ودرجات الأسبقية في البرقية «البيضاوية»؟ هل يعرف العربي كم قتل «شبيحة» الأسد حتى اليوم من المواطنين الأبرياء؟ أليس القتلى بالمئات والجرحى بالآلاف وبينهم نساء وأطفال؟ هل يعرف كم عدد النازحين والمهجَّرين «قسراً» الفارين من جحيم آلة الجيش العسكرية و «شبيحة النظام»؟ هل يعرف عدد المعتقلين والمعذبين في السجون السورية في قضايا الرأي العام؟ هل يعرف ماذا فعل «شبيحة» النظام بالطفل حمزة الخطيب وكيف نكَّلوا به وشوَّهوا جثته ومعه أطفال آخرون؟ هل يعرف العربي ماذا فعل نظام الأسد، بحنجرة إبراهيم قاشوش، بعد تأليفه أغنية، «يلا ارحل ارحل يا بشار»، وكيف ذبحوه بطريقة همجية وشقوا حنجرته بالسكين من الوريد إلى الوريد، ومزقوا جسده بالرصاص ثم رموه في نهر العاصي.

 

الشعوب العربية المظلومة والمكلومة بحاجة إلى كل الوقفات المؤيدة لحقوقها وحريتها وكرامتها وعزتها سواء من البيت الأبيض أو قصر الاليزيه أو داوننغ ستريت أو غيرها، في ظل «صمت» و «غياب» العواصم العربية عن استنكار ما يحدث في سورية من آلة عسكرية وأمنية ونظام لا يرحم، يقتل الشعب ويحرق الجلود ويقطع الحناجر بالخناجر ويحفر المقابر للمئات ويفتح السجون للآلاف.

 

أعتقد أن أخف كلمة تقال لنبيل العربي من الشعب السوري «الثائر» رداً على موقفه الأخير «بئس ما قلت» فقد فشلت في أول زيارة عمل رسمية في مهمتك الجديدة، ويجب أن ترحل مع الراحلين ولا حاجة لمن يجامل الأنظمة القمعية ويقف ممانعاً أمام الثورات الشعبية المطالبة بالإصلاحات والحريات ضد سلاطين الظلم والطغيان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أربعة شهور على الثورة.. سوريا على مفترق طرق

مسار الثورة السورية سيكون أطول نسبيًا من مسار الثورات العربية الأخرى، حتى تلك التي استمرت شهورًا مثل ليبيا واليمن (الجزيرة)

مركز الجزيرة للدراسات 16/7/2011

في منتصف هذا الشهر، يوليو/تموز، تكمل الثورة السورية شهرها الرابع؛ فما بدأ حراكًا شعبيًا محدودًا ومتفرقًا، بين مدينة وبلدة وأخرى، تحول إلى مظاهرات شعبية حاشدة تضم مئات الألوف في بعض الحالات وعشرات الألوف في معظمها. وما بدأ دعوة للإصلاح ومطالب محلية وفئوية، تحول إلى دعوة صريحة إلى إسقاط نظام الحكم والتغيير الجذري.

وكما في أغلب الدول العربية التي تشهد حراكًا ثوريًا جماهيريًا، يعود هذا التطور الكبير في مسار الثورة الشعبية السورية إلى تباطؤ النظام في الاستجابة لمطالب الشعب، وإلى العنف البالغ الذي وظّفه لإخماد الحراك الشعبي، وإلى مزاج تغييري عام يجتاح المجال العربي.

وقد شهدت الأشهر الأربعة الماضية تبلورًا متزايدًا لقدرة القوى الشعبية وقوى المعارضة السورية التقليدية على تنظيم نفسها. كما شهدت افتراقًا واضحًا في مواقف القوى الإقليمية من الثورة السورية. وإضافة إلى ذلك، شهدت تصاعدًا في المواقف الدولية، سيما الأورو-أميركية، من النظام وسياساته. فكيف يمكن تقييم الوضع الراهن للثورة السورية؟ وإلى أين يمكن أن يمضي التدافع، الدموي أحيانًا، بين القوى السياسية والشعبية، من جهة، ونظام الحكم، من جهة أخرى؟

 

الحراك الشعبي

تواصل القوى الشعبية السورية التعبير عن معارضتها للنظام وسياساته في أغلب المدن السورية؛ وقد أظهرت قدرة فائقة على الاستمرار. وإن كانت المدن التي تتعرض لاقتحام أمني–عسكري، كما حدث في درعا وبانياس واللاذقية وحمص وحماة، تهدأ قليلاً، إلا أنها سرعان ما تعود إلى الشارع بوتيرة أعلى من السابق. وبالرغم من أن تقارير أفادت بوصول أعداد المعتقلين إلى 15 ألف معتقل، وأن القوات العسكرية التي نشرها النظام في أنحاء سوريا، إلى جانب وحدات الأمن ومجموعات الميليشيات الموالية للنظام، بلغت عشرات الألوف من الجنود و3000 دبابة وسيارة مدرعة، فإن التظاهرات الشعبية في تصاعد، سواء على مستوى عدد المدن والبلدات، أو على مستوى الجموع المشاركة فيها.

وإضافة إلى أيام الجمعة، التي أصبحت الموعد التقليدي للتعبير الجماهيري الأكبر كل أسبوع، فإن الأمسيات السورية أخذت تشهد العديد من المظاهرات في مدن مختلفة.

والواضح أن الحراك الجماهيري السوري بات أكثر تنظيمًا، وأن ما يُعرف بالتنسيقيات المحلية هي الآن أكثر استقرارًا وقدرة على تجديد نفسها كلما تعرض بعض عناصرها للاعتقال. وتساهم مواقع الإنترنت السورية مساهمة رئيسية في تحديد جدول الفعاليات وشعاراتها؛ ولكن التنسيقيات المحلية لا يجمعها إطار واحد.

ولم يزل عنصر الضعف الرئيس في الحراك الجماهيري، العجز عن دفع مدينة حلب، ومعظم أحياء العاصمة دمشق، إلى المشاركة، بالرغم من الجهود التي بذلها النشطون السوريون خلال الشهر الماضي في مدينة حلب على وجه الخصوص. وإن كان ثمة أحياء محدودة من حلب تشهد مظاهرات أسبوعية، ولكن المدينة التجارية–الصناعية الأكبر في سوريا، ذات الميراث السياسي الكبير والدور البارز في رسم مستقبل البلاد، لم تُلقِ بثقلها بعد في فعاليات الثورة.

الأمور في دمشق تختلف قليلاً؛ ففي أحياء مثل القابون وركن الدين والميدان، والقدم والحجر الأسود، ثمة حراك جماهيري كبير بالفعل. ولكن هذا الحراك ليس كافيًا بعد لتأمين موقع احتجاجي دائم مثل ميدان التحرير في القاهرة وميدان التغيير في صنعاء. وليس ثمة شك في أن النظام يدرك عمق وحجم التحدي الجماهيري الذي يواجهه؛ وهذا ما دفعه إلى تنظيم مظاهرات موالية في دمشق ومدن أخرى، يُعتقد أن أغلب المشاركين فيها من موظفي الدولة أو أعضاء حزب البعث، وإلى تعظيم السيطرة الأمنية في دمشق وحلب.

 

قوى المعارضة

بدأت حركة تنظيم قوى المعارضة السورية بعقد مؤتمر أنطاليا في بداية يونيو/حزيران، الذي ضم قطاعًا واسعًا من تيارات المعارضة السورية في الخارج، ثم تلاه عقد مؤتمر آخر بمدينة بروكسل (6 يونيو/حزيران)، غلبت عليه السمة الإخوانية. وفي مطلع يوليو/تموز، تنادت شخصيات معارضة مستقلة داخل سوريا للقاء عُقِد بفندق سميراميس، ترأَّسه الأكاديمي منذر خدام وضم عددًا من المثقفين والكتاب المعارضين. وقد أفادت تقارير بأن النظام لم يسمح بعقد اللقاء قبل أن يتأكد من مشاركة عدد من الموالين له؛ ولكن اللقاء انتهى على أية حال ببيان لم يكن لصالح النظام.

وخلال أيام من عقد لقاء فندق سميراميس، قام النائب في مجلس الشعب، محمد حبش، بعقد لقاء قال عنه: إنه يمثل الكتلة الثالثة، التي لا تتفق بالضرورة مع المعارضة أو النظام. ولكن الواضح أن لقاء حبش كان المقصود به توفير فرصة أخرى للنظام.

كما أعلن المعارض السوري القومي حسن عبد العظيم (10 يوليو/تموز) عن تشكيل الهيئة التنسيقية لقوى التغيير الديمقراطي، ضمت ممثلين عن أحزاب وشخصيات مستقلة، من داخل البلاد في الأغلب ومن خارجها أيضًا، عُرفت بتوجهها العلماني–الليبرالي.

وقد تداعت مجموعة معتبرة من 45 شخصية سورية من كافة الاتجاهات والخلفيات السياسية، أغلبها من داخل البلاد، إلى عقد مؤتمر إنقاذ وطني، منطلقة من فرضية أن سوريا تمر بمنعطف تاريخي، وأن النظام فقد بالفعل شرعية الحكم وأصبح مجرد طرف في ساحة سياسية تعج بالقوى، وأن حوار القوى جميعًا هو من سيحدد مستقبل سوريا.

دعا الموقعون على بيان مؤتمر الإنقاذ، الذي سرعان ما وجد تأييدًا من مئات آخرين، إلى عقد المؤتمر في العاصمة دمشق. ولكن المرجح، بعد أن تجاهل النظام كليًّا الاستجابة لهذا المطلب، أن يُعقد المؤتمر في مدينة إسطنبول في 16 يوليو/تموز، لاسيما بعد أن وصل الحقوقي المعارض الأبرز، هيثم المالح، الذي أُعلن عن ترؤسه المؤتمر، المدينة التركية فجأة.

يشير هذا الحراك السياسي السوري الواسع إلى حياة جديدة ضختها الثورة السورية في الساحة السياسية، بعد أن عملت سيطرة حزب البعث على الدولة والسياسة إلى تهميش وإضعاف كافة القوى السياسية السورية. ولكن تعددية الأطر التي تضم قوى المعارضة، تطرح سؤالاً مهمًا حول ما إن كان للمعارضة أن تتفق في النهاية على الحديث بصوت واحد، أو ما إن كان واحد من تجمعات المعارضة المتعددة سيبرز في النهاية باعتباره التيار الرئيس، أو ما إن كان تعدد قوى المعارضة سيفسح مجالاً للنظام لاحتواء بعض من أجنحتها.

 

النظام

ما إن مرت لحظة المفاجأة الأولى، وما أن أدركت قيادة النظام أنها تواجه حراكًا شعبيًا يصعب السيطرة عليه، حتى طورت إستراتيجية عمل من مقاربتين: ترتكز الأولى على استمرار عمليات القمع الأمني-العسكري في كافة أنحاء البلاد، سيما المدن والمناطق التي تشهد الحراك الجماهيري الأشد؛ والثانية على الإعلان عن خطوات إصلاح قانوني ودستوري، تنفذ على مدى شهور، وبدون جدول زمني ملزم. هذه الازدواجية في سياسة النظام كانت أحد أهم أسباب فقدان الثقة الكبير الذي بات يحيط بالعلاقة بين النظام والشعب، من جانب، والنظام وأغلب قوى المعارضة السياسية وشخصياتها المستقلة، من جانب آخر.

مقاربة القمع الأمني لم تُجدِ نفعًا حتى الآن، سوى في محاصرة التحركات الشعبية في حلب وعدد من أحياء دمشق. وقد أصبح شرط إيقاف حملات القمع وإطلاق المعتقلين أحد أبرز شروط قوى المعارضة للانخراط في حوار مع النظام حول مستقبل البلاد، وأخذ مقاربته للإصلاح مأخذ الجد. ولكن النظام لم يكترث لهذه المطالب، وتصرف منذ البداية وكأن مسار الإصلاح الذي يقوده مستقل كلية عن مناخ القمع، وعن موقف قوى المعارضة والجماهير المنخرطة في التحركات الشعبية.

بدأ النظام -كما هو معروف- بإلغاء قانون الطواريء، وتشريع قانون للتظاهر السلمي، ولكن كلا القانونين لم يتركا أثرًا ملموسًا على المقاربة الأمنية-العسكرية. أما حجر الزاوية في مقاربة الإصلاح فكان الإعلان عن عقد مؤتمر حوار وطني، شكّلت له هيئة إعداد خاصة، برئاسة نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع. وقد دعت الهيئة لعقد لقاء تشاوري أولي، استمر من 10-12 يوليو/تموز، والتحق به زهاء 180 من الشخصيات المستقلة والحزبية. ولكن، بخلاف واحد أو اثنين من المشاركين، غلب على المؤتمر طابع الولاء للنظام أو الاهتمام بإصلاحات جزئية. وقد أعلنت كافة أطياف المعارضة تقريبًا وكل اللجان التنسيقية للثورة مقاطعتها للقاء ورفض الحوار في ظل المناخ الحالي المسيطر على البلاد.

انتهى اللقاء التشاوري بصدور بيان لم يترك أثرًا ملموسًا على الحراك الشعبي وقوى المعارضة، ضم مجموعة من المباديء العامة التي تتعلق بالحريات وسيادة القانون وضرورة الحفاظ على الاستقرار وهيبة الدولة. كما أكد على ضرورة أن يتناول المؤتمر المنشود للحوار الوطني وضع دستور جديد للبلاد، وسن قوانين تنظم الإعلام والتعددية السياسية.

ما يتركه موقف النظام من انطباع حتى الآن أن مقاربة الإصلاح التي يتبناها ليست جادة ومقنعة، وأن ما قُرِّر منها لم يغير شيئًا في الطبيعة الأمنية للحكم، وأن التباطؤ الملموس في خطواتها يُقصد به كسب الوقت لا أكثر، سواء لتوفير فرصة كافية للأجهزة الأمنية لاحتواء الحراك الشعبي، أو لتخفيف الضغوط الإقليمية والدولية على النظام.

بيد أن النظام يواجه تحديات أخرى قد تكون أبلغ أثرًا على المدى البعيد في إضعافه. أولى هذه التحديات، أن استمرار الحراك الجماهيري يوقع إنهاكًا ملموسًا بالقوى الأمنية والعسكرية الموالية، التي أخذت تشهد انشقاق أعداد متزايدة من الضباط والجنود. الثاني: أن مقدرات البلاد المالية والاقتصادية هي أصلاً ضعيفة، وأن الشلل شبه الكامل في النشاطات الاقتصادية والصناعية والسياحية يجعلها أكثر ضعفًا. ويُتوقع أن تصل الأوضاع المالية-الاقتصادية إلى حافة الخطر قبل نهاية العام الحالي إن استمرت وتيرة الحراك الجماهيري على ما هي عليه، وأخفق النظام في الحصول على مساعدات ملموسة من الخارج. أما إن التحقت حلب، ودمشق بكليتهما، بعجلة الثورة، فستبدأ ملامح الانهيار الاقتصادي في الظهور قبل ذلك.

 

المواقف الإقليمية والدولية

لم تزل خارطة المواقف الإقليمية بدون تغيير يُذكر منذ الأسابيع الأولى للثورة: فلم تزل إيران وحلفاؤها في الإقليم -سيما حزب الله في لبنان والقوى السياسية الشيعية في العراق- تقف بصورة واضحة إلى جانب النظام، وتؤكد على مصداقية نواياه الإصلاحية. وتتزايد التقارير التي تفيد بوجود دعم إيراني لوجستي وقيادي للجهود السورية الأمنية والعسكرية المستهدفة قمع الانتفاضة وإخمادها. بل إن تقارير أخرى تفيد بوجود دعم إيراني لنظام القذافي يستهدف إطالة أمد الأزمة الليبية، لمنع الاستفراد الدولي بنظام الرئيس الأسد.

كما أن النظام السوري يجد تعاطفًا في الأوساط العربية القومية التقليدية، وإن كانت هذه الأخيرة محدودة الحجم والتأثير في الشارع العربي؛ فأغلبية الشارع العربي في الحقيقة تقف إلى جانب الحراك الشعبي السوري وترى فيه امتدادًا لحركة الثورة العربية المستمرة منذ بداية العام.

تركيا، التي استقبلت عددًا كبيرًا من اللاجئين السوريين الفارين من بطش أجهزة النظام، لا تبدو أنها حزمت أمرها بعد. فمن ناحية، تتعاطف تركيا مع الشعب السوري ومطالبه، ومن ناحية أخرى تمارس طغوطًا متنوعة من أجل دفع الرئيس الأسد إلى تبني خطوات إصلاحية جادة. ومن الواضح أن الثقة بين دمشق وأنقرة قد تدهورت إلى حد كبير، ولكن ليس ثمة مؤشر على صحة التقارير القائلة بأن أنقرة تخطط لإقامة منطقة آمنة للاجئين على الأرض السورية، يحميها الجيش التركي؛ إذ لم يصل تدفق اللاجئين السوريين على تركيا إلى حد الأزمة الإنسانية، كما لا تأمن قيادات حكومة العدالة والتنمية رد الفعل العربي على مثل هذه الخطوة.

والمؤكد أن تطور الموقف التركي من الوضع السوري يتعلق بعدة أمور: باستمرار الحراك الجماهيري والآثار المترتبة عليه داخليًا، وبحجم التدخل الإيراني في الشأن السوري، وبحجم التفاعل الشعبي العربي، وبتطور المواقف الدولية، سواء في مجلس الأمن أو في واشنطن وموسكو.

عربيًا، تشير دلائل عديدة إلى أن الدول العربية، سيما الخليجية مثل الإمارات والسعودية، التي بنت سياستها على أساس بقاء النظام في أسابيع الثورة الأولى، باتت أقل حماسًا له الآن، وتركت بالتالي الحرية لوسائل إعلامها لمتابعة الأزمة السورية بدون قيود ملموسة؛ ففي الكويت، على وجه الخصوص، يتصاعد الدعم الشعبي للثورة السورية، سيما في الدوائر الإسلامية. والأرجح أن دول الخليج لم تصل بعد إلى تأييد إطاحة النظام، ولكنها بالتأكيد تسعى إلى تركيعه سياسيًا. في صورة عامة، وبالرغم من أن تصريحات الأمين العام الجديد للجامعة العربية، نبيل العربي، في نهاية زيارته دمشق في 13 يوليو/تموز، جاءت لصالح النظام، إلا أن أغلب العواصم العربية الرئيسية ينتابها قلق متزايد من تعمق العلاقات السورية-الإيرانية، ومن احتمال ارتهان سوريا للدعم الإيراني.

 

دوليًا، تصاعد الموقف الأميركي في صورة ملموسة بإعلان وزيرة الخارجية الأميركية فقدان نظام الرئيس الأسد للشرعية، وهو الموقف الذي جاء بعد أقل من أسبوعين على ترحيب إدارة أوباما بانعقاد لقاء سميراميس، واعتباره خطوة إيجابية. والواضح أن التصعيد الأميركي جاء ردًا على هجمات جموع موالية للنظام على السفارتين الأميركية والفرنسية، مباشرة بعد زيارة سفيري البلدين لمدينة حماة يوم الجمعة 8 يوليو/تموز. وقد أكَّد السفير الأميركي في دمشق، الذي يلعب دورًا رئيسًا في بلورة موقف بلاده من الأزمة السورية، بعد زيارته حماة على سلمية الحراك الشعبي، مكذبًا ادعاءات النظام بوجود عصابات مسلحة في التجمعات الشعبية. من جهة أخرى، كان الفرنسيون قد اتخذوا موقفًا أكثر حدة من النظام وسياساته منذ فترة مبكرة، وعملوا من البداية على تمرير قرار أممي لإدانته وفرض عقوبات محدودة عليه.

بيد أن من الواضح أنه مهما بلغ الموقف الغربي من تصعيد، فإن أقصى ما تستطيعه القوى الغربية هو اللجوء إلى إيقاع مزيد من العقوبات أو تصعيد الضغط الحقوقي والأخلاقي-السياسي. أوراق القوى الغربية في سوريا ذاتها محدودة إلى حد كبير؛ وربما كان لبنان، خاصرة سوريا الأضعف، الساحة الأكثر تعرضًا لممارسة ضغوط غربية ملموسة على دمشق. ولكن تشكيل حكومة لبنانية موالية لسوريا وإيران يجعل النافذة اللبنانية محدودة في الوقت الراهن.

ما يقف أمام المساعي الغربية لتمرير قرار أممي ضد النظام، لم يكن فقط تردد واشنطن قبل إعلان وزيرة الخارجية الأخير، وإنما الموقفان الروسي والصيني المعارضان لمثل هذا القرار، بالرغم من أن الصيغة المطروحة على مجلس الأمن تعتبر صيغة ضعيفة وغير كافية من وجهة نظر المعارضة السورية. وقد حاولت قوى المعارضة السورية تذليل الموقف الروسي المعارض بزيارة موسكو والالتقاء بشخصيات برلمانية روسية، بهدف إظهار حسن نية المعارضة تجاه العلاقات السورية-الروسية في المستقبل. ثمة مؤشرات على أن تغييرًا ما آخذ في التبلور في الموقف الروسي، ولكن أحدًا لا يتوقع تغييرًا كافيًا بدون عقد صفقة أميركية-روسية مسبقة.

 

الثورة السورية بعد أربعة شهور

خارجيًا، تشكل الأزمة السورية عقدة يصعب حلها أو التعامل معها؛ فمن ناحية، بات من المؤكد خسارة إيران وحزب الله في الشارعين العربي والسوري؛ ولكن لا إيران ولا حزب الله يمكنه التخلي عن الحليف الإستراتيجي الوحيد في المشرق. وتدرك تركيا أن سوريا تمثل الامتحان الأكبر لسياستها العربية في حقبة ما بعد الثورات الشعبية؛ وبالرغم من أن تركيا تقترب بحذر بالغ من المسألة السورية، فإن هذا الحذر قد يصبح بحد ذاته محددًا سلبيًا. وفي ضوء تدهور وضع الدولة السورية المالي-الاقتصادي، ستقف دول الخليج العربية هي الأخرى أمام امتحانها السوري؛ بمعنى أن تقرر ما إن كانت ستمد يد العون للنظام وتخسر شعبها والشعوب العربية، أو تترك أزمة النظام تتفاقم، بدون أن تطمئن تمامًا لما إن كان سيسقط في النهاية ويخلفه نظام صديق ومستقر.

أما القوى الدولية، فبالرغم من الخلافات التي تمنعها من تطوير موقف موحد، فليس من المؤكد إن كانت تمثل عاملاً فاعلاً في تحديد مستقبل الأزمة السورية، حتى إن نجحت في التوافق على صيغة قرار أممي؛ لذا لم يزل المحدد الأكبر لمستقبل سوريا هو توازن القوى بين النظام، من جهة، والحراك الشعبي وقوى المعارضة، من جهة أخرى.

والواضح أن ميزان القوى الشعبي قد مال ضد النظام بصورة كبيرة في الأشهر الأربعة الماضية، خاصة خلال الشهرين التاليين للحملة الدموية ضد مدينة درعا ومحيطها الريفي. وربما بات من الممكن القول: إن النظام لم يعد قادرًا على هزيمة أو احتواء الحراك الشعبي. مشكلة النظام الرئيسة الآن هي إقناع الشارع وقوى المعارضة بمصداقية مشروعه الإصلاحي، واستعداده لإجراء تغييرات عميقة في جسم النظام السياسي والأمني والدستوري. لتعزيز هذه المصداقية لابد من وقف العمليات الأمنية والعسكرية، ووضع نهاية لاستخدام السلاح ضد المتظاهرين. ولكن النظام يخشى أن يؤدي تراجع آلته الأمنية-العسكرية إلى تعاظم الحراك الشعبي وخروج حلب ودمشق عن سيطرته. وهنا تقع معضلة النظام الكبرى.

على المستوى الجماهيري، لم تزل حلب، بدرجة كبيرة، ودمشق، بدرجة أقل نسبيًا، تشكلان التحدي الرئيس لقدرة الحراك الشعبي وقوى المعارضة على توكيد طابع الثورة الشعبية الشاملة، وعلى تهديد أسس بقاء النظام. أما على مستوى بنية الدولة، فتواجه المعارضة تحدي بقاء المؤسستين الأمنية والعسكرية على ولائها للنظام حتى الآن، بدون أن تبرز حركات انشقاق واسعة النطاق في المؤسستين. ولم يزل على المعارضة بذل جهود أكبر لتطمين الطائفة العلوية والأقليات المسيحية بأن تغييرًا سياسيًا في سوريا لن يؤثر سلبًا على وضعهما وعلى تقاليد المواطنة السورية. أما على مستوى بنية المعارضة ذاتها؛ ففي حال أخفقت قوى المعارضة السياسية في التوافق على تحالف واسع والحديث بصوت واحد، فليس من المستبعد أن ينجح النظام في احتواء قوى وشخصيات من بينها.

ما تشير إليه هذه التعقيدات المتداخلة، في النهاية، أن مسار الثورة السورية سيكون أطول نسبيًا من مسار الثورات العربية الأخرى، حتى تلك التي استمرت شهورًا مثل ليبيا واليمن. وكلما طال أمد التدافع بين الشعب وقواه السياسية والنظام، زادت مخاطر الصراعات الأهلية والتشققات الطائفية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الغزل السوري الإسرائيلي! .. طارق الحميد

الشرق الاوسط

20-7-2011

تأكيدا لما انفردت به صحيفة «الشرق الأوسط» الجمعة الماضية، فقد أعلن النظام السوري أول من أمس رسميا اعترافه بالدولة الفلسطينية، كإحدى آخر الدول العربية المعترفة، والدولة رقم 118 على المستوى الدولي. فلماذا اعترف النظام السوري بالدولة الفلسطينية الآن؟

 

مصدر رفيع يقول: الأسباب واضحة، فهذا غزل سوري إسرائيلي؛ فباعتراف دمشق بالدولة الفلسطينية اليوم تكون، أي دمشق، قد أقرت رسميا بحدود 1967، وبذلك أقرت بأن لإسرائيل الحق في باقي الأراضي المسيطرة عليها. وبالطبع، فإن هذا يعني أن اعتراض دمشق، ومنذ عقود، على اتفاقية كامب ديفيد التي عقدها الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع إسرائيل، وكلفت العرب الكثير من الخلافات العربية - العربية، وبسبب التحريض السوري، قد سقط الآن. فالنظام السوري، وتحت وطأة الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة، يفعل اليوم ما فعله صدام حسين يوم احتل الكويت؛ حيث أعطى صدام إيران كل ما حاربها من أجله طوال ثماني سنوات بجرة قلم. واليوم يبدو أن النظام في دمشق مستعد لفعل الأمر نفسه ليرسل رسائل جادة لإسرائيل!

 

مسؤول آخر، مطلع على ملف القضية الفلسطينية وسوريا، يرى أن الاعتراف السوري بالدولة الفلسطينية اليوم يعني أن نظام الأسد قد تنازل عن فكرة الوصاية على الشام، أي لبنان وفلسطين، خصوصا أن دمشق كانت تمنع لبنان أيضا من الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ومن الدلالات الأخرى للاعتراف السوري بالدولة الفلسطينية أن نظام الأسد قرر الوقوف مع مشروع محمود عباس، وهو الدولة الفلسطينية، وليس مع رؤية خالد مشعل زعيم حماس، كما أن ذلك يعني أيضا أن نظام الأسد قد تخلى عن فكرة تلازم المسارات في التفاوض، بين السوريين والفلسطينيين مع الإسرائيليين، وهو الأمر الذي قاتل من أجله النظام السوري مطولا، وحتى من خلال إفساد كل خطوة تفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وحتى بشق الصف الفلسطيني، وتعميق انقسامه في إطار معركة الاعتدال والممانعة التي خاضتها دمشق عربيا، والحقيقة أنها كانت معركة بين معسكر العروبة، ومحور إيران، أي سوريا وحزب الله، وحماس.

 

وهذا يوجب علينا التنبه إلى أن الاعتراف السوري بالدولة الفلسطينية يعني كذلك أن نظام دمشق قد تخلى عن حماسه المفرط لإسقاط مبادرة السلام العربية التي طرحها الملك عبد الله بن عبد العزيز عام 2002، حيث لم يترك مناسبة إلا وطالب بسحبها، وها هي دمشق تقبل بأهم ما فيها، وهي حدود 1967!

 

كل ما سبق يجب أن يؤخذ في سياق تصريحات ابن خالة الرئيس الأسد رامي مخلوف لصحيفة «نيويورك تايمز» في أول أيام الانتفاضة السورية، حيث قال وقتها أن لا استقرار في إسرائيل ما لم يكن هناك استقرار في سوريا، ناهيك عن تصريحات أخرى من مسؤولين سوريين مع بدء الانتفاضة السورية بأن دمشق جاهزة لعملية السلام.

 

وعليه، فإن النظام السوري باعترافه بالدولة الفلسطينية كان يغازل إسرائيل للقول: أنا جاهز للسلام. والهدف الرئيسي بالطبع هو البقاء في الحكم، رغم الانتفاضة السورية المستمرة طوال نحو 5 أشهر، ورغم كل الدماء والقمع بحق الشعب السوري!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التباين التركي - الإيراني إزاء التطورات في سورية .. رضا كرمابدري *

* عن «صبح صادق» الايرانية، /18/7/2011،

اعداد محمد صالح صدقيان

الحياة 20/7/2011

في ظل التطورات والمؤامرات التي تتعرض لها سورية، بدأت تركيا تصعيد مواقفها علی وقع تفاقم التطورات في هذا البلد. وبدا جلياً ان الاتراك يقفون في مواجهة النظام السياسي في سورية، وينحازون الی الجبهة التي شكلتها الولايات المتحدة.

 

 ولم تكتف تركيا بمواقفها السلبية إزاء سورية، بل استضافت مؤتمرين للمعارضة، وأقامت مخيماً لاستقبال اللاجئين السوريين قبل وقوع مواجهة بين المحتجين والسلطات السورية. وثمة معلومات عن دخول السلاح للأراضي السورية عبر تركيا.

 

وتخطئ تركيا إذ تحسِب انها تساهم في تحقيق المطالب العادلة للشعب السوري، في وقت ترسل السلاح الى من يقتلون عناصر الامن والشرطة. وما رأي الحكومة التركية في خروج ملايين من السوريين الذين ايدوا النظام السوري؟ وكيف تفسر الحملة الإعلامية التي تقودها الدول الغربية على سورية؟

 

ويسود الاعتقاد ان الاتراك أساؤوا قراءة واقع التطورات السورية، أو أن من يقول بأن سقوط النظام السوري فرض عليهم موقفهم، ودعاهم الى استغلال الفرصة لتحقيق المكاسب في المستقبل، والمساهمة في تقسيم الكعكة السورية اذا تطلب الامر.

 

وما يجري في بعض الدول العربية يختلف عما يحدث في سورية. وهذه في معسكر المقاومة، وهي تدفع ضريبة موقفها هذا المخالف لمصالح الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية.

 

وسعى التدخل الاجنبي الى التأثير في الرأي العام، وتسويق فكرة أن ما يحدث في سورية يشبه ما حدث في مصر وتونس وليبيا واليمن. وترمي الولايات المتحدة وبعض الدول الاقليمية التي خسرت مواقعها في بعض الدول العربية، الى كسب المعركة في سورية من اجل ارساء توازن في محصلة الارباح والخسائر، أي تعويض الخسائر.

 

وتعتقد الولايات المتحدة وبعض الدول الاخری ان سقوط النظام السوري يردم الهوة التي نجمت عن سقوط حكومات المنطقة الموالية للجبهة الموالية لأميركا والغرب، ويخلف أثراً بالغاً في معادلة الشرق الاوسط السياسية. ولا يخفى على أحد عمق العلاقة بين طهران ودمشق. فالنظام السوري برز حجر عثرة في مواجهة التدخلات الاجنبية، واستقرار المنطقة يختل إذا سقط النظام السوري. والموقف الايراني مما يجرى في سورية يحتسب هذه التطورات.

 

وثمة مؤشرات الى أن الحكومة السورية باشرت عملية الاصلاح السياسي، وانها ستتمكن من اعادة الامور الی نصابها، اذا نجحت في قطع ايدي التدخلات الاجنبية.

 

واذا انتهجت تركيا نظرة واقعية الى حوادث سورية، انعقدت ثمار التعاون التركي – الايراني، وأفضى الی نتائج ايجابية تنعكس علی مساحة جغرافية واسعة وتحقق اهداف تركيا في هذه المنطقة.

 

وحريّ بالاتراك ان يدركوا ان ايران لن تفرّط بمصالحها الاستراتيجية، ولن تنحاز الى الموقف التركي اذا خيرت بين تركيا وسورية، خصوصاً اذا تمسكت أنقرة بنهجها الحالي إزاء دمشق والذي يفاقم الازمة السورية. وأنقرة مدعوة الى ادراك خيارات ايران وأن تسلك مساراً يفضي الى ما لا رجوع عنه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدوران حول الحوار الوطني في سورية .. د. عبدالله تركماني

2011-07-19

القدس العربي

يوجد في سورية اليوم حراك شعبي سلمي واسع يطالب بالحرية والكرامة والمواطنة، يواكبه حراك سياسي يتبلور ويتوسع شيئاً فشيئاً. والسوريون جميعهم، سلطة ومعارضة ومجتمع، معنيون بالحوار الوطني الشامل للخروج من المأزق الذي تعيشه سورية، والتوجه نحو مرحلة انتقالية مأمونة تضمن التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية. ولكنّ السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لقيادة السلطة أن ترعى مرحلة الانتقال هذه؟

 

إنّ موقف السلطة من الحوار، بيئة وأطرافاً وأهدافاً، شديد الالتباس والغموض. إذ يبدو أنها تريد الحديث عن الحوار أكثر مما تريد الدخول فيه عملياً، في حين أنّ موقف مختلف أطياف المعارضة يبدو أكثر جدية، ليس من حيث تأكيد أهمية الحوار الوطني في معالجة المأزق السوري فقط، بل من خلال الدخول إلى التفاصيل المحيطة، والاهم فيها توفير بيئة سياسية وأمنية وإجرائية مناسبة للحوار، وتحديد أطرافه وأهدافه النهائية والمطالبة بوضع جدول زمني له، مما يجعله مجدياً ومثمراً وقادراً على معالجة الجوانب الجوهرية في الأزمة السورية، ويوفر على البلاد المزيد من فواتير المأزق، ويخفف من تداعياته.

 

وهكذا، شتان بين ما تطرحه المعارضة وما تتجاوب معه السلطة حيث يفصل بينهما بون شاسع، إذ تفهم المعارضة بأنّ رعاية السلطة للحوار مرده تأمين شروط بقائها، في حين أنّ المعارضة، بكل أطيافها، ترى الحوار باعتباره تمهيد الطريق لبناء عقد سياسي جديد ينقذ سورية من احتمالات قد لا تحمد عقباها، ومن ثم الشروع في فتح آفاق جديدة أمام السوريين جميعاً، فالحوار بهذا الشكل له دلالة سياسية ومجتمعية قادرة على التأثير إيجابياً في المزاج الشبابي خاصة والشعبي عامة.

 

إنّ استمرار النظام في انتهاج الحل الأمني، وفي إبقاء عملية الإصلاح المنتظرة في حدود الوعود فقط 'قولوا ما تشاؤون ونفعل ما نشاء'، سيؤدي في النهاية إلى إحراق أوراق أي أطراف معارضة وشخصيات ثقافية وحقوقية تقبل بهكذا حوار، في حين أنّ الثورة السورية هي في مرحلة بلورة قواها وتأسيس بناها السياسية بالتناغم مع شعب يواصل إبداع حريته.

 

لقد أكدت لجان التنسيق المحلية، حول اللقاء التشاوري للحوار الوطني، أنّ اللقاء المذكور وكل ما ينبثق عنه لا يشكل بحال من الأحوال حواراً وطنياً حقيقياً يمكن البناء عليه، لأنّ السلطة تبادر إلى هذه الخطوة في الوقت الذي تستمر فيه بحصار المدن وقصفها بالدبابات، وبعمليات قتل المتظاهرين والاعتقال العشوائي وتعذيب المعتقلين حتى الموت في بعض الحالات، وغيرها من أعمال التنكيل والعنف ضد المدنيين.

 

وترى اللجان 'إن الهدف الرئيسي للحوار، وهو إنهاء النظام الحالي والانتقال بسورية إلى نظام جديد، ديمقراطي مدني تعددي، عبر مرحلة انتقالية سلمية، لا تزال غائبة تماما عن رؤية السلطة... وفي غياب الحلول السياسية الحقيقية ومحاولات كسب الوقت والالتفاف على المطالب الشعبية المحقة في التحول إلى نظام ديمقراطي، يبقى المضي في ثورتنا السلمية هو الطريق الأوحد حتى تحقيق أهدافنا كاملة'.

 

أما هيئة التنسيق الوطنية فقد أكدت أهمية الحوار واعتباره سبيلاً أساسياً للتواصل والتفاعل'بين جميع ألوان وأطياف الحيز السياسي لمناقشة وحل الأزمات التي تعاني منها سورية، لكنها ترى أنّ لكل حوار بيئة يجري فيها، وبوادر توحي بنتائجه سلباً أو إيجاباً، وعلامات أو مؤشرات للثقة أو انعدامها، فإطلاق الحوار يفترض أن تذهب الأطراف ولديها شكل ما من الثقة بجدواه، وهناك اليوم حالة من فقدان الثقة لدى المعارضة والشارع السوري بالنظام القائم ودعواته للحوار.

 

ومن جهته أكد اتحاد تنسيقيات شباب الكورد السوريين 'مسؤوليتنا التاريخية تفرض علينا أن نكون في صلب الثورة وأن نكون' بين ثوار سورية، ولنا الشرف أن نكون من أبطالها وشهدائها، فالحرية المنشودة' لا تأتي على طبق من حوار بينما دماء السوريات والسوريين تسيل في غير مدينة وقرية وحارة وزقاق في بلدنا الحبيب سورية'.

 

ولعل الدكتور طيب تيزيني قد عبر خير تعبير عن المطلب الرئيسي للشعب السوري حين قال في اللقاء التشاوري 'أنّ التأسيس لمجتمع سياسي يتطلب مباشرة التأسيس لعملية تفكيك الدولة الأمنية المهيمنة في سورية'.'

 

إنّ الصدقية في اختيار مبدأ الحوار تكمن في: الاعتراف العلني بطبيعة الأزمة الوطنية وشموليتها، وإيقاف الحل الأمني الذي يتجلى قتلاً واعتقالاً وتعذيباً وتشريداً، ومحاسبة المسؤولين عن ممارسة العنف والقتل ضد المتظاهرين، وإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي والضمير منذ بدء الانتفاضة وقبلها، وإنهاء التحريض الإعلامي ضد الاحتجاجات والمعارضين والسماح لوسائل الإعلام العربية والأجنبية بتغطية ما يحدث، والاعتراف العلني بوجود معارضة سورية وبحقها في العمل الحر، إضافة إلى الدعوة - خلال فترة زمنية وجيزة - لعقد مؤتمر وطني عام يضع برنامجاً متكاملاً وجدولة زمنية لتغيير سياسي ودستوري شامل عبر مجموعة من المداخل والتحديدات وتكليف حكومة انتقالية مؤقتة (تتكون من شخصيات وطنية مستقلة مشهود لها بالنزاهة والكفاءة) بتنفيذها.

 

وهكذا، يبدو أنّ السلطة تلعب على عامل الوقت لإنهاك المعارضة ومحاولة شقها، عبر توجيه دعوات للحوار هدفها فقط تحسين صورتها، وهي سبق أن استخدمت هذا العامل للإخلال بوعود كثيرة أطلقتها في السابق. ولا شيء تغيّر اليوم يسمح بالاعتقاد بأنها لن تنقلب على أية توافقات ينتجها اللقاء التشاوري. خاصة أنّ التأخير والمماطلة في تحقيق مطالب مشروعة، وتشكيل اللجان إثر اللجان، تبين للجميع افتقاد الجدية المطلوبة لتفعيل نتائج الحوار، وتفرغ الكلمات من أي مضمون حقيقي لها، بل وتظهر أنّ المسألة تنحصر في ممارسة مناورات سياسية تقليدية، ربما كانت تنفع سابقاً، لكنها تأتي الآن خارج سياق المشهد السوري الراهن.

 

وفي الواقع إذا تحدثنا عن الحوار، بمفهومه الكبير والجامع، فإنّ مظاهر الوحدة الوطنية والتضامن الاجتماعي بين مختلف مكونات الشعب السوري في المدن والقرى والبلدات هي نوع راقٍ من أنواع الحوار، فهو حوار اجتماعي وطني داخلي حقيقي جامع لم يشهد الشعب السوري مثله على مدى عقود طويلة.

 

لقد أثبت الشعب السوري، خلال الأشهر الأربعة الماضية، شجاعة استثنائية وتضحية ملفتة للنظر استحق إزاءهما كل الاحترام والإعجاب من كل مراقب ومتابع، وانعكست هذه التضحيات في مجالات عدة إيجابياً على جميع السوريين، ومنها أنها المرة الأولى التي تبدأ كلمة الحوار بالتوارد على لسان السلطة منذ ما يزيد على الأربعين عاماً، ولو بصورة سطحية وتفتقد المصداقية، وستستمر نضالات الشعب السوري إلى أن يجسد على الأرض سورية المستقبل التي يريد: حرة ومدنية وديمقراطية ومزدهرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فقط في سوريا .. السلطة تحاور السلطة .. مصطفى اسماعيل

المستقبل - الاربعاء 20 تموز 2011

العدد 4061 - رأي و فكر - صفحة 19

 انتهى اللقاءُ التشاوري الذي أطلقتهُ هيئةُ الحوار الوطني الحكومية الرسمية، لمْ يشكل اللقاءُ علامةً فارقةً في الأزمة السورية، ولا يمكنُ بناءً على ذلك، الحديثُ عن ما قبل وما بعد اللقاء التشاوري سورياً، فاللقاءُ الذي أفترضَ أن يكون الجولة الأولى في حوار السلطة السورية مع أطياف المجتمع السوري لمْ يكُ على طاولته أطيافُ المعارضة السورية، ولا المثقفون أو الشخصيات الوطنية المستقلة التي لا تضربُ بسيف السلطة، بل اقتصرَ على اللون الواحد (ما عدا استثناءاتٍ طفيفة). لهذا تمخض جبل الحوار عن فأر، وولد الحوار الوطني ميتاً، فلا يُعقلُ لحلِّ أزمةٍ متفاقمة في البلاد أنْ تجلسَ السلطةُ إلى السلطةِ، أو أنْ تتحاورَ السلطةُ معَ السلطةِ، هذا يحدثُ في سوريا فقط، وهذا يعني أنَّ السلطة قدْ قررت أن تصبحَ هي والشارعُ السوريُّ خطين متوازيين لا يلتقيان، وبالتالي إدامةُ الأزمةِ السورية إلى مزيدٍ من التدهور السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فلا يُمكنُ وضعُ الأصبع على الجرح بحوارٍ من نوعية سقط المتاع. حوارٍ خلبي خليقٍ بجعله حلقة في مسلسلٍ درامي سوري لا يتابعهُ أحد.

 

اللقاء التشاوري الذي دعت إليه السلطة، ونظمته السلطة، وتكفَّلتْ بنفقاته السلطة، وحاورت فيه مُواليها، لمْ يكُ موجهاً إلى الداخل السوري، بل إلى الخارج، وإلى مراكز القرار العالمية المهتمة بتداعيات المشهد السوري، فالسلطة لا تحتاج إلى حوارٍ معَ الداخل. الحوارُ في الداخل موجودٌ أصلاً، وقائم على قدم وساق، فالدبابات والهراوات والشبيحة والمخابرات والجيش يتحاورون مع السوريين حتى قبل صدور المرسوم التشريعي المؤسس لهيئة الحوار الوطني التي نظمت اللقاء المذكور.

 

لكي يكتملَ مشهدُ اللقاء التشاوري لم يكُ أمام السلطة من بدٍّ إلا إحضارُ أشخاصٍ عابرين، وتنصيبهم مُمثلينَ عن شرائح وفئات وقطاعات مجتمعية، منهم نكرةٌ كوردي يترأسُ تجمعاً أو مبادرةً من ورق، أطلقهُ الأمنُ السوري قبلَ سنتين أو ثلاث لمحاولة سحب البساطِ من تحت أقدام الأحزاب الكوردية والمثقفين الكورد السوريين، وهو يغرِّدُ حين يطلب أربابه ذلك، ويُضْربُ عن التغريدِ حينَ يريدون، إنها الشعرةُ التي تُستلُ من عجين السلطة في التوقيت المناسب سلطوياً، يعرفه الشارع الكوردي جيداً ويعرفُ صحيفةَ سوابقه.

 

بناءً عليه وعلى ما يجري في الساحات والشوارع والأزقة السورية، بعدَ اللقاء التشاوري، وأثناءَ انعقاد جلساته، فإن ما يشبهُ الحوار الوطني ذاك وبمن حضر، كانَ لمجرَّد التقاط السلطة لأنفاسها وإعادة ترتيب أوراقها، وهذا ما أدركهُ السوريون في وقتٍ مبكر، من خلال أحزابهم العديدة وشخصياتهم الوطنية التي رفضتْ تلبية دعوة هيئة الحوار الوطني إلى اللقاء، لعلمهم أنَّ السلطة تفتقد ثقافة الحوار الحقيقي والجاد وتغليب المنطق والعقل، وليست في وارد التنازل عن ثوابتها ولاءاتها تجاه الشعب.

 

لا يمكنُ للسلطة التعاملُ مع الداخل الوطني وكأنَّها الخصمُ والحكمُ في آن، لا يمكنُ أن تدعو إلى الحوار من أجل الانتقال الديمقراطي، فيما دباباتها تطوِّق العديد من المدن، وتعيدُ اكتشاف جبهات قتالية ليستْ بينها حكماً جبهة الجولان، ويعيدُ الجيش الوطني المُختزلُ إلى جيشِ سلطة الانتشارَ في الداخل السوري، وكأنَّ الخطرَ الداهمَ والعدو المُحتاط له يكمنُ في الداخلِ وليسَ على تخوم الوطن. لا أفقَ إذن أمامَ أيَّ حوارٍ وطني تجلسُ على طاولتهِ السلطة بذهنيتها المُتقادمة، فيما ترتفعُ درجة حرارة البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وترتفعُ أعداد الضحايا والمصابين والنازحين والمعتقلين إلى مستويات قياسية ومخاوف قياسية وقلق قياسي غير معهود.

 

أيّ حوارٍ وسطَ في الوضع الحالي، هوَ مُحاولةٌ لحرق المراحل، هوَ محاولة للوثبِ فوقَ البداهات الوطنية الراسخة التي يُهجسُ بها للمرة الأولى بهذه الحِدة والصخب، هوَ استمرارٌ في مُخططِ مُصادرةِ وطنٍ لأجلِ امتيازاتِ أليغارشية يبدو أنها وضعتْ نفسها في كفّة ميزانٍ وفي الكفةِ الأخرى مُستقبلَ 23 مليونَ سوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يا نشامى الفرات ..مجاهد مأمون ديرانية

هذا يومكم؛ حقٌّ لكم أن تفخروا بأنكم حجزتم في ألبوم الثورة يوماً، وحقيقٌ على سوريا كلها أن تفخر بكم أيها الأكماء الأكفاء الجُرَآء البُسَلاء.

يا نشامى الفرات: أنتم أبناء النهر والصحراء، أبناء الحرية والكرامة والإباء. إنّ حَبَّ الرمل يسافر على صفحة الصحراء لا تحدّه حدود، وقَطْر الماء يتدفق في لجّة النهر لا تحجزه سدود، فكيف يطيق ابن النهر والصحراء أن تأسره وتحكمه عصابة من المجرمين والأنذال؟ هذا مُحال.

إذا كانت ثورات المدن كلها رياحاً فإن ثورات أبناء الفرات أعاصير... بوركَت أعاصيرُكم يا نشامى الفرات. لقد أثلجتم صدورَ إخوانكم في سوريا كلها بحشودكم التي ملأت الأرضَ حتى ضاقت عنها الأرضُ، وهتافاتكم التي ملأت الفضاء حتى ضجَّ منها الفضاء... إنها مواكب الحرية التي سيذكرها لكم الناس إلى آخر الزمان.

هذا يومكم يا نشامى الفرات، يا ليوث الدير والميادين والقورية والعشارة والطيانة والشحيل والبكارة والبورحمة والرقيب والبصيرة والحوايج والقرعان والشنان، وكل موطن وناحية من نواحي الفرات: إخوانكم في البوكمال يُصبحون ويُمسون على لهب النار. إنهم إخوانكم لا إخوانَ لهم غيركم، فلا تُسْلموهم إلى عدوهم وعدوكم، إنه عدو فاجر لا شرف له ولا خلاق.

بينكم وبين البوكمال مسيرة ساعة، فهبّوا إليهم بالفزعة الكبرى. أخرجوا من كل أربعة من رجالكم واحداً، فهؤلاء مئة ألف؛ لن تقف في وجه مئة ألف من عمالقة الفرات كتائبُ القمع والعدوان، لن تقف أمامكم عصائبُ البغاة والخُوّان؛ لن يُغلَب مئة ألف من قلّة!

يا عمالقة الفرات: لقد كنتم شامةً في جبين الوطن على الدوام، وكنتم فخراً لسوريا في كل حين. أيامكم الغُرّ في مجاهدة الاستعمار لا تُنسى، وبطولاتكم وتضحيات أبنائكم مسجَّلة في تاريخ سوريا بحروف الذهب. وها قد دار الزمان دورته وعدتم إلى صدارة الملحمة، فهيا انهضوا وقوموا يا أسود الفرات، يا أبطال الدير والميادين وهاتيك النواحي الماجدات، صِلوا المجد القديم بالمجد الجديد، وسجّلوا سطراً جديداً في ملحمة الخلود.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤتمر اسطنبول للإنقاذ الوطني بين الحقائق والتسريبات! .. الطاهر إبراهيم

كاتب سوري

الخميس, 21 تمّوز, 2011

حزب لبنانيون الاحرار

جاء مؤتمر اسطنبول للإنقاذ الوطني الذي سعت لعقده المعارضة السورية كأول لقاء يجمع هذه المعارضة بشقيها الخارجي والداخلي. فقد أريد منه أن يتم التواصل في آن واحد في كل من دمشق واسطنبول يوم السبت 16 تموز، وذلك باستخدام التقنيات الحديثة لتذليل الهامش الجغرافي الذي كان عائقا أمام إجراء مثل هذا التواصل سابقا.

 

استطرادا، فقد جاء انعقاد هذا المؤتمر بُعَيْدَ مؤتمر آخر سبقه في اسطنبول نفسها، عندما قام لفيف واسع من علماء العرب والمسلمين بعقد مؤتمر، شارك فيه علماء مسلمون من الأقطار العربية والإسلامية، تداولوا فيه الرأي على مدى يومين. فقد أكد البيان الختامي للمؤتمر على أن “نصرة الشعب السوري واجب شرعي”. كما أصدر المؤتمر فتوى بوجوب (الوقوف مع ثورة الشعب السوري لاسترداد حريته وكرامته ورفع الظلم عنه). وقد اعتبرت هذه الفتوى ردا على فتاوى مشايخ السلطة في داخل سورية. وناشد البيان علماء سوريا أن( يكونوا في الطليعة وأن يقودوا الجماهير في ثورتهم ضد النظام الظالم، محذرين المشايخ الذين يوالون النظام الظالم من عاقبة الأمور في الدنيا والآخرة).

 

كان من المتوقع أن يشكل مؤتمر العلماء في اسطنبول رافعة قوية لمؤتمر للمعارضة. لكن الصدمة جاءت كالصاعقة عندما قام الأمن السوري بقصف موقع المؤتمر في “القابون” (20 كيلومترا شمال دمشق)، واستشهاد أكثر من عشرين ممن وجدوا في المكان، حيث خيم ذلك بظلاله على نفوس المؤتمرين في اسطنبول، وساهم في تحجيم بعض ما كان مقررا على أجندة المؤتمر، وسأومئ إليه في ما بعد.

 

“حكومة الظل” التي دعا إليها الأستاذ “هيثم المالح” من دمشق كان أول بند قد أسقط من أجندة مؤتمر الإنقاذ في اسطنبول. فلم يعد واردا أن يشكل المؤتمر مثل هذه الحكومة. ولو شكلت، فربما كانت ستساهم في إثارة الشقاق في نفوس المؤتمرين. وقد أشار الدكتور”برهان غليون” في كلمته أمام المؤتمر إلى أن تشكيل حكومة “ظل” سيكون مصادرة لرأي من لم يحضر المؤتمر لسبب أو لآخر من فصائل المعارضة. لكن الذي أجهز على الفكرة كليا كان إلغاء المؤتمر في دمشق بسبب قصف موقعه من قبل أجهزة الأمن والشبيحة.

 

مؤتمر “أنيطاليا” قبل شهر ونصف كان يمكن أن يكون دليل عمل للمؤتمر الحالي. فقد كان مؤتمر أنيطاليا ناجحا بكل المقاييس. من قبيل الاعتراف بالفضل لأهله أن نسجل هنا أن من ساهم بتمويل مؤتمر أنيطاليا (غسان عبود وعبد الرحيم سنقر)، من دون التدخل بمجريات المؤتمر. فقد كان لهما دور في إنجاح مؤتمر أنيطاليا. حتى مؤتمر “بروكسل” كان فقد كثيرا من بريقه، لأنه لم يكن بسوية نجاح مؤتمر أنيطاليا.

 

حضور الأستاذ هيثم المالح المؤتمر أعطى دفعة قوية للمؤتمرين. لكن المؤتمر كان قد تعطل فيه صمام هام من صمامات القلب التي تضخ الدماء في نفوس المؤتمرين، وذلك بإلغاء الشق الأهم للمؤتمر في دمشق بقصف مقره واستشهاد أكثر من عشرين شخصا.

 

لم يكن محقا انسحاب بعض الأكراد –وليس كلهم- من مؤتمر اسطنبول بعد أن رُفض طلبهم بأن يشطب كلمة “عربية” من وثيقة المؤتمر بحيث يقال الجمهورية السورية فحسب. إذ أنه تم استدراك ما أراده الأكراد عندما نص البيان الختامي أن كل مكونات الشعب السوري هم شركاء في الوطن.

 

ما قيل عن بحث العشائر عن تمثيل أكبر في مؤتمر اسطنبول كان فقاعة صابون أثارها أحد “المتسلقين” بعد أن خلت القوائم الثلاث التي شكلت من اسمه، ولأن كان قد حشر نفسه في خريطة العشائر، ليكسب أصواتهم فقد حرض بعض أفراد العشائر المشاركين في المؤتمر. وقد اتبع نفس الأسلوب في مؤتمر أنيطاليا حيث لم تضمه القائمة الفائزة في انتخاب اللجنة المتابعة لمؤتمر أنيطاليا، ما جعله يرفع صوته في المؤتمر.

 

قصور اللجنة المنظمة

 

لم تستطع اللجنة المنظمة أن تكون على مستوى المؤتمر، رغم أن رئيسها كان رجلا فاضلا، وعلى مستوى عال من احترام الذات. لكنه تسبب في وجود ثغرات في إدارة المؤتمر. فقد تم تشكيل ثلاث قوائم لانتخاب واحدة منها لتشكيل اللجنة المنبثقة عن المؤتمر. وقد حاول من لا حظ له في النجاح الالتفاف على القوائم فطلب من الأستاذ “هيثم المالح”أن يشكل قائمة تحظى من الجميع بالقبول –كما زعم- حيث أدخل اسم “المتسلق” فيها. ( كيف يشكل الأستاذ المالح قائمة وهو لا يكاد يعرف إلا نفرا قليلا من المشاركين لا يجاوز العشرة).

 

القائمة التي زعم أن الأستاذ المالح شكلها لم تنجح أثناء التصويت. فقد صوت لها أقل من ثلث المشاركين في المؤتمر. وكان النظام يقضي عرض القوائم الأخرى على التصويت، فإن فشلت أعيد التصويت على قائمة الأستاذ “المالح”. لكن رئيس اللجنة المنظمة خضع للابتزاز، فطلب التصويت ثانية على قائمة الأستاذ المالح. ورغم أنه لم يتم إحصاء الأيدي المرفوعة، فقد اعتبرت القائمة ناجحة. ولو اعترض أحد المشاركين على قانوني التصويت لاعتبرت اللجنة الفائزة مطعونا في شرعيتها، لكن أحدا ما كان يريد أن يسجل على المؤتمر أنه فشل.

 

لم يكن حضور الإسلاميين طاغيا. ولم يكن عدد الإسلاميين في اللجنة المنتخبة لافتا للنظر. وقد دعت عدة جهات إلى حضور المؤتمر. ولا جديد لافتا في توصيات المؤتمر زيادة عما جاء في توصيات مؤتمري أنيطاليا وبروكسل.

 

انعقاد مؤتمري أنيطاليا وبروكسل قبل ذلك خطف البريق والبهرجة الذي كان سيحظى بهما مؤتمر اسطنبول فيما لو عقد قبلهما. بل إن البعض كان قد أشار إلى أن تتابع ثلاثة مؤتمرات للمعارضة السورية خلال شهر ونصف لم يكن ناحية صحية، إذ لا جديد يستدعي مراكمة كل هذه المؤتمرات في هذه الفترة القصيرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المثقفون السوريون والشارع .. عمر سليمان

القدس العربي

21-7-2011

في ظل الدولة الأمنية والتغييب الإعلامي وانعدام المؤسسات التي توصل صوت المثقف إلى الشارع بقي المثقف السوري لعقود بعيداً عن العامة وتطلعاتهم وأحلامهم، كما بقي بعيداً عن الاحتكاك بأوجاعهم التي صنعتها عقود الظلمة في ظل نظام قام على إقصاء الحياة السياسية والثقافية عن الشعب، وفرض كنظام شمولي ديكتاتوري ركوداً هائلاً على جميع شرائح المجتمع عامداً إلى تفرقتها حتى يبسط سيطرته.

 

ومع أن المثقف السوري لم يكن أحسن حالاً من باقي أفراد الشعب؛ فهو يحلم بأحلام بسيطة سرعان ما يحطمها الخائفون على عروشهم من الاهتزاز أمام أي تغيير، وهو يعاني ما يعانيه أي مواطن من ظروف الحياة اليومية، سوى أن هذا المثقف المغلوب على أمره معزول عن الشارع بفعل آلية النظام.

 

غير أن نداء الحرية الذي هب في سوريا منذ الخامس عشر من آذار الماضي، كشف الحجاب عن المثقف أمام مجتمعه، لأن هذا النداء الذي لباه عديد من المثقفين فكانوا أول من هتف للحرية في سوق الحميدية بدمشق، دفع النظام لأن يصبح مقصياً ومحشوراً في زاوية الشارع الذي انفرد به أبناء الوطن، وهنا بدأ الشارع كما بدأ المثقف يستعيد وعيه ويستيقظ من غيبوبة طويلة افتعلها النظام به، ولأن اليقظة صعبة وتحتاج إلى العديد من الصدمات لاستعادة الوعي سواء بالنسبة إلى الشارع أو بالنسبة إلى المثقف فقد وجد كثير من المثقفين أنفسهم مندفعين إلى الظاهرة الجديدة التي أصبحت الوسيلة شبه الوحيدة للتعبير عن الرأي؛ وهي ظاهرة (التظاهر)، لكن وبينما استمر المواطن البسيط بالتظاهر ولو على حساب روحه، تردد كثير من المثقفين ووجدوا تأويلات لمواقفهم، منها على سبيل المثال أنهم لا يريدون أن يكونوا وقوداً لثورة غير معروفة النتائج، ومنها أنهم يستطيعون أن يقدموا للثورة أشياء غير التظاهر، ومع ذلك استمر العديد منهم في الخروج مع الناس لا بصفتهم مثقفين بل مواطنين، لأن المثقف الحقيقي هو الذي يتتبع نبض الشارع لا نبض الزملاء المترددين.

 

أمام نداء الحرية تتساقط الحسابات جميعاً، كما تتساقط الحجج والبراهين حول جدوى النزول إلى الشارع، فالأمر ليس بضمان النتائج، بل بتحقيق كرامة هدرها نظام مستبد لعقود، ولم يكن شعار (الموت ولا المذلة) الذي يتداوله جميع الثوار عبثاً، لأن المعادلة البسيطة تقول إن الحياة بلا كرامة لا تستحق أن تُعاش، والمثقف مقموع ومعذب ومغيب أكثر من غيره كما سبق، لذلك فإنه الأحق بالنزول إلى الشارع والتعبير عن رأيه، هذا إذا آمن بأن دوره في الثورة يتزايد أضعافاً عندما يشارك باقي شرائح مجتمعه بما يملكه من الوعي فيخلص الثورة من أخطائها، لذلك كان يوم الخامس عشر من آذار لمن شاركوا فيه بداية لحياتهم الحرة ومشعلاً يستضيئون به وذكرى مدهشة تعيد إليهم وجودهم كلما حلكت لياليهم بالاعتقال أو الرصاص، واستمر كثير من المثقفين السوريين بالنزول والانخراط في الثورة بعد هذا اليوم، إلى أن أعلِن عن مظاهرة المثقفين في الثالث عشر من تموز، ليحجز كل من لم يستطع المشاركة دوره في الركب السائر إلى شمس الحرية.

 

سيطالعنا السؤال التالي: ما الذي يميز مظاهرة يقوم بها المثقفون وحدهم عن غيرها؟، وقبل ذلك: أليست وظيفة المثقف هي توعية الشارع والرقي به ليخرج من ركام العقود المظلمة إلى مصاف الدول الحضارية؟، فلماذا إذاً لم ينشر هؤلاء المثقفون أفكارهم ورسالتهم منذ أربعة أشهر من الاحتجاجات في الشوارع التي يعيشون فيها أو القريبة منها، وهل يلزمنا تعريف للمثقف حتى يتم قبوله مع كوكبة المتظاهرين؟.

 

هذه تساؤلات مشروعة أمام مظاهرة خاصة بالمثقفين، مع ذلك تبدو الخطوة إيجابية بالنسبة إلى وضع المثقف السوري، فهذه الخطوة سيتم تعميمها في المستقبل، لأن مقاومة خروج الإنسان في مظاهرة بعد أن تذوق طعم الحرية واستنشق عبيرها تبدو مستحيلة، شرط أن يخرج المثقف مع عامة الناس-كما كان يحدث في ميدان التحرير- لا في مظاهرة خاصة بالمثقفين فقط، وهذه الخطوة ستدحض روايات النظام حول العصابات المسلحة أو طائفية الثورة، إذ من الجنون والحماقة أن يتهم أحد فنانة مثل مي سكاف بأنها تحمل سلاحاً!، ومن العبث أن يرمي أحد من خرجوا في الميدان وهم كوكبة من جميع الطوائف؛ لكنهم يؤمنون بأنهم ينتمون أولاً وأخيراً إلى سوريا، كما أن هذه الخطوة تعني اندماج المثقفين في الثورة بالأفعال والأقوال، وبالتالي فإن الثورة تكون قد ضمت كل شرائح المجتمع لتنتج شريحة جديدة بإمكاننا أن نسميها شريحة السوريين الأحرار الذين يتعلمون من بعضهم كيف سيبنون بلدهم الديمقراطي والحر والمدني.

 

بمشاركته في المظاهرات، سيؤمن المثقف السوري بأن وجوده لا يكون إلا بانصهاره كفرد في المجموع ليتحقق مجد المجموع لا مجده الشخصي، كما يؤمن بأن الثقافة ستتخلص من كل معاني التبعية والانحطاط، فقد أصبحت ثقافة ثائرة على كل ما لا يحترم حرية الإنسان ووجوده وكرامته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الحوار» آخر مناورات النظام السوري لضمان بقائه .. عبدالوهاب بدرخان *

الخميس, 21 يوليو 2011

الحياة

برز أخيراً خطّان ديناميكيان متوازيان في الأزمة السورية، في دمشق وإسطنبول، ويمكن احدهما أن ينجح الآخر أو يعطله، لكن لا يبدو حتى الآن أن إمكان التقائهما وارد، للأسباب الموضوعية المعروفة. قد يتحارب أي عدوّين طويلاً ثم يجلسان للتفاوض على السلام، ويبقى اتفاقهما مستحيلاً إذا لم يبنيا شيئاً من الثقة التي لا تعني تحابباً مفاجئاً وإنما تترجم باحترام متبادل واعتراف بأن لكل منهما أرضه وشعبه ودولته وحقوقه. لكن الأمر يختلف حين ينشب الصراع بين الشعب والنظام وبعد أن تكون الثقة فقدت تماماً، فأسوأ الخلافات هي التي تُسقط الروابط كلها داخل البيت الواحد وتحوّل الأخوة أعداء. عندئذ لا بدّ من عقد جديد للتعايش ومن شروط جديدة مستمدة من التجارب والفرص التي أثبتت للتوّ فشلها.

 

مع إقرار وزيرة الخارجية الأميركية بأنه لا يمكن التأثير في الوضع السوري من الخارج، فإن صراحة هيلاري كلينتون أكدت للطرفين، النظام والمعارضة، حقيقة تعرّفا إليها مع توالي الشهور الأربعة. والواقع أن جماهير الانتفاضة أملت دائماً بضغوط خارجية تؤدي إلى تخفيف شراسة القمع الدموي، وخشيت دائماً أي تدخل مباشر يتمثّل بما حصل ويحصل في ليبيا، لأنها متيقنة بأنه سيكون لمصلحة النظام الذي كان بعض رموزه استحض الخارج على دعم بقائه.

 

من الواضح الآن أن الحدث الداخلي تطوّر تلقائياً بفعل استمرار الانتفاضة وتصاعد زخمها، وبالتالي فلا داعي لأي تدخل خارجي أبعد من مواصلة الضغط المعنوي على النظام. فتركيا التي لم تقطع الخيط معه لم تعد ترى موجباً أو فائدة في مخاطبته لأنه فوّت كل الفرص التي تمكنه من قيادة الحل، ووجدت أن الأجدى مواكبة المعارضة لتمكينها من تنظيم صفوفها وبلورة برامجها وتأهيل نفسها للمرحلة التالية. وإذ تعذّر تفعيل دور لمجلس الأمن الدولي فإن تحرك السفيرين الأميركي والفرنسي دلّ أيضاً إلى ابتكارية ديبلوماسية لا تخلو من استفزاز للنظام ونسج نوع من التضامن مع الفئات الشعبية. وكاد الاعتداء على السفارتين أن يتفاعل أكثر لولا أن دمشق تراجعت، إذ أدركت أنها على قاب قوسين أو أدنى من رؤية عشرات السفراء الأجانب يغادرونها ليتركوها في عزلة دولية لم يسبق أن عرفت مثيلاً لها.

 

على عكس العواصم الدولية تعتقد دمشق أن الحوار الذي افتتحته أخيراً هو القناة التي سيأتي منها الحل. فهي أتاحت لبعض المشاركين فيه أن يقولوا ما عندهم في شأن «تفكيك الدولة الأمنية» وإعادة هيكلة النظام. كما أن التوجه الرئيسي الذي عبر عنه نائب الرئيس فاروق الشرع، في حضرة ممثلين عن حزب البعث «الحاكم»، كان واضحاً بتحديده «النظام التعددي الديموقراطي» هدفاً للإصلاح. صحيح أن البيان الختامي أشار إلى الحقوق والحريات التي يطالب بها الشعب وحاول الإيحاء بأن الدستور الجديد سيكون مفتاح العلاقة المقبلة بين النظام والشعب، إلا أن أفضل الوعود والتعهدات لم تحجب حقيقة أن هذا الحوار بقي داخل النظام نفسه. صحيح أيضاً أن نداءات وجّهت إلى المعارضين في الداخل والخارج للانضمام إلى هذا الحوار، إلا أن الانطباع العام الذي تركه اللقاء التشاوري - عدا أنه متأخر جداً - هو عجزه المتوقع عن وقف آلة القتل التي كانت تعمل بأقصى طاقتها القمعية طوال فترة انعقاده واستمرّت بعده، ما يعني أن النظام لم يمنح «الحوار الرسمي» فرصة خلق أجواء جديدة في البلد. وهكذا فإن الديناميكية الوحيدة التي استنبطها النظام هي حوار مقنن من أجل الإصلاح مرفق بقمع منهجي ضد المستفيدين المفترضين من هذا الإصلاح، وهذا يلغي طبعاً مفاعيل ذاك، فتكون النتيجة أن الحل الأمني هو الأبقى، رغم ما بات معروفاً بأنه لا يحلّ شيئاً بل يفاقم غرق النظام في مأزقه.

 

في المقابل لا تنفك الانتفاضة تثبت أنها لا تقلّ عن النظام بل لعلها تفوقه معرفة بحقائق البلد، فضلاً عن إدراكها نقاط ضعف النظام نفسه. وقد خالفت «التنسيقيات» المحلية كل توقعات المراقبين فأبقت شعلة الانتفاضة متّقدة، ثم أنها شكلت الخلفية بل المرجعية للمعارضة التي تحاول منذ أكثر من شهرين التوحد والانتظام. ورغم البلبلات التي شابت وتشوب حراك المعارضة إلا أنه آخذ في بناء الديناميكية الأخرى الموصولة مع «التنسيقيات» والواصلة بين الداخل والخارج. ينبغي ألا ينسى أحد أن الأمر يتعلق بمسار يتطلب سنوات في الأحوال الطبيعية والعادية، وأن الحقائق التي أمضى النظام عقوداً طويلة في تحطيمها ودفنها لضمان صمت المجتمع واندثاره لا يُتصور أن تعيد المعارضة بلمحة بصر صياغتها في قالب متجانس ومتوافق ومقبل على مهمة بخطورة نقل السلطة.

 

ليس متوقعاً أن يكون انتقال السلطة سلمياً، مثلما أن أحداً لم يعد يعتقد بأن النظام الحالي سيبقى، خصوصاً بعدما ترك عناصر بقائه تتآكل. كانت فرصته الحقيقية والذهبية امتدت من بداية الانتفاضة إلى لحظة خطاب الرئيس بشار الأسد في مجلس الشعب. لم يقدّر أحد داخل النظام الأهمية الحاسمة لهذين الأسبوعين، فبعدهما ارتسم مسلسل الانحدار ولم يعد ممكناً وقفه، بعدهما انفلشت الإشكالات الطائفية وانكشفت العورات، بعدهما راحت معمودية الدم في درعا تنتشر، وبعدهما - أخيراً - أصبح الإصلاح محفوفاً بالمخاطر بالنسبة إلى النظام ومكوّناته الفعلية وبات التنكيل والتقتيل والتمثيل بالجثث نذيراً بثارات سيصعب ضبطها... لذلك فإن «الخيار» الوحيد هو السعي إلى الإخضاع بهدف استرجاع السطوة والهيبة واستعادة زمام المبادرة، لكنه خيار غير متوافر فعلياً، وإلا لما فتحت نافذة الحوار. وفي لحظة ما سيتوجب على النظام أن يقدم تنازلات جوهرية ليتمكن من إنجاح حواره. هذه التنازلات لا بد أن تكون في كبح جماح ذراعه الأمنية وميليشياتها (الشبيحة) المنفلتة. لكن مَن يستطيع ذلك وكيف؟ لم يتوصل النظام بعد إلى رسم تقريبي لصورته التي يعتبرها مقبولة بعد استصلاحه، والأرجح أن معالم هذه الصورة لن تتضح له إلا إذا استطاع الانخراط في حوار «حقيقي» مع المعارضة الحقيقية التي لم تتوصل بدورها بعد إلى صيغة تنظيمية لا اعتراض على تمثيلها لمختلف الأطياف.

 

يرى مراقبون مطلعون أن الأزمة بلغت مرحلة انسداد تتطلب التفكير في الحلول: فمن جهة استطاعت الانتفاضة هزّ النظام وفرضت تشكيكاً بشرعيته لكن بقاء دمشق وحلب خارجها حرمها من اندفاعة أخيرة لإسقاط فعلي للنظام. ومن جهة أخرى أبدى النظام تماسكاً فلم تحصل انشقاقات مؤثرة في الجيش ولا في الإدارة ولا في البعثات الديبلوماسية، تحديداً بسبب عدم وضوح «البديل» في صفوف المعارضة، لكنه فقد عملياً إمكان إجهاض الانتفاضة أو القضاء عليها مهما أفرط في استخدام القوة... انطلاقاً من هذا الوضع الذي يمكن أن يطول من دون تغيير يعتقد بعض الأوساط أن لا مفر من المواجهة التفاوضية التي يفترض أن تواكب المواجهة في الشارع. لكن مثل هذا الاستحقاق يصطدم بعقبات كثيرة، أهمها أن المعارضة تريد تغيير النظام وترفض «المنهج الإصلاحي» الذي رسمه وإلا فإنها ستساهم في إنقاذه أي أنها لن تعترف بمجموعة «الحوار الرسمي» كشريك تفاوضي، ثم أنها لن تفاوض في ظل استمرار سفك الدماء، ولا بوجود آلاف في المعتقلات، ولا بمواصلة حملات الدهم. أما النظام فيعتبر هذه الممارسات أدواته الضرورية لاحتواء الانتفاضة، فإذا تخلى عنها يوحي بأنه راحل ويجازف بتشجيع الأكثرية الصامتة على الانضمام إلى الانتفاضة.

 

خلال الشهور الأربعة فاق ضحايا القمع من السوريين مجموع ضحايا حرب غزة من الفلسطينيين، ويخشى النشطاء الحقوقيون أن يتجاوز مجموع ضحايا الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية. والمؤكد أن عدد «أسرى الحرية» بلغ في بعض الأحيان ضعف أسرى الاحتلال الإسرائيلي ورغم قرارات العفو لا يزال يفوقه. ومعلوم أن البند الأول في أي جولة تفاوض فلسطيني – إسرائيلي بعد انقطاع يتمحور على الأسرى وعلى ضحايا القتل المنهجي، وغالباً ما يتعهد الإسرائيلي بإطلاق أفواج منهم ثم يماطل ويتحايل لكن كعدو يتعامل مع الأسرى على أنهم رهائن يقايضهم بتنازلات فلسطينية فإذا لم يحصل عليها ينسف تعهده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الملامح الاستثنائية التي تسم الانتفاضة السورية .. سمر يزبك *

الجمعة, 22 يوليو 2011

الحياة

تدخل الانتفاضة السورية شهرها الخامس. تعيد رسم الأسئلة التي أنهضت السوريين، وحولتهم من عبيد نظام أمني عائلي، إلى طالبي حرية وكرامة.

 

قد يبدو من العبث البحث في فرادة الانتفاضة، بعد كل الدماء التي أريقت، إلا بمعنى التوثق العميق أمام الإنقلاب الجذري الذي يصنعه السوريون، والذي يشكل المشهد الأكثر درامية وصعوبة على صعيد «الربيع العربي»، نتيجة تعقيد الوضع السوري الإقليمي، وهيمنة النظام الاستبدادي الأمني.

 

وإذا جاز القول الصريح في ما تشهده سورية من فرادة، فمن الإنصاف الحديث عن ثورة أخلاقية استثنائية يصنعها الشعب السوري، تعدُّ بؤرة لرؤية تطهيرية كاملة، ولاجتثاث لذل الفرد وامتهان كرامته، لا يقل إجلالاً عن مآثر وملاحم سطرتها الشعوب في حركة انبعاث القيم الإنسانية. وإذا كان الوقت لا يزال مبكراً لدراسة هذه الاستثنائية، فإننا نستطيع الحديث عن ملامح ودلالات أولية:

 

1- لم تنجح كل محاولات النظام السوري جر حركة الانتفاضة إلى منطقة العنف المضاد، وبقيت محافظة على سلمية تحركاتها، على رغم القتل الوحشي واليومي للمتظاهرين، وعلى رغم قصف المدن وحصارها والاعتقال والتنكيل والملاحقة. وبذلك تكون الانتفاضة قد حافظت على جوهر إنساني لم يكتب للثورات في العالم، وهو مواجهة الموت بصدور عارية، وهذه القيمة بحد ذاتها ستشكل في الأيام والتواريخ اللاحقة استثناء، بل مثالاً، في القدرة على مواجهة ثقافة الموت بثقافة الحياة والتسامح. وما عدا حالات عنف فردية قليلة بسيطة، بقيت سلمية الانتفاضة هي القاعدة على رغم أن النظام سهل انتشار وتوزيع الأسلحة على المواطنين، بواسطة أزلامه، خاصة في منطقة الساحل، كما غذى نزعة العنف من خلال إعدام أفراد من جيشه وأجهزة أمنه، وكذلك سلك الشرطة والناس العاديين، وألصق التهمة بمن سماهم «مندسين» و«سلفيين».

 

2- منذ استلام حافظ الأسد السلطة، إثر انقلاب عسكري عام 1970، ظهر مجتمع سوري جديد تمت قولبته على أسس عشائرية وطائفية ودينية وإثنية، قوامها اقتسام المصالح وتوزيع الإمتيازات على المجموعات التي التحقت بصف النظام. لكن الانتفاضة أعطت مثالاً مضاداً لهذا، من حيث أن أطيافها جمعت مكونات المجتمع كافة، ودخلت معركة اضافية مع النظام هدفها اسقاط الزعم بأن بقاء الأقليات مرتبط ببقائه، وأن الأقليات معادية للانتفاضة، أو تخشى على مستقبلها بعيداً من النظام. والشهور التي تلت البدايات أثبتت العكس، على رغم الإشكالية التي وقعت بها الطائفة العلوية، التي انحازت في غالبيتها للنظام، بفعل الخوف والتحريض والتجييش الطائفي الذي مارسه أنصار السلطة في مناطق التوتر الطائفي. إلا أن الفتنة لم تجد طريقها بعد الى الناس، رغم تبعات نصف قرن من اشتغال النظام على تعزيز هذه التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وعلى رغم أنّ احتمال اشعال النظام لحرب طائفية لا يزال يلوح في الأفق (كما في حمص حديثاً).

 

مخاطر من هذا النوع سوف تظل واردة حتى بعد سقوط النظام، وبواسطة أتباعه، لأن المهمة الصعبة لا تنتهي مع سقوط الدكتاتوريات، بل تتواصل بعد رحيلها وما تخلفه من آثار تخريب المجتمعات.

 

3- اصطفاف الطائفة العلوية وراء النظام، نتيجة الأسباب الآنفة الذكر، يمكن مناقشته ضمن شقين. الأول يتعلق بالظلم والإضطهاد اللذين مارسهما النظام بحق هذه الطائفة، منذ حاول مسخ مضمونها الفكري والآخلاقي والفلسفي، وتحويلها من فرقة معارضة، و«ضحية» عانت مئات السنين من التهميش والإفقار والقهر، إلى فرقة مستبدة، و «جلاد» يسوم الآخرين العسف والطغيان، عبر أجهزة الأمن والوحدات ذات التكوين الفئوي الطائفي. والنظام الآن يتابع النهج ذاته، وتفتيت المزيد من عناصر الانتماء الوطني للطائفة مقابل زرع الرعب في نفوس أبنائها وتكريس العقلية الانعزالية. أي أن أول المتضررين من النظام الاستبدادي، فعلياً وليس امتيازياً، هم هذه الطائفة.

 

والشق الثاني أنه ليس صحيحاً الزعم بأنّ الطائفة برمتها تصطف وراء النظام، فهناك قسم كبير من المثقفين والناشطين المعارضين الذين وقفوا إلى جانب الانتفاضة، ونزلوا الى التظاهرات، وقسم من النساء الناشطات بقوة في أعمال الانتفاضة الميدانية. وهذا يعني أن الفئة المثقفة والنخبوية عند العلويين تشكل في غالبيتها سنداً حقيقياً للانتفاضة وهي جزء منها. وهذه أيضا تعد مأثرة للانتفاضة، لأنها لم تقم على سياسة البعد الواحد، وتداخلت حركة الشارع فيها وحركة المثقفين في ما يخص الأقليات تحديداً.

 

4- على رغم انطلاقة الانتفاضة من الأرياف والمناطق الأفقر، فإنها لم تشهد أي أعمال تدل على همجية التحرك وغوغائية الشارع (كما يحلو لبعض المثقفين تسمية المحتجين). المحتجون في أغلب تظاهراتهم في الساحات كانوا يقومون بتنظيفها بعد انفضاض الحشود، كما حدث في دير الزور، مثلاً لا حصراً. ولم تقع حوادث تؤكد ارتكابها، كما هي طبيعة هكذا انتفاضات، أعمالاً انتقامية لا أخلاقية حيال الطرف الآخر.

 

في حماة، ويوم قتل حوالى مائة شهيد، بدأ المتظاهرون احتجاجهم بتوزيع باقات بنفسج على رجال الأمن الذين ردوا بالرصاص. بقي المحتجون محافظين على أداء اخلاقي عال لم يتجاوز الدفاع عن النفس (هناك حالات استثنائية قليلة من العنف الفردي)، مع أن البديهي لجوء الإنسان إلى العنف اذا جوبه باحتمال القتل. السوريون واجهوا كل أنواع القتل والتزييف الإعلامي بسلوك في غاية الإستقامة والشفافية، وهذا درس يضاف الى الشجاعة، لوصف الانتفاضة بالطهرانية.

 

5- بقيت حركة الشارع متقدمة على حركة المثقفين، وبقي شعار اسقاط النظام من المطالب التي لم يتراجع عنها المحتجون، وكانت هذه الحركة هي التي ألحقت المثقفين والكتاب والمشتغلين بالشأن العام، وليس العكس. وفي تطورات الانتفاضة على رغم ما صيغ من بيانات، واجتماع الشخصيات المعارضة وإقرار المطالب، بقي المحتجون أوفياء لحركتهم، ولم يقبلوا بأي تراجع عن مطالبهم.

 

6- تشكل حركة الشباب من الجيل الجديد نقلة نوعية هي الإستثنائية منذ الأربعينات، بخاصة أنّ الشباب الذين يعملون على الأرض مع المحتجين (لجان التنسيقيات، اتحاد التنسيقيات، وآخرون) هم في الغالب من الطبقة المتوسطة المتعلمة، ونواة مستقبل سورية القائم على رؤية مختلفة أساسها مصالح الناس والارتباط بهم، وإعادة خلق الانسان الجديد، وهذا بحد ذاته انقلاب ثوري في أخلاق تربى عليها السوريون لعقود (ك «أنا وبعدي الطوفان»، و«اللي بيتجوز أمي بيصير عمّي»). هؤلاء الشباب خارج الأطر الطائفية، والمصالح الضيقة، ويعملون بجد وإخلاص للتحرر من عبودية خنقت السوريين طوال العقود الماضية، ونظام مستبد فاسد يواصل تقتيلهم بوحشية منذ أربعة اشهر.

 

فإذا كانت الثورات العربية ستعيد الاعتبار لمفاهيم حركات التغيير في العالم، وتمهّد لها، فالانتفاضة السورية ستكون بؤرة وقلب هذا التغيير الأخلاقي، ما يتوجب على الكتاب والمفكرين دراسته وتأمله، كدرس استثنائي في إعلاء قيم الشجاعة والتسامح.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تشهد سوريا صراعا طائفيا؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

22-7-2011

تصاعد الحديث حول الصراع الطائفي في سوريا بعد الأحداث الأخيرة في مدينة حمص بوسط البلاد، والأساس في هذا التصعيد يكمن في أمرين: الأول، ما تناقلته الأنباء عن اشتباك بين مواطنين من طائفتين مختلفتين في مدينة حمص. والثاني، أن حمص مدينة مختلطة دينيا وطائفيا، إذ هي تضم مسلمين ومسيحيين، ويتوزع الطرفان إلى مذاهب وطوائف عدة، ويشكل المسلمون من السنة والعلويين أكبر كتلتين من مسلمي المدينة، وهو الأمر الذي يستند إليه القول والتفكير في موضوع الصراع الطائفي.

 

والحق أن مدينة حمص مدينة تاريخية، وهي مختلطة منذ زمن بعيد، ولم تكن في يوم من الأيام مدينة صراع ديني وطائفي، بل مدينة تعايش وتعاون، ليس بالاستناد إلى تاريخها فقط، وإنما استنادا إلى وظيفتها الاقتصادية والاجتماعية كمدينة تجارية وصناعية، وبفعل حضورها البارز في الحياة السياسية، وهي التي أفرزت ثلاثة من رؤساء سوريا في فترة ما بعد الاستقلال، وكان من أبنائها قادة كبار من مختلف الجماعات السياسية في سوريا من قوميين وشيوعيين وإسلاميين.

 

وبغض النظر عما سبق، فإن المدينة في سياق تعاطيها مع مجريات وتطورات الأزمة الراهنة في سوريا، ومن باب تحصين وتقوية لحمة سكان المدينة، فقد بُذلت جهود متعددة من نخبة الأحياء لبحث ما يحيط بالمدينة وسكانها من مشكلات والعمل على معالجتها، وكان من بين آخر ما جدوا للعمل عليه رفض الفتنة الطائفية، والتأكيد على وحدة أبناء المدينة، وتآزرهم في مواجهة الظروف التي تحيط بالمدينة وسكانها، وهو سلوك مشهود للمدينة المشهورة بتآزرها في المستوى الاجتماعي وتراحم وتعاون نسيجها من عقود طويلة.

 

وقائع مدينة حمص في بعدها عن الصراع الطائفي تشبه في معطياتها أوضاع أغلب المدن السورية، لكن ذلك لا يكفي لنفي الأحاديث عن صراع طائفي في سوريا، وقد تكررت تلك الأحاديث وتصاعدت في الأشهر الماضية من عمر الأزمة التي تعصف بالواقع السوري، خصوصا وأن هناك أطرافا بعضها داخل النظام تدفع نحو صراع كهذا، لأنه يعيد تركيب الأزمة الحالية بمعطيات غير معطياتها الحقيقية، بما فيها من معطيات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، دافعا إلى اختصارها في صراع بين طوائف، ولا شك أن أجهزة أمنية وإعلامية من داخل النظام تمثل بعض الأطراف المنخرطة في التحشيد الطائفي وفي الدفع نحو صراع طائفي.

 

غير أن الدفع والتحشيد باتجاه الصراع الطائفي ما زال أبعد من أن يترك أثرا ملموسا في الحياة السورية، ليس فقط بسبب بعد السوريين عن العنف، وهو أمر معروف عنهم، وميلهم إلى السلم، بل بسبب الإرث الثقيل الذي خلفته مرحلة الثمانينات من صراع اتخذ طابعا طائفيا بين السلطة والجماعات الدينية المسلحة، وقد اشتغل السوريون وما زالوا على ذلك الإرث لتصفيته.

 

والأهم مما سبق أن السوريين في حراكهم الشعبي الراهن دأبوا على رفع شعارات وترديد هتافات تناهض استخدام القوة وترفضه، وتؤكد على فكرة الوحدة الوطنية والجوامع المشتركة للسوريين، وتعلن تضامن الجميع بعضهم مع بعض، كما دأبت هتافات المتظاهرين والمحتجين على إرسال التطمينات باتجاه كل مكونات الجماعة الوطنية في سوريا.

 

وهتافات وشعارات الحراك السوري لا تهدف إلى تطمين السوريين فقط، إنما هدفها الأساسي هو إيضاح الطابع التحرري للحراك الشعبي في مساره نحو الحرية والكرامة ومن أجل دولة ديمقراطية تعددية، توفر العدالة والمساواة وحقوق الإنسان على قدر واحد لكل السوريين، مما يجعل الحراك أبعد ما يمكن عن التهيئة أو الانخراط في صراعات طائفية، وهو توجه يتماثل مع ما تتبناه جماعات المعارضة السورية في سعيها إلى تغيير وطني ديمقراطي، أكدت مرات أنه تغيير سلمي.

 

إن مخاوف الصراع الطائفي هي مجرد مخاوف، لكن هذه المخاوف يمكن أن تتزايد في حال عدم مباشرة الحل السياسي واستمرار مجريات الحل الأمني وتفاعلاته، ولا سيما في ظل عمليات التحشيد الإعلامي التي تسهم في الاحتقانات الطائفية، وفي ظل استمرار مشاركة جماعات الشبيحة الموالية للنظام في التصدي والتعدي على الحراك الشعبي قتلا وجرحا واعتقالا وتخريبا للممتلكات، وهي سياسات تدفع إلى منزلقات الحرب في الداخل أو إلى التدخلات الأجنبية العنيفة، وربما إلى الاثنين معا، مما يعني ضرورة الإسراع في وقف مسارات الحل الأمني والتوجه نحو الحل السياسي من أجل تغيير ديمقراطي تعددي يتناسب مع طموحات السوريين بالتغيير.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ساعات من الحرية! .. خولة دنيا

2011-07-21

القدس العربي

اتصلت بي صديقتي من القابون قالت تعالي لعندي، توقعت جلسة نسائية اعتدنا القيام بها بين الحين والآخر للتحدث عن الأوضاع وما يمكن فعله... ولأنني كنت سأرى بعض صديقات الفيس البوك اللواتي أراهن لأول مرة والمهتمات بما يحدث ويعشن في منطقة بعيدة عن دمشق، فقد عرضت عليهن المشروع وعندما وافقن أخذنا تاكسي باتجاه القابون..

 

كثر لا يفكرون حتى بأن يكونوا على مقربة من القابون بعد الأحداث الأخيرة هناك وعدد الشهداء الكبير الذي سقط يوم الجمعة الماضي.

 

أخذت التاكسي طريقاً طويلاً، فقد كان عناصر الشرطة قد قطعوا أغلب طرقات المدينة باتجاه ساحة الأمويين لقيام المؤيدين بما يسمى بصمة الوطن بمناسبة تولي بشار الأسد الرئاسة بعد أبيه. والتي قيل أنها ستكون احتفالاً ضخماً يحضره مجموعة من الفنانين المشهورين.

 

في النهاية وصلنا، استدلينا على البيت وقبل ان نقترب رأينا مجموعة من النساء يتظاهرن في الأحياء والزواريب القريبة اسرعنا سيرنا وقد نسينا الزيارة، أحسست الفرحة في عيون صديقاتي، قلت لهن هل تريدون المشاركة في المظاهرة، فقلن بسرعة أكيد طبعاً...

 

شباب الحي من بعيد قالوا لنا هل أتيتن للمظاهرة: قلنا نعم. فأشرقت وجوههم وهم يدلوننا على الطريق...

 

سارعنا بالانضمام وبدأ ذاك الطقس الجميل والرائع هتافات رائعة، أغاني إبراهيم قاشوش التي دفع حنجرته ثمناً لها، والأجمل كان'تسونامي الحرية...

 

رجل يلبس ملابس العراضات الشامية ينتصب بكامل قامته فوق آخر يسير به على طول المظاهرة وعرضها ويهتف ونحن نردد وراءه، قال: الآن قفوا في أماكنكن ورجاء الجميع يقرفص، قرفصنا جميعاً لم يبق سواه في أعلى المشهد، قال بصوت خفيض وهادئ: الشعب يريد اسقاط النظام، كررها بهدوء مرة ثانية ثم انتفض صوته وانتفضنا معه واقفين ونحن نردد بصوت واحد: الشعب يريد إسقاط النظام... كان صوتاً جماعياً رائعاً.

 

استمرت المظاهرة في مسيرتها التي بدأتها بالمرور على بيوت شهداء جمعة (أسرى الحرية)، عند أحد البيوت توقفنا فتح الباب لتخرج منه امرأة كبيرة في العمر كانت أم الشهيد، لم تكن تبكي ولكن وجهها كان حزيناً وهي تردد كلمات شكر للجميع ونحن نهتف لها ولابنها شهيد الحرية.

 

الزقاق كان يوصل للاوتستراد.. ترجتنا صديقتنا أن نعود فهناك سنكون مكشوفين على القناصة، قدرت أنها تعاملنا كضيوف، عدنا وعادت معنا مجموعة من النساء، الباقي استمروا في سيرهم..

 

جلسنا هناك ننتظر وقتا نستطيع فيه الذهاب إلى بيت العزاء المشترك الذي نصبه أهالي القابون لشهدائهم بعد حوالى ساعتين دارت فيهم القهوة ومعها دارت أحاديث وشجون المناطق التي أتينا منها، الصبايا اللواتي أتين معي كن من السويداء بعض الصبايا الأخريات والشباب من حمص واللاذقية والطرطوس وغيرها....

 

خرجنا جميعاً كوفد إلى بيت العزاء، وعلى الرغم من عادات المنطقة ويمكن سورية كلها بفصل بيوت عزاء الرجال عن بيوت عزاء النساء، فقد كان مفتوحاً للجميع...

 

في طريق طويل تنيره الأضواء يقف صفان من أهالي القابون ونسائها وأطفالها لاستقبال المعزين مشينا حوالى 50 متر حتى وصلنا إلى المكان الرئيسي على طول الطريق كانت هتافات الحرية تصدح وهتافات استقبال الضيوف.

 

جلسنا في صفوف أمامية على المنصة رجل كبير في العمر يستقبل الناس بالميكروفون ويتلو اسماءهم أو مناطق قدومهم، كان طقساً ضرورياً لتأكيد الهوية الوطنية للجميع وأن الجميع شارك دون التفات للمنبت أو الدين..

 

فتاة صغيرة ألقت أغنية وفتى صغير ألقى شعراً.

 

وعاد تسونامي الحرية بوجود أكثر من 2000 شخص في المكان....

 

كان كل شيء يسوده التنظيم والمشاركة بين الجميع رجال ونساء وأطفال، القابون كلها كانت تحتفل بشهدائها الذين وضعت صورهم بجانب بعضهم البعض على عرض بيت العزاء.

 

كان مهرجان حرية بحق أقيم لشهداء الحرية..

 

خرجنا كما أتينا بهتافات المودعين وهم يستقبلون وفداً ويودعون آخر..

 

أوصلونا إلى وسط المدينة بسيارة، كانت الطرقات ما تزال مقطوعة على شرف بصمة شباب التأييد، لا جدوى من المقارنة بين مظاهرتنا الخائفة في الزواريب وبيوت الشهداء، وبين الرفاهية الواضحة لهؤلاء الذين تقطع لهم طرقات العاصمة على عرضها وطولها.

 

'في اليوم التالي وصلتني رسالة من صديقتي تقول فيها:

 

خولة كان أجمل يوم في حياتي.. شكراً لأهالي القابون الرائعين

لقد عشت حريتي لعدة ساعات..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

كل الدعم لشباب الثورة .. جلال / عقاب يحيى

لنكن صادقين ونعلنها صريحة : أنه لولا شباب الثورة، لولا وعيهم، وتضحياتهم،وتصميمهم لكنا جميعاً : معارضين، ومثقفين، وناشطين، وبشراً نتطلع للحرية... في سابع نومة اليأس والإحباط، والتنظير في الأزمات المتراكمة، والأزمات التي باضت وفرّخت وشرشيت خلافات وذاتيات ومهاترات وإلقاء مسؤوليات على هذا وذاك، وتضخّم الذات وتكوّرها.. وفقدان الأمل أن يحقق جيلنا، والأكبر، والأصغر شيئاً ملموساً من حلم التغيير ..

 

 * لنعترف بجرأة المناضلين، والمثقفين أننا فشلنا، لأسباب كثيرة، في وضع الأهداف موضع التطبيق، وأن كثيرنا أدمن التبرّم وإلقاء المسؤولية على آخر ما، وأن أقصى ما كان يطمح إليه البعض : من القوى المعارضة : إما الصفح عنه والتعامل معه كمواطن له حق العودة والعيش الآمن..وإما : انتظار ما قد يجود به النظام و"الرئيس الشاب الإصلاحي" ببعض الخطوات والإجراءات .. التي قد تفتح كوّة ما على طريق التغيير : الطويل، والمتدرّج ، وأن أقصى أماني البعض لم تتجاوز أن يصدر عفواً عن المبعدين، وأن يقتنع النظام بوجوب القيام ببعض الخطوات..

 

 وأن ارتفاع السقف في المطالب، وانتعاش العروق اليابسة، وحقنها ببعض الدماء، وهذا " الحراك" الصحّي، والمفتعل، وهذه الزحمة في الأنشطة ما كان لها أن تكون لولا الشباب وإرادتهم، ومن خلفهم شعبنا الذين فتحوا للجميع الأبواب مشرعة للإسهام بالممكن ..

 

 * لنعلن دون مواربة وخشية من ذات، أو من عمر.. أن الشباب هم فرسان المرحلة، هم قادة التغيير ، وأنهم الأجدر منا جميعاً، وأن دورنا يجب أن يكون رافداً، ومساعداً،ومعيناً، وناصحاً، وملتزماً بهم وليس بديلاً، ولا عبئاً، ولا محاولات انتهاز لسرقة جهد الآخرين أو حرفه، وليس أبوياً وصائياً كما يفعل ويدمن البعض، أو بالخروج عن إجماعهم عبر أكوام التبريرات والتنظيرات عن مصاعب التغيير، والانسداد، وقوة النظام ..والتدرّج، والانتقال السلس.. واتهام شعارات الشباب بإسقاط النظام أنها غير واقعية، وغير عملية، ولا تقيم وزناً لموازين القوى .. إلخ ..

 

 *****

 

لا شكّ أن مصاعب كبيرة تواجه الثورة السورية في شهرها الخامس، بالنظر إلى طبيعة النظام وبناه وارتكازاته وقواه، وتحالفاته العربية والإقليمية والدولية .. ولا شكّ أيضاً بأن شباب الثورة ينضجون في أقسى الظروف، وأن أمامهم جبالاً من المهام الثقيلة، والمتفرعة، وأن خبرات بعضهم جديدة بمثل هذا المستوى المعقّد من الصراع، وبعضهم لا يملك معلومات وثقافة عن أوضاع المعارضة، وسيرورتها، وأسباب فشلها، أو ضعفها فيصاب برد فعل حماسي يسهل معه شطب الآخر، أو الاستخفاف به وبما فعل عبر العقود.. مما يخلق نوعاً من الحساسية والتنافس، والبحث عن مواطن للخلاف والنقد.. الجميع بغنى عنها، ولا تخدم أحداً سوى النظام .. وأن ولادة التنسيقيات جاءت عفوية في الميادين، وقد فرضتها الحاجة، والضغوط اليومية، وكثيرها تشكّل كيفما كان، وكثيرها يتعلم التعاطي بالسياسة عبر التجربة والاحتكاك والصواب والخطأ.. وكثيرها يحمل إرث واقعنا وتوزعاته السياسية والفكرية والإديولوجية، وغير ذلك من مخلفات ومكوّنات المجتمع.. وأن التنسيق العام فيما بين التنسيقيات ليس بالأمر السهل لكثرتها من جهة، وتنافس بعضها من جهة ثانية، وللوضع الأمني الحساس من جهة ثالثة ..

 

 وبقدر ما هي اليوم وحدة التنسيقيات في إطار جامع مهمة حيوية يجب إنجازها، وبقدر ما هو ضروري بلورة صيغة واضحة لعمل ومواقف وبرنامج ورؤى التنسيقيات للحاضر والمستقبل ..وصولاً إلى التوحد.. بقدر ما هي محفوفة بمخاطر الكشف من نظام أمني أخطبوطي لن يتوانى لحظة واحدة ليس في اعتقال تلك القيادات، عند معرفته بها وحسب، بل ربما تصفيتها(وللنظام تاريخ طويل وعريض في التصفيات والاعتيال)، وتلك الصعوبات التي أشرت إليها في مقال خاص ، قبل أيام، عن واقع التنسيقيات ومهماتها ..

 

 * إن فوقية ونرجسية وتكبّر بعض المثقفين.. بقدر ما هي حالة معروفة لهذه الفئة في عموم البلدان، تعكس تركيبتهم، وإبداعهم، وتنافسهم.. بقدر ما تأخذ في بلادنا وضعاً مؤدلجاً ، معلباً على العموم، بالنظر إلى موقف الأغلبية الساحقة منهم في خندق النظام، أو على الحياد الناقد، والمراقب، ووجود قلة قليلة من بين الناشطين الديمقراطيين الذين لهم وجهات نظرهم، وحيثياتهم، ومواقفهم..

 

 إن التحاق الكتلة الرئيسة من النخب أمر حيوي لتفعيل قدرات الشباب والثورة، لكن لا يصح أن يتمّ ذلك على حساب شبابها، ودورهم، بل بالتناغم والتفاعل معهم لإغناء تجربتهم ، وإفادتها بخبراتهم وعطاءاتهم ..

 

* إن واجب الجميع اليوم : معارضة رسمية ومستقلة، وناشطين ونخباً.. التوجه نحو مركز الثورة وقلبها : الشباب، وممثليها الحقيقيين : التنسيقيات.. لتقديم العون بكل تواضع المناضلين الواعين للمرحلة، المندمجين بالهدف الرئيس، وبالمصلحة العليا للثورة والوطن، ولعل واجب مبادرتهم هم، والبحث عن شباب الثورة، وفتح حوارات مباشرة معهم، والوصول إلى الاتفاق حول شعارات ومهمات المرحلة، وترشيد الطروحات، وتثوير الرؤى، وتشبيب المواقف والحركة.. مهمة ضرورية لا بديل عنها لتزاوج الخبرة بالشباب، وللالتحام بالثورة من داخلها وليس على حوافّها ..

*كاتب وروائي الجزائر

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حول مؤتمر الإنقاذ الوطني الذي عقد في استامبول ..المعارضة السورية وتحديات الثورة والذات والمستقبل

نوال السباعي

بعد تعذر عقده في تونس ، ثم في الأردن ، ثم في مصر ، اضطر المنظمون إلى عقد "مؤتمر الإنقاذ الوطني" في تركيا ، وجاءت الدعوة إليه، متأخرة ، وبإلحاح ، وكان اسم شيخ ثوار سورية ، القانوني ، والرجل الكبير "هيثم المالح" سببا رئيسا في استجابة أغلب المشاركين للدعوة ، باعتباره أحد كبار ممثلي الثورة في الداخل،ولما "كان" يمثله عنوان المؤتمر من أهمية في حاضر ومستقبل الثورة السورية .

 

**تعبير "تشكيل حكومة ظل" كان صادماً!!، الوقت مازال مبكرا للحديث عن حكومة ظل! ، كما أن مثل هذا المطلب الهام والكبير يتطلب شروطا خاصة ، ليست متوفرة بعد!.جاء الناس المؤتمر بنيّة العمل ، وبذل كل مايمكن لخدمة سورية ، في الاتجاه الذي يراه "الداخل" السوري ،بكل أطيافه السياسية والفكرية والعرقية والدينية .. بل لقد اعتبرنا كل تخلف عن هذه الاستجابة مشكلة ، وثمنّا حضور"برهان غليون" ، كمراقب ، وذلك على الرغم مما تناقله الجميع ، عن شروط وضعها لحضوره المؤتمر ، اعتبرتُ بعضها منطقيا وضروريا .

 

إن مصطلح "حكومة الظل" يعني جمع ممثلين عن كل التيارات السياسية في المعارضة ، وهذا المؤتمر – على مارأيت- لايضم كل التيارات السياسية السورية ، ودليل ذلك ، أن مجموعة من الأسماء المعروفة ، في المعارضة ، كانت قد نزلت فنادق مجاورة في استامبول ، ورفضت المشاركة في المؤتمر ، وقد ذكرت لي إحدى الناشطات الحقوقيات ، وكانت صحفية زائرة للمؤتمر ، أن "أولئك" القوم ، لن يحضروا ، ولن يلتقوا إلا بالمجموعة أو الهيئة التمثيلية التي ستنبثق عن المؤتمر!!.

 

 

 

**تعمد المؤتمر بالدم ، أبى النظام المجرم في سورية إلا أن يرد بالرصاص ، على المعارضين الشرفاء العزل من الذين أرادوا عقد المؤتمر في حي "القابون" في دمشق، وقدم الثوار الأبرار أربعة عشر شهيدا ، سوف يمرون في التاريخ ، على أنهم شهداء مؤتمر الإنقاذ ، وهكذا هو تصرف الانظمة الساقطة – لامحالة- حيال إرادة الشعب المسلح بالشوق إلى الخلاص .

 

أولى مفاجآت المؤتمر في استامبول ، كانت الفندق الذي عقد فيه ، والذي صدم كثيرين ، فندق ضخم ، بقاعات ضخمة ، لايشبه تلك الفنادق المتواضعة، التي عُقدت فيها مؤتمرات أخرى حضرتها!!، هذا الوضع جعلنا نتحفظ حتى في الطعام!!، فلايمكن للمرء أن تكون لديه القدرة على تناول طعام فنادق أربعة نجوم ، بينما قتلى مؤتمر الإنقاذ بشقه الدمشقي لم تدفن جثامينهم بعد!.

 

 المفاجأة الثانية ، إدارة المؤتمر ، وسير العمل فيه ، وجمهور الحضور، لم تكن تلك إدارة "مؤتمر سياسي" !، كانت هناك نيّات طيبة لشخصيات معارضة ، غير مختصة بالسياسة ، وليس لديها خبرة في إعداد المؤتمرات السياسية ولاإدارتها.

 

لا ورقة عمل ، لا معلومات ، لانقاط للبحث ، لامحاور للنقاش ، ولاشخصيات معينة للتعبير عن الرأي من صناع الرأي المعنيين ، ولاجلسات مغلقة للتشاور بين هؤلاء المختصين!.

 

لم تكن هناك لوائح خاصة بأسماء الشخصيات الأساسية التي تمت استضافتها ،ولم يكن هناك من تعريف مختصر بسيرها الذاتية ، تستطيع من خلاله أن تتعرف على بعضها البعض ، حتى يستقيم الحوار وتبادل وجهات النظر ،ومن ثم تسهيل عملية اختيار الشخصيات المناسبة للمهمة المحددة!.

 

 لم يكن هناك برنامج لعمل سياسي ، ولا مقدمات لورشات عمل علمية ، ولا لائحة بالأسس التي يجب أن يقوم عليها الحوار ، ولارؤية واضحة محددة منبطة عن آلية اختيار ممثلين عن المؤتمر .

 

وكان ينبغي أن ترفق هذه الأشياء مسبقا مع الدعوة إلى المؤتمر ، لاأن تقوم الجهة المنظمة بطبع وتوزيع "مشروع البيان الختامي لمؤتمر الإنقاذ الوطني" في سوريا ، بعد ساعات من بدء انعقاد أعمال المؤتمر ، وعلى الماشي !.

 

 المفاجأة الثالثة كانت في حضور عائلات بأطفالها هذا المؤتمر !، لعل أطيافا من المعارضة السورية ، لايعرفون الفرق بين مؤتمر سياسي يعقد لإنقاذ بلد يعيش حالة ثورة ومذبحة!، ومؤتمر جماهيري شعبي ، ولاالفرق بين اجتماعات الجاليات الدورية في المهاجر، واجتماعات النُخب للقيام بعمل كان يُنتظر أن يكون مفصليا في مسيرة الثورة السورية.

 

لعلهم وهم يتحرقون لعمل شيء من أجل سورية وشهدائها ومعتقليها وأطفالها المعذبين، لم يفرقوا ، بين عمل السوريين خلال ثلاثين عاما من أجل الحفاظ على هويتهم ولغة أطفالهم وعدم ذوبانهم في المجتمعات الغربية ، وبين عمل النخبة من القيادات التاريخية "السياسية"، وصناع الراي ،ذوو التاريخ المعروف ، والسجل الذي يؤهلهم لحضور مثل هكذا مؤتمر ، للبتّ في وضع الثورة وماتحتاجه منا في الحاضر والمستقبل.

 

 جهل "طبيعي" يكشفه واقع المعارضة السورية التي تمت محاربتها واجتثاثها في الداخل ، وملاحقتهاوتشويهها في الخارج ، وقد ولدت للتو ، وبدأت بتجميع صفوفها على وقع المذبحة التي تجري في سورية ، على يد نظام متوحش يعامل الشعب الذي يحكمه معاملة الأعداء الألداء ، أمضى ربع قرن ، وبأموال الشعب السوري ، يُعد العدة للمعركة ، التي ثبت قطعا ، أنها معركته مع شعبه الأعزل ، ومهما طبّل وزمر وملأ الدنيا صياحا ، بالعصابات المسلحة المدسوسة المتآمرة عليه!.

 

 إنه من السهولة والواقعية أن ننسب تقصيرنا وعجزنا وتخبطنا، لنظام متغول متوحش ، كان ومازال أحد الأسباب الرئيسية لما تعانيه المعارضة من تشرذم وقصور ، خاصة طريقة تعامله مع "المهجرين والمهاجرين" من النخب المعارضة، بالتغييب والتخوين الممنهج، ولكن وفي الواقع يجب علينا كسوريين ، وبشجاعة، ان نعرف ونعترف بأن جزءا كبيرا من المسؤولية يقع على عاتقنا نحن ، وعلى فهمنا لطبيعة المرحلة ، وعلى تقييمنا لقدراتنا وإمكانياتنا ، وعلى تقديرنا لخطورة الوضع السوري على الأرض وفي الخارج.. خطورة كان يجب أن تجعلنا نرتفع إلى مستوى الحدث ، لاأن ننزل بالحدث إلى مستوى قلة حيلتنا وافتقار البعض منا إلى المعرفة بملابسات الفكر والسياسة.

 

 **لم يكن مؤتمرا للإسلاميين ، ولكنه -وكما ذكر "محيي الدين اللاذقاني" ، كان مؤتمرا للمحافظين ، بل لم يكن للإخوان المسلمين فيه إلا الكلمة التي ألقاها "صدر الدين البيانوني" ، والحضور الصامت المراقب ، وقد أخذتُ عليهم أنهم لم يتحركوا لأخذ زمام المبادرة لإنقاذ مؤتمر الإنقاذ! ، كان حضورهم صامتاً إلى درجة أنه لم يستطع أن يقدم جواباً ولامبادرة ، أمام هذه التجاوزات ، في مؤتمر لايمكن لأحد كائنا من كان أن يشكك بنيات من حضره- ولامن دعى إليه-، ولكن في السياسة كما في الحياة ، لاتستقيم الأعمال بنيات أصحابها الطيبة وحسب ، ولكن بصواب اجتهاداتهم لإنجازها وفق المعايير العلمية الدقيقة في الظروف المواتية.

 

 حقيقة أهمية المؤتمر ، وارتفاع الحس الوطني المتقدم لدى الداعين إليه ، لايجب أن تمنعنا من مساءلة القائمين عليه ، إذ عقدوا النية على إقامته، دون أن يرتبوا بشكل كاف تلك الامور التي كان يستدعيها عقد مثل هذاالمؤتمر بالغ الخطورة .

 

**موقف الأكراد الذين انسحبوا من المؤتمر ، لايتسق مع مواقف معظم الأكراد السوريين من الذين انتهجوا طريقا وطنية تتحد في الرؤية والمنهج مع كافة أطياف الشعب السوري ،والذين يعتقدون ان "عربية" الدولة السورية ، لاتنبثق من صفاء العرق العربي فيها ، وإنما من لغتها العربية الرسمية ، التي يؤدي بها السوريون عباداتهم ، ويكتبون بها تاريخهم ، وتشكل الوعاء الثقافي الجامع الذي ينهلون منه أسباب وجودهم ، والتي فهموا بها كل معاني الحرية ، التي قرعوا من أجلها بأيديهم الدامية أبواب المستقبل ، ولم يترددوا لحظة من اللحظات في مناداتها باللغة الكردية! ، حتى صارت كلمة "آزادي" في وعي السوريين جزءا من ثورتهم ، ترتجف بها أرواحهم، وهم يصنعون مجتمعين تاريخهم للمرة الاولى منذ اربعين عاما .

 

مواقف رجال العشائر في المؤتمر ،-وعلى الرغم مما قام به الناطق الذي كانوا قد عينوه باسمهم، من أفعال وتصريحات غير لائقة- ، كانت مواقف تاريخية وطنية لايشق لها غبار ، حتى أنهم أعلنوا تنازلهم عن أي ترشيح أو منصب أو تمثيل في الهيئة التي ستنبثق عن المؤتمر ، إذا كان في هذا ضماً للصفوف ، وإنهاءا للخلافات ،كما قام بعض المشاركين بالامتناع عن قبول الترشح لهذه الهيئة ، للأسباب ذاتها، ومنحت شخصيات أخرى الأصوات التي أولاها لها كثير من الحضور ، إلى الشباب ممن توسمت فيهم القدرة والجاهزية للعمل من أجل سورية، حتى لو كانوا من تيارات مختلفة ومخالفة، بل حتى لو لم يكون بعضهم حاضرين في هذا المؤتمر !.

 

وهناك العشرات إن لم نقل المئات من نخبة النخبة من الشباب السوري المتألق باختصاصاته ودراساته ، وجاهزيته الاستثنائية للعمل من أجل سورية الغد والحرية والكرامة، والذين تتراوح اختصاصاتهم بين "فن الإدارة" و"سورية وطنا وشعبا"، و"العلاقات الدولية" و "تربية الكتل البشرية وعلاقات الاقليات بالاكثرية"، أو "حقوق الإنسان" ،فضلا عن القانونيين، والمشتغلين بالترجمة ، والكتاب والصحفيين والإعلامين ،وغيرها من الاختصاصات الإنسانيةالرفيعة ،التي سيوفر اجتماع أصحابها المحضن اللازم والضروري لإنشاء مناخات سياسية صحية تلتقي فيها الشروط الكافية التي تؤهلها للعمل على ولادة "هيكل" سياسي سليم يمثل الثورة السورية في الداخل والخارج ، كما قال الباحث في الشأن السوري باستثناء الشاب "منذر زملكاني".

 

إن لم يكن لهذه المؤتمرات من فضل سوى أنها كشفت لنا عن هذه الطليعة الشبابية المتألقة ، لكفاها ، مما يبشر بمستقبل واعد للثورة السورية ، بوجود كل هذا الحجم من الكوادر السورية الشابة المختصة والمهيئة لاستلام زمام المبادرة من الجيل الذي سبقها ، والذي آن الاوان له وبعد رحلته المضنية ، أن يسلم اللواء ، لاليرتاح ..ولكن ليكون له دور التنظير واستئناف التفكير ، وتوثيق المرحلة، وتسجيل التجربة.. ورعاية النبتة عن بعد وتعهدها بالنصيحة ، التي لايجب أن تكون على شرط الإلزام !، لقد كان من اولى اولويات هذه الثورة المباركة ، سقوط منظومة العبودية ، وتحرر الفكر من الاستبداد ، أيا كان مصدره ، وكائنة ماكانت مبرراته!.

 

**التعددية والاختلاف سنة ومطلب أساسي ، ولكن الاختلاف والجهل ، وتوسيد الأمر إلى غير أهله ،خطايا لاتغتفر عندما يتعلق الأمر بأرواح ودماء وعذابات شعب ينتظر طوق نجاة .

 

مواقف وطنية ، واكتشافات كبيرة ، شهدها هذا المؤتمر في أروقته ، ومن وراء الكواليس ، ولدى المحادثات الجانبية ، والتي يكون لها في مثل هذه المؤتمرات أهمية استثنائية ودائما.

 

شكرا لأخطائنا ، ثم لقدرتنا على الاعتراف بها ،يمكننا ، كسوريين ، أن نرسم صورة شعاعية حقيقية عن طبيعة الشخصية السورية المعاصرة ، وهو أمر استثنائي يحدد بدوره معالم الطريق الذي يجب أن تمشي عليه المعارضة لاحقا ، معرفة النفس ، وقدراتها ، ونقاط الضعف والقوة فيها ، جدير باستئناف المسير بقوة وحزم وعلى بصيرة -كما قالت الباحثة الشابة في شؤون التربية "س.إدلبي" والتي شاركت في المؤتمر بصفة مراقبة– ، وأضافت : إن من أهم منجزات مؤتمر الإنقاذ هذا ، هو هذه الرؤية الواقعية لحقيقة أوضاع المعارضة السورية ، والتي يجب أن تصب في مشروعات مستقبلية ، تتمثل في مبادرات تستجيب لطبيعة الثورة السورية في الداخل والخارج .لامؤتمرات إعلامية ، لعب كل منها وفي حينه دورا كبيرا ، لايجب أن نراوح في مكاننا منه ، علينا أن نتحرك وفق متطلبات الثورة والداخل السوري ، وإلا فإن الثورة ستتجاوز المعارضةفي الخارج ، كما تجاوز الشباب من قبل الشخصيات والحركات والاحزاب والتيارات على اختلاف مشاربها، وستجد المعارضة إذ ذاك نفسها في مأزق تاريخي ، يكشف ومن جديد عجزها عن مجاراة الحدث الهائل ، والارتفاع إلى مايستحقه سيل الدماء والعذابات على ارض سورية.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com