العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24/06/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الحرب الأهلية التي تشهدها سورية بعض نتائج التواطؤ العالمي على شعب سورية؟

إبراهيم درويش*

kurdishfront@gmail.com

طالبنا منذ الأيام الأولى لثورة شعبنا السوري، أي منذ ما يزيد على سنة من الآن، بملاذات آمنة لحماية المدنيين الذين يواجهون خطر آلة القتل الأسدية الفتاكة، لعلمنا أن حكام سورية يختلفون عن حكام تونس أو مصر أو اليمن، وطالبنا الدول التي تدّعي أنها صديقة للشعب السوري بإيجاد ممرات آمنة لإيصال المساعدات الطبية والغذائية للمناطق المنكوبة، وطالبنا بتسليح المعارضة السورية وذراعها العسكرية الجيش السوري الحر وبفرض حظر الطيران الحربي الأسدي والإسراع في حسم المعركة، توفيراً لأنهار من الدماء والدموع، وللحيلولة دون توسيع وقعة التدمير شبه الشامل للبنية التحتية ولقدرات الشعب في سورية، ولقطع الطريق أمام نظام أسد وحلفائه في إعادة ترتيب أوراقهم وتصدير أزماتهم للدول المجاورة، وطالبنا وطالبنا... وفي كل مرة كنا نواجَه بحجة واهية: ضرورة توحيد صفوف المعارضة السورية، هذه الحجة التي تترس خلفها، أو تذرع بها من لا يريد لتآمره أو خواره وضعفه أن ينكشف. وكنا نردّ عليهم: إنه لا توجد في الدنيا كلها معارضة موحدة، لا في العالم الديمقراطي ولا في غيره، وبالرغم من ذلك فإن ما يزيد على ثمانين بالمئة من المعارضة السورية قد انتظمت في المجلس الوطني السوري، أي أنها موحدة، فأرونا صدق ادعائكم صداقة الشعب السوري!!

وكنا نقول لهم: لنفترض أنه لا توجد معارضة سورية على الإطلاق، أو لاتنوي توحيد صفوفها، فهل هذا يبرر للمجتمع الدولي أن يترك عصابات أسد وشبيحته لتقيم المجازر المروعة للشعب السوري، وأن تفعل ما تشاء تحت سمع العالم المتحضر وبصره؟ أين العدل الدولي وحماية حقوق الإنسان والعمل على السلام العالمي؟؟؟ هل تسمح لكم مبادئكم التي ثقبتم آذاننا صباح مساء بها بأن تتركوا المجرم السفاح يفعل بالعزل المدنيين ما يشاء دون حساب ولا عقاب؟؟

وكنا نقول لهم: لو أن سورية في غير الموقع الجغرافي الذي تشغله الآن، أكنتم تتركونها طوال هذه الفترة تتقلب بين المجازر؟ أم كنتم بادرتم إلى حسم الموقف فيها بعيداً عن مجلس الأمن، كما فعلتم في البوسنة والهرسك، وفي كوسوفو، والعراق، وفي كوريا الجنوبية وغيرها من مناطق العالم؟

لقد توصلنا إلى قناعة، أثبت توالي فصول الثورة والنكبات التي حلت بشعبنا صحتها، وهي أن لاصديق مخلصاً لشعبنا، لا أمريكا وحلفاؤها في مجلس الأمن ولا الروس والصينيون؛ إنهم لجؤوا إلى توزيع الأدوار فحسب، وأعلن الثوار هذه القناعة عبر الشعارات التي رفعوها في تظاهراتهم السلمية: "ما لنا غيرك يا الله"، " هي لله هي لله، لا للسلطة ولا للجاه". وإلا كيف نفسّر التصريحات الصادرة عن المسؤولين الغربيين بمناسبة وبغير مناسبة عن عدم نيتهم التدخل في الشأن السوري خارج مجلس الأمن؟ وكيف نفسر رسائل التطمين التي يرسلها الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي لنظام بشار، بمناسبة وبغير مناسبة أيضاً، أن الحلف لن يتدخل عسكرياً في سورية؟ من كان يرجوه أن يتدخل حتى يؤكد عدم تدخله مرة بعد مرة وطوال أشهر الثورة وأسابيعها وأيامها؟ ألم تكن نتائج هذه المواقف المخزية هي إعطاء بشار وشبيحته الضوء الأخضر بأن يفعلوا ما يشاؤون دون حسيب ولا رقيب؟ ألا يعني كل هذا أن الشرق والغرب، ومعهما أصحاب القلوب السود المتخندقين في خنادق صفين والجمل، قد حسموا موقفهم وقرروا أن يمدّوا في عمر هذا النظام الذي أقسم كل سوري شريف أن لا يعود إلى داره وفيه عرق ينبض قبل ان يخلص البلاد والعباد من شروره، مهما بلغ حجم التضحيات؟!

إن هذه المؤامرة الدنيئة ضد الشعب السوري، التي يشترك فيها الفاعلون الرئيسيون في الساحة الدولية، كل بطريقته، قد أوصلت سورية إلى أتون وليس حافة حرب أهلية، وما مجازر أحياء حمص، مثل بابا عمرو، والخالدية، ومجازر تلبيسة والقبير ودير الزور وتفتناز وكفرعويد وتل رفعت...، والحرب الطاحنة في الحفة منذ ثمانية أيام...وغيرها إلا نذر هذه الحرب اللعينة، التي ما زلنا نأمل في أن يبادر عقلاء الإخوة العلويين، من عسكريين ومدنيين، إلى تفويت الفرصة على بشار وعصابته وإجهاض أحلامهم في تسخير هذا المكوّن السوري الأصيل لنزواتهم الشريرة وتعطشهم للمزيد المزيد من دماء هذا الشعب. كلنا أمل في أن يدرك هؤلاء العقلاء أن هذه الحرب المجنونة ليست حربهم، وإنما حرب هذه العصابة المجرمة التي سخرت إمكانات البلد العسكرية والاقتصادية لأهدافهم وأغراضهم الدنيئة، وأنه لن يخرج من الحرب بين الإخوة أبناء الوطن الواحد أحد منتصراً، بل الكل فيها خاسر.

إن حديث السيد كوفي أنان عن أن سورية ربما انزلقت إلى حرب أهلية يعطي ظلالاً قاتمة لنظرة المجتمع الغربي لمآلات الوضع في سورية، ذلك أن الحكم على بلد معين بأن الحرب الأهلية فيه قد نشبت يعني أن لا سبيل إلى التدخل أو الحسم العسكري الخارجي فيه، وإنما يصار إلى البحث في كيفية إرسال قوات فصل بين طرفي النزاع فيه، الأمر الذي يعني أن الثورة السورية مرشحة لفترة طويلة نسبياً، قد تمتد لسنوات عدة، قبل أن يبادر الغرب والشرق إلى فعل شيىء ملموس إزاءها، ويعني أن الهدف الرئيسي من وراء إطالة أمد الصراع بين الشعب والنظام الفاسد في سورية هو إنهاك سورية وإضعافها إلى درجة الانكفاء على جراحاتها ومشكلاتها لعقود قادمة من السنين، وتحييد وزنها ودورها في الصراعات الإقليمية ووعلى موارد المنطقة وخيراتها والمشاريع التوسعية والاستيطانية من جانب المستعمر الطامع!! فهل أدركنا مرامي تصريحات أنان؟ وهل يبادر شعبنا اليوم قبل غد إلى شدّ الأحزمة أكثر وأخذ جرعة منشطة طويلة الأمد من النضال والجهاد والصبر والمصابرة والمرابطة لمواجهة استحقاقات قادم الأيام، فإن حرية سورية وشعبها تستحق بذل كل غال ونفيس، وإن الضعف الذي مني به بشار ونظامه، وخساراته والانهيارات المتلاحقة في صفوف مؤسساته الأمنية والعسكرية على كل صعيد توحي أن ما بقي من أيامه أقل بكثير مما مضى، وأن النصر صبر ساعة، وأن الثور الهائج بدأ يترنح، ولكن لا بد من الاستعداد للمفاجآت، وحينئذ سيدرك الغرب والشرق أن لو فعلا غير ما فعلا!!.

وكلمة أخيرة نوجهها لإخوتنا ممن تمنعهم الغشاوة التي وضعها بشار على أعينهم، وأوهمهم أن معركته مع الشعب السوري هي معركتهم، نقول لهم:

إن بشار والعصابة المجرمة الحاكمة في دمشق، باستخدامهم لآخر ورقة يملكونها، وهي اللجوء إلى الحرب الأهلية وارتكاب المزيد من المجازر التي يندى لها جبين الإنسانية، إنما يؤكدون أنهم في أيامهم الأخيرة، وأنه لم يبق أمامهم سوى تدمير البلد الذي لم يشعروا يوماً بالانتماء إليه، وقتل الشعب السوري الذي قرر لفظهم وإلقاءهم في مزبلة التاريخ، كما فعل الشعب الليبي البطل بالطاغية المتجبر سيىء الذكر والمصير القذافي.

إن حاكماً يشعر أنه مسؤول عن بلده وتطويره ورفاهية شعبه وأمنه وأنه واحد منهم يستحيل عليه أن يفعل ما يفعله بشار وشبيحته بسورية وشعبها، إنه يلجأ إلى خيار شمشون في أحلك الظروف التي يمر بها، وفي أضعف مراحله، لا سيما بعد ورود أنباء شبه مؤكدة أن أركان النظام السوري قد هلكوا، سواء في حادثة التسميم لأفراد خلية إدارة الأزمة، أو في حوادث أخرى.

إن الثورة الشعبية المباركة التي أعيت هؤلاء المتجبّرين وأوقعتهم في شر أعمالهم، تشق طريقها نحو النصر المبين بإذن الله، بالرغم من التآمر الدولي المخزي، وإن شعبنا السوري الذي ضرب أروع أمثلة البطولة والفداء والصبر والمصابرة، وسطّر أروع ملاحم الإصرار على استرداد الحق المسلوب، متسلحاً بالإيمان بالله وبحقه في الحياة الحرة الكريمة، وبتجارب نصف قرن مع هذه العصابة التي لا حدّ لطمعها وجشعها ووحشيتها، هذا الشعب يستعدّ الآن لقطف ثمار جهده وجهاده وتضحياته، وصار يلمح تباشير الفجر الذي طالما انتظره طويلاً.

*مسؤول المكتب الإعلامي في جبهة العمل الوطني لكرد سورية، عضو المجلس الوطني السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نداء من الدكتور محمد أحمد الزعبي إلى إخوتنا ورفاقنا من الطائفة العلوية

يرغب مطلق هذا النداء ان يعرف بنفسه على أنه مواطن عربي سوري ، بعيد كل البعد عن كافة الأمراض الإجتماعية المتمثلة بالطائفية والإقليمية والقبلية والشوفينية القومية ، ولقد كان عضواً في حزب علماني يساري تقدمي ، بعيدٍ كل البعد عن هذه الأمراض الإجتماعية السرطانية الخبيثة والقاتلة ، وكان وما يزال أعزأصدقائه هم من مناضلي هذه الطائفة من الذين عمل معهم يداً بيد خلال تواجده معهم في قيادة الحزب ، وفي وزارة الإعلام في ستينات القرن الماضي .

إنه الآن وهو يرى ماتقشعر له الأرواح والأبدان ، من ذبح للأطفال ، واغتصاب للنساء ، وإتلاف للشجر والحجر ، وللزرع والضرع ، على يد عصابة بشار وماهر الأسد التي ينتمي العنصر الضارب فيها إلى الطائفة العلوية ، التي بت شخصياً أعجب لصمت مشايخها وشيوخها ومثقفيها وضباطها وحتى تقدمييها ويسارييها ، عما يفعله أبناؤهم الذين شاءت ظروف تاريخية معروفة ، وفي غياب كامل للديموقراطية وحرية الرأي ، ان تضع بين أيديهم ، كافة القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية لسوريا ، قلب العروبة النابض ، تلك القدرات التي بات نظام عائلة الأسد ، المتمترس خلف هذا البعد الطائفي المؤسف لهذا النظام ، يوظفها اليوم ، ضد أبناء الشعب السوري العظيم ، الذي كان يمكن أن يرتضي به رئيساً بالرغم من كل ماصاحب وصوله ووصول والده من قبله إلى سدة الحكم فيما لو استمع جيداً إلى مطالب هذا الشعب ، والتي وصفها هو نفسه بالمشروعة ، وعمل على تحقيقها . وكما تعلمون أيها الإخوة والرفاق ، فإن هذه المطالب لم تزد على مطالبة الشعب بالحرية والكرامة ، التي تعرفون جيداً أنهما كانا غائبين ومغيبين عن سياسة النظام ( قبل حافظ وبعده ) منذ قرابة نصف القرن .

إن شعب سوريا ، يذبح هذه الأيام ، أيها الإخوة العلويون ، من الوريد إلى الوريد ، على يد فرق وكتائب وألوية عسكرية تعرفونها جيداً ، تجوب شبيحتها ودباباتها وصواريخها ، سوريا من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال ، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، تذبح وتدمر وتنتقم وتفعل مالم يفعله هولاكو خان ( ابن جنكيز خان ) المعروف بهمجيته ووحشيته قبلهم !!.

إن تفرج العالم ( أمريكا وأوروبا وروسيا والصين بصورة أساسية ) على مايفعله بشار الأسد بالشعب السوري ، منذ انطلقت ثورته الديموقراطية ، ثورة الحرية والكرامة ، في منتصف آذار 2011 ، ليس تفرجاً عفوياً أو عاجزاً ، ولكنه تفرج مدروس ومقصود وهادف ، يقف وراءه خوف هذا ( العالم ) من ان تأتي لهم الديموقراطية السورية بما لايشتهون . لقد وضع هذا( العالم ) كل مبادئه وقيمه ، على الرف ، وقرروا أن يقفوا إلى جانب نظام ديكتاتوري فاشي ، كانت فضيلته الوحيدة بالنسبة إليهم هي، الصمت المطبق على احتلال إسرائيل لهضبة الجولان ، منذ 1967 ( حرب 1973 كانت حرب تحريك لاحرب تحرير ) وحتى هذه اللحظة .

إن صاحب هذا النداء الأخوي ، يعلم علم اليقين ، أن أبناء الطائفة العلوية لايمكن أن يقبلوا بمثل هذه المذابح والمجازر التي ترتكبها عائلة الأسد باسمهم في سورية ، ولذلك فإن شعبهم السوري ينتظر منهم موقفاً وطنياً وقومياً يضعهم في خندق واحد مع إخوانهم في درعا ودمشق وحمص وحماه وإدلب واللاذقية وحلب ودير الزور والرقة والحسكة والقامشلي ، وبالتالي مع الغالبية الساحقة من أبناء هذا الشعب ، المطالبة بالحرية والكرامة . ولنردد جميعاً قول المقنع الكندي :

وإن الذي بين وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدّاً

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

أراهم إلى نصري بطاءً وإن هم دعوني إلى نصر أتيتهم شدّا

ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس كريم القوم من يحمل الحقدا

أخوكم : الدكتورمحمد أحمد الزعبي ، المقيم قسراً في ألمانيا .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وسيناريو البوسنة

دإبراهيم حمّامي

DrHamami@Hotmail.com

ما أشبه اليوم بالبارحة!

تصريحات وبيانات وتحذيرات وقلق وتوتر وموجات من الاتصالات بين العواصم الكبرى صاحبة القرار، وليونة واضحة في الموقف الروسي، بل تخلي عن حليفهم بشار الأسد، مع صراخ وضجيج عن حرب أهلية باتت قاب قوسين أو أدنى في سوريا، وتسريبا صحفية عن تدخل عسكري وشيك.

نفس السيناريو بحذافيره يتكرر، ذات الاخراج الذي شهدناه إبان حرب البوسنة والهرسك، تغير الزمان والمكان لكن بقيت اللعبة هي ذاتها.

بقي العالم "الحر" يتفرج على مذابح الشعب البوسني قرابة الأربع سنوات، لا يحرك ساكناً إلا التنديد والتهديد المدروس، قصف وذبح وتدمير وضحايا بالآلاف، والأمم المتحدة والغرب وروسيا تقول ولا تفعل، تهدد ولا تنفذ.

وبعد أن شد مسلمو البوسنة من عضدهم، وبعد أن تحولوا من موقع من يتلقى الضربات، إلى موقع المدافع الشرعي عن النفس وبدأوا بتسجيل الانتصارات الميدانية، تذكر العالم فجأة أن هناك إبادة في قلب أوروبا، تدخلوا وفصلوا بين الأطراف ليس دفاعاً عن مسلمي البوسنة كما يتغنون، بل منعاً لهم من تحقيق أي انتصار.

يومها ترك الروس أبناء قوميتهم من الصرب، ظن الناس أنه تخلٍ عنهم، لكن الحقيقة أنها كانت حماية وإبقاء لهم كلاعب رئيسي في البوسنة والبلقان، بدلاًُ من الحاق الهزيمة بهم.

السيناريو يتكرر في سوريا نصاً وحرفاً:

- مطالب بالاصلاح عبر النظام في سوريا، ولنتذكر أن الولايات المتحدة سارعت وبعد اشهر من الثورة السورية للنأي بنفسها عن تصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بأن الأسد فقد شرعيته

- جولات وزيارات مكوكية من وإلى دمشق مع تصعيد إعلامي ناعم

- مهلة تتبعها أخرى لا تتم الاستجابة لها

- خطة ثم مبادرة ثم مبادرات ولا من مجيب

- مراقبون – عشرات منهم فقط لا غير، وللتذكير كانت البوسنة تخضع لنظام الجيوب أو المناطق الآمنة وبوجود آلاف المراقبين الدوليين بحماية طيران الناتو، ولم يستطيعوا منع مجزرة سربرنيتسا

- المراقبون عاجزون عن فعل أي شيء حتى إرسال التقارير

- الخطوة الأخيرة في البوسنة كانت اختطاف المراقبين وربطهم بالمناطق والجسور الحيوية، ويبدو أن النظام في دمشق بات قاب قوسين أو أدنى من فعل ذلك بعد استهدافه المباشر للمراقبين ومنعهم من التحرك

أما الفصل الأخير في البوسنة فكان التدخل الخارجي بعد أن بدأ مسلمو البوسنة تحديداً تحقيق انتصارات ميدانية ضد الصرب.

اليوم نسمع ونقرأ تصريحات عن الشأن السوري وكأنها قص ولصق من البوسنة والهرسك، بل أن وزير الخارجية البريطاني قالها بصراحة ووضوح: الوضع في سويا اليوم يشبه الوضع في البوسنة في تسعينيات القرن الماضي.

حقيقة الأمر أن الوضع في سوريا لا يشبه الوضع في البوسنة بأي صورة أو شكل، إلا من ناحية اقتراب التدخل الخارجي بحجة حماية المدنيين بعد أن تركوهم وتفرجوا عليهم لأشهر طويلة.

من يرسم ملامح المنطقة اليوم هم أبناء الشعب السوري البطل الثائر في وجه الظلم، والعالم الظالم المنحاز للطغيان لا يتحرك اليوم إلا على وقع فقدان نظام الاجرام للسيطرة في سوريا، وعلى وقع الضربات المتتالية والموجعة لهذا النظام في قلب دمشق وفي كل مدينة وقرية سورية.

من يريد الدفاع عن الشعب السوري فخياراته كثيرة وليس أقلها عزل النظام وقطع العلاقات معه، وهو الأمر الذي لم تفعله حتى الدول العربية – طرد السفراء ليس قطعاً للعلاقات – ومنها دعم الجيش الحر وتمكين السوريين من الدفاع عن أنفسهم، لا إغلاق الحدود في وجوههم ومنع جمع التبرعات لهم.

التدخل الخارجي اقترب، لكن ليس لحماية السوريين، إنما لحماية أعداء السوريين، التدخل اقترب لإجهاض الثورة وسرقتها ولإبقاء ذيول النظام حامي الحمى، وفهمكم كفاية!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : عنان  ومود .. هل تشكل لغة التضليل الدبلوماسي غطاء لخيانة الشعب السوري ؟! .. زهير سالم*

تقول العرب ( أذل الحرص أعناق الرجال ) . لاشك أن أي قوة أو هيئة تحرص على فضل  كأس مود أو عنان لن تجرؤ على أن  تقول ( كفى ) للرجلين اللذين أصبحا جزء من الملحمة السورية الدامية . يبدو أن الخلاص من شرور الرجلين أصبح بعض الأهداف المهمة للثورة السورية المثقلة بالهموم والأهداف .

 

وحتى لا يسابقني أحد إلى التمترس وراء جدران الحكمة والدبلوماسية أتحدى أي حكيم من هؤلاء أن يضع في كفي تصريحا واحدا صريحا ومباشرا وقاطعا يدين فيه أحد الرجلين جريمة من الجرائم التي ما زال بشار الأسد يرتكبها في سورية ؛ وما أكثرها وما أوضحها وما أفظعها وأبشعها حتى حديث الرجلين عن مذبحة الحولة بكل هولها جاء يحمل إشارات التردد والتشكيك  ...

 

في كل مرة يختبئ الرجلان وراء لغة دبلوماسية ، معلولة ، مرجوجة ، حمالة للوجوه ، مضيعة للحقوق ، مشجعة للقتلة ، ميئسة للمستضعفين ، مقدمة للذرائع لكل من يريد أن يتنطع ويتمحل ؛ فيضيفان إلى عجزهما الذي تجاوز كل حد على أرض الواقع انخراطا مباشرا في مشروع تسويغ الظلم والدفاع عن القتلة والجزارين..

 

لم يكد المواطن السوري المصدوم بما صدر عن الجنرال مود في مجلس الأمن  حتى طلع علينا الشريكان في دماء أطفالنا وشهدائنا في كرم الزيتون و في الحولة والقبير والحفة وحمورية وعندان وأتارب ودوما ودرعا بلغة أكثر انحيازا في مؤتمرهما الصحفي يوم الجمعة 22 / 6 / 2012

 

بعد جلسة مجلس الأمن الدولي وقف الجنرال مود يتحدث بلغة تخلو من الصدق والأمانة عن تعرض أعضاء بعثته أكثر من عشر مرات لهجوم من حشود معادية !!! – هكذا بتعميم الوصف – دون أن يوضح كما تقتضي أبسط معايير الصدق والأمانة أن يوضح أن الحشود ( المعادية !! )التي منعت بعثته من الوصول إلى بلدة الحفة والتي سيسجل التاريخ دماء أبنائها في عنقه وعنق من أرسله ، هي من شبيحة القتلة من عصابات بشار الأسد . وأن رجاله الشجعان انسحبوا تحت ضغط عصي الشبيحة وتركوا أهل البلدة يواجهون الذبح منفردين .

 

ويمعن السيد مود في شهادته المنحرفة تلك فيقول بأنه وبعثته تعرض مئات المرات إلى إطلاق نار مباشر وغير مباشر دون أن يوضح بكلام صريح من الذي يطلق عليه النار ومن الذي يقصف بالطائرات والمدفعية والدبابات ومن الذي منعه من الوصول إلى القبير إلا بعد مضي ثمانية وأربعين ساعة بعد وقوع مجزرتها الرهيبة .

 

ثم يشترط السيد مود لاستئناف مهام بعثته أن تعبر كل من الحكومة والمعارضة عن التزامهما سلامة المراقبين وضمان حرية حركتهم كذا فتأمل !!  و يضيف  ( لقد عبرت الحكومة عن هذا – عن الالتزام بسلامة المراقبين ...-  بوضوح شديد خلال الأيام القليلة الماضية لكني لم أر بيانا مماثلا بهذا الوضوح من المعارضة بعد ..) سأترك لأولياء الدم من الضحايا السوريين أن يعلقوا على هذا الكلام الذي لا يختلف أبدا عن كلام أي شبيح من شبيحة بشار الأسد الذي ملته ومجته أسماع كل العقلاء المتحضرين..

 

ثم أعقب كل ذلك اللقاء  الصحفي المشترك بين السيدين عنان ومود فتمادت اللغة الدبلوماسية في تزييف الحقيقة وفي اتهام الضحايا وفي الانحياز إلى الجزار ...

 

حيث تتوصل البراعة الدبلوماسية للسيد عنان إلى الحديث عن نظام ومعارضة مسلحة وشعب صحية بين الطرفين . بهذه الطريقة يلغي عنان حقيقة أن هناك شعبا متطلعا للانعتاق من نظام فاسد مستبد قبل القانون الدولي بشرعنة وجوده على مدى نصف قرن . هذه اللعبة الخبيثة في إخراج الشعب السوري من سياقه الثوري باعتباره ضحية لصراع بين قوى ذات تبعية دولية وإقليمية كانت بعض لعبة النظام منذ الأيام الأولى للثورة . ( مطالب إصلاحية محقة تم تلبيتها بالإصلاحات وعملاء ومندسون ) يجب الذهاب معهم بالحل الأمني حتى نهايته . لا ندري كيف تسللت هذه الرؤية من أدراج المخابرات السورية إلى تلافيف دماغ السيد عنان . السيد عنان الذي يرى التفاهم مع هؤلاء المسلحين يمكن أن يتم بالتفاهم مع الدول المؤثرة فيهم !!!!!!!

 

نسي السيد كوفي عنان نقاطه الست. بل داسها تحت قدميه وراح يتحدث في سورية عن ( أطراف متصارعة على الأرض ) تتحمل المسئولية بالسوية و يجب زيادة الضغط عليها لإيقاف العنف ، وتقتنع بالحل السياسي . لعلي قلت بالسوية تجاوزا لأن عنان لا يرى ذلك على الحقيقة ولا يعتقده بل يرى كما يرى بشار الأسد مواطنين يخربون أوطانهم من حيث لا يشعرون ( والعبارة عبارته  ..)

 

وهذه الأطراف – والكلام دائما لعنان – تابعة لقوى إقليمية ودولية ولذا هو يقترح تشكيل مجموعة للاتصال تشترك فيها الدول الدائمة العضوية وبعض الدول المؤثرة على الأطراف المتنازعة ومن هنا هو يتمسك بمشاركة إيران في هذه المجموعة لاسترضائها )

 

يضيف الدبلوماسي الدمث: ( هناك بعض أصحاب المبادارت الوطنية يقوضون عملية السلام . يخربون أوطانهم وهم لا يشعرون ). ليؤكد مود بعد أن يكرر كل ما قاله السيد كوفي عنان ( جهات كثيرة قي سورية تعمل على شراء الوقت والمماطلة )

 

يلح عليّ في المقام قوله تعالى ((وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ..)).

لندن في 23 / 6 / 2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل بقي الحل السياسي في سورية ممكنا؟

2012-06-16 12:00 AM

الوطن السعودية

مضى أكثر من 15 شهرا على بداية الأزمة السورية، ولا يزال الوضع يزداد دموية وتعقيدا، برغم كل الجهود الدولية والعربية لاحتواء الأزمة ووضع حد لإراقة الدماء. ورغم أن مشاهد المجازر الوحشية لمدنيين أبرياء، بما في ذلك أطفال ونساء، أثارت الرأي العام العالمي بسبب بشاعتها ووحشية مرتكبيها، إلا أن تعقيد الوضع في سورية وموقعها الجيوسياسي منع الولايات المتحدة والغرب بشكل عام من القيام بأي خطوة عملية على الأرض، خاصة أن روسيا والصين استخدمتا الفيتو لإجهاض أي قرار دولي يسمح باستخدام القوة على غرار ما حدث في ليبيا.

لكن المبادرة الروسية الأخيرة لإيجاد حل للوضع في سورية أعادت بعض الأمل، ولو كان بعيدا، بإمكانية الوصول إلى حل سلمي. التحدي الأهم في هذه المرحلة أن تتمكن موسكو من استضافة جميع الدول المؤثرة على الأرض، فغياب أي دولة من الدول يترك فراغا لا يملؤه الآخرون، ويشكل نقطة ضعف وخلل قد تهدد بهدم أي بناء تتوصل إليه الأطراف الأخرى. وبغض النظر عن الخطوات العملية التي يمكن أن يعتمدها أي منتدى للوصول إلى السلام في الداخل السوري، فإن الغاية الأهم التي يجب أن تتحقق في النهاية هو نقل سورية من مجرد تجمع جغرافي يحوي عددا من الأقليات القبلية والدينية والعرقية والإثنية، إلى دولة عصرية تكون فيها المواطنة هي الأساس، بعيدا عن كل أشكال الطائفية والعنصرية.

إن ما يحدث في سورية يتحول كل يوم باتجاه حرب أهلية طائفية بشعة، وربما تكون تلك المرحلة قد بدأت فعلا ووصلت الأمور إلى نقطة تصعب العودة منها، لذلك ربما يكون من الحكمة إعادة النظر في المسار السلمي السياسي الذي وضع أطره العامة كوفي عنان لحل الأزمة في سورية قبل فوات الأوان.

إن المنطق يدعو إلى إيجاد حل عملي لمسألة المشاركين في المؤتمر بغية الإسراع في إيجاد حل مقبول، شرط ألا يكون على حسب العدالة وإهدار حقوق وتضحيات الشعب السوري. إن على روسيا، إذا كانت جادة في طرحها لمؤتمر السلام، أن تعلن صراحة عن تأييدها لقرار دولي ملزم يجبر النظام السوري على الالتزام بمقررات مثل هذا المؤتمر الدولي.

لقد تعبت حناجر السوريين من الصراخ وآن للمجتمع الدولي أن يسمعها ويساعد على وقف معاناتهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أين أوراق الضغط على روسيا؟

د. عبدالله بن عبدالمحسن الفرج

الرياض

15-6-2012

حدث ما كان متوقعا وأكثر. فأصحاب الأعمال الروس الذين قدموا إلينا، بعد أن تأجلت زيارتهم 3 مرات سابقة، لم يتمكنوا في العاصمة من مقابلة نظرائهم بعد أن اعتذرت الغرفة التجارية الصناعية بالرياض عن تنظيم الاجتماع بمقرها. فتعالوا معاً بدم بارد نحلل دلالات ما حصل؟

ولكن حتى نستوضح الصورة أكثر لا بد، أولاً وقبل كل شيء، من فهم آلية عمل الغرف التجارية والأسباب التي دفعت غرفة الرياض إلى الاعتذار عن تنظيم الاجتماع المشار إليه. فمثلما نعرف فإن غرفنا التجارية هي مؤسسات مدنية غير ربحية تهدف إلى خدمة قطاع الأعمال والمجتمع. وعلى هذا الأساس فإن هذه الغرف لا يمكنها أن تسير في اتجاه معاكس لمصلحة أو رغبة الفئتين المشار إليهما. ولذا فإن اعتذار غرفة الرياض أو رفضها تنظيم الاجتماع يعبر بالدرجة الأولى عن موقف منتسبيها الذين راعهم ما يحدث للشعب السوري الشقيق. وهذا على ما يبدو لي أمر مهم لروسيا أن تعرفه.

الشيء الآخر هو أن وفد أصحاب الأعمال الروس الزائر وفد غير عادي فهو يمثل الجانب الروسي من مجلس الأعمال السعودي الروسي المشترك. مما يعني أن الاجتماع هو جزء من الاجتماعات الدورية التي تعقد مرة في المملكة وأخرى في روسيا. وقد كان هذا الاجتماع مقررا في بداية السنة ولكنه تأجل عدة مرات حتى جاء يونيو/ حزيران. وفي ظل هذا الجو الملتهب ليس فقط من ناحية الطقس ما كان على أصحاب الأعمال الروس أن يصروا على القدوم إلينا وبلدهم لا يزال غائصا في أوحال الأحداث السورية- خصوصاً وأن الخارجية الروسية قد نصحتهم بأن الوقت غير مناسب للزيارة. والقول ان السياسة والاقتصاد موضوعان منفصلان وهم لا يشترى. فأصحاب الأعمال الروس الذين جاءوا إلى المملكة هم مجموعة متنفذة وكانوا يستطيعون بالتأكيد ممارسة الضغط على بلدهم بخصوص ما يجري في سوريا.

ولكن من ناحية أخرى عن أي ضغط من قبل أصحاب الأعمال الروس على حكومتهم نتوقعه إذا كان حجم التبادل التجاري بيننا وبينهم يراوح عند مليار دولار. فهذا مبلغ تافه لروسيا التي تملك ثروات الدنيا كلها ابتداء من النفط والغاز وانتهاء بالياقوت والزمرد. وفي هذا المجال يحضرني عتب الملحق التجاري لإحدى جمهوريات الفضاء السوفيتي السابق. فهو كان يتحدث معي ويشكو من كثرة الانتقادات والنصائح التي يسمعها منا في حين أن حجم التبادل التجاري بين بلده المسلم وإسرائيل يعادل مجموع التبادل التجاري مع كافة البلدان العربية مجتمعة. فعن أي أوراق ضغط يا جماعة نتحدث. فإلغاء الاجتماع الذي نحن بصدده، في ظل وهن العلاقات الاقتصادية بين المملكة وروسيا، لن تترتب عليه خسائر أكثر من تذاكر الطيران التي اشتراها أعضاء الوفد للمجيء إلى جدة والرياض وتكاليف الإقامة في الفنادق التي سكنوها. فأين هي أوراق الضغط إذاً؟!

ليس هناك أوراق ضغط قوية للأسف. بل مجموعة من الانتقادات والنصائح على غرار ما تحدث عنه صديقنا الملحق التجاري لأحد البلدان الإسلامية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل بات التدخل العسكري في سوريا وشيكاً؟

د. محمد عاكف جمال

التاريخ: 15 يونيو 2012

البيان

حين غادر الربيع العربي تونس لم يترك في ساحاتها سوى القليل من بقع الدماء، إلا أن الحال مختلف تماماً في بلاد الشام، فساحاتها قد أغرقت بالدماء وهذا الربيع لمّا يغادرها بعد. خمسة عشر شهراً مضت والوضع في سوريا في تفاقم مستمر، عجز النظام الحاكم خلالها عن حسم الموقف لمصلحته، وعجز المعارضون له كذلك عن إرغامه على الرحيل.

مقابل ذلك فشلت الجهود التي بذلتها الجامعة العربية في وقف نزيف الدم ونزع فتيل الأزمة، ولا يبدو أن هناك فرصة حقيقية أمام كوفي أنان المفوض من قبل الجامعة العربية والأمم المتحدة، للنجاح في مهمته بعد أن تعذر تنفيذ خطته على أرض الواقع. فقد أصبحت هذه المهمة بحكم الميتة، بعد أن رفض النظام القائم عملياً الالتزام بها من جهة، وبعد أن أعلن الطرف المعارض مؤخراً تخليه عنها من جهة أخرى. فما الذي سيجري بعد ذلك؟

النظام السوري في عزلة خانقة عربياً ودولياً، محاصر سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً، وتشير مسارات الأحداث إلى أن ساعة الحسم قد لا تكون بعيدة، خاصة بعد أن وفرت الجامعة العربية غطاء شرعياً لذلك، حين طالب المجلس الوزاري لها في اجتماعه الذي عقد في الدوحة في الثاني من يونيو الجاري، مجلس الأمن الدولي بتطبيق خطة كوفي أنان عبر اعتماد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما تحفظت عليه كل من العراق والجزائر ولبنان.

وهذه دعوة صريحة لنزع الشرعية عن النظام القائم في سوريا ووضعه، كما وضع العراق عام 1991، تحت تصرف الأمم المتحدة. صحيح أن طلب المجلس هذا يخلو من الإشارة الصريحة لوجوب اللجوء لخيار القوة للتعامل معه، إلا أن هذا الخيار منصوص عليه ضمنياً في الفصل السابع نفسه. فالمادة 42 الواردة ضمن هذا الفصل، تنص صراحة على جواز استخدام "القوات الجوية والبحرية والبرية وما يلزم من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه".

فهل سنشهد تدخلاً عسكرياً قريباً لإرغام نظام الرئيس الأسد على الرحيل؟ أم سيُترك الشعب السوري لمصير يقرره التناحر القائم الذي بدأ يتخذ منحى خطيراً غير مسبوق في مستوى التوحش، ينذر بانهيار شامل كما ورد في التحذير الذي أطلقه المندوب الأممي كوفي عنان؟

فخطورة الصراع القائم واحتمال تحوله إلى حرب أهلية شاملة، قد لا تتمكن الحدود الجغرافية لسوريا من منع تسللها وانتقالها إلى بقية أرجاء منطقة الشرق الأوسط الحبلى بالتشنجات، يضع القوى العظمى أمام اختبار حقيقي للمبادئ التي تنادي بها. ففي الوقت الذي تصر فيه موسكو على موقفها الرافض لأي تدخل عسكري وتؤكد رغبتها القيام بكل ما بوسعها لتجنب نشوب حرب أهلية شاملة في سوريا، ترى واشنطن أن فرص نشوب هذه الحرب ستكون أكبر إذا لم يتحرك العالم ويحسم الصراع.

لقد اعتدنا سماع تصريحات مسؤولين غربيين كبار، عسكريين ومدنيين، بأن الناتو ليست لديه خطط للتدخل العسكري في سوريا، بل سمعنا أن مبدأ التدخل العسكري في سوريا مرفوض أصلاً. ولكن عالم السياسة يخلو من الثوابت، ويبقى الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، القوة الفاعلة التي ستقرر مسار الصراع في سوريا ومصيره وفق موازنات الربح والخسارة، وليس غير، على الأمدين القريب والبعيد. فهناك تصاعد في حدة الموقف الغربي تجاه النظام الحاكم في سوريا، وتغير في لهجة التصريحات التي تصدر عن المسؤولين الغربيين مع استمرار تدهور الأوضاع في سوريا.

المؤشرات عن قرب التدخل العسكري الخارجي لحسم الموقف ضد النظام، يمكن قراءتها من خلال الأحداث التي سبقت توصية المجلس الوزاري هذه، فقد طرد معظم الدول الغربية السفراء السوريين من عواصمها، دافعة بالعلاقات مع دمشق ونظامها القائم إلى نقطة اللاعودة، أعقبتها تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة بأن بقاء الرئيس الأسد ليس من الثوابت في موقف روسيا من الأزمة، في مؤشر هام عن بداية تغير في موقف روسيا، التي دعمت النظام السوري وحمته بالتنسيق مع الصين منذ بدء الأزمة.

أما على مستوى تصريحات المسؤولين الأميركيين، فيستوقفنا ما صرحت به سوزان رايس سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، في الحادي والثلاثين من مايو المنصرم: "إن القيام بعمل عسكري دون تفويض من الأمم المتحدة، قد يكون ضرورياً إذا لم يتفق مجلس الأمن الدولي على إجراءات سريعة لحمل سوريا على إنهاء حملتها على المعارضة". ثم تصريح ليون بانيتا وزير الدفاع الأميركي بعد يوم واحد من تصريح رايس بأن بلاده "مستعدة لأي عمل عسكري في سوريا قد يكون ضرورياً، لكنها لا تزال تركز على مزيد من الضغوط على نظام الرئيس بشار الأسد".

وأضاف بانيتا أن "العمل العسكري يجب أن يحظى بموافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة"، مما ترك المتابعين للشأن السوري في حيرة أمام هذه الإشارات غير المتناغمة، التي تصدر عن مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية.

ومما يعزز الرأي بأن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، يقف في صالح خيار إقصاء النظام السوري، أن هذا النظام يعتبر من العوائق أمام عملية التغيير التي تبشر بها الولايات المتحدة في المنطقة، إلا أن مما يثبط من عزيمتها في هذا الصدد ويسم مواقفها بالتردد، هو ما تمخضت عنه الثورات في كل من تونس وليبيا ومصر، ومجيء حكومات لا تتفق في أيديولوجياتها .

وفي أساليب عملها مع النهج الليبرالي الذي تسوقه الولايات المتحدة. ومراعاة لهذه الناحية شديدة الحساسية حرصت المعارضة السورية، رغم ما تؤاخذ عليه من تشرذم يعتبره البعض أحد أسباب غياب الجهد الدولي المؤثر لمؤازرتها، على تقديم أحد الوجوه الليبرالية المقيمة في أوروبا رئيساً لأول مجلس وطني سوري، والتمسك بهذا الحرص في انتخاب وجه ليبرالي آخر من المقيمين في أوروبا مؤخراً خلفا للأول.

ويبقى قرار التدخل العسكري في سوريا خاضعاً، في المرحلة الحالية، لحسابات سياسية أميركية داخلية، تتعلق بمدى تأثيره على فرص الرئيس أوباما للفوز بفترة رئاسية ثانية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مرحلة المجازر المتنقلة في سوريا

غازي دحمان ـ دمشق

المستقبل

15-6-2012

معرة النعمان، درعا البلد، تلبيسه، الرستن، القبير، الحفة، الحولة، وقبلها، اللطامنة وكرم الزيتون وجورة الشياح وبابا عمرو، أسماء لمناطق سورية دفعت ثمن التحرر من استعمار "دولة" ما بعد الإستعمار، وثمة أسماء جديدة مرشحة إلى دخول قائمة المجازر الطويلة، فقط، العملية تنتظر تطور الحدث السوري ومعرفة توجهاته وطبيعة المواقف الإقليمية والدولية، ومن ثم يصار إلى اختيار عنوان المجزرة القادمة وتحضير مسرح الحدث وإنجاز المهمة .

إنه الخيار الوحيد، والممر الإجباري، الذي يتيحه النظام "الوطني" السوري لجماعاته الوطنية، سواء تلك الباحثة عن سبل الخلاص من استعمار محلي أغلق في وجهها كل طرق التغيير، وبالتالي أبواب المستقبل، أو تلك التي ربطها بوجوده ربطاً عضوياً لا انفكاك منه، وبالتالي لا مستقبل من دونه. هي إذاً معركة حياة أو موت، وفي هذا الفضاء الدامي يرتسم مستقبل السوريين الذي يحدده بدرجة كبيرة سياق دفاعهم عن وجودهم، كل حسب رؤيته للمخاطر والفرص التي تتيحها هذه اللحظة القاسية والمفصلية من تاريخ الصراع، حيث لا هوامش للحوار او لأي شكل تعبيري آخر سوى القوة النابعة من الإحساس الغريزي للجماعة "للجماعات"، باستثناء ذلك، كل الأمور، بما فيها المبادرات والافكار والأطروحات، هي مجرد أشياء ذات حواف حادة، لا داعي لتجريبها، إما لخطورة ملامستها، بما تتضمنه من إمكانية المساس بمصالح ومزايا "الجماعة"، أو بما تحمله من إهانة لعزيمة "الجماعة" في حربها المقدسة .

ماذا يعني ذلك؟ هل يعني ان الجماعات السورية ما زالت تشعر بأنه ما زال لديها الفائض من عدة الحرب وأدواتها، ولديها القدرة على الحسم وإخضاع الطرف الاخر، وأن رصيدها من الإمكانات لم ينفد بعد، وأن ما اختزنته، لهذا اليوم المجيد، ما زال مترعاً ويعد بمزيد من عروض القوة والتحدي؟ إذا كان الأمر كذلك، وهو بالفعل كذلك، فما عسى هذا المشرق المنكوب بمكوناته سوى الأسف على تاريخ مضيَّع بشعارات التكاذب، في حين ظهر أن الشيء الواقعي الوحيد هو تربص هذه المكونات بعضها ببعض .

ما يحدث يبدو خارجاً عن المنطق السياسي الطبيعي، حيث النظام يزيد غرقه في مستنقع الدم السوري ولا يترك منفذاً ولو صغيراً للخروج من هذا الجحيم الذي صنعه وينفخ في أواره، بل ويصدر امر عمليات لتسعير هذا الجحيم، الأمر الذي لا يجد تفسيره سوى بخضوع رأس النظام للقوى المحركة على الأرض وأنه لم يعد لديه القدرة على السيطرة التامة على تصرفاتها، وأنه يخضع لتقديراتها ورؤاها للصراع والحسم، ما يعني أن سورية ستكون في المرحلة القادمة أمام مشهد المجازر المتنقلة، خصوصاً في مناطق التماس الطائفي، حيث تأخذ تفاعلات الأزمة بعداً طائفياً بامتياز يبحث له عن إطار جغرافي ومجالات حيوية وحدود واضحة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العالم يتصدع بين «غطرسة أوروبا» و«اضمحلال العرب»

توماس فريدمان

السفير

15-6-2012

لسنوات عدة، ناقش خبراء الإستراتيجيات الدولية حقيقة ما إذا كانت تركيا تشكل «جسراً» أم «وادياً» بين أوروبا، ذات الغالبية المسيحية، وبين الشرق الأوسط العربي/ المسلم. وإذا تمّ قبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي فستكون جسراً يصل بين هذين العالمين. أما إذا بقيت خارج الفضاء الأوروبي، فستتحول إلى وادٍ يفصل بين العالمين. ولكن في هذه الأيام، يظهر أن تركيا لا هي جسر ولا هي واد. إنها كجزيرة. جزيرة تؤمن نوعاً من الاستقرار النسبي بين نظامين جيو - سياسيين كبيرين: منطقة اليورو التي خرجت إلى الوجود بعد الحرب الباردة، والعالم العربي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى.

لقد أصبحت «الجزيرة» التركية واحدة من أفضل الأماكن لمراقبة ما يجري في هذين العالمين. إلى الشرق، هناك الاتحاد النقدي الأوروبي يرزح تحت وطأة الغطرسة غطرسة القادة الذين ذهبوا بعيداً في «تزوير» عملة موحدة من دون تأمين الحكم المشترك لضمان استمراريتها. أما إلى الجنوب، فهناك الجامعة العربية التي تتداعى تحت وطأة الاضمحلال اضمحلال القادة الذين لم يصلوا البتة إلى مستوى الكفاءة في الإدارة والتعليم المعاصر المطلوبيْن للولوج إلى عصر العولمة.

الأوروبيون فشلوا في بناء أوروبا. السوريون فشلوا في بناء سوريا، والمصريون في بناء مصر، والليبيون في بناء ليبيا، واليمنيون في بناء اليمن. وتصبح هذه المشاكل أكبر، لأن لا احد يعرف كيف ستعود إلى الطريق الصحيح مجدداً.

بأسلوب آخر، ومع فشل المشروع الجماعي انزلقت أوروبا في دائرة الفردية، في المقابل، مع فشل المشروع الوطني في العالم العربي انزلق الأخير نحو الطائفية والقبلية والمناطقية والعشائرية. وهكذا، بات لدى الاتحاد الأوروبي اليوم عدد من المواطنين من دون وجود لدولة جامعة، حيث الكل فيها مستعد للتنازل عن المصلحة الاقتصادية من أجل الصالح العام، في وقت يضم العالم العربي مجموعة من البلدان مقابل وجود قلة من المواطنين. ومع القليل من الأمانة، لا بدّ من القول إن هناك الكثير من الثوار الشباب، ممن يطمحون ليصبحوا في خانة المواطنين، بما يؤمنه ذلك لهم من حقوق وواجبات، ولكن ليس واضحاً ما إذا كان لديهم القيادات المتعلمة اللازمة لصياغة الهويات السياسية الحديثة.

سؤال واحد سيحتار حوله علماء التاريخ وهو: لماذا يتصدع أعظم نظامين جيو سياسيين في الآن ذاته؟ الجواب، كما أعتقد، هو ثورة تكنولوجيا المعلومات التي جعلت العالم ينتقل من حالة «التواصل» إلى حالة «الإفراط في التواصل». ففي العالم العربي، تمكن الشباب، عبر وسائل الاتصال، من التعاون والتنسيق لتكسير دعامات دولهم المتحجرة.

أما في أوروبا، فلم تسمح وسائل الاتصال في كشف حجم التباين بين دول الاتحاد فحسب، بل جعلتها مترابطة بطريقة مميتة، فعندما تصبح دول لديها هذا الحجم من الاختلافات مترابطة إلى هذا الحدّ، وعندما تكون الفروقات الأخلاقية شاسعة بين هذه الدول، فيما تتشارك في العملة فقط، ينتهي الأمر بأن يتحكم مثلا المدّخرون الألمان بالعمال اليونانيين بهذه الطريقة البشعة.

ونحن؟ في الواقع، يساعد النظام الفيدرالي الأميركي المرن على التعامل مع هذه الحالة من الإفراط في التواصل، ولكننا قد لا نكون»سوى أنظف قميص بين القمصان المتسخة».

توماس فريدمان

ترجمة: هيفاء زعيتر

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سيناريوهات لرحيل الرئيس السوري

2012-06-14

القدس العربي

لم تكن خطة المبعوث الأممي والعربي كوفي عنان منذ نشأتها تقدم للشعب السوري أو تجعل له فسحة أمل في الحرية والانعتاق من ربقة الطاغية بشار، رغم أنها وجدت لها تأييدا أمميا وعربيا وأوروبيا بالإضافة للموافقة السورية والروسية والصينية، ذلك أن هذه الخطة القائمة على نقاط ستة، إنما كان يروم من خلالها النظام البعثي الأسدي ربح حيز من الوقت للمناورة والالتفاف على المطالب الشعبية عبر إجراءات شكلية، وكان هذا الأمر واضحا وجليا من خلال المبادرة العربية السابقة المكونة من خمس نقط وأسلوب النظام السوري في التعامل معها، ذلك أن النظام البعثي اختزل هذه الاتفاقية والخطة العربية لجامعة الدول العربية في قضية المراقبين. وفي خطة كوفي عنان استطاع النظام كذلك أن يحول الأنظار كلها صوب نقطة وحيدة وهي المراقبين الدوليين وعددهم وتحركاتهم وعملهم وبقيت النقاط الأخرى حبرا على ورق.

زد على ذلك أن الإسراف الذي حصل من شبيحة الأسد وأجهزته الأمنية والعسكرية في التقتيل والتنكيل دفع إلى تكوين مجموعات مسلحة ثورية إلى جانب الجيش السوري الحر، والتي تعمل بشكل مستقل الواحدة عن الأخرى دون أن يكون لها مركز قيادة موحدة، مما يجعل الالتزام باتفاقية التهدئة من الطرفين غير قابل للتطبيق.

الجيش السوري الحر من جانبه، بالإضافة إلى الوحدات العسكرية المستقلة والثوار، وبعد حصولهم على الدعم اللوجستيكي، لن يرغب في تفويت الفرصة للتخلص من نظام متجبر وحشي خصوصا وأن سمعة النظام السوري ونكاياته السابقة وعدم التزامه ومراوغاته ومماطلاته، دوافعٌ تجعل من المخاطرة السياسية بالدخول في مفاوضات رميا بالأنفس إلى التهلكة.

الربيع العربي وسقوط أنظمة عاتية كنظام القذافي وبنعلي ومبارك وعزل علي عبدالله صالح، تبقى الدافع النفسي والواقعي الكبير الذي يحرك الثوار بمختلف توجهاتهم إلى ضرورة مواصلة الثورة حتى إسقاط النظام البعثي وتحرير بلاد الشام من نظام حكم لأزيد من 42 سنة بقبضة من حديد أهلك فيها البلاد والعباد حتى وإن كان الثمن باهظا.

النظام السوري ورئيسه الأسد أضحى يدرك بجلاء أن قضية عزله باتت وشيكة، وأن مصيره إما الهرب كما فعل صالح أو المحاكمة كما فُعل بمبارك أو القتل كمصير القذافي، وهو في إدراكه هذا يستند إلى مجموعة من المعطيات أولها فشل أسلوب المناورة لديه، والتي لم تستطع خلال هذه المدة الكبيرة أن تدفع بالثوار أو المجلس الوطني إلى فتح قناة للتحاور والتواصل رغم الضربات القوية التي وجهها النظام الأمني والعسكري للمدنيين في المجازر الرهيبة والتي كان آخرها مجزرتي بلدة الحولة وقرية القبير، فرغم محاولاته عبر الاستفتاء والانتخابات الشكلية التي روج لها وأعطى نسبا عالية في نجاحها، لم يستطع أن يهدئ الشارع السوري ولا أن يحد من تفاقم الاحتجاجات والإضرابات والمسيرات، والتي تزداد مع كل شهيد يسقط أو بلدة تحرق.

ثم ثانيها تفاقم التحالف الدولي المتجه نحو عزل النظام الأسدي عبر تكثيف الاتصال الأممي والأوروبي والأمريكي والتركي لإيجاد حل سريع للأزمة السورية وعلى رأسها عزل بشار وهو الموقف الذي تبناه الأمين العام للأمم المتحدة مؤخرا عبر تأكيده بأن نظام الأسد لم يعد شرعيا، وكذا الموقف الأمريكي الذي أكدته وزيرة الخارجية كلينتون خلال لقائها مع وزير الخارجية التركي.

ثالثها الرفض الكبير الذي صار يعانيه من دول الخليج والتي لوح بعضها بضرورة سقوط نظام الأسد، ولوح آخرون بالمساندة المسلحة العلنية للثوار، وكذا عدم الثقة بين الجامعة العربية والنظام السوري خصوصا عندما رفض نظام بشار تواجد أعضاء وممثلين للجامعة العربية في لجنة كوفي عنان الشيء الذي سيزيد من حدة الاحتقان مع الدول العربية والتي نددت في مجملها بالمجازر الأخيرة.

الحرج الكبير الذي أضحت تجده القوة الداعمة الروسية، فرغم حرصها على حليفها الاستراتيجي الذي يعتبر أكبر مستورد للأسلحة الروسية، والذي يملك أكبر قاعدة عسكرية روسية، لن تستطيع الاستمرار في التغطية على نظام الأسد خصوصا مع ارتفاع وتيرة المجازر والتي خلفت مجموعة من الشهداء في الأطفال والنساء والمسنين، حيث ستعمد هذه الأخيرة إلى قبول الحل بالانتقال السلمي للسلطة ودعوة بشار الأسد إلى مغادرة البلاد صوب روسيا خصوصا مع ما رجح من أنباء في الصحف الدولية على أن الأسد قد قام بتهريب مليارات إلى دولة روسيا الحليفة، وإن كان الخبر صحيحا فهذا يعني أن الأسد صار يبحث عن ملجأ للهروب، ومما يزيد الأمر بيانا وإيضاحا هو تزايد عمليات القتل، حيث يريد دفع الثوار بقبول مغادرته البلاد دون محاكمة أو محاسبة، كما يظهر من خلال الموقف الروسي الذي 'بدأ يتغير بشكل تدريجي ، وسمعنا ميخائيل بوجدانوف نائب لافروف يؤكد أن موسكو ستقبل انتقال السلطة في سورية على غرار ما حدث في اليمن، إذا قرر الشعب السوري ذلك، وهو تصريح فسره مراقبون على أن الكرملين ينأى بنفسه عن الرئيس الأسد' وهو التوجه الذي ينحو نحوه الموقف الأممي والأوروبي والأمريكي الذي يسعى إلى دفع روسيا للضغط على بشار بقبول حلحلة سياسية تتوج بمغادرة بشار .

الوجهة الأخرى المحتملة هي الحليف الإيراني الذي سبق ودعا الرئيس السوري للمغادرة صوب طهران والتي تمثل دعما سياسيا وعسكريا وبشريا من خلال أدرع بشرية لها في الساحة والميدان السوري.

ويبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن يفر الأسد من مسرح الثورة السورية إلى مسرح البؤرة الروسية في انتظار متابعات قضائية تكشفها الأيام القابلة لتتوج ثورة الربيع العربي بسقوط طاغية من طغاة العرب.

عبدالهادي عطراوي - المغرب

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

العلمانية والليبرالية في سوريا

عدي الزعبي

2012-06-14

القدس العربي

الاعتراف بالمشكلة يشكّل الخطوة الأولى لمحاولة حلّها. يرى الكاتب السوري ياسين الحاج صالح أن المثقفين السوريين يتوزعون بين أهل العفة وأهل الإباحة. يتناول أهل الإباحة الطوائف كمعطى سياسي ثابت، في حين ينفر أهل العفة من التكلم عن الطائفية. يعتقد ياسين أن معالجة مشكلة الطائفية يجب أن تتجاوز الاثنين. هنا محاولة أولى لمعالجة هذه المشكلة.

أولاً، في كون الطائفية مشكلة. حين نقول أن الطائفية مشكلة، نعني أمرين. أولاً، مشكلة سياسية، بمعنى أن يقوم النظام السياسي باستغلال الطوائف لأغراض سياسية. رأينا هذا الاستغلال في سوريا، حيث يقوم النظام بتخويف الأقليات الدينية من الأكثرية. أو أن يتم بناء النظام السياسي بأكمله على أسس طائفية، كما هو الحال في العراق ولبنان. بهذا المعنى، يقوم النظام السياسي بنزع صفة المواطنة عن المواطنين وتحويلهم إلى أبناء طوائف، إلى طائفيين. الحل يكون بتأكيد المواطنة. النظام السياسي غير معني بالطائفة التي يتنمي إليها المواطن. لا يجب أن تتحول الطوائف إلى كيانات سياسية، كما هو الحال في لبنان والعراق، أو أن تستخدم في السياسة، كما هو حاصل في سوريا.

هذا الحل يختلف عن استخدام أهل الإباحة للطائفية، بمعنى أنه لا ينظر للطوائف ككيانات سياسية. البعض يعتقد أن الطوائف معطى ثابت، وأنها سياسية في الجوهر. أي أننا حين نعترف بالمشكلة الطائفية، فيجب أن نقبل بوجود الطوائف ككيانات سياسية. هذه مقولة أهل الإباحة. أما نحن، فحين نقول أن الطائفية مشكلة سياسية، فنحن ندعو إلى تجاوزها عن طريق المواطنة، وليس إلى القبول بها.

في المقابل، يرى أهل العفة أن مجرّد الاعتراف بالمشكلة الطائفية هو الوقوع في فخّها. هذه هي مقولة معظم العلمانيين السوريين. يتبع ذلك القول بالمواطنة مع الترفّع عن الخوض بالمشكلة الطائفية. أكثر من ذلك، يتم النظر إلى الطوائف بحد ذاتها كمشكلة، وليس إلى الاستخدام السياسي للطوائف. يرى أهل العفة أن مشكلة الأصولية السنية تنبع من جوهر ثابت. هكذا يشترك أصحاب هذا الموقف مع أهل الإباحة في النظر إلى الطوائف ككيانات سياسية. في حين يرى أهل الإباحة القبول بها، يعتقد أهل العفة أن العمل على علمنة السنة هو الحل. وهم يتماهون مع دعاية النظام السوري في التخويف من الأصولية السنية. هنا يكمن الوجه الآخر للمشكلة. معالجة المشكلة الطائفية يجب أن تنطلق من النظر إليها كمشكلة سياسية، وليس كمشكلة إيمان ديني. لا يوجد معطى ثابت في المشكلة الطائفية يؤكد أن الطوائف هي كيانات سياسية. من هنا، نختلف مع أهل العفة في النظر إلى المواطنة. ليس المطلوب علمنة السنة، أو الطوائف ككل، للوصول إلى المواطنة. المطلوب الاعتراف بالمشكلة الطائفية، ومعالجتها كمشكلة سياسية.

الاختلاف مع العلمانيين السوريين ينطلق من اختلاف أساسي في فهم الطائفية والعلمانية. الإيمان الديني يجب أن يكون خارج نطاق السياسة. وهذا التخارج يكون على مستويين. أولاً، أن لا تعامل الدولة الأفراد أو الجماعات الدينية ككيانات سياسية تعكس إيمانهم الديني. ثانياً، ليست مهمة الدولة أن تفرض على المواطنين أي قيود فيما يتعلّق بإيمانهم الديني. المستوى الثاني هو المستوى الذي نختلف فيه مع العلمانيين السوريين. المقصود أننا حين نقول بالمواطنة، نريد أن نكفل للمواطنين حقهم الكامل في ممارسة شعائرهم الدينية. لا يوجد أي تبرير للتخوّف من الطوائف، طالما لم تتحوّل إلى كيانات سياسية. سوريا، من الناحية الدينية، تتكوّن من طوائف وأديان ومختلفة. الاعتراف بالطوائف والأديان المختلفة، لا يعني القبول بالطوائف ككيانات سياسية. العلمانية بهذا المعنى الذي ندعو إليه هنا تتخذ شكلاً ليبرالياً. الشكل الآخر من العلمانية هو الذي يضعها في مواجهة مع الدين. علمانية الاتحاد السوفييتي نموذجاً. في حين أن العلمانية بشكلها الليبرالي حيادية فيما يتعلق بالدين.

الليبرالية المُشار إليها ليست اقتصادية، بل سياسية وفلسفية. بالمعنى السياسي، تكفل الليبرالية للمواطنين حرية الاعتقاد الديني، بمعزل عن السياسة. لا يوجد أكثريات وأقليات دينية في الليبرالية. ممارسة الشعائر الدينية، أو كون المرء لا-أدرياً أو لا دينياً أو ملحداً، هو شأن شخصي بالكامل. بالمعنى الفلسفي، السؤال حول الدين الذي يتبعه الفرد سؤال مفتوح للجميع، والإجابة التي يختارها الفرد ليست نهائية أو مُلزمة لبقية الأفراد. كان لبعض الفلاسفة رأي تاريخاني في الظاهرة الدينية. هيغل وماركس واوغست كومت رأوا بأن الظاهرة الدينية تنتمي إلى عصر تاريخي محدد، وان التقدم العلمي والفكري سيحل بشكل ما محل الظاهرة الدينية. في المقابل، رأى إمانويل كنط أنّ الظاهرة الدينية لا تحتمل إجابة نهائية، بل إيمان فردي لا مكان لنقضه أو لإثباته. ليس المطلوب من الليبراليين الوقوف مع أحد هذين الطرفين. بل المطلوب هو إبقاء السؤال مفتوحاً. ليست مهمة الدولة أن تتبنّى موقف فلسفي. مهمة الدولة أن تكفل للأطراف المختلفة حق النقاش والاختلاف والبحث. استلهم العلمانيون العرب هيغل وماركس في مقارباتهم. في حين كان لليبرالية موقف مختلف. حتى لو كانت تحليلات هيغل وماركس صحيحة وهو ما أراه - لا يجوز أن تتبنّى الدولة رؤية دينية أو لا- دينية. الحياد، بمعنى تشجيع الأطراف المختلفة على التفكير والنقاش هو الموقف الليبرالي الفلسفي من الدين. أما ما نراه كليبراليين، سواء كنا مؤمنين أم لم نكن، فهذا جزء من عملية الحوار ذاتها.

كليبراليين، ننظر للمشكلة الطائفية من زاوية سياسية، ونعالجها من زاوية سياسية. المشكلة تكمن في تحويل الطوائف إلى كيانات سياسية. الحل هو بالاعتراف بالطوائف وبحرية العبادة، مع التأكيد على حيادية الدولة فيما يتعلّق بالإيمان الديني. بالطبع، للمشكلة الطائفية في سوريا جذور متنوّعة، تاريخية واقتصادية واجتماعية. لم نتطرّق في هذا المقال لأي منها. هذه محاولة أولى لطرح مشكلة الطائفية كمشكلة سياسية، لا كمشكلة دينية. ليس للطوائف مُعطى سياسي جوهري، كما يرى أهل العــــفة واهل الإباحة. نزع الصفة الســــياسية عن الطوائف يكون بتعميم مفهـــوم المواطنة والحرية الدينية.

المعركة مع النظام الاستبدادي في سوريا تنطلق من محاولة بناء سوريا جديدة خالية من الاستبداد. الحرية الدينية يجب أن تكون حجر أساس، ومعالجة المشكلة الطائفية هي إحدى الأولويات في مواجهة نظام يستخدم الطائفية كدعامة رئيسية في تثبيت حكمه.

' كاتب من سورية يقيم في بريطانيا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لن تستطيع موسكو الاستمرار في المكابرة أو التحايل

الجمعة ١٥ يونيو ٢٠١٢

راغدة درغان

الحياة

الأرجح أن يستمر التصعيد التفاوضي العلني بين روسيا والولايات المتحدة حتى انعقاد قمة العشرين مطلع الأسبوع المقبل في المكسيك، حيث سيجتمع الرئيس الأميركي باراك أوباما لأول مرة بالرئيس السوري مجدداً فلاديمير بوتين ليبحثا في مجمل العلاقة الثنائية وأبعادها الإقليمية وعلى رأسها سورية وإيران. عندئذ سيتوضح ان كانت واشنطن وموسكو متفاهمتين على عناصر «الصفقة الكبرى» Grand Bargain ومعالم النظام الإقليمي الجديد، أو ان كانت الخلافات جذرية لدرجة المواجهة. فإذا كانت النتيجة دفن الأمل بحلول سلمية في سورية وبتعاون إيراني في الملف النووي – وكلاهما برعاية روسية – عندئذ الأرجح أن تسير مجموعة من الدول العربية والغربية نحو «البوسَنة» في سورية وليس نحو تطبيق النموذج الليبي. ذلك ان حلف شمال الأطلسي (الناتو) لن يتدخل عسكرياً في سورية على نسق قصفه ليبيا لإسقاط حكم معمر القذافي هناك، كما ان مجلس الأمن لن يصدر قراراً يعطي صلاحية مماثلة نظراً للفيتو الروسية والصينية التي تتربص بمثل هذا القرار. فلا «ليبلة» في سورية على الإطلاق. «الأفغنة» تبدو اليوم واردة أكثر فأكثر بكل ما يحمله ذلك من حروب استنزاف وصراع قوى إقليمية ودولية في الساحة السورية. أما «البَوْسَنة» فإنه الخيار الأقل إطالة للمأساة الإنسانية من «الأََفْغَنَة» لأن ذلك النموذج ينطوي على تعاضد مجموعة دول في شراكة لا تنتظر مباركة مجلس الأمن كي لا تقع رهينة الفيتو الروسي – الصيني لتقوم بفرض مناطق وممرات آمنة لمد المعونة العسكرية الى المعارضة السورية بما في ذلك عمليات جوية. كل هذا وارد إذا ما فشلت محادثات أوباما – بوتين في تكريس التفاهمات باتفاق شامل بينهما. هذا الاحتمال ما زال قائماً وليس مستبعداً بالرغم من التصعيد في التصريحات العلنية.

وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يبدو ناطقاً عنيفاً باسم السياسة الخارجية الروسية إلا أنه أيضاً ديبلوماسي محترف يفهم معنى التوقيت في عقد الصفقات الكبرى بين الدول. زيارته هذا الأسبوع الى طهران ليست بالضرورة زيارة تنسيق للتصعيد والمواجهة مع الولايات المتحدة، بل لربما العكس. الأرجح انها زيارة تمهيد للاختراق إذا ما تشبثت القيادة الإيرانية ورفضت قطعاً التنازل عن أمرين رئيسيين هما: التمسك القاطع باستمرار النظام الحاكم في دمشق ورفض مغادرته السلطة بنموذج «الحل اليمني» القائم على موافقة الرئيس السوري بشار الأسد تسليم زمام السلطة، والتمسك القاطع برفض تجميد أو إيقاف تخصيب اليورانيوم بنسبة تمكن طهران من امتلاك قدرات تصنيع القنبلة النووية متى تشاء.

تكرار سيرغي لافروف ان روسيا ليست متمسكة باستمرارية النظام في دمشق حتى في خضم سجاله مع نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون له دلالات مهمة. فروسيا أوضحت لأكثر من معني بالملف السوري انها راغبة في صيغة «الحل اليمني» في سورية وهي عازمة في الوقت ذاته على أن تكون عرّاب البديل كي لا يخطر على بال أحد انها مستعدة للتخلي عن موقع قدم رئيس لها في منطقة الشرق الأوسط. وفلاديمير بوتين أرسل مبعوثين لإبلاغ هذا الأمر الى أكثر من عاصمة كما انه فاوض على مواعيد للعملية الانتقالية السياسية في دمشق وعلى كيفية مغادرة بشار الأسد للسلطة بحماية وبصيغ إنقاذ ماء الوجه.

وعليه، ان الخلاف بين موسكو وطهران خلاف جذري في مسألة ديمومة النظام في دمشق: موسكو تود إيجاد صيغة فيما طهران تعارض قطعاً سيناريو تغيير النظام بأي صيغة إخراج.

ثانياً، موسكو تتفق مع مجموعة «5+1» على رفض امتلاك الجمهورية الإسلامية الإيرانية القنبلة النووية. قد تعارض موسكو وسائل منع طهران من اجتياز القدرات النووية، سيما العسكرية منها، لكنها لا تبارك ما تريد طهران. وبالتالي، ان الخلاف قائم في هذا الصدد إذا ما عاندت طهران وأصرت على المواجهة.

وكما موسكو ليست بصدد تدمير علاقاتها الثنائية مع واشنطن كذلك ان طهران راغبة في إصلاح علاقاتها مع واشنطن. كلاهما يريد علاقات ثنائية مميزة. طهران راغبة بعلاقات ثنائية مباشرة مع واشنطن وهذا من أولويات قائمة ماذا تريد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. أما موسكو فإنها مهما ضعفت ثقتها بواشنطن، ومهما احتجت على سياساتها، ومهما اعترى العلاقة من تصعيد، فإن العلاقات الأميركية – الروسية تبقى في طليعة أولويات فلاديمير بوتين سيما وان ما يريده بوتين أو ان تأخذه الإدارة الأميركية على محمل الجد بصفته دولة كبرى مجدداً وليس مجرد هامش في العلاقات الدولية في عهد القطب الواحد. انها مسألة عنفوان لبوتين ولافروف يحسن التعبير عن ذلك بتقاسيم وجهه ولهجته الفوقية.

بوتين ولافروف محترفَان فن السياسة وفن التفاوض وهما يفهمان تماماً قيمة التوقيت. والتوقيت لمصلحة المفاوض الروسي قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) لأن باراك أوباما في حاجة أيضاً الى «صفقة كبرى» تعفيه من التورط العسكري – أكان في سورية أو في إيران.

كذلك، ان بوتين ولافروف يفهمان معنى التوقيت من ناحية ارتباط اسم روسيا بالمجازر، حتى ولو كان ذلك انطباعاً غير عادل. فلا يمكن لدولة كبرى ان تستمر في سياسة تربط سمعتها بارتكاب المجازر مهما كانت مصالحها كبرى مع حكومة الدولة المتهمة بارتكاب مجازر يذهب ضحيتها أطفال أبرياء.

ثم ان الدول الغربية والعربية جاهزة لإعطاء روسيا موقع قيادة الحل ومنصب عرّاب العملية السياسية الانتقالية في سورية. وعليه، لن تتمكن موسكو من الاستمرار في المكابرة أو في أي انطباع بأنها تتحايل على العملية السياسية الانتقالية من أجل شراء الوقت، فيما صور الأطفال تدق في عصب الرأي العام العالمي. فالمجازر باتت عنصراً مباشراً في صنع المستقبل في سورية. ولن ينفع أو يقنع أحداً ان تلك مجازر لا علاقة بالحكومة السورية بها إذ ان مجرد حدوثها يعني ان الحكومة قد انهارت. وبالتالي، ان موسكو راغبة في عملية ما تقبع عنها سمعة تزداد سوءاً بسبب المجازر. هذا الى جانب إدراكها ان إطالة الوضع الراهن ستؤدي الى تفاقم التطرف والى «أفغنة» سورية بما يؤدي الى خسارة موسكو موقع قدمها هناك كما حصل لها في أفغانستان.

زيارة لافروف الى طهران أتت قبل انعقاد قمة العشرين في المكسيك ادراكاً منه ان هناك ما قد يصنع الصفقة وهناك قد تنهار التفاهمات ويطغى خيار «بَوْسَنَة» سورية.

الطوق الأهم في الحلقة هو الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن – الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا – التي قد تعقد قمة خماسية في المكسيك الأسبوع المقبل أثناء انعقاد قمة العشرين. فإذا اتفقت هذه الدول على العملية السياسية الانتقالية، من المتوقع ان يُتتوّج الاتفاق بإقرار انعقاد المؤتمر الدولي الذي تدعو اليه موسكو في شأن سورية.

حضور إيران ذلك الاجتماع – كما تريد موسكو – عقدة يمكن التغلب عليها إذا تمت التفاهمات على عناصر «الصفقة الكبرى»، لكنه يبقى عقدة الآن. فطهران طرف مباشر في الحرب الدائرة في سورية، بحسب أكثرية الدول الخمس، وطهران تعلن علناً انها تقف مع بقاء النظام وضد العملية السياسية الانتقالية. كما ان هناك تقارير عن معونات عسكرية لعناصر غير انضباطية تسند النظام بعمليات تدخل في خانة الجرائم ضد الإنسانية. وطهران أيضاً مُتهمة بانتهاك قرار مجلس الأمن الذي يُلزِمها عدم إمداد أية دولة بالعتاد والأسلحة.

كل هذه العناصر تجعل من الصعب ان تشارك الجمهورية الإسلامية في المؤتمر المعني بسورية في موسكو – أقله في المرحلة الأولى. هذا لا يعني استبعاد طهران كاملاً عن حلٍ في سورية، إذا قررت إيران ان تكون طرفاً في الحل المطروح على أساس عملية سياسية انتقالية من النظام الحالي الى نظام بديل – الأمر الذي لا يبدو وانها موافقة عليه. ما يعنيه ذلك ان الدول الخمس الكبرى – ومن ضمنها روسيا والصين – لن ترهن «الصفقة الكبرى» وفق ما ترتئيه طهران سورياً سيما وان إيران بدورها تقف على حافة الهشاشة في علاقاتها مع هذه الدول في الملف النووي.

موسكو ستستضيف الاجتماع الثالث المعني بالمسألة النووية الإيرانية بعدما تم استئناف المفاوضات بين دول 5+1 وايران في اسطنبول ثم في بغداد. هذه المباحثات ما زالت في مرحلة شراء الوقت والبحث عن صيغة خطوة خطوة لبناء الثقة، وحتى الآن، لم يحدث أي اختراق. انما الجميع يعرف ان بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية ستختلف الأمور ولن يتمكن باراك أوباما أو رئيس الجمهورية من السكون فيما تمضي ايران بامتلاك الأسلحة النووية. فلقد وَعَدَ باراك أوباما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بالكف عن الاكتفاء بسياسة «الاحتواء» القائمة على تطويق إيران بالعزل والعقوبات فقط – اذا استمرت في رفض تجميد تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة.

كما ان نتانياهو نجح في توريط أوباما بقيام الولايات المتحدة نفسها بإجراءات لمنع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من التحول الى دولة نووية. وبالتالي، ان طهران في موقف صعب ومعقد مهما كابرت وتظاهرت بأنها في خير. ثم ان ما تريده طهران في هذه المفاوضات لجهة دورها الإقليمية وضمان نفوذها الإقليمي خارج حدودها ليس أمراً مقبولاً سيما وان النفوذ المنشود ينطلق ليس فقط من امتلاك مصير العراق وانما أيضاً من تصميم مصير سورية – وهذا مرفوض عربياً وغربياً الآن.

اللاعبون الإقليميون قد ينضمون لاحقاً الى التفاهمات بين الدول الخمس الكبرى والمبنية على رزمة منها شكل المرحلة الانتقالية في سورية ومواعيد تسليم السلطة وعقد انتخابات. إلا ان الدول الإقليمية – إيران من جهة والدول الخليجية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وقطر – لا تقبع في انتظار تلك التفاهمات. فدول الخليج دخلت مرحلة إعداد البديل عن التفاهمات – إذا فشلت – وهذا البديل هو «البَوْسَنَة» في شكل إجراءات بالشراكة مع دول غربية ومع تركيا ودول عربية أخرى – إجراءات لا تخضع لموافقة روسيا على قرار لمجلس الأمن يعطي صلاحية التدخل العسكري.

انما الآن، ما يلازم السير في السكتين المتوازيتين – إحداهما القائمة على ايلاء دور عرّاب الحل السياسي لسورية الى روسيا والأخرى القائمة على التحضير لإجراءات ميدانية لا تنتظر قراراً لمجلس الأمن الدولي – هو أيضاً تحرك في الأمم المتحدة على سكتين متوازيتين إحداهما دعماً للدور الروسي في قيادة العلمية السياسية الانتقالية والأخرى احراجاً لروسيا عبر استخدامها مجدداً الفيتو لمنع التحرك الدولي فيما تقارير الأمم المتحدة تفيد بعمليات قتل ممنهج لأطفال سورية.

السجال الروسي – الغربي الدائر حول التسليح في سورية يفيد بأن الاتفاق ما زال بعيداً حالياً – أقله في مرحلة العد العكسي الى قمة العشرين بعد بضعة أيام. فالشيطان في التفاصيل، والثقة ما زالت مفقودة بين اللاعبين الدوليين والإقليميين. انما التطورات الميدانية بدأت تفرض الواقعية وتملي البرامج الزمنية على الجميع.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. وحديث الصفقة الروسية الأميركية!

أكرم البني

الشرق الاوسط

15-6-2012

مع تنامي مخاطر الانزلاق إلى صراع أهلي، واستمرار التردد الأممي في لعب دور حاسم، تلوح في الأفق أخبار صفقة روسية - أميركية لإخراج الوضع السوري مما هو فيه ووضعه على سكة الحل السياسي.. فما هي دوافع الطرفين لعقد الصفقة، وما فرص نجاحها، خاصة أن ما رشح منها يدعو لوقف العنف وتحقيق انتقال سلمي للسلطة عبر حكومة مؤقتة تضع البلاد على مشارف التغيير الديمقراطي، وهي مهام محتواة من حيث الجوهر في المبادرتين العربية والأممية على حد سواء؟

من حسابات الربح والخسارة يمكن النظر إلى تلون موقف روسيا وانتقاله من التفرد في تقرير المصير السوري إلى البحث عن مخرج يضمن لها حصة ترضيها في التحولات القادمة. فموسكو، التي عقدت العزم على دعم النظام السوري بكل الوسائل ومهما تكن النتائج، وراهنت على قدرة الآلة القمعية على الحسم ومنحتها المهل والفرص، هي مع كل يوم يمر تشعر بالمأزق، ويحاصرها فشل الخيار الأمني والعسكري في قهر الحراك الشعبي أو تخفيف حرارته، والأهم أنها لم تنجح عبر ادعاءاتها الإعلامية وما تثيره من مخاوف، وتهجماتها على المعارضة السورية وعلى الدول الغربية، في الالتفاف على الحرج الأخلاقي الذي يسببه هذا التوغل السلطوي في العنف الأعمى وما يخلفه من مجازر بشعة.

وإذا أضفنا خشية قيادة الكرملين من تصاعد الموقف العربي الرافض لسياستها، والذي بات قاب قوسين أو أدنى من احتمال قطع العلاقات، وأيضا تفضيل موسكو لمشاركة أميركية في ترتيب البيت السوري، بدل أن يفضي موقفها إلى خسارة كل شيء والخروج من المنطقة وهي تجر أذيال الخيبة وازدراء شعبي واسع، مما يفتح الباب أمام تعزيز النفوذ التركي في المشرق العربي، وأمام احتمال توظيف رياح الثورات العربية التي يحتل الإسلام السياسي فيها وزنا مؤثرا، لإثارة شعوب الجمهوريات الإسلامية المجاورة لها، وهي لم تنس مرارة هزيمتها في أفغانستان نتيجة التحالف بين الأميركيين والإسلاميين!.. وإذا أضفنا سياسة إسرائيل، المؤثرة على الكرملين عبر لوبي لا يقل أهمية عن اللوبي الأميركي، والتي لا ترغب في حصول تغيير جذري في سوريا ينعكس سلبا على مصالحها وأمنها الاستراتيجي.. إذا أضفنا كل ذلك يمكن أن نقف عند أهم الأسباب التي تكره موسكو اليوم على البحث عن صفقة حول سوريا، والدليل إظهار مرونة لافتة في موقفها الجديد الذي لا يتمسك ببقاء الرئيس السوري في أي تسوية يوافق عليها السوريون، ثم دعوتها لعقد مؤتمر دولي حول سوريا، والإشارة إلى تفهم طهران لذلك وجدوى إشراكها في المؤتمر.

وطبعا ما كان لحديث الصفقة أن يأخذ هذه الأهمية لولا التأييد الغربي الضمني لما يذهب إليه قادة الكرملين، ولعل تحذير واشنطن وباريس ولندن بعد موسكو من أن تسليح المعارضة من شأنه أن يؤدي إلى حرب أهلية في سوريا هو دليل واضح على وجود رغبة مشتركة في المعالجة السياسية، تعززها تصريحاتهم المتكررة بعدم وجود نوايا للتدخل العسكري في هذا البلد، من دون أن تغير من هذه الحقيقة المواقف الأميركية التي تدين شحنات الأسلحة الروسية المرسلة إلى دمشق.

فالسياسة الغربية، خاصة الأميركية، لا تزال تحجم عن الدخول بقوة على الخط السوري لانتزاع دور أكثر فاعلية كما حصل في ليبيا واليمن، وتكتفي بالنوسان بين تشديد العقوبات الاقتصادية وعزل النظام سياسيا، وترك الحبل بيد موسكو كي تقود الركب في معالجة الوضع، ربما بسبب رؤية أميركية تجد أن التشارك مع روسيا هو الأسلم في تفكيك الحالة السورية التي تحتل موقعا سياسيا استراتيجيا وتتشابك مع عدد من الملفات الحساسة في المنطقة، وربما بسبب الإصرار على أولوية الإجماع الدولي في أي تدخل عسكري حاسم، ربطا بحسابات التكلفة في بلد لا يمتلك موارد للتعويض، وباحتمال حصول ردود فعل متنوعة من أطراف المحور الإيراني الداعمة للنظام السوري، وربما تفهما، كحال موسكو، للهموم الأمنية الإسرائيلية التي لا تحبذ وصول سلطة جديدة إلى الحكم في سوريا عوضا عن سلطة خبرتها جيدا وأظهرت وفاء بعهودها منذ توقيع اتفاقية فصل القوات، وربما أخيرا بسبب قرب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية وضرورة تمرير الوقت من دون أي مغامرة قد تقلب المزاج الأميركي رأسا على عقب. وما يعزز التوجه الأميركي وجود مصلحة عربية واسعة تحبذ التغيير السياسي والتوافقي، رفضا لاستمرار المشهد الدموي السوري لى هذه الشاكلة، وتفاديا لآثاره التي بدأت تنتشر في مختلف الأوساط السياسية والشعبية، وتحسبا لأن تفضي تداعياته الإقليمية إلى خطر على الأمن العربي.

«مكره أخاك لا بطل»، هو حال النظام السوري في التعاطي مع الصفقة، فهو غير قادر على رفض مبادرة لحلفائه، وفي الوقت ذاته يدرك أن السير على طريق الحل السياسي سوف يضعه في موقع لا يحسد عليه، ويقدر جيدا كيف ستكون أموره عندما يبدأ بتقديم التنازلات، وهو ما انفك يتحدث عن معادلة ترعبه بأن التنازلات سلسلة مترابطة ما إن يبدأ بتقديم أولها حتى تكر السبحة، مما يعني أننا سنشهد مناورة ومماطلة في حال صحت أخبار الصفقة، ومحاولات النظام اللعب على التفاصيل وتمييع ما يعرض عليه، والغرض كسب الوقت والرهان دائما على مزيد من التوغل في العنف لتغيير المشهد وتحسين موقعه التفاوضي.

والحال، حتى وإن كان حديث الصفقة الروسية - الأميركية خلبيا، وليس لدى الطرفين تصور مشترك لمعالجة الحالة السورية، يجمع السوريون على أن العقدة الرئيسية أمام أي مبادرة أو صفقة هي النظام السوري برفضه المزمن للحلول والمبادرات السياسية وإصراره على العنف المفرط طلبا للحسم، ويجمعون أيضا على أن استمرار ثورتهم هو الأساس. وإن إصرار الشعب على حقوقه واستبساله في الدفاع عنها وما يقدمه من تضحيات، هو المعلم والمحرك الأساسي للمتغيرات السياسية التي تحصل بما في ذلك الترويج لفكرة الصفقة، ولنقل هو الكفيل عبر صموده وعزيمته بتفكيك ما يعترض ثورته من تعقيدات وجعل استمرار النظام عبئا ثقيلا على الجميع، يكرههم على إعادة النظر في سياساتهم ومواقفهم، والبحث عن مخارج من هذا الوضع المأساوي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية ومفترق الطرق

رضوان السيد

الشرق الاوسط

15-6-2012

كثرت التقولات والتخمينات بشأن اتجاهات الأحداث في سوريا، بين قائل باستمرار وقائع الكر والفر بين النظام والمعارضة، وقائل بالحرب الأهلية، وقائل بالانقسام والتشرذم وقيام الدويلات.. إلخ. أما الواقع فهو أن الأحداث في سوريا بلغت مفترق طرق صعبا ولعدة جهات:

- أحداث القتل والاعتقال والتهجير التي زادت بشكل غير معقول.

- ثبات القدرات العسكرية للنظام وزيادة فعالية المعارضة المسلحة.

- وجود مساحات واسعة في قبضة المعارضة، ومحاولات عسكر النظام في الأسبوعين الأخيرين استعادة بعضها في مناطق حمص واللاذقية. وهكذا فمن الناحيتين الأمنية والعسكرية ما كانت هناك متغيرات بارزة باستثناء ارتفاع حدة المذابح للتهجير من جهة، وازدياد قدرات جماعات المعارضة المسلحة على الاشتباك من جهة ثانية

- ارتفاع النشاط المسلح من جانب قوات النظام لمواجهة زيادة عمليات المعارضة، واستعادة بعض المناطق الحساسة.

وإذا شئنا الاستمرار في تتبع الحراك الداخلي فهناك عدة ملاحظات أيضا:

- الاستنفار الكامل للطائفة العلوية، وربط مصير سوادها الأعظم بمصائر النظام أيا تكن. والاتجاه لإنشاء مناطق صفاء طائفي لنفسها عن طريق المذابح والتهجير بدعم من بعض الجهات في النظام.

- ثبات التحالف بين النظام والطائفة الأرثوذكسية الكبيرة كما مع الطائفة المدينية الكاثوليكية الصغيرة، ومع معظم الطائفة الدرزية. وقد اقتنع النظام منهم بالثبات والسكون.

- انقطاع العلائق بين النظام والسنة ثائرهم وساكنهم. لكن المدينيين السنة من الطبقة الوسطى يؤثرون المغادرة على المشاركة، بينما يؤثر شبانهم المشاركة في التظاهر، واللجوء إلى السلاح مؤخرا أيضا.

وهكذا مرة ثانية فإن الاستنفار لدى الجميع بلغ حدوده القصوى، وعلى المستويين العسكري والشعبي. وما عدنا نسمع كثيرا عن تظاهرات حاشدة لأنها لم تعد ممكنة، وصار المجال المفتوح أو الرئيسي هو العمل العسكري الذي يشبه الحرب الأهلية من سائر الجهات خاصة السنة والعلويين. وبذلك فقد دخلت سوريا بالفعل ظروفا تشبه ظروف الحرب الأهلية في لبنان في السبعينات من القرن الماضي. فظهر النظام على طبيعته الأصلية باعتباره نظاما للطائفة العلوية ومن التحق بها من الأقليات. وفي ظروف السكينة فقد كانت البرجوازية المدينية تتعاون مع النظام، وهي اليوم ما عادت تتعاون معه، من دون أن يعني ذلك أنها ثارت أو تثور. وصار الريف السني الفلاحي والعشائري ثائرا كله، وصارت في قلب الثورة مدن وبلدات هي بيئات ذاك الريف في الأساس مثل درعا وحمص وحماة وإدلب.

لماذا حصل هذا الأمر في سوريا وليبيا ولم يحصل مثله في تونس ومصر وحتى في اليمن؟ لأن تونس ومصر واليمن فيها جيش وطني يملك قراره وهويته واستقلاليته عن السلطة المأزومة عند الضرورة. ولذا فإن سائر الأطراف - باستثناء «القاعدة» باليمن - تتعامل معه من مواقع المهابة، وحتى إمكان الاستغاثة به إذا أحست بضيق شديد يتهدد وجودها. وفي مصر وتونس - إضافة للجيش - هناك سلطة قضائية مستقرة الأسس، وتملك شبه إجماع على مرجعيتها من جانب النخب ومعظم الجمهور. وقد كان الجيش السوري كذلك حتى أواسط الستينات، والجيش الليبي حتى عام 1973. فبعد عام 1964 - 1965 مر الجيش السوري بمرحلتين، إحداهما عقائدية، والأخرى طائفية. فتحت ستار العَقَدية البعثية جرى «تنظيف» الجيش من التقليديين والناصريين.

وتحت أضواء الطائفية بعد تمرد «الإخوان» أواخر السبعينات جرى القضاء على الضباط السنة الكبار، واختراع فرق عسكرية خاصة وطليعية ذات صبغة طائفية خالصة. ثم جرى بالتساوق إنشاء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الضخمة التي لا مدخل للأكثرية الشعبية فيها. وقد قامت سائر الأنظمة الجمهورية ذات الصبغة الأمنية بإنشاء أجهزة أمنية ضخمة لمراقبة كل شيء وضبطه، لكن لسبب ما - ربما اقتناع رؤوس النظام باليمن ومصر وتونس بشرعيتهم - جرى إفساد تركيبة الجيش؛ في حين حصل ذلك كله في سوريا وليبيا. بل إن الجيش (التقليدي) جرى إلغاؤه في ليبيا عمليا، لصالح الكتائب العسكرية المستقلة والموزعة على أولاد القذافي وأعوانه المخلصين، وما أمكن إلغاء الجيش السوري، ربما بسبب التجنيد الإجباري، والحاجة إلى أعداد كبيرة من العسكريين تتوزع على لبنان وحدود العراق وفلسطين المحتلة والأردن.

وقد كان هناك اقتناع بعد خروج مصر من المواجهة مع إسرائيل بأنه لم تعد هناك حاجة للجيوش الكبيرة والقوية التي تستطيع الانقلاب على النظام. وبذلك تطورت فكرة أمن النظام واستقراره وخلوده (-* القائد الخالد)، إلى أن يصبح الجيش الحقيقي هو ذلك المختص بحماية النظام وأمنه، وبالطبع ليس من العدو الإسرائيلي، بل من «أعداء الداخل». ولذا فحتى الألوية التي كانت تأتي إلى لبنان كانت من عسكريي النظام المحظوظين، الذين كانوا يأتون للغنى والغنائم! أما المؤسسة القضائية فقد ظلت هامشية جدا في سوريا وليبيا، وضعيفة في اليمن؛ بينما حرص النظامان التونسي والمصري على ترك المؤسسة القضائية وشأنها حرصا على الدولة من جهة، ولتبييض الوجه أمام الغرب من جهة ثانية. وهذا هو معنى قول بشار الأسد بأنه لا دولة في سوريا ولا نظام من دونه هو (!) ليس لأن القوة العسكرية والأمنية بيده وحده؛ بل ولأن كل السلطات والمؤسسات الأخرى ألغيت. بل إن التخصيص المصطنع الذي جرى في عهد بشار الأسد، اقتصر على توزيع المغانم على الأقارب والمحاسيب، أما الآخرون فعليهم أن يحصلوا على ما يستطيعون دفع تكلفته من خلالهم!

إن حل الانقسام الحاصل صعب إذن: فالنظام صامد لدعم فئات قوية بالداخل له إلى جانب قواته الخاصة، ولأن إيران والعراق لا يزالان يصران على دعمه بشتى الوسائل حفظا للمحور الذي أقامته إيران بالمنطقة. والمعارضة صامدة ومتقدمة لحصولها على الدعم من الأكثرية السنية، ولأنها صارت تتلقى الدعم اللوجيستي مؤخرا من الخارج. بيد أن قوى النظام ما عادت تستطيع الحسم، كما أن توازن القوى الذي حققته المعارضة لا يتيح لها في المدى المنظور قلب الطاولة على النظام، وإنما قصارى ما تستطيع تحقيقه مناطق آمنة أو عازلة. فكيف إذن يمكن الخروج من المأزق وتحقيق التغيير؟ لا يبدو ذلك متاحا حتى الآن إلا من خلال توافق روسي - أميركي على المرحلة الانتقالية. ويبدو أن موسكو عرضت معالم خطة على الولايات المتحدة، فطلبت أميركا التشاور بشأنها مع إيران.. والنظام السوري. وهي خطة أو معالم خطة تعني شيئا شبيها بالحل اليمني: تشكيل حكومة انتقالية توافقية تتولى السلطة عمليا لحين انتهاء مدة بشار الأسد عام 2014. وخلال ذلك تُوضع القوات العسكرية والأمنية تحت قيادة مجلس عسكري يعيد توحيدها بعد خروجها من الشارع؛ ثم تجرى انتخابات، ويتشكل مجلس تأسيسي يكتب الدستور، وينتهي الأمر بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وبذلك يصبح المعارضون مشاركين في السلطة. ويتوقف عنف النظام ضد الناس، ويعود المهجّرون، وتبدأ إجراءات العدالة الانتقالية، وتبدأ إعادة الإعمار. ولا تعاد هيكلة الجيش وقوات الأمن إلا بعد عام 2014!

إن هذا الحل إن جرت الموافقة عليه من سائر الأطراف العربية والإقليمية والدولية، يظل صعب التنفيذ، لأن المشروع – إن صحت تفاصيله - يتطلب انضباطا عاليا وصبرا من سائر الجهات الداخلية، وهو أمر غير متوافر الآن لدى الطرفين. بيد أن الصعوبة الرئيسية تبقى لدى إيران التي يعني التغيير في سوريا انهيارا لمحورها المتمدد بين طهران وبغداد ودمشق ولبنان. فهي كما تريد ضمانات في النووي، تريد ضمانات في مناطق نفوذها، وهي ضمانات لا يبدو أحد مستعدا الآن لإعطائها إياها حتى أنقرة.

لقد اتضحت الجبهات، واتضحت القدرات والإمكانيات. وما بقي غير مسارين أو خيارين: التوافق بمظلة روسية - أميركية على الحل السالف الذكر.. أو تهدئة الأزمة من دون إخمادها إذا تعذر التوافق، من خلال المناطق الآمنة، وخطوط التماس. أما الإمكانية الثالثة، أي استمرار الوضع الحالي، فلا أحد يقدر على الصبر عليها لا النظام ولا المعارضة، ولا المجتمع العربي والدولي، وهذا هو معنى بلوغ مفترق الطرق!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

.. وكيف يكون تسليح النظام الوحشي قانونيا؟

2012-06-15 12:00 AM

الوطن السعودية

بات من الواضح أن روسيا ماضية إلى الحد الأبعد في تأييدها للنظام السوري، وأن تأييدها له أصبح تأييدا مطلقاً، يقترب في لغة خطابه من لغة التأييد الإيرانية، وهي في ذلك لا تعبأ بالإنسان، ولا تنظر إلا إلى مصالح اقتصادية وسياسية غير مضمونة، والدليل على التأييد المندفع هو إقرار وزير خارجيتها سيرجي لافروف في إيران أمس، ببيع الأسلحة إلى سورية، مبررا ذلك بأن هذه المبيعات "لا تنتهك أي قانون دولي، وتشمل تجهيزات دفاعية"، فيما اتهم الولايات المتحدة بتسليم المعارضين السوريين أسلحة.

هذه الاتهامات متطابقة تماما مع تصريحات نظيره الإيراني علي أكبر صالحي، الذي اتهم خلال المؤتمر الصحفي نفسه، الغربيين وبعض الدول العربية "بإرسال أسلحة وقوات إلى سورية، ثم تبرع بشرح السبب في ذلك، وهو ـ على حد قوله ـ "الحيلولة دون تطبيق الإصلاحات التي وعد بها الرئيس السوري"، متجاهلا كون هذه الإصلاحات لا يمكن أن تكون في ظل تزويد النظام بالأسلحة، واستخدامه كل وسائل الفتك دون تمييز بين مسلح وأعزل.

السؤال المنطقي الذي يتبدى أمام هذه التصريحات هو: أيكون بيع الأسحلة للنظام قانونيا وأخلاقياً، على الرغم من العلم بأن هذه الأسلحة ستوجه إلى صدور شعب؟ فيما يكون دعم العزل للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم تهمة؟ على الرغم من أنه لا توجد أدلة على ذلك سوى تخرصات المسؤولين السوريين والإيرانيين والروس، أما تسليح النظام فهو ثابت بلسان وزير الخارجية الروسي، وهو ثابت باستخدام النظام السوري أسلحة جديدة في قمع المتظاهرين، منها مروحيات هجومية استخدمت في التمهيد لاجتياح أكثر بلدة الحفة بمحافظة اللاذقية.

ألم يكن حريا بوزيري خارجيتي روسيا وإيران الدعوة إلى فرض حظر دولي شامل على بيع الأسلحة لسورية؟ عوضا عن صناعة غطاء إعلامي لما تفعله بلداهما من تزويد النظام بالأسلحة، وهو المتمثل في توزيع الاتهامات المجانية بتسليح المعارضة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما الذي يسعى إليه الأسد عبر مجازره؟

طارق محمد الناصر

الرياض

14-6-2012

عندما تقرأ في إحدى الصحف عن" المجزرة الجديدة" للنظام السوري، لا ينبغي عليك أن تركن إلى أن ما تقرأه دقيق. عدم الدقة ليس لان الصحيفة تضللك بل لان المجازر تتلاحق لدرجة أن كلمة "الجديدة" أصبحت لا تعبر عن وصف حال المجزرة.

اللافت هو عدم حياء النظام السوري في التنصل من هذه المجازر. فمثلا، أثبت تقرير المراقبين الدوليين أن حوالي نصف ضحايا مجزرة الحولة قضوا نتيجة قصف مدفعي ما يعني حتمية ضلوع قوات الأسد فيها. أما في القبير فقد ذكرت الناطقة باسم بعثة المراقبين"إن المراقبين شاهدوا أبنية مصابة برصاص من العيار الثقيل الذي يستخدم من أسلحة ثقيلة أو من حاملات الجنود"، وهذه، أيضا، أسلحة لا تتوفر إلا لقوات النظام.

ليس ذلك فحسب، بل إن ضحايا المجازر يكونون، حصرا، من السنة ما يرجح بقوة، حتى دون إجراء تحقيق دقيق في ملابساتها، أن يكون الوالغون في الدماء هم من قوات النظام او شبيحته. ورغم انه من المؤسف أن يتحدث المرء عن طائفة الضحايا كدليل على المجرمين إلا ان سلوك النظام السوري لا يدع مجالا لتجنب الحديث عن الطوائف.

فالنظام وصف الثوار، منذ البداية، بأنهم جماعات إرهابية سلفية واتهمهم بحمل السلاح. فعلها بغباء ولم يفطن إلى المأزق الذي أوقع نفسه فيه. نسي بأن طلائع الثائرين لم يكونوا ينادون، أصلا، بسقوطه. كانت هتافاتهم تنادي بالحرية والكرامة وتطالب بإطلاق سراح أبنائهم. قمعهم بوحشية، فكانت النتيجة أن أصبحت شرائح عريضة ومتزايدة من السوريين تتبنى، صراحة، مطلب إسقاطه.

وعندما أصبحت المظاهرات طبقا يوميا على المائدة السورية فعل كل ما بوسعه كي يعسكر المظاهرات سعيا منه في الحصول على مبرر لإطلاق يده لاستخدام الحديد والنار ضدهم. ولما تمكن من دفع الثورة للعسكرة وجد بان الخصم يتفوق عليه بميزة لا يقدر على منافسته عليها. فأفراد الجيش الحر خرجوا من نسيج الشعب ولحمايته، لذا فقد أصبحوا يتمتعون بدعم وحماية الشعب.

سورية، الآن، على مشارف حرب أهلية بتدبير من النظام. وهو يحاول، جاهدا، بمجازره المتتالية العزف على الوتر الطائفي كي يقع الجميع في أتون حرب طائفية كي يضمن، وفق تخطيطه، توحيد الطائفة حوله وربط مصيره بمصيرهم.

من المحتم، إن لم يبادر المجتمع الدولي بالتدخل، أن تتسبب هذه المجازر بانزلاق سورية إلى حرب أهلية شاملة ومفتوحة. وفي الحرب الشاملة يصبح قتل الأبرياء وغير المحاربين وارتكاب المجازر المروعة عملا روتينيا ويغدو المتطرفون، من كلا الجانبين، سادة المشهد.

ويبقى السؤال هو هل ينظر النظام للمجازر كإستراتيجية أم كتكتيك؟ وهل يسعى للحرب الأهلية أم انه يهدد بها؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

التلكؤ الدولي حيال سورية

فهيم الحامد

عكاظ

14-6-2012

لم نفاجأ باعتراف مسؤول عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة هيرفيه لادسو أن سورية باتت في حرب أهلية، وفقدان النظام السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، خاصة مع استمرار النظام الأسدي القمعي في ارتكاب المجزرة تلو الأخرى ضد الشعب السوري الذي قدم صورة رائعة من النضال والتضحية ضد نظام (فاشي) لايعرف إلا لغة الدم والبطش والقتل.

والتخوف الآن هو أن يحول النظام الأسدي هذه الحرب إلى حرب طائفية بلا هوادة مفتوحة وتطهيرية ضد الشعب السوري.

كل المؤشرات على الأرض السورية تكشف بجلاء أن الشعب السوري أمام حرب دموية سيستخدم فيها بل سيتفنن النظام في استعمال كافة أنواع أسلحة البطش والدمار والعالم يتفرج أمام شاشات التليفزيون على مختلف أنواع المجازر ضد الأطفال والنساء والشيوخ.

إن النظام القمعي اقتنع تماما أنه لن يستطيع سحق ثورة الكرامة والقضاء تماما عليها إلا عبر استمرار ارتكاب المجازر تلو الأخرى خصوصا أنه لم يواجه أي عملية ردع حقيقية من المجتمع الدولي، واستبعاد احتمالات تدخل عسكرى دولي خاصة مع استمرار الدعم الروسي والصينى للنظام، الذي بات شريكا استراتيجيا في سفك الدم السوري بعد قناعة شبه تامة أن موسكو ماضية في دعم الأسد إلى النهاية.

إن تصريح الأمم المتحدة عن أن النظام السوري لا يسيطر على الأرض، وأن البلاد دخلت في حرب أهلية، يعكس خطورة ما يجري على الأرض السورية، فالمعروف عن الأمم المتحدة التأني في التصريحات والروتين الممل، فإذا كانت الامم المتحدة ترى أن الأمور تتدهور في البلاد شيئا فشيئا، فهذا مؤشر كارثي على الشعب السوري.

التلكؤ الدولي، بات واضحا على القوى العظمى، وكذلك قلة الحيلة والتدابير من العالم أخذت تحصد أرواح السوريين المتطلعين إلى الحرية، إلا أنه لا يمكن السماح لمثل هذا التلكؤ بالاستمرار لما له من انعكاسات خطيرة على المنطقة. لاسيما أن النظام السوري هدد في أكثر من مرة بإشعال الحرائق في المنطقة. فهل نسمح لهذه القيادة السفاحة أن تثير الفوضى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية .. بين أسدين

عبدالله الغضوي

عكاظ

14-6-2012

قبل وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في العام 1963 كانت سورية تضج بالحركة السياسية والثقافية وحتى الاقتصادية، وبحكم طبيعة موقعها الجغرافي والصراع على الحكم، بقيت لفترة ساحة صراع إقليمي ودولي.

بل إنها كانت مشروع نموذج ديمقراطي في المنطقة، لدرجة أن البعض كان يطلق عليها «يابان الشرق الأوسط»، لكن سرعان ما تحولت البلاد إلى قفص كبير بعد وصول البعثيين إلى الحكم، وانتقل العسكر عبر الأحزاب إلى قمة الحكم، وكانت الضربة القاضية للحركة السياسية في العام 16 أكتوبر من العام 1970، حين تسلم شخص عسكري يدعى حافظ الأسد الحكم بانقلاب قضى على كل خصومه السياسيين والعسكريين على حد سواء، وفي العام 2000 تلقت سورية ضربة مميتة ثانية لتاريخها وانتمائها العربي، حين ورث الابن بشار الحكم عن أبيه.

وبين حقبتي الأسدين الأب والابن، انفصلت دمشق عن ذاتها العربية والإسلامية وعن تاريخها، بفعل سياسة الأب والابن.

بين الأسدين سالت دماء أكثر من مائة ألف سوري في حماة عام 1982 وفي كل سورية من انطلاق ثورة الكرامة، بين أسدين؛ استغرقت الجولان المحتلة في نومها في حضن الاحتلال الإسرائيلي، وحمل السوريون هموم اقتصادهم المتهالك بسبب فلسفة النظام الاقتصادية، بين أسدين صودرت المصانع والأراضي، ليس لمصلحة الدولة كما يعتقد البعض، وإنما لمصلحة النظام الحاكم. أما النخب السياسية التي كانت عقولا نخبوية فذة قضى عليها الأسد الأب في الداخل عبر التصفيات والاغتيالات في الخارج.. بين أسدين تعزز مفهوم الطائفية والحكم بالنار، هذه هي حقبة الأسدين اللذين كرسا البلاد لمصلحة الأسرة، ولم يدركا أهمية عاصمة الأمويين، وماالثورة اليوم إلا معركة بين الشعب وزمرة الحكم لاستعادة سورية، وأخيرا لم يسجل التاريخ قط هزيمة للشعب.. فهو من يصنع التاريخ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لافروف "المعاصر" يتحوّل "قومياً متطرفاً"

روسيا في تشدّد طويل حول سوريا

روزانا بومنصف

2012-06-14

النهار

ينقل ديبلوماسيون عن متصلين دوليين بالمسؤولين الروس ولا سيما منهم وزير الخارجية سيرغي لافروف قبيل زيارته لايران لبحث الملف النووي الايراني والازمة السورية ان الرجل الذي كان شيوعيا سابقا جهد في الاعوام القليلة الماضية الى أن يتحول في اتجاه ان يكون "ديبلوماسيا معاصرا" مواكبا للانتقال السياسي الذي عرفته روسيا. الا انه في الاشهر الاخيرة وفي ضوء المواقف التي اعتمدتها بلاده في موضوع الازمة السورية رأى هؤلاء المتصلون انفسهم بلافروف وعلى نحو مفاجىء ما بدا لهم انهم امام "قومي يميني متطرف"، الامر الذي ادى الى تراجع التوقعات لدى هؤلاء عن تشدد موقت في الموقف الروسي من سوريا ومرهون بصفقة او صفقات محددة وزاد اعتقادهم بان هناك تشددا قد يكون طويل الامد. اذ فيما بدا بين وقت واخر بالنسبة الى وزراء دول خارجية بعض الدول الاوروبية ان ثمة مرونة ما تبرز في الموقف الروسي يشاع على اثرها انطباعات بامكان التوافق الدولي على المساهمة في انهاء الازمة السورية، يصدر موقف او تصريح عن القيادة الروسية يعيد الانطباعات السابقة الى ارض الواقع بعيدا عن الآمال التي تعلقها الدول الغربية على روسيا. ولذلك لا يبدي هؤلاء الديبلوماسيون اطمئنانا الى المواقف الاخيرة التي بدت ايجابية بالنسبة الى البعض في ضوء السعي الروسي الى مجموعة اتصال حول سوريا تضم الى الدول الخمس الكبرى الجامعة العربية ودول الجوار السوري وصولا الى ايران. فهناك من جهة تشدد روسي في دعم النظام وتوفير الاسلحة له كما في توفير الاموال التي تم طبعها اخيرا من اجل تزخيم قدرته على مواصلة دفع الرواتب للقوى الامنية وموظفي المؤسسات الحكومية بعدما تضاءلت وارداته الى حد كبير نتيجة العقوبات الغربية على النظام وثمة من جهة اخرى تصعيد على وقع استمرار اتهام روسيا الغرب بدعم المعارضة السورية وتوفير الاسلحة لها اضافة الى الاصرار على ان تكون ايران شريكا في الحوار اوفي الاتفاق على مستقبل سوريا على رغم رفض الغرب والدول العربية ذلك كون ايران في مركب واحد مع النظام السوري وداعما اساسيا له. وليس اكيدا بالنسبة الى هؤلاء الديبلوماسيين في ضوء هذه المعطيات والاتهامات المتبادلة بين الولايات المتحدة وروسيا ان هناك تفاهما بالحد الادنى على الازمة السورية كما سرى اخيرا او اذا كانت مجموعة الاتصال التي ترغب روسيا في اقامتها هي لانقاذ الوضع السوري ام هي من اجل الالتفاف على مؤتمر اصدقاء سوريا المزمع عقده في فرنسا مطلع الشهر المقبل او هي ايضا تصعيد للشروط والموقع قبل اللقاء المرتقب بين الرئيسين الروسي والاميركي قريبا او من اجل كسب الوقت لمصلحة النظام السوري. الا ان هذا التشدد بدا وكأن روسيا ذهبت أبعد من تصعيد الشروط للتفاوض حول مصير الازمة السورية على رغم تصريحات لافروف اخيرا حول عدم ممانعة روسيا تنحي الرئيس السوري بشار الاسد وفق هؤلاء الديبلوماسيين. اذ ان روسيا وفق ما يقول هؤلاء تعتبر ان الضغوط الغربية مستمرة عليها ان في المواقف المعلنة للدول الكبرى التي تحملها المسؤولية كما تفعل الولايات المتحدة او عبر المواقف الدولية التي تتحدث عن مشارفة سوريا حربا اهلية او فقدان النظام سيطرته على معظم الاراضي السورية. فهذه المواقف الدولية يفترض ان تستنفر الجميع للعمل بسرعة على محاولة تجنب السيناريو الاسوأ في حين تظهر الامور وكأن روسيا تواجه الضغوط لحشرها دوليا في خانة من يتحمل مسؤولية الدفاع عن النظام السوري واستمراره في العنف ضد شعبه وذلك عبر محاولة لي ذراع الغرب المحتاج الى تعاونها لوقف النزف في سوريا.

وثمة جانب آخر يتوقف عنده هؤلاء الديبلوماسيون يتصل بالجانب المتعاظم للموقف الروسي الرسمي على وقع الصدى والدعم الذي يلقاه في الداخل لا سيما من جانب الكنسية الروسية على قاعدة ان الموقف الروسي الذي يواجه العالم يصب في خانة الدفاع عن المسيحية في الشرق خصوصا ان بيانات كتلك التي صدرت عن مجمع المطارنة الروس مؤيدة موقف فلاديمير بوتين وحرصه على حماية الاقليات التي يتم الاعتداء عليها تظهر للمراقبين المعنيين كما لو ان روسيا تحاول ان تستعيد مجدها السابق كدولة عظمى وتساور مسؤوليها مشاعر قوية في هذا الاتجاه.

وبناء عليه فان ثمة شكوكا قوية في ظل هذا المعطى في انعقاد مجموعة الاتصال التي ترغب فيها روسيا بشروطها المعلنة باعتبار ان الهدف الذي حددته وهو دعم خطة المبعوث المشترك للامم المتحدة والجامعة العربية كوفي انان هو امر متخذ على طاولة مجلس الامن ومشاركة ايران هي موضوع اشكالي لاعتبارات متعددة لا تتوقف على التجاوب مع رغبة ايران في الموازنة بين ملفها النووي ونفوذها في دول المنطقة فحسب. تبعا لذلك لن يسهل على الدول العربية او الغربية التساهل ازاءه، في ما يبدو وفق الديبلوماسيين انفسهم سقفا عاليا للتفاوض وشروطه قد لا يساعدان في الوصول الى توافق الحد الادنى في الازمة السورية على رغم الاستنفار الدولي الذي فرضته المجازر الاخيرة التي حصلت في بلدات وقرى سورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية والحرب الأهلية * رضوان السيد

الدستور

14-6-2012

قال رئيس المراقبين الدوليين في سورية: لماذا الحديث الكثير عن احتمال وقوع الحرب الأهلية في سورية؟ الحرب الأهلية وقعت بالفعل! والذي يقصده رئيس المراقبين أمران: وجود “جيشين” في البلاد تجري بينهما عشرات المعارك الصغيرة والكبيرة كلَّ يوم، وقيام أهل القرى المتجاورة والمختلفة طائفياً بذبح أطفال ونساء الطرف الآخَر، مع ملاحظة أنّ أحد الطرفين جرى تسليحُهُ من النظام!

لماذا تطور النزاع الداخليُّ إلى هذه الحدود القاتلة؟ بالنسبة للجيش فإنه انقسم لإصرار القيادة على التصدي للتظاهرات السلمية بالقتل والاعتقال والتهجير. فقد رفض عشراتُ الأُلوف من شباب الجيش وكهوله الانهماك في قتل العُزَّل. وبالنسبة للذبح على الهوية؛ فلأنّ النظام إياه أراد أن يُعلم السوريين (سنة وعلويين ومسيحيين ودورزاً وأكراداً) أنهم إمّا أن يخضعوا لإرادة الأسد، أو يُبادوا ويُهجَّروا وتنقسم البلاد!

أمّا الإبادةُ والتهجير فهما مستحيلان رغم شراسة القتل والإرعاب. فالسوريون عددهم 24 مليوناً، وقد انتشرت الثورة بعد عامٍ وثلاثة أشهُرٍ على وقعة درعا في ثلاثة أرباع سورية، وفي أَوساط حوالي الـ 15 مليوناً، وهؤلاء يستحيل تهجيرهم أو قتلهم جميعاً. وقد عرفنا الشهور الماضية أنّ أعمال السفك والعسف زادت النار اشتعالاً أو لم تخفِّفها! وقد ظننا أنّ النظام عنده عقدة من حمص، ولذلك فهو يريد اختصاصها بالإبادة والتهجير، لكنه وخلال عشرة أسابيع، ما ترك منطقةً إلاّ وأجرى فيها مذبحةً أو أكثر. فهل يعني ذلك أنه يسعى للتقسيم من خلال الحرب الأهلية؟ هذا محتملٌ، إنما المحتمل أيضاً أنه يريد تدخُّلاً روسياً لصالحه، يحقق نصف حلٍّ، باعتبار أنه لاأحد يريد التدخل العسكري أو يتحمله الآن. وبذلك يبقى النظام في مرحلةٍ انتقاليةٍ بالأسد أو بدونه. ويبدو أنّ الأميركيين في مفاوضاتهم مع الروس ما رأوا ذلك واقعياً بعد كلّ ما حدث، لكنهم تركوا للروس استمزاج إيران بالأمرين: إدخال إيران في اللجنة التي يقترحها الروس، والتفاوُض على حلٍّ سياسيٍّ يُبقي على شيئٍ من النظام الذي ذبح وهجَّر واعتقل خُمس شعبه حتى الآن! إنّ إيران لن تقبل بذهاب الأسد أو ذهاب النظام ولو بالتدريج، لأنها تخشى أن يكون عليها التنازل في العراق وفي لبنان؛ بينما تأمل هي أن تظلَّ أوراقُها قويةً في مفاوضات النووي في موسكو بعد أيام، وأن تبقى لها مناطق نفوذ في المشرق العربي في السنوات القادمة!

ولا يعني هذا الاستبعاد، أنّ الروس والأميركيين لا يمكن أن يتلاقوا على حلٍّ في سورية، إنما ذلك إنْ كان فلن يحدُثَ قريباً. ولذا فالذي يسير إليه الوضع الآن هو التقسيم العملي وليس النظري، وهو ما يسعى إليه الثائرون تحت اسم المناطق العازلة أو الآمنة، بحيث ينكفئُ النظام لتعب قواته وانهيار معنوياتها إلى مدن الساحل، وإلى دمشق وريفها، والحدود مع الأردن، وتتحرر من المذابح والتهجير مناطق شاسعة، دون أن يتوقف القصف المدفعي، وقصف الطيران!

لقد أثبت النظام أنه يملك القدرة على الصمود لتماسُك قواته الخاصة، ولدعم إيران والعراق وموسكو له. لكنه ما عاد يمتلك القدرة على الحسم. وقد أثبت الثوار أنهم يستطيعون الامتداد والتقدم لوقف الجمهور معهم، وللدعم الذي بدأوا يتلقَّونه من الخارج. وهذا يعني تشكُّل وارتسام خطوط تماسّ قد يطول أمدُها إن أصرَّ الإيرانيون. وسيخسر النظام أخيراً كلّ شيئ، إنما على أيّ حالٍ تكون سورية عندها؟ إنّ هذا كلَّه يتوقف على مدى وعي الجمهور السوري بعد سقوط الأسد!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شقوق في جدار النظام ! * عريب الرنتاوي

الدستور

14-6-2012

تكاثرت في الأيام الأخيرة الأخبار والتقارير التي تتحدث عن تشققات في جدار النظام السوري، طاول حلقات الحكم الداخلية...بعضها تحدث عن “تسميم” صهر الرئيس وأحد أركان النظام آصف شوكت...بعضها الثاني تحدث عن تمرد شقيق الرئيس وإصراره على المضي في مساره الأمني /العسكري بمعزل عن حسابات السياسة ومتطلبات الحراك الدبلوماسي...وبعضها الثالث، توقف أمام ما أسماه ظاهرة “إنفلات” المليشيات الموالية أو من يعرفون في سوريا بـ”الشبيحة” وقيامهم بمقارفة مجازر “من وراء ظهر النظام”.

لا تتحدث الأنباء والتقارير عن انشقاقات على “يسار” النظام إن جاز التعبير، سوى تلك الأخبار المتكررة عن انشقاق مجموعة جنود هنا وضابط متواضع هناك والتحاقهم بـ”الجيش السوري الحر”...جميع الإنشقاقات التي تشير إليها المصادر، تتحدث عن “تمرد التيارات الأكثر تشدداً وغلواً وإيغالاً في الدم السوري” على القيادة السياسية، وميلها لعدم الالتزام بالأوامر، وتذمرها مما تعتقد أنه “ضعف إرادة الحسم” لدى الرئيس السوري، وتفضيلها خيار المعركة الشاملة الناجزة مع المعارضين، مهما بلغت الكلفة والثمن.

في التفاصيل هناك من يميز بين الأسدين، الأب والابن، كيف تعامل الأسد / الأب مع أحداث حماة مطلع ثمانييات القرن الفائت وكيف يتعامل الأسد/الابن مع الأزمة السورية...هناك أصوات تزداد علواً تقول بإعادة إنتاج تجربة الأسد / الأب في الحسم السريع، معبرة عن القناعة بأن الأزمة ما كانت لتستغرق كل هذا الوقت، لو أن حافظ الأسد ما زال حياً، ولكان ملفها قد طويّ في الشهر الثالث أو الرابع على أبعد تقدير.

حتى أن هذه الأصوات لم تعد تبالي بـ”تقدير كلفة” الحسم السريع، طالما أن “الخلاص” سيكون بالضربة القاضية، غير الفنيّة، مرة واحدة وإلى الأبد (أو لثلاثين سنة أخرى قادمة)، ويبرر بعض هذه الأصوات مقاربته “الجنونية” هذه بالقول، أن ما دفعته سوريا بالمفرق على مدى 15 شهراً، كان يمكن أن تدفعه بالجملة، مرة واحدة وتستريح ؟!.

ماذا تعني مثل هذه الآراء التي نقرأها ونستجمعها مبثوثة في تقارير وتغطيات بعض الصحف والمراكز الدولية؟...إنها تعني أن أصحابها ما زالوا يعيشون “خارج التاريخ”، وأن نبأ انتهاء الحرب الباردة لم يبلغهم بعد، ولم يبلغهم أيضاً أن عالم اليوم غير عالم الثمانينات، وأن حافظ الأسد لو بقي حيّاً لما كان بمقدوره أن يفعل شيئاً مغايراً، ففي الأزمنة الراهنة لم يعد هناك شيء اسمه “سياسة داخلية” معزولة عن العالم من حولها، وأن مبدأ “السيادة الوطنية” قد أعيد تعريفه مراراً وتكراراً، وأن ما يجري من تباعد بين روسيا (وريثة الاتحاد السوفيتي السابق” والولايات المتحدة، ما زال حتى إشعار آخر، أبعد من أن يكون إعادة إنتاج للحرب الباردة.

تعني مثل هذه المواقف، أن الصراع بلغ مستوى من الاستقطاب الطائفي، حداً تسهل معه فكرة مقارفة المجازر بالجملة والمفرق، طالما أن الهدف هو البقاء في السلطة وحفظ أمن الطائفة ومصالحها وتفوقها “السيادي”...وأن هذه الحقوق والمصالح، سيجري الدفاع عنها ذاتياً، بقوة المليشيا والعناصر المنشقة، على ضفتي الانقسام الأهلي، مهما كلف الثمن، حتى وإن أفضى ذلك إلى تدمير الدولة أو التمرد عليها.

تعني مثل هذه “الخواطر السوداء” أن القوم على ضفتي الصراع، دخلوا في “لعبة الحياة والموت”، أو “اللعبة الصفرية”، فكل تقدم يحقق الآخر، هو خسارة صافية للفريق المقابل، والعكس بالعكس...لكأن حكماً بالإعدام على الحوار والوحدة الوطنية والعيش المشترك والسيادة الوطنية والدولة، قد صدر بصورة قطعية، وربما يكون حكماً كهذا هو القاسم المشترك الوحيد بين المتقاتلين في حرب سوريا الأهلية.

سياسياً، تعني هذه “الانشقاقات” و”التمردات” أن المراهنين على تغيير النظام من داخله، قد يفاجأون إن وقع أمر كهذا، ببدائل أكثر تشدداً من الأسد نفسه، بل وقد يترحمون على “أيام الأسد”...ما يعني أن شعار “إرحل” قد يأتي إن تجسّد، بنتائج مغايرة تماماً للمقصود به، وأن النموذج اليمني في حال إعادة إنتاجه سوريّاً، قد يقتلع الجزء الأكثر اعتدالاً من النظام، ويبقي أجزاءه الأكثر تطرفاً وتشدداً ودموية.

سياسياً أيضاً، تعني هذه المواقف، أن دورة التطرف والغلو التي أطلقها النظام وانتقلت بعد ذلك الشارع والمعارضة، تعود فترتد عليه الآن بأوخم العواقب والنتائج...فالخيار الأمني/العسكري لم يحم النظام ولن يحميه، بل يعرضه للتفيت والتآكل والتشقق، ومن داخله هذه المرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإعلام السوري.. وقلب الحقائق

بسام الكساسبة

الرأي الاردنية

14-6-2012

وحده الإعلام السوري الرسمي، الذي ينشر فبركات إعلامية عما يقترفه النظام السوري من فظائع ضد شعبه، فلدى الإعلام الرسمي السوري القدرة العجيبة على الإستخفاف بعقول البشر، وقلب الحقائق رأساً على عقب، وإظهار المذابح الفظيعة التي اقترفها الجيش السوري ومعه الشبيحة بحق الشعب السوري وكأن من إقترفها هو الشعب السوري نفسه، وكذلك الحال مع النظام السوري نفسه الذي بمقدوره تحويل الجلاد الى ضحية والضحية الى جلاد، فينزع صفات الإرهاب والإذلال وإقتراف المذابح عن الجيش السوري والشبيحة ويلصقها بالمعارضة السورية، وهو من يمكنه تقمص شخصية الممانع والمقاوم لسياسات الكيان الصهيوني، وهو من هادن الكيان الصهيوني أربعة عقود ونصف، فكان له الصديق الصدوق والخل الودود، بينما لم يهادن هذا النظام الإرهابي شعبه يوماً واحداً، وهو من باستطاعته التظاهر بالوطنية وهو من فرض على شعبه البطش والاستبداد والإذلال والتفقير طيلة تلك الفترة، مع أنه شن على شعبه حربين إرهابيتين مدمرتين، الأولى على حماة في عام 1983، والثانية المستمرة منذ ستة عشر شهراً حتى يومنا هذا.

تذكرنا مشاهدتنا للمدن السورية على شاشات الفضائيات وهي تدك دكاً عنيفا بأعتى القذائف والمتفجرات ومن العيارات الثقيلة ومن مختلف أنواع الأسلحة البرية والجوية من قبل تحالف الجيش السوري والأجهزة الأمنية والمليشيات المسلحة (الشبيحة)، بالعدوان الوحشي لجيش الكيان الصهيوني على قطاع غزة 2008/2009، مع فوارق جوهرية بينهما منها: أن جيش الكيان الصهيوني لم يخف في أية لحظة من اللحظات عدائيته للشعب الفلسطيني، ولم ينكر قيامه بشن تلك الحرب ضد سكان غزة، وقد إستغرق عدوانه ثلاثة أسابيع، في حين أن النظام السوري ومعه جيشه وشبيحته يخفون عدائيتهم للشعب السوري، وينكرون مسؤوليتهم عن جرائم تدمير المدن والقرى والأرياف السورية، وذبح شعبهم وزجه في السجون وتشريده، وفارق آخر هو إستمرار عدوان الجيش السوري والأجهزة الأمنية والشبيحة على الشعب السوري منذ 16 شهراً حتى وقتنا الراهن بلا إنقطاع، ولا يُعلم متى سيتوقف هذا العدوان.

إثناء عدوان الجيش الصهيوني على غزة اتحدت دول وشعوب العالم ومنظماته وأحزابه وقواه السياسية في إدانتها للعدوان الصهيوني وطالبت بوقفه، أما عدوان النظام السوري على شعبه وعلى أيدي جيشه (الصنديد!) المستمر منذ ستة عشر شهراً فليس هناك مواقف عالمية حازمة للجم هذا العدوان والقائمين عليه، فدول آزرت هذا العدوان سياسياً ومدته بالأسلحة كروسيا وإيران وأتباعها من طوائف وأحزاب ومليشيات كمليشيا حسن نصر الله وميليشيا مقتدي الصدر، وكل ما هناك أن مراقبين عرباً وأممين يحضرون لسوريا لمشاهدة تلك المجازر دونما تحريك لساكن بإتجاه وقفها، وكأن هناك توجهاً عالمياً لتأييد النظام السوري في حربه الإجرامية التي يشنها على شعبه، لأن مسار الثورات الشعبية العربية على ما يبدو يسير بغير هوى معسكر الدول المعادية لأمتنا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا دعوة إيران لمؤتمر يخص سورية؟

جهاد المومني

الرأي الاردنية

14-6-2012

لماذا تصر موسكو على دعوة ايران الى المؤتمر الدولي الخاص بسوريا, هل تنطوي دعوة الروس للإيرانيين على رغبة بتشكيل معسكر جديد رافض لاسقاط النظام السوري وتجميع أكبر عدد ممكن من الاصوات المعارضة للمواقف العربية والغربية من الازمة السورية، ام أن بقاء نظام عائلة الاسد من عدمه لا يعني لروسيا الكثير بالفعل كما تعلن الخارجية الروسية، على عكس الموقف الايراني المتشدد لجهة بقاء الاسد في السلطة؟

الموقفان الروسي والايراني من مستقبل سوريا ينسجمان من حيث الشكل،ولكن لكل من موسكو وطهران مآرب مختلفة وإن تطابقت تكتيكيا حول بقاء نظام الاسد،فروسيا معنية ببقاء الحال السوري على ما هو عليه من حرب دموية لتحقيق هدفين،الاول استمرار رهن الارادة السورية وضمان تبعية النظام في دمشق لموسكو وهذا يعني بقاء سوريا المشتري الأول والرئيسي للسلاح الروسي،والثاني فان سوريا تعتبر ميدانا سياسيا تحتكره روسيا في هذه المرحلة لمناكفة الغرب وتحصيل تنازلات استراتيجية على صعيد دولي اوسع، في المقابل او الى جانب ذلك فإن ايران معنية ايضا ببقاء الحال السوري ما بين حياة النظام وموته مع الحرص على اسناده اذا آل للسقوط ولاسباب استراتيجية بالنسبة لايران، فالعالم الآن خفّض من مستوى اهتمامه-اعلاميا على الاقل-بالملف النووي الإيراني من جهة،ومن جهة أخرى فان ايران وجدت في سوريا ساحة تستنزف فيها دول الخليج العربي, ومنطقة استفزاز سياسي كما هي حال الجزر الاماراتية الثلاث المحتلة من قبل ايران،كما ان سوريا الضعيفة بالنسبة لايران فرصة لتفعيل الممر الجغرافي ما بين ايران وحزب الله اللبناني خاصة مع استعداد اسرائيل لتوجيه ضربة قاصمة للمشروع النووي الايراني،ولا تطلب دمشق مقابل ذلك أكثر من مساندتها ماديا في تحمل العقوبات الدولية،وتقديم خدمات استخبارية وعسكرية يحتاجها نظام الاسد بشدة.

من السذاجة تجاهل حقيقة ان روسيا وايران معنيتان باستمرار الوضع في سوريا على ما هو عليه لاعتبار سياسي آخر مهم وهو أن السنوات الثلاث الماضية شهدت تقاربا سوريا غربيا على حساب تحالفات ايران وروسيا التقليدية معها،وليس سرا ان الغرب وخاصة فرنسا والولايات المتحدة نجحتا في التأثير على المواقف السورية وحققتا الكثير من التغيرات على صعيد ابعاد دمشق عن الالتزام بتحالف اعمى مع ايران لمجرد شعور نظام الاسد بعزلة سياسية سببها دور سوريا السلبي في الازمة اللبنانية ودعمها لحزب الله وحلفائه على حساب الاستقرار اللبناني.

وكل من ايران وسوريا تستغلان حزب الله لنفس الغاية وهي التحرش باسرائيل واحيانا محاربتها بدماء اللبنانيين والجنوبيين منهم بالذات, ثم عندما فتح الغرب ابوابه للقيادة السورية كي تخرج من ثوبها الايراني قبل خمس سنوات وجدت دمشق فرصة سانحة للتقرب من (معسكر الاعتدال) والتوجه غربا مما انذر بخسارة كل من ايران وروسيا لحليف مهم وها هو الآن يعود مجبرا تحت وطأة الثورة السورية كي يقبل بما لم يقبل به من قبل فيفتح موانئه للبوارج الروسية،ومدنه وقراه للجواسيس الايرانيين, بل أن سوريا في هذه اللحظة من تاريخها مستعدة لمعاداة العرب أجمعين من اجل إيران.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا.. الحل الوحيد!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

14-6-2012

من الضروري العودة الى البدايات بعدما وصف مسؤول حفظ السلام في الامم المتحدة الصراع المحتدم في سوريا بأنه «أصبح حرباً أهلية» وهو قال :»نعم.. أعتقد أننا يمكن أن نقول ذلك.. من الواضح أن ما يحدث هو أن الحكومة السورية خسرت بعض المساحات الواسعة من الاراضي في العديد من المدن لصالح المعارضة وهي تريد استعادة السيطرة على تلك المناطق».

فقبل خمسة عشر شهراً كان الوضع قابلاً للمعالجة وكانت قد وصلت نصيحة من عمّان نقلها رئيس الديوان الملكي السابق الدكتور خالد الكركي الى الرئيس السوري بشار الاسد بأن عليه كي يتجنب تصاعد ما جرى في درعا على خلفية حادثة الاطفال التي غدت معروفة: أولاً ،ألاّ يلجأ الى العنف والحلول الامنية إطلاقاً وثانياً ،ألاّ يعزل نفسه عن أبناء شعبه وأن يتواصل مع هؤلاء بطريقة مباشرة ليسمع منهم ويسمعون منه.

في ذلك الحين كانت هناك إمكانية لتضميد الجُرح الذي فتحته حادثة أطفال درعا وكان بالإمكان احتواء كل ردود الافعال عليها لو أن بشار الاسد لم تأخذه العزة بالإثم ورفض الاستماع الى هذه النصيحة آنفة الذكر ولو أنه لم يستمع الى من قال له ان عليه ان يكرر ما فعله أبوه في حماة عام 1982 فضمن الاستقرار لنظامه نحو ثلاثين عاماً وأكثر وإن عليه استخدام القبضة الحديدية ويفعل ما فعله الحجاج بن يوسف الثقفي عندما خاطب أهل الكوفة بقول :»إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها»!!.

لم يدرك الرئيس بشار الاسد أن العنف يؤدي الى العنف وأن شعباً صبر لأربعين عاماً على الظلم في عهده وعهد والده بحاجة الى مجرد شرارة كشرارة حادثة أطفال درعا كي ينتفض في ثورة شاملة هي هذه الثورة المتصاعدة التي بدأت سلمية ثم حولها القمع الوحشي الى هذه المواجهات المسلحة التي حولت البلاد كلها بما في ذلك دمشق العاصمة الى جبهات قتال تُستخدم فيها مختلف الاسلحة.

الآن وقد وصلت الأمور الى ما وصلت اليه فإن عقدةً كان بالإمكان حلها بالأصابع أصبح من غير الممكن حلها حتى بالأسنان ولعل ما جعل الأمور تصل الى هذا المستوى من التعقيد أن السياسات البائسة التي اتبعها هذا النظام قد حولت سوريا الى ساحة صراع إقليمي ودولي سيدفع ثمنه وقريباً الرئيس بشار الأسد نفسه الذي من الواضح أن القوى الدولية المتصارعة أصبحت متفقة على رحيله لكنها لا تزال مختلفة على كيفية هذا الرحيل وعلى من الذي سيخلفهُ في المرحلة الإنتقالية المفترضة.

لم تعد هناك إمكانية لبقاء بشار الاسد في الحكم ولم تعد هناك إمكانية لبقاء هذا الحكم حتى وإن تم التوصل الى تسوية دولية وإقليمية لتنحي أو تنحية رئيسه فالأمور تجاوزت كثيراً مثل هذه المعالجات ولم يعد هناك إلاّ حل واحد أولاً لحقن دماء الشعب السوري الزكية وثانياً للحفاظ على وحدة سوريا وهو الإسراع في التوصل الى اتفاق بضمانة دولية على مرحلة انتقالية تُدار البلاد خلالها من قبل رموز وطنية لا هي محسوبة على المعارضة ولا على الموالاة تُعِد خلال عامٍ أو عامين لانتخابات بإشراف دولي يقرر من خلالها السوريون مصيرهم بأنفسهم ويتخلصون والى الأبد من شبح الاستبداد الذي بقي يطارهم منذ أول انقلاب عسكري في عام1948 .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المعضلة السورية

محمد بزيان

2012-06-13

القدس العربي

الثورة السورية أكثر ثورات الربيع العربي دواما ومأساوية. وقد أظهرت هذه الثورة أن هنـاك أنظمة سياسية يمكنها أن ترتكب جرائم أكثر فظاعة من تلك التي ارتكبتها النازية ، كما كشفت هذه الثورة عن أن النظام الدولي عاجز عن ردع المجرمين الذين يرتكبون جرائم في حـق الإنسانية. وأن حق الاعتراض في مجلس الأمن يمكن أن يكون أداة لحماية المجرمين. هذه أمور نعتقد أنها أمست معروفة لدى عامة الناس وخاصتهم. ومع ذلك قد يكون من المفــــيد التنبيه إلى ما يمكن أن نسميه بالعقــد التي حالت حتى الآن دون إيجاد حل لما يجري في سورية من مآس على مرأى ومسمع من العالم كله ، وكأن البشرية رجعت إلى أزمنة الهمجية.

العقدة الأولى وجود نظام في دمشق قائم أساسا على هياكل أمنية وظيفتها خدمة هذا النظام وليس خدمة المجتمع والمحافظة على استمراره. ولعل وصفه بالعصابة هو التعبير الأكثر دقة. هذا النظام يستمد معتقده السياسي ـ كما هو معروف ـ من حزب البعث الذي لا يختلف كثيرا عن الستالينية تصورا وممارسة. وإذا كان ستالين قضى على نحو ثلاثة ملايين شخص في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي فإن بشار الأسد مستعد لأن يزهق أرواح مئات الآلاف من النساء والاطفال وبالتالي فعقد الأمل على إمكانية قبوله بالتنحي عن السلطة لا يعدو إلا أن يكون سرابا. إن معتقــد التمسك الجنوني بالسلطة متأصل في النظام منذ عهد الأب حافظ الأسد.

العقدة الثانية وجود تناقض بين ما تريده الثورة وهو إسقاط النظام وبين ما تريده الطغمة الحاكمة وهو بقاء النظام واستمراره والقضاء على الثورة. وفي هذا السياق ، وكما سبق لنا أن أشرنا ، فإن الإصرار على بقاء النظام يتجاوز بشار الأسد نفسه. ولعل ما صرح به وزير خارجية روسيا أخيرا بأن بلاده قد تقبــل برحيل بشار إن رغب في ذلك الشعب السوري دليل على أن النظام في هذا البلد لا يستند إلى وجود الرئيس بالذات. وبالتالي فليس هناك حل وسط بين ما تريده المعارضة وبين ما يريده النظام. وما زاد هذا التناقض رسوخا أن كل طرف قد وصل إلى نقطة صار معها من الصعب جدا عليه أن يتنازل عن تحقيق هدفه كاملا. وبالمناسبة نعتقـد أن فكرة اللجوء إلى الحل على الطريقة اليمنية هي فكرة غير مجدية وفاشلة مسبقا باعتبار أن أركان النظام يرفضون مطلب المعارضة جملة وتفصيلا. وتنحي الأسـد لن يقدم أو يؤخر في الأمر شيئا. ودوره لا يتعدى تبعة ما يقترف من مجازر.

العقدة الثالثة موقف إيران وحزب الله الداعم للنظام ليس منتظرا تغييره لسبب جد بسيط وهــو أن كلا منهما يعتبر الوقوف إلى جانب النظام السوري هو دفاع عن وجوده. إلا إذا أعطيت إيران ضمانات بعدم الهجوم عليها، وهذا أمر غير وارد حتى في حالة الامتناع عن مهاجمتها..

العقدة الرابعة تمسك روسيا الاتحادية بالدفاع عن نظام دمشق في الأمم المتحدة وفي ما تقوم بـــه من نشاط دبلوماسي لصالحه. على الرغم من الأضرار الأدبية الهائلة التي لحقت بها جراء موقفهـا المدافع عن نظام يرتكب المجازر. مما يجعل كل شعوب الأرض التي تؤمن بالقيم الإنسانية السامية تشعر بالاشمئزاز من هذا الموقف الروسي الذي سوف يلحق بدون شك أضرارا بليغة بمصالح روسيا المادية أيضا.

العقدة الرابعة الخوف من تحول الصراع المسلح إلى حرب أهلية قد تمتد تداعياتها لتشمل المنطقة كلها. لكن الذي ربما لم يؤخذ في الحسبان بما فيه الكفاية هو أن استمرار هذا النظام الذي يشبه إلى حد كبير مسمار ملوث انغرز في الجسد. والإبقاء عليه قد تكون آثاره أسوأ من مضاعفات انتزاعه.

إن هذا النظام أثبت بما لا يدعو مجالا للشك في أنه لا ينتمي إلى هذا الزمان الذي أمسى فيه احترام حقوق الإنسان يحظى بالأولوية..

مبادرات هزيلـــة

بالإضافة إلى العقد المشار إليها والتي صعبت إلى حد كبير من إيجاد مخرج مما يحدث من مجازر سوف تبقى وصمة عار في جبين الإنسانية. هو فقدان إرادة دولية جادة في البحث عن حل يضع حدا لشلال الدم المتدفق في سوريا. ومما شك فيه أن شعوب المعمورة اليوم لا تلقي باللائمة على روسيا والصين فقط وإنما تلقي باللائمة على المجموعة الدولية كلها، ولاسيما القوى الكبرى التي لم تتحرك جديا وبما فيه الكفاية لوضع حد لوجود نظام ليس قابلا أن يوقف قتل الأطفال والنساء وذبحهم وحتى حرقهم أحياء. والغريب في الأمر أن المبادرات التي قدمت حتى الآن خاوية ولا تحتوي على أي عنصر فعال. ويمكن القول إن النظام السوري استطاع أن يستفيد من هذه المبادرات العرجاء التي أهم ما تأتي به إعطاؤها مهلا للنظام ليصعد أكثر فأكثر من وتيرة القتـل.

ومن الخواء وفقدان الجدية اللتين تطبعان تلك المبادرات أو المخططات ما تضمنته على سبيل المثال خطة المبعوث الاممي كوفي عنان التي ظهر فيها المراقبون الامميـون كالكرة تتقاذفهم قوات نظام الأسد وشبيحته من مكان إلى مكان وهم لا يدرون ما يفعلون بالضبط وهم في حالة مثيرة للشفقة. فهل ذهب هؤلاء المراقبون ليمنعوا مدفعية الجيش السوري ودباباته من قصف المدن وتهديم البيوت على رؤوس ساكنيها؟ أم لمشاهدة ذلك القصف والقول إنه وقع فعلا؟ ومن الجهة التي تطلق النار؟ مع العلم أن قوات امن النظام لا يهمها أن يقال عنها إنها تدك الأحياء السكنية. الإجابة عن هذه الأسئلة غير ذات أهمية معتبرة. لآن المهم مضمون الجواب عن السؤال الجوهري وهو ماذا بعد؟

وعلى هذا الأساس فليس هناك فرق بين عدد المراقبين الحالي وبين زيادته إلى عشرة أضعاف إلا من حيث كون رفع عددهم ربما يمكنهم من أن ينقسموا إلى أفواج يستطيعون من خلالها اعتماد نظام العمل بالتناوب حتى يتمكنوا من أخذ قسط من الراحة.. أما الطريق الذي يقود إلى نجاح الثورة في سوريا فبدون شك هو الطريق الذي سلكه أولئك الذين رفضوا أن يوجهوا فوهات بنادقهم وحرابهم إلى صدور إخوانهم المتظاهريـن وأجساد الأطفال. ونعتقد أن أهم عمل يمكن للجيش الحر القيام به هو ضرورة خضوعه لتنظيم محكم حتى يتمكن من فرض الانضباط والسيطرة على السلاح وفي هذا وقاية للثورة من الوقوع في التناحر أو ما يسمى بالحرب الأهلية التي تحولت إلى أكبر هاجس يقف في وجه التقدم بسرعة نحو النصر.

' كاتب مغربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية.. اخطر من حرب اهلية!

عبد الباري عطوان

2012-06-13

القدس العربي

الجميع يفتي ويدلي بدلوه في سورية، وكل طرف يفسر الصراع وفقا لمنظوره الخاص، ويصدر تنبؤاته وفـــتاواه حسب تمنــياته، ولا نقول مصالحه فقط، والشعب السوري هو الخاسر الاكبر وسط هذه المعمعة، حيث تتواصل اعمال القتل والخطف في معظم انحاء البلاد ويسقط القتلى بالعشرات.

ايرفيه لادسو رئيس عمليات حفظ السلام في الامم المتحدة افتى بأن ما يجري حاليا في سورية من صدامات بين القوات الحكومية والجيش السوري الحر هو حرب اهلية، وقال ان الحكومة السورية فقدت مساحات واسعة من اراضيها لصالح المعارضة وتحاول استعادتها.

ومن المفارقة، وما اكثر المفارقات على الساحة السورية هذه الايام، التقاء الحكومة والمعارضة على رفض هذه الفتوى حيث رفضها الطرفان، واكدا ان ما يجري في البلاد ليس حربا اهلية، فإذا كانت الامم المتحدة على خطأ فما هو الصحيح اذن؟

وزارة الخارجية السورية على لسان متحدث باسمها قالت ان وصف المسؤول الأممي 'لا ينسجم مع الواقع ويتناقض مع توجهات الشعب السوري، لان ما يجري هو حرب ضد مجموعات مسلحة اختارت الارهاب طريقا للوصول الى اهدافها، وان من واجب السلطات التصدي لها وبسط سلطة الدولة على كامل اراضيها'.

الهيئة العامة للثورة السورية رفضت بدورها فتوى الامم المتحدة، وقالت في بيان اصدرته امس 'إن ما قاله مسؤول عمليات حفظ السلام في الامم المتحدة لا يعبر عن صورة الاحداث الجارية، ولا يعبر عن الشعب السوري وثورته السلمية'. وانتقدت الهيئة التصريح الاممي، معتبرة انه 'مساواة بين الضحية والجلاد، وتجاهل لمجازر النظام الاسدي وطمس لمطالب الشعب السوري المشروعة بالحرية والكرامة'.

' ' '

انا شخصيا اختلف مع الحكومة والمعارضة والامم المتحدة معا، وارى ان وصف الصراع بأنه حرب اهلية هو وصف قديم انتهى عمره الافتراضي منذ اشهر، وان ما يجري في سورية ليس تطهيرا طائفيا فقط، وانما حرب اقليمية بالوكالة بين معسكرين:

الاول: المعسكر الروسي ويضم ايران وسورية وحزب الله وبعض الميليشيات الشيعية العراقية، ويحظى بدعم مباشر من الصين، وغير مباشر من الهند والبرازيل.

الثاني: المعسكر الامريكي ويضم دول اوروبا الغربية وتركيا، الى جانب المملكة العربية السعودية ودول الخليج، الى جانب دعم غير مباشر من الاردن.

جامعة الدول العربية وبدعم من دول عربية خليجية، وبعض اطراف المعارضة السورية كانت تضغط دائما باتجاه تدويل الأزمة السورية، وتدخل عسكري مباشر لإنهائها، على غرار ما حدث في ليبيا، ويبدو ان هذه الضغوط بدأت تعطي ثمارها هذه الايام، فقد باتت سورية محور صراع حقيقي للدول الكبرى، وخرجت الامور من دائرة سيطرة كلٍ من المعارضة والحكومة، بل والجامعة العربية ايضا.

بالأمس اتهمت السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية روسيا بتزويد النظام السوري بطائرات عمودية هجومية، ستستخدم في قمع الشعب السوري، فردّ عليها نظيرها الروسي سيرجي لافروف من طهران قائلا ان صفقات الاسلحة هذه تتم في اطار القوانين الدولية، وردّ الصاع صاعين باتهام الولايات المتحدة بتسليح دول في المنطقة.

صحيفة 'الاندبندنت' البريطانية المستقلة نشرت امس تقريرا مطولا اكدت فيه قيام المملكة العربية السعودية ودولة قطر بارسال شحنات اسلحة ثقيلة للجيش السوري الحر، تتضمن صواريخ مضادة للدروع ومدافع رشاشة وذخائر، عبر الاراضي والمنافذ الحدودية التركية، وعلى ظهر شاحنات عسكرية رسمية وبتنسيق مع حكومة السيد رجب طيب اردوغان.

في ظل هذه الحرب الباردة التي بدأت تدخل مرحلة السخونة تدريجيا، بات في حكم المؤكد 'نفوق' مبادرة كوفي عنان المبعوث الدولي، التي تتحدث نقاطها الست عن وقف فوري لإطلاق النار وسحب الآليات من المدن، والانخراط في حوار بين النظام والمعارضة، للتوصل الى مخرج سلمي للأزمة. فالمبادرة لم توقف اعمال القتل التي يرتكبها النظام، بل أدت الى حدوث مجزرتين هزتا ضمير العالم، الاولى في الحولة، والثانية في القبير، وكان معظم ضحاياهما من الاطفال، ذبحوا بطريقة وحشية همجية على ايدي ميليشيات تابعة للنظام.

ويمكن القول ايضا ان الحل اليمــــني لم يعد ممــــكنا في سورية، لأن النظام فيما يبدو بات مصـــمما، وبعد التصــعيد الاخير للهجـــمات من جــــانبه، على المضي في حلوله الأمنية الدموية حتى آخر الشوط، وايا كانت النتائج.

' ' '

الحوار بين المعارضة والنظام تجاوزته الأحداث، ولم يعد مفيدا بعد ان فلتت الأمور من الجانبين تقريبا. الحوار المثمر والفاعل بات عمليا بين القوى العظمى والاقليمية المتورطة في الحرب الحالية، وبالأحرى بين الولايات المتحدة زعيمة تكتل اصدقاء سورية من ناحية، والاتحاد الروسي الداعم الاساسي للنظام السوري من ناحية اخرى.

الجامعة العربية باتت خارج المعادلة كليا، ولم يعد في مقدرتها تنفيذ اي قرار يتخذه وزراء خارجيتها، بما في ذلك منع الفضائيات السورية من البثّ عبر اقمارها الصناعية. اما المعارضة السورية الخارجية التي اعتقدت انها باتت على بُعد بضعة امتار من كرسي الحكم قبل بضعة اشهر فإنها فقدت الكثير من وهجها لمصلحة المقاتلين على الارض، في صمود نادر ومثير للإعجاب.

وليم هيغ وزير الخارجية البريطاني كان مصيبا مرتين، الاولى عندما قال بالأمس ان سورية باتت على شفا الانهيار، والثانية عندما طار فجر اليوم الى موسكو لاجراء محادثات مع نظيره الروسي لافروف، صاحب الكلمة الأقوى في الملف السوري.

اسرائيل تراقب الصراع في سورية عن قرب وباتت قيادتها تشعر بالقلق، ليس فقط من مخزون الاسلحة الكيماوية السوري الاضخم في المنطقة، الذي من المحتمل ان يقع في يد جماعات اسلامية متشددة، وانما ايضا من وصول هذه الجماعات الى عمقها عبر الحدود السورية اذا ما تحولت سورية الى دولة فاشلة، على غرار العراق وليبيا وقبلهما افغانستان.

ايا كانت النتيجة التي ستنتهي اليها الاوضاع في سورية، فإن اسرائيل ستكون الخاسر الأكبر، وكذلك الدول التي لم يصل اليــها الربيع العربي بعد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الصراع على سورية يفكّك الدولة والجيش

الخميس ١٤ يونيو ٢٠١٢

عبدالوهاب بدرخان

الحياة

بين الولايات المتحدة وانحيازها التاريخي الثابت لسلطة الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، وروسيا العائدة إلى أبشع ما في سوفياتيّتها بدعم ستالينية النظام السوري في عدوانه اليومي على شعبه، لا عزاء للعرب وقد غدوا ثانيةً وقود الحرب الباردة المتجددة بكامل سخونتها. فعلت أميركا كل ما يلزم، قبل ستة عقود، لضمان خسارة العرب فلسطين، وتفعل روسيا حالياً أمام أنظارهم كل ما تستطيع لاستدراج سورية إلى جحيم الحرب الأهلية وسيناريوات التقسيم والتفتيت.

بدل أن يرصد النظام السوري أي فرصة تُتاح لإنقاذ البلد من «المؤامرة» التي لا ينفك يحكي عنها، إذا كان حريصاً فعلاً على سورية وشعبها وجيشها ودولتها، تراه يراهن على «لعبة الأمم» وعلى «بازار» واسع تفتحه روسيا آملاً بالاستمرار، وكأن سورية تقزّمت لتُختزَل بهذا النظام ولا تستحق الوجود من دونه. والواقع أن شيئاً لا يضمن لهذا النظام أن تدور اللعبة على النحو الذي يرومه. فالروس صاروا مثله يعتمدون على حصيلة الضحايا وهول المجازر لاستثارة المزايدة، وكلما واجههم تحدٍ يعرضون جثته لإشعال المزاد والأسعار.

رغم أن المحنة هزّت النظام في صميمه، وأظهرت له أن «إنجازات» خمسة عقود من المناورات والصفقات والمغامرات في الإقليم كانت سلسلة من خداع الذات والأخطاء والأوهام، إلا أنه لم يفهم ولم يحاول أن يفهم أن الحلقة المفقودة في كل هذه «الأمجاد» هي شعب سورية. وإذ بذل كل جهد وابتلع كل الإهانات في مهادنة العدو الإسرائيلي، وبالغ في التجبّر على اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين وتخييرهم بين أن يكونوا أعداء أو عملاء أو أتباعاً، فإنه انتهى إلى إخراج كل ترسانته لمواجهة مَن اعتبرهم دائماً «العدو الأول»، «الحقيقي»: الشعب. وفوق ذلك يطمح، بل يحلم، بأن يهزمه ليواصل حكمه، أو يترك له سورية مجرد أرض محروقة.

كان المؤتمر الأخير لـ «منظمة شنغهاي للتعاون» في بكين فرصة لتعميق محور السلبية التي باتت تربط بين روسيا والصين، برصيد «فيتو» مزدوج استخدم مرتين في مجلس الأمن، ويظنّه أصحابه صدّاً للنفوذ الأميركي - الغربي فيما تجده أمم العالم كافة حضّاً وتشجيعاً على قتل المدنيين في سورية. وإذ اقترب هذا الثنائي الدولي إلى مواقف إيران ضد «الشيطان الأكبر» الأميركي وضد «الاستكبار الغربي» فإنه يطلب ضمّها إلى مؤتمر دولي بشأن سورية. لكن ما الذي يبرر وجود إيران إلى الطاولة على افتراض قبول الجميع بها وانتظام المؤتمر فعلاً، أهي حدودها المشتركة مع سورية، أم عضويتها الافتراضية في الجامعة العربية، أم عضويتها في مجلس الأمن، أم تحالفها مع نظام دمشق، أم «شبّيحتها» المشاركون في قتل السوريين، أم لأن الروس والصينيين صاروا يعتبرونها «دولة عظمى» ذات نفوذ في الإقليم بحكم سيطرتها على العراق وسطوتها في لبنان وإدارتها للانقسام الفلسطيني من خلال غزة؟ معظم هذه المبررات غير صحيح أو وهمي أو آني، وقد اختلس في ظروف غير منطقية وسيزول بزوالها.

كان يمكن اقتراح هذا المؤتمر الدولي أن يكون خبراً جيداً لو أنه «من أجل سورية»، لكنه عملياً لتدبير شؤون الأطراف المتحفزة لاقتسام سورية. فهو يرمي، إذا قدّر له أن ينعقد، إلى أحد خيارين: إما تعجيز التوصل إلى أي حل آخر غير إبقاء النظام السوري أو في أفضل الأحوال فرض نظام يكون نسخة معدّلة منه. وإما دفع الابتزاز إلى حدوده القصوى بوضع مطالب روسيا والصين وإيران ومتعلّقاتها بدول أخرى في سلّة واحدة بحثاً عن صفقة كبرى متكاملة يصبح الشأن السوري فيها ثانوياً وموضع مساومة. قد يبدو الخيار الآخر خيالياً أو مغرياً لكنه ينطوي بدوره على تعجيز، لأنه يوسّع الإطار ليطرح تسوية مركّبة ومترامية الأطراف بين حلف الأطلسي و»منظمة شنغهاي» وريثة حلف وارسو. وعلى ذلك يجب ألا تُعلّق آمال كبيرة على أي لقاء قريب بين الرئيسين الأميركي والروسي، ولا على المفاوضات النووية بين مجموعة الدول الـ 5+1. فالروس رفعوا السقف عالياً وأصبحت تنازلات إيران النووية في عهدتهم مقابل العقوبات المفروضة عليها، كما أنهم والصينيين يحتاجون إلى إيران إذ يستعدّون لإعادة ترتيب الأوضاع في آسيا الوسطى بعد الانسحاب الأميركي - الغربي من أفغانستان.

كيف يمكن والحال هذه التوصل إلى تسوية قريبة تحقن الدماء وتؤمن الاستقرار في سورية. الواقع أن الدول الغربية تعاملت مع الأزمة حتى الآن بإظهار الاهتمام الأخلاقي والإنساني بأوضاع الشعب السوري، لكنها استهلكته وتوشك على استنفاده، ولا تستطيع المضي قدماً من دون استراتيجية واضحة تتعلق بسورية وكذلك بمجمل الشرق الأوسط. مرةً أخرى يظهر الخلل الذي خلّفه الغرب بانقياده وراء إسرائيل في الإحجام عن توقيع اتفاق سلام مع سورية والتلكؤ المتعنت في حل القضية الفلسطينية. ولعل مردّ صمت إسرائيل طوال الأزمة إلى إدراكها هذا الخلل وعدم لفت النظر إليه، فلو اندلعت الانتفاضة الشعبية السورية في ظل سلام مع إسرائيل لكان موقف النظام مختلفاً إقليمياً وحتى دولياً. فجأةً، يوم الأحد الماضي، خرج بنيامين نتانياهو وشاؤول موفاز عن صمتهما ليدينا المجازر في سورية، وشيمون بيريز ليتمنى انتصار الشعب السوري، وفجأةً بدأت إسرائيل تطالب بـ «تدخل عسكري خارجي» وكأنها استشعرت وجوب التدخل في «بازار» المعالجة الدولية الجارية للأزمة لعل هناك ما يمكن أن تكسبه أكثر من كونها ضمنت هدوء الجبهات مع «دول الطوق» العربية لفترة طويلة آتية.

تؤكد الدول الغربية يومياً «عدم التدخل» في سورية رغم اقتناعها بضرورته لكن حماية المدنيين ووقف اراقة الدماء لا يمكن أن يشكلا أهدافاً حقيقية وموجبة للتدخل، خصوصاً أن هذه الدول لم يكن لها وجود على الساحة السورية. ففي مقابل عجزها الواضح تشهد أن روسيا وإيران تتدخلان وتجاريان النظام السوري في استهزائه بالاعتبارات الأخلاقية. أكثر من ذلك، انهما تتوقعان من الغرب وحلفائه العرب أن يدفعوا ثمن تسهيلهما «حلاً» تشترطان أن يكون لمصلحتهما ويضمن مصالحهما إما بالإبقاء على النظام أو بأي صيغة تناسبهما لـ «ما بعده». لكن ما الذي يدفع الدول الغربية، في هذه الحال، إلى شراء تسوية أو إلى تقديم تنازلات للحصول عليها، بل مقابل ماذا؟ لا شيء، هذا يعني فقط أن شروط «الصفقة» غير متكافئة، بل غير متوافرة. فلو تعلق الأمر بـ «أمن إسرائيل» لكانت الدول الغربية بذلت كل المستطاع لضمانه، لكن روسيا والصين لم تقتربا من هذا الخط الأحمر. ولا تجد الدول الغربية وإسرائيل موجباً للتدخل طالما أن الحاصل في سورية - بما فيه التدخل الروسي والإيراني - يصب في مصلحتها، وكل ما عليها أن تفعله هو الضغط لعدم تمكين النظام من سحق الانتفاضة. أما الخيار الأفضل الذي ارتسم لديها، ولم تسعَ إليه تجديداً، فهو ترك سورية تحترب وتحترق وتتفكك بأيدي النظام وبمساهمة غبية من الروس والإيرانيين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المدافعون عن النظام الفاشي في الوقت الضائع

بدرالدين حسن قربي

إنعقاد المؤتمر القومي العربي الثالث والعشرين في تونس قبيل أسبوع، والبيان الذي صدر عنه بما يتعلق بسوريا، وماكان فيه من كلام، يُظهر المؤتمرين على اختلاف مشاربهم، في حالٍ يساوون فيها بين النظام الجلاد الذي يمتلك أعتى آلات القمع، والشعب السوري الضحية التي واجهت من اليوم الأول لخروجها هاتفةً للحرية والكرامة، أشد أنواع العنف والقتل المتوحش. ويُظهرهم أيضاً وكأنه لاعلم لهم بمئات الألوف من قتلى وضحايا وجرحى ومشردين ومهجرين ولاجئين، وذلك عندما يؤكّدون على رفضهم أي شكل من أشكال التدخل الخارجي، ودعوتهم لقوى المعارضة لتوحيد موقفها من أمر التدخل وعسكرة الانتفاضة والذهاب إلى الحوار مع سفّاحهم وسارقهم، الذي دعوا إلى فك الحصار ورفع العقوبات عنه.

مختصر بيان المؤتمر تأكيد على أن القوميين العروبيين على اختلافاتهم اليسارية والليبرالية والعلمانية والإسلامية، ومَن معهم من مثقفين ومفكّرين ومُنظّرين، انتقلوا فيما بدا لنا من نظرية التفسير المادي للتاريخ إلى التفسير المقاوم والممانع له من خلال الثورة السورية، ليقرؤوا علينا مزامير التآمر والمؤامرات الصهيو أمريكية على قلعة الصمود العربي والمقاومة في الأمة، رغم أن ثورة السوريين المشهود لهم بالوطنية هي كغيرها من ثورات الربيع العربي، اندلعت على نظامٍ، الفساد فيه يتبدّى، والاستبداد يتحدّى، مَطلبها استرداد حرية سليبةٍ وكرامة مغتصبة في وجه قهره وديكتاتوريته ونهبه، ولم تكن يوماً على مقاومته وممانعته ولا على تحالفاته، بل هي لحريتهم وكرامتهم، فالشعب بدّو حرية. ولولا ذلك لما تحرك أحد، رغم أن السوريين راهنوا كثيراً على وعود النظام بالإصلاح، وإنما عترسته ورفضه الدائم بتعذرات انشغالاته الإقليمية والتهديدات الخارجية، جعل السوريين رهائن لديه وعبيداً في وطنهم، بل وجعل من ردّه على تظاهراتهم أليماً فاجعاً ولئيماً متوحشاً موغلاً في دمويته.

يسجل على أصحاب وأنصار المشروع المقاوم ومؤتمرهم أيضاً، أنهم وباعتبار لاصوت يعلو على صوت المعركة، لم يرفعوا صوتهم بالنصح للنظام الممانع ولو بالتخفيف من قمعه وفساده، وبدا جميعهم في المآل داعمين لنظام فاشي، يستخدم قوته العسكرية الباطشة المتمترسة خلف قضية فلسطين العادلة في حرب إبادة ضد مطالب شعبية محقّة، وغدَوا بتأكيداتهم ودعواتهم واصطفافاتهم كهنةَ الاستبداد وأحبارَ القمع، الذاهبين بأرجلهم لقطيعة قادمة مع شعبٍ لم يأخذوا على يدي سفّاحه وجزّاره ولو بالسكوت.

إن السوريين، بتجربتهم مع نظام أوصلهم إلى مقاومةٍ تذبح أطفالهم وتقتل نساءهم ورجالهم، وتدمَر عليهم مساكنهم ومدنهم، ينادون على أصحاب مشروع المقاومة في الأمة ومؤتمرهم: إن ضرورة المشروع المقاوم في الأمة وحتميّته هي في الدولة الخالية من القمع والإرهاب والتجويع، والنظام الذي يحفظ الكرامات ويُشيع الحريات، ومن ابتغى غير ذلك فإنه يريد لنا وقد خلقنا الله وولدتنا أمهاتنا أحراراً، أن نتعاطى مقاومته أفيوناً ليجعل منّا عبيداً يمارِس علينا استبداده وفساده وأبشع قباحاته. ومن ثم فمشروعه وخطابه ومؤتمره مردود عليه، لأننا لانبتغي أنظمة فاشية تتلطّى بالمقاومة، ولا قادةً قَتَلة يتدثّرون بالممانعة، ولا مشروعَ مقاومةٍ أو نهوض تنعدم فيه الحرية والعدالة والكرامة.


http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=y1zlxuxn6Cc

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=7i-TMGmP1-8

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=yqqZrR3W-DM

http://www.youtube.com/watch?v=tf1NuORPXIg&feature=youtu.be

http://www.youtube.com/watch?v=nsutp4uYlOM

http://www.youtube.com/watch?v=u3U-CKi7fAc&feature=player_embedde

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

يرفضون دفن مبادرة أنان

حسين العودات

التاريخ: 16 يونيو 2012

البيان

أعلن كوفي أنان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مؤتمر صحافي عقده مع هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية، أن مبادرته، لم تلاق النجاح، دون أن يعترف صراحة بفشلها.

وأكد أن الخلل يكمن في التطبيق وليس في المبادرة نفسها، ونزع أنان إلى تشكيل لجنة اتصال من دول إقليمية ومن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وبعض دول الاتحاد الأوروبي مهمتها إحياء المبادرة، والبحث عن سبل جديدة لتطبيقها.

وفي الوقت نفسه أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن السياسة الروسية لا تصر على استمرار الرئيس الأسد في منصبه، لكنها تشترط أن يوافق الشعب السوري كله على تنحيته، وهذا أمر متعذر التحقيق بديهياً. لأنه ما من رئيس في العالم يجمع شعبه على تنحيته أو انتخابه.

ولنا مثل قريب في الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي حصل على نصف أصوات الناخبين فقط، وبالتالي فإن لافروف يعرف استحالة تحقيق الشرط الذي وضعه، وأكد أن سياسة بلاده والسياسة الصينية أيضاً ترفض تغيير السلطة السورية بالقوة.

وهذا أمر لم يطرحه أحد لا من أعضاء مجلس الأمن، ولا من أعضاء حلف شمال الأطلسي، ولا من الجامعة العربية، وبالتالي فهو رد على أمر افتراضي، ورأى لافروف أن الحل يكون بعقد مؤتمر دولي مصغر لبحث الأزمة السورية، يضم الذين اقترحهم أنان للجنة التواصل بالإضافة إلى مشاركة إيران.

حيث ردت دول عديدة برفض مشاركتها لأنه لا صفة رسمية لها، فهي ليست دولة مجاورة، ولا دولة من دول الجامعة العربية، ولا عضو دائم في مجلس الأمن، ومن الواضح أن اقتراح أمر مشاركتها هو أمر تعجيزي وخطوة تهدف إلى تحقيق رفض المقترح برمته من الدول الغربية.

ورغم أن مبادرة لافروف أتت بعد خطاب أنان أمام الجمعية العامة وهي تخلو من أي جديد، ولكنه مع ذلك أصر عليها مما جعل معظم المراقبين يشيرون إلى أن السياسة الروسية لم تطرح هذا المقترح للوصول إلى حل جدي للأزمة السورية بل لكسب الوقت وإعطاء السلطة السورية مهلة جديدة، تجعلها تفلت من قرارات محتملة من مجلس الأمن تؤخذ حسب الفصل السابع.

والملفت للنظر أن لافروف تحدث في مؤتمره الصحافي عن الطائفية والطوائف السورية وأشار إلى أخطار مفترضة (وموهومة ولا تخلو من الخيال) تحيق بالأقليات الطائفية السورية والأقليات الإثنية أيضاً، وأصر على أن المعارضة التي تواجه النظام تشكل خطراً على هؤلاء جميعاً.

ولذلك برر دعمه للسلطة السورية القائمة بحجة أنها سلطة علمانية وغير طائفية وحامية للأقليات. ويسخر العارفون بالشأن السوري والمحللون السياسيون من مثل هذه الأفكار لأنهم غير مقتنعين البتة لا بخطورة أي نظام بديل على الأقليات في سورية .

ولا بحماية النظام الحالي لها. ولأن الصراع في سوريا حتى هذه الساعة هو ليس صراعاً طائفياً أو إثنياً إنما هو انتفاضة شعبية حقيقية تطالب بتغيير النظام إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي يحترم معايير الدولة الحديثة والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان وقد أكدت جميع أطراف المعارضة السورية أن مرجعية المواطنة هي المرجعية الوحيدة الهادية لها وتتمسك بها وترفض أية مرجعية غيرها.

وبالتالي يرى الجميع أن الموقف الروسي، هو في الواقع وسيلة لإعطاء مهلة جديدة للنظام، حتى أنه لا يبحث عن مصالح روسيا (وكانت جميع فصائل المعارضة السورية قد أكدت للسياسة الروسية أنها ستحترم مصالح روسيا في أي نظام مقبل دون أي نقصان في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والتسليحية والاستراتيجية وغيرها). ومع ذلك فقد أصرت سياسة لافروف على أطروحاتها الافتراضية وأوهامها مما أدى إلى فقدان روسيا مصداقيتها لدى الشعب السوري و(الشعوب العربية) وفقدان رصيدها الذي كونته السياسة السوفييتية خلال عدة عقود.

بعد أسبوعين من تكليف أنان بمهمته، وبعد عرض مبادرته، تسربت أخبار صحافية مفادها أن كوفي أنان تقدم بمشروع موازنة وطلب مخصصات مالية لمهمته لمدة عام كامل وليس لثلاثة أشهر كما هو قرار تشكيل مجموعته، ويدل هذا على أنه كان ينوي منذ اللحظة الأولى أن يمضي عاماً كاملاً عارضاً مهمته بين أخذ ورد.

وأنه يدرك قبل غيره أن مدة الأشهر الثلاثة التي أعطيت للمبادرة ماهي إلا ذر للرماد في العيون، وعليه فإن موقفه الجديد بوضع الخلل على التطبيق. واقتراح تشكيل مجموعة اتصال هدفه إطالة مدة المبادرة وإعطاء السلطة السورية مهلة جديدة قد تصل إلى عام كامل، بانتظار أن يصل الكبار إلى اتفاق يفضي إلى حل شامل وناجع.

يفرض أمران نفسيهما على أي مراقب ومحلل للأزمة السورية، أولهما أن حل هذه الأزمة لم يعد بيد الشعب السوري، سواء توحدت فصائل المعارضة والحراك الشعبي فيه، أم تسلحت الانتفاضة أم تعسكر الصراع، وإنما أصبح هذا الحل بيد القوى الأخرى أو الدول الأخرى خارج الحدود.

وعلى الشعب السوري أن ينتظر اتفاق هذه الدول تمهيداً لحل أزمته الداخلية وأن يقبل بلعب دور ثانوي فقط. وثاني الأمرين أن جميع الأطراف ذات العلاقة في الشرق والغرب والشمال والجنوب تتعامل مع الأزمة السورية بتمهل وصبر و(طول بال) ودون أن ترى أن دماء الشعب السوري تنزف يومياً بغزارة، ويقدم السوريونً عشرات الضحايا ولا أحد يهتم جدياً بهم. والجميع يعلم أن مبادرة أنان ماتت فعلياً، لكنها لا تجد من يدفنها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ادعموا "الجيش السوري الحر"...

علي حماده

2012-06-16

النهار

فيما تتزاحم الدعوات من كل حدب وصوب لعقد مؤتمرات عن الازمة السورية، من موسكو الى باريس الى جنيف فإسطنبول، تستمر المعركة الكبرى على ارض سوريا نفسها حيث السباق بين نظام بشار الاسد والثورة: الاول يعلل النفس بالحسم ولا يحسم، والثانية تعمل على كسر موازين القوى من دون ان تتمكن من كسر الماكينة العسكرية للنظام. ثمة وضع على ارض الواقع يخيف كل المتدخلين من الخارج. فداعمي بشار وفي مقدمتهم الروس والايرانيون يكتشفون يوما بعد يوم ان الحسم العسكري مستحيل، لان الاختلال في الميزان العسكري تعوضه البيئة الواسعة والحاضنة للثورة. اما داعمو الثورة فيكتشفون ان بشار ما عاد يعمل لاستعادة سوريا كدولة فقدها، ولكنه يعمل على رسم حدود دويلته العلوية بكل ما اوتي من قوة وامكانات، مشعلا نزاعا طائفيا مذهبيا وصل الى نقطة متقدمة يستحيل معها اعادة توحيد البلاد بالسهولة التي يظنها بعض، حتى لو سقط بشار، فان اجرامه واجرام نظامه وإرثه السيئ قد اوصلت سوريا الى مكان مظلم، لا بل مظلم جدا.

في الاشهر الاولى للثورة في سوريا كان يقال في بعض العواصم الكبرى ان اسقاط نظام بشار الاسد سوف يدفع سوريا الى المجهول والمنطقة الى الكارثة، اما اليوم فإن كل يوم يتأخر فيه سقوط النظام (وهو محتوم) تقترب معه سوريا من المجهول والمنطقة من الكارثة. ان التعجيل في اسقاط النظام هو اولوية الاولويات. ويتطلب ذلك رفع منسوب دعم العرب لـ"الجيش السوري الحر" بالمال والعتاد والمعلومات الاستخبارية ( الاقمار الاصطناعية الغربية)، مع التركيز على نوعية تسليح متطورة تأخذ في الاعتبار ان بشار يستخدم الطيران الحربي في حربه ضد السوريين، مما يستدعي تسليحا لمواجهة سلاح الهليكوبتر والمقاتلات الحربية. ان بشار ذاهب لا محالة نحو محاولة احراق سوريا بأسرها. ولن يخرج من دمشق بالسياسة ولا بالمؤتمرات الدولية كالتي يسوّق لها الروس. لن يرحل بشار الا بحرب تحرير. ومن هنا يقيننا ان هذه هي حرب تحرير كاملة الاوصاف. ولا تقل مجدا عن مطلق حرب تحرير ضد المستعمرين او حتى ضد العدو الاسرائيلي. لا فرق بين بشار وشارون ولا فرق بين مشروع دويلة يحاول رسم حدودها بدماء اطفال ونساء وشباب وشيوخ في سوريا، والمشروع الصهيوني الذي قام على جماجم الفلسطينيين.

ان حرب التحرير في سوريا لا تقل وطنية عن حرب التحرير في الجزائر، او المقاومة في وجه اسرائيل. ولذلك فإن الارض هي التي ستفرض في النهاية المعادلة الاقوى، وهي التي ستلد سوريا المستقبل.

ادعموا "الجيش السوري الحر" تلك هي وصي الاحرار في هذا الوطن العربي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا مشاركة إيران؟!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

16-6-2012

الأفضل ،بالنسبة لمجموعة الاتصال المقترحة المتعلقة بالأزمة السورية، إذا كان لابد من تمثيل إيران أن يجري تمثيل بشار الأسد نفسه وأيضاً تمثيل حزب الله وتجمع دولة القانون وذلك كي تكتمل هذه الحلقة طالما أن روسيا تصر على المشاركة الإيرانية في هذه المجموعة التي من المفترض أن تضم خمسة عشر دولة من بينها الصين والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وتركيا وبعض الدول العربية.

وحقيقة أن الذين يرفضون مشاركة إيران في هذه اللجنة ويعتبرون مشاركتها كمشاركة نظام الرئيس بشار الاسد نفسه معهم كل الحق فدولة الولي الفقيه متورطة ومنذ اليوم الأول في الوقوف الى جانب هذا النظام ضد شعبه بالمال والسلاح وبالمقاتلين وبالخبراء والمخبرين والمخابرات ولهذا من غير معقول أن تكون هناك مثل هذه المشاركة وإلاّ فإنه من الأفضل أن تَعقِد هذه اللجنة اجتماعاتها إمّا في طهران أو في دمشق وأن تقتصر على أطراف كذبة «الممانعة والمقاومة» بالإضافة الى دولة «الرفيق فلاديمير بوتين» والصين التي غير مفهوم كيف تورط نفسها في هذا الاصطفاف الى جانب نظام بائس لا يشبهه إلاّ نظام كوريا الشمالية.

لا ضرورة أن تكون هناك لجنة اتصال حقيقية كالتي شُكلت لمعالجة أزمة البلقان وقضيتي البوسنة وكوسوفو إذا كان لابد من تمثيل إيران المتورطة في الأزمة السورية حتى ذقنها فإنه من الأفضل في هذه الحالة أن تكون هذه اللجنة لأصدقاء بشار الاسد ونظامه وأن تَعقد إجتماعاتها إن ليس في دمشق ففي طهران أو في دويلة حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية وهنا فإنه ليس ضرورياً بالنسبة لهذا الإقتراح الأخير أن يُستَأْذَن لا رئيس الجمهورية اللبنانية ولا رئيس وزرائه.

إنها مسألة معقدة والمعادلة التي تُصرّ عليها روسيا لا تشبهها إلاّ معادلة :»الجمل والهر» في تلك الحكاية المعروفة إذْ من غير الممكن أن تقبل الأطراف العربية من خلال «الجامعة» أو من خارجها بأن تلعب ايران دور «الخصم والحكم» في وقت واحد كما أنه لا يمكن أن تقبل لا الولايات المتحدة ولا الدول الأوروبية المعنية بهذا الإقتراح الروسي التعجيزي اللهم إلاّ إذا تم التوصل إلى اتفاق مسبق من خلال الإتصالات الجانبية على رحيل الأسد وكل نظامه بعد فترة انتقالية بإشراف الأمم المتحدة لتجري بعد ذلك وعلى الفور انتخابات تشريعية ورئاسية يقرر فيها الشعب السوري مستقبل بلده بنفسه.

والمثير للاستغراب أن كوفي أنان الذي ساعد الروس على اقتراح لجنة الإتصال هذه وعلى مشاركة ايران فيها يحاول الآن البحث عن صيغ «ترقيعية» لتمرير هذا الاقتراح البائس من بينها عدم مشاركة ايران والمملكة العربية السعودية ،وهذا عربياً يجب أن يكون مرفوضاً بصورة مطلقة وبلا أي نقاش، ومن بينها أيضاً اقتصار المشاركة في هذه اللجنة على الدول المجاورة لسورية أي تركيا والعراق والأردن ولبنان.. والمفترض إذا كانت هناك جدية في مثل هذا الطرح أن تضاف الى هؤلاء أيضاً السلطة الوطنية الفلسطينية.

إن كل ما تريده روسيا بإضافة إيران الى مجموعة الإتصال المقترحة هذه هو إيجاد معادلة شرق أوسطية جديدة وإدخال دولة الولي الفقيه ،التي لم يعد هناك شك في أنها تسعى للهيمنة على هذه المنطقة، في هذه المعادلة وهو أيضاً التلاعب بهذا المأزق الخطير الذي تمر به سوريا لإنتشال نظام بشار الاسد من مصير بات مؤكداً ومحسوماً وهذا لا يمكن أن يقبل به الشعب السوري حتى وإن قبل به بعض اللاعبين الرئيسيين من الخارج!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القشة الروسية تفلت من يد دمشق

سامح المحاريق

الرأي الاردنية

16-6-2012

كانت الحروب سابقا تندلع عندما تعلن أي دولة أو مجموعة الحرب على دولة ما، ولم تكن هناك حاجة لما يعرف بالشرعية الدولية، وكانت المؤتمرات الدولية التي تعقد مثل مؤتمر سان ريمو بعد الحرب العالمية الأولى، ويالطا بعد الحرب الثانية، تقوم بتقسيم الغنائم، وفي الوقت نفسه تعلن عن قيام نظام دولي جديد بناء على التوازنات التي أنتجتها الحروب، والأمم المتحدة كانت محصلة الحرب ونتيجتها، وكان مجلس الأمن هو المعادلة الأساسية للمنظمة الدولية.

اليوم تلتزم الدول الكبرى بخوض الحروب تحت غطاء الشرعية الدولية، ومضى ذلك ليصبح عرفا منذ حرب الخليج الثانية، وكانت الولايات المتحدة تمتلك قدم السبق والسيطرة على بقية الدول التي تمارس دور الكومبارس، وتغير الموقف ليشهد مساحة أكبر من المشاركة للأوروبيين في العمليات العسكرية ضد نظام القذافي، فكانت فرنسا وانجلترا وايطاليا تطالب بحصص من الغنيمة الليبية.

أمام الوضع السوري تجمدت الشرعية الدولية، فالدب الروسي ومن ورائه الصين يدفعان بتحذيرات صريحة ومبطنة من ضرب سوريا، فبعد أن فقدت روسيا حليفها اليوغسلافي في المتوسط، تبدو وأنها بحاجة لموطئ قدم في المنطقة، والنظام السوري مستعد لأن يدفع أي مقابل من أجل الاستمرار، وهذه الوضعية لم تجربها روسيا مع أي بلد في السنوات الأخيرة، فحتى الجمهوريات التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي لا تبدي مواقف ضعيفة أمام الروس، ويتذكر الروس كيف جرت تسوية ملف جورجيا قبل عامين، بينما السوريون يتعاملون مع موسكو على أساس أنها القشة التي يتعلق بها الغريق، فهل تكون دمشق هي القشة التي تقصم الظهر الروسي؟

إلى أي مدى يمكن أن يعطل الروس التوافق الدولي على ضرورة إجبار النظام السوري عن كف يديه عن المدنيين والتوقف عن المذابح التي أصبحت تمثل كابوسا لحلفاء سوريا؟ والمشكلة، على ما يبدو، أن عجلة إدارة الوضع أفلتت من القيادة السورية، الأمر الذي يدفع الروس لعرض الصفقة الكبرى لترحيل الرئيس الأسد ورؤوس النظام، وإعادة إنتاج نظام سوري يضمن التوازن في محيطه.

الأهمية الاستراتيجية لسوريا تكمن في إمكانية مد خطوط النفط والغاز العراقية والخليجية تجاه المتوسط، وبالتالي التضييق على روسيا التي تبدو مسيطرة على الامدادات الأوروبية من الغاز، بحيث تستطيع أن تسيطر على أوروبا الشرقية ومواقفها، ومجموعة الدول الاسكندنافية، وليس مسموحا لروسيا بأن تتخطى ذلك، وهو ما جرى تمريره أمريكيا في الأزمة الأوكروانية.

الشرعية الدولية في جوهرها هي لعبة تقاسم للنفوذ والمكاسب الدولية، ويدخل السوريون على خط تهديد المصالح بين الدول الكبرى، وإذا كان الروس يستطيعون مضايقة الأمريكيين في سوريا، فإن الأمريكيين يمكنهم أن يضايقوا الروس في موسكو وأمام أسوار الكرملين، لأن الانتخابات الروسية الأخيرة أفرزت وضعا سياسيا قلقا، والواقع، أن الأمريكيين يمتلكون العديد من مفاتيح الضغط على روسيا من الداخل تعتمد على تجربتهم في الحرب الباردة.

حاول الروس أن يمنحوا النظام السوري الفرصة للتعامل مع الموقف، ولكن الدولة البوليسية يستحيل أن تفكر بطريقة غير أمنية، والقرار في دمشق في يد حفنة من الرجال، لا تشكل المؤسسات سوى غطاء لنفوذهم، وبالتالي، فإن مصير سوريا يتوقف على مواهبهم وخبراتهم الشخصية وليس على منهجية منتظمة لاتخاذ القرار، والعد التنازلي سيبدأ فعليا مع اتاحة الروس الطريق أمام ما يسمى بالشرعية الدولية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عبد الباسط سيدا والامتحان الوطني العصيب

هوشنك أوسي

الشرق الاوسط

16-6-2012

انتخاب المجلس الوطني السوري للدكتور عبد الباسط سيدا، رئيسا له، وفي هذه المرحلة الحساسة واللحظة الفارقة التي تمر فيها سوريا وثورتها على «طاغية الشام»، أتت مفاجئة لكل الكرد السوريين. ومرد التفاجؤ الأبرز كان، في ما قيل ورُوِّج بين الكرد السوريين، عن دور وتأثير تركيا على المجلس الوطني، ورفضها الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي السوري، وتضمين حقوقه القومية والثقافية، في سوريا ما بعد الأسد، دستوريا. ذلك أن تركيا، وبعد صراع مرير مع أكرادها، منذ سنة 1925 (انتفاضة الشيخ سعيد بيران النقشبندي على الدولة التركية) ولغاية اللحظة، لم تعترف دستوريا بوجود شعب كردي، يقدر تعداده بما يزيد على 20 مليون شخص، على أراضيها! وعليه، صحيح أن انتخاب سيدا، وموافقة تركيا على ذلك، هو «صفعة» لكل من كان وما زال يقول: «تركيا ترفض الحقوق الكردية في سوريا»، وصحيح أيضا، أن الموقف التركي هذا، لا يعني البتة، أنها لا تضطهد وتقمع أكرادها. ذلك أن الأصل، أن تعترف تركيا بحقوق أكرادها، لا ألا تعارض حقوق أكراد البلدان المجاورة. فعلاقات تركيا المنتعشة مع كردستان العراق، لم يكن لها مردودها السياسي والقانوني والدستوري على تحسن علاقة تركيا بأكرادها. وكذلك، حين كان نظام حافظ الأسد، يدعم حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، لم يكن يعني ذلك، مطلقا، أن الأسد الأب، كان «سمنا على عسل» مع أكراد سوريا، وأن حافظ الأسد «صديق الشعب الكردي»، كما كان وما زال يحلو لبعض الكرد، اجترار هذه الأكذوبة!

لا يمكن في أي حال من الأحوال، وفي زمن الثورة على ذهنية الاستبداد، والاستئثار بحكم الأوطان والشعوب، وفق حجج واهية، منافية لأبسط قواعد الديمقراطية، من طينة: يجب أن يكون رئيس سوريا عربيا لأن العرب هم الأغلبية، ومسلما لأن الإسلام هو دين الأغلبية في البلاد، وسنيا لأن المذهب السني هو مذهب الأغلبية في سوريا. وعليه، فإن انتخاب الكردي عبد الباسط سيدا، كان نقلة نوعية، وخطوة وطنية في الاتجاه الوطني الديمقراطي للمعارضة السورية، ينبغي الترحيب بها وتشجيعها والحض عليها وترسيخها لما لها من أثر إيجابي نوعي على تطور الوعي الديمقراطي الوطني في المعارضة السورية.

وفي الوقت عينه، لا يعني انتخاب سيدا؛ أن المعارضة السورية، قد طوت، نهائيا، صفحة ذهنية العصبيات القومية والدينية والمذهبية، بشكل أوتوماتيكي! هذه الخطوة المهمة والاستراتيجية، هي مؤشر على أن القوة الوطنية السورية المعارضة، تسير نحو إعادة إنتاج الحقبة الوطنية، منتصف الخمسينات، التي لم يسأل فيها الشعب رئيس دولته أو رئيس حكومته عن قوميته ودينه ومذهبه، مما جعل فارس الخوري يتولى رئاسة الوزراء ثلاث مرات، كان آخرها سنة 1954، وتسلم فوزي سلو رئاسة الجمهورية سنة 1951. وقبلهما، أول رئيس دولة منتخب في سوريا، هو محمد علي العبادي (الكردي) سنة 1932.

خطوة انتخاب سيدا، بالتأكيد، ستلقى الرفض المزدوج، من بعض العصبيين والعنصريين الكرد والعرب في آن. فمن العرب، من سيقول: لا يمكن أن يتولى كردي رئاسة المجلس الوطني. لأن في ذلك تمهيدا لأن يتسلم كردي رئاسة سوريا ما بعد الأسد، ويتكرر السيناريو العراقي، حين تسلم جلال طالباني رئاسة العراق! وهذا الموقف، يستند إلى خلفية قوموية، شوفينية، مطعمة بالآيديولوجية الدينية أو اليسارية. وهكذا طرح، يتنافى تماما، مع أبسط مبادئ الدولة الوطنية الديمقراطية، التي لا يمكن إدارتها بذهنية الأغلبيات القومية والدينية، ذلك أن الوعي الوطني الديمقراطي والمدني، يسعى لتحقيق وإنجاز دولة وطنية، تشعر الأقلية، أيا كان نوعها، فيها بأنها الأغلبية، نتيجة انتفاء الفروق بينها وبين الأغلبية. زد على ذلك أن مبدأ الأغلبية في الدولة الوطنية المدنية الديمقراطية، قائم على الأغلبية السياسية تحت قبة البرلمان، وليس الأغلبية القوميّة والدينية والطائفية، ذلك أن الأخيرة، تنسف مبدأ الدولة الوطنية من الأساس، بجعلها دولة هشة، قوامها المحاصصة بين القوميات والطوائف.

على الطرف الآخر، يواجه عبد الباسط سيدا، هجوما شرسا من بعض القومجيين في الحركة الكردية السورية، بحجة أن سيدا، لا يمثل الكرد في المجلس الوطني، وبل يمثل شخصه، زد على ذلك اتهامه بأفظع وأشنع التهم. أما الفريق السياسي الكردي السوري الموالي لحزب العمال الكردستاني (حزب الاتحاد الديمقراطي)، فلن يستجد شيء على موقفه السابق المعادي لعبد الباسط سيدا، ذلك أن هذا الفريق دأب على تخوين سيدا، واتهامه بأنه «عميل تركيا»، وضد القضية الكردية في تركيا! ومعاد لـ«العمال الكردستاني»! وغالب الظن، أن وتيرة الاستهداف والتخوين من قبل هذا الطرف الكردي السوري، لعبد الباسط سيدا، ستزداد.

الحق أنه امتحان وطني وسياسي عصيب ومصيري، الذي يواجهه الأكاديمي الكردي السوري، والناشط السياسي المعتدل، عبد الباسط سيدا، وسط هذه التحالف غير المعلن، بين القومجيين العرب والكرد السوريين، ضد توليه رئاسة المجلس الوطني السوري، بالإضافة إلى تفاقم الأزمات الداخلية التي تعصف بالمجلس الوطني، وتشتت وتطاحن أطياف المعارضة السورية، وازدياد النظام السوري في وحشيته ضد الثورة. إنه امتحان تاريخي، لا يحسد سيدا عليه. وسط كل هذه الأجواء والأوضاع، تسلم سيدا هذه المسؤولية التاريخية، وفي هذه اللحظة العصيبة والمفصلية. والسؤال: هل سينجح في أداء مهمته بأقل الخسائر الممكنة، ويكون متجاوزا الأخطاء التي سقط فيها سلفه برهان غليون أم لا؟

ما هو مفروغ منه، أن نجاح سيدا في مهمته هو نجاح لكل قوى المعارضة السورية بشكل عام، ونجاح للكرد وباقي الأقليات القومية، على وجه الخصوص. وكذلك، فشله، هو فشل للكل، وانتصار لنظام القتل والنهب والتدمير والتصفية الوطنية الذي يديره الأسد الابن.

إذن، ليس سيدا وحده، الذي يخوض هذا الامتحان الوطني، بل كل مكونات الشعب السوري، وقواه الوطنية المعارضة. لذا، يتعين على الجميع، تهيئة كل الفرص والأجواء لنجاح مهمة سيدا، بدلا من وضع العصي في عجلاتها، وعرقلتها، واستهدافها.

* كاتب كردي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل ثمة حرب أهلية في سوريا؟ * ياسر الزعاترة

الدستور

17-6-2012

كثر الحديث عن الحرب الأهلية في سوريا خلال الأسابيع الماضية، إلى درجة بات المصطلح هو الأكثر شيوعا على ألسنة الناطقين والمتحدثين باسم الدول والهيئات في طول العالم وعرضه في معرض وصف ما يجري في ذلك البلد المنكوب بقيادته أكثر من أي شيء آخر.

والحق أننا إزاء مصطلح ينطوي على قدر من التضليل لأنه يهرب من التوصيف الأكثر دقة للأحداث في سوريا، والتي يمكن تلخيصها بكل بساطة بأنها ثورة شعبية تطالب بالحرية والتعددية، ولا تستهدف طائفة بعينها.

لم يخرج السوريون على بشار الأسد لأنه علوي، بل خرجوا عليه لأنه دكتاتور، تماما كما خرج التوانسة على بن علي، وكما خرج المصريون على حسني مبارك واليمنيون على علي عبد الله صالح.

كما أن حكم الأسد لم يعد في سنواته الأخيرة يمثل طائفة، بقدر ما يمثل أسرة بعينها، ومعها عددا من المحاسيب الذين يدورون في فلكها، وكثير منهم من السنّة. صحيح أن المؤسسة الأمنية والعسكرية كانت ذات صبغة طائفية في الأعم الأغلب (قلة قليلة من السنة مثلا هم من كانوا يتجاوزن رتبة عميد في تلك المؤسسة كي تظل أكثر ولاءً للنظام)، لكن ذلك لم يكن هو سبب الثورة التي جاءت جزءً من الربيع العربي وليست ثورة طائفية.

من المؤكد أن البعد الطائفي كان حاضرا في وعي كثير من الناس، والثائرين منهم على وجه الخصوص، لكن ذلك لا يغير في طبيعة الثورة ولا أهدافها، ولا السياق السياسي العربي الذي جاءت على خلفيته.

الحرب الأهلية وفق ما هو معروف هي حرب بين طائفتين، أو عدد من الطوائف والأعراق بسبب نزاع حول السلطة والثروة، أي أنها تستبطن منذ الأساس هذا البعد، وبالتالي فهي تمارس في الغالب التطهير الطائفي والعرقي أثناء فعلها اليومي.

اليوم هل يمكن القول فعلا إن ما يجري هو حرب أهلية بين طائفة السنة التي تشكل أكثر من ثلاثة أرباع السكان، وبين الطائفة العلوية، أو بين الأولى وبين العلويين ومن يساندهم من الأقليات الأخرى؟!.

كلا بالتأكيد، فالثوار لم يخرجوا في سياق طائفي، وهم لا يمارسون التطهير الطائفي، وما وقع إلى الآن على هذا الصعيد لا يعدو أن يكون ردود فعل جانبية جراء استفزاز الطرف الآخر الذي وضع نفسه في مربع النظام ومارس أبناؤه القتل في صفوفه، أكانوا جزءً من الجيش والأجهزة الأمنية، أم عملوا ضمن جحافل الشبيحة الذين يعلم الجميع أن أكثرهم ينتمون إلى الطائفة العلوية.

بل إن النظام نفسه لا يفرق في التعاطي مع المعارضين على أساس طائفي، ولو عارضه علويون لما تردد في قمعهم، وفي تاريخه القريب والبعيد عدد من المعارضين العلويين والمسيحيين الذين جرى التنكيل بهم دون رحمة.

المشكلة أن الأقليات الأخرى من غير العلويين لم تساند الثورة بشكل واضح، بل مال أكثرها إلى النظام بدعوى الخوف من البديل، وهو ما أدى عمليا إلى أن يكون القتل مركزا في الجانب السني، الأمر الذي استفز المشاعر الطائفية، وبالتالي الخطاب الطائفي في الداخل السوري، وقبل ذلك وبعده في السياق العربي بعد انحياز المنظومة الإيرانية وحلفائها للنظام على أساس مذهبي واضح.

ما نريد التأكيد عليه هو أن ما يجري ليس حربا أهلية، بل ثورة شعبية يخوض فيها الناس معركة ضد نظام مجرم لم يتردد في قتل الناس وارتكاب المجازر بلا هوادة، ومن يقولون بنظرية الحرب الأهلية إنما يساوون بين الضحية والجلاد، وبين القاتل والمقتول، وهذا ظلم كبير في واقع الحال.

أيا يكن الأمر، فقد ثبت اليوم بما لا يدع مجالا للشك أن النظام ساقط لا محالة، وأن إرادة السوريين ليست في وارد التراجع أمام سطوة بطشه وجبروته، ولعل ذلك تحديدا هو ما دفع ويدفع كثيرين إلى الحديث عن السيناريو اليمني؛ ليس رغبة في إنقاذ السوريين من القتل، وإنما خوفا من انتصار مؤزر للثورة، لا يؤكد استمرار مسيرة الربيع العربي فقط، بل يشكل من جهة أخرى تهديدا للكيان الصهيوني، لاسيما إذا تحقق الانتصار من خلال فعل عسكري تقوده جبهات وكتائب لا سيطرة لأحد عليها. وما الحديث اليومي عن الأسلحة الكيماوية واحتمال سقوطها بيد الثوار سوى دليل على ذلك.

في المشهد السوري ثمة جلاد وضحية، وثمة ثوار ونظام مجرم، وليس ثمة حرب أهلية وفق التوصيف المتعارف عليه. لكن النتيجة واحدة وهي أن إرادة غالبية الشعب ستنتصر على الجلاد، وعلى من يصطفون إلى جانبه في آن.

التاريخ : 17-06-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : بشار الجعفري يثني على تقرير مود ... ماذا يقول السوريون ؟! .. زهير سالم*

حسم السيد مود أمره . حين علق عمل أعضاء بعثته خوفا على سلامتهم . وأعلن أنه باق على صدر الشعب السوري لأسباب وصفها بأنها أخلاقية !!! ثم قدم تقريره الذي كسب به رضى البشارين الأسد والجعفري معا ، غير مبال بأشلاء الأطفال المبعثرة في الحولة والقبير أو الرءوس المقطعة في حمورية بريف دمشق ، ودون أن توحي له هوية الضحايا بأي دلالة .

 

منذ أول يوم تقدم به السيد كوفي عنان بمبادرته أدرك المعنيون بها من المواطنين السوريين حجم الثغرات العملية الكبيرة  فيها . كان الخلل كبيرا وكافيا في تقدير الكثيرين لشل عمل القائمين على المبادرة ، وإفراغها من بعض الإيجابي في مضمونها . وكان في رأس تلك الثغرات غياب الآليات الملزمة ، والمعينة على الحضور المفيد في الزمان والمكان المناسبين . قال عنان يومها سنستعين بأسطول من المروحيات الأممية ثم نسي !!!

 

ثم جاءت طريقة السيد عنان والسيد مود في التعاطي العملي لتنفيذ بنود المبادرة في الواقع فزاد الخرق اتساعا . لقد نزل السيدان مود وعنان على شروط  الجزار في كل ما اشترط فانحازوا ابتداء إليه على رضا أو على كره إذ لا فرق .  لقد أعطى السيد مود بل لعل ذلك كان من السيد عنان نفسه الفريق المتسلط الحق في إخضاع كل بنود المبادرة لأجندته . وتأطير حركة المراقبين بإرادته .

 

يكفي لنوضح حقيقة خضوع السيد عنان وفريقه لإرادة واشتراطات النظام السوري أن السيد عنان كُلف بمهمته بوصفه مندوبا دوليا وعربيا ؛  ولكن النظام السوري ظل وعلى لسان مسئوليه الكبار يؤكد أنه يرفض استقبال عنان بهذا الوصف ، وابتلعها الدبلوماسي الدولي الدمث جدا الذي يقال في مثله : رق حتى انخرق ، وانخرقت معه المبادرة التي يقوم عليها .

 

وكان السيد عنان قد كلف نائبه السيد ناصر القدوة بزيارة سورية للمشاركة في أداء دور في مهمته هناك ؛ ولكن الطرف المدلل في المعادلة السورية رفض استقبال السيد القدوة كما رفض استقبال كل المراقبين المحايدين من قبل فنزل السيد كوفي عنان والسيد مود على مشيئته .

 

وكلما أمعنا في الدخول في التفاصيل الواقعية الأدق  سنجد أن بعثة المراقبين لم تكن إلا مسننات تتحرك وفق آلية يتحكم فيها من جاء المراقبون ليراقبوه !! كان النظام يتحكم دائما في رؤية البعثة فلا يريها إلا ما يريد أن ترى ، ولا يسمح لها بسماع إلا ما يسمح بسماعه . ساعة استُدعي المراقبون إلى مجزرة الحولة باستغاثة حية ساخنة من الضحايا اعتذر المراقبون أن الجزار لا يسمح لهم بالحركة في الليل . وعندما أريد منهم أن يوثقوا ما حصل في القبير لم يسمح لهم المجرمون بالوصول إلى مسرح الجريمة إلا بعد أن تم إعادة تأهيله وبعد ثمانية وأربعين ساعة على وقوع الحدث .

 

هل يمكن أن نجري التقويم لأداء السيد مود وننسى أنه نسي أن مبادرة السيد عنان تتكون من ست نقاط وأنه أصر على عمد عالقا في البند الأول متأرجحا على الحديث عن طلقات مدافع وقذائف طائرات وهدير دبابات وأصوات أسلحة فردية مجللة بنداء الله أكبر .

 

نسي السيد مود بنودا مهمة مثل إغاثة المدنيين والجرحى ، وإطلاق سراح المعتقلين ، وفتح أقطار سورية أمام الشهود العدول من العالم الحر ليكرر حديثه الممل عن طرفين يحتربان في جدلية العنق والسكين . ليسجل دائما احتجاجه على أعناق الأطفال السوريين أنهم تحت السكين يختلجون !!

 

أي تقرير موضوعي يمكن للسيد مود أن يقدمه من خلال كل ما سبق ومن خلال ظروف الأسر المقيد التي كان يتحرك فيها؟! ولماذا تقبل المعارضة السورية بشهود منحازين إن لم يكن في أنفسهم ففي الظروف التي فرض عليهم أن يعملوا فيها ، وفي قيامهم بحق ما يقتضيه كتاب تكليفهم الأولي ؟؟؟؟؟

 

 يغفل البعض أن على من تساهل في قبول المقدمات أن يقبل بالنتائج أيضا ، وهذا الذي ما زلنا ننبه عليه ونحذر منه ، منذ أن تماهى الكثيرون لامبالاة منهم مع مبادرة عنان .

 

لقد فُرضت مبادرة السيد كوفي عنان – التي هي مبادرة روسية في جوهرها – على الشعب السوري على كره منه . ولم تجد الهيئات والمنظمات المعبرة عن المعارضة السورية الثقة بالنفس المعينة على إعلان الرفض لهذه المبادرة . الثقة بالنفس وبقدرات الذات شرط أولي في شخوص القادة ليكونوا قادرين على قول نعم .. وقول لا ، كل في موضعها  . من يجرؤ اليوم ونحن يقتل شبابنا ، وتنتهك أعراضنا ، ويذبح أطفالنا أن يقول ( لا ) صريحة وكبيرة للكوميديا السوداء يعبث بها مود وعنان ومجلس الأمن والروس والأمريكان ..؟! لا أظنها ( لا ) بلا كلفة . ولكن كلفتها أكرم إن لم تكن أيسر من كلفة التماهي مع الخديعة المرعبة التي يمارسها مود وعنان وبان ...

 

أعلم أن الكثيرين سيزخرفون الكثير من الكلام في الرد على هذه الدعوة ، وسيجدون البلاغة التي تعينهم على الاختباء وراء ادعاءات الحكمة ومقتضيات السياسة وضرورة التمتع ببعد النظر في تسويغ تخاذلهم رغبة في الاصطفاف وراء قوي يمنع ويمنح ..

لندن / 20 / 6 / 2012م

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في جوانب العنف السوري!

فايز سارة *

الأحد ١٧ يونيو ٢٠١٢

الحياة

يطرح كثير من السوريين على انفسهم أسئلة تتعلق بمقدار العنف المخيف الذي شهدته سورية في الستة عشر شهراً الماضية. بل إن كثيراً من العرب والأجانب الذين عرفوا سورية والسوريين، وقفوا مشدوهين أمام أحداث العنف المستمر والمتصاعد، وتعبيراته سواء تلك التي ظهرت على شاشات التلفزة، أو عبر الأرقام والإحصائيات، التي تلخص بعض ملامح العنف في توالي فصوله منذ آذار(مارس) 2011.

ورغم أن الاستغراب المحيط بموضوع العنف السوري وتعبيراته، أمر طبيعي لما عرف عن السوريين في ميلهم إلى المهادنة والتسويات في ما بينهم ومع الآخرين، فإن ذلك لا يمثل سوى القشرة، التي ولدت وعاشت خلفها جذور العنف، قبل أن تدفع ثمارها الفجة في مواجهة أولى تظاهرات السوريين في درعا، حيث سقط أول القتلى والجرحى ممن شاركوا في استنكار ورفض اعتقال أطفال درعا وتعذيبهم نتيجة قيام بعضهم بكتابة شعارات مناهضة للنظام ليس إلا.

لقد استجرت حادثة اعتقال أطفال درعا وتعذيبهم مسيرة العنف السورية الراهنة والطويلة، والتي تشير معطياتها وأرقامها إلى خلاصات تقارب الأساطير المعروفة، بل إن ثمة آراء تؤكد، انه وبعد نهاية الأزمة، ومع القدرة والاطلاع والكشف عما حدث وكيف، فإن ذلك سيبين أن حالات من عنف تتجاوز الأساطير، حدثت في أنحاء مختلفة من سورية، ولم تحدث كلها خلف الجدران وفي فضاءات سرية مغلقة، إنما بعضها تم ارتكابه علانية وبصورة وحشية وفي الخلاء وتحت ضوء الشمس وبدم بارد.

إن المحصلة الإجمالية للعنف الجسدي والمباشر الذي أصاب السوريين، تشير إلى تجاوز عدد الذين قتلوا الخمسة عشر ألف شخص، وهناك أضعاف الرقم السابق من الذين جرحوا ومعظمهم أصيب بعاهات وإصابات دائمة، وأكثر منهم مرات الذين اختفوا دون أن تعرف عنهم أية معلومات على مدار اشهر طويلة، ولا يمثل هؤلاء البالغين عشرات آلاف السوريين سوى نسبة قليلة من سوريين جرى اعتقالهم، وهو إجراء يتضمن التعذيب على أنواعه وصولاً إلى الموت، وكلها حلقات من العنف الشديد في أول وأيسر مواصفاته، وهناك تقديرات، تشير إلى أن مئات آلاف السوريين، تعرضوا للاعتقال منذ بدء الأحداث، مما يؤشر إلى أن كثيراً من السوريين وأقاربهم الأقربين، تعرضوا للعنف مرة أو اكثر بفعل الأحداث الراهنة.

إن الهدف الرئيس للعنف الراهن في سورية، هو إكراه الآخرين على أفعال محددة، تستجيب مصالح الأشخاص الذين يقومون بأعمال العنف وقياداتهم ومؤسساتهم، وفي حال العنف الحالي، فإن اغلب أعمال العنف هدفها منع عمليات الاحتجاج والقيام بالتظاهر المناهض للسلطة، وإجبار الجمهور على إعلان التأييد والمساندة للسلطة الحالية. غير انه وفي حالات تزايدت وتصاعدت، صار العنف سياسة انتقامية وعقوبات يتم اتخاذها ليس إزاء أفراد لا صلة لهم مباشرة بما يحدث فقط، وبعيداً عما يتم إعلانه من مواقف، بل إن العنف اكتسب طابع العقوبات الجماعية والانتقامية، كما يحدث في حصار المدن والقرى، والتي غالباً ما تترافق بأعمال تبدأ بقطع إمدادات المياه والكهرباء وشبكات الهاتف ومنع إدخال المواد التموينية وصولاً إلى إطلاق الأسلحة الرشاشة، وتصعيداً إلى القصف بالمدافع والصواريخ.

والعنف بطبيعته وممارساته، يستند إلى جذور معقدة، تمتد في التاريخ والحاضر، ولها أسباب سياسية واجتماعية وثقافية وغير ذلك، لكن الأهم في جذور العنف الحالي، هو استناده إلى الاستبداد وإلى عسكرة المجتمع، وتكريس انقسامات المجتمع بأبعادها المختلفة ولاسيما القومية والدينية والطائفية، بل إن احد اهم جذور العنف في سورية، يكمن في تغييب وتهميش السياسة، بما هي فن وعلم إدارة المجتمعات، والذي يفتح الباب أمام العنف ليكون بديلها الرئيس.

لقد رسم تطور الأوضاع السياسية في سورية منذ أواخر الخمسينات، توجهاً للسير نحو حكم استبدادي فردي، ظهرت أول بواكيره في الانقلاب العسكري الذي قاده حسني الزعيم عام 1949 وكرره تابعوه، وصولاً إلى عهد الوحدة، فمرحلة حكم حزب البعث التي مازالت متواصلة في تعميق تمركز السلطة بيد حزب، ثم بيد رئيس هو فوق الحزب. ولأن المؤسسة العسكرية هي القوة الأقوى والأفضل تنظيماً وموارداً، فقد تم الاعتماد عليها للإمساك بالدولة والمجتمع، وجرى تعميم عسكرة الحياة العامة بالاستفادة من ظروف الصراع مع العدو الإسرائيلي ومتطلباته، ومع تغذية الانقسامات داخل مكونات الجماعة الوطنية، وتهميش الظاهرة السياسية بما تعنيه من نخبة وتنظيم وفكر ورؤى، صار العنف هو الأداة الرئيسية بل الوحيدة للإمساك بالدولة والمجتمع وإدارتهما، بل هو وسيلة إخضاع الآخرين من أفراد إلى جماعات إلى المجتمع، وطوال الفترة الممتدة منذ بداية الستينات، صار بالإمكان ملاحظة، أن كل الاحتدامات والتناقضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن تحركات المثقفين واعتراضاتهم، لم يتم التعامل معها بطريقة غير العنف الذي يبدأ باللفظي، ثم ترتفع وتائره حد القتل المعلن.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

معجزة تحت الطلب!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

17-6-2012

قال وزير الدفاع الأميركي، إن حل الأزمة السورية يتطلب «معجزة خاصة». هذا القول هو تنويعة مختلفة بعض الشيء عن أسلوب التعبير الدبلوماسي الأميركي عن العجز حيال الحدث السوري، أو قل هو طريقة عسكرية خاصة في التعبير عن عدم الرغبة في فعل أي شيء من شأنه إيقاف النظام السوري عند حد، ومنعه من قتل شعبه بالجملة والمفرق.

تشبه «معجزة» الوزير بانيتا «العصا السحرية»، التي لا يكف الرئيس بشار الأسد عن الحديث عنها، مسوغا بافتقاره إليها الأخطاء والعيوب والنواقص والجرائم التي تفتك بسوريا، والتي دأب على تسويغها بعدم وجود عصا سحرية لديه يحل بواسطتها مشكلات نظامها وشعبها، كأن حل هذه المشكلات وتحسين حياة ومعاملة الشعب يحتاجان فعلا إلى عصا سحرية.

ومع أن كثيرين قالوا لبشار الأسد، إن من يحتاج إلى عصا سحرية هو الساحر الذي يريد التلاعب بعقول ومشاعر مشاهديه، وإنه كرئيس جمهورية لا يحتاج إليها، بل يحتاج إلى إزالة السحر عن الواقع لمعرفته بدقة، كما يحتاج إلى امتلاك رغبة صادقة في تغييره نحو الأفضل، وإلى الإخلاص للشعب السوري، الذي كان ينتظر منه أعمالا لا تبريرات بائسة لرفضه القيام بأي عمل مفيد، بعد بدء رئاسته في يوليو (تموز) من عام 2000. لكن الأسد عاد في خطابه الأخير إلى قضية العصا السحرية، لاعتقاده أن الحديث عنها مقنع ويبرر ما يرتكب في سوريا من مخاز ومآس ومجازر أنتجتها عصا أخرى هي عصا سياساته وخياراته الأمنية - العسكرية، التي تبين أنها على درجة من الهول والفظاعة جعلت منها خطرا داهما يفتك بشعب سوريا ودولته، ويكاد يقضي عليهما.

يريد بانيتا لمعجزته أن تحقق عكس ما تحققه عصا الأسد الأمنية: إيجاد أعذار تسوغ عدم تدخل أميركا العسكري في سوريا. ومع أننا لم نطالبها بالتدخل، لعلمنا أنها لن تتدخل من جهة، وشكوكنا بمقاصدها الحقيقية في المسألة السورية من جهة أخرى، فإن تكرار التخوفات الأميركية من الدخول إلى الأزمة يثير الريبة لدى قطاعات واسعة من الشعب والمعارضة في سوريا، ويمثل في نظر كثيرين إهانة لذكائهم، خاصة عندما يبدي مسؤول العسكر الأميركي وزملاؤه الدبلوماسيون التخوف من الحرب الأهلية، التي يعلنون أنها قد تقع في حال تدخلوا، بينما يمكن ملاحظة ظاهرة لا يجوز أن تتعامى عنها عين متابعة، مهما كانت غير مدققة، هي أن النظام يريد إغراق الشعب في هذه الحرب، ويدفع السوريين إليها بكلتا يديه، وبكل ما يملك من وسائل العنف والقتل، فليس التدخل العسكري هو الذي سيفجرها، بل الامتناع عن اتخاذ أي إجراء من أي نوع ضد سياسات السلطة السورية، علما بأن قوس الإجراءات الدولية غير العسكرية ليس ضيقا، كما يحاول المسؤولون الأميركيون إيهامنا، وبأن لديهم وسائل «سلمية» تمتلك قدرا من الفاعلية لا يقل عن فاعلية الإجراء العسكري، وإلا فليفسر هؤلاء لنا سر ذلك الانسحاب الهروبي الذي قام به ببشار الأسد من لبنان، بمجرد أن صدر قرار دولي يطالبه بذلك، ودون أن تحشد ولو قطعة بحرية واحدة قبالة سواحله، أو تتحرك طائرة واحدة في أجواء المنطقة!

تضعنا تصريحات الوزير بانيتا أمام واقع يخبرنا بأن خيارات أميركا باقية على حالها بالنسبة إلى سوريا وأزمتها، وأنها تتراوح ما بين التذرع بالعجز عن القيام بفعل مؤثر وبين ترك الأمور تأخذ مجراها، كي تعصف بحياة المئات من المواطنين السوريين كل يوم. وبما أنه من الصعب أن نصدق ما يخبرنا السيد بانيتا به، وهو أن بلاده تفتقر إلى وسائل الضغط المناسبة والفاعلة في منطقتنا، مع أنها ركزت 80 في المائة من جهودها الدبلوماسية والسياسية والعسكرية عليها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وأعلنتها منطقة خاصة بها وحدها في نظامها العالمي الجديد، وقالت بلسان الرئيس جورج بوش الأب إنها لن تسمح لأحد بالتموضع فيها، فإننا لن نقبل ما يقال اليوم في واشنطن عن دورها في الأزمة، لأنه قد يتغير في أي وقت، ولن نؤمن بمعجزة الوزير ونود تذكيره بأن أميركا لا تعتبر سوريا منطقة تريد انتزاعها من أحد، وأنها تسلم بأرجحية مصالح الروس فيها، ولا تفكر بإخراجهم منها، ولا تعمل إلى اليوم على إيجاد حل لمشكلتها بمعزل عنهم، لذلك لا تفعل الكثير كي تكون لها اليد الطولى فيها، وتحاول ممارسة دورها السوري من خلال دورهم هم أو عبر الاستعانة بهم.

كل ما في الأمر أننا لم نفهم خلال الفترة الماضية لماذا لم تضغط واشنطن عليهم بصورة جدية كي يبادروا إلى رؤية المشكلة السورية في حجمها الحقيقي، ويسارعوا إلى تقديم حل لها نعرف أنهم يستطيعون تنفيذه بمجرد تهديد قادة دمشق بسحب تأييدهم الدولي والداخلي لهم، وتركهم يواجهون مصيرهم بمفردهم، وأن هلاكهم سيكون عندئذ مؤكدا مهما كان دور إيران في دعمهم. هنا، في هذا التقاعس، تكمن مشكلة السياسة الأميركية ومشكلتنا معها: إنهم لا يفعلون شيئا للتدخل بكامل ثقلهم الدولي والإقليمي في الأزمة، ولا يطالبون الروس بوضع حد لها، فهل هذا محض مصادفة أم أنه سياسة مدروسة يراد منها إيصال الوضع السوري والروسي في سوريا إلى حافة الاهتراء، قبل إنضاج حل يفرض عليهما، بما تمتلكه أميركا من قدرات ووسائل يريد الوزير إقناعنا بأنها ليست اليوم في حوزتها!

مهما يكن من أمر، لا أعتقد شخصيا أن موقف الوزير لا يقبل التغيير، وأؤمن جازما بأن دفع النظام بالوضع إلى الحرب الأهلية سيغير معطيات الصراع ومواقف العالم البعيد والقريب منه، وسيجبره على رد مخاطره عنه وعن المنطقة. عندئذ، سنكتشف في السيد بانيتا وزيرا أميركيا مختلفا، لا يسوغ سلبية بلاده بحاجتها إلى معجزة، بل يصنع المعجزة المطلوبة بكل بساطة: ولكن دفاعا عن مصالح أميركا، التي لم يهدد النظام السوري أي واحدة منها إلى الآن، فتحجم واشنطن من جانبها عن فعل أي شيء جدي يهدده، بانتظار ظروف مغايرة تكون لها فيها الكلمة الفصل في مصيره.

هذه هي، في رأيي المتواضع، حدود الدور الأميركي واحتمالاته، فلا هو بحاجة إلى معجزة تشبه عصا بشار الأسد السحرية التي انقلبت إلى عصا أمنية، وليست أميركا عاجزة عن فعل ما تريد إلا لأنها لا تريد، وإن غدا لناظره قريب!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

اليهود في خدمة الأسد

احمد النعيمي

Ahmeed_asd@hotmail.com

زار دمشق يوم الأحد التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول 2006م والتقى الأسد، وتناولا علاقات الصداقة والتعاون بين سوريا وروسيا، واستعرضا الأحداث الجارية على الساحة الإقليمية والدولية.

وبعد زيارته لدمشق وصل إلى الدوحة للمشاركة في المؤتمر السنوي لمنتدى "موناكو" الملتئم منذ سبع سنوات ويضم عدة شخصيات هامة، من رؤساء حكومات ووزراء كبار سابقين من مختلف دول العالم، للتباحث في أمور التعاون الدولي والسلام، ومن بينها هذا الروسي، المقرب من الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، وهناك سلم رسالة من الأسد للدكتور "يوسي بيلين" الوزير الإسرائيلي السابق، وأحد أبرز مهندسي اتفاقات "أوسلو" مفاد هذه الرسالة بأن الأسد مستعد للالتقاء برئيس الوزراء "أيهود أولمرت" في موسكو والتباحث معه حول إمكانيات التوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين، في حالة اُحترمت تعهدات "رابين"، وذلك في تصريح أدلى به بيلين إلى صحيفة الشرق الأوسط.

وبعد ترشح الأسد لولاية رئاسية ثانية عام 2007م وصف الأسد بأنه قائد جدير بسوريا، وذلك في حديث لمراسل سانا، مؤكداً بأن:"الاتجاه المبدئي والأساسي في السياسة السورية التي تنتهج خطاً سياسياً مستقلاً في أغلب المسائل، كان اتجاهاً صائباً بصورة مطلقة لأنه جمع بصورة موفقة بين الثبات على المبادئ وإبداء المرونة في الوقت ذاته، وتجلى ذلك من خلال موقف سوريا من عملية السلام".

وفي شهر شباط عام 2008م أعلن في حديث إلى "أخبار المستقبل" عدم تورط الأسد باغتيال الحريري، وبراءته من دم الأخير، مكرراً:"اعتقد أن الأسد ليس متورطاً في عملية الاغتيال.. لم تتورط سوريا في المسالة إطلاقا" مشيراً إلى تناقضات داخلية عديدة بشان المحكمة الدولية.

ويوم الاثنين الرابع عشر من شهر تشرين الثاني 2011م في حديث لقناة "روسيا اليوم" أكد بأنه إذا تم إجراء انتخابات نزيهة في سوريا، فإن باستطاعة الأسد البقاء في سدة الحكم، مشيراً إلى أن الربيع العربي لم يولد في البداية من خلال تدخل خارجي، ولكن تحول إلى مؤامرة في كل من سوريا وليبيا، موضحاً:"لا اعتقد أن كل شيء كان نظيفاً من هذه الناحية فيما يتعلق بهذين البلدين" وقال: "بأن الغرب ليس مستعداً للتدخل في سوريا دون موافقة مجلس الأمن الدولي، وروسيا ستكون أكثر حكمة مما كانت عليه خلال التصويت الأول في مجلس الأمن، ولن توافق على أي مشروع تعطي بنود نصه الشرعية للتدخل في سوريا، كما لا اعتقد أن تسمح بذلك جامعة الدول العربية".

ويوم الأربعاء السادس من شهر شباط 2012م نشرت صحيفة "روسيسكايا غازيتا" التابعة للحكومة الروسية، مقالة له بعنوان "التوقف قبل خطوة من الوقوع في الفوضى" دافع فيه موقف روسيا والصين في استخدامها للفيتو ضد المشروع الذي طرحته الدول الغربية الساعي للإطاحة بنظام الأسد، ومؤكداً بأن أمريكا وحلفاؤها في الناتو استغلوا الربيع العربي للتخلص من الأنظمة التي لا يريدونها، ثم ختم مقالته بالدعوة إلى العمل الجماعي مع الدول جميعاً لكي لا تنجر سوريا إلى الفوضى والحرب الأهلية والتي ستؤدي إلى فشل الإجراءات الضرورية لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي.

ويوم السبت الحادي عشر من شباط 2012م أجرت جريدة الأهرام المصرية مقابلة معه، شكك فيها بأن رحيل الأسد لن يوفر الاستقرار لسوريا، وأنه لن تكون هناك فرصة للتطور الطبيعي لبلاده في حال رحيله، مشيراً إلى ضرورة إعطاء الأسد فرصة بعد أن أعلن كثيراً عن التزامه بالكثير من الإصلاحات التي وفي حال تحقيقها سوف تكون منعطفاً حاسماً في اتجاه الديمقراطية.

وهو نفس ما صرح به لصحيفة "الشرق الأوسط" الذي نشرت مقابلة معه بتاريخ السابع من شباط من السنة نفسها، وجاء فيها بأنه: " ليس من مهام موسكو تحديد أي الأنظمة تبقى وأيها ترحل" مع أنه كان موفد موسكو إلى صدام حسين مطالبين إياه بالتنحي قبيل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م.

وفي حديث أدلى به يوم الأحد السادس والعشرين من شباط 2012م في برنامج "أخبار الأسبوع" التلفزيوني الذي يبث إلى الشرق الأقصى الروسي، رأى بأن الولايات المتحدة وجدت نفسها في قارب واحد مع تنظيم القاعدة، من خلال التدخل في الشأن، وذلك على خلفية إعلان زعيم القاعدة بأنه يؤيد المعارضة في سوريا، ويدين الأسد، وهو نفس ما يدعو إليه الأمريكان الذين يحاولون غرس الديمقراطية بالشرق الأوسط باستخدام القوة،.

ويوم الاثنين التاسع من ابريل 2012م وفي حديث له إلى إذاعة "صوت روسيا" كان أول من تحدث عن بدأ الحرب الأهلية في سوريا، وذلك على خلفية التزام الأسد بمبادرة عنان، التي أعطت الأسد مهلة إلى العاشر من نيسان للالتزام بما تعهد به من سحب قوات الجيش من المدن، ووقف العنف، وإطلاق سراح المعتقلين، والسماح للإعلام الحر بالدخول إلى سوريا.

مضيفاً:"الحرب الأهلية قد بدأت بالفعل وستزداد أبعادها في حال استمر غياب الاتفاق، وهناك خطر من أن تحمل الحرب صبغة دينية وتتحول إلى صدام طائفي بين العلويين القريبين من أهل الشيعة من جهة والسنة، وفي هذا الحال ستكون الحرب دامية جداً" وهي نفس التصريحات التي أدلى بها وزير خارجية روسيا لافروف قبلها بأيام وأبدى تخوفه من قيام نظام سني في سوريا.

وفي مؤتمر عقده في موسكو، كرّسه لتقديم الطبعة الجديدة من كتابه الشرق الأوسط في الخفاء والعلن؛ أعلن بأنه:"إذا كانت واشنطن تحاول إقامة علاقات مع الأنظمة الإسلامية المعتدلة في مصر وتونس، فهي تسير ومعها دول الناتو في قارب واحد مع الإسلاميين المتطرفين في سوريا".

فمن هو هذا الروسي الذي يتحدث بلسان النظام الأسدي ويدافع عنه أكثر من دفاع النظام عن نفسه، حتى قبل أن تقوم الثورة السورية، هذا الروسي هو الصهيوني "يفغيني بريماكوف" العضو في أكاديمية العلوم الروسية، ورئيس غرفة التجارة والصناعة في روسيا حالياً، وشغل منصب رئيس مجلس الاتحاد السوفيتي الأعلى عامي 1989و1990م، ورئيس الهيئة الاستخبارات الخارجية في روسيا الاتحادية ( 1991-1996م) ووزيراً للخارجية (1996-1998م) ورئيساً للوزراء (1998-1999م)*.

واسمه يعني باللغة الأوكرانية ابن الزوجة أو ابن الزوج، وهو لقب أعطي له تسهيلاً لمهمته التي قام بها في الشرق الأوسط في العهد السوفيتي السابق بصفته مراسلاً لصحيفة "برافدا" أما اسمه الأساسي فهو فنكلشتاين، وهو اسم والدته اليهودية.

وهذا ما حاول اليهود جهدهم إخفائه، لأن القليل من يعلم عن الحضور اليهودي في روسيا، وبقية دول العالم، بينما فضح الدور اليهودي وتحكمه في مطابخ السياسة الأمريكية، من خلال كتاب "من يجرؤ على الكلام" للسيناتور السابق بول فندلي**.

وهذا يؤكد بأن روسيا التي كانت أول دول في العالم اعترافاً بإسرائيل ما تزال تحت رحمة اليهودية تتحكم بكل قرارتها، حتى وصل الصهويني بريماكوف الى رئاسة الوزراء، وبيده اليوم الاقتصادي روسي جميعه، كونه رئيساً لغرفة التجارة والصناعة، والصديق المقرب من بوتين، وأن مزاعمهم بأنهم يدعمون الحلف الايراني السوري المدعين عدائهم لليهود ليس سوى اكاذيب!!

وليست هذه الزيارة الأولى والوحيدة ليهود صهاينة إلى سوريا، وإنما هناك الكثير منهم، يزورنها ويعملون على اللقاء مع الأسد وكبار مسئوليه، كما أكد على هذا الحاخام الصهيوني "مارك غوبن" مدير مركز الدين والدبلوماسية وتسوية النزاعات (CRDC) في جامعة "جورج ميسون"الأمريكية، الذي زار دمشق بداية العام الماضي، والتقى خلالها أسماء الأسد في القصر الجمهوري لمدة ساعتين، واصفاً إياها بأنها:"إحدى الشخصيات المهمة التي تقوم بقيادة وتنفيذ إجراءات إصلاحية جذرية" والتقى نائب الأسد فاروق الشرع، مؤكداً بأنه ظهر في برامج عدة على التلفزيون السوري بصحبة مفتي سوريا "احمد حسون" وذلك في تصريحات خاصة أدلى بها غوبن "للرأي".

وأضاف غوبن الذي زار إسرائيل بعدها، ضمن وفد أمريكي من رجال دين مسلمين ويهود ومسيحيين:" أمضيت سبع سنوات في الذهاب إلى سوريا كمواطن دبلوماسي، لكنني اليوم أقوم بتنظيم محاضرات عدة في الصفوف التي أحدثتها في سوريا، حيث تتمحور المحاضرات في الصفوف في التعبير عن التضامن بين سوريا والولايات المتحدة".

ويضيف:" كنت قلقاً من السياسة الأمريكية والعلاقات المتبعة من قبل الرئيس السابق بوش ونائبه تشيني مع سوريا حيث تدهورت العلاقات، وأرادا تغيير النظام في سوريا، ونحن من جهتنا أدركنا أن تغيير النظام سيؤدي إلى كارثة لا تحمد عقباها خصوصا تجاه السوريين، وقمنا بإحباط هذا المخطط من خلال إحاطة القيادة السورية بالدلائل والقرائن، حول نية بوش وتشيني، والقيادة السورية من جهتها قامت بتكريمنا في مكتبة الأسد"**.

وفي هذا رد واضح وفاضح على مدى التعاون السوري الأمريكي اليهودي، وتواصلهم الحثيث مع الأسد، وصل الامر بالأسد أن يفتح كل الأبواب لتعليم الشعب السوري قيم التضامن مع الأمريكان!! وإذا لم يستطع بوش الذي كان يدعي العداء السافر للأسد فعل أي شيء تجاه هذا التغيير فماذا سيفعله اوباما الذي يدعي أنه حمل وديع؟!

مما يدلل دلالة قاطعة على أن المنظومة الدولية إنما يتحكم بها يهود العالم، الذين يسيطرون على مراكز صنع القرار في دولها، ثم يتم الإيعاز من قبلهم إلى تلك الدول بأن تتقاسم الأدوار فيما بينها، بين ساب وشاتم، ومقدم للفيتو، ومؤخر لدور الجامعة العربية، والعمل على المشاركة في إبادة الشعب السوري، وإعطائهم الضوء الأخضر للأسد ليواصل محاولته في وأد ثورة الشعب السوري، ولو أدى بهم الأمر إلى إبادة شعب كامل، مقابل أن لا تتعرض حدود إسرائيل لأي خطر، والعمل في الوقت نفسه على تشويه هذه الثورة واتهامها بالعمالة للغرب، وإظهار الأسد بأنه نظام مقاوم، ويتعرض لمؤامرة كونية.

وهو ما دلت عليه تصريحات الجنرال المتقاعد "إيفي إيتام" رئيس الحزب الوطني الديني السابق، ووزير الإسكان الأسبق، في شهر إبريل الماضي بأن:"النظام السوري الحالي هو أفضل صيغة حكم بالنسبة لإسرائيل"، وتصريحات بريماكوف بأن لا أحد من دول العالم جاد بالإطاحة بنظام الأسد ووقف إبادته للشعب السوري، وأنه لن يتم التدخل في سوريا إلا بموافقة مجلس الأمن، التي يضع يهود روسيا كل ثقلهم بداخله لمنع استصدار أي قرار في هذا، مدركين بأن سقوط نظام الأسد سيؤدي إلى سقوط دولتهم، كما جاء على لسان جلعاد رئيس الأمن القومي الصهيوني، وهو ما أكد عليه لافروف من أيام بأن أمريكا ليس لديها أية نية للتدخل في سوريا.

وهذه الحقيقة فهمها الشعب السوري منذ وقت طويل، وتوكل على الله وحده، وخلت أسماء جمعه الأخيرة من أي دعوة لهذه المنظومة الإرهابية التي يتحكم اليهود بقراراتها، واستعداد من هذا الشعب العظيم لإعلان النفير العام، وإنهاء هذا النظام السرطاني على يد جيشهم الحر بإذن الله، والعاقبة للمتقين.

________________

* روسيا إلى أين؟ للكاتب أمين اسكندر 1999م، مجلة البيان.

** من مقال اليهودية السياسية للكاتب محمد السماك، جريدة الأهرام العدد40805، السنة123، الأربعاء السادس والعشرين من شهر آب 1998م.

*** الصهاينة يدعمون نظام الأسد، القدس من زكي أبو الحلاوة ومحمد أبو خضير، http://arabwikileaks.alafdal.net/t619-topic

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تقويم استراتيجي للأحداث السورية

أنور بن ماجد عشفي

عكاظ

18-6-2012

لا تزال سوريا تحتل المرتبة الأولى في بؤر الصراع حول العالم، ولا يزال الموقف في سوريا مشتعلا، فالولايات المتحدة توظف الحدث لخدمة أهدافها الاستراتيجية، ومن أهمها تطهير الشرق الأوسط من النفوذ الروسي، وإقصاؤه من وجدان الأمة العربية والإسلامية، والقضاء على آخر معاقله في المنطقة، وبالذات على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، لهذا نجد أن الولايات المتحدة لم تلق بثقلها لإنهاء الأزمة السورية.

والولايات المتحدة تلعب على الغباء الروسي، فقد كان بإمكان موسكو أن تضع حلا للأزمة، لكنها أمعنت في الانحياز إلى النظام السوري، وبالتالي لن يقبل الشعب السوري بأي حل يأتي من روسيا، خصوصا أن الكفة أصبحت تميل إلى صالح الثورة الشعبية.

لقد استثمرت الولايات المتحدة الحرب الأفغانية في مد النفوذ الثقافي إلى آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية، وامتد حتى وصل إلى موسكو، وغرست في ميادينها أعلام (ماكدونالدز) و(بيتزاهت)، وحولت فنادقها إلى استثمارات تجارية أمريكية، فانتشرت فنادق (ريتزكالتون) و(هوليداي إن) وغيرها، واستطاعت أن تبسط في هذه المناطق اللغة الإنجليزية باللكنة الأمريكية، وهو ما يطلق عليه استراتيجية اللغة الواحدة كما عبرت عنه مجلة هارفارد بيزنس ريفيو.

لقد بدأت حرب التحرير في سوريا حتى أصبحت القوات الحكومية لا تستطيع أن تدخل إلى المدن المحررة، لهذا عمدت إلى قصفها انتقاما واعتقادا بأن ذلك سوف يخمد الثورة، ويدفع الجيش الوطني إلى الاستسلام، والغريب أن روسيا تمد النظام السوري بالطائرات المروحية المقاتلة لقصف المدن المحررة، وهي تعلم أن النظام زائل.

إن الولايات المتحدة لا تشعر بالانزعاج من نشوب حرب أهلية في سوريا، وتبتسم لإمداد حكومة إيران قوات النظام بالأفراد والمال كي تستنزف ما تبقى لدى إيران من قدرات مالية واقتصادية، وبالتالي قامت وزيرة الخارجية الأمريكية بزيارة إلى القوقاز بغرض فرض الحصار على إيران، وإغراء أذربيجان بتحريك الأذاريين في الداخل للثورة على طهران، الذين تصل أعدادهم إلى 12 مليون نسمة، وبهذا تكون أمريكا قد بدأت القصف بالقوة الناعمة في العمق الإيراني.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نظام الحكم السوري يحمي إسرائيل

النظامان السوري والإسرائيلي يتبادلان الود على الرغم من العداء العلني المصطنع بين البلدين

رضا محمد لاري

الإثنين 18/06/2012

المدينة

تفضح الصحيفة الاسرائيلية هارتس حالة القلق التي تنتاب الأوساط الإسرائيلية من احتمال سقوط نظام الحكم القائم في دمشق، مضيفة أن الكثيرين في تل أبيب يصّلون من قلوبهم للرب بأن يحفظ سلامة النظام السوري الذي لم يحارب إسرائيل منذ العام 1973م على الرغم من شعاراته المستمرة التي تعكس عداءه الظاهر لإسرائيل.

وأضفت صحيفة هارتس أنه بالرغم من من تصريحات الأسد الأب حافظ والأبن بشار المعادية لإسرائيل ألا أن هذه الشعارات والتصريحات خالية من المضمون وتم استخدامها لهدف واحد فقط كشهادة ضمان وصمام أمان ضد أي مطلب شعبي سوري لتحقيق حرية التعبير والديمقراطية وتشير صحيفة هارتس في تقريرها إلى أن النظام السوري المتشدق بعدائه لتل أبيب لم يسمعها ولو صيحة واحدة خافتة واحدة على الحدود بهضبة الجولان التي تم التنازل عنها من قبل النظام السوري لصالح إسرائيل في عام 1967م تطبيقا لأحلام العلويين بإقامة وجود للدولة الصهيونية فوق مرتفعات الجولان تمهيدا لقيام دولة العلويين في شمال سوريا.. هذه الحقيقة جعلت الرئيس الفرنسي شارل ديغول يصرخ لقد باعوا مرتفعات الجولان رددها ثلاث مرات من باريس.

واستمرت صحيفة هارتس في مواصلة سخريتها من النظام السوري قائلة أن هذا النظام المعارض لتل أبيب مازال مستعدا لمحاربة إسرائيل بآخر قطرة دم من جندي لبناني لا سوري، موضحة أن السوريين لا يكلفون أنفسهم محاربة عدوهم في إسرائيل ما دام اللبنانيون مستعدون للموت بدلاً منهم، ولفتت صحيفة هارتس إلى أنه مازال يتردد في تل إبيب أصوات كثيرة تتمنى استمرار النظام السوري القائم في دمشق فكثيرون يخشون من نهاية هذا النظام موضحة أن الصلوات تنطلق من قلوب الإسرائيليين في الخفاء حتى يحفظ الرب سلامة النظام الحاكم بسوريا كونه الأقرب إلى إسرائيل على الرغم مما يصدر من عداء لتل أبيب من الإذاعة السورية.

تقول صحيفة هارتس إن اسرائيل تتعاطف مع النظام الديكتاتوري السوري لأنه يعكس مودة للنظام القائم في تل إبيب، ولذلك فهي تتعاطف مع وراثة السلطة في دمشق على الرغم من النظام الجمهوري القائم في سوريا.

واختتمت صحيفة هارتس تقريرها بالقول أن نظام الحكم في سوريا يعتمد على حكم الأقلية على الأغلبية القبلية واستخدام وسائل القمع والعنف بكل قسوة تجاه تلك الأغلبية مما يؤدي في النهاية إلى حمامات من الدمام.

هذا الموقف الإسرائيلي الذي فضحته صحيفة هارتس جعل القيادات الإسرائيلية تنكر ما جاء في تقريرها، ويعلن رئيس إسرائيل شيمعون بيريز أن النظام الحاكم في دمشق لا يتعاطف على الإطلاق مع إسرائيل، ولكن صحيفة هارتس استطاعت أن تقدم العديد من الأدلة على ما جاء في تقريرها الصحفي التي تثبت أن هناك تعاطفا سورياً مع إسرائيل مما أخرس بقية القيادات الإسرائيلية، وأصبحت الصورة القائمة أن النظام السوري والنظام الإسرائيلي يتبادلان الود على الرغم من العداء العلني المصطنع بين البلدين.

هذا الود بين النظامين السوري والإسرائيلي دفع إسرائيل إلى تحريك جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدرجة التي جعلت الدهلزة الصهيونية تفرض على واشنطون موقفا مزدوجاً يرمي أحدهما إلى إسقاط نظام الحكم في سوريا ويرمي الآخر إلى الحفاظ على نظام الحكم في سوريا.

الحقيقة التي لم يذكرها تقرير صحيفة هارتس أن إسرائيل تريد الحفاظ على النظام السوري ولكن على أن يكون ضعيفا ولذلك فإن الحرب الدائرة اليوم في أرض سوريا تستهدف أضعاف النظام السوري مما فرض ازدواجية الموقف الإسرائيلي تجاه النظام السوري، وخضوع الولايات المتحدة الأمريكية للدهلزة الصهيونية يجعلها هي الأخرى ذات موقف مزدوج تريد القضاء على نظام دمشق وتريد الحفاظ عليه إرضاء لإسرائيل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نظام دمشق يقبل صفة النظام المنبوذ

إصلاح الأسد... الوعد المنكوث

مارك فيشر

تاريخ النشر: الإثنين 18 يونيو 2012

الاتحاد

قبل أكثر من عقد من الزمن على وقوع ما بات يسمى "الربيع العربي" كان هنالك ربيع دمشق. ففي الأشهر الأولى بعد تولي الأسد الحكم في سوريا عام 2000، انتعشت موجة من حرية التعبير بعد أن بعث الرئيس الجديد بإشارات أُوِّلت على أنه يعتزم إرخاء قبضة الحكم السلطوية التي كانت سائدة طيلة عهد والده. فشكل المعارضون 70 منتدى للحوار، وكانوا يجتمعون بشكل صريح، ونشروا مجلتين منتقدتين.

ولكن بعد ذلك، وبشكل مفاجئ تماماً وعلى النحو الذي بدأ به العهد الجديد، عمدت قوات الأسد إلى القمع. فتعرض الأشخاص الذين كانوا يعبرون عن آرائهم ومواقفهم علانية للاعتقال، وتوقفت الإصلاحات الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يقول محمد العبدالله، وهو ناشط سوري شارك في الحوار ليجد نفسه ووالده وشقيقه بعد ذلك يتعرضون للاعتقال بعد بضعة أشهر: "لقد وجدنا أن الربيع لم يكن سوى طريقة لجعل الناس يقبلون بنقل السلطة من الوالد إلى الابن"، مضيفاً "لقد كان واضحاً أن الأسد ليس إصلاحياً سياسياً".

واليوم، وبينما يرد نظام دمشق بعنف على انتفاضة شعبية من النوع الذي أطاح بأنظمة أخرى عبر الشرق الأوسط خلال الثمانية عشر شهراً الماضية، قبل نظام سوريا صورته كنظام منبوذ عالمياً، وقال الأسد في العلن كما في المجالس الخاصة إنه لن يهرب، وإنه لن يذعن للضغط الأجنبي. ويعتقد الأسد أن وجوده وسيطرته هما الوسيلة الوحيدة لحماية طائفته العلوية -وهي طائفة شيعية تشكل نحو 12 في المئة من سكان سوريا- من أعمال العنف المضاد.

وفي هذا الإطار، يقول القس باتريك هنري ريردون، الذي التقى الأسد لـ90 دقيقة في ديسمبر الماضي: "ليس لديه أي وهم بشأن الطريقة التي ينظر بها إليه عبر العالم"، مضيفاً "ولكنه يرى أنه لابد من أن يحافظ على بلده متماسكاً، وللقيام بذلك، عليه أن يدق بعض الرقاب".

وكما سبقت الإشارة، فعندما تسلم الأسد السلطة في سوريا بعد وفاة والده السلطوي، كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه إصلاحي، وشخص يمكن أن يطبق الأفكار الغربية للحداثة والانفتاح في حكم دولة عربية، ولاسيما أنه عاش في لندن ردحاً من الزمن، وتزوج من امرأة مولودة في بريطانيا، وأصبح من الدعاة إلى استعمال تكنولوجيات الإعلام الحديثة.

وخلافاً لشقيقه الأكبر الأكثر صرامة باسل، الذي توفي في حادث سيارة سنة 1994، لم يتلق بشار تدريباً على الحكم، فقد كان طبيباً فقط. وفي خطاب تنصيبه، صدر عن الأسد ما بدا لكثيرين دعوة إلى التغيير حيث قال: "علينا أن نواجه أنفسنا ومجتمعنا بجرأة وشجاعة، ونجري حواراً شجاعاً... نكشف فيه نقاط ضعفنا".

ولكن رد فعل الحكومة على ربيع دمشق أثبت أنه كان مؤشراً أكثر دقة على الطريقة التي سيحكم بها الأسد البلاد. فعلى رغم كلامه حول تشكيل مجتمع أكثر انفتاحاً وديمقراطية، إلا أن الأسد تبنى خطاباً يقدم سوريا دائماً باعتبارها هدفاً لمؤامرات المتشددين والولايات المتحدة وإسرائيل. وكان كلما تعرض للضغط خلال الخمسة عشر شهراً الماضية من داخل سوريا وخارجها، كلما قاوم ذلك وواصل عناده.

ويقول "ديفيد ليش"، وهو مؤرخ بجامعة ترينيتي في سان أنطونيو، ومؤلف كتاب حول الأسد: "في ذهنه، أنه إذا كان لابد من أن تتحول سوريا إلى بلد مثل كوريا الشمالية في الشرق الأوسط لمدة عشر سنوات، فليكن ذلك".

وبينما نفت حكومته أي دور لها في أعمال القتل الجماعي للقرويين العزل، ألقى الأسد خطاباً أمام البرلمان السوري هذا الشهر، دافع فيه بعناد عن الردود القاسية على ما يعتبره هجوماً وجودياً على بلاده حيث قال: "من هو الإنسان العاقل الذي يحب الدماء؟... ولكن عندما يدخل الطبيب الجراح إلى غرفة العمليات، ويفتح الجرح، وينزف الجرح، ويقطع ويستأصل ويبتر.. ماذا نقول له؟ تبت يداك هي ملوثة بالدماء؟ أم نقول له سلمت يداك لأنك أنقذت المريض؟".

عندما تولى الأسد السلطة لأول مرة، بدا كما لو كان نوعاً مختلفاً من الزعماء العرب، حيث تراجع عن بعض من ديكور حكم العهد السابق. كما قطع مع بعض التقاليد وأخذ زوجته إلى مطاعم دمشق بدون حراس شخصيين. بل إنه قاد سيارته بنفسه في بعض الأحيان. ولكنه "سرعان ما بدأ يصدق أن مستقبل سوريا متشابك كلياً مع مستقبله الشخصي"، كما يقول "ليش"، الذي كان يلتقي مع الزعيم السوري بانتظام خلال معظم العقد الماضي، مضيفاً "إن السلطة مثيرة للشهوة... وعندما يكون المرء محوطاً بالمتملقين، فإنه يشرع في تصديقهم". كما أدرك أيضاً أن سلطته تعتمد على إرضاء القوات الأمنية والعسكرية السورية، إلى جانب طائفته العلوية، يقول "ليش".

وقد حصل "ليش" أيضاً على لمحة أولية عن تردد الأسد في مواجهة قواته الأمنية في 2007، عندما تلقى دعوة للالتقاء بالرئيس. فقد احتجز "ليش" في مطار دمشق واستجوب لثلاث ساعات من قبل ضابط أمن لم يتوقف خلالها عن تدوير مسدسه على سبابته. وعندما التقى "ليش" بالأسد وحكى له ما حدث، اعترف له هذا الأخير بامتعاضه، ولكنه قال له إنه لا يستطيع فعل أي شيء حيال المعاملة السيئة التي تلقاها.

"إنه يحتاج إلى قوات الأمن لأشياء أخرى"، يقول "ليش"، مضيفاً: "لقد اكتفى بالقول إن تلك هي الطريقة التي ينبغي أن تتم بها الأمور في سوريا".

محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الرحلة الاخيرة الى القصر الرئاسي

علي حماده

2012-06-17

النهار

مع تعليق مراقبي الامم المتحدة مهماتهم في سوريا، دخل الصراع فيها وعليها مرحلة جديدة قد لا تنتهي إلا بانهيار النظام ميدانيا، وسقوط العاصمة دمشق بيد الثوار، نقول هذا ولا نبالغ، بل اننا نستند في قراءتنا الى المعطيات الميدانية التي توافرت لدينا في الايام القليلة الماضية. فالثورة وصلت الى العاصمة التي يندر هذه الايام الا تنام على اصوات الرصاص والانفجارات. كما ان ريف دمشق بمعظمه ثائر وقد خرج عن سيطرة النظام في سوريا. ولعل اهم ما أدلى به اخيراً رئيس بعثة المراقبين الأمميين الجنرال مود، قوله ان اجزاء واسعة من الاراضي السورية خرجت عن سيطرة النظام، مما يؤشّر لارتفاع منسوب التفكك في سلطة بشار وبطانته.

المواجهات مشتعلة في كل مكان، والجيش الحر يقاوم آلة النظام العسكرية المدججة بالسلاح والذخائر من كل نوع ببسالة نادرة، ويمنعها من حسم سيطرتها على أي بقعة من البقاع المشتعلة. فما من مدينة او قرية او بلدة استطاع النظام ان يحسم فيها، ويثبت سيطرته بشكل نهائي. حمص على سبيل المثال التي مضى على حرب النظام المفتوحة ضدها اكثر من ثمانية اشهر، ما استسلمت، وحوّلت اعلان انتصار النظام الذي اعلن غداة سقوط بابا عمرو مهزلة، ومعها زيارة بشار الاسد الميدانية التي حصلت في حي فاحت منه روائح الموت.

لا يعني ذلك أن الرحلة نحو القصر الرئاسي صارت ميسّرة، بل انها صارت ممكنة، وما عاد التفوق العسكري الكبير الذي يتمتع به النظام بكاف لمنع سقوط النظام. ومن المهم هنا الاشارة الى تطور في تسليح "الجيش الحر"، والى ارتفاع كبير في أعداد المنشقين والمقاتلين الآتين من الحياة المدنية بحيث بات ممكنا مواجهة قوات بشار الاسد في كل مكان. أكثر من ذلك، وبالاشارة الى ما يحكى عن تورط "حزب الله" في اعمال عسكرية وامنية وحتى في مذابح في سوريا، فإن الثوار المقاتلين في سوريا يقولون لنا انهم لا يهابون "حزب الله"، وهم مستعدّون لمواجهة عناصره على أرض سوريا كغزاة ومحتلّين!

لقد تطور الوضع على الارض، وحسم مصير بشار الاسد بإستحالة ان يكون جزءا من مستقبل سوريا. فقد خسر سوريا تماما كما خسر لبنان بسبب الرعونة والخفة في التعامل مع حركة التاريخ، فلم يفهم ان التاريخ عبارة عن موجات كبرى، أكبر وأقوى من إرث والده أو دموية بطانته.

واليوم، فإن الثورة السورية قد استحقت عن جدارة لقب ام الثورات العربية، فمعركة الحرية والكرامة التي يخوضها الشعب السوري هي مصدر الهام لملايين العرب من الخليج الى المحيط، ومن يواجهون قتلة الاطفال ومغتصبي النساء وحارقي الاجساد إنما يخطون تاريخا عربيا مشرفا. اما نحن فنحمد الله أننا نعيش هذه اللحظات التاريخية، فيما نشهد دفن جمهورية حافظ الاسد واولاده!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في أزمة المجلس الوطني السوري ومستدعيات دمقرطته

فراس قصاص

2012-06-17

القدس العربي

صار واضحا الى درجة كبيرة، أن المجلس الوطني السوري الذي اعلن الثوار السوريون انه يمثلهم، يعاني من ازمة خطيرة تتكاثر تعقيداتها يوما بعد يوم ،وأن البعض، خصوصا أنصار الثورة السورية، يرون انه تحول بالفعل إلى عبء حقيقي يثقل على عاتق الثورة ويشدها الى الخلف. بينما كان متوقعا على نطاق واسع ان يشكل المجلس بمجرد تأسيسه حجر الزاوية السياسي في إدارة ملفاتها بشكل مثمر وفاعل وبما يساعد على توفير عوامل إنجاحها.

حجم السلبية الذي أظهره المجلس الوطني في تعاطيه مع شؤون الثورة، والبطء الشديد الذي يعانيه في الاستجابة للمعطيات المرتبطة بها، واستمرار الاستعصاء الذي تعيشه حالته، والصراع والتنافر الذي تشهده أروقته، يزيد من القناعة بأن الازمة التي يعاني منها المجلس الوطني بنيوية، وهو ما يدفع بإرجاعها الى القوى التي تداعت الى تأسيسه وأمست القوة الفاعلة الاساسية فيه والى الأسس التنظيمية التي اعتمدتها في بنائه .

ولأنها قوى معارضة سورية تقليدية ،لم تتوفر دلائل كافية على أنها تحررت من عصبياتها او استوعبت حساسية المرحلة وما تقتضيه، كان طبيعيا أن لا تتناغم مع روح الثورة وترتقي الى مستوى تضحيات الثوار وإنكارهم الاسطوري لذواتهم، فعملت على تأسيس المجلس وفقا لقاعدة التوافق التي تخفي إراداتها في الهيمنة، قاعدة التوافق الذي لا يشير بدلالاته إلا الى المحاصصة، لم تدرك هذه القوى، وهي صاحبة الخبرة التي تفتقد الى الاصالة في علاقتها بالديمقراطية، بأن نبذها للديمقراطية كقيمة عملية في هيكلة وتنظيم العلاقات الداخلية للمجلس الذي تؤسسه، واعتماد التوافق/المحاصصة فيما بينها، سيؤدي حتما الى إصابته بخلل بنيوي يمنعه عن أداء وظيفته على النحو المطلوب. لم تتجذر في خبرات هذه القوى التنظيمية، أن ابتعاد أي منــــتظم سياسي عن الديمقراطية في علائقه الداخلية، يصيب بنيته بالضعف والتفكك ويمنعها من الاستقرار ويفقدها وحدتها البنائية، فللديمقــــراطية الداخلية دور مركزي في تكوين البنى السياسية الناجحة والمنسجمة والفعالة، من حيث هي التي توفر الامكانية للتراكب والتمفصل الضروري بين مختلف الدوائر التنظيمية وتخلع عليها التماسك، وهي التي تتيح تموضع مراكز الثقل وتوزع منصات التأثير داخلها. الديمقراطية الداخلية وحدها من يوفر القدرة لأي مؤسسة سياسية على الاستقرار الهيكلي مترافقا مع التفاعل الحيوي الداخلي بوصفه العامل الاهم في سلامة الوظيفة المطلوبة منها .

على أن دور وأثر تلك القوى في احداث التشوه البنيوي/الوظيفي في المجلس الوطني بوصفها نافذة وحيدة فيه، لا يقف عند حد التفريط بالديمقراطية وعدم اللجوء اليها في هيكلة المجلس وعلاقاته الداخلية، بل يصل الى طبيعة إدارتها لدفته السياسية وصناعة القرار السياسي فيه، فكونها قوى نخبوية وأيديولوجية لم يتسن لها أن تتجاوز انغلاقاتها، ولم يتح لها أن تختبر السياسة والعمل السياسي الطبيعي، بسبب الاستبداد السياسي، انعكس انقطاعها عن الواقع الساخن وعن التعاطي الخلاق والمثمر معه على ادائها في المجلس الوطني وتاليا على الممكنات العملية التي يمكنه حيازتها، فجاء سلوك المجلس عاجزا ومقتصرا على الجانب الإعلامي والدبلوماسي الارتجالي، مبتعدا عن التأثير في فصول الثورة، بالمعنى الملموس والخلاق للكلمة، كما تكرس فيه التعاطي النخبوي الوصائي مع ارادة الثوار والتأخر في نقلها كما هي الى العالم.

إن أداء المجلس الوطني السوري الهزيل ونكوصه عن الوفاء بمقتضيات التفاعل الايجابي مع التحديات التي تواجهها ،فاقم من فواتير الثورة البشرية والوطنية في سوريا، وأظهر إلى أي حد تبلغ أهمية دمقرطة شؤون المجلس الداخلية وإعادة هيكلته وفقها، فالاستمرار بدونها سيؤدي الى تكاثر النزعات التدميرية بين مكوناته، ستتضخم إرادات الهيمنة على حساب المعنى السياسي والمحتوى المشاريعي لجميع الفاعلين في حالته، ستنشأ علاقات تخريب داخلية خلاصتها المحسوبية وتبادل المنافع والمكاسب على حساب الهدف العام ،سيتكرس العجز الاداري وستترسخ عوامل الابتعاد عن الثورة والثوار، ستختنق الكثير من المبادرات الذاتية والمهمة للعديد من القوى المنضوية فيه. ودون هذه الدمقرطة سيستمر خضوع المجلس بشكل مطلق لنفوذ قوى عاجزة على نحت مسارات عملية ومنتجة، يومية واستراتيجية، ضرورية للثورة، هذا النحت الذي يتطلب بنية سياسية متماسكة ومتفاعلة فيما بين عناصرها ،تتعاطى السياسة وفقا لأبعادها المعرفة لها، الواقع والعلم والممكن، بالعمل على الواقعي وفقا لما هو علمي لتحقيق ما هو ممكن .

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: الحرب الأهلية أو المقاومة الشعبية!

مطاع صفدي

2012-06-17

القدس العربي

كل ثورات الربيع حققت بعض مكاسبها التأسيسية ما عدا الثورة السورية التي طال أمدها في الصراع السلبي، دون أن تكسر عنف النظام الذي أعلنت رفضه، والعمل على إسقاطه. ومع ذلك يمكن الحكم بموضوعية أن الثورة التي لم تنتصر على عدوها نهائياً، لكنها جعلته يعجز عن الانتصار عليها، بالرغم من فائض البطش والهمجية واللاأخلاقية واللاإنسانية التي يمارسها أوحش طغيان عرفه تاريخ القهر عالمياً وليس عربياً أو إقليمياً فحسب. هذه الحالة من افتقار الحل الحاسم لأي من الطرفين، لا يحتم توازن القوى ما بينهما، بل يعود الأمر إلى الاختلاف في طبيعة هذه القوى، في نوعية وسائلها المتباينة من فريق إلى آخر. لكن الثورة قد أكتسبت نصرها الأول ما إن انفجرت أحداثها وصدحت شعاراتها، حتى اعترف بها أوسع رأي عام عربي وكوني. إن وجود الثورة الذي تحول إلى مصطلح الصمود والنمو والانتشار، هو رصيدها الفعلي الذي يمكن اعتباره أهم ما يكتب لثورة ناهضة، وهو ديمومتها حتى نجاحها الأخير.

لا تنكسر الثورة والنظام الباغي لا يكف عن الفيض بكل آثامه المعروفة والمجهولة. فلم يسبق لسلطة غاشمة إن افتضحت فظائعها إلى هذا الحد من تحدّيها للوجدان الإنساني، ليس لشعبه وأمتّه فحسب، بل استهتاراً بكرامة القانون الدولي ومؤسساته العالمية. تلك التي لم تجرؤ على النطق بالحقيقة حتى لا تلزم نفسها بأقل واجبات الاحتجاج أو الإغاثة، وليس العمل الجدي على وقف المجرم عند حده. فما أبعد القرارات السياسية للمجتمع الدولي عن هموم الشعوب المعذبة. بينما تتعارف الشعوب من خلال أحوال التعاطف العفوي الذي تثيره فيما بينها مآسٍ متشابهة؛ لكن الأنظمة الحاكمة تجعل مشاركات شعوبها في نجدتها لبعضها. مقنَّنةً سلفاً بممارسة الدبلوماسيات المتعارضة؛ ومقاييسها شبه السرية. وحتى لا نذهب بعيداً مع التعميم، نلاحظ أن ثورات الربيع العربي، رغم وحدة الهدف في الصراع ضد أنظمة الطغيان المتماثلة، إلا أنها ـ هذه الثورات ـ لا تكاد تتواصل مع بعضها؛ ليس ثمة تساندٌ بين السابق منها مع اللاحق، والأقوى منها مع الأضعف. ها هي الثورة السورية تجد نفسها تتقاذفها أنظمةُ عربية وأخرى دولية. كأنها مضطرة للتعاون مع أشباه عدوها، من حكومات ودول إقليمية أو عالمية. بينما تتفرج شعوب الأمة العربية الثائرة على بعضها؛ تكاد تتساوى جميعها في مستوى العزلة والانكفاء على الذات. وهي أحوج ما تكون لبعضها في لحظات الانعتاق من وحوش الاستبداد والاستغلال.

الحدس الشعبي في الوطن العربي نافر من عزلات ثورات (الأمة) عن بعضها، فهو يراها ظواهر لحركة واحدة. أسبابها مشتركة ما بين درجات الظلم والاضطهاد وانسداد المصير العام والفردي، وأهدافها متآلفة، متراوحة بين الحرية والتقدم والعدالة. لكن لكل ثورة وقائعها الخاصة المتأثرة بإمكانيات الكفاح المتوفرة من جهة، وصراعها مع أدوات القمع والعسف السلطوي من جهة أخرى. إنها الثورات التي لا تعرف هويتها. سلميةً أو عنفيةً، قبل أن تنخرط في معاركها اليومية. هذا ما يحدث للثورة السورية التي لم تصمد فحسب ضد عدوها القهّار، بل ما تزال صامدة ضد عنفها الذاتي، متمسكة بقوة الكفاح السلبي، حتى عندما تضطر للتنسيق مع حماتها من العسكريين المنشقين، لكن عندما يعلن النظام حرباً حقيقية شاملة فإنه لا يتبقّى للمجتمع الثائر إلا حقَّه الأخير في اللجوء إلى الحرب الشعبية، إلى المقاومة المشروعة باعتبارها ليست فقط تعبيراً عن حق الدفاع عن النفس ضد العدوان الهمجي اللاشرعي، بل تغدو المقاومة بكل وسائلها. واجباً إلزامياً، تفترضه شرعة المواطنة السوية، عندما يصبح كيان الدولة والمجتمع مهدداً من قبل عدو الداخل الذي قد يتجاوز عدو الخارج، في نوعية أخطاره اليومية، المستهدفة للمصير العام، في عمق جذوره الإنسانية والحضارية، لصالح زمرة إجرامية قاتلة.

هنا ينبغي التمييز بين المقاومة الشعبية والحرب الأهلية، بل لعل الأولى هي المانعة للثانية. وقد أصبح النظام الخائف من سقوطه المتدرج، بوعي أو بدونه، مندفعاً في تيار الاقتتال الأهلي، جاراً مواقع الثورة نحو التحول إلى خطوط فصل وعزل ما بين قطاعات أهلية كانت متداخلة ومتآلفة عفوياً وطبيعياً. بينما تجد الثورة نفسها منساقة في خيار تاريخي محتوم تعرفه الشعوب الثائرة عندما تضطر إلى خوض حروب تحرير بأساليب تنظيم المقاومة الشعبية؛ فقد برهنت معطيات الأزمة السورية أن الثورة لم تعد تكافح نظاماً سياسياً، تختلف مع أهدافه وآلياته. بل إن صراع هذا النظام ضد أبسط معارضة باسم المصلحة العامة، أدّى به إلى مضاعفة القمع الجذري، دون التخلي عن الاستئثار الفئوي الأضيق بكل فعالية أو مؤسسة، أو في الإدارة لكل شأن عمومي وقطاعي، وحتى فردي. فأية جدوى لإصلاح دولة، مقبوض على مفاصلها بأقذر أيد للأمن والفساد معاً.

بالمقابل، فإن الثورة السورية، بعد أن تجاوزت عصر المعارضة ودعاوى الإصلاح، أصبحت أمام المفترق مجدداً، بين المقتلة الأهلوية أو المقاومة الشعبية، قد لا يكون ثمة تمييز واضح بينهما في سياق صراع أضحى دموياً رهيباً في مختلف جبهاته، كما هو حال خارطتها الراهنة. لا يرجع التفريق بين النقيضتين سوى أن المقاومة الشعبية باتت تتمتّع بذخيرة من المبادئ والوعي المجتمعي لدى ثواّرها بحيث يطغى لديهم حسّ الانتماء للمواطنة على كل تصنيفية فئوية ضيقة، أو عصبية مذهبية جانحة. فقد عرّت عموميةُ الثورة أربابَ النظام من عباءة المذهبية التي يتخفون وراءها. عزلتهم فظائعهم عن السواد الأعظم من مثقفي الطائفة، صار هؤلاء متبرئين من مسؤولية جماعية يُقحمون تحت نيرها ظلماً وبهتاناً، في حين يعي شعب الثوار بالمقابل أن أية جماعة لن تتحمل أوزار شريحة ضالّة من أفرادها. فلا مسؤولية جماعية مقابل إجرام جماعي يرتكبه أشخاص محددون.

هذا الوضع الإنساني القانوني معاً جعل إدانة النظام تتخذ طابعاً عالمياً، عندما تُسْقِط 'الأمَمُ المتحدة' الشرعيةَ الدولية عن شخص الرئيس السوري بدعوته إلى التنحي فكأنها تصادق بذلك على ما أنجزته الثورة على طريق تجريد الرئيس من شرعية منصبه، وتحويله بالتالي إلى مجرد زعيم عصابة للقتل والنهب والتدمير، بعد أن تمَّ لها الاستيلاءُ على مقاليد دولة ومجتمع ووطن. فكانت أشبه باحتلال أمني وعسكري واقتصادي. تمارسه طغمة عدوة أشبه ما تكون بسلطة أجنبية غازية. فالقرار الدولي، إذ يسحب شرعية الرئيس، فإنه في الوقت عينه، يمنح الثورة صفة المقاومة الشعبية مكلّلةً بشرعيتها الإنسانية، كمكافأة مستحقة لها، واعتراف برصيدها من إنجازات التضحية اللامحدودة إلا بشرط التحصيل العيني الواضح لوعود التحرر الوطني الشامل. بوسائلها الدفاعية العلنية. كذلك فإن هذا القرار التاريخي حقاً، يجعل 'الأمم المتحدة' تسترد بنيتها الأصلية أو وظيفتها المسندة إليها عالمياً، في أساس إنشائها كبرلمان للشعوب المقهورة وسواها، وليس لدولها فحسب.

إن برلمان الشعوب هذا العائد إلى الممارسة القانونية السليمة، لم يكتف بنزع الشرعية الزائفة عن واحد من أواخر أنظمة الاستبداد العالمثالثي، وأشدها امتهاناً وقهراً لحقوق الإنسان عامة، وليس لإنسان مجتمعها المأسور وحده. لم يتوقف عند إعادة تأهيل منظمته، كأعلى سلطة ضغط وإنصاف عالمية حاكمة بالرأي الاختياري والحق المبدئي وحده. بل راح ويعارض سلطة العسف الدولاني لأصحاب الفيتو الخمسة في 'مجلس الأمن'؛ إن تصويت العدد الأكبر من أعضاء الجمعية إلى جانب حق الثورة السورية في تغيير نظامها القمعي الهمجي، لا يعيد تأهيل ثقافة حركات التحرير الوطني من الاستعمار الأجنبي وحده، بل لعلّه يجدد عصر التحرر الوطني من أشكال الهيمنة الأهلية التي هي بمثابة استعمار داخلي قد يتفوق على فظاعات أصله السابق وعرّابه الدائم، ذلك الاستعمار الخارجي الأجنبي.

الربيع العربي وفي مقدمته تبرز الثورة السورية، سوف يكتسب رِيادَة القطيعة الأنطولوجية مع تلك الحقبة المشؤومة. الموصوفة بسيطرة نموذج الدولة الأمنية على حركات التحرر الوطني لمجمل دول العالم الثالث، والعربي في مركزه. وقد كانت مهمة هذا النموذج هي إجهاض النقلة النوعية من مجتمع الاستعمار إلى مجتمع النهضة، ما يعني امتداد الهيمنة من سطوة الاحتلال العسكري الأجنبي إلى ابتكار أشكال الاحتلالات البوليسية واللصوصية من قبل فردنيات وأقلويات محلية، مُسْتَعْبَدة بهلوسة المال والسلطان، طاغيةً على الأكثريات الساحقة من مجتمعاتها. كانت تلك هي حقبة امتداد الاستعمار الغربي إلى استعمار أهلوي، وكيلٍ للأول، ومحروس بسياسته، وذلك طيلة الحرب الباردة العالمية، ومن ثَمَّ إلى ما بعدَها. فالربيع العربي ليس عرضياً أو إقليمياً، إنه يستكمل التحرر السياسي من المستبد المستغل الأجنبي، بالتحرر الاجتماعي البنيوي من عدو الداخل الطبقي والسلطاني، بمعنى أن الربيع العربي يؤذن بلحظة تغيير كوني في أنطولوجيا العلاقات غير السوية ما بين الدول الأقوى والدول الأضعف. فحين يصبح استعمار الآخر مباشرة أو بالوكالة المحلية والإقليمية مستحيلاً، لا بد أن يرتدّ قهرُ الأقوياء إلى نحرهم. أي أن إنجاز إلغاء الاستعمار سوف يصحّح العلاقات الطبقية المختلّة لمجتمعات الدول الرأسمالية عينها. هذا هو المغزى الأنطولوجي العميق لما يسمّى بالأزمة الاقتصادية المستديمة في الغربين الأوروبي والأمريكي. إذ يشهدان معاً نهايةً تفوقّهما اقتصادياً إزاء عمالقة الانتاج الكمي والنوعي في الشرق، وعسكرياً، وربما جيوسياسياً كذلك إزاء المزيد من تحرر قارة الإسلام، بريادة غير مسبوقة ولا منتظرة غربياً على الأقل، من قبل الربيع العربي.

لكن هذا الربيع العربي بات مرتهناً بانحرافات كارثية نحو المقتلات الأهلوية أو الفوضى، إن لم تنتظم ثوراته المتتابعة في صيغ متقدمة واعية من المقاومات الشعبية. والمأزق السوري هو أوضح ما يعانيه الربيع العربي، إذ تتشخّص عبر ظواهره المتناقضة إشكاليةُ الثورة، كيف تكون ثورة في ذاتها ومن أجل ذاتها أولاً، واحدة متضامنة ما بين أسبابها ووسائلها وأهدافها حتى لا يتصورها الآخرون، كل الآخرين، المترصّدين لها، معها أو ضدها، أنها قد تصير أشبه بالفرس الحرون، يمتطيها كلُّ من هبَّ ودبَّ، وهو يحسب أنه قد تملّك من متْنها لوحده طارداً أدعياءها الآخرين، بينما يموت يومياً عشرات الشباب من أجل بقائها واستمرارها. فالغرب واستطالاته الإقليمية لا يزاولون يراوغون حول طرق المساندة، بالرغم من تظاهرهم بتبنيها، ومناصبتهم العداء للنظام القامع، عملاً بالمثل القائل: القوة التي لا تقدر على مواجهتها تحالف معها ليخلو لك ظهرُها.

بين النظام الذي يفضل الحرب الأهلية على الانسحاب من السلطة، وبين الغرب وأعوانه الذين ينتهزون الثورة لإعادة استتباع البلاد والعباد معاً لقاءَ المساعدات الخبيثة أو الملغومة، ينتفض الثوار الشباب مجدداً كيما يعلنوا أوَان دخول الثورة مرحلة المقاومة الشعبية المنظمة. فالثورة استحقت هويتها الشعبية باعتمادها حتى الآن على كل من عامليْ القوة الذاتية والانتشار كمياً وعمقياً في الجسد الاجتماعي والوطن الجغرافي معاً. ما يعني أن البلاد أخذت على عاتقها أن تكون سيدةَ نفسها، وهي تخوض أنبل صراعِ وجودٍ تحت صيغة حركة تحرّر وطنية بكل ما ترمز إليه من دلالات الانتظام الذاتي وأخلاق التعبئة والتضحية معاً. كل هذه الذخيرة الرائعة قد اكتسبت موادها الأولية والإنسانية من صمود نضالي رهيب عام ضد أوحش قمع، ولكن من أجل أنبل سبب لبقاء إنسانية الإنسان، أقوى من وحوشها الضارية، فالتة من غابٍ إلى الآخر، وصولاً إلى أظلمها في قلاع الاستبداد/الفساد، الموشكة على الانهدام فوق عروش طواغيتها واحداً بعد الآخر..

' مفكر عربي مقيم في باريس

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ارتهانات الثورة السورية بين الولايات المتحدة وروسيا * رضوان السيد

الدستور

20-6-2012

على أثر محادثات الرئيسين الروسي والأميركي على هامش قمة العشرين بالمكسيك، قيل إنّ الرئيسين توصلا إلى عدة نقاطٍ مشتركة تجنّب سورية الوقوع في الحرب الأهلية. والذي أراه أنّ ما اتفق عليه الرئيسان أو لم يتفقا لن يكون له أثرٌ في المدى المنظور. وذلك لأنّ الروس والصينيين لديهم عدة ملفات عاجلة مع الأميركيين، والثمن الذي يعرضونه ليس مغرياً؛ عندهم مسألة إيران والنووي، والجميع يلتقون على عدم تمكين إيران من إنتاج سلاح دمار شامل، لكنّ الروس والصينيين لا يريدون أن تُشنَّ الحربُ على إيران حتى لو قاربت إنتاج سلاحٍ نووي. وهذا ملفٌّ لا تستطيع الولايات المتحدة التنازُل فيه بعد أن جمعت الغرب كلَّه واليابان لحصار إيران. فإذا لم تتنازل إيران الآن في اجتماع موسكو عن التخصيب، فسيفشل الاجتماع أو يؤجَّل، وتقع روسيا والولايات المتحدة معاً في مأزق العجز عن التقدم أو التأخر. والملف الثاني هو ملفّ الدرع الصاروخي، الذي تعتبره روسيا تهديداً خطيراً لأمنها الاستراتيجي بعد أن نُصب من حولها في بولندا وتشيخيا وتركيا. وأوباما لا يستطيع التنازُل فيه الآن قبل الانتخابات، حتى لا يهيج عليه المحافظون ويجدوا حُججاً ضدَّه.

أمّا الملف الثالث العاجل، والذي تملك روسيا بالذات- لكنْ ليس وحدها- نصيباً وافراً فيه فهو نظام الأسد ومصيره. ولدى موسكو دوافع متناقضة للتقدم والتأخر. فالملف من جهة مثل قرن الآيس كريم الذي يتآكلُ إن لم يؤكل، وكلما ازدادت الثورة على النظام هناك وقاربت النجاح، تقلُّ إمكانيات موسكو في استخدامه. وهذا دافعٌ قويٌّ للدخول في صفقة مع أميركا من حوله أو خاصة به، فتُظهر أنها شريكٌ مُضارب، وإن لم يكن له أثرٌ مهمٌّ على أرض الأزمة. إنما هناك من جهةٍ ثانية دورها في الوساطة مع إيران، وهاجسها من الدرع الصاروخي، وهذا كلُّه يجعلها في مطمعٍ دائماً أن تتمكن من إجراء صفقة شاملة، لا تستطيعها الولايات المتحدة إلاّ بعد الانتخابات! ثم هناك “منظر” موسكو الاستراتيجي، وأنها شريكٌ كبيرٌ في المجال الدولي، وهذا مهمٌّ بالداخل وتجاه الجوار والخارج. وهناك من ينصح في هذا الصدد، ولأجل إظهار القوة الضاربة والاستراتيجية أن تبقى موسكو مع النظام السوري إلى النهاية مهما كلَّف الأمر. ومن الأدلة على ذلك، الأسلحة الكثيرة التي تُرسلُها إلى سورية، وإرسال مشاة البحرية لحماية قاعدتها في طرطوس، والاقتراح أن تكون إيران جزءًا من لجنة الاتصال أو المؤتمر الدولي بشأن الأزمة السورية!

إنّ هذا كلَّه يُرجِّحُ أن تحصُل مهادنةٌ بين الطرفين ولصالح الإثنين حتى مطالع السنة القادمة، فتبقى الأزماتُ على نارٍ هادئة دون أن تجد علاجاً. لكنّ منظر روسيا الاتحادية شديد السوء لدى الشعوب العربية، ولدى المسلمين في روسيا، ولدى الغرب الأوروبي. وهكذا فإنّ بوتين يريد زيارة الأراضي الفلسطينية لتحسين منظره لدى العرب. لكنّ العرب والإسرائيليين يعرفون أنّ موسكو – مثل الولايات المتحدة- تجد نفسها مسؤولةً عن أمن إسرائيل لأنّ عندها مليوني يهودي ذوي أصول روسية في إسرائيل. وعندما بدأت الثورة في سورية ذهب اليمين واليسار الإسرائيلي إلى روسيا، كما ذهبا إلى الولايات المتحدة، للتعبير عن قلق إسرائيل على مصير النظام السوري. ووقتها وجدا ترحيباً في موسكو أكثر من وشنطن! لكنّ الإسرائيليين الآن- وبعد أن يئسوا من إمكان بقاء النظام السوري- وجدوا مصلحةً في سقوطه لتأثير ذلك سلباً على إيران وحزب الله!

وهكذا؛ فإنّ لموسكو وواشنطن مصلحةً في تأجيل حلّ الأزمة ومن طريق المؤتمر الدولي ولجنة الاتصال وما شابه. ولذا فمن مصلحة الثورة والثوار للخروج من الارتهان الروسي- الأميركي تصعيد ثورتهم بالسلاح وبغير السلاح، وعلى دول الجامعة العربية (ودول الخليج من بينها على الخصوص) أن تقرر خطواتٍ جديدةً في دعم الثورة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ما الذي يجري صراع أم حرب؟

د. جلال فاخوري

الرأي الاردنية

20-6-2012

لعل ما تنفرد به ظاهرة الصراع أنها ديناميكية متناهية التعقيد نظراً لأبعادها وتداخل مسبباتها وتعدد مصادرها وتشابك تفاعلاتها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة وتفاوت مستوياتها من حيث المدى والكثافة والعنف. والصراع بطبيعته هو تنازع إرادات وهو تنازع ناتج عن إختلاف الدوافع والتصورات والاهداف والتطلعات مما يؤدي في التحليل الاخير إلى الاختلاف العميق. ومع ذلك فإن الصراع يظل دون درجة الحرب، وأدوات الصراع تندرج من الإجابية إلى السلبية ومن الفاعلية الاكثر إلى السلبية الاكثر.

إن الحرب لايمكن أن تتم إلا على صورة واحدة وأسلوب واحد وهو التصادم بوسيلة العنف المسلح وعليه فإن الحرب هي الحسم النهائي لتناقضات جذرية لم يعد يجدي معها إستخدام الاساليب الاقل تطرفاً والاكثر ليناً. وهكذا تصبح الحرب المسلحة تمثل نقطة نهائية في تطور الصراعات. ويمكن القول أن الصراع اشمل واعقد في مفهومه ونطاقه من مفهوم ونطاق الحرب لان الحرب متى وقعت فإنها لاتترك أمام أطرافها إلا الخيار بين الاستمرار أو الإستسلام.

من خلال هذا المفهوم الواعي لطبيعتي الحرب والصراع يمكن أن نطرح السؤال التالي: ما الذي يجري على الساحة العربية أهي حرب أم صراع؟. إن الأختلاط والامتزاج الحاصل بين إدارة الصراع أو الحرب وبين إستعمال العنف بشكل صاعق وساحق يجعل من ظاهرة إستعمال العنف أشبه بالحرب غير المعلنة وكذلك اشبه بصراع ممتد ومعقد. وهذا ما يطيل ازمات الصراع أو الحرب.

لكن الافت للنظر في الصراعات أو الحروب العربية أن أهدافها ضبابية وغير واضحة فلا هي صراعات على أهدافا أو إيديولوجيات مفهومة وتخلو من العنف المسلح ولا هي حروب مسلحة إذ لا بروز أو وضوح لصراعات أهدافها واضحة وهذا ما يحيل الازمات العربية إلى صراعات وحروب غير مفهومة إلا إذا تابعنا تصريحات ونوايا الغرب على العرب. فالاهداف ليست عربية وعلى العكس الحروب العربية تستخدم أهدافاً غربية وهذا ما إنقسم العالم عليه من أن أهداف ما سمي بالثورات هي أهداف غربية تنفذها أيد عربية وإلا كيف نفسر تصريحات الروس والصين والعالم المحايد من منع التدخل الغربي ومنع إستخدام السلاح الغربي؟

إن الحقيقة الصارخة التي أبرزتها ما سمي بالثورات العربية المنفذة لاهداف الغرب هو إبراز سمة عدم الوعي على طبيعة ما يجري أو إلى أين يسير وماهي محصلته. فالتصريحات الغربية والاسرائيلية غير واعية على التحريض الذي تقوم به وعلى إمتداداته وحدوده وغير واعية على سرعة إمتداد الحرائق التي قد تنشرها. ففي كل صباح يطالعنا المهتمون الغربيون بأن المنطقة بأسرها مهددة وكذلك المهتمون الروس والصينيون. أفلا يعقل الممولون والمنفذون لهذه الصراعات المسلحة أن ما يجري هو لعب بنار وأن الاستمرار بهذه الاعمال هو مساهمة بالحريق الذي قد يحصل؟

أما المسوقون والمروجون للتدخل العسكري من العرب والكتاب فهم يغرقون العقول العربية بضرورة التدخل لرفع الظلم عن الشعوب هم يدركون ان الوهم والفبركة أكبر وأعمق من الواقع بمحاولات تغيير الواقع بالتفجيرات والاغتيالات وتهريب السلاح هي محاولات عابثة ذات وقع شديد والم عميق دون أثر إيجابي. فالذين يتلذذون بسفك الدماء ممن بيدهم السلاح من تجار ومقاتلين هم يكتوون بنار يشعلونها. فكل جيش وكل شعب يدافع عن نفسه ويصون منجزاته يحمل ترخيصاً بإستخدام السلاح ضد ثوار مارقين لا هدف لهم أو وحدة أو قوة أو أساليب قتال. فالقتال ضدهم حق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قراءات مغلوطة للمشهد السياسي في سوريا

باسل أبو حمدة

2012-06-19

القدس العربي

ثلاث قراءات قيد التداول للمشهد السياسي السوري، إثنتان منهما مغلوطتان عمدا بينما تتجذر الثالثة في واقع يوميات المواطن السوري وتستمد صحتها من وجعه ودمه النازف، القراءة الأولى تقوم على وصف ما يجري بالحرب الأهلية بينما تذهب الثانية إلى وصف ما يجري بأنه حرب إقليمية - عالمية بالوكالة، لكن واقع الحال الذي تشي به القراءة الثالثة يؤكد أن ما يجري لا يخرج البتة عن إطار القمع والممارسات الاستبدادية حيث يقوم النظام السوري بقتل الشعب السوري.

تشخيص الحالة السورية، التي لا تشبه أي حالة أخرى من ناحية منسوب القتل القائم على عقيدة مريضة تنــــبذ الآخر أي آخــــر وتسمه بالخيانة العظمى وتحلل قتله، لا يحتاح إلى كثير عناء ولا إلى كل تلك التحليلات السياسية الرائجة هذه الأيام حتى يماط اللثــــام عن عملية قتل معلنة وممنهجة ومفضوحة ترتكبها عصابة النظام على المكشوف بحق شعب أعزل، لكن كي لا يبدو هذا التشخيص ميالا إلى الرومانسية والعاطفة، سنسمح لأنفسنا ونمضي في تحليل القراءات الثلاث التي يتم تداولها على نطاق واسع بين كافة السياسيين والمحللين وعلى اختلاف مللهم ومشاربهم وحتى مصالحهم.

الحرب الأهلية تندلع عادة بين جماعات مسلحة في دولة ما، وهي تسمى كذلك عندما يتوفر عنصر التكافؤ النسبي أو الحد الأدنى منه بين القوى المتصارعة بغض النظر عن الأسباب التي تدفعها إلى خوض ذلك الصراع والتي يمكن أن تكون سياسية أو طبقية أو دينية أو عرقية أو إقليمية أو مزيجا من هذه العوامل مجتمعة أو بعضها، أي أن تسمية هذا النزاع المسلح أو ذاك لا تتأتى من أسبابه وإنما من شكله وحجوم القوى المشاركة فيه والتي تميل في غالب الأحيان إلى التشابه والتقارب في هذه الحالة، الأمر الذي لا ينطبق على الحالة السورية وينفي، بالتالي، أي مسوغ يستدعي إطلاق صفة الحرب الأهلية على الصراع الدائر في سوريا على السلطة السياسية بين جيش نظامي بكامل عدته وتعداده وعتاده يسانده نحو 15 فرع مخابرات ومئات الآلاف من الميليشيات العسكرية أو شبه العسكرية من جهة وبين شعب أعزل يقف إلى جانبه مجموعة من الضباط والجنود الذين انشقوا عن الجيش النظامي حماية للثورة الشعبية السلمية التي اندلعت في أحياء المدن والقرى والأرياف بشكل شبه عفوي بعد أن طفح الكيل بالناس وقرروا استعادة حريتهم المسلوبة منذ نحو نصف قرن من الزمن.

الأمثلة كثيرة على الحروب الأهلية في العالم وكي لا نبتعد كثيرا عن الجغرافيا السورية، سنأخذ ما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي له عام 2003 نموذجا يمكن الاعتماد في توصيف الحرب الأهلية، التي دارت رحاها هناك بين قوى سياسية متصارعة ليس على السلطة فقط وإنما على إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للعراق وإعادة موضعة مكونات الشعب العراقي ضمن تلك الخارطة الجديدة القائمة على مبدأ 'الكوتا' أو المحاصصة الطائفية العرقية والتي تمخضت على توافق أعرج هو أقرب إلى إتفاق الطائف الخاص بالحالة اللبنانية، وبمقارنة هذه الخارطة السياسية مع الوضع القائم في سوريا، نجد أن الطرف الوحيد الذي يدفع باتجاه هذا النوع من المحاصصة هو النظام السوري نفسه الذي وجد نفسه مكشوفا أمام المجتمع المحلي والاقليمي والدولي مفتقرا لأي صنف معروف من أصناف الشرعية ما خلا شرعية المحاصصة التي باتت، في عينه، منشودة لأنها الوحيدة، من وجهة نظره، التي تؤمن له الإستمرار في بسط سطوته على كامل سوريا أو على جزء منها إن تعذر الخيار الأول، ومن هنا تأتي مراهنة النظام السوري على مد الصراع زمنيا إلى أطول فترة ممكنة مع تعمد تصعيد منسوب القتل بغية حشر جميع أطرف الصراع البعيدين منهم قبل القريبين في زاوية النموذج العراقي أو اللبناني وغيرهما من نماذج التشكيلات السياسية العرجاء الحاكمة في المنطقة والعالم.

لكن محاولات النظام السوري في هذا الاتجاه باءت بالفشل وقد تكسرت بالفعل لا بالقول على صخرة وعي كافة مكونات الشعب السوري على اختلاف مشاربه لطبيعة الصراع ولم تندلع الحرب الأهلية 'المنشودة' التي من شأنها تمزيق البلد وفتح العديد من الثغرات فيه التي تعتبر بمثابة بوابة واسعة للتدخلات الخارجية وهذا ما يحاول النظام السوري فعله على أرض الواقع حيث سرب عمدا ومنذ بداية الثورة الشعبية السورية الكثير من المعلومات حول وجود عناصر أجنبية تسانده في قمع ما يطلق عليه العصابات الارهابية المسلحة، فضلا عن الاعلان عن متتالية من تحركات لقطع من الأساطيل البحرية الروسية وبخترتها في مياه المتوسط ووصولها إلى ميناء طرطوس، بينما لم تأت الدعوات الصادرة عن أطراف من المعارضة السورية للتدخل العربي أو الإقليمي أو الدولي إلى بعد نجاح النظام في إدامة عملية الإبادة الجماعية التي يرتكبها ضد الشعب السوري بكل أطيافه وكذلك بعد أن تمكن من الوصول بمنسوب القتل إلى هذا المستوى غير المسبوق في تاريخ الانسانية، أي أن هذه الدعوات تقع بطريقة أو أخرى في فخ نصبه النظام بغية حرف الأنظار عن الصراع الداخلي الحقيقي على السلطة السياسية، ومن هنا جاءت تلك المقولة التي باتت تتردد على كل لسان والتي تقول إن الصراع لم يعد في سوريا وإنما على سوريا وإن ما يجري في سوريا ما هو إلا حرب إقليمية ودولية بالوكالة وبقية الاسطوانة المشروخة معروفة.

لا، ما يجري في سوريا لا علاقة له بالحرب الأهلية ولا بحروب تخاض على أرضها بالوكالة، ما يجري في سوريا هو صراع على السلطة السياسية بين نظام مستبد وثورة شعبية تواقة إلى الحرية، ومن يقول غير ذلك يقع في حبائل النظام ومكائده ولن يصح إلا الصحيح في نهاية المطاف، فعلى الرغم من محاولات النظام باتجاه شيطنة المعارضة السورية ودفعها إلى حمل السلاح، إلا أن الطابع السلمي للثورة السورية لا يزال يشكل سمتها الأبرز، بيــــنما يعتبر الجيش السوري الحر مجرد رديف للثورة، لا بل إن الأمل معقود على أن ينتقل إلى صفوفه كل ما تبقى في صفوف جيش النظام. أما من يتحدث، في قراءة رابعة ربما، عن طرف ثالث أو رابع أو خامس أو أكثر في مشهد الصراع على السلطة في سوريا، فإن التجربة تشـــــي بأنه سيكون هناك دائما أطراف أخرى، لكن هذه الأطراف لم تشكل ولن تشكل في أي يوم من الأيام أي مكون مهما صغر حجمه من مكونات صراع داخلي بامتياز بين نظام مستبد وثورة شعب تواق إلى الحرية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

روسيا لن تحطم بيديها نموذجها السوري

غازي دحمان *

الأربعاء ٢٠ يونيو ٢٠١٢

الحياة

المواقف التي طرحها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مؤتمره الصحافي الشهير، والتي تبنى عبرها رؤية، أو مزاعم النظام السوري للحدث، بل وزاد عليها، تعكس الصورة الحقيقية لمبادرة الحل التي تقترحها روسيا للأزمة عبر ما يسمى «مجموعة الاتصال»، والتي يراد لها أن تضم إضافة إلى بعض القوى الإقليمية والدولية، إيران حليفة النظام العضوية وأكبر داعميه ومموليه بالسلاح والرجال والمال، والمدافعة حتى حدود الاستماتة عن بقائه واستمراره.

التقديرات بهذا الخصوص ذهبت إلى مطارح سياسية يمكن من خلالها تصريف المواقف الروسية بالمنطوق السياسي الذي يحكم سلوك الكيانات السياسية عظيمها وصغيرها، والتي ترتكز على الجدوى السياسية ومبدأ الممكن ودراسة الفرص والمخاطر واللعبة السياسية ومناوراتها، وعليه فقد ذهب الكثير من التفسيرات إلى اعتبار أن روسيا تفتح باب المساومة في المسألة السورية انطلاقاً من قراءتها لمعطيات المشهد السوري الجديدة، وأنها في تشددها المعلن إنما تسعى إلى تقوية أوراقها الإستراتيجية في ملف راهنت عليه كثيراً، وفي ظل اشتراطات تفاوضية صعبة فرضتها عليها كل من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، تكاد أن تفقدها هيبتها ومكانتها.

ويذهب تحليل آخر إلى أن مرد التشدد البادي في الخطاب الروسي، محاولة لطمأنة النظام السوري، وبعض القوى المؤثرة بداخله، إلى مدى مساندتها، وذلك بهدف جر قدم النظام إلى العملية السياسية والتفاوض، وبذلك يمكن إحالة الخطاب السياسي الروسي إلى كونه مجرد إعلان نوايا تجاه النظام، وبخاصة بمضامينه المدافعة عن الأقليات وتبرئته للنظام من كل الجرائم المقترفة.

ولا يخرج عن هذا السياق اشتراط وجود الطرف الإيراني باعتباره شريك النظام وسنده الإقليمي، على اعتبار أن ذلك من شأنه تشكيل شبكة أمان للنظام قد تسهم في تشجيعه على الدخول في العملية السياسية المنتظرة.

تتأتى قوة هذا النمط من التحليل السياسي بارتكازه إلى قاعدة شهيرة في العلاقات الدولية تعتمد تغليب مبدأ حسن النوايا في سلوك الأطراف الدولية المختلفة، وكذا الارتكان إلى عقلانية ومسؤولية السلوك السياسي لدولة عظمى ومسؤولة بحجم ومكانة روسيا، وبالتالي فإن منطق المغامرة والمناورة بمعناها السلبي يصبح غير وارد.

غير أن السلوك الروسي في سياق الأزمة السورية تعرض لامتحانات عدة، ولم تكن النتائج إيجابية، بحيث يظهر أن ما تمارسه الديبلوماسية الروسية يمثل إستراتيجية وليس تكتيكات سياسية، كما بدت واضحة محاولات توظيف الأزمة السورية في سياق صراع المصالح والنفوذ الذي تخوضه موسكو مع الغرب، وتكمن الإشكالية في هذا الإطار في حقيقة أن حزمة المطالب التي ترفعها روسيا في مواجهة منافسيها وخصومها كبيرة تشمل مكانتها الميدانية في منطقة الشرق الأوسط ومكانتها السياسية ونفوذها في مجلس الأمن، وكذلك علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة، والتي يمكن تحقيقها عبر تنازلات غربية في خصوص «الدرع الصاروخية» التي ترى أنها تفقدها قدرة الردع النووية، وتسعى لإبرام معاهدة شراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي تشمل إلغاء تأشيرات الدخول لمواطنيها، وكذلك منحها تسهيلات إضافية في إطار منظمة التجارة الدولية، أو تخفيف الدعم الأخلاقي والسياسي الغربي للحركة الاحتجاجية في روسيا.

وما يرفع منسوب الشكوك في السلوك الروسي في طرحه لفكرة مجموعة الاتصال الإصرار على إشراك الجانب الإيراني، ذي السلوك التخريبي في المنطقة والذي ينسب إليه إسهامه الكبير ويشكل مقصود في تطييف الواقع الاجتماعي في المشرق العربي وتخريب التعايش السلمي في المنطقة وإشعال نار الفتنة بين مكوناته والتي اتخذت من العراق ولبنان مراكز انطلاق لها، وتهديد الخليج العربي عسكرياً بشكل واضح وصريح، وهو ما لا يمكن معه فهم الإصرار الروسي على إشراك إيران إلا أنه إما محاولة لإعادة تأهيل إيران وتبييض صفحتها عبر إظهارها كطرف شريك في حل الأزمات وصنع السلام في المنطقة، أو محاولة لشرعنة تدخلها في شؤون المنطقة عبر موافقة دولية صريحة، بما يضمن إعادة صياغة هذا التدخل في إطار الشرعية الدولية ومقتضياتها.

لا يوجد تحت عباءة الدب الروسي ما يخفيه، إذ أن مقاصد روسيا يفضحها سلوكها اللاأخلاقي تجاه الثورة السورية، والواضح أن الهدف من طرحها مبادرة مجموعة الاتصال، عدا عن كونها محاولة بائسة لإعادة ضخ الحياة في شريان النظام السوري الميت سريرياً سوى من قدرته على القتل، محاكمة العالم عبر سجالات منبرية تهدف إلى إعادة تأهيل المنظومة الأيديولوجية الروسية وتبييض سمعة روسيا التي تلطخت بدماء الأبرياء في أكثر من مكان في العالم، وتغيير الصورة النمطية عن ديموقراطيتها الكاريكاتورية، ومحاولة إثبات أنها ديموقراطية مفيدة للاستقرار العالمي، باستثناء هذه الأهداف الرخيصة، لا تحمل المبادرة الروسية أي إمكانية للحل في سورية، إذ من المستحيل أن تقدم موسكو على حل يفضي إلى إخراج بشار الأسد من حكم سورية نتيجة ثورة شعبية، لا لشيء بقدر كونه يمثل انعكاساً لديموقراطية النخبة الروسية، وهذه قمة المصالح الروسية غير المرئية للعالم.

لا شيء في دمشق يوحي بأن النظام يتهيأ لمرحلة تفاوضية، ولا يبدو أن قنوات الاتصال مع موسكو قد حملت مثل هذه الأخبار. النظام الذي يمارس مهنة القتل المتنقلة لم ينقطع يوماً عن القيام بهذه الوظيفة، فهل بسلوكه هذا يساعد حليفه الروسي في تسهيل مهمته التفاوضية؟ يجب أن لا تغرينا عبارة من هنا أو هناك تخترق الخطاب السياسي الروسي عن الواقعية التفاوضية والسعي إلى التغيير السلمي والانتقال الديموقراطي، فتلك مجرد واجهات لسياسة تميزت بالوضاعة واللاأخلاقية، ولا تعدو أن تكون مجرد فخاخ يتم نصبها للعالم على الأرض السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤامرة أميركية - روسية ضدّ سورية وإيران

حميد رضا عسكري *

الأربعاء ٢٠ يونيو ٢٠١٢

الحياة

انتهى اجتماع بغداد بين إيران ومجموعة خمسة زائد واحد الى نتائج غير مشجعة، فشاع أن ثمار المفاوضات الإيجابية ستنعقد في اجتماع موسكو. وعززت التوقعات هذه اجتماع الرئيسين الإيراني والروسي في الصين علی هامش قمة شنغهاي، وزيارة وزير الخارجية الروسي طهران. ويبدو أن ثمة احتمالات كثيرة في قمة بغداد، منها استمرار المواجهة الاميركية الروسية حول الملفين السوري والإيراني، فكل من موسكو وواشنطن يطالب بأهداف خاصة في هاتين القضيتين، لذا تحتدم المنافسة بينهما للفوز بمزيد من المكاسب كلٌّ علی حساب الآخر.

وتنفذ المطالب الاميركية في الشأن السوري والملف الإيراني من طريق زيادة «الضغوط» علی إيران والسعي الى عزلها علی الصعيدين الدولي والإقليمي. ولا تهمل واشنطن احتساب المصلحة الإسرائيلية في معالجة الملفين السوري والإيراني.

في الازمة السورية تسعى الولايات المتحدة الى التضييق علی الحكومة السورية وتأجيج اشتعال نيران الأزمة من أجل تقويض النفوذ الإقليمي لإيران من طريق إضعاف أبرز حلفاءها في المنطقة، وإقصاء إيران بعيداً عن الأهداف الغربية. والحق أن سورية هي الخط المتقدم للمقاومة، وجسر إيران إلى الارتباط بحركات المقاومة في مواجهة إسرائيل. وإذا بسط الغرب سيطرته علی سورية قَلَّمَ مخالب اليد الإيرانية، فتتنفس إسرائيل الصعداء وترتاح، وتطلق يدها في بلوغ مآربها في دول المنطقة .

اما المصالح الروسية في سورية، فهي وراء المواجهة بين العملاقين الروسي والاميركي، فالعلاقات الروسية-السورية راسخة وقديمة وتاريخية، والحكومة السورية هي من حلفاء روسيا الإستراتيجيين. ويتعارض إحكام الغرب قبضته على سورية وتغيير حكومتها مع مصالح موسكو، لكن روسيا لا تقوى على مواصلة سياسة مجابهة الإجماع الدولي الساعي الى تغيير النظام في سورية، في وقت تؤيد الدول الغربية، ومنها الولايات المتحدة، والدول العربية مثلَ هذا التغيير. وتتصدى روسيا والصين وإيران لهذه المساعي، وتؤيد الحكومة السورية.

وثمة من يرى أن روسيا والولايات المتحدة تريدان الصيد في المياه السورية العكرة لتقاسم الكعكة السورية، وأن التجاذب في الأزمة السورية والمساومة الروسية في الملف النووي الإيراني قد يذللان عدداً من النزاعات بين البلدين (أميركا وروسيا). ويرمي الضغط الأميركي علی إيران إلى ضمان الأمن الإسرائيلي.

وسعت روسيا إلى حمل طهران على انتهاج سياسة «مرنة» في ملفها النووي، مستفيدة من العلاقة الوطيدة التي تجمعها بها. وقد تصطف روسيا مع الجانب الغربي، أو تقف موقف المتفرج وتلتزم الصمت على نحو ما فعلت في المرات السابقة، لتترك إيران وحدها في مواجهة عقوبات اقتصادية جديدة. ولقاء موقفها هذا، ستطالب موسكو واشنطن بضمانات في سورية، فتحترم الدول الغربية المصالح الروسية في سورية، وتصدع بالنفوذ الروسي في البلد هذا. وتحاول روسيا بما تملك من قوة الحؤول دون توسل الخيار العسكري الغربي في سورية، فمثل هذا الخيار يقيِّد اليد الروسية ويضعف مكانة موسكو في المجتمع الدولي، ويطلق العنان للأسرة الدولية في تقرير مصير سورية. لذا، يسعى الروس إلى إنجاح اجتماع موسكو والحفاظ علی أوراقهم في مواجهة الولايات المتحدة للحفاظ علی مصالحهم الإستراتيجية .

وما تقدم هو واحدة من القراءات لتفسير أحوال العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة. واذا صحت مثل هذه التوقعات، وجب على إيران تحصين مصالحها والتزام السياسات المناسبة والإجراءات الفعالة لتفادي أن تكون لعبة بين قوی الشرق والغرب.

* صــحــافـي، عــن «أفـريـنـش» الإيـرانـيـة، 14/6/2012، إعـداد محمد صالح صدقيان

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الموجة الثانية!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

20-6-2012

كان النظام السوري يعتقد أن تهدئة المدن يجب أن تسبق تهدئة الأرياف، وأن إخراج الناس من شوارع المدن سيفضي حتما إلى تلاشي مظاهرات البلدات المتوسطة والصغيرة، ثم القرى، وأن القضية ليست غير مسألة وقت، فالخطة صحيحة وهناك من ينفذها بلا هوادة، والشعب مشتت وخائف وبلا قيادة، والمعارضة مجزأة أو عاجزة، وليس في الأمر مفاجآت محتملة، وإن هي إلا أيام أو أسابيع قليلة وينتهي كل شيء.

وبالفعل، ركز النظام جهده على المدن، وشرع يفاخر بأن دمشق وحلب ليستا محتجتين أو أنه تم تطهيرهما من الحراك، وخاصة الشعبي والواسع منه. لا بد هنا من رواية قصة دمشق الحقيقية، فقد بدأت الثورة في ضواحيها الشرقية ثم امتدت إلى ضواحيها الجنوبية فالجنوبية الغربية فالغربية فالشمالية، حتى بدا وكأن الحراك يطوق المدينة ويضعها بين فكي كماشة عملاقة بشرياً وجغرافياً. عندئذ، انقض النظام عليها في الشرق أولا بدءا من دوما، ثم نشر جيشه في كل مكان وكرر احتلال وقمع قرى وبلدات الغوطتين الشرقية والغربية، وأعلن أنه تخلص من الطوق وقهر الشعب، فما كان من ضواحي المدينة الداخلية (المهاجرين، ركن الدين، برزة، مساكن برزة، القابون، جوبر، الميدان، كفر سوسة، وأخيرا المزة) إلا أن انتفضت بدورها وردت على الطوق الخارجي بطوق داخلي، عجز النظام إلى اليوم عن فكه أو التغلب عليه، رغم ما ارتكبه من مجازر وعنف، بينما عادت الثورة وانتشرت من جديد داخل الغوطتين الشرقية والغربية، داخل ضواحي العاصمة الخارجية، واتصلت بقوة مع الطوق الداخلي. كيف رد النظام؟ على طريقته المعروفة: بالعنف المتصاعد ومحاولة طمأنة نفسه وأنصاره بالحديث المتكرر عن الانتصار النهائي.

لحلب أيضا قصتها: فقد اعتبرت دوما مدينة الولاء والهدوء. واستخدمت مع دمشق للقول: إن نصف سكان سوريا (عدد سكان المدينتين) ليسوا مع الثورة، وبالتالي: الشعب موال للنظام. كان هذا الكلام يقال، عندما كان يوجد في حلب 14 مظاهرة يومية، وفي حلب وريفها أكثر من خمسين مظاهرة تضم مئات آلاف الأشخاص، وكان الأمن يلقي بطلبة الجامعة من نوافذ أبنية السكن الجامعي أو يقفزون هم من الطوابق العليا، مفضلين الموت على الوقوع في يديه ومواجهة التعذيب. لكن ما يحدث اليوم في حلب لا يترك سبيلا للحديث عن المدينة الهادئة والموالية، لأنها لو كانت كذلك لما انتشرت وحدات عسكرية كبيرة مزودة بالدبابات فيها، انضمت إلى نيف ومائة ألف أمني يحتلونها منذ بدء الانتفاضة.

انتقل الحراك خلال الأشهر الأخيرة إلى طور جديد، فقد نجح في احتواء هجوم الحسم، الذي شنته أكثر قوات النظام عنفا وأفضلها تسليحا في كل مكان من أرض سوريا، ثم حرر مناطق هائلة الاتساع من أي وجود سلطوي، ربما كانت مساحتها قرابة نصف مساحة البلاد. في هذه الأثناء، ازداد الحراك السلمي قوة وبأسا، وتعاظمت المقاومة، حتى إن حمص، التي أراد النظام لهزيمتها أن تقصم ظهر الثورة، ظلت عصية على الإسقاط، وها هي تشمخ بدمارها في وجهه، رغم ما يبذله من جهود مستميتة لقهرها، مع أن هذا لن يفيده حتى معنويا بعد أن سادت روحيتها معظم مناطق سوريا. ولعل ما يجري من مقاومة في حرستا، البلدة الصغيرة الواقعة على طريق دولي والتي لا تبعد غير عشرة كيلومترات فقط عن قلب العاصمة، لهو خير دليل على عجز النظام عن إحداث التحول المطلوب في الصراع، مهما كان جزئيا ومحدودا.

شن النظام هجوما عاما لم يفض إلى أي نتيجة غير جعل الثورة أصلب عودا وأشد مراسا، وعامة / شاملة بدورها. وكان فشله هو التحول المهم الذي عرفه الصراع، لأنه كان فشلا أصاب هوامش مناورة النظام التكتيكية، الذي أعقب فشل هوامشه الاستراتيجية، الواضح منذ بدء الصراع، ويعبر عنه بقاء الثورة واتساعها وتجذرها وتصميمها على النصر. بفشل هجومه، الذي نفذته أقوى وحداته، عادت الثورة إلى المدن أو توطنت فيها بقوة غير مسبوقة، وتأكد الفشل في إخراجها منها، بينما توطدت في الأرياف، التي تحولت إلى مناطق يصعب أكثر فأكثر على قواته دخولها أو البقاء فيها، وانقلب جيشه وأمنه إلى قوة جوالة تنتقل من مكان إلى آخر، لأنه لم يعد يوجد غير أمكنة محدودة تبقى موالية للنظام، بمجرد خروج دباباته منه.

مع اتساع الحراك جغرافياً وبشرياً، وخروج مناطق واسعة من يد السلطة، انضم في الأيام الأخيرة رافد جديد إليها - وإن بعد تأخر - هو ما يسمونه «البرجوازية السورية» أو باللسان الشعبي: «التجار»، الذين قاموا بإضراب عام في دمشق وحلب بالذات، وأعلنوا بطريقتهم العملية انفكاكهم عن النظام، الذي يفقد تأييد السوريين جماعة بعد أخرى، ويواجه حالة متفاقمة من الطرد إلى خارج المجال المجتمعي بكامله، الذي يبدو أن قواه وطبقاته بدأت تدخل بوضوح إلى زمن ما بعد البعث، وتعلن غربة الحاكم شبه الكاملة عن الشعب المقموع والمقتول، الذي شرع النظام يشن عليه عمليات إبادة منظمة في موجة جديدة من العنف، تستخدم كافة أنواع الأسلحة ضد المدنيين في كل مكان وموقع.

هذا هو رد النظام على موجة الحراك الثانية، التي تحوله إلى ثورة شاملة بكل معنى الكلمة، بعد أن كان بعضهم يأخذ عليه أنه ليس حراك دمشق وحلب، وليس ثورة جميع السوريين، بل هو حراك المناطق المتأخرة قليلة السكان.

تقف سوريا اليوم أمام مفترق طرق: نظام يدفع الأمور نحو الحرب الأهلية، وشعب يقاومه ويرفضها. هنا، في هاتين السياستين المتناقضتين تكمن الموجة الثانية، علما بأن الرسمية منهما تأخذ البلاد إلى خراب شامل، والأخرى، الشعبية، تعمل لإخراجها من مأساتها المديدة، وإدخالها إلى عالم مفتوح على الديمقراطية والحرية. أي الخيارين سينجح؛ خيار اليأس والموت أم خيار الأمل والخلاص؟ في الواقع القائم اليوم، تعتبر حظوظ الأمل أكبر من فرص الموت والدمار، رغم ما تتركه الجرائم التي ينظمها أهل الحل الأمني من انطباع بأن تدهور سوريا لن يتوقف عند حد.

يترتب على هذه اللحظة المفصلية استنتاجان: أولهما أن الشعب السوري يتخلص من نظامه بوسائله وقواه الخاصة. وثانيهما أن النظام زائل لا محالة، وأن تصرفاته أخذت تسهم في تقويض وجوده، ولم تعد قادرة على إبقائه في السلطة لفترة طويلة قادمة، لأن الشعب يراكم بصموده الأسطوري مقومات انتصاره!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري حين لا يتحمّل جلسة عشاء في «الكبابجي»

الحياة

جمال سليمان *

الثلاثاء ١٩ يونيو ٢٠١٢

من الأمور المدهشة خلال الثورة، أو الأزمة، أو الحراك، أو حملة الاحتجاجات في الشارع السوري – كل وفق ما يحب أن يسميها - أن نسبة كبيرة منا نحن السوريين خائنة ومستعدة للتضحية حتى بنفسها وأولادها وبيوتها خدمة للمؤامرة والمشروع الصهيوني. هذا كان مخيباً لنا نحن السوريين الذين كنا نظن أنفسنا - على اختلاف انتماءاتنا الدينية والعرقية و السياسية والفكرية - وطنيين وقوميين ومعنيين بمقاومة المشروع الصهيوني. والأجيال المعاصرة في تاريخ هذا البلد قدمت قوافل الشهداء وضحت بالعيش الرغيد في سبيل القضية الفلسطينية. وهذا، كما هو معلوم، لم يبدأ مع مجيء البعث إلى السلطة بل من زمن أبعد ، يوم ذهب عز الدين القسام وفوزي القاوقجي وغيرهما كثرٌ من السوريين لنجدة أهلنا في فلسطين، واستمر ذلك إلى يومنا هذا. والشعب السوري يعتبر أن التضحية من أجل المقاومة والدفاع عن الأوطان خطٌّ أحمرُ لا جدال فيه أو عليه. أي أن الشعب السوري لم ينتظر حزباً أو قائداً يسوقه إلى الوطنية ومقاومة المشروع الصهيوني، بل على العكس كانت جماهيرية أي حزب، أو قائد سياسي، قائمة على صدق سعيه و ثباته في هذا المضمار. أي أن السوريين هم الذين اشترطوا في الحاكم مبدأ الإخلاص للمقاومة وليس العكس.إلا أن وسائل الإعلام شبه الرسمية التي تديرها مجموعة من الشبيحة الدمويين الذين حققوا شهرتهم العالمية في فترة وجيزة في حين عجز باقي السوريين عن الوصول إلى ذلك، بمن فيهم نحن معشر الممثلين، تكشف لنا بلا هوادة حجم الخيانة المتفشي فينا نحن السوريين الذين كان لنا رأي مختلف عن رأي النظام في التعاطي مع انتفاضة الشعب السوري ضد الفساد والاستبداد. ومن الخونة التي كشفتهم هذه الوسائل هو أنا، الذي لم أكن أعرف أنني قد أبيع وطني من أجل حفنة من الدولارات.

هذا الكشف حصل مرتين، مرة عندما اتهمت بأنني في لقاء مع قناة «الجزيرة» قمت باسمي وباسم الفنانين السوريين بشكر القناة على تغطيتها الموضوعية والنزيهة لأخبار الثورة السورية. ووقتها توعدني الوطنيون الأشاوس بأن يستقبلوني عند عودتي إلى الوطن استقبال الخونة، وما أدراكم ما هو استقبال الخونة على يد الشبيحة الوطنيين أصحاب السجلات الجنائية الناصعة والماضي المحترم. ويومها اكتشف الرجل الشريف النزيه الساهر على تطبيق القانون، محافظ مدينة دمشق، (الذي سيذكر التاريخ أنه كان من نوائب الزمن على هذه المدينة العظيمة)، أن في بيتي مخالفة تستوجب إزالة قسم منه. ثم اتضح في ما بعد أنني لم أشكر «الجزيرة»، و لم أذمها، لأنني ببساطة لم أجرِ فيها أي لقاء مذ كنا نحن وقطر و«الجزيرة» حبايب نتبادل الزيارات و الهدايا. مع احتفاظي طبعاً بحقي أن أجري لقاء مع «الجزيرة» ومع غيرها في حال طلب مني ذلك، وشعوري بأن الأمر مفيد ويخدم قضية بلدي وشعبي التي أخلص لها فقط من دون أي شخص أو حزب أو تجمع سياسي.

عشاء يقلقهم

والكشف الثاني كان قبل أيام، وأيضاً على مواقع التشبيح، حيث انتشر خبر مفاده أن الأستاذ فراس طلاس أقام عشاء تكريمياً على شرفي وشرف الأستاذ عبدالحكيم قطيفان بحضور الإخوان المسلمين ممثلين بالسيد رياض الشقفة و الأستاذ طيفور والأستاذ برهان غليون والسيدة قضماني وباقي أعضاء المجلس الوطني (لم يأت الخبر على حضور السفراء الأميركي والفرنسي والتركي والقطري والبريطاني). ويهوذا أرسل هذا الخبر و نحن مازلنا على طاولة العشاء. و ماهي إلا دقائق حتى انتشر الخبر على أنه اختراق أمني كبير، فيه فضح لحلقة من حلقات المؤامرة على سورية لا سيما أنه - على ذمة يهوذا – كان المجلس الوطني ترك وراءه صراعاته وأزماته ومشاكله المتعلقة بموضوع رئاسته وسافر من أوروبا إلى القاهرة خصيصاً كي يحضر هذا العشاء التكريمي على شرفي أنا العبد الفقير، وشرف صديقي الأستاذ عبدالحكيم قطيفان، وهو في المناسبة لم يأت إلى القاهرة خصيصاً من أجل العشاء بل لاستكمال تصوير دوره في مسلسل «فرقة ناجي عطاالله». وأراد السيد غليون وباقي أعضاء المجلس أن يستغلوا فترة وجودهم معنا كي نتآمر جميعاً ضد بلدنا سورية. وطلب الموقع الإخباري من متابعيه بأن يبقوا على متابعتهم كي يكشف لهم تباعاً حلقات المؤامرة.

عندما قرأت الخبر عدت لأسأل نفسي للمرة الألف: كيف يفكر هؤلاء؟ أي نوع من العقول يحملون داخل جماجمهم؟ ما هي نظرتهم لأنفسهم وهم يطلقون الأكاذيب والأحكام ويعتقدون أن كل سوري سيصدقهم. غير مدركين أن عدد الناس الذين خونوهم أصبح كبيراً جدا إلى درجة يخال المرء معها أن الخيانة تسري في دم معظمنا نحن السوريين.

بادئ ذي بدء، أحب أن أؤكد بأن جزءاً من الخبر صحيح، وهو ليس أول لقاء لي مع الصديق فراس طلاس في القاهرة. وفعلاً تعشينا في مطعم «الكبابجي» (لا أعرف إن كان من أغلى المطاعم في مصر أم لا، وفق رسالة يهوذا)، لكن العشاء تم من دون الحضور المزعوم للمجلس الوطني. وككل السوريين عندما يلتقون، على اختلاف أطيافهم، فقد تحدثنا بالسياسة مطولاً. تمحور حديثنا حول الوضع الراهن والاحتمالات الممكنة، والدور الذي يمكن أياً منا أن يلعبه كي نحافظ على وطننا الجميل سورية بعيداً عن مزيد من الدمار، وعلى مجتمعنا العظيم بعيداً عن مزيد من الاحتقان الطائفي والميل نحو العنف (بت واثقا من أن هذا يعتبر تآمراً من وجهة نظر البعض). تحدثنا عما أنتجه الحل الأمني، وعما آلت إليه عملية العسكرة، وعلى انعكاس ذلك على مستقبل سورية السوري. تحدثنا عن الموقف الدولي واحتمالاته، تحدثنا في كثير من القضايا، وقيل الكثير من الآراء، واستمعنا إلى الدكتور وليد البني وهو عضو سابق في المجلس الوطني، عن تجربة المجلس. أحاديث كثيرة كلها في الشأن السوري، لم يكن الجميع متفقاً بالرأي على بعض التفاصيل، لكن الحديث كان عميقاً، فيه حزن شديد على ما آلت إليه الأمور، وخوف أشد مما قد تؤول إليه في قادم الأيام. والطريف في الأمر أن رسالة يهوذا تقول إن العشاء كان بحضور مبارك من المجلس الوطني في حين كان للمجلس حصة الأسد من النقد القاسي في تلك الجلسة. ولو كان السيد غليون حاضراً لندم على تكلفة السفر وعنائه قاطعاً كل تلك المسافات ليستمع إلى كل هذا النقد المقذع.

لا أقول هذا كي أطمئن الشبيح الإعلامي أو سيده، لأن رضاه أو غضبه غير مهمين بالمعنى الوطني والأخلاقي، ولكنهما بالتأكيد مهمان بالمعنى الأمني، فأنا من السوريين الذين رأوا ويرون إلى أي مدى يمكن غضبهم أن يصل.

وبعيداً من تفاصيل الخبر الغبية بلؤمها. عن أي مؤامرة يتحدثون؟ هل يتحدثون عن مؤامرة الانتقال السلمي نحو دولة مدنية ذات دستور عصري يضمن حرية العمل السياسي، ومبدأ التداول السلمي للسلطة عبر صندوق الانتخابات النزيه والفصل بين السلطات؟ هذه قد تكون بعرف البعض مؤامرة. لكنها بعرف غالبية الشعب السوري مطالب مشروعة تقادم الوعد بالاستجابة لها إلى أن نفد صبر الناس فخرجوا عن صمتهم مطالبين بها، وأنا والمدعوون إلى ذاك العشاء الأخير في الكبابجي يجمعنا التأييد لسلمية المطالب و مشروعيتها. وتأييد معظمنا كان علنياً، ونعتبره موقفاً وطنياً يحقق فيما توقعنا أنه في حال عدم الاستجابة لهذه المطالب المشروعة، وحدوث الصدام نتيجة لذلك، ستكون الفرصة متاحة أمام المؤامرة لأن تجد لها مكاناً وحيزاً. واحتراماً للدقة ولرأي الآخرين أستطيع أن أتحدث عن نفسي وأقول: هذا كان رأيي منذ البداية وما زلت متمسكاً به. ليس من باب العناد، بل لأنه لم يحدث ما يجعلني أغيره، بل على العكس أثبتت كل المجريات صوابه.

أين هي المؤامرة؟

أكثر من ذلك، القاصي والداني ممن اطلع على التاريخ المعاصر لمنطقتنا يعرف بوجود مؤامرة على سورية. لكني أختلف مع مؤمنين آخرين بها، بأن هذه المؤامرة ليست أمراً جديداً، بل قديمة جديدة ومتجددة في ظل الصراع الدولي على المنطقة منذ برزت فكرة قيام دولة إسرائيل. أي أن سايكس بيكو هي فصل رئيس من فصولها، واستمرت خيوطها ومتابعتها وتطويرها و تحديثها حتى يومنا هذا. وستستمر مهما كانت نتائج ما يجري اليوم في سورية. وأنا من المؤمنين أيضاً بأننا في كثير من المراحل كنا خير معين لهذه المؤامرة على أنفسنا. من هذا المنطلق اعتبرت أن التعاطي الأمني مع حراك الشارع السوري وانعدام أفق الحوار الجدي الذي ينتج مشروعاً سياسياً يقود نحو التغيير الديموقراطي، أعان المتآمرين على احتلال مواقع لهم في هذا الحراك وجعل الحابل يختلط بالنابل، وتبرز إلى السطح قوى مسلحة ذات ارتباطات وأجندات مختلفة تنشر القتل والتفجير في أحياء سورية، كانت يوماً آمنة يلعب أولادها في شوارعها بطمأنينة. ولعل السيد كوفي أنان كان يشير إليها عندما ذكر الطرف الثالث وأكد كلامه السفير السوري في موسكو.

تدويل القضية

من ناحية أخرى، تحولت القضية السورية إلى قضية دولية. ومن دون أن نكذب على أنفسنا، موالين ومعارضين، كلنا اليوم لا نرهف السمع لبعضنا بعضاً بمقدار ما نرهف السمع لما سيقول وزراء خارجية الدول الكبرى. و كلنا نعقد جلسات مسائية لتفسير الإشارات الضمنية لكلامهم، ونستخدم قواميس التحليل اللغوي كي نستشف المقاصد الكامنة وراء كلماتهم. هذا ما صنعناه بأيدينا. أو أنه فخ ركضنا نحوه بعناد شديد. والسلطة هي صاحبة النصيب الأكبر في ذلك لأنها أرادت أن لا تستمع إلى الصوت الوطني الصادق، و لأنها قبلت للمشكلة أن تسير أمامها بدلاً من أن تسبقها بخطوات بما يتيح الفرز في شكل واضح بين المؤامرة وبين الاستحقاق التاريخي الوطني وهو أن سورية لم يعد في إمكانها أن تستمر كما كانت عليه، وأن من حق الشعب السوري أن يطالب بنظام سياسي يضمن له سيادة فعلية على مصيره، لا سيادة لفظية لا نتذكرها إلا في المهرجانات الخطابية.

هذا النوع من الأكاذيب أصبح سماً يومياً. الغاية منه إذكاء نار الفتنة و الكراهية، وخدمة جلية من خدمات كثيرة يروجها ناشرو هكذا أخبار للمؤامرة التي يكثرون الحديث عنها. لكن السوريين، موالين ومعارضين، يعرفون أن هذه المواقع لا تتصرف هكذا عفو الخاطر، أو أنهم زمرة من المتعصبين في حبهم قيادتهم ما أعماهم عن رؤية بعض الحقائق. وأن ممارساتهم هي ممارسات فردية تعكس وجهة نظرهم وحدهم، وأن النظام غير مسؤول عنها أو معني بها. هذا غير صحيح، فهذه المواقع تكتب وتتحرك وفق إدارة وتوجيهات أمنية صارمة ودقيقة من أجل تحقيق غاية واحدة، هي تضليل الشارع السوري وإقناعه بأنه لا يوجد في سورية شرفاء، إلا أولئك الذين يصفقون للنظام ويهتفون له. وأن كل من يعارضه - حتى وإن كان أعزل و لطيفاً بلغته ومسلكه ولا يتقاضى فلوساً من الخارج حتى و لو كانت من قريب مقتدر أحب أن يقدم مساعدة إنسانية - هو خائن. و ما معارضته إلا جزء من مؤامرة كبرى تستهدف الوطن قبل النظام.

إنها إذاً، حرب قذرة على الرأي الآخر وعلى الفكر الوطني الذي يجتهد ليقدم أفكاراً من أجل خلاص سورية من أجل مستقبل السوريين، حرب قذرة بأدوات اخترعها النظام ورجال أعماله الأقرباء والمقربون كي يسدوا عجز الإعلام الرسمي عن الاستخدام المفرط للعنف اللفظي، والبذاءة والشتائم، وعدم الالتزام بتقديم أي برهان أو بينة عن أي خبر أو اتهام، والإيهام بأن هذا هو لسان حال الشعب السوري الذي إذا ثارت حميته الوطنية يعبر عنها بلغة التخوين والشتائم والتحقير، وفي أحيان كثيرة، بالتهديد والوعيد. والغاية في النهاية أنه لا توجد معارضة شريفة وأن كل ما يجري مؤامرة وخيانة. وأنه لا بد من اعتقال الخونة وتعذيبهم ونفيهم أوقتلهم إذا لزم الأمر.

لكن المفارقة أن واقعة عشائنا الأخير هذا تزامنت مع آخر ما سمعنا من السيد بشار الجعفري سفير سورية في الأمم المتحدة، في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن، من أن سورية (يقصد النظام) تفتح أبوابها للمعارضة الشريفة و الوطنية وهي جاهزة للحوار. والسوريون الذين أدمى قلوبهم ما يجري في وطنهم يقولون برجاء ولهفة: يا ليت، ماذا تنتظرون؟ يصرخون بملء جوارحهم: ابدأوا فوراً قبل أن تأتي النيران على ما تبقى من أمان، وأمل، وسلام اجتماعي. لكن - مع الأسف - كلام السيد الجعفري سوريالي إلى حد ما. لأنه، وفق الإعلام السوري الرسمي وشبه الرسمي هذا الحوار غير ممكن. لماذا؟ لأنه، ببساطة ووفق ما يفهم من كلامهم، لا توجد معارضة وطنية وشريفة في سورية. وفكرة المعارضة في حد ذاتها تنطوي، من وجهة نظرهم، على الخيانة، والعمالة. حتى المعارضة التي اعتبرتها المعارضة الأكثر تشدداً عميلة للنظام ومن صنعه – تعرضت لشتى أنواع الحصار والعقاب، وتعرض أعضاؤها إلى حملات التخوين وتشويه السمعة والتهديد والاعتقال. هل نذكر أسماء المعارضين الرافضين التدخل الخارجي، والنابذين الطائفية، والمنددين بالتسليح والعنف، الذين اعتقلوا ورهبوا و جرى تقييد حريتهم، وأحياناً قتلوا بسلاح مجهول الهوية، على رغم قبولهم وقبول النظام بمبادرة أنان؟ لا داعي، لأن الأمور أصبحت معروفة ومتداولة. حتى هؤلاء الشباب الرائعين الذين وقفوا بلافتاتهم البسيطة التي كتب عليها شعار في غاية البراءة والوطنية «أوقفوا القتل كي نبني وطناً» تم اعتقالهم والتحقيق معهم وترهيبهم. هل من الوطنية أن يختلف أحد على هكذا شعار؟ لقد اختلف عليه النظام الأمني. وكم أتمنى لو أسمع رأي السيد الجعفري في ذلك لأعرف عن أي معارضة وأي أبواب يتحدث.

أما آن لنا أن نتوقف عن استهبال العالم ونتحدث بصراحة، ونقول إن كل من لا يعجبه الشكل الحالي للنظام السياسي هو خائن للوطن، وإنه جزء من المؤامرة عليه، وإنه من الوضاعة بحيث يبيع ذمته وشرفه من أجل حفنة من الدولارات. وبالتالي لا نقبل بأي حال من الأحوال حواراً يفضي إلى نظام ديموقراطي حقيقي يضمن التداول السلمي للسلطة والفصل بين المؤسسات. لذلك، نرفض فكرة وجود معارضة تعارض النظام على فساده واستبداده. ثم ما هو تعريف المعارضة الشريفة إذا كانت كل المعارضات الموجودة في الداخل والخارج – على كثرتها للأسف - غير شريفة وفق معايير النظام وآلته الإعلامية؟

أظن أن المعارضة الشريفة في عرف بعض السادة هي المعارضة التي تقبل العيش على الوعود وحسن النوايا التي جربها الشعب السوري طويلاً حتى كرهها وانصرف عنها إلى اللارجعة، وبالتالي لا يهم إن قبلتها المعارضة أم لم تقبلها.

بقي شيء واحد هو أنني أشعر بالخزي والعار للحالة المتكررة التي وصلنا إليها كسوريين في تفسير سلوك بعضنا بعضاً، لطريقة الحكم على بعضنا بعضاً، كأن يقال لأمثالنا إننا نجتمع مع رموز المشروع الصهيوني. أناشدكم أن تتوقفوا عن ذلك. أن تتوقفوا أنتم عن خدمة المشروع الصهيوني. لأنكم بهكذا لغة وهكذا استخدام (في الطالعة والنازلة كلما فتح مخلوق فمه وقال كلمة لا تعجبكم) حوّلتم المصطلح من حقيقة عنصرية معتدية إلى كذبة تثير الاستهزاء. لن أتهمكم بتعمد ذلك خدمة للمشروع الصهيوني نفسه، ولكني سأقنع نفسي بأنها غلطة غير مقصودة. وإلى يأتينا تعريف دقيق ونهائي للمعارضة الشريفة، ولائحة بمن يجوز العشاء معهم ومن لا يجوز، إلى اللقاء مع عشاء آخر قد لا يكون في «الكبابجي»، لكنه لن يفوت يهوذا. وعاشت سورية حرة لكل السوريين.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com