العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23/12/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

تحديات المسألة السورية

تاريخ النشر: السبت 15 ديسمبر 2012

د. صالح عبد الرحمن المانع

الاتحاد

عقد في المنامة الأسبوع الماضي منتدى حوار المنامة، وقد طغت على مداخلاته ومناقشاته المسألة السورية بكل أبعادها الدبلوماسية والسياسية والعسكرية. وكان هناك تخوف من بعض المشاركين من احتمال تكرار التجربة العراقية في سوريا، بحيث يتم حلّ الجيش السوري وأجهزته الأمنية في أعقاب انهيار النظام القائم، وتتحول سوريا إلى جهات وجماعات متقاتلة على غرار ما هو حادث في الصومال، أو ما حدث في العراق في أعقاب الاحتلال الأميركي للبلاد.

غير أنّ التطمينات التي سمعت من قبل ممثلي الائتلاف الوطني السوري الجديد، جاءت لتطمئن الحاضرين بأنّ الائتلاف يشعر بخطورة الوضع المستقبلي، وأنه بصدد وضع تصور لحكومة مؤقتة ومجلس عسكري أعلى ينسّق بين الفصائل المقاتلة على الأرض، وأنّ مثل هذا الإعلان تقرر أصلاً صدوره خلال اجتماع أصدقاء سوريا في مراكش الذي عُقد يوم الأربعاء الموافق 12 ديسمبر الجاري.

وطرح بعض المشاركين أسماء بعض الحركات الإسلامية المقاتلة على الساحة السورية مثل «جبهة النصرة» وغيرها من الحركات الإسلامية، وكان هناك تخوف من أن تهيمن مثل هذه الحركات على المعارضة السورية. إلا أن آخرين رأوا أن أخذ الائتلاف السوري الموحد للمبادرة من شأنه أن يعطي بعداً شعبياً أوسع لقطاعات المعارضة المختلفة بحيث تمثل بحق معظم فئات المجتمع السوري.

ولذلك، فإنّ مسألة مساندة الائتلاف السوري الموحد الذي أُعلن قبل شهر واحد في الدوحة باتت ضرورة ملحة للمجتمع الدولي الذي يسعى جاهداً إلى جمع شتات المعارضة السورية ودعمها عبر صندوق مقترح يبلغ قوامه حوالي خمسة مليارات دولار، كان قد جرى الحديث مؤخراً عن إمكانية الإعلان عن تشكيله من قِبل مجلس التعاون وأصدقاء سوريا في اجتماع مراكش.

وقد بدأت الدول الخليجية والأوروبية في العمل بشكلٍ مكثف لوضع تصورات لفترة ما بعد الأسد، ومن ذلك بناء الهياكل الإدارية لحكومة ديمقراطية تخلف نظام الأسد، وتدريب أفرادها على إدارة السلطة، وتقديم المساعدات للشعب السوري، خاصة اللاجئين منهم، الذين وصل تعدادهم في الداخل إلى ثلاثة ملايين شخص، بالإضافة إلى حوالي خمسمائة ألف لاجئ في الخارج.

ومثل هذه الأزمة الإنسانية التي تداعت إليها الدول المحيطة بسوريا، يمكن أن تستثمر لاحقاً لمساعدة الحكومة الوليدة اقتصادياً وسياسياً وإدارياً في المرحلة اللاحقة لسقوط نظام الأسد.

كما أنّ مثل هذه المرحلة تتطلب كذلك إصدار عفو عام عن جميع من شارك في القتال من الجنود ذوي الرتب المنخفضة، بل والتأكيد على بقائهم في الخدمة العسكرية بشكلٍ أو بآخر، وتحت إمرة جديدة.

ومسألة تمثيل الأقليات في أي حكومة مستقبلية استحوذت بدورها هي أيضاً على اهتمام المشاركين. وأكّد ممثلو الائتلاف السوري، أنّ الأقليات ورجال الأعمال يساهمون بشكلٍ رئيس في الائتلاف، وأنّ عدداً منهم قد أصبح يمثل بلاده في الدول التي اعترفت بالمعارضة الجديدة. فسفير الائتلاف السوري الموحد في فرنسا، على سبيل المثال، ينتمي إلى الطائفة العلوية. وبمثل هذه الإشارات الرمزية والفعلية يمكن للائتلاف أن يطمئن الدول الكبرى، على أنّ الأقليات ستلعب دوراً مهماً في مستقبل سوريا.

كما أنّ حواراً وطنياً يسعى إلى التسامح ونبذ الفرقة وفتح صفحة جديدة من تاريخ البلاد، ورسم خطط واضحة لذلك منذ الآن من شأنه أن يشجّع فئات أكبر من المجموعات الملتفة حول النظام السوري الحالي، أنّ تقفز من السفينة وأن تلتحق بركب المعارضة.

على أننا يجب ألا نعتقد أنّ سقوط الأسد بات قاب قوسين أو أدنى. فمعركة دمشق ربما تكون قد بدأت بالفعل، ولكن القوة العسكرية التي بيد النظام، وعدم وجود رادع أخلاقي أو سياسي يمنعه من تكرار المجازر التي حدثت في درعا وحلب وغيرهما من البلدات السورية، يمكن أن تجعل النظام يميل إلى استخدام أسلحة غير تقليدية، مثل السلاح الكيماوي، في ساعات اندحاره الأخيرة. ولا يكفي أن تعلن الدول الكبرى ويعلن حلف «الناتو» أنه لن يسمح بمثل هذه الأعمال، بل المطلوب أن تكون هناك خطط جاهزة يمكن اللجوء إليها في حال نقل النظام لمثل هذه الأسلحة من مستودعاتها إلى ميادين القتال، أو حتى البدء في تجهيزها للاستخدامات العسكرية الفعلية. وبمعنى آخر، فلن يكون الكثير من الوقت متوافراً قبيل أي تدخل عسكري حاسم في حال وجد النظام نفسه محاصراً داخل دمشق، أو أحد أحيائها، وبات السلاح الكيماوي هو سبيله الأوحد إلى النجاة.

ويبدو أن تردد الدول الكبرى في تزويد المعارضة السورية بما تحتاجه من أسلحة للدفاع الجوي وحماية المدنيين من قصف الطائرات السورية لا يزال قائماً، وربما تتحرك الأمور بشكلٍ أسرع في أعقاب مؤتمر أصدقاء سوريا في مراكش الأخير.

وعلى رغم الدعم الدبلوماسي والإنساني الذي تقدمه بعض الدول، إلا أنه لا يزال هناك تخوف من إمداد المقاتلين في المعارضة بأسلحة دفاع جوي، يمكن أن توثر فعلاً في سير المعارك، وتنهي جزءاً من سيطرة قوات الأسد الجوية. وكل ما نشهده الآن من إسقاط لبعض الطائرات يتم من قِبل المعارضة باستخدام أسلحة سورية تمّ الاستيلاء عليها من بعض المنشآت والمستودعات السورية نفسها.

والحرب السورية التي راح ضحيتها قرابة أربعين ألف شخص، وجُرح فيها حوالي مائتي ألف آخرين، لا زالت مستعرة، وإنه لمن العار لبعض الدول مثل روسيا أن تظل مناصرة لنظام الأسد ومعطلة لقرارات محتملة من مجلس الأمن. وفي هذا الصدد، صرّح مسؤول خليجي كبير بأنّ الدول العربية ربما تلجأ إلى الجمعية العامة لاستصدار قرار «التجمّع من أجل السلام» الذي يشبه ما تمّ إبان الحرب الكورية، ويسمح بموجبه القانون الدولي بتشكيل قوات حفظ سلام وحماية للمدنيين في سوريا، على غرار قوات حفظ السلام في كوسوفو.

والراهن أن مستقبل سوريا لا يزال مليئاً بالآلام، وطالما كان المجتمع الدولي منشقاً على نفسه، فسيجد نظام الأسد أنه يستطيع قتل المزيد من أبناء شعبه، وستزداد ضراوة القتال وسيسمح ذلك لجماعات عسكرية متشددة بأن تأخذ زمام الأمور بيدها.

واليوم مطلوب من المجتمع الدولي كله أن يقف بشكلٍ قوي وينهي مأساة الشعب السوري الذي يتطلّع للسلام والحرية والمستقبل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إنقاذ سورية ما بعد الأسد

منار الرشواني

الغد الاردنية

15-12-2012

ربما لن يستخدم نظام بشار الأسد مخزونه من السلاح الكيماوي ضد الثوار. لكن باستخدامه كل ما عدا ذلك في ترسانته العسكرية، وآخرها الصواريخ الباليستية "سكود"، يبدو هذا النظام مصراً على تنفيذ ما هو أسوأ من خيار شمشون: هدم سورية على رؤوس الجميع باستثنائه!

فمع دخول نظام الأسد مرحلة جديدة من اليأس وتالياً التصعيد، يقر علناً أقرب حلفائه وأشد داعميه روسيا، بقرب نهايته. والدليل الأهم على ذلك هو الاستعداد لإجلاء الرعايا الروس من سورية، بحسب تصريحات نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، يوم الخميس الماضي.

وإذا لم يعد لدى الأسد وأركان نظامه المقربين ما يخسرونه، أو هم يتخذون سفك الدماء ورقة أخيرة للتفاوض على خروج آمن محصن من الملاحقة القانونية والقضائية (بوساطة روسية غالباً)؛ فإن تبعات جرائم الأسد تبدو محيقة بالمحسوبين عليه الباقين في سورية حتماً بعد رحيله، وهم السوريون من أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد. ومثل هذا "الإدراك/ الاعتقاد"، سواء تولد لدى أبناء الطائفة أو لدى الثوار، لا يعني إلا تدمير سورية ككل، ومستقبل أبنائها جميعاً على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم.

فاعتقاد العلويين أنهم هدف للثأر، سيعني دفعهم إلى توفير ملاذ آمن للأسد بعد سقوطه. وهو ما لا يعني فقط اقتطاع جزء من سورية لتشكيل دويلة تخوض حرباً متواصلة مع محيطها، بل أيضاً ارتكاب جرائم تطهير عرقي على الجانبين، وتهجير متبادل لمواطنين سوريين يختلفون في المذهب عن أغلبية قاطني كل منطقة. ولا يقل عن ذلك خطورة أبداً، إن لم يكن أسوأ بكثير، تبني عقلية الانتقام من قبل "المنتصرين"؛ فهل سينتقمون حتى آخر "علوي"؟! وهل يصدق أحد أن مثل الانتقام لن يمتد ليطال الجميع باسم الثورة، فتتحول سورية إلى دويلات تحكمها ميليشيات من كل عرق ودين ومذهب وأيديولوجيا ومنطقة، وتخوض جميعها "حرب الكل ضد الكل"؟!

الآن، ومع اقتراب موعد سقوط الأسد، تبدأ معركة الثوار الحقيقية لإنقاذ سورية المستقبل، من حيث هي وطن للجميع. وهو ما يكون بداية بإنقاذ السوريين العلويين الذين اختطفهم الأسد وما يزال بسطوة آلام الماضي والترهيب من القادم. وبالتوازي مع ذلك لا بد من إنقاذ الثوار وبقية السوريين من أحقاد الماضي وغريزة الثأر لما عانوه على يد نظام لم يمثل إلا نفسه؛ إذ ضم بين أركانه مستبدين وفاسدين من كل دين وطائفة ومذهب وعرق.

وتحقيق هذا الإنجاز-الإنقاذ يكون الآن بتقدم أنصار الثورة العلويين الصفوف (من مثل الأديبة سمر يزبك) مخاطبين السوريين كافة، ليطمئنوا إخوتهم في الطائفة، ويوعّوا إخوتهم في المواطنة. وضمن التوعية بالحقائق، مطلوب الحديث عن المعاناة التي طالت العلويين على يد النظام الذي اختطفهم وتحدث باسمهم؛ فكم منهم قضى في السجون وتحت التعذيب، وكم من مناطقهم عانت التهميش والإفقار الذي أنتجه فساد النظام!

جيدة تلك البيانات التي تخاطب روح المواطنة في السوريين العلويين، والتي تصدر عن سياسيين ومشايخ ينتمون للثورة. لكن هذه المناشدات والبيانات هي جزء فقط من العمل المطلوب، والذي لا يكتمل إلا بمخاطبة بقية السوريين بتضحيات العلويين والظلم الذي لحقهم!

مرة أخرى، لا يجب أن يسمح السوريون للأسد بسرقة مستقبلهم، بعد أن سرق حاضرهم وماضيهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشطرنج السوري.. والنقلة الأخيرة!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

15-12-2012

شهدت الأيام القليلة الماضية ما يشبه لعبة الشطرنج في الأزمة السورية حيث تحركت كل القطع لتحاصر الأسد وروسيا، وكل حلفاء الأسد، وبشكل لافت دفع الروس للانفعال، والارتباك. فبعد أن شاع أن الأميركيين والروس يجتمعون في جنيف بحضور الأخضر الإبراهيمي لمناقشة الأزمة السورية، أعلنت الولايات المتحدة، وعلى لسان رئيسها، الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري كممثل للشعب السوري، وعشية اجتماع مجموعة أصدقاء سوريا في مراكش، الذي اعترف بائتلاف المعارضة السورية أيضا كممثل وحيد للسوريين، وفيه أعلنت السعودية عن تبرعها بمبلغ مائة مليون دولار دعما للشعب السوري.

الاعتراف الأميركي بحد ذاته دفع وزير الخارجية الروسي لإصدار تصريح ينم عن إحباط، حيث قال: «استغربت إلى حد ما عندما عرفت أن أميركا اعترفت من خلال رئيسها بالائتلاف الوطني كممثل شرعي للشعب السوري»، مضيفا: «نستنتج بالتالي أن أميركا قررت أن تراهن على انتصار بواسطة السلاح لهذا الائتلاف»! وهذا التصريح يوحي بأن موسكو قد شعرت بالخدعة، والإحراج؛ فبينما يجتمع الروس مع الأميركيين للتفاوض حول سوريا يعلن أوباما اعترافه بالائتلاف السوري مما يعني أن واشنطن تحصر خياراتها بالتفاوض مع موسكو حول أمر واحد وهو رحيل الأسد! تلك التحركات على رقعة الشطرنج السوري؛ الاعتراف الأميركي، واعتراف مجموعة أصدقاء سوريا في مراكش بالائتلاف السوري، والتبرع السعودي العلني، والذي يعني أن الرياض ماضية إلى آخر الطريق في مساعدة السوريين ضد جرائم الأسد، كل تلك التحركات حاصرت الأسد سياسيا، مثلما يحاصره الثوار في دمشق، كما أحرجت موسكو على كافة الأصعدة، وحددت شروط التفاوض معها حول الأزمة السورية، وخفضت سعر الأسد بيد التاجر الروسي.

والأمر لا يقف هنا، فربما تكون النقلات الأخيرة على رقعة الشطرنج السوري هي التي دفعت روسيا للخروج بتصريح لافت، ومثير، على لسان نائب وزير خارجيتها الذي اعترف بأن الأسد يفقد السيطرة على البلاد «أكثر فأكثر»، وأنه لا يمكن استبعاد انتصار المعارضة، وهو ما يؤكده بالطبع، أي اقتراب سقوط الأسد، تصريحان لافتان؛ الأول للأمين العام لحلف شمال الأطلسي الذي قال فيه: «نظام دمشق يقترب من الانهيار، أعتقد أنها مسألة وقت»، والآخر هو قول وزير المالية العراقي إن سقوط نظام الأسد قد لا يكون سوى مسألة «أسابيع»! وعندما نقول: إننا أمام الشطرنج السوري فأبسط مثال على تأكيد ذلك تلقف الخارجية الأميركية لتصريح نائب وزير الخارجية الروسي بأن الثوار سينتصرون على الأسد، والمسارعة بالترحيب بموسكو «لإدراكها الواقع أخيرا واعترافها بأن أيام النظام معدودة». كما أضافت الخارجية الأميركية أن «السؤال الآن هو هل ستنضم الحكومة الروسية لمن يعملون في المجتمع الدولي مع المعارضة لمحاولة إحداث انتقال ديمقراطي سلس»؟ وبالطبع فإن هذا إمعان أميركي بإحراج الروس، ومحاصرتهم على رقعة الشطرنج السوري، ومن أجل دفع موسكو للتوقف عن دعم الأسد الذي يحتاج إلى مليار دولار شهريا للصمود أمام الثورة، والثوار!

خاتمة القول: إن الأسد محاصر، وموسكو محرجة، وإيران، مرشدا ورئيسا، تلتزم الصمت، مما يقول لنا إننا أمام النقلة الأخيرة في الشطرنج السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام ينهار... والكيماوي؟

راجح الخوري

2012-12-15

النهار

بدا جون ماكين ولوران فابيوس ووليم هيغ في الايام الاخيرة مثل فرقة غاضبة تحرص على تحذير النظام السوري، وبوتيرة شبه يومية، من استخدام الاسلحة الكيميائية ضد المعارضة، ورافق ذلك اربعة مؤشرات تثير القلق من هذا الامر وهي:

اولاً نشر المعارضة شريطين على "يوتيوب" يظهران مصابين بحروق بالغة وواسعة، وثانياً ظهور تقارير اكدت ان النظام قام بتجهيز قذائف لسلاح الطيران تحتوي على غاز السيرين القاتل، وثالثا وهو الاهم ان النظام يفقد السيطرة سريعاً على العاصمة دمشق ويوسع من وحشية قصفه الصاروخي والجوي للمناطق، ورابعاً ان موسكو اعترفت اخيراً بأنه يفقد السيطرة فعلاً وانها تعد خطة لاجلاء رعاياها من سوريا.

فهل يلجأ النظام الى استخدام هذا السلاح ولو على طريقة "شمشوم الكيماوي" باعتبار ان ما قد يصيب اعداءه من ضرر قاتل سيصيب مؤيديه فوق الجغرافيا السورية الضيقة؟ وهل ما شاهدناه على "يوتيوب" من إصابات قيل انها وقعت في قرية "السفيرة" هو فعلاً نتيجة هذا الجنون؟

لا ادري مدى صحة الشريطين وما اذا كانت المعارضة فبركتهما، لكن ظهورهما جاء مباشرة بعد رسالة دمشق الى مجلس الامن التي قالت إن النظام لن يستخدم هذه الاسلحة وان "المتمردين" قد يستعملونها في نهاية المطاف، وهو ما اثار الخوف من ان يقوم النظام بهذا ويتهم المعارضة به وهي لا تملك هذه الاسلحة!

الشريط الثاني كشف عن أقنعة وألبسة واقية من الكيميائيات قيل ان الثوار استولوا عليها من جيش الأسد، وهذا لا يشكل دليلاً على الاستعمال، لكن بعد ساعات من نشر الشريطين لوحظ انه لم تظهر ردود فعل قوية تتناسب مع التهديدات الغربية، ربما لأن صحيفة "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية كانت اول من نقل خبر الشريطين عن "يوتيوب"، وهو ما يستدعي بالطبع التدقيق في صحتهما بسبب هذه الحماسة الاسرائيلية!

الشريط الاول عرض عدداً قليلاً من المصابين المدنيين بحروق في الوجوه والاطراف قيل إنها ناتجة من استخدام براميل "تي أن تي" المحرقة او قنابل روسية حارقة، ففي حوزة النظام السوري من هذه الاسلحة الروسية المميتة ما يكفي ليثلج قلب فلاديمير بوتين ويطمئن الرفيق سيرغي لافروف، لكن كل هذا لا يعني ان الوضع الميداني في سوريا لا يمكن ان يشهد هذا الجنون.

في كلام أوضح، النظام يخسر دمشق وطريق مطارها باتت تحت مرمى نار الثوار، وهذا يعني انه ينهار، وسبق للواء المنشق علي سيلو، وكان في ادارة الاسلحة الكيميائية، ان أعلن ان النظام ناقش على مستويات عليا امكان استخدام هذه الاسلحة في اللحظة الاخيرة، فهل يمكن ان يكون المشهد الاخير من المذبحة ممهوراً بالخاتمة الكيماوية؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهلا ...لا تحرقوا أوراقكم لا تقلبوا مراكبكم ..أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل ... زهير سالم*

)لعبة الأمم ) عنوان كتاب مايلز كوبلاند الكتاب الذي أضفى طابعا دراميا على عملية الاختراق للدولة العربية في ظلال الهزيمة الكبرى في السابعة والستين . لا أحد يلعب ، على الحقيقة ، لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الاجتماع . ولكن رجال الميادين الصعبة استعاروا مصطلح ( لعبة ) من عالم المباريات ليجعلوا من الخسارة أمرا متوقعا معقولا ومقبولا لكي لا تنتهي بصاحبها إلى الانتحار أو الجنون أو إلى الارتكاس.

 

المشهد في عالم السياسة . كما نتابعه في تصرفات البعض ومواقفهم يشبه إلى حد كبير تصرف لاعب الشطرنج المهزوم . النزق والتخبط والتعلل نتابعه في كتابات البعض وتحليلاتهم . وأحيانا فيما يطلقون من اتهامات أو يكشفون عن خبايا في زوايا عشعش فيها النقص أو الضعف أو الكراهية ..

 

ومع أنه في الصف الوطني لم يحن الوقت بعد للحديث عن منهزم ومنتصر ؛ فإنه مما يحلو للبعض أن يصور كل محطة من محطاته نصرا او هزيمة فيقيم الاحتفال هنا أو المأتم هناك .

 

إن من مصلحتنا جميعا في الصف الوطني أن تستمر لعبتنا ( معا ) . ولكي تستمر اللعبة يجب أن نمتلك النفسية الرياضية القابلة بشروطها واستحقاقاتها . ولكي نستمر معا أيضا يجب أن نصبر على آداب الاجتماع العام التي يقتضيها عالم النظرة والابتسامة والسلام والكلام والموعد واللقاء على ما رسم أمير الشعراء . ..

 

وأول الخطأ في الصف الوطني أن يتصور فريق أو فرد أنه أصل هذا الصف . أو عريفة . أو القدوة فيه الذي يجب على الناس جميعا أن يتراصوا خلفه .اللقاء في الصف الوطني هو لقاء تطوعي ( جنتلمان ) كما يقولون . ينتظر من كل حريص عليه أن يحافظ على شروط الاجتماع العام وآدابه . وما أقبح أن يُضطر الصف الوطني أن يشير إلى فريق أو إلى فرد بقوله تعالى (( لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ )).

 

كل فرد يستمد قيمته في الصف الوطني من جهده ودوره وأثره وقدرته على التجميع والاستقطاب ، وأن يكون آلفاً مألوفاً. وكل من يتصور أن الصف الوطني بدون أي فرد أو فريق فيه سيكون أفضل أو اقدر إنما ينطلق من خلل بنيوي في تفكيره . يقول العلماء لا أحد فوق أن يستعين ولا أحد دون أن يعين . وكل فرد أو فريق يتصور أن الصف الوطني بدونه سيكون غير وطني فقد اختزل الوطنية في شخصه وحجر واسعا كما تقول العرب .

 

حتى هؤلاء الذين نختلف مع رؤاهم وتطلعاتهم وأساليبهم وطرائقهم نقول لهم إن بقاءكم في الصف الوطني أقوى لكم وأقوى لنا وأقوى للصف الوطني على كل حال .

 

ولذا نخاطبكم لا تحرقوا الأوراق ولا تقلبوا المراكب فما زال طريقنا طويلا . ولا تظنوا أنكم عندما تحرقون أوراقكم أو تقلبون مراكبكم ستدمرون المعبد . لسنا في عصر شمشون بعدُ ولا تظنوا ذلك . وإذا ظننتم فهذا الميدان فاستعيدوا فيه وقاركم .

 

ونقول لمن يهب عليهم فيح الغرور مهلا فهذه صخرة أوهت وأدمت طوال قرون قرونا أشد صلابة مما تملكون : تذكروا أن الصخرة التي تنطحون مر بقربها من قبل هولاكو وتيمورلنك وريتشارد قلب الأسد ولويس الرابع عشر الذي تذكره دار ابن لقمان ونابليون بونابرت الذي ردته أسوار عكا ولينين ستالين وهؤلاء أبناء الشيشان وغرزوني وأتاتورك تنتفض عليه بنات الأناضول أبين إلا أن يحملن على رؤوسهن تيجان الربيع ، وغورو وألنبي وكرومر ثم هاهو مرسي يستعيد وضاءة الشعب المصري ، وحافظ الأسد وهاهم ضحايا القانون 49 / 1980 يبعثون من جديد يهتفون بصوت واحد : سيدنا محمد قائدنا للأبد .

 

أعلم أن هذا لا يعجبكم . ولكنكم لن تقاوموه – إن أردتم مقاومته - بهذه الطريقة التي نتابعها ؛ بطريقة الهمز واللمز والادعاء والاختلاق هذه طرق كلها مجربة وكلها أثبتت إخفاقها فما لكم كيف تحكمون ...

 

لن تقاومونا ما دمنا ما لا نعجبكم بعد اليوم بهذا التخبط وبهذا الادعاء وبهذا الاستقواء . كل هذه الطرق المجربة محكوم عليها. ولأننا لا نريد أن نخسركم . ولأننا نؤمن بدوركم وبمكانتكم ، ولأننا لا نريد أن نبادلكم طرائق الإقصاء والتهميش . ولأننا لا تستبد بنا مشاعر الغرور والاستعلاء ولا ننظر إليكم بعين الاستصغار

 

 نقول لكم تريدون أن تعاونونا أو تقاومونا خذوا زينتكم . واستعيدوا وقاركم . واجلسوا على الطاولة والعبوا بهدوء . وسندعو لكم أن تحسنوا اختيار المرمى الذي عليه ترمون ...

 

يؤلمنا أن نراكم في الصورة المزرية التي تختارونها لأنفسكم. لا تنسوا أن هؤلاء الذين يزينون لك موقفكم ، أو الذين تظنون أنهم ركنكم الركين الذي تؤون إليه لو كانوا ينفعون أحدا لنفعوا أنفسهم . تذكروا أنهم عجزوا عن تجميل صورتهم في العقول والقلوب فلماذا تلحقون أنفسكم بهم ..

 

إلى كل هؤلاء الذين يشدهم الحنين إلى الماضي القريب فيعودون إلى الوقوف في الطابور الصباحي لبشار الأسد وأبيه ويؤكدون عهدهم وميثاقهم على ( القضاء على جماعة الإخوان المسلمين العميلة ...) نقول لقد غربت شمس كافور المنيرة السوداء كما سماها أبو الطيب .

 

وبكل الصفاء الذي نخاف أنكم لم تعرفوه نقول لكم : عودوا ففي الصدر متسع ، وفي القلب بر وقسط ، وفي الحضن الوطني دفء. يؤلمنا أن نراكم تتخبطون وتحرقون أوراقكم ومراكبكم لا تتصوروا أننا ندفعكم إلى ذلك يوما أو نعينكم عليه. (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ )) .

لندن : 6 / صفر 1434

20 / 12 / 2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*

دخان التصريحات الروسية ونار الأزمة السورية

2012-12-15 12:00 AM

الوطن السعودية

ثلاثة تصريحات مهمة، أطلقتها ثلاث شخصيات سياسية وعسكرية، حول تداعيات الأزمة السورية خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية، لا يمكن أن يُقرأ أحدها بمعزل عن الآخر. بالمجمل تذهب جميع المواقف التي خرجت إما من موسكو أو من قوات حلف الناتو أو من "الائتلاف الوطني"، إلى أن الأزمة في البلد الذي دخلت الحرب فيه شهرها العشرين، توشك على الانتهاء بـ"سقوط الأسد".

فروسيا، والتي ظلت تنافح طيلة الأشهر الماضية عن حليفها الأسد، صرحت على لسان نائب وزير خارجيتها ميخائيل بوغدانوف، أن النظام السوري بدأ يفقد السيطرة على البلد، فيما قال بكل وضوح أنه لا يستبعد أن "تنتصر المعارضة"، التي حققت بدورها خلال الأيام الماضية عددا من الانتصارات الميدانية الواسعة في كل من حلب ودمشق.

هذا الموقف الروسي ـ وبالرغم من نفيه أمس ـ إلا أنه لا يمكن تجاهله، فموسكو هي أكثر حلفاء الأسد قربا له في الأزمة، ولا يمكن أن تخرج مثل هذه التصريحات إذا لم يكن هناك ما يؤكدها من معلومات، فليس هناك دخان من غير نار.

نفس الموقف الروسي، صرح به الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، اندرس فوراسموسن، الذي أعرب عن اعتقاده أن نظام الأسد يوشك على الانهيار، وأن هذا الأمر بات مسألة وقت، بحسب ما يقول.

وبالرغم من أهمية هذين التصريحين، إلا أن التصريح الذي أطلقه رئيس الائتلاف الوطني السوري معاذ الخطيب، حمل في طياته عمقا مختلفا. فلأول مرة تصرح المعارضة السورية ـ والتي كانت تنادي بالسابق بحماية دولية ـ أنها لم تعد بحاجة إلى تدخل عسكري دولي في الأزمة؛ لأن قوات المعارضةـ التي أعلن عن تشكيلها الجديد الأسبوع الماضي ـ تحقق انتصارا تلو الآخر، وتقترب من السيطرة على دمشق، وصولا إلى هدفها بإسقاط الرئيس الأسد.

ومن منطلق تصريح الخطيب، فإن الواقع الحالي يفرض على المجتمع الدولي احترام رغبة "الائتلاف السوري"، الذي حظي باعتراف ما يزيد على 100 دولة ومنظمة حول العالم في الاجتماع الأخير لأصدقاء سورية في مراكش، ذلك أن أي خطوة يمكن أن يخطوها حلف الناتو باتجاه تصعيد الأمور من الناحية العسكرية ـ والذي صرح رئيس لجنة سورية فيها أن الأسد سيجبر على التنحي ـ يمكن أن يعيد الأزمة إلى "مربعها الأول".

-*-*-*-*-*-*

إسرائيل وسيناريو سقوط الأسد

ماجد الشيخ

المستقبل

16-12-2012

يرى العديد من الباحثين ومراكز الأبحاث الإسرائيلية والغربية، أنه على الرغم من انعدام اليقين بالنسبة لطبيعة تطورات الأحداث في سوريا، فإنه يتحتم على إسرائيل أن تعمل ضمن الافتراض بأن نظام الأسد في صيغته الحالية لن يبقى. في ظل يقين عبرت عنه صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في تقرير لها قبل فترة، حين نقلت مضمون إفادة ادلى بها القائد الاعلى لحلف شمال الاطلسي (ناتو) في أوروبا، أمام الكونغرس الاميركي، مفادها أن التهديدات لإسرائيل لم تتزايد في الفترة الأخيرة بل تراجعت، ما جعل إسرائيل أكثر أمناً من أي وقت مضى، ويعود السبب جزئيا لما يجري في سوريا.

ويومها سُئِل الأميرال في البحرية الأميركية جيمس ستافريدس، وهو قائد القوة الأميركية - الأوروبية، أثناء إدلائه بإفادته أمام الكونغرس (عن التهديدات ضد إسرائيل). وكان مستجوبه هو النائب روب ويتمان من ولاية فرجينيا، الذي احتج بأن "عدم الاستقرار في المنطقة مقترنا بالتهديدات المتعددة لإسرائيل ازادادت في العام الماضي" وسأله عما إذا كانت القيادة الأميركية الأوروبية تقوم "بضمان الدفاع عن إسرائيل واستقرار المنطقة".

وأجاب ستافريدس: "أولاً، من المؤكد أن إسرائيل في منطقة متقلبة من العالم، وربما اقول إن التهديدات على إسرائيل لم تزدد خلال العام الماضي. وإذا أخذت المنظور الاوسع لتاريخ إسرائيل المعاصر، فمن المؤكد أنها الآن اكثر أمنا مما كانت عليه في 1948 و 1967 و1973، او حتى خلال الانتفاضتين الاولى والثانية". وأضاف: "إسرائيل حاليا لديها معاهدتا سلام مع اثنتين من جاراتها الأربع. والجارة الثالثة، سوريا، تمر الآن بمرحلة من الصراع الداخلي الخطير، وليست في وضع يهدد إسرائيل عسكريا. وأخيراً فإن التهديد الذي يمثله حزب الله اللبناني في الجارة الرابعة تم ردعه من خلال هجمات مكشوفة في حرب 2006.

جوانب إيجابية

وفي الاتجاه ذاته، لفت الخبير في مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، التابع لجامعة تل أبيب، أودي ديكل، في دراسة نشرها على موقع المركز الالكتروني، إلى أن لسقوط نظام بشار الأسد جوانب ايجابية، مع التشديد على إضعاف المحور الراديكالي بقيادة إيران، ولكن أيضاً له آثار سلبية ونشوء تحديات جديدة لإسرائيل، وبالتالي على دوائر صنع القرار في تل أبيب، رغم رافعات التأثير المحدودة، أن تبدي نشاطًًا زائدًا لغرض بناء الظروف الملائمة لمواصلة بلورة ما أسماها "سياسة مبادرة"، تكون في الوسط بين البديل الأمني والبديل المصمم. يكون أساسه إضعاف الدعم للنظام السوري ولحزب الله، لمنع تسريب الوسائل القتالية الإستراتيجية ومواد الحرب الكيماوية إلى جهات متطرفة، وردع بشار الأسد من استخدام مواد الحرب الكيماوية، وإقامة قنوات حوار مع محافل المعارضة أو القيادة البديلة، والتوجه إلى الجمهور السوري عبر وسائط الاتصال القديمة والحديثة، وإقامة مراكز مساعدة إنسانية في حالة وصول لاجئين إلى هضبة الجولان.

ورأى ديكل أنه في ظل التغيير في الوضع الاستراتيجي القائم حاليا في المنطقة، اتسع مجال المصالح المشتركة لإسرائيل وتركيا، وذلك بالتشديد على التطلع لاستقرار نظام مركزي ومسؤول في سوريا، ومنع انتقال الأحداث إلى الدول المجاورة، وتقليص نفوذ ما أسماها "مجموعات جهادية متطرفة"، إضافة إلى ذلك فإن لتركيا والسعودية توجد دوافع التأثير الرئيسة على المعارضة، وبالتالي من المجدي النظر مرة أخرى في إمكانية استئناف التعاون الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل.

وعلى الرغم من هذا الاحتمال، فقد رأى ديكل إن صورة الوضع الحالي، قد تؤدي إلى جملة من السيناريوهات المحتملة، والتي هي في معظمها سلبية لإسرائيل، وبعضها متداخل أو متطور بالتدريج، والسيناريوهات الأساسية هي:

سقوط نظام بشار الأسد، وانحلال المنظومة السلطوية والجسم السياسي، ونشوب حرب أهلية وصراعات طائفية لا هوادة فيها، وفي ظل ذلك، تطهير عرقي وتحركات للسكان إلى تجمعات ومراكز نفوذ للطوائف.

الثاني: قدرة حكم جزئية، النظام (بشار نفسه، زعيم آخر، أو مجموعة زعماء علويين) ينجح في البقاء، ولكن يبقى ضعيفا ويفقد شرعيته، ويبقى مسيطراً بالقوة على المحور الطويل للمركز، دمشق - حمص - حلب والخط الساحلي، ويفقد السيطرة الناجعة على مناطق في المحيط، ومع ذلك تبقى سوريا تؤدي دورها جزئيا كدولة.

الثالث، بحسب الخبير الإسرائيلي، هو نشوء منظومة سياسية مختلفة، تتشكل داخل سوريا، وصعود نظام مختلف على أساس اتحاد قوى في المعارضة، وينجح في الأداء بنجاعة ويثبت الاستقرار، في ظل خلق توازنات بين الطوائف والقوى المختلفة.

أما الرابع، فيتمثل في الفوضى وانعدام السيطرة، أي أن نظام بشار الأسد يسقط، بينما لا يوجد نظام مركزي ناجع، سوريا تصبح ميدان قتال عام لقوى متطرفة، بدعم من لاعبين خارجيين، يتنافسون الواحد مع الآخر، إيران مقابل السعودية ودول الخليج، تركيا مقابل الأكراد، الولايات المتحدة مقابل روسيا وغيرها، وفي ظل ذلك، يستمر اجتذاب مجموعات متطرفة من الخارج إلى سوريا، ونشوء حرب المبعوثين.

أما السيناريو الأخير، فهو التدخل الخارجي بقيادة الأسرة الدولية، في أعقاب حدث شاذ جداً في بدايته، وعمل عسكري يؤدي إلى إسقاط حكم بشار الأسد، ولاحقًا إقامة نظام جديد في عملية طويلة، تتضمن مصالحة داخلية وإصلاحات ديموقراطية.

تحديات جديدة

وبرأي ديكل، فإنه من وجهة النظر الإسرائيلية، معظم السيناريوهات التي فُصلت أعلاه، تنطوي بداخلها على إمكانية كامنة لنشوء تحديات جديدة وتهديدات لإسرائيل، ولا سيما التخوف من تحول هضبة الجولان إلى منطقة مجابهة عسكرية، الأمر الذي ستستغله منظمات متطرفة ومعادية لتتحدى إسرائيل، عبر تسريب وسائل قتال إستراتيجية ومواد كيماوية إلى حزب الله ومجموعات متطرفة أخرى، أو من خلال مبادرة إيرانية لمهاجمة إسرائيل من خلال حزب الله أو مبعوثين آخرين.

إضافة إلى ذلك، هناك قلق لدى إسرائيل، من صرف الانتباه عن الموضوع الإيراني، الأمر الذي سيسمح لإيران بمواصلة برنامجها النووي، ومع ذلك يوجد في السيناريوهات المعروضة أيضًا فرص، كنتيجة لضعف المحور الراديكالي، إحداها تغير ميزان القوى في لبنان، وخيار لإعادة تحريك عملية نزع القدرات الإستراتيجية من حزب الله. وفي كل الأحوال، لغرض المضي قدمًا في الفرص المختلفة، المطلوب هو أعمال فاعلة ومبادرات من جانب إسرائيل والولايات المتحدة والأسرة الدولية، على حد تعبير ديكل. الذي يشير إلى أنه عندما تتم دراسة مصالح إسرائيل في سياق الأزمة السورية، تظهر الأهداف التالية: الهدوء والاستقرار الأمني، ونشوء نظام جديد في سوريا يكون مسؤولاً ومستقراً، ويؤدي دوره ولا يكون معادياً لإسرائيل، ويُخرج سوريا من المعسكر الإيراني، ويسمح بنفوذ غربي متصاعد فيها، ومنع تسريب وسائل القتال الإستراتيجية إلى جهات متطرفة قد تلجأ لاستخدامها ضد إسرائيل.

وفي استخلاصات البحث، يقترح الباحث عددا من الخطوات، منها، على سبيل الذكر لا الحصر، بناء شروط لبلورة نظام آخر في سوريا، وذلك من خلال مساعدة القوى المعارضة، والمس بمراكز الدعم والمساعدة لنظام بشار الأسد، كما أنه تتوفر فيه فرصة لمعالجة حزب الله، من خلال دوافع سياسية، واقتصادية وربما عسكرية. إلى جانب ذلك تفعيل مبادرات إنسانية وإقامة قنوات حوار مع صانعي الرأي العام في سوريا ومع قوى المعارضة.

وفي ما يتعلق بالخيار الأمني من جانب إسرائيل، يقول الباحث أنه ينبغي أن يركز على تقليص التهديدات الأمنية، الحالية والمستقبلية. وفي هذا الإطار، إدارة معركة سرية لمنع تهريب وتسريب الوسائل القتالية ووسائل الحرب الكيماوية إلى جهات متطرفة، مع ردع نظام الأسد من مغبة استخدام مواد الحرب الكيماوية ضد مواطنيه، أو تسليمها لحزب الله، وتعزيز عناصر الدفاع في هضبة الجولان وتحسين الجاهزية لمواجهة التحديات الأمنية المتطورة. أما الاقتراح الأخير، الذي يستعرضه الباحث فهو ما يُسميه الوقوف جانبًا، أي أنه لا يزال من السابق لأوانه تأبين نظام الأسد، الذي في كونه ضعيفًا هو خير لإسرائيل، مقارنة مع باقي الخيارات التي هي مجهولة وغير معروفة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لم نستخدم الكيماوي بعد.. فقط كنا نمازحكم!

عمر قدور

المستقبل

16-12-2012

يروج مؤيدو النظام السوري رواية مفادها أن قواته قامت بعملية "نوعية ذكية"، فقامت برش مادة الطحين من الطائرات على الثوار في بعض الأماكن، موهمة إياهم أنها تستخدم السلاح الكيماوي، ما أدى إلى فرارهم من أرض المعركة، وبالتالي إلى سهولة القضاء عليهم. وبصرف النظر عن صحة الرواية أو عدم صحتها فإن التباهي بها وحده يؤشر إلى المستوى الوضيع الذي بلغه مؤيدو النظام، وإلى مستوى المخيلة الإجرامية التي باتت تسرح في سوريا من دون خط أحمر، باستثناء تلك الخطوط التي يرسمها الدم السوري، والتي يُنتظر أن تطوق رقبة النظام في النهاية.

لم نستخدم الكيماوي بعد.. فقط كنا نمازحكم! ربما يتعين على السوريين النظر إلى الأمر بهذه الفكاهة، بانتظار أن يتم حقاً استخدام الكيماوي الموعود، وأن تفي القوى العظمى بوعودها الحازمة فيما لو استُخدم. كأن على السوريين أن يتذوقوا لوعة انتظار الكيماوي، ولوعة الموت به، قبل أن يفهم العالم تلك الصرخة البسيطة التي أطلقها مواطن سوري في مستهل الثورة: "أنا إنسان.. ماني حيوان". هكذا ربما تتوقف العقدة السورية عند أسئلة من نوع: هل سيستخدم الكيماوي؟ متى سيستخدمه وهل يملك منه ما يكفي لإبادة السوريين وترويع المنطقة كلها؟ بعد أي عدد من قتلى الكيماوي سيكون العالم جاهزاً لوقف المجزرة؟ وماذا لو اكتفى النظام بالقنابل العنقودية مع القليل من الطحين أحياناً؟!

نعم، وبجدية فظيعة، تتوقف حياة السوريين الآن على الإجابة على هذه الأسئلة، وينتاب غالبيتهم اليقين بأن النظام لن يتورع عن استخدام مخزونه من الغازات السامة، بخاصة بعدما بادر إعلامه إلى اتهام "عصابات إرهابية" بإعداد عبوات من السلاح الكيماوي في تركيا بغية استخدامه في سوريا، وبعدما راسل الأمم المتحدة محذراً من استخدام "العصابات الإرهابية" لمخزونها الكيماوي. فالعصابات الإرهابية، التسمية التي يستخدمها النظام للدلالة على الثوار، لم تعد تكتفي بتفجير المناطق المؤيدة للثورة، ولا بذبح مؤيديها بالسكاكين، لذا ليس مستبعداً وفق هذه الرواية أن تعمد إلى استخدام الكيماوي في عملية انتحار عظمى لها ولمؤيديها. لمَ لا؟ طالما أن أحداً لا يردع القاتل الحقيقي، وطالما أن العالم لا يزال يسمح له بتمرير أكاذيبه من على منصة الأمم المتحدة؟!

لعل أهم ما فعلته التصريحات الدولية بشأن الكيماوي هو التأكيد على أنه خيار جدي بالنسبة إلى النظام، وفي الواقع لم يتلقف السوريون التصريحات الدولية بجدية مماثلة، بل غلبت السخرية على تلقيهم لها، بخاصة وهم يسترجعون تصريحات سابقة بدت حازمة في وقتها وسرعان ما تراجع أو صمت عنها أصحابها. عموماً يدرك السوريون أكثر من أي وقت مضى أن قواهم الذاتية هي التي لها الأولوية في إسقاط النظام، ولم يعودوا يعولون كثيراً، أو أقله عاجلاً، على دعم دولي فعال. فالتصريحات الأخيرة لن تقدم عزاء لمن سيموتون بالكيماوي قبل أن توضع موضع التنفيذ، ولن تردع نظاماً يتوقف يومياً أمله في البقاء على اتخاذ أخطر القرارات وأشدها فتكاً؛ لذا ينظر كثير من السوريين إليها كرخصة للقتل بما هو دون الكيماوي، ويرون قياساً إلى استغلال النظام لما سبق من تراخٍ دولي أنه لن يتورع عن الوقوع في المحظور والمراهنة على الإفلات من العقاب ثانية.

لم تستخدم قوات النظام الطحين على سبيل الخدعة فقط، فهذه مجرد بروفا لاستخدام أسلحة مماثلة، ويتحدث بعض النشطاء عن استخدام الفوسفور الأبيض في أمكنة أخرى، وهناك معلومات مسربة عن قيام النظام بإعداد عبوات صغيرة من الغازات السامة تنتشر في دائرة قطرها نصف كيلومتر. يتزامن هذا مع حملات لمؤيدي النظام على صفحات التواصل الاجتماعي تدعو إلى استخدام الأسلحة الكيماوية، بوصفها أسلحة "نظيفة" تفتك بالبشر ولا تتسبب بخراب كبير، أي تُبقي على ممتلكاتهم غنيمةً لهم. قد نؤوّل هذا على أنه تراجع من قبلهم عن شعار "الأسد أو نحرق البلد"، فالمؤيدون بدأوا يكتشفون وصفة مجزية أكثر لهم، هي إبادة النسبة العظمى من السوريين ووراثة البلد بما فيها، وربما كانوا قد ضاقوا ذرعاً بالضريبة الاقتصادية لحرب النظام التي بدأت آثارها تطالهم أسوة بالآخرين.

في الواقع يبدو الكيماوي هو الحل الأكثر جذرية لأزمة النظام، إذ من المؤكد أنه لن يربح حربه على السوريين بالأسلحة التقليدية التي يتناقص مخزونه منها باطراد. لقد تمكن الثوار من الوصول إلى العديد من المناطق الاستراتيجية والسيطرة عليها، وتمكنوا من السيطرة على قسم لا يستهان به من أسلحته، وقد لا يكون بعيداً اليوم الذي يطوقون فيه آخر المعاقل الأمنية في العاصمة؛ كل هذه الانتصارات، وعلى الرغم من تلكؤها أو تعثرها أحياناً، تؤشر إما على رحيل النظام أو على لجوئه إلى خيارات اليأس الكبرى. يُضاف إلى ما سبق التدمير الهائل الذي أوقعته قوات النظام بالبنية التحتية للبلد ككل، والذي سيجعل إعادة إعمارها من قبل النظام مستحيلة فوق استحالة بقائه؛ الأمر الذي لا يُستبعد أن يدفع برؤوس السلطة إلى التفكير كمؤيديهم، ولعل الأخيرين أكثر فصاحة إذ ينذرون بإعادة عدد سكان سوريا إلى الرقم الذي كان مع انقلاب الأسد الأب، أي سبعة ملايين سوري فقط.

بانتظار ما ستؤول إليه قضية الكيماوي، لا بأس بالاعتراف للنظام بنجاحه في خدعة الطحين. فالثوار، ورغم أنهم يتوقعون منه الأسوأ، لم يتوقعوا ما تفتقت عنه مخيلته الإجرامية. فالطحين، الذي صار سلعة عزيزة في الأسواق وعلى موائد السوريين، بات يُستخدم في قصفهم على سبيل النكاية والإرهاب معاً. لا بد من الإشارة هنا إلى أن سعر ربطة الخبز راح يناهز الأربعة دولارات في بعض المناطق السورية المنكوبة، وإلى أن الأفران في معظم المناطق لا تستطيع توفير المواد الأساسية للعمل، وفي مقدمتها الطحين والوقود. وقد يكون من المفيد التذكير بأن قوات النظام عمدت إلى قصف الأفران بشكل منهجي في العديد من المدن الثائرة، وأن مئات المدنيين قتلوا تحت القصف وهم يصطفون في طوابير طويلة للحصول على الخبز، وأن هؤلاء لن يخطر في بالهم أبداً أن يفتحوا أفواه أبنائهم في انتظار أن تقصفها الطائرات بالطحين.

مع ذلك، ورغم الشكوك التي تساور قضية الكيماوي، ثمة يقين يتجذر لدى السوريين، هو أن النظام ساقط لا محالة. هذا اليقين بدأ يصل حتى إلى مؤيدي النظام، ولعل مطالبتهم باستخدام الأسلحة الكيماوية دليل إفلاس ويأس أكثر من كونها دليل إيمان بالنصر. هنا سيكون على النظام قراءة الأمر جيداً، ورؤية أولئك الذين يريدون الخلاص سريعاً وبأي ثمن، لأن هذا الثمن قد يتعين قريباً بإسقاطه. لن يكون مستبعداً، فيما خلا دائرة ضيقة من المتعصبين والمتورطين بالدم، أن يفكر مؤيدو النظام بأن الخلاص منه هو الحل، ولن يكون هذا بمثابة صحوة جماعية لضمائرهم النائمة، بل سيكون بمثابة انتصار لإرادة الحياة لديهم. في المحصلة قلة فقط تبقي على رهانها على الجياد الخاسرة، وقلة أقل منها بكثير تبقي على رهانها على الجياد الميتة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

جدلية الديني والسياسي في الثورة السورية وما بعدها

هل يمكن أن يكون في تلك الجدلية كمونٌ يجبر السوريين على مواجهة تحدي البحث عن (نموذج جديد)؟

د. وائل مرزا

الأحد 16/12/2012

المدينة

يوماً في إثر يوم، تفرضُ جدلية الديني والسياسي نفسها على الثورة السورية بشكلٍ يتطلب المواجهة الصريحة للموضوع.

هذه حقيقةٌ بات الاعترافُ بها مطلوباً. بعيداً عن الشعارات والأوهام والأمنيات.. لأن الإصرار على إنكارها في هذا الواقع إنكارٌ للواقع ذاته. وإنكارُ الواقع لا يؤدي إلا إلى الفوضى. في حين أن التسليم بوجود تلك الحقيقة قد يؤدي إلى استيعابها والتعامل معها بشكلٍ يحقق مصلحة سوريا الحاضر والمستقبل.

فالتطورات المتسارعة في الواقع السوري تُبرز بشكلٍ متزايد حضور جدلية الديني والسياسي، إلى درجةٍ تدفع للتساؤل: لماذا تفرضُ هذه الجدليةُ نفسَها على الثورة السورية بهذه الحدّة؟ هل صحيحٌ أن الأمر لايعدو أن يكون (لعنةً) أصابت ثقافةَ البلد وحاضرَها ومستقبلها كما يرى البعض؟ أم أن دلالات الظاهرة أكبر من أن يتمّ اختزالها في ذلك التفسير الهروبي الخفيف؟

بكلماتٍ أخرى: هل يحاول التاريخ أن يقول للسوريين شيئاً؟ هل تحاول التجربة البشرية أن توصل إليهم رسالة معينة، ولو من خلال الضجيج؟

وباختصارٍ ووضوح: هل يمكن أن يكون في تلك الجدلية كمونٌ يجبر السوريين على مواجهة تحدي البحث عن (نموذج جديد)؟

ليست صناعة التاريخ ولا صناعة نماذج الحياة حكراً على أحد في هذه الدنيا. فلماذا نهرب من مواجهة ذلك السؤال؟

يفهم المرء تخوّف البعض من الروح (الرسالية) حين تتلبّس بعض أفراد المجتمع أو جماعاته المنظّمة، لأن نتيجة ذلك التلبّس كانت مأساويةً في كثيرٍ من الأحيان. ففي وجود شروط فكرية وثقافية موضوعية معينة، تساعد الروح الرسالية على صناعة التاريخ والحياة. أما في غياب تلك الشروط، كما كان عليه الحال في الواقع السوري والعربي، فقد صارت الروح الرسالية نـقمةً على أهلها حيناً، ونـقمةً على العالم بأسره حيناً آخر..

فباسم الرسالة القومية، نتج التسلط السياسي، ومعه التخلف الاقتصادي والاجتماعي على كل صعيد. وباسم الرسالة الدينية، نتجت العزلة عن الآخر في اتجاه (الأنا)، وعن الدنيا في اتجاه (الآخرة)، وعن الحاضر والمستقبل في اتجاه (الماضي). وباسم رسالة الحداثة والعصرنة والتحضّر، نتج ضياع الهوية حيناً، وضياع البوصلة حيناً آخر.

هذا ماتفعله الروح الرساليّة عندما تتملك العقل الذي لايعرف الحلول الوسط، ويعالج ردود الأفعال بردود الأفعال..

لكن هذا لايعني أن يتمثل الخيار البديل في (الاستقالة) الحضارية بشكل كامل. فتلك هي عقلية الثنائيات المتقابلة التي تحاصر واقعنا وتخنقه، حين نقفز على الدوام على أي خيارٍ ثالث.

الواقع السوري الراهن، كما هو الواقع العربي، مسكونٌ بهاجسي (الدين) و(السياسة)، رضي من رضي وكره من كره.

فقد تمنى البعض من السوريين والعرب في يومٍ من الأيام بأن يصبح (الدين) شيئاً من الماضي. وتشكّل لوهلةٍ واقعٌ أوهمهم بإمكانية تحقيق ذلك الحلم. لكن الحياة البشرية أفرزت واقعاً آخر سرعان ما محا تلك الأوهام. حيث عاد الدين اليوم ليزاحم كل انتماء وكل فكرة، وليجد لنفسه تأثيراً في كل موضوعٍ وقضية.

لم يعد بالإمكان تحييد (السياسة) في زمن الثورات العربية الراهن. وهذا يفرض البحث في جدلية الديني والسياسي في العالم العربي، على أن تكون مهمة هذا البحث تقديمَ نموذج (استيعاب) و(استجابة) جديد، هدفُهُ تمكين السوريين من التعامل مع قضاياهم بحدٍ أدنى من العقلانية والواقعية. فقط. لا أكثر ولا أقل في هذه المرحلة.

لا نتحدث هنا عن مثاليات طوباوية. ورغم ضرورة الإيمان بإمكانية أن تقدم سوريا مع الأيام مساهمة حضارية متميزة، وتمتلك دوراً تاريخياً فريداً، إلا أن الواقعية تفرض منطقاً لايمكن القفز على متطلباته الملحّة والعاجلة.

فالبحث هنا ليس فيما (يجب أن نكون). بل عما يجب أن نفعله أولاً كحدٍ أدنى لـ (نكون).

وهذا لايتحقق إلا عبر إعادة التفكير بهدوء في عناصر تلك الجدلية التي تفرض نفسها باضطراد. وإعادةُ التفكير بدورها لن تكون ممكنة إلا إذا استطاع المثقفون والساسة السوريون، من مختلف المدارس الفكرية والأيديولوجية، تجاوز مواقفهم الصارمة المحدّدة المعروفة تجاه تلك الجدلية.

يبدأ الأمر من مقدماتٍ عامة تُظهر على الأقل ماهو ممكنٌ أو غير ممكن.

إذ لا يبدو ثمة إمكانية بعد الآن لإضفاء القداسة على الممارسة السياسية باسم الدين، أو التعامل مع السياسة بمنطق المُطلقات التي لاتقبل النقاش، أو من خلال التصورات والأحكام الطهورية كما يريد البعض..

بالمقابل، لا إمكانية للنظر إلى (الديني) بمنطق (الرفض المبدئي) المبني على مزيجٍ من الشعورٍ بالفوقية تجاهه ومشاعر الخوف والحذر منه. ولا مجال لرفض أي علاقة للسياسة بالدين أو للدين بالسياسة. كما يريد البعض الآخر..

لا إمكانية للتعامل مع جدلية الديني والسياسي من مثل تلك المنطلقات بعد اليوم.

واضحٌ إذاً أننا بحاجة إلى الكثير من المرونة والكثير من الموضوعية والكثير من التجرد والكثير من الحوار.

ربما كانت هذه الشروط صعبة. ولكنها ليست مستحيلة.

نعرف جميعاً أن من الصعب على شرائح من المثقفين والساسة السوريين، من مختلف الانتماءات، التزحزح عن مواقعهم الفكرية.. ولكن الأمر لايتطلب ذلك النوع من الإجماع. فالمسألة تتعلق بالنوع وليس بالكمّ. وهي أولا وقبل كل شيء (موقفٌ) ثقافي لايمكن إلا أن نترك للتاريخ الحكم عليه. و ربما يكفي أن توجد بعض الشرائح المستعدة لتحريك الراكد لكي ينطلق القطار. عندها، يصبح الآخرون أمام الخيار المعروف بين القفز إليه في آخر لحظة أو الحياة بعد مغادرته في قاعات الانتظار.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأكراد يتأرجحون بين سوريتهم وكيان يخصهم!

فايز سارة

الشرق الاوسط

16-12-2012

يميل أغلب السوريين الأكراد إلى تأكيد الانتماء إلى سوريا، وهو أمر لا يحتاج إلى إثبات في سلوكهم العام وحياتهم اليومية في مختلف المدن والقرى، حيث يتعاملون مع تلك المدن والقرى ومع المقيمين فيها على نحو ما يتعامل بقية السوريين. وتتضمن برامج وأدبيات الجماعات السياسية الكردية السورية، تأكيدات الانتماء إلى سوريا شعبا وكيانا، وهو ما تتضمنه صراحة مواقف وتصريحات معظم قادة وكوادر الجماعات السياسية الكردية إن لم نقل كلهم، والخلاصة في المستويين الشعبي والسياسي، أن الأكراد جزء من المكون السوري، كغيرهم من الخلفيات القومية الأخرى من العرب والآشوريين والشركس والأرمن والتركمان الذين ارتبطوا معا، ونظروا إلى سوريا باعتبارها وطنا لهم يتشاركون مواطنتها مع الآخرين.

غير أن النسق الاندماجي للأكراد السوريين، يعاني من اختلاطات سياسية وعملية في معظم الأحيان، لعل الأبرز فيها سعي الأكراد إلى تخصيص أنفسهم سياسيا بالمطالبة بكيان فيدرالي، كما يخصون أنفسهم بضرورة الاعتراف الدستوري بهم باعتبارهم «قومية ثانية» في البلاد، إضافة إلى مساعيهم المستمرة إلى إقامة تكتل سياسي قومي، يبدأ في وحداته الصغيرة من إقامة أحزاب محصورة عضويتها على الأكراد، ثم تتصاعد إلى إقامة ائتلافات أو تحالفات لجماعات كردية وصولا إلى تحالف واحد على نحو ما يمكن النظر إلى «اتفاقية هوليير» 2012 التي تم توقيعها برعاية مسعود برزاني رئيس كردستان العراق بين المجلس الوطني الكردي السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي PAD من أجل سياسة وممارسة عملية واحدة للأكراد في سوريا.

والخصوصية السياسية عند الأكراد السوريين تجد لها ما يدعمها في سلوكيات التوازي الكردي مع ما هو قائم ويقوم من هياكل سياسية واجتماعية ومدنية في البلاد، وهو سلوك تعزز على نحو واسع في سنوات العقد الماضي، وعلى سبيل المثال، فإن إقامة المجلس الوطني السوري كانت حافزا للجماعات الكردية في تأسيس المجلس الوطني الكردي على نحو عاجل، بل إن ذلك تم على أرضية انسحاب الأحزاب الكردية من عضوية تحالفي المعارضة السورية الرئيسيين آنذاك وهما إعلان دمشق وهيئة التنسيق، وانضمامها إلى المجلس الوطني الكردي، وقبل ذلك بسنوات طويلة، كان حقوقيون أكراد شكلوا منظمات حقوقية كردية في سوريا، فيما شكل مثقفون هيئات ثقافية كردية، ومنذ اندلاع الثورة السورية سعى أكراد إلى تأسيس تنسيقيات وتحالفات ثورية ومنابر إعلامية، اقتصرت في عضويتها على الأكراد، وتخصصت بالمناطق الكردية أو ذات الأغلبية الكردية، وقد زاد على ذلك قيام حزب الاتحاد الديمقراطي PAD الرديف السوري لحزب العمال الكردستاني p.k.k بتشكيل ميليشيا شبه مسلحة، هدفت إلى عزل المناطق الكردية وحمايتها كما قيل، وكان من آخر التكوينات التي تم تأسيسها على هامش الثورة المجلس العسكري الكردي المشترك في سوريا مباشرة بعد تأسيس المجلس العسكري السوري بداية ديسمبر (كانون الأول) الحالي.

وان كان لما سبق من دلالة، فهو يشير إلى سعى الأكراد السوريين إلى تأكيد وجودهم وحضورهم المميز والخاص في الحياة السورية وهذا حق أساسي لا يمكن النقاش فيه، وليس من حق أحد ممانعتهم في ذلك، لكن من المهم رؤية على أي أساس يتم ذلك، فإذا كان على أساس أنهم جزء من التكوين الكياني والسكاني، فإنه ينبغي أن يتم ذلك في أطر مؤسسات سورية موحدة سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو عسكرية، يكون الأكراد فيها حاضرين ومشاركين كغيرهم من بقية السوريين، وهذا أمر قائم في الكثير من المؤسسات السورية السياسية والاجتماعية والثقافية، والأبرز في ذلك وجودهم في الائتلاف الوطني والمجلس الوطني وفي التحالفات الأخرى، التي تسعى إلى رسم مستقبل مشترك لكل السوريين يقوم على المشاركة والعدالة والمساواة.

أما تأكيد وجود وحضور الأكراد في الحياة السورية على أساس التوازي السياسي والمؤسساتي وفي ظل المطالبة بالفيدرالية والاعتراف بهم «قومية ثانية» في دولة فوق القوميات كما هي سوريا المقبلة، فإن ذلك يؤسس ويعزز توجه الأكراد نحو الانفصال عن سوريا، وهو ما لا تتبناه الأكثرية الشعبية الكردية ولا أغلب الجماعات السياسية كما هو معلن، الأمر الذي يشير إلى الالتباس الحاصل في الموقف الكردي العام في التأرجح بين خيار تأكيد سورنة الأكراد وبحثهم عن كيان يخصهم.

إن ميل السوريين، كما بينته الثورة السورية في عامين من عمرها، هو تأكيدهم الحفاظ على تنوعهم وتعدديتهم، وهو توجه لم يخص منطقة واحدة، ولا جماعة أو فئة، الكل هتفوا للكل وتضامنوا معهم بالقول وبالفعل، الأمر الذي يعني في الموضوع الكردي حرص السوريين على وجود وفاعلية الأكراد في إطار نسيجهم الوطني وحقهم في الحصول على كل حقوقهم التي منعهم الاستبداد والعسف منها طوال عقود، ورفع الظلم عنهم ومساواتهم مع كل إخوانهم السوريين تحت شعار المواطنة، وإن كانت لهم خيارات ومطالب أخرى، فإن من الحق أخذها بعين الاعتبار، والتفكير الجدي والعملي في السبل التي تساعدهم في الوصول إليها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إسرائيل تريد بقاء الأسد؟!

عماد الدين اديب

الشرق الاوسط

16-12-2012

تتحدث زعامات أوروبية الآن بكثرة عن ضرورة رحيل الرئيس بشار الأسد كي يجنب بلاده المزيد من الدماء.

وقال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إن تنحي الأسد هو ضرورة تتزايد في الآونة الأخيرة تدعمها بقوة الانتصارات النوعية لقوى المعارضة السورية على الأرض.

السؤال الرئيسي هو إلى أي حد سوف تتمسك طهران بدعم حليفها التاريخي منذ عهد الخميني - حافظ الأسد - وهناك نوع من التحالف الحديدي لا يمحوه إلا الدماء؟!

إلى أي حد هناك استعداد للمفاوض الإيراني للمقايضة على الوضع في سوريا وهو يتفاوض قريبا مع الأميركيين؟

هل تقوم طهران بطرح الملف السوري للبيع وتقبض ثمنا كبيرا له؟ أم سوف تتمسك بالدفاع عنه إلى النهاية دون أي مقابل أو مردود سياسي أو مادي؟

في الوقت ذاته يتعين على موسكو وبكين أن تحددا ماذا تريدان بالضبط من الملف السوري؟

السؤال هل تسعى موسكو تحديدا إلى استخدام الملف السوري لتصعيب الأمور على واشنطن ومحاولة «تعطيل وتجميد» حركة المصالح الأميركية في المنطقة؟ أم أن الموقف الروسي يسعى بالدرجة الأولى إلى المقايضة في ملف الدرع الصاروخية في أوروبا وفي رفع مستوى التعاون التجاري بين البلدين؟

الجميع على استعداد لبيع الجميع.. المهم هو الحصول على الثمن المناسب!

المذهل الذي يتوقف أمامه المراقب هو تصريحات إسرائيلية منسوبة إلى مصدر في تل أبيب تقول إن سقوط نظام الرئيس بشار الأسد هذه الأيام يشكل خطرا كبيرا على الأمن القومي الإسرائيلي، وإن مصلحة تل أبيب هي بقاء هذا النظام لفترة ما؛ لأن أحدا لا يعلم حقيقة توجهات المعارضة السورية المقاتلة على الأرض التي قد تنتمي إلى تيارات إسلامية متشددة من «القاعدة» إلى الجهادية السلفية.

عشنا وشفنا ذلك اليوم الذي تدافع فيه إسرائيل عن بقاء نظام عربي!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقف بوغدانوف: رأس الأسد بعد الحل السياسي؟

جورج سمعان

الإثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

الموقف الذي أطلقه نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف حمّال أوجه؟ بعضهم قرأ فيه بدايةَ تحولٍ في موقف روسيا من القضية السورية، فيما لم يجد فيه آخرون خروجاً على تمسكها باتفاق جنيف الذي تبنته الدول الخمس الكبرى في حزيران (يونيو) الماضي، لكنها اختلفت في تفسير نصوصه وأقامت على هذا الخلاف، الذي وفّر لها فرصة للتنصل من مسؤولياتها، ومزيداً من الوقت للقعود عن أي مبادرة أو تحرُّك جدي.

لم يستبعد المسؤول الروسي انتصار المعارضة، وهو ما اعتُبر جديداً، وهو كذلك، لأنه أُطلق علناً للمرة الأولى، أو سُرّب لا فرق. ولكن هل كان أحد يعتقد بأن موسكو توقعت أو كانت تتوقع غير ذلك؟ وهل يعقل أنها هي الأخرى كانت ولا تزال تعيش، مثل نظام الرئيس بشار الأسد، في عالم افتراضي بعيداً مما يجري في الشارع؟ لا شك في أنها كانت منذ أشهر بعيدة تتابع تراجع قدرة النظام على فرض الاستقرار.

الناطق باسم الخارجية الروسية استعجل الرد على ترحيب واشنطن بالموقف الجديد، ليؤكد أن بلاده لم تغير موقفها! وفي هذا كثير من الصحة، ففي التصريح ذاته، نبّه بوغدانوف إلى أن النزاع يمكن أن يستمر شهوراً وأن يوقع آلاف الضحايا. لذلك جدّد التمسك بحل سلمي وبمرحلة انتقالية وحكومة موقتة تلتزم ما اتُّفق عليه في جنيف، وهو موقف موسكو منذ بداية الأزمة. الجديد هو أن روسيا، التي ظنت منذ اندلاع الثورة أنها ستكون قادرة، بسلاح «الفيتو» في مجلس الأمن وبسلاحها الذي لم ينقطع عن سورية، على حماية مصالحها في هذا البلد، تبين لها في ضوء تقدم المعارضة إلى قلب دمشق، أن الحسم آت مهما طال الزمن، كما توقع وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، لكنه حسمٌ لن يبقي ولن يذر، وهو ما لا تريده، مثلها مثل واشنطن، التي جددت القول إن البيت الأبيض والكرملين «يتشاركان هدفَ التوصل إلى حل سياسي في أسرع وقت».

المهم أن الجميع مقتنعون الآن بأن الرئيس الأسد لن يبقى في السلطة، وبأن المطلوب حل سياسي، أي وقف القتال، الذي سيخرّب استمرارُه البلاد ويدمّر كل مقومات الدولة. وينطلق الجميع من مقررات جنيف للدعوة إلى مرحلة انتقالية توفر انتقالاً سلمياً للسلطة، ولو لم تكن واشنطن تلتقي مع موسكو بالحرص على مثل هذا الحل لما تأخرت في دفع الراغبين إلى تسليح المعارضة لحسم معركة دمشق. الواضح أن العاصمتين يسكنهما هاجس الحسم العسكري وتداعياته، والعقدة -أو المأزق- هنا هي الخلاف بينهما على مفهوم المرحلة الانتقالية وآليات تنفيذ الحل السياسي، والعقدة أيضاً أن طرفي الصراع يرفعان شعار الحسم الميداني، وأنه لا يوجد فصيل معارض واحد يقبل بالجلوس إلى طاولة الحوار مع النظام، وهذا ما يجعل الرئيس الأسد يشعر بأنه محشور في زاوية «يا قاتل يا مقتول»، ولن تطمئنه أي ضمانات روسية أو غير روسية، وهو ربما يأمل في النهاية بضمانات دولية، فطيفا الرئيسين حسني مبارك ومعمر القذافي يقضّان مضجعه بالتأكيد. وستتضاعف مخاوفه كلما شعر بأن الكرملين يبحث عن بدائل للحفاظ على مصالحه.

صحيح أن روسيا على موقفها، لكنها باتت تؤمن بأن لا رهان منطقياً وواقعياً على النظام، الذي بدوره يحشد كل قواته في العاصمة. وتخشى واشنطن أن يكون الحسم النهائي مكلفاً ومدمراً في الأرواح والممتلكات وصنوف المجازر والتنكيل والانتقامات والثأر.

والسؤال اليوم: كيف تترجم العاصمتان رغبتهما في الحل السياسي؟

لا شك في أن التلكوء الأميركي الذي طال عشرين شهراً مرشح للاستمرار حتى نهاية الشهر المقبل، أي موعد ولادة الإدارة الجديدة، وأن المبادَرة غائبة عن القيادة في أميركا هذه الأيام، لذلك تطرح بريطانيا أن تتولى هذا الدور بنفسها، بعدما حصلت على تفويض الاتحاد الأوروبي لمتابعة موضوع تسليح المعارضة باشتراط أمور، أهمها إبعاد العناصر الجهادية المرتبطة بـ «القاعدة»، وقد أعدت (بريطانيا) لذلك ورقة للبحث، وبالتأكيد لن تكون الطريق معبدة أمامها للتوصل إلى تفاهم لترجمة اتفاق جنيف، أو الانطلاق من بنوده الصالحة، وأولها حكومة انتقالية تتوافق عليها المعارضة مع بعض أركان النظام الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء، علماً أنها لا يمكن أن تنوب عن الولايات المتحدة في التفاوض الشامل مع روسيا.

ومما لا شك فيه أيضاً، أن واشنطن نجحت في استنزاف موقف موسكو في سورية، فليس في حسبانها أبداً الجلوس إلى الطاولة مع روسيا لإبرام صفقة تتناول القضايا الإقليمية، كما كان يأمل الكرملين، وهي لم تكتف بنشر معدات الإنذار المبكر في تركيا، في إطار الدرع الصاروخية الأطلسية، بل أرسلت بطاريات «باتريوت» والجنود المشغِّلين لها إلى الحدود مع سورية... والحدود الجنوبية لروسيا! وهذا التحرك الميداني ترافَقَ مع اعترافها بالائتلاف الوطني المعارض ممثلاً شرعياً للشعب السوري. ولم يعد أمام إدارة بوتين سوى محاولة الحد من الخسارة، أو انتظار الخسارة الكاملة في سورية، وهي خسارة تتجاوز موقع بلاده في هذا البلد إلى فقدان مقعد مقرر وفاعل في النظام الإقليمي الذي يتشكل في المنطقة على أنقاض أنظمة عربية متهاوية. لقد دفعت موسكو وتدفع ثمن ترددها ووقوفها عند «عقدة ليبيا»، ولم تدرك منذ البداية أن ما صممت عليه أميركا وأوروبا هو إسقاط نظام دمشق، لأن سقوطه يعني زعزعة ما يسمى حلف الممانعة، وبات عليها اليوم أن تخشى على إيران، التي تصر واشنطن على وقف مشروعها النووي وترفض البحث معها في قضايا تخص دورها وطموحاتها وأحلامها في المنطقة!

يبقى أن ما يقلق موسكو اليوم هو نفسه ما يقلق باقي أعضاء المجموعة، وهي تنظر إلى القضية السورية من منظار أنها أكثر تعقيداً من مجرد رحيل الأسد، كما أنها تشعر بعجز دولي عن وقف الاقتتال، على رغم أنها المصدر الرئيس لسلاح النظام وتتحمل المسؤولية الأخلاقية الأكبر عما يحدث. إن روسيا تعرف تركيبة المؤسسة العسكرية السورية أكثر من غيرها، وهي من دون شك تتساءل عن مصير أكثر من ثلاثين ألف ضابط علوي وأكثر من مئة ألف جندي نظامي علوي أيضاً، فضلاً عن عناصر من أقليات أخرى مسيحية ودرزية، وهم من يقفون اليوم وراء هذه الحملة التي يشنها النظام قتلاً وتدميراً، وترغب انطلاقاً من هذا الواقع، في أن يتولى المجتمع الدولي إيجاد حل يسمح لهؤلاء بالابتعاد عن النظام. مفهوم تماماً أن هذا لا يشمل القيادات العليا من الحلقة الضيقة التي تخطط وتدير مسرح العمليات، كما أنها ترغب طبعاً في ضمان مصالحها المعروفة في سورية، وعلى رأسها القاعدة البحرية في طرطوس... وفي هذا الإطار ثمة من يطرح فكرة قيام مجلس عسكري موقت، بدعم دولي، يتولى ترتيب خروج الرئيس ووقف القتال، تمهيداً لقيام حكومة توافُق موقتة تدير المرحلة الانتقالية وتشرف على إعادة تركيب الجيش والأجهزة الأمنية من «الجيشين» المتصارعين، بهدف الحفاظ على المؤسسة العسكرية، ولئلا تتعرض البلاد لانهيار أمني، كما حصل في العراق وفي ليبيا، كما تتولى إعداد دستور جديد للبلاد تطمئن إليه كل مكونات المجتمع، طوائفَ وأعراقاً.

أمام روسيا فرصة في لقاء إسطنبول بعد يومين لممثلين عن مجموعة جنيف (الدول الخمس الكبرى والسعودية وتركيا وقطر والأردن والمبعوث الخاص الأممي-العربي)، الذي يفترض به ان يحدد مصير الحل السياسي وفرص نجاحه وإمكان التوافق بين هذه الأطراف، التي باتت مقتنعة بوجوب تجنيب سورية الحسم العسكري وتداعياته الكارثية على النسيج الوطني ومكوناته، وعلى وحدة البلاد وتحويلها ساحة للأصوليات المختلفة.

والسؤال هنا: هل يمكن هذا الزخم الدولي والإقليمي أن يستنبط تفاهماً يرضي الجميع؟ زوار موسكو في الأيام الأخيرة شعروا بأنها ليست متمسكة بالرئيس الأسد، وباتت مقتنعة بأن لا حل مع بقائه، ولا مجال لصيغة «لا غالب ولا مغلوب»، وهي توحي بأنها ربما تكون مستعدة للتعاون من أجل قيام حكومة انتقالية من شخصيات وطنية وتكنوقراط تعد لدستور جديد وانتخابات نيابية، وتكون لها كل الصلاحيات التنفيذية، وهذا ما نص عليه اتفاق جنيف، وبعدها قد تكون مستعدة لممارسة ما يلزم من ضغوط لدفع الأسد إلى التنحي وليس الانتظار حتى انتهاء ولايته في العام 2014. لكن هذا يعنـي أنها ليـست مستعدة للقبول بالحكومة الموقتة التي يبحث الائتلاف الوطني للمعارضة تشكيلها لإدارة المناطق المحررة والإشراف على تلقي المساعدات وتوزيعها.

كان المطلوب من مجموعة جنيف أولاً، في ظل السباق مع التطورات الميدانية ودينامياتها، أن تلتقي على تعريف مشترك وواضح للمرحلة الانتقالية وعناصرها ومدتها. والمطلوب ثانياً التوافق على خطة طريق للوصول إلى هذه المرحلة. ولن يكون ذلك كافياً للبدء بالتنفيذ، ومن هنا، كان لا بد ثالثاً من تعهد الأطراف ممارسة الضغوط على طرفي الصراع لفرض هذه الخطة فرضاً. هل يستطيع لقاء جنيف تعويض ما فات في الوقت الضائع طوال عشرين شهراً، أم أن حظوظ الحل السياسي باتت من سابع المستحيلات بعد كل هذا القتل والدمار والضغائن؟ ومن يضمن تجاوب المتصارعين مع حملات الضغط؟ هل يمكن موسكو أن تقدم مخرجاً من هذا المأزق؟ أو أن تقدم تصوراً مقنعاً، ليس لشركائها في جنيف فحسب بل للمعارضة أيضاً، ينطلق من توقعات بوغدانوف أن هذه المعارضة ستنتصر... فتساهم جدياً هذه المرة في رسم طريق لرحيل أهل النظام سريعاً؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف: السلاح الحزبللاوي يشهر على السوريين ..زهير سالم*

تكرارا ومرارا كان السيد حسن نصر الله يخرج علينا ليؤكد أن سلاح المقاومة ( الإسلامية ) يعني الحزبللاوية مختص حصرا وقصرا بالعدو الصهيوني المحتل .

وفي أي ظرف يشعر فيه السيد حسن بالأوام للتباهي أمام أبناء الأمة من محيطها إلى خليجها يخرج علينا مذكرا بترسانة الأسلحة التي يملكها ، والمستعدة لاختراق المدن ( الإسرائيلية ) من الشمال إلى الجنوب ؛ ليوحي إلى أبناء الأمة أن حزبه قد حقق التفوق على العدو الصهيوني . وينسى أنه بذلك يزاود على حافظ وبشار الأسد اللذين عجزا عن تحقيق مجرد التوازن الاستراتيجي ، الشعار الذي رفعه حافظ الأسد سنوات طوالا .

 

لم ينس حسن نصر الله هو ومساعدوه ومعلقوه مرة واحدة التأكيد أن هذا السلاح مرصود فقط للعدو الصهيوني . وأنه بفعل هذا الرصد لن يعمل إلا بهذا الاتجاه . وأنه ( إن ضُرب به الصهيوني قطع وإن ضُرب به غيره كبا ) ..

 

وكانت رسالات التطمين والتوكيد والتوثيق تنهمر على المجتمع اللبناني مدرارا بأنه لن يستخدم هذا السلاح إلا ضد العدو المحتل للأرض دفاعا وتحريرا ..

 

ومع أن مصداقية هذه التطمينات قد تهاوت منذ السابع من أيار 2008 يوم كشفت قوات المقاومة المزعومة عن وجه ميلشياوي طائفي مقيت واجتاحت الحرمات اللبنانية في الشمال والجنوب والوسط إلا أن السيد حسن نصر الله ظل يتمترس وراء المعاذير . وظل المجتمع الدولي بكل قواه مسلّما لواقع يعيش فيه كل اللبنانيين تحت سطوة ميليشيا طائفية حاقدة . وقد قبل المجتمع الدولي ذلك للشعب اللبناني كما قبله للشعب السوري من قبل !!!!

 

منذ يومين كان حسن نصر الله يشهر سلاحه عاليا كسلاح طائفي ميلشياوي في وجه الشعب السوري . ويكرر كلمة واهم جدا جدا جدا جدا .. من يظن أن المعركة يمكن أن تحسم بهذه الطريقة ؛ مشيرا إلى الانتصارات التي يحققها الثوار على الأرض . دون أن ينسى التذرع بقوى وهمية تتدخل في الشأن السوري ليجد لنفسه الذريعة للانخراط المكشوف في مشروع ذبح أطفال سورية وانتهاك حرمات السوريين .

 

لقد ظننا ، نحن السوريين ، أن السلاح الوحيد الذي يهدد وجودنا في بلادنا وفي منطقتنا هو السلاح الصهيوني فقط لنكتشف فجأة أن السلاح الإيراني والسلاح الحزبللاوي ليس أقل قسوة ولا أدنى خطرا . ويبدو أننا اليوم ندفع ثمن استحقاق الغفلة التي أخذتنا من قبل طويلا ...

 

أقول الغفلة التي أخذتنا تعقيبا على إعلان السيد صالحي اليوم أن وجود صواريخ باتريوت الدفاعية على الحدود التركية - السورية يشكل استفزازا وتهديدا لأمن إيران والمنطقة ؛ لأتساءل لماذا لم نر من قبل في وجود ميليشيا طائفية مسلحة ومجندة في لبنان تهديدا واستفزازا لوجودنا في سورية ؟! سؤال أطرحه على الذين ما زالوا في غيهم يعمهون ؟!

 

التهديد في قوس الأزمة بوجود هذه الميليشيا بين ظهرانينا يجب أن ينتهي . أعتقد أنه لم يفت الوقت لمواجهة هذا السرطان وإن استفحل . سوريون ولبنانيون يجب أن نتكاتف لإعادة الأقزام المتعملقين علينا إلى قاماتهم الطبيعية . لا وكس ولا شطط . ولن يستنسر بغاث في أرضنا بعد اليوم .

لندن 4 / صفر / 1434

18 / 12 / 2012

____________

*مدير مركز الشرق العربي 

-*-*-*-*-*-*

لا لبنان من دون تدخل خارجي؟

سركيس نعوم

2012-12-17

النهار

في أثناء زيارة الشهيدة الحية الزميلة مي شدياق في المستشفى عام 2005 التقيت سفير دولة عربية كبيرة. تحدثنا عن اوضاع لبنان وظروفه والتدخلات الخارجية فيه، فأظهر استياءه من الحملات المُنظَّمة التي تقوم بها دول "الممانعة" في المنطقة عبر الإعلام اللبناني، او بعضه، على تحركات الديبلوماسيين العرب والاجانب الذين يمثلون في لبنان دولاً تدعم "ثورة الارز" معتبرة اياها تدخلاً في محاولة لتغليب فريق على آخر. وتساءل: ألا يرى اصحاب الحملات المشار اليها تحركات ممثلي دول "الممانعة" المماثلة لتحركات الدول المؤيدة لانتفاضة اللبنانيين على وجود جيش سوريا في لبنان وهيمنتها على مقدراته؟

طبعاً كتبتُ في حينه "موقفاً" اظهرت فيه رأي الديبلوماسي العربي، وعبّرت عن اقتناعي بأن التدخل في الأزمة اللبنانية المزمنة والمتشعبة والمتطورة والمتصاعدة لا يقتصر على دول "الممانعة" المؤيدة لسوريا وحلفائها في لبنان، او على غالبية الدول العربية ومعها اميركا واوروبا المؤيدة للمنتفضين على هؤلاء. اما مناسبة هذا الكلام اليوم، فهو ان هذا الموضوع اثير من جديد قبل ايام، ولكن هذه المرة من "معسكر السياديين"، كما يسمي نفسه فريق 14 آذار، احتجاجاً على اجتماع سفراء ايران وروسيا والصين وسوريا (الاسد) في بيروت جرى فيه البحث على مدى ساعات في "الازمة" السورية بتشعباتها العربية والاقليمية والدولية كما بتطوراتها الداخلية. وانتهى الاجتماع ببيان كرر المواقف – الثوابت لدول هؤلاء، وكلها داعمة لنظام الاسد ومُدينة "للإرهابيين" الذين يحاربونه بدعم من الخارج الاميركي – العربي – الاسرائيلي. وتعني إثارة الموضوع قديماً من فريق 8 آذار وحديثاً من فريق 14 آذار ان في لبنان مَرَضاً لا أعرف له اسماً، جوهره ان كلاً من شعوبه، المنقسمة على بعضها والمتصارعة على السلطة المطلقة باسم الدين او المذهب او القومية او باسم كل ذلك جميعاً، يفعل ما يعيبه على اشقائه باعتباره مفيداً للوطن، ويرفض ما يفعله غيره لأنه في رأيه مضر للوطن.

وهذا امر لن يتوقف، ذلك ان الشعوب المذكورة لا يجمعها إلا الانتماء الرسمي للبنان، اما الانتماء الفعلي فتقف دونه الآلهة والشياطين والمصالح والرغبات والشهوات التي جعلتها في حرب مستمرة ومن زمان. لكنها تارة حرب "سلمية" اذا جاز التعبير على هذا النحو.، وتارة حرباً أمنية، وتارة حرباً عسكرية بكل ما لهذه الكلمة من معنى. وطبيعي في حروب كهذه، لا يستطيع اي من افرقائها حسمها لمصلحته، أن يلجأ كل منها الى قوة اقليمية تماثله في الدين او في المذهب او الى قوة دولية تقضي مصالحها بالتدخل في لبنان لمساعدته في التغلب على الآخرين. علماً ان القوى المذكورة تمارس احياناً كثيرة الاغراء الذي لا يُقاوَم على شعوب لبنان لاستقطابها وتوظيفها، لا بل لاستغلالها وإن أحياناً كثيرة ضد مصالحها وضد وطنها.

ولعل ابرز دليل على ذلك في المرحلة الراهنة هو خروج ممثلي القوى الخارجية المؤيدة لكل من الفريقين الى التحرك العلني، ربما لتأكدها من انحلال دولة لبنان، ومن انخراط شعوبه في الحرب الدائرة داخل سوريا وفي المواجهة الدائرة في المنطقة وعليها بين غالبية الدول العربية واميركا ومعظم اوروبا من جهة، وروسيا وايران الاسلامية وربما الصين من جهة اخرى. فهل الذين "استفظعوا" التقاء سفراء ايران وسوريا وروسيا والصين في منزل الأول الاسبوع الماضي لم يلاحظوا تحركات سفراء الدول المعارضة لمحور "الممانعة" في طول البلاد وعرضها، وتدخلهم مثل الآخرين في كل شاردة وواردة مع القيادات اللبنانية "المتقاتلة"، لا بل فرضهم احياناً كثيرة المواقف عليهم والتوجيهات؟

في النهاية، لا بد من الاشارة بأسف شديد الى ان لا نهاية لتدخل الخارج على تناقضه في لبنان الا اذا توحدت شعوبه في انتمائها الى لبنان الوطن النهائي، وفي بناء دولته ومؤسساته، وفي التخلي عن ظاهرة الدولة داخل الدولة والاقوى من الدولة. وهي ظاهرة انتشرت في اثناء الحروب في لبنان (1975 – 1990)، ثم انحصرت بدويلة واحدة منذ 1990. لكن يبدو ان دويلات مشابهة لها ومعادية لها بدأت تفرّخ في مناطق اخرى، وذلك كله لن يحصل إلا اذا انتهت "الازمة" السورية بحل نهائي، واذا تفاهمت اميركا وايران او اذا انتصرت احداهما على الاخرى، واذا تفاهمت اميركا وروسيا والصين، وهذا شبه مستحيل.

لكن هل هناك ضمان في ظل الاستقرار الاقليمي الذي قد يشيعه ذلك ان يتفق اللبنانيون؟ الجواب هو"كلا".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بعد كل ما حدث..هل تفهم روسيا؟

الوطن السعودية

التاريخ: 17 ديسمبر 2012

بعد عشرات الألوف من القتلى ومئات الألوف من المفقودين والسجناء وملايين المشردين في الداخل والخارج، وبعد حوالي عامين على ممارسات النظام السوري ضد شعبه الذي اضطر بعضه للتسلح للدفاع عن أهاليهم... وبعد اقتراب الجيش الحر من معاقل النظام وازدياد المؤشرات على نهاية حكم الأسد وسقوطه، واعتراف عدد كبير من دول العالم آخرها الولايات المتحدة الأميركية بالائتلاف الوطني السوري المعارض ككمثل شرعي للشعب.. بعد كل هذا هل تدرك روسيا أن سنّة التاريخ لن تتغير، وكفة الشعب سوف ترجح على كفة النظام، فبدأت بمراجعة موقفها؟

وإن كانت الخارجية الروسية قد نفت لاحقاً، إلا أن حديث نائب وزير الخارجية الروسي عن أن "مكاسب المعارضة على الأرض تشير إلى أنه لا يمكن استبعاد انتصارها في نهاية المطاف على الأسد"، يوحي بأن المسؤولين الروس يبعثون برسائل غير مباشرة تشير إلى أنهم قد بدؤوا يتراجعون عن مواقفهم الداعمة بصورة مطلقة للنظام السوري، وشعورهم بأنه لم يبق كثير من الوقت لينهار النظام تماماً، لذا سمعنا تصريحاتهم المتضاربة والمتناقضة خلال الأيام الماضية، مثل أن روسيا لم تتراجع عن موقفها، أو أن روسيا لم تكن تدعم النظام وإنما تدعم الشعب.. متناسين الأسلحة والطائرات التي كانت تصل إلى النظام من روسيا منذ بدء الثورة! ومتجاهلين "الفيتو" الذي استخدمته روسيا في مجلس الأمن أكثر من مرة لحماية النظام، والتعنت الروسي ضد القوى التي ساندت الشعب في معركة الخلاص من الاستبداد.. فأي شعب يتحدث المسؤولون الروس عن دعمه في المرحلة السابقة؟

إن كانت روسيا جادة وتسعى لمصلحة الشعب السوري، فعليها اليوم قبل الغد المساعدة على إنقاذه من القتل اليومي الذي يمارسه جيش بشار ضده، ومنع النظام من تدمير ما تبقى من سورية. فحين يتوقف ذلك يمكن للشعب التقاط أنفاسه ليعيد البناء.. وما سبق لن يحدث إلا إذا تنحى بشار الأسد عن الحكم، وأخذ الائتلاف الوطني السوري دوره في مرحلة انتقالية يفترض أن القياديين فيه يعرفون طريقة إدارتها أو أنهم استعدوا لها.

إن لم تفعل روسيا ذلك، فالخوف من أن "الأسد" قبل سقوطه قد يصنع كارثة بسورية تفوق كل ما حدث منذ بدء الثورة، لكنه قد لا يفعل إن تدخلت روسيا، لأنها تملك زمام أمره منذ ثار الشعب ضده.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

والآن.. إيران ما بعد الأسد

طارق الحميد

الشرق الاوسط

17-12-2012

سبق أن كتبت في أغسطس (آب) الماضي هنا «فكروا في إيران ما بعد الأسد»، وأعود اليوم لأكتب عن إيران ما بعد الأسد مرة أخرى، لأن الأوضاع على الأرض في سوريا باتت تتحرك بسرعة مذهلة، ونظرا لتأكيدات سمعتها من ثلاثة مصادر عربية وأوروبية عن تخطيط إيران لما بعد الأسد.

وقبل البدء لا بد من تأمل تصريح، أو تحذير، حسن نصر الله الأخير الذي يقول فيه إن الوضع في سوريا يزداد تعقيدا، لكن من يظن أن المعارضة المسلحة يمكنها حسم الموقف على الأرض «مخطئ جدا جدا جدا». وكلام نصر الله يعد مهما؛ لأنه يعكس الموقف الإيراني بالطبع، ونصر الله هنا لا يتحدث عن انتصار الأسد، وإنما عن صعوبة انتصار الثوار، والفارق كبير، فحزب الله كان يعتقد لوقت قريب أن الأسد منتصر، بل إن بعض قيادات الحزب كان يردون على من ينصحونهم من خطورة حرق أوراقهم مع الأسد بالنظر للساعة في معصم اليد والقول: «غدا مثل هذا الوقت تكون خلصت»!

وما سمعته من المصادر الثلاث، واثنان منهم سبق أن التقيا الأسد ويعرفانه جيدا، أن الاستراتيجية الإيرانية التي يخدمها حزب الله في سوريا تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية؛ الأولى الدفاع عن الأسد بشكل مستميت، بالمال والرجال والسلاح، ولذا، وبحسب المصادر، فإن قاسم سليماني شبه مقيم في دمشق، لكن هذه الاستراتيجية فشلت، وطهران الآن على قناعة بذلك. أما الثانية، فهي السعي لتكوين دويلة علوية وتكون ملتصقة بالحدود مع حزب الله، وتم العمل على ذلك، وتم تطهير مدن وقرى سنية لذلك الهدف، لكن هذه الخطة فشلت أيضا. الثالثة، وهذا ما يتم العمل عليه الآن، هي أنه في حال سقوط الأسد، فإن إيران وحلفاءها سيسعون لضمان عدم قيام نظام، أو دولة، في سوريا، وبأي ثمن، وذلك من خلال زرع الفوضى، والعنف، وعدم الاستقرار، ومهما كلف الأمر، وهذا ما يشترك به حزب الله بالطبع مع إيران، هذا ناهيك عن معلومات المصادر المستقاة من مصادر مخابراتية بأن الأسد ينوي القيام بأعمال جنونية في حال شعر بأنها اللحظة الأخيرة له في الحكم.

ولذا، فإن حديث نصر الله عن أن «الوضع في سوريا يزداد تعقيدا، لكن من يظن أن الثوار يمكنهم حسم الموقف على الأرض (مخطئ جدا جدا جدا)»، يعتبر مهما، ويجب أن يؤخذ على محمل الجد، لأنه يعني أن إيران ونصر الله اقتنعا بنهاية الأسد، والآن يخططان لإحراق سوريا. وقد قيل هذا الأمر علنا من قبل حلفاء الأسد بأنه لا سوريا بعد الأسد، فإيران وحزب الله يعيان أن البديل للأسد، وخصوصا لو جاء بانتصار عسكري لن يكون سهلا معهم، وسيسعون لزعزعة سوريا انطلاقا من العراق، ولبنان، فإيران وحزب الله يعيان جيدا أن سقوط الأسد يعد أكبر هزيمة استراتيجية لهما.

ولذا، وكما سبق أن كتبنا هنا، يجب أن لا يكتفى بتخمين الوقت الذي قد يسقط فيه الأسد، بل يجب الدفع بسيناريو السقوط، مع وجود استراتيجية واضحة للحظات ما بعد الأسد، وليس الأيام التي تليها، وذلك لتفويت الفرصة على إيران وحزب الله، وحماية سوريا ككل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

فاروق الشرع يخرج من أسره

الياس حرفوش

الثلاثاء ١٨ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

إذا لم يكن فاروق الشرع منشقاً عن النظام السوري، فكيف يكون الانشقاق إذن؟

لم يترك الرجل، الذي ما زال يحمل الصفة الاسمية كـ «نائب للرئيس»، أي قرار أساسي من قرارات نظام بشار الأسد من دون أن يتناوله بالانتقاد الصريح والواضح في الكلام الأخير المنسوب إليه. لم يوفر «الحل الأمني» الذي يعتمده الأسد، ويعتبره المدخل الوحيد للقضاء على «الإرهابيين». وإذ انتقد الشرع هذا الحل، ورفض إطلاق هذه الصفة على المعارضين، اعتبر أن ما تقوم به قوات الأمن ووحدات الجيش لن يحقق الحسم (وهو الكلام نفسه الذي قاله فاروق حجاب رئيس الحكومة السابق بعد انشقاقه). كما لم يتردد في الإشارة الواضحة إلى هوية المسؤول عما يجري في سورية، فقال أن الرئيس السوري يملك في يديه كل مقاليد الأمور في البلد، وأحياناً يحسم الرؤساء والمديرون العامون قرارهم بالإشارة بأصابعهم إلى صورته المعلقة فوق مكاتبهم!

وبعبارات لا تخلو من رغبة الشرع في كشف سياسة الكذب التي يعتمدها النظام يقول: «منذ بداية الأحداث كانت السلطة تتوسل رؤية مسلح واحد أو قناص على أسطح إحدى البنايات، والآن السلطة وبكل أذرعتها تشكو كثرة المجموعات المسلحة». إنها الصورة الحقيقية للانطلاقة السلمية للانتفاضة السورية قبل أن يحولها النظام إلى مواجهة مسلحة مع المعارضين الذين لجأوا إلى كل سبيل متوافر لهم للدفاع عن أنفسهم وعن عائلاتهم وبيوتهم في وجه قمع النظام. وهي صورة ينقلها بأمانة استثنائية ابن درعا، مهد أطفال الانتفاضة.

وإذ ينتقل الشرع إلى وصف الحل، ويتفق مع الأخضر الإبراهيمي على أن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، يؤكد أن الحل السياسي يبتعد يوماً بعد يوم، وأن هناك حاجة إلى تسوية تاريخية تشمل الدول الإقليمية الأساسية ودول أعضاء مجلس الأمن. وعندما يتحدث عن دول إقليمية، فهو لا بد يقصد، من دون أن يسميها، الدول التي يتهمها نظام الأسد برعاية «الإرهاب»، وعلى رأسها تركيا ودول الخليج، كما لا يتوقف عند السعي وراء دعم روسيا والصين كما يفعل النظام، بل يرى ضرورة إشراك الدول الغربية الثلاث الأخرى في الحل، وهي الدول التي باتت مواقفها معروفة من رفض بقاء الأسد في السلطة وضرورة التمهيد لمرحلة انتقالية تكون فيها لحكومة الوحدة الوطنية التي يتم تشكيلها صلاحيات واسعة. وهي العبارات نفسها (حرفياً تقريباً) التي يعتمدها الشرع في وصف شروط التسوية الضرورية لحل الأزمة. لينتهي إلى التأكيد: «يجب أن نكون في موقع الدفاع عن وجود سورية ولسنا في معركة وجود فرد أو نظام» ... وواضح من المقصود بهذا الكلام.

ربما نسمع من يقول، في معرض التحليل، أن الشرع يحضر نفسه من خلال تصريحاته الأخيرة لموقع معين في المرحلة الانتقالية. أو انه منتدب من الأسد نفسه لقول ما قاله وللعب هذا الدور في سبيل حماية بقاء النظام بدل انهياره على رؤوس الجميع. لكن مستوى الانتقاد الذي وجهه الشرع إلى النظام، وتحديداً إلى رئيسه، يجعل تحليلاً كهذا بعيداً كل البعد عن الحد الأدنى من الواقعية.

فبشار الأسد لن يشعر، عند قراءته كلام «نائبه»، سوى برائحة الخيانة. إذ ما معنى أن يقول الشرع إن مؤسسات الدولة، منذ تولى بشار السلطة، أصيبت بالترهل وأصبحت تعمل بقوة «العطالة المكتسبة»؟ ما معنى هذا سوى أن فاروق الشرع ينفض يديه من أي مسؤولية عن التدهور الذي بلغته الأمور خلال العقد الماضي على يد الرئيس الشاب الذي جاء مغموراً بالوعود و»ربيع دمشق» المبكر؟

قد يكون ذنب فاروق الشرع انه أطال صمته ووقوفه في مقعد المتفرجين على ما يجري، لكن إطلالته الأخيرة تعوض ذلك. إنها إطلالة من قلب دمشق، على عكس ما اقدم عليه آخرون بعد خروجهم منها. وسوف تكون لها تداعيات كثيرة على وضع الرجل وعلى موقعه. فالنظام الذي يتوهم أن «الحل الأمني» هو الوحيد الذي سوف ينتصر، لن يوفر أحداً في طريقه إلى هذا «الانتصار» المزعوم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشـرع إذ يخرج عن صمته * عريب الرنتاوي

الدستور

18-12-2012

المطالعة الشاملة للأزمة السورية، التي قدمها نائب رئيس الجمهورية العربية السورية فاروق الشرق عبر صحيفة “الأخبار” اللبنانية، تستحق القراءة والتأمل، وأحسب أن الرجل لخص بعمق وكياسة، ومن موقعه، الحكاية السورية من ألفها إلى يائها، راسماً بدقة طريق الخروج بسوريا من عنق الزجاجة، لا ندري ما إذا كان الشرع يصدر ذلك عن موقف شخصي، وإلى أي حد تلتقي مواقفه وتفترق عن مواقف رئيسه الذي امتنع عن الكلام المباح منذ رابع خطاب يلقيه في أشهر الأزمة الحادية والعشرين، لا ندري إن كان بذلك يعبر عن وجهة نظر “تيار داخل النظام”، من هو هذا التيار، وما هو حجمه وتأثيره؟ من دون مكابرة ولا مداورة قال: أن الخيار الأمني- العسكري سقط، لا النظام قادرا على استئصال المعارضة، ولا المعارضات على تنوعها، قادرة على إسقاط النظام، مآلات الحل العسكري الذي يصر عليه الجانبان حتى الآن، والكلام بحرفيته تقريباً للشرع، هي الخراب الشامل لسوريا وطناً ومجتمعاً ودولة وكيان.

لم يتوقف الشرع عند “نظرية المؤامرة” التي لجأ إليها النظام بوصفها الأداة الوحيدة لتفسير ما يجري في سوريا، لكن ثمة “مؤامرة” في سوريا وعليها، الشرع تحدث أيضا عن مسؤولية النظام، بعض أركانه الأساسيين، فيما آلت إليه سوريا: حزب متكلس وجيش عقائدي وأجهزة مترهلة وفساد متفشٍّ وقبضة أمنية، إلى غير ما يقرأ في سطور و”ما بين سطور” المقابلة الهامة.

ولأن الشرع ينأى بنفسه عن “تهمة” الدفاع عن فرد أو نظام، ويضع نفسه في خندق الدفاع عن سوريا، فقد تقدم بحل، يجمع المخلصون لسوريا على أنه طريق الخلاص الوحيد: حل سياسي، سوري بامتياز، يستند إلى التوافق الإقليمي والدولي، حل ينعقد لواؤه الآن على الأخضر الإبراهيمي، الذي وإن كان بطيئاً في أدائه -وفقاً للشرع- إلا أنه وحده من يحمل شعلة الأمل للسوريين في نهاية نفق أزمتهم المظلم.

لم يقل الشرع أن الحل السياسي آتٍ لا محالة، سوريا ما زالت بعيدة عن الحل السياسي، النظام ما زال يؤمن بأن الحل السياسي يأتي بعد استئصال الجماعات المسلحة -كما يروي الشرع- وهذا من منظوره أمر غير قابل للتحقيق، وثمة في المعارضات من يعتقد أنه قادر على الإطاحة بالنظام، وهذا متعذر أيضاً، ولن يبق في سوريا إذا استمرت المواقف والخنادق على حالها، سوى سيناريوهات الفوضى والخراب والاحتراب الأهلي المكلف للغاية.

لم يبرئ الشرع أحداً في الداخل والخارج من وزر الدم السوري الذي أريق بغزارة في الأشهر العشرين الفائتة، بيد أنه وهو السياسي المخضرم، يعرف تمام المعرفة أن المتسببين في الأزمة هم الأقدر على حلها، ولهذا اقترح توافقاً إقليميا ودوليا لا يقصي الدول التي “تآمرت” على سوريا، أقله من باب درء الضرر ووقف العبث والتآمر.

رغم الارتياح والترحيب بموقفي إيران وحزب الله الداعم لسوريا، وبالأخص ما يصدر عن “المرشد الأعلى” للثورة الإسلامية وزعيم حزب الله، إلا أن كلام الشرع عنهما بدا عاتباً ولائماً، فقد كان بمقدورهما أن يفعلا أكثر لوقف إراقة الدم السوري، هنا يتوقف الشرع عن الكلام المباح، والمأمول أن يتأمل كل من خامنئي ونصرالله جيداً في “بقية الجملة” التي لم يقلها الرجل الثاني -رسمياً على الأقل- في النظام السوري.

الحل يبدأ بوقف إراقة الدماء، هذه نقطة البدء أيضا عن الإبراهيمي، ويتعزز بنشر قوات حفظ سلام دولية -هذا لم يبح به الشرع- ثم ننتقل إلى تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة (الشرع يقول واسعة)، النظام عاجز عن ممارسة الحكم بطرائقه القديمة ومن دون شركاء جدد وفقاً للشرع، والمعارضة ليست مؤهلة للتغيير الشامل ولا هي قادرة على إدارة مرحلة الانتقال، هذا ما يبشر به الشرع والإبراهيمي وكل صديق لسوريا.

في مواجهة المتعاملين بـ”ثأرية” و”انتقامية” مع النظام السوري، حذر الشرع من المضي في العسكرة والحسم، التغيير في سوريا سياسي بامتياز وهو تغيير سيطاول النظام بمؤسسات وأركانه وآليات عمله ورموزه، الشرع تحدث مطولاً عن مرحلة ما بعد النظام الحالي، من دون أن يقول ذلك صراحة، بل لعله لامس ضفاف الصراحة المطلقة وهو يصف استحالة استمرار الحال أو العودة بعقارب الساعة إلى الوراء.

المؤسف أن الإعلام الذي احتفى بمقابلة الشرع تعمد التعامل معها على قاعدة “ولا تقربوا الصلاة”، الإعلام المؤيد للنظام أخذ المقاطع التي تؤكد استعصاء إسقاط النظام وعجز المعارضة عن فعل ذلك، مكتفياً ببعض الإشادات بروسيا والصين وإيران وحزب الله التي وردت فيها، والإعلام الآخر اقتطف منها ما يؤكد استمساك النظام بخيار الحل العسكري رغم فشله الحالي والمتوقع في حسم المعركة مع المعارضة، بين الخندقين المتقابلين ضاعت “الفكرة الكاملة” التي جاء بها أول حديث لنائب الرئيس الذي أثار غيابه سيلاً لم ينقطع من التكهنات عن موقعه وموقفه ومصيره السياسي والشخصي.

أجد أن في كلام الشرع ما يصلح ويصح في تفسير كثير من جوانب الأزمة السورية، لقد قلنا وقال كثيرون كلاماً مشابهاً، لكن قيمة هذا الكلام أنه يصدر عن الشرع، ومن منزله في دمشق، ومن موقعه كنائب للرئيس، وأجد في كلام الشرع ملامح خريطة طريق للخروج بسوريا من أزمتها، بل وربما يكون كلام الرجل، آخر “الكلام العاقل” الذي يقال في ربع الساعة الأخير الذي يسبق الطامة الكبرى.

التاريخ : 18-12-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا يريد السوريون من بان كي مون؟ * ضياء الفاهوم

الدستور

18-12-2012

لم تعد تصريحات أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون ولا تصريحات كافة المسؤولين في المنظمة الدولية الأم تعني الكثير للشعب السوري الشقيق الذي يعاني الأمرين من وحشية المتقاتلين في بلاد الياسمين.

جميل أن يعرب المسؤول الدولي الكبير عن أسفه لتفاقم الأوضاع في سوريا ويحذر من أن استمرار القتال في أنحائها بين النظام والمعارضة على الشكل العنيف الذي شهدته الأيام الأخيرة ستكون له عواقب خطيرة ولكن الأجمل أن يعمل كل ما في جهده من أجل أن يلبي رغبة الشعب السوري بشأن تبني مجلس الأمن الدولي قرارا دوليا حياديا وحازما بشأن وقف إطلاق النار في سوريا وإنقاذ شعبها من المزيد من سفك الدماء الذي يواجهه منذ شهور طويلة.

تقول هذا من منطلق أن السوريين وكل الناس المحبين للسلام والانتصار لحقوق الإنسان يريدون أفعالا تعفي سوريا من استمرار الدمار الهائل الذي ما زالت تشهده منذ شهور طويلة بشكل محزن ينافي كل الشرائع السماوية والمبادئ الإنسانية.

ومن حق السوريين الذين لم تطالهم بعد قنابل ومتفجرات المعارضين وصواريخ طائرات النظام أن يسألوا: أين مجلس الأمن الدولي الذي من مسؤولياته حفظ الأمن والسلام في ربوع العالم؟ ألم تهز هذا المجلس المؤتمن على أمن وسلام العالم الأحداث المروعة التي اجتاحت أنحاء متفرقة من بلاد الياسمين وراح ضحيتها حتى الآن الكثيرين من الأطفال والنساء والمرضى والآلاف من المدنيين الآخرين؟.

نأمل أن يتحمل أيضا مسؤولو العالم الكبار مسؤولياتهم الإنسانية قبل أن يفقد السوريون المدنيون من غير الطرفين المتقاتلين ثقتهم بهم وبالمنظمة الدولية والجامعة العربية التي يقولون أنها لم تبذل جهودا كافية لوضع حد للنزاع السوري بمقتضى مبادئ الجامعة!.

على كل حال، المهم الآن أن تتدخل الجامعة بموضوعية لوضع حد لإراقة الدماء أولا في أحد الأقطار الأوائل الذين أسسوها ومن ثم في إيجاد الحلول المناسبة لإنهاء النزاع الشديد القسوة فيها وذلك بأقصى سرعة ممكنة تفاديا لإراقة المزيد من دماء الأبرياء بعد أن اتخذ المعارضون الأحياء السكنية مواقع لهم في كثير من المناطق في حين ذكرت بعض الأنباء أن الطيران الحربي السوري يهاجم هذه الأحياء دون هوادة وأنه نتيجة لذلك هاجر مئات الآلاف من السوريين وضيوفهم بيوتهم في هذه الأحياء إلى أحياء أخرى أقل خطرا منها أو إلى دول الجوار أو إلى حيث استطاعوا أن يغادروا.

المنصفون في العالم يرون أن الوضع السوري أصبح محيرا ومقلقا للغاية ويستدعي أفعالا دولية وعربية حيادية عاجلة كبرى تضع حدا لكافة أشكال المآسي التي تعرض لها الشعب السوري الشقيق وما زال يتعرض لها دونما ذنب اقترفه. وليس من العدل في شيء أن يتحمل هو الجزء الأكبر من تبعات ما يريد أن يحققه بعض السوريين وغيرهم من الذين جاؤوا لمناصرة أي من الطرفين من بلاد عربية وغير عربية مهما كانت أثمان ذلك باهظة ومدمرة للمواطنين السوريين والمقيمين في سوريا.

وبعد أن شبع السوريون وكل سكان سوريا تصريحات متعددة لا تسمن ولا تغني من جوع فقد أصبح من حقهم جميعا أن يستصرخوا ضمير بان كي مون وضمائر كل المسئولين الدوليين والعرب ورجال العالم الكبار للعمل على وقف فوري لسفك الدماء في بلاد الياسمين وإيجاد حل لإنهاء أزمتها الخطيرة بما يعود بالخير عليها وعلى جميع أهلها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خطة واشنطن وموسكو لإزاحة الأسد

راجح الخوري

2012-12-18

النهار

اقتراح فاروق الشرع ما سمّاه "تسوية تاريخية" في سوريا ليس في الحقيقة اكثر من محاولة التفافية تأتي على شكل مناورة متفق عليها مع بشار الاسد، وذلك تمهيداً لقبول اتفاق توصل اليه الاخضر الابرهيمي مع الاميركيين والروس ويتألف من خمس نقاط، وقد عرفتُ من مصادر خليجية ان الابرهيمي يسعى الى الحصول على موافقة المعارضة السورية عليه عبر السعي الى توسيط القطريين والسعوديين والاتراك في الامر!

واضح ان الاسد اقتنع بأن الحل العسكري الكارثي سيرتد عليه في النهاية، ولأنه لا يريد ان يظهر في موقع المهزوم الذي يضطر بعد 21 شهراً من القتال الدموي والمدمر الى ان يقبل خطة تفرض عليه من الخارج وتنهي نظامه بعد اشهر عبر تشكيل حكومة "الوحدة الوطنية"، أراد ان يبدو الامر وكأنه تسوية من اختياره ولو أتت في البداية على شكل اقتراح من نائبه المعزول فاروق الشرع الذي تمّ استحضاره من الظل ونفض الغبار عنه وكلّف اقتراح "تسوية تاريخية"، ليست في الاساس من صنعه ولا من صنع النظام!

ويبدو ان طرح "التسوية" وفق هذا الاخراج اي عبر حديث صحافي كلّف الشرع إعطاءه، جاء نتيجة ضغوط موسكو على الاسد فهي ايضاً لا تريد ان تنتهي في موقع المهزوم مرة ثانية في سوريا بعد ليبيا، فكان على ما يبدو اختيار هذا المخرج الالتفافي بطرح الفكرة على لسان الشرع، على رغم انه من المعروف ان الشرع لا يستطيع ان يتنفس من دون موافقة الاسد فكيف بطرح تسوية ستفضي في النتيجة الى إنهاء حكمه بعد اشهر قليلة بما قد يرضي الثوار، وهو ما كان قد توصل اليه الاتفاق الاميركي - الروسي مع الابرهيمي؟

تقول مصادري الخليجية ان المحادثات الاخيرة بين الروس والاميركيين والابرهيمي كانت قد انتهت بالتفاهم على اقتراح تسوية تتألف من خمس نقاط يحاول الابرهيمي منذ اسبوع تسويقها مع الاطراف الاقليميين المؤثرين، وهذه النقاط هي:

1 - بعدما ثبت استحالة تحقيق اي من الطرفين الانتصار العسكري. 2 - الدعوة الى وقف اطلاق النار في كل الاراضي السورية. 3 - تشكيل حكومة وحدة وطنية بصلاحيات كاملة بمعنى ان تتسلم كل صلاحيات الاسد. 4 - إجراء انتخابات عامة خلال اشهر وخلال النصف الاول من سنة 2013 اي قبل انتهاء مدة الاسد بسنة تقريباً. 5 - صدور قرار من مجلس الامن ينص على هذه التسوية.

قبل يومين كانت المعلومات تشير الى ان الثوار يرفضون اي حل لا يكرس سقوط النظام فوراً، فهل تمكن الخليجيون والاتراك من اقناعهم بتسوية تسقط الاسد ونظامه في الربيع المقبل؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا عند منعطف حاسم

اوكتافيا نصر

2012-12-18

النهار

لا بد أن الرئيس بشار الأسد بات يدرك أخيراً المصير الذي ينتظره. يجب الإقرار بأنه صمد وتظاهر بأنه الرجل القوي طوال سنتين، مع أن كثراً توقّعوا الا ينجح في ذلك. فقد نجا حتى الآن من المصير الذي لاقاه بعض نظرائه العرب. ولا يزال في موقع يتيح له التفاوض للخروج من المأزق. لكن الوقت يدهم، وحظوظه للتنحّي عن السلطة مع إنقاذ ماء الوجه تتراجع.

بات واضحاً بعد توجيه نائب الرئيس فاروق الشرع دعوةً لتشكيل "حكومة وحدة وطنية"، أن سوريا تحاول تجنّب الغرق في سنوات من الفوضى والحرب الأهلية، فضلاً عن التدخّلات الأجنبية المتعدّدة والزيارات الاحتفالية التي يقوم بها مبعوثون من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا وتركيا وسواها من البلدان.

إنها دعوة منسَّقة، ولو لم تكن رسمية، من حزب البعث، للتحرّك، وقد تمّت عبر وسيلة إعلامية لبنانية في سياق حديث "صريح".

ربما كانت سوريا تحاول تفادي نشر "قوات ردع عربية" ذات دوافع سياسية، ونشر قوات غربية لحفظ السلام، وإقامة عدد كبير من الحواجز التي ترفع أعلاماً ورايات مختلفة ويشغّلها افراد يتكلّمون لهجات مختلفة في أرجاء البلاد، بما يؤدّي إلى تقسيمها حول خطوط مذهبية يُفضّل كثرٌ أن تبقى مطموسة في هذه المرحلة.

ببسيط العبارة، لا شك في أن الأسد ورجاله تعلّموا من اللعبة التي أتقنوها في لبنان طوال ما يزيد عن عشرين عاماً، ومفادها أن ترك الأمور تتأزّم إلى درجة كبيرة يؤدّي إلى الدخول في متاهة مشابهة أو حتى أسوأ من تلك التي تولّوا إدارتها في لبنان إلى حين تحطيمها في ثورة الأرز عام 2005.

المعنى الذي تضمنته رسالة الشرع واضح جداً، فهو لا يترك مجالاً للشك في أن نظام الأسد بات مفلساً، وحزب البعث في حال من التخبّط والإحباط. إنه يعلن على الملأ الحقيقة المعروفة بأن نظام البعث لا يستطيع أن يواصل معركته ضد الفصائل الكثيرة الموجودة على الأرض (الثوّار أو المتمرّدين أو الجهاديين)، وأن يتوقّع الفوز في نهاية المطاف.

على سوريا أن تتّخذ قرارات على الفور، وإلا تتعرّض لمخاطر تفوق التصوّر. فمع توجيه روسيا رسالة واضحة بأنها تتخلّى وأخيراً عن الأسد، وشروع الولايات المتحدة في مناقشة سبل التدخّل عسكرياً في سوريا، وفيما تشهد البلاد حرباً أهلية مع تزايد حصيلة القتلى يوماً بعد يوم، من المنطقي الاعتقاد ان الرئيس الأسد فهم أخيراً ان أوان الرحيل قد حان.

الخيارات التي تؤدّي إلى تفاقم الأمور وغرق البلاد في مزيد من اليأس والتدمير الذاتي، كثيرة؛ لكن الخيارات التي تتيح التوصّل إلى نتيجة إيجابية في سوريا قليلة جداً.

يبدو الحل اليوم مشابهاً للحل الذي كان صالحاً ولا يزال اعتباراً من آذار 2011. داخلياً، سوف يكون على حزب البعث التضحية ببشار الأسد إذا أراد تخطّي هذه الأزمة. فقدَ الأسد صدقيّته الدولية والإقليمية والمحلية. وسوف يشكّل على الدوام عائقاً أمام أي محاولة للسير بالبلاد الى الأمام. إذا كان الشرع وحزب البعث الذي يُفترَض أنه يتكلّم باسمه، جادَّين في الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، يجب المبادرة فوراً إلى إجراء إصلاحات، وسوف تظهر سوريا جديدة لا يستطيع أحد أن يتوقّع ما ستكون عليه.

إذا أدرك السوريون جيداً ما هو على المحك الآن، وإذا تعلّموا فعلاً درساً من تجربتهم في لبنان، عليهم أن يتحرّكوا بسرعة وفاعلية لإيجاد حل للمسائل السياسية، وإرساء القانون والنظام من جديد، والشروع في معالجة جروح العنف والانقسام، وبناء دولة جديدة.

ولكن إذا كان الهدف المماطلة خلال فصل الشتاء القارس، وكسب مزيد من الوقت لتخزين الأسلحة وخوض المعارك من جديد في الربيع، يمكننا أن نراهن منذ الآن على ان الحرب الأهلية السورية دخلت رسمياً مستنقع التاريخ. نسبياً، فاقت حصيلة القتلى والدمار في سوريا في العامين الماضيين حصيلة الحرب الأهلية اللبنانية طوال 15 عاماً.

تقف سوريا عند منعطف حاسم، وأمامها فرصة للخروج من أزمتها وبناء وطن جديد للجميع. أما البديل فهو مزيد من التأزّم ونزاع دموي يخرج منه الجميع خاسرين فيُضطرون إلى القبول بفتات أي اتّفاق يعرضه عليهم الآخرون. لذلك، ومن أجل الأخيار في سوريا وأرواح من دفعوا ثمناً باهظاً، الإصغاء إلى الشرع وإلى ما يقدّمه حزب البعث لن يضرّ بالثورة، بل على العكس يمنحها شرعية وقوّة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيرالله خيرالله / مشكلة بشّار مع السوريين وليس مع سعد

الرأي العام

18-12-2012

من أجل فهم افضل للنظام السوري وسلوكه الذي لايستغربه كلّ الذين رافقوا صعوده وهبوطه عن كثب، من المفيد بين حين وآخر إعادة قراءة مقال صدر في الثامن من نوفمبر 2011 في صحيفة «نيويورك تايمز» تحت عنوان «في سورية الاسد، لا وجود لمخيّلة». أظهرت الأحداث المتتالية أنّه لو كان النظام السوري يمتلك أي مخيّلة من اي نوع كان، لكان الرئيس بشّار الاسد تدارك اخطاء الماضي، قبل استفحالها. كان رحل عن الرئاسة منذ فترة طويلة بدل الاعتقاد أن في الامكان تغطية أيّ جريمة بجريمة أكبر منها، وأن البطش والإرهاب كفيلان ببث الخوف في أوساط السوريين وجعلهم يعيشون خانعين لا همّ لديهم سوى التمجيد بالأسد «قائدنا إلى الأبد».

تكمن اهمية المقال، الذي مضت ثلاثة عشر شهرا على صدوره وعشرة اشهر على وفاة كاتبه الاميركي- اللبناني انطوني شديد اثر ازمة ربو تعرّض لها، في أنّه يكشف أن النظام السوري لم يكن يوما قابلا للاصلاح. يخطئ من يراهن على اصلاح النظام او على أنّ في الامكان حتى محاولة ذلك. أنّه نظام من عالم آخر، بل آخر نظام ستاليني في الشرق الأوسط.

قضى انطوني شديد وهو في طريقه إلى الداخل السوري عبر شمال لبنان. من يقرأ مقاله عن النظام السوري مرة أو مرّتين أو ثلاث مرّات، وهو يستحقّ ذلك، يتأكد أنّ لا وجود لنظرية اخرى يؤمن بها النظام الاقلّوي، سوى نظرية الغاء الاخر. ولذلك، كان طبيعيا أن يعمد النظام إلى اصدار مذكرات توقيف بحق الرئيس سعد الدين الحريري والنائب اللبناني عقاب صقر والناطق باسم «الجيش الحرّ» في سورية لؤي المقداد.

يبدو النظام مقتنعا بأنّه لا يزال قادرا على متابعة التحايل على العالم عن طريق الادّعاء بأنّه يتعرّض لـ «مؤامرة». تستدعي «المؤامرة» قصف السوريين بكلّ انواع القنابل، بما في ذلك اللجوء إلى صواريخ «سكود» لايصال هذه القنابل إلى كل انحاء البلد. اكثر من ذلك، يؤمن الرئيس السوري بأن الشعب يحبّه وأن مشكلة سورية مرتبطة بالتدخلات الخارجية وأنّه بمجرد توقف هذه التدخلات، سيتحلّق السوريون حوله مجددا يهتفون له ولوالده الراحل ولـ «سورية الاسد»، اي لعائلة تمتلك بلدا بأمه وأبيه.

لوكان الاسد قادرا على أن يتغيّر، لكان رفض تصديق الكذبة التي اطلقتها اجهزته عن طريق التابعين لها في لبنان مثل «حزب الله» الايراني او التابعين للتابعين مثل النائب المسيحي ميشال عون.

هل يمكن بناء سياسة على كذبة اسمها التسجيلات الهاتفية المأخوذة من جهاز الكمبيوتر الخاص بالنائب صقر؟ جرى التلاعب بهذه التسجيلات لاظهار سعد الحريري وعقاب صقر ولؤي المقداد وكأنهم شركاء في تهريب اسلحة إلى الداخل السوري. تبيّن ان حسابات سارقي التسجيلات لم تكن في محلها، إذ بقيت لدى المستهدفين من السرقة نسخة كاملة من التسجيلات. تظهر هذه النسخة أن الهمّ الاول لسعد الحريري كان، ولا يزال، يتمثّل في اطلاق المخطوفين اللبنانيين في سورية ومساعدة المهجّرين السوريين، انسانيا، حيث امكن ذلك.

لم يستطع بشّار الاسد أن يستوعب يوما أن مشكلته لم تكن يوما مع سعد الحريري، مثلما أنّها لم تكن يوما مع الرئيس رفيق الحريري، رحمه الله. كانت مشكلته دائما مع الشعب السوري ومع شباب سورية الذي رفض الرضوخ للنظام، مثلما رفض الذلّ والعبودية. رفض الاعتراف بوجود جيل شاب في سورية يرفض ما اعتاد عليه الذين سبقوه.

لجأ بشّار الاسد إلى الوسائل التي استخدمها قبله والده. بقي يقرأ من كتاب قديم، علما أن ما لا بدّ من الاعتراف بأنّ حافظ الاسد كان يتأنّى إلى حد كبير في قراراته، خصوصا لدى اتخاذه قرارات كبيرة في حجم التخلّص من كمال جنبلاط او الرئيسين بشير الجميّل ورينيه معوّض او المفتي حسن خالد وآخرين. يمكن الاشارة في هذا المجال إلى انّ الاسد الأب لم يتول الرئاسة مباشرة بعد الانقلاب الذي نفّذه في تشرين الثاني- نوفمبر 1970. فضّل الانتظار قليلا قبل الاقدام على خطوة كبيرة تضع علويا على رأس سورية. عيّن شخصا اسمه أحمد حسن الخطيب (سنّي من قرية نمر القريبة من درعا) رئيسا للجمهورية لمدة اربعة اشهر امضاها، هو، في تفقد المدن والقرى والبلدات السورية والصلاة في المساجد التابعة لأهل السنّة. بعد ذلك، اختار حافظ الأسد أن يكون رئيسا واختفى احمد حسن الخطيب كلّيا، تماما مثلما ظهر...

من يتابع تصرّفات بشّار الاسد منذ ورث سورية عن والده، لا يستغرب مذكّرات التوقيف التي صدرت في حق سعد الحريري وصقر والمقداد. من يقدم على جريمة التمديد لاميل لحّود، على الرغم من صدور القرار 1559 عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة، ومن لا يدرك ان اغتيال رفيق الحريري عمل لا يقدم عليه الا شخص «مجنون»، على حد تعبير رفيق الحريري نفسه قبل اقلّ من ثمان واربعين ساعة من حصول الجريمة... يصدر مثل هذا النوع من المذكّرات. انها مذكّرات لا تشبه سوى نظام ما زال يعتقد أنّ ميشال سماحة او ميشال عون، لا فارق، يمكن ان يساعداه في شيء.

تختصر عبارة لرامي مخلوف ابن خال بشّار الاسد واحد المسيطرين على مفاصل الاقتصاد السوري حقيقة النظام. قال رامي مخلوف لانطوني شديد بعد مضي ثمانية اشهر على اندلاع ثورة الشعب السوري عبارة «عليّ وعلى اعدائي يا ربّ». قبل ذلك، تساءل: «الا يعرف الاسرائيليون انّهم سيتألمون اذا تألمنا، الا يعرف الاميركيون والاوروبيون اننا حاجز في وجه الاسلاميين والفوضى والحروب المتنقلة في المنطقة؟».

انها مذكرات توقيف تصدر عن نظام يعتقد أنه مازال قادرا على الابتزاز في وقت تدقّ الثورة ابواب قصر الرئاسة. نظام لا مخيلة له. لو امتلك مخيلة ما لكانت العائلة تتمتع حاليا بملياراتها في مكان ما من هذا العالم الواسع...بدل أن تكون في انتظار مصير يشبه إلى حدّ كبير مصير عائلة صدّام حسين او معمّر القذّافي!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية.. الحديث عن حلول

2012-12-18 12:00 AM

الوطن السعودية

بعد أيام يصل المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي إلى دمشق، حاملا بعض الأفكار التي يمكنها إخراج سورية من أزمتها، بعد أن وصلت أعمال القتل من قبل النظام إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل الحديث عن استخدام الأسلحة الكيميائية، وغيرها من الأسلحة المتطورة.

يتسلح الإبراهيمي ببعض التنازلات التي قدمها راعي النظام السوري في مجلس الأمن، ونعني بذلك روسيا، التي أجرت محادثات معمقة مع الولايات المتحدة، من تحت الطاولة، لتفعيل خطوات جنيف التي اتفق بشأنها في 30 يونيو الماضي، والمتضمنة تشكيل حكومة انتقالية في سورية تتمتع بصلاحيات كاملة وتضم ممثلين عن المعارضة والنظام، إضافة إلى وقف العنف وعمليات القتل، وسحب الجيش والقوات العسكرية من المدن والمناطق المأهولة، والإفراج عن المعتقلين وعدم التعرض للمظاهرات السلمية والسماح بدخول قوة مراقبة دولية وحرية التغطية الإعلامية.

وما التصريحات التي أدلى بها نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوجدانوف حول هشاشة النظام السوري وضعفه والهوان الذي حل به، وإن كانت الخارجية الروسية قد نفتها لاحقا، إلا مؤشر على المأزق الذي وصل إليه هذا النظام، والتقدم الذي حققته المعارضة بدءا من تشكيل الائتلاف الوطني السوري على طريق توحيد المعارضة في إطار سياسي وعسكري واحد، وصولا إلى اجتماع أصدقاء سورية في مراكش والدعم الدولي الذي تحقق لها، والذي ترجم عمليات تنظيمية على المستوى الداخلي للثورة السورية، إضافة إلى العمليات القتالية التي قام بها الثوار على الأرض في الشمال والجنوب، وخاصة داخل العاصمة دمشق وعلى تخومها، وإحكام سيطرتهم على معظم مناطق ريف دمشق، وعلى طريق مطار العاصمة.

الاعتراف بالائتلاف كممثل شرعي للشعب السوري، أعطاه المشروعية بالتحدث إلى أكثر من 130 دولة من هذا المنطلق، وبات بإمكانه إرسال ممثليه إلى عواصمها، بعد أن أبدت استعدادها لاستقبال سفراء يمثلون الائتلاف، وقد باشرت دول كثيرة بذلك، وكانت السباقة في هذا المجال باريس. ولكن هذه الخطوات تبقى ناقصة، ما لم تقدم هذه الدول على تسليم السفارات السورية في عواصمها إلى الائتلاف، وليس خلق ممثليات إلى جانبها.

إن مهمة الإبراهيمي الجديدة إلى دمشق، ستبقى محفوفة بالمخاطر، من خلال ممارسات النظام، وليس من خلال مواقف المعارضة، إذ إن صواريخ "سكود" التي بدأ النظام باستخدامها، والوعود التي قطعتها موسكو له بتزويده بصواريخ "اسكندر"، البعيدة المدى، كلها مؤشرات لا توحي بأن الزيارة ستخرج بحلول واعدة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

. وتحدث الشرع بالوقت الضائع!!

الرياض السعودية

التاريخ: 18 ديسمبر 2012

كل من عملوا مع الأسدين الأب والابن يدركون أنهم تكملة عدد، وخاصة من لم يكن من العائلة والطائفة، فهم مجرد أسماء لإيهام الآخرين أن الحكم لكل السوريين، وحتى الذين أبدوا ولاءً مطلقاً كانوا دائماً تحت المراقبة، لأن النظام يرتاب بكل من لم يكن من حاشيته..

فاروق الشرع السنّي الذي تدرج في العديد من المناصب إلى وصوله نائباً للرئيس كانت وظيفته شرفية لا عملية، بدليل أنه من بداية الثورة عاش في الظل، وقيل إنه تحت الإقامة الجبرية، لكنه ظهر في اليومين الماضيين بحديث لصحيفة «الأخبار» اللبنانية المحسوبة على النظام السوري طالب (بوقف كل أعمال العنف وحكومة وطنية ذات صلاحيات واسعة) والتسوية تتم برعاية دول إقليمية أساسية وأعضاء من مجلس الأمن، وأنه لا حسم عسكرياً لطرفي النزاع!!

هذا الاعتراف وإن جاء متأخراً، فهو لا يخص الشرع، وإنما هو مشروع الدولة التي بدأت تشعر بوطأة المشكلة، وأن التضييق وصل العاصمة دمشق، وبدأ يهدد كيان النظام، وقد يوحي الحديث أن الطروحات والمطالب، ربما تعد تنازلاً نسبياً لحفظ ماء وجه السلطة، دون أن يوضح مصير الأسد وحكومته ومستقبله..

هناك تسريبات روسية صرحت بأن الأسد سلَّح طائفته العلوية، وأنه ينوي الهروب إلى الساحل الشمالي ليعلن دولته هناك، وهي آمال راودت أجداده أثناء الانتداب الفرنسي، ويريد إعادة تجديد هذه الآمال، لكن بالمفهوم العام، من سيعترف بهذه الدولة، فإيران وروسيا تعلمان أن لديهما أقليات لها نفس المطالب، ومع افتراض اعترافهما ما هي العوامل الاقتصادية التي تجعل منها دولة قادرة على العيش، وهل ستقبل في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، أم ستصبح مجرد ملاذ آمن للأسرة، لكن في حال قطع الصلة مع المركز، فتركيا أول من سيحارب هذا الكيان وكذلك الدولة السورية القادمة..

المعارضة هي من تملك المبادرة، وليس الأسد وحكومته، وعملية الحسم بالقوة صارت بيدها، والغريب تزامن تصريحات الشرع مع حسن نصرالله وبنفس التوقيت والآراء وهذا يذهب بنا إلى أن النظام بدأ يشعر بصعوبة امتلاك السيطرة على معظم أجزاء سوريا..

فحلب ربما تسقط خلال أسابيع، وهي مفتاح الانتصار، لأنها العاصمة الاقتصادية مما يجعل بقية المدن تتساقط تلقائياً، طالما تأثيرها كبير على كل سوريا، وحتى محيط دمشق بات تحت مرمى الجيش الحر، وهو أول من تمرد وحمل لواء العصيان، ولذلك فمشروع الشرع ساقط بحكم تقادمه وعدم قبوله مضموناً أو عملاً من قبل الأكثرية السورية التي عانت التشريد والدمار والقتل بأبشع الصور في تاريخها، لكن لماذا هذا الحديث والطرح في هذا الوقت بالذات؟..

هناك شعور عام داخل محيط القصر الجمهوري أن النظام لم يعد له القدرة على الصمود، فهناك انشقاقات مقابل كسب المعارضة القوة والدعم البشري والمادي، وأن الحلفاء أنفسهم بدأوا يدركون أن عامل الوقت لا يسير لصالح النظام، ولعل اتساع المعركة وتحولها إلى حرب شوارع أبطل قدرة الجيش النظامي، ويأتي الاعتراف المتزايد من دول العالم الكبيرة وغيرها بما فيها الدول العربية بالاعتراف بالائتلاف الوطني السوري قاصمة لظهر النظام لأنه لم يعد لديه الغطاء القانوني والشرعي بوجوده، وهو أحد أهم أسباب حديث الشرع وتنازلاته..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شرع الأسد!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

18-12-2012

حديث لافت ذاك الذي نشرته صحيفة «الأخبار» اللبنانية، المحسوبة على حزب الله، لفاروق الشرع وتحدث فيه عن تسوية تاريخية في سوريا، لكن من السذاجة بالطبع التصديق بأن الشرع قد أجرى تلك المقابلة دون موافقة الأسد، هذا إذا لم يكن الأسد نفسه هو من قام بكتابة الأجوبة، أو تلقينها، والمهم بالطبع هو قراءة مدلولات ذلك الحديث وليس الانبهار به.

والمهم في مقابلة الشرع هو قوله إنه «ليس بإمكان المعارضة حسم المعركة عسكريا، كما أن ليس بإمكان النظام أن يحسمها بهذه الطريقة»، مشيرا: «لسنا في موقع الدفاع عن فرد ونظام، بل عن وجود سوريا»، حيث يقول إن «الحكم القائم بجيشه وأحزابه لا يستطيع لوحده إحداث التغيير من دون شركاء جدد». واعتبر الشرع أن «الحل يجب أن يكون من خلال تسوية تاريخية تشمل دولا إقليمية أساسية وأعضاء مجلس الأمن»، لافتا إلى أن «التسوية يجب أن تتضمن وقف كل أشكال العنف وحكومة وحدة وطنية ذات صلاحيات واسعة»!

وعندما نقول إنه يجب عدم الانبهار بحديث الشرع فلسبب بسيط، وهو أن ما يقوله الآن ما هو إلا خدعة أسدية قديمة جديدة، فلو قال الشرع ما قاله قبل عام، أو أربعة أشهر، لكان ذا جدوى، لكن الحديث عن التسوية التاريخية الآن، وبعد أن قال قائد الائتلاف السوري إنه ليس بحاجة لتدخل خارجي لأن الثوار باتوا قريبين من تحقيق النصر، فإن القراءة الوحيدة لتصريحات الشرع تنحصر بأمرين، وهما: إما أن الأسد بات يستشعر الهزيمة ويريد خدعة معارضيه، والمجتمع الدولي، بخطة تسوية جديدة يقوم بإفراغها من محتواها لاحقا، كما فعل طوال الثورة السورية، وإما أن الأسد يريد التفاوض فعليا على مقر إقامته القادم بعد الخروج من سوريا. وكلا الأمرين يقول إن الأسد نفسه قد اقتنع بنهايته، وأدرك الواقع حتى قبل بعض حلفائه، مثل الروس!

ولذا فمن الصعب تصديق ما يقوله الشرع لأن في شرع الأسد كل شيء جائز حتى القتل، والكذب، وهذا ما أثبته نظام الأسد، ليس طوال الثورة السورية، بل طوال فترة حكمه، ولذا فإن الدلالة الوحيدة لحديث الشرع هي أن الأسد، ومن حوله، قد أدركوا أن النهاية اقتربت، وأقرب مما يتوقع حتى أشد المتفائلين، ولذا فقد تحركت الماكينة الأسدية - الإيرانية لتردد نفس العبارات، حيث لا غرابة أن يكون حديث الشرع عن أن «ليس بإمكان المعارضة حسم المعركة عسكريا» مشابها لم قاله أول من أمس حسن نصر الله بأن الأوضاع في سوريا تتعقد لكن من يعتقد أن المعارضة قادرة على الحسم «مخطئ جدا جدا جدا»! فالواضح أن الماكينة الأسدية - الإيرانية تتحرك بتوجيه واحد، وقيادة موحدة، ولذا نجد أن الشرع يكرر نفس حديث نصر الله، وهذا لا يحدث إلا في شرع الأسد.

وعليه، فالواضح أن سقوط الأسد قد اقترب، وأول المبشرين بذلك هو الشرع نفسه الذي يجب أن لا تنطلي علينا تصريحاته التي ما هي إلا لعبة قديمة جديدة من ألاعيب الأسد التي لا تنتهي!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تسوية الشرع والفرصة الأخيرة

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

18-12-2012

فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري، لم يظهر للعلن سوى مرة في أغسطس (آب) الماضي في ظروف ملتبسة وبعدها لم يره أحد، بعد هذا الاختفاء المشبوه نسبت إليه مبادرة تنازل تعبر عن اقتناع النظام بقرب سقوطه. يدعو الشرع المعارضة للمشاركة في حكومة ذات صلاحيات أوسع، وهو يوحي بالإبقاء على بشار الأسد مجرد رئيس في القصر بلا صلاحيات.

في نفس الوقت، هناك مبادرة أخرى تطبخ، اسمها «الفرصة الأخيرة»، الأرجح أن يكلف بها المندوب الأممي الأخضر الإبراهيمي حتى ينقلها للأسد وحلفائه خلال الأيام القليلة المقبلة، تقضي بأن يتخلى الأسد عن الحكم ويغادر سوريا، بصحبة عائلته، إلى إحدى الدول اللاتينية ويسلم السلطة للمعارضة، تماثل ما تحدث عنه من قبل رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، عندما اقترح خروجا آمنا للأسد مقابل وقف نزيف الدم. أصحاب «الفرصة الأخيرة» يهددون الأسد، إن رفضها، بأن الهجوم على نظامه سيزداد عددا وعتادا، ومن المؤكد أنه سينهار سريعا بعدها ولن يجد أحد منهم فرصة عفو.

أما لماذا يمنح مهندسو المبادرة فرصة النجاة لأقسى مجرمي التاريخ، وأكثرهم دموية؟ السبب أنهم يعتقدون أن نهاية يتفق عليها، وبتوقيع الدول المتنازعة الإقليمية والدولية، ستمكن الثوار السوريين من تسلم الدولة بسلاسة تجنب البلاد الحرب الأهلية المحذورة، وتختصر النزاع بما تبقى من وقت.

لكن المسافة بين المبادرتين بعيدة: مبادرة تبقي الأسد في القصر بلا صلاحيات ومبادرة تقصيه من البلاد، وغالبا سيرفضها الشعب السوري الذي يعيش المأساة المروعة. سيرفض خروج الأسد حتى لو كلفه المزيد من الضحايا. وبالتالي، نحن نشهد سباق الأسابيع الأخيرة، والأسد إن أراد الفرار لا يحتاج إلى مبادرات؛ فهو يستطيع أن يفعلها في جنح الظلام، سواء للساحل الغربي من سوريا، وحينها ستستمر الحرب وملاحقته، أو أن يفر إلى روسيا أو فنزويلا، وهناك عليه أن يأمل ألا يغتاله المضيف الروسي نفسه ليتخلص منه.

الأسابيع الأخيرة ستكون معقدة، ورأس الأسد أهون العقد، لأن أمره صار مقضيا، وصفحة تطوى من التاريخ، أما الأهم فهو المحافظة على وحدة سوريا والسيطرة على المدن ومؤسسات الدولة، أي تركة نظام الأسد، من قبل الهياكل التي تشكلت في الأسابيع القليلة الماضية ضمن إطار سوريا الجديدة.

ومن الخطأ الحرص على مقايضة الأسد، سلامة رأسه مقابل الخروج، لأن الوقت تأخر كثيرا، وقد ولغ في الدم بدرجة لن يكون هناك سلام في سوريا طالما بقي الأسد حرا في أي مكان في العالم. إن محاكمته هي التي قد تجلب السلام بعد ما ارتكبه من جرائم هو المسؤول الأول عنها، وفي غيابه سيدفع كثيرون، ربما أبرياء، ثمن ما فعله الأسد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بابا أوباما وبشار الكيماوي و«جبهة النصرة»

غسان الامام

الشرق الاوسط

18-12-2012

وفاة «الشرير المحبوب» لاري هاغمان بطل مسلسل «دالاس»، لن تشغل أميركا عن إنتاج أشرار «محبوبين» على الشاشة، أو مكروهين في السياسة. تذكر، عزيزي القارئ، فقط، النجم الشهير جورج بوش.

أنت، يا سيدي، تَحَار: كيف تصنِّف فلاديمير بوتين. أو باراك أوباما؟! هل هما من الأشرار. أو من القديسين؟ بوتين محبوب في روسيا. مكروه في سوريا. أوباما مكروه لدى أطفال أفغانستان. باكستان. اليمن. الصومال. وهو نفسه بابا أوباما الذي بكى عشرات الأطفال الذين قتلهم في المدرسة، شرير يحمل مسدسين وبندقية.

مضى أوباما أربع سنوات رئيسا، من دون أن يستطيع تحريم بيع المسدس والبندقية، بسهولة بيع هاتف الـ«بورتابل»! لأن لوبي السلاح الفردي ما زال قادرا على إقناع قديسي الكونغرس وأشراره، بأن السلاح ليس هو الذي يقتل. إنما أصابع اليد التي تحمله هي التي تضغط على الزناد!

مسح بابا أوباما دموعه. واعترف بائتلاف الشيخ أحمد مُعاذ الخطيب (مُعاذ اسم الصحابي معاذ بن جبل). ثم أدرج نجوم «جبهة النصرة» على قائمة التنظيمات الإرهابية. وقال إنها لا تفرق، في عملياتها الانتحارية، بين أشرار النظام والأطفال.

رفض نجوم «الجيش الحر» والتنظيمات السياسية تصنيف أوباما. وصنَّفوا مقاتلي النصرة بأنهم جماعة «أوادم» يكتفون بـ«الجهاد» ضد بشار الكيماوي. ولا يثرثرون عن بطولاتهم، مع الصحافيين الأجانب، ولا حتى مع المقاتلين السوريين.

هل تنشب الحرب في سوريا، بين قوات أوباما، وثوار «جبهة النصرة»؟ أوباما قدم معلومات ضئيلة عن «تبعية» الجبهة لتنظيم «القاعدة» في العراق. قطعا، هذه المعلومات لا تنفصل عن الحرب الإلكترونية الأميركية، ضد ما تصفه بـ«الإرهاب الجهادي» في العالم.

انسحبت أميركا أوباما من العراق. وتنسحب من أفغانستان، تاركة وراءها المالكي و«القاعدة» في العراق. و«القاعدة» و«طالبان» وحميد كرزاي في أفغانستان، وذلك بعدما أنفقت ثلاثة تريليونات (3 ألف مليار) دولار في البلدين.

تقف الآن قبالة الساحل السوري الأساطيل الأميركية والغربية، في انتظار «هفوة» يرتكبها بشار الكيماوي، كاستخدام الأسلحة الكيماوية، أو الصواريخ الباليستية (عابرة القارات)، لتنقضَّ عليه، وعلى ما تبقى من قواته وأسلحته. استخدام هذه الأسلحة المحرمة دوليا، يُعفي أميركا وأوروبا، أخلاقيا، من الالتزام بـ«مشروعية» الفيتو الروسي/ الصيني الذي عطّل مجلس الأمن نحو عامين، عن الحسم مع نظام بشار.

في استباق للتدخل الغربي، انسحبت روسيا من حماية الكيماوي بشار. وكأنها تعترف بأنها لا تريد الدخول في مجابهة، أو حرب عالمية مع الغرب، من أجل سوريا. لكن نائب وزير خارجيتها (ميخائيل بوغدانوف) يهوِّل، بين الحين والآخر، بأن سقوط بشار لا يعني نهاية الحرب السورية. فهي ستستمر، حسب اعتقاده، بين العلويين والسنة، أو حتى بين تنظيمات السنة، بما فيها «جبهة النصرة».

الشيخ معاذ الخطيب رئيس ومفتي الائتلاف السياسي يقول إن سيطرة المعارضة المسلحة على الأرض، باتت تنفي الحاجة إلى «تدخل أجنبي». غير أني لا أظن أن الشيخ الخطيب يضمن سيطرة ائتلافه، أو حكومته الانتقالية، فيما تشهد الساحة، كل يوم، ولادة تنظيم مسلح. أو مدني ضد الائتلاف.

أعود إلى «جبهة النصرة»، فأقول: لا أتوقع أن يتمكن تنظيم ديني مسيَّس وضيِّق الرؤية، من الوصول إلى الحكم في سوريا. وإذا ما لجأ في حالة فشله، إلى العمليات الانتحارية المروِّعة، كما يفعل فرعه العراقي، فلا شك أن تنظيمات الجيش الحر سوف تدخل في مجابهة معه، معتمدة على حنين السوريين إلى الأمن والاستقرار.

هل يعني إعلان أميركا الحرب على «جبهة النصرة»، أنها ستلجأ إلى طائرة النحلة (درون) في ملاحقتها في الداخل السوري؟ هذه الطائرة اختصرت خسائر أميركا البشرية والمادية. مع ذلك، فهي لم تضمن لها النصر. تصفية جيل بعد جيل من مشايخ «القاعدة» أثارت غضب ونقمة العالمين الإسلامي والعربي. فالنحلة لا تملك تقنية التمييز بين «القاعدي» و«المدني». فقد فتكت بألوف المدنيين الأبرياء.

هل هناك خطأ في استراتيجية الحرب الإلكترونية الأميركية؟ نعم، أميركا تريد نصرا سريعا على «الإرهاب الديني» لم تتمكن من تحقيقه. لا بد من الصبر. السلاح لا يكفي لتحقيق النصر على الآيديولوجيا.

لا بد من اللجوء إلى العلم. المعرفة. التربية، في مواجهة آيديولوجيا دينية متزمتة. وقادرة على تجييش مئات أو ألوف الشباب، من خلال تسييس عواطفهم الدينية العميقة، واستغلال معرفتهم الضئيلة، بما ينطوي عليه الدين من قيم سامية، تحرم العنف مع العالم. والتكفير. والقتل، مع المجتمع.

هذه هي مهمة المدرسة. والجامعة. وتعددية الثقافة الإنسانية. المؤسف أن بابا الحرب الإلكترونية على الإسلام «القاعدي»، لم يصل بثقافته الواسعة، إلى إدراك أن هذه الحرب «الدينية» التي يشنها، لا يمكن ربحها، بسرعة طائرة «درون» التي تعرف كيف تختار ضحاياها، من دون أن تملك القدرة على التفكير، بكيفية تحقيق نصرها.

في نهاية القرن التاسع عشر، أسست أميركا كلية تربوية في بيروت. منحتها اسم «سورية». هكذا، تأسست جامعة بيروت الأميركية. اجتذبت الجامعة الأجيال العربية. احتضنت الحركة السياسية القومية. حتى إيران و«حزب الله» لم يستطيعا منافستها. فمعظم طلبتها اليوم من الشيعة.

بمبلغ مليار دولار واحد، تمنحه أميركا إلى ميزانية الدول العربية والإسلامية الفقيرة، تستطيع أن تحارب ثقافة العنف الديني. وأن تكرر تجربة بيروت التربوية. وأن تؤسس لعلم اجتماع إسلامي ليبرالي. يدَرِّسُ ما في الدين من فقه التسامح. والانفتاح. وما في التجربة التربوية الغربية، من حقوق إنسانية في المساواة. في حرية التعبير. والديمقراطية. وفي حقوق الإنسان، ضد الظلم. والقهر.

أنقذت أميركا أوروبا والعالم، من الفاشية العنصرية. مات مئات ألوف الأميركيين في الحرب. اجتذبت أميركا أجيالا أوروبية. دربتها في مراكزها التعليمية على ممارسة الديمقراطية. مولت أميركا اقتصاد أوروبا (مشروع مارشال) اليوم، يأتي اقتصاد الاتحاد الأوروبي ثاني اقتصاد في العالم (13 تريليون دولار إجمالي الإنتاج السنوي)، في مقابل 15 تريليون دولار قيمة الإنتاج السنوي الأميركي.

هل فقد بابا أوباما القدرة على إلهام الحاضر والمستقبل، ليقف عاجزا أمام شاب أميركي، يغتال مستقبل أميركا بثقافة العنف. بمسدسين وبندقية؟ هل فقد بابا أوباما الحزين على أطفال أميركا، الأمل في مواجهة طالبان. القاعدة. «الشباب» في الصومال. «جبهة النصرة» في العراق وسوريا، إلا بغارات طائرة الشر (درون) التي تغتال فرصا أميركية، لتغيير عالم الفقراء بالتربية. بالثقافة. بالمعرفة. بالعلم؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الصفقة الأميركية - الروسية حول سورية!

أكرم البني *

الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٢

الحياة

إذا صح ما رشح من اجتماع كلينتون ولافروف مع الإبراهيمي وحصول صفقة ما لإخراج الوضع السوري مما هو فيه ووضعه على سكة الحل السياسي، فالسؤال الذي يُطرح على الفور هو: ما دوافع الطرفين اليوم لعقد هذه الصفقة؟ وما هي فرص نجاحها؟!

يمكن التوقف عند ثلاثة مستجدات تُظهر تقارب موقفي موسكو وواشنطن من الحالة السورية أوجدها الاستعصاء القائم وتفاقم حالة الخراب السياسي والاقتصادي:

أولاً- تنامي الحرج الأخلاقي لدى الطرفين من التوغل المفزع في الفتك والتنكيل وما يخلفه من مشاهد للضحايا والدمار وأعداد ما فتئت تزداد من المشردين والمنكوبين، زادته إشارات متعددة عن إمكان استخدام السلاح الكيماوي، وربما تخوف البيت الأبيض والكرملين من أن نظام على شاكلة النظام السوري وصل ظهره إلى الحائط ويخوض معركته كمعركة حياة أو موت، لن يتوانى عن الدفع بكل ما يملك من وسائل القتل والتدمير لإحداث تغيير في توازن قوى ما فتئ يميل لصالح المعارضة، والدليل ازدراؤه بكل الدعوات لوقف العنف المفرط، وآخرها المطالبة الروسية الصريحة بوقف استخدام الطائرات الحربية في قصف المدن والبلدات المتمردة، وسخريته من التحذير الأميركي بأن السلاح الكيماوي خط أحمر.

وما يعطي الحرج الأخلاقي قيمة مضافة، أن واشنطن فقدت بعد الانتخابات الرئاسية أهم ذريعة لتبرير سلبيتها، وباتت قيادتها تقف وجهاً لوجه أمام تحدي حماية المدنيين، وأمام مسؤوليتها الإنسانية كدولة عظمى تجاه ما يحصل في سورية، في حين أن موسكو، التي عقدت العزم على دعم النظام بكل الوسائل ومنحته المهل والفرص، بدأت تدرك عمق مأزقها، وكم يضر بمصالحها وسمعتها في الأوساط العالمية والعربية استمرار تغطيتها ما تقوم به آلة قمع منفلتة من عقالها وعاجزة في آن عن قهر الحراك الشعبي أو محاصرته.

ثانياً- مخاوفهما المشتركة من البديل، في ضوء المبالغات الإعلامية عن قوة التنظيمات الجهادية المؤثرة في الحراك الشعبي، وتحسبهما من طابع السلطة المقبلة وحدود الاستقرار المرافق في حال كان وزن الجماعات الإسلامية وتأثيرها فيها كبيراً، خاصة على حقوق الأقليات في سورية. والأمر لا يتعلق فقط بالخوف على ثقافة هذه الأقليات ونمط عيشها، بل بالأعباء التي قد تُفرض على المجتمع الدولي في حال ازدادت حالات النزوح والهجرة. ومما زاد الصورة قتامةً، السلوكُ الأناني والاستئثاري للإخوان المسلمين في مصر، وتداعيات أحداث بنغازي بعد مقتل السفير الأميركي، وتكرار مظاهر التضييق على بعض الأقليات وتواتر استغاثاتها لتوفير حماية مسبقة لأبنائها وحقوقها وممتلكاتها.

ثالثاً، تنامي القلق الأميركي والروسي من احتمال انزلاق الأوضاع في سورية إلى حرب أهلية واسعة، وتأثير ذلك على استقرار المنطقة، وبأن الأسلم لهما التشارك في تفكيك متأنٍّ للصراع السوري ومحاصرة احتمال تصديره إلى بلدان الجوار، خاصة إلى لبنان وتركيا والعراق.

ففي منطقة كالمشرق العربي، متداخلة بشرياً وديموغرافياً، وفي ساحة كسورية، تحتل موقعاً استراتيجياً وتتشابك سياسياً مع عدد من الملفات الحساسة، يجب توقُّع الأسوأ من حربها الأهلية، وبأن يتصاعد العنف ويمتد، وتتورط فيه المجتمعات المتجاورة أكثر فأكثر، ويتخذ أشكالاً طائفية أو إثنية على نحو متزايد، ما قد يفتح الباب لإعادة رسم التموضعات الاجتماعية والسياسية، وإلحاق أفدح الأضرار بالأمن الإسرائيلي وبالاستراتيجيات الإقليمية والدولية ذات العلاقة.

لكن العقدة الرئيسة أمام نجاح صفقة «واشنطن-موسكو» في إدارة الحالة السورية سياسياً، تكمن في مواقف الأطراف الداخلية المعنية بالتنفيذ، حيث يقف عائقاً عنادُ النظام ورفضه المزمن للحلول والمبادرات السياسية، وإصراره على العنف المفرط كخيار وحيد، ربما لإدراكه بأن السير في طريق المعالجة السياسية سوف يضعه في موقع لا يحسد عليه ويضطره لتقديم تنازلات يعتبرها حلقات مترابطة، ما إن يبدأ بترك الأولى حتى تكر السبحة. وقد يزيد الأمر تعقيداً احتمال استقوائه بموقف طهران في حال عارضت صفقة لا تلبي طموحها ولا تساعدها على تخفيف حدة أزمتها المتفاقمة مع الغرب والحصار السياسي والاقتصادي المطبق عليها، وتالياً انتزاع اعتراف أميركي بدور إقليمي طالما سعت إليه. وبرغم ذلك، ليس مفاجئاً أن يبدي النظام بعض المرونة وقبولاً شكلياً بالصفقة، كي لا يثير امتعاض أكبر حلفائه ويزيد من عزلته، مراهناً على رفض المعارضة لها، وعلى توظيف ما يمتلكه من خبرات لتمييع ما يعرض عليه وإفراغه من محتواه، بإغراقه في التفاصيل والتفسيرات، والغرض دائماً كسب الوقت والرهان على مزيد من التوغل في العنف لتغيير المشهد وتحسين موقعه التفاوضي.

وفي المقابل، يصعب على المعارضة السورية، ولو شكلاً، قبول صفقة دعم حكومة انتقالية ذات صلاحيات واسعة يقودها أحد رموز المعارضة، كما يشاع، ما دامت لا تشترط إزاحة رموز النظام ومحاسبة المرتكبين، وسوف يتأتى الرفض الأشد من الجماعات السياسية والعسكرية المتواجدة على الأرض، صاحبة القرار الحاسم في التعاطي مع أي مبادرة سياسية.

لكن تبقى هذه الجماعات محكومة بضرورة التنسيق مع الغطاء السياسي الذي يوفره الائتلاف الوطني، كما أنها تبقى محكومة بمصادر الدعم المادي واللوجستي، وتالياً بمزاج شعبي يكابد ويميل نحو أولوية وقف العنف ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية تزيد من الخراب، تدعمه مواقف أبناء الطبقة الوسطى والتجار وشرائح من الأقليات، وهؤلاء لا يريدون رؤية بلدهم محطماً أو مقسماً إلى كانتونات طائفية يعادي بعضها بعضاً، وغالباً ما يجاهرون برغبتهم في حصول انتقال سلمي للسلطة يرعاه المجتمع الدولي.

والحال أن إصرار الشعب على حقوقه واستبساله في الدفاع عنها وما يقدمه من تضحيات، تبقى المحركَ الأساسي للمتغيرات السياسية التي تحصل، بما في ذلك إجبار الطرفين الأكثر تأثيراً في الوضع السوري على إيجاد نوع من التفاهم يقيهما الانجرار إلى معركة كسر عظم، وربما إلى استخدام نفوذهما لإجبار الأطراف المتصارعة على تقديم التنازلات والقبول بشروط ما كانوا ليقبلوا بها ابتداءً.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا يعني حديث الشرع في هذا التوقيت؟

الوطن السعودية

التاريخ: 19 ديسمبر 2012

بعد أن طال صمت نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، وبعد عامين من اندلاع الثورة السورية، نطق أخيرا في حديثه إلى صحيفة الأخبار اللبنانية المؤيدة لإيران وسورية.

الشرع قال أشياء كأنها رأيه هو، وهي إلى المنطق أقرب، لكنه مزجها بما ينقضها مما يحمل بصمة الرئيس بشار الأسد، فقد أكد على أن الرئيس "يرغب في حسم الوضع عسكريا في سورية قبل أي حوار، غير أنه حكم بأن طرفي الصراع العسكري عاجزان عن حسمه عسكريا، حين قال: "ليس في إمكان كل المعارضات حسم المعركة عسكريا، كما أن ما تقوم به قوات الأمن ووحدات الجيش لن يحقق حسما"، وهذا يعني وجود اختلاف واضح بينه والأسد حول الخيار العسكري؛ إذ يرى الشرع عدم جدواه، فيما ينقل عن الأسد إصراره عليه وقناعته بنجاعته، قبل أي حوار.

تناقضات الشرع تشي بأنه مدفوع إلى إيصال رسالة مفادها: سنواصل القتل والتدمير الممنهج، والصراع في سورية حرب لا تستدعي محاكمة أحد أو عقابه، لأنها معركة عسكرية بين طرفين متناظرين. وهو بهذا يتجاهل الضحايا الأبرياء من المدنيين الذين يضحي بهم النظام من خلال رهانات عبثية على الحسم.

تصريحات الشرع، تؤكد اقتراب السقوط، وأن حديثه ـ بعد صمت طويل ـ ليس إلا ترويجا لتلاعبات النظام، ومحاولاته ادعاء البحث عن حل، وتمثيل دور الضحية لمؤامرة دولية ذات أطراف عديدة، وهو الخطاب الإعلامي الذي يتكئ عليه الخطاب الإعلامي السوري، منذ سلمية الثورة، حتى تحويلها إلى دموية على أيدي عساكر أمن النظام وجيشه.

جميع المراوغات الإعلامية والدبلوماسية التي يمارسها النظام السوري تأتي متأخرة، بل ومتأخرة جدا، وبعد أن تكون العودة إلى الوراء مستحيلة؛ ذلك أن الحوار غير ممكن بعد كل هذه الدماء، وكل هذا الدمار، وكلها تبحث عن أطواق لنجاة النظام، أو الاستمرار في محاولات الحسم على الأرض، وهو ما يبدو أن الرجل الثاني في النظام قد فقد الأمل.

يبقى سؤال جوهري هو: لماذا جاءت تصريحات الشرع بعد فترة من اقتراح تركيا اسمه لتولي الفترة الانتقالية في سورية؟ وهل يريد الشرع تهيئة ذاته لتكون امتدادا للنظام، ليبقى النظام؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

آخر أيام الأسد؟!

راجح الخوري

2012-12-19

النهار

كثرت المبادرات، وزيادة في التوضيح يمكن القول "كثرت السكاكين"، بمعنى ان سقوط النظام السوري بات وشيكاً على ما توحي عملية التسابق المثيرة هذه الايام، على اقتراح مبادرات للتسوية تجمع كلها تقريباً على محاولة رسم خريطة طريق لسوريا بعد سقوط النظام وغياب بشار الاسد!

تحدثت الاخبار عن "جنيف - 2" وهو عبارة عن اتفاق من خمس نقاط امكن التوصل اليه بين اميركا وروسيا وحمله الاخضر الابرهيمي الى الجامعة العربية والى دمشق (نشرت هذه الزاوية نصه امس) ويقوم على حل او يقترح "نقطة وسط" تحدد موعد إزاحة الاسد بعد ثلاثة اشهر اي في نهاية آذار المقبل، بعدما كانت واشنطن خلال مؤتمر جنيف الاول تصرّ على رحيله الفوري بينما اصرّت موسكو على ان يبقى لإكمال ولايته في سنة 2014.

وتحدثت الاخبار عن مبادرة تركية لانتقال السلطة في سوريا خلال الاشهر الثلاثة الاولى من سنة 2013 بحيث يتنحى الاسد ليتسلم "الائتلاف الوطني" السلطة تمهيداً لإجراء انتخابات عامة. وبحسب صحيفة "راديكال" عرض رجب طيب اردوغان المبادرة على فلاديمير بوتين الذي وصفها بانها "مبتكرة" وقيل ان السعودية وقطر ومصر والامم المتحدة على علم بما تتضمنه من "افكار جديدة"!

لا أدري ما هو وجه "الابتكار" فيها ولا ما هي هذه "الافكار الجديدة" ما دام المطلوب اساساً هو إسقاط النظام وإزاحة الاسد، لكن كان من المثير فعلاً ان يجمع المحللون في انقرة على ان فكرة المبادرة هي روسية لكنها أعلنت بلسان تركي، بما يساعد موسكو على النزول من سقوفها العالية في دعم الاسد، الذي عليه الآن ان يفهم جيداً الرسالة الروسية التي تصله بالتقسيط منذ تصريح ميخائيل بوغدانوف.

وتحدثت الاخبار عن مبادرة ايرانية من ست نقاط تبدو عكس السير، بمعنى انها تقوم على منطق عفا الله عما مضى من قتل وتدمير وتهجير وتعالوا الى حوار وطني وحكومة انتقالية، وهو ما كان الاسد يعرضه قبل عام ونيف. هنا يتضح ان للايرانيين سكاكينهم ايضاً ويعرفون ان من يحضر السوق يبيع ويشتري ولا يريدون ان يغيبوا عن بورصة سقوط الاسد وقيام النظام الجديد!

ولأن نظام الاسد يعرف انه بات على الحافة وامام سكاكين تشحذ اكثر مما هو امام مبادرات تقترح، وخصوصاً بعد الاستعدادات الدولية للانقضاض عليه اذا حاول استعمال الاسلحة الكيميائية، تمّ استحضار فاروق الشرع من الاستيداع قبل يومين ودُفع الى اقتراح ما سمّاه "التسوية التاريخية" التي بدت محاولة تشبه المبادرة الايرانية وتهدف الى تجنّب حتمية تجرّع الاسد كأس السقوط المريرة!

ولأن كثرة المبادرات مثل كثرة السكاكين، يمكن القول انها آخر ايام الاسد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشرع يريد حلاً... ونصرالله يريد تأزيماً

عبد الوهاب بدرخان

2012-12-19

النهار

مع التهديدات الأخيرة التي أطلقها الأمين العام لـ"حزب الله" يكون لبنان قد ارتبط نهائيا بالأزمة السورية، ويكون بالتالي قد دخل دائرة الخطر الفعلي. السؤال الذي يطرح نفسه: أين السيد حسن نصرالله من التوجه الرئيسي المعلن للدولة اللبنانية، بل أين هو من بقية اللبنانيين؟ لكن يبدو ان هذا غير مهم لديه، فاللعبة الاقليمية بلغت مرحلة حرجة، ولم يعد ممكنا الاكتفاء بالتحرك في المنطقة الرمادية. وطالما ان ايران اعلنت انها لن تسمح بسقوط النظام السوري فليس متوقعا من نصرالله و"حزب الله" اي نأي بالنفس، بل العكس تماماً، أي التورط الكامل واقحام النفس.

إذاً، ولمن لا تزال لديه أوهام، كان نصرالله يقول مساء الأحد: باي باي لـ"اعلان بعبدا" ولكل الدعوات الى التحييد وحتى للانخراط المحدود والمكتوم في جرائم النظام السوري. فالأزمة شارفت على نهاية مرحلة مهمة ولا بد ان يتقرر فيها مصير النظام، لكن لتبدأ مرحلة اكثر خطرا بعد سقوط النظام. ايران و"حزب الله" معنيان بما قبل وما بعد، بمساعدة النظام على الصمود وخوض المساومة التي يحلم بها، ثم بسيناريو الفوضى الذي خطط له النظام ليتمكن إما من ترحيل رؤوسه او الانكفاء الى"الكيان العلوي" على الساحل، او الاثنين معا، فضلا عن انهما (ايران والحزب) يعتبران نفسيهما معنيين بترتيب الاتصال بين لبنان وذاك الكيان الذي يراه الايرانيون تعويضا او "جائزة ترضية" بعد خسارة سوريا.

حرص نصرالله على تبشير المعارضة السورية بأنها "لن تنتصر"، وعلى طمأنة من يراهن على ان هذه المعارضة ستحسم الموقف بأن تقديراته "خاطئة جدا جدا جدا". وحدها تقديراته هو صحيحة وصائبة، خصوصا بمقياس التاريخ، والاخص بمقاييس المستقبل. والصواب عنده ان تتلوث "المقاومة" في استدراج حرب اهلية تلي حرب المعارضة والنظام في سوريا، وان يتوج امجاده بالمساهمة في مشاريع تفتيت سوريا، وان يمهد لمرحلة تصعيد الترهيب في لبنان. هذه لحظة حاسمة لحلفاء "حزب الله" اللبنانيين، ايا يكن انتماؤهم الطائفي، فإما انهم ينتمون الى هذا البلد ويضعون خطا احمر أمام "حليفهم"، وإما ان يكون هذا الحليف قد صادرهم وصادر ارادتهم نهائيا والى غير رجعة.

ليست صدفة ان يصدر كلام نصرالله ونائب الرئيس السوري فاروق الشرع في وقت واحد، وان يكونا منسجمين ومكملا احدهما الآخر. اذ كان الشرع اكثر هدوءا وعقلانية بل اكثر حرصا على ترويج دعوته الى الحوار، خلافا للهجة نصرالله المنفرة والكفيلة بتطفيش المحاورين إن وجدوا اصلا. قد يلتقي الشرع ونصرالله على جوهر الخطاب الذي لا يزال يدعو الى حل سياسي برعاية النظام، لكن السوري بدا هنا راغبا فعلا في حل وإن كان صعبا ومعقدا، اما اللبناني – الايراني فبدا واضحا ان خياره الوحيد هو التصعيد والتأزيم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مذبحة صبرا.. وشاتيلا تتكرر في مخيم اليرموك!

يوسف الكويليت

الرياض

19-12-2012

جيلُ ما بعد الاستعمار الفرنسي لسورية من قيادات وأحزابٍ، وكامل الشعب هم من ساند وحارب واستضاف الشعب الفلسطيني وسنّ القوانين بكامل حقوقه أسوة بالشعب السوري، لكن المزايدة على القضية بدأت مع نظام الأسد الذي أُجبر على الحرب ضد إسرائيل خوفاً من استفزاز الشعب، وفي ظله احتُل الجولان، وقيل عن تواطؤ واتهامات للأسد الأب، لكن ما يُضحك أن كل إصلاح وعمل سياسي يتوجه للمواطن السوري، كان يصطدم بأن الدولة في حالة حرب ومواجهة، وخرجوا علينا بشعار المقاومة والممانعة في حين لم ترد السلطة على تدمير نواة المفاعل النووي الذي ضربته إسرائيل، وعلى تدمير منصات الصواريخ السورية في البقاع اللبناني، وحتى جبهة الجولان، وبدون توقيع سلام مع إسرائيل، لم تشهد إطلاق رصاصة من دولة الممانعة..

احتضنت حكومة الأسد حماس باتفاق مع إيران، واستطاعت أن تضعها على تقاطع مع السلطة الفلسطينية، إلى حد المناوشات وسجن أعضاء من الطرفين، لكن حماس في سورية ظلت صوتاً بلا فعل بحيث لم يسمح لها بممارسة أي نشاط عسكري ضد إسرائيل بل مجرد رافعة شعارات، لكنها في السنوات الأخيرة شعرت أنها جزء من النظام الذي يريد تحويلها إلى لعبة في يده، ومع انفجار الثورة خرجت بأعضائها إلى قطر..

حالياً تجري حرب مدمرة في مخيم اليرموك الفلسطيني، دمر مسجد آوى الهاربين من القصف ليموتوا داخله بعمل مشابه لما تقوم به إسرائيل، فقط لأن انحياز المخيم للثوار ومناصرة الجيش الحر، اقتضى هروب أحمد جبريل المعروف بولائه للنظام من الجبهة الشعبية - القيادة العامة، ثم لأن المخيم نقطة الهجوم الاستراتيجي على وسط دمشق، لكن الكذبة الكبرى فشلت أن تصدق، فالفلسطيني الذي من أجله قال النظام إنه في حالة حرب مع إسرائيل يهاجم المخيم ويقتل ساكنيه، وبالتالي فالاعتبارات القديمة لم تعد تنطلي على نظام يريد أن يحمي محيط قصره، والتضحية ليس بالشعب السوري، لكن من ادعى أنهم في حمايته..

الشعب الفلسطيني استنكر بكل فصائله ما يجري في مخيم اليرموك، والحكومة الفلسطينية هددت برفع الملف إلى مجلس الأمن ما يؤكد عري حكومة الأسد، وبالتأكيد فإن التضامن الفلسطيني مع السوري المناهض للنظام هو الإدراك المشترك أنهما في خندق واحد، وأن الأسد وجبريل وبعض جبهته ممن زايدوا على فلسطين اتضح وجههم الحقيقي، خاصة وأن الوعي عند المواطن الفلسطيني، وكذلك السوري يفوقان ما كانت تخادع به سلطة دمشق..

إسرائيل مسرورة بما يجري في المخيم، لأن ذبح أي فلسطيني بدءاً من الأرض المحتلة، ومروراً بالأردن ثم لبنان وأخيراً بسورية، يجعلها تحاول توظيف آلة دعايتها بأن الفلسطيني محارَب بين أبناء عمومته، فكيف تستطيع ضمان ولائه وهو الذي يعلن تدميرها؟

ومثل هذه الذرائع تقنع الشعوب التي لا تدري بأسباب الصراع ومنشئه وتطوره، لكن الأسد يحاول تقليد إسرائيل بمذبحة صبرا وشاتيلا داخل مخيم اليرموك وبلا وازع أخلاقي..

وبسقوط النظام سوف تتكشف حقائق خطيرة، سواء التعامل مع إسرائيل، أو لعبة الورقة الفلسطينية واتخاذها هدفاً باطنياً لمؤامرة مشتركة ضدهم مع العدو، فحساب الزمن كبير ولا غطاء على الحقائق الواضحة..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا: تقييم نتائج اجتماع مراكش

مارك بيريني

الشرق الاوسط

19-12-2012

احتضنت العاصمة المغربية مراكش الاجتماع الذي جرى بين «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» و«مجموعة أصدقاء سوريا» يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وهو الاجتماع الذي حصل على إشادة المجتمع الدولي وبعض الانتقادات من جانب روسيا. ورغم أن هذا الاجتماع كان بمثابة النجاح الدبلوماسي الكبير للائتلاف الوطني، حيث اعترفت به 100 دولة كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري، فإن الكثير من الأسئلة تظل من دون إجابات، مما يزيد من شكوكنا في الخطوات التالية التي ستقوم بها قيادة الائتلاف. ساعد الاجتماع على توضيح أبعاد الوضع في سوريا ورسم مخططات لمسار البلاد المستقبلي، في الوقت الذي يشهد فيه الموقف الروسي بعض التغييرات.

ورغم تركيز غالبية التقارير الصحافية على المناقشات التي جرت حول تزويد الثوار السوريين بالأسلحة، فإن الاجتماع تطرق أيضا إلى أمور مثل: «جبهة النصرة»، واستخدام الأسلحة الكيماوية وغيرها من الموضوعات المهمة.

ومن وجهة نظر مستقبلية، تشكل نتائج اجتماع مراكش المسودة الحقيقة الأولى للإطار السياسي والتنفيذي للحكومة السورية الحرة في المستقبل.

ومن اللافت للنظر أن البنود الـ43 المتضمنة في البيان الختامي للاجتماع تشكل المكون الرئيسي للديمقراطية السورية المستقبلية، حيث إنها تنص على وحدة البلاد، وسلامة أراضيها، وحل سياسي للصراع السوري ينبع من داخل سوريا وليس من خارجها، ومشاركة جميع مكونات الشعب السوري في العملية الديمقراطية، فضلا عن الالتزام باحترام حقوق الإنسان، والاعتراف بشرعية «الائتلاف الوطني السوري».

تحدد هذه النصوص المبادئ التنفيذية للعدالة الانتقالية، وتوصيل المساعدات الإنسانية للمجتمعات المحلية من دون تمييز، وجهود إعادة الإعمار (من خلال صندوق للمانحين)، وهي النقاط التي ستتولاها السلطة الانتقالية المستقبلية في البلاد.

ولكننا لا بد أن ننتظر لنرى مدى القبول الذي ستتمكن قيادة «الائتلاف الوطني السوري» من حشده - سواء داخل مكونات الائتلاف ذاته أو من الجيش السوري الحر - على هذا الإطار الواسع، حيث إن هذا الأمر يعد اختبارا حاسما لها.

ثمة أمر آخر شديد الأهمية حدث خارج اجتماع مراكش، ألا وهو تطور الموقف الروسي. فمن دون الإفراط في التفاؤل، يبدو الآن أن القوى الغربية، وروسيا، تتفق على ثلاثة عناصر على الأقل حول الصراع السوري: ألا وهي عدم وجود مجال للحل العسكري في سوريا، وأن الحل السياسي يجب أن ينبع من داخل سوريا، فضلا عن أن لجوء نظام الأسد لاستخدام الأسلحة الكيماوية سيكون أمرا غير مقبول تماما. لقد أكد كلا الطرفين بوضوح هذا الأمر خلال الأيام القليلة الماضية، فضلا عن أن الأميرال جيمس ستافريديس، القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا، التي يعود إليها القرار النهائي في مسألة استخدام صواريخ باتريوت، كان واضحا للغاية في هذا الصدد في تدوينته التي نشرها في تاريخ 14 ديسمبر.

وفي الوقت عينه، يتلاشى الدعم الروسي لنظام بشار الأسد في سوريا في الوقت الحالي. فرغم نفي ذلك الأمر بصورة جزئية في وقت لاحق، فإن ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، قد قال يوم 13 ديسمبر الحالي: «لا يمكن استبعاد انتصار المعارضة السورية»، فضلا عن أن الأمين العام لحلف الناتو قد أدلى بتصريح مماثل. من الجدير بالذكر أيضا أن قناة «آر تي» الروسية قد نشرت يوم 11 ديسمبر مقابلة أجرتها صحيفة برازيلية مع الرئيس الإكوادوري، عرض فيها منح الأسد حق اللجوء السياسي لبلاده، إذا طلب الأسد ذلك.

ثمة عقبة وحيدة متبقية، ألا وهي إصرار موسكو على ضرورة إجراء المفاوضات مع النظام السوري من دون المطالبة برحيل الأسد عن سوريا. ولكن، هناك سؤال بسيط يطرح نفسه الآن: ماذا تبقى ليتم التفاوض عليه مع رئيس تقوم قواته بقصف المدنيين المصطفين في طوابير الحصول على الخبز بصورة عشوائية، واستخدام الصواريخ الباليستية ضد المقاتلين على الأرض، وتعذيب الأطفال، وإطلاق النار على عائلات بأكملها في منازلها؟ لن يقبل أبدا أي من زعماء الثوار بالتفاوض مع الأسد، كما أكد معاذ الخطيب بشكل واضح للغاية في اجتماع مراكش. يجب أن نتذكر أن مشاركة عناصر النظام السابق في المرحلة الانتقالية في تونس ومصر جاءت فقط بعد رحيل زعيمي البلدين عن السلطة. إن تكرار هذه العملية في سوريا سيتضمن تحديد عناصر النظام السابق الذين لم تلطخ أيديهم بدماء السوريين والذين لم يشاركوا في القرارات العسكرية التي يتخذها النظام.

وأخيرا، ينبغي التشديد على التصرفات غير المتكافئة من جانب روسيا والقوى الغربية، حيث إن الأخيرة لم تقبل بعد تزويد الثوار بالسلاح، بينما لا تزال الأولى تزود نظام الأسد بالسلاح بصورة يومية. وكلما أسرعت موسكو في إدراك أن نظام الأسد ليس له أي مستقبل على الإطلاق سوى في المحكمة الجنائية الدولية، كان هذا أفضل. إن موقف روسيا من الصراع الدائر في سوريا ليس هو الأمر الوحيد الذي يقع على المحك في موسكو، ولكن صورتها أمام البلدان العربية العالم أجمع أمر آخر جدير بالاهتمام.

* سفير سابق للاتحاد الأوروبي والباحث الحالي في مركز كارنيغي أوروبا ومؤسسة «المجتمع المفتوح»

* بالاتفاق مع صحيفة «حرييت ديلي نيوز» التركية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الربيع العربي» على «طريق دمشق»

الدكتور خطار أبو دياب

جريدة الجمهورية

يَروي قاموس الكتاب المقدس (سفر الأعمال) عن النداء الذي حصل على طريق دمشق، وأسفر عن تحول شاول مضطهد المسيحية إلى القديس بولس رسول الأمم.

وكما كان في الماضي لأرض الشام نصيب كبير في انتشار المسيحية والإسلام لاحقاً، يمكن للتحول المنتظر في سوريا أن يؤثّر إيجاباً أو سلباً على مستقبل "الربيع العربي"، إذ إنه يمكن أن يغيّر وجه المشرق أو يمسّ التوازنات الإقليمية الدقيقة الممتدة نحو مصر وشبه الجزيرة العربية والخليج والجوار الروسي.

مع تفاقم الوضع في سوريا وانتكاسات المراحل الانتقالية من تونس إلى مصر مروراً بليبيا واليمن، استعجل البعض الاستنتاج بأنّ "الربيع العربي" توقف عند أبواب دمشق، وسيستمر تحطيم الدول المركزية وسيكون التفتّت سيد الموقف، إضافة إلى مخاطر امتداد النزاع السنّي ـ الشيعي وآثاره السلبية على وحدة المجتمعات وعلى كل إعادة ترتيب للبيت العربي المشترك.

وهذه النظرة السلبية تتقاطع مع الذين يتكلمون عن "الشتاء الإسلامي" في توصيف للحراك المنطلق من سيدي بوزيد في كانون الأول 2010، في إنكار لكل إيجابيات التحولات الحاصلة.

بيد أنّ المقاربة الواقعية تدفعنا للمقارنة مع تعبير "ربيع الشعوب" الذي أُطلق على الثورات الأوروبية في العام 1848، وهذا الربيع لم تكن نتائجه آنية وتلقائية، بل سرعان ما انتكس في العام 1849.

لكن كانت لهذه الثورات إنجازاتها، فهي كانت علامة فارقة في التاريخ الأوروبي. صحيح أنها كانت معركة خاسرة في البداية إلا أنّها لم تكن نهاية الحرب. فهي كانت رسالة واضحة بأنّ التغيير قادم ولو بعد حين.

في عودة إلى التاريخ العربي المعاصر، لا شك أنّ العام 2011 هو عام العرب بامتياز. إنه اختزل مائة عام من ناحية الفعل وترك البصمات على لوحة التاريخ الإنساني المعاصر.

بعد القرن العشرين وخيباته، بدأ العقد الثاني من القرن الحالي ليدشن زمن الحالات الثورية التي ترمز عند البعض إلى اليقظة، وعند البعض الآخر إلى حركة انعتاق وتحرر، والجميع يجادل حول ما يسمى الربيع العربي، والأهم كان الخروج من حال الجمود والانحطاط، وتسجيل الشباب العربي نجاحات في بدايات صنع واقع جديد.

يختلف البعض على توصيف الحالات الثورية (لأن الثورة يخطط لها حزب أو جماعة مثل حال الثورتين البولشيفية أو الإيرانية) ولكن العناصر المشتركة هي الآتية:

- إنها انتفاضات غير إيديولوجية ومطالبها في الكرامة والحرية والعدالة تقربها من أطروحات الثورة الفرنسية، أي أن لها علاقة بالقيم العالمية وحقوق الإنسان، وتتصل بترقية الفرد وتركيب عقد اجتماعي جديد.

ـ إنها صناعة محلية وغير مستوردة، ولا يعني تأثير الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة ومواكبة الغرب أنها نتاج غربي وأميركي.

- إنها ثورات غير حزبية وغير دينية، ولو أنّ ابرز القوى المنظمة أي القوى الإسلامية التحقت بها وتسعى إلى السيطرة عليها.

ـ إنها ثورة الجيل الشاب (18 - 35 سنة) الذي يأبى أن يرضى بالذل الذي عاناه الجيل الذي سبقه.

ـ إنها حركات مناقبية وأخلاقية ضد الفساد ونهب المال العام، وضد فشل دول الاستقلال؟

- إنها أيضاً حركة تحرر وطني بمعنى سعيها إلى نزع الاستعمار الثقافي. (التحدي المباشر يكمن في تحرير الذهنيات وبناء نموذج حداثي ملائم، والتحدي الأكبر يبقى في بناء تكامل اقتصادي عربي لا بد منه لتحصين الوضع العربي الجديد).

ـ إنها في نهاية المطاف تهدف إلى إعادة العالم العربي إلى خريطة القوى الفاعلة. بيد أنّ البعض يراهن عليها كصحوة إسلامية من اجل بلورة ميزان قوى جديد مع الغرب. وفي هذه النظرة الاختزالية ما يرد على تبسيط آخر يتصور أن هذه الحركات ليس لها بعد قومي أو إنها غير معنية بالسياسة الخارجية.

بعد هذه البدايات المبشرة انطلقت قوى الثورة المضادة لتمنع تمدّدها، ورأى البعض في تصرف الإسلاميين مسعى مباشر إلى مصادرة الثورات أو تحريف مسارها. بيد أنّ هذه المبالغة في التجاذب بين التيارين الإسلامي والمدني ستكون افضل وصفة لضرب المراحل الانتقالية.

من الناحية المثالية، من الأفضل أن يكون هناك مواثيق شرف وعهود تحدد الثوابت من اجل عدم الوقوع في شرك الاستبداد بوجوه جديدة. وهذا يتطلب المزيد من الحوار والواقعية في فهم طبيعة المجتمعات والتدرج في إتقان التمرين الديموقراطي.

مع اقتراب نهاية العام الثاني من المخاض الكبير، يبدو أنّ ياسمين دمشق سيزهر بشكل آخر في هذا الربيع ليحاكي ياسمين تونس، أي أنّ الانتصار المرتقب للحراك الثوري في سوريا سيؤكد أنّ درب التغيير لا عودة عنه وطريق دمشق ستكون أيضاً فأل خير لكل الإقليم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com