العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 24/2/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

لا مساحة للحوار في ذهن هذا النظام .. محمد فاروق الإمام

منذ اللحظات الأولى لانطلاق الثورة السورية وأفق هذا النظام لا يسير إلا في اتجاه واحد وهو الحل الأمني في مواجهة المظاهرات السلمية التي انطلقت في سورية، أسوة بما حدث في تونس وليبيا ومصر، تنشد الحرية والكرامة والديمقراطية والدولة المدنية التي افتقدتها منذ نصف قرن.

واستقبل المتظاهرون الثائرون على الظلم والديكتاتورية والفساد بصدورهم العارية رصاص أدوات النظام من شبيحة ورجال أمن وجيش لم يميز بين صغير أو كبير، أو بين رجل أو امرأة، أو بين حيوان أو شجر أو حجر.

وفي تطور دراماتيكي وسريع.. طور النظام مستوى نيران أدواته من البندقية إلى الرشاش فالمدفع فالدبابة إلى الصواريخ والطائرات، ومارس أساليب القهر والتجويع في الحصار ومنع الغذاء والماء والدواء والاتصالات عن معظم المدن التي خرج أهلها ينشدون الحرية، بغرض دفع هؤلاء المتظاهرين للجوء إلى حمل السلاح في مواجهته، ظناً منه أنه وبقوة النيران الهائلة والمدمرة التي يمتلكها سينهي الثورة ويقمعها بوقت قياسي، تحت شعار محاربته الإرهاب والمتطرفين الذي يجعل الغرب وأمريكا يباركون مثل هذه الحرب القذرة أو يغضون الطرف عن نتائجها المدمرة، كما كان يعلن عبر إعلامه الرخيص، عندما كان يقول إنه يواجه مجموعات إرهابية مسلحة ومتطرفه، وأنه سيقضي عليها ويحسم الأمر معها خلال أيام، ثم رفع سقف تمنياته لقمعها إلى أسابيع، ومن ثم إلى أشهر دون أن يحقق أي انتصار يذكر على الثوار الذين كانوا في نمو متزايد وتكتيك مذهل، وكل ما حققه النظام كان ينحصر في قتل عشرات الآلاف من المدنيين، وارتكاب مئات المجازر البشعة والبهيمية بحق الأطفال والنساء والشيوخ الآمنين في بيوتهم، وتدمير ملايين المنازل والمؤسسات الحكومية والخدمية والثقافية والرياضية والمجتمعية، وعدم توفير دور العبادة، وتعطيل البنية التحتية وتخريبها، وسوق عشرات الآلاف إلى السجون والمعتقلات، ودفع الملايين إلى النزوح والتهجير، توازياً مع رفع سقف نيرانه المدمرة نوعاً وكيفاً وكمّاً في بربرية ووحشية ما سبقه إليها أحد لا في الأولين ولا في الآخرين.

وتمكنت كتائب الثورة المتمثلة بالجيش الحر من إحراز انتصارات نوعية وكبيرة وفي زمن قياسي، رغم عدم تكافؤ القوى، فقد تمكنت هذه الكتائب من دحر العصابات الأسدية بكل ما تملك من ترسانة حربية مدمرة، دفع الشعب السوري ثمنها من عرقه وجهده ليحرر أرضه المغتصبة ويدافع بها عن حياض الوطن ودفع غوائل المعتدين، فقد أحرزت هذه الكتائب انتصارات باهرة في محافظات حلب وريفها، وإدلب وريفها، ودير الزور وريفها، والرقة وريفها، وحمص وريفها، وحماه وريفها، ودرعا وريفها، وريف اللاذقية، إضافة إلى السيطرة على عدد من المطارات الحربية وحصار ما تبقى منها أو تعطيله، كما هو الحال في مطار دمشق الدولي ومطار حلب الدولي، والسيطرة على كل المعابر الحدودية مع تركيا، ومعظم المعابر مع العراق، وبعض الحدود اللبنانية والأردنية، إلى أن وصلت كتائب الجيش الحر إلى عقر دار النظام في الأحياء المحيطة بالقصر الرئاسي بعد ان حررت معظم المدن والقرى في الغوطة الشرقية والغوطة الغربية والأحياء الجنوبية لدمشق، وتهديد مطار دمشق الدولي شريان النظام الذي يتنفس من خلاله بنيران أسلحتها، وكان العالم والمجتمع الدولي بكل مكوناته المؤسسية والرسمية يتجاهل ما يجري في سورية وما يقوم به النظام السوري وما يرتكب من مجازر وجرائم وفواحش وموبقات بحق الشعب الأعزل والمدنيين، اللهم إلا من بيانات الشجب والتنديد والوعود، وتقديم بعض المساعدات الإنسانية المحدودة التي لا تتساوى لا كماً ولا كيفاً مع الحالة المزرية والمشينة التي وصل إليها الشعب السوري، الذي احتضن الملايين واستقبلهم في بيوته من المهجرين والنازحين من الدول العربية الشقيقة وكان آخرها استقبال الشعب السوري لكثر من نصف مليون مهجر من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية في حرب عام 2006، وتقاسم معهم رغيف الخبز وشربة الماء.

لقد أغمض العالم والمجتمع الدولي عينه عما يرتكبه الأسد من جرائم بحق شعبه، دون أن يتخذ أي قرار جريء بكف يده أو ردعه، لوقف شلال الدم النازف لنحو سنتين، وكأن ما حدث ويحدث في سورية كان نتيجة لزلزال أو إعصار مدمر لا يتطلب تدخلاً بأكثر من تقديم بعض المساعدات الإنسانية!!

لقد حظي النظام السوري الباغي على فرص عديدة أتاحت له الزمن الكافي بقصد إجهاض الثورة وقمعها، فقد تقدمت الجامعة العربية بمبادرة سلمية واستغلها أبشع استغلال لشهور، تغوّل فيها في قتل المدنيين وارتكاب العديد من المجازر البشعة تحت بصر وسمع المراقبين العرب، ثم كانت مبادرة كوفي عنان ذات الست نقاط، وأعلن النظام عن قبوله لها، واستطاع كسب المزيد من الوقت ليرتكب المزيد من الجرائم، دون أن يحقق أي انتصار على الأرض، وجاءت مبادرة الأخضر الإبراهيمي بمباركة عربية ودولية أتاحت له المزيد من الوقت، أتاحت للأسد المزيد من الوقت ليرفع سقف جرائمه وانتهاكاته لحقوق الإنسان وتوسيع دائرة القتل والتدمير واستباحة المدن والبلدات والقرى بكل اشكال الأسلحة الفتاكة والمدمرة، والتي كانت تأتيه من طهران وموسكو عبر جسور برية وبحرية وجوية دون توقف. ولكن النظام رغم امتلاكه لكل أسلحة الموت والدمار فإنه أخفق في تحقيق أي انتصار على الجيش الحر، الذي تمكن بما لديه من أسلحة متواضعة وغير متكافئة، من إلحاق الهزائم بجيشه وشبيحته ورجال أمنه، حتى بات القصر الجمهوري مهدداً بنيران أسلحة الجيش الحر، وقد وجه إليه الثوار يوم أمس السبت صاروخي جراد، إضافة إلى تحرير مساحات واسعة من الخريطة السورية، ليصبح الجيش الحر هو صاحب اليد العليا، وقد بسط سيطرته على العشرات من مراكز الفروع الأمنية والحزبية وكتائب الدفاع الجوي والثكنات والسجون والمطارات العسكرية، حتى ليقال أن بشار الأسد لم يعد يسيطر إلا على مكان تواجد مدرعاته وراجمات صواريخه ومدفعيته التي هي في طريقها للوقوع بيد الجيش الحر عاجلاً أو آجلاً.

وكان آخر هذه المبادرات ما كتبه الشيخ أحمد معاذ الخطيب من ترنيمات على صفحته على التويتر من منطلق إنساني لوقف شلال الدم، والتي طالب فيها النظام بالإفراج عن 160 ألف معتقل ومعتقلة ومنح السوريين خارج سورية جوازات سفر، وأعرب عن استعداده للقاء فاروق الشرع للتفاوض حول الانتقال السلمي للسلطة ورحيل بشار الأسد، وتلقفها الغرب وراح يسوقها على أنها مبادرة، ولكن النظام الباغي الذي لا يريد ان يتنازل عن أي شيء ويريد كل شيء أجهض هذه المبادرة في مهدها ورفضها على تواضعها.

الغرب وأمريكا لا زالا يراهنان على موسكو لتبني مبادرة سلمية تقودها لاستنساخ النظام بلون باهت جديد بدون الأسد، بعيداً عن إرادة الشعب السوري والمطالب التي حددها الثوار: (رحيل الأسد وكل رموز حكمه وأركانه)، رافضين أي تدخل أو حتى السماح بوصول السلاح النوعي للجيش الحر ليتمكن من إيجاد حظر جوي، يحول دون صب طائرات نظام بشار حمم قنابلها وصواريخها وبراميلها المتفجرة والحارقة والمدمرة على رؤوس المدنيين والعزل، بحجة الخوف من وقوع هذه الأسلحة بيد المتطرفين والإرهابيين، في حين لا تزال روسيا وإيران تمدان النظام بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة والمتطورة وقطع الغيار إضافة إلى الخبراء، ورفد النظام بكل ما لديهم من ذخائر متنوعة وفتاكة بعيداً عن أي رادع أخلاقي أو إنساني.

وقد ذهبت إيران وروسيا بعيداً في التدخل في سورية لصالح النظام السوري، فقد أعلن لافروف أن الأسد باق ولن يرحل، في حين أعلنت إيران وعلى لسان بعض قادتها في قم أن سورية هي المحافظة الإيرانية الخامسة والثلاثين، وأن طهران لو خيرت بين بقاء محافظة خوزستان الغنية بالنفط وبين سورية، لفضلت سورية على خوزستان، وإيران لا تخفي دعمها العسكري للنظام السوري فقد أمدته بعشرات الآلاف من الخبراء والفنيين والمقاتلين من عناصر الحرس الثوري، يقاتلون إلى جانب بقايا الجيش النظامي الذين لا يزالون موالين للنظام من منطلق طائفي بحت، في حين قامت ميليشيا حزب الله باحتلال عدد من القرى الحدودية مع لبنان وهي تقاتل إلى جانب النظام منذ شهور، وقد أكد رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب، في مقابلة خاصة مع "العربية"، أن "سوريا اليوم محتلة من قبل إيران، ويديرها اللواء قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني وليس الرئيس بشار الأسد".

وأعلن حجاب في ذات السياق أن "هناك نحو خمسين ألف إيراني وخمسين ألف عنصر من حزب الله يقومون بقتل الشعب السوري ويناصرون النظام".

وتناغمت واشنطن مع موسكو وطهران بموقفها السلبي من الثورة السورية عندما رفض الرئيس الأمريكي أوباما الاستماع إلى توصية من وزراء الخارجية والدفاع ورئيس الجهاز الأمني تطالبه بالتدخل في سورية حفاظاً على مصالح أمريكا وحلفائها العرب في المنطقة، وجاء رفضه التدخل بحجة عدم الوقوع فيما وقعت به أمريكا في العراق وأفغانستان، والتي نتج عنها كارثة اقتصادية لم تستطع التعافي منها حتى الآن، والحقيقة التي تمنع أوباما من التدخل هو الضغوط الهائلة التي تمارسها الدولة العبرية عليه والتي لا تريد سقوط نظام آل الأسد، وهو الذي حمى حدودها الشمالية لأكثر من أربعين سنة، وتخشى ممن سيأتي بعده، وإلا ما هو تفسيره للتدخل في ليبيا بعد أسبوعين من انطلاقة الثورة فيها، ومن تدخله في مالي لمساعدة القوات الفرنسية فيها، ومن تدخله اليومي والمستمر منذ سنوات في إرسال طائراته بدون طيار لتقصف مناطق في باكستان واليمن، وقد كشفت هلري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، في مقابلة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز قبل أيام، أكدت فيها أن إخفاق واشنطن في سورية كان نتيجة عدم إصغاء الرئيس أوباما لعرضها خطة تقدمت بها مع مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية دافيد بترايوس، في نهاية حزيران 2012 لتقديم دعم عسكري للمجموعات المسلحة في سورية، رفضها الرئيس أوباما الذي كان مشغولاً بحملته الانتخابية لمصلحة وثيقة جنيف التي قدمها كوفي عنان.

ختاماً نقول للعالم وللمجتمع الدولي ولداعمي النظام السوري: "أنتم تريدون ونحن نريد والله يفعل ما يريد"!!

=========================

كشكول السبت 16 شباط/فبراير 2013 ... أعدّه: بدرالدين حسن قربي

يقترب عدد شهداء الثورة السورية حتى يوم الجمعة 15 شباط/فبراير 2013 أي مع تمام ثلاث وعشرين شهراً على انطلاقة الثورة قرابة سبعين ألفاً غالبتهم العظمى من الموثقين والمسجلين. نذكر المحافظات السبعة الأكثر أرقاماً وهي على الشكل والترتيب التالي: محافظة دمشق وريفها: 16500، حمص وريفها: 9600، حلب وريفها: 8000، ادلب وريفها: 7000، محافظة درعا وريفها: 4650، حماة وريفها: 4300 ، دير الزور وريفها: 3750.

اللهم اغفر لشهدائنا في عموم أنحاء البلاد، وارحمهم وتقبلهم، وألهم ذويهم السلوان وأفرغ عليهم صبراً، واجعل دمهم لعنة على قاتليهم.

http://syrianshuhada.com

&&&&&&&&&&

برجاء التركيز الكامل، العقيد الطيار اسماعيل منصور بن غانم الذي قصف مخبز حلفايا الآلي يوم الأحد 23 كانون الأول/ديسمبر 2012 ، مستهدفاً تجمع الأهالي أمامه في طوابير الانتظار لرغيف خبز يطعمونه أطفالهم وعوائلهم بأربعة صواريخ من طائرة ميغ، ذهب ضحيتها خلال دقائق قرابة 250 قتيلاً في البلدة القريبة من مدينة حماة، هو نفسه وذاته وبعينه عاود الكرة يوم الخميس 14 شباط/فبراير 2013 لقصف بلدتي حيش ومورك القريبة من نفس المنطقة، فأصيبت طائرته السوخوي القاذفة بقذيفة مقاتلي الجيش الحر تسببت باحتراقها وسقوطها، ورغم أنه قد قذف بنفسه طلباً للنجاة، وإنما قدر الله كان غالباً، ليقضي ومظلته حرقاً وهو في طريقه إلى الأرض، وليختم حياة أمضى أشهرها الأخيرة بقصف أبناء وطنه وقتلهم جماعياً، وهو الذي قيل عنه للسوريين كذباً أنهم أعدوه للقاء عدو مغتصب ومحتل، لم يطلق ولو طلقة واحدة عليه، بل آثر أبناء وطنه بذلك. بالمناسبة، الطيار المحروق مسجل في هويته المدنية أنه مولود عام 1964 في بلحوس/ بلدة دريكيش/ محافظة طرطوس.

http://www.youtube.com/watch?v=qH_nMF0oN5s&feature=player_detailpage

&&&&&&&&&&

صناعة الإجرام والتشبيح على أصوله وفنه من اختصاص نظام الأسد المجرم. كلام بالأرقام وحقائق بالأسماء وجرائم لاأبشع ولا أقبح تسمعها على مدار خمسين دقيقة في مقابلةٍ مع السيد سليم الحديثي (ضابط أمن منشق سابق ولاحق ومتقاعد). كل مافي المقابلة شهادة وشاهد، والحكم هو المشاهد بعد سماع التسجيل لصناعةٍ تخصص في فنونها وعلومها نظام قاتل سفّاح. أتمنّى ألا تفوتنّكم مشاهدته مهما كانت مشاغلكم. اقتطعوا لها وقتاً بأي طريقة كانت لتعرفوا عن قرب بطولة هذا الشعب الذي ثار في وجه هذا النظام المجرم منذ قرابة خمسة وأربعين عاماً. فخطورة ما يجري في سوريا لا تكمن في قتل البشر فقط، وإنما في قتل أي احساس بأهمية البشر. هذا مايفعله الأسد وشبيحته وقوات أمنه.

http://www.youtube.com/watch?v=dq3rSqY1TY8&feature=player_embedded

&&&&&&&&&&&

============================

العلويون.. «شجاعة اليأس» إلى شجاعة القرار؟

وفيق السامرئي

الشرق الاوسط

15-2-2013

العلويون السوريون جزء أصيل من شرائح الشعب السوري، وقفوا إلى جانب شعبهم في القرن الماضي، وحملوا مع القوى الوطنية لواء «العروبة». غير أن الحرص على البقاء في السلطة تحول إلى نقمة شعبية واسعة، قادت إلى تحالف حكومي مفتوح مع نظام «الولي الفقيه» الإيراني عموما، وقائده «الثوري» علي خامنئي تحديدا، الذي بنى تراثه في إطالة أمد حرب السنوات الثماني، وصاحب قرار التصعيد مع الخليج. ولو كان التحالف تكتيكيا لأمكن النظر إليه من زاوية تقدير الظروف الصعبة.

لقد استعرت توصيف «شجاعة اليأس» مما قاله رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن أسباب تماسك النظام في سوريا، وهو وصف يتطابق مع الواقع الذي يعيشه علويو السلطة في سوريا. ويتوقف تقييم الحالة على ظرف اليأس، فالقتال بشجاعة اليأس نتيجة ظروف قاسية أمام عدو ظالم يسجل إيجابا، أما شجاعة اليأس أمام أبناء أهل البلد، فتدل على عناد لا مبرر له. وينظر قسم من القوميين العرب إلى الثورة السورية نظرة انحيازية ظالمة بوصفهم لها بأنها عمل حفنة من الغوغاء والتكفيريين، ركبت موجتها دولة صغيرة تمتلك المال والقرار، لتدمير آخر «قلاع العروبة». ولا شك في أن لسوريا فضلا على العراقيين في ظروف صعبة، رغم وقوف الحكومة إلى جانب إيران طيلة حرب السنوات الثماني، مع وجود مواقف أخرى تدل على حنكة في زمن الأسد الأب مقارنة بسياسة الابن. إلا أن الوقوف إلى جانب الشعب المطالب بحريته يعتبر واجبا مقدسا.

في العراق، حدثت انتفاضة بعد حرب الخليج الثانية، جرى التخطيط والتحضير المسبق لها من قبل إيران وسوريا والكرد وقوى سياسية شيعية، وكان العتاد الخفيف، الذي لم يتبق منه في مخازن الجيش العراقي كلها إلا 270 ألف طلقة كلاشنيكوف، يتدفق على المنتفضين من مصانع الجيش السوري. وتمكنت بغداد من إعادة السيطرة على الموقف خلال بضعة أسابيع، في ظروف انهيار عسكري في حرب أممية مدمرة. بينما بدأت الثورة السورية عفوية وسلمية، فواجه المتظاهرون بصدور مكشوفة، نار نظام يمتلك جيشا كبيرا وأجهزة أمنية منتشرة في كل مكان من سوريا، ويفرض سيطرة أمنية مطلقة، ولديه خبرة لا مثيل لها عن التكفيريين والمتطرفين. فهل يعقل أن تنسب الثورة إلى تدخل خارجي، خصوصا من أطراف كانت صديقة للرئيس بشار وحزب الله؟

لا يمكن تجاهل تعبئة النظام لعشرات الآلاف في ساحة الأمويين تأييدا له، غير أنهم اختفوا بعد ذلك اليوم، لأن نسبة كبيرة منهم استقدمت من المدارس ودوائر الدولة، وثارت موجات غضب النظام نتيجة تحول التعبئة لصالح الثورة، فلجأ إلى القمع. وبسبب قمع المتظاهرين، اكتسبت المعارضة مشروعية حق الدفاع عن الشعب، وتطور الهدف الشعبي من المطالبة بالديمقراطية، إلى الاحتجاج على «التحالف الأصفر» بين حكم علويي السلطة وحزب الله اللبناني والولي الفقيه. وهو توجه أحرج العروبيين من المتمسكين بالدفاع عن حكم كانوا يرون فيه قائدا للمقاومة.

وحصلت الثورة السورية على تأييد دولي وإقليمي وعربي وشعبي كبير، بمعزل عن وجود مجموعات صغيرة من المتطرفين التكفيريين، استغلت الظروف الصعبة، وتصرفت بشكل مدان، ولا يمكن لها قيادة سوريا تحت أي ظرف. ونشط الإعلام المعادي للثورة في تصوير هذه المجموعات كأنها الكفة المسيطرة والسائدة، تجاهلا لحقيقة أن عشرات الآلاف من الضباط والجنود قد تمردوا والتحقوا بـ«الجيش الحر»، ومعظمهم من الليبراليين. ولو تم تجهيز المعارضة بالسلاح لتمكنت من منع التطرف بكل أشكاله. ولا نعرف على ماذا استند الرئيس باراك أوباما في مخالفته لما قيل عن تأييد المخابرات والجيش لفكرة تسليح المعارضة، وهما الجهتان الرئيسيتان المفترض التعويل على آرائهما الأمنية!

كان في وسع الرئيس بشار الخضوع لإرادة الشعب كما فعل ثلاثة رؤساء عرب من قبله، وأن يعيش في سوريا، هو و«من تورط في حرب حماه بداية ثمانينات القرن الماضي»، بعيدا عن التمسك بفرض حكم شريحة من العلويين على الأمة السورية، وكان على فريق الحكم أن يفهم وجود إرادة شعبية جامحة لفصم التحالف السوري - الإيراني. ولا تزال أمام الرئيس وعلويي السلطة فرصة تاريخية للانتقال من شجاعة اليأس إلى شجاعة القرار، بقبول حوار جدي في شمال سوريا، والتواضع وترك الحكم من أجل سوريا.

=======================

موقفنا : الموقف الدولي بين تفجيرات دمشق .. وصواريخ سكود الإيرانية .. زهير سالم*

تتحمل عصابة الأسد المسئولية الأمنية والسياسية الكاملة عن تفجيرات دمشق المستنكرة والمدانة والتي راح ضحيتها العشرات من السوريين الأبرياء . كما تتحمل هذه العصابة المسئولية عن السياسية والأمنية عن كل قطرة دم سفكت وتسفك على الأرض السورية منذ انطلقت هذه الثورة السلمية المباركة فأبى المستبدون إلا طغيانا وقتلا وفجورا ..

وكانت قوى المعارضة السورية قد أدانت منذ اليوم الأول للحراك الثوري كل أشكال العنف وأساليبه الذي جعله الفاسدون والمستبدون شرعة ومنهاجا ، وتواطأ معهم عليه مجتمع دولي تائه في بيدائه غارق في الثنائيات المعيارية التميزية بين البشر على أسس عنصرية دينية ومذهبية وقومية . وكان صمت مجلس الأمن بدوله الخمسة مجتمعة ومنفردة ابتداء من جريمة العدوان على أطفال درعا التعبير الأمثل عن هذا الازدواج ..

وفي الوقت الذي اضطر فيه الثوار السوريون إلى حمل السلاح دفاعا عن أنفسهم وأعراضهم وأطفالهم ، الاستحقاق الذي يفرضه القانون الدولي على مجلس الأمن المتخاذل عن القيام بواجبه ، وتؤكده المواثيق الإنسانية على كل الدول والمنظومات السياسية الغارقة في سياسات التمييز العنصري ؛ فإن قوى الثورة والمعارضة السورية ما زالت تؤكد حرصها على وطنية ثورتها ، وإصرارها على حماية كل مواطن سوري ، وعلى رفضها الانجرار إلى أي شكل من الاحتراب الأهلي والطائفي الذي يدفع إليه الفاسدون الطائفيون مستعينين بأشياعهم الروس والإيرانيين وعصابات حزب الله .

لقد أكدت كل قوى الثورة والمعارضة دائما إدانتها واستنكارها لكل شكل من أشكال فوضى القتل الذي تسببه التفجيرات العشوائية في قلب الأحياء السكنية والتجمعات البشرية المدنية .

إن تجاهل المجتمع الدولي ، ممثلا في مجلس الأمن الدولي ، عمليات القتل اليومي الممنهج عبر كل الوسائل ابتداء من القتل تحت التعذيب في أعماق الزنازين والإعدام الميداني في الأحياء والميادين العامة وانتهاء بالقصف الذي لا تخطئه عين إنسان براجمات الصواريخ ومدفعية الميدان وطائرات الميغ الروسية وصواريخ سكود الإيرانية هو اشتراك مع سبق الإصرار في تنفيذ هولكست عنصري بغيض ضد الشعب السوري في القرن الحادي والعشرين

إن دعوة وزير الخارجية الروسية مجلس الأمن الدولي إلى إدانة تفجيرات دمشق التي لم يتأخر عن إدانتها أحد وصمته وصمت حكومته على استخدام طائرات الميغ بقذائفها الروسية ، وتجاهله وتجاهل حكومته استخدام بشار الأسد لصواريخ سكود العشوائية والبعيدة المدى على التجمعات السكنية والأحياء المدنية يكرس الحكومة الروسية حكومة معادية للشعب السوري ويفقدها الحق في أي دور سياسي في حاضر ومستقبل سورية . كما يلقي على هذه الحكومة صبغة عنصرية حاقدة

إنه من حق الشعب السوري بحكم انتمائه الإنساني المجرد أن يتساءل : لماذا لا تقوم بطاريات باتريوت الأطلسية المنصوبة على بعد كيلومترات من حيث تسقط صواريخ سكود الإيرانية بالتصدي لهذه الصواريخ ، ومنع حصول هذه الكوارث الإنسانية في قلب التجمعات السكنية ؟! لماذا تمتنع دول الغرب الأطلسية ( المتحضرة ) عن حماية أجساد الأطفال السوريين أن تمزقها صواريخ سكود الإيرانية ..؟! مع أننا نسمع هذه الدول التي تدير هذه البطاريات تتحدث ليل نهار عن خرافة اسمها القانون الدولي ومواثيق عنوانها مواثيق حقوق الإنسان ..؟!

لقد شجع الصمت الدولي القاتل المستبد الفاسد على التمادي في قصف وقتل المدنين الأبرياء فمن رمايات الدبابات وراجمات الصواريخ إلى قذائف المدفعية البعيدة المدى إلى القصف بالطيران الحربي وبالأسلحة العنقودية والمحرمة الدولية والبراميل المدمرة الحارقة وأخيرا هاهو هذا القاتل يسترسل في استخدام صواريخ سكود الإيرانية ليقتل الإنسان ويدمر العمران ويكاد يأتي على مدينة هي آبدة من أوابد الحضارة والثقافة هي مدينة حلب الشهباء . لم يرتفع صوت لليونسكو يخبرنا أن قيمة مدينة حلب بإنسانها وعمرانها ليست أقل قيمة من تماثيل ( باميان ) ...

إننا وإزاء كل هذا لا ينفع أن نقول نشجب أو نستنكر أو ندين بل كل سنقول وبكل الحسم والعزم إن السكوت على الجريمة هو اشتراك فيها . وأنه سيكون لهذا الاشتراك أثره على مستقبل العلاقات مع هذا الشعب الحر الأبي على المستوى السياسي وعلى المستوى الإنساني والثقافي . وسيمضي شعبنا إلى صناعة نصره مهما طال الطريق وعظمت التضحيات .

إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر

لندن : 13 / ربيع الثاني / 1434

23 / 2 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

=======================

الجهاد السوري

مشاري الذايدي

الشرق الاوسط

15-2-2013

تتوالى الأنباء، الصادق منها والكاذب، الخالي من القصد، والمدفوع بنية التشويه، حول وجود جماعات «جهادية» في الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد.

تتصدر هذه الأنباء ما يسمى «جبهة النصرة»، وهي مجموعة غامضة، أقصى ما تم التوصل إليه حولها هو أنها مجاميع متنوعة للقتال ضد جيش الأسد وأجهزته الأمنية، وشبيحته. وردت أنباء عن وجود شباب من الأردن وليبيا وحتى الشيشان والسعودية ضمن صفوف هذه الجماعات المقاتلة بضراوة «نصرة» للمقتولين والمهجرين والمغتصبين من السوريين والسوريات على يد بشار.

أعرف أن البعض لا يحبذ الحديث حول هذا الأمر، حتى لا يشمت النظام الأسدي وأبواقه في كل مكان، ولكن التعامل بشفافية وثقة مع هذا الأمر هو المفيد، وبالنسبة لشماتة الأسد أو فرحه، ومعه قيصر موسكو بوتين، وملا طهران خامنئي، وخطيب الضاحية الجنوبية حسن نصر الله، فلا يعني شيئا، كما أن وجود هذه الجماعات، المتأخر في عمر الثورة السورية، لا يعطيهم صك براءة من الجريمة في القتل أو حماية القتلة ودعمهم، بل إن هذا الأمر يقدم دليلا إضافيا على مدى التخريب والتجريف الذي ارتكبه النظام الأسدي ورعاته في العالم، في حق الشعب السوري من ضعف مناعة، وإجبارهم على اللجوء لكل من يمد يد العون ضد آلة القتل، حتى ولو كان الشيطان نفسه، خصوصا أن نظام بشار الأمني، ومثله إيران سبق أن تعانوا مع جماعات «القاعدة»، مرارا وتكرارا، وما جماعة «فتح الإسلام» في نهر البارد بلبنان عنا ببعيد، ولا إيواء الحرس الثوري لقادة «القاعدة» في إيران أيضا. فلا يعظ حول التعاون مع الإرهابيين واعظ من دمشق أو طهران!

هذا أمر، والأمر الثاني، هو أن وصول الجماعات المقاومة في سوريا إلى درجة «الجهاد» أو على الأقل بعضها، كان نتيجة طبيعية لتخاذل، إن لم يكن تآمر، المجتمع الدولي تجاه الكارثة السورية، وإمعان الأسد ومعه شبيحة حسن نصر الله، وضباط الحرس الثوري، وخبراء موسكو، هو الذي أدى إلى الشعور باليأس لدى من يقع عليه فعل القتل من السوريين.

هذا هو الحال، ومن قدم السبت فسيجد الأحد.

=======================

زيارة مقولبة وعباءة بائسة

عمر عياصرة

السبيل

15-2-2013

بشار الاسد في مأزق منطقي، والدليل انه يسمح للاعلام بتصوير وفد من مناصريه الاردنيين –وهم اقلية جدا هامشية– يزورونه ويمجدونه في اطار مشهد «تراجيد فكاهي».

انا اتفهم ان ننقسم في مواقفنا من النظام السوري مع بدايات الازمة، لكنني استغرب ان نصفق لرئيس يموت الى هذه اللحظة من مواطنيه اكثر من 60 الف شهيد.

للاسف البنية مريضة يقودها الهوس، هذا واضح ويصلح لتفسير عدم قدرتنا على فهم العدو من الصديق والاخيار من الاشرار.

العباءة التي ارتداها بشار الاسد ليست اردنية ولا تمثلنا، وأظنها صنعت في مخايط الامن الدبلوماسي السوري المفلس الباحث عن بصيص أمل غير ممكن.

هذا الوفد –بالمناسبة حر في التعبير عن رأيه– سبق أن زار السفير السوري في عمان بهجت سليمان، وألبسوه ذات العباءة، واصفينه بـ»أيوب الصبر» رغم علمهم أنه من ضباع القتل والاستبداد.

يصعب علينا تفهم هذه المواقف وفجاجتها، أهي الايدلوجيا العمياء الركيكة أم هي اجندة الحسابات البنكية ذات الاغراء الفطري؟

هذه الزمرة القموجية لا تستوعب الى الآن أن بشار لم يعد قوميا، لا هو ملتزم بالحدود الدنيا من منطق البعث، الاسد طائفي بكل درجات اليقين، وقد آن لهؤلاء ان يقفوا على عقولهم لا على جيوبهم.

ألم يسمع هؤلاء تصريحات بهجت سليمان الاخيرة المذهبية التي تخلى فيها عن مصطلحاته القومية والبعثية، متجها نحو تعابير الكربلائية والعاشورائية اظهرت حقيقة المعركة ووجه النظام النهائي.

لسنا مع تفتيت سوريا او مع استهدافها خارجيا، لكن السؤال: ماذا يمكن ان نصف قتل اكثر من 60 الف مواطن، هذا القتل دفاع عن ماذا؟ وهو ثمن لأي شيء.

كان الأجدر بهؤلاء حين أتيحت لهم الفرصة بمقابلة بشار الاسد، أن ينصحوه بمهمة قومية عنوانها رحيله تنقذ سوريا البلد والشعب والمقدرات.

الزيارة مقولبة ومرسومة، أما العباءة فهي تغرير ورقص على جثث الشهداء، وهي لن تغني الاسد عن مصيره المؤكد بالرحيل.

المهم في خاتمة النقاش أن يفهم هؤلاء أنهم لا يمثلون الاردنيين بمجموعهم، هم يمثلون أقلية لها الحق في التعبير عن موقفها، لكننا في المقابل نملك أن نرفض افعالهم في اطار من الانتظار وكظم الغيظ.

=======================

محنة السوريين: الخوف من مجهول قادم في مصر

ثائر الزعزوع()

المستقبل

15-2-2013

منذ أن تبوّأ سدة الرئاسة صيف العام المنصرم، لم يفوّت الرئيس المصري محمد مرسي مناسبةً إلا ودعا فيها للوقوف إلى جانب الشعب السوري ضد الطاغية المستبد، بل إنه وفي عقر دار إيران الحليف الأشد قرباً للنظام السوري، قال مرسي ما لم يقله أحد سواه من قادة الوفود المشاركة في قمة دول عدم الانحياز في شهر آب/ أغسطس الماضي، وحتى من أولئك الذين يناصرون ثورة الشعب السوري جهاراً ونهاراً، واستطراداً فإن مرسي وفي حمّى الفوضى الخانقة التي تعيشها مصر، ظلّ متمسكاً بمطالبته بالوقوف إلى جانب السوريين المظلومين والتصدي للظالم وقلع أنيابه.

مشاعر الرئيس مرسي تلقى قبولاً في الأوساط السورية، سواء الليبرالية منها أم الإسلامية، كما أن موقف مصر من الوافدين السوريين الكُثر إلى أراضيها يجعل الموقف المصري متقدِّماً عربياً على سائر المواقف الأخرى، وإن تكن الأحداث الأخيرة قد بدأت تهزّ صورة أول رئيس منتخب لمصر، بل وتهدِّد بقلب الطاولة عليه، فإن موقف "السوريين" ملتبسٌ بشكل كبير، إذ يميل التحليل إلى اعتبار مرسي خاطئاً في تفرّده بالسلطة، والسماح لجماعته بالاستحواذ على الدولة من بابها لمحرابها، وهو السيناريو الذي يخشى الكثيرون تكرار حدوثه في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، بينما تميل المصلحة والخوف من قادم غير محدّد الملامح إلى التزام جانب الحذر في تأييد طرف ضد طرف، وانتظار أن تهدأ الأوضاع المصرية من دون أن يبدي أي من أطياف المعارضة السورية انحيازاً، أو موقفاً قد يؤدي إلى فقدان ما يمكن اعتباره ميزات يحظى بها الوافدون، الذين عوملوا معاملة المصريين في كل ما يخصّ شؤونهم الحياتية تقريباً.

وقد يُفهم من هذا الأمر أنه انتهازيةٌ مبرّرةٌ نظراً للظروف اللاإنسانية التي يعيشها "السوريون" الآخرون في الدول التي لجأوا إليها، وقد باتوا مادةً للاستجداء من قبل بعض الدول الحاضنة.

إذ قد يكون من المستغرب أن تغلق الحكومة الليبية حدودها في وجوه السوريين، وهي حكومة جاءت في أعقاب ثورة شبيهة بالثورة السورية، بل إن الليبيين، وكما تشير الكثير من التقارير، كانوا من أوائل الداعمين مادياً وعسكرياً للثورة السورية، وكان من باب أولى أن تحتضن ليبيا العمالة السورية المزدحمة على معبر السلوم الحدودي، لا أن تشترط حصول السوريين على فيزا عبور قبل دخول أراضيها، علماً أن ليبيا في أمس الحاجة إلى تلك العمالة بعد الدمار الذي تسببت به حرب إزاحة القذافي، ولعله من المفيد التوضيح أن شرط الحصول على فيزا لم يكن مطلوباً إبان فترة حكم القذافي.

دولُ الخليجِ بدورِها أغلقتْ أبوابها في وجه السوريين، لكنّ تلك الدول تبدو معذورةً في العُرف الجغرافي، والسكانيّ أيضاً، بل والسياسي حتى، إذ إن الهدوء والاستقرار الذي حرصت جاهدة على تحقيقه قد يتعرض لاهتزازات كارثية إن فتحت أبوابها لاستقبال لاجئين مباغتين، ليس ثمة أفق واضح لانتهاء فترة لجوئهم.

تشير تقديرات غير نهائية للأمم المتحدة أن أكثر من 750 ألف لاجئ سوري غادروا بلدهم وتوزعوا على أربع دول، هي لبنان وتركيا والأردن والعراق، ويبدو هذا التوزع طبيعياً لأن هذه الدول تمثل الحدود الجغرافية لسوريا، ويمكن الانتقال إليها سيراً على الأقدام، تبعاً للمناطق التي ينزح منها المرء، فأبناء المنطقة الشرقية اتجهوا إلى العراق، وأبناء المنطقة الجنوبية وتحديداً منطقة درعا، وبعض مناطق الريف الدمشقي قصدوا الأردن، فيما لجأ أهالي ريف إدلب وحلب إلى تركيا، وقصد لبنان قرابة مئتي ألف من أهالي ريف دمشق، وبعض الموسرين من أبناء حلب، وفيما تشير تقديرات إلى أن عدد الذين قصدوا مصر خلال العام 2012 يتجاوز المئتي ألف، سجلت الأمم المتحدة نسبة عشرين بالمئة منهم فقط أما النسبة العظمى فلم يتم تسجيلهم في قوائم الأمم المتحدة، وقد بدأ الموسرون منهم بمزاولة حياتهم، فأنشأوا مصالح واستثمارات، وأصبح الحضور السوري واضحاً في مناحٍ عديدة ساعدهم على ذلك التشجيع الذي لقوه من الحكومة المصرية التي أتاحت الفرصة للمستثمرين والصناعيين السوريين لبدء أعمالهم في مصر، فيما تعتمد نسبة لا بأس بها على مساعدات تقدمها بعض الجمعيات الخيرية، السورية والمصرية أيضاً.



لكن المقلق بالنسبة لهؤلاء أن لا ضمانات يمكن أن تُقدّم لهم في حال ساءت الأوضاع السياسية في مصر، فالبلاد تمر بضائقة، والعملةُ المحلية تتراجع، كما أن ارتفاع معدلات البطالة المرتفعة أصلاً، يزيد الأمور سوءاً، و كل هذا قد يدفع الكثيرين لإعادة حساباتهم والبحث عن خيارات جديدة، وهي نادرة، ولعل الإشكالية في أن يحدث ما يخشى منه، ساعتها سيجد المجتمع الدولي نفسه أمام كارثة من نوع جديد، لعلّها لم تكن في الحسبان، ولذلك فإن الهيئات الدولية مدعوة للعب دور أكبر في توثيق أعداد النازحين والمهجرين، وعدم الركون إلى الأرقام السابقة التي تفتقر إلى الدقة، والبحثِ عن حلول نهائيةٍ طالما أن أفق حل الأزمة السورية غير واضح الملامح حتى الآن.

() كاتب سوري مقيم في مصر

=======================

في معنى المعارضة السورية

فايز سارة

المستقبل

15-2-2013

ليس من السهل فهم المآلات المحتملة للصراع في سوريا، من دون معرفة اللوحة العامة للمعارضة السورية، والتي تشكّل بالمعنى العام إحدى القوتين المتصارعتين في سوريا، وتشكل واحداً من منفذين يتدخل المجتمع الدولي عبره بقواه الإقليمية والدولية وهيئاته في الأزمة السورية، فيما يشكل النظام المنفذ الآخر الذي تتدخل منه القوى الإقليمية والدولية في أزمة سوريا.

غير أنه ومن أجل تقدير أفضل لدور المعارضة السورية، لا بد من تحديد معناها ومحتواها. ذلك أن بعضهم يستعمل تعبير المعارضة السورية، توصيفاً للجماعات السياسية، وأحياناً يقتصر على ما يسميه البعض بـ"المعارضة الخارجية" مشاراً في هذا المجال إلى المجلس الوطني السوري وإلى الائتلاف السوري للمعارضة وقوى الثورة، ويضيف البعض إلى ما سبق "المعارضة الداخلية"، والتي تشمل هيئة التنسيق الوطنية وما يقاربها من جماعات سياسية، تتخذ من الداخل السوري مركزاً لوجودها ونشاطها وحضور قياداتها مثل هيئة التنسيق الوطنية وإعلان دمشق، وهناك من يوسع الإطار في هذا المجال، فيضيف قوى وجماعات سياسية موجودة داخل البلاد وخارجها مثل المنبر الديموقراطي السوري الى ما سبق من كتل رئيسية للمعارضة السياسية، على سبيل توصيف فكرة المعارضة وبيان محتواها.

بعضهم الآخر يستعمل تعبير المعارضة السورية للدلالة على نوع آخر ومحدد، وهو المعارضة المسلحة، وهو تعبير روّجته في الأشهر الأخيرة دول وقوى معينة تناهض ثورة السوريين، للدلالة على قوى مسلحة تقف في مواجهة قوات النظام من القوى العسكرية والأمنية وقوات الشبيحة، وهذه قوى تشمل ثلاث مجموعات من قوى المعارضة المسلحة أولها الجيش السوري الحر الذي يشمل طيفاً واسعاً من تنظيمات يوحد الاسم معظمها، ويفتقد كثير منها وحدة التنظيم والتسليح والقيادة، والثانية جماعات من المتطوعين المدنيين المنظمة محلياً، والثالثة قوات وجماعات إسلامية من بينها جبهة النصرة في بلاد الشام، التي تصفها مصادر وجهات كثيرة بأنها التعبير الأبرز عن تنظيم القاعدة وامتداده في الواقع السوري.

وهناك من يستعمل تعبير المعارضة السورية للدلالة على الحراك الشعبي السوري وتعبيراته المدنية والأهلية في قوسها الواسع، والذي يشمل أعمدة وبنى المجتمع المحلي في الأرياف وفي أحياء المدن، تتمثل في تجمعات يديرها رجال دين ومخاتير ووجهاء محليين يملكون نفوذاً على قطاعات شعبية تقوم بأنشطة معارضة من بينها تنظيم التظاهرات ومتمماتها من أعمال الإغاثة وإعانة ضحايا القصف وعمليات الاقتحام التي تتم في طول البلاد وعرضها، أصابت نتائجها نحو أربعة ملايين سوري نزحوا عن بيوتهم وأماكن إقامتهم الأصلية، وتشردوا في داخل البلاد وخارجها.



والحق، فإن تعبير المعارضة، يشمل كل ما تقدم. فهو يضم المعارضة السياسية، التي تنشط في الداخل والخارج، بل إن تقسيم العارضة بين داخل وخارج، هو تقسيم خاطئ من الناحية العملية والسياسية. فكل التحالفات والتنظيمات والأحزاب الموجودة في الخارج، لها - ولو بصورة متفاوتة - امتدادات تنظيمية وسياسية في الداخل، كما هو حال العديد من مكونات الائتلاف الوطني والمجلس الوطني، ومنها إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي الذي معظم جسده التنظيمي وقياداته الأساسية موجودة في الداخل السوري، ومثله حال المنبر الديموقراطي الذي له امتدادات تنظيمية وقيادات في الداخل والخارج على السواء، ومعظم الجماعات السورية، كما هو حال إعلان دمشق وهيئة التنسيق الوطنية وتيار بناء الدولة وحركة معاً، اضطرت لإخراج بعض قياداتها وكوادرها على امتداد العامين الماضيين من البلاد، وغالباً ما تم ذلك تحت ضغط السياسة الأمنية العسكرية، التي تتواصل فصولها قتلاً واعتقالاً وملاحقة، وهو أمر لا ينطبق على المعارضين والنشطاء السياسيين بل طال نشطاء في الحراك الشعبي الذي غادر كثير من قياداته وكوادره من منتظمي التظاهرات إلى القائمين بأعمال الإغاثة والدعم الطبي والإنساني إلى الخارج، وثمة تقديرات تقول، إن عدد من تم تهجيرهم ومغادرتهم الأراضي السورية بفعل هذه السياسة من كادرات المعارضة والحراك قارب المائة ألف كادر وناشط، وهذا بين أمور تؤكد خطأ تقسيم المعارضة بين داخل وخارج.

واندماج المعارضة ووحدتها بين الداخل والخارج هو مثال على اندماجها ووحدتها في العلاقة التي تحكم المعارضة السياسية بالحراك الشعبي في شقيه المدني والأهلي، التي وإن بدا أن ثمة تماياًز بينهما عشية انطلاق الثورة في آذار 2011، إلا أن هذه الهوة ضاقت، ليس فقط بسبب السياسة العسكرية الأمنية التي طبقها النظام، وإنما أيضاً بفعل الاحتياجات الموضوعية التي حكمت علاقة الطرفين ووضعتهما في سياق مصير واحد، ولعل أمثلة الاندماج واضحة في تشكيل تحالفات المعارضة منذ هيئة التنسيق والمجلس الوطني إلى الائتلاف السوري، والتي راعت اتحاد ممثلي المعارضة السياسية مع ممثلي الحراك الشعبي، وهو أمر ينطبق على معظم الجماعات والأحزاب السياسية السورية، التي تشكلت في العامين الأخيرين، وقد تشارك في تأسيسها نشطاء سياسيون وآخرون في الحراك الشعبي ولعل المثال الأوضح في ذلك المنبر الديموقراطي السوري الذي ولد في شباط من العام 2012 بالقاهرة.

والاندماج السياسي والحركي في المعارضة السورية، له ما يقابله من علاقة بين المدني والعسكري في تكوينات المعارضة، ولتأكيد هذا المضمون، يمكن استذكار، أن الستة أشهر الأولى من ثورة السوريين كانت أشهراً للنضال السلمي والمدني، وأنها كانت خارج سياق القوة والعنف اللذين يميزان الحراك العسكري المناهض للنظام من الجيش الحر الى المتطوعين المحليين وصولاً للجماعات الإسلامية وجبهة النصرة، وغالب قيادات ومنتسبي هذه الجماعات كانوا بين المتظاهرين السلميين، وغالباً ما كانوا في مقدمة المتظاهرين، لكن العنف المفرط الذي مارسه النظام ضد التظاهر وضد التجمعات السكانية في المدن والقرى، والانتهاكات الفظيعة التي أوقعها بالمدنيين وممتلكاتهم ومصادر عيشهم، دفعت لتحول البعض وخاصة في الأرياف للانخراط في قوى مسلحة، كان هدفها الأول ردع التعديات، ثم انتقل هدفها إلى إسقاط النظام، وقد طور بعضها الهدف نحو إقامة دولة إسلامية على نحو ما تقول جبهة النصرة وأخواتها، لكن ذلك يمر بالتأكيد بهدف إسقاط النظام.

ومما لا شك فيه، أن الأصول المدنية لغالب منتسبي الجيش الحر والقوى المسلحة، وتبنيهم الهدف المشترك في إسقاط النظام، وكونهم هدفاً لقوات النظام، يجعلهم أقرب إلى المعارضة السياسية والمدنية، وهو يكاد يقترب عند البعض إلى حد الاندماج، وهو ما عبرت عنه قيادات في الجيش السوري الحر مرات، كان آخرها تشكيل هيئة الأركان المشتركة في كانون الثاني، التي تضم عسكريين ومدنيين، أعلنت التزامها جانب الائتلاف الوطني السوري، وهو التحالف الأهم في المعارضة السياسية والقوة الحاصلة على اعتراف دولي وعربي بتمثيلها للشعب السوري.

خلاصة الأمر، أن تعبير المعارضة السورية، تعبير واسع، يتضمن بالفعل المعارضة السياسية والحراك الشعبي بجانبيه المدني والأهلي إضافة إلى القوى المسلحة وأبرزها الجيش السوري الحر. ورغم الاختلافات القائمة بين هذه الكتل المؤلفة للمعارضة السورية، فإنها متفقة في أكثريتها على أمرين أساسيين أولهما رحيل النظام، وثانيهما إقامة دولة ديموقراطية تعددية، لكن هذا الاتفاق لا يعني أبداً عدم وجود اختلافات وتناقضات بين أطراف المعارضة السورية، بل وفي داخل تعبيراتها، وهذا ما يستحق وقفة أخرى.

=======================

نظرة سوريّي النظام إلى أزمة بلادهم!

14 شباط 2013 الساعة 10:08

سركيس نعوم

النهار

كُتِب وسيُكتَب الكثير عن الأزمة – الحرب السورية في وسائل الاعلام لأن تطوّرها خيّب فريقيها الأساسيين. الأول، نظام الأسد الذي اعتقد أنه سيقضي على الثورة في سرعة. والثاني، الثوار الذين ظنوا ان التخلص من النظام المذكور سيتم في سرعة لسببين. الأول، حصولهم على دعم غالبية الشعب، (وذلك صحيح). والثاني، وقوف تركيا، وغالبية الدول العربية والاتحاد الأوروبي ومعظم العالم الاسلامي واميركا معهم واستعدادهم لتقديم كل ما يحتاجون اليه لكي يحقّقوا اهدافهم. والوقوف والاستعداد المشار اليهما صحيحان، لكن ترجمتهما عملياً لم تكن كذلك لأسباب متنوعة يعرفها كل الناس. وقد يكون اكثر ما كُتب عن سوريا منذ نشوب الأزمة – الحرب فيها استند الى معلومات ومعطيات وتحليلات اميركية واوروبية وتركية وعربية (خليجية اجمالاً). علماً ان نظام الاسد وحليفتيه روسيا وايران الاسلامية لم يقصّروا في "تسريب" معلوماتهم وتحليلاتهم والمعطيات وفي الجهر بها احياناً. لكنهم وبسبب عجز حليفهم السوري عن حسم الثورة الشعبية عليه رغم تذبذب التأييد الخارجي المتنوع لها، بدت تسريباتهم نوعاً من البروباغندا. علماً ان البروباغندا طغت احياناً كثيرة على "المسرَّب" الى الاعلام المؤيد للثورة. انطلاقاً من ذلك اعتقد ان تناول التطورات السورية بتشعباتها الخارجية انطلاقاً من معلومات ومعطيات وتحليلات آتية من موسكو ودمشق يمكن ان يلقي مزيداً من الأضواء على مواقف الخارج والداخل منها.

الى ماذا تشير المعلومات والتحليلات والمعطيات المذكورة؟

تشير أولاً الى أن ما يريد أن يراه اللاعبون الدوليون هو نهاية فورية لحكومة بشار الأسد. وتشير ثانياً، الى ان أميركا لا تريد أن تصل مجموعة اسلامية (أصولية) الى السلطة في سوريا، وخصوصاً بعدما نجح الاخوان المسلمون في الوصول الى سلطة مصر وبدأوا عملية اقامة "حكمهم"، وبعدما بدأ الرئيس القادم من صفوفهم محمد مرسي التعاون مع ايران (هذا التعاون لم يبدأ بعد وقد لا يبدأ). وهي تخشى وقوع سوريا في ايدي "جبهة النصرة" التي لديها مجموعة صلبة من المقاتلين قَدِموا الى سوريا من ليبيا عبر تركيا. وتشير ثالثاً الى أن لا حل فورياً للأزمة – الحرب السورية، والى أن كل من يتوقع سقوط الاسد من دون قتال حتى النهاية يكون حالماً. فالعلويون عندهم احساس عال بالفوز، وآل الاسد يتحلّون بروح قتالية ومحاربة. وكل من قابل احداً منهم يوما سيعرف تماماً انهم لن يهربوا اذا ساءت الأحوال، أو اذا اصبحت كارثية. وبشار ليس استثناء على هذا الصعيد. علماً ان ما يتسرّب من معلومات وأقوال من الحلقة الداخلية للرئيس الأسد يؤكد انهم لا يزالون يسيطرون على الوضع في بلادهم. وتأكيداً لذلك تورد التحليلات والمعلومات والمعطيات اياها كلاماً كبيراً أو كثيراً لأحد القريبين من الحلقة الداخلية المذكورة اعلاه اهمها: "ان ما يجري عندنا سيتم تصديره الى الخليج. ان عائلة الاسد تحمي الغرب. في لندن لن يَمُسَّ المسؤولون المتعصبين (الاسلاميين الاصوليين) خوفاً من إلغاء الشيخ حمد (أمير دولة قطر) استثماراته كلها في بريطانيا. الذين دمّروا البرجين في نيويورك في 11 ايلول 2001 لا يستطيعون إبادة العلويين في سوريا. يجب ان يُقدَّس هؤلاء للحماية التي يقدّمونها للغرب. ان حكومة سوريا لا تحارِب. ان الشعب السوري هو الذي يحارِب. المسيحيون يقاتلون مع العلويين، وسيُبادون ان لم يفعلوا ذلك. 99 في المئة من الشعب السوري يدعم الحكومة (حكومة الاسد) رغم انها ليست في حال حرب حتى الآن (مبالغات). تستطيع سوريا اجتياح تركيا في يومين (مبالغات). هناك ثلاثمائة الف امرأة قيد التدريب على القتال في طرطوس. وجيش النساء بدأ انشاؤه في شهر آب الماضي. وبهن نستطيع اجتياح قطر (مبالغات). سوريا لن تُقسَّم. لا يزال يقيم في دمشق مليون ونصف مليون علوي ومليون في حماه. والعلويون في حمص اكثر عدداً من غيرهم. الوضع الحالي في سوريا غلطة ذات حجم كبير لا يُصدَّق. الطريقة الوحيدة لوقف كل ما يجري هو إبعاد الدين عن السياسة، وخصوصاً بصيغته المتشددة والتكفيرية. يُنظر الى العلويين "كمرتدّين"، ونظرة كهذه تنطوي على ا هدار دمهم. هذا هو الموقف السنّي. الشيعة مختلفون وأكثر مرونة. لا يقفلون الباب في وجه احد الا اذا ارتكب ما لا يمكن التسامح معه".

ماذا تقول المعلومات والتحليلات والمعطيات اياها عن اميركا والعمل العسكري ودور روسيا؟

======================

هل يلتقي المعلم الخطيب في موسكو؟

رأي القدس

2013-02-13

القدس العربي

بينما تنسحب الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها العرب من الازمة السورية، وتتخلى عن حماسها السابق في دعم المعارضة المسلحة خوفا على اسرائيل وامنها من الحركات الجهادية المنخرطة في اوساطها، تنشط روسيا في المقابل، وتعمل على ملء الفراغ، وتتحول تدريجيا الى قبلة للحكومة والمعارضة معا، تحت عنوان ايجاد حل سياسي للازمة السورية.

ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي اعلن يوم امس ان وزير الخارجية السوري وليد المعلم ورئيس الائتلاف السوري المعارض احمد معاذ الخطيب سيزوران موسكو في اواخر هذا الشهر في زيارتين منفصلتين.

الشيخ الخطيب التقى سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي على هامش مؤتمر امني انعقد في ميونخ الالمانية، مثلما التقى ايضا علي اكبر صالحي وزير الخارجية الايراني، وهما اللقاءان اللذان اعتبرا خرقا لكل الخطوط الحمراء التي تضعها المعارضة السورية، وكرر الشيخ الخطيب مبادرته واستعداده للحوار مع ممثلي النظام السوري للتوصل الى حل سياسي يحقن الدماء في البلاد.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة عما اذا كان السيدان المعلم والخطيب سيلتقيان وجها لوجه في موسكو مدشنين بدء المفاوضات المنتظرة، ام ان زيارتيهما لموسكو بدعوة روسية، هما تمهيد لهذه المفاوضات؟

من الواضح ان الجانبين الرسمي والمعارض في سورية توصلا الى قناعة راسخة بان حال الجمود الحالية، الناجمة عن فشلهما في حسم الامور على الارض عسكريا تحتم البحث عن طرق ومخارج وحلول اخرى، ووجدا ان موسكو هي الجهة الملائمة، او الاكثر ملاءمة في هذا المضمار.

المعارضة السورية بدأت تشعر بان اصدقاءها في الغرب قد خذلوها تماما، فلا السلاح النوعي الذي طلبته قد وصل، ولا التدخل العسكري لاسقاط النظام قد تحقق، وان جميع الوعود التي قدمتها الولايات المتحدة واوروبا في هذا المضمار قد تبخرت كليا.

الشيخ معاذ الخطيب تحدث عن هذا الخذلان بمرارة عندما اعلن استعداده للحوار مع ممثلي النظام لحقن الدماء، ووقف آلة القتل الجهنمية، وتخفيف ان لم يتم وقف معاناة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في دول الجوار، علاوة على اضعاف هذا الرقم في الداخل.

موسكو التي تقيم علاقات قوية مع النظام السوري، واستخدمت حق النقض 'الفيتو' مرتين في مجلس الامن لمنع اي تدخل خارجي لاسقاطه، قد تكون الاكثر قبولا للحكم والمعارضة في ظل نفض واشنطن يديها كليا من الملف السوري.

ومن المفارقة ان النظام السوري لا يريد التفرد الروسي في حل الازمة، ويسعى من اجل دور امريكي، وهو الذي كان يتهم واشنطن باقذع التهم بسبب دعمها للمعارضة الممثلة بالائتلاف السوري وقبله المجلس الوطني، وتقديم المال والسلاح لفصائلها من خلال حلفائها في دول خليجية.

النظام السوري يتطلع الى علاقات مع واشنطن، خاصة بعد التقاء الطرفين، السوري والامريكي، على ارضية العداء للجماعات الجهادية الاسلامية، وتنظيم جبهة النصرة على وجه الخصوص، الذي عزز وجوده بشكل ملموس في الاشهر الاخيرة في المناطق الشمالية والغربية، ونفذت عناصره عمليات مشتركة في قلب العاصمة.

الرسالة التي يريد النظام ايصالها الى واشنطن تقول انكم ادركتم الآن خطر هذه الجماعات الاسلامية المتشددة، ووضعتم جبهة النصرة على قائمة الارهاب، فتعالوا نتعاون سويا لمواجهة هذا العدو المشترك.

الشيخ معاذ الخطيب ادرك ان واشنطن تريد ان يتحول ائتلافه المعارض الى قوات صحوات تقاتل جبهة النصرة والجماعات الجهادية التي تتبنى ايديولوجية تنظيم 'القاعدة'، ولهذا عارض بشدة القرار الامريكي بوضعها على قائمة الارهاب، واطلق مبادرته من اجل الحوار مع ممثلي النظام مقابل تحقيق شروط انسانية مثل الافراج عن المعتقلين وتجديد جوازات سفر السوريين في المهجر العربي والغربي.

الحوار بين النظام السوري ومعارضيه بات وشيكا، وربما تكون موسكو الحاضنة لاولى جولاته، وسبحان مغير الاحوال!

=======================

مبادرات المعارضة وانكشاف النظام وحلفائه وأميركا

عبدالوهاب بدرخان *

الخميس ١٤ فبراير ٢٠١٣

الحياة

أعلن جون كيري، في تصريحاته الأولى بعد تولّيه الخارجية الاميركية، أن الولايات المتحدة ستطرح قريباً «مبادرة» في شأن الأزمة السورية. جاء ذلك غداة انكشاف أن البيت الابيض، أي الرئيس باراك اوباما، رفض اقتراحاً بتسليح المعارضة السورية، على رغم موافقة وزيري الخارجية والدفاع عليه، وكذلك تأييده من جانب رئيس أركان الجيوش. بل انكشف أيضاً أنه لم يكن لدى اوباما أي بديل لموازنة هذا الرفض للتسليح، أي لم تكن هناك «مبادرة» وإلا لكانت هيلاري كلينتون أو ليون بانيتا أشارا اليها أو عملا على تنفيذها. ويمكن القول إن واشنطن لا تملك أي عناصر لـ «مبادرة» وإنما تنتظرها من المعارضة. ويشي ذلك بمقدار السلبية التي تعامل بها اوباما مع قضية سورية، سلبية لا يضاهيها أو ينافسها سوى الموقف الروسي اللاأخلاقي واللاإنساني حيال الشعب السوري.

الى المبادرات، اذاً، فائتلاف المعارضة السورية أعلن أنه في صدد إعداد واحدة، وهناك فصائل معارضة اخرى استُحثت لإعداد أوراق مماثلة. وفُهم أن الولايات المتحدة وبريطانيا تفكّران بطرح مبادرة مشتركة ستكون من بين بنود المحادثات خلال زيارة كيري الأولى للندن. والهدف أن يصار الى بلورة هذه المبادرة قبل زيارة اوباما الى اسرائيل أواخر الشهر المقبل، وقبل لقائه المرتقب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ذاك أن حل الأزمة السورية سياسياً بات حديث الموائد الدولية، وابتعد كثيراً عن دمشق أو عن أي عاصمة عربية قريبة، أي كما أراده النظام السوري نفسه الذي تصرّف دائماً كما لو أن «شرعية» حكمه قامت على ما يشبه «تكليفاً» دولياً بمهادنة اسرائيل من جهة، وحماية الأقليات من جهة اخرى. وربما كان هذا صحيحاً، إلا أن أحداً لم يعطه أيضاً حصانةً في حال أقدم على هذا العنف العاري والقتل الوحشي لأبناء الشعب.

روسيا وإسرائيل هما المحطتان المقبلتان. هناك أولوية الآن لتحسين العلاقة مع موسكو، ومع اليمين الاسرائيلي، قبل أن تبدأ واشنطن التحرك في الملفين السوري والفلسطيني، وليس مؤكداً أنها ستحصل على هذا التمكين الذي تتوخّاه. انها منهجية عجيبة تلك التي تدير التفكير في العقل الأوبامي، ولا شيء يضمن أنه عازمٌ على مغادرة السلبية، لكنه يريد المحاولة، خصوصاً أن اميركا (وإسرائيل) حصلتا على ما تمنتاه - وأكثر - في سورية. والدليل في هذا الدمار الكبير للعمران والاقتصاد والاجتماع، الذي يواصل النظام مفاقمته كل يوم. دمارٌ كأنه أيضاً «تكليف دولي» آخر، ولا يحتاج الى أي برهان أو تنبيه الى أنه يحكم مسبقاً على أي دولة مقبلة بالعجز والفشل والتخبّط.

أصبح الحل السياسي داهماً، ليس رغبة دولية في وقف نزيف الدم السوري وإنما للحد من «الأخطار» التي كانت القوى الدولية ولا تزال تخشاها، اذ اكتشفت أنها تسير بأقدامها الى ما حذّرت منه. فهي لم تتمكّن من لجم «العسكرة» لأن النظام أرادها، ولم تتمكــّن مـــن استبـــاق صعود التطرف لأن النظام سعى اليه تبريراً لتطرفه، بل سعى تحديداً الى وضعه في سياق «الارهاب» الذي باتت اسرائيل تتحدّث عنه باعتبار أنه سيخلق على حدودها حالاً أكثر خطورة من تلك التي تشكو من وجودها في سيناء. لكن أسوأ ما أدركته القوى الدولية أن النظام دأب على إحباط كل حل سياسي. اذ لم تكن لديه، ولا في أي يوم، مبادرة يمكن أن تطرحها «دولة»، أو حتـــى سلطة مستبدة متمتعة بشيء من الوطنية، على شعبها، بل كانت لدى النظام دائماً آمال في أن يعيد التدويل انتاج «التكليف» السابق له، شرط أن يكون هذا التدويل كما رسمه، أي خارج مجلس الأمن ومن دون تدخل عسكري. وقد وفت له روسيا (وإيران) بما تعهّدتاه من هذا التكليف، إلا أن الجانب الغربي لم يستجب. ومع ذلك لا يزال النظام يتوقّع ويتوهّم أن يبلور تحرك اوباما صيغةً ما لمصلحته، فهذه فرصة اسرائيل لإنقاذه.

على رغم حديثه المتكرر عن «حل داخلي» أو «حل سوري» و «رفض للإملاءات»، رفض النظام مبادرة رئيــس الائتلاف المعارض معاذ الخطيب. لماذا؟ لأنه لا يبحث عن مصالحة مع الشعب، بل عن تسوية مع القــــــوى الخارجية يريدها على حساب الشعب. سُئل الخطيــــب: لماذا اشترطت إطلاق المعتقلين فقط ومنح جوازات السفر؟ أجاب: لأنهما مطلبان انسانيان لا يرفضهما إلا مَن ليس من طينة البشر. واستخدم وزير إعلام النظام صيغة اسرائيلية، اذ قال: نعم للحوار «من دون شروط مسبقة». فالنظام لا يعترف بوجود المعارضة، ولا بالخسارة البشرية الأكثر دموية في تاريــــخ سورية، بل إنه يدعو الشعب الى حوار من أجل القتل. اذا كان لمبادرة الخطيب مردود وحيد، فهو أنها أزالت كل الأوهام الدولية حول أهلية النظام للحوار والبحث عن حلول. فهو يعلم، كما الجميع، أن ثمة ثمناً لا بد من أن يبذله ليكون حلٌ سياسي، وأي حل سويّ يرتسم سيعني بالضرورة نهايته.

في أي حال، لم تبدِ المقاربة الاميركية للأزمة أي مؤشرات الى تغليب إنصاف الشعب السوري وتحقيق طموحاته على «أولويات» اخرى مثل: بلورة وفاق مع روسيا، مكافحة الجماعات المتطرفة، مصالح اسرائيل، الحد من النفوذ الايراني... هذه، مرة اخرى، منهجية مقيتة ومسكونة بذهنية «سايكس-بيكوية»، اذ يراد تركيب مستقبل بلد وشعب بناء على معالجات لمخاوف أمنية آيلة للتغيير وهواجس مشروعة لكن مضخّمة أو على ترضيات مصلحية لا تريح سوى حلفاء النظام أو أعداء الشعب... وفي ضوء ذلك، أي مبادرة يصوغها الائتلاف يمكن أن تحظى باهتمام اميركا وأذنها الصاغية، اذا لم تكن قضية الشعب أولويتها في سورية، واذا لم يكن لديها تفهّم واع لما تسميه تطرفاً ولأسباب استشرائه. لا يمكن بناء حل يرأب الصدع الذي أحدثه النظام في الكيان السوري وفقاً لـ «تصوّرات» أو اجتهادات اميركية سبق أن جُرّبت في أمكنة اخرى وفشلت.

في أي مبادرة ستسعى المعارضة الى الإقناع بأنها «بديل من النظام» يمكن الاعتماد عليه، وأن لديها خططاً تستطيع تنفيذها لإدارة البلد بعد سقوط النظام أو رحيله. وليس هناك ما يمكن اختراعه، لأن خرائط الطريق للمرحلة الانتقالية معروفة، لكن يمكن تكييف الخطط بما يتماشى مع خصوصيات الوضع السوري. فالتصوّرات موجودة لحكومة انتقالية ومؤتمر وطني عام وجمعية تأسيسية، والبرامج المدروسة للعمل على الدستور وتحديد المهمات العاجلة والشروع في تفعيل العدالة الانتقالية كلها شبه جاهزة، وكان يمكن رسم ملامح أكثر وضوحاً لها لو أتيح للمعارضة أن تكون على الأرض السورية. اكثر من ذلك، تبدو المعارضة مُطالبة بأن تعطي اجابات وافية عن أسئلة لم تكن تتصورها، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة هيكلة الجيش وأجهزة الأمن، لكن الكوادر المنشقّة قادرة على إعداد ما يُطلب منها. ثمة أمر واحد يشقّ على الجميع وهو أن ينزلقوا الى تفكير يمكن أن يؤدي الى نهج «المحاصصة الطائفية»، فهو ضد اقتناعاتهم ومنطلقاتهم. لكن دوائر معنية هنا وهناك سبق أن انخرطت، منذ أيام مهمة كوفي انان، في تشكيل حكومات وفقاً لصيغ تأخذ بالنسب الطائفية، أو بما يطمئن الغالبية والأقليات في آن، أو على الأقل بما يمرّر بدايات المرحلة الانتقالية من دون مضاعفات أمنية وثأرية... على رغم كل شيء، من واجب المعارضة أن يكون لها مشروعها، وهي تفكر في حل لسورية ومن أجلها، لكن اميركا وروسيا وإسرائيل والنظام لا تزال في قوقعة التفكير في حل يريحها من مفاجآت شعب أذهل نفسه قبل أن يذهل الآخرين.

=======================

حزب الله يعزز قوته بضباط علويين بعد سقوط الأسد!

هدى الحسيني

الشرق الاوسط

14-2-2013

مع تمزق سوريا المتسارع والحتمي الاتجاه، يبرز يوميا الدور المتصاعد لإيران كي تكسب على كل الجبهات وتهرب إلى الأمام من مشكلاتها الداخلية.

في الداخل الإيراني، تتفاقم الصراعات قبل موعد الانتخابات الرئاسية. صف المحافظين المتشددين منقسم على بعضه. المجموعة التي تحتمي بالمرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي «تقاتل» ما تتخوف من حدوثه، وهو تدخل مجموعة الرئيس محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية وتأثيرها على النتيجة.

لم يعد العدو المباشر داخل إيران «الحركة الخضراء»، فزعماء الحركة في السجون وتمت أخيرا ملاحقة أولادهم وسجنهم.

وعلى الرغم من «مظاهر القوة» التي يبديها النظام في ردود فعله تجاه الأحداث العالمية، فإن هذا التحدي لم يستطع أن يخفي تصدعا وضعفا في تركيبة النظام نفسها. إذ إن طرفا واحدا (المحافظين) يواجه المنتمون إليه بعضهم بعضا.

يجمع هؤلاء، إضافة إلى التمسك بالبرنامج النووي، والتلاعب بإحجام الغرب عن اتخاذ موقف موحد لتخوفه من المجهول الفارسي، بعدما واجه «المجهول العربي» وصدمه، يجمعهم مصير سوريا سواء بقي الرئيس بشار الأسد أو سقط نظامه وتحولت سوريا إلى مجموعة كيانات متناحرة، إذ كما قال الدكتور بول سالم مدير مركز كارنيغي للشرق الأوسط: «سيكون من الصعب إعادة سوريا أمة واحدة». («واشنطن بوست» 10 الجاري). لهذا تعمل إيران عبر التمزق السوري على إصابة عدة عصافير بحجر واحد. من جهة تدعم النظام بجيشه النظامي وجيشه الشعبي، وتتهيأ لدعم كيان علوي مكون من المقاطعات السورية المحاذية للبنان، والذي سيشمل مرفأ كبيرا هو مرفأ اللاذقية، إذ عبره تضمن استمرار الإمدادات لحزب الله في لبنان.

لكن في الوقت نفسه تعمل على أن يصبح لبنان كله تحت سيطرتها. لأنه إذا بقي النظام السوري فإن وضعه لن يكون صحيا أو مضمونا، وإذا سقط وعجزت عن مساعدة العلويين على إقامة دولتهم، يبقى «موطئ القدم» لها على البحر المتوسط قائما وحيويا.

لهذا، وحسب مصادر موثوقة بدأ حزب الله منذ الشهر الماضي يعرض على الضباط العلويين في الجيش السوري اللجوء إلى لبنان.

كان الهدف من العرض، من جهة، تهدئة القلق المتزايد لدى الكثير من الضباط العلويين من احتمال محاكمتهم كمجرمي حرب، أو التعرض إلى تصفية دموية، لاقتناعهم بأن النظام سيسقط طال الوقت أو قصر.

وكان العرض من جهة أخرى يهدف إلى تعزيز صفوف مقاتلي الحزب بضباط علويين مخضرمين يتمتعون بخبرة قتالية فائقة.

يقود هذا التحرك من وراء الكواليس أحد المساعدين الأمنيين للأمين العام لحزب الله، عبر عناصر من الحزب تدعم مواجهة النظام للمعارضة المسلحة داخل سوريا.

الشهر الماضي طلب أمين عام الحزب من مساعده الأمني إبلاغ عناصر الحزب الذين يعملون وينسقون مع الضباط السوريين، بأن يعرض عليهم «صفقة شاملة» يستفيد منها الطرفان في اليوم الذي سيلي سقوط الأسد.

تم تحضير العرض، بعد رسائل وإشارات تلقاها مسؤولو الحزب من عناصرهم العسكريين في الميدان، يلمحون فيها إلى القلق المتزايد لدى الضباط العلويين.

عناصر حزب الله المحوَّلون إلى سوريا، ويقدمون التدريب والمساعدة للقوات الموالية للأسد، هم على اتصال مع مختلف الوحدات العسكرية بما فيها الحرس الجمهوري. العرض الذي وضع كجزء من استعدادات حزب الله، لما بعد سقوط الأسد، هدفه ضمان استمرار قوة الحزب سياسيا وعسكريا في لبنان.

والسبب، أنه في ضوء احتمال أن تتوحد المعارضة في لبنان وبمساعدة المجتمع الدولي ودعمه، ستحاول تقويض قوة الحزب في الوقت الذي يكون قد فقد دعم سوريا الاستراتيجي.

ووفقا للصفقة، يُمنح الضباط السوريون وعائلاتهم حق اللجوء في لبنان مقابل أن يقوموا بتقديم خدماتهم الاستشارية لوحدات الحزب في مجالات الهندسة، والحرب البرية والصواريخ والدفاع الجوي والمساعدة في التدريب على الأسلحة المختلفة التي تم نقلها العام الماضي من سوريا إلى مراكز الحزب في لبنان.

في الأسابيع الماضية، وبالفعل وصل سرا إلى بيروت عدد من الضباط السوريين وبحثوا الصفقة مع عناصر التنسيق في الحزب.

أوضح الحزب أنه وعلى نفقته الخاصة، قادر على أن يوفر لهم شققا واسعة في العاصمة اللبنانية ويدفع لهم رواتب تعادل ما يكسبونه حاليا في سوريا وفقا لرتبهم.

مصالح حزب الله تتركز على الضباط السوريين الذين لديهم دراية تامة في أنظمة الأسلحة المتطورة وبالذات الروسية الصنع مثل الصواريخ البعيدة المدى، والصواريخ المضادة للطائرات، ويركز الحزب أيضا على ضباط من وحدات العمليات الخاصة.

تحرك حزب الله تم بعد التنسيق مع «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، والفيلق مسؤول عن تدريب قوات الحزب في لبنان وفي إيران.

ومنذ اندلاع القتال في سوريا قبل 23 شهرا، انشق أكثر من ألف ضابط سوري توجهوا إما إلى تركيا أو إلى الأردن. وهناك عدة أسباب وراء هذا، تبدأ من احتمال سقوط مفاجئ لنظام الأسد، أو بسبب الإحباط من آيديولوجية حزب البعث، أو لرفضهم المشاركة في عمليات القتل الجماعي التي ترتكب ضد الآلاف من المدنيين السوريين.

تزايد هذا الاتجاه بعد الهجوم الانتحاري في 19 يوليو (تموز) 2012 الذي أدى إلى مقتل ثلاثة من كبار قادة النظام: داود راجحة، وآصف شوكت، وحسن تركماني.

المصالح المشتركة للضباط السوريين العلويين وحزب الله تشهد على الشدة التي يتوقعونها لأوضاعهم بعد سقوط الأسد.

مخاوف الضباط السوريين نابعة من نظام جديد انتقامي. أما الحزب فالقلق لديه من مواجهة المعارضة داخل لبنان عندما ترى تنامي عزلة الحزب إقليميا. في غضون ذلك، يواصل الحزب استثمار طاقاته في دعم القوات الموالية للأسد في سوريا، وفي الأشهر الأخيرة زاد من عدد مقاتليه هناك. المناطق الرئيسية لنشاط مقاتليه هي: دمشق، وحلب والمناطق المحيطة بها، والزبداني، وحمص ومنطقة القصير القريبة من الحدود اللبنانية.

نشاط الحزب على كلا الجانبين من الحدود السورية - اللبنانية، هدفه حماية مصالحه الأساسية والمستقبلية خصوصا تأمين طرق إمداداته العسكرية.

التحركات والخطط والاستعدادات قائمة على أساس «مستقبل متوقع ومحسوم» لكن، من هو الطرف القادر على أن يضمن أن المستقبل سيكون كما رسمه في منطقة مليئة بالبراكين المشتعلة؟

=======================

في تقدير الموقف : يناورون على أنفسهم .. زهير سالم*

بشار الأسد وعصابته يناورون لأنهم يريدون أن يكسبوا أكبر قدر من الوقت ليوقعوا أكبر الخسائر في الشعب السوري . المعادلة بالنسبة إليهم محسوبة على هذا النحو ؛ إن نجح مشروع القتل وكسر إرادة هذا الشعب فقد انتصرنا ، يقولون . وعندما سنعود سلطة أمر واقع سيقف كل الكبار بأبوابنا صاغرين . وسينظم الشعراء القصائد في مديحنا . وإن كانت الأخرى فسنكون قد انتقمنا لأنفسنا مسبقا وأخذنا بثأرنا مقدما. وهم على هذا الأساس غارقون في دوامة المناورة ويقدرون أنهم على كل حال رابحون..

الإيرانيون غارقون في دوامة المناورة لأنهم ما زالوا حريصين على خداع بعض الذين يحبون أن ينخدعوا . وقد كسبوا من مناورتهم حتى الآن الكثيرين وهم ما زالوا في غيهم يعمهون..

والروس يريدون أن يناوروا لأنهم يريدون أن يتبرؤوا أمام شعبهم وأمام الرأي العام العالمي من الدم الذي يسفكه وليهم بشار . فهم يؤكدون أنهم ليسوا حريصين على بشار ولكن على القانون الدولي وعلى سيادة الدولة السورية وأنهم سيبسطون البساط الأحمر ربما لأول مرة للمفاوض السوري الأول الذين يتحدثون عنه وترتسم علامات الانتصار على وجوههم ..

الأمريكيون ينخرطون في المناورة لأنهم لا يريدون أن يعترفوا أنهم خذلوا مشروع الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في سورية . وبالتالي فهم حريصون على حجز مقعدهم في قرار سورية المستقبل ..

والجامعة العربية حريصة على المناورة لكي لا يتحمل أمينها العام المستجد مسئولية الصمت على ذبح مائة ألف سوري أو مسئولية الاشتراك في تجميد عضوية الحكومة السورية في الجامعة العربية . بالأمس كان نبيل العربي يبرأ إلى الله ويقول في موسكو : إن الدعوة إلى الحوار بين جميع الأطراف ( لننتبه ) كانت هي جوهر المبادرة العربية ..

والأخضر الإبراهيمي يريد المناورة ليضيف إلى سجله نجمة جديدة ولا يهمه أن تكون مضرجة بدماء الشعب السوري ..

قال محاوري أو مجادلي : نحن نعلم أن الحوار لن ينبني عليه شيء ، ولن تكون له ثمرة وإنما نريد أن نحرجهم ...نريد أن نناور ..

هذه المناورات جميعا تحرج كل الذين يرفضون المناورة على حساب أعراض تنتهك ودماء تسفك ووطن يدمر ..

ما زلت فاغرا فاي أتساءل : نناور على أنفسنا ...!!!!!!!!! وعلى حساب دماء أهلينا !!!!!!

حدثت بهذا الحديث بعضهم قال : ليس لك مصلحة بأن تقول لا لمبادرة يرقص على أنغامها جميع المناورين .

(( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ )) .

لندن : 11 / ربيع الثاني / 1434

21 / 2 / 2013

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

========================

إشكاليات تنوع المكوّنات في سوريا

عمر كوش

المستقبل

16-2-2013

قبل بداية الثورة السورية، التي انطلقت في الخامس عشر من آذار/مارس 2011، وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود مديدة، ما كان من الممكن الحديث عن تنوع المجتمع السوري، ولا عن مكوناته الاثنية والدينية والمذهبية والعشائرية، ولا الخوض في نقاش عام، يتناول مسائل المواطنة والدستور والحريات وسواها، لأن السلطة الحاكمة كانت تعتبره حديثاً محرماً، ويدخل في عداد خطوطها الحمراء، مع أن المشكلة في سوريا لا تختصر في إشكاليات المكونات الدينية والاثنية، وعلاقاتها البينية، ولا في مشكلة دستورية على أهميتها، بل في إشكالية نظام سياسي بأكلمه، نهض على حالة من الاستثناء، يدعمها نهج تسلطي، يستند إلى القمع والهيمنة، وعلى مركبات توظيف مختلف الانتماءات ما قبل المدنية.

وفي ظل سيادة حالة الاستثناء، التي ضربت حياة قطاعات واسعة من السوريين، ابتعدت الدولة السورية عن صورتها المدنية، ولم يعرف السوريون فيها سوى سطوة قوانين الطوارئ والمحاكم العرفية، وتعطيل العمل بالدستور، والقفز فوق القانون من طرف الأجهزة والمتنفذين والمسؤولين وأولادهم، مع سعي قوى السلطة الدائم إلى الهيمنة على الفضاء العام للمجتمع وحراكه، فانتفى الرأي العام، وغابت أصوات قوى المجتمع الحيّة المتنوعة، مع اختفاء المؤسسات والمنظمات التي يمكنها الدفاع عن الصالح العام، وانتفاء مختلف أشكال الجسور والتوسطات ما بين الدولة وبين المجتمع.

ولعل مشكلة تنوع التكوينات الاثنية والدينية، هي من بين المشكلات التي ينبغي الاعتراف بوجودها، بغية البحث عن مخارج لحلها، ليس من منطلق النظر إليها بوصفها معطيات سياسية أو أنثروبولوجية ثابتة، بل بوصفها مشكلة قائمة، متعددة الوجوه، عمل النظام الحاكم في سوريا، طوال عقود عديدة، على استغلالها وتجييرها لأهدافه السياسية، سواء من جهة ضرب هذه المكونات، أم بالاستناد إلى جهة بعينها، وجعلها رهينة بين يديه، أو من جهة تخويف المكونات من بعضها البعض، وخاصة عند استغلاله المكونات الأقلية لضرب المكون الأكثري وتهميش غالبية ناسه. ونتج عن ذلك الممارسات نزع صفة المواطنة عن جملة الأفراد وتحويلهم إلى رعايا، ينتظرون عطاء الحاكم، وتحويلهم إلى أبناء أقليات، وإلى أقلويين، والنظر إلى سوريا بوصفها تجمع أقليات تابعة أو خاضعة وأقليات يجب ترويضها وإخضاعها، بغية إدامة النظام السلطوي.

وحين بدأت الثورة السورية حراكاً احتجاجياً سلمياً في الخامس عشر من شهر آذار / مارس 2011، لجأ النظام الحاكم منذ البداية إلى شن حرب شاملة على المحتجين وعلى البيئة الحاضنة له، الأمر الذي أعلن عن تغيرات في مسار الثورة، وتغاير مركبات ومكوناتها، بوصفها حدثاً تاريخياً، لم يشهد تاريخ سوريا مثيلاً له، ولن يتوقف عند حدود التغيير السياسي فقط، بل ستكون له تأثيرات وامتدادات، تطاول إعادة بناء الدولة، وولادة شعب جديد وهوية وطنية سورية جديدة.

ونشأت أزمة وطنية عامة، عمقتها طريقة تعاطي النظام مع الثورة وناسها، وهي أزمة تضرب جذورها في ممارسات عقود عديدة خلت، أفضت إلى تآكل قيم العيش المشترك والتعاقد الاجتماعي، ثم كثر الحديث عن الأقليات في سوريا، في أيامنا هذه، وعن مخاوفها من الثورة، ومن حالة الفوضى المحتملة بعد سقوط النظام، وترافق بالتخوف من حدوث فراغ وعمليات انتقام ضد الأقليات، وسوى ذلك من التخوفات والتهويمات والمبالغات بشأن التركيبة السورية. والتي يريد بعضهم من ورائها، تصوير النظام الأسدي وكأنه حامي حمى الأقليات.

ويشير واقع الحال، أنه لم تكن في سوريا مشكلة أقليات وأكثرية، لولا تواتر حالات التمييز القومي أو الطائفي من قبل السلطة، التي وظفت الطائفية في أبشع صورها، بالتزامن مع خطاب إنكار للطوائف والاثنيات، ومتجاوزٍ لها، وذلك لضمان ولاء الطائفة العلوية، والأقليات الأخرى، على حساب الرابطة الوطنية والسياسية، ومعايير الكفاءة والنزاهة، واستجرار وتشجيع ردود فعل مختلف الولاءات ما قبل المدنية. مع العلم أن هنالك مراحل من تاريخ سوريا الحديث، لعب خلالها سوريون، من مختلف المكونات القومية والدينية، دورا متكاملاً في بناء دولتهم وتاريخها الحديث، وشكلت عندهم قيم المواطنة والمساواة قاسماً مشتركاً، وغلبت انتماءاتهم إلى الأحزاب الحداثية على أي انتماء.

وقد مارست السلطة الحاكمة في سوريا نهجاً، ينهض على الاستبعاد في شتى درجاته، حيال الأفراد والتكوينات الاجتماعية، ودفعت بهم إلى خارج المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، مقابل الدفع بتكوينات اجتماعية أخرى إلى مراكز متقدمة من التحكم بمقدرات الدولة والمجتمع. وارتبط كل ذلك بجملة من العوامل المذهبية الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، على خليفة إثارة الصراع بين مختلف مكونات التنوع في سوريا، وخلق علاقات قوة جديدة، أبعدت المكونات المدينية مقابل استقدام المكونات الريفية، وإعادة توطين أفكار الصراع على مصادر القوة بين الأقلية والمجتمع، ودفع المستبعدين إلى الاحتماء بمختلف التكوينات ما قبل المدنية.

ولا شك في إن أحد أهم التحديات المطروحة على سوريا ما بعد النظام الأسدي، هي إدارة التنوع والاختلاف، بما يفضي إلى بناء "دولة وطنية" سورية قائمة على عقد اجتماعي جديد، ينهض على المواطنة والتعددية والديمقراطية، ويفتح صيرورة لاندماج اجتماعي، ولصيرورة خلق شعب سوري، يحمل هوية وطنية سورية جامعة.

والمدخل الصحيح لمعالجة إشكاليات التنوع والاختلاف في سوريا هو سلامة المعالجة ودقتها، التي تتوقف على معالجة إشكاليات مختلف التكوينات الاجتماعية، ضمن عقد اجتماعي ديد، ينهض على المواطنة المتساوية، ويستند إلى الخصوصية السورية في غلبة مسار الانصهار الوطني، ومواجهة نوازع التفرقة والتمييز، حيث أن المجتمع السوري لا يملك رصيداً من الأحقاد والمواجهات بين مكوناته، إضافة إلى أن درجة الوعي الشعبي العام للسوريين، والتفافهم حول مهام وقضايا وطنية واسعة، ترك أثاره الإيجابية على تضامنهم ووحدتهم واندماجهم، وساعد في تمكين بناء دولة وطنية نأت عن المحاصصة السياسية الطائفية، وبالتالي من المهم الاستناد إليها وتقويتها في مواجهة البنى العصبوية التقليدية، وعدم إتاحة إمكانية تبلورها في مشروع سياسي خاص.

 

====================

بحثاً عن الإسلام الحضاري في سوريا “1”

تأتي الحاجة إلى إعداد ميثاق شرف يُقدَّم إلى العاملين للإسلام في سوريا،يتناول القواعد الأساسية التي يمكن أن تستوعبهم جميعًا،أوتستوعب أكبرعدد منهم.

د. وائل مرزا

الأحد 17/02/2013

المدينة

بحثاً عن الإسلام الحضاري في سوريا “1”

تسري في سوريا اليوم يقظةُ إسلامية كبرى،وهي ظاهرةٌ إيجابيةٌ مباركةٌ في مجملها، تدل على وعي شرائح كبرى من السوريين،وإفاقةالمجتمع من غفلته،وإحساسه بذاته الحضارية،واعتزازه بدينه،وسعيه للخروج من التخلف،والتحررمن التبعية الفكرية والحياتية.وعلى إدراكهم بأن الإسلام ثورةٌ على معاني الجمود والاستنقاع والتقليد، وسبيلٌ لكسر قيود الذل والهوان، وطريقٌ لبناء مجتمع الحرية والكرامة.

تأتي هذه اليقظة وليدة عوامل عديدة تتعلق بما تعلّمه الشعب السوري من دروسٍ في ثورته.وهي قبل ذلك تعبيرٌعفوي فطري أصيل يدل على رغبة الشعب في العودة إلى جوهر ثقافته،وبرهان ساطع على أن هذا الدين محفوظ برعاية الله، وعلى أنه مغروسٌ في أعماق الفطرة الإنسانية دافعاً للحياة ومحركاً لإقامة الدول والحضارات.

وحتى تكتمل الصورة،فإنه لابد من التأكيد على أن هذه اليقظة تأتي محفوفة بكثير من المشكلات التي قد تؤذيها،وتعرقل حركتها.وذلك حين تراها تنقسم فرقاً وشيعاً. يخالف بعضُها الآخر،وربما يعاديه،ويكيد له.فتنشأ الفتن،وتكثرالعداوات،وتشيع الفرقة،حتى بات بعض الناس يرى أن الخلاف بين هذه التشكيلات حقيقةٌ صارخة، ومرضٌ مزمنٌ،وداءٌعضالٌ،لايكاد ينجومنه إلامَنْ رَحِمَ ربي.

يضاف إلى ذلك أن بعض الجهود المخلصة ينقصها الصواب،فتُنفَق حيث لا تدعوالحاجة،وربما اختارت المفضول الممنوع مع وجود الأفضل المتاح،بل ربما أنفقت فيما يضرُّ ويؤذي.

يضاف إلى ذلك أيضًا أن كثيراً من العاملين تغلب عليهم البساطة والطيبة،اللتان تصلان أحياناً إلى درجة الغفلة.الأمرالذي يسهِّل اختراقهم وتوريطهم من قبل أصحاب النيات السيئة والأجندات المشبوهة.فيدفعونهم إلى ممارساتٍ غير محسوبة،ومغامرات مهلكة،تؤذيهم وتؤذي البلاد والعباد،وُتكرِّه الناس فيهم،بل ربما كرَّهتهم بالإسلام نفسه،وخوَّفتهم منه.

ولعل أكبرميدان يمكن أن تظهر فيه المشكلة هوالميدان السياسي والعسكري،فقد كانت لهم في هذا الميدان جهود وتضحيات،لكن المحظور أن يكونوا هم أول الضحايا،بعد أن يكونوا قد دفعوا ثمنًا فادحًا،كما دفعت البلاد والعباد ثمنًا باهظًا أيضًا،وهوالأخطر والأفظع.

ولاريب أن مثل هذه الظاهرة لايمكن أن تُعْزَى إلى سببٍ وحيد،فلابد من إرجاعها إلى مجموعة معقدة متداخلة من الأسباب المختلفة،منها المباشرومنهاغيرالمباشر،ومنهاالسذاجة والغفلة،ومنهاالعجلة والارتجال،ومنها سهولةالاختراق والتوريط،ومنها الجهل بسنن الله وقوانينه،ومنها المطامع والأهواء التي تلبس لبوسًا دينيًا وأصحابُها طلاب مغانم ورئاسة وثارات،ومنها ما يتعلق بقدرة الناس على الفهم والاستيعاب،ومنها مايتعلق بطبيعة المرحلة التي تمربها البلاد،وهي مرحلة خطرة حرجة لها مضاعفاتها وانعكاساتهاالسلبيةعلى شتى المجالات.

وإذاكان الأمركذلك من حيث تشخيص هذه الظاهرة الخطيرة،وجب علينا أن نقرر بأن العلاج لايمكن أن يكون بتقديم حلٍّ وحيد،بل لابد من مجموعة متكاملة من الحلول التي يسند بعضها بعضًا،ويقوِّي كلٌّ منها أخاه.

ولعل الحل الذي ينال المرتبة الأولى من بين هذه الحلول،ويجعل له أهميةخاصة،هوتصحيح القواعد العامة للعاملين من الإسلاميين في سوريا.ذلك أن القواعد تحكم إلى حد كبيرالتصورَالعام للإنسان،وطرائق المحاكمة والتفكيرعنده،وأسباب العمل والممارسة فيما يفعل. ومن المعروف والبدهي بين الناس أن التصورالخاطئ يقود إلى سلوك خاطئ،وأن التصورالصحيح يقود إلى سلوك صحيح.

وابتداءً فإنه ليس من أحدٍ يدعي أن مجرد تصحيح القواعد سوف يقضي على هذه الظاهرة،ولكن يمكن القول:إنه سوف يخفف منها إلى حد كبير.

إن هذه اليقظة في حاجةٍ ماسةٍ إلى تسديدٍ،وتقويٍم،ونصحٍ ومراجعةٍ،لكونهاعملاًبشريًا فيه الصواب،وفيه الخطأ.

وإذا كانت هذه اليقظة مهددة من خارجها،فإنها مهددة من داخلها أيضًا،وقد يكون التهديد الداخلي أخطر من التهديد الخارجي،وأشد فتكًا.

وإذاكان التهديد الخارجي يأتي من المتربصين بالخط الإسلامي بشتى أنواعهم،كيداً منهم أو جهلاً، فإن التهديد الداخلي يأتي من داخل أهل اليقظة نفسها،من فهٍم خاطئ،أوحماسٍ غير مدروس،أونزعةٍ نفسيةٍ مشوهة،أوعجلةٍ لاتتفق مع طبائع الأشياء،أومثاليةٍ لاتدرك مقتضيات الواقعية،وما إلى ذلك.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعداد ميثاق شرف يُقدَّم إلى العاملين للإسلام في سوريا،يتناول القواعد الأساسية التي يمكن أن تستوعبهم جميعًا،أوتستوعب أكبرعدد منهم.ويرسم هذا الميثاق أبعادَ قاعدةعريضةٍ مشتركةٍ تتسع لجميع العقلاء والغيورين،وتسمح بمقدارٍمن التنوع ضمن الإطارالمشترك،لأن الناس لايمكن أن يكونوا نسخًا متكررة متشابهة في كل شيء،وهوما يمكن أن يطلق عليه شعار «التنوع ضمن إطارالوحدة».

ومن أهداف مثل هذا الميثاق إشاعة روح المحبة والثقة بين العاملين،والتقريب بينهم نفسياً وعملياً،وتقليل مساحة الخلاف والخطأ،وزيادة مساحة الوفاق والصواب،وتشجيع روح النقد البناء،وتوسيع آفاق النظر والتفكير،واستشراف آفاق الابتكاروالتجديد،والتعاون في المتفق عليه،والتغافرفي المختلف فيه، وتكامل الأدوار،والخروج من دائرة العطالة إلى دائرة الفاعلية.

والواجب أن يطمح مثل هذا الميثاق إلى أن يكون»ورقةعمل»مستمدة من أصول الإسلام ومقاصده الكبرى،بعيدًاعن الإفراط والتفريط،ممثلاً للوسطية والاعتدال،لايحمل صبغةحزب معين،أوتكتل خاص،أوجماعة محددة،أومدرسة دعوية،أواجتهاد فقهي،أوولاء إقليمي،ولايروج لواحدة من هذه الجهات ولاينتقص من سواها.

كمايجب أن يطمح لأن يكون دستورًا فكريًا أخلاقيًا تربويًا عمليًا للدعاة،وحلف فضولٍ يعتمدونه ويقرونه،وإضافة نوعية لانمطية تأخذ مكانها إلى جوانب مثيلاتها من الإضافات الجادة. فماهي ملامح هذا الميثاق؟ هذا ماسيكون موضوع مقال قادمٍ، وربما أكثر.

=======================

إذا خسرنا سوريا نخسر طهران!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

17-2-2013

أفضل توصيف لعلاقة إيران بسوريا، وحجم خسارة طهران من سقوط طاغية دمشق، لخصه أحد رجال الدين الإيرانيين، مهدي طائب، المسؤول عن مكافحة الحرب الناعمة الموجهة ضد إيران، حيث يقول: «لو خسرنا سوريا لا يمكن أن نحتفظ بطهران.. ولكن لو خسرنا إقليم خوزستان الأهواز سنستعيده ما دمنا نحتفظ بسوريا».

ولم يكتف طائب بذلك، بل إنه قال إن «سوريا هي المحافظة الـ35، وتعد محافظة استراتيجية بالنسبة لنا. فإذا هاجمنا العدو بغية احتلال سوريا أو خوزستان، فالأولى بنا أن نحتفظ بسوريا». فهل بعد هذه التصريحات يمكن القول بأن ما يحدث في سوريا هو حرب طائفية بالوكالة، أو أن الثورة السورية هي ثورة متطرفين؟ الحق أنها ثورة شعب يريد التحرر والتخلص من براثن الاحتلال الإيراني لسوريا طوال حكم الأسد الأب والابن، كما أن هذا التصريح الفج الذي يبدو أنه صدر تحت هول مفاجأة ما يحدث على الأرض في سوريا يظهر ورطة المشروع الإيراني في المنطقة، وليس في سوريا وحدها. فسقوط الأسد يعد أكبر، وأقسى، ضربة ستوجه للمشروع الإيراني، ومفهوم تصدير الثورة الخمينية، كما أن سقوط الأسد يعني أن متطرفي إيران سيكونون أمام استحقاقات داخلية طالما تهربوا منها.

المذهل في تصريحات طائب أنها لم تقف عند حد توصيف أهمية سوريا لبلاده، بل إنه ذهب لأبعد من ذلك، حيث تحدث صراحة عن قوة من ستين ألف مقاتل تشرف عليها إيران في سوريا، حيث يقول إن «النظام السوري يمتلك جيشا، لكنه يفتقر إلى إمكانية إدارة الحرب في المدن السورية، لهذا اقترحت الحكومة الإيرانية تكوين قوات تعبئة لحرب المدن، قوامها 60 ألف عنصر من القوات المقاتلة، لتتسلم مهمة حرب الشوارع من الجيش السوري». وهذا العدد يفوق ما كشف عنه مؤخرا عن عدد قوات المقاتلين الذين تشرف عليهم إيران في سوريا وقيل إنه خمسون ألف مقاتل، وبالتالي فإن تصريحات طائب لا تكشف عن أهمية سوريا لإيران بقدر ما أنها تكشف حجم تورطها في الدم السوري، كما أنها تقول لنا أمرا خطيرا وهو أنه في حال لم يتم التعاطي مع الملف السوري بجدية، وبجهد دولي، فإن هناك من سيتصدى لهذا التدخل الإيراني، مما يعني مزيدا من التطرف، والقتال الطائفي، وهذا أمر خطر على المنطقة ككل.

التصريحات الإيرانية هذه وغيرها يجب ألا تقود للتفكير في ضرورة إعطاء إيران دورا ما في سوريا، بل يجب أن تقود إلى تحرك دولي لإسقاط الأسد، الساقط لا محالة، وضرب المشروع الإيراني التمددي في المنطقة، ولا مبالغة إذا قيل إن سقوط الأسد سيكون بمثابة أول خطوة جادة لإيقاف مشروع إيران النووي. وعليه فإن سقوط الأسد لا يعني بالضرورة سقوط إيران، وإنما يعني عودة الملالي إلى حدودهم الطبيعية بطهران، وهذا هو المطلوب، فحينها سيكون أمام متطرفي إيران فواتير واجب سدادها في الشأن الداخلي، وتلك قصتهم هم لا قصة منطقتنا المنكوبة بسبب إيران وتدخلاتها، وطابورها الخامس المنتشر رجاله بيننا، والذين سيصمتون كالعادة ولن يقولوا كلمة تجاه تصريحات مهدي طائب عن سوريا.

=======================

استعصاء الحل السوري

فايز سارة

الشرق الاوسط

17-2-2013

ثمة ما يشبه الإجماع، على أن الأزمة السورية تذهب إلى الأعمق، والأكثر اتساعا في تطوراتها كما في تداعياتها، عشية انتهاء العام الثاني من ثورة السوريين، ويستند الإجماع في رؤيته العامة، ليس فقط إلى المعطيات المتوفرة بما فيها من أرقام ووقائع عن الدمار الذي لحق بالسوريين؛ بشرا وممتلكات ومصادر عيش، إنما في تزايد حجم الدمار المادي الذي عم البلاد، وقد صارت تداعياته تهدد حياة الأكثرية بما فيها من صعوبات العيش؛ بسبب افتقاد الأمن والغلاء، وفقد المواد الأساسية الغذائية والدوائية، وخراب البنى التحتية ودمارها، وهي معطيات تفسر تواصل عمليات هجرة آلاف السوريين للخارج يوميا في أوسع عملية نزوح شهدتها البلاد في تاريخها الحديث.

ومما يزيد دلالة سوء المعطيات السابقة، استمرار السلطات السورية في الحل الأمني العسكري الذي اختارته لمعالجة الأزمة، حيث تتواصل عملياتها، وخصوصا عمليات القصف الجوي والمدفعي، التي لا هدف لها سوى مزيد من القتل والتدمير، وهي عمليات تجد صداها في مبادرات وعمليات مقابلة، تقوم بها قوات المعارضة المسلحة من الجيش الحر والقوى الأخرى، ويؤشر الوضع الميداني إلى توسع مرتقب للصراع بين الجانبين على أمل حسم أحدهما الصراع مع الآخر لصالحه، ويتفق معظم الخبراء على استحالة الحسم العسكري، ما لم تحدث تطورات دراماتيكية في المعطيات الراهنة للقوة القائمة على الأرض من جهة، وفي المساندة السياسية الحاسمة لإحدى القوتين إقليميا ودوليا.

وإذا كان الوضع الميداني واحتمالات تطوره يرسمان حدود التردي السوري في مستواه الداخلي، فإنهما يفتحان بوابة نحو ما يفرضه التردي على الصعيد الخارجي من تداعيات ومشاكل في العلاقة مع دول الجوار وبالدول الأبعد منها، حيث يؤدي في الأولى إلى مشاكل كثيرة، أخذت مؤشراتها في الظهور، كما في تحرك الملف الكردي في تركيا، ومثله ملف التجارة البرية لتركيا مع دول المشرق العربي والخليج عبر البوابة السورية، ومثل ذلك ملف العلاقات الطائفية والدينية في لبنان، ومنه علاقات السنة والشيعة هناك، وهو وضع يقارب الوضع في العراق، وفي كل الحالات فإن بلدان الجوار السوري باتت تعاني من مشكلة اللاجئين السوريين، ولا يبدو أن ثمة قدرة عندها لتلبية احتياجاتهم، وقد لا تكون لدى بعض الدول قدرة على تحمل المشكلة.

إن التأثير المتزايد للتداعيات الداخلية – الخارجية للأزمة السورية، يزيد إلى ما سبق نمو تخوفات دولية من «التشدد الإسلامي» و«الهجرة» و«الإرهاب»، إضافة إلى تداعيات من طبيعة استراتيجية على الجوار والأبعد منه، تبدأ من عدم الاستقرار في شرق المتوسط، وحروب في المنطقة، وصولا إلى جوارها، مما يمكن أن يتسبب في تقسيم كيانات في المنطقة، وإعادة رسم خريطتها، كما يمكن أن يسبب اختلال الاستقرار النفطي فيها عبر حدوث تغييرات تصيب الأسعار ومستويات الإنتاج، وصولا إلى إلحاق الخطر بعمليات إنتاج النفط بما يمثله من عصب في الاقتصادات المحلية لدول المنطقة، وفي الاقتصادات الإقليمية والدولية.

واستعصاء حل الأزمة في سوريا نتيجة إصرار النظام على حل عسكري ورفض الحل سياسي، أدى إلى تزايد المخاوف، وهو ما يفسر الموجة الجديدة من جهود جاءت في إطارها مبادرة رئيس الائتلاف السوري المعارض معاذ الخطيب، بالقبول المشروط للحوار مع النظام، على قاعدة حل سياسي، ومن ذلك إعلان وزير الخارجية الأميركي سعيه بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة والمبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي للعمل على «تغيير حسابات الأسد»؛ بهدف «وقف سفك الدماء وإطلاق عملية انتقال سياسي نحو مستقبل ديمقراطي» في سوريا، التي تعيش وضعا إنسانيا مأساويا. وقد تجاوزت المساعي الروسية ما سبق بالتحرك على أكثر من صعيد، مما يوحي بأن ثمة تغييرات ولو طفيفة في موقف موسكو، حيث دعت إلى توسيع مجموعة العمل الخاصة بسوريا بضم عدد من الدول إلى عضويتها للمشاركة في معالجة أزمة سوريا، التي تتردى أوضاعها، ويتواصل الدمار فيها، وهو أمر لن يتوقف ضمن حدودها، وذهبت موسكو في خطواتها إلى إعلان أنها سوف تستقبل قريبا وزير الخارجية السوري وليد المعلم، كما تستقبل رئيس الائتلاف معاذ الخطيب، ووفودا من جماعات معارضة سورية أخرى، في خطوة تؤكد وجود تحول محدود في الموقف من الأزمة السورية، وفي إطار السعي لحلها وفق خطة جنيف، وسط تأكيدات موسكو دعمها لجهود المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي.

وثمة تطور جديد في سياق المساعي الدولية لعلاج الأزمة السورية، يمثله «مقترح اتفاق السلام السوري» الذي طرح مؤخرا، حيث يجمع بين النظام والمعارضة في مرحلة انتقالية تتم بدعم دولي بقرار من مجلس الأمن تحت الفصل السادس، وينطلق المقترح من ثوابت سياسية للتغيير متوافق عليها، ويضع خطوات إجرائية تدفع البلاد للخروج من الأزمة على مراحل، بدءا من وقف إطلاق النار وعودة الجيش إلى مواقعه وإطلاق المعتقلين.

المشكلة التي تواجه الجهود جميعها ما زالت في مواقف السلطات السورية، التي ترفض التغيير، وإذا وافقت على مشروع أو خطوة ما، فإنها تناور وصولا إلى إفشال ما وافقت عليه، وهو ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للقول، إن «المأساة في سوريا تتعمق أكثر من دون أي أفق لحل سياسي»، وأضاف إلى ما سبق دعوته «مجلس الأمن إلى التوحد والتكلم والتحرك بصوت واحد»، ولعله في ذلك يؤكد واحدا من خيارات مواجهة الاستعصاء السوري لحل الأزمة.

=======================

معاذ الخطيب والتفاوض على التفاوض

تاريخ النشر: الأحد 17 فبراير 2013

د. رضوان السيد

الاتحاد

تسارعت عروض التفاوض المتبادلة بين الأطراف في سوريا. فبعد خطاب للأسد قبل شهر وضع فيه للتفاوض شروطاً كثيرةً تضمنت مواصفات للمفاوضين ولمحددات التفاوض ولنتائجه المسبقة، قال معاذ الخطيب رئيس الائتلاف السوري المعارض إنه يقبل التفاوُض مع نظام الأسد بشرط اتخاذ ذاك النظام إجراءات لبناء الثقة تتمثل في إطلاق سراح السجينات، وتجديد الجوازات السورية للموجودين بالخارج! وعلى الرغم من أنّ هذه "الشروط" هي بمثابة الجبل الذي أسفر عن فأر؛ فإنّ النظام لم يأْبَه لهذا العرض السخي الذي بدا أنّ الأميركيين والروس يحبّذونه. وفي حين خاضت فصائل"المعارضة" بالخارج (ولا أقول الثورة، لأنّ المقاتلين بالداخل لم يؤيد منهم أحداً تفاوضيات الخطيب) في تكتيكات الخطيب رفضاً أو قبولاً أو ترجيحاً؛ فإنّ الرجل بدا مستميتاً للحصول على شيء من النظام (وليس من الثوار) يُكْسِبُ خطوته المفاجئة بعض الوزن. ولذا وبعد نهاية المدة التي حدَّدَها، عاد فـ"تحدّى" النظام باقتراح أن تكون الحوارات أو المفاوضات على"رحيل النظام" في المناطق المحرَّرة بشمال سوريا.

وردَّ النظام بسيارة مفخَّخة على الحدود مع تركيا تقصَّد بها وفداً من المجلس الوطني السوري، وبكلام لوزير "المصالحة الوطنية" في حكومة الأسد علي حيدر، يعرض فيه على الخطيب أن يحاوره في جنيف. في حين تبرع نائب وزير الخارجية الروسي أن يرتّب لقاءً بموسكو بين الخطيب ووليد المعلِّم وزير خارجية الأسد، واللذين يزوران روسيا الاتحادية آخِر شهر فبراير!

عندما بدأ هذا الكلام حول "التفاوض" من أجل حلٍّ سلمي قبل شهور وشهور، كان قائده المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي. ويومها، وبعد ثلاثة أشهر من المداولات والزيارات لدمشق، عبَّر الإبراهيمي عن خيبة أمله لفشل النظام في الاستجابة للحدّ الأدنى من مطالب المجتمع الدولي والمعارضة السورية. وفي كلامه أمام مجلس الأمن، بدا الإبراهيمي متبنياً لأُطروحة أو وثيقة جنيف، والتي تقول بحلٍّ سياسي تفاوُضيٍّ بين نظام الأسد والمعارضين. إنما الطريف وغير الظريف أنّ موسكو التي تكلمت دائماً عن وثيقة جنيف، باعتبارها أساساً للحلّ هي التي حالت دون الذهاب إلى مجلس الأمن، واتخاذ قرار تحت الفصل السابع بإنفاذها. وذلك لأنّ الأسد لا يقبل إنهاء العنف فوراً، وإدخال قوات سلام دولية للإشراف على وقْف القتال، والشروع في العملية السياسية المشتركة. ولذا فقد بدا الأُفق السياسي أو التفاوضي مسدوداً، إلى أن طَلَع الخطيب بمبادرته ذات الشروط المنخفضة السقف وإن رمت كرةً خفيفة الوطأة في ملعب النظام. وقد فهمْتُّها في ذلك الوقت – أي قبل أسبوعين- بأنها تحريكٌ للجو الخانق، وربما تُضرُّ بالنظام أكبر من إضرارها بالمعارضين. وبخاصة أن الولايات المتحدة وأنصار النظام السوري، أكثروا من الحديث عن قوى الإرهاب والتطرف بين فصائل الثوار بالداخل السوري!

لكنّ ظهور معاذ الخطيب بالقاهرة مع الإبراهيمي من جهة، وتجديده لدعوة الحوار بعد انقضاء المدة، واستجابة النظام والروس على حد سواء؛ كلُّ ذلك يدفع باتجاه احتمالات أُخرى، دون أن نفترض قصر النظر أو سوء الظن بالخطيب نفسه.

قبل ثلاثة أشهُر شاع لدى الأوساط الغربية والروسية على حد سواء، التوجُّهُ القائل إنّ الروس والأميركيين اتفقوا على الضغط خلال فترة تنتهي في شهر فبراير على "تهدئة" أو وسائل كبح وإرغام على التقدم باتجاه التفاوض. الروس يضغطون على النظام، ويقللون من شحنات السلاح إليه. والأميركيون يضغطون على داعمي الثوار لقبول التفاوض، من طريق تأخير الدعم للحكومة المؤقتة، وعدم إرسال السلاح، وبخاصة المضادّ للدروع والطيران. أما وقد شارفت هذه المدة على الانقضاء، فقد تعمَّد الروس الإعلان عن تتابُع إرسال السلاح الثقيل للنظام؛ في حين لا يزال الغربيون يُعارضون دعم الثوار بوسائل الدفاع عن النفس. وهذا الأمر ذكره الأمير سعود الفيصل في مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية النمساوي بالرياض قبل خمسة أيام. فقد قال الفيصل إنّ على المجتمع الدولي اتخاذ قرار حازم بإنهاء العنف في سوريا، أو تمكين الشعب السوري من الدفاع عن نفسه في وجه النظام القاتل. وهذا كلُّهُ يعني أنّ فترة التهادُن الدولي الضاغط قد انتهت من دون نتيجة، في حين ما تلقّى الثوار الدعم المطلوب منذ عام، وازدادت القوة النارية لدى النظام، وصار الإيرانيون إلى تشكيل قيادة مستقلة بسوريا مكوَّنة من العناصر الإيرانية، ومن فيلق القدس المكون من (إيرانيين وعراقيين)، وكتائب "حزب الله"، فالنظام يُعطى فرصة للمرة العشرين للتغلُّب على الثورة، وبعض جهات المعارضة السورية بالخارج تنوء تحت ضغوط العجز، والحاجة لإظهار الاعتدال، وقبول التفاوض مع النظام بغضّ النظر عن مدى إفادة ذلك للنظام دعائياً على الأقل، وتأثيره على معنويات المقاتلين وغيرهم من فئات الشعب المنتظر للخلاص.

بعد قُرابة العامين على اندلاع الثورة السورية، صارت كل الأمور والمواقف واضحة. فأقصى ما يمكن الوصول إليه مع الروس والصينيين هو تخفيف الدعم للنظام، دونما موافقة على قرار بمجلس الأمن بشأن سوريا. وأقصى ما يمكن الوصول إليه مع الأميركيين، هو المساعدات الإنسانية واللوجستية. وأقصى ما يمكن الوصول إليه مع دول الجامعة العربية، القرارات التي اتُخذت وما نفذها لبنان والعراق والجزائر والسودان. ويبقى الأوروبيان(الفرنسي والبريطاني)، وتركيا والسعودية وقطر والأردنّ. وما فرضت هذه الدول، ولا استبشرت بتفاوُضية مُعاذ الخطيب، ولا بعروضه وصِيَغه المتوالية. فأحمد داود أوغلو قال إنّ الحوار انقضى أوانُه. ووزير الخارجية السعودي قال بقرار دولي حازم أو مساعدة الشعب السوري للدفاع عن نفسه. والفرنسيون والبريطانيون لا يزالون يتحدثون عن رحيل النظام، وإنما الصيغة متروكة للسوريين.

إنّ الكلمة اليومَ إذن لإقدار الشعب السوري وتمكينه من الدفاع عن نفسه، وإعانته تسليحاً وغوثاً وإدارةً على إرغام الأسد وأعوانه على الرحيل. وأوضاع الثورة والثوار صعبةٌ اليوم، وأوضاع المدنيين السوريين بالداخل والخارج أصعب. لكنّ الثوار يتقدمون بشمال سوريا وشرقها. وقد يشهد هذا الشهر الذي نحن فيه اكتمال انسحاب قوات الأسد وشبيحته أو استسلامهم بالشمال والشرق. بيد أنّ الإيرانيين على الخصوص يأملون من طريق إرسال قوات من جانبهم، أن يستطيع النظام "الصمود" بمدينة حلب، باعتبارها منطقة مواجهة وتوازُن مع تركيا. وتقاتل قوات النظام بشراسة لتحافظ على نقاط تمركُز قوية بدرعا والحدود مع الأردن. لكنها ستفقد على الراجح أكثر تلك القدرات خلال شهر أو أقلّ أو أكثر. ولذا فالذي يبقى للنظام والإيرانيين: قلب دمشق، الذي لا يستطيعون التخلّي عنه من أجل" الشرعية" المفترضة، ومناطق أساسية في حمص وحماة للامتداد باتجاه وادي النصارى، والحدود اللبنانية من جهة الهرمل، والمناطق المحاذية لجبال العلويين، والساحل. وبحسب تقارير العسكريين السوريين والأجانب، فإنّ قوات الأسد منهارة المعنويات، وما عادت تأمل بالاستمرار حتى في دمشق، لكنها مستميتة في الدفاع عن المناطق العلوية وحواشيها بالجبال والساحل. ويحاول الإيرانيون زيادة الدعم المادي والعسكري لترميم هذه المعنويات. ويبلغ من طموحهم وتطميناتهم للضباط العلويين أنهم حتى إنْ سقط النظام، فيستطيعون الانفراد أو الانفصال بمناطقهم بحماية إيران. وهكذا فإنّ إيران تحاول خَلْق بؤرة توتر وانفصال جديدة بسوريا شأن ما فعلته بلبنان والعراق واليمن والبحرين وغزة.

على أنّ هذه الأحلامَ كُلَّها، ستنهار حتماً إنْ حصل الشعب السوري بالسرعة القصوى على الدعم العسكري والإغاثي الذي يمكّنه من إسقاط نظامه القاتل في الشهور المقبلة.

=======================

هل هو حقّاً انفصال عن الواقع؟

ماهر الجنيدي *

الإثنين ١٨ فبراير ٢٠١٣

الحياة

في خروج عن سياق الأخبار المقبلة من سورية، أصدر الرئيس السوري بشار الأسد في 10 شباط (فبراير) الجاري مراسيم تشريعية تضمّنت تعديلات وزاريّة لم تطاول الحقائب السيادية، كان من بعض قراراتها استحداث وزارتين جديدتين، الأولى للشؤون الاجتماعية، والثانية للعمل، فضلاً عن تعديل وزاري شمل وزارات أخرى هي الإسكان والتنمية العمرانية، والأشغال العامة، والزراعة والإصلاح الزراعي، والنفط والثروة المعدنية، والمالية.

للوهلة الأولى، تبدو هذه القرارات، وما سيأتي لاحقاً من مثلها، نموذجاً آخر عن منهج «الانفصال عن الواقع» باعتباره منهجاً نفسياً طالما مارسه النظام الحاكم في سورية، ليس في زمن الثورة وحسب، وإنما في كل ممارساته التي يحلو أن يسميها «التحديث والتطوير»، بما تضمره من توطيدٍ للاستبداد والنهب الممنهج لثروات البلاد الطبيعية والاقتصادية لمصلحة طغمة تتمفصل عضوياً مع منظومة أمنيّة محليّة إقليمية ذات امتدادات عالمية.

وإلا فما معنى هذا التغيير الوزاري، فيما التظاهرات المطالبة بسقوط النظام ورحيله لم تتوقف، وقوات الجيش الحر تتقدم على بعد كيلومترات من القصر الجمهوري، والمأساة الإنسانية تتفاقم في معظم مدن سورية وبلداتها وقراها، حتى باتت كارثة حقيقية لم تنجلِ بعد أبعادها، نظراً إلى تعذّر حصرها وقياسها؟

الواقع أن منهج «الانفصال عن الواقع» هذا الذي اتبعه النظام، والذي بات فولكلوراً مسجلاً باسم البعث بصيغته الأسدية، والمتمثل في إضفاء شعارات حضارية براقة على كل شغلٍ دؤوب يشتغله على صعيد منمنمات الاستبداد الشمولي، تكثّف بعد بدء ثورة الكرامة السوريّة، تارة في شكل إلغاء قانون الطوارئ والاستعاضة عنه بقانون تنظيم التظاهرات، وتارة في إصدار قانون للأحزاب، وتارة أخرى في تغيير الدستور والاستفتاء «الشعبي» عليه، وتارة في «عرس الديموقراطية» المتمثّل في «انتخابات» مجلس الشعب.

لكن، يتعيّن الاعتراف بأن تلك الشعارات البراقة، كانت تتمكّن – على زيفها - من مخاطبة جمهور داخلي أو إقليمي أو عالمي معين، سواء جمهور «حزب الخبز والأمان» الذي يمثل شريحة السوريين المتحسّرين الذين يرون أن سورية كانت جنّة الأمان قبل الثورة، أو قوى الابتزاز الإقليمية التي تهدد بامتداد لهيب النيران إلى خارج حدود سورية، أو قوى اليسار العالمية المناوئة للإمبريالية التي ترى في بشار الأسد ما كانت تراه مرّة في ياسر عرفات، أو – وهذا هو الأهم - دوائر صنع القرار في حكومات «المجتمع الدولي».

من هنا، يتعيّن النظر مليّاً فيما تعنيه قرارات التغيير الوزاري الأخيرة في سورية، وفي الرسائل التي ترسلها إلى فئات الجمهور المبينة أعلاه. فهي هنا تختلف اختلافاً جذرياً عن القانون الطريف الرقم 24 الذي صدر في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2012 بخصوص «الأمان الحيوي للكائنات الحية المعدّلة وراثياً ومنتجاتها»، والذي أثار موجة واسعة من التندّر. إذ يبدو أن التغيير الأساس هنا هو استحداث وزارتين جديدتين، الأولى للشؤون الاجتماعية، والثانية للعمل، وذلك بدلاً من وزارة واحدة تحمل اسم «وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل».

أما باقي التغييرات، فهي تغييرات في أشخاص يتسلمون حقائب وزارية، في وزارات قائمة، تتصل اتصالاً متفاوت الأهمية بالشؤون الاجتماعية وبقضايا العمل.

الحقيقة الأولى التي لا ينبغي نسيانها أن مسألتي الشؤون الاجتماعية، والعمل، باتتا تحتلان الأولوية الأولى لدى مستوعبات الفكر، ومراكز البحوث الإقليمية والعالمية، عند معالجتها «ظاهرة» الربيع العربي في بلاد تضمّ اليوم أكثر من 100 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، هي أعلى نسبة للشباب في تاريخ المنطقة؛ وتعاني فضلاً عن ذلك من أعلى نسبة بطالة بين الشباب في العالم، تصل بعض تقديراتها الرسمية المتفائلة إلى 25 في المئة. وهي متفائلة، لأنها تستخدم أدوات تقدير لا تتشابه مع الأدوات القياسية التي تستخدمها إحصائيات الدول المتقدّمة. والحقيقة الثانية هي أنّ مسألة البطالة، كقضية اجتماعية قابلة للتفجّر، باتت هاجساً يرخي ظلاله القاتمة على راسمي السياسات في مختلف الدول العربية، وينوء بثقله كذلك على كاهل صانعي القرارات في الدول المهمومة بشؤون الربيع العربي، الذين يسعون معاً على قدم وساق، عبر استنفار المؤتمرات والدراسات والموائد المستديرة، إلى الإسراع في استخلاص الدروس واستنباط الحلول التي تساعدهم على «تجفيف» ما يرونه منابع الربيع.

من هنا، يغدو من السذاجة اعتبار المراسيم الأخيرة مجرد «انفصال عن الواقع»، أو محض «تعديل وزاري محدود تحت ضغط الأزمة الاقتصادية»، خصوصاً إذا ما أتبعها النظام بمجموعة من الدراسات والتحليلات والرؤى ليستخدمها كأدوات في إقناع أولئك المهجوسين بالربيع العربي أنّ لديه خطّة ما لمعالجة المشكلة من أسّها في السياق السوري، على ما يكتنف هذه الهواجس من خلل يعتورها حين تعتبر الربيع العربي مسألة خلل فقط في ميزان العرض والطلب على الوظائف.

يحارب النظام السوريّ على أكثر من جبهة. وها هو، على رغم تساقط المواقع والمطارات يوماً وراء آخر في أيدي الجيش الحر، يجيد لعبة إرسال الرسائل المختلفة في أكثر من اتجاه، ويستطيع وضع تصورات للدوائر العالمية تبقيه خياراً قائماً من خيارات المرحلة المقبلة، أو على الأقل لاعباً مهماً فيها، باعتباره الأكثر جاهزيّة بمؤسساته. وهو في مراسيمه الأخيرة يوجّه إحدى رسائله إلى هؤلاء المهجوسين. وإذا كان مقدراً لهذه الثورة أن تعالج الكثير من المسائل الاستراتيجية والمصيرية حتى قبل إنجاز سقوط النظام، فإن إحدى أدواتها في ذلك هي إحباط لعبته هذه، وما قد يترتّب عليها من تقوية أوراق بقائه لفترة أطول، وسحب البساط من تحته عبر المباشرة الجدية بإنشاء مؤسسات دولة، ومراكز أبحاث، ووضع كل ما يلزم من رؤى وخطط متكاملة متماسكة لمعالجة الاستحقاقات الاجتماعية الجسيمة المقبلة، فضلاً عن الراهنة، ومن بينها الشؤون الاجتماعية وقضايا العمالة.

* كاتب سوري

=======================

دمشق أخطر من بغداد

غسان شربل

الإثنين ١٨ فبراير ٢٠١٣

الحياة

قال: «ما يجري في سورية أخطر بكثير مما جرى في بغداد قبل عقد. طبيعة الصراع مختلفة وأكثر تعقيداً والمنطقة أكثر هشاشة مما كانت عليه يوم اقتلاع نظام صدام حسين. في بغداد كانت أميركا مندفعة وحازمة. في دمشق أميركا متمهلة ومترددة وناعمة. في بغداد كانت لطهران مصلحة في سقوط صدام وكانت تستعد لقطف ثمار غيابه. في دمشق طهران منخرطة في المواجهة كأنها تدافع عن مشروعها وحدود دورها وهيبتها. المنطقة تتغير من دمشق لا من بغداد».

وتابع: «صمامات الأمان العربية غير موجودة. مصر مرسي غارقة في الاضطراب. عراق المالكي يسقط مجدداً في أزمة المكونات. سورية الأسد مسرح لمعركة ضارية هي مزيج من ثورة واقتتال داخلي ومواجهة إقليمية وعجز دولي. في ظل هذه المعطيات لا يمكن إلاّ توقع الأسوأ».

استوقفني كلام المسؤول العربي فطلبت منه أن يشرح أكثر.

قال إن أخطر ما في الوضع السوري هو العجز عن التراجع. لا تستطيع المعارضة التراجع بعد سقوط ما يقرب من مئة ألف قتيل ودمار يحتاج الى مئة بليون دولار للتغلب على آثاره. النظام أيضاً لا يستطيع التراجع بعد ما فعل. ثم إن النظام معلق بشخص بشار الأسد. لهذا، عاد الأخضر الإبراهيمي خائباً من دمشق وبمجرد اقترابه من «المنطقة المحظورة».

ورأى ان تعثر زيارة الإبراهيمي الأخيرة ضاعف قناعة خصوم الأسد في الداخل والخارج بضرورة إحداث تعديل على الأرض في موازين القوى. هذا يعني ببساطة جولة جديدة من التمويل والتسليح. دمشق في طريقها الى معركة كبرى تنجب المزيد من الضحايا والدمار وأمواج اللاجئين.

قال إن روسيا التي ذهبت بعيداً في وقوفها الى جانب النظام السوري تجد صعوبة في التراجع. ثم إن المفتاح الحقيقي موجود في طهران وليس في موسكو. إيران تتصرف وكأن سقوط النظام السوري نكبة لا خسارة. لهذا، ترمي بثقلها في النزاع الدائر. تدرك أن خروجها من سورية سيقلق حضورها في العراق ولبنان وسيهزّ صورتها في طهران نفسها. العلاقة مع سورية الأسد هي أكبر وأطول استثمار إيراني في المنطقة والأكثر كلفة. بتر الحلقة السورية من الخيط الممتد من طهران الى بيروت عبر بغداد يعني أن إيران خسرت معركة الدور. والدور أهم من القنبلة التي يمكن ان تحمي الدور الكبير والتي قد يتعذر إنتاجها.

«حزب الله» أيضاً لا يستطيع التراجع. سقوط النظام السوري يعيده لاعباً محلياً بعدما كان لاعباً إقليمياً. سقوط النظام السوري سيعني أيضاً افتقار قاموس الممانعة الى عمق عربي وفّرته سورية.

لفتني المسؤول الى ما اعتبره تطوراً بالغ الخطورة. رئيس الأركان في الثورة السورية اللواء سليم إدريس هدّد بمحاسبة «حزب الله» عاجلاً أم آجلاً. قال أيضاً إن مقاتليه سيتعاملون مع مقاتلي الحزب في منطقة حمص كمرتزقة لا كأسرى. من يلتفت الى الخريطة يدرك خطورة هذا الكلام وأن العلاقات السورية – اللبنانية ومعها العلاقات السنّية – الشيعية مرشحة لاختبار صعب في حال سقوط النظام.

قال المسؤول ان «الفصل الأصعب» من الأزمة السورية يقترب.

إذا تمكن النظام من الاستمرار على جزء من سورية، فهذا يعني الانتقال من تهديد الأنظمة الى تهديد الخرائط نفسها. سقوط النظام بالضربة القاضية سيضعنا أمام سورية غير مستقرة لسنوات. أي تجذّر لـ «القاعدة» على الأرض السورية سيكون بالغ الخطورة. كل السيناريوات تؤكد أن دمشق أخطر من بغداد.

استوقفني كلام المسؤول العربي الذي لم يفته أن يسألني عن أحداث عرسال في البقاع اللبناني.

=======================

أي نظام تريده أميركا وروسيا في دمشق؟

جورج سمعان

الإثنين ١٨ فبراير ٢٠١٣

الحياة

أن يكرر رموز المعارضة السورية المنضوون في «الائتلاف الوطني» أن باب الحل السياسي لن يفتح إلا بعد تغيير موازين القوى على الأرض يعني اعترافاً صريحاً بالعجز عن جرّ النظام إلى القبول بأي مبادرة للحل السياسي لتنظيم رحيله. وأن يتمسكوا برحيل الرئيس بشار الأسد والحلقة التي تدير المواجهة شرطاً أو موضوعاً لأي حوار يعني رفضهم الجلوس إلى الطاولة لأسباب شتى معروفة، لعل أبرزها رفض المقاتلين على الأرض أي خطوة من هذا النوع. وواضح أن ما يبدل في الميزان هو إمداد «أصدقاء سورية» المجموعات المقاتلة بالعتاد اللازم لترجيح كفتها وتهديد النظام فعلياً.

طلب إمداد المعارضة السياسية والعسكرية بأسباب القوة ليس جديداً. بل هو تعبير آخر عن مطلب «التدخل الخارجي» الذي شتت صفوف المعارضة في بداية الحراك، لكنه كان إقراراً مبكراً بأن التغيير بفعل الداخل بعيد المنال، على ما كانت عليه حال العراق الذي دخلته المعارضة على ظهر الدبابات الأميركية. وهو إقرار تكرره المعارضة يومياً عندما تلح بطلب السلاح النوعي. كان مطلبها عشية المؤتمر الأول الذي عقده «أصدقاء سورية» في تونس قبل نحو سنة تماماً... ولكن من دون جدوى. وما يجيب به «الأصدقاء» قالوه من سنة صراحة. تحدثوا عن «القاعدة» والسلفيين والجهاديين، وتحدثوا عن «اليوم التالي» لسقوط الأسد ومستقبل النظام الجديد ومصير الأقليات... وتركوا أبواب الحل السياسي مفتوحة. وهكذا وقفوا خلف المبادرات العربية حتى طويت صفحتها. ثم اكتفوا - هم وحلفاء دمشق - بالوقوف خلف كوفي أنان حتى اكتفى فاستعفى لينصرف إلى كتابة الفصل الأخير من مذكراته! وهم ينتظرون اليوم مبادرة الأخضر الإبراهيمي، وهو ينتظر تفاهمهم ليبادر!

بات واضحاً أن الأزمة السورية التي تقترب من نهاية عامها الثاني تدور في حلقة مفرغة منذ أكثر من سنة. أي منذ أن أدرك الطرفان المتصارعان استحالة تحقيق أي نصر عسكري يقلب ميزان القوة لمصلحته فيحقق الغلبة. فلا النظام احتفل بالحسم الذي وعد به، متكئاً على امدادات الروس والإيرانيين وحلفائهم في لبنان والعراق بالمال والسلاح والرجال. ولا فصائل المقاتلين استطاعت إقامة مناطق محررة واسعة تشكل لها عمقاً ومنطلقاً. والحرب إلى اليوم كر وفر في معظم الأراضي السورية، من الحدود إلى الحدود. دمشق وحلب وأدلب وحمص وحماه ودير الزور ودرعا و... لم تتحرر من «الاحتلال الأسدي»، ولا جيش النظام و «الشبيحة» قضوا على «جماعات الارهاب» فيها وفي أريافها. الثابت هو أن آلة القتل تمعن في تدمير العمران وتهجير من لم تطاولهم الصواريخ والطائرات والمدافع والمذابح المتنقلة.

والثابت الأهم هو أن النظام ليس قادراً على إدارة حربه من دون الدعم الإقليمي والدولي على كل المستويات، مثلما أن المعارضة أيضاً ليست قادرة على كسر ميزان القوى من دون إمداد اقليمي ودولي، على رغم أن القليل الذي تتلقاه يكفي للقضاء على أوهام النظام بإمكان تحقيق أي انتصار يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. يقود هذا إلى خلاصة واضحة هي أن «المعركة» التي تدور حول مبادرات الحلول السياسية التي يطرحها طرفا الصراع الداخليان تأخذ حيزاً كبيراً من المشهد العام، في حين أن من يرجّح كفة هذه المبادرات هم أولئك الذين يمسكون بمفاتيح القدرة على كسر ميزان القوى الداخلي على الأرض. ألم يكرر وزير الخارجية الأميركي الجديد جون كيري أن الرئيس أوباما يفضل الحل السياسي عبر التفاوض بما يؤدي إلى رحيل الأسد؟ ألم يبدِ تفاؤلاً بقيام معادلة لتجد الولايات المتحدة وروسيا «أرضية مشتركة» لإنجاز هذا الحل؟ ألم يجدد وزير الدفاع البريطاني الميل الأوروبي إلى الحل السياسي من دون تدخل خارجي؟ أليس هذا ما يريده حلفاء النظام السوري، وإن اختلفت رؤيتهم إلى الحل؟

ليس سراً أن ما يجري في سورية حرب أهلية تتعمق يومياً. ومن نافل القول إن لا نهاية لمثل هذه الحروب إلا بالتفاوض والحلول السياسية. والمشكلة ليست في رحيل النظام. لقد انتهى منذ أن أطلقت الرصاصة الأولى نحوه. وليست المشكلة في توقيت رحيل رأسه مع الحلقة التي تقود آلة القتل. المشكلة في الساعة «الخارجية» التي لم يزف أوانها. انشغل الكبار نحواً من سنة ونيف بانتخاباتهم ومعاركهم ومعارضاتهم الداخلية، من الرئيس باراك أوباما إلى الرئيس فلاديمير بوتين إلى فرنسوا هولاند. ابتعدوا وغابوا. وعندما استقروا في كراسيهم شغلتهم مآلات التغيير الذي حمله «الربيع العربي». وهم بلا شك يعيدون النظر في مواقفهم من هذا «الربيع». لذلك تأخر ويتأخر انخراطهم الجدي لإيجاد حل لأزمة سورية.

روسيا توجست من صعود الإسلام السياسي منذ البدايات، مثلما توجست من التدخل الخارجي وتكرار تجربة ليبيا. ولم تتورع بعض دوائرها عن اتهام الغرب بأنه يقف وراء هذا التغيير. والغرب الذي رحب بإطاحة الأنظمة الديكتاتورية معللاً النفس بالديموقراطية ولو على أيدي «الإسلام المعتدل»، هاله ما يحدث في تونس ومصر حيث تنذر الأوضاع بصعود ديكتاتورية أشد وأفظع. وهاله ما حدث في ليبيا التي تشظت ترسانتها فهددت المصالح الحيوية لفرنسا خصوصاً وأوروبا عموماً في النيجر حيث اليورانيوم وجزائر الغاز والنفط. هذا من دون الحديث عن موجة العداء للأميركيين التي تجلت في مناسبات عدة لم يكن آخرها مقتل سفيرها في بنغازي والهجوم على منشأة نفطية جزائرية ومهاجمة بعثات ديبلوماسية هنا وهناك.

هذه التطورات في بلدان «الربيع العربي» دفعت الأميركيين والأوروبيين إلى وقف اندفاعتهم والتروي وإعادة النظر والحسابات. وهو ما تجلى في تصاعد مخاوفهم ليس من «جبهة النصرة» فحسب، بل من كل حركات الإسلام السياسي. وشاركهم في هذه المخاوف بعض العرب الذين بدأ يقلقهم صعود «الإخوان» وممارساتهم في الحكم وتنامي نفوذ السلفيين والجهاديين. وهو ما يدفع إلى التردد في إمداد المعارضة السورية بالسلاح الفعال. لذلك عندما تنادي واشنطن وشريكاتُها هذه المعارضةَ بطرح برنامجها السياسي بالتفصيل، من صيغة الحكم إلى هوية الدولة ودستورها ومستقبل كل المكونات ودورها، تكون كمن يطلب من هذه المعارضة أن تصل إلى البرنامج الذي تريده هي، أي واشنطن نفسها. وهو ما تريده موسكو أيضاً، وإن بعناصر مختلفة.

لذلك ليس مطلوباً أن يتوافق السوريون على «دستور محاصصة» على طريقة اللبنانيين والعراقيين فحسب والتي تنذر بتجديد حروبهم. قد لا يكون ذلك كافياً أو إيذاناً بقرب الحل. المطلوب أن تتوافر صيغة «محاصصة» أميركية - روسية، وعربية - إيرانية. والتوافق على مثل هذه الصيغة الدولية - الإقليمية على النظام البديل في دمشق يعني بداية التوافق على نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط. ولا تشير الوقائع إلى قرب هذا التوافق، قبل أن تنجلي تداعيات ما يحدث في تونس ومصر، وما يحدث في ليبيا ومحيطها الصحراوي الكبير، وما سيؤول إليه الملف النووي الإيراني، وأجندة الحوار الأميركي - الإيراني، وحتى مستقبل الحوار الوطني في اليمن الذي تتوقف عليه وحدة هذا البلد... فضلاً عن مستقبل القضية الفلسطينية، ودور إسرائيل وعقيدتها السياسية والعسكرية الجديدة التي فرضتها وتفرضها تداعيات «الربيع العربي» وصعود المتطرفين على ضفتي الصراع.

وليس مبالغةً أن المواجهة المفتوحة بين الكبار في الشرق الأوسط الواسع هي جزء من المعركة الكبرى في شرق آسيا وآسيا الوسطى ومعظم الدول المجاورة للصين وروسيا. لذلك قدمت إدارة أوباما منطقة المحيط الهادئ وبحر الصين بنداً أوّل في أجندتها السياسية والعسكرية، وأخّرت الشرق الأوسط إلى مقام آخر من دون أن تهمله. وقد يشي هذا بأن التوافق في المنطقة العربية وعليها قد يتأخر إلى حين جلاء غبار المواجهة الواسعة شرق القارة... إلا إذا كان قدر هذه المنطقة أن يعاد تقسيمها جوائز في الطريق نحو الصفقة الشاملة بين الكبار... انطلاقاً من سورية! فهل المجتمع الدولي الذي حج إلى اليمن قبل أيام لتأكيد تمسكه بوحدة هذا البلد مخافة تشظيه على شواطئ النفط وبحوره وممراته، سيغض الطرف عن إعادة تقسيم بلاد الشام وما تلقيه من شرارات نحو الجزيرة جنوباً وتركيا شمالاً؟

مطلوب بإلحاح أن تضع المعارضة السورية تصورها للمستقبل، وأن تضع رؤيتها أو مبادرتها للحل السياسي، ليس من أجل أن تغرق مجدداً في الخلافات الجانبية، بل استعداداً للساعة التي تقترب. ذلك أن المأساة الانسانية المتفاقمة ستفرض توقيتها على الجميع وستضع نفسها عاجلاً بنداً أوّل... واستعداداً أيضاً لمواجهة ما قد تعدّه واشنطن وموسكو من نظام لدمشق.

=======================

روسيا تتحدث عن نفسها!

عماد الدين اديب

الشرق الاوسط

18-2-2013

قادتني الظروف والصدفة المحضة لأن ألتقي بمسؤول روسي متخصص في الشرق الأوسط، كان يزور المنطقة قريبا ووضعه القدر بجانبي على مائدة عشاء في منزل أحد الأصدقاء في عاصمة عربية. وقال المسؤول الروسي الذي يجيد العربية بطلاقة إنه يتابع ما أكتب، ويعتقد أنني شديد القسوة على السياسة الروسية تجاه المنطقة بشكل عام وتجاه سوريا على وجه خاص.

وحينما سألته عن المنطق الذي يحكم موقف موسكو من الدعم الكامل واللانهائي للنظام السوري، أجاب بمجموعة نقاط أحاول أن ألخصها بشكل أمين بصرف النظر عن اتفاقي أو اختلافي معها:

أولا: أن روسيا تتصرف مع سوريا من منطلق علاقات استراتيجية بدأت منذ الستينات من خلال 3 أنظمة متعاقبة في سوريا و5 أنظمة متعاقبة في روسيا منذ الاتحاد السوفياتي القديم، إلى مرحلة الانتقال إلى عهد بوتين - ميدفيديف. ولم تتأثر هذه العلاقات رغم تغير الوجوه والأنظمة في كل من موسكو أو دمشق.

ثانيا: أن روسيا شريك تجاري كبير لسوريا، ومصدر تسليح لأكثر من ثلثي منظومة السلاح السورية.

ثالثا: أن سوريا وسواحلها توفر الإطلالة الاستراتيجية الأساسية للأسطول البحري الروسي على المتوسط، وهو حلم قديم منذ عهد القياصرة.

رابعا: أن روسيا تهتم قبل القيام بالمساهمة في المشاركة في إسقاط أي نظام سياسي في العالم أن تكون لديها إجابة واضحة غير قابلة للالتباس عن هوية النظام المقبل. وأضاف المسؤول الروسي «نحن نتحدى أن تكون لدى الأميركان صورة واضحة ومؤكدة عن شكل النظام المقبل في سوريا».

خامسا: أن روسيا تسعى للحوار مع الطرفين، الحكم والمعارضة، في سوريا.. أما الولايات المتحدة والغرب فإنهم لا يحاورون سوى المعارضة وحدها، وهذا لن يمكن أي طرف من الوصول إلى تسوية عبر أي حل تفاوضي غير الحوار الجدي بين الطرفين.

سادسا: أن الحل السياسي للأزمة السورية لن يأتي سريعا، وهو حسب كلام المسؤول الروسي سوف يتعطل كثيرا بسبب محاولة تسويق دور متصاعد لـ«جبهة النصرة» التي يتم دعمها بقوة من قوى إقليمية هذه الأيام.

عند هذا الحد ينتهي كلام المسؤول الروسي، الذي أردت أن أنقله كما هو، لعل فيما قال محاولة للإفصاح عن مبررات موقف ظللنا نراه من منظور واحد.

=======================

أوباما يريد أن يكسب الحرب مجانا!

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

18-2-2013

حزب الله تسيل دماؤه في سوريا وليس على الحدود مع إسرائيل، وإيران تنفق بجنون المقامر الخاسر مئات الملايين من الدولارات، وتتصرف بجنون المجروح في سوريا أيضا، ونظام الأسد ينزف بركة دماء كبيرة لأول مرة، بعد أن عاش أربعين عاما يقطع أوردة الآخرين، وروسيا تكابر وتعين نظاما مهزوما بالسلاح والمؤتمرات والفيتو.

يبدو المشهد مناسبا للرئيس الأميركي باراك أوباما، مثل مدير ناجح يكسب الكثير بالقليل من المخاطر والدولارات. يريد تحويل سوريا إلى عراق للإيرانيين، ومصيدة لحزب الله وكذلك روسيا، ويريد التخلص من نظام بشار الأسد بأقل من ثمن مكالمة هاتفية!

على أرض الواقع هذا ما يحدث حتى الآن، ربما من دون تخطيط مسبق، لكن نقول للرئيس أوباما حذار من أن تكون مصيدة لك وللآخرين، لم يعد الوضع في سوريا يحتمل الفرجة. أولا: نحن أمام مأساة إنسانية مروعة. وثانيا: نحن في بدايات أخطر بناء لـ«القاعدة» منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)؛ فهي الآن تكسب التعاطف والأرض والمساعدات، وبالتالي كل ما تحقق في العشر سنوات الماضية مهدد بأن يتبخر في سوريا. إيران وسوريا تريدان أن يرث الظواهري الأسد، بعد سقوط دمشق، أي إن كان سقوط نظام الأسد محتوما فمرحبا بـ«القاعدة» التي ستفسد حصاد الثورة! هكذا تبدو مسارات الأمور.

أكثر من خمسة عشر ألف مقاتل، هو تقدير قوات جبهة النصرة المتطرفة، التي تقاتل بضراوة قوات الأسد وتستولي على المراكز والحواجز والكثير من الأحياء وبعض المدن، وتجد قبولا من المواطنين إلى درجة الإعجاب، لأنها تقاتل العدو بشراسة وبسالة، وتنفق الكثير على حاجات المواطنين الإنسانية اليومية.

يقول لي أحد المتابعين لتطورات القتال في سوريا، إن جبهة النصرة تحمل ملامح «القاعدة» في فكرها، لكنها تحاول أن تتصرف بخلاف «القاعدة» في تعاملها من أجل كسب تعاطف السكان وتجنيد أبنائهم، هكذا انتفخت هذه الحركة في عدد مقاتليها وإمكانياتها مقارنة بالجيش الحر، الذي رغم أن حجمه يماثل ثلاث مرات جبهة النصرة، عددا، فإنه يعاني بسبب شح إمكانياته وكثرة الضغوط عليه.

لكن ما هي علاقة الجبهة المتطرفة بسياسة الحرب المجانية التي يديرها أوباما من الخلف؟ الإجابة في النتيجة المحتملة، عندما تكسب «القاعدة» موطئ قدم، سيكون أعمق وأهم من كل ما حققته في محاولاتها الكثيرة من أفغانستان إلى شمال مالي. لن يكون سهلا طردها من سوريا في كلتا الحالتين، إن سقط نظام الأسد أو بقي.

كلنا نعرف أن الذي حمى الأسد من السقوط ليس استراتيجيته العسكرية، ولا حتى المدد الهائل من حليفيه الإيراني والروسي، بل نتيجة ترك المعارضة تقاتل هذه القوى مجتمعة وهي مسلحة بأسلحة بسيطة، ووحدها. لو قدمت لها المساعدة أو الحماية، خاصة مع الفارق الهائل في ميزان القوة المستمر منذ عامين، لسقط النظام في أقل من شهر واحد.

نقول للرئيس أوباما إن حرب سوريا ربما تحقق للولايات المتحدة المعركة المثالية، إدماء الخصوم دون تكاليف على الجانب الأميركي، إنما قد تكون كلفتها مخيفة في الفصل اللاحق من الحرب، عندما تتمكن «القاعدة» من معظم الأرض السورية، ومن عواطف السوريين المقهورين. اليوم نرى فرنسا التي كانت في الماضي أقل مبالاة في المشاركة في الحرب على الإرهاب، تخوض حربا صعبة، وربما طويلة، في جنوب الصحراء وشمال مالي، هي نتيجة تراكمات التجاهل الطويلة. وقد تصبح الحرب في سوريا لاحقا كذلك.

أنقذوا الشعب السوري من المذابح ولا تتركوه يجد في «القاعدة» وأشباهها المعين الوحيد. أو لا تلوموه غدا.

=======================

هل حان وقت التدخل العسكري في سوريا؟

امير طاهري

الشرق الاوسط

18-2-2013

12 ردا على 12 ذريعة تبرر الوقوف مكتوفي الأيدي أمام معاناة شعب وانهيار مجتمع

على الرغم من كل الجهود المبذولة في عدة عواصم عالمية للتمويه على السؤال البسيط: «هل حان وقت التدخل العسكري في سوريا؟»، وإبعاده عن التداول، فإنه ما زال يفرض نفسه على أي بحث أو نقاش يتعلق بالمأساة السورية.

وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ قال مؤخرا لا مجال لقبول الـ«لا خيار»، وهي عبارة ترمز إلى جاهزية البحث في التدخل العسكري. ونقلت عن مسؤولين أميركيين وفرنسيين رفيعي الرتبة آراء مشابهة، وإن بدرجات متفاوتة من الغموض والتورية.

ولكن بشكل من الأشكال يبدو أن هذا السؤال سبقته الأحداث وما عاد – بالتالي – يستحق الطرح، لأنه يوجد حقا تدخل عسكري فعلي بصور متعددة. ذلك أن إيران وروسيا تمدان نظام بشار الأسد بالسلاح والمشورة العسكرية، ويبدو أن عناصر من الفرع اللبناني من حزب الله تشارك فعليا في المواجهات ضد وحدات المعارضة السورية المناوئة للأسد. وفي الجانب المقابل، فإن تركيا وعددا من الدول العربية منخرطة في مساعدة جماعات الثوار في الحصول على السلاح والمال منذ اندلاع القتال. ووجود مقاتلين غير سوريين يحاربون تحت رايات الثوار يمكن أن ينظر إليه على أنه تدخل عسكري أجنبي، ولو كان عفويا وغير نظامي.

مع هذا يبقى الجدال الحقيقي متمحورا حول ما إذا كان حصيفا أم عبثيا التفكير بالتدخل كخيار حاسم يقلب طبيعة ما هو حاصل. وهذا يعني أنه لا بد أن يكون من الجدية والحجم إلى درجة قلب ميزان القوى لمصلحة الثوار، ومن ثم تسريع سقوط الأسد.

الجهات التي ترفض التدخل تمثل طيفا من الآراء. منها، مثلا، «السلاميون» أو دعاة السلام المزمنون الذين يناوئون أي حرب في أي وقت ولأي مبرر كان. ثم هناك من يمكن النظر إليهم على أنهم «أيتام الحرب الباردة» الذين يناصرون بشار الأسد لأنهم يرون فيه جزءا من كتلة متنامية معادية للغرب تضم اليوم روسيا وإيران. غير أن غالبية معارضي التدخل يقدمون تشكيلة من الذرائع السياسية والعملية التي لا يجوز تجاهلها. ولدى التمعن بكل التصريحات والآراء المنشورة في هذا السياق حول موضوع التدخل ورفضه، يمكننا مناقشة الذرائع والمبررات التالية:

الذريعة الأولى تقوم على أساس أن لا وجود لاستراتيجية واضحة للتدخل. فهل المطلوب من الجيوش الأجنبية المتدخلة تدمير الآلة العسكرية للأسد ومن ثم الزحف على دمشق؟

الإجابة يجب أن تكون: «لا». إذ يجب أن يسعى التدخل المطلوب إلى تحقيق ثلاثة أهداف محددة: الهدف الأول يتمثل بفرض تطبيق حظر التسلح الذي أقرته أصلا أكثر من 100 دولة، وهو يستوجب حصارا بحريا تدعمه عمليات رصد ومراقبة جوية وبرية لكل طرق تهريب السلاح المحتملة عبر العراق ولبنان. والهدف الثاني يجب أن يتضمن إنشاء «ملاذات آمنة» وحماية هذه الملاذات من الغارات الجوية لطيران الأسد الحربي ووحدات قواته البرية المؤللة. ويذكر أنه يوجد راهنا ثلاثة «ملاذات آمنة» ولو في أطوارها المبكرة مباشرة عبر الحدود السورية مع الأردن وتركيا والعراق. وخلال الأسبوع الفائت أفلحت الأمم المتحدة في نقل إعانات إغاثية لأحد هذه الملاذات لأول مرة من دون المرور عبر أقنية نظام الأسد ومؤسساته.

الذريعة الثانية مؤداها أن الحظر المفروض من جانب القوى الغربية، وبالأخص بحرا، قد يثير معارضة روسية وإيرانية شديدة قد تشعل فتيل نزاع أخطر وأوسع نطاقا. غير أن الاحتمال ضعيف جدا، ذلك أن إيران تفتقر إلى القوة العسكرية التي تتيح لها التأثير على مجريات الأمور في حوض المتوسط وإن كان بمقدورها تحريك الفرع اللبناني من حزب الله لتنفيذ عمليات إرهابية. أما عن روسيا فهي وإن كانت قوة انتهازية تنتهج سياسة خارجية واقعية. وحتى إبان سطوة الاتحاد السوفياتي كانت روسيا تدرك تماما حدود المجازفة بمجابهة مفتوحة، كما حصل أيام الأزمة الكوبية عام 1962. وفي مطلق الأحوال تفتقر روسيا إلى القوة البحرية الكفيلة بتحدي حصار يفرضه حلف شمال الأطلسي (ناتو) في مياه المتوسط. روسيا ستدعم الأسد ما دام الثمن الذي عليها دفعه يتجاوز أي مكافآت محتملة مستقبلا.

الذريعة الثالثة هي أنه لا توجد أرضية قانونية للتدخل لأن «الفيتو» الروسي يمنع صدور قرارات عن مجلس الأمن الدولي، إلا أن غياب أي موافقة معلنة من الأمم المتحدة لا يجعل من التدخل تصرفا «لا قانونيا». في الواقع، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية شهدنا عشرات الحروب التي شنت من دون موافقة أو ترخيص رسمي من الأمم المتحدة، بل كانت الحروب التي أجازتها المنظمة الدولية هي الاستثناء لا القاعدة، وأبرزها الحرب الكورية عام 1951 وحرب العراق عام 1991. وعبر العقود فإن «واجب التدخل»، لدرء خطر جرائم الإبادة الجماعية مثلا، غدا جزءا من ثقافة العدالة الدولية. ففي عام 1978 غزت قوات فيتنام المسلحة أراضي كمبوديا لإطاحة حكم الخمير الحمر ووقف جرائم الإبادة. وبعدها ببضعة أشهر دخل الجيش التنزاني أوغندا لإسقاط حكم عيدي أمين العسكري. ثم في عام 1983 اجتاحت قوات أميركية على رأس قوات حليفة جزيرة غرينادا في البحر الكاريبي بهدف تحرير مئات الرهائن وتغيير النظام القائم هناك. في أي من هذه الحالات ما كان هناك ترخيص من الأمم المتحدة للتحرك. والمبدأ نفسه طبق لتبرير التدخل في البوسنة والهرسك، ثم لاحقا في كوسوفو لوقف المجازر والإبادة الجماعية، وفي هاتين الحاتين شل تهديد «الفيتو» الروسي مساعي الأمم المتحدة. وفي كلمة أمام الجمعية العامة عام 1999 تحمل كوفي أنان، أمين عام الأمم المتحدة آنذاك، علانية المسؤولية الأخلاقية في مجازر رواندا، عندما قال: «حبذا لو كان ثمة تحالف دولي، في تلك الأيام والساعات السوداء المفضية بنا إلى المجزرة الكبرى، جاهزا للتحرك بهدف الدفاع عن السكان من شعب التوتسي من دون تفويض من مجلس الأمن. هل كان ذلك التحالف سيقف مكتوف الأيدي أمام الفظائع التي تكشفت أمامنا فصولا؟». ومن ثم أكد أنه لا يجوز للعالم أن يقف متفرجا عندما تقع انتهاكات جسيمة وممنهجة ضد حقوق الإنسان، وتحدى المجتمع الدولي لتبني فكرة «التدخل الإنساني» كمبدأ شرعي وشامل.

الذريعة الرابعة هي أن الواقع الجغرافي لسوريا يجعل من التدخل أكثر صعوبة من التدخل في ليبيا. ولكن العكس، حقا، صحيح، فليبيا هي الدولة الـ17 في قائمة الدول الأكبر مساحة في العالم بينما تحتل سوريا المرتبة الـ89. وحصار ليبيا كان يعني عزل واجهة ساحلية طولها 1770 كلم، في حين لا يزيد طول الساحل السوري عن 193 كلم. ثم إن حدود ليبيا البرية ضعفا طول حدود سوريا، ناهيك بأن أربعة من جيران سوريا الخمسة ليسوا متحمسين لبقاء نظام الأسد أو ليس لديهم الاستعداد لدعمه.

الذريعة الخامسة هي أنه نظرا للتكلفة العالية للتدخل بات من الصعوبة الترويج لفكرة التدخل في الدول الغربية التي تعاني من المديونية والانحدار الاقتصادي. ولكن حتى إذا كان سلمنا أن الحروب حقا مكلفة، فإن السماح بتحول سوريا إلى أرض «مستعصية على الحكم»، وبالتالي بؤرة للإرهاب والجريمة مطلة على البحر المتوسط، سيكون أمرا أعلى تكلفة بكثير على المدى الطويل. ثم إن «السيناريو» الأسوأ هو أن تتحول الحرب الأهلية السورية إلى مقدمة لحرب إقليمية أوسع نطاقا على غرار ما حدث مع الحرب الأهلية الإسبانية بين 1936 و1939. إن الرأي العام الغربي قد لا يؤيد تدخلا عسكريا اليوم، لكن السبب في ذلك أنه لم يُفتح نقاش جدي حول الموضوع، ولم يطلع الرأي العام بما فيه الكفاية على الحجج والحجج المضادة في هذا الشأن. وعليه فإن نقاشا صريحا وجيدا كفيل بتجييش الرأي العام لصالح تدخل إنساني.

الذريعة السادسة هي أنه بخلاف ليبيا، التي هي مجتمع متجانس، فإن سوريا عبارة عن فسيفساء دينية ومذهبية وعرقية، وهذا ما قد يعني أن التدخل العسكري لن يثمر حقبة انتقالية سلسة. غير أن الواقع غير ذاك، فليبيا أيضا بلد له تعدديته، فالعرب والأمازيغ والأفارقة السود يشكلون جماعات مختلفة جمعها تحت كيان واحد الحكمان الاستعماريان الإيطالي والبريطاني، واستمرا تحت قبضة ديكتاتورية العقيد معمر القذافي. وشرق ليبيا (برقة) وغرب ليبيا (طرابلس) كانا إقليمين منفصلين ومتميزين منذ العهد الروماني. وحتى على صعيد الدين، تضم ليبيا عشرات الجماعات والطوائف الإسلامية، ومنها ما تأثر بالثقافات الشعبية القبلية. وبناء عليه، صحيح أن سوريا أغنى من ليبيا على صعيد التعددية الفئوية، غير أن الصحيح أيضا أن 70% من سكانها على الأقل هم من العرب المسلمين السنة. وأخيرا، من قال إن التنوع يجب أن يكون حائلا دون توق دولة ما إلى الحرية؟

الذريعة السابعة هي أننا، كمراقبين، لا نعرف ما يمكن أن يحدث في حال إسقاط النظام. وأنه لا وجود لـ«ديمقراطيين» في سوريا، ما يعني أن ما سينتج عن التدخل الأجنبي سيكون إما الفوضى وإما ديكتاتورية جديدة بديلة. ولكن هذا الكلام مردود عليه بالقول إنه، وإن كان التشاؤم خيارا حكيما وحصيفا لدى التعامل مع سياسات الشرق الأوسط، من الخطأ القبول باستمرار المجازر لا لشيء إلا الخشية من بديل أسوأ. لا وجود لـ«ديمقراطيين» في سوريا لأنه لم يتَح للديمقراطية بأن تزهر وتثمر، ومحاولة تحميل المسؤولية في هذا أشبه بأحجية «أيهما سبق الآخر وأيهما تسبب عنه.. الدجاجة أم البيضة؟».

الذريعة الثامنة هي أنه يستحيل فرض الديمقراطية بالقوة. هذا كلام صحيح. ولكن بالإمكان استخدام القوة لإزالة ما يعيق تحقيق الديمقراطية كما حدث في حالة الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا واليابان. وعلى أي حال، يظل الهدف الحيوي العاجل من أي تدخل وقف قتل الشعب السوري لا إرساء الديمقراطية في سوريا. ولا بد أن تكون الخطوة الأولى منح الشعب السوري الحق في تقرير مصيره بنفسه، وما سيفعله الشعب لاحقا بمسائل مثل السيادة وطبيعة النظام السياسي الذي يفضلون تأسيسه فسيكون من شأنه لا شأن الآخرين.

الذريعة التاسعة هي أنه بعكس معمر القذافي، الذي تخلى عن أسلحة الدمار الشامل، ما زال لدى بشار الأسد كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية التي قد يقرر استخدامها ضد شعبه كخيار أخير يائس. إن احتمال استخدام الأسد السلاح الكيماوي احتمال لا يجوز الاستخفاف به، وكما نذكر سبق للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وهو بعثي مثل الأسد، أن استخدم السلاح الكيماوي لقتل آلاف الأكراد في حلبجة. ولكن من غير المسموح إطلاقا للأسد ابتزاز شعبه والإنسانية جمعاء بترسانته الكيماوية، بل إن القلق من إمكانية وقوع مجازر أفظع لا يجوز أن يبرر تجاهل مسلسل القتل اليومي.

الذريعة العاشرة هي أن الأسد عندما يجد نفسه أمام خطر تدخل عسكري كبير تشنه القوى الغربية، قد يقرر أن يهدد أو يهاجم إسرائيل بالتعاون مع حزب الله، ومنظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وكلاهما تحت إمرة إيران. غير أن هذا الاحتمال أبعد ما يكون عن الواقع. ذلك أن نظام الأسد – في عهدي الأب والابن – استغل القضية الفلسطينية على الدوام ذريعة مفيدة تبرر الحكم التسلطي المطلق، ولكن مع الحرص على تجنب أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل. وعلى أي حال، من غير الجائز القبول باستمرار قتل الشعب السوري باعتباره ثمنا يدفعه العالم للأسد لقاء تعهده بالامتناع عن تهديد إسرائيل. لقد كانت القضية الفلسطينية المهرب الأخير لكثرة من المحتالين على امتداد أكثر من ستة عقود، وفي وقت من الأوقات استخدم صدام حسين القضية الفلسطينية لتبرير ارتكابات نظامه القاتل.

الذريعة الحادية عشرة هي أن التدخل العسكري قد يدمر أي أمل في حل سياسي، وبالتالي لماذا لا يتاح للدبلوماسية لاستخدام كل وسائطها وتدابيرها قبل التفكير بخيارات أخرى؟ هذا حقا كلام طيب، وحتما يجب أن يكون اللجوء إلى القوة الخيار الأخير، وإذا كان بالإمكان فك عقد الحبل باستخدام الأصابع فلماذا يعجل المرء باللجوء إلى السيف لقطعه؟ ولكن في المقابل لا يصح جعل الدبلوماسية «ورقة توت» تستر الشلل والتواطؤ. فعلى امتداد أكثر من سنتين أطلقت مبادرات دبلوماسية كثيرة، بينها مهمتان تولاهما كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، وهما من أبرز دبلوماسيي العالم. ومن المعلومات التي أمكننا الحصول عليها عرض الإبراهيمي خطط تسوية غاية في الإنصاف والواقعية. ثم بالأمس، ذهب معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض إلى أبعد من هذا، عارضا مفاوضات مباشرة مع النظام مع ما في هذا من تعريض نفسه لتهم يصل بعضها إلى خيانة القضية، ولكن مع كل هذا اصطدمت كل محاولات تطبيق استراتيجية سلمية برفض مطلق من نظام الأسد. وهكذا يمكن اتخاذ القرار بالتدخل بعد تحديد مهلة أخيرة للأسد لكي يراجع نفسه ورهاناته.

الذريعة الثانية عشرة مستقاة من الحسابات المكيافيللية، ومضمونها التساؤل: لماذا لا تحمل إيران وروسيا معا لفترة أطول أعباء إطالة عمر نظام الأسد المحكوم بالزوال على أي حال؟ أساسا كلفت سوريا لتاريخه إيران أكثر من عشرة مليارات دولار، وهذا في فترة يتهدد فيه إيران انهيار اقتصادي كبير، كما أضحت سوريا بالنسبة إلى إيران حليفا بشعا ومكلفا. وبالتالي لو تركت الأمور على ما هي عليه لفترة أطول قد تجر سوريا إيران معها إلى الهاوية. أما في ما يخص روسيا، فلماذا لا يترك فلاديمير بوتين يرسخ صورته في العقل العربي كضامن للطغاة؟ لقد سمينا هذه الجدلية بأنها «ماكيافيللية»، ولكن ربما كانت صفة «شيطانية» أوفق وأقرب إلى الحقيقة. فهل من المقبول التضحية بالشعب السوري فقط لتركيع إيران وعزل روسيا، كعدو، عن العالم العربي؟ إننا بينما نتفكر بسؤال كهذا هناك أناس يموتون في سوريا.

=======================

محافظة إيرانية؟!

صالح القلاب

الرأي الاردنية

18-2-2013

لا «الأهواز» ولا «سوريا» لإيران ولا لغير إيران، كروسيا على سبيل المثال، فـ«الأحواز» عربية وهي ستبقى عربية حتى وإنْ طال الزمن وسوريا التي إختطفها نظام حافظ الأسد وأتبعها إلى حوزة «قُمْ» وعمامة الولي الفقيه، بعدما أصدر الإمام موسى الصدر قبل غيبته الطويلة بعد زيارة لليبيا عندما كانت «جماهيرية» بدعوة من معمر القذافي فتوى بأنَّ الطائفة العلوية جزء من المذهب الجعفري الإثني عشري الذي أصبح يحكم إيران بعد إنتصار الثورة الخمينية في فبراير (شباط) عام 1979، ستبقى قلب العروبة النابض رغم هذه اللحظة المريضة التي بدأت بإنقلاب «الحركة التصحيحية» في عام 1970.

المثل يقول :»خذوا إسرارهم من صغارهم» وعندما يؤكد رجل الدين الإيراني مهدي طائب، الذي يترأس ما يسمى «مقر عمار الإستراتيجي لمكافحة الحرب الناعمة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، على ان أهمية سوريا بالنسبة لإيران أكبر من أهمية «الأحواز» ذي الأغلبية العربية والذي يضم تسعين في المائة من إحتياطي النفط الإيراني فإن هذا هو رأي الولي الفقيه علي خامنئي وهو رأي الدولة الإيرانية التي وصفها رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب بأنها أصبحت تحتل الدولة السورية.. وهذا صحيح وهو يَثْبُتُ يومياً بالأدلة القاطعة.

لقد وصلت «الوقاحة»، نعم الوقاحة، برجل الدين الإيراني هذا إلى حد وصف سوريا بالمحافظة رقم 35 وأنها تعد محافظة إستراتيجية بالنسبة لنا، أيْ بالنسبة لإيران،..، وإذا هاجمنا العدو بغية احتلال سوريا أو خوزستان «الأحواز» فإن الأوْلى بنا أن نحتفظ بسوريا وحتى لو أننا سنخسر إقليم خوزستان «الأحواز» الذي سنستعيده بما أننا نحتفظ بسوريا لكننا إذا خسرنا سوريا فإننا لن نتمكن من الإحتفاظ بطهران»!!.

ولعل ما يضع حجراً في فم كل من يستغرب أيِّ حديث عن التدخل الإيراني في الشؤون السورية الداخلية ليس منذ بداية هذه الثورة العظيمة المنتصرة لا محالة أن مهدي طائب هذا لم يخجل من أن يقول :»إن النظام السوري يمتلك جيشاً ولكنه يفتقر إلى إمكانية إدارة الحرب في المدن السورية ولهذا فقد إقترحت الحكومة الإيرانية تكوين قوات تعبئة لحرب المدن قوامها ستين ألف عنصر لتتسلم مهمة حرب الشوارع من الجيش السوري».

وإزاء هذه التصريحات التي أطلقها رجل الدين الإيراني هذا، المعروف بأنه من أنصار حزب الله اللبناني وأنه أحد الشخصيات السياسية والدينية الموالية للمرشد الأعلى علي خامنئي، فإن المفترض ألاَّ يلوذ بالصمت نظام يعتبر نفسه نظام حزب البعث العربي الإشتراكي الذي شعاره :»أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة» وأن المفترض ألاّ يسكت على القول :أنَّ سوريا هي المحافظة الإيرانية رقم 35.

قد بقينا نتحاشى الإشارة ولو مجرد الإشارة إلى أنَّ هذه الحرب المحتدمة الآن في سوريا هي حرب النظام الطائفي العلوي على معظم شعب سوريا وأن إصطفاف إيران بأموالها وأسلحتها وبحزب الله وبفيلق القدس لصاحبه قاسم سليماني.. وبكل شيء إلى جانب هذا النظام هو إصطفاف طائفي ولذلك وعندما يسكت النظام السوري، الذي يقول عن نفسه أنه نظام حزب البعث، على تصريحات مهدي طائب التي قال فيها أن سوريا هي المحافظة الإيرانية رقم 35 فإنه يوافق أن هذا البلد العربي الذي هو قلب العروبة النابض فعلاً قد أصبح محافظة إيرانية.

=======================

سوريّاً: سنة للحوار؟

سركيس نعوم

2013-02-18

النهار

في المعلومات والتحليلات والمعطيات الواردة من موسكو ودمشق ان اسرائيل أجرت انتخابات عامة اخيراً ستوصل نتائجها حكومة يمينية الى السلطة. واسرائيل تعرف ان "الربيع العربي" صار "ربيعاً اسلامياً". وهي تشعر بالامتنان لأميركا لأن مساعداتها المالية لمصر محمد مرسي و"إخوانه" ستضمن عدم تخليها عن معاهدة السلام معها. الا انها لا تزال تشعر بآلام جراح حربها عام 2006 على "حزب الله" ولبنان. ولذلك فإن آخر شيء تريده هو سوريا غير مستقرة على حدودها. ذلك ان خطر قيام سوريا إسلامية (أصولية) بالاتحاد في السياسة مع لبنان اسلامي (اصولي) وتالياً تكوين حالة "سوبر اسلامية اصولية" على الحدود اللبنانية – السورية معها، يشكل المادة الأساسية لكوابيسها هذه الأيام. وفي المعلومات والتحليلات والمعطيات نفسها ان السوريين يعتقدون ان اسرائيل ستكون سعيدة اذا نشأت قيادة روسية لجهود اقليمية ودولية هدفها انهاء الحرب في سوريا وعودة بعض الاستقرار الى المنطقة. ونظراً الى طبيعة العالم الذي نعيش فيه، فإن رؤية اسرائيل هي التي يحسب حسابها. اذ ان الغرب يهتم باستقرار دولة اسرائيل ويشعر بأن لديه التزاما تاريخيا تجاهها. وهذه الدولة تريد رجلاً قوياً في سوريا. ومن أجل ذلك يمكن توقع تقديم حكومة يمينية اسرائيلية تنازلات مفاجئة مثل إعادة هضبة الجولان المحتلة الى سوريا ولكن من دون البحيرة اذا كان ذلك يضمن السلام والاستقرار على الحدود المشتركة. لكن ذلك كله يشبه البحث والتنظير الأكاديميين. علماً ان حكومة سورية مستقرة قد تكون غير بعيدة استناداً الى المعلومات والتحليلات والمعطيات الواردة من موسكو وواشنطن عن الازمة السورية والمداخلات الاقليمية والدولية فيها. وعن تفاهم ما اميركي – روسي على "قيادة" روسية مشتركة لحل. ما هو المشروع الذي تدعو سوريا وروسيا المعنيين بالأولى وبالمنطقة إلى الانخراط فيه؟

الجواب استناداً الى المعلومات نفسها هو ترك الولايات المتحدة قيادة عملية وقف الحرب السورية لروسيا. وهي ستقنع الرئيس بشار الاسد بأن عليه الوقوف جانباً والسماح بقيام حكومة موقتة في بلاده تتولى تصريف الاعمال وبعد تسلمها السلطة من الاسد كاملة لمدة 12 شهراً. وفي هذا المجال يعتقد سوري علماني ان "السنة الانتقالية" فكرة جيدة. لكن الانجاز في اثنائها لن يحصل ما لم توقف اميركا وقطر تسليح المجموعات المعارضة. وفي هذا الوقت يكون التخطيط لمستقبل سوري تضمنه روسيا والغرب جارياً. لكن يجب الاعتراف بأن العملية هذه صعبة جداً. وفي هذه الاثناء فإن الخطة الوحيدة التي وضعت على الطاولة هي تأليف حكومة انتقالية موقتة من مئة عضو تقوم بتسمية اعضاء لجنة دستورية مهمتها وضع مشروع دستور يعرض لاحقاً على استفتاء شعبي قبل اجراء الانتخابات النيابية. لكن بسبب الخلافات والتنوع والتعارض داخل المعارضة السورية فإن الشيطان الذي يكمن في التفاصيل على قول المثل قد يعوق نجاح الخطة في انجاز مهمتها. أما لماذا مهلة السنة المشار اليها اعلاه؟ فلأن الولاية الرئاسية للأسد ستنتهي في شهر أيار 2014. وذلك يعني ان هناك سنة متاحة للعمل الاقليمي الدولي بقيادة روسيا. هذا طبعاً اذا وافق الرئيس السوري. وتخلص المعلومات والتحليلات والمعطيات الواردة من موسكو الى تساؤلين : هل فات وقت التفاهم؟ وهل الحرب الاهلية عصية على الايقاف؟ والجواب هو: كلا. اذ مع قلوب طيبة وارادات طيبة يمكن رؤية السلام يعود الى سوريا. فالشعب السوري مرهق وتعب وحزين بسبب الحرب.

ما مدى جدية المعلومات والمعطيات والتحليلات الواردة من موسكو ودمشق؟

قد يعتبر اصحابها ان تمسك اوباما برفض الخيار العسكري في سوريا، وبالتمسك بالحل السلمي الديبلوماسي التفاوضي، وان اصراره على العمل مع شركاء بلاده (ومنهم روسيا رغم البرودة معها) لايجاد حل للأزمة – الحرب السورية، اشارة جدية الى توصل موسكو وواشنطن الى تفاهمات وان غير نهائية. لكن احداً في واشنطن لم يؤكد ذلك رغم اعترافه باستمرار التشاور. فضلاً عن ان في المعلومات والتحليلات والمعطيات شيئاً من المبالغة احياناً وشيئاً من الانطلاق من "ثابتة" في حين انها لا تكون كذلك. لهذا السبب لا بد من انتظار قد يطول وتطول معه معاناة السوريين وخصوصاً اذا انقضت المهلة - السنة من دون ان تشهد أي انجاز سلمي.

=======================

مها بدر الدين / تداعيات الاختلاف حول مبادرة الائتلاف

الرأي العام

18-2-2013

أعلن السيد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف السوري وبشكل مفاجئ عدم ممانعته الخوض في معركة سياسية مع النظام السوري بدأها بالحوار مع أطراف إيرانية وروسيا تناول فيه مستقبل السلطة في سورية وكيفية انتقالها السلمي إلى أطراف نظامية لم تتلوث أيديها بالدماء حسب وصف الخطيب لها.

هذا التطور المفاجئ في أداء الأئتلاف أثار زوبعة من النقاشات والاختلافات في الشارع السوري، وانقسم السوريون على أنفسهم بين من يجد أن الخطيب قد تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعت أساساً للتعامل مع النظام الأسدي، ومنهم من يجد أن الرجل لم يخطئ في رؤيته السياسية التي رغم عدم نضوجها تماما إلا أنها تعتبر مبادرة إحراج للنظام أولاً، ومحاولة لتوفير المزيد من إراقة الدماء ثانياً، بعد أن اتضح المدى البعيد الذي سيأخذه الحسم العسكري للمعارك الشرسة بين النظام والمعارضة.

وفي محاولة متواضعة لفهم وجهات نظر مختلف الأطراف المتنازعة والشريكة والداعمة العاملة على الأزمة السورية، لا بد من إلقاء الضوء على دوافع وتبريرات كل الأطراف منعاً لانزلاق جديد في العلاقة بين معارضة الداخل والخارج من جهة، وبين أطياف معارضة الداخل من جهة أخرى.

فبحسب ما جاء على لسان الخطيب فإنه يرى بأن الأزمة تتفاقم، وأن الحسم العسكري صعب التحقق على يد أحد الفرق سواء النظام بقواته وشبيحته، أو الجيش الحر بعقيدته الراسخة وإصراره على المضي قدما في طريق التحرير، وأن التفاوض على ايقاف نزيف الدماء الغزير على الأراضي السورية هو هدف إنساني يستحق المغامرة السياسية مع نظام فاشي يتلقى الدعم المادي واللوجستي من مصادر وأطراف مختلفة بشكل مباشر وغير مباشر، في الوقت الذي تعاني فيه المعارضة المسلحة ضد النظام إلى نقص هذا الدعم ما يخل بميزان القوى على الأرض وما ينتج عن ذلك من تزايد للضحايا البشرية والأضرار المادية في البنية التحتية للبلاد.

فمن أحسن النية في مبادرة الخطيب وهو الرجل التوافقي الذي نال ثقة السوريين بلا منازع لما عرف عنه من نظافة اليد والعقل واللسان، ووطنيته التي دفع ضريبتها مراراً في معتقلات الأسد، يرى بأن هذه المبادرة ستكون نقطة تحول في الموقف الدولي تجاه النظام السوري الذي تعود على المماطلة في التفاعل مع أي مبادرة طرحت منذ بدء الثورة السورية، وأن الاحراج الذي سيتعرض النظام السوري له سيكشف للجميع النوايا الحقيقة له خاصة وأن هذه المبادرة قد طرحت من القمة السياسية للمعارضة السورية التي دعاها للحوار مراراً وتكراراَ في الآونة الأخيرة لذر الرماد في العيون كما اتضح من استخفافه بهذه المبادرة وجدية صاحبها.

أما من استاء من تحرك الخطيب الانفرادي على الساحة السياسية وسرعة الاجتماعات اللافتة مع جميع الأطراف ذات الصلة بالشأن السوري، فإنه يرى بأن هذا العزف المنفرد هو نشاز واضح عن عزف المعارضة السورية التي تجمعت بمعظم تكتلاتها الداخلية والخارجية تحت مظلة الائتلاف السوري حيث انفرد رئيسه بالقرار السياسي الخطير الذي لا ينسجم مع مبدأ الائتلاف الأساسي في التخلص من النظام الأسدي لبناء سورية الحرة الديموقراطية، وهو ما من شأنه إضعاف الثورة سياسيا وعسكريا والإيحاء للنظام السوري وداعميه بأنه أصبح الطرف الأقوى في المعادلة السورية ما يزيد من طغيانه وجبروته ويعطيه المزيد من الوقت كمعظم المبادرات السابقة.

وبغض النظر عن حسن النوايا وسوئها، فإن المبادرة بلا شك أحدثت شرخاً جديداً بين السوريين وبعد أن كانوا مقسمين إلى مؤيدين ومعارضين للنظام، أصبح التقسيم الجديد بين مؤيدين ومعارضين للخطيب، ورغم نبل الفكرة وضرورتها مع ازدياد المعانة الإنسانية للشعب السوري داخلياً وخارجياً، إلا أنه كان ينقصها الخبرة التفاوضية والنضوج السياسي، والقدرة على تهيئة المناخ السياسي المناسب للضغط على جميع الاطراف للقبول بها، أما أن يعلن الخطيب بعد تعرضه لموجة حادة من انتقادات الشارع السوري بأن هذا رأيه الشخصي ويسعى بالوقت نفسه إلى ميونخ للتفاوض بشأنه، فقد جانبه الصواب والحنكة في هذا التصريح الذي يدل على أنه لا يفرق بين معاذ الخطيب كمواطن سوري عادي وبين معاذ الخطيب رئيس الائتلاف السوري المعارض.

كما لا شك فيه بأن هذه المبادرة لم تعطِ النظام السوري حق قدره، لأنها تغاضت عن هدفه الأساسي الذي لن يتخلى عنه بالطرق السلمية وهو إحكام السيطرة على كرسي الحكم وإبقاء سورية ضمن المحور الطائفي المخطط له منذ عقود خلت، والذي لأجله يتلقى كل هذا الدعم المطلق من أطراف دولية وإقليمية.

وفي كل الأحوال سواء كانت المبادرة ضرورة أو حتمية في ظل الظروف الراهنة وفي ظل الترحيب الدولي والعربي والأممي لها، إلا أن تأثيرها على مجريات الأمور لم يكن مثمراً، فالمعارضة المسلحة في الداخل لم تتأثر بها ولم تعرها أي اهتمام، والعمل المسلح ما زال قائماً ويحرز تقدما ملموساً في دمشق العاصمة معقل الأسد الأخير، في الوقت الذي لا تزال قوات النظام ترتكب المجازر في مختلف المدن السورية إجهاضاً منها لأي انتقال سلمي للسلطة، وأي تسويات يكون الأسد خارجها.

=======================

الأسد مربوط بأوباما!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

19-2-2013

نقلت صحيفة «السفير» اللبنانية عن سياسيين لبنانيين التقوا بشار الأسد أنه «على يقين» بأنه قادر على النصر، وأنه يقول: «أين كنا وأين أصبحنا، ونحن على يقين بأن الغد لنا.. سوريا تمتلك إرادة الانتصار على المؤامرة»! هنا قد يقول قائل: هل هذا معقول؟

الإجابة بسيطة وهي أن حديث الأسد متوقع، لكن انتصاره وهم. ولفهم تصريحات الأسد، لا بد أن نعي أن الطاغية لا يحلل ما يدور في سوريا وفق معطيات ما يجري على الأرض، بل إنه يقرأ كل صباح، أو كل دقيقة، ما يصدر عن البيت الأبيض، وكل ما يقوله، وما لا يقوله، الرئيس أوباما. فتركيز الأسد منصب فقط على ما إذا كان أوباما يريد التحرك فعليا تجاه الأزمة السورية أو لا، وعدا عن ذلك فإن الأسد لا يكترث بما يدور حوله حتى والجيش الحر يسقط مطاراته الواحد تلو الآخر، والمعارك تدور في دمشق. بل إن الأسد لا يكترث حتى بقول الإيرانيين إن سوريا هي المحافظة الـ35 لهم، وإنها أهم من إقليم خوزستان بالنسبة لإيران، هذا كله لا يهم الأسد، فالأهم بالنسبة له هو ما يقوله ويفعله أوباما المتردد حيال ما يجب فعله في سوريا.

الأسد سيشعر بالراحة، مثلا، عندما يقرأ أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري «تمكن أخيرا» من التحدث يوم الأحد الماضي لنظيره الروسي لافروف، بل قيل إن كيري لم ينجح في الاتصال بلافروف في غمرة أزمة التجربة النووية الأخيرة لكوريا الشمالية. وهذا ليس كل شيء، فالخارجية الأميركية قالت إن كيري ولافروف تباحثا هاتفيا لمدة نصف ساعة وتناولا الوضع في سوريا و«اتفقا أيضا على مراجعة جدول مواعيدهما لتحديد لقاء جديد بينهما خلال الأسابيع المقبلة»!

وعليه، فإذا كان وزير الخارجية الأميركي لا يجد الوقت للتحدث لوزير الخارجية الروسي، وسيقومان بمراجعة جدول أعمالهما للتواصل حول سوريا فمن الطبيعي أن يقول الأسد إنه «على يقين» من النصر، لأنه لا يخشى إلا من موقف أميركي جاد يقلب المعادلة، وما دام أنه لا موقف إلى الآن فإن الأسد يشعر بالراحة. فما الذي سيشغل رجلا قتل 90 ألف سوري حتى الآن، والإيرانيون يتولون تأمين نظامه بقوات قوامها 60 ألف مقاتل؟

ومن هنا فإن القراءة الطبيعية للتصريحات المنسوبة للأسد تقول إنه ليس واهما ومنفصلا عن الواقع وحسب، بل هو رجل متعلق بقشة أوباما. ولذلك، فلن يكترث الأسد إطلاقا بالواقع، فما يهمه هو ما يقوله ويفعله أوباما.. وهذا يشير إلى مدى إحباط الأسد من ناحية، كما يشير إلى أنه بات مربوطا بتحركات أوباما! وعليه فإن الأسد لا يرى خطورة ما دام أوباما لا يتحرك، على الرغم من أن الأحداث على الأرض تقول إن الثوار يتقدمون بينما أصبح الأسد بمثابة المندوب السامي الإيراني في سوريا.

فهل تعي إدارة أوباما ذلك؟ وهل هناك من هو قادر، دبلوماسيا، على توضيح ذلك للرئيس الأميركي؟

=======================

عمق جديد للأزمة السورية

السعودية اليوم

19-2-2013

في كل يوم تغوص سوريا في عمق جديد للأزمة، في ظل إحجام دولي عن وقف الجرائم التي يرتكبها نظام الأسد وقوى رعاته.

وقد تطورت الأوضاع تطوراً خطيراً بتبادل الخطف بين القرى، في وقت تصر فيه الشبكة الإيرانية في بلاد الشام على معاندة الأمر الواقع الذي يؤكد أن الشعب السوري في طريقه للتحرر الكلي من اضطهاد هذه الشبكة وسيادتها، وفي وقت يحاول رعاة النظام انعاشه بجعل وكلاء طهران في بيروت يدلون بأحاديث على لسان الأسد، كنوع من البروبجندا لصمود النظام وأجنحته، لكن الرسالة الحقيقية يطلقها الثوار على الأرض في حلب، حيث يستولون كل يوم على مواقع جديدة ومطارات جديدة وطائرات وأسلحة ودبابات، والضربات الموجعة التي يتلقاها النظام اضطرت حزب الله اللبناني إلى الدخول علناً في حرب مع الجيش الحر داخل الأراضي السورية لمساندة ميلشيات النظام المتهالكة قرب حمص،

وواضح أن فنون الخصومة تتدهور بين النظام ومعارضيه إلى درجة اللجوء إلى خطف مدنيين ونساء، وهذا يعني أن الانتقام يأخذ خطاً آخر أكثر خطورة ويكسر حتى أخلاقيات الحرب والموت، وحاول النظام منذ الأيام الأولى للثورة السورية أن يوجه الأحداث باتجاه مواجهة طائفية بين السنة والعلويين، لأن ذلك هو المبرر الوحيد الذي يجعل منه ممثلا لفريق سوري، ويبدو ان هذا الاتجاه كان تخطيطاً إيرانياً قد حظي بمباركة روسية، لأن طهران لا يهمها أن يحترق كل السوريين إن فقدت نفوذها ورجالها وتمويلاتها الطائلة في بلاد الشام، ومنذ أن بدأت فرق ميلشيات «الشبيحة» التابعة للنظام السوري وحزب الله عمليات تصفية وخطف أشخاص، كانت تحاول جر السوريين إلى مرحلة أخرى أكثر تجذيراً للعداء والمواجهات، ما يمهد لتحويل سوريا إلى بلاد مستباحة في حال سقوط النظام، وبدء مرحلة الكانتونات والإمارات القروية التي تتعدد ولاءاتها ما قد يسمح لطهران بالحفاظ على مراكز نفوذ،

وحتى الآن تظهر الثورة السورية تصميماً على تطهير سوريا من كل بقايا النظام، وإفشال كل مخططاته ومخططات رعاته، بحرص المعارضة السورية على أن تكون تمثيلاً للتنوع السوري بكل طوائفه وأعراقه واتجاهاته، وتحرص المعارضة أيضاً على تحصين فصائلها المقاتلة في الداخل من المخططات الجهنمية للنظام ورعاته،

ويبدو أن الثورة السورية تدرك أن النظام ورعاته يسعون لزرع الفتنة داخل الثورة السورية، وتشويه إنجازاتها بافتعال تصفيات وعمليات خطف مدنيين وتلبيسها لفصائل الثورة وبث الفرقة والعداء في صفوفها، ومن ذلك الضجيج الذي يثيره النظام ورعاته حول وجود متشددين يبالغون في تصوير خطورتهم، في محاولة لمنع الدول العربية والقوى الكبرى من دعم الثورة.

=======================

علي الرز / «نصرة» الأسد اللبنانية

الرأي العام

19-2-2013

... وبما ان الإعلام السوري الرسمي أسخف من السخافة ويستحيل أن تقوم له قائمة، وبما انه أضرّ ببشار الأسد وكان من أفضل أسلحة المعارضة ضدّ النظام، وبما ان الشخصيات التي يستضيفها هذا الإعلام صارت بديلة للفنانين الكوميديين السوريين، وما أكثر من باع ضميره للشيطان بينهم... كان لابد من الاستعانة بالإعلام اللبناني الحليف لمواكبة المجزرة الدموية المتصاعدة ضد الشعب السوري بـ «مجزرة» إعلامية قوامها التركيز على «جبهة النصرة» وإغفال أيّ عمل وحشي من قبل النظام.

من مراكز «الحوار» في واشنطن إلى صحف بيروت مروراً بمراسلين في أوروبا واستعانة ببعض «الأصدقاء» في صحف غربية... ثمة مَن أطلق رصاصة البدء لتعزف الأوركسترا سيمفونية واحدة: ركِّزوا على معارضين بعيْنهم لأنهم يهاجمون النظام لا الرئيس وينتقدون المتطرفين والجهاديين أكثر من الجيش والشبيحة. أبرِزوا تقارير الخلافات بين بعض أهالي القرى والبلدات الخاضعة لسيطرة المعارضين وبين المقاتلين الغرباء من جبهة النصرة. أُكتُبوا عن المحاكمات الشرعية التي حصلت وعن هيئات الأمر بالمعروف التي انتشرت. أكثِروا من تخويف الأقليات من القادم واستخدِموا كل خباثة الخبثاء للقول إن النظام «ارتكب أخطاء» لكن النظام الذي سيخلفه سيحكمه أبوعبيدة وأبوقتادة وأبومصعب وأبوقحافة تحت عباءة الظواهري، وسيفرض الجزية على المسيحيين ويسحل الشيعة ويحرق العلويين. تفنَّنوا في إشاعة أن الجيش السوري حسم المعركة وهو يطهّر بعض الجيوب. أَنهِكوا معنويات الثوار والثورة بتكبير التباينات بين أطراف المعارضة من جهة وإشاعة أخبار عن اختراقات النظام لهيئات الثورة على الأرض وعن طلبات بالجملة يرسلها معارضون للتحاور والتفاوض والمسامحة.

أليس هذا ما نقرأه ونسمعه يومياً؟

السوريون بالفطرة ضد «النصرة»، وهذه الجبهة لم تكن خيار الثورة السورية...

كانت خيار بشار الأسد منذ اليوم الأول لخروج الناشطين السوريين المسالمين العزل بالورود في دمشق وحمص. تذكّروا عندما ذُبح غياث مطر وحمزة الخطيب وإبراهيم القاشوش، كيف عرض وليد المعلم الفيديو - الفضيحة لمتطرفين إرهابيين تبيّن أنه يعود لجريمة حصلت في لبنان. بل تذكّروا المقابلة الشهيرة للأسد في «وول ستريت جورنال» قبل الثورة. يومها قال ما معناه إن الربيع في بلاده مستبعد لأن البديل هو التطرف فالمجتمع «أصبح أكثر انغلاقاً بسبب تزايد انغلاق العقول ما قاد إلى التطرف».

ولم تكن عناصر التطرف و«الجهاد» والطائفية أسلحة الثوار الذين هتفوا «الشعب السوري واحد»... كانت أسلحة النظام منذ اليوم الأول حيث ردّ على المسيرات السلمية بإذلال الشبيحة للمتظاهرين والقفز فوق ظهورهم أمام وسائل الإعلام شاتمين أصولهم وفصولهم ودينهم ومذهبهم. كانت أسلحة النظام الذي أكمل المشهد بسلسلة مجازر متعمدة لمناطق ومجموعات بعيْنها.

ووسط تجاهل الولايات المتحدة لنداءات السوريين رغم أن أوباما قال للرئيس حسني مبارك «الآن يعني الامس»، ونظراً لغياب الدعم الفعلي للمعارضة، ووجود دعم غير محدود للأسد من إيران وحزب الله وروسيا والصين، وبعدما صارت المجازر سنّة النظام الوحيدة في التعامل مع شعبه وبعدما فتح الأسد الأبواب والساحات لمقاتلين إيرانيين ولبنانيين... دخلت «النصرة» كما دخل غيرها لكن إعلام «جبهة نصرة الأسد» اللبنانية التي تضمّ سياسيين وصحافيين لم يعد يرى في المشهد السوري سوى نظام علماني حديث ممانع يحمي الأقليات ويتصدى لتنظيم «القاعدة».

رغم التقدم الذي تحرزه على الأرض مع القوى الثورية الأخرى، إلا أن «النصرة» هي النصرة. ليست بحاجة إلى مَن يكتب يومياً عن أدبياتها وثقافتها ومفرداتها وسلوك أفرادها وعقيدتهم، وهي لا تخفي ذلك أو تنفيه. إنما المشكلة الحقيقية هي التي لا يراها إعلام «جبهة نصرة الأسد اللبنانية»، فهنا لا مجازر تحصل، ولا قصف للطوابير المنتظرة عند المخابز، ولا ديكتاتور متوحشاً أباح قتل وذبح وسحل واعتقال كل مَن تجرأ ورفض منطق «المزرعة» والعبودية، ولا أطفال يؤخذون من منازلهم ويعودون بلا أحشاء، ولا نساء يُغتصبن أمام أهلهن لاذلالهم ومعاقبتهم على كلمة «حرية»، ولا نظام يحاور معارضيه بالتفجير ويفجّر محاوريه، ولا طائرات تسوي أبنية بمن فيها بالأرض، ولا أحياء تختفي من الخريطة... باختصار، لا توجد ثورة بل هناك من جهة نظام علماني رئيسه شاب يعشق الحياة بكل جوانبها ويغازل عبر الإنترنت، وسيدة أولى ترتدي أحذية مرصعة بالماس مصنوعة خصيصاً لها من دار كريستيان لو بوتان، وحافظ الحفيد المغرم بأفلام وقصص هاري بوتر... ومن جهة أخرى «جبهة النصرة» الإرهابية التي تريد تحويل سورية إلى تورا بورا.

هنيئاً لبعض الإعلاميين اللبنانيين مشاركتهم في المجزرة، وهنيئاً للدول الكبرى التي لم تنصر الثورة السورية وتركتها لـ «النصرة»، وهنيئاً للبيت الأبيض على نصرة القوى «العلمانية والمدنية والليبرالية» مثل الحرس الثوري الإيراني و«حزب الله» و«الجهاد الإسلامي»... لبشار الأسد.

=======================

أمريكا تتحالف مع حزب الله في سوريا

سمير الحجاوي

الشرق

19-2-2013

الثورة السورية أنتجت حالة غريبة من التحالفات العجيبة، مثل تحالف العلمانيين ورجال الدين، وتحالف اليسار والقوميين مع العسكر، لكن أغرب هذه التحالفات هو تحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع حزب الله رغم العداء الظاهر بينهما.

هل هذا الكلام واقعي أم مجرد ضرب من الخيال؟ وهل يمكن لأمريكا أن تتحالف مع منظمة تصنفها "إرهابية "؟ أم أن الحديث عن التحالف بين حزب الله وأمريكا شكل من أشكال الدعاية المغرضة و"البروباجندا" السوداء التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تشويه صورة حزب الله اللبناني أمام الرأي العام العربي والإسلامي؟

الحديث عن التحالف بين حزب الله وواشنطن واقعي وفعلي في سوريا، فالطرفان يتفقان على أمرين رئيسيين، الأول: عدم انتصار الثورة السورية، والثاني: محاربة جبهة النصرة الإسلامية، فأمريكا أدرجت جبهة النصرة على قوائم المنظمات الإرهابية، في حين يحارب مقاتلون من حزب الله الجبهة على الأرض السورية بالسلاح.

هذا التلاقي الأمريكي مع حزب الله، لا يعني بالضرورة اتفاقا عقائديا أو قيميا، ولكنه تقاطع في المصالح بين الطرفين في مواجهة " العدو الإسلامي الموحد"، فجبهة النصرة تتوفر فيها كل مواصفات "العدو الكامل" بالنسبة لأمريكا وحزب الله، وكما التقت المصالح الأمريكية مع إيران في العداء لصدام حسين في العراق وحركة طالبان في أفغانستان، مما خلق حالة من التحالف "الأمريكي- الإيراني" ضد صدام حسين وطالبان، وهو ما تفاخر به نائب الرئيس الإيراني الأسبق محمد علي أبطحي بقوله: " لولا المساعدة التي قدمتها إيران لأمريكا ما سقط صدام وطالبان بهذه السهولة"، تلتقي المصالح الأمريكية الإيرانية وحزب الله في سوريا ويتكرر نفس التحالف ضد الثورة السورية، بحجة التهديد الذي تشكله "جبهة النصرة" ضد الطرفين، ومجهول مرحلة ما بعد الأسد.

أمريكا وإيران وروسيا وحزب الله يتفقون على عدم "انهيار الوضع" في سوريا وعدم تسليم سوريا للثوار الذين ينتمون إلى "الأغلبية السنية"، ورغم وجود تباينات بين هذه الأطراف حول مصير بشار الأسد، بين من يرى أن وجوده عقبة في تحقيق المصالح المرجوة والمنتظرة مثل واشنطن، ومن يرى أن رحيله قد يشكل تهديدا على مصالحه بالكلية مثل إيران وحزب الله، ومن لا يتشبث بالأسد ويعتبره ورقة تفاوضية جيدة لإحراز المزيد من المكاسب مثل روسيا.

هذه الأطراف تستخدم كل الوسائل التي تراها مناسبة من أجل تحقيق مصالحها، فروسيا تزود نظام الأسد الإرهابي بالسلاح والخبراء وإيران وحزب الله ونوري المالكي يزودونه بالمقاتلين، في حين تلعب واشنطن سياسيا مباشرة أو من خلال وكلائها في المنطقة أو في الداخل السوري.

هذا التحالف الكبير والواسع ضد الثورة السورية الذي يختبئ خلف شعار "التصدي لجبهة النصرة"، يشكل خطرا وجوديا على الثورة السورية ومستقبل الشعب السوري وحقه في تقرير مصيره، فجبهة النصرة لا تشكل سوى جزئية صغيرة من المشهد السوري العام، ولا يتجاوز عدد عناصرها في سوريا 5000 مقاتل في أحسن الأحوال، وهم يبلون بلاء حسنا في قتالهم ضد الآلة العسكرية الإجرامية الإرهابية لكتائب الأسد وشبيحته وهم ينأون بأنفسهم عن المشاكل الداخلية بين بعض قوى المعارضة السورية ولا يدخلون طرفا فيها، ويشكلون رأس حربة في مواجهة قوات الأسد في بعض المناطق خاصة في شمال سوريا، بالإضافة إلى تمتعهم بحاضنة شعبية صديقة، وهي الحاضنة الضرورية للثورة ولحرب العصابات. وبالتالي فإن عملية "شيطنة" جبهة النصرة وتصويرها على أنها حركة "إرهابية أصولية تكفيرية متطرفة" مصيرها الفشل، فحتى الناشطين السوريين المسيحيين من وزن ميشيل كيلو وجورج صبرا وغيرهما دافعوا عن مقاتلي جبهة النصرة بوصفهم ثوارا يدافعون عن الشعب السوري.

يعمق التحالف غير المعلن بين حزب الله وأمريكا ضد الثورة السورية من أزمة حزب الله الشيعي اللبناني ويدفعه إلى المزيد من الخسارات الإستراتيجية الكبيرة، وهي أسرع خسارة تمنى بها حركة عربية "مقاومة" في التاريخ الحديث، ووصلت هذه الخسارة إلى درجة العدائية من قبل الرأي العام العربي والإسلامي ضد حزب الله وتورطه في الحرب ضد الشعب السوري ودعم نظام إرهابي مجرم سفك دماء 100 ألف سوري بريء خلال عامين فقط.

أمريكا بدورها تخسر كثيرا، فهي تواصل السقوط في مستنقع الكذب والنفاق والاحتيال السياسي واللعب على أكثر من حبل، وهي ستخسر في سوريا كما خسرت في العراق وأفغانستان، وإذا كانت الخسارة التي منيت بها في العراق وأفغانستان عسكرية واقتصادية فإن خسارتها في سوريا ستكون سياسية فادحة، إضافة طبعا إلى السقوط الأخلاقي والقيمي وتداعي دعواتها للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي التي ترفع لواء هذه الدعوات وتستخدمها لاستغلال وابتزاز الدول الأخرى.

تحالف حزب الله مع أمريكا ضد الثورة السورية ستكون له تداعيات كبيرة في المستقبل القريب قد يكون من بينها انتقال الحرب في سوريا إلى لبنان، فتدخل حزب الله العسكري في سوريا قد يدفع أطرافا سورية، من بينها جبهة النصرة بالطبع، إلى محاولة نقل المعركة إلى العمق اللبناني، وهو احتمال بدأت تتحدث عنه وسائل الإعلام اللبنانية، بل وبعض أركان حزب الله ووسائل إعلامه.

=======================

السياسة بين الخطاب الإسلامي والمكيافيللي في سورية والعالم!

خالد هنداوي

الشرق

19-2-2013

لعل المأزق الحقيقي الذي يحشرنا في زاوية الوادي السحيق ونحن نريد أن نجد أنفسنا لنعثر على حل ناجع للقضية السورية اليوم هو ما نحسه ببصائرنا قبل أن نراه بأبصارنا أن كل شأن لا يبنى على الفهم سيكون طريقا للجهل والضياع والحيرة، وإذا أمعنا النظر في الفقه السياسي الذي يدعي امتلاكه من يزعمون أنهم ساسة متعمقون في الحكومة السورية وطبعا في طليعتهم فخامة الرئيس الجزار، وأن معظم من يتصدرون لهذه السياسة من الجوار الإقليمي القريب أو الدولي البعيد وكأنهم لم يتعلموا في مدرسة ابتدائية مبادئ علم السياسة وقتها إذا اعتبرنا أنها من حيث اللغة هي القيام على الشيء بما يصلحه كما في لسان العرب 6/107 أو أنها ما يدل على التدبير والإصلاح والتربية، وهي قريبة في الاصطلاح من هذا المعنى كما يشير أبو البقاء في كلياته 3/31 من أنها استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي وتدبير أمورهم المدنية باعتبارها فرعا من الحكمة العملية وهي بذلك تعمل على حراسة الدين وسياسة الدنيا كما في كتابي "نصيحة الملوك" ص:51 و"كشاف اصطلاحات الفنون" 1/386 ومن هنا كان فهم الخطاب الإسلامي في أول نص للسياسة وتعلقها بالحكم كما أورد أبو جعفر الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" 5/68 قول عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري في وصف معاوية رضي الله عنهم إني وجدته حسن السياسة حسن التدبير، وقد أكد الخطاب الإسلامي أن الغرض من تلك السياسة هو المحافظة على مقصود الشرع، أي أنه المصلحة الحقيقية المعتبرة لا الوهمية القائمة على الهوى إذ هو الغرض من السياسة وهذا ما أكده ابن عابدين في حاشيته 4/15 وأنه مدار الشرع بعد الإيمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم، ولقد ظهر في الخطاب الإسلامي أن السياسة قسمان: سياسة عادلة تظهر الحق وتدفع المظالم، وسياسة ظالمة تعمل على نشر الشر وتنصر الجور وأنه بسبب القسم الأول ينتشر الأمن والأمان وتنمو ثروة الاقتصاد، أما بسبب الثاني فإنه يضطرب حبل الأمن ويتدهور الاقتصاد، ولذلك فإن هذا الخطاب الإسلامي يؤكد أن مما يجب أن يعتقده المسلم هو نصب الإمام الذي عليه أن يقوم بحراسة الدين وسياسة أمور الأمة بالرشد وأن هذا هو فرض بالإجماع، مستعملا الحكمة في ذلك إن اقتضت الشدة مرة أو اللين مرة أخرى، مع الاعتماد على الشرع والعقل الذي هو أصله والابتعاد عن الهوى والرأي الفاسد كما أكد ابن القيم في "إعلام الموقعين: 4/372، ومع اتخاذ المرونة التي تراعي التوسع في فهم النص جسما وروحا خدمة لمصالح العباد كما أكد القرافي المالكي، وهنا بهذه المثابة يكون للإمام حق الطاعة والنصرة على الشعب ما دام ملتزما بالفرائض مؤديا حقوق الأمة، محافظا على خزينة الدولة، محاسبا ومعاقبا كل مسيء بما يستحقه، مستخدما الجيش أولا وأخيرا للجهاد ضد الأعداء والدفاع عن البلاد وليس مخربا لها قاتلا أهلها كما كان حال حافظ الأسد وبشار اليوم ومن أشبههما من الطغاة الفراعنة القدماء والجدد كمبارك والقذافي وصالح وزين العابدين وغيرهم.

وإذ جاء تعريف السياسة في المفهوم المعاصر أنها اسم للأحكام والتصرفات التي تدير شؤون الأمة في حكومتها وتشريعها وقضائها وجميع سلطاتها التنفيذية والإدارية وعلاقاتها الخارجية مع الأمم والدول فإن الخطاب الإسلامي يهضم ذلك ويدعو إليه دعما للتعاون الإنساني القائم على التضامن والأمن والسلم الدوليين [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا...] (الحجرات:13) أي لتتعاونوا وهنا يقول أبو الحسن الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين ص:221 إن اختلاف الدين يدعو إلى التعاون أي في الدنيا أما في الآخرة فكما يقول تعالى [لكم دينكم ولي دين] (سورة الكافرون: 6) فانظر إلى هذا الفهم والشفافية منذ قرون عديدة خلت!

وتعليقا على هذا فإننا نرى أن الفقه السياسي في الخطاب الإسلامي كان له دور بارز في التاريخ قديما وحديثا ونذكر على سبيل المثال أن محمد بن الحسن الشيباني 189هـ هو صاحب السير الصغير والكبير كان رائدا قبل غيره في هذا المجال حتى إنه تأسست في "غوتنجن" بألمانيا جمعية باسم الشيباني للحقوق الدولية ضمت علماء القانون الدولي وعرفت بالشيباني وجهوده، كما أن مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق في إحدى أعدادها عام 1943م ذكرت بيانا شمل أكثر من خمسين كتابا ألفه العلماء في السياسة، وتضم مكتبة الآستانة للمخطوطات فيها مائة مخطوط في علم السياسة كما جاء في تحقيق كتاب "سلوك الممالك" 1/60 ونقله صاحب كتاب "الأخلاق السياسية" زكريا النداف ص:98 وكذلك فإنه غير خاف على القارئ المتابع العديد من الكتب المهمة في السياسة كالأحكام السلطانية للماوردي 450هـ والإمامة لأبي عبدالله محمد القلعي و782 هـ والسياسة الشرعية لابن تيمية في القرن نفسه على أن بعض الباحثين أحصى مئات الكتب والبحوث المعاصرة في هذا المجال ذكر النداف في كتابه السابق ص103 منها ثمانية عشر سفرا مهما، ولعل ما سقناه حول تعليق الخطاب الإسلامي على فهم السياسة هو الذي يضعنا على السكة السليمة لقطار الحياة والتعامل مع البشر أيا كانوا فيه، وهذا ما يفسر لنا أيضا انتشار العدل والنصر والخير في المعظم الغالب من تاريخنا وتراثنا العريق وأصوله إلى أقاصي الدنيا.

وأما ما نراه من الكراهية المرة لكثير من البشر للسياسات الحديثة والمعاصرة فإنما سبب ذلك أنها تتكلم وتكتب بلغة غير التي تنفذها على واقع الحياة، وأنها مازالت تأخذ بالسياسة المكيافيلية التي لا تنظر إلا إلى القوة بوجهيها المادي والمعنوي وبوجه نفعي محدود، كما يؤكد مكيافيللي ضرورة استخدام الدين والأخلاق لدعم هذه القوة التي يجب أن يتمتع بها الحاكم ناصحا له أن الأخلاق لا ترتبط بالسياسة وهنا أتذكر أنه في بدء الثورة السورية سلميا قد جاء مندوب من وزارة الخارجية السورية وقابل أحد العلماء الذين يقفون معها ضد حكم الأسد الظالم في بلد آخر، وصارحه بأننا في الحكومة السورية وبأمر بشار بل وأبيه من قبله قد عملنا على تحييد المؤسسة الدينية إلى طرفنا، وأوقفنا العلماء عند حدودهم بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى، فماذا تفعل أنت والشيخ القرضاوي ومن معكما أمام جهودنا الجبارة في دعم حكم الأسد، وحذره وتوعد. وهنا أيضا عرفت سفاهة المقولة التي ذكرها الجزار في أحد مقالاته أننا لا نعاني من اصطدام بين حكومة وشعب وإنما من أزمة أخلاقية، وهكذا أصبح هذا السياسي معلما في الأخلاق كما يبدو له! ويجب ألا ننسى أن حكام المجتمع الدولي بغالبيتهم ينهجون المسلك نفسه وإن كان الجزار كأداة بلغ الزبا وتفوق عليهم وهل مواقف أمريكا وأوروبا وروسيا وإيران والصين ومن تبعها إلا دائرة في هذه المصالح المتعددة متبعة مكيافيللي في كتابه الأمير ص 35 و183 وأن الأفضل للحاكم أن يخافه الناس على أن يحبوه، أي مهما قمع وقتل ظلما، وليس هناك طريقة أفضل للحاكم من النفاق علما أن هذه الأفعال وللخيبة إنما تجري باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وصون الوطن من الأعداء، ختاما أقول: إن هذا هو الذي رمى إليه الشيخ محمد عبده عندما كره السياسة بهذه المثابة فقال في كتابه "الإسلام والنصرانية والعلم والمدنية" ص 101 إن السياسة تضطهد الفكر والدين أعوذ بالله منها ومن ساس ويسوس وسائس وهي سبب جمود المسلمين لأنها أطفأت نور الإسلام وهي الشجرة الملعونة في القرآن لأنها تمشي في عبادة الهوى وخطوات الشياطين. نعم هي هكذا إن كانت كذلك، أما في الخطاب الإسلامي الحي فإنها عبادة، ولذلك كان حسن البنا يقول: إذا قيل لكم سياسة فقولوا هذا إسلام ولا نعرف هذه الأقسام، ولذا فإن معضلتنا مع اللانظام السوري الذي يدعمه معظم المجتمع الدولي المصلحي بالفهم الأخير ويضع الحجج والذرائع من جبهة النصرة والجهاديين الأجانب.. تحتاج إلى تشكيل العقل والفهم من جديد فإن هؤلاء جميعا يعملون على ألا يكون للخطاب الإسلامي الإنساني وجود في سورية خصوصا في عالم لا تسود فيه إلا شريعة الغاب على وجه العموم.

=======================

تناقض عراقي داخلي يحسمه مصير الأسد!

سركيس نعوم

2013-02-19

النهار

يعرف الاميركيون إن ما يجري في العراق يؤثر في سوريا، وإن ما يجري في سوريا يؤثر في العراق. وتنبع معرفتهم من واقع جغرافي هو تجاور البلدين، ومن واقع سياسي هو تنافسهما منذ تأسيس دولتيهما. انطلاقاً من ذلك يحاول باحثون في واشنطن متخصصون بالعراق ومحيطه استشراف تأثيرات الازمة – الحرب السورية على أوضاعه وتركيبته السياسية ومواقف مكوناته، بل على الحكم الجديد الذي تمارسه غالبية ابنائه، وهي شيعية، منذ إطاحة الاميركيين نظام الراحل صدام حسين.

الى ماذا توصّل هؤلاء في استشرافهم؟

توصلوا الى إقتناع بأن السنّة والشيعة العراقيين يختلفون في فهمهم حتى التناقض للصراع المحتدم في سوريا. فالشيعة يعتبرونه مخيفاً وتطوراً سلبياً. وتوصلوا الى إقتناع آخر بأن الدول السنّية الرئيسية مثل السعودية وقطر والامارات العربية المتحدة وتركيا لن تحتمل إدارة حكومة يترأسها الشيعي نوري المالكي ولن تتساهل معها على المدى البعيد. وتوصلوا الى إقتناع ثالث بأن السيطرة الجديدة للشيعة العراقيين على السلطة وبسبب احساسهم بالاستهداف التاريخي لهم، تجعلهم يعتبرون الأزمة السورية بداية لارتداد سنّي انتقامي. وهذا امر يقلقهم لأنه ربما يهدد بسقوط بغدادهم مستقبلاً. هذه الاقتناعات الثلاثة يلفت الباحثون الاميركيون انفسهم، دفعت المالكي الى محاولة البحث عن حل تفاوضي للصراع في سوريا. ودفعته ايضاً الى السماح لايران الاسلامية بإرسال المساعدات الى الاسد عبر العراق. ودفعته اخيراً الى التساهل مع الميليشيات الشيعية المدعومة من ايران مثل "عصائب اهل الحق" وذلك بتسهيل عبور عناصر منها الى سوريا لمساعدة نظامها.

اما الأقلية السنّية العربية في العراق فإنها ترى الصراع في سوريا من منظور مختلف تماماً عن المنظور الشيعي. فالسياسيون السنّة والمجموعات السنّية المقاتلة اعتبروا المالكي دمية ايرانية مهمتها اقصاؤهم عن مؤسسات الدولة. وقد أتت الثورة السورية والتجاوب الاقليمي معها لكي تجعلهم يرون ضوءاً في نهاية النفق الطويل المظلم الذي هم فيه. ويرون في الوقت نفسه الاشارة الاولى لمبادرة الدول السنّية الى التحرك جدياً لإضعاف النفوذ المتزايد لايران. هذه "المشاعر" ساهمت في اعطاء الاحتجاجات السنّية الاخيرة في العراق زخماً كبيراً. والحرب في سوريا اعطت المحافظات السنّية العراقية (الانبار ونينوى وصلاح الدين) الامل ان في إمكانها تحقيق الوحدة طبعاً بعد توافر دعم دولة سنّية قوية. وبدا أن بعض المشاركين في الاحتجاجات المذكورة يعوِّل على دعم تركيا جراء رفعهم صور رئيس وزرائها.

هذه المواقف المتناقضة ستدفع العراق تدريجاً الى ذروة الاختلاف عندما ينهار نظام الاسد. وعندها سيشعر المالكي والشيعة العراقيون بضغط وبقلق غير مسبوقين في حين ان "إخوانهم" السنّة سيشعرون بالانتصار والقوة. كما انهم سيصبحون معرّضين للخطأ في الحسابات. وفي جو كهذا ترتفع وإلى حد كبير نسبة إقدام الحكومة العراقية (المالكي الآن) على استعمال القوة وإن شديدة لإعادة النظام إلى البلاد.

ماذا عن اكراد العراق عند الباحثين الاميركيين انفسهم؟

سواء بقي نظام الاسد او سقط، وأياً تكن الجهة التي سيميل اليها اكراد سوريا، فإن حدود اقليم كردستان في العراق ستبقى منطقة مهمة جداً. ذلك ان مرحلة ما بعد النظام المذكور ربما تعزّز فرص تنويع "الاقليم" اماكن تصدير نفطه وغازه، وخصوصاً إذا قامت علاقة جيدة بينه وبين اكراد سوريا والنظام الجديد فيها. وإذا لم يحصل هذا الامر فان علاقة الاقليم مع بغداد ستعود أو ستبقى إشكالية مهمة.

كيف يجب ان تتصرف اميركا في ضوء الواقع العراقي المفصّل أعلاه؟

يجيب الباحثون انفسهم ان على ادارتها ان تبذل جهوداً مع الحكومة العراقية ومعارضيها، وأن تُحضِّر معهم مسبقاً طريقة لادارة الأزمة في بلادهم في وقت تكون سوريا هي موقع الاهتمام الاول. كما عليها ان توفّر لهم ما يطمئنهم ويبعدهم عن الذعر وعن تصور المؤامرات عليهم في كل مكان. والإدارة تستطيع استغلال سقوط الاسد لتخيير المالكي بين ان يجعل مستقبل العراق مع اميركا والعالم العربي أو أن يبقيه مع نادي ايران المتسارع ضعفه و"وكلائها". علماً ان ذلك قد يدفعه الى الاقتراب من طهران أكثر، وخصوصاً إذا كان عاجزاً عن الابتعاد عنها أو خائفاً من ذلك.

=======================

سوريا والحرب الشيعية - السنّية

راجح الخوري

2013-02-19

النهار

قبل شهرين ونيف، تحديداً في 10 كانون الاول الماضي، نشرت صحيفة "تايمز" مقالاً خلاصته ان سوريا قد تصبح منطلقاً لحرب كبيرة مدمرة وشاملة تقع بين السنة والشيعة يمكن ان تتحول حرباً عالمية!

لا ينطوي هذا التحليل على اي مبالغة، تكفي مراقبة الانزلاق الايراني المتزايد الى الرمال الدموية المتحركة في سوريا لكي يدرك المرء ان المقال المذكور الذي كتبه السياسي البريطاني البارون بادي اشداون، الذي سبق له ان عيّن ممثلاً لشؤون البوسنة والهرسك، يشكل تأكيداً للرؤية الاستباقية المتصاعدة السوداء، التي بدأت تفاصيلها اليومية ترسم بالفعل معالم حرب مذهبية بغيضة مدمرة وطويلة، وخصوصاً في ظل التحول في خلفيات الصراع السوري، الذي بدأ بين الطغيان والحرية ويكاد الآن يصبح بين المذهبين الشيعي والسني وذلك لأسباب ثلاثة:

اولاً العجز العربي عن الحل والتغاضي الاميركي الغربي عن دعم الثوار خصوصاً بعد النتائج المفاجئة التي افرزها "الربيع العربي" في تونس وليبيا ومصر، ثانياً الانحياز الروسي - الصيني الى النظام وتعطيل مجلس الامن، ثالثاً وهو الاخطر الانزلاق الايراني الى القتال ميدانياً الى جانب النظام، وهو ايضاً ما ينزلق اليه اكثر "حزب الله" الذي يتبع ولاية الفقيه، بما قد يجعل من سوريا في النهاية ساحة صراع تستجلب عناصر الحماسة والتطرف السني من العراق وغيره لمواجهة وحشية النظام وعناصر التطرف الشيعي الايراني!

لم يكن حسن شاطري وهو احد كبار جنرالات فيلق القدس اول ايراني يقتل في سوريا، وفي حين يرتفع عدد القتلى من عناصر "حزب الله" الذين باتوا يقاتلون علناً وجهاراً الى جانب النظام، تصدر تصريحات مهدي طائب وهو رجل دين مقرب من المرشد علي خامنئي ويتولى المسؤولية عن الحرب الناعمة ضد ايران، لتوحي بأن ايران تخوض في سوريا حرب حياة او موت:

"لو خسرنا سوريا لا يمكن ان نحتفظ بطهران، ولكن لو خسرنا خوزستان [وهو اقليم الأهواز ذو الغالبية العربية] فيمكن ان نستعيدها ما دمنا نحتفظ بسوريا. سوريا هي المحافظة الايرانية رقم 35 [هكذا تحدث صدّام حسين عن الكويت] انها محافظة استراتيجية لنا، ولهذا اقترحت الحكومة الايرانية انشاء قوات تعبئة لحرب المدن تتسلم حرب الشوارع من الجيش السوري".

التورط الايراني السافر في سوريا يأتي بعد سلسلة طويلة من التدخلات في عدد من دول الخليج العربي من السعودية الى البحرين الى الكويت والامارات واليمن وحروب الحوثيين وبعد تاريخ طويل من التهديدات وادعاء حق السيطرة على الاقليم والاندفاع للعب دور محوري فيه وهو ما شكل تسميماً للاجواء وتخريباً للعلاقات بين المسلمين، وما يشكل الآن استقطاباً للتطرف السني لمواجهة الشيعة في "المحافظة رقم 35"... فيا غيرة اهل الدين!

=======================

"الحزب" يستدرج دماء سوريا إلى لبنان

علي حماده

2013-02-19

النهار

يوما بعد يوم يتكشف حجم تورط "حزب الله" في الصراع الدائر في سوريا، وانغماسه الكبير في حرب النظام ضد الشعب السوري، وانزلاقه المتعاظم في العمليات العسكرية في محيط مدينة حمص وريف دمشق، وصولا الى المناطق الجنوبية في محاذاة درعا. ويوما بعد يوم تعود الى لبنان جثث مقاتلين من الحزب المذكور لتدفن تارة تحت جنح الظلام من دون تبيان الاسباب الحقيقية التي ادت الى الوفاة، وطورا تحت شعار "الاستشهاد خلال اداء الواجب الجهادي". وفي احيان كثيرة تتوارد انباء مصدرها اهالي المناطق الحدودية مع سوريا لجهة البقاع الشمالي، تفيد بأن مدفعية الحزب تتدخل دوريا من داخل الاراضي اللبنانية في المعارك الدائرة حول قرى حمص المحيطة بمدينة القصير المحاصرة من قوات النظام، والتي يشترك فيها "حزب الله". اما عن التعاون الامني والمخابراتي الذي يتم في جانب منه اقحام الاجهزة الرسمية اللبناني فحدث ولا حرج.

ماذا يعني هذا الامر؟ بكل بساطة ان الايرانيين من خلال ذراعهم العسكرية في لبنان ( حزب الله) يقاتلون على الارض السورية في محاولة لمنع سقوط النظام. هذا امر في غاية الخطورة، لان عواقبه لا تقتصر على الايرانيين، بل تصيب لبنان مباشرة وتجعل من فريق يمثل الجهة الوازنة الاساسية في الحكومة الحالية، فريقا متورطا في قتل السوريين، وخوض حروب على ارض غير لبنانية. فأين هي معزوفة "النأي بالنفس" التي صرع الرئيس ميقاتي الناس بها؟

وعليه، لا بد لنا من وقفة جدية مع "حزب الله" ومع الفريق السياسي الحامي لمعادلة الحكومة الحالية، لسؤاله عن موقفه الصريح من هذه المقامرة بالاستقرار اللبناني الداخلي والخارجي. ما هو موقف رئيس الجمهورية؟ وما هو موقف رئيس الحكومة؟ والى متى دفن الرؤوس في الرمال وتجاهل هذا التورط العظيم الخطورة، ليس فقط على "حزب الله"، ونحن آخر من يهتم بمصيره كذراع ايرانية في لبنان، بل على لبنان، ولا سيما البيئة التي يمسك الحزب بقرارها.

لا بد من موقف على مستوى خطورة التورط الدموي لهذا الحزب الذي يبني يوما بعد يوم جدرانا من الاحقاد بين الشعب السوري وبيئة لبنانية يوهمها بانه يحفظ مصالحها ويعززها بسياساته. لا بد من كلام صريح لرئيس الجمهورية، ولا بد من موقف مغاير لخطاب التكاذب الذي يبرع فيه رئيس الحكومة ويهدد به بالاستقالة ما لم يتوقف التورط فورا. وعندما نعني التورط، فإننا نعني كل اشكال التورط، بدءا من العسكري والامني، وصولا الى الاقتصادي والمالي والتمويني.

ان النتيجة الحتمية لتورط "حزب الله" الجهنمي في قتل السوريين، ستكون باستحضار الصراع الى قلب لبنان مع ما يمكن ان يطول دماء لبنانيين ابرياء من جرائم "حزب الله" المتمادية.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com