العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24/3/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

الانتفاضة السورية والسياسة

تاريخ النشر: الثلاثاء 19 مارس 2013

د. طيب تيزيني

الاتحاد

في مثل هذه الأيام قبل عامين منصرمين خرجت جموع الشباب من مختلفي الأعمار وببعض المدن السورية، لنواجه مشهداً متعدد الدلالات، من هذه الأخيرة تبرز دلالتان اثنتان، تقوم أولاهما على الإيحاء بأن ذلك المشهد أوقع بعض الخارجين والمراقبين المدققين في لحظة من الذهول «المستغرب»: مَنْ هم هؤلاء الذين يسيرون في الشوارع؟ هل هم من فصيل ما اعتاد الناس أن يروهم؟ جمع من السائرين في «مسيرة شبيبة نسبة إلى منظمة شبيبة الثورة أو شبيبة الأسد، أم في مسيرة طلائعية (نسبة إلى منظمة الطلائع البعثية)؟ أم أن الأمر يحتمل تصوراً آخر، هو «تظاهرة احتجاجية»؟! وكان على الناس أن يدققوا، حتى وصلوا إلى القول بأنه حقاً «تظاهرة»، ذلك أن هذه الظاهرة بدأت تفقد احتمال ظهورها في سوريا، منذ تأسست الوحدة بينها وبين مصر عام 1958، وبعد تكريسها قانونياً من خلال قانون الطوارئ الذي صور في سوريا بعد الانفصال عن مصر عام 1963.

منذ ذلك العام، كان تكريس القانون المذكور قد جاء نتيجة الانقلاب العسكري، الذي قام به حزب «البعث». لقد غابت السياسة بعد ذلك حتى يومنا هذا، حيث حلّ محلها نظام أمني استوفى شروطه في سنوات لاحقة، خصوصاً بعد تسلّم السلطة من قِبل حافظ الأسد عام 1970، والآن ومع بداية الانتفاضة الثورية في سوريا، وجد المنتفضون أنفسهم خاليي الوفاض، إلا من حماسة متدفقة تحميها وتطورها منظومة الحرية والكرامة والعدالة، لكن ظهر في سباق الشعارات التي راح يطلقها أولئك، غياب ملحوظ لخطاب سياسي ناضج، ومن أين لأولئك بهذا، بعد أن سحبها ذلك النظام الأمني من المجتمع السوري، وكرّس بدلاً عنها مجموعة مظاهر على رأسها «الرياضة العابثة»، و«رياضة الكرة»، منها في مقدمتها، بعد أن ألفها الناس: الرشوة وما يتصل بها راشياً ومرتشياً، وغيرها، ولكن قبل ذلك تعميم أجهزة الأمن وجعلها شاملة الحضور والفعل.

واكتملت المسألة مع إفساد دون استثناء، للقضاء الذي تحولت أمكنته إلى مراكز مخابراتية أو ملحقات بمثل هذه المراكز، تُصفى فيها الحسابات مع المواطنين المدانين تحت الطلب. ذلك كله، ومعه ما مر مظاهر الثقافة والتعليم والتحديث، أنتج وعياً بالبؤس والعار والهزيمة، مما جعل الأمر هذا طبيعياً في نظر جموع الفقراء والمفقرين والمذلين والمراقبين الآخذين في التنامي، وإذا كان الوضع قد بلغ تلك الدرجة من اليأس وافتقاد الأمل، فإن سؤالاً كبيراً ومركّباً أخذ يفرض نفسه على الناس بأشكال شتى، من مثل الشكل التالي: هل إن ما يُصيبنا يمثل قدَراً مطلقاً؟ أم إنه قابل للمواجهة، وفق «جدلية العين والمخرز»؟ كان عنصر الشباب، ذكوراً وإناثاً، قد أخذ يتحول إلى حالة تتأرجح بين الأمل في الاستمرار وبين الانكسار أمام أخطبوط «دولة أمنية» تلتهم الأخضر واليابس، وهنا ظهرت مواقف ساذجة مرة وخاطئة خطِرة أحياناً، مثل ترنيمات وهتافات ذات طابع وطني مدني.

وقد نسجل هنا بعض ما يُفرزه مثل هذه الحال، لتظهر أمامنا صيغة من صيغ الهزل أو الخداع التاريخي، وذلك حين خرج الشباب بشعارات كان النظام الأمني قادراً على اللعب عليها، لو لم يلجأ إلى أسوأ الحلول والرهانات، نعني رهان المواجهة العسكرية المباشرة، لقد استخدم الرصاص، يداً بيد مع رؤية انتقامية متوحشة، وربما كذلك طائفية، فدلل بذلك على غباء تاريخي ونظري ومنهجي فظيع في قسوته، لقد أخطأ في قراءة الحدث، مَسوقاً بوهم تكون في أوساطه، هو التالي: إما الأسد، وإما نحرق البلد، ها هنا نتبين درجة مكر التاريخ السوري، الذي لم يُتح لـ«السياسة» أن تكون على الأقل إحدى رهانات الحل، فحصد ما زرع، ولذلك، فإن المقولة الحاسمة في سلوك النظام الأمني، أكملت ما كان عليه أن يحدث، تعبيراً عن قصوره التاريخي الكارثي الفظيع، أما المقولة فهي هذه التي نعيش سقوطها المدوي راهناً: إن أقل ما يقبل به ذلك النظام الفاشي إنما هو كل الأشياء، فإما هذا، وإما ذاك.

الثورة السورية تجد نفسها، والحال كذلك، أمام مهمات عظمى، خصوصاً في المرحلة القادمة، أي المرحلة الانتقالية، فمهمة إنتاج مجتمع مدني ديموقراطي تدخل في حال التأسيس بعد الدمار الإجرامي، كما تستمر في مرحلة استعادة السياسة كمنظومة ديموقراطية وبرلمانية ناظمة تتحقق بمشاركة الجميع.

===================

كيف ولدت فكرة مؤتمر «أصدقاء الشعب السوري»؟ ولماذا أخفق؟

رضوان زيادة *

الثلاثاء ١٩ مارس ٢٠١٣

الحياة

دائماً كان يقال عندما تطول الأزمات السياسية تتعقد الحلول، وهذا ينطبق تماماً على الثورة السورية، فالثورة التي انطلقت من درعا مطالبة بإسقاط النظام ثم امتدت إلى كل المدن والمحافظات السورية تدخل عامها الثالث من دون أية استجابة من قبل الأسد للمطالب الشعبية، بل إنه يعيش في عالمه الخاص وازداد شراسة مع استخدام كل أنواع الأسلحة الثقيلة بما فيها البالستية المصنفة كأسلحة دمار شامل واستخدام الطيران الحربي لقصف المناطق المدنية المحررة التي خرجت من تحت سيطرته.

وفوق ذلك يترك سورية على بركان من الحقد والانتقام والكراهية بعد أن كانت الثورة السورية نجحت في خلق شعور توحيدي بين كل مكونات الشعب السوري بشكل لا مثيل له، لكن سورية اليوم بسبب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة من قبل قوات الأسد تكاد تكون على حافة حرب أهلية حيث تمعن الأجهزة الأمنية التابعة للنظام في التحريض الطائفي والمناطقي بقصد تفتيت وحدة السوريين وتأليبهم ضد بعضهم البعض بما يضمن استمرار النظام وهو ما أصبح من المستحيلات.

وأمام التفوق النوعي بين قدرات جيش الأسد الذي يتلقى الدعم والسلاح من إيران وروسيا وقدرات «الجيش السوري الحر» أصبح من الواضح أن لا إمكانية لأي حوار مع الأسد وأصبح الخيار الوحيد أمام السوريين هو دعم «الجيش الحر» ومعاضدته بالتدخل الدولي عبر ضربات جوية مستهدفة أو فرض حظر جوي جزئي يمنع الأسد من استخدام سلاح الطيران من أجل قلب توازن القوى لصالح الثورة السورية.

لكن فرض كل هذه الإجراءات يحتاج إلى غطاء قانوني دولي عبر مجلس الأمن، غير أن هذا المجلس وبعد مرور أكثر من عامين كان عاجزاً تماماً عن إصدار قرار واحد حتى لإدانة العنف المستمر الذي تقوم به الحكومة السورية حيث استخدمت روسيا الفيتو مرتين خلال أقل من عام من أجل حماية النظام السوري، وبذلك أصبح من الضروري التفكير في الخيارات الأخرى التي يجب اتباعها من أجل حماية الشعب السوري، عبر بناء تحالف دولي يكون إطاراً دولياً للتدخل من خارج إطار مجلس الأمن وهو ما جرى في حالات مشابهة في كوريا في الخمسينات من القرن الماضي أو في البوسنة والهرسك في التسعينات حيث كان مجلس الأمن عاجزاً تماماً عن اتخاذ القرارات الخاصة بحماية المدنيين بسبب الفيتو الروسي أو السوفياتي سابقاً، ولذلك أتت فكرة تأسيس ما أطلق عليه «أصدقاء الشعب السوري». كانت الفكرة تراود المعارضة منذ بداية الثورة وقد أثرتها في كل لقاءاتي الرسمية مع المسؤولين الأميركيين والأوروبيين خلال فترة وجودي في «المجلس الوطني» السوري، لكن كانت الولايات المتحدة تقول إن إنشاء تحالف في تلك الفترة قد يفزع روسيا التي تتذرع دوماً وتقول بأن الغرب يريد أن يكرر في سورية ما عمله في ليبيا ولذلك يجب أن لا نعطي حججاً إضافية لروسيا في موقفها الرافض في مجلس الأمن.

استمر الأسد في حربه الدموية ضد الشعب السوري واستمر مجلس الأمن في انقسامه، ومع اجتماعه الثاني من أجل الموافقة على مشروع القرار الأميركي الأوروبي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١١ بناء على طلب جامعة الدول العربية كانت لنا اجتماعات مع المندوبين الدائمين في مجلس الأمن وبخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا، وكان التهديد باستخدام الفيتو مجدداً من قبل روسيا ماثلاً في كل الاجتماعات الماراتونية التي عقدناها، ولذلك كان السؤال: ما هي البدائل؟ وهل يعقل أن يترك المجتمع الدولي السوريين وحدهم ولمصيرهم؟ وهنا طرحت فكرة التحالف الدولي مجدداً عبر تأسيس ما يسمى «مجموعة أصدقاء الشعب السوري» بهدف جعله بديلاً عن مجلس الأمن المعطل بسبب الفيتو الروسي. وهنا كانت فكرتي أن تكون المعارضة السورية ممثلة بـ «المجلس الوطني» على المستوى الرسمي وليس كما كان في مجموعة الاتصال من أجل ليبيا حيث لا حضور للمجلس الانتقالي الليبي، وهو ما يعتبر تعزيزاً لشرعية المعارضة وعزلاً تاماً للأسد وفعلاً راقت الفكرة للدول الغربية وأعلن عن اللقاء مباشرة من قبل الرئيس الفرنسي ثم مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة سوزان رايس.

عقد المؤتمر الأول لأصدقاء الشعب السوري في تونس في شهر شباط (فبراير) ٢٠١٢ بعد استخدام الفيتو الروسي في مجلس الأمن حيث شارك ممثلون عن أكثر من ست وخمسين دولة على مستوى وزراء الخارجية، وتركز على تقديم المساعدات الإنسانية الضرورية للشعب السوري بعد منعها من قبل نظام الأسد وعصاباته، ولكن بسبب غياب أجندة واضحة محددة للمؤتمر فإن الآمال المعقودة عليه لم تكن بحجم التوقعات، ولذلك توجهت الأنظار إلى المؤتمر الثاني الذي عقد في إسطنبول والذي كان الأمل منه أن يشكل نقطة انطلاق وتحول في الأزمة السورية عبر تحقيق التدخل الدولي الضروري لإنقاذ الشعب السوري عبر فرض المناطق الآمنة وهو ما أعلن رئيس الوزراء التركي أن الحكومة التركية تدرسه، فإذا اتخذ قرار على مستوى دول أصدقاء الشعب السوري فإن ذلك سوف يعطي غطاء للتحرك الدولي ضد الأسد ويشجع الحكومة التركية على تطبيق المناطق الآمنة وحمايتها على طول الحدود التركية السورية داخل الأراضي السورية، وهو مطلب طالما طالب الثوار به وأصبح يشكل أولوية لحماية «الجيش السوري الحر» وتشجيع المزيد من الانشقاقات داخل جيش الأسد.

لكن ذلك لم يحصل بسبب غياب الإرادة الدولية وأهمها الموقف الأميركي الذي ثبت على مدى أكثر من عام ونصف على فكرة زيادة المساعدات الإنسانية وتشديد العقوبات. بعد ذلك تكرر المؤتمر في فرنسا ثم المغرب وبعدها في إيطاليا من دون أن تخرج أية قرارات ذات معنى ومع غياب تام للآليات التنفيذية التي تحول القرارات إلى أفعال، وهو ما أفقده مصداقيته في عيون السوريين الذين لم يجدوا فيه سوى مهرجان خطابي للتأييد المعنوي لا أكثر، مقابل ما يشهدونه يومياً من تصعيد النظام في استخدام الأسلحة الثقيلة ضدهم وقتلهم بالمئات يومياً، ولذلك يجب أن يعود هذا المؤتمر إلى الهدف الأساسي الذي أسس من أجله وهو التدخل الدولي لحماية المدنيين السوريين. فليس السوريون اليوم بحاجة إلى مزيد من بيانات التأييد والتعاطف والدموع.

===================

حكومة مؤقتة للثورة السورية.. ما لها وما عليها؟

الطاهر إبراهيم

2013-03-18

القدس العربي

الحراك الشعبي في سورية ومنذ اليوم الأول لثورة الحرية والكرامة كان عفويا، وكان نموذجيا. كما كان رد فعل النظام متوحشا وعنيفا كما حدث في درعا منذ يوم الجمعة الأولى وحتى الآن، بينما كان تصرف المتظاهرين في الشارع منضبطا. سقط الشهداء واعتقل المتظاهرون. الشارع بقي كما هو وفي كل المدن السورية، فلم يكن أمام المتظاهرين إلا هذا السلوك، فلم تكن أجندتهم تسمح بالرد على إجرام النظام حتى لا يعطوا النظام الذريعة، ولأنهم لا يملكون السلاح فيما لو أرادوا أن يردوا على الرصاص بالرصاص.

كان التظاهر السلمي هو الذي يميز تلك الفترة. وكان الجيش الحر لايشكل إلا حيزا صغيرا من

المشهد. خلال تلك الفترة كان معارضو الخارج والداخل يراقبون الوضع عن كثب. كان عليهم أن يتجمعوا، لكن كانوا من مشارب شتى. كان عليهم أن يرفدوا الحراك السلمي، وكان بعضهم يبحث عن دور. في ظروف ملتبسة وبشكل منفرد أعلنت مجموعة صغيرة عن تشكيل مجلسها الوطني في15 أيلول 2011. ذهبت تفاوض بعض الطيف المعارض، واستطاعت أن تفرض رؤيتها، وأعلن عن المجلس الوطني في 2 تشرين أول 2011، الذي كان لها نصيب الأسد فيه.

مع الأيام أضيف للمجلس آخرون دون أن يكون هناك أجندة تضبط الطريقة التي يتم بها إضافة هذا العضو ورفض ذاك. تضخم العدد وكثرت مؤسسات المجلس الداخلية حيث عين فيها أناس مقربون من هذه الجهة أو تلك. وعاش المجلس صراعا مكتوما حول النفوذ فيه، ما أضاع عليه ممارسة المهمة الأولى له وهي كيفية رفْد الحراك الداخلي. وربما كان تشكيل 'الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة' في تشرين ثاني 2012 منقذا للمجلس الوطني من 'كشف' حساب كان عليه أن يقدمه بعد عام، لم ينجز فيه إلا ما لا يكاد يذكر.

لكي يشاركوا، أصر أعضاء المجلس الوطني أن يكون له حوالي 40' من جسم 'الائتلاف'، ما وضع عبئا آخر غير المهمات الوطنية الملقاة على المكون الجديد. شعر الائتلاف أن نوعا من وضع العصي في العجلات يقوم به بعض أعضاء من المجلس الوطني ممثلين في الائتلاف بعد أن شعروا أن البساط يسحب من تحت أقدامهم وأن المجتمع الدولي ما عاد يكيل في مكيالهم. كان على 'الائتلاف الوطني' أن يتحاشى مطبات اعترضت من قبله طريق المجلس الوطني.

رئيس الائتلاف الوطني 'أحمد معاذ الخطيب' شعر، وآخرون معه، أن المجتمع الدولي يريد أن يفرض على 'الائتلاف الوطني' أجندة غير تلك التي ثار من أجلها الشعب السوري. فما هي تلك الأجندة التي لا يريدها الشعب السوري، وما هي التحديات التي تعترض طريقه؟

لعل أهم تلك العقبات التي تتم بفعل دولي، هو دحرجة الصخور في طريق الثورة، ليس تجفيف موارد الأسلحة من بين أيدي الجيش الحر فحسب، بل وصرف الثوار عن العمل على إجبار بشار أسد على الرحيل، طوعا أو كرها، حيث بدأت واشنطن وموسكو تعملان لتشكيل حكومة حسب 'وثيقة جنيف'، التي لا يعرف أحد من الثوار لمن تكون الكلمة العليا فيها.

كما أن تشكيل حكومة مؤقتة أمر مطلوب، على أن تحدد مهماتها ابتداء. ليس بأن تقوم الحكومة بتعيين مندوب يشغل مقعد سورية في الجامعة العربية، ثم تضع يدها على خدها لا تدري ما هي الخطوة التالية. وهنا يصبح التساؤل مشروعا: هل أنجزت المعارضة السورية كل ما كان عليها ولم يبق إلا تشكيل الحكومة؟ ثم إن مؤتمر روما أعلن أن الائتلاف الوطني ممثل شرعي ووحيد للشعب السوري، إلا أن هناك من يعتقد أن قيام 'الائتلاف الوطني' بتشكيل حكومة مؤقتة سيكون افتئاتا على الشعب السوري صاحب الحق في ذلك. فلا بد أن يمهرالشعب السوري هذا الإعلان بموافقته عن طريق ممثليه الشرعيين المنتخبين عن طريق صناديق الاقتراع.

إذا كان تشكيل حكومة مؤقتة له فائدة واحدة أو أكثر فإن تشكيلها له محاذير كثيرة. سوف يقف من المعارضين السوريين وهم كثر، من لا يسلم للائتلاف الوطني بتسمية هذه الحكومة المؤقتة. ثم من هو الشخص الذي يحظى باتفاق أكثر أعضاء الائتلاف الوطني، فضلا عن المعارضين السوريين على مختلف مشاربهم؟ وما الفوائد التي ستجنيها الثورة ككل؟

الخطوة الأهم في نظرنا هي تشكيل سلطة محلية في كل بقعة إدارية (منطقة أو محافظة) تتحرر بشكل كامل، كما حصل عندما تم، مؤخرا، انتخاب مجالس محلية في ريف حلب.

نذكّر بأن الثورة الجزائرية العملاقة التي كسرت أنف المستعمر الفرنسي وطردته من الجزائر، انطلقت عام 1954 وبلغ عدد الشهداء فيها أكثر من مليون شهيد، ولم تقم بتشكيل حكومة مؤقتة لها إلا في عام 1958 حيث أعلنتها من القاهرة.

صحيح أن جبهات القتال لم يصدر عنها اعتراض على تشكيل الائتلاف الوطني، وأن الائتلاف حصل على موافقة 'سكوتية' من فصائل الجيش الحر الذي لم يسمع منه اعتراض على الائتلاف. لكن الصحيح أيضا ان الائتلاف لا يضم إلا مجموعة من المعارضين، وهناك أضعافهم خارج الائتلاف. كان المتوقع أن يعتبر الائتلاف نفسه لجنةً تعمل على تحديد ضوابط وصفات أعضاء لتوسيع الائتلاف، بحيث يضم كل الكفاءات ومن كل المحافظات السورية، حتى لا يقع الائتلاف بما وقع فيه المجلس الوطني من قبل، حيث احتكر النافذون فيه حشد أنصارهم في المجلس.

==========================

أصبح عندي الآن مسدّس!

مرح البقاعي

كاتبة سورية

الحياة - الإثنين ١٨ مارس ٢٠١٣

«اليوم صـباحاً قمنا كالـعادة بـنقل بعـض الذخـيرة وتجهـيزات طبية بسيـطـة من خط إلى خـط لإيـصالها إلى نـقطة مـواجهة جـنوب دمشق، وكانت المفاجأة أنني شـاهدت أربـع عـلب «خـرطـوش 12 مم» من الذي يـسـتعـمل للـصيد! نـعم، بعـض ثـوارنا يستـعمل بنادق صـيد عادية لمواجهة ميـليشيات الاحتلال الأسـدي الـطائفيـة. وما نستعمله الآن لتسكين آلام الجرحى هو «باراسيتامول» سوري الصنع، تقريباً فاسد، نستخدمه كنوع من (البلاسيبو) للإيهام فقط. بعضنا الآن يحمل مسدسات للدفاع عن النفس أثناء عمليات النقل، جميعها فارغ إلا واحداً فيه طلقتان أغلى من أونصة ذهب. ولكن الخبر الجميل أننا اليوم أكلنا فلافل لأول مرة منذ شهرين».

الفقرة أعلاه هي جزء من رسالة وصلتني من صديق في الخطوط الأمامية للقتال في دمشق. هي مشهد من التراجيديا السياسية التي ترسمها في سورية إرادات العالم المسترخي أمام مشهد عنف ميليشيات النظام المنظّم والموجّه إلى صدور الشعب السوري (الذي لم يعد أعزل) إلا أنّ ما أورده صديقي الثوريّ المقاتل شاهد على حجم التسليح الشعبي الذي يواجه آلة القتل الأسديّة المدججة روسياً وإيرانياً بالكثير من الأسلحة وبالعتاد القاتل.

فمن آخر تقليعات النظام السوري القتالية هو استخدامه صواريخ سكود وراجمات صواريخ موجهة إلى الأحياء المكتظّة بالمدنيين، هذا إضافة إلى القصف الجوي بالقذاقف والقنابل والبراميل المتفجرة والقنابل الفوسفورية. أما العمليات العسكرية النظامية فهي تدار بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني (الباسيج) وخبراء عسكريين ورجال استخبارات روسيّة. ولم يعد هذا التعاون العسكري والأمني ليوصف بأنّه ادعاء من طرف المعارضة أو تجنٍّ دولي على الدولتين الداعمتين لعسف الأسد وعنفه إثر اغتيال قائد الحرس الثوري على طريق مطار دمشق أثناء انتقاله إلى بيروت، هذا ناهيك عن التصريحات الروسية التي لا لبس فيها عن دعهما غير المشروط للنظام السوري ولبقاء الأسد في سدّة الحكم على رغم قتله عمداً ما يقارب 90 ألفاً من السوريين.

هذا المشهد القاتم الذي يحملنا إلى أجواء الإبادات الجماعية في الحرب العالمية الثانية إنما يدور على مسمعٍ ومرأًى من دول العالم الغربية والشرقية والعربية والإسلامية من دون أن تتمكّن، مجتمعة، من مدّ يد العون إلى الشعب السوري الجريح إلا بأضعف الإيمان! ومنذ أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن استعمال الأسلحة الكيمياوية من جانب النظام السوري هو خط أحمر، والنظام يستعمل الأسلحة القاتلة كافّة لإبادة شعبه ما عدا السلاح الكيميائي (فهو خط أميركي أحمر) ولا يعادل بحمرته لون الدم السوري المسفوح.

وإذا علمنا أن التسريبات السياسية تشير إلى أن اتفاق جنيف حمل في طي أوراقه غير المعلنة اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا على أن تضع الأخيرة الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية التي يمتلكها النظام السوري تحت سيطرة الخبراء الروس الأمنيين والعسكريين، ما يعني تحييد وتحكّم كامل بأسلحة الدمار الشامل السورية، عندها نستطيع أن نقول إن مخاوف الولايات المتحدة تبدّدت تماماً وانكشفت الحجب الآن عن تراخيها عن تقديم دعم عسكري للثوّار يعود إلى رغبة البيت الأبيض بـ «النأي بالنفس» عن واقع الصراع في سورية تماماً على الطريقة الرسمية اللبنانية. وأقول الرسمية لأن ميليشيا «حزب الله»، وهي قوى مسلّحة غير رسمية لكنّها الأنضج عسكرياً على الأرض اللبنانية، أصبحت طرفاً في المعارك الدائرة في سورية بعد أن فتحت جبهة مع الثوّار على طول الحدود في منطقة حمص، بهدف دعم النظام في عملية التطهير العرقي التي يجريها في تلك المنطقة استعداداً لتحويل الشريط الساحلي السوري إلى لون طائفي موحَّد تحضيراً لإحياء دولة الثلاثينات العلويّة والانتقال إليها في حال فشل في السيطرة على معقله في العاصمة.

في ظل انحسار النـزعه «الطاووسـية» الأميركية في الـعهد الأوبامي الخـجول وغـياب الإرادة الأمـمـية لمقاربـة الأزمة الـسـوريّة بروح العدالة الدولية، وفي أجواء التخبّط العربي واللامبالاة الإسـلامية المحبطة، لن يبقى لصـديقـي المـقاتل الـثائر إلا أن يـحـتفي بمـسـدسه الفردي الخالي من الـطـلقات. ولم يبـقَ لرفـاقـه الثوّار على تـخوم العـاصمة دمـشق إلا الانتظار الـسقـيم! فـغـرف العملـيات الاثنتي عشرة التي أُعـدّت ـ أشهر على أراضٍ أردنية متاخمة لسورية لم تباشر مهمتها بعد في غياب الحركة الخجولة والمتقطّعة لانتقال الأسـلـحة إلى سـورية علـى رغم الـوعود القـويـة التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي جون كيري، خلال زيارته الـشرق الأوسـط، والتـي شجّعت الدول العربية على تسليح المعارضة وغض الطرف عن مرورها إلى سورية عبر المعبر الأردني.

نعم، أصبح عندك الآن مسدس يا صديقي على الأرض الأولى النازفة، لكن لا تضغط على الزناد حين يخلع جنود تتار العصر باب غرفة نومك ويعتدون على زوجتك في فراشك... لا تضغط على الزناد حين يذبح طفلك من الوريد إلى الوريد وينتشر دمه على حقيبته المدرسية وألعابه البريئة... لا تضغط على الزناد حين يعود جارك من المخبز المجاور مقطوع الرأس وفي يده رغيف لم ينضج. نعم، لا تضغط أيها السوري القابع في قهره المضاعف فلا يوجد طلقة في الفوّهة.

===================

الثورة السورية والحرب الطائفية

التاريخ: 18 مارس 2013

حسين العودات

البيان

ما زالت فصائل المعارضة السورية المتعددة، السياسية والمسلحة، تؤكد أن الأحداث في سوريا هي ثورة ضد نظام مستبد قمعي شمولي، بل وديكتاتوري، وليس لها أية علاقة لا بالصراعات الطائفية أو الإثنية أو غيرها، وأنها تنطلق من احترام معيار المواطنة كمرجعية للجميع، والمساواة بين جميع فئات السوريين على مختلف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم وطبقاتهم الاجتماعية.

وفي ضوء هذا ترفض تيارات المعارضة رفضاً مطلقاً، الفرضيات التي تقول بأن الأحداث والصراعات القائمة هي حرب أهلية أو صراعات طائفية أو ما يشبه ذلك، سواء صدرت هذه الفرضيات عن الأمين العام للأمم المتحدة، أم عن سياسيين أوروبيين، أم عن كتاب ومحللين سياسيين أم عن سياسيين.

وتؤكد أن ما يجري في سوريا هو ثورة شعبية ضد النظام السياسي القائم، بدأت سلمية ثم أمام استخدام النظام للسلاح ضدها ورفض الحلول السلمية والسياسية، تحولت إلى ثورة مسلحة.

وترفض قوى الثورة اعتبار الأقليات المذهبية والدينية والقومية أطرافاً أخرى مستضعفة من أي أحد أو مواطنين من الدرجة الثانية، خاصة وأن هذه الأقليات، أو بعضها، تشارك في الواقع مشاركة فعالة في نشاطات الثورة السياسية والعسكرية، انطلاقاً من انتمائها الوطني والاجتماعي، وترفض الغالبية الساحقة من السوريين أي حديث أو اتهام للثورة بالتعصب القومي أو المذهبي.

وهذا ما دأبت فصائل المعارضة على تأكيده وممارسته خلال العامين الماضيين، ولم تشهد الأقليات أي تصرف سلبي من قبل قوات الثورة، سواء المسلحة منها أم السياسية.

في المقابل، جرت أحداث وتصرفات وممارسات في سوريا وحولها، من قبل غير السوريين، في محاولة واضحة لتحويل الثورة إلى حرب طائفية صرفة.

فقد شهدنا في الأسابيع القليلة الماضية، تدخلاً مسلحاً مباشراً من ميليشيا حزب الله في الشأن السوري، واحتلال هذه الميليشيا عدة قرى سورية، وقصف قرى أخرى، وحدوث مناوشات مسلحة بين هذه الميليشيا والمعارضة السورية المسلحة، وسقوط قتلى وجرحى من الجانبين، وتبادل الاتهامات، ولم ينكر حزب الله في الواقع هذه الأحداث ولا الاتهامات التي وجهت إليه في هذا المجال.

وفي الوقت نفسه، بل وفي الأسبوع نفسه، صرح نوري المالكي رئيس وزراء العراق، بأن نجاح الثورة السورية وسقوط النظام سيؤدي إلى اضطرابات في دول الجوار، بل في الدول الإقليمية بكاملها، وربما سيساهم في تقسيم هذه الدول. وأشرك الجيش العراقي ضد المعارضة السورية المسلحة في بعض المناطق الحدودية، وكان تدخلاً عسكرياً مباشراً في الشأن السوري، وانحيازاً واضحاً ضد الثورة.

ومن طرفها طلبت إيران إدخال الأزمة السورية والمشكلة البحرينية في المحادثات التي تجريها دول (5 +1) حول التسلح النووي الإيراني، وكان طلباً مستغرباً، لعدم وجود علاقة مباشرة لا بالشكل ولا بالموضوع، بين الأزمة في البلدين وبين تملك إيران للسلاح النووي.

وفي الأسبوع نفسه اقترح أحد المستشارين الرئيسيين للسيد علي الخامنئي (مرشد الثورة الإيرانية)، أن تُضم سوريا إلى إيران باعتبارها المحافظة الخامسة والثلاثين.. والملاحظ أنه لا السلطة الإيرانية استغربت مثل هذا التصريح، ولا السلطة السورية استنكرته.

من خلال ما قام به حزب الله، ورئيس وزراء العراق، والسياسة الإيرانية، نلاحظ أن هذه الأطراف جميعها تنطلق في موقفها من الثورة السورية من منطلق طائفي، فالمسألة الطائفية هي الوحيدة المشتركة بين هذه الفئات الثلاث. وسواء كان الموجه لهذه السياسة أو الدافع إليها هو إيران أو غيرها، فإن الدافع الأساس لهذه الأطراف كلها في موقفها من الثورة السورية هو الدافع الطائفي.

ويبدو أن هذه الأطراف جميعها تتمنى أن تتحول الثورة السورية إلى حرب طائفية، لتجد في ذلك مبرراً للتدخل والمشاركة في هذه الحرب، وإنجاح ما أسماه أحد القادة العرب قبل عامين "الهلال الشيعي".

وتجد إيران أن هذه فرصتها لمزيد من التدخل في الشؤون الإقليمية، وتحقيق الهيمنة على بعض الأقطار العربية باسم الطائفية وتحت مبرر حقوق الأقليات الطائفية.

ويعلم المؤرخون جميعاً أن الهم الأساس لدى السياسة الإيرانية، ليس التشيع وليس حقوق الشعوب، وإنما إحياء النزعة الفارسية والنفوذ الفارسي واستغلال المسألة الطائفية لتحقيق هذا الهدف.

وعلى ذلك فإن محاولة إثارة الفتن الطائفية والزعم بالدفاع عن حقوق الإنسان أو عن الإسلام أو عن الطائفة الشيعية، والتدخل الطائفي في شؤون سوريا والتحريض على الفتنة بين السنة والشيعة، هي وسائل لخدمة السياسة الإيرانية التي لا تهتم حقيقة، لا بشؤون الأقليات الطائفية ولا الإثنية، وتمارس عليهم في إيران أسوأ أنواع القمع والكبت والحرمان.

هكذا إذن، ترى المعارضة السورية وتؤكد، أن الثورة السورية هي ثورة وطنية ضد نظام جائر، وليست لديها أي شبهة طائفية ولا إثنية ولا مذهبية ولا طبقية، كما يحاول النظام السوري أن يشير. وربما كان من أهداف المحاولات الإيرانية تحويل الثورة السورية إلى حرب طائفية، والبحث عن مبرر للتدخل في الشؤون السورية والعربية، وتكريس المزاعم القائلة بأن إيران حامية للأقلية الشيعية في البلدان العربية.

===================

وهل يهم لو انشقت بثينة شعبان؟

طارق الحميد

الشرق الاوسط

18-3-2013

انشغل الإعلام العربي الأيام الماضية بقصة غياب السيدة بثينة شعبان، مستشارة رئيس النظام السوري، عن الأنظار، وسارت تخمينات حول انشقاقها، إلا أن شعبان أعلنت أنها كانت على سفر لعدة دول ومنها جنوب أفريقيا لتنقل رسالة من الأسد للرئيس الجنوب أفريقي.. فهل انشقاق شعبان مهم الآن؟

بالطبع إن خبر انشقاق مستشارة الأسد، لو كان صحيحا، سيكون مهما من ناحية التغطية الإعلامية، لكن لا أهمية سياسية له الآن، بل لو انشق فاروق الشرع الآن، أو وليد المعلم، فإن ذلك أيضا لن يكون ذا أهمية سياسية للثورة، أو للأزمة السورية ككل، فانشقاق الشخصيات السياسية الآن لا يعدو أن يكون عملية إنقاذ للنفس، لا أكثر ولا أقل، حيث تجاوزت الثورة منعطف الاحتياج لزخم الشخصيات السياسية المنشقة، خصوصا أنه قد اتضح أن لا قيمة لتلك الشخصيات السياسية المحيطة ببشار الأسد من ناحية التأثير في المشهد السياسي، ولا حتى من ناحية نزع الغطاء الداخلي عنه لأنه منزوع من الأساس.

الواضح اليوم أن الأسد، وقلة قليلة من عصاباته، هم من يديرون الأزمة بكل تفاصيلها، فالأسد لا يستمع لكائن من كان في سوريا، والدوائر السياسية المحيطة به مهمشة، ولا قيمة لها، والطائفة العلوية بأكملها مختطفة تحت وطأة التهديد بالتصفية، ومن يدافعون عن الأسد الآن يفعلون ذلك بعد أن أدركوا أن لا مستقبل لهم، حيث تورطوا بالدم، وهنا الخطورة، والتحدي الماثل أمام الثورة، وهو كيفية إطلاق سراح الطائفة المختطفة من قبل الأسد، وهذا أمر يتطلب نظرة مستقبلية، وروحا قيادية، تنبع من إدراك أن الانتقام لا يبني أوطانا، والمعني بهذا الأمر الآن هو الائتلاف المعارض.

وعليه، فإن الدوائر السياسية المحيطة بالأسد، ومنها الشرع وشعبان والمعلم، وحتى المقداد، وآخرون، لا قيمة لهم، بل إن بعضا من الشخصيات السياسية المحسوبة على النظام تقوم بالتواصل مع جهات خارجية ضد الأسد، ومما سمعته أن أحد السياسيين البارزين في النظام قد أبلغ مسؤولين دوليين وعربا أن لا أمل في الأسد، وأنه لن يقبل بالحوار، بل إنه يقول عن الأسد: «لقد أصابه الجنون، إنه مستمر إلى النهاية ويريد تدمير كل شيء»، وهذا يعني أن بقاء هؤلاء السياسيين مع الأسد ليس دليل تأييد بالضرورة بقدر ما أنه خوف من التصفية. ومن هنا، فإن الانشقاقات الأهم هي تلك التي تحدث في صفوف العسكريين، وعلى المستويات كافة، فالمعركة الحقيقية في سوريا الآن عسكرية وليست سياسية، وبالتالي، فإن انشقاق القيادات والجنود يعني إضعافا لقوات الأسد، وتوجيه مزيد من الضربات المعنوية للمقاتلين دفاعا عنه، خصوصا أن الجيش الحر يخوض معارك مهمة بكل سوريا، ومنها دمشق التي بات يزحف نحوها بشكل واضح، وهذا ما دفع الأسد للاستعانة بمقاتلين من إيران وحزب الله.

ملخص القول أن انشقاق العسكر هو الأهم الآن، أما ساسة النظام، ومنهم شعبان أو غيرها، وبعد عامين على الثورة، فلا قيمة له، فهؤلاء مجرد دمى بيد الأسد.

===================

موقفنا : حول تفجير مسجد الإيمان في دمشق .. الشيخ سعيد رمضان البوطي صار إلى ربه الحكم العدل .. زهير سالم*

ضرب الإرهاب ضربته في مسجد الإيمان في دمشق . حيث وقع تفجير إرهابي مستنكر ومريب أودى بحياة العشرات من رواد المسجد وأصاب عددا كبيرا منهم بجراح . وقضى في التفجير الآثم الشيخ سعيد رمضان البوطي . الرجل الذي أعلن انحيازا سافرا لبشار الأسد وعصابته ، ودأب على لغة مستفزة للخاصة والعامة من المسلمين .

إن التفجير الإرهابي المريب مقرونا بالقصف بالغاز الكيمائي الذي حدث قبل يومين في منطقة خان العسل في حلب يشيران بوضوح إلى تحول الزمرة اليائسة إلى أسلوب جديد من أساليب التضليل والإثارة بممارسة أشكال من العدوان على المقربين منه ليأخذ مكانة الضحية ودورها وليستعدي المجتمع الدولي على من يريد أن يدعوهم (بالإرهابيين ) ..

إن عادة قتل المقربين للتخلص منهم تارة ، ولتقديمهم ككباش محرقة تارة أخرى عادة قديمة التصقت بهذه الزمرة الحاقدة وجدت تمثلاتها في قتل كل من محمود الزعبي رئيس الوزراء الأسبق الذي خدم هذه الطغمة سنوات طوالا ، ثم في اغتيال غازي كنعان الذي لم يحصنه أنه كان عضوا فاعلا في بنية زمرة الشر والبغي والعدوان . وربما لا يغيب عن السياق مقتل ( الشيخ ) أبو القعقاع في حلب بعد أن أدى دوره الذي وكل به ، ومقتل سارية ابن المفتي حسون الذي وصل به حبه للجاه والمنصب أن يحتقر دم ولده بعد أن احتقر دماء كل أبناء سورية وأعراض بناتها . وسيرد هؤلاء الظالمون غدا فيعلمون ...

كما أن افتعال التفجيرات وأشكال الفبركات والإدعاءات الإرهابية ظل أسلوبا مشهودا به لهذه الزمرة تعرفها الدوائر الخاصة على المستويين الإقليمي مما لا يحتاج في إثباته إلى كثير عناء ..

إننا في موقفنا من جريمة التفجير المنكرة التي وقعت في مسجد الإيمان في دمشق ..

نؤكد أولا رفضنا القاطع لكل التفجيرات الإرهابية ، ولكل أشكال القتل العبثي والفوضوي . ونؤكد أن اللجوء إلى هذا الأسلوب المستنكر في القتل والتدمير بعيد عن أخلاق الثورة والثوار ..

وندين التفجير الآثم ، ونعتبره جريمة منكرة نحمل زمرة بشار المجرمة مسئوليتها المباشرة أو غير المباشرة ، إذ السؤال الذي يجب أن يسأل في هذا السياق هو كيف تمكن الإرهابي المزعوم من التسلل إلى قلب المسجد أو المربع الأمني كما يقولون ..؟!

كما نؤكد رفضنا المطلق للاغتيال السياسي كأسلوب من أساليب التعاطي مع المخالفين . إن ثوارنا ما حملوا السلاح إلا للدفاع عن الأبرياء وحماية المدنيين والتصدي لعصابات الإثم والعدوان ..

نترحم على الضحايا الأبرياء الذين سقطوا في التفجير المنكر الآثم . ونتقدم من أسرهم وأهليهم بأحر مشاعر العزاء . ونسأل الله أن يتغمدهم برحمته وغفرانه وأن يتقبلهم في الشهداء والصالحين ..

لقد مضى الشيخ سعيد رمضان البوطي إلى ربه الملك الحكم العدل . ولمثل هذا فليعمل العاملون . وحسبنا فيه قول العزيز الحكيم :((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)) . ..

وحسبنا الله ونعم الوكيل ..

10 جمادى الأولى / 1434

22 / 3 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي

========================

لكل ظالم يوم ولكل مجرم حكاية

بدرالدين حسن قربي

لمن لايعلم، فإن جريمة قصف جامعة حلب الساعة الواحدة ظهراً يوم الثلاثاء الأسود 15 كانون الثاني/يناير 2013 غطّت بتداولها الإعلامي الكبير على مجزرة أخرى كانت أفظع منها وأشد توحشاً. بدأت قبلها بساعة واحدة، حيث تمّ اقتحام قرية الحَصْوِية التي لايتجاوز عدد سكانها الألفين والواقعة شمال مدينة حمص والقريبة منها حد الملاصقة، وذلك من قبل قوات الأمن والشبيحة بزعم تفتيشها والبحث عن إرهابيين. بلغ عدد ضحاياها قرابة مئة وخمسين بما فيهم الأطفال والنساء ممن تنّوع قتلهم مابين ضرب بالرصاص وذبح بالسكاكين وحرق بالنار، وقد شمل ذلك أيضاً إبادة عوائل بأكملها واغتصاب أكثر من أربعين من النساء. وفي استكمال فظاعات المشهد ووحشيته، فقد ذكر شهود العيان أنه تم إحراق العديد من المنازل وحظائر الحيوانات وبعض الأراضي الزراعية، كما تمّت سرقة الكثير من محتويات المنازل وأخذ مالدى أصحابها ونسائها من النقود والمصوغات الذهبية. تمّ التعتيم على المجزرة الوحشية لتضاف إلى الكثير من المجازر الآثمة التي يرتكبها نظام متوحش جزّار، يجترح كل يوم عذراً جديداً يغطي به فظائع جرائمه.

جديد مجزرة الحصوية التي غطّى عليها إعلام التشبيح والشبّيحة، أنه تم إلقاء القبض على كبير آمريها ومرتكبيها وأعظم وحوشها بعد شهرين بالتمام والكمال من قبل الجيش الحر. وعلى يقين بأن الله يمهل ولا يُهمل، فإن الذي حصل أن قائد عمليات الفوج 41 في القوات الخاصة بمحافظة حمص العقيد باسم محمود حمود وقع في كمين محكم لإحدى الكتائب في حي الوعر في المدينة، فانهارت عزائمه وارتعدت فرائصه، وأحاطت به جرائمه، واعترف من خلال التحقيق معه أنه كان قائد مجزرة الحصوية، بل وأضاف مقراً ومعترفاً بأنه قام بالتشبيح والقتل بعدة مناطق من حمص وريفها من القصير وتر معلة والرستن ودير بعلبة وتلبيسة، كما اعترف أنه قاد جبهة حي القرابيص بحمص مدة شهرين واغتصب فيها عدداً من الحرائر، وأنه مثّل بجثثهن من بعد قتلهن.

ماعليكم، المهم أن وحشاً جزّاراً انعدم فيه الضمير وانتفت منه الإنسانية وقع في شر أعماله، وأرواح ضحاياه وعيونهم من عالم الغيب ترنو إلى عدالةٍ تثأر لهم وتأخذ حقهم، يتوهم المجرمون أنها لاتطالهم ولا تصل إليهم.

مجزرة جامعة حلب وصمة عار تضاف إلى سجل نظام متوحش دموي، وأبلغ منها وفي نفس اليوم مجزرة الحصوية، التي تم القبض على قائد شبيحتها لينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة. الأمل بالله كبير أن يتم القبض على مرتكب مجزرة حلب وغيرها من المجازر، لينالوا حسابهم العادل، والأمل أكبر وأكبر أن يفرح السورييون قريباً بالقبض على كبير الشبيحة وكبير مجرميها، فلكل ظالم يوم، ولكل مجرم حكاية، وويل يومئذٍ للمجرمين.

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=gFPZNVrHVvY

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=iTD90acPLYk

http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=QfXkE2FbY_U

=======================

عامان والثورة مستمرة

د. محمد أحمد الزعبي

مدخل :

إن لكل ثورة إجتماعية ، أو انتفاضة شعبية ، أسباب متعددة ومختلفة ، بعضها رئيسي ، وبعضها ثانوي ، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر ، بعضها بعيد وبعضها قريب . ومن الطبيعي أن ينطبق ذلك على الثورة السورية التي انطلقت في 18 آذار 2011 من مدينة درعا في حوران . الأمر الذي يعني ، أن حادثة أطفال درعا ماهي إلاّ القشة التي قصمت ظهر البعير ، أما ماقصم ظهر البعير حقيقة فهو تراكمات أربعة عقود ونيف من مصادرة الحرية والكرامة وحقوق الإنسان من قبل نظام عائلة الأسد الذي تمتد جذوره إلى عام 1970 م ، والذي مازالت وحشيته وهمجيته مستمرة منذئذ وحتى هذه اللحظة ، بل إنه بعد انفجار ثورة آذار السلمية والمطلبية ، أصبح أكثر وحشية وهمجية من أي وقت مضى .

سنحاول في هذه المقالة ، تقديم تغطية سريعة ومختصرة ، للتراكمات السببية ، التي تكمن وراء انفجار ثورة آذار 2011 العظيمة والفريدة من نوعها ، ألا وهي بصورة أساسية :

1.عدم شرعية النظام ،

2. تعامله الوحشي والتمييزي والطائفي مع كافة فئات الشعب السوري ،

3.مسألة الأقلية والأكثرية في عرف هذا النظام ،

4.هل إن ماجرى ويجري في سورية منذ سنتين ، ثورة أم انتفاضة ؟

5.اقتصاد الفساد ، وفساد الاقتصاد في سورية في ظل حكم عائلة الأسد ،

6.إلى متى يمكن أن يستمر شلال دم الأطفال والنساء والشيوخ والشباب في سورية بالنزيف ؟

1. حول مسالة الشرعية :

يعلم القاصي والداني ، أن حافظ الأسد لم يصل إلى الحكم عن طريق صندوق الاقتراع النزيه والشفاف ، وإنما عن طريق الدبابة والمدفع ، أي عن طريق القوة .، حيث أن : " ماأخذ بالقوة لايسترد إلاّ بالقوة " .

إن وصول حافظ الأسد إلى سدة الحكم عام 1970 ، كان إيذاناً بإغلاق الأبواب أمام كل أشكال ومستويات الحرية والديموقراطية أمام الشعب السوري ، والاستعاضة عنها بديكتاتورية عسكرية فئوية ، كانت تختبئ وراء اكثر من 17 جهازاً أمنياً ، ووراء عدد مما يطلق عليها زوراً وتدليساً المنظمات الشعبية ، والتي من بينها " حزب البعث العربي الإشتراكي !! " ، واتحاد العمال ، واتحاد الفلاحين ، واتحاد الطلبة ...الخ ، والتي تخضع جميعها ، بصورة أو بأخرى ، للنظام الأسدي . بل إن معظم القياديين الفعليين لهذه المنظمات ،كانوا من أقارب و / أو أتباع عائلة الأسد .

وسأستشهد هنا ، بما ذكره أحد الصحفيين الألمان في مقالة له عن سوريا بعنوان syrien: dasٍ"

" scheitern einer Erbrepublik ( سورية : إفلاس جمهورية وراثية ) :

" يعتمد الأسد بصورة أساسية على جهاز السلطة Machtapparat الذي سبق لوالده ان شكّله

ويضم هذا الجهاز ، حزب البعث الذي يعتبر بموجب الدستور الحزب القائد للدولة والمجتمع ، ولكنه يعتمد قبل الحزب على الجيش والمخابرات ، ولضمان حمايته الشخصية ن يعتمد الأسد على أفراد عائلته الخاصة ، ودون استبعاد قسم كبير من الأقلية العلوية . إن القيادات في الجزء الأساسي من قوى الأمن وفي القطعات الأساسية في الجيش ، المخابرات العسكرية والعامة تقع كلها بيد المقربين من العائلة : الأخ ، ابن العم / العمة ، ابن الخال / الخالة ، أخو الزوجة ، زوج الأخت ، ..."

( Pathes Volker)

هذا ويعلم القاصي والداني أيضاً أن بشار الأسد قد ورث الحكم عن أبيه عام 2000 ، وأن نهجه السياسي ( إذا استثنينا فترة ربيع دمشق ، قبل أن يتم اعتقال قياداته وإغلاق مؤسساته ) كان مطابقاً لنهج أبيه ، بل إن حرب السنتين الأخيرتين ضد الشعب السوري ، تؤكد أن بشار قد فاق أباه وحشية وهمجية ، وما تشاء من الأوصاف .

2. حول مسألة السلوك الوحشي والهمجي للنظام :

سنورد فيما يلي بعض الإحصاءات حول ضحايا المجازر التي ارتكبها نظام عائلة الأسد خلال الفترة من 1970 ، وحتى هذه اللحظة (15.3.13).

> في مدينة حماة التي لم يكن يزيد عدد سكانها عام 1982 عن نصف مليون مواطن :

ــ 40000 قتيل ، 20000 مفقود ، 60000 معتقل ، أكثر من 100000 أجبروا على الفرار

خارج الوطن .

> بحسب إحصاءات الأمم المتحدة ،( UN ) فإن ضحايا ثورة آذار قد تجاوز بتاريخ 12.01.13 سقف

الـ 70000 قتيل.

> وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان ، فإن الضحايا حتى تاريخ 14.3.13 ( يوم أمس ) كالتالي :

ــ 80000 شهيد ، منهم 15000 طفل وامراة ، 7500 مقاتل ، 2000 ماتوا تحت التعذيب

> وبموجب هيئات إنسانية وحقوقية مختلفة ، فإن عدد جرحى الثورة السورية قد تجاوز الـ 10000      

> يتواجد في سجون بشار الأسد المختلفة ، حالياً ، أكثر من 200000 سجين .

> وصل عدد من دخلوا سجون بشار الأسد خلال سنتي الثورة فقط أكثر من 500000 مواطن .

> وصل عدد النازحين داخل الوطن اكثر من 3 ملايين مواطن ، وزاد عدد النازحين إلى دول الجوار أكثر من مليون شخص نصفهم من الأطفال .

> دمرت صواريخ وطائرات بشار الأسد كامل البنية التحتية في سورية ، وأيضاً التدمير الكلي أو الجزئي لمعظم المدن والقرى السورية ، ولا سيما الأسواق التجارية والمساجد والمستشفيات والمتاحف والقلاع الأثرية والبنايات السكنية .

> لقد ألحق التهديم المقصود الضرر والدمار بـ 90% من المستشفيات والمستوصفات والعيادات الخاصة ، وتمت تصفية حوالي 200 عنصر من الكادر الطبي ، ولاسيما الأطباء ، وذلك بطريقة مقصودة وهادفة ، وذلك من أجل حرمان جرحى الثورة من الإسعافات التي يمكن أن تنقذ حياتهم

> القسم الأكبر من المدن والقرى بدون ماء وبدون كهرباء وبدون تدفئة وبدون بنزين .

> بعد قصف النظام لمعظم مخابز المناطق المحررة ، ومعظم خزانات المياه الخارجية والداخلية بات الجوع ، والعطش ، ومد اليد ، والدموع ، والشكوى ، تمثل الخبز اليومي لملايين السوريين في الداخل والخارج !!.

> لقد دمر طيران وصواريخ الأسد مئات المدارس في كافة المحافظات ، بينما حول مئات أخرى منها إما إلى ثكنات عسكرية ، أو إلى مراكز تجمع مؤقتة لمن يتم اعتقالهم من المواطنين .

3. حول إشكالية الأقلية والأكثرية في سورية :

يمكن من الناحية السوسيولوجية ( من منظور علم الاجتماع ) تحديد إشكالية الأقلية والأكثرية ، في إطار هيمنة الإنقسام العمودي ( الديني ، الطائفي ، القبلي ، الجهوي ، القومي ) في البلدان النامية ، والتي من بينها " الجمهورية العربية السورية " ، وذلك على النحو التالي :

" تلعب الأقلية الاجتماعية عادة ، دوراً إيجابياً ، عندما تكون جزءاً من معارضة وطنية لنظام استبدادي ، ولكنها إذا ماوصلت هي إلى السلطة ــ بما هي أقلية ــ بطريقة غير شرعية ( انقلاب عسكري مثلاً ) ، فهي لاتستطيع المحافظة على هذه السلطة ، إلاّ باستمرار نهجها غير الشرعي ، اي الاعتماد على القوة ، وهذا يعني ،أن مثل هذه الأقلية،ولاسيما في البلدان التي مازال يهيمن في مجتمعاتها "الإنقسام العمودي" هي بالضرورة ضد الديموقراطية ، وضد صندوق الاقتراع النزيه والشفاف ." .

ومن الطبيعي ان مفهوم الأقلية هنا ، يشمل كافة أنظمة الحكم العربية ، التي لايخضع حكامها للتغيير عبر صناديق الإقتراع . بل إن " الكفن " هو صندوق الإقتراع الوحيد الذي يمكن عبره تغيرهم .

4. حول تحديد مفهوم الثورة ومفهوم الإنتفاضة :

إنه من المعروف فيزيائياً أن لكل فعل رد فعل ، مساوٍ له فالقوة ومخالف له في الاتجاه ، وهو ماينطبق سياسياً وإجتماعياً على الحالة السورية ، من حيث أن سلوك النظام السوري ، نظام عائلة الأسد ، خلال الأربعة عقود الماضية بصورة عامة ، وخلال السنتين الأخيرتين (بعد 18آذار2011 ) بصورة خاصة

كان سلوكاً همجياً ووحشياً بكل المقاييس ، وكان أيضاً استبدادياً وفاسداً وتمييزياً ، الأمر الذي مثل تلك التراكمات الكمية ، التي انفجرت بداية في درعا ، ومن ثم في كل أنحاء سورية ، على شكل انتفاضة سلمية تطالب النظام نفسه ، بتحقيق الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية دونما تمايز أو تمييز . بيد أن لجوء النظام إلى الحل " الأمني " ( الرصاص الحي وسفك الدماء ) ، جعل هذه الانتفاضة الشعبية المحدودة تتطور وتتحول إلى ثورة إجتماعية عارمة ، شملت الغالبية الساحقة من أبناء الشعب السوري .

إن ماذكرناه أعلاه ، يشير إلى أن الثورة ــ وهنا أيضاً من الناحية السوسيولوجية ــ هي من الناحيتين الأفقية والعمودية أشمل وأكثر جذرية من الإنتفاضة .

وبالنسبة لسورية ، فإن الحراك الثوري فيها ، قد بدأ في صورة انتفاضة شعبية مطلبية شرعية ، ولكنه تطور بعد بضعة أشهرإلى ثورة اجتماعية شاملة،ارتفع سقف أهدافها إلى" الشعب يريد إسقاط النظام " .

وتقع مسؤولية هذا التحول النوعي ، على نظام عائلة الأسد ، الذي كما أسلفنا ، جاء إلى سدة الحكم عن طريق " القوة " ، ولن يتركها بالتالي ، إلاّ عن طريق " القوة " ، أي عن طريق استمرار الثورة حتى تحقيق هدفها الكبير المتمثل في إسقاط النظام .

5. حول الفساد الإداري والمالي في سورية :

لاأريد أن أسرد أسماءً وأرقاماً تحتاج من الناحية المنهجية إلى التوثيق العلمي الدقيق ، ولكني سوف أكتفي بالإشارة إلى أن منظمة الشفافية الدولية (Transperancy International ) قد وضعت سورية في المرتبة 144 من أصل 174 ( عام 2012 ) في سلم الفساد الدولي ، في حين احتلت بين 19 دولة عربية ، المرتبة 14 . هذا مع العلم ان دراسة معينة حول هذا الموضوع ، قد قدرت ثروات الأشخاص المباشرين من أفراد عائلة الأسد بـ 212 ملير دولار أمريكي ، والله أعلم .

6. حول : إلى متى يمكن أن يستمر هذا النزيف الدموي في سورية ؟

يصعب على المرء ، ان يعطي جواباً دقيقاً حول هذا السؤال الإشكالي ، ولكن مايمكن تأكيده هنا :

1. إنه لم يعد ممكناً للثورة السورية ، أن تعود ، بل أن تتطلع إلى الوراء ، لابد أن تتابع طريقها بشقيه ( السلمي والحربي ) حتى إسقاط النظام .

2. مازال الأمر ( وهذا مع الأسف الشديد ) بحاجة إلى مزيد من الوقت ، ومزيد من التضحيات .

ولاسيما أننا أمام نظام قد أعد العدة لمثل هذه المواجهة الشعبية ، طيلة أربعين عاماً ، وأن دولاً عديدة متطورة كبرى تسانده عسكرياً وسياسياً وإعلامياً ، وذلك لأسباب لاتخفى على أحد .

3. ولكن ، وبالرغم كل ماقيل ويمكن ان يقال ، حول بشار الأسد ونظامه الهمجي ، وحول الحوار وشروطه القبلية والبعدية ، فإن النظام كما وصفه الكاتب الأالماني الذي سبقت الإشارة إليه إنما يعيش حالة " النزع الأخير " die Agonie التى نأمل لها ألاّ تطول ، لأن هذا في مصلحة الجميع .

=========================

في تقدير الموقف : ماذا جرى في الائتلاف الوطني ...؟؟ .. زهير سالم*

وأخيرا حسم رجال الائتلاف الوطني أمرهم واختاروا رئيسا للحكومة المرتقبة . اقتحموا العقبة التي طالما تهيبوا وتهربوا من استحقاقاتها . كان الكثيرون يتساءلون عن سر التأخر وها هو سر التأخر والتلوم والتربص بين أيدينا . أصوات ومواقف كلنا يقدر أن المشهد السوري آخر ما يحتاج إليها.

كان المتوقع من شركاء الائتلاف الوطني ألا يتوافقوا . وكان المنتظر للألغام التي ظن البعض أنه قد احتواها أن تنفجر عند أول منعطف ، وكان المقدر لأي عملية تصويت أن تكون لها نتائجها التي نتابعها اليوم على وسائل الإعلام : تنابذ وتبادل اتهام ..

لن ينفع جميع الأطراف التداري وراء القواعد والأصول الديمقراطية . لن ينفعنا في هذا المقام أن ينتصر فريق على فريق حوارا أو جدلا ، فالواقع القائم بغض النظر عن المحق ومخالفه هو ضد مصلحة الثورة والثوار ولمصلحة أعدائهم بكل المعايير . والخاسر الأول فيما نتابع هو هذه الهيئة الوطنية ( الائتلاف الوطني )

لقد يؤثر الرجال السوريون الذين يؤمنون أن مصلحة الثورة هي الأولوية أن يصمتوا دائما عن بعض هؤلاء الذين يتصدرون المشهد على كل المستويات بحق أو بأخيه .يصمتون عن كل التجاوزات والإساءات والانتقاصات ؛ مقتنعين أن هذا هو دور الأم الحقيقية الذي يقدرونه ضروريا في هذه المرحلة لدفع المفسدة الأكبر ( الشقاق والفراق ) ..

الأخطر في المشهد أن البعض حاول أن يخرج بالذي حصل في الائتلاف الوطني عن كونه تجاذبا بين مجموعتين سوريتين وطنيتين على اختيار رئيس حكومة . كان الأخطر محاولة البعض للدفاع عن وجهة نظرهم أن يخرجوا بالتعاطي الديمقراطي من إطاره الوطني إلى إطاره العربي . مدعين أن الذين رجحوا مرشحا على آخر إنما رجحوا علاقة مع دولة شقيقة على أخرى !! ادعاء يسيء إلى أصحابه أولا كما أنه يسيء إلى الائتلاف الوطني والعملية الوطنية ككل .

إنه مما ينبغي التأكيد عليه أولا أن الذين قاموا بعملية الاختيار

قاموا بذلك على أسس وطنية بحتة ..

وأن حرص الائتلاف الوطني بكل مكوناته وشخصياته على علاقة إيجابية متوازنة مع جميع الدول الشقيقة عربية وإسلامية لا حدود له . وهو حرص يحتل رأس سلم أولويات الائتلاف الوطني بكل مكوناته وشخصياته.

لقد تمت عملية الاختيار الديمقراطي في مناخ عام من الثقة والشفافية وتوفيرالاحترام الكامل لكل المرشحين. ودون الانتقاص من أهلية أي مرشح وقدراته أو التشكيك فيه .

إن محاولة البعض أن يردد أن الشخصية الوطنية التي تم اختيارها إنما كانت مرشحة فريق وطني بعينه هو دعوى عريضة يشكل حالة اتهامية تسيء أول ما تسيء لأصحابها ، وتصادر أصلا على مطلوب الثورة الديمقراطي والتشاركي .

إنه من نافلة القول أن نكرر أن من حق أي فريق أو شخصية وطنية – ديمقراطيا - أن يكون له مرشحه وأن يحاول إقناع أكبر عدد من المشاركين به ؛ ومع ذلك فقد أعلنت جماعة الإخوان المسلمين أنها لا مرشح لديها لموقع رئيس الحكومة . وأنها لا فيتو لديها على أي من المرشحين ، وأنها ستكون داعمة لأي مرشح يتوجه التوافق إليه ..

ولقد أعلنا دائما أننا نؤمن أن التوافق هو الطريق الأقرب لجمع العقول والقلوب . وأن التوافق في كل مرحلة من مراحل العمل الوطني هو الخيار الذي يتقدم الذهاب إلى صندوق الحسم بالانتخاب ؛ ولكن التوافق لا يعني أن يفرض القليل إرادته على الكثير ، كما لا يعني تدوير الاستحقاقات الوطنية في دوامات التسويف والتعطيل ..

إن التعاطي الديمقراطي هو فعل إيجابي يقوم على الثقة بالذات ، وعلى احترام الشركاء ، وعلى الحوار البناء في سبيل الإقناع وكسب الأنصار . كما يقوم مع الحرص على نصرة الرأي على قبول الآخر شخصا وجهدا ورأيا ..

وسياسات الرفض والنقض والقذف بالاتهام سياسات موروثة من عهد بائس ثار شعبنا عليها وعلى أصحابها .

لندن : 9 جمادى الأولى / 1434

21 / 3 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

أم نضال مريم فرحات رحمها الله

بقلم الأستاذ عصام العطار

بلغني الآنَ نبأُ وفاةِ أمِّ نضال فرحات "خنساء فلسطين" رحمها اللهُ تعالى بعدَ مُعاناةٍ صِحِيَّةٍ قاسِيةٍ صَبرتْ عليها أجملَ الصَّبر وهيَ تُتابعُ طريقَ الجهادِ والنِّضال

وهكذا تغيبُ عن الأبصارِ في فلسطين قِمَّةٌ من قِمَمِ الإيمانِ والإباءِ والجهادِ والعطاء..

تغيبُ عنِ الأبصارِ وَلا تَغيبُ عَنِ البَصائِرِ والقُلوب

لقد جَسَّدَت في إبائِها وجهادِها وعَطائِها وثَباتِها وتَضْحِياتِها جوهَرَ سُمُوِّنا وأصالَتِنا وبطولاتِنا العربيَّةِ والإسلاميَّةِ على امتِدادِ التّاريخ، فارتَقَتْ مَناراً شامِخاً يُضيءُ لأجيالٍ بعدَ أجيال..

أعطَتْ في سبيلِ اللهِ طاقَتَها وجُهدَها، وقَدَّمَتْ في سبيلِهِ أبناءَها العشرة، "فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا "

استُشْهِدَ من أبنائِها وفلذاتِ كبدِها ثلاثة، والباقونَ في صُفوفِ الجهادِ والنِّضال..

الحريَّةُ والتَّحريرُ أوِ الشَّهادَة

يا أختي ويا بنتي الغالية أم نضال.. يا "خنساءَ فلسطين"

قالتِ الخنساءُ العظيمةُ الأولى عندما استُشْهِدَ أبناءُها الأربعة في القادِسِيَّة:

"الحمدُ للهِ الذي شَرَّفَني بقتلِهِم، وأسأَلُ اللهَ أن يجمَعَني بهم في مُسْتَقَرِّ رحمَتِه"

وسَيَجْمَعُكِ اللهُ – إن شاءَ اللهُ تَعالى – بشُهَدائِكِ وأبنائِكِ وأحبابكِ الثَّلاثَة في مُسْتَقَرِّ رحمتِهِ ودارِ كرامَتِه.

تعزيتي وتهنِئَتي لأبنائِكِ وأسرتِك، وكُلِّ فلسطينِيٍّ وعرَبيٍّ ومسلِمٍ وإنسانٍ حُرٍّ بهذا الفقدِ وهذا المجد

وإنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون

==========================

العراق في أزمة سوريا!

فايز سارة

الشرق الاوسط

17-3-2013

يمثل العراق أحد أهم جيران سوريا، وهو صاحب أحد أطول حدود معها، وبحكم العديد من العوامل فإن موقفه شديد الأهمية والتأثير على ما يحدث في سوريا، وستكون للموقف العراقي تداعيات مستقبلية في مستوى العلاقات بين البلدين وفي مستوى العلاقات الإقليمية، وهذا بين أسباب تدفع إلى التدقيق في مواقف العراق من الأزمة في سوريا ومحاولة الإجابة عن الأسئلة المتصلة بموقف العراق من الأزمة السورية، ومجموعة السياسات والإجراءات العملية التي تتابعها السلطة العراقية في الموقف من النظام والمعارضة.

وقبل التدقيق في موقف العراق الحالي، لا بد من الإشارة إلى أن العراق عانى واشتكى طوال العقد الماضي من السياسات والممارسات السورية، التي اعتبرها العراقيون تدخلات فجة في شؤونهم الداخلية، وجاء في سياقها دعم السلطات السورية لقوى وشخصيات عارضت الحكومات العراقية، التي جاءت للسلطة بعد احتلال العراق عام 2003، ومنها دعم فلول نظام صدام حسين. واتهمت حكومات بغداد السلطات السورية طوال سنوات بتمرير الجماعات المسلحة ورموز «القاعدة» إلى العراق للقيام بعمليات إرهابية، وبالسماح بمرور الأموال والأسلحة إلى الجماعات المسلحة. وأثارت الحكومات العراقية هذه القضايا لدى مؤسسات عربية وإسلامية ودولية.

وبخلاف ما كان عليه الوضع من صراع في العلاقات العراقية - السورية، فقد اتجهت تلك العلاقات إلى التهدئة في الفترة الثانية من عهد رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو أمر يرتبط بالعلاقات الجديدة والوثيقة التي جرى نسجها بين المالكي وإيران، وكرست تحالفا بينهما، مما ترك تحسنا محدودا في علاقة العراقيين والسوريين بحكم علاقة الطرفين مع طهران، وكان من أثر ذلك انخفاض حدة الاتهامات العراقية للسوريين لجهة تدخلهم في شؤون العراق، وبدء دورة من التقارب في علاقات بغداد - دمشق.

إن الانعكاس المباشر لتحسن علاقات بغداد - دمشق تجلى بسياسات وإجراءات اتبعتها بغداد حيال دمشق من دون أن تعلن موقفا يؤازر السلطات السورية أو يتبنى موقفها من الأزمة خلال العامين الماضيين، والسبب في ذلك أنها لا تريد أن تصنف في حلف سياسي واحد، يضمها إقليميا مع إيران وسوريا، وهي في المستوى الداخلي لا تريد أن تظهر بمظهر الاصطفاف الطائفي على اعتبار أن المالكي يمثل الطائفة الشيعية، خاصة أن علاقات المالكي سيئة مع الجناحين الآخرين في العراق؛ سيئة مع الأكراد في الشمال وسيئة مع سنة العراق أيضا.

وللأسباب السابقة بدا الموقف العراقي من الأزمة في سوريا أقل تأييدا للنظام وأقل في العداء للمعارضة، وهذا ما يجد له ترجمة في سياسات ومواقف العراق المعلنة، حيث حاول قادته الوقوف في منتصف المسافة من النظام والمعارضة في تصريحاتهم بأحقية التغيير في سوريا مع تأكيد اعتراضهم على الحل العسكري والتشهير بالمعارضة المسلحة، لكن ذلك لم يمنع من التحذير من سلبيات تغيير النظام ورأس النظام، والتي رأى فيها رئيس الوزراء نوري المالكي احتمال دفع بلدان المنطقة إلى حروب أهلية مدمرة، مما يتضمن تأييدا غير مباشر للحفاظ على النظام ورأس النظام، وهو جوهر موقف دمشق وطهران أساسا.

ولا يمكن فصل جوهر الموقف العراقي إزاء النظام في سوريا عن علاقاته مع المحيط العربي والإسلامي، حيث تراكمت مشاكل العراق مع الدول الداعمة للمعارضة السورية ومنها قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا، وبدا من الطبيعي وقوفه في الصف المقابل لها، وفي اتخاذه مواقف وسطية، عندما تطرح أو تناقش الأزمة السورية في الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وفي الأمم المتحدة، وقد توجت مواقف العراق السياسية والإعلامية بخطوات عملية، جاء في سياقها تشديد الإجراءات العراقية على الحدود مع سوريا لمنع المرور عبرها، وتكثيف مراقبة المناطق المتاخمة للحدود السورية بهدف منع العراقيين من تقديم أي عون ومساعدة للسوريين في المناطق المجاورة، والسماح بمرور مجموعات مسلحة عراقية مع تجهيزاتها باتجاه الأراضي السورية للمشاركة في الصراع إلى جانب قوات النظام الحاكم، وقيام السلطات العراقية بإغلاق الحدود في وجه السوريين بما في ذلك اللاجئون، مع تأكيد أن أغلب اللاجئين السوريين من الأكراد وأكثرهم موجودون في شمال العراق، كما كان في سياق الإجراءات العراقية السماح باستخدام الأراضي والأجواء العراقية لمرور البضائع والأسلحة والذخائر من إيران ومن كوريا الشمالية، وأدت تلك السياسة إلى دفع القوات العراقية للاشتباك مع قوات الجيش الحر مرات عديدة، وكان آخرها ما حصل في اشتباكات معبر اليعربية مؤخرا.

لقد سعت السلطات العراقية إلى التغطية على حقيقة موقفها وممارساتها إزاء الأزمة في سوريا، ووقوفها إلى جانب النظام من خلال الإيحاء بمواقف وسطية وعبر مناداتها بضرورة الحل السياسي للأزمة، غير أنها في الواقع ومن خلال الخطوات الإجرائية والعملية أكدت أن خياراتها هي الوقوف إلى جانب النظام ودعمه بأشكال مختلفة، الأمر الذي ستكون له انعكاسات سلبية على العلاقات العراقية - السورية وعلى علاقات العراق الإقليمية والدولية، ولعل الأهم في تلك الانعكاسات هو تأثيرها السلبي على واقع العراق الداخلي، وهذا ما بدأت تظهر مؤشراته بوضوح.

===================

الحكومة السورية المؤقتة: لماذا وكيف؟

سيكون تشكيل الحكومة المؤقتة عاملاً هاماً في قدرة الثورة على مقاومة ضغوطٍ قد تحاول خلق أمرٍ واقع يتمثل في تشكيل حكومة تُفرض من الخارج

د. وائل مرزا

الأحد 17/03/2013

المدينة

الحكومة السورية المؤقتة: لماذا وكيف؟

كلما قلتُ متى موعدُنا ضحكت هندٌ وقالت بعد غد.

قد يعبّر هذا البيت من الشعر العربي عن حال الثورة السورية مع معارضتها السياسية. فرغم المحاولات المختلفة للقيام بالدور المطلوب من قِبلها، لاتبدو هذه المعارضة حتى الآن في وارد القدرة على تحقيق ذلك الهدف، ولو في حدّه الأدنى.

نعم، هناك عوائق تحول دون ذلك، منها ماهو ذاتي ومنها ماهو خارجي، لكن النتيجة تبقى واحدةً في نهاية المطاف. وهذا واقعٌ، وإن كان صعباً ومُحبطاً في بعض الأحيان، لكنه لايعني افتقاد المعارضة، وتحديداً الائتلاف الوطني، لأوراق يمكن استخدامها لاستعادة المبادرة، ولو بشكلٍ تدريجي.

من هنا، تأتي المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق نفرٍ من المخلصين مع حلول الذكرى الثانية لانطلاق الثورة هذه الأيام. خاصةً مع تصاعد الحديث عن تشكيل حكومةٍ مؤقتة يمكن أن يُصبح إيجادُها مفرق طريق في مسيرة المعارضة، ونقلةً إيجابية في أدائها وعملها .

أول مايجب أن يراه الناس في هذا الإطار هو الجدّية الكاملة في التعامل مع هذا المشروع. إذ لامجال، مع حساسية الظرف الراهن، للدخول فيه كمن يقدّم رجلاً ويؤخر أخرى. ثمة حاجةٌ لدرجةٍ عالية من الحسم النفسي والفكري والعملي لابد من امتلاكها لتأمين ظروف النجاح ومقدماته. وظهورُ مشاعر التردد والحيرة سيكون مدعاةً لانتشار روحٍ سلبية تصبح بدورها المسمار الأول في نعش الحكومة، وربما إجهاضها قبل الولادة.

علينا أن نستحضر في هذا المقام أن وجود مثل هذه الحكومة أصبح مطلباً شعبياً واسعاً يكاد يكون محطّ إجماع. وهي قبل هذا وبعده استجابةٌ طبيعية لحاجاتٍ واستحقاقاتٍ ملحّةٍ لم يعد ممكناً تأجيلُ التعامل معها.

على سبيل المثال، أصبحت المناطق المحررة واسعةً إلى حدٍ كبير، وفي وجود مجالس وهيئاتٍ محلية يزيد عددها باستمرار، فإن الحاجة باتت ملحة لتجنب الفوضى التي يمكن أن تنشأ عن تضارب الأنظمة وقواعد العمل السائدة فيها على تنوع مناطقها وخلفياتها. وبدلاً من هذا، يجري توحيد وتعزيز مثل تلك الجهود في قالب حكومي يؤسس لسوريا المستقبل، ويجنب البلاد وجود فراغ سياسي في حال سقوط النظام بشكل مفاجئ.

وسيكون تشكيل الحكومة المؤقتة عاملاً هاماً في قدرة الثورة على مقاومة ضغوطٍ قد تحاول خلق أمرٍ واقع يتمثل في تشكيل حكومة تُفرض من الخارج، كما حصل سابقاً في أفغانستان والعراق. إذ لم يعد خفياً أن هناك «أفكاراً» يجري تداولها في بعض الأوساط الدولية بهذا الخصوص.

ولاتخفى في هذا الإطار الحاجة إلى عملية تنظيم كبرى للعمل العسكري من جانب، وللتنسيق الكامل بينه وبين المسار السياسي من جانبٍ آخر. ورغم جهود الائتلاف في هذا المجال، إلا أن وجود الحكومة يمكن أن يدفع باتجاه تحقيق الهدف من خلال تعيين وزير دفاعٍ مدني بالتنسيق مع قيادة الأركان. وفوق أهمية الموضوع بذاته، فإن لهذا الإخراج رمزية كبرى تتعلق بالعلاقة بين الساسة والمدنيين في سوريا المستقبل ستصل رسائلها للمعنيين داخل سوريا وفي النظام الدولي.

هناك بعدٌ آخر يتمثل في بذل كل جهدٍ ممكن لتأمين احتياجات المواطنين في المناطق المحررة. وهذه لاتقف عند المأكل والمشرب والمأوى على أهميتها، وإنما تمتد إلى تنظيم عمليات الصحة والتعليم والإدارة المدنية بكل مستوياتها، وإدارة الموارد الطبيعية، والحفاظ على سلامة وأداء أجهزة الدولة المدنية. ويأتي في هذا الإطار تنظيم وتنسيق جهود الإغاثة والمساعدة للشعب السوري .

ثمة نقطةٌ لابدّ من إشاعة الحديث فيها بصراحة وشفافية. فالتوقعات العالية من الحكومة المؤقتة يمكن أن تكون غير واقعية، خاصة في البدايات. وهذا يقتضي أولاً مساهمة جميع الأطراف في التعامل مع الموضوع بواقعيةٍ وتدرج. كما أنه، وهذا هو الأهم، يتطلب إشاعة دورٍ أساسي للحكومة المؤقتة يجب التركيز عليه .

فالهدف الاستراتيجي الأول والأكبر من وجود الحكومة يتمثل في تسريع عملية إسقاط النظام من خلال دعم العمل العسكري بشكلٍ فعال، ثم عبر مسارات العمل السياسي والدبلوماسي الدولية التي ستعمل على إزالة المشروعية الكاملة عن النظام في مؤسسات النظام الدولي والإقليمي، والاستحواذ تدريجياً على مواقع ومقاعد هذا النظام في تلك الساحات. بحيث نخلق أمراً واقعاً يتمثل في كون الحكومة هي الحاضر الوحيد باسم الشعب السوري في المحافل الدولية، بالتنسيق الكامل وتوزيع الأدوار مع الائتلاف. ويعرفُ من يعرف تقاليد عمل النظام الدولي وقوانينه، أن هذه ستكون ضربة معلم تُشكل نوعاً من الأمر الواقع الذي يُلغي كل إمكانيات الالتفاف على الثورة من جانب، ويدفع الجهات ذات العلاقة إلى حسم موضوع دعمها للثورة وممثليها، إما قناعةً، أو تحت ضغط ذلك الأمر الواقع.

كثيرةٌ هي المكاسب الأخرى من تشكيل الحكومة، فوجودها سيكون جاذباً مؤسسياً يدفع باتجاه المزيد من الانشقاقات السياسية عن النظام واستثمارها في بناء الشرعية البديلة عن النظام الساقط. كما أنه سيزيد قدرة الثورة على طرح بدائل ذات مصداقية للأقليات والفئات الصامتة التي لا تزال تدعم النظام أو تلك التي لاتزال مترددة في مواقفها.

وأخيراً وليس آخراً، فإن من مهمات الحكومة المؤقتة الحساسة وضع بذور المشاريع التي ستكون نواة مخطط إعمار سوريا وبنائها من جديد.بدءاً من إطلاق حملة مصالحة وطنية تبدأ العمل مباشرة في المناطق المحررة بدل الانتظار حتى بعد سقوط النظام.مروراً بالعمل على إحصاء ميداني في تلك المناطق بشكل منظم، وعن طريق جسم حكومي مسؤول، بدل أن يكون دخول المنظمات الدولية في تلك المناطق عشوائياً وغير مدروس التبعات والنتائج. وانتهاءً بتعبئة المساعدات الدولية وتنسيق مشاريع إعادة الإعمار وإيجاد السكن المؤقت لعدد كبير من النازحين في المناطق المحررة.

باختصار، ثمة فرصةٌ كبيرة أخرى يوفرها تشكيل الحكومة. لكنها لايمكن أن تحقق كمونها الكبير إلا بوجود إرادةٍ سياسية تضع المصالح الوطنية فوق كل اعتبار، وتتجاوز مهازل المحاصصات الحزبية والأيدولوجية والعرقية بشكلها الحادّ والمعيق، وتركز على خلفية تكنوقراطية لأفرادها يمتلكون الأهلية ويكونون قادرين على أدائه بعيداً عن العصي التي يضعها البعض من الآن، وسيتابعون وضعها في عجلات الحكومة، خوفاً على ضياع أدوارٍ موهومة، أو انسجاماً مع طريقة تقليدية في عمل المعارضة.

ثمة رمزية هائلة في أول حكومة سورية حرة تظهر بعد عقود من التهميش والتزوير. ولامفرّ من ارتقاء شرائح أكثر وعياً من الشعب السوري للارتفاع إلى مستوى تلك المسؤولية.

===================

سنتان على آذار سوريا.. ربيع مخضّب بالدم وانتصار مؤجّل

المعضلة اللبنانية مع الثورة السورية

دلال البزري

المستقبل

17-3-2013

بدل أن يُصاب لبنان بعدوى الثورات العربية الديموقراطية، أخذت هذه الثورات تُصاب بالعدوى اللبنانية. الثورة السورية تحديداً، بعد عامين على لاءاتها الثلاث المدوّية، ضد العسْكرة والطائفية والتدخّل الخارجي، ها هي تنزلق فيها، ناسخةً ملامح "النموذج" اللبناني الفذّ؛ وليتَ الأمر اقتصر على هذا؛ بل إن هزيمة اللاءات، وتسيُّد نقائضها، أعيد تصديرها الى لبنان، لتزيد جرعة تطييفه وتمذْهبه، وعسكرته، وطبعاً، التدخل الخارجي، الشرقي والغربي، بشؤونه. مع تفرعات جديدة، طبيعية، هي ابنة عصرها؛ نقصد الأسْلمة السنية، أو التسلّف السني، نظير الأصولية الشيعية، المصدَّرة، بدورها من إيران، موطن الولي الفقيه.

حاول اللبنانيون منذ عامين السير بخطوط متوازية مع الثورات العربية. ارتجلوا تظاهرات "إسقاط النظام الطائفي". سرعان ما تلاشت هذه الوثبة، حتى بهتت كلياً. ربما أسبوع أو أكثر بقليل فصل بين نضوب هذه التظاهرات وبين اشتعال درعا، وقبيلها تظاهرة سوق الحريقة في قلب دمشق، المتفق على أنهما سجّلا تاريخ اندلاع الثورة السورية. فسادَ صمت الترقب والشغف؛ وأمل لدى نصف اللبنانيين، المعادين لبشار الأسد، بانهيار نظامه. ثم شلل وانتظار وشعار رسمي بـ"النأي عن النفس" سوف يتحول مع الوقت الى نكتة بائخة. ذلك أن سوريا ليست، بالنسبة للبنان، مصر أو تونس. إنها عنوان انقسام عميق بين اللبنانيين، إنها مفتاح تكوّن سلطة "دولتهم"، إنها الجارة اللدودة، والشعب المحيِّر، إنها صاحبة المسار المتلازم مع مسارنا. قواتها العسكرية انسحبت من لبنان، ولكن شبكة هائلة من العلاقات والمصالح والتواطؤات، كلها معقّدة ومركّبة، ربطت مصيرها بمصيرنا، وبنوع من التأثير الذي لا تجده بين دولتين، أو شعبين جارَين.

اللبنانيون منقسمون منذ بداية الثورة بين موالين للنظام ومتعاطفين مع الثورة. لكن هذا الانقسام ليس قائماًً على تطلعات ديموقراطية ضد تشبّثات استبدادية. فالذين نزلوا الى الشارع تضامناً مع هذه الثورة مدفوعين بتطلعات المواطنة ودولة القانون، كانوا قلائل ومشرذمين؛ غالبيتهم مثقفون وإعلاميون. أما الذين وقفوا بأعداد غفيرة وبتظاهرات وفعاليات منتظمة وبنبرة عالية لا حدّها حدّ، فهم المجموعات الإسلامية السنية. والمؤشرات الكثيرة تدلّ على طبيعة تفاعلهم مع الثورة السورية: تبدأ بالشعار "الشعب يريد القيام بالجهاد" المرفوعة في تظاهراتهم، ولا تنتهي بالأخبار المتفرقة عن تعاون وإمداد أو ما شابهما... وبديهي أن هذه المجموعات تؤجج النعرة المذهبية، المستنفرة أصلاً. مبرر ظهورها وصعودها هو الدفاع عن "كرامة أهل السنة". هي ضد بشار ليس من أجل الديموقراطية... إنما من أجل رفع "أهل السنة" الى المرتبة القيادية التي كانوا عليها قبل أن يستولي "حزب الله"، المذهبي الشيعي، على قرار لبنان. من المضحك، هنا، أن "حزب الله"، وبمساعدة التهريجات الخطيرة لأحمد الأسير، أبرز وجوه هذه المجموعات، أتاحت له تقديم نفسه كقطب "كبير العقل"، "نابذ للفتنة"... بل ذهب أحد نوابه الى حدّ القول في مهرجان شعبي إنه مع "دولة المؤسسات والقانون"! هو الحزب الذي بنى دولة داخل الدويلة اللبنانية، دولة مسلحة، مذهبية، مرتبطة أشدّ ارتباط بالخارج، مستقوية به، ومنفذة لأجنداته، بصراحة ووضوح. وقد وجد لتدخله العسكري المنهجي مع قوات بشار الأسد سردية يذيعها: من أن ميليشياته في سوريا، في القصير مثلاً، "إنما تدافع عن أهالي بعض قراها، وهم لبنانيون، لصدّ هجمات الإرهابيين عليهم". فتسلحهم وتشرف على عملياتهم وترسل لهم التعزيزات إلخ... الأمر المؤكد أن هؤلاء المواطنين المهدَّدين، ليسوا من أبناء الطائفة الاسماعيلية أو الأرثوذكسية أو السنّية...

إذاً، الديناميكيتان الأبرز في لبنان الآن، الأقدر على لعب أدوار مؤثرة على مستقبله، تتجسدان في قوتين غير متساويتين حيناً ومتعادلتين أحياناً: منابتها أصولية، يقودها "رجال دين"، تلحمها عصبية مذهبية، تدعمها جهات خارجية. الأولى، الشيعية، هي الأسبق، الأكثر انضباطاً وتنظيماً، الأكثر مركزية في القرار. الثانية، السنية، الناشئة، على الأقل في المشهد، العشوائية، المتعددة القيادة، التي تبدو كمن يلحق بالركب... الأولى كدّست السلاح بعدما جرّبته، فاعتبرت نفسها منتصرة، والثانية تظهر سلاحها في المهرجانات ولا أرقام دقيقة حول حجم ما تمتلكه منه. عصبية الأولى، الشيعية، أقوى من الثانية، السنّية. هذه الأخيرة موزّعة بين عدد من "الأمراء" وعدد آخر من القيادات السياسية؛ فيما الأولى أشدّ بأساً، ولحمة (منطق العصبيات الأقلوية والأكثروية).

لكن بالمحصلة، الاثنان مندمجان بالثورة السورية سياسياً وعسكرياً، خصوصاً عسكرياً. ولولا القرار الدولي، ومصدره الامبرياليات الغربية، بتجميد "الساحة" اللبنانية وبالنوم على حكومة "النأي بالنفس".... لكانت الحدود اللبنانية السورية مفتوحة على مصراعيها للمقاتلين من الجهتين. "هي الآن مفتوحة" قد يقول البعض. هي كذلك، نعم، ولكن ليس كما لو صارت لها قوانين وآليات وروايات، لو تقنّنت، كما تقنّن عيشنا تحت تهديد السلاح "الحزب اللهي"، والقائم على مبدأ "توازن الرعب" غير المتكافئ. الآن الثورة السورية غيرت هذا التوازن، استقوت بها العصبية السنية لتصرفها بـ"أئمتها" السلفيين.

لم يَعُد لبنان "ينتظر" كما فعل بعد انطفاء تظاهرات "إسقاط النظام الطائفي". باتَ جزءاً من الثورة، على طريقته. وإذا تقرر يوماً في الأروقة الدولية بإفلات حبل توتره المذهبي، المكتفي، حتى الآن، ببعض الحوادث الأمنية، فان إعادة تصديره اللاءات الثلاث، عسكرة وتطييفاً وتدخلاً، سوف يهدّد وجوده: فتح الحدود، أو بالأحرى تقنين وتنظيم خرقها ذهاباً وإياباً، سوف ينهي شيئاً اسمه الكيان اللبناني، كان إشكالياً قبل الثورة السورية... فما بالك، مع عسكرتها وتطييفها...؟

أفضل ما يمكن توقّعه من مآل للثورة السورية في لبنان هو اهتراء الدولة اللبنانية، نحو قاع أعمق، ترافقه جولات أمنية محدودة، نسبياً. أما الأسوأ، فانهيار لبنان واختلاط حدوده بالحدود السورية، وغلبة كل أنواع السلاح، القديم والجديد، المنظم والفوضوي، وتجذّر الأسس المذهبية للصراع، بل إضفاء الشرعية التامة على هذه الأسس... تلك "الفتنة" التي لا يكفّ أصحابها عن التحذير منها.

بكثير من الورع قال بعض "الحكماء" بأن تجنيب لبنان هذا المصير يمر بالتوقف عن المشاركة العسكرية بالقتال الدائر في سوريا؛ ومهما كانت طبيعة المشاركة، مع بشار أو مع الثورة. ويقترح هؤلاء "الحكماء" قصْر المواقف المتعارضة هذه على الجوانب الإغاثية والإعلامية. هل هذا ممكن؟ أم مجرد تعبير عن أمنيات؟

"الممكن" يعطي أملاً، يوسع الأفق. ربما من واجبنا التمسّك به. رغم القوة الجبارة التي تقف بوجهه. الممكن هذا، على تواضعه وقلّة عظمته، يتوسل نوعاً جديداً من المقاومة؛ مقاومة اليأس من المستقبل. مع الوعي المسبق بهزاله. فالسلاح وحده يتكلم في المعارك، ومعه العصبيات، العابرة للدول، الأقوى منها. ولبنان يمتلك كل شروط انفجاره. وإذا أفلت من المصير الكالح، عليه، مثله مثل أشقائه العرب، أن يعيد من الصفر بناء دولته. ولكنه لكي يفلت من هذا المصير، عليه أن يجمّد معضلته مع الثورة السورية، ويتوقف عن إعادة تصدير الثلاثي، عسكرة وتطييف و... الذي هو أساس "نموذجه".

مثل سحابة صيف، كل هذه الأمنيات "الممكنة"؟

====================

على أبواب العام الثالث للثورة.. الوضع السوري من الاختلاف الى الوحدة

فايز سارة

المستقبل

16-3-2013

عند استعادة الشعارات الاولى للثورة السورية، فان قدرا طافحا من روح الوحدة السورية يظهر فيها، وهذا ما عبرت عنه شعارات التضامن بين ومع المدن والبلدات التي ترددت صداها من شمال سوريا الى جنوبها ومن الشرق الى غرب البلاد على ساحل المتوسط مروراً بالقلب السوري الممتد بين حمص ودمشق، وقد تناغمت نداءات التضامن مع هتاف ما زالت ترن كلماته في العميق من روح السوريين: واحد واحد واحد الشعب السوري واحد.

ولأن ترداد هذه الشعارات استمر بكل زخم خلال الاشهر الاولى للثورة، فان تردادها اخذ يخف وصار صوت اصحابها اقل زخماً، واضعف قوة، والسبب الرئيس في ذلك سياسات الدم والدمار التي تابعها النظام ضد الثورة وضد اصحاب تلك الشعارات، لأنها لا تتناقض مع رغبته المؤكدة في وقف التظاهر حيث تطلق الشعارات فقط، بل لأنها تتناقض مع سياسات كرسها العهد البعثي منذ الاستيلاء على السلطة عام 1963 في تقسيم السوريين، وتشتتهم الاثني والديني والطائفي والمناطقي خلافاً لكل الشعارات والمقولات الفارغة، التي رفعها النظام حول الوحدة الوطنية.

غير ان سياسات النظام في عمليات القتل والدمار وفي الحملات الدعائية والاعلام ضد الثورة، لم تكن كافية للتحول في شعارات التضامن والوحدة السورية، لو لم تكن لدى السوريين عوامل اخرى مساعدة لعبت دورها في دفع روح الثورة وشعاراتها شيئاً فشيئاً الى الاهتمامات الخلفية، او تقدم شعارات اخرى لتحل مكانها سواء في التظاهرات، او في السياسة، وفي هذا يمكن الاشارة الى ثلاثة من الاسباب المساعدة:

السبب الاول ضعف الاندماج الوطني في سوريا، وهو سبب يتعلق بمستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، حيث مازالت علاقات السوريين ببعضهم، ومعرفتهم عن بعضهم محدودة، بل هي لاتخلو من معلومات غير صحيحة وربما كاذبة في كثير من الاحيان، ولعل الاهم في مؤشرات ذلك ان كثيرا من السوريين يؤكدون فضل الثورة في تعرفهم على اسماء مدن وبلدات سورية كثيرة خلال الثورة ما كانوا يعرفونها قبل ذلك، كما ان كثير من السوريين، ليست لديهم معرفة كافية مثلا عن محافظات مثل السويداء والحسكة والرقة وربما ادلب ايضاً، ومعظم السوريين لديهم جهل بطوائف اسلامية ومسيحية تعيش في قلب الوطن السوري، بل كثيرون لديهم صور مشوهة عن عقائد وايمانات سوريين آخرين.

السبب الثاني ضعف مستوى قوة ونضوج النخبة السورية، والامر في هذا لا يتعلق بالنخبة السياسية فقط، وانما بالاقسام الاخرى من النخبة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ففي الاقتصاد وان وجدنا كثيراً من اصحاب رؤوس الاموال وارباب المشاريع والمستثمرين، فان هؤلاء معزولون عن بيئاتهم عزلاً يكاد يكون كاملاً، وروابطهم في الاغلب الاعم مع اركان في النظام وهي روابط تبعية ونفعية لاتتعدى ذلك، وهم يعيشون في عوالم اخرى مفصولة عن العوالم المحيطة بهم، بل هم غالباً ما يحيطون انفسهم واعمالهم وثرواتهم بنطاق سميك من السرية. حتي في الحالات التي يضطر بعضهم للظهور، فان اغلب ظهورهم يكون محدوداً، لا يجعلهم في دائرة الضوء.

ويتقارب وضع النخبة الثقافية في هامشيتها وضعفها مع وضع النخبة الاقتصادية. ليس فقط بسبب ضعف بنياتها الفكرية والابداعية، وهو امر مفهوم في بلد شمولي مغلق، بالاضافة الى اساليب الاخضاع والتدجين التي تمارس عليهم وعلى نتاجهم وحركتهم وعلاقاتهم، وكلها مرصودة عبرمنظومة رقابية تتمثل بوزارة الاعلام وادارية تتمثل باتحادي الكتاب والصحافيين وامنية تتصل بكل الاجهزة الامنية، وبالتأكيد فإن اي مسعى لتكوين شخصية ثقافية مستقلة وذات بعد اجتماعي، كان يقابل بحصار ونبذ ومحاربة بكل السبل بما في ذلك المنع والنفي والاعتقال.

ولا يقل الوضع سوءاً وتردياً عما سبق بالنسبة للنخبة الاجتماعية. ذلك وان اضطر النظام الى خلق واظهار ملامح لنخبة اقتصادية وثقافية، فقد منع ظهور نخبة اجتماعية، لانه صادر حق المجتمع بالتعبير عن نفسه وقضاياه، وسمح فقط بوجود تعبيرات ومؤسسات اجتماعية مثل الاتحادات والنقابات هدفها خدمة سياساته في القبض على المجتمع واخضاعه للنظام السياسي والامني، وفي النادر ما يتذكر السوريون اسماء القادة في منظمات سورية تضم مئات الآف الاشخاص مثل اتحادات العمال والفلاحين والنساء، ومثل ذلك في نقابات مهمة منها نقابات المحامين والاطباء والمهندسين وغيرهم، لان كل واحد من هؤلاء ليس اكثر من موظف تغيب شخصيته عندما ينتهي من وظيفته ومهمته.

والسبب الثالث، يمثله واقع المعارضة السورية. اذا هي معارضة ضعيفة ومنقسمة، ولديها كثير من المشكلات السياسية والتنظيمية والادارية، وكلها امور مفهومة في ظل خصوصيات حياة الجماعات السياسية في الداخل السوري، والتي قوبلت بسياسات واجراءات همشت الحياة السياسية في البلاد من خلال مقاومتها لفكر سياسي حر ومستقل يخرج عن اطار فكر النظام، كما منعت ظهور نخبة سياسية، بل انها همشت ودمرت شخصيات سياسية سورية، كانت حاضرة قبل مجيء البعث الى السلطة عام 1963، وحاصرت ولاحقت بالاعتقال والقتل احياناً زعماء وكادرات واعضاء جماعات سياسية، وهذا كله ادى الى ضعف موضوعي، ثم ذاتي في الجماعات السياسية السورية وانقسام في صفوفها نتيجة الحياة السرية التي عاشت فيها، وهو امر تكرس نمطاً في العمل السياسي في صفوف تلك الجماعات، لانه وبعد سنوات من امكانية العمل العلني كأمر واقع عند تلك الجماعات في العقد الماضي فانها اميل الى عمل سري، وهذا لم يسمح لها بتجديد بناها واساليب عملها وعلاقاتها الداخلية من جهة وعلاقاتها البينية من جهة اخرى، بل نقلها من شروط في ازمتها الى شروط اخرى دون تحقيق اي تقدم تستفيد من المتغيرات الجديدة. ويمكن القول، ان الامر لم يكن افضل بالنسبة للجماعات السياسية السورية، التي انتقلت الى المنفى في العهد البعثي المديد، او تلك التي اقامت لها تنظيمات جديدة او فروع لتنظيمات في الداخل، وكلها لديها نفس الامراض والمشاكل تقريباً والعجز عن القيام بمسؤولياتها والسير نحو تحقيق اهدافها.

ان المثال البارز في معضلة المعارضة وجماعاتها السياسية، يكشفه الى حد كبير واقع التحالفين الرئيسيين فيها، هيئة التنسيق الوطنية التي مقرها دمشق، والمجلس الوطني ومقره استانبول، وقد كشفت مسيرة عام ونصف من ممارستهما غرقهما في الصراعات والتناقضات الداخلية والبينية، واعتمادهما الشعارات خارج العمل المثمر، وعجزهما المشترك في وضع برامج سياسية واتخاذ خطوات اجرائية من شأنها اثبات وجودهما في الحياة السورية، وتقدمهما او احدهما لقيادة الثورة، التي علقت امالها عليهما ولو بقدر متفاوت من اجل الوصول بالثورة الى اهدافها في اسقاط النظام وبناء نظام ديمقراطي، يوفر الحرية والكرامة والعدالة والمساواة للسوريين.

لقد دفعت الاسباب السابقة، الى تراجع شعارات التضامن بين ومع المدن والبلدات السورية، ودفعت الى الخلف بشعارات عبرت عن وحدة السوريين، او خففت من ظهور تلك الشعارات، وحولت التظاهرات الى حضور رمزي بعد ان كانت وسيلة اساسية للاحتجاج ومقاومة النظام، بل ان تلك الاسباب ساهمت في الدفع نحو تحولات اعمق في واقع الثورة السورية ولاسيما في اتجاهين مكملين لمحدودية التظاهر ولتراجع شعارات التضامن والوحدة السورية، وهما انبعاث نزعات دينية طائفية وقومية في صفوف الثورة، ثم ظهور تشكيلات عسكرية مؤسسة على تلك النزعات، وهذه هي الاخطر.

غير انه ورغم التطورات الاخيرة بما فيها من مخاطر على الثورة ووحدة السوريين، فانه لايجوز المغالاة في تقدير تلك الاخطار، والاساسي في ذلك ان هذه التطورات جاءت في ظروف صعبة واستثنائية، وهي ظروف الدم والدمار السوريين، وفي ظل الاهمال الدولي لما يتواصل من فصول في كارثة مدمرة في وقت تدعم فيه قوى متعددة وحشية النظام، وتعجز فيه المعارضة عن تحقيق وحدتها وتقدمها نحو فتح ابواب امام حلول ومعالجات تساعد في انتصار الثورة، ولا شك ان تغيير تلك الظروف سوف يخفف من تلك المخاطر، بل انه سوف يجعل السوريين اقرب الى الوحدة واكثر قدرة على معالجة وتصفية كل السلبيات والدمارات التي لحقت بحياتهم ووطنهم.

===================

السفر بَرْلك السوري الجديد

بدر الدين حسن قربي

من يتابع مسيرة الشيخين البوطي وحسّون مع نظام الأسد والدٍ وولد، يدرك خطورتهما معاً في تسويغ فاشيّة هذا النظام وفساده بطريقة من الطرق لعشرات من السنين، ويُدرك أسباب محاربة الاثنين للثورة السورية بكل قوتهما بما لايقل تأثيراً عن أحدٍ من أكبر مجرمي النظام المتوحش، فكان حسّون في ميدان التصريحات واللقاءات، والثاني في الدرس والخطابة.

ومن ثمّ فلم يكن غريباً قول البوطي في إحدى خطبه: إني أعتقد أنه ليس في العالم كله بلد تُطبّق الإسلام بحقيقته وجوهره وتعاليمه الكريمة وتسامحه، كما تطبقه اليوم الدولة السورية بارك الله بقيادتها وشعبها. كما لم يكن غريباً امتداحه لجيش نظامٍ يقتل شعبه ويشرّده ويهجّره في حرب لامثيل لها في تاريخ العالم، فيقول فيه: جيشنا القائم ولله الحمد على تنفيذ ما ينبغي أن يُنفَّذ، وإننا لنخجل من الله أن نكون جالسين في بيوتنا ننظر إلى جهود هؤلاء الأبطال ونحن جالسون لا نفعل شيئاً. واللهِ ليس بين أفراد هذا الجيش وبين أن يكونوا في رتبة أصحاب رسول الله إلا أن يَرْعَوا حق الله في أنفسهم وأن يُقْبِلوا إلى الله وهم تائبون. وكذلك، لم يكن غريباً أن يدعو السوريين في خطبة الجمعة الأخيرة من شباط الماضي للجهاد خلف أميرهم بشار الأسد، التي بدت وكأنها دعوة لدعم نظام بشار الجزّار في قتل السوريين وسفك دمهم، وإلا فعن أي جهادٍ يتحدث فضيلة الشيخ، والأمير وأبو الأمير لم يطلقا طلقة واحدة خلال أربعين عاماً تجاه محتلي أرضنا ومغتصبيها.

جديد الأحداث السورية وارتفاع حدتها في توالي ضربات المعارضة المسلحة على قوات النظام وشبيحته في مواقع كثيرة خصوصاً منها العاصمة دمشق، وسقوط مدينة الرقة واحتجاز مديري أجهزتها الأمنية ومحافظها مع سقوط دراماتيكي شهده العالم على الفضائيات لواحد من أكبر تماثيل الأسد الأب في سوريا، أحدث فيما ظهر للناس ضربة نوعية في جسد النظام المتداعي والآيل إلى السقوط، والتي بدا أثرها بالاستنفار الديني غير المسبوق لشيخَي النظام وأبواقه الآخرين.

فقد دعا الشيخ البوطي في خطبة الجمعة الماضية السوريين للاستنفار والنفير العام ليكونوا مع جيش بشار الأسد في الدفاع المزعوم عن سوريا. ثم رَدِفَه في الكلام في اليوم التالي وئام وهاب يتوعدنا بنصف مليون احتياط من الإيرانيين قادمين من نواحي شتّى للدفاع عن أرض المقاومة والممانعة (نظام بشار). ثم تلاه بيان المفتي حسون يدعو السوريين إلى الجهاد باعتباره بات فرض عين على جميع السوريين وكل الدول العربية والإسلامية.

ومن الخطبة إلى التصريح والنداء، ومع بدء قنوات التلفزيون الرسمي على وقع فتوى الجهاد فرض عين، مرحلة إعلامها الجهادي في استخدام أساليب تنظيم القاعدة في نشر آيات القرآن، والأناشيد الإسلامية والرسائل المحرّضة على الجهاد ضد المعارضة، فإن المسألة لاتعدو التغطية على شبيحة موجودين مسبقاً وبأشكال شتّى، وعلى جديدهم القادم من إيران وحزب الله للمساعدة في إنقاذ نظام دمويٍ يتداعى مع آخر أدواته، وتبشّر السوريين بسفر برلك جديد، مسؤولوه مشايخ سلطة يرون مصلحتهم في الدفاع عنها وحمايتها من شعبها الثائر، يلتقطون فيه الطلاب من جامعاتهم ومدارسهم بحجية فتاويهم وفرْضية دجلهم، ممّا يذكّرنا بسفر برلك قبل مئة عام، كان يُلتقط فيه الشباب بالجملة ودون استثناء من الشوارع والطرقات ويؤخذون عنوة إلى ساحات الموت وهم ينظرون، ممن لم يرجع منهم إلا القليل القليل.

فياأيها السورييون..!! احذروا سفر برلك مافيا الأسد، محمولاً على مقولات ونداءات تستّرت بالدين، يزجيها إلينا مشايخ عملوا لسنين طويلة على مساندة نظام قامع فاسد مستبد مجرم، وهم اليوم يُلقون حبالَ سحرهم أطواقَ نجاة إليه، وأفاعٍ للناس يريدون لها أن تسحر أعينهم على رقص فتاويهم وخداع عمائمهم. وإنما ليس بعيدٍ سيجدون أن عصا ثورة السوريين ثعبان مبين، تلقف كيدهم وإفكهم وفتاويهم، وأن بحرها الهادر ينشق كالطَّود العظيم، يبتعلهم ويذهب بهم إلى سواء الجحيم، وهم يتنادَون فيما بينهم فرعوناً طاغياً وشيخاً دجّالاً، وتاجراً أفّاكاً وشبّيحاً مجرماً، ولهم فيها شهيق وزفير، وينادُون فيها وإنما بعد فوات الآوان، آمنّا برب السوريين وثورتهم.

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=nB-c57_x_Ac

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=8yRoQ6Sagtw

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=BZGDMjIOVmE

http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=n6t5LV0WnsQ

=========================

الثورة ضد أكبر نظام قمعي لا تعفينا من أن نعود للكبار

وليد فارس - حمص المحاصرة

الثورة على أعتى نظام في العالم صاحب أكبر جهاز مخابرات ضد شعبه وصاحب قوة عسكرية معدة للقضاء على أي تمرد جعلت من العالم كله صغيراً أمام همم الثائرين, لا يخفى على أحد أنه رغم كل الثقة بالنفس التي حصل عليها الثوار ورغم كل الروح المعنوية إلا أن الأمر حمل في طياته بعض المثالب-أقصد أن يكون الجميع صغار أممنا- كان أهمها:

أن من ثار على بشار لا يقف أمامه أحد فبدء الكبار يتساقطون أمام أفعال الثوار الكبيرة حقاً وعظمة العمل الذي قاموا به.

صار لا يقف أمامنا كبير ولا صغير مهما كان حجمه وأولهم الناس اللذين في صفنا ويعملون معنا, أغلب الثوار نسفوا الجميع وطارت من أمامهم مقامات ورؤوس العقلاء والحكماء والمشايخ والأساتذة والخبراء...لقد استوعب هؤلاء -لحكماء- الجميع وأثبت أغلبهم أنهم كبار بالفعل واستطاعوا أن يقدموا لنا الكثير على الرغم من الظرف الذي يمرون به أمام الثوار.

الحقيقة أننا كثوار نمر بفترة فيها الكثير من التشويش والضياع ونتمنى بل نبحث عن دليل يرشدنا الطريق وبشكل أسرع مما نفعل, في العمل العسكري وفي العمل الثوري وفي الأعمال الاجتماعية كافة وفي الجوانب السياسية والإعلامية والطبية والشرعية والفنية... في كل الأمور اليوم نحتاج لكبير..نحتاج لخبير..نحتاج لشخص يعطينا من خبرته ومن تجربة حياته خاصة وأن الأمر يترتب عليه مصير بلد ويترتب عليه أرواح ناس.

أخوتي الثوار اليوم جميعنا محتاجين لكبار نستند عليهم ونعود لننهل من خبرتهم ومن تجربتهم ونستقوي بهم – بعد الله عز وجل- على أعمالنا اليومية, لا تحسبوا أن الأمر بسيط بل هو عظيم وتوفيق كبير أن يكون عندنا شخصيات قيادية نعود لها في قضايانا, جربوا الأمر تجدوا له متعة خاصة وتشعرون بأنكم جزء من كل وأنكم تعملون ضمن فريق -وليس كل من على هواه- تشعر بمتعة العمل الجماعي وبأهمية أخوتك الثوار مهما كان دورهم, الكبار ينظمون لك العمل, يكون لك فيه دور واضح وللآخرين دور واضح لا تختلط الأمور ولا تتضارب الصلاحيات وتقل الخلافات وحتى إن وجدت تعود فيها لأهل الخبرة وتسلم بما يقولون وتطمئن لأنهم يتكلمون عن خبرة وعن تجربة.

حرصنا أن تكون ثورتنا بأيدي أمينة هو مايدفعنا للتمرد على الجميع نعم هذا صحيح..لكن اليوم بعد عامين من الثورة ظهر الناس وعرفت المعادن وبدأنا نميز المتسلقين من المخلصين وعرفنا من معنا ومن مع نفسه, فقط ألتفت حولك أين ماكنت تجد الكثير من المخلصين الكبار خبرة أو تجربة أو علماً تستطيع أن تطمئن لهم وتلجأ إليهم وقت الحاجة وتنظم العمل بشكل مميز وترى النتائج بسرعة.

في الرياضيات تعلمنا أن الواحد إذا أضيف له واحد يصبح اثنان...في الحياة العملية نجد أن جهد الواحد إذا أضيف له جهد أخر قد يعطي عشرة أو أكثر لأن الله عز وجل –بداية- مع الجماعة ويبارك في عملها ويدفع به نحو الأمام ويوفق المجتمعين على الخير...الناس تحب العمل الجماعي بطبيعتها وتكره أن تكون وحدها هذه الأمور فطرية في أي مجتمع والتنظيم أمر محبب لنفس كل إنسان مهما كان وأين كان مجاله.

الثورة جعلت من الثوار كلهم كبار هذا صحيح فما نراه من عظمة الثوار لم نكن نتوقع ولم نقرأ عن أغلبه حتى في القصص, وقد أفرزت الثورة رجال حقيقيين وأخذوا بجدارة شهادات تخرج من أعظم جامعات الحياة من خلالها...وهذا أيضاً يعطيهم الأحقية بأن يكون لهم كبار أو قادة يعودون لهم وينظمون من خلالهم أعمالهم اليومية والمستقبلية هذا حق أخر يجب أن ننتزعه ونركن إليه بأسرع وقت لأهميته وضرورته.

======================

«جهاد» دمشق ونفير الحل الخرافي

زهير قصيباتي

الخميس ١٤ مارس ٢٠١٣

الحياة

بين «نفير» و «جهاد» تنتج المحنة السورية أعاجيب في السياسة: أميركا تخشى يأس النظام في دمشق، وإسرائيل «ترأف» بالسوريين المحاصرين بين فصول المجزرة!

فاليأس في عين واشنطن، وحده الذي سيدفع النظام السوري الى استخدام الأسلحة الكيماوية، والضحايا ليسوا من «الجيش الحر» ولا «جبهة النصرة» فحسب. أما الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز الذي تحدث عن المجزرة فلم يذهب بعيداً إلى حد توجيه إنذار الى جامعة الدول العربية: إما أن تتدخلوا لوقفها، وإما أن نتصرف... لإنقاذ السوريين.

محنة الشجعان في سورية، لا تتيح الضحك حيال مهزلة «العلاقات العامة» التي تمارسها إسرائيل في العالم «شفقة» على الضحايا، فيما ضحاياها يموتون بسلاح عنصري لا يقل فاشية عن الديكتاتوريات العربية التي زرعت «أجيالاً» جديدة من إيديولوجيات الحقد والتعصب الطائفي... حتى إذا انهار هيكل السلطة تشظت الأوطان بألغام دويلات عرقية أو دينية- مذهبية.

بعد سنتين على ملحمة الثورة السورية، «اكتشفت» إدارة باراك أوباما ما كان الكرملين سبّاقاً إليه: فليجلس بشار الأسد مع المعارضين، بمن فيهم الكتائب المقاتلة، وتنتهي المأساة. كأن وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي أقنعه زميله الروسي سيرغي لافروف بـ «الحل السحري»، لم يسمع بعد بإصرار الأسد على أولوية إلقاء المعارضين السلاح، ولا بطروحات «الائتلاف الوطني السوري» و «الجيش الحر» المتعلقة بحوار يستكمل دفن النظام.

ومرة أخرى لا يجترح كيري تسوية، وحاله كحال الروس اليوم، فيما يجددون حمايتهم النظام ويصرّون على تنديد «أخلاقي» بالمعارضة، إذ يتهمونها بنسف فرص الحوار. يوهمون العالم بحرصهم على القانون الدولي ورفض التدخل في شؤون دولة مستقلة، ويسقطون في شباك الانفصام، فتصبح «جبهة النصرة» ملايين من المقاتلين، والشعب السوري- أو غالبيته- مجموعات من آلاف المسلحين.

أما الفرنسي فيكتشف أن الطريق الوحيد الى المفاوضات هو توازن قوى بين النظام وخصومه، ليقتنع بأن انتصاره مستحيل. وإذ يقال إن انتصار المعارضة مستحيل أيضاً، رغم اعتراف مدير الاستخبارات الأميركية بـ «ذكاء جبهة النصرة» المصنّفة «إرهابية» لدى الولايات المتحدة، لا يبدو الأميركي ولا الروسي ولا الإيراني- حليف نظام الأسد- قادرين على تسويق معادلة «لا غالب ولا مغلوب». أول الأسباب أن هذه المعادلة مستحيلة ايضاً لدى النظام والمعارضين... الأول لأن حال انفصام بلغت شأوها تجعله يتخيّل سورية «أقوى» بعد سنتين من القتل والمجازر والدمار الهائل، وبذاك يمكنه توهم القدرة على محو أرض المعارضة، كأنها دخيل طارئ على خريطة سورية، وادعاء نشوة التضحية بسبعين ألف سوري للانتصار في الحرب «الكونية».

«لا غالب ولا مغلوب» تتداعى خيالاً لدى المعارضين، وهم لا يقاتلون سعياً الى شراكة مع الديكتاتورية. فأي خيار يبقى إذا تهاوى سريعاً منطق الحوار بمواصفات النظام، فيما يُستبعد أن تصمد جهود الفرنسيين لإعداد لائحة بأسماء المحاورين باسم الحكم، يقبلها و «الائتلاف الوطني»؟ بين السوريين مَن لا يزال يقلُب صيغة السؤال ليصبح: أي محاور يكلفه النظام نعيه؟

وبينهم أيضاً من يرى الحلقات المفرغة تعيد إنتاج ذاتها، كلما بدا أن ورقة الحكومة الموقتة معبر جديد لتفتيت المعارضة المسلحة، بعدما أطاحت اجتماعات لـ «الائتلاف الوطني». بذاك يغسل الغرب يديه مجدداً من خطيئة التخلي عن المدنيين السوريين، ليتركهم بين طائرات النظام وصواريخه، وإغاثات «جبهة النصرة».

هل مِنْ خيار ثالث؟ المبعوث العربي- الدولي الأخضر الابراهيمي ما زال يردد التحذير من النموذج الصومالي، وإسرائيل لا تستبعد كياناً علوياً، في حين تسرِّع فجأة وتيرة التعبئة تستعد كما تعلن لاحتمالات مواجهة شاملة، كأن النظام السوري سيسقط غداً، أو كأنها جاهزة لاستدراج «حزب الله» الى المواجهة.

بين صواريخ النظام وإغاثة «جبهة النصرة»، يختلف قادة «الائتلاف» على شبح التقسيم، وهل تغذيه الحكومة الموقتة. لا وقت للجبهة تهدره بمكائد السياسة، لذلك «تعبّد الطرق وتردم حُفَرها... للمسلمين»، وتنهمك واشنطن بالضغط على المعارضة لتذليل خلافاتها، في حين ينهمك الكرملين باصطياد تجاوزاتها لتشويه سمعتها. وأما صمت طهران بعد حملة ديبلوماسية للترويج للصيغة الإيرانية للحل في سورية، فهو «انكفاء» مرحلي، لأن تسليح النظام لم ينقطع، ولا ينقصه سوى «الجهاد» من أجل الأسد!

«نفير» في مقابل «الجهاد»، خطوط التماس جاهزة لجولة واسعة من التصعيد، والتقتيل، خلالها ستنصرف واشنطن وموسكو الى تنقيح نسخة معدّلة عن صيغة الحل الخرافي للحوار الميت.

===================

الثورة السورية: المتطوعون والأصوليون والمخاوف الغربية

رضوان السيد

الشرق الاوسط

15-3-2013

أخبرني صحافي لبناني مشهور كان يتردد على دمشق كثيرا أنه مضى إلى العاصمة السورية في خريف عام 2004 على موعد مع أحد القادة الأمنيين هناك. وفي دمشق علم من إدارة الفندق الذي نزل فيه أن صديقه فلانا يتقبل التعازي باستشهاد ابنيه اللذين تطوعا للقتال ضد الأميركيين بالعراق، فذهب وعزاه. وعندما قابل القائد الأمني في اليوم التالي، سأله على توجس وتردد: لماذا ترسلون - وأنتم قوميون بعثيون – شبانا من «السنة» للقتال بالعراق، ولا ترسلون أبدا شبانا من العلويين أو المسيحيين مثلا، ولو في حالات قليلة؟ ويقول الصحافي اللبناني إن اللواء (الذي صار سفيرا للنظام لدى إحدى الدول العربية) ما انزعج ولا تلعثم، بل أجابه: السنة هؤلاء هم الأكثر حماسا، نحن لا ندعوهم بل هم يتطوعون، ولماذا تنزعج أنت؟ عسى أن تقل أعدادهم فهم كثيرون كثرة لا تطاق!

ولا أقصد من وراء هذه الواقعة التقليل من شأن الروايات عن كثرة أعداد «الجهاديين» السنة في صفوف الثوار السوريين اليوم. بل ما أقصده أمران: أن شبانا عربا صغارا كانوا يحسون ضرورة الدفاع عن الأمة في وجه مهاجميها بهذه الطريقة؛ أما الانتظام في مجموعات أو أحزاب «جهادية» فقد كان يحدث فيما بعد، أي بعد وصولهم للساحة التي يقصدونها، أو لكي يتمكنوا من الوصول إلى تلك الساحة. ونحن نعلم أن كثرة ساحقة من هؤلاء سقطت في الطريق أو بعد الوصول إلى الساحات بقليل. أما القلة الباقية فقد انتهى بها الأمر إلى «الأسْر» والهلاك، أو إعادة الاستخدام من جانب الأنظمة التي سبق أن أرسلتهم أو سهلت إرسالهم. وهذا هو الأمر الثاني الذي أردت استنتاجه من وراء الواقعة التي ذكرها لي الصحافي اللبناني.

فسواء أكان الشاب المرسل إلى أفغانستان أو ألبانيا أو العراق، سوريا أو خليجيا أو تونسيا أو مصريا؛ فإن أجهزة نظام الأسد الابن كانت تعيد تجميعهم وهم عائدون في معسكرات، فتساوم عليهم الدول التي انطلقوا منها بحجة التعاون الأمني أو التقرب للولايات المتحدة. وإن لم تجد اهتماما أو لم تتمكن من بيعهم لأنهم سوريون أو فلسطينيون؛ فإنها تعيد استخدامهم إذا سنحت الفرصة مثلما فعلت في قصة «فتح الإسلام» عندما أرسلت عام 2007 مئات إلى مخيم نهر البارد بجوار طرابلس ليقيموا إمارة إسلامية هناك. وقد قاتلهم الجيش اللبناني وقتها، وعندما سقط المخيم فرت مئات منهم إلى عين الحلوة بجنوب لبنان، وجرى أسر عشرات منهم ما يزالون في السجون اللبنانية، وعاد البارزون منهم إلى سوريا الأسد.

إن الذي لا يصح إنكاره إذن أنه كانت هناك «حالة جهادية» بين فتيان وشبان العرب في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وأنها بلغت إحدى ذراها في أفغانستان، وفي العراق، ليس بسبب كثرة الأعداد، بل بسبب بروز قدرات تأطيرية وتنظيمية. ومعظم هذه الحالة «ورثها» الإيرانيون والباكستانيون والسوريون، وأعادوا توجيهها بقدر ما استطاعوا لصالحهم بشكلين أو صيغتين: مساومة الدول الغربية والولايات المتحدة على تسليمهم أو إعادة استخدامهم بطرائق ووسائل مختلفة. وكان الإيرانيون والسوريون، وما يزالون، أقدر من غيرهم في الماضي، أما اليوم؛ فإن السوريين - شأنهم في ذلك شأن الباكستانيين - فإن تلك «المتفجرات» التي أعدوها ورعوها تنفجر في أيديهم. الباكستانيون ظهرت لديهم طالبان باكستان، والنظام السوري انفجر في يده «الجهاديون» الذين أرسل بعضهم من قبل ليس فقط إلى العراق، بل أيضا إلى الأردن ولبنان وغزة، وأحيانا إلى السعودية!

ولنعد إلى الأوضاع الحالية في سوريا. هناك عدة فئات من المقاتلين ضد نظام الأسد في البلاد اليوم. الفئة الأولى والأبرز: كتائب ومجموعات الجيش السوري الحر. وهم يشكلون نسبة 70 % من مجموع الثوار. وهؤلاء انشقوا عن القوات النظامية مجموعات وأفرادا، وأعادوا تنظيم أنفسهم في كتائب مع الضباط الذين انشقوا معهم، أو مع ضباط من قريتهم أو بلدتهم.

والفئة الثانية وهم يبلغون نحو 20 % من أبناء القرى والبلدات والمدن السورية. ومعظم هؤلاء انتظموا في مجموعات صغيرة في العام الثاني للثورة تحت وطأة الخراب الذي استولى على قراهم وبلداتهم، وإقبال أجهزة النظام على قتلهم وسجنهم وملاحقتهم، أو تحمسا لإسقاط النظام. وقد سموا مجموعاتهم بأسماء إسلامية وأسماء للصحابة (شأن الحمصيين لأن ضريح خالد بن الوليد موجود عندهم)، وذلك بحسب الثقافة العربية والإسلامية السائدة. وقد قابلت كثيرين منهم في لبنان، يرسلون نساءهم وأولادهم إلى لبنان، ويعودون للقتال في القرى والبلدات، وقد يكتفون بحمايتها بدوافع الشرف والكرامة والانتماء - وهم سيئو التسليح والتدريب بشكل عام. ومن هؤلاء حماصنة ودرعيون ومن جسر الشغور تربوا خارج سوريا، وعاد جيلهم الثاني أو الثالث للدوافع المذكورة. وأعرف صديقا سوريا يعيش خارج البلاد منذ ثلاثين عاما، ولا يكاد أولاده يعرفون شيئا عن بلدهم غير أنهم من الرستن أو حمص أو أعزاز. وقد جاء ولداه (صيدلي ومهندس) إلى سوريا للقتال، واستطاع إعادتهما مرتين، لكنهما الآن في سوريا من جديد!

وهناك الفئة الثالثة، وهم الذين «جاهدوا» من قبل، ومعظمهم بالفعل من السوريين، وأكثرهم عائد من العراق أو من لبنان (ومن اللبنانيين وفلسطينيي المخيمات). وهؤلاء يدفعهم للقتال أمران: أنهم مثل سائر السوريين يريدون إسقاط النظام هناك، وأنهم يملكون حقدا خاصا على النظام لأنه استغلهم واستعملهم وأساء إليهم في سوريا ولبنان عندما اضطروا للعودة من ميادين القتال. وقد ترددوا طويلا قبل التنادي للتجمع ومقاتلة النظام، لأنهم ما كانوا يصدقون أنه يمكن إسقاط النظام، وهؤلاء أحسن تدريبا وتنظيما، واشتهروا بسرعة لأنهم يعتمدون الهجوم رغم أن تسليحهم ليس أفضل من تسليح المتطوعين الآخرين. واشتهروا بسرعة أيضا لأن بعضهم يحسن استخدام وسائل الاتصال من تجاربهم بالعراق ولبنان.

ووسائل الاتصال هذه كما كشفتهم لدى أجهزة الاستخبارات السورية والأميركية، جذبت إليهم فتيانا عربا من الخليج ومصر والأردن، فتحسنت إمكانياتهم المادية، وما عرف عنهم حتى الآن التجاوزات التي عرفت عن غيرهم، ولا مارسوا أعمالا ثأرية، لكنهم غير ذوي شفقة أو رحمة تجاه جنود النظام وأجهزته. وكل هذه الأمور تعرفها الاستخبارات الغربية، لكنها حتى الآن - وبخاصة الأميركية منها - تتعاون بلهفة مع الأجهزة السورية واللبنانية على قتلهم. وقد حدثت عدة حوادث في لبنان من هذا القبيل سقط فيها قتلى سوريون ولبنانيون وفلسطينيون على الحدود مع لبنان أو بداخل لبنان، وبنيران القوات السورية أو الأجهزة اللبنانية، إنما تلك مسألة أخرى، ولا داعي للإطالة فيها.

وقد ذكرت ذلك، لأشير إلى أمرين: أن النظام السوري ما يزال يملك قدرة مشهودة على الترهيب بالإرهابيين، وأنه ما يزال يجد من يصدقه في أجهزة الاستخبارات الغربية، وبين السياسيين الغربيين. أما المائة ألف قتيل، وملايين المهجرين والمعتقلين، فهذه الأمور كلها لا تجعل من النظام السوري نظاما إرهابيا، لا في عيون الأميركيين، ولا في عيون وزير الخارجية الألماني.

ولنعد إلى الخلاصة.. هناك في سوريا شبان منتظمون في «جبهة النصرة» يسمون أو يعتبرون أنفسهم جهاديين، وهذه هي طريقتهم في التعبير عن الإصرار على إسقاط نظام الأسد. وإذا كان الأميركيون مرتاحين من عودة الجهاديين والإرهابيين (الذين قاتلوهم بأفغانستان والعراق)، فأسلم الطرق للخلاص منهم لا تكون بالاستمرار في دعم النظام السوري أو التعاون مع أجهزته في سوريا ولبنان؛ بل في تقصير عمره من طريق إعانة الثوار الذين يعتبرونهم معتدلين. فهذا النظام صار خطرا على الأمن بالمنطقة في سوريا ولبنان والأردن والعراق، وربما في بلدان أخرى. وتقديرنا نحن العرب أنه أخطر على أمننا وحياة ناسنا ووحدة بلداننا من النووي الإيراني وأخطاره على إسرائيل والولايات المتحدة.

وإذا لم يكن من الموت بد

فمن العجز أن تموت جبانا

===================

تلازم السكتين السياسية والعسكرية في المعركة على سورية

راغدة درغام

الجمعة ١٥ مارس ٢٠١٣

الحياة

بوصلة المواقف المتأرجحة للإدارة الثانية للرئيس باراك أوباما، حطت إبرتُها هذا الأسبوع على التالي:

* انقلاب على مواقف الإدارة الأولى في ما يتعلق بتفسير اتفاق جنيف بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لجهة دور الرئيس السوري بشار الأسد في العملية السياسية الانتقالية في سورية، وذلك بإعلان وزير الخارجية الجديد جون كيري أن واشنطن تريد أن «يجلس الأسد والمعارضة السورية إلى طاولة المفاوضات بغية تشكيل حكومة انتقالية ضمن الإطار التوافقي الذي تم التوصل إليه في جنيف».

* ضربة مسبقة للمواقف الخليجية قبل انعقاد القمة العربية في الدوحة، للتأثير في التنسيق السعودي–القطري الذي انطلق الأسبوع الماضي بعدما غادر جون كيري الدوحة بمواقف مختلفة عن التي أعلنها هذا الأسبوع، من أبرزها الفصل بين تسليح المعارضة المعتدلة والمعارضة المتطرفة، والعودة إلى وصف بشار الأسد بأنه «فقد شرعيته» و «الأسد قرر تدمير البلاد ليستمر في الحكم».

* التسليم بأن موسكو لن تتراجع عن تمسكها بالأسد، سيما وأنها اعتبرت الرئيس السوري «خطاً أحمر»، وبالتالي التنازل أمام فكرة قيادة روسية للملف السوري، أملاً بتنفيذ الروس وعودهم بانتزاع تنازلات من الرجل الذي يدعمونه والنظام الذي يمدونه بالمعونة السياسية والعسكرية، أي أن جون كيري تأرجح على أوتار الانعزالية ثم وقع خياره –هذا الأسبوع على الأقل– على تقديم التنازلات للروس، على أمل انتزاع الروس التنازلات من النظام السوري.

* بروز إما تناقض أو استهتار أو توزيع أدوار بين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إذ إن ما أعلنه وزير الخارجية الأميركي بتسميته الرئيس السوري محاوراً بالاسم، يناقض كلياً مواقف نظيريه البريطاني والفرنسي، وهما حليفاه في مجلس الأمن، ويناقض أيضاً مواقف سلفه هيلاري كلينتون. إضافة إلى أن كلام كيري أتى في اليوم التالي لتصريحات نظيره الفرنسي لوران فابيوس بأن الديبلوماسية الأميركية والفرنسية والروسية تبحث عن أسماء مقبولة تمثل النظام السوري في المفاوضات وليس بشار الأسد.

* سحب البساط من تحت أقدام المعارضة السورية، ذلك أن موقف كيري الجديد قد يؤدي إلى تأجيج النزاعات داخل «الائتلاف»، وربما استقالة أو إقالة رئيسه معاذ الخطيب، هذا ما لم يكن تم تكبيل هذه المسألة مسبقاً، إما مباشرة أو عبر الممثل الأممي والعربي في المسألة السورية الأخضر الإبراهيمي.

* إعطاء زخم نوعي لمبادرة الإبراهيمي، المنطلقة من تحييد عقدة مشاركة الأسد أو عدم مشاركته في المفاوضات من أجل حلحلة التزمّت في المواقف المختلفة للدول الخمس التي تملك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، فأسلوب الإبراهيمي قام حتى الآن على أمرين: القفز على «عقدة الأسد» لبدء الحوار والمفاوضات، واعتبار «الحل السياسي» لا العسكري، الحلَّ الوحيد، وهذا ما يبدو أنه حققه هذا الأسبوع، عبر اللغة التي تبناها وزير الخارجية الأميركي.

ليس واضحاً إن كان التغيير الذي طرأ على المواقف الأميركية جزءاً من تفاهمات جلية مع الديبلوماسية الروسية أم استثماراً اعتباطياً لإدارة لا تريد أن «تملك» وحدها سورية المشرذمة المدمرة، التي باتت ساحة حروب بالنيابة.

الواضح أن جون كيري قضى على الاعتراضات التي تبنتها هيلاري كلينتون سوية مع شركائها الأوروبيين منذ بدء الجدل على تفسير اتفاق جنيف لجهة دور الرئيس السوري في العملية السياسية الانتقالية، ولجهة مصير بشار الأسد نتيجة العملية الانتقالية. كلينتون اتهمت نظيرها الروسي سيرغي لافروف بأنه خدعها باعتماده تفسير التمسك بالأسد، ما منع مجلس الأمن من التوافق، وأدى إلى شلل تام للديبلوماسية الدولية واستحالة استصدار قرار عن مجلس الأمن. كيري شن انقلاباً على مواقف كلينتون وحَسَمَ كونَه مع وجهة النظر الروسية. كلينتون انطلقت من قول رئيسها باراك أوباما بأن على بشار الأسد أن يتنحى، أما كيري فانطلق من مفهومه لما يريده رئيسه في الإدارة الثانية، وهو استخدم السلّم الذي توفره له جهود الإبراهيمي للتسلق هبوطاً من شرط التنحي المسبق.

موقف كيري يمهد الطريق نحو تفعيل مساعي الإبراهيمي القائمة على صياغة أرض مشتركة بين الولايات المتحدة وروسيا تؤدي إلى إطلاق العملية الانتقالية السياسية بمشاركة الأسد، أو عدم استبعاده على الأقل، مع سحب اشتراط تنحيه أو ترحيله. هذه المساعي تشترط أيضاً التوقف عن تمكين الحل العسكري وإيقاف الدعم العسكري لجميع الأطراف، النظام والمعارضة

روسيا تزعم أنها توقفت عن الإمدادات العسكرية للنظام في دمشق، باستثناء تلك التي تقع تحت عقود قديمة، ما يعني أن النظام السوري ما زال يتلقى السلاح الروسي. موسكو تريد في الوقت ذاته أن تضغط واشنطن على دول مجلس التعاون الخليجي، بالذات المملكة السعودية العربية وقطر، كي لا تمدّا المعارضة السورية بالسلاح، وذلك تحت عنوان لجم الحل العسكري واحتواء أي تسليح إما للجهاديين المتطرفين أو للمعارضة المعتدلة.

لا موسكو ولا واشنطن قادرة على لجم أو احتواء الدعم الإيراني المباشر أو غير المباشر للنظام في دمشق، بسلاح أو عتاد أو رجال. كلام الديبلوماسية الروسية عن قدرتها في التأثير في ايران هو بدوره كلام يتأرجح تارة على تعهدات عائمة بضمان هذا وذاك، وتارة على اعترافات بأن لا نفوذ جدياً لموسكو مع طهران عندما يتعلق الأمر إما بالملف النووي أو بالدور الإقليمي الذي تريده طهران، فإيران واضحة في اعتبارها الحرب السورية حربَها، وإصرارِها على منع خسارة استراتيجية لها في حال سقوط النظام في دمشق.

ما يحدث الآن يمكن اعتباره إعادة الترتيب والاصطفاف الإقليمي والدولي حول الحدث السوري، الذي تحوّل الى مأساة جماعية وكارثة على جيل بكامله، وربما أجيال.

فلقد عاد التسابق والتزامن ما بين سكة الحلول العسكرية وسكة الحلول السياسية، بل إن هناك في بعض الحالات عزم على تغيير الموازين العسكرية على الأرض –عبر التسليح– من أجل دعم الديبلوماسية وإجبار مجلس الأمن على اتخاذ قرارات.

السلاح من أجل الديبلوماسية قد يبدو عنواناً متناقضاً، لكن هذا جزء مما قررته دول فاعلة في مجلس التعاون الخليجي، فهي تريد دعم جهود الإبراهيمي وفك الشلل عن مجلس الأمن. رأيها اليوم هو أن ذلك ليس ممكناً سوى عبر تغيير موازين القوى العسكرية على الأرض، ولذلك ستشهد المرحلة المقبلة منذ الآن فصاعداً استعمال مزيج من «البندقية والسياسة» من أجل التوصل إلى الهدف الذي تريده دول مجلس التعاون الخليجي، وهو -وفق قول أحد الخليجيين المخضرمين في قراءة هذه المواقف- منطقة خالية من الأسد، وسورية لا تمتلكها ايران. بكلام آخر، الأرجح أن يتزايد تسليح المعارضة السورية لتغيير موازين القوى العسكرية التي ستكون لمصلحة النظام بسبب الدعم الإيراني والروسي العسكري له، فمن دون ذلك ترى الديبلوماسية الخليجية أن روسيا لن تسهّل المهام التي يقودها الأخضر الإبراهيمي نحو حل سياسي، وترى أن الجمهورية الإيرانية قد تحقق نصراً استراتيجياً على حساب هذه الدول إذا لم تستثمر جدياً في قلب الموازين العسكرية على الأرض.

وهكذا، سيمتد التلازم بين السكتين السياسية والعسكرية في المعركة على سورية، فاليوم تبدو الولايات المتحدة وروسيا في تفاهم ثنائي على السكة السياسية، بعدما وضع جون كيري ثقله وراء حل سياسي بالشراكة مع روسيا وقيادتها، ولا يستبعد الأسد، وهذا منعطف مهم يمكن أن يؤدي إلى إثمار جهود الإبراهيمي، لكن يمكنه أيضاً –من جهة أخرى– أن يلاقي الفشل الذريع.

بالموازاة، تبدو الإدارة الأميركية في نوع من تفاهم مع دول مجلس التعاون الخليجي على ضرورة الحرص والحذر عند تسليح المعارضة المعتدلة وضمان عدم سقوط الأسلحة في أيادي «جبهة النصرة» وأمثالها، فهناك ملامح «هز الرأس»موافَقةً على ضرورة تغيير المعادلة العسكرية على الأرض كي تكون الموازين العسكرية الجديدة حافزاً لتنازلات روسية ومادةً للتأثير في المساهمات الإيرانية المباشرة في الحرب السورية والمكلفة جداً. بريطانيا وفرنسا دخلتا طرفاً في معادلة تسليح المعارضة، وهذا تحول مهم أيضاً.

ومهما كانت تسميةُ هذه التفاهمات: عسكرةً للنزاع أو تسييساً له، فإن السباق والتلازم في المعركة على سورية خلَّف كارثة على أطفال سورية يجب على جميع المعنيين إيلاؤها أولوية واتخاذ إجراءات فعلية وفاعلة من أجل مد المعونة.

فوفق تقرير الوكالة الدولية المعنية بالأطفال «يونيسف»، بلغ عدد الأطفال الذين تضرروا من الأزمة السورية مليوني طفل سوري، أي نصف المتضررين داخل سورية الذين يقدر عددهم بـ 4 ملايين متضرر.

هناك الآن 800 ألف طفل لاجئ خارج البلاد، نصف مليون منهم في لبنان والأردن وتركيا والعراق ومصر، وفق «يونيسف»، التي أعلنت أنها تواجه نقصاً حاداً في التمويل وقد تضطر إلى تقليص مساعدتها قبل نهاية هذا الشهر. إنها في حاجة الى 195 مليون دولار لتلبية الحاجات الأساسية للأطفال والنساء المتضررين، وهذه مبالغ يُفترض بالدول الخليجية وحدها ان تكون قادرة على توفيرها فوراً، رحمة بأطفال سورية على الأقل.

«أنقذوا الأطفال»، وهي منظمة خيرية بريطانية أصدرت تقريراً هذا الأسبوع بعد مرور سنتين على اندلاع النزاع في سورية جاء فيه أن الأطفال السوريين يواجهون الأمراض وسوء التغذية والصدمات النفسية الحادة، إضافة إلى إرغام الفتيات على الزواج المبكر والسجن والاغتصاب. جاء في التقرير أن طرفي النزاع يجندان أكثر فأكثر فتياناً للقتال، بل ولاستخدامهم دروعاً بشرية، جاء فيه أن «الاغتصاب يجري استخدامه بشكل متعمد لعقاب الناس».

هذا ما يحدث لأطفال سورية، فيما السباق بين مساري السياسة والبندقية يستعر وينذر بمرحلة تصعيدية آتية. هذا ما لم تحدث معجزة، عبر تفاهم أميركي–روسي ثنائي على مختلف المقايضات المطروحة كبنود في «الصفقة الكبرى»، فكلاهما يعيد التموضع، شأنه شأن اللاعبين الإقليميين والمحليين. وفي أفضل الحالات، لربما انطلقت المفاوضات على عملية سياسية انتقالية بموازاة تطورات الساحة القتالية، يرافقها توزيع أدوار دولية وإقليمية في سورية مابعد الاقتتال.

=========================

كابوس المشرق العربي

تاريخ النشر: الجمعة 15 مارس 2013

حازم صاغية

الاتحاد

تركت الثورة والأزمة السوريّتان، وتتركان، تأثيرات عميقة على جميع الدول المجاورة لسوريّا، بما فيها الدول غير العربيّة منها. وهذا التأثير إنما يتعدّى، في معظم الحالات، الترتيبات العسكريّة والاستراتيجيّة للحكومات ليصل إلى عمق التراكيب الداخليّة للمجتمعات نفسها. ففي تركيا، لم يعد سرّاً أنّ الأقليّة العلويّة ليست على انسجام مع النهج الذي تنتهجه حكومة حزب العدالة والتنمية حيال الموضوع السوريّ. ويمكن قول الشيء نفسه عن الأقليّة الكرديّة في تركيا، اللهمّ إلا إذا استُكملت العمليّة التسوويّة الجارية بين حكومة أردوغان وحزب العمّال الكردستانيّ، وتكللت بالنجاح، كما انعكست على المواقف الخارجيّة. فإذا أضفنا اعتراضات أخرى على سياسة أردوغان في بيئات يساريّة وعلمانيّة متشدّدة، كما في دوائر عسكريّة مشبعة بالوعي الأتاتوركيّ، فهمنا واحداً من الضوابط التي حدّت وتحدّ من المبادرات الرسميّة التركيّة.

وغنيّ عن القول إنّ إيران، وإن لم تكن على جوار جغرافيّ مباشر مع سوريا، باتت تربط استقرار نظامها السياسيّ بمستقبل نظام الأسد في دمشق، فيما يميل أغلب المحللين إلى ربط المآلات السوريّة المحتملة بما يمكن أن يجدّ على جبهة "الملفّ النوويّ" الإيرانيّ، والعكس بالعكس. وهذا جميعاً ما يفسّر درجة التورّط الذي يمارسه النظام الخمينيّ في الشأن السوريّ. وبدورهم، لا يتكتم السياسيّون الإسرائيليّون، ومعهم رهط من المحللين الاستراتيجيّين، على أهميّة ما يجري في شمالهم الشرقيّ وانعكاسه على أمن الدولة العبريّة وعلى موقعها المستقبليّ في منطقة الشرق الأوسط. وعلى امتداد العامين الماضيين كانت قد تكاثرت التحليلات والتسريبات الصحفيّة حول "النصائح" الإسرائيليّة للولايات المتحدة بعدم التدخل في أمر سوريا ما دام الأمر دون سقف السلاح الكيماويّ ووصوله إلى أطراف راديكاليّة مثل "القاعدة" و"حزب الله".

أمّا الأردن، فلا يزال محاولاً التوفيق بين اعتبارات داخليّة وأهليّة شتى، فضلاً عن العوامل والاعتبارات الإقليميّة والدوليّة والاقتصاديّة التي تستشعر عمّان حدّتها وخطورتها. وهذا كله بات مضبوطاً بدقة على إيقاع وجود الإسلاميّين هناك.

ولقد قيل مراراً، وبحقّ، إنّ الرقعة العريضة للتأثر بالحدث السوريّ ناجمة عن أهمية سوريا الاستراتيجيّة والسياسية، فكيف حين نضيف طبيعة النظام الأسديّ منذ 1970، الذي أزاح كل الحدود بين الداخل والخارج مقيماً سياسته على "الأوراق" التي تتيح له المقايضة مع سائر البلدان، المجاورة وغير المجاورة، في المنطقة.

ومع هذا يبقى العراق ولبنان شيئاً آخر، بمعنى أنّ النزاع السوري يتحول إلى المكوّن الأهم والأكثر أساسية في سياستهما وفي اجتماعهما، أو بالأحرى في احتمالات انفراط هذا الاجتماع. وتشي بذلك أحداث وحالات متفرقة كإصرار النظام السوري على إبقاء حدوده مع هذين البلدين مفتوحة من أجل حصوله على ما يحتاجه من سلع وإمدادات، وربما مقاتلين، أو محاولة الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة، حليف دمشق الراسخ، نقل متفجرات إلى لبنان بالترتيب مع أجهزة أمنية سوريّة، أو التصريح الأخير للمالكي بأنّ زوال نظام الأسد سوف يدرج المنطقة برمتها في أتون حرب طائفية ومذهبية. وهذا كي لا نشير إلى التقارير المتزايدة عن ضلوع عناصر من "حزب الله" اللبناني ومن أطراف شيعية عراقية في القتال الدائر بين السلطة والمعارضة في سوريا.

وتلك الأمثلة، وهناك عشرات غيرها، تنمّ عن مدى التصدّع الذي يعانيه كل من لبنان والعراق في نسيجهما الوطني، وعن مدى الضآلة في الإجماعات التي تربط العراقيين واللبنانيين. والحال أن الثورة والأزمة السوريتين جاءتا تكشفان عن هذا التصدّع السابق عليهما، إلا أنهما أيضاً جاءتا تزوّدانه بأدوات تفجير نوعية وغير مسبوقة.

فالعراقيون، منذ أطاحت الولايات المتحدة نظام صدّام في 2003، يكشفون عن عجزهم المتواصل عن بناء صيغة سياسية مستقرة. وإلى عوامل عدة في عدادها موضوع كردستان العراق وعلاقته بالمركز البغدادي، يبقى التنازع السنّي- الشيعيّ أبرز معوقات التوصل إلى تلك الصيغة العتيدة. فقد قرئ التحول الذي حصل في 2003 بوصفه انتقالاً للسلطة من السنة، وهم قاعدة السلطة تقليديّاً في العراق الحديث، إلى الشيعة. وكلنا يذكر أعمال العنف والإرهاب التي انفجرت في 2006 وحولت الموت والقتل إلى سلعة التبادل الأساسية بين الطائفتين الكبريين. ومؤخراً، ومع التزامن بين الثورة السورية والانتفاضة التي انطلقت من الأنبار في العراق، غدت الحدود واهية جداً بين العنفين السوري والعراقي، بحيث جاء مقتل عدد من الجنود السوريين داخل العراق إشارة بليغة إلى هذا الواقع المستجد. وهذا التوتر المتصاعد إنما يرفده تعاظم النفوذ الإيراني في بلاد الرافدين، مصحوباً بسياسة تكاد تكون منهجية في محاصرة واستبعاد الرموز السُّنية واحداً بعد الآخر.

أما في لبنان، فمنذ اغتيال الحريري في 2005، والعلاقات السنية- الشيعيّة تتردّى من سيّئ إلى أسوأ. يكفي التذكير بأنّ "حزب الله"، وفيما كان قطاع عريض من اللبنانيين يتهم النظام السوري بقتل الحريري، دعا إلى تظاهرة كبرى عنوانها "الوفاء لسوريا". وحين اتهم أربعة من عناصر الحزب بدور ما في مصرع الحريري، رفض تسليمهم كما رفض كل ما يصدر عن المحكمة الدولية. وهذا وسواه محكومان بالتمييز الذي يضمنه لـ"حزب الله" احتفاظه بسلاح أقوى بلا قياس من سلاح الدولة اللبنانية نفسها.

وغني عن القول، إن قطاعات سنية عريضة في العراق كما في لبنان باتت ترى في الثورة السورية عنصر إنجاد في مواجهة نظامين تصفهما بالانحياز للشيعة. وفي المقابل، فإن قطاعات شيعية عريضة في البلدين ترى في تلك الثورة ما يشبه الانتقام السني الذي يتهدد الشيعة بإخضاع لا يحول دونه إلا نظام الأسد وتحالفه مع إيران.

والخوف كلّ الخوف هو أن يزول ما تبقى من حواجز بين أوضاع سوريا وكلّ من العراق ولبنان، بحيث نجدنا أمام نزاع دمويّ مفتوح وعابر للحدود بين السنة والشيعة. وهذا ما سيغدو كابوس المشرق والعالم العربيّين لسنوات قد تكون مديدة.

======================

ياسمين آذار المخضب بالدم - (الحلقة الخامسة)

محمد فاروق الإمام

الحلقة الخامسة

المذبحة المبيتة

18 تموز 1963

بينما كانت تجري المحادثات في القاهرة بين عبد الناصر والوفد السوري. كان الناصريون - مدنيون وعسكريون - يعدون العدة للانقضاض على البعثيين مستهدفين حصنهم الحصين.. الجيش.

وكانت سلطات البعث على علم بكل تفاصيل خطط وتحركات الناصريين. (استطاع البعثيون اختراق الناصريين من خلال زرع أحد عناصرهم المقدم محمد نبهان - أحد منظري التحركات الناصرية - ليكون عينهم بين صفوف الناصريين، وكان يقدم المعلومات كاملة وتفصيلية عن خطط وتحركات الناصريين إلى أعضاء اللجنة العسكرية. مما أفشل كل تحركاتهم).

وفي 18 تموز في وضح النهار.. وفي الساعة الحادية عشرة صباحاً.. احتل ما يقرب من ألفين من المسلحين مواقعهم.. في الحدائق العامة المحيطة بمبنى القيادة العامة للأركان.. يقودها من العسكريين كل من: (اللواء راشد القطيني نائب رئيس الأركان السابق، والعقيد جاسم علوان - زعيم الحركة - واللواء محمد الجراح رئيس قوى الأمن الداخلي في عهد الوحدة، والمقدم أدهم مصطفى نائب عبد الحميد السراج رئيس الشعبة الثانية، والعقيد مروان السباعي رئيس الشعبة الثانية بعد السراج، والمقدم رائف المعرّي) ومن المدنيين: (جهاد ضاحي أحد قادة حركة القوميين العرب وزير المواصلات السابق، وعبد الصمد فتيّح أحد مسؤولي الجبهة العربية المتحدة ونائب رئيس المجلس السابق، وعبد الوهاب حومد أحد قادة الجبهة العربية المتحدة ووزير المالية السابق، ويوسف مزاحم أحد الوزراء السابقين في الجمهورية العربية المتحدة). وهاجموا الأركان من جبهتين في نفس الوقت، وكذلك مبنى الإذاعة، وحرس أركان القوات المسلحة. على أن ردّة فعل السلطات البعثية - العالمة مسبقاً بهذا التحرك الناصري - كانت أكثر عنفاً.. وكانت معركة من أكثر المعارك دموية تعرفها دمشق. وكانت نتيجتها مئات من القتلى وإعدام فوري لثمانية عسكريين واثنا عشر مدنياً. واحتل الجيش - الذي بات بعثياً - النقاط الإستراتيجية في العاصمة. وأخذ (الحرس القومي) - ميليشيا حزب البعث - يطارد الناصريين في كل أرجاء البلاد السورية.

فقد توزع هذا الحرس على شكل حواجز ثابتة وطيارة في العاصمة دمشق، وكان في مقدمة المشرفين على هذه الحواجز اللواء أمين الحافظ وزير الداخلية والعديد من القيادات الحزبية المتقدمة، الذين كانوا يستفزون المواطنين ويتعاملون معهم بقسوة وفوقية وينظرون إلى الجميع كأنهم متهمون بالعمالة والخيانة ومتآمرون على الوطن، كما انتشرت فرق من هذا الحرس في كافة المدن السورية لملاحقة الناصريين ومؤيديهم.

وقد يتساءل البعض لماذا لم تقم السلطات البعثية في دمشق بإلقاء القبض على قادة الحركة.. طالما أنها تعرفهم بأسمائهم وتعرف خططهم قبل أن يقدموا على تنفيذ العملية؟ والجواب بسيط: لأن البعث يريد ان يرهب كل معارضيه.. كما كان يريد أن يقضي عسكرياً على تنظيمات الناصريين السرية وعلى عناصرهم الأكثر نشاطاً.. ويزيد بالتالي من شقة الخلاف وقطع الجسور نهائياً ما بين دمشق والقاهرة.

مهما يكن من أمر.. فإن هذه هي المرة الأولى التي تُقمع فيها حركة انقلابية في سورية بكثير من العنف وإسالة الدماء الغزيرة التي لا مبرر لها.. وهي المرة الأولى أيضاً منذ الاستقلال التي يدافع فيها نظام عن بقائه في الحكم بالسلاح وإسالة الدماء. وبذلك يكون البعثيون في سورية أول من استنّوا هذه السنة السيئة.. والتي تشبه إلى حد بعيد السنة التي استنها قابيل عندما قتل أخاه هابيل.

بعد كل هذه الأحداث خرج عبد الناصر عن صمته ليعلن الحرب ضد البعث السوري.. معلناً في نفس الوقت انسحاب القاهرة من (ميثاق 17 نيسان) حول الوحدة الاتحادية الثلاثية بين مصر وسورية والعراق. وأعلن عبد الناصر: (أن السلطات التي تحكم اليوم في سورية لا تمثل الشعب السوري. لهذا فإنني أعلن قطع العلاقات مع الحكومة الفاشية التي تقيم في دمشق).

أما البعث السوري فقد اعتبر أن نقض ميثاق 17 نيسان هو بمثابة جريمة ترتكب ضد الوحدة العربية.. وانعطاف تاريخي خطير لا يختلف في شيء عن 28 أيلول 1961م، عند وقوع الانفصال السوري.. ولكنه بنفس الوقت يعلن (تمسكه) الذي لا يحيد عنه بهذا الاتفاق ويطلب تطبيق بنوده في الوقت المحدد.

لابد أن يتساءل المرء: هل البعثيون جادّون فعلاً ويسعون لعقد وحدة مع مصر؟ ولابد لنا قبل الإجابة أن نذكّر بأن البعثيين لا يؤلفون تكتلاً سياسياً موحداً أو منسجماً. وبالتالي، فليس لديهم برنامج واضح المعالم والخطوات العملية في هذا الميدان. فسياستهم سواء على الصعيد الداخلي أو على الصعيد العربي كانت عبارة عن سلسلة من ردّات الفعل بالنسبة للأحداث التي كانت تجري في سورية منذ 8 آذار. ومن جهة أخرى فإن الحزب كحزب، حتى استلام السلطة في دمشق، لم يكن منظماً بعد، ووجوده هو أقرب إلى الوجود الاسمي منه إلى الوجود الفعلي. أي أنه نوع من (اليافطة السياسية) إذا صحت التسمية أو صح التعبير.

فقيادة الحزب القومية - كما نوهنا سابقاً - لم تكن على علم رسمياً بالتحضير للحركة، ولا باليوم الذي سينفذ فيه الانقلاب. وعلى أية حال، فإن الغالبية العظمى من قادته وعلى رأسهم ميشيل عفلق كانوا في بغداد قبل أسبوعين من وقوع الحركة العسكرية في دمشق في 8 آذار. وكذلك فإن صلاح الدين البيطار لم يكلف بتأليف حكومة (اتحاد وطني) إلا قبل وقت وجيز جداً من بدء عملية التنفيذ.

وبكلمة صريحة ومختصرة.. ليس حزب البعث بقيادته القومية.. ولا قيادتيه القطريتين.. ولا حكومة البيطار.. ولا المجلس الوطني لقياد الثورة.. ولا حتى اللجنة العسكرية من يحكم سورية!! إن الذي يحكم سورية هو الثلاثي (صلاح جديد، ومحمد عمران، وحافظ السد). فهم وحدهم هم من يسيطر على الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية بأيد أخطبوطية.. ويمسكون بكل مفاصل الجيش والقوات المسلحة.

المؤتمر القومي السادس لحزب البعث

القيادة القومية

الواقع أن الاتجاه البعثي الذي يوصف بـ(الاتجاه القومي).. أي الاتجاه الذي تقوده القيادة القومية للحزب، كان في حقيقة الأمر يسعى إلى إيجاد جو من التفاهم مع القاهرة.. ويميل أيضاً إلى تحقيق شكل من الوحدة الاتحادية بين مصر وسورية والعراق.. على أن تضمن هذه الوحدة الاستقلال السياسي لكل قطر من الأقطار الثلاثة، وكذلك حرية تشكيل الأحزاب السياسية. وهذا الاتجاه يتمثل عملياً بالأمين العام للحزب ميشيل عفلق وبرئيس الوزراء صلاح الدين البيطار.

بالرغم من اعتدال هذا الاتجاه وصدقه في نواياه الوحدوية.. إلا أن القاهرة كانت تتهم القيادة القومية بالطريقة التي تقدم بها الوزراء البعثيون استقالاتهم من الحكومة سنة 1959م، والتي اعتبرها عبد الناصر من مقدمات الانفصال، بل ذهب إلى ابعد من ذلك باتهامهم بمسؤوليتهم عن حدوث الانفصال. ومن جهة ثانية استياء عبد الناصر من موقف القيادة القومية اللامبالي عند حدوث حركة الانفصال وتوقيع صلاح الدين البيطار على بيان السياسيين السوريين الانفصالي، أضف إلى ذلك الأحداث الأخيرة التي وقعت بين الناصريين والبعثيين، وتصفية البعثيين لكل الناصريين.

هنا وجدت القيادة القومية أنها جرَّت نفسها إلى مواقع الاتهام سواء من الناصريين الذين يتهمونهم بالخيانة، أم من بعض قواعد الحزب والضباط البعثيين الذين يتهمونهم بأنهم باعوا الحزب لعبد الناصر. يقول منيف الرزاز: (إن تهمة الناصرية توجه للبعثيين الوحدويين للتخلص منهم وإبعادهم) _ الاتهام كان من قبل القطريين.

ويضيف الرزاز قائلاً: (ويبدو أن خطيئة صلاح الدين البيطار في توقيع وثيقة الانفصال، وفي سعيه حتى يقبل الحزب الاشتراك في وزارة الدكتور بشير العظمة أيام الانفصال، قد جرحته أمام الحزبيين الوحدويين جرحاً لم يسهل عليهم نسيانه، بالرغم من أنه قاد بعد ذلك الحملة الوحدوية في الحزب، وكان له كبير الأثر في الضغط من أجل البدء في مباحثات الوحدة الثلاثية بعد الثورة. ولكن هذه الحملة الوحدوية قد أساءت إليه عند الحزبيين القطريين والعسكريين والحاقدين على عبد الناصر، ففقد بذلك عطف الطرفين معاً).

ويتضح لنا من كل هذا أن علاقة القيادة القومية بحكم البعث السوري، وتحديدا بالعسكريين، بقيت عائمة وغير واضحة. فضعف القيادة القومية وعدم جدارتها منعاها من أن تقيم تنظيماً قوياً وأن تفرض سلطتها على الضباط البعثيين، وبالتالي من أن تمسك بيدها زمام الحكم، كذلك لم تستفد القيادة القومية من الدعم غير المحدود الذي منحتها إياه القيادة البعثية في العراق. مما دفع العديد من كوادر الحزب وأكثرية أعضائه تستنكر أبوتها، وترفض وصايتها.

ويقول منيف الرزاز حول هذا الموضوع: (فقد كان من عادة القيادة القومية أن تترك الأمور تسير، ثم تشكو من انها سارت في طريق خاطئ. وتحاول أن تبادر إلى الإصلاح حين يكون وقت الإصلاح قد فات، تركت للجنة فرعية منها زمن الانفصال، أن تعيد تنظيم الحزب. ثم شكت من أن اللجنة قد أساءت استعمال صلاحياتها.. أشركت العسكريين في قيادة الحزب دون أن تعطي نفسها حق الإشراف على الحزب في الجيش، ثم شكت من أن العسكريين قد استولوا على الحزب. ولكن أكبر خطيئة ارتكبتها قيادة الحزب في هذه المرحلة، انقطاعها التام عن قواعد الحزب.. فلا اتصال ولا اجتماعات ولا نشرات. حتى جريدة الحزب لم يكتب فيها أحد من قيادة الحزب.. وتركوها جريدة لا تمثل رأي الحزب في شيء).

وفي تقرير حزبي، وصف أمين المكتب التنظيمي العسكري لحزب البعث الحالة التي وصل إليها الحزب فقال: (لقد وصل التنظيم إلى حالة من التشويه، لم يعد من الممكن تحملها من قبل الرفاق، وحل الولاء الشخصي والتكتلي محل الولاء الحزبي).

يتبع

========================

ياسمين آذار المخضب بالدم - (الحلقة السادسة)

محمد فاروق الإمام

العسكريون يمسكون بقيادة البعث

بعد نجاح حركة 8 آذار بوقت قليل، جرت الانتخابات الحزبية في سورية، وانتخب على أثرها قيادة قطرية للحزب، مرتبطة رسمياً بالقيادة القومية, وكانت تتألف من خمسة أعضاء مدنيين: (حمودي الشوفي - أمين سر القيادة القطرية - ومحمود نوفل وخالد الحكيم ومحمد بصل ونور الدين الأتاسي، إضافة إلى أربعة أعضاء عسكريين: حافظ الأسد ومحمد رباح الطويل وحمد عبيد وأحمد أبو صالح). وهذه القيادة ممثلة في المجلس الوطني لقيادة الثورة بشخص واحد هو أمين سر قيادة القطر حمودي الشوفي. وهذه هي المرة الأولى التي يحتل فيها الضباط البعثيون مراكز قيادية في الحزب.

ومع وقوع القطيعة بين حكم البعث في دمشق ونظام عبد الناصر، عادت ودخلت إلى الحزب أعداد كبيرة من أعضاء وكادرات التيار البعثي السابق لرياض المالكي أو حتى لأكرم الحوراني. ويوصف هؤلاء بالقطريين ويحملون لواء خط متطرف ومعاد لعبد الناصر.

لقد تبنى بعض أعضاء القيادة القطرية الجديدة، وفي مقدمتهم حمودي الشوفي اتجاهاً سياسياً يسارياً أو متطرفاً. وأخذوا يظهرون معارضتهم لبعض القادة البعثيين وفي مقدمتهم عفلق والبيطار.. ويرفضون سلطتهم الأبوية عليهم. كما أقاموا علاقات وثيقة الصلة بالتيار البعثي اليساري في العراق، الذي يقوده علي صالح السعدي. ومن جهة ثانية، أخذوا يتقربون في نفس الوقت من بعض أعضاء اللجنة العسكرية الذين عرفوا بمواقفهم السياسية المتطرفة.

اللجنة العسكرية

كان معظم أعضاء اللجنة العسكرية ليسوا مع القيادة القومية، ولا مع القيادة القطرية. وهذا يعني في الحقيقة بأنهم لم يكونوا لا من اليمين ولا من اليسار. وهم في الواقع ليسوا سوى عسكريين، وما يسعون إليه ويبحثون عنه هو السلطة، أولاً في الجيش ومن ثم في الدولة والحزب. فكل الوسائل جيدة لديهم إذا كانت توصل إلى الهدف. وتكتيكهم يتلخص في إبعاد خصومهم وحلفاء الطريق مجموعة بعد أخرى، وعدم الدخول في معارك على جبهات متعددة في نفس الوقت. حتى يبقوا ويستمروا (سادة الموقف)، فقد حددوا هدفهم منذ البداية بصورة واضحة: أبغض الناس إليهم والذي يجب إسقاطه، كان وسيبقى جمال عبد الناصر. وعليه فإن أعضاء اللجنة العسكرية في الحقيقة هم حجر عثرة في طريق كل تقارب بين البعث السوري وعبد الناصر. واعتبروا أن كل وحدة مع مصر الناصرية هي طعنة توجه لمبادئ الحزب الوحدوية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق أيضاً إلى أن أي عضو من أعضاء اللجنة العسكرية لم يشترك في المباحثات الثلاثية المصرية-السورية-العراقية في القاهرة. بل اقتصر عملهم في هذه الناحية على إرسال عسكريين غير بعثيين أمثال: اللواء لؤي الأتاسي واللواء زياد الحريري واللواء فهد الشاعر. أما فيما يخصهم هم، فإنهم حذرون إلى ابعد حدود الحذر، فقد بقوا قابعين في دمشق، يراقبون أو يقمعون أية حركة معارضة.. عسكرية كانت أو شعبية.

وهم في حربهم لعبد الناصر، قد استعملوا نفس أسلوبه وتكتيكه. وفي هذا المجال فإنهم كانوا تلامذته الأذكياء. فهم يدركون تمام الإدراك أن من يملك الجيش، يملك في نفس الوقت القوة والسلطة.

منذ نجاح حركة 8 آذار وخلال خمسة أشهر، نجح البعثيون في تصفية وإبعاد خطر كل السياسيين، المدنيين والعسكريين الذين كانت توجه إليهم تهمة الانفصال.. ومن ثم الناصريين.. وأخيراً حلفاؤهم من الضباط المستقلين: لؤي الأتاسي وزياد الحريري.

على أثر اندلاع الصراع مع القوى الناصرية وانسحاب ممثليهم في شهر أيار من الحكم، أخذ زياد الحريري يدافع عن الرأي الذي يقول بأن العهد الجديد يجب أن يمد يده إلى زعيم حماة أكرم الحوراني.. أو على الأقل إلى أنصاره ومؤيديه للاستفادة من القاعدة الشعبية التي تحيط بالحوراني، خاصة بين فئات الفلاحين. ويظهر أن الحريري كان يُشجع في هذا الاتجاه من قبل اللواء أمين الحافظ وزير الداخلية، فقد كان معروفاً لدى الجميع بتعاطفه مع أكرم الحوراني.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحريري، كان يبدي معارضته لأية فكرة وحدوية، خاصة عسكرية مع حكم البعث العراقي. وهكذا جُرّد حليف الأمس - بعد أن صار بالنسبة للبعث السوري مزعجاً - من جميع مسؤولياته وابعد عن الحكم في شهر تموز 1964م في أثناء رحلته إلى الجزائر، أيضاً صفي أنصاره في الجيش.

أما اللواء لؤي الأتاسي، فقد اعترض على تنفيذ أحكام الإعدام الكيفية وعمليات القمع الدموية الواسعة التي استهدفت الناصريين. وعليه فقد أقيل من منصبه كقائد للجيش وكرئيس للمجلس الوطني لقيادة الثورة. وحلَّ محلّه اللواء أمين الحافظ، الرجل القوي آنذاك - كما صوره أعضاء اللجنة العسكرية - ليلعب دوراً مرسوماً له بدقة وإتقان سواءً أعرف أم لم يعرف.

يلاحظ بوضوح أن سياسة سورية البعثية أخذت تتطور بصورة سريعة، على الصعيد الداخلي والعربي في ثلاثة اتجاهات:

1-النهج الاشتراكي.

2-الوحدة السورية العراقية.

3-القضية الفلسطينية.

بعد حصول القطيعة بين البعث السوري وبين الناصريين، اتجه نظام البعث في سورية، في نهج اقتصادي-اجتماعي، أطلق عليه اسم (الاشتراكية). وأول المؤشرات لهذا الاتجاه هو نشر الإصلاح الزراعي في حزيران 1963م، والذي بموجبه حددت الملكية بين (15 و40) هكتاراً من الأراضي المروية وبين (80 و 100) من الأراضي غير المروية.

لقد تصدرت نشرات وصحف البعث مقالات حول إظهار الفرق بين الخطوات الجذرية (لإصلاحهم الزراعي) وبين الخطوات التي طبقت في سورية في عهد الوحدة. في آب من نفس العام كتبت جريدة الحزب أن الاشتراكية، بعد انسحاب عبد الناصر من الوحدة الثلاثية، يجب أن تصبح الهدف الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الوحدة العربية. و(الطريق الاشتراكي) هذا، إنما هو أحسن السبل لإقامة الحواجز في وجه (الديكتاتورية الفردية).

أما بالنسبة للنقطة الثانية فقد أعلن المسؤولون البعثيون في مناسبات عديدة منذ نجاح حركتهم العسكرية في 8 آذار، عن تضامن وتقارب (الثورتين) البعثيتين في دمشق وفي بغداد. وذلك بهدف الوقوف ومجابهة الضغوطات المستمرة للقوى الناصرية على الصعيد الداخلي أو العربي.

بعد انسحاب مصر من ميثاق 17 نيسان، كتبت جريدة الحزب في هذا السياق قائلة: (على المسؤولين في سورية أن يسعوا إلى توثيق العلاقات الاقتصادية بين سورية والعراق.. وإزالة كل العقبات التي تقف حجر عثرة أمام قيام وحدة اقتصادية بين البلدين).

وبالفعل فقد تم في أيلول 1963م، توقيع اتفاقيات ثنائية اقتصادية وثقافية. وبعد مضي شهر، في تشرين الأول، أعلن عن توحيد القوات العسكرية بين سورية والعراق. وأنشئ لهذا الغرض (مجلس الدفاع الأعلى) مركزه دمشق، وسمي اللواء صالح مهدي عماش وزير الدفاع في الحكومة العراقية، في منصب القائد الأعلى للجيش الموحد.

أما بالنسبة لسياسة البعث السوري تجاه القضية الفلسطينية فقد التزم مع البعث العراقي في شهر أيلول، بأن يعدَّ العدة لتحرير فلسطين العربية من الصهيونية وأن يساعد الفلسطينيين لتكوين (جيش التحرير الوطني) - ومن هنا بدأت مأساة الفلسطينيين على يد البعث بعد وضع يده كوصياً على القضية الفلسطينية - على نسق (جيش التحرير الوطني الجزائري).

يتبع

=========================

ياسمين آذار المخضب بالدم - (الحلقة الرابعة)

محمد فاروق الإمام

خريف شهر العسل بين البـعث والناصـرية

منذ الساعات الأولى لنجاح حركة البعث في دمشق، أعلنت القاهرة تأييدها لهذه الحركة التي أنهت حكم الانفصال في سورية.. ولكن حكام مصر كان يقلقهم من غير شك أن يروا حزب البعث.. وهو الحزب الذي حاربته القاهرة بجميع الوسائل في السابق.. يمسك بزمام الأمور ويتربع على سدة الحكم في دمشق، بعد شهر فقط من استلامه الحكم في بغداد، وتشكيل جبهة بعثية في كل من سورية والعراق معاً. كذلك فوجئ الضباط الناصريون بنجاح حركة 8 آذار. لأنهم لم يتصوروا أن حلفاء البارحة - بعد نصيحتهم بعدم تنفيذ مخططهم - تجرؤوا واستمروا في تحركهم بهذه السرعة، لهذا فإنهم لم يعلنوا تأييدهم للحركة العسكرية إلا بعد مدة من نجاحها.

على أية حال فقد تشكلت حكومة البيطار الأولى في العهد الجديد.. من كل القوى القومية الوحدوية التي قادت المعارضة ضد النظام الانفصالي. فمن البعثيين شارك كل من: (منصور الأطرش وجمال الأتاسي وعبد الكريم زهور ووليد طالب وشبلي العيسمي وسامي دروبي وإبراهيم ماخوس). وعن حركة القوميين العرب: (هاني الهندي وجهاد ضاحي). ومن الوحدويين الاشتراكيين: (سامي صوفان ثم سامي الجندي). ومن الجبهة العربية المتحدة: (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد). وتألف المجلس الوطني لقيادة الثورة من عسكريين ومدنيين برئاسة اللواء لؤي الأتاسي، وضم كل من:

العسكريون: (لؤي الأتاسي وزياد الحريري - غير بعثيين - فهد الشاعر وأمين الحافظ وصلاح جديد ومحمد عمران وأحمد أبو صالح وموسى الزعبي - بعثيون).

المدنيون وكلهم بعثيون: (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي ومنصور الأطرش وحمودي الشوفي).

وعلى الصعيد العسكري، سمي الأتاسي قائداً أعلى للجيش، واللواء زياد الحريري رئيساً للأركان العامة، واللواء راشد القطيني نائباً لرئيس الأركان. كما اشترك عسكريان في وزارة البيطار هما: اللواء أمين الحافظ - أصبح فيما بعد رئيساً للجنة العسكرية - (بعثي) وزيراً للداخلية واللواء محمد الصوفي (ناصري) وزيراً للدفاع.

يمكننا أن نلاحظ بوضوح، أن المؤسسين والمحركين الأساسيين للجنة العسكرية هم (محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد) لم يحتلوا بادئ الأمر واجهة المسرح السياسي. بل استمروا في متابعة لعبتهم من وراء الكواليس، وسعوا تدريجياً لتثبيت مواقعهم داخل القوة الحقيقية الوحيدة في البلاد (الجيش).

في هذه الظروف الداخلية والعربية.. وجدت حركة البعث نفسها في مواجهة صريحة مع النظام الناصري. ولقد فرض عليها أن تدخل مع الناصرية بمجملها، في معركة مفتوحة كان مسرحها دمشق. فقد كان هدف القاهرة الأساسي.. هو عودة الوحدة السورية-المصرية قبل أي شيء آخر. وعلى هذا الأساس عبأت الجماهير السورية والعربية في سبيل تحقيق هذه الغاية، مع نجاح حركة 8 آذار تشكيل حكومة البيطار.

وهكذا ارتفعت صور الرئيس عبد الناصر ورفرفت أعلام الجمهورية العربية المتحدة في جميع أنحاء البلاد. وعمّت المظاهرات الشعبية والعمالية والطلابية؛ التي كان يقودها القوميون العرب والوحدويون الاشتراكيون العاصمة دمشق وكبرى المدن السورية حلب.. وهي تهتف هتافات واحدة (وحدة، وحدة، عبد الناصر). وبصريح العبارة فقد بات الشارع تسيطر عليه (القوى الناصرية). ومما يزيد (الطين بلة) فإن البعثيين في السلطة لم يكن لهم حتى ذلك الوقت؛ أي تنظيم سياسي أو حزبي يواجهون به الظروف المستجدة ويعدلوا من موازين القوى لصالحهم. لذلك عمدت سلطات البعث منذ الأيام الأولى إلى منع كل تظاهرة مهما كانت طبيعتها أو إلصاق صور أي زعيم عربي كان، وكان يقصد بذلك منع إلصاق صور عبد الناصر.

ومن ناحية أخرى فإن العناصر الناصرية المشاركة في الحكم، والتي تعتمد في قوة وجودها على هذا التيار الشعبي العام، ألحت في طلب الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، دون قيد أو شرط.

وأخذت الأسئلة تطرح نفسها لمعرفة ما إذا كان النظام الجديد ضد التقارب أو الاتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة؟ ألن تطرح حكومة البيطار علناً في بيانها الوزاري الذي نشر بعد ست أيام من نجاح حركة البعث بان مهمتها الأولى هي إقامة (وحدة-اتحادية) بين مصر وسورية والعراق، على أسس ديمقراطية شعبية.. وباعتماد مبدأ القيادة الجماعية، ألم ترسل من أجل ذلك في اليوم نفسه وفداً رسمياً إلى القاهرة لإجراء محادثات من أجل الاشتراك في المحادثات الوحدوية بين مصر وسورية والعراق؟.

في الحقيقة أن الصراع بين البعثيين والناصريين هو صراع على السلطة. يؤكد الدكتور جمال الأتاسي وزير الإعلام في حكومة البيطار الأولى للنظام الجديد: (إن الخلافات لها علاقة بالسيطرة على الحكم وبالنفوذ الذي سيحصل عليه كل طرف في المؤسسات القيادية والرسمية والشعبية لحركة 8 آذار).

وهكذا فإن القوى الناصرية في سورية معتمدة على الحملة الإعلامية التي تبثّها القاهرة، كانت تعمل عل عدم ترك أية مهلة للبعثيين وعدم تمكينهم من تثبيت أقدامهم في الحكم وإجبارهم على الدخول في أسرع وقت في المحادثات مع عبد الناصر.. في حين لا يزال فيه البعثيون يعانون من الضعف الشديد من ناحية التأييد الشعبي.

لقد عمل البعثيون دون تطبيل وتزمير منذ الساعات الأولى لتفادي ضعف التأييد الشعبي على تقوية موقعهم وجودهم في الوحدات العسكرية.. وذلك حتى يعوضوا عن ضعفهم العددي.. ويجابهوا الضغوطات الداخلية والخارجية التي يتعرضون لها. فأخذوا بتعاونهم مع الضباط المستقلين.. يبعدون عن الجيش العناصر التي أيدت الانفصال.. وكذلك العناصر الناصرية. وفي نفس الوقت أصدروا قراراً بالعزل المدني.. شمل عدداً كبيراً من السياسيين اليمينيين واليساريين.. بتهمة تأييد النظام الانفصالي وشمل كل من: (ناظم القدسي وخالد العظم ومأمون الكزبري ومعروف الدواليبي وصبري العسلي وسهيل الخوري وأكرم الحوراني وخليل الكلاس وعبد الغني قنوت ومصطفى حمدون وخالد بكداش).

وتسلم الضباط البعثيون بشكل أو بآخر قيادة معظم القطاعات العسكرية.. والتي من خلالها تمت بهم السيطرة الكاملة على الجيش.. الذي بدونه لن يستطيع الناصريون القيام بأية حركة أو انقلاب.

وبالفعل فإننا نجد أن الضباط الناصريين الذين كانوا يحتلون المراكز القيادية في الجيش.. قد سحب البعثيون البساط من تحتهم وتركوهم أشبه ما يكونون بالممثلين.. الذين يقومون بأدوار عسكرية في فلم حربي.. أي كانوا يحملون الرتب الفخرية.

أيضاً يجب أن لا ننسى دعم البعث العراقي للبعث السوري الخارجي.. الذي كانت له أهمية كبرى في مثل الظروف التي مر بها البعث السوري. ففي الأيام الأولى لنجاح حركة آذار.. وصل إلى دمشق وفد عراقي بقيادة علي صالح السعدي.. أمين سر قيادة القطر للحزب.

وعلى أثر المحادثات الرسمية بين البلدين. أعلن البيان المشترك السوري-العراقي في 11 آذار (أن المباحثات بين الطرفين تطرقت إلى الخطوات التي يجب اتباعها للدفاع عن الثورتين السورية والعراقية). وفي مؤتمره الصحفي.. يشير السعدي صراحة بأن القضية ليست قضية إقامة محور بين القاهرة وبغداد ولا بين بغداد ودمشق. ونقول من عندنا ولا محور بين القاهرة ودمشق.

المحــادثات الثلاثيـة

   بعد نجاح حركة 8 آذار 1963م بستة أيام.. أي في 14 آذار.. جرت المحادثات في القاهرة بين مصر وسورية.. ثم انضمت العراق إليهما.. من أجل وضع الأسس لوحدة اتحادية. وإذا لم نتتبع هذه المفاوضات بالتفصيل.. أو اقتطاف بعض المقاطع من المناقشات التي تضمنتها.. غير أن هذه المناقشات قد أظهرت بصورة واضحة النوايا الخفية لكل فريق.. وكذلك السرعة الفائقة التي طرحت معها وعولجت بها القضايا الأساسية.

لقد ترأس جلسات المحادثات بين الوفود الثلاثة الرئيس عبد الناصر الذي كان في وضع القوة نسبياً.. وبالتالي نجح ببراعة.. أمام الرأي العام العربي.. في إخفاء ثغرات الضعف في حكمه ونظامه.. ووجد البعثيون أنفسهم في جو مثقل وحالة مشتتة وضع أقرب ما يكون إلى وضع المتهم.

لقد كان كل المشتركين في هذه المناقشات يناورون.. فهم جميعاً يتحدثون عن الوحدة العربية وعن آمال الجماهير العربي.. وفي حقيقة الأمر.. كانوا جميعاً بعيدين كل البعد عن هذه الاهتمامات.. مما جرّهم الحوار إلى ما يشبه (حوار الطرشان).

برز خلال المناقشات موقفان متعارضان: عبد الناصر أبدى عدم استعداده لعقد وحدة مع سورية يحكمها البعث وحده.. حيث ألقى عبد الناصر مسؤولية إخفاق الوحدة السورية-المصرية على البعثيين.. الذين وصل توجيه الاتهام إليهم إلى درجة (الخيانة). ومن الناحية السورية.. فإن البعث السوري.. بعد أن استخلص العبر من أخطائه التي ارتكبها في 1957-1958م عند قيام الجمهورية العربية المتحدة.. كان مصمماً على عدم الخضوع لأي ضغط مهما كانت طبيعته. فهاهو البعث يحكم قبضته على دمشق وبغداد.. بعد عناء كبير تعرض فيها إلى المزيد من العقبات والمحن.. وهو لا يريد أن يترك دمشق وبغداد لعبد الناصر. وإذا كان لابد من وحدة فإنها لن تقوم ضدهم أو بدونهم.

وبالفعل.. فقد رجحت كفة البعثيين في النهاية (ولو كان نظرياً على الأقل).. ففي 17 نيسان وقعت الوفود المصرية والسورية والعراقية ما سمي (ميثاق القاهرة).. والذي أعلن عن قيام دولة اتحادية بقيادة جماعية في مدة لا تزيد عن خمسة أشهر بين مصر وسورية والعراق تحت اسم (الجمهورية العربية المتحدة).. عاصمتها القاهرة. وكل قطر في هذه الدولة الجديدة يبقى محتفظاً بمؤسساته واستقلاله السياسي والداخلي. وتكون السلطة التشريعية والسلطة العليا مناطة بالمجلس القومي في الدولة الاتحادية الجديدة.. وهو مؤلف من مجلسين: مجلس نواب إقليمي منتخب انتخاباً مباشراً عن طريق الاقتراع السري العام.. ويضم في كل قطر عدداً من الممثلين حسب نسبة السكان.. ومجلس اتحادي يضم عدداً متساوياً من الأعضاء في كل إقليم من الأقاليم الثلاثة. والمجلس القومي هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية ونوابه الثلاثة. والقوانين والتشريعات لا تصبح سارية المفعول إلا بعد الموافقة والتصديق عليها من قبل المجلس الإقليمي والمجلس الاتحادي. وأخيراً فإن مجلس الوزراء إنما يكون مسؤولاً مسؤولية مباشرة أمام المجلس القومي.

لم يتمالك البعثيون دهشتهم عندما وقع عبد الناصر على (ميثاق 17 نيسان). فهم لم يكونوا ليتصوروا أن رئيس الدولة المصرية سيقبل باتفاق يحد من صلاحياته ويقيم نظاماً اتحادياً مبنياً على أسس من القيادة الجماعية. لذلك فإن مخاوفهم كانت كبيرة لاعتقادهم بأن عبد الناصر عندما وقع هذا الميثاق.. قد أعطى نفسه مهلة خمسة أشهر.. يسعى خلالها لتغيير موازين القوى في دمشق وبغداد لمصلحته.

ومما كان يزيد من هذه المخاوف والشكوك تحركات الناصريين في دمشق ونشاطهم السياسي على الصعيد الداخلي.. المرتبط بتعليمات يتلقوها من القاهرة.. ولم يكن ذلك سراً. فالناصريون منذ الأيام الأولى قد حاولوا أن يثيروا المتاعب والاضطرابات في وجه النظام البعثي.. وطالبوا بإقامة وحدة فورية مع مصر.. ونظموا لهذا الغرض المظاهرات الشعبية في البلاد كلها.. لكي تمارس ضغوطاتها على السلطات الحكومية البعثية.

وفي نفس الوقت فقد كانت التنظيمات الناصرية تطالب بإشراكها في الحكم مناصفة. وهذه المنظمات هي: (حركة القوميين العرب، وحركة الوحدويين الاشتراكيين، والجبهة العربية المتحدة).. وكانت تلح على البعث أن يقبل مبدأ توزيع المناصب في الحكم معه على قدم المساواة. وهذا يعني أن البعث يجب أن يحتل فقط ربع المقاعد في المجلس الوطني لقيادة الثورة.. وأن يحمل ربع الحقائب الوزارية.

وقد صرح بهذا الصدد (نهاد القاسم).. زعيم الجبهة العربية المتحدة قائلاً: (إن القوى الوحدوية لا تضع إلا شرطاً واحداً وهو أن يقبل البعث مبدأ المساواة مع كافة المجموعات الوحدوية التي وقعت ميثاق القاهرة).

ونظراً للأوضاع السياسية والعسكرية التي وصل البعثيون بها إلى الحكم.. فإنهم وجدوا أنفسه معزولين تقريباً.. من ناحية التأييد الشعبي.. وفي كل المناطق السورية سواء في الريف أو المدن.

ورغم التأييد الشعبي الذي كانت تحظى به التنظيمات الناصرية فإنها كانت تدخل في الغالب في معارك جانبية بشكل مبعثر. وفي خضم الصراع الوحدوي الإعلامي الذي وصلت إليه من العنف الهستيري.. فإنها لم تستطع أن توحد صففها وتقيم تنظيماً سياسياً متجانساً أو تحدد برنامجاً موحداً. وهكذا فقد فسحت المجال لخصومها بإزالتها مجموعة بعد أخرى.

في أثناء المحادثات الثلاثية وقبل توقيع (ميثاق 17 نيسان).. وقعت صدامات في سورية بين المتظاهرين الناصريين من جهة وبين رجال الشرطة والجيش من جهة أخرى. وفي أوائل نيسان صدر أمر عسكري بمنع التجول في جميع أنحاء البلاد.. ويمنع التجمعات وحمل السلاح تحت طائلة العقوبات الشديدة.. وقد أحدث منصب جديد وهو نائب الحاكم العرفي.. وعهد به إلى وزير الداخلية (اللواء أمين الحافظ).. يخوله ممارسة كافة السلطات الواردة في نصوص الأحكام حول حالة الطوارئ. وأول عمل قام به هو إغلاق المدارس والجامعات حيث تتمركز التنظيمات الناصرية.

في شهر أيار من نفس السنة.. وصل الجو السياسي إلى درجة عالية من التوتر أصبحت معه القطيعة أمراً لا يمكن تلافيه بين حلفاء الأمس: القوى الناصرية والحكم البعثي في سورية.. فقدم الوزراء الناصريون (نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد وهاني الهندي وجهاد ضاحي وسامي صوفان وسامي الجندي) استقالاتهم من حكومة البيطار احتجاجاً لرفضها توزيع الحقائب والمناصب في مختلف أجهزة الدولة بالتساوي. وفي نفس الوقت تقدم ثلاثة وزراء بعثيين استقالاتهم وهم (جمال الأتاسي وعبد الكريم زهور وسامي الدروبي).

ولكن في الجيش بلغت التصفية أرقاماً خيالية بحق الضباط الناصريين.. ويأتي في مقدمتهم: (اللواء راشد القطيني نائب رئيس الأركان، واللواء محمد الصوفي وزير الدفاع، والرائد حسين القاضي رئيس الشعبة الثانية، والرائد جميل فياض قائد قوى الأمن الداخلي).

يقول الدكتور سامي الجندي أحد مؤسسي حزب البعث، وكان قد تقلد منصب وزير الإعلام بعد انقلاب آذار: (إنه بعد أن أسندت إليه مسؤولية وزارة الإعلام بثلاثة أيام، زاره (الرفاق) في مكتبه من أبناء طائفته مطالبين بالتخلص من أبناء دمشق وحلب وحماة وتعيين أبناء الطائفة في وظائفهم مكان المسلمين) – يقصد السنة -.

أمام هذه التطورات لم تبق القاهرة مكتوفة الأيدي.. بل شنت حملة إعلامية عنيفة ضد البعث السوري مع تجنب ذكر البعث العراقي. وفي المقابل رد البيطار على تهجمات القاهرة. وتدخل السياسي المغربي (المهدي بن بركة) واتصل بالمسؤولين في سورية والعراق ومصر.. واتفق مع البعثيين السوريين على النقاط الأربعة الأساسية التالية:

1-عودة الضباط الناصريين المسرحين إلى الجيش السوري.

2-تشكيل جبهة قومية موحدة تضم كل القوى الوحدوية.

3-عقد مؤتمر قمة بين مصر وسورية والعراق في 23 تموز.

4-التحضير لاجتماع عام يشترك فيه الاتحاد الوطني للقوى الشعبية في المغرب والاتحاد الاشتراكي العربي في مصر وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وحزب البعث العربي الاشتراكي.

ولأجل تحقيق هذا الهدف فقد وصل وفدٌ سوريٌ إلى القاهرة برئاسة اللواء لؤي الأتاسي.. ويضم المقدم محمد عمران والمقدم فهد الشاعر والدكتور سامي الجندي وزير الإعلام. وقد طلب عبد الناصر أثناء محادثاته مع أعضاء الوفد - بالإضافة إلى عودة جميع الضباط الناصريين إلى الجيش - إنشاء حركة سياسية واحدة.. يشترك فيها كل القوى الاشتراكية العربية وتتخلى عن أية تسمية.. سواء كان ذلك اسم الاتحاد الاشتراكي العربي أو البعث أو أي حزب آخر. وبالتالي فإن عبد الناصر طلب بأن تكون هذه الحركة الجديدة تحت قيادته الشخصية.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com