العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23/09/ 2012م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

دموع أنجلينا جولي

عيسى الشعيبي

الغد الاردنية

14-9-2012

لم تعرض القنوات الفضائية سوى جزء يسير من الشريط المصور لزيارة الممثلة الأميركية الشهيرة أنجلينا جولي إلى مخيم اللاجئين السوريين في الزعتري، وكان ذلك كافياً لهذه القنوات المضغوطة دائماً بعنصر الوقت، ومُرضياً للمتلقين الراغبين في قطف مشهد من هنا وخبر من هناك، لأخذ العلم بمجريات الحالة السورية، وتكوين أشمل معرفة ممكنة عن تطورات الموقف يوماً بيوم، وأحياناً ساعة بساعة.

غير أن الأنباء التي تحدثت عن دموع سفيرة النوايا الحسنة للمفوضية العليا للاجئين، أثارت لدي الفضول، وحملتني على البحث في شبكة الإنترنت عن الشريط المصور لهذه الممثلة ذائعة الصيت، متسائلاً بيني وبين نفسي: هل اغرورقت تلك العينان الواسعتان حقاً بالدمع؟ وهل اكتسى ذلك الوجه الملائكي الوضيء بمسحة حزن تشف عن حس إنساني رهيف بالفعل؟ وهل ارتجفت شفتا أنجلينا المكتنزتان تأثراً بحالة اللاجئين المزرية؟

لم يكن الفضول المثخن بحب الاستطلاع وحده ما حملني على إغناء الذاكرة البصرية بمشاهد زيارة السيدة الآتية من هوليوود إلى مخيم الزعتري، بل كانت جملة من الأسئلة الجارحة والمفارقات الفارقة، ناهيك عن ثنائية الصورة النمطية لفنانة لم تدخل الأربعين من مشمشها بعد -بحسب محمود درويش- وقد بلغت المجد من طرفيه مالاً وشهرة، وبين رهط من الفنانات السوريات المعرضات عن إظهار أدنى تماثل، وبيان أقل قسط من التعاطف مع بنات وطنهن المثقل بالركام فوق الأشلاء والجراحات النازفة.

وبالفعل، فقد أشبعت ميلي الفطري إلى حب الاستطلاع، واستمتعت كثيراً بمشاهد الزيارة، خصوصاً صور استقبال الأطفال وتحلقهم حول السفيرة، وانفعالاتهم البريئة بهذا الاهتمام بهم من لدن نجمة تلألأت في سماء هوليوود وفي فضاء العذابات الإنسانية، وكأن أحدا أسرّ لهم سلفاً أن الضيفة التي طبقت شهرتها أربع جهات الأرض، سوف تحل بينهم، وتصغي لحكاياتهم، وتنقل بعضاً من آلامهم، وتساعد على التخفيف من عذابات هجرتهم القسرية.

ما إن انتهيت من مشاهدة مقاطع الفيديو المصورة عن هذه الزيارة، حتى عادت إلى الذهن تلك المفارقات والمقارنات بين أنجلينا جولي التي شرقت بدموعها في الزعتري، وغالبت نفسها بصعوبة وهي تتحدث عن مشاهداتها في المخيم الصحراوي، وبين نفر بين ظهرانينا يدعون إلى إقفال الحدود تارة، ويهولون من مخاطر استضافة المهجرين على البنية التحتية، ناهيك عن قول بعضهم إن هؤلاء الفارين بأرواحهم جاؤوا إلينا بحثا عن منافع اقتصادية، أو أنهم ظاهرة مفتعلة يتم توظيفها في سياق المؤامرة الكونية.

وما دام الشيء بالشيء يذكر، فإنه ينبغي القول إن أنجلينا جولي تبرعت بما مجموعه عشرون مليون دولار نقداً للاجئين الذين طافت على ملاذاتهم البائسة من باكستان إلى كينيا ودرافور وسيراليون، إلى لبنان والعراق وليبيا والصومال، إلى أن حطت مؤخراً في مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا ثم الأردن، ولم تعتب عليها سوى مخيمات اللاجئين في غزة والضفة الغربية. فكم نجماً عربياً أو ثرياً من أبناء جلدتنا عمل ما عملت أنجلينا، وقدم عشر أعشار ما قدمته هذه الممثلة المهمومة بضحايا الحروب والنزاعات الأهلية؟

في ختام جولتها على مخيم الزعتري، قالت أنجلينا جولي بتأثر باد على وجهها الإنساني النبيل: "أنا قلقة للغاية على مصير هؤلاء، والعالم قلق أيضاً. ما يكسر القلب هو عندما يسألك سوريون لاجئون عن السبب الذي تعتقد أنه وراء عدم تمكن أي أحد من التوصل إلى حل لمشكلته حتى الآن". ولو قدر لي أن أكون حاضراً في تلك اللحظة لقلت لها: إن تضارب مصالح الدول الكبرى، وتخاذل الإخوة الضعفاء، وروح الفرقة لدى الأشقاء الأعداء، وجنون الطاغية، تضافرت معاً لتصنع هذا المصير البائس لهؤلاء اللاجئين المضيعين على مذبح شهوة الدكتاتور للسلطة المطلقة.

-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : بان كيمون ووكلاؤه ومساعدوه وثلاثة أهداف أساسية على أجندة الثورة السورية ... زهير سالم

تضيق صدور الثوار السوريين ذرعا بالتصريحات غير السوية التي ما زالت تخرج عن بان كيمون ومساعديه . التصريحات العرجاء التي تساوي بين الضحية والجلاد ، والتي أدمن عليها السيد بان كيمون ووكلاؤه ، والتي ما تزال تتهم الشعب السوري برفض الحل السياسي والإصرار على اختيار طريق الحسم العسكري .

 

ومن موقف القوي ( المتغطرس ) يمارس السيد بان كيمون دوره الدبلوماسي المنحاز فيصوغ التقارير على هواه ، و من برجه العاجي ، ويمطر بها المؤسسات الدولية . وتقاريره وتقارير وكلائه كلها تتحدث عن فريقين يرفضان الحلول السلمية ويصممان على الذهاب في الحل العسكري حتى نهايته .

 

ومع أنه لا السيد بان كيمون ولا وكيله من قبل كوفي عنان ولا وكيله من بعد الأخضر الإبراهيمي لم يقدموا للشعب السوري أي حل سياسي يحقق أهدافه ويلبي تطلعاته ، ومع أن الشعب السوري ومعارضته السياسية لم يرفضوا أي مبادرة سياسية عملية ، ومع أن النظام السوري لم يستجب عمليا لأي بند من بنود مبادرة كوفي عنان ، وأصر دائما على التعامل مع الثورة الشعبية بالعنف والقسوة ، بل إنه بدل أن يستجيب إلى مطلب سحب السلاح الثقيل من الشارع أضاف إلى المدفعية والدبابات والقنابل المحرمة دوليا إدخال المروحيات ثم الطيران الحربي يدمر بقذائفها المحشوة بالحقد والكراهية المدن والأحياء على رؤوس المدنيين الأبرياء ؛ مع كل ذلك يصر هؤلاء الدبلوماسيون على اتهام الثورة السورية بنفس المعيار الذي يتحدثون به عن المجرم القاتل المدجج بالسلاحين الروسي والإيراني .

 

ندرك تماما ويدرك كل المبصرين والعقلاء والشهود العدول من أصحاب الضمير الحي أن الثورة السورية لا تملك طائرات تقصف ، ولا مدفعية تدمر ، ولا دبابات تجوس خلال ديار . ندرك ويدرك كل المبصرين العقلاء أن كل التقارير والشهادات التي تتجاوز هذه الحقائق هي شهادات إفك وزور وبهتان ، تجرح عدالة من يقدمها ، وتجعله شريكا في الجريمة . هذه الشهادات المزيفة لن تشكل أبدا كما يظن أصحابها ورقة توت تستر عورة العجز والانحياز ضد حقوق شعب مظلوم مضطهد مستضعف ؛ بل ستتحول إلى شاهد إدانة دامغة تدمغ أصحابها أمام الله والتاريخ والناس .

 

من جهة أخرى وأمام إصرار المجتمع الدولي على الاندماج في مشروع الطاغية . وإعطائه في كل مرحلة المزيد من الفرصة ، والمزيد من الذرائع لتدمير المجتمع السوري ، قتل الرجال وانتهاك النساء وذبح الأطفال فإن استحقاقات الواقع المثخن تفرض على المعارضة السورية أن تتوافق على ثلاثة أهداف مرحلية أولية وعملية .

 

الهدف الأول والذي يجب أن يعطى الأولوية المتقدمة مطالبة المجتمع الدولي بمؤسساته الكبرى أن تحذو حذو الجامعة العربية بسحب الشرعية عن رأس العصابة المتسلطة على وطننا وشعبنا .

 

وللحقيقة فلم تتمتع هذه العصابة في أي يوم قي تاريخها الطويل بأي بعد من أبعاد الشرعية ، غير شرعية سلطة الأمر الواقع ، التي سحبتها منه ثورة شعبنا ، الذي يعتبر الجهة الوحيدة المخولة بمنح هذه الشرعية أو منعها . إن مجرما قام بهدم ثلث العمران في سورية ، وقتل عشرات الألوف من أبنائها ، وشرد مئات الألوف بل الملايين منهم لا يمكن أن يعامل على أي مستوى من المستويات الإقليمية أو الدولية على أنه ممثل للشعب أو للدولة . المطلوب أن تجعل المعارضة السورية في رأس مطالبها في كل المحافل الدولية والإقليمية سحب كل أشكال الشرعية عن عصابة الإجرام . واعتبار القائم عليها رئيس عصابة إجرام مكانه الطبيعي وراء القضبان . وإنه لمن غير المعقول أن تطلب المنظمات الحقوقية الدولية بتحويل مجرم إلى محكمة الجنايات الدولية ثم يستقبل ممثلوه في المحافل الدولية على أنهم ممثلون للشعب الضحية والسيادة المنتهكة .

 

إن تحقيق هذا الهدف سيسقط ذرائع الكثير من شركاء الجريمة الذين يتعللون دائما أنهم تربطهم بالدولة السورية معاهدات واتفاقات . وستجعل كل شركاء الجريمة هؤلاء تحت قوس العدالة الدولية سواء .

 

والهدف الثاني الأساسي أن تنجح المعارضة السورية في إعادة هيكلة مجلسها الوطني . المنتظر أن يكون السوريون جميعا كبارا في عقولهم وقلوبهم ونفوسهم . وأن تنجح هذه الهيكلة في أن تكون العتبة العملية للمطالبة باعتراف دولي بممثل للشعب السوري الحقيقي يحتل مقعده في جميع المحافل الدولية ، يرفع في هذه المحافل علم الاستقلال العتيد ؛ وكفى بهذا حافزا لتحقيق هذا الإنجاز .

 

أما الهدف الثالث الذي لا يجوز أن يشغل أحد عنه ، ولا أن يقبل قبل العمل على تحقيقه من قائل قول فهو حماية المدنيين في سورية بكل طريقة وبأي طريقة وبأسرع طريقة . حماية المدنيين بتمكين الجيش الحر وقواته المنظمة من الدفاع عن الأرض والجو قبل الخوض في أي حديث . إن الوفاء بحق هذا المطلب بتأمين أسبابه لن يمنع بعد ذلك كل الخراصين أن يجربوا نظرياتهم وعنعناتهم . يجب ألا يمكن المجرمون من توظيف معادلة الزمن لصالحهم ، ويجب ألا يحلموا أن بإمكانهم الانتصار في الميدان ، ويجب أن يعلموا هم وشركاؤهم أن الشعب السوري يأوي إلى ركن شديد من إخوة دين وأبناء عشيرة ...

لندن : 5 / ذو القعدة 1433

21 / 9 / 2012

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*

محنة حلب بين الراهن والتاريخ

كرم الحلو *

الجمعة ١٤ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

العارف بتاريخ حلب وعراقتها ومكانتها المركزية في النهضة والثقافة العربيتين يتملكه الحزن والأسى إزاء محنتها الراهنة، فهذه المدينة التاريخية المحاصرة اليوم بالعنف والنار والدم، امتازت منذ القرن السادس عشر بمركزها التجاري كمنطقة مهمة في طريق المواصلات إلى أوروبا وكمحطة كبرى للطرق الداخلية بحيث اعتبرت مركزاً مهماً للتجارة الدولية في الإمبراطورية العثمانية وملتقى للمبادلات العالمية بين قارتي أوروبا وآسيا. بيوتها كما وصفها ألفرد مارتينو في القرن التاسع عشر «مبنية من قطع ضخمة من الحجر، مريحة ومزينة بزخارف جميلة من الداخل». وقد توطنت الجاليات الإيطالية والفرنسية في حلب، فاشتروا البيوت والبساتين وتعاطوا التجارة وتوطدت علاقاتهم الاجتماعية والثقافية مع المسيحيين الحلبيين، الأمر الذي مهّد لتوجه فكري ليبرالي عرفته هذه المدينة في مرحلة مبكرة من تاريخنا.

وثمة اتفاق بين المصادر التاريخية على أن النهضة التي عمت بلاد الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان بدؤها في حلب في القرن الثامن عشر، ففي أوائل هذا القرن كما يقول ألبرت حوراني تعمق عدد من المسيحيين في علوم اللغة العربية، على يد الفئة الوحيدة التي كانت تملك ناصيتها يومذاك، أي مشايخ الدين الإسلامي، ومن هؤلاء امتدت شعلة الأدب العربي إلى لبنان وفي ذلك يقول مارون عبود: «عن حلب الشهباء أخذ لبنان لغة الضاد».

وفي حلب انبرى المطران جرمانوس فرحات 1670 – 1732 للتأليف في الصرف والنحو وكان له الفضل في ترسيخ العربية، في عصر غلبت فيه العجمة على العربية، ولهذا الأسقف فضل أكبر وأهم إذ صحح الترجمة العربية للمزامير والأناجيل. وفي حلب أنشئت أول مطبعة عربية عام 1702، ومنها قدم إلى لبنان عبدالله الزاخر، أبو الحرف المطبعي العربي كما يسميه مارون عبود، فأنجز مطبعته في الشوير عام 1733. ومنها انطلق رزق الله حسون لينشئ في الآستانة أول صحيفة عربية عام 1855، وصفه فيليب طرازي بإمام النهضة الصحافية بلا مراء وقد نادى بالحرية ودان الاستبداد في كتاباته من دون هوادة. وفي حلب ألّف فرنسيس المراش عام 1861 «دليل الحرية الإنسانية»، وعام 1865 روايته «غابة الحق» فكان أول من أعاد إنتاج فكر روسو في العقد الاجتماعي في الفكر العربي الحديث، وأول من نادى بأبطال الرق على أساس الحق الطبيعي، وأول من أقر بحقوق الفئة البائسة في المجتمع وفي السياسة، وبالمساواة السياسية بين المواطنين من دون تمييز أو تفريق. وكان من الرواد العرب الأوائل الذين نادوا بمرجعية العقل وحقه في التعليل والتأويل، كما كان في مقدمة النهضويين بإقراره بحقوق المرأة في الكرامة والتعلم واختيار الزوج، وفي طليعة المنادين في الفكر العربي بحرية الرأي والاعتقاد، ومن أوائل دعاة التجدد في الأدب واللغة، وأول من تلقّف آراء داروين في الفكر العربي، وأول من انتقد بشدة الوجه المتوحش للحضارة الغربية، ما يضعه في طليعة المؤسسين لحقوق الإنسان الطبيعية في الفكر العربي قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأكثر من ثلاثة أرباع القرن.

ومن حلب انطلق إلى فرنسا عبدالله مراش، المثقف الموسوعي والأديب البليغ الذي وصفه إبراهيم اليازجي بـ «كوكب المشرق الطالع في سماء المغرب» لبلاغة أسلوبه وجرأته النقدية وثقافته الشاملة والنادرة. وفي حلب أسست مريانا مراش أول صالون أدبي في العالم العربي وكانت أول امرأة عربية تنشر أفكارها في الصحافة العربية، وقد ألفت ديوان شعر عام 1893. في حلب كتب جبرائيل دلال قصيدة «العرش والهيكل» التي ضمنها خلاصة الأفكار الليبرالية في عصره، ونقداً لاذعاً للملوك والحكام ورجال الدين المستبدين وكانت هذه القصيدة السبب في سجنه وإعدامه ليغدو في طليعة شهداء الفكر العرب في العصر الحديث.

وفي حلب أمضى الإمام عبدالرحمن الكواكبي حياته مقارعاً الاستبداد مدافعاً عن المظلومين والمضطهدين، ومنها فر إلى القاهرة حيث طبع كتابه «ضبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» أول نقد منهجي جذري في الفكر العربي للاستبداد وآثاره الوخيمة على السياسة والتربية والأخلاق، وقد كان هذا الكتاب السبب في استشهاده مسموماً عام 1902.

كل هذه الإنجازات الكبرى عضدتها بيئة اجتماعية مؤاتية بعيدة من الأحقاد الطائفية، ففي حين زلزلت الفتن جبل لبنان ودمشق عام 1860 ظلت حلب في منأى عن الويلات التي لحقت باللبنانيين والدمشقيين، وعاش أهلها في مودة وسلام، ولم تكن بعض الأحداث المحدودة التي ضربتها في خمسينات القرن التاسع عشر ذات خلفية طائفية. ولهذا قال فيها فرنسيس المراش:

«رعياً لكم يا ساكني حلب فما زلت بكم قدم ولا خنتم قسم

والجار ملتزم بإخلاص الوفا للجار في البلوى فبينهما ذمم».

حلب التي تتكئ على كل هذا التاريخ من الإنجازات والتي كانت مهد الفكر الليبرالي ومنطلق النهضة الأدبية واللغوية وحاملة راية التقدم والحرية في تاريخنا الحديث، هل قدِّر لها أن تنتهي إلى كل هذه المعاناة وكل هذا الشؤم؟ هل كان في تصور رواد الحرية الحلبيين العظام أن تؤول حال مدينتهم إلى ما آلت إليه بعد أكثر من قرن على طرحهم أفكارهم الليبرالية التنويرية؟

لعل في استعادة قول فرنسيس المراش الحلبي: «ما كان ليل قط إلا له صبح فما قد كان سوف يكون» ما يهدئ روعنا فيما نحن نتأمل في حال حلب هذه الأيام.

-*-*-*-*-*-*-*

سوريا وأعذار أوباما الخمسة لعدم التحرك

أمير الطاهري

الشرق الاوسط

14-9-2012

في الوقت الذي يستمر فيه بشار الأسد في حصد أرواح السوريين بمعدل 100 شخص في اليوم الواحد، يبدو أن تردد وانحرافات ومماطلات إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في هذا الموضوع تصبح أكثر سخرية على نحو متزايد.

يحاول أوباما ومناصروه شرح، بل وتبرير، سبب إخفاقه في وضع سياسة تتمتع بالمصداقية حول سوريا عن طريق ذكر عدد من «المشاكل» التي تبدو ظاهريا خارج نطاق سيطرة الرئيس الأميركي.

تتمثل أولى هذه «المشاكل»، كما يزعمون، في أن المعارضة السورية مقسمة.

هل هذا الأمر حقيقي؟ أنا لا أعتقد ذلك.

يجب أن لا نخلط بين الوحدة والإجماع، فمما لا شك فيه أن ملايين الأشخاص الذين يخاطرون بحياتهم من أجل محاربة هذا الطاغية المتعطش للدماء لا يفكرون جميعا بنفس الطريقة حول كافة الموضوعات، كما أنهم أيضا ليسوا جميعا أعضاء في حزب واحد.

ففي مجتمع يئن تحت وطأة حكم حزب واحد منذ ستة عقود، لا يكون التوحد الظاهري في كثير من الأحيان إلا مجرد واجهة، وبمجرد انهيار تلك الواجهة، سوف يظهر أن المجتمع مقسم إلى عدد لا نهائي من الأقسام. ففي أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، ظهر ما لا يقل عن 120 حزبا سياسيا من مختلف الاتجاهات من تحت أنقاض الشيوعية. وفي العراق، ظهر ما يزيد عن 200 حزب سياسي في مرحلة ما بعد صدام حسين.

وعلى أي حال، فإن ما يتمناه المرء لسوريا هو نظام تعددي يكون للناس فيه القدرة على التفكير والاعتقاد والتصرف بشكل مختلف في إطار حر ومقبول في ظل حكم القانون، فسوريا عبارة عن خليط كبير من المجتمعات العرقية والدينية التي ينبغي أن يكون لها صوت سواء في المعارضة أو في سوريا المستقبل.

وبعد أن ذكرنا كل هذه الأمور، فالآن أصبحنا ندرك أن المعارضة السورية متحدة بشأن القضايا الرئيسية. ففي صوت واحد، تطالب كافة الأحزاب والجماعات المشاركة في الثورة السورية بتنحي بشار الأسد عن الحكم، مما يمهد الطريق لتشكيل حكومة انتقالية في البلاد، فضلا عن أن الجميع يصرون على ضرورة استبدال نظام الأسد بنظام آخر تعددي، يتم فيه اختيار الحكومات عن طريق انتخابات حرة ونزيهة.

وفي سياق أكثر رسمية، قامت المعارضة السورية بإنشاء أجهزة موحدة من خلال «الجيش الوطني السوري» و«المجلس الوطني السوري»، والذي تم الاعتراف به رسميا من قبل 30 دولة على أنه الممثل الشرعي للشعب السوري.

لذا، بات واضحا الآن أن الادعاء القائل بأن الولايات المتحدة لا ينبغي عليها القيام بأي شيء لوقف حمام الدم في سوريا بسبب انقسام المعارضة السورية غير صحيح بشكل كبير.

أما «المشكلة» الثانية التي ذكرها أوباما فكانت أن السوريين لم ينجحوا حتى الآن في إقامة «مناطق محررة»، كما كان الحال في ليبيا خلال الثورة التي أطاحت بطاغية عربي آخر. يقول المتحدث الرسمي باسم أوباما: «أين بنغازي السورية».

تعد مقارنة الأوضاع السورية بالليبية غير صحيحة على الإطلاق، فليبيا دولة شاسعة المساحة وسكانها يعيشون في مناطق متفرقة، ومن دون الغطاء الجوي الذي وفره حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، كان من غير المرجح أن تستمر مدينة بنغازي في صمودها أمام القوات الجوية والفرق المدرعة التابعة للعقيد معمر القذافي.

ورغم كل ذلك، تمكنت القوات المناهضة للأسد من إقامة «مناطق محررة» بالفعل في خمسة أقاليم على الأقل. تعتبر هذه الجيوب من الأراضي موطنا لنحو خمسة ملايين مواطن سوري، فضلا عن 250 ألف سوري فروا إلى الدول المجاورة. ربما يكون الأمر الأكثر أهمية من ذلك هو تمكن قوات المعارضة السورية من إقامة «مدن مصغرة كثيرة على شاكلة بنغازي» في قلب العاصمة السورية دمشق وفي مدينة حلب، أكبر المدن السورية من حيث عدد السكان.

تتمثل «المشكلة» الثالثة، التي سردها المدافعون عن أوباما في عدم قدرة الولايات المتحدة على التحرك في هذه القضية، في وجود الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي.

ولكي نكون منصفين، ينبغي أخذ وجهات النظر الروسية في هذه القضية وغيرها من القضايا الدولية ذات الصلة على محمل الجد، ولكن لا ينبغي علينا أن ننسى أن موضوع الفيتو يخص مجلس الأمن فحسب، ولا يجب أن يحول دون تنفيذ مجموعة من التدابير التي وافقت عليها الجمعية العامة والأمين العام ومختلف الهيئات التابعة للأمم المتحدة. تقول وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي يجب أن يعترف المرء بأنها أكثر جدية إزاء المأساة الدائرة في سوريا، إن الولايات المتحدة ستواصل السعي للحصول على الدعم الروسي من خلال مجلس الأمن. أكدت كلينتون في الأسبوع الماضي أنه في حال استمرار الخلاف مع روسيا، سوف تقوم الولايات المتحدة بدعم المعارضة السورية، وهو ما يعني من الناحية العملية أن الفيتو الروسي أمر مهم خارج مجلس الأمن أيضا، فضلا عن أنه يغطي جوانب السياسة الخارجية الأميركية.

أما «المشكلة» الرابعة التي زعمها المدافعون عن أوباما فهي أن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين والإقليميين لم يقوموا بما يتوجب عليهم القيام به بعد. يقول أوباما إنه يريد «القيادة من الخلف»، أيا كان معنى هذه العبارة، ويصر على ضرورة أن تلعب الولايات المتحدة دورا داعما في الخطط التي يقوم الحلفاء بوضعها وتنفيذها.

وإذا ما نحينا جانبا الهراء الخاص بمقولة «القيادة من الخلف»، فإن ادعاء أن الحلفاء الأوروبيين والإقليميين كانوا يغطون في سبات عميق هو غير صحيح على الإطلاق. فقد غامرت تركيا كثيرا بدعم الثورة السورية، وهي الآن تدفع الثمن غاليا، بعد أن أصبحت هدفا للهجمات الإرهابية التي ترعاها طهران ودمشق، بينما قامت المملكة العربية السعودية وقطر وغيرهما من البلدان الخليجية باستضافة قوات المعارضة السورية وتقديم الدعم المادي لها. وبالنسبة للأردن والعراق ولبنان فعليهم التعامل مع الأعداد المتزايدة من اللاجئين السوريين في بلدانهم. أما الرئيس المصري الجديد الدكتور محمد مرسي، فقد صدع بصوت الثورة السورية في قلب العاصمة الإيرانية طهران خلال قمة دول عدم الانحياز التي عقدت في أواخر الشهر الماضي. ومن جانبهم، كان لدول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة فرنسا وبريطانيا العظمى، دور السبق في هذا الأمر عن طريق فرض عقوبات قوية ضد نظام الأسد ودعم الثورة السورية بمجموعة واسعة من التدابير.

وأخيرا، يقول المدافعون عن أوباما إن «المشكلة» الأخرى تكمن في الخوف من أن يؤدي سقوط الأسد إلى صعود «الإسلاميين المتشددين».

ظلت هذه الكذبة القديمة تستخدم على مدار عقود طويلة، فقد استخدمها كثير من الطغاة العرب في تبرير تشبثهم لفترات طويلة في السلطة. وحتى القذافي كان يقوم بتسويق نفسه في الغرب على أنه «الحاجز الذي يحول دون وصول الإسلاميين للسلطة». يزعم بعض «الخبراء» الغربيين أن العرب لا ينبغي أن يحصلوا على الحرية، لأنهم إذا حصلوا عليها سيقومون مباشرة باختيار «المجاهدين» الإسلاميين وإعلان الجهاد على العالم الخارجي.

الحقيقة أنه أينما يكون لدينا انتخابات تعددية نظيفة بصورة معقولة في العالم الإسلامي، من إندونيسيا إلى المغرب، فإن البعبع الإسلامي الذي أطلقه «الخبراء» الغربيون قد أثبت فشله في اجتذاب أكثر من ربع عدد الناخبين. وعلى أي حال، ينبغي ترك السوريين ليختاروا بأنفسهم الأشخاص الذين يريدون، وليس من يفضله الأجانب.

ومع قيام روسيا بالدور المحوري في التحالف الرامي لإنقاذ الأسد، حتى وإن كان ذلك على حساب قتل أعداد كبيرة من السوريين، تحتاج واشنطن إلى المضي قدما للأمام لتكون بمثابة الثقل الموازي لموسكو. يوجد هناك بالفعل تحالف من الأطراف الراغبة في حماية سوريا من طاغية مختل عقليا، ولكنه لا يزال في حاجة إلى من يقوده. وسواء شئنا أم أبينا، لا تزال الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على لعب هذا الدور، وأوباما ليس لديه أي أعذار في التنصل من هذه المسؤولية.

-*-*-*-*-*-*-*

الحديث عن حقوق الإنسان في سورية بلا معنى

2012-09-14 12:00 AM

الوطن السعودية

حديث الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في جنيف منذ أيام عن ضرورة الحفاظ على "حقوق الإنسان" في سورية يكاد يكون مضحكا ومبكيا في آن معا. فانتهاكات حقوق الإنسان في سورية بالجملة. في كل يوم يسقط عشرات الضحايا الأبرياء في شوارع المدن السورية وتحت أنقاض أبنيتها المدمرة، وفي كثير من الأحيان لا يكتفي القاتل بموت الضحية فيمعن حتى في جثث الموتى تمثيلا وتقطيعا. لذلك فإن الذين يتعرضون إلى بعض "الانتهاكات" لحرياتهم وحقوقهم قد يكونون من "المحظوظين" إذا نجوا من براثن الجلاد ببعض الجروح الجسدية أو النفسية طالما أنهم لا يزالون على قيد الحياة!

من يعرف حقيقة ما يجري في سورية وما يعانيه أبناؤها من ظلم وقهر واضطهاد وجوع وقتل وتمثيل يدرك أن عبارة "حقوق الإنسان" ربما تحتاج إلى إعادة تعريف. لم يوضح السيد بان كي مون ما هي حقوق الإنسان التي يراد الحفاظ عليها.. هل هي حرية إبداء الرأي مثلا؟!

من حق المواطن السوري الذي يعيش على أرض الواقع في حلب وأخواتها أن يشعر بأن الأمم المتحدة وأمينها العام وبعض منظمات حقوق الإنسان يعيشون في كوكب آخر. فلم يتحدث بان كي مون عن أولويات مثل حق الأمان وحق الحياة وحق الخبز وحق الكهرباء وحق الماء وحقوق أخرى يجب تأمينها للشعب السوري. وبالدرجة الأولى، وقبل الحديث عن محاسبة القاتل، يجب التفكير أولا بكيفية منعه من ارتكاب المزيد من أعمال القتل.

ليس من الواضح ما كان يقصده السيد "مون" عندما تحدث عن ضرورة ممارسة "ضغوط" من أجل تخفيف مستوى العنف. إذا كان القصد هو المزيد من الإدانات والمطالبات للأطراف المتصارعة في سورية بوقف العنف والامتناع عن انتهاك حقوق الإنسان فإن الأمين العام يعرف قبل غيره أن هذا النوع من "الضغوط" لا يجدي نفعا. المطلوب في هذه المرحلة هو الوقوف جديا وبكل الإمكانيات والنوايا الصادقة وراء مهمة المبعوث الأممي والعربي الجديد الأخضر الإبراهيمي وتوفير المناخ اللازم لنجاحه في مهمته التي تضع وقف نزيف الدم وتوفير الأمن للسوريين في أعلى سلم الأولويات.

لقد تفاءل البعض على الأقل عندما بدأ كوفي عنان مهمته لحل الأزمة السورية، لكن تعقيدات الوضع السوري الداخلي والخارجي منعا عنان من استكمال مهمته. وإذا لم تتخل الأطراف الداخلية والخارجية عن أجنداتها الخاصة المتعلقة بالشأن السوري فلن يكون الإبراهيمي أوفر حظا من سابقه.

من حق الشعب السوري أن يسمع العالم صوته الحقيقي، فالشعب في سورية يريد الحياة.

-*-*-*-*-*-*-*

مصر والأزمة السورية... حدود التحول

تاريخ النشر: الخميس 13 سبتمبر 2012

الاتحاد

تخلى الرئيس محمد مرسي عن الحذر الذي التزمت به سياسة مصر الخارجية تجاه الأزمة السورية منذ اندلاع الانتفاضة في مارس 2011. وتضمنت كلمته أمام الدورة الـ138 للمجلس الوزاري لجامعة الدول العربية الأسبوع الماضي، موقفاً هو الأكثر وضوحاً من جانب مصر تجاه الأزمة السورية حتى الآن. فقد أعلن أن "الشعب السوري اتخذ قراره بإنهاء نظام الحكم"، وتنبأ بأن "هذا النظام لن يدوم طويلاً". وطالب رئيسه بأن يتنحى. لكنه لم يوضح كيفية تحقيق ذلك، ولم يطرح رؤية واضحة للتغيير في سوريا أو للبديل الممكن. كما لم يفصح عن تصوره لماهية هذا البديل. فهل هو بديل عن النظام كله أم عن رأسه. فلا إجابة حاسمة عن هذا السؤال في خطاب مرسي الذي يحتمل أن يكون التغيير مركزاً في رأس النظام الذي يدعوه إلى التنحي، أو يشمل مجمل هذا النظام الذي يقول إن الشعب السوري اتخذ قراره بشأنه.

والفرق كبير، بل جوهري، بين تغيير في رأس النظام قد يُسترشد فيه بالتجربة اليمنية، وآخر يشمل النظام كله كما حدث في تونس وليبيا بطريقتين مختلفتين. لذلك يتطلب فهم ما يفكر فيه الرئيس المصري البحث عن تفسير لمراوحته بين حديث صريح عن إنهاء النظام وكلام يُبقي الباب مفتوحاً لتغيير في رأسه بالأساس من خلال تنحي بشار الأسد.

وثمة تفسيران محتملان لهذه المراوحة يعبران عن اتجاهين مختلفين ليس فقط في مقاربة الأزمة السورية، ولكن أيضاً بشأن حدود التحول المحتمل في سياسة مصر الإقليمية الجديدة التي لا تزال في طور التشكل.

ويبدو التفسير الأول أكثر انسجاماً مع الاتجاه العام لسياسة مصر الخارجية حتى الآن وما تنطوي عليه من حرص على توجيه رسائل تطمين إلى الجميع تقريباً، ما لم تكن هناك نية مبيتة لتغيير كبير فيها يبدأ في مرحلة لاحقة. فوفقاً لهذا التفسير، يمكن فهم حديث مرسي عن حل سياسي، وعن فرصة لا تزال قائمة لحقن الدماء، باعتباره مدخلاً إلى تحرك جدي انطلاقاً من مبادرته العامة التي دعا فيها إلى حوار بين مصر والسعودية وتركيا وإيران.

لكن هذه المبادرة هي نقطة الضعف الأساسية في ذلك التفسير لأن فرص نجاحها تبدو معدومة تقريباً. فلا يحتاج الأمر إلى خبرة سياسية عميقة لتوقع صعوبة تفاهم الأطراف الأربعة لهذه المبادرة على حل سياسي لأن أحدها(إيران) يرى أن ما يحدث في سوريا ليس سوى مؤامرة خارجية وإرهاب داخلي، وأنه لا توجد بالتالي أزمة تستدعي البحث عن مثل هذا الحل، وأن نظام الأسد أجرى إصلاحات كافية ينبغي على المعارضة أن تتجاوب معها عبر حوار وطني.

ولذلك يصعب الحديث عن تحرك جاد وعمل حقيقي بمشاركة إيران التي تعتبر أن شخص بشار الأسد، وليس فقط نظامه، يعتبر خطاً أحمر. ويعني ذلك أنه لا مجال لديها لأي حل حتى إذا اقتصر التغيير فيه على رأس النظام، أو أي تحرك حتى على نسق المبادرة الخليجية التي نجحت في معالجة الأزمة اليمنية. وهذا فضلاً عن أن المعارضة السورية ترفض حلاً من النوع الذي فتح الباب أمام انتقال السلطة من الرئيس اليمني إلى نائبه حتى إذا اختلف في كثير من تفاصيله وأدى إلى تغيير أوسع نطاقاً مما حدث في صنعاء وأكثر جذرية. كما أن بحار الدماء التي أريقت في سوريا أكثر وأعمق، لأن قمع الرئيس اليمني السابق للانتفاضة كان أقل قسوة بكثير.

وتبدو معضلة هذا التفسير إذن في الافتراض الذي يقوم عليه، وهو أن الرئيس المصري يراهن على حل سياسي صعب وربما مستحيل. لكنه تفسير لا يخلو من منطق إذا نظرنا إليه باعتباره محاولة لإعطاء انطباع بأن مصر لم تعد ساكنة أو محكومة بمبدأ "لا تحرك حجراً قد يقع على قدمك"، بغض النظر عن مردود أي تحرك يمكن أن تقوم به. وربما يعتقد أن موقفاً مصرياً قوياً يمكن أن يمثل ضغطاً إضافياً على النظام السوري قد يدفع بعض أركانه إلى التضحية برئيسهم كما فعل قادة الجيش المصري يوم 11 فبراير 2011.

وقد يراهن مرسى أيضاً على أن تحد إيران من غلواء موقفها أملاً في أن تفوز بجائزة إعادة العلاقات مع مصر، رغم إدراكه بأنه قد لا يستطيع منحها مثل هذه الجائزة في المدى القصير، لاعتبارات داخلية تتصل بعلاقة جماعته مع القوى السلفية، وليس فقط بسبب التوازنات الإقليمية والدولية التي يحرص عليها.

لكن لأن هذا التفسير لا يساعد كثيراً في فهم حدود التغيير في سياسة مصر تجاه الأزمة السورية انطلاقاً من التحول الذي حدث في خطاب رئيسها، فليس ممكناً استبعاد تفسير ثان مؤداه أن مرسي يعتقد بقدرة المعارضة المسلحة على إسقاط نظام الأسد اعتماداً على الزيادة الملموسة التي حدثت أخيراً في الدعم العسكري الذي تتلقاه من دول تساندها.

ويستند هذا التفسير الثاني أيضاً على التحول الكبير في موقف جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر باتجاه السماح لشبان ينتمون إليها بالسفر إلى سوريا للالتحاق بالمعارضة فيها. ورغم أن المعلومات الدقيقة عن سفر بعض شباب جماعة "الإخوان" إلى سوريا لا تزال محدودة، فهي تدل على تحول ملموس نحو مساندة مباشرة للمعارضة بوسائل غير عسكرية حتى الآن، مثل تقديم دعم في مجال الإعلام والتنظيم وبعض الأمور اللوجستية.

ولذلك تبدو مساندة "الإخوان" للمعارضة السورية حتى الآن مختلفة عما تقدمه بعض الحركات السلفية المصرية التي ذهب بعض شبابها لـ"الجهاد" بمعناه المسلح.

غير أن ثمة تحولاً واضحاً في معالجة جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر للأزمة السورية. ويفيد هذا التحول أنها تراهن على أن يكون للإسلاميين دور رئيس في النظام الجديد الذي سيحل محل نظام الأسد لكي يصل "الربيع الإسلامي" إلى المشرق العربي ويمثل محوراً ممتداً من الرباط إلى دمشق (باستثناء الجزائر) يؤسس لتغيير كبير في العلاقات الإقليمية. وربما يبدو في هذا التفسير شيء من المبالغة أو القفز على الواقع، لكنه يستمد أهميته من الضعف الماثل في سابقه الذي يقوم على سعي الرئيس المصري إلى حل سياسي.

والحال أننا أمام تفسيرين ربما يكون في استبعاد أولهما نوع من التعسف رغم ضعف الافتراض الذي يقوم عليه، وقد يكون في إغفال ثانيهما شيء من الاستهانة بطموحات "الإخوان المسلمين" وتنظيماتهم في المنطقة، رغم أنه يبدو بعيداً في اللحظة الراهنة.

-*-*-*-*-*-*-*

اتفاق ايران و"القاعدة" لإراحة الأسد وإزعاج السعودية!

سركيس نعوم

2012-09-13

النهار

أخصام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بل اعداؤها من عرب وأجانب لا يصدّقون انها تسعى وبكل جدية لإيجاد حل للأزمة السورية، وخصوصاً بعد تحوّلها حرباً مذهبية رغم رفض اطرافها كلهم وداعميهم الاعتراف بهذه الحقيقة رسمياً، ربما لأنها مخجلة للجميع. فَتقرُّبها من جماعة "الاخوان المسلمين" في لبنان وهي تناصر فريق 8 آذار في مواجهته فريق 14 آذار كان هدفه، كما ذكرنا في هذه الزاوية سابقاً، مد جسور مع "اخوان" سوريا المنتفضين على الحاكم العربي الوحيد المتحالف مع ايران اي الرئيس السوري بشار الاسد، وذلك بغية اقناعهم بمشروعها الاقليمي الذي تشكّل سوريا جزءاً أساسياً منه. وفي حال نجحت ايران في ذلك فإنها ستستعمل كل نفوذها داخل سوريا لإنهاء الأزمة، محاولة في البداية أن يكون بعض نظام الاسد جزءاً من التسوية. وإذا تعذّر ذلك فإنها تُسهِّل المرحلة الانتقالية الى سوريا الجديدة ولكن فقط بعد إتمام الصفقة. وتَقرُّب من "الاخوان" المصريين فرضه ايضاً تمسكها بمشروعها الاقليمي. فالمملكة العربية السعودية تقود تحالفاً واسعاً من الدول العربية ضده. وشعوب هذه الدول معها لأسباب معروفة. وغالبية المجتمع الدولي، باستثناء روسيا والصين، تدعمها في مهمتها السورية. وهي ما كانت لتمارس هذا الدور لولا غياب مصر المُزمِن عن ريادتها بل قيادتها الطبيعية للعرب من زمان، جراء وزنها الديموغرافي والعسكري وتضحياتها الجسيمة في مواجهة اسرائيل. والطريقة الوحيدة لازاحتها عن سدة الريادة هي إعادة مصر اليها، وذلك ممكن كون حاكمها الجديد "اخوانياً"، كما كون "اخوانه" الأكثر تنظيماً في مصر من زمان والأكثر تأثيراً حالياً. وما ترحيب ايران باقتراح الرئيس المصري "الاخواني" محمد مرسي قيام مجموعة من اربع دول اقليمية مهمة، هي مصر والسعودية وتركيا وايران، مهمتها البحث في وضع سوريا بغية حل أزمتها ووقف الحرب الاهلية فيها إلا الدليل الساطع على رغبتها في توظيف مصر لإنجاح مشروعها الاقليمي نفسه، انطلاقاً من "الإسلامية" المشتركة بينهما. علماً ان الفروقات والتناقضات بينهما كبيرة جداً. ولا أحد يعرف إذا كانت ازالتها ممكنة. طبعاً هناك إشارات اخرى تدل على النية المبيّتة عند ايران، في نظر اخصامها والاعداء، عن تقرّبها من مصر و"الاخوان المسلمين" عموماً. منها استقبالها الرئيس مرسي في قمة عدم الانحياز، وعدم اثارتها موضوع سوريا معه وفي القمة رغم موقفه السلبي من الاسد الذي أعلنه داخلها. وايعازها في الوقت نفسه الى المترجمين بإحلال البحرين بدلاً من سوريا في اثناء الترجمة الفورية لخطابه. وهذا يدل على خوف ايران من شارعها كما يدل على سوء نية. ومنها ايضاً محاولتها ادخال تعديل على تركيبة اللجنة الرباعية تضم حليفين لها اليها هما فنزويلا شافيز وعراق المالكي. والاولى لا علاقة لها بأزمة سوريا ولا دور جراء ضعف دورها الدولي رغم تمرد زعيمها على العالم. ولو كانت جدية في ترحيبها بمبادرة مرسي لكانت أصرت على ضم دول مجاورة عربية الى اللجنة باعتبار انها معنية بالموضوع ومنها العراق والاردن ولبنان. علماً ان المعلومات التي توافرت سابقاً عن هذا الامر اشارت الى ان الاضافة الايرانية لإعضاء الى لجنة مرسي كانت ستشمل دول الجوار العربية الثلاث المذكورة.

في اي حال لا يزال البحث في مبادرة مرسي في بداياته. لذلك لا بد من التريث في الحكم على تعاطي ايران معها، يقول اخصامها بل الاعداء. لكنهم يجزمون بأنها غير جدية انطلاقاً من معلومات موثوق بها وصلتهم تشير الى ان المسؤولين المعنيين في طهران اجروا اتفاقاً مع تنظيم "القاعدة" أو مع اجنحة لها، وعلاقاتهم به قديمة ومعروفة، قوامه امتناع اعضائها عن استهداف النظام السوري بتفجيرات انتحارية أو غير انتحارية، وذلك في مقابل تسهيل انتقالهم الى دول الخليج التي يعتبرها تنظيمهم العدو الاول له، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية. واتفاق كهذا يعني ان مواجهة ايران مع السعودية ومحورها الاقليمي وجناحها الدولي مستمرة. بل يعني انها لا تزال متمسكة بمشروعها وهو الحفاظ على "محورها" في قلب الأمة العربية المؤلف من سوريا آل الاسد والعراق ولبنان "حزب الله" وفلسطينيي "الجهاد"، بعدما خسرت "حماس" أو صارت قاب قوسين أو أدنى من خسارتها. وهو ايضاً التحوّل دولة نووية سلماً وسلاحاً. وهو اخيراً التحوّل دولة عظمى وحيدة في المنطقة... الى جانب اسرائيل طبعاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مصير دموي للإعلام في سورية

فايز سارة *

الخميس ١٣ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

قالت رابطة الصحافيين السوريين، وهي كيان نقابي مستقل، إن تسعة من الصحافيين والنشطاء في مجال الإعلام قتلوا في آب (أغسطس) الماضي في سورية، وهو تطور رفع عدد من قتل من الصحافيين والنشطاء الإعلاميين هناك في العام ونصف العام الماضيين إلى خمس وستين شخصاً، وهو رقم غير مسبوق حتى في ظل أزمات وكوارث حدثت في مختلف دول العالم. وتمثل الأرقام بعض مؤشرات ما أصاب الصحافيين والنشطاء الإعلاميين سواء منهم المحليين أو العرب والأجانب في هذا البلد، وقد أصيب بعضهم بجروح، فيما تعرض بعض آخر للاعتقال والتوقيف، وجرى طرد كثيرين منهم خارج البلاد بعد توقيفهم.

ويعكس ما حدث في جانب منه قسوة وضراوة ما حصل ويحصل في سورية من جهة، كما يعكس في جوانب أخرى، قسوة تعامل السلطات السورية مع المشتغلين في الإعلام، حيث أن ما يصيب الصحافيين والنشطاء الإعلاميين، يعكس طبيعة ما تقوم به السلطات السورية من عمليات حصار وقصف واقتحام لمدن وقرى، يسقط بسببها قتلى وجرحى، ثم يعقب ذلك القيام باعتقالات وتوقيفات، ثم عمليات تهجير، يأخذ بعضها مساره إلى مناطق سورية أخرى، فيما يتجه بعضها الآخر نحو الخارج عبر دول الجوار، وفي سياق هذه السلسلة، يقع الصحافيون والنشطاء الإعلاميون ضحايا ما تقوم به السلطات من ممارسات تنتمي إلى السياسة والممارسات الأمنية والعسكرية التي تتابعها منذ آذار (مارس) 2011 وتداعياتها.

لقد صاغت السلطات السورية سياستها في التعامل مع الإعلام والعاملين فيه على مبادئ الشك والحذر وصولاً إلى حد العداء، ومنع تسرب أو شيوع المعلومات، التي ينظر لها من زاوية أمنية، حتى وإن كانت تقع خارج هذا السياق، وفي ضوء تلك السياسة، كانت علاقة السلطات السورية متشنجة مع الإعلام والإعلاميين، وعجزت كل الجهود التي بذلت في العقد الماضي إلى جانب تطورات علوم الاتصال وتقنياته عن تغيير تلك العلاقة، بل إن الإعلام السوري الخاص الذي أقيم على أساس التحولات الإعلامية والتقنيات الجديدة، تحول بفعل السيطرة الرسمية الشديدة إلى تابع خاضع للنظام وأداة رخيصة له على نحو ما هي عليه قناة الدنيا مقارنة بما هي عليه المحطات الرسمية ومنها الفضائية السورية، والسبب الرئيس لذلك هو التحكم بالإعلام والإعلاميين وفق الضرورات السياسية للسلطة.

والجانب الثاني المكمل في سياسة السلطات هو الحد من دخول الإعلام والإعلاميين إلى سورية، ومنه ولدت حالة تقييد حضور وحركة الإعلاميين العرب والأجانب، ويتلقى الزوار منهم نصائح ترقى لمستوى التعليمات حول ما ينبغي الاشتغال عليه من موضوعات، والأشخاص الذين يمكن الاتصال بهم والتواصل معهم، ويتم تعيين مرافقين رسميين لهم، وغالباً ما يتم تقييم محصلة عملهم، ليتحدد في ما إذا كان سيتم السماح لهم بزيارات لاحقة للقيام بمهمات إعلامية جديدة.

لقد ساهمت تلك السياسة إلى جانب التطورات الميدانية في العديد من المحافظات ولا سيما المتاخمة لتركيا ولبنان إلى تسلل إعلاميين عرب وأجانب إلى مناطق وسط وشمال سورية لتغطية الأحداث، فيما كانت ظاهرة الإعلامي المواطن تتفشى في كل المدن والقرى، حيث ظهر إخباريون ومصورون ومحللون لم يكونوا في الإعلام سابقاً، مما ولد سيلاً لا ينقطع من الأخبار والمعلومات والتحليلات والصور والأفلام، وشكلت خرقاً فاضحاً لسياسة النظام الإعلامية وتعرية لممارساته، فجعل الإعلام والإعلاميين بين أهدافه، وقد سقط أغلبهم في مناطق المواجهات وفي خلالها، وتم إلقاء القبض على آخرين وإبعادهم، فيما جرى اعتقال بعضهم بمن في ذلك صحافيون أجانب.

لقد حولت تلك السياسة سورية إلى واحدة من أكثر البؤر سوءاً في تعاملها مع الإعلاميين ومن أكثر المناطق خطراً عليهم، وهو أمر شائع منذ زمن طويل، وقد زادت الأحداث السورية الراهنة ولا سيما مجريات الحل الأمني العسكري الذي تتابعه السلطات خطورة الوضع السوري في تأثيره الدموي على الإعلاميين سواء المحترفين أو النشطاء الإعلاميين الذين لم تمنعهم معرفتهم بالواقع السوري واحتمالات الخطر فيه من الانخراط في تغطية إعلامية غير محدودة لما تشهده مدن وقرى سورية كثيرة من أحداث تستحق أن يطلع العالم على محتوياتها ومجرياتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مرحلة صمود قاسية تبدأ في دمشق

الخميس ١٣ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

هي أصعب الأوقات في سورية الآن. مواجهات قتالية غير متكافئة، وشعب متروك لإرهاب السلطة. نظامٌ تهالكت هيبته وتهتّكت سيطرته وثقة أنصاره وحلفائه به. وزير إعلامه يقول إن «الجيش لا يستخدم القوة المفرطة»! وكأن أحداً لم يُعلِمه أن الطائرات تقصف والصواريخ تهطل على السوريين في بيوتهم، فهل هذه قوة ناعمة؟ وهل الإعدامات الميدانية واستهداف المخابز وحرمان حلب من المياه وتدمير العمارات فوق ساكنيها هي من قبيل ضبط النفس؟ لم يعد هناك أي «مسؤول» يفترض أنه «مدني» إلا وقد انتابه وباء «التشبيح». هذا «وزير» يريد أن يتحلّى الإعلاميون جميعاً بالرعونة الفظّة وانعدام الانسانية، كما روبرت فيسك و «قناة الدنيا» وفروعها اللبنانية، لينقلوا ترهات إعلامه الذي، كما قال، «لا يكذب ولا يخدع ولا يفبرك»، بدليل شفافيته الناصعة منذ اقتلاع أظافر الأطفال في درعا الى السيدة المحتضرة في مجزرة داريّا.

هي أحلك اللحظات في سورية الآن. قيل ويقال الكثير عن الدعم العسكري للمعارضة، لكنه في الواقع لا يزال متواضعاً، فالتضييق مستمر على التسليح، على رغم مراهنة «الأصدقاء» على اختراقات ميدانية تغيّر مسار الأزمة. يتداول المعارضون كثيراً من الاستياءات، بعضها من دولة «قبضت» ثمناً مضاعفاً لأسلحة تحجم عن تسليمها، ومن تقلبّات دولة اخرى تكاد تتسبب بإخفاق المقاتلين في حلب ودمشق. لم تتبدد يوماً مخاوف المعارضين، على اختلاف انتماءاتهم، من أن يُخذلوا بعد كل التضحيات التي بذلوها وبعد كل ما أنجزوه، لذا يبقى لديهم هاجس «أن يتركونا فريسة للنظام... اذا اتفقوا على تسوية في ما بينهم». صحيح أن المعارضين، ولا سيما العسكريين، ناقشوا طويلاً مع «الأصدقاء» الاميركيين وغيرهم كل ما يتعلق بالنيات والأهداف، وتوصلوا الى تفاهمات في شأن المطلوب قبل «مرحلة التحرير» واثناءها وبعدها، لكن الذي يده في الجمر ليس كمَن يتفرّج عن بُعد، ومَن يفقد يومياً مئات وعشرات من الأهل ليس كمَن يكتفي بعدّ الجثث. يبدو أن الثقة «المتبادلة» تتطلب مزيداً من الوقت، وبالطبع كثيراً من العمل. لذلك بقيت وتيرة المساعدة غير متناسبة مع سرعة الوعود وصلابتها الظاهرة.

مرحلة الصمود البادئة حالياً قاسية ومريرة، فُرز فيها الشعب بين مَن رحل ومَن يستعد، ومَن يفكّر في الرحيل أو يتمناه، ومَن لا يستطيع الرحيل ولا يعتزمه. هذه المرارة هي التي تدفع بسوريات وسوريين الى الاعتصام والإضراب عن الطعام في الخارج لعل ألمهم يستنهض ضميراً عالمياً لا ينفك يتماوَت. انهم من هذا الشعب الذي ثار ولم يعد يرضخ لما أو لمَن يستصغر آدميته. يستفزهم أن تصبح المجازر روتيناً، يشعرون بأن ثمة خطراً كابوسياً قادم، ويستقرئون في الآتي كلفةً دمويةً لا سقف لها. انهم لا يخشون على الثورة واستمرارها، فالشعب تجاوز الارتهاب من النظام وحتى من الموت، لكن سكوت العالم على المذبحة المتمادية هو ما يروّعهم.

كان «الأصدقاء»، قبل أن يصبح إسمهم «أصدقاء»، عجزوا عن تأمين أي حماية للمدنيين فساهموا مع النظام في القضاء على سلمية الثورة، كانوا ينهون عن عسكرتها تجنباً لـ «حرب أهلية» لم يملّوا التحذير منها، وكانوا يمانعون تسليحها والآن يراهنون على العسكريين لكنهم يتلكأون في تمكينهم على رغم أنهم يرحّبون بالانشقاقات بل يشجعون عليها. فهل إن التفسير الوحيد لتخبّط «الأصدقاء» وبلبلتهم أنهم ينتظرون جميعاً انقضاء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة لتصبح الوعود ممكنة التحقيق؟ وهل إن هذا الانتظار يسوّغ ترك النظام يواصل تدمير حلب من دون أن يحسم المعركة، وهل هو ما يفرض تقنين الدعم لـ «الجيش الحرّ» فيها ومنعه أيضاً من الحسم على رغم الفرص المتاحة له؟... لكن ماذا يعني كل ذلك طالما أن دول «الأصدقاء» لا تعتزم التدخل المباشر ولا حتى نصف المباشر في نهاية المطاف: لا بد من أنه يعني استمرار البحث سرّاً بين الاميركيين والروس عن صيغةٍ ما لـ «حل سياسي» ما. ألم يقل السيئ الذكر سيرغي لافروف إن الطرفين «متفقان على الأهداف» في سورية، وطالما أن الجانب الاميركي لم ينفِ هذا الاتفاق، فالأسوأ أنهما متفقان على عدم الإفصاح عن تلك الأهداف. ولا داعي للتكهن، فاتفاقات الكبار لم تشذّ تاريخياً عن طبيعتها، فهي عادةً مخيبة للآمال، ويندر أن تكترث بطموحات الشعوب.

من الواضح أن «الاتفاق على الأهداف» هذا لم يكتمل بعد بالاتفاق على آلية تنفيذها، وقبل ذلك بتلبية المطالب الروسية، وبالتفاهم على تقاسم المصالح والأدوار. وفي الانتظار، ستستمر التمثيلية السقيمة في مجلس الأمن. روسيا قالت إنها «ستدفع» هذا المجلس الى المصادقة على «اتفاق جنيف». لا تريد الاعتراف بأنه اتفاق طُوي مع مهمة كوفي انان. نسيت أن تعديلاتها عليه قتلته، وأنها دعت الى اجتماع لإحيائه ولم تلبَّ دعوتها، وأن محاولتها الجديدة ستُواجه بتعديلات مضادة سواء لجعله اتفاقاً ملزِماً خصوصاً للنظام ومتوعداً بعقوبات. لكن روسيا تواصل التحسّب، مثلها مثل النظام السوري، لمهمة الأخضر الإبراهيمي. هي تلعب ورقة «اتفاق جنيف»، وهو يلعب «وقف تمويل المعارضة وتسليحها» و «تطهير سورية من الجماعات الارهابية»، وفقاً لوزير خارجية النظام، وإيران تلعب التوتير الاقليمي. في المقابل، تلعب الدول الاخرى ورقتي «نقل السلطة» و «التنحي» كثمن حدٍ أدنى لافتتاح أي حوار والبدء بالمرحلة الانتقالية. وبديهي أن المزاج الشعبي والوضع على الأرض تخطّيا عملياً كل هذه الأوراق، وتواصل قسوة العنف تجذيرهما في الطموح الأكبر، وهو إسقاط النظام.

وإذ يوشك الابراهيمي على أن يستهلّ مهمته، ولا أحد يعرف عنها سوى أنها لن تتّبع منهجية انان التي اخترقها النظام السوري وما لبث الروس أن احتووها حتى أهلكوها... لكن استقراء تصريحاته يعكس قناعاته الأولية، وهي لافتة. ذاك أنه معني بـ «حل سياسي» سيحاول بلورته، ثم تفعيله بدعم «كامل» من مجلس الأمن، ومن دون «تدخل عسكري» لا بدّ من أن يعطّله. هذا العنوان الكبير مريح للنظام ولروسيا وإيران، وغير مقلق واقعياً للدول الاخرى، لكنه يشحذ شكوك المعارضة. أما كيفية التوصل الى صيغة لهذا الحل، فالإبراهيمي مدرك أن ثمة صحراء على جميع الأطراف اجتيازها معه. وإذا كان لنقطة انطلاقه أن تبدأ من دمشق، فإنها استُبقت مجدداً بأمرين يرفضهما النظام، أولهما مشاركة الجامعة العربية في انتداب الابراهيمي، والثاني اعادة تعيين الوزير الفلسطيني السابق ناصر القدوة نائباً له. الى ذلك، سجّل النظام مجموعة «رسائل» ذات مغزى أطلقها المبعوث الدولي - العربي كمقدمات لمهمته، ومنها: 1- هناك حاجة الى اطار سياسي جديد...، 2- الى وضع جديد في سورية، 3- التاريخ لا يعود الى الوراء، 4- دور الحكومة ومسؤوليتها أكبر في وقف العنف، 5- عملية سياسية تمكّن الشعب من تلبية طموحاته، 6- على الحكومة «أن تدرك» مدى المعاناة التي نزلت على شعب سورية، 7- وأن التغيير ضروري وعاجل، 8- لا بد من ارضاء الشعب السوري واستجابة تطلعاته المشروعة... وهكذا، ففي أقل التقديرات سيتعامل الابراهيمي بهذه المقاربة التي تقول للنظام انه اذا كان يريد حقاً الحل السياسي فعليه أن يقنع العالم بأنه مستعد لتحمّل المسؤولية، وأن يحدد كيف سيفعل ذلك وبأي ثمن. وعندئذ فقط يمكن التحدث الى المعارضة. أما اذا لم يكن لدى النظام ما يتنازل عنه، فليس له أن يتوقع تنازل الشعب عن الدم والتضحيات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نظام انتهازي لا هو ضمانة للمسيحيين ولا حتى للطائفة العلوية!

صالح القلاب

الشرق الاوسط

13-9-2012

ليست هي المرة الأولى، منذ أن نقل بندقيته من كتف إلى كتف آخر وتحالف مع النظام السوري وبالتالي مع إيران وحزب الله وأصبح «مقاوما وممانعا»!!، التي يطلق فيها الجنرال ميشال عون مثل هذا التصريح الذي أطلقه قبل أيام وحذّر فيه من أن إسقاط نظام بشار الأسد قد يقضي على لبنان وعلى المسيحيين فيه «لأن الأنظمة التي ستأتي يرجع تفكيرها إلى ما قبل القرن الرابع عشر»!! أي الى بداية إقامة الدولة الإسلامية وعهد الخلفاء الراشدين.

إن ميشال عون مثله مثل ميشال سماحة، دأب على إطلاق مثل هذه التصريحات التي استهدف فيها الأكثرية السنية في المنطقة العربية بعد أن اختار التحالف مع نظام بشار الأسد، الذي هو نظام طائفي وليس نظام الطائفة، ومع إيران وبالتالي مع حزب الله.

وحقيقة أن موقف ميشال عون مع المسلمين السنة سببه الأساسي أنه شعر، وهو لا يزال يشعر، أن هؤلاء كانوا في ثمانينات القرن الماضي قد حالوا بينه وبين الوصول إلى قصر بعبدا ورئاسة الجمهورية وأنه لولاهم لكان قد احتل هذا الموقع بعد انتهاء ولاية الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل وأنه كان بإمكانه أن يضمن التجديد لنفسه أكثر من مرة.

وهنا فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن النظام السوري، الذي يحتل رئيسه بشار الأسد موقع الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي وموقع الأمين القطري لهذا الحزب الذي من المفترض أنه حزب قومي وحزب علماني يرفض الطوائف والطائفية وبخاصة الطائفية السياسية، قد حقق نجاحا، ما لبث أن اعتراه الفتور بعد اتضاح الكثير من الحقائق، في إشعار مسيحيي سوريا بل وكل الأقليات الدينية والطائفية والإثنية أيضا مثل الدروز والعلويين والإسماعيليين وبعض الأكراد بأن وجودهم من وجوده وأن انهياره سيعرضهم لما تعرضت له الأقليات القبلية والمذهبية في رواندا وفي الكثير من الدول الأفريقية.

لا شك في أن هذه المناورة التي لجأ إليها نظام بشار الأسد قد حققت وبخاصة في البدايات نجاحا لا يمكن إنكاره أدى إلى استنكاف المسيحيين السوريين، الذين يقدر عددهم بنحو 750 ألفا، بأكثريتهم عن الالتحاق بثورة شعبهم وإلى تأخر الدروز، الذين يبلغ عددهم نحو ربع مليون نسمة معظمهم في منطقة السويداء في حوران وبعضهم في عدد من قرى هضبة الجولان السورية، عن المشاركة في هذه الثورة وذلك على الرغم من مناشدات الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بأن عليهم أن يبتعدوا عن هذا النظام الذي لا يهمه سوى الاستمرار في الحكم الذي كان بدأه في عام 1970 واستمر حتى الآن.

ولعل ما لا يمكن إنكاره ونحن بصدد الحديث عن هذه المسألة الهامة جدّا أن تصرفات بعض الذين حسبوا أنفسهم على الثورة السورية، وبخاصة المجموعات والتنظيمات الهامشية الصغيرة قد ساعدت النظام فيما أراده وسعى إليه من خلال إطلاق تصريحات التحريض الطائفي وتأليب الناس سوريين وغير سوريين أولا على الطائفة العلوية ثم على الأقليات الدينية الأخرى وبخاصة المسيحيين الذين ما كانوا شعروا في أي يوم من الأيام أنهم أقلية مستهدفة، إن في سوريا وإن في لبنان وأيضا إن في الأردن وفلسطين، وأنهم ليسوا شركاء أساسيين في هذه الأوطان التي هي أوطانهم وعلى قدم المساواة مع أشقائهم المسلمين.

وحقيقة أنه إذا كانت هناك مخاوف قد ساورت البطريرك الماروني بشارة الراعي تجاه احتمال أن تصبح بعض الأحزاب والتنظيمات والجماعات الإسلامية التي توصف بأنها متطرفة بديلا لنظام بشار الأسد ولبعض أنظمة دول المنطقة فإن هناك مخاوف أكثر من هذه المخاوف لدى شيخ الأزهر أحمد الطيب ولدى الكثير من كبار رجال الدين المسلمين سنة وشيعة وكذلك أيضا فإن مثل هذه المخاوف تصل إلى حد «الرعب» لدى كل الذين يتطلعون إلى أن يكون البديل - ليس في سوريا وحدها وإنما في كل دول المنطقة - أنظمة مدنية وديمقراطية وعلمانية وليبرالية.. وأن الدين لله والوطن للجميع وهذا هو الحال حتى في مصر التي انتقل فيها الحكم من حسني مبارك وحزبه إلى الإخوان المسلمين الذين تواجه مساعي ومحاولات بعضهم «أخونة» هذا البلد الذي من غير الممكن «أخونته» سياسيا بالرفض والمقاومة لأنه بلد تعددي ويرفض أهله الشمولية.

لا يمكن أن يكون بديل نظام بشار الأسد، الذي اخترع لعبة الطوائف ليس حرصا على المسيحيين ولا على العلويين ولا على غيرهم وإنما حماية لنفسه وتعزيزا لسيطرته، إلا نظاما تعدديا وديمقراطيا ومدنيا وأيضا علمانيا؛ فالشعب السوري بعد كل هذه المعاناة الطويلة، منذ بداية ستينات القرن الماضي وقبل ذلك، لا يمكن أن يقبل بنظام شمولي وبحكم حزب واحد ولا يمكن إلا أن يخرج من هذه الدائرة الشيطانية نهائيا لتكون دولته الجديدة دولة ديمقراطية ولكل أهلها وليكون الوصول فيها إلى سدة الحكم على أساس الكفاءة وليس على أساس الولاء العشائري ولا الانتماء المذهبي ولا الطائفية المقيتة.

وفي هذا المجال فإنه لا بد من التذكير بأن الإخوان المسلمين في سوريا كانوا قد أصدروا وثيقة في غاية الأهمية أكدوا فيها على أن حق المواطنة في دولة المستقبل وفي النظام البديل هو لكل مواطن وأن من حق المسيحي أن يكون رئيسا للجمهورية وكذلك المرأة وأن الاحتكام في كل شيء وبالنسبة إلى أي شيء سيكون صناديق الاقتراع وأن الشمولية مرفوضة وأنه لا عودة إطلاقا لتجربة الحزب الواحد والقائد الأوحد «مبعوث العناية الإلهية».

وهكذا وعودة إلى البداية، فإنه لا بد من إسماع ميشال عون ما كان سمعه كثيرا وهو أن ضمانة المسيحيين في هذا الشرق، الذي هو شرقهم كما هو شرق الآخرين وليس شرق السنة ولا الشيعة فقط، هو «التعايش» والابتعاد عن التقوقع وهو عدم التطلع لا إلى الغرب الكاثوليكي ولا إلى الشرق الأرثوذوكسي. فالدين لله والوطن للجميع سواء أكان هذا الوطن سوريا أم لبنان أم الأردن أم مصر أم فلسطين أم العراق. ثم أنه لا بد من تذكير هذا الرجل، الذي مثله مثل ميشال سماحة لم يجد ما يحتمي به إلا الالتحاق بما كان يعتبره عدوا لدودا ومحتلا لبلده، أن نصارى الشرق العربي كله كانوا وما زالوا حملة لواء الدعوة القومية العربية وأنهم كانوا وما زالوا ينظرون إلى الإسلام على أساس أنه بيئتهم الثقافية.

عندما جاء هذا النظام في منتصف سبعينات القرن الماضي بقمعه واستبداده إلى لبنان فإن أيّا من طوائف هذا البلد ومكوناته الاجتماعية لم تسلم من شره ومن تجاوزاته وقمعه؛ فمدافعه قصفت الأشرفية وجونية كما قصفت صيدا وعالية وبيروت الغربية، وكذلك فإن الاغتيالات التي نفذتها أجهزته استهدفت رينيه معوض وجبران تويني وسامي الجميل وبشير الجميِّل أيضا كما استهدفت الشيخ حسن خالد والشيخ صبحي الصالح ورفيق الحريري وكما استهدفت موسى شعيب وكمال جنبلاط ورياض طه، وكذلك فإن اعتقالاته قد شملت كل الملل والنِّحل من دون أي تمييز بين أي مذهب ومذهب آخر وبين أي طائفة وطائفة أخرى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الدلالات الثقافية العميقة لفضيحة الإعلام الإيراني

د. محمد عياش الكبيسي

2012-09-11

العرب القطرية

صدم العالم بالفضيحة الإعلامية للنظام الإيراني في قمة عدم الانحياز والتي انعقدت مؤخرا في طهران؛ حيث تم تزوير كلمة الرئيس المصري محمد مرسي بشكل فاقع لا يحتمل التأويل أو التبرير، فالثورة السورية على النظام الأسدي الظالم تحولت في الترجمة الفارسية إلى الثورة البحرينية! وتم حذف أو تحريف كل كلمة تمس النظام الأسدي، وهناك كلام عن حذف العبارة التي استهل بها مرسي كلمته «ورضي الله عن ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي»!.

النظام الإيراني لم يستطع أن يتلافى الكارثة إلا بإلقاء اللوم على الشخص المترجم؛ حيث التبست عليه بعض الكلمات أو العبارات!

وأيا ما كانت طريقة النظام في احتواء هذه الفضيحة فإنها قدمت دلالات وتصورات جديدة عن طبيعة هذا النظام وأسلوبه في التعبير عن ذاته وسياساته الداخلية والخارجية.

بديهيا إن المترجم لم يكن على علم بما سيقوله محمد مرسي أو غيره من المتحدثين، وبديهيا أيضا إن المترجم لا يمكن أن يتخذ قرارا آنيا على هذا المستوى من الخطورة، فلم يبق أمام الباحث المنصف والمحايد إلا أن يصل إلى نتيجة أن قرار التحريف قد اتخذ كاستراتيجية احتياطية لتلافي ما يمكن أن يقوله مرسي مما لا يرغب النظام بوصوله إلى الشعب الإيراني، خاصة أن مرسي هو أول رئيس مصري يزور طهران منذ عقدين أو أكثر وأنه بكل تأكيد يمتلك ثقافة ورؤية تختلف عن حسني مبارك وكل الرؤساء المصريين السابقين.

هذه الاستراتيجية الاحتياطية انطوت على دلالات خطيرة في السياسة الإيرانية بل وفي الثقافة العميقة للنظام الحاكم.

كان المشهد غريبا وربما متناقضا فكلمة المرشد الأعلى بعمامته ولحيته وعباراته الدينية والهالة التقديسية من حوله كل هذا يعطي انطباعا أن الأداء الإداري للقمة وخدمة الضيوف المشاركين سيكون بمستوى مختلف أو متميز عن القمم الأخرى التي تعقد في دول لا تتسم بهذا البعد الديني، لكن الذي حصل هو انتهاك لمنظومة القيم الدينية والعلائقية وحتى لأدبيات الضيافة والتواصل المجتمعي، وهذا في الحقيقة لا يمكن أن يكون زلة طارئة بل هو قرار سياسي منسجم مع أرضية ثقافية ما زال العالم يجهلها أو على الأقل لم يضعها في إطارها التشخيصي الموضوعي، ذلك أن التدين قد يكون دافعا لتحسين العلاقات الإنسانية ، وقد يمارس دورا معكوسا كما قال القرآن الكريم معللا السلوك المنحرف لنمط من التدين: {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} آل عمران-75؛ حيث تمتزج المعتقدات الغيبية بموروث شعبي متراكم يستبطن في داخله عُقَدا مستعصية من ثقافة الكراهية والثأر والانتقام، وهذا النوع من السلوك الديني يشكل خطرا على المجتمعات الإنسانية أكثر بكثير من نزعات الأنانية التي تدفع إلى سلوك سياسي براجماتي وهو ما يمثل اليوم العنوان الأبرز للتدافع السياسي على مستوى العلاقات الدولية وعلى مستوى العلاقات الحزبية الحزبية داخل الدولة الواحدة.

في السياسة البراجماتية يكون الدافع هو الاستئثار بمزيد من الثروات والمكاسب المادية والمعنوية، وهذه السياسة قد تنتج حراكا تنافسيا لتطوير المجتمعات وقد تنتج صراعا مؤذيا وذلك بحسب طبيعة المجتمع وثقافته والنظام السائد فيه، أما السياسة الدينية التي تستند إلى مقولات ثأرية وانتقامية فإنها لا يمكن أن تكون إلا أداة تدميرية ولجميع الأطراف، ومن يتابع حملات البوذيين في حرق أطفال المسلمين في بورما وتهديم منازلهم والتلذذ بشق بطون الحوامل يدرك أي صورة يمكن أن يصل إليها المجتمع البشري في ظل هذه الثقافات، وهؤلاء البوذيون المتعصبون على استعداد للتضحية حتى بمصالحهم في سبيل الوصول إلى شهوة السكر الثأري والانتقامي، وهذا ما يفسر المستوى المعيشي المتدني للبوذيين أنفسهم وسكوتهم أو قبولهم بهذا المستوى.

في التجربة العراقية مثال آخر، فالطائفة الشيعية اليوم مسكت بزمام الأمور في البلاد، وهي تتربع على منجم من الثروات المتنوعة لا مثيل له في العالم، ومع هذا يعيش الشيعة قبل غيرهم حالة من البؤس والشقاء تجعلهم في مصاف الشعوب الأكثر فقرا في العالم، شعب يعيش بلا كهرباء ولا خدمات صحية ولا بنية تحتية، شعب لا يدري أين تذهب ثرواته وكيف توزع، ومع كل هذا فإن المسيرات المليونية لا تسمع منها صوتا واحدا يطالب بمعالجة هذا الوضع المزري، فالملايين مشدودة إلى ثقافات تاريخية مشحونة بأدبيات الثأر والانتقام ولا مجال فيها للنزول أو الصعود إلى مستوى الاهتمامات الإنسانية العادية في الخدمات والوظائف ومتطلبات الحياة المعاصرة.

الشعب الإيراني الذي مارس الإعلام الرسمي بحقه كل هذا التزوير أو التضليل لم تظهر منه أية ردة فعل وكأن الأمر لا يعنيه ولا يتعلق به، ولو حصل هذا في المجتمعات الغربية لكان له تداعيات قد لا تقف عند حد التحقيق والمحاكمة.

هذه الصورة التي قدمها الشعب الإيراني عن نفسه لا يمكن تفسيرها إلا بنمط السلوك الديني المزدوج والذي يغذي نزعة الكراهية تجاه الآخر وبالقدر ذاته يغذي السلوك التبريري لقياداته الدينية في كل ما تقوله وتفعله. إيران لا تختلف عن العراق من حيث الموارد الاقتصادية الضخمة والمتنوعة، وقد كان من الممكن أن تكون الدولة الاقتصادية الأولى في المنطقة وأن ينعكس هذا في مستوى دخل الفرد والخدمات المقدمة له خاصة أنها دولة دينية تركز في أدبياتها على معاني العدل والنزاهة وتجعل نموذجها الأعلى في ذلك سيرة علي بن أبي طالب والذي عرف عنه شدة الورع في التعامل مع المال العام وتوزيعه، لكن صورة الخليفة الراشد أو «الإمام المعصوم» لا تستدعى لتأسيس نظرية عادلة في توزيع الثروات بقدر ما تستدعى للانتقاص من رموز الأمة والذين كانوا شركاء لعلي بن أبي طالب على الأقل في إيصال الإسلام إلى هذه البلاد، كما تستدعى سيرة الحسين وقصة استشهاده لترسيخ ثقافة الانتقام و «القصاص» من خصوم وهميين لم يحضروا واقعة الطف ولم يرضوا بها.

وإذا كانت الجزيرة قد تمكنت اليوم بفضل مهنيتها العالية وإمكاناتها المتطورة أن تكشف هذا التزوير الفاقع فمن الذي سيتمكن من كشف الروايات التزويرية التي انبثقت من هذه الثقافات المعقدة لتشويه صورة التاريخ الإسلامي وإنجازات الفاتحين الأوائل وبناة الحضارة المتميزة في هذا العالم؟

لقد كنت أسمع لواحد من الأساتذة الشيعة العراقيين وهو يتغنى بحضارة العراق وما قدمته بغداد من علم وأدب وفن، فقلت له: إنك اليوم تتحدث كعراقي وليس كشيعي، فقال: إنني شيعي وعراقي، قلت هذا غير ممكن، فالرواية الشيعية لتاريخ العراق من الفتح الإسلامي وحتى سقوط بغداد على يد الجيش الأميركي رواية سوداء لم تستثن واحدا من بناة التاريخ العراقي من عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص حتى المنصور وهارون الرشيد والمعتصم، فضلا عن «الحكم العارفي» و «الصدامي» ففي أي عهد سياسي بنيت هذه الحضارة؟

إن الرواية الشيعية التي وصلت إلى حد تسمية الفتوحات الإسلامية بالفتوحات الجنكيزخانية! لم تستثن يوما واحدا في هذا التاريخ ولا شبرا واحدا في تلك الجغرافيا، ولذلك نحن اليوم مدعوون بشكل جاد للتحقيق في كل ما كتبه الشيعة عن تاريخنا من يوم السقيفة وكربلاء إلى كلمة محمد مرسي ومحاكمة طارق الهاشمي.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خيارات الإبراهيمي في مهمته المعقدة

2012-09-16 12:00 AM

الوطن السعودية

بالتزامن مع وجود المندوب الدولي للأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي في سورية وقيامه بلقاءات مع شخصيات قيادية فيها يكثف النظام السوري حملته على المدن بدل أن يسعى إلى التهدئة لبيان حسن نيته في التعامل مع أزمة راح ضحيتها عشرات الألوف من المواطنين.

لم ينفع لقاء الإبراهيمي بالرئيس بشار الأسد أمس في وقف القتل، ولم تنفع في ذلك اتصالاته ولقاءاته قبلها مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم، والسفير الإيراني في سورية، وبعض أعضاء المعارضة الداخلية – غير المعترف بها شعبيا – مثل هيئة التنسيق الوطني والديمقراطي، ولم تتناقص سرعة عداد القتل بعد جلساته مع السفير الروسي والقائم بالأعمال الصيني في سورية، وطاقم الأمم المتحدة في سورية وموفد اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كل تلك الجلسات واللقاءات لا تهم الشعب السوري بقدر توقف القتل.

بالتزامن مع زيارة الإبراهيمي لدمشق ارتكب النظام السوري مجزرة في بصرى الشام، وقصف كثيرا من المدن مثل حمص وحلب وريف دمشق وإدلب وغيرها... فأي صيغة يحاور فيها الإبراهيمي نظاما كهذا؟! وبالتزامن مع زيارة الإبراهيمي أيضا وبرغم القصف لم تتوقف المظاهرات السلمية المطالبة برحيل النظام، مما يشير إلى أن الشعب حسم أمره، ولم يعد يخشى القتل مقابل الخلاص من نظام أدمن القمع والقتل طوال أربعة عقود. لذا يفترض بالإبراهيمي الذي تحدث عن صعوبة الوضع وتعقيده أن ينهي مهمته بأسرع وقت، فيعلن اليوم قبل الغد إمكانية نجاحها خلال أيام مع شرط سحب قوات النظام من المدن ووقف القتل، أو يعلن فشلها وعدم تجاوب النظام مع المطالب الشعبية والدولية.

الكثيرون رأوا أن قبول الإبراهيمي بالمهمة يعني منح النظام مهلة إضافية لقتل المزيد، وعلى الإبراهيمي أن يحسم الأمر بين الطرق التي أمامه والتي لا تخرج عن إعلان الفشل ووضع المجتمع الدولي أمام المسؤولية من جديد، أو إعلان قبول النظام بالتغيير ورحيل الأسد وتشكيل حكومة انتقالية تنقل سورية إلى نظام مختلف ثار شعبها من أجله. ولا نظن أن هناك خيارا ثالثا أمام الإبراهيمي سوى الخضوع زمنا لمراوغة النظام التي مارسها على البعثات العربية والدولية السابقة من قبل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية..الأزمة في سوريا تُراوح مكانها

الراية

16-9-2012

ما بين توصيف الموفد الدولي والعربي الخاص من أن "الأزمة في سوريا تتفاقم وتُشكّل خطرًا على الشعب السوري والمنطقة والعالم" ودعوة الرئيس السوري إلى "حوار يرتكز على رغبات السوريين" يبدو أن الأزمة السورية ستظل تُراوح مكانها بانتظار حلٍّ لا يأتي أبدًا بعد أن تعوّد العالم على مشهد الحرب المشتعلة في المدن والبلدات السورية ومشهد آلاف اللاجئين الذين يفرون بحياتهم إلى دول الجوار.

الإبراهيمي الذي التقى رئيس النظام السوري وسط استمرار المعارك وسقوط الضحايا في دمشق وحلب ودرعا وعدد آخر من المدن والبلدات السورية قال إنه لا يملك خطّة للحلّ بعد وإن كان سيعمل ارتكازًا على خطة عنان وإعلان جنيف.

ومن المعروف أن خطّة عنان ظلّت حبرًا على ورق لم يُطبّقها النظام فيما جرى الاختلاف حول مفهوم المرحلة الانتقالية في إعلان جنيف.

اللافت أن الموفد الدولي المشترك الذي يعترف بصعوبة المهمّة التي يقوم بها وشبه استحالتها لم يتطرّق في تصريحاته إلى ضرورة وقف العنف وإطلاق النار ولم يُطالب حتى بهدنة إنسانية تُمكّن المنظمات الدولية الإنسانية من الوصول إلى المواطنين السوريين المنكوبين وتقديم المساعدات الغذائية والطبية لهم خاصة بعد ارتفاع أعداد النازحين منهم إلى أرقام تُلامس ثلاثة ملايين نازح ولاجئ داخل سوريا وخارجها.

الرئيس السوري اعتبر حسب تصريحات بثّها التلفزيون الرسمي أن المشكلة الحقيقية في سوريا هي الخلط بين المحور السياسي وما يحصل على الأرض.

وهي تصريحات يُفهم منها أن النظام أبلغ الموفد الدولي والعربي - كما يبدو - أنه لن يتوقف عن استخدام الخيار العسكري ضدّ الشعب وأن قواته ستُواصل قصف المدن والبلدات السورية لإخماد الثورة الشعبية وللقضاء على ما يصفه بـ "العصابات المسلحة".

ما يعني أن النظام قد قرّر وضع العصي في دواليب أية مبادرة جديدة يُمكن أن يُطلقها الإبراهيمي لأن أية مبادرة تدعو جميع الأطراف للحوار وتغفل شرط وقف العنف وقتل المدنيين السورين لن يُكتب لها النجاح وستموت بمجرّد الإعلان عنها.

فرصة الإبراهيمي في النجاح في مهمّته ضئيلة للغاية إن لم تكن منعدمة تمامًا والاختراق الذي يُمكن أن يُحقّقه يكمن في التأثير على حلفاء النظام السوري "روسيا والصين وإيران" للضغط على النظام وإقناعه بوقف العنف والقتل والقبول بمطالب الشعب السوري بالحرّية والتغيير.

الإبراهيمي كما صرّح في دمشق سيتواصل مع الدول ذات الاهتمامات والتأثير في الملف السوري، ومع أعضاء مجموعة الاتصال الرباعية.

لكن الأهم من هذا التواصل وهو مهم بلا شك إقناع النظام في سوريا بالكف عن استخدام السلاح في مواجهة شعبه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

زين الشامي / «القاعدة» تتقدم في سورية ... إنه خطأ أوباما

الرأي العام

16-9-2012

منذ أيام تحدث الجراح الفرنسي «جاك بيريه» عن بعض مشاهداته في مدينة حلب التي زارها وساعد العشرات من عناصر الجيش السوري الحر ومقاتلي المعارضة المسلحة هناك الذين تعرضوا لإصابات دامية خلال قتالهم مع قوات نظام الرئيس بشار الاسد. هذا الجراح الفرنسي كان قد زار مدينة حمص ومحافظة ادلب قبل أشهر وقدم خدمات طبية للمقاتلين هناك وللأهالي أيضا ممن تعرضوا لاصابات بقذائف ورصاص قوات الجيش السوري النظامي. وبعد زيارته لحمص وادلب عمل «جاك بيريه» على تكذيب تلك الروايات التي تتحدث عن وجود مقاتلين اجانب بين المعارضة السورية المسلحة، كانت مشاهداته صادقة ففي ذلك الوقت حاول النظام تخويف الرأي العام العالمي عبر تصوير ما يجري في سورية مجرد حرب يشنها النظام ضد تنظيمات إرهابية وعناصر القاعدة التي عرفت طريقها الى سورية، لكن شهادة الجراح الفرنسي بددت مساعي اعلام النظام وبعض القوى الإقليمية والدولية الحليفة له لتشويه الثورة السورية.

على هذه الخلفية وبناء على موضوعية وحيادية رجل مثل «جاك بيريه» يجب علينا ان نقرأ جيدا ما قاله أخيرا عن انطباعاته وما رآه في حلب. علينا ان نأخذ ذلك بكل جدية لَأن تجاهله سيضر كثيرا بمسار وسمعة الثورة السورية. لكن ماذا قال هذا الجراح الفرنسي الذي يعتبر احد المؤسسين لمنظمة اطباء بلا حدود بعد زيارة حلب؟ لقد قال حرفيا إن مقاتلين اسلاميين يسعون لتحويل سورية الى دولة دينية وهم يتزايدون في صفوف المعارضة المسلحة التي تقاتل لاسقاط الرئيس بشار الأسد ويعتقدون انهم يخوضون حربا مقدسة، مشيرا الى ان نحو 60 في المئة ممن عالجهم هذه المرة كانوا من مقاتلي المعارضة وان نصفهم على الأقل ليسوا سوريين؟؟ واستغرب «بيريه» حين سمع بعضهم يقول انه ليس مهتما بسقوط بشار الأسد بل «بكيفية الاستيلاء على السلطة بعد ذلك وإقامة دولة اسلامية تطبق الشريعة لتصبح جزءا من الإمارة العالمية.»

ان هذه المشاهدات تعكس واقعا جديدا على الارض على الجميع خصوصا في المعارضة السورية والجيش الحر الانتباه اليه جيدا، لأن مخاطره لا تتعلق فقط بسمعة الثورة السورية بل بمآلها ومستقبل سورية والمنطقة عموما.

لكن من ناحية ثانية يجب ان نعلم ان الثورة السورية لم تكن كذلك أبدا ولم تدخلها عناصر متطرفة وخارجية بحجة الجهاد الا في الأشهر الاخيرة بعد مرور وقت طويل على صمت العالم وعجز المجتمع الدولي والقوى الكبرى في مجلس الأمن عن اتخاذ اي مبادرة عملية لوقف القتل والمذابح التي ترتكب بحق الشعب السوري، وبعد اليأس من امكانية الحصول على مساعدة خارجية وبعد شعور الكثير من السوريين ان الولايات المتحدة وحلف الناتو والجامعة العربية قد تركوهم يواجهون مصيرهم لوحدهم. ان الشعارات التي رفعها السوريون في تظاهراتهم ايام الجمع والتي قالوا فيها «يا الله ما لنا غيرك يا الله» تعبر عن تخلي العالم عن السوريين في محنتهم الانسانية ومعركتهم من اجل الحرية.

الشعب السوري خسر عشرات الآلاف من القتلى ومئات الآلاف من اللاجئين وهو، من دون شك، الخاسر الأكبر في كل ما يحدث الآن، وان هذا الشعب من الطبيعي بعد كل هذه الخسائر ألا يقول لا او يرفض اي شكل من اشكال المساعدة حتى لو اتت من عناصر واشخاص معرفين بتطرفهم العقائدي او كان لهم تجارب مع تنظيم القاعدة. ان ذلك ليس خطأ السوريين بل خطأ الولايات المتحدة والقوى الكبرى التي لم تكترث كثيرا لحجم القتل وحجم المأساة الانسانية في سورية.

ان الولايات المتحدة على المدى الاستراتيجي تخسر كثيرا جراء مبدأ ونهج «القيادة من الخلف» الذي تتبعه في التعامل مع الحالة السورية، ان هذا النهج كلفته عشرات الآلاف من الضحايا وربما حربا طائفية داخلية. فوق ذلك سوف لن ينسى السوريون ان الولايات المتحدة شجعتهم على الذهاب بعيدا في ثورتهم ضد الديكتاتورية لكنها تركتهم وحيدين حين انهالت عليهم وعلى مدنهم قذائف النظام وحين ارتكبت بحقهم المجازر الوحشية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حرب الإبادة السورية والصمت الشعبي العربي

د. حسناء عبدالعزيز الـقـنـيـعـيـر

الرياض

16-9-2012

في إحدى نشرات الأخبار في قناة سي إن إن يستعيد المذيع ذكرى المجازر البوسنية، فيسأل المراسلة : هل يمكن مقارنة حرب البوسنة بحرب سورية؟ وهل التاريخ يعيد نفسه؟

إنه من المخجل حقاً هذا الصمت العربي الشعبي المريب إزاء الجرائم التي ترتكبها عصابات النظام السوري بمعاونة كتائب حزب الشيطان اللبناني التي يدعمها الحرس الثوري الإيراني، فقد تكالبت قوى الشرّ مع المجوسية الحاقدة على الشعب العربي السوري المسلم، وها هي الآن تمارس أبشع صور القتل والترويع

فأجابت : " كانت حربا بربرية ؛ قتل وحصار وتجويع، أوروبا رفضت التدخل قائلة إنها حرب أهلية، لكن ما يحدث في سورية شيء لا يتصوره عقل، إنها حرب إبادة لشعب أعزل بأيدي النظام وأعوانه".

نعم إنها حرب إبادة، فبعد عشرين عاماً ها نحن نشهد بوسنة أخرى في قلب العالم العربي، كنا نلوم الغرب على ذبح شعب مسلم في قلب أوروبا، فماذا نقول وشعب عربي يشن عليه نظامه حرب إبادة؟! كانت صحيفة بريطانية قد وصفت إبادة المسلمين في البوسنة بهذه العبارة : حرب في القرن العشرين تُشن بأسلوب القرون الوسطى ! فماذا عساها أن تصف اليوم ما يفعله النظام السوري في سورية؟

لقد أصبح الجيش النظامي يتصرف مع الشعب السوري وكأنه جيش احتلال ينهج سياسة الأرض المحروقة، إنها مواجهة قتالية غير متكافئة، فالطائرات تقصف، والصواريخ تسقط على البيوت، والإعدامات تجري في الشوارع والميادين، القتل مستمر بمعدل مائتي قتيل في اليوم، هذا فضلا عن الخراب، والتهجير، والتخويف بالحرب الطائفية التي يزعم النظام أنّ المتطرفين السنة هم من يقودها، وكأنه وإيران المجوسية حمائم سلام، وبينما يواجه السوريون دبابات النظام بصدورهم وصرخاتهم، فإن أعينهم ترنو إلى المجتمع الشعبي العربي - بعد أن تواطأ المجتمع الدولي عليه - لمساعدتهم في مواجهة واحدة من أقسى المجازر العنيفة في التاريخ، خاصة أن نظام دمشق، قد بدأ تصعيداً خطيراً لعملياته القمعية، وحوّل المدن السورية الحرة إلى أرض محروقة ومدن أشباح، عندما شعر أن الصمت الدولي والعربي لاسيما الشعبي بمثابة ضوء أخضرله ليعيث قتلاً وعنفاً في سورية.

صرح الأمين العام للجامعة العربية بعد اجتماعه إلى الأخضر الإبراهيمي بأن الدول العربية عاجزة عن التدخل لفضّ النزاع في سورية! ونتساءل: كيف تستطيع روسيا التدخل دعمًا لنظام الأسد بالسلاح، وعرقلة للجهود الدولية ؟ بل كيف تتدخل إيران عسكرياً بالسلاح والمعدات والمقاتلين من الحرس الثوري ومن جيش العراق ومقاتلي حزب الله بما يفوق العشرين ألف مقاتل؟ في الوقت الذي لا تستطيع فيه الدول العربية إقامة مناطق آمنة يحتمي فيها الهاربون من جحيم بشار الأسد؟من الذي أعطى إيران حق التدخل في حين تعجز الدول العربية عن فعل الشيء نفسه، والذي يربطها بالشعب السوري أكثر مما يربط إيران المجوسية بنظام بشار، حيث المصالح ليس غير !

إنّ الإرهاب والعنف هما سلاح الضعيف سواء مورس من قبل جماعات مسلحة أو من قبل أنظمة ودول، فالذي يفجر حافلة مثلا أو طائرة أو يطلق النارعلى المواطنين العزل أو يقتل معارضا أو يسجنه، في الحقيقه يفتقر إلى القوة السياسية اللازمة التي تجعله مؤهلاً ليمارس اللعبة السياسية حسب قواعدها، كما أن ممارسة العنف السياسي على شكل تدمير وإبادة، هو نوع من التعويض اليائس عن فقدان الشرعية، والأهلية للحكم، لذا فإن ما يفعله النظام السوري في سورية ليس إلا تعبيرًا عن الشعور باليأس من عدم القدرة على اجتراح حلول تخرجه من عنق الزجاجة، وإحساساً مريرًا بأن الأمور لن تعود إلى الوراء، لذا فإنه بعد كل هذا الدمار ليس أمام المجتمع الشعبي العربي أي عذر سوى أن يهب لنجدة السوريين الذين يواجهون حرب إبادة حقيقية ومنهجية تمتلئ شبكة الإنترنت بمآسيها اليومية، وإن لم يفعلوا فإن سورية ستتعرض لمذبحة تاريخية جماعية أشد قسوة وبشاعة من مذبحة حماة التي قام بها النظام نفسه عام 1982، خاصة وأن النظام يبدو أنه قد فقد صوابه، وصعّد عملياته الوحشية في تحدٍ سافر للمجتمعين العربي والدولي، ورسالة لهما بأنه لا يبالي ومستعد لارتكاب الأسوأ بالنظر إلى الدعم الإيراني والروسي.

ومن المثير للسخرية أنّ إيران القاتلة للشعب السوري، يأتي بها الرئيس المصري لتشارك في حل الأزمة السورية ووقف نزيف الدم، وهي دوما كانت جزءا لا يتجزأ من المشكلة، بل العامل الأكبر في تفاقمها، فلولا تزويدها نظام بشار بالمال والسلاح والمقاتلين فربما لم يستطع الصمود حتى الآن، والواقع أنّ الحكام المجوس الذين يسيطرون على إرادة ثلاث عواصم عربية هي: بغداد، وبيروت، ودمشق، إنما باتوا يديرون بأنفسهم آلة القتل في سورية، ليمنعوا إفلات دمشق من منظومة الحلف المجوسي، وهو ما يعني انفراط عقد الاحتلال السياسي لهذه العواصم المشرقية، وهروب ورقة فلسطين، وانكفاء إيران بالتالي إلى جغرافيتها، وخروجها بصورة نهائية من قواعدها المطلة على المتوسط !

يتساءل بعض المراقبين للوضع السوري، هل ترقى الانتهاكات التي يرتكبها النظام السوري تجاه شعبه منذ اندلاع الثورة السورية في 15 مارس 2011، إلى جريمة إبادة ؟ حيث هي أخطر جريمة في القانون الدولي على الإطلاق، وهي من الأسباب الرئيسة التي لأجلها وجدت المحكمة الجنائية الدولية. ونظرًا لفداحة هذه الجريمة وخطورتها، أعطت المادة السادسة من نظام روما الأساسي، المحكمة الجنائية الدولية الولاية القضائية في النظر في جرائم الإبادة الجماعية .

وكانت تونس قد طالبت بإحالة الرئيس السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، لأنّ جيشه يتصرف كجيش احتلال داخلي، وقال الناطق باسم رئاسة الجمهورية في بيان إنّ تونس " تدعو إلى إحالة ملف الرئيس السوري غير الشرعي بشار الأسد وكل من تورط في المجازر إلى المحكمة الجنائية الدولية الآن ". وطالبت " بتكثيف الجهود لوضع حد لسياسة الأرض المحروقة التي يعتمدها النظام السوري ".

وبعد أن وضحت نوايا النظام السوري، وبعد أن فشل المراقبون في وقف القتل وتهديم المدن وتحويل سورية إلى ميدان معركة حربية، فإنّ على المجتمع الشعبي العربي أن يتحمل مسؤولياته تجاه مدنيين عزل يواجهون ميليشيات مدربة على القتل والكره، ولا تبالي أن تنشَر أعمالها الإجرامية في الشبكة الدولية لترويع السوريين وإرهابهم، بالأعمال الوحشية التي لا يقرها أي حس إنساني، فكيف بنظام يدعي القومية وهو يتحالف مع قوى لا همّ لها إلا عداوة كلّ ما هو عربي، وشنّ حروب طائفية على الأمة، نظام يدعي الإخلاص للوطنية وهو يشن على مواطنيه حرباً لم يشهدوا وحشيتها قط في العصر الحديث، ولم تجرؤ إسرائيل نفسها على ارتكاب مثل هذه المذابح وعمليات الإبادة الجماعية.

إنه من المخجل حقاً هذا الصمت العربي الشعبي المريب إزاء الجرائم التي ترتكبها عصابات النظام السوري بمعاونة كتائب حزب الشيطان اللبناني التي يدعمها الحرس الثوري الإيراني، فقد تكالبت قوى الشرّ مع المجوسية الحاقدة على الشعب العربي السوري المسلم، وها هي الآن تمارس أبشع صور القتل والترويع، فأين المظاهرات التي عمت الوطن العربي إبان حرب إسرائيل على غزة، وهي حرب لا تقاس لا مدة ولا دمارًا ولا ضحايا بما يفعله النظام في سورية منذ ما يزيد على العام والنصف ؟ الذي استحلَّ فيها كل جريمة، وعمل فيها بوحشية أعظم مما فعل اليهود في فلسطين.

ونظرًا لتصاعد وتيرة الرغبة في القتل والتدمير، لم يعد النظام يفرق بين المحاربين وغيرهم من باقي المواطنين، حيث يشير تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان إلى أن الطائرات والمدفعية السورية قتلت عشرات السوريين بعد استهداف عشرة مخابز على الأقل في حلب خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل انعدام الأمن الغذائي في سورية بشكل عام لدرجة أن نحو ثلاثة ملايين شخص يحتاجون إلى المساعدات الغذائية، أما الوضع الإنساني فيزداد تدهورًامع اقتراب فصل الشتاء..

يقول منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية إنّ " الشتاء قد يكون قاسياً جدًا في سورية، ومع وجود أزمة في الوقود وعدم وجود صرف صحي، أو شبكات مياه وتدفئة، قد يصبح الشتاء بمثابة مأساة لكثير من السوريين".

ومع تدهور الأوضاع وزيادة العنف في سورية سيكون من الصعب بشكل كبير على النازحين المدنيين إيجاد السكن المناسب، فهناك الكثير من القرى الخالية أو المدمرة، كما أصبحت الأماكن محدودة في المباني العامة، وأصبح لدى المجتمعات المضيفة قدرة أقل على استيعاب الضيوف. هذه الأوضاع المزرية يقف منها المجتمع الشعبي العربي موقف المتفرج، بل موقف غير المبالي، نظرًا لأنّ من يفعل ذلك في الشعب السوري ليست إسرائيل أو أمريكا أو إحدى دول الغرب، ولو كان ذلك لرأينا المظاهرات تعم الشارع العربي من شرقه إلى غربه بلا توقف!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موسكو مدركة لضعف النظام السوري لكنها لا تملك حلاً

محاولة روسية... هل يغادر الأسد؟

تاريخ النشر: الأحد 16 سبتمبر 2012

الاتحاد

تقول روسيا إن الوقت قد حان من أجل القيام بجهد دبلوماسي آخر لتحقيق السلام في سوريا، ربما يأخذ شكل مؤتمر متعدد الأطراف في موسكو، لأن الثوار السوريين باتوا غير قادرين على حسم المعركة عسكرياً لصالحهم، ولأن الرئيس السوري بشار الأسد قد أكد لموسكو أنه على استعداد للتنحي إذا ما تم التصويت على ذلك.

وحول هذه النقطة قال نائب وزير الخارجية السوفييتي "ميخائيل بوجدانوف" في حديث لصحيفة "لو فيجارو" الفرنسية، عقب الاجتماع الذي عقده مع قادة المعارضة السورية في باريس، إن "بشار الأسد أكد بجلاء أنه إذا لم يكن الشعب السوري يريده، وإذا ما انتخب رئيساً آخر في انتخابات رئاسية، فإنه سوف يرحل". وأضاف بوجدانوف: "لم نقل أبداً في أي وقت إن إبقاء الأسد في السلطة يمثل شرطاً مسبقاً لأي مفاوضات... ولكننا نقول أيضاً إنه ليس من شأن الروس أو الفرنسيين أن يقرروا مصير الرئيس السوري".

وقال بوجدانوف أيضاً إن الوقت قد حان لمراجعة الاتفاق الذي تم التوصل إليه في يونيو من قبل الدول الكبرى في جنيف، والذي كان يتضمن تشكيل حكومة انتقالية مكونة من شخصيات رئيسية في النظام والمعارضة، وكتابة دستور جديد، والإعداد للانتخابات التي ستضع الأساس لتولي قيادة جديدة في البلاد.

وإلى ذلك يضيف "فيدور لوكاينوف"، رئيس تحرير مجلة "راشا إن جلوبال آفيرز"، وهي مجلة روسية رئيسية مهتمة بالشؤون الخارجية، قائلاً إن "هناك شعوراً يسود الآن في موسكو بأن روسيا تستعيد في الوقت الراهن أرضاً في المجال الدبلوماسي".

لم يوضح لوكاينوف قائلاً: "منذ بدايات الصيف، وبعد أن استقال كوفي عنان من مهمته، قال الجميع إن الدبلوماسية قد استنفذت أغراضها، وإن روسيا سوف تضطر من ذلك الحين فصاعداً إلى تبني نهج يقوم على الظهور الخافت.

لكن ما نراه الآن هو أن روسيا تقوم بتجديد نشاطها، وأن تطورات الأحداث تثبت بأن المعارضة السورية غير قادرة على تحقيق النصر، وأنه على الرغم من الضعف الذي حلّ بالأسد إلا أن نظامه ما زال قوياً وقادراً... وهو ما يتيح الفرصة لموسكو كي تعود مجدداً، والنظر في إمكانية التوصل لتسوية سلمية".

ويشار إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد حاول أثناء قمة آسيا والباسيفيكي للتعاون الاقتصادي إقناع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بإعادة النظر في اتفاق جنيف، وعلى ما يبدو فإنها قد رفضت محاولته.

وقد قالت كلينتون في تصريح للصحفيين على هامش القمة المشار إليها: "يجب علينا أن نكون واقعيين. فنحن لم نكن متفقين مع الروس في النظر لما يجري في سوريا... وهذا الوضع قد يستمر... وإذا ما استمر فسوف نجد أنفسنا مضطرين للعمل مع الدول التي تتفق معنا في الموقف والرؤية من أجل دعم المعارضة السورية للتعجيل بسقوط نظام الأسد".

ويشار إلى أن موسكو تتبنى موقفاً رسمياً تجاه الأزمة في سوريا يقوم على أن نظام الأسد قوي بدرجة لا يمكن معها إسقاطه، كما يتبين من النجاحات الأخيرة التي حققها الجيش السوري النظامي، حسب ما يوضح بعض الخبراء.

ويقول هؤلاء الخبراء أيضاً إنه على الرغم من كافة التصريحات الرسمية عن مساعدة الثوار، إلا أنه لا توجد هناك شهية للقيام بتدخل في سوريا مماثلـة لتدخل "الناتـو" في الأزمة الليبية، علاوة على أن هنـاك إدراكا متزايدا لدى الجمهور في الغرب لحقيقة وجود مقاتلين جهاديين وقوات لها ارتباط بـ"القاعدة" ضمن قوات المعارضة السورية.

وقال "بوجدانوف"، نائب وزير الخارجية الروسي في الحوار الذي أجرته مع "لو فيجارو"، إن روسيا مستعدة للتقدم في أي لحظة وتنظيم مؤتمر شامل يضم كافة الأطراف المعنية لوضع الدبلوماسية مرة أخرى على المسار، سواء تم عقد هذا المؤتمر في موسكو أو في أي مدينة أخرى".

وقال بوجدانوف إن الوقت "ينفد"، وإن البديل للحل الدبلوماسي هو اندلاع فوضى شاملة. ومع ذلك فإن التفاؤل ليس عميقاً في موسكو، فالجدل الدائر حول تطورات الأزمة في سوريا في الوقت الراهن يشبه إلى حد كبير الحوار العام الذي يدور منذ العام الماضي حول تلك الأزمة، أي حول المواقف المتغيرة في لعبة اللوم بين الشرق والغرب، وكذلك حول الوضع المتدهور في سوريا، كما يقول المحللون،

ومنهم "بيوتر رومانوف"، الخبير في وكالة "آر. آي. آيه- نوفوستي" الروسية الرسمية للأنباء، والذي كتب يقول: "إن موسكـو تدرك أن نظام الأسد سوف يطاح به في نهايـة المطـاف، وأن المسألـة مسألـة وقت، لكنها لا تعرف ما الذي تفعله حيال ذلك".

وأضاف رومانوف: "هناك وضع في لعبة الشطرنج يطلق عليه (زاجزوانج)، تؤدي فيه كل نقلة، بصرف النظر عن نوعيتها، لتدهور الوضع وجعله أكثر سوءاً.

وبالتالي فإنه حتى إذا ما رحل الأسد فسوف تبقى هناك عقدة كبيرة مكونة من عدد من الخيوط الممثلة لمصالح مختلفة ومتضاربة... بمعنى أن الوضع سوف يكون معقداً على نحو لا يتيح إمكانية التوصل لحل أو مخرج صائب وبلا أثمان باهظة، بل ويجعل الجميع حائرين لا يعرفون ما الذي يتعين عليهم عمله".

فريد وير

«كريستيان ساينس مونيتور»

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بابا روما ومرشد إيران

احمد عياش

2012-09-16

النهار

إطلالة البابا بينيديكتوس السادس عشر على لبنان ومنه على الشرق الاوسط حدث استثنائي في هذه المرحلة من تاريخ المنطقة. ليس تفصيلاً صغيراً أن تكون زيارته من أجل شد عزيمة مسيحيي الشرق على البقاء في أوطانهم بعد الأعاصير التي هبت ولا تزال على المنطقة منذ سقوط الامبراطورية العثمانية واعادة رسم جغرافيا المنطقة وفرض دولة اسرائيل وانطلاق زمن الربيع العربي. من المهم جداً، وهذا ما يمكن فهمه في لبنان، ان لا يختزل الغرب، والبابا آتٍ منه، المنطقة بالنفط واسرائيل. وحسناً فعل البابا بدخول الشرق من بوابته الحقيقية وليس من البوابة التي اقامها الغرب على امتداد أكثر من قرن. وهنا تكمن أهمية ما قاله البابا في الربيع العربي وحوار الاديان بما يشكل تبريداً للرؤوس الحامية عند غلاة الاقليات الذين انتهى أمرهم في احضان الديكتاتور السوري والمرشد الايراني وكلاهما ينتمي الى زمن الطغاة الذين كانوا خير ممثل لمصالح الغرب في النفط واسرائيل. منذ أيام، سمع زائر لبناني لطهران من مرشد ايران الامام علي خامنئي دفاعاً لا هوادة فيه عن نظام بشار الاسد. ولم يتح لهذا الزائر أن يشرح لحاكم ايران ان رياح الفتنة الشيعية – السنية التي تهب على المنطقة تهدد لبنان ايضاً. وانتهى اللقاء بدعوة خامنئي ضيفه الى الاستعداد للمشاركة بهمة في مؤتمر تعد له طهران من أجل مؤازرة الأسد تحت عنوان مموّه. وما أشبه اليوم بالبارحة. فيروي صديق وقائع حوار دار بعد اعوام من الاطاحة بشاه ايران بين رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين وبين هاشمي رفسنجاني الذي لم يكن وقتذاك رئيساً للجمهورية الاسلامية. وفي خلاصة هذا الحوار ان رفسنجاني "طمأن" شمس الدين الى ان شيعة لبنان وهم بضع مئات من الالوف ان لا يخشوا سوءاً في ظل وجود أكثر من 70 مليون شيعي في ايران. وبالتالي، فمهما حل بشيعة لبنان فسيكون التعويض عليهم بشيعة ايران! ويقول الصديق صاحب هذه الرواية الموثقة ان شمس الدين أنهى اللقاء بجفاء.

لا بد ان البابا بينيديكتوس السادس عشر سينتبه الى ان نجل الرئيس الراحل رفيق الحريري الذي وفّر كل امكانات النجاح للزيارة التاريخية لسلفه البابا يوحنا بولس الثاني في ربيع عام 1997، لن يكون اليوم في اللقاء الشعبي الكبير في بيروت. فالرئيس سعد الحريري وهو أكبر زعيم لبناني بمنطق صناديق الاقتراع في انتخابات عام 2009 مضطر حفاظاً على سلامته أن يبتعد عن وطنه وجمهوره الكبير بفعل المنطق الالغائي لخامنئي والأسد وتابعهما "حزب الله". ولن تنفع كل لافتات الحزب والنسوة اللواتي يرتدين التشادور وصبية الكشافة التابعين له المرحبين بالبابا في تصحيح هذه الخطيئة الكبرى. ما ينفع هنا هو القراءة في "الارشاد اللبناني" الذي خطه ببراعة سمير فرنجيه في كتابه "رحلة الى أقاصي العنف" وقال فيه ان "ثقافة العنف والاقصاء" المهيمنة في اوساط الاحزاب الطائفية ولا سيما "حزب الله" لم تعد مقبولة من معظم اللبنانيين. ويدعو الى "لبنان مكاناً متميزاً للعيش معاً" يواكب "ثورة الربيع العربي من أجل عالم عربي ديموقراطي وتعددي". اللبنانيون يتطلعون الى مساعدة "الارشاد الرسولي" لتحقيق هذه الامنيات.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهمة الإبراهيمي أمام كوابحها وشروطها * عبدالإله بلقزيز

الدستور

16-9-2012

لا يجادل أحد في اقتدار الأخضر الإبراهيمي، وكفاءته الدبلوماسية، وخبرته العريقة في مقاربة الأزمات المتفجرة التي كلّف بالبحث في أنفاقها المظلمة عن أفق مضيء، على نحو ما فعل مع الأزمة اللبنانية، في العام ،1989 حين كان مبعوثاً للجنة الثلاثية العربية، وكان عليه أن يعثر - تحت أنقاض «حرب التحرير» بين الجنرال ميشيل عون (رئيس الحكومة العسكرية وقتئذ) والجيش السوري - على مواد يبني عليها مشروعاً لتسوية سياسية تنهي حرباً أهلية لبنانية دامت خمسة عشر عاماً، وعلى نحو ما حاوله في أفغانستان بعد احتلالها من القوات الأطلسية، مبعوثاً من الأمم المتحدة، ثم في العراق بعد احتلاله لإنضاج صيغة «الحكومة المؤقتة»، التي رست رئاستها على اسم إياد علاوي: صديق أمريكا الموثوق بعد طلاقها مع أحمد الجلبي . وقس على ذلك في أزمات دولية وإقليمية أخرى، أنجز فيها الإبراهيمي الأدوار المطلوبة منه، وحقق بإنجازه شهرة محط إعجاب .

واليوم، يُدعى الأخضر الإبراهيمي إلى أداء مهمة بالغة الصعوبة والتعقيد، هي البحث عن أساسات ومداخل إلى إطلاق «عملية سياسية» تنهي حال العنف والاقتتال في الأزمة السورية، خلفاً لكوفي أنان المستقيل من مهمته . ومرة أخرى يراهن، في هذا التكليف، على الكفاءة الدبلوماسية للإبراهيمي، وعلى معرفته بمزاج السياسة العربية وأمزجة سياسييها من قيادات ومعارضات، ناهيك بتجربة علاقته بالقيادة السورية أثناء التفاوض معها في شأن الأزمة اللبنانية سابقاً . وليس معلوماً - حتى الآن - إن كانت مهمته ستنطلق من روح «خطة النقاط الست» لكوفي أنان، كما تطالبه بذلك روسيا وسوريا، أو ستستند إلى رؤية أخرى تتقاطع مع الخطة السابقة في نقاط محددة، وتختلف عنها في أخرى إرضاءً لمطالب آخرين جاهروا بمعارضة مشروع أنان منذ البداية، وسعوا - بما أوتوا من قوة وحيلة - إلى إفشال مسعاه السياسي .

على أن كفاءة الإبراهيمي الدبلوماسية - وهي مسلم بها - ليست تكفيه كي ينهض بدور اجتراح حل سياسي لأزمة فاضت عن الاستيعاب، ذلك أن سابقه كوفي أنان ليس أقل كفاءة وخبرة، وهو الذي كان للأمم المتحدة أميناً عاماً، وعاصر أضخم الأحداث والأزمات، في العقد الأول من هذا القرن، وتعامل معها مباشرة (حصار العراق وحربه وغزوه، احتلال أفغانستان، الحرب على صربيا، حروب البحيرات العظمى الإفريقية، الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية . . إلخ) . ثم إن الكفاءة وحدها من دون بيئة سياسية حاضنة لا تتفتق حسناتها، ولا تينع ثمراتها، حتى لا نقول إنها (الكفاءة) تخمد . والبيئة السياسية إنما هي من فعل آخرين، لا من عمل الكفاءة . والآخرون هؤلاء ليسوا على موقف واحد من الأزمة السورية، بحيث يوفرون للكفاءة شروط العمل، وإنما هم متضاربون في المواقف إلى الدرجات القصية، وهم أحياناً متواجهون بالسلاح - أصالة أو وكالة - على مسرح الأحداث السورية . فما الذي في وسع الكفاءة والحنكة أن تفعلاه في غيبة بيئة سياسية دافعة لا كابحة، جاذبة لا نابذة، كما هي - اليوم - البيئة السياسية المحيطة بالأزمة السورية .

من النافل القول إن البيئة السياسية المحلية (السورية) لا تسعف، اليوم، الإبراهيمي في مسعاه إلى إطلاق تسوية سياسية، أو «عملية سياسية» تقود إلى تسوية سياسية، لأن أي خطة عمل سيقترحها الإبراهيمي لا يمكنها إلا أن تلتحظ مطلبين وتمر - حكماً - بهما، وهما: وقف إطلاق النار، والدخول في عملية حوار سياسي بين السلطة والمعارضة . والحال أن الأفقين هذين مقفلان، اليوم، وممتنعان، فالنظام والمعارضة معاً ممعنان في خيار الحسم العسكري ولا يريان بديلاً منه . يعتقد النظام، من جهته، أنه قادر على كسر شوكة المسلحين باستخدام وسائل القوة كافة مستثمراً تفوقه العسكري، وتعتقد المعارضة أنها قادرة على استنزافه إلى حدود إسقاطه، آملة في أن تنجح في استقدام التدخل العسكري الأجنبي . والطرفان معاً يرفضان الحوار بدرجات مختلفة، يدعو النظام، من جهته، إلى حوار سياسي مع المعارضة التي يقبل بها شريكاً في الحوار، ويرفضه مع معارضة أخرى لا يرى فيها سوى جماعات من العملاء والمرتزقة والإرهابيين . وترفض المعارضة الحوار مع نظام يقتل شعبه، مثلما تصفه، ويوشك أن يسقط تحت ضرباتها، كما تتخيل، فيما يشترط بعض تلك المعارضة تنحي الرئيس بشار الأسد شرطاً لقبول مبدأ الحوار . هذه، إذن، هي البيئة السياسية المحلية التي سيعمل، في نطاقها، الأخضر الإبراهيمي . وستحكم على مبادرته بالفشل - قطعاً - إن لم تتحسن أوضاع البيئة الدولية .

أما البيئة الدولية، والإقليمية، المحيطة بالأزمة في سوريا، والمشاركة - بهذا القدر أو ذاك - في صناعة كثير من وقائعها وفصولها، فهي عينها البيئة التي أسقطت «خطة النقاط الست» لكوفي أنان، واتفاق جنيف الدولي، ودفعت الأخير إلى الاعتذار عن عدم الاستمرار في أداء مهمته . بل هي عينها البيئة التي أفشلت مهمة المراقبين الدوليين، وانتهت إلى عدم التجديد لبعثتهم ثلاثة أشهر أخرى . وهي، بهذا الحسبان، لن تسعف الأخضر الإبراهيمي في أداء دوره، على نحو فعال، ما لم يقع تصحيح جدي في أوضاعها، فهي وحدها التي توفر شرطاً لتسوية الأزمة السورية، إن استقامت الأوضاع فيها بين القوى الدولية والإقليمية، ذات الصلة بالحالة السورية اليوم، وإلا فليس من الحكمة أن يراهن على البيئة السياسية المحلية البالغة من السوء حدود الاهتراء . هكذا سيرتبط نجاح مهمة الإبراهيمي، أو فشلها، لا ب»شطارته» السياسية و»لمسته السحرية» في مقاربة الأزمات الحارقة، وإنما بمدى النجاح أو الفشل في تحقيق تفاهم روسي - أمريكي، وتفاهم بين إيران وتركيا والسعودية، في شأن الحل السياسي في سوريا . إذا لم يقع مثل هذا التفاهم، إذا لم تنضج شروطه السياسية والنفسية، لن يصلح الأخضر الإبراهيمي ما أفسده الدهر، وقد ينتهي به الطواف إلى ما انتهى إليه كوفي أنان، أو سيمتد أمد مهمته المعطلة - في حال المكابرة - إلى ما شاء الله من الوقت .

التاريخ : 16-09-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أنقرة وحسابات واشنطن السورية * سمير صالحة

الدستور

16-9-2012

أنقرة التي كانت بين السباقين في المطالبة برحيل النظام السوري وبنت كل حساباتها على ذلك، تعيش في هذه الآونة خيبة أمل كبيرة ليس فقط بسبب فشلها أمام مجلس الأمن الدولي في تمرير اقتراح إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية يتم فيها توفير الحماية الدولية للاجئين هناك وليس بسبب حجم المشاركة والتمثيل الضعيفين اللذين رأت حكومة أردوغان فيهما انعدام الجدية واللامبالاة الأممية حيال جهودها، بل هي تعيش ذلك بسبب المواقف والتصريحات الصادرة عن شخصيات سياسية وعسكرية تعكس وجهة نظر الشريك والحليف الأميركي التي تقطع الطريق على تحركاتها في الملف السوري.

كلام رئيس الأركان الأميركي مارتن ديمبسي ووزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس حول صعوبة توفير الغطاء الذي تريده أنقرة من قبل حلف شمال الأطلسي في مسألة المنطقة العازلة ورد أسباب ذلك إلى شرط موافقة مجلس الأمن والنفقات المالية المكلفة وتقديم مسألة مخاطر ملء الفراغ المحتمل من قبل جماعات دينية متطرفة تعكس حقيقة التباعد التركي الأميركي في قراءات مسار الأزمة السورية على الرغم من زيارة كلينتون الأخيرة إلى أنقرة والإعلان عن تنسيق السياسات حول مرحلة ما بعد سقوط الأسد الذي قال ديمبسي إنه ما زال قويا ومتماسكا.

الإدارة الأميركية تعرف أكثر من غيرها أن استراتيجية إنشاء منطقة أمنية عازلة داخل الأراضي السورية وعلى مقربة من الحدود التركية لإيواء اللاجئين لن تقود في أحسن الأحوال سوى إلى مواجهة مباشرة بين أنقرة ودمشق. فهل هذا هو ما تريده واشنطن لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد من خلال تذكير الجميع بموقع ودور مجلس الأمن الدولي الذي تدرك استحالة تفاهمه والتقائه أمام خيار وسط في الموضوع السوري؟.

واشنطن تريد أن يأتي الحل من الداخل السوري ودون أي دعم حقيقي للمعارضة أو تريد من الحلفاء أن يسقطوا هم النظام وتكتفي هي بتقاسم قطعة الجبن مع ضمانات تقدم حول أن الخارطة السياسية السورية المستقبلية لن تهدد مصالحها ومصالح إسرائيل في المنطقة. واشنطن وكما هو معلن تسعى لإضعاف الجيش السوري وحرمانه قدراته العسكرية والحربية عبر إطالة المواجهة غير عابئة بعدد الضحايا والدمار والخراب الذي يلحق بسوريا. لا بل هي تريد كما فهمنا تسليح المعارضة السورية لقطع الطريق على إيران في لبنان والعراق غير عابئة بحسابات وسياسات اللاعبين الإقليميين والدوليين الآخرين.

ربما من الأولى تذكير واشنطن، التي تحاول جني ثمار الأزمة السورية على حساب مواقف حلفائها وشركائها مستفيدة كما تعتقد من دروس أفغانستان والعراق ولبنان، أن المجتمع الدولي والمنظمات العالمية التي تم تجاهلها تماما في قرار شن الحرب على العراق قبل 9 سنوات سيسألونها عن ازدواجية المواقف وأن الجميع يرصدون كل شاردة وواردة في خطواتها وتحركاتها وأن لا هدايا مجانية تقدم لأحد أمام هذا الكم الهائل من التعقيدات والتداخلات.

لا يمكن لحكومة العدالة والتنمية التراجع بعد هذه الساعة عن مواقفها وسياساتها حيال الأزمة السورية وهي التي تعرف أن المطلوب هو ليس رأس داود أوغلو بل رأس أردوغان نفسه. من هنا فما قصده ربما أردوغان عندما قال إن إنشاء المنطقة العازلة لا بد أن تسبقه موافقة مجلس الأمن الدولي وهي مسألة شبه مستحيلة اليوم هو تذكير الحلفاء وواشنطن تحديدا بخيار شبه وحيد لا بد أن يتقدم على غيره من الخيارات في هذه المرحلة.. نقطة البداية فيه أن يقود المجتمع الدولي تحركا من هذا النوع يسبقه خطوة إعلان الحكومة السورية في المنفى بالتنسيق مع قوى المعارضة في الداخل والخارج ومطالبة هذه الحكومة الهيئات الدولية بتوفير الحماية اللازمة للشعب السوري وإنشاء منطقة حظر جوي على طيران النظام في إطار القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان الدولي وتحريك محكمة الجزاء الدولية والاستفادة من صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار بند التوحد من أجل السلام أمام عجز مجلس الأمن ووصوله إلى الطريق المسدود بسبب انقسامه، وهي لن تكون لا المرة الأولى ولا الأخيرة في التحرك بهذا الاتجاه والتعامل مع أزمات من هذا النوع.

تباعد المواقف التركية الأميركية في الموضوع السوري لن يدفع بأنقرة إلى تبديل سياساتها لكنه سيقود حتما إلى تراجع علاقاتها بواشنطن فأنقرة التي تشعر أنها تركت وحيدة تواجه الضغوطات الإيرانية والروسية قبل أن تقاوم الحملات السورية ضدها على أكثر من جبهة.

التاريخ : 16-09-2012

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف: الثورة السورية والمعادل الزمني ...الساعة الدموية .. زهير سالم*

تكمل ثورتنا الوطنية في سورية في هذه الأيام العام والنصف من عمرها . ومع الكلفة اليومية بل الساعية الغالية التي يدفعها الثوار على الأرض ؛ يبدو أن الكثيرين لا ينتبهون إلى معادل الزمن هذا أو لا يبالون به . وبينما تعتبره الزمرة المتسلطة الفرصة الممنوحة لها من المجتمع الدولي ، اختيارا أو اضطرارا ، فتعمل على استغلاله أبعد استغلال وأسوأه ؛ يبقى الآخرون مشغولين عنه أو مترددين في وديان الحيرة والضياع .

 

يمكن بكل الثقة أن نقرأ المعادل الزمني للثورة على أنه مؤشر صمود وثبات ونمو واطراد لهذه الثورة . يمكننا أن نقول إن هذه الثورة يوما بعد يوم تثبت قدرتها ، وتحقق المزيد من انتصاراتها ، وتقترب من تحقيق أهدافها ، وتنتقص أكثر من أطراف عدوها .

 

ولكن النظرة الموضوعية المكافئة تضعنا أمام معادلة أخرى تجعلنا تقرأ المشهد بطريقة مختلفة . إن فاتورة القتلى المئوية اليومية مع ما تشكله من فساد شرعي وألم إنساني تعتبر شكلا من أشكال النزيف الثوري . فهؤلاء الشهداء هم إما من حامل الثورة أو من حاضنها وهذا بحد ذاته يعتبر خسارة لا يمكن لأحد أن يتهاون بها ، أو أن يظهر التعود عليها ، أو أن يعتبرها ضريبة طبيعية يجب على الثورة أن تواصل دفعها على المدى الزمني المفتوح .

 

كما تمثل فاتورة اللاجئين المتعاظمة ، اللجوء الداخلي والخارجي ، ودائما دون نسيان البعد الإنساني ، نزيفا حادا في جسم حاضن الثورة . صحيح أن عصابات الأسد لم يكن لديها أي خط أحمر أخلاقي في التحرز عن قصف المدنيين ؛ إلا أن الحاضن المدني بالنسبة للثوار كحوض الماء بالنسبة للأسماك . إن نزيف هذا الحاضن ينقل المعركة الثورية من وضع استراتيجي إلى آخر ، من حرب تحرير شعبية إلى حرب مواجهة شاملة لا تملك الثورة السورية القدرات الأولية لخوضها .

 

في اعتبار المعامل الزمني لابد أن نلحظ الموقف الاستراتيجي في بعديه الإقليمي والدولي ؛ فبينما يحظى النظام مع ما يحتكر ويستبد به من إمكانات الدولة السورية بدعم غير محدود من دول كبرى ذات طاقات لا تتكافئ أبدا مع ما تحظى به الثورة من دعم على المستويين المعنوي والمادي .

 

ففي الوقت الذي تبدو فيه القوى الدولية والإقليمية كثيرا من التردد في إمداد المعارضة السورية ماديا ومعنويا ، نجد أن قيادات مؤهلة عالميا تدخل المعركة لمواجهة الشجاعة والعفوية التي يعتمد عليها رجال الثورة السورية .

 

تتوزع معركة الثوار السوريين اليوم على محورين ؛ الأول حرب مكشوفة بكل أبعادها مع كل من روسية وإيران وتوابعها في المنطقة بما فيها عصابات الأسد . وهي حرب مكشوفة وممولة بلا حدود وبدون أي احترام لقانون الحرب الدولي ، في اختيار الأساليب والأدوات . والمعركة الثانية – مع الأسف – هي مع الجبهة الأخرى من المجتمع الدولي والإقليمي التي رغم إظهار تعاطفها الأدبي مع الثورة السورية ؛ إلا أنها ما تزال تجد في موضوع إغاثة اللاجئين في الخارج معضلة كبرى لا تكاد تجد لها حلا ، والتي ما تزال مترددة في الوفاء بما يفرضه عليها القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان من إمكانات .

 

بإعادة التوصيف التعبوي للمعركة في سورية سنجد أنفسنا نتابع معركة بين فريقين ؛ الأول الشعب السوري وهو الفريق الذي يملك المشروعية الأخلاقية والمصداقية والجدية والشجاعة ولإصرار والثبات . والفريق الثاني الأسد وعصاباته الذي يملك وحدة القرار والموقف والتنظيم والتخطيط والمدد المادي غير المحدود من المال والرجال والسلاح بكل أشكاله ؛ ويملك فوق كل ذلك المعادل الزمني الذي يتيح له يوما بعد يوم المزيد من القتل والمزيد من التصعيد والمزيد من التجارب الميدانية على الشعب السوري ، والتي تتيح لعصابات القتل أن تنقل المعركة يوما بعد يوم من طور إلى طور ومن بقعة إلى أخرى ..

 

هذا المعادل الزمني المحايد في حقيقته ، والذي يمكن أن يعمل لمصلحة أي فريق يحسن توظيفه واستغلاله يؤشر عليه اليوم بإشارة استفهام كبيرة : هو لمصلحة من ؟ وحين نتابع تراخي المجتمع الدولي عن القيام بواجبه ندرك أنه قد قرر أن يترك لأحد طرفي المعركة في سورية الفرصة الأكبر لينفذ مخططاته في الإبادة لكسر الإرادة كما أعلن ذلك صراحة بشار الأسد.

 

وحين نقرأ المحللين والمنظرين يكتبون إن الثورة السورية قد دخلت حالة استعصاء ، أو أنها قد وصلت إلى حائط مسدود ، أو أنها قد غرقت في مستنقع الدم ، أو أننا لا نرى ضوء في آخر النفق ،أو أن المعركة لا يمكن أن تحسم بنصر أحد طرفيها فعلينا أن نقرأ هذه التحليلات جميعا على أنها نذر شر ...

 

ولكن كيف ..

تمتلك الثورة أوراق قوتها بلا شك كانت ومازالت وستظل بإذن الله ، فكيف نعيد توظيف معادل الزمن لمصلحة الثورة ؟! كيف نصون قدراتنا الثورية ونرد النزيف إلى جسم عصابات النظام ؟ ندرك أن هناك أمورا كثيرة نحتاجها ولا نقدر عليها ؛ ولكن هناك بكل تأكيد أشياء كثيرة نقدر عليها ولا تزال غائبة عن الميدان هذا الذي يجب أن نعمل لتداركه . وحين نمتلك وحدة الرؤية ووحدة القرار السياسي وعلى الأرض ، حين سيكون لدينا القيادة السياسية و الميدانية العامة التي تصلها الإحاطة اليومية بالمستجد السياسي وبالواقع الميداني فتفكر وتقدر وتقرر سنكون قادرين على الانتصار على الخبراء الروس والإيرانيين . وعلى جنود بشار الأسد أجمعين .

وستنتصر الثورة بإذن الله ....

لندن : 2 ذو القعدة 1433

20 / 9 / 2012

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الرباعية والإبراهيمي: الفشل أقرب من النجاح!

خالد الدخيل

الأحد ١٦ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

لا أحد يعرف كيف ستكون العلاقة بين مهمة الأخضر الإبراهيمي، ومهمة اللجنة الرباعية التي تضم السعودية ومصر وإيران وتركيا. يجمعهما هدف واحد: إيجاد مخرج للوضع المتأزم في سورية. هل سيكون هناك شيء من التنسيق، وتبادل المعلومات؟ يمثل الإبراهيمي الأمم المتحدة والجامعة العربية، وبالتالي فهو رسمياً ليس ملزماً بما تفعله، أو تتوصل إليه اللجنة، لكنه لا يستطيع تجاهل مساعيها. اللجنة معنية بما سيفعله الإبراهيمي في تواصله مع النظام السوري والمعارضة. هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فالسؤال الذي يتردد في كل أنحاء سورية، وأرجاء العالم العربي: هل هناك من أمل بنجاح الإبراهيمي، أو الرباعية في التوصل إلى حلّ سلمي يوقف نزيف الدم، وينقل سورية إلى مرحلة سياسية جديدة؟ هل يستطيع الإبراهيمي ومن ورائه اللجنة وقف نزيف الدم على الأقل تهيئة لحل سياسي؟

نبدأ مع الإبراهيمي. ولد عام 1934، أي أنه عاصر تشكّل مرحلة الاستقلال العربية، والكيفية التي نشأت بها الأنظمة العربية، ومنها النظام السوري، وكيف وصل إلى ما وصل إليه. كان وزيراً لخارجية الجزائر ما بين 1991 و1993، وبالتالي تعامل مع النظام السوري من قرب. بعد ذلك تولى مهمات دولية في أفغانستان والعراق، ومن ثم فهو يعرف المجتمع الدولي، وما الذي يحكم مواقف دُوله أثناء الأزمات الدولية. هناك ملمح آخر في ملف الإبراهيمي، وهو عضويته في منظمات دولية تعنى بقضايا السلام، والحكم الرشيد، والعلاقة بين الإقصاء والفقر والقانون، ما يجعله أقدر - ليس فقط - على إدراك معاناة الشعب السوري هذه الأيام، بل كيف وصلت الحال بهذا الشعب إلى ما وصلت إليه، وعلاقة ذلك بطبيعة الحكم الذي عاشوا في ظله أكثر من 40 عاماً. هل ينجح الإبراهيمي في مهمته؟ أكاد أجزم بأنه لن ينجح، إلا في تأمين وقف موقت لإطلاق النار، وحتى هذا سيكون موقتاً؛ لأن النظام لا يستطيع أن يجاهر برفض طلب مثل هذا، والمعارضة المسلحة لن تقبل قبل أن يلتزم النظام، وتحت إشراف دولي ملزم له. لماذا لن ينجح؟ لأن المَخرج الوحيد نحو حلّ سياسي مقبول من غالبية الأطراف هو تنحي الرئيس السوري بشار الأسد، الرئيس يدرك هذا تماماً، وأيضاً يرفضه تماماً. الإبراهيمي ألزم نفسه من البداية بأنه معني بالحل وليس بالأشخاص، أطول وأهم حديث له كان مع فضائية الـBBC. في هذا الحديث شدّد على نقطتين مهمتين: أولاهما، أن التغيير في سورية بات ضرورياً، ولم يعد بالإمكان تفاديه، والثانية أنه لا يمكن هذا التغيير أن يكون شكلياً، أي أنه يجب أن يكون جوهرياً وعملياً؛ لكنه في الوقت نفسه قال إن تحديد من يبقى في المرحلة الجديدة بعد التغيير، ومن يغادرها، ليس من مهمته. هنا ترك الإبراهيمي أمام النظام السوري وقيادته مساحة للتأويل، ومن دون هذه المساحة كان النظام سيرفض استقبال الإبراهيمي؛ لأنه سيكون عليه التنازل مقدماً، وسترفض روسيا تكليفه. هذه المساحة فرضها الانقسام الدولي، والضعف العربي، وهي مقبرة أي مهمة من هذا النوع.

يريد الإبراهيمي التوصل إلى حلّ سياسي يعرف أن على كل طرف أن يدفع ثمناً له. الثمن الأكبر يقع على عاتق النظام، أولاً لأنه الطرف الأقوى، وثانياً لأنه المسؤول الأول عن حماية الناس وعن أمنهم، وثالثاً لأنه هو من بادر إلى استخدام السلاح مع مواطنين عزل يتظاهرون سلمياً. يريد النظام استخدام مهمة الإبراهيمي، كما فعل مع غيرها، غطاءً للمضي في حله الأمني الذي يزداد قناعة بأنه من دونه سيسقط. ويتضاعف المأزق أمام حقيقة أن تنحي الرئيس كمدخل للحل تفرضه كل معطيات واقع الأزمة، فهو مطلب سوري وإقليمي ودولي. بعبارة أخرى فقد الرئيس شرعيته، ولم يتبقَّ له إلا القوة العارية. بقاء الرئيس في مكانه بعد أن ارتبط اسمه بكل الدماء التي سالت، والدمار الذي طاول غالبية المدن والأحياء، والتهجير الذي أخذ معه ملايين السوريين، لم يعد ممكناً سياسياً ولا منطقياً ولا أخلاقياً ولا قانونياً. إن المسؤولية الأولى والأخيرة في كل ما حصل تقع على الرئيس وعلى نظامه، فهو المسؤول عن انتشار العنف، وتفشي السلاح، وتحويل الانتفاضة من حراك سلمي إلى مواجهات مسلحة. لقد بات معروفاً أن النظام هو من بادر إلى التعامل الأمني البشع مع الانتفاضة عندما بدأت في درعا في آذار (مارس) 2011. استمرت الانتفاضة سلمية لأكثر من خمسة أشهر، والنظام يواجهها بالمدرعات والشبيحة. فشلت كل محاولات إقناع قيادة النظام بالتخلي عن الحل الأمني، أو على الأقل تخفيفه، وهي محاولات محلية وإقليمية ودولية، كان يواجه هذه المطالب بادعاء أن من يطلق النار على المتظاهرين ليس الجيش، وإنما مجموعة من المندسين، والحقيقة أن النظام كان يرتاب من هذه المطالب، ولذلك كان الحل الأمني يزداد بشاعة، ويتسع نطاقه مع اتساع حجم الانتفاضة، لتشمل غالبية المدن والقرى السورية. لم يتبق للمنتفضين والمتعاطفين معهم من السوريين إلا اللجوء إلى السلاح دفاعاً عن النفس، وهنا دخلت سورية المأزق. جزء كبير من الشعب يدافع عن نفسه وبقائه أمام الآلة العسكرية لنظام يحكم باسمه، وهذه مفارقة قاتلة وجزء آخر يحاول الهرب من الجحيم. وجزء ثالث تسيطر عليه حال من اليأس والخوف. إذا لم يكن النظام هو المسؤول عن هذه الحال المأسوية، فمن يكون؟ منذ اليوم الأول للانتفاضة تخلى النظام عن مسؤوليته الأولى والأخيرة، وهي حماية أمن الوطن، وحماية المواطنين، أرواحهم، وممتلكاتهم، وحقوقهم. صار بقاؤه في الحكم أهم من كل ذلك. السؤال الذي على الإبراهيمي مواجهته إذاً هو: كيف يمكن أن يكون هناك حلّ مع بقاء هذا النظام، وبقاء قيادته، وكأن شيئاً لم يكن؟

تشبه الرباعية الإقليمية تماماً الرباعية الدولية التي تشرف على مفاوضات الفلسطينيين والإسرائيليين. فشلت هذه الرباعية لأن النجاح لم يكن هدفها بمقدار ما أنه توفير غطاء دولي للمماطلة الإسرائيلية. ثلاثة من أعضاء الرباعية الإقليمية يريدون النجاح: السعودية ومصر وتركيا، والعضو الرابع، إيران، تدرك أن النجاح مكلف لها، ولأنها لا تريد أن تتحمل وحدها وزر الفشل تطالب الآن بضم العراق إلى اللجنة، لأن الحكومة العراقية تقع تحت نفوذها.

النظام السوري لا يريد كما رأينا نجاح اللجنة. النجاح بالنسبة له استسلام المعارضة، ووقف التظاهر، والقبول به راعياً حصرياً لأي عملية سياسية، يحلم بأن في إمكانه حسم الوضع عسكرياً لمصلحته. كل ما يحتاجه هو الوقت. توفر الرباعية، ومعها الإبراهيمي، هذا الوقت. جاور النظام السوري إسرائيل لأكثر من 40 عاماً، وتعلم منها طريقتين يطبقهما حرفياً: القسوة الشرسة، والعقاب الجماعي مع الشعب. مثل إسرائيل تهدم قوات النظام أحياء كاملة كما في حمص وحلب ودرعا وإدلب وريف دمشق، وينفذ إعدامات ميدانية، ويعمل على نشر الرعب بين السكان لردعهم عن دعم الانتفاضة. الطريقة الأخرى التي تعلّمها النظام السوري من إسرائيل هي تكتيك «المفاوضات من أجل المفاوضات» لشراء الوقت، وليس أي شيء آخر، وتكفلت الرباعية الدولية بتوفير هذا الوقت لإسرائيل منذ 2002.

راقب النظام السوري هذا التكتيك، وأدرك مدى نجاعته، بل عانى نفسه من هذا التكتيك طوال مفاوضاته مع الإسرائيليين منذ مؤتمر مدريد في 1991، وإذا كانت إسرائيل تحتاج الوقت لاستكمال سرقة الأرض الفلسطينية، فالنظام السوري يحتاج الوقت هذه الأيام لكسر الانتفاضة، وتركيع الشعب بقوة السلاح لقبول حكمه وقيادته. وإذا كانت الرباعية الدولية هي من وفّر هذا الوقت مع سبق الإصرار، فالرباعية الإقليمية قد توفره للنظام السوري إذا ما أُعطي لإيران حق نقض قرارات اللجنة. إيران تدعم النظام السوري سياسياً ومالياً وعسكرياً، وهو دعم مكلف، لكن إيران استثمرت في هذا النظام أكثر من ذلك، وهي تدرك أن سقوط النظام يعني خروجها من المشرق العربي، وتقلص نفوذها داخل العراق، وعزلة حليفها اللبناني «حزب الله».

ربما تطمح اللجنة إلى تطبيق النموذج اليمني في سورية، لكن ينبغي ملاحظة أن النظام في اليمن يختلف عن سورية. في هذا النظام نمت المعارضة، وهي قوية سياسياً على الأرض. تغلب القبلية، وليس الطائفية، على تركيبة النظام اليمني، وهي تركيبة لم تسمح لعلي صالح بالاستحواذ على المؤسستين الأمنية والعسكرية، ولذلك لم ينزلق اليمن إلى حرب أهلية، على رغم أن علي صالح حاول الدفع بهذا الاتجاه. إلى جانب ذلك، فقد صالح غطاءه الإقليمي والدولي. تركيبة سورية الطائفية سمحت لعائلة الأسد بالسيطرة على النظام بخاصة المؤسستين الأمنية والعسكرية، وربطت مصيرهما بمصيرها هي. تجريف الحياة السياسية على مدى 40 عاماً من القمع والكبت السياسيين أضعف المعارضة السياسية، ثم إن تحالفات النظام الإقليمية مع الأسد الابن أخذت صبغة طائفية، مع إيران وحزب الله، إلى جانب دعم روسيا، وبسبب غلبة الصبغة الطائفية للنظام، وطبيعته الأمنية المتجهمة، نجح في وضع البلد على حافة حرب أهلية مفتوحة، ما يعني أن النظام السياسي هو عقدة المأزق، وتفكيكه مفتاح الحل. وأمام شبح فشل الإبراهيمي والرباعية، الأرجح أن تتسع المعارضة المسلحة، وأن تغرق سورية في الدم أكثر. يدرك الجميع أن مآل النظام هو السقوط. هل واجهه أحد وراء الكواليس بحتمية هذا الخيار؟ هل يطرحه الإبراهيمي في مفاوضاته مع القيادة السورية؟ لماذا لا يعمل المهتمون على تقليل ثمن السقوط، بدل الاختباء وراء المماحكات السياسية، والمجاملات الديبلوماسية؟

* كاتب وأكاديمي سعودي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تحولات صورة سوريا والسوريين في مخيلة شاب لبناني

فيديل سبيتي

المستقبل

16-9-2012

ثورة السوريين هي ثمرة عقود من الخواء والخوف والاستبداد. موقف السوريين الشجاع اليوم، حفّزني لكتابة ما أتذكره عن سورية في مخيلة الطفولة والمراهقة، وما أتذكره من رحلة سريعة قمت بها إلى دمشق في خريف العام 2003.

في هذه الرحلة كانت لي مشاهدات وانطباعات في الناس وأماكن عيشهم، في السنوات الأولى لحكم بشار الأسد.

في مخيلتنا الطفولية كانت صورة "الجمهورية العربية السورية" مختصرة بمقام السيدة زينب في دمشق، أو كما تسميها جدتي وأغلب الناس "الشام". كانت جدتي تقول إنها حين تزور المقام ستقبّل باب قفل قبر السيدة، المصنوع من الفضة، وستصلي من أجلنا كي ننجح في المدرسة، ومن أجلها هي كي تشفى من مرضها، ومن أجل ابنها كي يتوقف الجيشان الإسرائيلي والسوري عن ملاحقته للسبب نفسه، وهو انتماؤه الى أحد أحزاب "الحركة الوطنية". كانت هناك في دمشق تطلب من السيدة زينب ردع "قوات الردع" عن ابنها، كما تطلب ردع الجراثيم والفيروسات عن جسدها. والسيدة زينب لا بد أنها تحمي أبناء الأمهات المؤمنات الطيبات ممن يريد لهم الأذية، إسرائيلياً كان أم سورياً. هي لا تفرّق بين الأعراق والإثنيات والأديان، كانت جدتي "المثقفة" تقول.

كانت سورية كلها تدور في باحة السيدة زينب في مخيلتنا نحن الأطفال، إضافة الى نهر وأشجار كثيرة وسهل تمتد فيه البيوت والبنايات التي تشكّل مدينة دمشق. كانت جدتي تقول إن عدد الناس في الشام بعدد أشجارها وأشجار البساتين المنتشرة حولها وحول نهر بردى. وتقول إنهم كالأشجار كرماء وطيبون، وكنهرهم غزيرون لا يتأخرون عن مدّ يد المساعدة لمحتاجها، خصوصاً اذا ما كان لبنانياً، فهم يحبون اللبنانيين، ويعتبرونهم أخوة لهم.

هكذا كانت تختلط الصور بين مقام السيدة الفضي والأشجار الخضراء والناس الوارفين مثلها والنهر المار بين البيوت. صورة أقرب إلى الخيال الطفولي، كالرسوم التي يتقن الأطفال رسمها في الصفوف الأولى.

وجدتي حين كانت تصف المقام، كانت تضيف رهبة على المدينة، فهو من الرخام، يمكنك أن تتمارى على بلاطات باحته النظيفة واللامعة، ويكون باردا في الصيف ودافئا في الشتاء. الهدوء يعمّ المكان فجميع الزوار يحترمون قدسيته ويمتنعون عن الكلام. ثم إنهم حين يصلون إلى قفص القبر الكبير، الواسع والفضي، يخشعون في حضرة السيدة ويقبلون قفصها، ويعلقون عليه قماشة صغيرة بعدما يتمنون ما يريدون أن يتحقق. خشوع سحبناه في مخيلتنا على كل سوريا والسوريين. كانت دمشق مدينة صامتة وهادئة، مؤمنة بتحقق الأمنيات.

في سن المراهقة تبدّلت الصورة تماماً. كان الجيش السوري قد دخل الى لبنان وانتشرت حواجزه في كل مكان. كانت تلك الحواجز المرتجلة توحي بأن وجود هذا الجيش مؤقت في لبنان، او يمكن القول انها كانت توحي بأن هذا الجيش بجنوده وعتادهم وآلياتهم على أهبة الاستعداد للعودة الى سورية. فكل ما في تلك المراكز مبني على عجل. مبني ليرتاح فيه الجنود أياماً عدة، قبل أن ينتقلوا إلى مكان آخر، حيث سيبنون غرفا جديدة على عجل أيضاً.

كانت المراكز التي ينام فيها الجنود ويركنون أمامها شاحناتهم الروسية القديمة، والمدهونة بطلاء المنازل، والمكتوبة أرقامها بخط اليد، والتي تحمل شعارات تعلن وفاء الجيش أو الجنود، أفراداً وفيالق، للقائد الأسد، الأب ومن بعده الابن.

الحاجز التابع للمركز، مؤلف من محرس باطوني مرسوم على جدرانه علم حزب البعث والعلم السوري، ويقف فيه جنديان كل من جهة، أو مرسوم عليه صورة الرئيس حافظ الاسد وابنيه بشار وباسل، وثلاثتهم يضعون النظارات الشمسية، ومكتوب تحت صورتهم شعار: "إلى الأبد، سورية الأسد". شبابيك تلك المراكز غالباً ما تكون مقفلة بالنايلون أو بالكرتون، وأبوابها مركّبة على عجل، من دون أن تكون بالقياس المحدد. الجدران عارية من قشرة الإسمنت ومن الطلاء أيضاً. سحنة الجنود التي تبديهم متبرمين دوماً، ومتعجلين من أجل القيام بأمر ما. نحول أجسامهم، الذي يظهر مضاعفاً مع اتساع بدلاتهم وبروز عظام الوجنتين. والسجائر التي في أيديهم يمجّونها مجّاً متعجلا، حتى يشعلوا غيرها حين تقترب من احتراق فلترها... البنادق الأوتوماتيكية القديمة المحمولة فوق الأكتاف أو المركونة في زاوية الحاجز العسكري. "الخوّة" (الأتاوة) التي يتقاضاها عناصر الحاجز بالملابس المدنية من الشاحنات المحملة بالبضائع مقابل عدم تفتيشها. السرية والسرعة في تقديم هذه "الخوة" من قبل سائقي الشاحنات، وتلقفها السريع والسري من قبل أولئك الرجال الغامضين. اعتياد اللبنانيين الراكبين في سياراتهم على وجود الحاجز، وتمهلهم أمامها، من أجل إلقاء التحية على الجندي الذي يتأمل الركاب واحداً تلو الاخر، وينظر إلى ما بين الأقدام مشيراً بيده للسائق بالتقدم، فيما يستدعي السيارة التالية بالإشارة نفسها، من دون أن ينبس بأي كلمة، أو بأي إشارة على وجهه، ومن دون أن يرد على التحية بمثلها... كل تلك المظاهر كانت تشعرنا بأن وجود الجيش السوري في لبنان مؤقت، أو ربما كنت أسقط رغبتي هذه على تلك المظاهر.

الجيش الآتي الى بلادنا بهدف معلن هو "فرض الأمن"، وهو غير الهدف المضمر، بدّل في مخيلتنا صورة سورية التي حفظناها منذ الطفولة. كانت حال الجيش مرآة البلاد التي أتى منها، فبدت دمشق البعيدة وكأنها مبنية ببيوت كغرف الحواجز المهلهلة، وتخيلنا الشعب السوري في حال من الفقر تجعل السوري نحيلا ومطأطأ الرأس تحت صور "القائد إلى الأبد" وتماثيله وعناصر مخابراته، الذين يضعون بدورهم نظارات شمسية، وينظرون من ورائها شزرا إلى كل البشر الذين يروحون ويجيئون تحت سماء من فولاذ.

ربما كانت هذه الصورة أيضاً وليدة كراهية أهلنا للجيش السوري، الذي خاض معارك ضارية ضد أحزاب "الحركة الوطنية"، في أواخر السبعينات من القرن المنصرم.

إنفتاح.. فانزياح

مرّت سنوات المراهقة متمهلة ومضطربة في خضم الحروب الأهلية، المتناسلة والمتطاولة، ثم بدأ زمن السلم بعد "الطائف"، فانتقل عشرات الآلاف من العمال السوريين إلى لبنان، للعمل في ورشة "إعادة البناء". ثم ارتفعت أعداد اللبنانيين الذين يزورون سورية، بدوافع دينية أو تجارية أو سياحية. كانت البضائع السورية أرخص بكثير من مثيلاتها في لبنان، فازدهرت التجارات الصغيرة، وأبرزها شراء النسوة وربات المنازل اللبنانيات للملابس السورية الصنع لبيعها في لبنان، وتحقيق ربح غير قليل منها. كانت تلك مثالات لانفتاح الشعبين على بعضهما البعض، وتلاقيهما وتواصلهما، بعد طول انقطاع بسبب الحروب اللبنانية، التي كرّست فقط العلاقة بين الضباط السوريين والساسة اللبنانيين. وهي علاقة "تابع ومتبوع"، يقابله انقطاع نسبي في العلاقة بين شعبين من المفترض أنهما "شقيقان" أو أقله جاران.

كان ذلك الانفتاح والتواصل الجديدان سبباً لتزايد الفضول لزيارة تلك البلاد، التي نحن وأهلها "شعب واحد في بلدين" في الخطابة الرسمية التي كانت سائدة آنذاك، أو "شعبان في بلد واحد" كما أراد نظام البعث السوري في نهاية المطاف.

الفضول لاكتشاف سورية وعاصمتها، في تلك السنوات من أوائل الألفية الثالثة، كان يهدف إلى كسر الصورة النمطية المغبشة والهيولية لتلك البلاد، التي أشيع عنها وفيها أن بشار الأسد أتى لتحديثها ولانفتاحها على العالم، وإخراجها من القمقم الذي وضعها فيه الأسد الأب ثم ختمه بخاتمه "السحري". وهو خاتم من مزيج معادن التسلط والاستبداد.

في دمشق: لافتات الحرب والهواتف

في العام 2003، بعد سنوات قليلة على وراثة بشّار لأبيه مُطلقاً "الانفتاح" السوري الجديد، وقبل سنتين من اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قررت أن الرحلة إلى البلاد التي لا أملك إلا صورة مشوشة عنها قد باتت واجبة.

لننس عبور سيارة الأجرة في الأراضي اللبنانية، التابعة سياسياً وأمنياً لنظام البعث السوري، ولننتقل مباشرة إلى المنطقة الخالية والجرداء، التي تفصل بين الحدود اللبنانية والسورية.

المسافة ما بين الجمارك اللبنانية والجمارك السورية، والتي تزيد على الكيلومترين، تبدو خاضعة بدورها للسيادة السورية بلا مسوغ. فالإعلانات المرصوفة على طول تلك الطريق تروّج لمحلات ومصانع وبضائع سورية.

على مبنى الجمارك السوري وفي مداخله رفعت لافتات تحيي حرب تشرين، وتصوّرها في تخييل أسطوري يضخّم من نتائج تلك الحرب، والانتصار الافتراضي على العدو الإسرائيلي. واللافتات نفسها تحيي القائد الراحل حافظ الأسد وابنه الذي يكمل مسيرته، وتجعل من الأول "باني سورية الحديثة" والثاني موجهها نحو المستقبل.

في واحد من الممرات المخصصة للبنانيين داخل المركز وقفت في طابور منتظراً دوري، الذي لم يكن ليأتي قبل أقل من ساعة. اقترب مني سائق سيارة التاكسي الذي يقلّني وسألني اذا ما كنت سأنتظر طوال الوقت. فأشرت إلى الطابور أمامي. بمعنى "ما بيدي حيلة". فطلب مني خمسين ليرة سورية واخذ جواز سفري ثم خرج من الطابور إلى الممر المخصص للسوريين. اقترب من ضابط الجمارك وناوله جواز السفر، بعد ان وضع فيه الليرات الخمسين. فردّه إليه مختوماً.

بعد مكاتب الحصول على تأشيرات الدخول، نقترب من حاجز الجمارك الذي يقف عنده عسكريون بغية تفتيش السيارات. لكن التفتيش لا يحدث أبداً. فبعد ان يركن السائق سيارته يترجل منها حاملا "الإكرامية"، التي تكون إما علب تبغ أو ربطة خبز أو نوعاً من أنواع الفاكهة، فيناولها للموظف بعيداً عن أعين المسافرين، ثم يعود مسرعا إلى سيارته التي يبقى محركها مشتغلا. والعملية هذه لا تطلب أكثر من دقيقة أو دقيقتين، فالسائقون باتوا معتادين على القيام بها يومياً على نحو آلي.

حين أشرفنا على دمشق من على التلال المحيطة بها، لم أر النهر الذي حدثتني عنه جدتي، ولم تظهر بساتين محيطة بالمدينة، بل ظهرت فحسب كتل إسمنتية هائلة، ومتراكمة، منتشرة على التلال المحيطة بالمدينة، ثم تهبط من الأعلى كسيل ينفجر ويتوسع في الأسفل ليشكل مركز المدينة. وترافق هذا المشهد، صورة سوريالية رسمت على شفتي ابتسامة صغيرة. فعلى إحدى التلال الجرداء يقف قصر ضخم يطل على كل المشهد العمراني المتفجّر. قال السائق إنه "قصر الشعب"، الذي يسكن فيه الرئيس الابن بعدما سكنه الرئيس الأب. نظرت الى ركّاب السيارة من السوريين وسائقنا، وضحكت، فضحكوا مثلي، بل وجاروني ضحكاً، لقد فهموا تماما ما أضمره: قصر الشعب، يطل على مآسي الشعب. الرئيس في الأعلى وهم في الأسفل، ويحكمهم هنا في سورية حيث تعيش عائلاتهم، وهناك في لبنان حيث يعملون. اكتفيت بالضحكة من دون تعليق كلامي، فمن يعلم؟ يقال أن الأخ يكتب تقريراً أمنياً بأخيه في "سورية الخالدة".

من المظاهر الجديدة التي كانت تدل على "الانفتاح" آنذاك، الذي جاء ليحققه بشار الأسد، هي إعلانات شركة الاتصالات السورية "سيريتل"، الجديدة والحديثة والمختلفة عن إعلانات الشركات القديمة والبدائية، والتي تشبه الرسائل الموجهة إلى القرّاء. كان الانفتاح الاقتصادي المتمثل بتسليم الاقتصاد لأقارب الرئيس السوري يتجسد بالصور الجديدة, التي تحتفل بافتتاح شركة "سيريتل". وكانت تنتشر إلى جانبها إعلانات أخرى تتعلق بتمجيد حرب تشرين والحركة التصحيحية. وهذه الأخيرة ثابتة لا تتحرك من مكانها.

اعلانات شركة الهواتف النقّالة الوحيدة في سورية، تشغل زوايا الشوارع، وواجهات أبنية كثيرة، ولافتات محلات بيع الهواتف وخطوطها، التي ازداد عددها بشكل كبير في تلك السنوات.

اما لافتات "حرب تشرين" وغيرها من اللافتات السياسية المؤدلجة، فقد كانت معلّقة على شرفات الدوائر الحكومية والوزارات، وعلى أسيجة الحدائق العامة، وفي مراكز النقابات، وفي الأسواق العامة. واللافتات هذه موقعة بأسماء النقابات والعمال والمسؤولين وأقرانهم وأصدقائهم والخاضعين لوصايتهم والمستفيدين من خدماتهم. واختلاط التواقيع على اللافتات واختلاف اصحابها وتباينهم، يبلغ حدا سورياليا.

وانتشار هذين النوعين من اللافتات، لم يؤد الى تنافس أو تعارض بينهما. فما يرد فيهما متشابه إلى حد كبير. فالشركة التجارية تصوّر في إعلاناتها سوريين من مناطق مختلفة، ومن طبقات اجتماعية متنوعة. فلاحون وعمال ورجال أعمال وأطفال، يرفعون الهواتف مبتسمين، ويتطلعون إلى المستقبل، توكيداً لشعار الشركة "يدا بيد نصنع المستقبل". اما لافتات السياسة البعثية والحزب الواحد الأبدي فإنها تؤدي المعنى ذاته. ففيها يحيي موقعوها "باني سورية" الحديثة وموّجه سوريا نحو المستقبل.

واذا كانت شركة الاتصالات الوحيدة في سوريا تستخدم في اعلاناتها الموزعة في الطرق صوراً لمواطنين مختلفين مناطقيا وطبقيا وفئات عمرية، فان موقّعي اللافتات الحزبية والسياسية هم هؤلاء ايضا. فنقابات العمال والمستخدمين في القطاعين الخاص والعام، ونقابة المعلمين، ونقابة الفنانين، وتجمع اصحاب المتاجر، والعاملون في هذه الوزارة او تلك يرفعون لافتاتهم كما يرفعون هواتفهم في الإعلان. بدا الأمر وكأنه خلط بين الزمنين الماضي والحديث، وكأن الخلف سيكمل رسالة السلف ولو بشكليات عصرية.

ورافع الهاتف المبتسم في اعلان الشركة ليس "فردا"، كما يبدو للناظر الى الاعلان والمتمعن فيه. بل هو جماعة متمثلة بفرد. فرجل الاعمال يختصر بالصورة النمطية رجال الاعمال، أي اولئك الذين يحملون حقائب جلدية ويرتدون ملابس رسمية وربطات عنق، ويبدو على وجوههم هناء العيش، وفي مظهرهم الثراء.

والفلاح في الاعلان هو أيضاً ممثل جميع الفلاحين في سورية، أي ذلك الرجل الذي يعتمر كوفية مرسلا شاربيه، ويتمتع بنضارة سكان القرى وعافيتهم، ويرتدي ملابس الحقل. وهذا ينطبق على العامل انطباقه على ربة المنزل والتلامذة... الخ.

لكن ما كان واضحا للناظر الغريب، أن الألوان في الصورة ليست كالألوان الحقيقية التي يراها خارج الصورة، فتلك طازجة وملونة وبهية ومليئة فرحا، بينما ألوان الأبنية المحيطة كانت باهتة ورمادية وكأنها بلا لون، وكأن الزمن الذي يمر عليها ثقيلا ومتباطئاً ولزجا ومشبعا بالغبار، وعتيقا كما العبارات والشعارات التي تملأ اللافتات واليافطات، والتي تبدو كأنها قادمة من زمن آخر آفل وعتيق. أما ناس الصور وابتساماتهم وانتظاراتهم لغد سعيد وأفضل، فقد كانوا بسيمائهم يناقضون قسمات السوريين المارين في الطريق قرب اللافتة. فهؤلاء كانوا يبدون في السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين وكأنهم ما زالوا في سبعينات القرن الماضي، في ملابسهم وألوانها وهندامهم وتصفيف شعرهم، وكانوا يبدون عكري المزاج ينتظرون شيئا ما أو عملا يقومون به ولا يصل. لم يكونوا مختلفين كثيرا عن مجموعات العمال الذين كانوا ينتظرون تحت جسر الكولا أو جسر البربير في بيروت في الكثير من التفاصيل... كان المشهد كلّه يثير الأسى والشفقة، وبالتأكيد التساؤل السخيف بالنسبة لشاب متحمس مثلي: "لماذا يقبلون بالعيش في هذا المستنقع؟".

لم أكن أنتظر الإجابة، ولم أكن أنتظر أن العام 2011 سيأتي محمولا على رياح التغيير. وبصدق، لم أكن أتوقع أن هؤلاء الذين بدوا لي مستنقَعين لا يلوون على شيء سيقدمون واحدة من أجلّ بطولات القرن وأعظمها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*    

نساء سوريا ثائرات.. لسن لاجئات ولا سبايا

عمر قدور

المستقبل - الاحد 16 أيلول 2012 - العدد 4461 - نوافذ - صفحة 10

من المؤلم ما ظهر أخيراً إلى العلن عن استغلال بعض الذكور العرب لمأساة العائلات السورية، والإقدام على الزواج من نساء سوريات اضطررن إلى النزوح إلى بلدان أولئك الذكور، بل بلغت الوقاحة ببعض المستغلين إلى حد الإعلان عن نواياهم على صفحات التواصل الاجتماعي أو بعض المنابر الالكترونية؛ الأمر الذي اقتضى من ناشطين سوريين إطلاق حملة باسم "لاجئات لا سبايا". سبق ذلك بأشهر أن أعلن شبان سوريون أيضاً عن تشرفهم بالزواج بفتيات تعرّضن للاغتصاب من قبل الأمن أو الشبيحة، وعلى رغم النوايا الطيبة وراء الإعلان إلا أنه لاقى نقداً قوياً في أوساط النشطاء من الجنسين، لأنهم رأوا فيه امتهاناً للمغتصبة، ولحقّها في اختيار شريكها من دون شعور بالعار أو بأنها ضحية العطف والشفقة.

ما يزيد الشعور بالغبن أن المرأة السورية لعبت وتلعب دوراً في الثورة لا يقلّ شأناً عن دور الذكور، ولا يجوز بأي حال الانتقاص من كرامتها، وليس الحديث عن مساهمة المرأة في الثورة السورية من باب المحاباة والتشجيع، فالبعض منهن بدأ تحركه منذ التباشير الأولى، ونعني بذلك الاعتصامات التي شهدتها مدينة دمشق تضامناً مع الثورتين المصرية والليبية، وكانت تعني أيضاً تضامناً مع الذات السورية التي تتهيأ للالتحاق بالربيع العربي، أو على الأقل هذا ما فهمه عن حق النظام الذي بادر إلى قمع تلك الاعتصامات. صحيحٌ أننا نتحدث هنا عن تجمعات صغيرة للمثقفات والمثقفين، وصحيحٌ أيضاً أن التظاهرة الأولى التي انطلقت من أمام الجامع الأموي بتاريخ 15/3/2011، وشهدت مشاركة نسائية، لم تخرج عن الإطار نفسه، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية الانخراط المبكر للمرأة في فضاء الثورة العام، ولا يقلل بخاصة من الأهمية الإعلامية والرمزية لحضورها.

من المتوقع طبعاً أن المشاركة المعممة للنساء ليست باليسر ذاته، آخذين بالحسبان انتشار الثورة في بيئات اجتماعية متفاوتة العادات والتقاليد، وإن بقيت تميل عموماً إلى المحافظة أو التدين. في الواقع إن الاعتبارات التي حكمت هذه المشاركة متناقضة، ولا تعبّر بالضرورة عن تطورات مستدامة في وضع المرأة إجمالاً، فبسبب مواجهة النظام للتظاهرات بالعنف المفرط انحسر دور النساء، أحياناً بما أن القسمة الاجتماعية تضع الرجال في موقع الأكثر تحملاً للعنف، لكن قتل الرجال وملاحقتهم بلا هوادة من قبل أجهزة الأمن أدى أيضاً بالضرورة إلى إقحام النساء في أتون الثورة، حيث لم يُتوقع منهن ذلك، أو حيث لم يُتوقع أن تسمح لهن بيئتهن الاجتماعية بذلك. على سبيل المثال؛ لم يكن مُنتظراً في بيئة متزمتة، كما في قرية البيضا بالقرب من بانياس، أن تخرج نساء القرية في مظاهرة ضخمة ويقطعن الطريق الدولي السريع المارّ بالقرب منها، احتجاجاً على العنف المفرط للنظام بحقّ قريتهن وبحق البلد عموماً. غير بعيد في المكان والزمان؛ كانت قوات النظام تدشن طريقتها بالمساواة بين الجنسين، إذ تم استهداف النساء في قلعة بانياس وقُتل ثلاثة منهن فيما يعبّر بشكل مأساوي عن مساهمتهن بالثورة، وفي سابقة ستتكرر كثيراً ما أن يبدأ النظام سياسة المجازر، التي استهدفت النساء والأطفال بلا تمييز.

لقد أعلن النظام مبكراً الحربَ على مجتمع الثورة ككل، فلم يستثنِ الفئات المستضَعفة تقليدياً كالنساء والأطفال، وكان من مظاهر الإصرار على سلمية الثورة في البداية خروجُ آلاف النساء في مقدمة التظاهرة الكبرى التي شهدتها مدينة حماة بتاريخ 3/6/2011 "أو ما سُمّي جمعة أطفال الحرية". إذ من المعلوم أن مدينة حماة تُعدّ من المدن التي يغلب عليها الطابع المحافظ، ولم يكن بالأمر السهل أن يخرج هذا العدد الضخم من النسوة، بمباركة اجتماعية، وأن يكنّ في الطليعة وفي مرمى أسلحة رجال الأمن المتهيئين لإطلاق النار. إن خروج النساء على هذا النحو لا يتطلب منهن شجاعة وإحساساً وطنياً فحسب، بل يقتضي من البيئة الذكورية القامعة أن تغلّب الاعتبارات الوطنية العامة على الاعتبارات الاجتماعية الموروثة، وهذا ما قد حصل في أماكن عديدة على امتداد سوريا.

من درعا في الجنوب، مروراً بريف دمشق وبعض أحيائها ثم حمص وريفها، وصولاً إلى حلب ودير الزور، قضت الضرورة بأن يعيد المجتمع الثائر تعريف ذاته متخلياً عن جزءٍ من تقاليده قبل الثورة. وبسببٍ من رسوخ هذه التقاليد في بعض الأماكن، فإن ما حدث يُعد ثورة في الثورة نفسها، فليست بنقلة بسيطة مثلاً أن تؤوي فتاةٌ متظاهرين هاربين من الاعتقال أو القتل، في غياب لذكور عائلتها؛ تلك الفتاة التي نُظر إليها دائماً على أنها عورة بالمطلق، ولا يجوز لها حتى أن تفتح باب المنزل عندما يُطرق، بل وتَربَّت على أن تنظر إلى نفسها هكذا. لقد أمّنت الأبواب المفتوحة، في غير مكان، الحماية غير المنتظرة للكثير من المتظاهرين، وفي حالات فائقة الشجاعة خرجت الحماية إلى العلن كما فعلت إحدى الأمهات المسنّات في بلدة شهبا عندما راحت تمنع بعصاها شبيحة النظام من ضرب المتظاهرين، وهذا ما فعلته أيضاً فتاة في جامعة حلب، عندما اشتبكت مع الشبيحة لتمنعهم من اعتقال زملاء لها، ما أدى إلى اعتقالها هي.

رغم كل الحوادث والمعطيات السابقة، لا تجوز المجازفة باستخلاص استنتاجات عن تحسنٍ في وضع المرأة السورية، ومن غير الواقعي انتظار انقلاب جوهري في بعض البيئات الاجتماعية بسبب الظروف الطارئة التي تفرضها الثورة، وحتى من جهة العقلية الذكورية ذات الطابع الديني يمكن تبرير "التساهل" الحالي مع المرأة ضمن باب "الضرورات التي تبيح المحظورات"، وهذا لا يعني إباحة ما يُعد محظوراً عند زوال الأسباب. لكن المسألة ليست بهذه البساطة أيضاً، فالنساء اللواتي تذوقن طعم الثورة وقيمها لن يبقين هنّ أنفسهن كما كنّ من قبل، وقد لا يكون من السهل إعادتهن إلى وضعهن السابق، على الأقل قد لا تنفع الذرائع التقليدية السابقة في إعادتهن إلى حظيرة الطاعة العمياء، وقد يتطلب ذلك مناورات أكثر حنكة من قبل لإعادة السيطرة عليهن.

إن جانباً مهماً من الوضع المستقبلي للمرأة السورية يُرسَم الآن، خصوصاً بسبب الوحشية الشديدة التي يتعرض لها الثوار، والعدد الضخم جداً من القتلى وذوي العاهات الذي خلفته آلة القمع، والذي من المتوقع ارتفاعه بحدة مع فقدان النظام لأي أمل بالبقاء. هذا الواقع، وكما في كل الحروب، سيرتب على النساء مسؤوليات اجتماعية مستجدة. وبعيداً عن أفكار ومُثُل المساواة، فإن المجتمع الذكوري التقليدي قد يجد نفسه مضطراً لتجرع فكرة نيل المرأة لبعض حقوقها، لأن ما ستناله المرأة سيتناسب طرداً مع المسؤولية الملقاة على عاتقها. من المتوقع مثلاً أن تضطر نساء بعض العائلات إلى الدخول إلى سوق العمل، بسبب قتل معيلهن أو تعرضه لإعاقة دائمة، وإذا كانت هذه الأوضاع المأساوية مدعاة للأسف، إلا أنها بحكم الأمر الواقع ستعيد تموضع المرأة على نحو مختلف عن ذي قبل؛ تموضع ليس بالتقليدية السابقة وليس ملبياً للطموحات بكل تأكيد.

إن محك الثورة الحقيقي هو في التغييرات الاجتماعية طويلة الأمد. وفيما يخص المرأة السورية، فقد خالفت منذ البداية القسمة المعهودة، فمع آلاف النساء اللواتي قُتلن لم يعد ممكناً اعتبار النساء ضحايا من الدرجة الثانية وحسب، فضلاً عن حوادث الاغتصاب، التي ستدلّ طريقة معالجتها على العقلية التي سيعالج بها المجتمع قضاياه بدءاً من الآن. في الواقع، لم يكن للثورة السورية أن تكون ما عليه الآن لولا المساهمة الفعالة للمرأة، وسيكون مستحقاً لها أن تقطف نتائجها بالقدر الذي تحملت به مسؤولياتها الآن، وبقدر ما تتحمله مستقبلاً. مرة أخرى؛ الأمر لا يتعلق فقط بالرغبات أو بالنوايا الحسنة للبعض، إنه يتعلق بالدرجة الأولى بمدى استفادة المرأة من الظروف الاجتماعية المستجدة، ولن نجانب الأخلاق إن استطردنا بالقول: بما في ذلك الظروف الإنسانية المأسوية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الكذب ملح الديكتاتور والثورة عليه ثالثهما

دلال البزري

المستقبل

16-9-2012

بالكذب المديد تفوّق الأسدين، الأب ووريثه، على نصائح مكيافيلي لأميره. صنعا من الكذب الضفائر، أطالا حبْله، حمياه من الانكشاف، جعلاه عريقاً، متجاوزاً حدود جغرافيتهما، حولاه الى فضيلة. على يديهما صار الكذب "ذكاء"، "تدبّراً"، مرونة، ركن من أركان الحكم "الصالح".

لم يترك الأب، وبعده وريثه، باباً من الكذب إلا وطرقه: قال عن نفسه انه علماني، اشتراكي، وحدوي، من أجل فلسطين يحارب الصهيونية والامبريالية، يحبه شعبه حتى الثمالة.

أمدّ جواره الطيّع، اللبناني والفلسطيني، خصوصاً، بهذه الصناعة، فخلق الدمى المردّدة لبضاعته؛ والصرخة واحدة "انها اسرائيل!".... عقود من الزمن والرهط يسجل "الإنتصارات" الواحد تلو الأخرى، فتسرّبت الأكاذيب الى مسام الناس، يصدقونها، يريدون تصديقها، ويكذبون بدورهم، من فرط حراستها... فصرنا "مجتمعات الكذّابين"، نصدق أنفسنا، كما يصدق الحكام أنفسهم... فنصبح عفويين، صادقين بكذبنا، منافقين بالفطرة. مع الحفاظ طبعا على المقامات: الجالس على العرش، أو العريش، يصدر الاكاذيب بوعي تام وإمساك أتمّ بحبالها الغليظة والدقيقة. فيما نحن، تحت، نستهلكها، نمضغها ونبتلعها، سذاجة أو تواطؤا.

مع أن هذه الاكاذيب لا تحتاج إلى الذكاء الطبيعي لكي تنكشف. أمام أعيننا... الجولان، والطائفية والثراء الفاحش غير المشروع، والتجربتان اللبنانية والفلسطينية، والإمبريالية والصهيونية، و"التأييد" الذي يبذل "الروح والدم" من اجله... لا حاجة إلى براهين علمية، لا حاجة الى المسافة لكي ينكشف الهراء الموصوف؛ لكن القائمين لا يطيقون الإنكشاف. من الأول يعملون بالقاعدة الذهبية المكيافيلية: "لا تعرض أكاذيبك للتدقيق أو الفحص"، أي، من أول الطريق، كمّم الأفواه، ومن يعاند منهم، أغلق عليه في السجن سنوات، عذّبه، ربِّيه، علّم الآخرين به. واذا جازفت بالإعلان عن كذبة غير مقنعة، فاخترع أكاذيب أخرى، أكثر فداحة، أكثر قابلية للتصديق... هكذا كانت تعيش سوريا، هكذا كنا في لبنان نتلقى تفاعلات المنظومة التكاذبية، نتحمس لها، نموت من أجلها، نخرّب ديارنا واتفاقاتنا وتفاهماتنا، فقط لأن العديد من بيننا ممعن في تصديق الكذبة، بل في "النضال" في سبيل تثبيتها الى يوم الساعة. غرقنا في الأكاذيب، ولم نعد نراها، ولا نشعر بأذاها على صحتنا النفسية، على صحتنا العقلية. وصرنا نحتاج، ونحن أمام الخطاب المعتمد لدى فروع اللبنانية من المنظومة الأسدية، إلى تفكيك طبقات الكذب المعمّرة، ومستوياته المتشابكة.

من بين ما فعلته الثورة السورية أنها نالت من منظومة الكذب. قامت بفعل أخلاقي من الدرجة الأولى. قطعت مع الصمت، مع الكذب، السلبي والايجابي، خاضت في الصدق، فصرخت: "لا! هذا النظام لا هو تنموي ولا وحدوي ولا علماني ولا تحرري... وفوق كل ذلك، نحن لا نحبه على الاطلاق". قالت انه كذّب علينا طوال عقود، وها نحن الآن لم نعد نحتمل تصديق أكاذيبه. نحن لحظة صدق، نعد انفسنا بالصدق، وبعدم السكوت بعد الآن. فخرج السوريون يتظاهرون، يجهرون بحقيقة ما هم عليه، غير خائفين، بعد الآن، من رفع الحجاب عن الكذب الذي قام على أساسه نظامهم.

هل هي رياح الثورات العربية فحسب؟ بل هي شيء إضافي... شحٌّ أصاب بنك الأكاذيب، فوقع في فخ التكرار من دون عبقرية البهلوانيات السابقة، من دون شعوذاتها... كل هذه المهارات كان لها نصيب وافر في حقبة، تغيرت الآن؛ ثورة سلمية، في بدايتها، تهز الهيكل "النظري" الذي قام عليه، والذي من دونه لا يعرف ان يحكم، هيكل الكذب المترامي الأطراف. هكذا تفهم الرصاصات التي تصدّت للمتظاهرين المسالمين، انه دفاع النظام عن نفسه، عبر دفاعه عن اكاذيبه. ماذا في بنكه المفلس؟ "إرهاببين"، "مسلحين"، "سلفيين"، "فلسطين"، "الصهيونية"، "الامبريالية"... مواد فاسدة، اقتربت كثيرا من العفن، خصوصا عندما تقصف قوات النظام العمارات على من فيها، وتقول انها من أعمال الشيطان القاعدي...

فيما بنك الكشف لدى الثورة لا يتوقف عن الغرف من الحقيقة: لولاها، من سوى "النخب" سوف يكون على بيّنة من مجزرة حماه التي حجبها النظام بالكذب، بالصمت عنها، بالغاء الشهود عليها، لإخراسهم؟ من سيعرف رامي مخلوف، واسماء الاسد، وآل الأسد جميعا، لولا تجلي تخريفاتهم جميعا؟ لولا حمى العمليات الانتحارية الاعلامية التي خاضها الشباب السوري، لتغطية الردود التي يقابل بها النظام شجاعة مواطنيه؟

إنتبه العديدون، في بداية الثورة انها، هذه المرة، سوف لن تمر على سلام، لن تمر كمجزرة حماه، من دون حس ولا خبر. هي اليوم مغطاة إعلاميا، تضرب ركناً حيوياً من أركان النظام، المصهور بالإذعان للكذب... وبعد ذلك، وعلى الرغم من كل ذلك، يأتيك من هذا النظام نفسه ويدين أكاذيب معارضيه. صلافة بلا حدود! لكن هيهات... في جعبة الثورة المزيد من الحقائق تحررت من ثقل الأكاذيب.

هل من باب الصدف ان يكون حلفاء النظام السوري يشبهونه، من هذه الناحية بالذات، من دون ان يتوصلوا، حتى الآن على الأقل، الى حدّ القتل والتدمير المنظَّمين بحق شعوبهم. الروس والايرانيون، مع "أذرعتهم"، هم على شاكلته نفسها، من دون إمتحان قاس، كالذي يتعرض له النظام السوري "الشقيق". جميعهم يخضعون شعوبهم وجماهيرهم بالصمت عن الاكاذيب. أطرف الوقائع الايرانية، وبتنا نعرفها جميعا، تلك الترجمة المحرِّفة لخطابي مرسي وبان كي مون في مؤتمر عدم الانحياز في طهران... ولكن أعمق من ذلك، ان في النظامين وشركائهما لا صحافة تفضح ولا مداولة (حقيقية) تحاسب ولا حرية تعبير تُصان. مال الحقيقة السائب يشجّع الحكام على المزيد من الحرام، المزيد من التمرس على التزييف النشط؛ ولكن الخاوي أيضا، المكرر، المحفوظ. الحلفاء "الراشدون" هؤلاء لا يتوقفون عن نسخ أكاذيب النظام السوري، داعمين بذلك، أخا وصديقا نشأ على صورتهم ذاتها، فكانت القرابة تلقائية، وجودية، قبل أن تكون مصلحية.

الآن، طبعاً، سوف يكون هناك من ينبري، بالسؤال المضاد: هل هذا يعني بأن الانظمة الغربية المؤيدة، تأييداً محدوداً، للثورة السورية، لا تمارس الكذب؟ طبعا تمارسه، طالما ان السياسة بالتعريف تحتاج الى الكذب. ولكن.... الكثير من اللكن: ان هذه الأنظمة الذي تحتضن الكذب الضروري تضع حدودا له، يصعب تجاوزها. هو النظام الديموقراطي الذي يسمح بتغيير الحكم دوريا عبر انتخابات غير إيمائية. هو ليس النظام الطوباوي الحالم، انه فقط الأقل سوءاً من بين أنظمة اختبرتها البشرية. لذلك، فان الحقيقة عنده، فاضحة الكذب، ليست مطلقة، لأن الكذب فيها أيضا ليس مطلقا، بل نسبي، مثل الحقيقة. وهذا النسبي الذي لا يعجبنا، خارق بقوته: بفضله كشفت أكاذيب الاميركيين في العراق وأفغانستان وسجون غوانتانامو، والاكاذيب الداخلية من احتيالات ومخالفات وهدر وفساد الخ. هو ليس المجتمع الفاضل المشتهى، ولكنه جنة من الفضائل قياسا الى كذب الاستبداد ومخلفاته. انه نظام قريب من الطبائع البشرية، حيث يتعايش الكذب مع الصدق ويتعاركان.

تريدون آخر الأمثال على ذلك؟ جو بايدن، نائب أوباما في الرئاسيات المقبلة، يأخذ عليه المحلّلون "حماقاته"، ويرونها نقطة ضعف الرئيس المرشح. ويقصدون بها، أي "الحماقات"، عدم قدرة بايدن المكررّة على إخفاء رأيه، والتفوه بكلام يضرّ بتوجهات الادارة القائمة. ولكن هناك أيضا من يرى ان "الحماقة" بالنسبة لرجل سياسي هي قوله حقيقة لا يقولها زملاؤه، وعندما يرتكبها رجل مثل بايدن، فهذا دليل على "أصالته"، لا على غبائه أو قلّة "ذكائه"...

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا حركت إيران خلاياها في تركيا؟

سمير صالحة

الشرق الاوسط

16-9-2012

العلاقات التركية - الإيرانية التي تقدم نفسها على أنها أفضل نماذج التعاون والانفتاح الإقليمي بسبب براغماتيتها وواقعيتها على طريقة «شيلني أشيلك»، مهددة بالتراجع والتدهور نتيجة الامتحان الصعب الذي تمر به بعد تباعد الرؤى وتضارب المصالح حيال الأزمة السورية والموقف من النظام في دمشق.

مقاربة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الأخيرة أمام مؤتمر «الصحوة العربية» الذي عقد في إسطنبول بين ما يجري اليوم في سوريا وما جرى قبل عقود في كربلاء وحديثه عن متعصبين في المنطقة يدعمون النظام السوري، رسالة واضحة حول أن المقصود هو القيادة الإيرانية التي لم يذكرها بالاسم. الأخبار والمعلومات التي تتناقلها وسائل الإعلام التركية وتصريحات قيادات «العدالة والتنمية» تعكس احتمال اقتراب المواجهة التي اختارت أنقرة تأجيل موعدها وترجيح لعب ورقة مرور الزمن.

فما الذي أغضب أنقرة على هذا النحو وتركها أمام خيار التفريط في مليارات الدولارات من التعاون التجاري مع إيران؟ هل هو شعورها أن طهران لن تغير مواقفها حيال ما يجري في سوريا ولن تتراجع عن خيار الوقوف إلى جانب النظام، أم قناعتها باستحالة المضي في لعبة المساواة بين علاقاتها مع طهران والتمسك بشراكتها مع الغرب، أم اكتشافها لتحرك إيراني جديد باتجاه بناء وتوسيع رقعة التحالفات مع أعداء تركيا وكل من له مصلحة في إسقاط حكومة «العدالة والتنمية»؟

إيران أرسلت العشرات من رجال أمنها إلى المدن التركية بمهمات متنوعة، وهي حركت مجددا خلاياها النائمة في المدن التركية منذ سقوط نظام الشاه المنفتح على تركيا والشركاء الغربيين، وها هي اليوم توسع شبكة العلاقات مع حزب العمال الكردستاني وتعمل على إعادة الحياة إلى حزب الله التركي.. هذا ليس ما تقوله التقارير الأمنية والاستخباراتية وحدها، بل ما تعكسه عمليات المداهمة والاعتقال والنشاطات العدائية شبه اليومية التي تتناقلها وسائل الإعلام التي تصب كلها في إطار الضغط على تركيا لتبديل سياساتها حيال الأزمة السورية وقرار التعاون مع الغرب في موضوع نشر مظلات الصواريخ والملف النووي الإيراني.

معلومات أمنية تتحدث عن دخول أكثر من 100 رجل من الحرس الثوري الإيراني وأجهزة المخابرات هذا العام وحده إلى الأراضي التركية ونجاح هذه المجموعات في الاختراق والتغلغل وإقامة شبكة علاقات قوية في العديد من المدن التركية بغطاء تجاري ودبلوماسي وثقافي وإعلامي. عشرات الموقوفين والمعتقلين الذين يجري التحقيق معهم أو تمت إحالتهم إلى القضاء وجهت إليهم تهم التجسس والتحضير لعمليات تخريبية داخل المدن التركية.

صور وأفلام موثقة حول لقاءات بين رجال الأمن الإيراني وشبان أتراك محسوبين على حزب العمال لبحث سبل تبادل الخدمات.

عمليات تصوير ورصد لأهم المواقع الاستراتيجية الأمنية والاستخباراتية والحيوية في المدن التركية الحدودية مع إيران مثل أغدر وأغري وفان وهكاري.

تفكيك الكثير من الخلايا التي تم تركيبها أو محاولات إنعاش خلايا قديمة لحزب الله التركي وإحالة العشرات من المواطنين الأتراك والإيرانيين إلى القضاء بتهم تهديد الأمن الوطني.

ربما الدخول المباشر لجهاز المخابرات التركية (الميت) على الخط وتحركه لقطع الطريق على هذه النشاطات يعكس حجم الأزمة وبروز قناعة تركية رسمية حول إصرار إيران على استهداف وزعزعة الداخل التركي.

أكثر ما يزعج أردوغان وحكومته في هذه الآونة إلى جانب هذا الكم من التقارير الأمنية حول تحركات الأمن الإيراني، ليس تمسك أنقرة بوقوفها إلى جانب إيران في مجلس الأمن الدولي رغم كل ضغوط الشركاء الغربيين، بل محاولة طهران إضعاف الموقف التركي في الموضوع السوري بهذه الطريقة التي يتقدمها تحريض المعارضة التركية واللعب بورقتها من أجل تخفيف الضغوط على النظام في دمشق، واحتمال تحريك مجموعات حزب العمال وعملاء مأجورين لاستهداف رموز المعارضة السورية المقيمين على الأراضي التركية والذين عجزت دمشق عن الوصول إليهم.

أنقرة بدأت الرد أمنيا وسياسيا وقضائيا وإعلاميا، لكن 3 زيارات متلاحقة لرئيس جهاز الاستخبارات الأميركية إلى تركيا في عام واحد لها أكثر من مدلول، فإيران ونشاطاتها في تركيا في قلب هذه الاتصالات كما يبدو.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا تفشل كل المبادرات في سوريا؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

16-9-2012

لعل الأهم فيما يميز الأزمة في سوريا، يتجسد في الفشل المتكرر الذي أصاب كل المبادرات التي أطلقت لمعالجة الأزمة في سوريا بصورة كلية أو في بعض من جوانبها. وهذه الحكم لا يتصل فقط بالمبادرات الدولية التي بينها مبادرة السيد كوفي أنان، والتي يحاول المبعوث الدولي والعربي الجديد الأخضر الإبراهيمي إحياءها مع بعض التعديلات، وإنما ينطبق على المبادرات الإقليمية، وقد طرحت جامعة الدول العربية اثنتين منها، وينطبق الأمر أيضا على مبادرات سورية محلية، آخرها موضوع عقد مؤتمر إنقاذ وطني، تصارع الموت قبل عقد المؤتمر بعد أن أعلن بعض المشاركين في الإعداد له انفصالهم عنه، مما يشير إلى فشل مؤكد للمؤتمر، وهو مصير يماثل مصير مبادرة رسمية قامت بها السلطات في العام الماضي عندما عقدت مؤتمر الحوار الوطني برئاسة فاروق الشرع، وتراجعت عن تنفيذ مقرراته وتوصياته.

وفشل المبادرات الدولية والإقليمية والمحلية الهادفة إلى معالجة الوضع السوري، لا يستثني فشل مبادرات أطلقتها كتل المعارضة وجماعاتها. وكلها لم يكن مصيرها أفضل من سابقاتها، ولعل المثال الأبرز والأوضح في هذا كان مؤتمر المعارضة في القاهرة الذي انعقد تحت رعاية جامعة الدول العربية، وضم أغلب كتل المعارضة السورية ومعظم جماعاتها، وسط بيئة إيجابية أدت إلى إقرار وثيقتين أساسيتين: العهد الوطني والمرحلة الانتقالية، دون أن يصل المشاركون فيه إلى عدم توافق يتجاوز ذلك، بل إن كتله الرئيسية كرست الاختلاف في ثلاث نقاط، أولها انسحاب المجلس الوطني الكردي، والثاني رفض المجلس الوطني تشكيل لجنة متابعة مسؤولة، والثالث تحفظات أثارتها هيئة التنسيق الوطني.

وسط تلك الدوامة من الفشل المتكرر في موضوع المبادرات الهادفة إلى معالجة الوضع السوري في كليته أو بعض مفاصله وحيثياته، يطرح السؤال الجوهري نفسه: لماذا فشلت وتفشل كل تلك المبادرات، خاصة أن معظم المعنيين بالوضع السوري لا يتوقعون سوى الفشل لمهمة الأخضر الإبراهيمي الحالية؟

وتتطلب الإجابة عن هذا السؤال ملاحظة أربع نقاط رئيسية؛ الأولى فيها تتصل بعدم توفر إرادة دولية موحدة، وهذه حقيقة مكرسة في مسارات الأزمة السورية في مجلس الأمن الدولي وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث الانقسام واضح ليس كما هو شائع فقط بين روسيا والصين وآخرين من جهة، وكل من الولايات المتحدة والدول الغربية والعربية وتركيا، بل إن الاختلاف والخلاف قائم بين الدول المنتمية إلى كل طرف، وطالما أن المجتمع الدولي على هذا النحو من الانقسام والاختلاف، فإن أيا من المبادرات لن تنجح، حتى لو تم تمرير بعض هذه المبادرات في مجلس الأمن الدولي، لأن تلك المبادرات تتضمن في مضمونها أسباب عدم نجاحها، بل هي لا تملك آلية تتجاوز من خلالها العقبات التي تعترضها أساسا.

النقطة الثانية أن بلدان الجوار السوري والقوى الإقليمية تعاني من ضعف لا يمكنها من تدخل حاسم في الوضع السوري. والأمر في هذا الجانب لا يتعلق بالجانب العسكري على الرغم من أهميته. بل أيضا بجوانب سياسية واقتصادية واجتماعية، تدفع جميعها دول الجوار السوري والقوى الإقليمية بعيدا عن الدخول العميق في الوضع السوري، ولعل المثال التركي هو الأبرز، إذ يمكن لتداعيات الوضع السوري أن تأخذ تركيا إلى كارثة محققة، فيما لو تحركت وتوحدت عناصر قومية وطائفية ودينية وسياسية ومسلحة، في مواجهة سلطة العدالة والتنمية التي يقودها أردوغان.

وتتعلق النقطة الثالثة بالمعارضة السورية التي ظهرت ضعيفة ومرتبكة وقليلة الخبرة، إضافة إلى انقسامها وغياب الرؤية السياسية عند الأهم من كتلها وجماعاتها، بل معظم تلك الملامح موجودة داخل الحراك السوري في شقيه المدني والعسكري، الأمر الذي أعاق ثورة السوريين على الرغم من التضحيات الكبيرة عن امتلاك القوة اللازمة والكافية لتحقيق الهدف الرئيسي في تغيير أو إسقاط النظام.

وبالتقدير، فإن النقطة الرابعة هي الأهم والأكثر تأثيرا على الرغم من أهمية النقاط الثلاث السابقة. وتتعلق النقطة الرابعة بالنظام الحاكم الذي من الواضح أنه أقام قطيعة بينه وبين السياسة، واختار خط المعالجة الأمنية - العسكرية إلى نقطة النهاية، الأمر الذي يعني أنه يغلق الباب أمام كل المبادرات السياسية، التي لا شك أنها تقوم على توافق واتفاق وتنازلات للخروج من أوضاع، ثبت أن المعالجات الأمنية - العسكرية لا تستطيع معالجتها وإيجاد حلول لها.

إن بقاء الأحوال المحيطة بالوضع السوري على ما هي عليه من حيث غياب الإرادة الدولية الموحدة، وضعف الجوار السوري وقواه الإقليمية، وبقاء أوضاع المعارضة على ما هي عليه، واستمرار النظام في مواقفه وسياساته، إنما يعني بالدرجة الأولى أن من المستحيل نجاح أي مبادرة تتعلق بسوريا، وأن الطموح إلى نجاح أي مبادرة يفرض تغييرا جوهريا في الأحوال المحيطة، والأهم في ذلك أمران؛ أولهما تغيير في الموقف الدولي نحو إرادة وموقف واحد، أو تغيير وتبدل في مواقف النظام وسياساته، وقد نحتاج الاثنين معا إذا كانت الرغبة في معالجة سلمية وهادئة وجوهرية للوضع السوري.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دلالات مهمة للموقف البابوي من سوريا

وتوقّع الوضوح الكامل لم يكن في محله

روزانا بومنصف

2012-09-17

النهار

خصّ البابا بينيديكتوس السادس عشر سوريا بكلام قوي وذات دلالات رمزية ثلاث مرات في ابرز محطاته في زيارته للبنان لثلاثة ايام والذي وجه منه رسائل اليه والى دول المنطقة على نحو شكل دليلا قويا على مدى القلق الذي يساور الكرسي الرسولي من الوضع في سوريا ككل ومصير المسيحيين فيه. لكنه لم يشف في اي من هذه المحطات غليل المتعطشين الى معرفة موقف الكرسي الرسولي من الاحداث السورية والى اي جانب يتعين على المسيحيين السوريين ان يكونوا اي الى جانب النظام ام الى جانب الثورة باعتبار ان ثمة التباسا كبيرا في موضوع المسيحيين في سوريا في ظل كلام عن توظيفهم من النظام لمصلحته على اساس انه يحميهم وكلام اخر عن كونهم جزءا اساسيا من الثورة جنبا الى جنب الثوار ومعهم. لذلك كان هناك تطلع قوي الى موقف الكرسي الرسولي من اجل المساعدة في هذا الشأن على قاعدة ان موقفه يمكن ان يساعد او يساهم في تسريع الامور وحسمها في سوريا. وهناك انتقادات يسوقها من يتابع مواقف الفاتيكان ويهمه ايحائه بدفع ما في هذا الاتجاه او ذاك عطفا على الارجح على مواقف الكنيسة الارثوذكسية في روسيا التى رجعت صدى الدعم الذي يقدمه النظام الروسي للنظام السوري تحت شعار الدفاع عن المسيحيين في سوريا ضد غلبة محتملة للاسلاميين. وقد سرى هذا الانطباع على نطاق واسع قبل اشهر قليلة الى حد طغيان هذه الفكرة في السياسة الروسية ايضا ازاء ما يجري في سوريا.

البعض يقول ان الكلام الذي تحدث فيه رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم عن "الربيع العربي" وهو في الطائرة التي قادته الى بيروت قائلا ان "الربيع العربي امر ايجابي ويعبر عن رغبة بالمزيد من الديمقراطية والحرية والتعاون وبهوية عربية متجددة وهي صرخة الحرية الصادرة من شباب يرغب في المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية" هو دعم قوي من الكرسي الرسولي للثورات القائمة ومن بينها الثورة في سوريا التي ادرجها في اطار الربيع العربي وفق التسمية التي سرت على كل الثورات التي شهدها العالم العربي ووضعها في السياق الذي وضعته الثورات القائمة. وهو قال انها "امر ايجابي جدا وكانت موضع ترحيب تحديدا من قبلنا كمسيحيين" داحضا بذلك ما يذهب اليه النظام السوري في وصفه للثورة والثوار واتهامهم بالارهاب وداحضا الكلام على حياد للمسيحيين وعدم دعمهم الثورات العربية. وفي دعوته في الحديث نفسه الى عدم توريد السلاح الى سوريا على اساس ان توريد السلاح خطيئة يعتبر معنيون ان كلامه حمال اوجه باعتبار انه امر قد ينطبق على الثوار كما ينطبق على النظام ايضا علما ان المقصود وفقا لما قد يفهم البعض ويسعى الى توظيفه قد يكون عدم توريد السلاح للمعارضة الامر الذي قد يفيد منه النظام بحيث يتمكن اكثر من استهداف الثوار والمعارضين. في حين يقول اخرون ان نبذ العنف والدعوة الى الحوار والسلام تعني في كلامه منع السلاح من اي جهة ولاي جهة اتى وما معناه منع تسعير الحرب من الخارج بتوريد السلاح للافرقاء المتحاربين. وبذلك يبدو الكلام البابوي موازنا في هذا الاطار على نحو غير حاسم بالنسبة الى من علل النفس بموقف واضح للفاتيكان في هذا الاطار.

وفي الاشارتين الاخيرتين الى سوريا حيا البابا في اللقاء مع الشبيبة "شجاعة الشباب السوري" قائلا "انا حزين لالامكم وان الاوان لوقف العنف". وهي الرسالة نفسها التي حملها كلامه في عظته في اثناء القداس في وسط بيروت حيث سأل "لماذا كل هذا العنف داعيا المجموعة الدولية والدول العربية الى اقتراح حلول تحترم كرامة كل شخص وحقوقه وداعيا الى السلام في سوريا".

وتقول مصادر معنية ان توقع مواقف اكثر وضوحا من البابا قد يكون في غير محله ولن يكون لبنان على الاقل المكان المثالي لاعلان مثل هذه المواقف في حال قرر الذهاب ابعد مما قاله معتبرة ان ما قيل هو اكثر ما يمكن ان يقترب منه الفاتيكان من الموضوع السوري علنا على الاقل علما انه اقترب اكثر ما يمكن من سوريا جغرافيا من خلال زيارة البابا للبنان. فالكرسي الرسولي يدرك جيدا الاصطفافات السياسية اللبنانية مع النظام السوري وضده والتداعيات السورية على لبنان تبعا لما يجري هناك بما يجعل صعبا لا بل مستحيلا عليه ان يخوض غمار مثل هذا الموضوع خصوصا ان احد ابرز محاور زيارته ورسالته الى لبنان والمنطقة هو السلام والتعاون من اجل السلام. لا بل ان بعض حلفاء النظام من المسيحيين اللبنانيين كان استبق زيارة البابا بايام عدة بحيث ربط مصير المسيحيين ومصير لبنان بمصير النظام سلبا او ايجابا في محاولة للتأثير في مواقف الكرسي الرسولي وتوجيه رسالة مسبقة في هذا الاطار. وبحسب المصادر نفسها فان الخطوط السياسية حددها البابا وفقا لمبادىء الكنيسة وقيمها والقيم الانسانية تاركا للدول والانظمة المجال لتحمل مسؤوليتها في هذا الاطار وفقا للدعوة الصريحة التي وجهها الى كل من المجموعة الدولية وللدول العربية اكثر من اجل المساهمة في هذا الاطار وتقديم الحل السياسي.

فهل سيخضع هذا الجانب من زيارة البابا الى التجاذب التقليدي الذي تخضع له الامور في لبنان على وقع الاصطفاف السياسي المعروف؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية ومظلة «الحرس»

الإثنين ١٧ سبتمبر ٢٠١٢

غسان شربل

الحياة

ماذا أراد الجنرال محمد علي جعفري أن يقول لأهل المنطقة والدول الكبرى؟ هل أراد التأكيد أن مسألة الوجود الإيراني في سورية ولبنان هي مسألة حياة أو موت لبلاده؟ وأن إيران ستذهب في هذا النزاع إلى آخره حتى ولو تحول حرباً أهلية إقليمية؟ وأن الاحتفاظ بسورية في محور الممانعة يستحق مجازفات من نوع توسيع التوترات والتهديدات وربما المواجهات؟ وأن طهران لا موسكو هي الحامي الميداني للنظام السوري وعلى كل المتعاملين مع هذا الملف أن يدركوا «أن إسقاط النظام السوري خط أحمر»؟.

المواكبون للهجوم الإيراني في الإقليم يعتقدون أن لا قدرة للنظام الإيراني على احتمال خسارة سورية. لا المرشد يستطيع احتمال خسارة بهذا الحجم ولا «الحرس الثوري» يستطيع. وأن أكلاف الدفاع عن النظام السوري تبقى على فداحتها أقل بكثير من ثمن ضياع الحلقة السورية. خسارة سورية تعني أيضاً عودة «حزب الله» لاعباً محلياً مفتقراً إلى القدرة على إطلاق حرب أو صدها.

لافت أن يطل الجنرال جعفري القائد الأعلى لـ «الحرس الثوري» الإيراني ليعترف أن «عدداً من أعضاء قوة القدس موجودون في سورية لكن هذا لا يمثل وجوداً عسكرياً»، مشيراً إلى أن دورهم يقتصر على تقديم المساعدة الفكرية والمشورة وحتى المساعدة المالية. لكنه أوضح أن إيران ستقدم أيضاً الدعم العسكري إذا تعرضت سورية لهجوم عسكري. كذلك أكد جعفري وجود المستشارين في لبنان.

لم يكن وجود المستشارين الإيرانيين سراً، لا في سورية ولا في لبنان. لكنها المرة الأولى التي تؤكد فيها إيران رسمياً وعلناً مثل هذا الوجود في البلدين. والأكيد أن الإعلان ليس زلة لسان. إنه رسالة للمعارضة السورية ولداعميها على الصعيدين الإقليمي والدولي والمطالبين بـ «الانتقال السياسي».

وإذا كان لا بد من الالتفات إلى توقيت الإعلان الإيراني يمكن إيراد ملاحظات عدة. جاء الإعلان في وقت تنشغل فيه المنطقة بذيول الفيلم المسيء واستهداف السفارات الأميركية خصوصاً في بلدان «الربيع العربي». جاء أيضاً بعد اللوم الذي وجهته وكالة الطاقة الذرية إلى إيران بسبب عدم تعاونها. كما جاء غداة استقبال الرئيس بشار الأسد مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي الذي يعتقد أن الانتقال السياسي يعني بالضرورة تنحي الأسد وبغض النظر عن التوقيت. ويمكن القول أيضاً إنها جاءت عشية اللقاء المفترض للجنة الرباعية الإقليمية التي اقترحها الرئيس محمد مرسي. وإذا كانت مواقف مرسي التي تطالب برحيل الأسد سددت ضربة إلى الرباعية قبل انطلاقها فإن تصريحات الجنرال الإيراني أطلقت عليها رصاصة الرحمة.

لا يمكن فصل تصريحات جعفري عن تصريحات الجنرال يحيى رحيم صفوي مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية للشؤون العسكرية. قال:»إن نفذ الكيان الصهيوني أي شيء ضدنا، فإن مجموعات المقاومة، خصوصاً حزب الله لبنان، سترد بكل سهولة على هذا الكيان باعتبارها تشكل عمق دفاعنا الاستراتيجي». وإذا كانت إيران تفرد مثل هذا الدور لترسانة «حزب الله» فكيف ستسمح بتغيير في سورية يقطع شريان الاتصال بهذه الترسانة التي يقول السيد حسن نصرالله إنها قادرة على إلحاق أفدح الأضرار بإسرائيل وعشرات آلاف الإسرائيليين.

إننا أمام مأزق دموي رهيب في سورية. النظام لم يعد في وارد التراجع بعد كل الذي فعل. والمعارضة ليست في وارد التراجع بعد كل ما قدمت. إيران ليست في وارد التراجع. والمطالبون بتنحي الأسد يصعب عليهم التراجع أيضاً. الإعلان الصريح عن تمتع النظام السوري بمظلة «الحرس الثوري» ومستشاريه سيجتذب إلى الساحة السورية مزيداً من المتطوعين والجهاديين، خصوصاً أن لهذه المظلة امتداداتها العراقية واللبنانية.

لم يفعل كوفي أنان أكثر من إضافة فصل إلى مذكراته. لا نتمنى لمهمة الإبراهيمي مصيراً مشابهاً لكن الرسائل توحي أن عذابات الشعب السوري ستتفاقم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بدايات الشبيحة

فادي سعد *

الإثنين ١٧ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

أظهر الشبيحة السوريون وحشيتهم في تعاملهم مع جيرانهم وأبناء منطقتهم، ومع الضعفاء من أبناء عشائر أقل عدداً وأضعف. وهم يظهرونه اليوم بأقصى عنف ووحشية عرفتهما سورية ربما في تاريخها السياسي.

ينتمي الشبيحة الأوائل، في كل قياداتهم، إلى المذهب الكلازي، وهو القسم الأكبر من العلوييين، مقابل المذهب الحيدري، وهم كعائلة أقل عدداً وقوة ومكانة اجتماعية من بقية العلويين.

وعلى رغم أن البحث في الأصول العائلية لقيادات الشبيحة والذين يعودون في معظمهم الى بيت الأسد يبعث على استهجان أهالي اللاذقية ريفاً قبل المدينة، فما من أحد يعرف أصول عائلة الأسد ما قبل الجد الأول لهم، وهو والد سليمان الأسد أو جده على أبعد تقدير.

وهذا سبب في تكوين الشبيحة النفسي: البحث عن مجد ضائع، عن كيان ما يحميهم وجودياً كاسم. ولأجل ذلك كانت العصابة هي الملاذ والتعويض النفسي والوجودي عن الاسم الضائع.

وعدا الأسباب النفسية في تكوينهم، والوظيفة السياسية التي سنتعرض لها تالياً، كان للشبيحة منذ ان وجدوا في مدينة اللاذقية وريفها ومن ثم جبلة، دور اجتماعي سياسي مزدوج، يتجلّى في تجميع الشباب العاطل من العمل في إطار ممسوك بقسوة، يمنعهم من ممارسة أي دور سياسي ضد النظام القائم باعتبارهم ينتمون الى الطائفة نفسها. وبهذا يصار إلى إفراغ الطائفة من المقاومة والمعارضة السياسية للنظام القائم، الأمر الذي لو حصل لكان إدانة للنظام من قلبه وصميمه وبداية لانهياره: ذاك أن معارضة الطائفة تفقده مبرّر وجوده المزعوم عندها وهو تمثيلها وحمايتها.

لقد كان من الواضح ان «القيادة السياسية» وضعت منذ البداية حدوداً لنطاق انتشار عصابات الشبيحة جغرافياً، أقصاها محافظة اللاذقية، وتمّ الحفاظ على ضوابط واضحة في التعامل مع المختلفين من العلويين «الحيدريين» ومن سنّة اللاذقية ومسيحييها، فكانوا الكتلة الخانعة الصامتة عن ممارسات هؤلاء مقابل عدم التطاول عليهم. لقد تمّ توظيف الشبيحة كميليشيا من الزعران والقتلة لإخضاع مجتمع اللاذقية الذي يملك غير قليل من بذور ومظاهر المعارضة السياسية ممثلة آنذاك بحزب العمل الشيوعي وبقية الحركات السرية المناهضة لحكم الأسد، وهذه كانت الغاية الحقيقية غير المعلنة لمليشيات الشبيحة المختلفة والمرتبطة كلها بقيادات من آل الأسد وأقاربهم، والمدعومة من أجهزة الأمن في اللاذقية، او الصامتة عنها على الأقل. وكان حافظ الأسد مدركاً أن هذه المليشيات سلاح وقوة احتياطية يحتاجها في إخضاع علويي اللاذقية، باعتبار أن علويي طرطوس منخرطون بشكل واسع في أجهزة المخابرت والجيش أو هم مأمونو الجانب لأنهم مرتبوطون بالنظام في لقمة عيشهم، وبولاء بعثي يضاف إليه ولاء عشائري وطائفي.

هكذا تكوّن الشبيحة. وها هو النظام اليوم يعمّم ويطوّر استخدام هذه العصابات ليجعل منها ذراعه المرعب في ارتكاب مذابح شنيعة ضد الشعب السوري علّه يردعه أو يرهبه فيوقف ثورته.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مستقبل مهمة الإبراهيمي

محمد مجاهد الزيات

عكاظ

التاريخ: 18 سبتمبر 2012

قام الأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي والأممي الخاص بالأزمة السورية بزيارة إلى دمشق التقى خلالها بشخصيات من هيئة التنسيق المعارضة، وكذلك برئيس النظام السوري. وصرح عقب هذا اللقاء بأنه سيقوم بزيارات للدول المعنية بالأزمة( إقليمية ودولية)، كما سيلتقي ببان كي مون، وبعدها سيقوم بوضع خريطة طريق لحل الأزمة. حديث الإبراهيمي يشير إلى عدد من الحقائق الجديرة بالاهتمام منها: أنه لا يوجد أي آفق سياسي لحل الأزمة السورية حتى الآن. وثانيا: إن الإبراهيمي يتحرك من نقطة الصفر، كأنه لم تسبقه جهود لأطراف مختلفة، وأنه سيتشاور مع الأطراف المختلفة لصياغة استراتيجية للحل، وهو ما يعني أن يتواصل نزيف الدماء، وأن الجهود السياسية لا ترقى إلى خطورة ما يجري على الأرض وممارسات النظام. هكذا يتضح أن مهمة الإبراهيمي والتي لا تزال في بدايتها، لا تحمل الكثير من التفاؤل. وعلى الناحية الأخرى عقد أطراف المبادرة الرباعية التي اقترحتها مصر أول اجتماع لها في القاهرة، فهل تملك هذه المبادرة فرصا أوسع مما امتلكه الإبراهيمي.

الحقيقة أن المبادرة تضم دولا إقليمية لها وزنها وتأثيرها الإقليمي هي مصر، والمملكة، وتركيا، والدول الثلاث لها وجهات نظر واضحة تطالب النظام السوري بوقف ممارساته والرحيل حقنا لدماء السوريين. إلا أن إيران وهي الطرف الرابع تساند وتدعم النظام بصورة كبيرة. وبالتالي من الصعب تصور حدوث اتفاق بينها وبين دول المبادرة الأخرى، بل إن مطالبة إيران بضم العراق التي تمتلك طهران نفوذا كبيرا في عملية صنع القرار فيها، وكذلك ضم فنزويلا ذات الصلة الوثيقة بنظام الأسد يكشف عن طبيعة النوايا الإيرانية ودورها المحتمل خلال اجتماعات دول المبادرة، ويطرح علامات استفهام حول الحرص الإيراني على تفعيل اجتماعاتها. وإذا ما كان المقصود بذلك الوصول إلى حل حقيقي للأزمة السورية، أم توفير المزيد من الفرص للنظام، واستثمار ذلك كله لخروج إيران من العزلة والمقاطعة التي تواجهها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأخضر الإبراهيمي: الرجل والمهمة

د. أحمد يوسف أحمد

تاريخ النشر: الثلاثاء 18 سبتمبر 2012

الاتحاد

بدأ الأخضر الإبراهيمي– ذلك الدبلوماسي العربي المخضرم ذو الخبرة الدولية العريضة الذي يحمل عبق الثورة الجزائرية- مهمته كمبعوث أممي عربي إلى سوريا في نهاية الأسبوع الماضي. يرى البعض أن مهمة الإبراهيمي شبه مستحيلة، أو هي مستحيلة بالفعل، وقد حرص الإبراهيمي أن يبدأ مهمته بأفكار عامة توضح منطلقاته، فهو لن يفعل شيئاً إلا إذا كان يحقق مصلحة الشعب السوري، والأزمة خطيرة ومتفاقمة، وخطرها لا ينسحب على سوريا وحدها، وإنما يمتد إلى محيطها العربي والإقليمي بل والعالمي، وأولويته هي وقف نزيف الدماء. يُصَعِّب من هذا أن مواقف الأطراف الداخلية متباعدة، لكن الأمل معقود على أن ثمة أرضية مشتركة تجمع بينها وهي حب سوريا.

بدأ الإبراهيمي أولى خطواته بزيارة إلى سوريا دامت أياماً ثلاثة التقى فيها وزير خارجيتها ثم رئيسها، كما التقى ممثلين عن معارضة الداخل ومنظمات المجتمع المدني. يلفت النظر أن تصريحات الرئيس السوري بعد اللقاء كانت امتداداً لتكتيك المراوغة الذي يتبعه النظام منذ بدء الأزمة، فآلية الحل لديه هي حوار سوري يرتكز إلى رغبات "جميع" السوريين، وهو يضمن بهذا أن يكون أنصاره في قلب الحوار، لكن الغامض في هذا الصدد هو مدى جدية مشاركة المعارضة في هذا الحوار طالما أن الرئيس السوري ما زال يتحدث عن "الإرهابيين" بما يوحي بأنهم يشكلون قوام المعارضة لنظامه، ويتسق مع هذا قوله بأن نجاح العمل السياسي مرتبط بالضغط على الدول التي تقوم بتمويل "الإرهابيين" وتدريبهم، وتهريب السلاح لسوريا لوقف القيام بهذه الأعمال، وأخيراً فإن الرئيس السوري حرص على أن يبين أن موقفه من مهمة الإبراهيمي هو الالتزام الكامل بالتعاون مع أي جهود جادة لحل الأزمة طالما التزمت "الحياد والاستقلالية"، أي أن تعاون النظام مع الإبراهيمي ومهمته سوف يتوقف فور ظهور أي بادرة تُشتَم منها رائحة الانحياز لخصوم النظام. فيما يتصل بمعارضة الداخل فقد اجتمع الإبراهيمي مع ممثلي "هيئة التنسيق للتغيير الوطني والديمقراطي"، وهي تضم أحزاباً عربية وكردية واشتراكية وماركسية، وصرح الناطق باسمها بأنه تم إطلاع الإبراهيمي على وجهة نظرها ووسائل الحل، وأن الهيئة تؤيد مهمته.

لم تدخل مهمة الإبراهيمي بعد في الدروب الخطرة، وتكتنف السير في هذه الدروب بأمان صعوبات جمة أتخير منها اثنتين رئيسيتين أولاهما أن الإبراهيمي يواجه أزمة بالغة التعقيد، وقد أظهرت السطور السابقة عينة صغيرة من الطريقة التي يفكر بها الرئيس السوري، والخطورة أن هذه الطريقة لم تتغير على الرغم من كل ما أسال من دماء شعبه تحت زعم أنه يواجه إرهابيين، ولا يدري المرء كيف يتخيل هذا الرئيس أن بمقدوره أن يواصل حكم شعبه بعد تلك الأنهار من الدماء التي باتت حاجزاً لا سبيل للتغلب عليه بينه وبين هذا الشعب. من ناحية أخرى فإننا نعلم أن المعارضة السورية منقسمة على نفسها أشد الانقسام، ولا حل دون التنسيق بينها، كذلك فإن المواقف الإقليمية والعالمية تمثل عنصراً مهماً يضيف إلى تعقد الأزمة، فالنظام السوري ما زال يحظى بدعم جاد وفعال من النظام الإيراني، وإسرائيل لا شك سعيدة باستمرار الأوضاع في سوريا على ما هي عليه طالما أنها تؤدي إلى استنزافها، وربما إلى تفكيكها لا قدر الله، وروسيا والصين تعوقان صدور أي قرار من مجلس الأمن يتحدث عن تغيير النظام السوري أو حتى رئيسه فحسب، أو يفرض مزيداً من العقوبات عليه، أما الدول الغربية الكبرى التي تقول إنها ضد النظام السوري فهي تبدو مكتفية بالتصريحات الصحفية والتهديدات اللفظية، وحتى إن كان بعضها مشاركاً في تهريب أسلحة للمعارضة السورية، فإن الغرض ليس نصرة الثورة السورية بالضرورة بقدر ما هو إضعاف سوريا.

أما الصعوبة الثانية، فهي أن مهمة الإبراهيمي تمثل فرصة ذهبية "للمزايدة السياسية" سرعان ما استغلها بعض فصائل المعارضة في الخارج الذي يشعر بتدني نفوذه في الساحة السورية، وفي التأثير على مجريات الأمور فيها، ولذلك فهو يسارع إلى رفض مهمة الإبراهيمي بل والإساءة إلى الرجل، ووصم أعماله بأنها تخدم مصلحة النظام القائم، والسخرية من لقائه بفصائل من معارضة الداخل التي لا تعمل لديهم إلا بوحي من النظام أو من سنده الإيراني، والتلميح واضح إلى أن الإبراهيمي لن يكتب له النجاح إلا إذا التقى أمثال هذا البعض وكأن تأثيره في الساحة السورية أشد من تأثير الجيش الوطني السوري.

وربما يساعد على هذه المزايدة أن البعض غائب تماماً عن إدراك طبيعة مهمة الإبراهيمي، فهو يتصور أنها نصرة المعارضة وتقويض نظام الأسد، ولا شك أن هذا هو المطلوب من وجهة النظر الغالبة عربياً على الأقل، لكن الإبراهيمي كما سبقت الإشارة ليس لديه تفويض دولي بذلك، ومن ثم فلا مهمته ولا هو مطلوب منهما تحقيق هذا الهدف المرغوب بالضرورة، وإنما يتعين على الرجل أن يتصل بكافة أطراف الأزمة إن كان الحديث أساساً عن حل سياسي، والمهم هنا أن الخط الأحمر هو ألا تفضي مهمته إلى حل على حساب الشعب السوري، وقد كان الإبراهيمي أكثر من واضح في هذا الصدد منذ البداية كما سبقت الإشارة، وينطبق المنطق نفسه على اتصالاته الممكنة بمؤيدي النظام السوري إقليمياً وعالمياً، فطالما أنه يتصل بممثلي هذا النظام لابد من الاتصال في الوقت نفسه بمؤيديه الخارجيين كي تكتمل ملامح حل ما.

ما زال الوقت مبكراً للحكم على مدى نجاح الإبراهيمي في مهمته أو فشله لا قدر الله، ويصادر البعض على إمكانية نجاحه أصلاً لاعتبارات أشارت السطور السابقة إليها، لكن الملفت في شخصية "الأخضر" أنه يقبل على مهمته غير متهيب على الرغم من إدراكه صعوبتها الفائقة، ويعكس هذا في تقديري شعوراً عالياً بالمسؤولية العربية -وهو ما يميزه عن كوفي عنان- لأنه يعلم أن الفشل قد يكون نصيبه ومع ذلك فهو يبحث عن مخرج ولو من خلال "ثقب إبرة"، ولهذا فهو يحسن الإعداد لمهمته، ويتحسس مواقع أقدامه جيداً قبل الإقدام على أي خطوة، وقد يتمكن الإبراهيمي من حلحلة مواقف الأطراف الإقليمية والدولية المؤيدة للنظام السوري انطلاقاً من مبدأ المصلحة الوطنية، بمعنى أن هذه الأطراف إنْ كانت تتصور أن مواقفها تحقق مصلحتها الوطنية بالإبقاء على النظام السوري، فإن الثمن قد يكون خسارة مصالحها في الوطن العربي كله، وهو ما يحتاج الإبراهيمي فيه إلى دعم بقرارات أو حتى تلميحات من الجامعة العربية بهذا المعنى، وقد يضيف إلى مهمته بعداً إنسانياً يُحسب النجاح فيه لصالحها، ذلك أن مئات الألوف من السوريين يعيشون الآن لاجئين خارج وطنهم في دول الجوار في ظروف مزرية، ويستطيع الإبراهيمي أن يلح على الأمم المتحدة والجامعة العربية أن تضطلعا بمسؤولياتهما في هذا الصدد، وقد تكون مهمة الإبراهيمي إن فشلت لا قدر الله نافذة للرأي العام العربي والدولي على المتسببين الحقيقيين في خلق الأزمة وإدامتها، وسوف يكون لهذه الشفافية في حد ذاتها دور كبير في التأثير على مجريات أزمة تفاقمت أضرارها بالنسبة للشعب السوري، وبدت نذرها المخيفة في تقويض استقرار دول جواره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الإبراهيمي والدرس التاريخي

تاريخ النشر: الثلاثاء 18 سبتمبر 2012

د.طيب تيزني

الاتحاد

وصل الأخضر الإبراهيمي إلى دمشق للقيام بمهمته المتمثلة في إيجاد حل لأزمة سوريا. وإذا كنا نُرحِّب بهذه الزيارة، التي تأتي خصوصاً من رجل حكيم دفعت بلاده مليوناً ونصف المليون من أهلها ثمناً لانتصارها في ملحمة الاستقلال الوطني عن فرنسا، فإننا في الوقت نفسه نتمنى أن يكون قد بحث قبل ذلك (وكذلك بسياقه) في ما سبق تاريخ هذه الثورة (أو الانتفاضة السورية)، فإن ذلك يسهم في فتح الطريق أمام فهم الظاهرة المذكورة تاريخياً وعلى نحو دقيق، بعيداً عن الاكتفاء بتناول الجانب الدبلوماسي منها أو العسكري الأمني...إلخ. فالبحث في تجليات القطاعات الأربعة من المجتمع السوري على امتداد العقود الأربعة المنصرمة، أمر على غاية الأهمية النظرية والمنهجية. لأن ناتج هذا البحث من الصعب أن يكون دقيقاً، إنْ جاء غير ذي علاقة بتلك القطاعات، بمثابتها شبكة موحدة بالمعنى الذي يُفضي إلى ما وضعنا يدنا عليه تحت "قانون الاستبداد الرباعي" القائم على الاستئثار بالسلطة والثروة والإعلام والمرجعية السيَّا-الاجتماعية، أي المبدأ القائل بأن الحزب الوحيد الحاكم، هو الذي يقود الدولة والمجتمع، وهو الذي يقف على رأسه "قائد المسيرة" إلى الأبد.

وقد عزّز ذلك القانون الرباعي في سوريا وغيرها حضور المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفييتي، الذي انتصر فيه على صعيد القيادة السياسية مفهوم "الحزب الواحد من طراز جديد" على حساب مفهوم الديمقراطية القائمة على قاعدة التعددية الحزبية وركيزتها المؤسَّسة البرلمانية. وقد تفكك الاتحاد السوفييتي بعد أن جرى اختزاله إلى الحزب القائد الوحيد واختزال هذا إلى اللجنة المركزية فيه، وهذه إلى المكتب السياسي، وهذا أخيراً إلى الأمين العام، الذي ظهر بمثابته "قائد المسيرة"، ومن الدلالات المأساوية على ذلك أن الاتحاد السوفييتي نفسه سقط، ولم يدافع عنه إلا قلة، بعد أن أتى كتجربة أولى في التاريخ الاقتصادي والسياسي الاجتماعي لتحرير المجتمعات من الاستغلال الاقتصادي والإفقار النفسي والأخلاقي وغيره.

كان درساً غير مسبوق في أن المُثل العليا إنْ أتت مجردة من الحريات الديمقراطية السياسية والثقافية وغيرها، فإنها تفقد شيئاً فشيئاً رُواءها ومصداقيتها فيما يخص الحرية والديمقراطية القائمتين على التعددية الحقيقية.

لقد أخذ النظام السوري بالتجربة السوفييتية شكلياً وبعموم الموقف في بداية مرحلة البناء، ولم يتعظ من سقوطه المدوي، فهنا جاءت المعاندة التاريخية والقصور المعرفي، ضارباً عرض الحائط بتجارب البشر التاريخية، وبالتطور العلمي السوسيولوجي والتاريخي، بدءاً مما قبل ابن خلدون في "مقدمته" الخالدة، ثم في التطور العاصف للعلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السياسية منذ عصر النهضة والتنوير والنهوض التكنولوجي...إلخ، في أوروبا الحديثة، ولكن شيئاً من ذلك لم يؤثر في مسلك النظام السوري باتجاه الإصلاح الوطني الديمقراطي والتحديث العلمي والدخول في عصر البشرية التقدمية الجديد.

ولعلنا هنا نوجه نقداً لما حدث على الصعيد الجامعي خصوصاً، إضافة إلى الصُعُد المتصلة بالبحث العلمي وبمراكزه التي ظهرت خالية من القيمة العلمية، لأنها ظلت شكلية يُشغلها أي واحد لا علم له ولا يحمل منظومة قيمية أخلاقية. إن تجفيف المجتمع السوري تحول إلى عملية قاتلة، (وقد كتبنا عن ذلك مطولاً منذ ثلاثة عقود ونيف كتاباً صدر في سوريا بعنوان: من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني، وغيره). لقد غابت الحكمة والعقلانية، والوطنية عند الكثيرين، ممّا خلق شرخاً هائلاً بين الخطاب الأمني دون السياسي، وبين الممارسة الواقعية التي جعلت الإصلاح الديمقراطي يظهر هزيلاً وزائفاً وعاراً.

إن تلك مأساة عظمى، خصوصاً حين تحولت إلى كارثة في سوريا الجميلة الجريحة، ولنقل إن من يتَّعظ متأخراً، قد يُسامح، ولكن إن لم يحدث ذلك؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قاتل الأطفال في تظاهرة النبي!

علي حماده

2012-09-18

النهار

أتت اطلالة الامين العام لـ"حزب الله" في الساعة التي تلت مغادرة البابا بينيديكتوس السادس عشر ارض لبنان متعجلة بعض الشيء كأنه اراد ان يستعيد شيئا من البريق الذي استقطبه البابا والوحدة التي احاطت به لبنانيا، وكأنه اراد ايضا ان يقول لمن هم في اعلى السلطة ان في لبنان مرشدا اعلى على غرار ايران، واللياقات لا تلغي حقيقة ان الارض في لبنان يملكها من يملك القوة على الارض.

وعلى رغم استعجال نصرالله الخروج على الاعلام وان في قضية كبيرة ومحقة فإننا ايدنا موقفه في ما يتعلق بالفيلم المسيء للاسلام، ومدى خطورته. الحال اننا لم نكن ننتظر نصرالله لكي نرى في هذا الفيلم المقيت عملا تخريبيا كبيرا في حق مئات الملايين من اهل هذه الكرة الارضية، في عقيدتهم، وفي دينهم.

وحسنا فعل سيد حسن نصرالله في الدعوة الى تظاهرات حضارية احتجاجا على الفيلم. وبالفعل كانت التظاهرة الاولى في الضاحية حضارية سلمية لا غبار عليها، خصوصا اذا ما قارناها بالفاجعة التي حصلت في بنغازي، او بالتظاهرات السخيفة في القاهرة، او الخرطوم، او صنعاء او حتى طرابلس.

ولكن بصرف النظر عن الجانب الاحتجاجي المحق - وكنا وددنا لو دعانا نصرالله نحن اللبنانيين الى ملاقاته في التظاهرة لنضم غضبنا على الاعتداء السافر الذي شكله الفيلم على كل مسلم في العالم، وعلى كل مؤمن الى اي ديانة او مذهب انتمى - بصرف نظر عما تقدم ندرك ان "حزب الله" بتنظيمه هذا النوع من التظاهرات في هذه المرحلة له اهداف جانبية لا تخفى على احد: فهو يريد تذكير بقية اللبنانيين بقوته الجماهيرية. ويريد التأكيد ان المتغيرات في منطقة ولا سيما في سوريا لم تضعف من قوة "حزب الله" وقدرته على حشد جماهير تمثل خزانا شعبيا واحتياطي مقاتلين في حال طرأ شيء ما دراماتيكي على المعادلة المشرقية. ان التظاهرات من ناحية اخرى هي تذكير بأن ايران تملك قاعدة متقدمة في المشرق العربي على شاطئ البحر المتوسط وعلى حدود اسرائيل، وان القاعدة قطعة من ارض ايران حيث لا ينفك مسؤولوها يعلنون المرة تلو الاخرى تبعية لبنان (عبر "حزب الله") لقرارهم واستراتيجيتهم. ومن ناحية اخرى تشكل هذه التظاهرات عملا استنفاريا ضروريا للقواعد الشعبية التي بدت عليها في المدة الاخيرة علامات التعب من ادارة الحزب لأمورهم الحياتية، ولا سيما ان الفساد تغلغل الى قلب الحزب.

لقد احسن نصرالله بالدعوة الى التظاهرات دفاعا عن كرامة الإسلام، لا سيما ان حرية التعبير المكفولة في الدستور الاميركي لا تعطي الحق في الاعتداء على الاديان والمعتقدات، في الوقت الذي يعتبر الفكر النازي مدانا وملاحقا بالقانون. من هنا ضرورة ان تقوم الادارة الاميركية بعمل ما وحاسم. ولكن "حزب الله" ارتكب معصية كبيرة عندما رفع صور بشار الأسد قاتل الاطفال في سوريا وشعارات مؤيدة للنظام هناك: ما هكذا يُدافع عن النبي وكرامة المسلمين يا سيد حسن!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تُخرِّب الثورةُ السوريةُ تركيا

كما خرَّبت الحـروبُ الأفغـانيةُ باكستان؟

جهاد الزين

2012-09-18

النهار

هل باتت تركيا اليوم بالنسبة إلى الوضع السوري الناتج عن الثورة ضد النظام البعثي ما كانَتْهُ باكستان وما استمرت عليه إلى الآن بالنسبة لأفغانستان منذ وقعت تحت الاحتلال السوفياتي؟ وما نتائج ذلك المحتملة على تركيا؟ هنا محاولة للإجابة على السؤال على حلقتين اليوم وبعد غدٍ الخميس.

تركيا بحكم إنجازات الحداثة فيها هي بلدٌ واسعُ النخبِ البورجوازية والطبقة الوسطى الحاملةِ لتقاليد التماسك الداخلي الآتية من مصدرين: الدولة – الأمة التركية وثقافة الدولة الغربية. ولكنها نخبٌ متَرَسْمِلة ومتعولمِة لم تَأْمَن بعد إلى طاقة الشرائح الدنيا الأكبر في المجتمع على التماسك.

اليوم عادت تكْثر مواقف التحذير من ارتفاع درجة خطر التفكك الداخلي. لا تصْدُرُ أصواتُ التحذير هذه عن بعض المعلّقين الصحافيين والسياسيين المعارضين فقط – على الأهمية الأكيدة لهذه الأصوات – بل باتت تشمل الهيئات الإقتصادية من جهة، كما باتت تمس من حيث المضامين مستوياتٍ غير مسبوقة العلنية كمدى كفاءة الجيش التركي لمواجهة التمرد المسلّح الكردي وبالتالي الدعوة إلى إعادة النظر في تركيبته القتالية والتدريبية من جهة أخرى.

ففي كلمةٍ ألقتها رئيسة تجمع الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك (توسياد) السيدة أوميت بوينر تخوّفت من عودة "السلطوية" إلى الحياة السياسية في تركيا قائلة يوم الجمعة المنصرم (14 أيلول) ان الإستقطاب الحاد والكراهية والعدائية يمكن أن تدمِّر كل المنجزات التركية في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. هذا النوع من التحذير يعني أن هذه الهيئة المعتبرة الأقوى في تمثيل كبار رجال الأعمال باتت تستشعر خطر المرحلة على المصالح الاقتصادية العليا وحتى على بنية البلد برمتها.

بين المواضيع التي بات توتّرُها أو تصاعدُ توتُّرِها يفاجئ العديد من المتابعين للشأن التركي (ويفاجئني بصورة شخصية) هو موضوع العلويين الأتراك. ففي الآونة الأخيرة - لاسيما منذ اندلاع الثورة السورية وبدء المواجهات بين الثوار والسلطة – أخذت تظهر فعلا مواقفُ وتحركاتٌ بين العلويين الأتراك وتحديدا في محافظة "هاتاي" (لواء اسكندرون) وصلت إلى حد التظاهر وأحيانا العنف مع بعض اللاجئين السوريين. في المناطق الأخرى في الأناضول تعيش أقليةٌ علويةٌ تركيةٌ (وكرديةٌ) كبيرةٌ تمتدّ إلى اسطنبول وتتراوح تقديرات عددها من أصل الـ75 مليونا الحاملين للجنسية التركية بين 12 إلى 15 بالماية من وجهة نظر بعض غير العلويين إلى 20-25 بالماية من وجهة نظر بعض المؤسسات العلوية التي باتت تتكلم باسم هؤلاء. وكالعادة كما أكرر دائما يجب البحث عن حقيقة الرقم العلوي داخل تركيا في "الوسط" بين الأرقام المتضاربة مثلما هي حال نسبة الأقباط في مصر أو الشيعة في باكستان!

غير أن النقطة الجديرة بالطرح هنا هي المتعلقة بالفكرة الشائعة التي غالبا ما يتداولها شفاهةً أو كتابةً بعضُ المتابعين العرب والغربيين للشأن التركي والقائلة ان العلويين العرب في منطقة اسكندرون وأنطاكيا وأرسوز مختلفون دينياً عن العلويين الأتراك - أي ليسوا "طائفة" واحدة.

هذه الفكرة الشائعة أزعم بتواضع في حدود ما ألاحظه وأقرأه أنها غير صحيحة. قد تكون هناك بعض التمايزات في الطقوس الناتجة عن الاختلاف القومي التركي العربي الكردي (والألباني) لكن مضمون التعاليم واحدٌ كما يدل العديد من شهادات علماء اجتماع أتراك وغربيين لديهم مؤلفات باللغة التركية أو مترجمة إلى اللغة الإنكليزية موجودة في المكتبات التركية. وبعض هؤلاء حضر جلسات دينية وَصَفَها ونَقَل بعضَ نصوصِها.

هنا يجب أن نقف عند أمرين:

الأول هو أن تَقَدّمَ الدولةِ التركيةِ الحديثةِ منذ عام 1923 وانتقال ملايين الفلاحين الأناضوليين للعيش في المدن الكبرى لاسيما اسطنبول وإزمير وأنقرة بمن فيهم الفلاحون العلويون قد أديا إلى بدء تكريس ظاهرة جديدة أو كانت جديدة في أوساط العلويين وهي قيامُهم بافتتاح مراكز عبادة علنية في المدن الكبرى يُسمّونها "دِرجة" يقومون فيها بأداء صلواتهم الخاصة أو الجزء المقرر إعلانه من طقوسهم الخاصة أو ما يحب أن يسمّيه ناشطون بينهم وبتصريحات علنية "مفهومنا للإسلام" أو "قراءتنا للإسلام" (Our Interpretation of Islam). بهذا المعنى هذا القدرُ المستجدُّ من العلنية العلوية هو إحدى نتائج تَقدّم الحداثة التركية بمستوياتها الديموقراطية والإجتماعية والإقتصادية. وتبعا لما شاهدته شخصيا في إحدى "دِرْجات" الجزء الآسيوي من اسطنبول برفقة الصديقة التركية فوليا أتاسان استاذة علم الاجتماع والباحثة المتخصصة في علم الاجتماع الديني (والسنية المذهب)... ما شاهدتُه في تلك الجلسة ليس قليلا أبدا قياسا على ما يمكن أن نعتبره "شديد الخصوصية" الدينية ومع ذلك فهو علنيٌ وليس سريا.

الثاني هو أن التقسيم التاريخي لتشكّل العلويين في تركيا خلال العهد العثماني يأتي من مصدرين شعبي ونخبوي: الشعبي هو جماهير الفلاحين الجبليين المعزولين تاريخياً في الجبال وهم الأكثرية العددية والثاني نخبوي من حيث أصوله السنية المسلّم بها وهو الطريقة الصوفية البكتاشية التي كانت الطريقة المعتمدة لدى الفرق الإنكشارية السنية والتي تحوّلت بعد ضرب الإنكشارية في اسطنبول سنة 1826 وحلِّ فِرَقِهم إلى مذهب باطني علوي منتشر في المدن لاسيما البلقانية.

لقد آلت حصيلة التجربة التركية على هذا الصعيد إلى نتيجتين متلازمتين إذن: من جهة، نقلُ العلويين إلى مزيد من الإندماج الاجتماعي ليس الانتقال إلى علنية الطقوس المذهبية سوى احد تجلّياته الأساسية، ومن جهة ثانية بلورةُ شخصيةٍ مذهبيةٍ موّحدةٍ مناطقيا وعابرة للقوميات داخل تركيا أي ضمن الوعي الوطني التركي. هكذا فإن الهيئات العلوية باتت متشعبة على كل المناطق التركية. من هنا يجب عملُ حسابٍ لتبلور الشخصية المذهبية العلوية ولو أنها كانت دائما في تركيا صاحبة مطلب الاعتراف الديني بها ضمن هيئة إدارة الشؤون الدينية التابعة للدولة وليست صاحبة مطالب سياسية. هذا المستوى السياسي تنبغي مراقبتُه من الآن فصاعدا في ظل الجو العام لصعود التيارات الدينية الأصولية السنية في المنطقة وما إذا كان سيتغيّر سلبا أو ايجابا في التعبير عن نفسه على ضوء الانخراط الحيوي التركي في التحولات العربية.

هذا خطرٌ بعيد الأمد على تجربة التماسك الحداثي التركي او على الأقل هو ليس في الواجهة حالياً رغم تصاعد تحذيرات معلّقين أتراك.

العنصر الذي يبدو أخطرَ اليوم على التماسك وحتى على وحدة الأراضي التركية هو الموضوع الكردي المتفاقم يوميا في مواجهات عسكرية في مناطق عديدة.

لقد ذهب إحسان داغي المعلّق في صحيفة "زمان" إلى حد اعتبار أن "الآخر الجديد" هو "الكردي" بالنسبة لحزب العدالة والتنمية بعد أن استطاع الانتصار على "الآخر الأول" وهو الوصاية العسكرية على الدولة والمجتمع. وأن الصراع في تركيا سيكون محكوما بهذه المواجهة لفترة طويلة. ولم يكن صعبا منذ تصاعد العمليات الكردية المسلّحة وتبني رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لخطاب قومي متشدد حيالها أن نلاحظ تحوّلَ حزب العدالة والتنمية المتزايد نحو خطاب "أتاتوركي" كلاسيكي في المسألة الكردية. حتى أن بعض المثقفين الأتراك ذهب إلى حد الحديث عن "تغيير في هوية الحزب".

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأخضر... يا حصرم الأسد!

راجح الخوري

2012-09-18

النهار

كثر الطبّاخون ولكن ليس على النار سوى أجساد السوريين ومنازلهم. واضح ان الطبخ طويل، وواضح ان النفخ في النيران أطول، فبعد 18 شهراً من الدمار والمآسي بات من المؤكد ان العالم مستقيل من المأساة وان كل البيانات والاجتماعات ملهاة تافهة على حافة نهر من الدم.

هكذا يخرج الاخضر الابرهيمي من دمشق "يا حصرماً" خالي الوفاض من أي تصوّر للحل تماماً كما دخلها. فاذا كان يريد فعلاً "الاستماع الى كل الاطراف الداخليين والاقليميين والدوليين"، كما اعلن يوم السبت بعد لقائه بشار الاسد، فإن ذلك يعني انه سيدخل في متاهة ومن الصعب ان يصل الى حل لا يصطدم باعتراضات، ولا بد انه يتذكر جيداً ان الجامعة العربية فشلت على امتداد اشهر، وان مجلس الامن عطّل بالفيتو الروسي - الصيني، وان اجتماعات "اصدقاء سوريا" لم تؤد الى شيء، وان عليه الا يشتري مزيداً من الوقت للنظام لتصبح مهمته "رخصة جديدة للقتل" كما تتخوف المعارضة!

ان العودة الى تصريحات الابرهيمي عشية قبوله خلافة كوفي انان تؤكد انه كان في نزاع ذاتي بين"الوضع الانساني" الذي لا يجوز للمرء ان يرفضه وبين "السياسي الميداني" الذي لا يستطيع المرء ان يجد حلاً له، ولهذا قال:"كيف يستطيع المرء ان يرفض القيام بمهمة توقف المأساة في سوريا"؟

ولكن بعد اربعة ايام في دمشق لم يتمكن من ان يوقف رصاصة واحدة، بينما استغل النظام زيارته للحديث تكراراً عن مؤتمر لمعارضة الداخل التي يضعها في ثلاجته، في محاولة لاسقاط معارضة الخارج والمضي في القول ان "الجيش السوري الحر" مجموعة من "الارهابيين"، ولهذا اعلن الاخير: "نحن واثقون من ان الابرهيمي سيفشل كما فشل الموفدون الذين سبقوه لكننا لا نريد ان نكون السبب، فالفشل مرده الى ان المجتمع الدولي لا يرغب في مساعدة الشعب السوري".

عملياً، كشفت مواقف النظام انه استغل زيارة الابرهيمي لدفن خطة كوفي انان ونقاطه الست، وخصوصاً الدعوة الى وقف النار وسحب الدبابات من المدن ليذهب الى الحديث عن "مواصلة محاربة المتمردين والبحث عن حل يرتكز على رغبات السوريين" الذين يخرجون من عباءته طبعاً!

مهمة الابرهيمي ستضيع في خضم المبادرات الكثيرة الفاشلة وآخرها مجموعة الاتصال الرباعية (مصر، تركيا، السعودية، ايران) التي اطلقها محمد مرسي والتقطتها طهران، التي تؤكد علناً مساعدتها للنظام عسكرياً وتريد ضم العراق وفنزويلا الى هذه المجموعة لتعطيلها، اضافة الى تحرك روسيا مجدداً في اتجاه مجلس الامن في محاولة لتمرير"اعلان جنيف" الذي تريده ان يسقط الجوهر"المبادرة العربية" بالغاء مبدأ الانتقال السياسي!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران حين تتحدى!! * ياسر الزعاترة

الدستور

18-9-2012

في مؤتمر صحفي يوم الأحد الماضي، قال القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري “إن عددا من عناصر فيلق القدس موجودون في سوريا ولبنان. غير أن ذلك لا يعني أن لنا وجودا عسكريا هناك. إننا نقدم (لهذين البلدين) نصائح وآراء ونفيدهم من تجربتنا”. وفي نبرة تحدٍ واضحة، أضاف جعفري “نحن فخورون بالدفاع عن سوريا التي تشكل عنصرا مقاوما “ضد إسرائيل” عبر تزويدها بخبرتنا بينما لا تخجل دول أخرى من دعم مجموعات إرهابية في سوريا”.

وفي حين يعلم الجميع أن عناصر الحرس الثوري الإيراني يتواجدون منذ عقود في لبنان في إطار مساعدة حزب الله، فإنها المرة الأولى التي يعترف فيها مسؤول إيراني كبير بوجود عناصر في الساحة السورية يساعدون النظام السوري في مواجهة الانتفاضة الشعبية التي تحولت منذ شهور إلى مسلحة، وإن لم يختف الجانب الشعبي.

لم نكن في حاجة إلى كلام جعفري لكي نعرف أن الخبراء الإيرانيين موجودون في الساحة السورية منذ شهور بعيدة، وقد أكدنا ذلك مرارا وتكرارا هنا وفي منابر أخرى، بل قلنا -أيضا-: إنه لولا المساعدة الإيرانية لما كان بوسع النظام الصمود كل هذا الوقت. طبعا إلى جانب السلاح الذي يُضَخ بلا توقف، مع مساعدات اقتصادية كبيرة.

من الصعب القول: إن هناك جنودا إيرانيين يتحركون في الشوارع، وإن لم نستبعد وجود بعضهم في سياقات معينة تتعلق بالإشراف على بعض العمليات، لكن الجيش السوري المترهل لم يكن له أن يصمد لولا المساعدة الإيرانية التي بدأت منذ انطلاق الثورة المسلحة عبر تشكيل كتائب علوية بالكامل تحت إمرة ماهر الأسد تبعا للشكوك التي ساورت النظام حيال الآخرين، بخاصة السنَّة الذين صار كل واحد منهم برسم الشكوك بعد توالي انشقاقهم عن الجيش النظامي.

ولكن لماذا قررت القيادة الإيرانية الإفصاح عن طبيعة وجودها في الساحة السورية في هذه المرحلة بالتحديد؟

ما ينبغي أن يقال قبل الإجابة عن السؤال هو أن التوضيحات التي قدمها جعفري حول طبيعة المساعدة التي تقدمها بلاده للنظام السوري لا قيمة لها؛ لأن الجميع يدرك أنه لولاها لما كان بوسع النظام أن يصمد كل هذا الوقت، فضلا عن أن جعفري لم يكن ليعترف بكل الحقيقة في هذه المرحلة، لكن الرسالة وصلت على أية حال.

الجانب الأول للرسالة التي بعث بها جعفري هي للداخل السوري، أعني للعلويين على وجه التحديد، وربما للأقليات التي لا زالت تقف إلى جانب الأسد، وهي رسالة خلاصتها أن النظام ليس برسم السقوط (لأننا معه بكل قوتنا)، وأن عليكم أن تحافظوا على تماسككم حتى تجاوز الأزمة، وبالطبع بدل أن تقعوا في قبضة قوىً تعاديكم وتتربص بكم الدوائر. هذا البعد ليس سهلا بحال، ذلك أنه من دون تماسك العلويين والأقليات من حول النظام، فسيكون برسم الانهيار خلال وقت قصير.

الرسالة الثانية التي حملتها تصريحات جعفري هي للوضع العربي والتركي بشكل خاص، وخلاصتها أن النظام لن ينهار، وأنه ليس بوسعكم إذا أردتم تجنب المزيد من التدمير وإطالة المعركة هو التفاوض مع إيران على حل سياسي مقبول.

هي رسالة للعرب، وفي مقدمتهم مصر التي تحاول لعب دور مساند للثورة، أقله على الصعيد السياسي. كما هي رسالة لتركيا أيضا، لاسيما أنها تأتي معطوفة على مساعدات واضحة لحزب العمال الكردستاني الذي صعّد من عملياته ضد القوات التركية على نحو قد يزيد في رفض الشارع التركي لدور بلاده في الأزمة السورية، فضلا عن تحريض الطائفة العلوية التركية ضد تدخل بلادها لصالح الثورة.

هي إذن غطرسة تتجاوز الحدود، كما أنها استفزاز استثنائي للمحيط العربي والإسلامي يزيد في الحقد العام على إيران وسائر حلفائها في المنطقة، ولو تدبر القوم الموقف لأدركوا أن خسارة غالبية الأمة لا تساويها خسارة، حتى لو كان بوسع نظام الأسد البقاء، مع أنه ليس كذلك بحال، حتى لو استمرت المعركة أعواما أخرى.

على أن الأهم من ذلك هو ضرورة الرد العربي والتركي على هذا المستوى من الغطرسة، وبالطبع عبر رفع مستوى التسليح والمساعدة متعددة الأشكال للثورة السورية، لاسيما أن السماح لإيران بالانتصار في هذه المعركة سيعني لهم الكثير، أقله في المدى القريب.

ستدرك إيران، ولو متأخرة أن وقوفها إلى جانب بشار الأسد هو القرار الأكثر رعونة في تاريخها منذ انتصار الثورة ولغاية الآن، والأيام بيننا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سنة ونصف السنة على الثورة!

أكرم البني *

الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

بعد سنة ونصف السنة على الثورة، يلحّ السؤال: أين صارت سورية اليوم، وأي أفق ينتظرها؟

ثمة ما يشبه اليقين بأن تغييراً لن يحصل في سياسة النظام وأن منطق العنف والمزيد من العنف هو لغته الوحيدة، ولسان حالة يقول، إذا لم ينفع الرصاص تنفع المدافع والدبابات، وإن عجزت هذه الأخيرة عن إرهاب الناس وإخضاعهم، فهناك الطائرات والتدمير المعمم والمجازر المروعة.

وللأسف، فإن سيادة هذا المنطق أو الإصرار على اعتبار ما يحصل مؤامرة مزعومة تنفذها جماعات سلفية إرهابية مصيرها السحق والاجتثاث، بدأ يعطي ثماره المرّة في تأجيج النزاعات الطائفية وتسييد لغة السلاح، ويزداد رداً على المسلكيات العنيفة والموتورة الاحتقان الأهلي وتتشجع العصبيات وتنشأ فئات متخندقة تحكمها نزعات إقصائية تهدد وحدة المجتمع وعناصر تماسكه ومفاهيم المواطنة والأخوة والشعب الواحد.

منذ البداية عمد النظام الى حرف الاحتجاجات عن مسارها السلمي والسياسي الى مسار عنفي وأهلي، وراهن على دور القمع المفرط في شحن الغرائز والانفعالات وتأجيج ردود الأفعال الثأرية لدفع الناس نحو تبني أساليبه العنيفة، مغذياً ما يمكنه من صراعات متخلفة وقوى طائفية عمياء، حتى لو أدت إلى تفكيك المجتمع وتقويض الدولة وجر البلاد إلى حرب أهلية قد لا تتوقف فور سقوطه، وإنما تهدد صحة المرحلة الانتقالية وعافية العملية الديموقراطية التي يتوق الناس اليها.

سنة ونصف السنة مرت ويبدو أن قدر الشعب السوري أن يواجه مصيره وحيداً بينما يحظى النظام بأفضل أشكال الدعم، فإلى متى سيبقى العالم كأنه لا يكترث بما يحصل من فظائع وأهوال، وكأنه بشعوبه وحكوماته يتفرج على هذا الفتك اليومي، من دون أن يتحرك جدياً لمنعه، أو على الأقل للتخفيف منه؟! وكم هي معيبة المعايرة بين غزارة الدم المراق وبين الدعم اللفظي والوعود الخلّبية، وآخرها التصريح «المثير» لهيلاري كلينتون بأنها ستعمل على دعم المعارضة في حال استمرار الخلاف مع روسيا حول الشأن السوري!

سنة ونصف السنة مرت والوضع الاقتصادي السوري صار في الحضيض. فسياسة الفتك والتدمير العشوائي أفضت إلى انهيار القطاعات الانتاجية والخدمية، لقد خربت حمم القذائف والآليات الثقيلة الأراضي الزراعية، ومنع الانتشار الأمني الكثيف نقل المحاصيل بصورة آمنة إلى الأسواق، وأفضى شح المواد الأولية جراء وقف الاستيراد، وضعف التسويق ومنافذ التصدير، إلى انهيار الصناعة، فأغلقت مئات المصانع أبوابها أو قلصت إنتاجها، وسرّحت الآلاف من عمالها، وقد لاقى قطاع السياحة المصير الأسوأ، فانتهى دوره اليوم تماماً، مثلما انتهت فرص الاستثمار، فرأس المال لا يأمن لساحة معرّضة لمزيد من الفوضى والاضطراب، ناهيكم عن تعطل غالبية المشاريع الاستثمارية التي كانت تسير بصورة طبيعية، وتراجع دور البنوك العامة والخاصة جراء العقوبات وهروب الكثير من رؤوس الأموال إلى الخارج، والأهم تدهور معيشة المواطن، إن لجهة عدم توافر السلع الأساسية والتي تُفتقد تماماً في المناطق الساخنة، كالخبز والمواد الغذائية والأدوية والغاز والمازوت، أو لجهة انهيار القدرة الشرائية، مع خسارة الليرة السورية أكثر من 40 في المئة من قيمتها، أو لجهة تهتك وتفكك شبكات الخدمات التعليمية والصحية، من دون أن ننسى معاناة المهجرين داخل البلاد الذين آثروا الانتقال من المناطق الخطرة، أو اللاجئين في البلدان المجاورة حيث أفضى تسارع الزيادة في أعدادهم إلى انحسار القدرة على توفير أهم الاحتياجات الانسانية لهم!

ويبقى المدهش أن غالبية السوريين وعلى رغم سوء عيشها وما تكابده، لا تزال متحمسة للثورة وللتغيير وتتطلع للتخلص من الاستبداد أياً تكن الآلام، في إشارة إلى تكيفها السريع مع شح الموارد بخاصة في المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة، حيث يتقصد النظام ترك هذه المناطق بلا كهرباء ولا ماء ويحرمها من أبسط الحاجات الحيوية للعيش، الأمر الذي يضع على عاتق اللجان الأهلية مسؤوليات خاصة، في خلق نمط من التعاون الصحي بين الناس والتوزيع العادل للاحتياجات المعيشية، والأهم الحد الحازم من التجاوزات والخروقات التي يمكن أن تنشأ في ظل غياب دور الدولة، بهدف المجالدة لإظهار صورة إيجابية عن مجتمع واعد ينسجم مع شعارات الحرية والكرامة التي تبناها، ويقطع الطريق على المتصيدين في المياه العكرة، والمشككين بقدرة الحراك الثوري على إدارة البلاد وتنظيم حياة الناس.

سنة ونصف السنة مرت ولا تزال المعارضة السورية في رحلة البحث عن ذاتها ودورها، تنوء تحت ثقل نزاعاتها وصراعاتها المؤلمة، وتحت عبء تقصيرها في خلق قنوات للتواصل مع الحراك الشعبي، ومدّه بأسباب الدعم السياسي والمادي... ولحسن الحظ يعوض هذا التقصير ما تشهده مرتكزات السلطة من تخلخل مستمر مع تكاثر حالات التهرب من المسؤولية والانسحاب من صفوف الجيش والأمن ومن الحزب وملحقاته النقابية، وهي انشقاقات لم تعد تقتصر على أفراد كانوا على الهامش أو في دوائر بعيدة، بل شخصيات مهمة عاشت جلّ تاريخها كجزء من تركيبة النظام، وهو أمر يكشف عمق الأزمة التي يعاني منها ويظهر تراجعاً ملموساً في قدرته على استمالة أقرب أنصاره ونيل ثقتهم.

لكن وللأسف لا يزال ينظر إلى هذه الانشقاقات من القناة الطائفية ربطاً بطابع أو نوعية المنشقين وخلفياتهم الدينية، وهو أمر يضعف بلا شك مردودها ودورها في تفكيك الدوائر المحيطة بالنواة السياسية والأمنية المقررة.

سنة ونصف السنة مرت، ما يكفي للاعتراف بأن مخاض الثورة سيكون صعباً جداً أمام آلة عسكرية مدججة بأفتك الأسلحة، وسيكتظ بالضحايا والآلام وبمعاناة ومكابدة لم يشهد شعب ثائر لها مثيلاً، لكن ما قد يخفف من وطأة هذا المخاض وثقله، هو وعي الناس وقوى المعارضة لعظمة ما أنجزوه ولروعة ما يقومون به... فلا وهم بانتصار سريع ولا رهان على تدخل خارجي حاسم، بل الثقة بجدوى استمرار الثورة ورصّ صفوفها وتصويب أخطائها، هو ما قد يصل إلى تحقيق أهداف الناس وما يتطلعون إليه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن إيران وسورية و «حزب الله» ... في ضوء كلام صفوي!

محمد مشموشي *

الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

ليس من دون معنى، ولا هو مجرد مصادفة، أن يكشف مستشار القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية اللواء يحيى صفوي في هذا الوقت بالذات سراً حاول «حزب الله» دائماً أن يخفيه، أو أقله أن يبقيه ملتبساً، فيقول بعبارة لا تقبل التأويل: «إن لبنان وسورية يشكلان عمق الدفاع الاستراتيجي لإيران، وإن «حزب الله» سيرد إذا ما هاجمت إسرائيل الجمهورية الإسلامية».

في الشق الأول من الكلام، قد يكون مفهوماً أن تعمد طهران، تساوقاً مع موقفها من سورية، إلى إبلاغ من يهمه الأمر بأنها مستعدة للذهاب بعيداً في دفاعها عن نظام بشار الأسد، وبأنها لن تسمح بسقوطه (قال ذلك مراراً المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي، وينفذه عملياً على الأرض) في مواجهة الثورة الشعبية المستمرة ضد هذا النظام منذ أكثر من سبعة عشر شهراً. فأن تكون سورية «عمق الدفاع الاستراتيجي لإيران»، كما قال صفوي، من شأنه أن يبرر لإيران موقفها هذا أمام شعبها وحتى أمام العالم بوصفها تدافع عن عمقها الاستراتيجي وليس عن أي شيء آخر، بما في ذلك نظام الأسد والأسد نفسه.

لكن السؤال يبقى عن الشق الثاني من كلام صفوي، واعتباره لبنان عمقاً استراتيجياً لإيران من ناحية، وأن «حزب الله» سيكون أداتها للرد على أي اعتداء إسرائيلي عليها من ناحية ثانية. والسؤال عن توقيت إطلاق هذا الكلام بينما لبنان والحزب يمران في مرحلة بالغة الدقة والتعقيد بسبب الحدث السوري، ثم عن إدراك (أو عدم إدراك؟!) ولي الفقيه الإيراني لانعكاساته على صورة الحزب اللبنانية الآن... ولاحقاً بعد وصول هذا الحدث إلى نهايته، أياً كانت هذه النهاية.

فلم ينكر الحزب يوماً علاقته البنيوية بالنظام في إيران، تسليحاً وتمويلاً من جهة، وفكراً دينياً لجهة ولاية الفقيه وسياسياً لجهة معاداة الاستعمار ومشروعه للمنطقة من جهة ثانية، إلا أنه سعى دائماً للفصل بين ما يقوله عن دوره المقاوم - وأخيراً المدافع فقط – في لبنان وبين قضايا إيران الداخلية بما فيها ملفها النووي وتهديداتها لدول الخليج العربية وعلاقاتها مع دول العالم الأخرى. وفي أكثر من مناسبة، كان الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله يبادر إلى إعلان أن إيران لم تطلب منه شيئاً في أي يوم، لا في لبنان ولا في سورية ولا طبعاً في إيران أو في أي مكان آخر، لأن قرار الحزب لبناني مئة في المئة ودوره يقف عند حدود تحرير المحتل من أراضي لبنان والدفاع عنه، وإن كان يجمعه مع إيران وسورية والعراق وغيرها (فنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية، على سبيل المثال) تحالف سياسي واستراتيجي واسع.

هذا في العلن وبشكل عام، كما تحرص أدبيات الحزب على القول بغض النظر عن موقفه الفعلي سواء في لبنان أو في سورية بشكل خاص. لكن التطورات الأخيرة في البلدين، وفي المنطقة، وفرت للحزب فرصة تقديم نفسه (أو أقله الظهور) في صورة أكثر تماهياً مع ما يقوله عن قراره اللبناني... غير الإيراني وغير السوري تحديداً، إذا كانت إيرانيته أو سوريته تنعكس عليه سلباً داخل لبنان وحتى داخل طائفته كذلك.

وتظهر المؤشرات التالية بعض هذه المعاني:

أولا، حرص السيد حسن نصرالله في أكثر من مناسبة أخيراً على القول إن وظيفة سلاحه هي الردع أولا وقبل كل شيء، ثم الرد على أي عدوان إسرائيلي على لبنان، فضلاً عن تهديده بإلحاق خسائر فادحة في قواته المسلحة وبنيته التحتية والصناعية والعلمية. بل إنه، عندما تحدث عن تحرير ما تبقى من الأراضي المحتلة، ربط ذلك بوضع استراتيجية للتحرير من قبل هيئة الحوار الوطني وبالتنسيق مع الجيش اللبناني.

وقد أشاد السيد حسن، في كل أحاديثه هذه، بالجمهورية الإيرانية والولي الفقيه «الذي نلتزم آراءه» ودعمهما للحزب ومعاداتهما لإسرائيل والولايات المتحدة، لكنه لم يشر ولو تلميحاً إلى أنه قد يستخدم سلاحه للدفاع عن إيران في حال اعتداء إسرائيل أو الولايات المتحدة عليها.

ثانياً، على رغم ما يقال عن مشاركة عناصر من الحزب في قمع الثورة السورية، وحتى في ملاحقة واعتقال بعض أفرادها الذين لجأوا إلى لبنان، لم تتورط قيادته في أي من المحاولات التي قام بها النظام السوري لتصدير أزمته إلى الداخل اللبناني على امتداد الشهور الـ17 الماضية. وفي بعض التحليلات، أن دمشق لم تكن لتلجأ إلى الوزير السابق ميشال سماحة لو أن «حزب الله» أبدى أدنى استعداد للتجاوب مع خطط النظام فيها لجعل لبنان نسخة أخرى من أزمتها الداخلية.

والفارق كبير في أي حال. فالحزب لا ينكر دعمه لنظام بشار الأسد، وقد تكون له عناصر أو حتى كتائب تقاتل إلى جانب قواته في قمع الثورة (يقول الثوار إن لديهم وثائق تثبت ذلك) إلا أن موقفه الممانع لتصدير الأزمة إلى لبنان، كما أراد النظام وحاول مراراً في عكار وطرابلس والبقاع وبعلبك وبيروت، إنما يستحق الوقوف عنده وأن يسجل لقيادة الحزب.

ثالثاً، لعله في السياق ذاته، وليس في أي سياق آخر، خرج السيد نصرالله على الناس ليقول في خطابه يوم 17 آب (أغسطس) الماضي: «إن الأمور خرجت عن السيطرة... وافهموها كما تشاؤون».

حدث ذلك بعد ثلاثة حوادث تمت في وقت واحد تقريباً: الإعلان في دمشق عن خطف شاب من آل المقداد والرد عليه مما أطلق عليه «الجناح العسكري» للعائلة باختطاف رهائن في بيروت، وإطلاق مدافع ودبابات النظام السوري قذائفها على مدينة أعزاز حيث يوجد المخطوفون اللبنانيون الـ11 وشيوع أنباء عن مقتلهم، وقيام عدد من أقارب هؤلاء المخطوفين بقطع طريق المطار وبعض الطرق الأخرى.

رابعاً وأخيراً، موافقة قيادة «حزب الله» على دخول الجيش إلى منطقة الرويس في الضاحية الجنوبية حيث قام باعتقال الخاطفين وتحرير المخطوفين السوريين والأتراك، وسط كلام من الدولة والجيش والحزب معاً بأن ما تم لن يكون موقتاً بل ستتلوه مبادرات أخرى في الضاحية وفي غيرها من المناطق اللبنانية.

وبالعودة إلى كلام اللواء يحيى صفوي، هل يريد النظام في طهران أن ينزع عن «حزب الله» ما بقي له من هوية لبنانية، وأن يجعل منه بالتالي حزباً إيرانياً (وربما سورياً الآن) خالصاً؟.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

«الحرس النووي» في سوريا!

عماد الدين أديب

الشرق الاوسط

18-9-2012

بشكل واضح قررت طهران أن تحمي مفاعلها النووي من خط دفاع أول يبدأ من العاصمة السورية!

مسرح أحداث المواجهة مع الغرب اختارته إيران ليس على أراضيها ولكن على مساحة جغرافية من سوريا إلى لبنان، مستخدمة في ذلك تحالفا بين جيش سوريا النظامي وكتائب شبيحة النظام ينضم إليهم كتائب من حزب الله مدعومين بوحدات مسلحة من الحرس الثوري الإيراني، وفي رأيي أنه يجب أن يعدل اسمه من الحرس الثوري إلى الحرس النووي! ولم يعد سرا وجود قادة إدارة معارك من الحرس الثوري ومقاتلين إيرانيين مدعومين برجال من حزب الله اللبناني على الأراضي السورية منذ عدة أشهر. الجديد في هذا الملف أن اللواء محمد علي الجعفري القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني، أعلن شخصيا ولأول مرة أن «عددا من قوة القدس المسؤولة عن تنفيذ العمليات الخارجية السرية للحرس الثوري الإيراني موجودون بصفة مستشارين» وأضاف أنه «في حالة تعرض سوريا لهجوم عسكري فإن إيران ستقدم بدورها الدعم العسكري». إذن إيران أصبحت على الخط طرفا صريحا بالوجود الأمني والعسكري في الأزمة السورية مما يجعل الصراع الحالي أكثر تعقيدا، ويجعل مهمة الأخضر الإبراهيمي أشد صعوبة.

ويبدو أن الإعلان الإيراني عن أمر واقع مر عليه أكثر من 18 شهرا، جاء الآن وكأنه عرض من التاجر الإيراني الذي يعاني من أزمة الحصار الدولي المفروض عليه، بأن لديه الآن أوراقا مهمة في الأزمة السورية، ومن يرغب في البيع أو الشراء أو المقايضة فعليه أن يتصل بنا في طهران.

إنه منطق تاجر الفستق والكافيار والسجاد الإيراني الماهر الذي يحاول دائما أن يساوم في سعر البيع بعد عملية تشدد طويلة من أجل تحسين شروط التفاوض والحصول على أفضل سعر ممكن.

للأسف مقادير الشعوب أصبحت ورقة تفاوض وكأنه يتعين على سكان حلب أن يدفعوا ثمن جنون البعض في طهران، وعلى سكان إدلب أن يعانوا من أجل المشروع النووي الإيراني، بينما المئات يقتلون يوميا وأكثر من مليون ونصف المليون سوري يعيشون في معسكرات إيواء داخل وخارج وطنهم. ولست أعرف لماذا لا يستفيد خبراء الحرس الثوري الإيراني من وقت فراغهم في دمشق ويقومون بإدارة معارك على هضبة الجولان ضد العدو الصهيوني، خاصة أن الفيلق الذي ينتمون إليه اسمه فيلق القدس؟ ولست أعرف لماذا لا يقوم هؤلاء أيضا بـ«عمليات استشهادية» عظيمة عبر الحدود اللبنانية - الإسرائيلية من خلال الدعم المتوفر من قوات وجنود حزب الله الصديق لفيلق القدس؟

الحرب من أجل المشروع النووي الإيراني يجب ألا تتم حتى آخر طفل سوري، وآخر عجوز لبنانية وحتى آخر ليرة سورية أو لبنانية.

حرب إيران، إن أرادت لها أن تستمر، فلتكن على أرض إيرانية، بواسطة جنود وضباط وضحايا وتكاليف إيرانية فقط!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ميشال يطلب التوضيح والأسد يطلب المساعدة!

طارق الحميد

الشرق الاوسط

18-9-2012

أراد سفير طهران لدى لبنان تدارك تصريحات قائد الحرس الثوري الإيراني التي قال فيها إن قواته موجودة في كل من لبنان وسوريا، إلا أنه - أي السفير - وقع في شر أعماله، فبدلا من أن يكحلها أعماها، حيث اعترف دون أن يشعر بأن القوات الإيرانية موجودة فعلا في سوريا، من أجل قمع السوريين العزل ونصرة للأسد!

فعلى أثر مطالبة الرئيس اللبناني ميشال سليمان للسفير الإيراني، غضنفر ركن أبادي، بالتوضيح الرسمي حول تلك التصريحات، صدر بيان رئاسي رسمي صادر من لبنان يقول إن السفير «نفى ذلك، موضحا أن الكلام أتى جوابا عن سؤال يتعلق بوجود عناصر الحرس الثوري الإيراني في لبنان وسوريا، وكانت إجابة قائد الحرس محمد علي جعفري تتناول الوضع السوري»، أي إن قوات «فيلق القدس» موجودة في سوريا، وليس لبنان، علما أن تصريحات قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري كانت واضحة، حيث أقر بوجود عناصر من «فيلق القدس»، التابع للحرس الثوري، في سوريا ولبنان، مشيرا إلى «إننا نقدم لهما نصائح وآراء ونفيدهما من تجربتنا»!

والمفارقة هنا في إيضاح السفير الإيراني لدى لبنان أنه يقر بوجود قوات «القدس» في سوريا دون أن يشعر، والمفارقة الأخرى أن ما يحدث في سوريا اليوم على الأرض يوضح أن الأمور قد تبدلت، والموازين اختلفت، وإلا فكيف نفهم أن يقوم الرئيس اللبناني بطلب السفير الإيراني لدى لبنان إلى قصره طلبا للإيضاح الرسمي عن تلك التصريحات الإيرانية، بينما يقوم الأسد بطلب المساعدة من إيران، بل إن الأمر تجاوز طلب المساعدة، فالواضح اليوم أن إيران هي من تدير دفة الأمور في سوريا. فرئيس الحرس الثوري يصرح بوجود قوات لـ«فيلق القدس» في سوريا دون أن يكترث بردود الفعل، ودون أن يفكر في أي حرج قد تسببه تلك التصريحات لبشار الأسد نفسه.

والواضح اليوم، وبعد تصريحات قائد الحرس الثوري، أن إيران باتت تشعر بالحرج أكثر من الأسد نفسه، فمنذ تصريحات جعفري وإيران تحاول إدارة الأزمة التي تسبب فيها، ففي البدء قال قائد الحرس الثوري الإيراني، وأمام الكاميرات، أن ليست لبلاده نية بالتدخل في سوريا في حال حدث تدخل خارجي هناك، وهو ما اضطر إيران إلى أن تصدر بيانا تقول فيه إن حديثه أُخِذ خارج سياقه. والآن نرى السفير الإيراني لدى لبنان يحاول أيضا معالجة تصريحات قائد الحرس الثوري عن وجود قوات من «فيلق القدس» في كل من لبنان وسوريا، إلا أنه أيضا وقع في شر أعماله، أي السفير الإيراني، حين أقر ضمنيا بوجود تلك القوات الإيرانية في سوريا.

وبالطبع، يحدث كل ذلك والنظام الأسدي غارق في صمته، حيث لم ينف، أو يوضح، حتى كتابة هذا المقال، أو يعترض حتى على التدخل الإيراني من أجل قمع السوريين نصرة للأسد، ولكل ذلك معنى واحد وهو أن الأسد بات أضعف مما يتخيل حلفاؤه، أو أنصاره، فإيران باتت تتحدث عنه بطريقة لا تفعلها حتى مع حسن نصر الله بلبنان، وهو ابنهم المدلل، وذراعهم العسكرية بالمنطقة، بل تحاول إظهاره، أي نصر الله، كجزء من التركيبة اللبنانية!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل أفسدت «بنغازي» على ثورة سوريا؟

عبد الرحمن الراشد

الشرق الاوسط

18-9-2012

بعد هجوم بنغازي دقت أجراس الخطر في عدد من العواصم العالمية. فـ«القاعدة» ظهرت في ليبيا، والجهاديون في سيناء، وسلفيون مسلحون في تونس. في أسبوع واحد بدا كما لو أن المتطرفين خرجوا من القمقم وهم الآن يدمرون العالم. أحد المحللين على قناة «روسيا اليوم» علق بابتسامة ماكرة، «لقد قلنا لهم إن ما يحدث في ليبيا وسوريا ليس إلا من عمل الجماعات الإسلامية الإرهابية وليست ثورات شعبية، وأن تأييدها سيكون وبالا على الغرب والعالم، لكنهم لم يستمعوا لنا، وما قتل السفير الأميركي سوى ثمار ما زرعته السياسية الأميركية في ليبيا».

هذا الاتهام ليس جديدا لكنه الآن يحك جلد الكثيرين بعد صدمة أحداث بنغازي وتونس. بسبب هذه المخاوف، قالت التقارير الصحافية إن الرئيس الأميركي باراك أوباما باتت «تتنازعه احتمالات عدة»، وأن الإدارة تعيد النظر في التعامل مع الثورة السورية! هذا كلام كبير وخطير، إن كان صحيحا. طبعا يصعب عليّ أن أشرح بإيجاز أهمية الحصول على تأييد الدول الكبرى للشعب السوري في ثورته، أو لأي ثورة مسلحة. من دون تأييد دول كبرى قد تصنف المنظمات السورية الثورية إرهابية، ويمكن أن تمنع من العمل في تركيا والأردن، وسيستحيل عليها جمع الأموال والسلاح من الكويت والسعودية وقطر. عمليا ستنتهي مثل الحركات المسلحة كالكردية؛ موجودة منذ عقود لكنها محاصرة وبلا شرعية.

وهنا أريد أن أكون واقعيا، وأعترف أن في الثورة السورية إشكالات قد لا تقل عن ليبيا، ومخاطر مستقبلية لا يمكن تجاهلها عند تغيير نظام بشار الأسد. ولكن يخطئ الغرب إن نظر إليها من منظور مخاوفه من الأصولية المتطرفة. سوريا ليست مصر، والأسد ليس مبارك. كما أن فشل الثورة السورية أخطر من نجاحها حيث ستنتشر الجماعات الإسلامية المتطرفة المسلحة مثل الفطر لأنها تقتات على فشل الحكومات، وعلى الفوضى، وتجمع المهزومين والمحبطين خلفها. ولأنه بعد عام من المواجهات المسلحة هشمت المعارضة النظام ومؤسساته، وحتى يعيد بسط سلطته سيزداد نظام الأسد شراسة ضد مواطنيه، وضد الدول الإقليمية، والمصالح الغربية. وبالتالي ستضطر الدول الغربية إلى العودة إلى سوريا لمحاربته كما فعلت في العراق. فهي كسرت نظام صدام في عملية تحرير الكويت عام 1991، ثم تركته جريحا لتضطر للعودة والإجهاز عليه في عام 2003. النتيجة أن دبت الفوضى حتى الآن، والنظام العراقي يتم ابتلاعه من قبل إيران.

الجانب الثاني، أن إسقاط نظام بشار ضرورة سورية وإقليمية ودولية أكثر من إسقاط القذافي أو صدام. هو اليد الطولى لإيران في المنطقة العربية، أدار معظم الجماعات الإرهابية على مدى أربعين عاما ضد دول المنطقة وكذلك الغرب. وهناك كم هائل من الأدلة تربط تنظيم القاعدة بالنظامين السوري والإيراني، ومعظم العمليات الإرهابية التي نفذت في العراق خلال السنوات الثماني الماضية كان النظام السوري طرفا متواطئا فيها. ولا أستبعد أبدا أن يتضح لاحقا أن «القاعدة»، أو إحدى الجماعات المسلحة، التي نفذت عملية الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي عملية مدبرة من قبل نظام الأسد أو حلفائه، خاصة أنها صممت ليتوافق تنفيذها مع ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بهدف التشويش وتخويف الولايات المتحدة.

الجانب الثالث، هو شعبية القضية في المنطقة. أنا لا أعرف قضية، توازي القضية الفلسطينية، هيمنت على مشاعر العرب في نصف قرن مثل القضية السورية. فحجم التعاطف للشعب السوري هائل في المنطقة، بسبب بشاعة الجرائم التي يرتكبها النظام الوحشي يوميا بلا توقف ويشاهد الناس أخبارها وصورها كل مساء مصدومين وغاضبين. لهذا انقلب غالبية العرب ضد إيران وروسيا وهم غاضبون من بقاء الغرب على الحياد.

عودة إلى الهجوم على القنصلية في بنغازي، الذي أثار مخاوف الغرب، صحيح أنه في عصر الطاغية معمر القذافي عاشت السفارات والمصالح الأجنبية في أمن وحماية تامة، لكن لا ننسى أن القذافي، مثل الأسد، كان وراء الكثير من الجرائم الإرهابية في أنحاء العالم. وعلى الغرب أن يدرك أن إسقاط هذه الأنظمة المجرمة لن يمر بسهولة لأنها ستدبر عمليات انتقام، وستظهر جماعات تحاول أن تحل محلها، لكن في نهاية الأمر نهاية هذه الأنظمة السيئة تبقى خيرا للعالم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

محاكمة الهاشمي.. دلالات ومفارقات

د. محمد عياش الكبيسي

العرب القطرية

2012-09-18

بعد تردد طويل وتأجيلات متكررة صدر الحكم بإعدام نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي.

وقد حمل الحكم مفارقات لا يمكن تصورها إلا في ظل القضاء «العراقي» الجديد الذي تشكل ونما في ظل الاحتلال الأميركي الإيراني المزدوج.

أولى هذه المفارقات أن الهاشمي كان قد فقد ثلاثة من أشقائه غدرا، وكان من المفترض أن يتلقى الهاشمي من المؤسسات المعنية ما يطمئنه أن التحقيق آخذ مجراه، وأن الجناة سيكونون في قبضة العدالة، لكن الهاشمي فوجئ بأنه هو هو المطلوب للعدالة وليس أولئك الجناة!

في هذه المفارقة لا يحتاج المراقب إلى كثير من الذكاء ليكشف أن «إعدام الهاشمي» بسكين «القضاء» لا يختلف عن إعدام أشقائه بسكين الغدر، بل ربما لم يكن إعدام أشقائه إلا محاولات لإقناعه هو بالتنحي عن طريق المالكي، لكن إصراره على مواصلة المسير لم يترك فرصة للمالكي ومؤسساته «القضائية» إلا أن يستخرجوا الملفات التي كانت تجمع لسنوات طويلة لتؤدي دورها المطلوب في الوقت المناسب.

أما المفارقة الثانية فإن الهاشمي كان أول مسؤول عراقي يضع يده على شاربه –وهي تعني عند العراقيين الكثير-ليقول للمعتقلين: «أنتم بهذا الشارب» وهو ما يعني أنه سيمارس دوره كنائب للرئيس في فتح ملفات هؤلاء المعتقلين والتحقيق فيها وربما استصدار قانون العفو العام، خاصة أن غالبهم لم توجه له أي تهمة قضائية، لكن قبل أن يتمكن الهاشمي من فتح هذه الملفات فتح المالكي ملفات أخرى من شأنها أن تزج بالهاشمي في صفوف هؤلاء المعتقلين بل وفي مقدمتهم لتحكم عليه قبل غيره بالإعدام!

وأيا ما كان قصد الهاشمي بهذا التعهد الجريء والحازم فإن المالكي قرر ألا يمنح هذا الشرف للهاشمي، فلو تمكن الهاشمي من الوفاء بتعهده هذا لأصبح رمزا للمظلومين وأملا لهم، وهذا من شأنه أيضا أن يحفّز كل المظلومين ليلتفّوا حول قياداتهم ومن ثم تتوطد أواصر الثقة بين الجمهور السني وقياداته السياسية، وسيكون لهذا تداعيات لها أول وليس لها آخر في حسابات المالكي. من هنا كان رد المالكي سريعا وعنيفا، وربما تحقق له بهذا الرد بعض ما خطط له خاصة مع وجود حالة من الفوضى وتضارب المواقف والمعلومات في الشارع السني إلى الحد الذي جعل بعض أقرباء المعتقلين وذويهم يرددون اليوم: أين تعهدات الهاشمي؟! وقد كان سياق الأحداث وتسلسلها يقضي بتعاطف هؤلاء أكثر من غيرهم مع الهاشمي.

وهنا لا بد لنا من وقفة جادة مع الشارع السني الذي يتعرض اليوم للظلم ومحو الهوية ويتعرض أبناؤه للاضطهاد والاعتقال بل وللتعذيب والقتل، هذا الشارع الذي لم يحرك ساكنا في الفضيحة الكبرى التي فجرها ليث الدليمي والتي كشف فيها على شاشة العراقية عن أبشع أنواع التعذيب التي يتعرض لها شباب السنّة في سجون المالكي لنزع الاعترافات القسرية منهم، ولم يحرك سواكنه أيضا وهو يسمع قرار الحكم بإعدام الهاشمي والذي تزامن مع قرارات أخرى تقضي بإعدام ما يزيد على مئتين وخمسين شابا من خيرة شباب أهل السنّة.

إن هذه التحديات المتراكمة والمتصاعدة كان من شأنها أن تطيح بأعتى حكومة مهما كان نظامها الأمني والبوليسي، فما الذي جرى لهذا الشارع؟ وهو قبل أيام كان يناجز المارينز وآلياته الجبارة في كل حي وزقاق من ذلك المثلث أو المستطيل السنّي!

إن التعذر بأخطاء القادة وإخفاقاتهم واختلافاتهم لن يغير من الواقع شيئا، وإن ثقافة التشفي واستذكار الأخطاء مع كل عدوان يحصل على هذا الطرف أو ذاك ليس من شأنه إلا أن يعمق في الشارع السني روح السلبية، وإذا كان ما تعرض له الهاشمي يصح دليلا بذاته على فشل تجربته فإن غير الهاشمي ممن يحملون رؤى مخالفة لرؤيته قد أصابهم ما أصاب الهاشمي وهاهم اليوم يعيشون خارج الحدود وبحماية الدول المجاورة تماما كما هو حال الهاشمي اليوم.

الحقيقة التي لم تعد محجوبة إلا على من حجبته أحقاده الشخصية أن الجميع مستهدف مهما كان مشروعه وتوجهه طالما أنه ينتمي لاسم السنّة، كما أن الجميع لم يعد قادرا على تحريك الشارع، وقد مرت حوادث كثيرة ومتنوعة وبعناوين مختلفة وكانت ردة فعل الشارع السني تسير بنسق واحد من السلبية واللامبالاة، وقد طالت حملات الاعتقال كل ألوان الطيف السني بعلمائه وشبابه وسياسييه وقبائله، بإسلامييه وعلمانييه ومستقليه فلم تختلف حركة هذا الشارع، وإذا كان الهاشمي أو الدليمي لا يستحقان ردة الفعل المطلوبة من هذا الشارع فلماذا لا يتحرك هذا الشارع لإنقاذ عشرات الآلاف من المعتقلين والذين قد يواجهون الإعدام الفعلي ويتعرضون قبل الإعدام لما تشيب له الولدان من الانتهاكات؟

أما المفارقة الثالثة فإن الهاشمي والذي كان يحمل رتبة عسكرية مرموقة في الجيش العراقي السابق لكنه اختار طريقا آخر قد لا يتناسب مع وظيفته العسكرية؛ حيث اختار غير ذات الشوكة وانحاز للعمل السياسي وربما كان هذا بضغط من جماعة الإخوان المسلمين وقراراتها الشورية الملزمة فما الذي حصل؟

أولا: أن يحاكم الهاشمي بتهمة الإرهاب المسلح؛ حيث ألصقت به الكثير من عمليات الخطف والتفجير! وأن يقع تحت طائلة المادة الرابعة- إرهاب، وهو بالوقت ذاته يتعرض للوم والاتهام من قبل التيارات الجهادية بتخذيله للمجاهدين وتمريره للدستور وللاتفاقية الأمنية والمتضمنة للمادة الرابعة نفسها! وهذا وحده يعطينا صورة عن حجم الفوضى في المعلومات والتحليلات والاتهامات، وهو لا شك سبب أساس من أسباب اللامبالاة والسلبية التي تلف الشارع السني؛ حيث لم يعد هذا الشارع قادرا على فرز الصور والأسماء والمواقف، ومع ازدياد مقولات الشك والاتهامات المتبادلة أصبح الشارع لا يثق بالوعود والشعارات ولم يعد مستعدا للتضحية ليس لأنه يفتقر إلى الشجاعة بل لأنه يفتقر إلى الثقة.

والنقطة التي لا بد من التنبه لها في هذا السياق أن المالكي الذي تمكن من فتح كل هذه الملفات «الإرهابية» بوجه الهاشمي وهو الشريك الأبرز في العملية السياسية فما الذي يضمره المالكي لأهل الفلوجة مثلا وهم الذين حملوا السلاح رجالا ونساء صغارا وكبارا وخاضوا معركتين من أشرس معارك التاريخ المعاصر؟

ثانيا: أن يلوذ الإخوان المسلمون بالصمت وعلى كل المستويات وهم الذين دفعوا الهاشمي إلى هذه المشاركة والتجربة المريرة، سواء منهم من اشترك معه في «العراقية» واستفاد من فائض أصواته الانتخابية أو من التحق به فيما بعد تحت هذا العنوان نفسه، أو الذين كانوا معه في الأُسر التنظيمية والمحاضن التربوية العريقة.

وإذا كان إخوان العراق قد آثروا الصمت لحسابات سياسية أو شخصية معقدة فإنه ليس من المتوقع ولا من المفهوم أن لا يعبر إخوان مصر أو إخوان تونس مثلا عن أي موقف ولو من باب الالتزامات الإسلامية العامة، أو على الأقل أن يقوموا بدعوته كما قامت قيادة النهضة التونسية بدعوة «الإخوة» من قيادة حزب الله وحكومة الولي الفقيه في إيران.

إن أهل السنّة في العراق ليسوا ضعافا إلى هذا الحد فما زالوا يمتلكون من أسباب الصمود والتماسك الشيء الكثير وكل المطلوب منهم اليوم أن يعيدوا قراءتهم للواقع الذي يعيشون فيه وللتجارب التي خاضوها بحلوها ومرها، وأن يعيدوا تقويم مواقفهم الذاتية وعلاقاتهم الخارجية بما يمكنهم من وضع الحد المطلوب لهذا التداعي والذي لم يسجل له التاريخ مثيلا إلا في تلك الأيام السوداء التي أعقبت سقوط بغداد على يد هولاكو.

إن التضامن السنّي السنّي مهما اختلفت الآراء والتوجهات أصبح الآن ضرورة ليس لدفع الظلم عن هذا الطرف أو ذاك وإنما للحفاظ على أصل وجودهم وهويتهم وإلا فإن مستقبل السنة في العراق لن يكون بأحسن الأحوال بأفضل من حال السنّة في إيران اليوم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رأي الراية..تلاشي الآمال بمهمّة الإبراهيمي

الراية

19-9-2012

تعكس زيارة المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي أن الوضع في سوريا يتجه إلى مزيد من التدهور وتلاشي الآمال في إمكانية التوصّل إلى حلٍّ يُوقف العنف والقتل اللذين يستهدفان المدنيين في سوريا رغم الحراك السياسي الذي تشهده المنطقة لهذا الغرض والمتمثل بزيارة الإبراهيمي لدمشق ولقائه مع الرئيس السوري واتصالاته مع المعارضة السورية وكذلك عقد أوّل اجتماع لمجموعة الاتصال الرباعيّة حول سوريا الذي عُقد في القاهرة والذي لم ينتج عنه شيء ملموس.

حالة اليأس من إمكانية الخروج من الأزمة عبّر عنها نحو مائتي لاجئ بمخيّم الزعتري شمالي الأردن تجمّعوا لدى مغادرة الإبراهيمي المخيّم احتجاجًا على لقائه بالرئيس السوري بشار الأسد وإعطائه فرصة للنظام السوري للاستمرار بمسلسل نزيف الدم، على حدّ تعبيرهم حيث تعرّض موكبه للرشق بالحجارة لدى مغادرته مخيّم الزعتري للاجئين السوريين.

استمرار الإبراهيمي في توصيفه للأوضاع في سوريا بأنها سيّئة جدًّا يُؤشّر أيضًا إلى أنه يكاد يصل إلى حائط مسدود قد يدفعه إلى إعلان فشل مهمّته مبكّرًا خاصة مع استمرار عمليات القتل وتصاعد أعداد الضحايا واستمرار لجوء المدنيين إلى دول الجوار بحثًا عن الأمن.

إن تحذير الإبراهيمي عقب لقائه مع رئيس النظام السوري من أن الأزمة في سوريا تتفاقم وتُشكّل خطرًا على الشعب السوري والمنطقة والعالم يُرتّب مسؤولية على مجلس الأمن الدولي بوصفه الجهة المسؤولة عن حماية الأمن والسلم الدوليين للتدخّل فورًا وفق الفصل السابع لحماية المدنيين ومنع انتقال الأزمة إلى دول الجوار وتحوّله بالتالي إلى نزاع إقليمي ستكون له تداعيات دوليّة وخيمة.

الأوضاع في سوريا حسب الإبراهيمي نفسه تدهورت بشكل خطير وبالتالي فإن الاقتراح الذي قدّمه وزير الخارجية الإيراني الداعي لإرسال مراقبين من دول مجموعة الاتصال للمساعدة في وقف العنف يُمثّل إعادة إنتاج للأزمة مرّة أخرى وشراء للوقت لا غير فقد فشلت في السابق مهمّة المراقبين العرب كما فشلت بعدها مهمّة المراقبين الدوليين حيث استمرّت مماطلة النظام وتسويفه واستمرّ العنف والقتل وتصاعد بصورة كبيرة في وجود البعثتين كما أن النظام استخدم ولا يزال في الوقت الذي كانت فيه بعثة المراقبين الدوليين في سوريا الطائرات لقصف المدن والبلدات السورية كما شهد العديد من المدن والبلدات مجازر دمويّة ذهب ضحيّتها مئات النساء والأطفال والشيوخ ومنها مجزرة الحولة التي أكّدت لجنة التحقيق الدولية مسؤولية النظام عن ارتكابها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الحرب السورية...هل وصلت لطريق مسدود؟

تاريخ النشر: الأربعاء 19 سبتمبر 2012

ويليام فاف

الاتحاد

تُعد الحرب الأهلية الدائرة في سوريا من أكبر المخاطر التي تهدد السلام العالمي، وهي أكثر خطراً من الحروب الكلامية المتبادلة بين إيران وإسرائيل بين الحين والآخر. وتمثل هذه الحرب محوراً للتنافس بين السُنة والشيعة وساحة تتعارض فيها المصالح السعودية والإيرانية والقطرية، وتظهر خلالها أيضاً وللاستثمارات الروسية في منطقة البحر الأبيض المتوسط وسوريا وللعداء الأميركي الإسرائيلي المستفحل لسوريا وإيران.

وعلى الرغم من أن هذه الحرب خاسرة لكل الأطراف، فإن الأرقام الواردة من "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، تشير إلى موت نحو 27,000 شخص حتى الآن معظمهم من المدنيين.

وقامت الحكومة السورية في غضون الأيام القليلة الماضية، بهجمات منظمة ومتلاحقة على أحياء حلب أقدم المدن السورية وأكثرها كثافة سكانية. ولا تملك قوات المعارضة دفاعات فعالة أو مضادة للدمار الذي تلحقه بها القوات الجوية التابعة للنظام. ولا يوجد مبرر لاحتلال هذه القوات للأراضي بعد أن هجرها ساكنوها خوفاً من المزيد من الهجمات الجوية.

ويتجاوز عدد سكان حلب حتى قبيل اندلاع هذه الحرب مليوني نسمة معظمهم من السنة ونحو ربع مليون من المسيحيين. وتعتبر "المدينة القديمة" فيها من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم حيث يعود تاريخها إلى الألفية السادسة قبل الميلاد. كما تعتبر المدينة، واحدة من مواقع "اليونيسكو" التراثية العالمية.

وبموجب ما يدور فيها من حرب طاحنة الآن، يهدد البلاد خطر حقيقي بالانهيار والتحول إلى صومال أخرى. وهذا هو التحذير الذي أطلقه نائب وزير الشؤون الخارجية الروسي "ميخائيل بوجدانوف"، خلال زيارة قام بها إلى باريس في الأسبوع الماضي خلال لقائه ببعض أعضاء الجالية السورية ومسؤولين فرنسيين.

ويظل الموقف الروسي في ما يتعلق بالاضطرابات والقمع، داعماً لحكومة بشار الأسد ولمؤتمر السلام الذي اقترحه الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان على غرار مؤتمر مدينة الطائف السعودية في 1989 الذي نجح في الوصول إلى صيغة وضعت حداً للحرب الأهلية في لبنان آنذاك.

ويتكون المؤتمر من ممثلين للنظام السوري والمعارضين، بالإضافة إلى قادة من المسيحيين والدروز وجماعات العلويين والأقليات الأخرى التي تضم الأكراد والأتراك والعراقيين والأرمن، وكذلك الجماعات الخارجية الأخرى الراغبة مثل روسيا وأميركا وفرنسا.

وإلى جانب امتلاك روسيا لقاعدة بحرية صغيرة في سوريا، لها أيضاً مصلحة في بقائها نابعة من سنوات الحرب الباردة ومن حقيقة وجود جماعة روسية سورية كبيرة في الوقت الراهن نتجت عن التزاوج بين البحارة والمسؤولين والمقيمين الروس والنساء السوريات. ويقول "بوجدانوف" إن الأسد أكد لموسكو استعداده لترك كرسي الرئاسة في حالة إجراء انتخابات يرفضه فيها أفراد الشعب.

لكن ليس هناك تأكيد لهذا الوعد من قبل دمشق، خاصة وأن ذلك يعني لحد ما الرفض الحتمي للأسد في حالة إجراء مثل هذه الانتخابات، التي لا تلوح مؤشرات في الأفق القريب لقيامها. ومع ذلك، يبدو أن هذا العرض هو جزء من الأجندة التي تستعد روسيا لطرحها على طاولة التفاوض في حالة انعقاد المؤتمر المقترح، والذي صادقت عليه كل من "الأمم المتحدة" و"مجلس الأمن".

وتعكف الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على مناقشة مشروع قرار بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يخول التدخل الخارجي كما حدث في ليبيا العام الماضي. ومنذ أنه لم تبد أميركا أو أي دولة أخرى استعدادها لتبني مثل هذا القرار في حالة إجراء التصويت عليه، فليس من المتوقع أن يتم التصويت عليه، لا سيما وأن التدخل العسكري سيزيد الأمور سوءاً.

واستأنفت الأمم المتحدة وساطتها من خلال الأخضر الإبراهيمي المسؤول الجزائري السابق، الذي كان في القاهرة حيث انعقد اجتماع في يوم الاثنين الماضي بمشاركة ممثلين من تركيا وإيران ومصر تحت رعاية الرئيس المصري، وذلك بخصوص قضية وقف إطلاق النار في سوريا. وقد زار الإبرهيمي سوريا قبل ثلاثة أيام والتقى الأسد.

ومن الضروري فهم الحرب السورية في سياق المنافسة بين السُنة والشيعة، وفي إطار إيران وحليفها "حزب الله" في لبنان ، وعلى ضوء المشهد العراقي الذي يهيمن عليه الشيعة في الوقت الحالي بفضل بوش الأب وديك تشيني و"المحافظين" الأميركيين الجدد وإسرائيل واللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون الخارجية "الأيباك" وكل من ساهم في غزو وتدمير السنة العراقيين.

ومن المؤكد أن هذه الأزمة يصعب على الغرب التدخل فيها، بصرف النظر عن الأفكار التي يتم الترويج لها في دوائر التدخل الفرنسية أو تلك المطروحة إبان حملة انتخابات الرئاسة الأميركية. وينبغي أن يكون حلها داخل إطار الدول العربية، حيث تعتبر مبادرة الرئيس المصري بالإضافة إلى تعيين الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للأخضر الإبراهيمي، بوادر إيجابية. كما أن مجرد حقيقة أن هذه الحرب شارفت على الوصول إلى طريق مسدود، مدعاة للاطمئنان، حيث ليست هناك فائدة مرجوة من استمرار سعيرها.

ويليام فاف

محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفس"

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا في المبادرات الإقليمية والدولية:

أوقـفـوا الـقـتـل!

فواز طرابلسي

السفير

19-9-2012

بعد جولة اولى من المشاورات والمداولات، بما فيها لقاء مع الرئيس الاسد، عاد المبعوث العربي الاممي الاخضر الابراهيمي الى قواعده في القاهرة ولا مبادرة حلّ لديه. وفي القاهرة، انهت اللجنة الاقليمية الرباعية اجتماعا لها في غياب وزير الخارجية السعودي - بلا عذر مقنع البتة - من دون ان تتوصل الى اي قرار.

مبادرتان تستدعيان التوقف حول الجدوى من كل منهما. تفرّعت هذه وتلك عن مهمة كوفي انان بعد ان اعلن الرجل تنحيه عن مهمته. اخفق الرجل مطلع مهمته في إنجاح اتفاق لوقف اطلاق النار ومراقبته عن طريق مراقبين من الامم المتحدة. قفز، في مرحلة ثانية، مباشرة الى السعي لاطلاق «العملية السياسية» من دون نجاح هنا ايضا. لم يخف المبعوث الاممي التلميح اقلا الى ان النظام هو المسؤول الاول عن اخفاق مهمته لأنه الطرف الاقوى والاقدر على المبادرة.

في ظل مهمة انان، وبعيدها، انتقلت الازمة السورية الدموية الى اطوار اشد: حصلت اعلى مستويات من التصعيد العسكري في الازمة الدموية السورية المستمرة منذ سنة ونصف السنة. قفز معدّل القتلى يوميا الى ما فوق المئة قتيل، استقرّ فوق سقف اعلى، اذ دارت معارك طاحنة داخل المدن وجرى اللجوء المتزايد الى المدفعية والطيران المروحي والنفّاث، وارتفع منسوب نمط القنابل التي ترمى على مدنيين. والهدف هو ذاته: تحقيق انتصار عسكري لا تشخيص له. والنتيجة: القتل العبثي الصافي. كانت المعركة الفاصلة وعلامة «الانتصار» هي اقتحام بابا عمرو في حمص. دمّر الحي الشعبي على رؤوس سكانه ومعه وفوقه ثلاثة ارباع المدينة وجاءه «الفاتح» متفقدا معالم الانتصار برفقة المندوب الاممي. ولا نصر. بعد اسابيع، عاود الطيران النظامي قصف بابا عمرو في عداد الاحياء التي يقصفها. انتقلت المعركة الفاصلة وعلامة «الانتصار» الى اقتحام حي صلاح الدين في حلب. الحي قيد التنازع بين النظامي و«الحر» ولا نصر. منذ اسبوعين اعلن ضابط نظامي كبير ان تطهير حلب سوف يتم في غضون عشرة ايام. والدم ينتظر.

وافق النظام السوري على مهمة انان على وهم «الحسم». وها هو يوافق على مهمة الابراهيمي بناء على الوهم ذاته. والسؤال ما الجدوى اصلا من استبدال انان بالابراهيمي، اللهم الا اذا كان «المجتمع الدولي» يريد اقناعنا بأن الثاني اكثر كفاءة من الاول ربما بسبب هويته العربية؟ الجواب الوحيد المقنع هو ان الابراهيمي مزوّد باتفاق دولي يسمح له بأن يحقق ما لم يحققه الاوائل من الوسطاء. وهم كثر.

ليس ادلّ من عدم وجود ما يحمل على هذا الاعتقاد من وجود المبادرة المصرية الرباعية. واول ما يجب قوله انه لا وضوح على الاطلاق: ما الفارق في المهمات بين مبادرة الاخضر الابراهيمي ومبادرة الرئيس محمد مرسي، اللهم الا ان الاخيرة ذات طابع «اقليمي»، مع انها ملغومة بالنزاع السعودي - الايراني. طرف يسعى للتهرّب منها وطرف يسعى لكسب اكثرية فيها بضم فنزويلا والعراق. اللافت في الموقف الايراني هو اقتراح ارسال مراقبين من الدول الاربع الى سوريا للمساعدة على وقف العنف. وانه لمعبّر جدا ان يأتي مثل هذا الاقتراح بعيد الاعلان عن وجود قوات من الحرس الثوري في سوريا ولبنان. ومع ان الخارجية الايرانية نفت الخبر، والسفير الايراني في لبنان طمأن الرئيس سليمان الى ان الوجود المقصود يقتصر على سوريا، يكشف الاقتراح الايراني بُعدا جديدا كل الجدّة حول وجود قوات من الحرس الثوري في البلد الشقيق. ان وجود القوات يشكل استباقا ايرانيا من اجل الحضور الوازن في اي قوة دولية سوف تشرف على وقف اطلاق النار.

من جهة اخرى، لا يزال التحذير الروسي ضد التدخل العسكري الغربي مزحة سمجة تسمح للقيادة الروسية بالاستمرار في سياسة «اغراق السمكة» وتحوير الموضوع، خصوصا بعد ان اكتشفت القيادة الروسية ان ما يجري في سوريا «صدام حضارات» يحمل الخطر الاسلامي الاصولي الذي يهدد المسيحيين الذين تطمح روسيا الى ان تلعب بالنسبة اليهم دور «الام الحنون». وقد يتساءل المرء لماذا يقتصر خطر صدام الحضارات على المسيحيين من دون سواهم من مكونات الشعب السوري، لولا ان التحذير الروسي لا يخفي مقصده: الاعلان عن حلّ يقوم على اساس طائفي.

وفي المقابل، عالم غربي يعلي الصوت ويهدد بـ«التدخل» في حال استخدم النظام اسلحته الكيماوية والجرثومية وهو يعرف ان استخدامها في الحرب الحالية مستحيل. لكنه يغض الطرف، ومعه المجتمع المسمى دوليا عن: ربع مليون لاجئ خارج بلادهم في العراء او ما يشبهه، على ابواب الشتاء. وعشرات الالوف من الضحايا ومقدار اكبر من المعتقلين، وتصعيد في استخدام اسلحة الدمار. فبعد مدافع الدبابات والمدفعية الثقيلة والمروحيات صار قصف الطيران مشهدا يوميا، وآخر مبتكراته القاء البراميل الحارقة على الاحياء السكنية وهي معدّة طبعا لاقتناص «العصابات الارهابية المسلحة». الى هذا، الاعدام الميداني... للمدنيين. ودمار يزيد على دمار 24 سنة من الحروب اللبنانية. ناهيكم عن المآسي الانسانية مع تصاعد حالات الاغتصاب ونمو ظاهرة السبي للاجئات في المخيمات عبر الحدود تحت ستار «السترة» او بدافع العوز، بتزويج الفتيات بل القاصرات من رجال، خليجيين في معظم الحالات، وموسم دراسي يبدأ ولا يبدأ مع وجود ألفي مدرسة مدمّرة قبل ان نتحدث عن مصير الاساتذة والتلامذة والطلاب.

بعد كل هذا، ما أهمية التحليل والتوقع؟

المطلوب امر واحد: أوقفوا القتل!

هي صيحة ليست موجهة لأحد على الارض او في السماء.

fawwaz.traboulsi@gmail.com

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

زلة لسان إيرانية؟

واصف عواضة

السفير

19-9-2012

ليس واضحا ولا مفهوما حتى الآن لماذا صرّح القائد الأعلى لـ«الحرس الثوري» الايراني الجنرال محمد علي جعفري، بأن مستشارين من «الحرس» متواجدون في لبنان وسوريا، ما اضطر طهران الى نفي هذا التصريح، أو الأصح «تدوير زواياه» الحادة في مرحلة دقيقة للغاية تشهدها المنطقة، مرة على لسان سفير الجمهورية الاسلامية الايرانية في لبنان غضنفر ركن أبادي، وأخرى على لسان المتحدث باسم الخارجية الايرانية رامين مهمانبرست.

هل كانت «زلة لسان» من المسؤول الايراني الكبير، أم ان الهدف هو توجيه رسائل «لمن يهمهم الأمر» في المنطقة، بحسب التحليلات التي توالت في اطار ردود الفعل على هذا الكلام الذي أحرج الحلفاء والاصدقاء في لبنان وسوريا وبعض الدول الكبرى؟ أم ان الجنرال جعفري يعتبر اعترافه الذي جاء ردا على سؤال في مؤتمر صحافي، من باب «تحصيل الحاصل»، ولا يستأهل هذه الضجة السياسية والاعلامية التي تعاملت مع هذا الموضوع على قاعدة «لا اله..»، فأصرت على التعاطي مع تصريح الجعفري من دون الاشارة الى النفي والتوضيح والتصحيح؟

في اي حال لا يمكن لأحد ان ينكر او يتجاهل النفوذ الايراني في المنطقة، بدءا من العراق، مرورا بسوريا وانتهاء بلبنان. هذه حقيقة لا تنكرها ايران ولا الحلفاء في هذه الدول. فمنذ قيام الثورة الاسلامية في العام 1979، لم يغب عن بال أحد ان الجمهورية الاسلامية تسعى الى تصدير ثورتها التي تفتخر بها الى الخارج، وقد وجدت لذلك مريدين في المنطقة وخارجها، لدرجة نشأ من خلال ذلك محوران كبيران أُطلق عليهما تعبير «الاعتدال والممانعة». وعلى ضفاف هذين المحورين دارت وتدور صراعات دامية منذ ثلاثة عقود، شهدت المنطقة خلالها حروبا ضارية بدأت بالحرب العراقية على ايران في عهد صدام حسين، مرورا بحروب اسرائيل على لبنان، وهي تشهد اليوم فصلا داميا في سوريا الحليف الاساسي لإيران.

وسط هذا الصراع لعبت الجمهورية الاسلامية دورا بارزا في دعم حلفائها في محور الممانعة بالمال والسلاح والخبرات، وكان من البديهي ان يكون «الحرس الثوري» الايراني، بما يملك من امكانات، في طليعة الوسائل الايرانية لترجمة هذا الدعم، ولا تختبئ ايران وراء اصابعها في هذا المجال، في وقت يمتلك خصومها المعلومات الكافية على هذا الصعيد. وبالتأكيد لم تتفاجأ الولايات المتحدة واسرائيل بالذات من تصريحات الجنرال جعفري، لكن هذا الاخير، على الرغم من ذلك، لم يكن مضطرا الى مثل هذه التصريحات التي قد تكون أحرجت الحلفاء في المرحلة الدقيقة الراهنة، وأسهمت في تزويد الخصوم بمادة دسمة لتأليب الرأي العام وزجه في آتون الفتنة المذهبية.

في كل الاحوال، سواء كانت تصريحات الجعفري «زلة لسان» او «رسالة» أو من باب «تحصيل الحاصل» او جرى تأويلها واستغلالها، فإن كل ذلك لا ينفي رغبة الجمهورية الاسلامية الايرانية ولا حقها كدولة كبرى في المنطقة، في تعزيز نفوذها، شأنها في ذلك شأن كل القوى والاساطيل الزاحفة من وراء البحار والساعية لتحقيق مصالحها على حساب شعوب المنطقة. فإيران لها مصالحها ولديها خيرات مهددة، ومن حقها حماية هذه المصالح والخيرات بالطرق التي تراها مناسبة، ما دامت سياسة القوة لا مبادئ العدالة هي التي تحكم العالم اليوم. يكفي ان ايران لم تغز دولا ولا اجتاحت اراضي ولا احتلت شعوبا كما فعل ويفعل الآخرون.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بداية ضعيفة لمبادرة محمد مرسي

سركيس نعوم

2012-09-19

النهار

ارتاح الاسبوع الماضي الرئيس المصري محمد مرسي عندما تجاوبت المملكة العربية السعودية وتركيا والجمهورية الاسلامية الايرانية مع دعوته الى العمل معاً من أجل وقف اراقة الدماء في سوريا، والعمل لحل الأزمة المستعصية بين الثورة الشعبية ونظام آل الاسد التي تحولت من سلمية الى عسكرية، والمرشحة للتحوّل مرة ثانية حرباً مذهبية أهلية هذا إذا لم تكن تحوّلت. وتجلى التجاوب في اجتماع استضافته القاهرة لوزراء خارجية الدول الاربع المذكورة اعلاه أو من ينوب عنهم. لكنه قطعاً لم يشعر بارتياح مماثل قبل يومين عندما غاب وزير الخارجية السعودي أو من ينوب عنه عن الاجتماع الثاني الذي تقرر في الاجتماع الاول عقده في القاهرة ايضاً، وذلك رغم ان المبرر الرسمي الذي قدم للغياب المشار اليه كان انشغال ممثل السعودية سواء كان وزير خارجيتها أو من ينوب عنه بـ"ارتباطات خاصة سابقة". فهذا النوع من التبريرات ديبلوماسي. والدافع اليه عادة هو عدم اتخاذ الجهة التي تعتمده موقفاً نهائياً سلبياً او ايجابياً من التحرك أو العمل الذي تكون غابت عنه. والديبلوماسية المصرية العريقة تعرف ذلك. طبعاً لا بد من انتظار الاجتماع الثالث لمعرفة إذا كان نصاب "اللجنة الرباعية" التي اقترحها رئيس مصر سيكتمل، وقبل اطلاق الاحكام النهائية عليها. لكن الانتظار على اهميته لا يفقد الشكوك في استمرارية عمل اللجنة، أو بالاحرى في انطلاقته الفعلية، مبرراتها الجدية. وما جاء في تصريحات الذين اجتمعوا في العاصمة المصرية يؤكد هذه الشكوك. فوزير خارجية تركيا داود اوغلو رأى ان الحل في سوريا يجب ان يكون اقليمياً. في حين ان وزير خارجية ايران علي اكبر صالحي رأى انه يجب ان يكو ن سورياً - سورياً، وألاّ يفرض من الخارج. وعبارة "حل اقليمي" تعني انه خارجي. أما وزير خارجية مصر فلم يحدد هوية الحل للأزمة السورية واكتفى بالاشارة الى حصول تشاور، والى الاتفاق على عقد اجتماع آخر في نيويورك على هامش الدورة العادية للجمعية العامة للامم المتحدة التي ستبدأ الشهر الجاري. علماً ان اقتراح الرئيس المصري في ذاته يجعل مصر اقرب الى الحل الاقليمي للأزمة المذكورة منه الى الحل السوري – السوري، أو بالاحرى الى رعاية اقليمية لتسوية داخلية بين الثوار والنظام.

في اختصار يعتقد متابعون جديون لأوضاع المنطقة وتطوراتها ان مصر لا تزال غير مهيأة لقيادة لجنة اقليمية او "مجموعة اتصال" كما سميت اخيراً، مهمتها معالجة الوضع السوري الدامي بسبب عدم استقرار اوضاعها وبنيتها الدولية والدستورية، كما بسبب مشكلاتها الاقتصادية و"الامنية"، فضلاً عن علاقاتها مع اسرائيل والولايات المتحدة. ويعتقدون ايضاً ان ايران الاسلامية تريد توظيف مجموعة الإتصال لتحقيق اهدافها وفي مقدمها جعل الاسد وبعض نظامه جزءاً من التسوية، وابقاء اوراقها في قلب العالم العربي اي سوريا ولبنان في يدها، وتوظيفها في مشروعها الذي هو التحول دولة اقليمية عظمى صاحبة نفوذ كبير في الشرق الاوسط. ويعتقدون اخيراً ان السعودية لا تثق بايران وتعتبرها تهديداً، ولذلك فان تعاونهما معاً في لجنة واحدة لا يمكن ان يكون صادقاً ولا مثمراً. اما مصر فان السعودية لا تمانع في المنحى الذي اتخذته الثورة الناجحة فيها، لكنها لا تزال غير مطمئنة تماماً لمصر الجديدة، ربما بسبب سيطرة "الاخوان المسلمين" التدريجية عليها دولة ومجتمعاً ودستوراً وقوانين، وذلك جراء الحساسية والخلافات القديمة والمستمرة بينها وبينهم. علماً ان هناك من يؤكد علاقتها مع منافسيهم الاسلاميين داخل مصر اي السلفيين.

في أي حال ان فشل مبادرة مرسي لا يتمناها عربي، لانه يعني ان الثورة ستستمر وتتصاعد بدعم من غالبية الدول العربية واوروبا واميركا، وان النظام سيتابع مواجهتها بكل شراسة بدعم من روسيا وايران والصين، وان التدمير سيعم سوريا، وان الحرب ستتحول مذهبية، وان التقسيم الواقعي قد يفرض نفسه، وان موقتاً في المستقبل. وما يؤكد ذلك المعلومات الواردة من واشنطن على مصادر ديبلوماسية مطلعة والتي تفيد ان الثوار السوريين سيتلقون مزيداً من دعم اميركا وحلفائها الاقليميين والعرب، مثل تسليمهم اسلحة فاعلة وربما مثل اقامة منطقة حظر طيران في سوريا. وبعض هذه المعلومات يشير الى ان التدخل العسكري المباشر في سوريا من دون تغطية مجلس الامن له بقرار رسمي لا يزال بعيد الاحتمال. لكنه يدرس في الدوائر المعنية وبجدية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا .. جيش النظام يغزو الشعب ويدمر البلاد * محمد بخيت محمد المعرعر

الدستور

19-9-2012

يتعرض الشعب السوري للاضطهاد والابادة على ايدي جنود الوطن وتتعرض المدن والقرى للعقاب الجماعي، بالتدمير العشوائي وهدم المساكن على رؤوس اهلها, اغلبيتهم من النساء والاطفال والعجزة وذلك في مشاهد مروعة ومخيفة.

كما تتكرر عمليات القصف والتدمير وارتكاب المذابح على مواقع عدة, مخلفة الدمار والقتل والتشريد.

ان عملية الارض المحروقة التي يقوم بها جيش النظام، طبقا لما قامت به اسرائيل في غزة ولبنان، تتوسع وتدار في كل مناطق التماس في سوريا من حوران جنوبا وحلب شمالا ودير الزور شرقا. تدار هذه العمليات عن بعد بالقصف المدفعي والطيران ليسلم افراد الجيش النظامي من تأثير الاسلحة الفردية، يقوم بعدها الجيش باقتحام المناطق ونهب ما فيها، واعدام وقتل المواطنين خاصة الشباب، لانه لا يوجد وقت ومكان للاعتقال، وهذا ما جرى في داريا، كفرنبل، درعا، القبير، والحولة وغيرها.

لقد تجاوز القتل والمذابح والتدمير حدود المنطق والمقبول، اذ كيف يسمح العرب ذوو القربى والصلة لمثل هذا النظام ان يتمادى بالقتل والتدمير لشعب ينشد الحرية والعدالة تظاهر سلمياً عشرات الشهور ثم ظهر بعده عدد من المنشقين ابناء واقارب الشعب في المناطق المنكوبة ليدافعوا عن اهلهم واعراضهم وكرامتهم.

ان الممارسات التي يقوم بها جند النظام ضد ابناء الوطن في المناطق الاسلامية السنية تفوق ممارسات الاعداء وجنود الاستعمار والتي يسجلها التاريخ بأقسى انواع عبارات الادانة والبربرية ويعجب بها الاعداء حين يمارسها جنود الوطن ضد ابناء وطنهم. لا يوجد في سوريا ارهابيون ولا مؤامرة ابدا لو كان هناك ارهابيون يقتلون الشعب كما يدعي النظام، لظهر هؤلاء الارهابيون في المناطق المؤيدة للنظام كمناطق السويداء وسلمية شرق حمص وطرطوس.

الارهاب هو ارهاب النظام والطوائف التي تقاتل تحت مظلة النظام، النظام ليس حامياً للطوائف والمذاهب بل مورطا لها في قتال الآخرين الذين يطالبون بالحرية والعدالة وتداول السلطة.

لم يكن في سوريا سابقة نزاع طوائف، وسوريا بلد متمدن وحضاري، ووارث حضارات ومدنيات قديمة متعاقبة، ولكن وقعت سوريا تحت حكم فئة متسلطة متغولة على الوطن تحاول الاعتماد على مساندة واشراك الطوائف في نزاعها مع الشعب.

ان تصرف الاقليات والطوائف، ووقوفها مع النظام يحملها المسؤولية ويخيفها بممارسة افرادها من جرائم ضد الشعب ورطها به النظام، والشعب السوري يعرف من يقتله ويعتدي عليه، وسيحين الوقت للقصاص من المجرمين.

ذكروا ان نمرا مفترسا نزل في غابة قريبة من منزل الباشا، وسألوا مجنونا كيف تتخلص من هذا النمر فقال: احرقوا الغابة!

احتل التتار دمشق في اول القرن الثامن الهجري واعتنق قائدهم (كاتبغا) الديانة المسيحية، وامر ان يمر الصليب يوميا محمولا في شوارع دمشق، ومن لم ينهض لتحية الصليب يعاقب، وذات يوم قتل ابن القائد كاتبغا وامر الجند احضار عشرة الاف طفل ووضعوهم في احد ميادين دمشق وامر القائد الفرسان ان يدوسوا الاطفال بخيولهم حتى ماتوا جميعا!

وقد انتصر المسلمون على التتار في عين جالوت وعادت المودة بين فئات الشعب مسلمين ومسيحيين لان الفعلة جاءت من ظالم مستبد خرجت عن ارداتهم، هذه الصورة من صور الظلم والاستبداد في التاريخ لم نتصور ان يأتي مثلها في الزمن المعاصر كما يحصل اليوم، في ظل القوانين الدولية والانسانية زيادة على العقائد السماوية التي لا تقر الممارسات الهمجية والوحشية، الشعب السوري يعيش الظلم والمذابح والدمار والاهوال ودفع فاتورة كبيرة من الارواح والدماء والمصائب، في نفسه وماله وكرامته.

لا يمكن له ان يرجع للوراء ويفاوض، ويخضع او يشارك من قتلوه واذلوه الحكم والمسؤولية. والنظام واعوانه يعرفون ابعاد الجرائم والفضائح التي ارتكبوها، ويعرفون ان لا مكان لهم في مستقبل سوريا المحررة الديمقراطية، ولكنهم يسعون بما بقي لديهم من قوة ونفوذ للتفتيت الطائفي والمذهبي وجر مجموعات كبيرة الى خندق جرائمهم ليقتلوا ان أمكن امواج الحرية والعدالة التي يطالب بها غالبية الشعب السوري.

الحرية والعدالة في سوريا للجميع، ليست لفئة وطائفة دون الاخرى، ولا يجوز لأقلية ان تحكم بالقوة، وتتحكم بقدرات البلد، لا لاكثرية ان تنتزع حقوق الآخرين.

ومن الاجدى للمجموعات التي تقف على الحياد او متورطة في مساندة النظام ان تقف مع غالبية الشعب المطالب بالحرية والعدالة لان الحرية والعدالة مطلب وطني عام للجميع.

الوساطات التي تجري مع النظام ومواقف وزير خارجية روسيا بشكل خاص، أسهمت في زيادة عدد القتلى من العشرات الى المئات وأسهمت في تشريد الشعب السوري وتخريب مدنه وقراه، وازدادت الحملات العسكرية والقصف الجوي الصاروخي شراسة وبشكل عشوائي، فقد دمرت المساجد والآثار والطوابق السكنية، وصارت الحياة موحشة والمدن والقرى كالاشباح خالية من سكانها، وتبدلت الاعتقالات الى الاعدام الميداني خاصة ضد الشباب.

والعالم لا يزال يتفرج على هذا المسلسل الاجرامي، فالغرب عامة موقفه منطلق من مصلحة الدولة العبرية ومن تخوفه من الاسلاميين وكأن الاسلام طرأ تواً على سوريا، وتم نسيان سماحة الاسلام وعدالته.

الشعب السوري بحاجة لوقفة قوية معه من حيث المقاومة وتسليحها بأسلحة نوعية ومتطورة ضد الطيران والدروع والمساندة المادية والمعنوية ليقوم المسلحون بعمليات ووثبات نوعية من حرب العصابات.

على العالم التوجه لحماية الشعب السوري بوجود مناطق آمنة والتدخل عربيا ودوليا حتى لا يطحن الشعب السوري تحت ركام مدنه وقراه، وتفلت الامور نهائيا وتؤدي الى كارثة انسانية يصعب علاجها يتحمل تبعتها العرب والعالم المتحضر، وتكون لطخة سوداء في عصر المدنية والحضارة العالمية.

قال تعالى: “من قتل نفسا بغير نفس أو فسادٍ في الارض فكأنما قتل الناس جميعا”.

صدق الله العظيم

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سورية: في اليأس من الثورة

عمر قدور *

الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٢

الحياة

لم يعد التفاؤل حاضراً بقوة في أوساط الناشطين، أو بين متابعي الثورة السورية عموماً، وبدا كما لو أن الكثيرين استفاقوا فجأة على واقع مختلف عما تمنوا أو توقعوا منه. لم يعد مرد الإحباط فقط إلى تخاذل المجتمع الدولي عن حماية السوريين، وإن بقي على صلة بذلك، فثمة عوامل داخلية مستجدة بدأت تنال من الصورة الأولى الزاهية، والتي بدورها لم تكن نقية تماماً، ولا يجوز أن تكون كذلك، إلا كسردية ثقافية.

ومن المؤكد أيضاً أن الـــمزاج الثوري كان بـــدايةً بمثابة الرافعة الأخلاقية، فدفع مجتمع الثورة عموماً إلى بذل أفضل ما عنده، وحرّض نوعاً من التنافس الأخلاقي والجمالي معاً، لكن القمع والتنكيل الوحشيين اللذين لاقتهما الثورة كان لا بد أن يستنزفا مع الوقت قــسماً كبيراً من الطاقة الإيجابية، إن على مستوى الأفراد أو على الصعيد الكلي. طبعاً ليس المعني هنا نزيف الدم وحده، فآلة القـــمع أثبتت قدرتها على مختلف أنواع التدمير المادي والمعـــنوي بلا أي رادع، في الوقت الذي لم تستطع الأفضلية الأخـــلاقية للثورة أن تجنّب مجتمـــعها ذلك الأذى الهائل، ولم تتحصل الثورة بفضل أخلاقيتها على الدعم المرتجى، ولا حتى على سمعة حسنة توازي مناقبــيتها. باستثناء تعاطف ثابت محدود من قبَل أفراد ليسوا في مراكز القرار لم تلقَ الثورة حتى دعماً لفظياً ثابتاً، وتخبطت تصريحات المسؤولين الدوليين في أوحال النظام والسياسة، من دون أن تكون بوصلتها هي الحقوق المشروعة للسوريين في تحقيق مصيرهم بحرية تامة.

في المقابل من البذاءة التامة للنظام، وبذاءة ألاعيبه التي حملت دائماً استهتاراً مطلقاً بكرامة السوريين وحيواتهم، لم يقدم موالو النظام ولا المجتمع الدولي بما فيه «أصدقاء سورية» فضيلة أخلاقيةً تدعم فعلياً مُثل الثورة، بل سقطت السياسة سقوطاً ذريعاً في اختبار القيم والأخلاق. ومن ملامح السقوط أن تُطالب الثورة بإلحاح بالحفاظ على «صوفية» أخلاقية من قبل أولئك الذين لم تدفعهم أخلاقهم إلى تقديم أدنى عون مطلوب لها، الأمر الذي يضع ادعاءاتهم في خانة التواطؤ مع النظام، أو على الأقل في خانة التواطؤ البراغماتي مع أفعاله.

ليس عادلاً ولا واقعياً أن تُطالب الثورة بمكابدة ما لا تطيقه إلى ما لا نهاية، ومن دون أن تلوح بارقة أمل في نهاية النفق، وليس عادلاً ولا واقعياً أيضاً أن يُطالَب الثوار بأداء مثالي بينما ينشطون في ظروف أقل ما يُقال عنها إنها لاإنسانية. لكن الأقل عدالة مما سبق هو تناسي الحقوق الأساسية التي انتفض من أجلها السوريون، وأن يصبح مجرد وقف القتل مطلباً دولياً، وأن يجرn التفاوض عليه بصفjه تنازلاً يقدّمه النظام من رصيده، أو أن يذهب التركيز نتيجة ذلك إلى حصر الانتباه بالقضية السورية بصفjها أزمة إنسانية أو أزمة لاجئين.

على رغم ما سبق سيبقى من حق، ومن واجب، أهل الثورة مطالبة أنفسهم بالحفاظ على سوية قيمية تليق بهم، وتكون قدر الإمكان على النقيض من النظام ومن تدني السياسة الدولية الخاصة بإدارة أزمتهم. انطلاقاً من هذا الواجب الذي لم يتخلَّ عنه قسم كبير من الثوار، وأيضاً قسم كبير من أصدقائهم الحقيقيين، بدأ بعض اليأس بالتسلل إلى النفوس من الفجوة التي تتسع أحياناً بين الواقع والمرتجى. وقد كان لنقد الثورة قسط في إشاعة اليأس، تحديداً عندما خضع للتسييس من قبل أعدائها، ومن قبل بعض أصدقائها المزعومين داخلياً وخارجياً، فتوقف النقد عن إنجاز مهمته في تصحيح مساراتها لينصبّ في الكثير من الأحيان على الطعن في جدواها أو في فكرة الثورة من حيث المبدأ.

لا شكّ في أنها كانت أكثر نقاء صورة ذلك المتظاهر السلمي الذي يتلقى الرصاص بصدره العاري، لكن هذه الصورة لم تكن لتصمد إلى ما لا نهاية من أجل أن يتغنى بها رومانسيون ثوريون، أو من أجل أن ينعم بنتائجها من يرغبون علناً أو سراً ببقاء النظام. كان من الواقعي أن يختبر الثوار مسالك لا يرغبون فيها أصلاً، وأن تأخـــذ بعض ردود الأفعال قسطاً من عنف النظام، وحتى أن لا يكون العنف «ذكياً» دائماً. بين المُثُل التي تقترحها غاياتها والواقع الوحشي الذي يفرضه النظام تكابد الثورة سلسلة من الخيارات المريرة، ولا يتاح لها أحياناً سوى انتقاء الأقل سوءاً. لا مكان هنا للمثالية التي لا تعني إلا التضحية بواقع الثورة كُرمى لنموذج لم يتحقق مطلقاً في مثل هذه الظروف، فضلاً عن أن المثالية في أعمّ حالتنا لا تعدو كونها ضرباً من ضروب التربية التوتاليتارية التي، بتعـــبير حنة أرندت، تقوم على اصطناع «إنسان الوحشة»، ذلك المنفصل عن الواقع ويصر طوال الوقت على قسره على صورة مثاله. أليست هذه أيضاً حال النظام؟

على صعيد متصل؛ سيكون من دواعي اليأس الشديد أن تُقاس الثورة بجدواها القريبة، إذ بات مؤكداً أنها لن تُختتم إلا بدمار شامل للبلد، فالنظام يمضي حثيثاً في تدمير الماضي والمستقبل. إننا أمام جريمة ممنهجة تطاول كلّ ما أنجزه السوريون قبل عقود طويلة من حكم البعث، فالدمار طاولهم فعلاً في عمرانهم واجتماعهم، ومؤسساتهم العامة التي أنجزوا الحد الأدنى منها على رغم فساد النظام. باختصار لن يكون من خيار فعلي للثورة سوى أن تعلن انتصارها فوق الأطلال، أما الأحلام الوردية التي راودت السوريين قبل سنة ونصف فعليها أن تنتظر طويلاً، ومن ذلك أن تقبع طويلاً للتسول أمام مؤتمرات الدول المانحة فيما بعد. في الواقع لا يوجد ما يفوق قتامة هذا المستقبل سوى تخيله مقروناً ببقاء هذا النظام الوحشي الفاسد؛ وحده هذا الخاطر كفيل بوضع الثورة في مقام الضرورة مهما كان حجم الدمار الإضافي المتوقع قبل سقوطه.

خلال سنة ونصف السنة نجح النظام في الدفع إلى مستويات أدنى من الطموحات، ونجح أحياناً في الدفع إلى عتبات اليأس وهذا ما يبتغيه أصلاً. إلا أن اليأس من الثورة ينبغي ألا يغيّب دوافعه الخارجة عنها، تلك العوامل التي تتعلق أساساً بالنظام ويتم ترحيلها إلى الثورة نتيجة للعجز أمامه، بل يبلغ الأمر أحياناً حد التعويض النفسي عن العجز بالانتقام من الثورة وتضخيم الظواهر السلبية فيه، وبحيث تغدو كأنها هي السبب وراء المصائب التي تلم بالسوريين. لم يعد ثمة فسحة كبيرة للأمل في سورية؛ هذا صحيح، وما يصحّ أكثر منه أن اليأس صناعة متجددة للنظام، ما يُبقي على التفاؤل في مقام الضرورة، وبشرط التنازل عن الكثير من الأوهام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القاهرة.. بإشراك إيران في سوريا

عبدالرحمن الراشد

الشرق الاوسط

19-9-2012

منذ أن اقترح الرئيس المصري محمد مرسي لجنة رباعية لحل الأزمة السورية وأعطى الإيرانيين مقعدا فيها أثار تساؤلا بأنها خطوة جيدة لتفعيل دور مصر النائم، لكن لماذا إيران؟

أخيرا، عقدت الثلاثية بحضور مصر وتركيا وإيران، وتغيبت السعودية بحجة أنها مشغولة. طبعا حجة غير مقنعة، والأرجح أنها تعمدت الابتعاد عن مشاركة إيران في القرار السوري لأنه سيعطي لاحقا النظام في طهران صكا يخولها طرفا في كل القرارات التي قد تتخذ إقليميا حيال سوريا.

ربما تريد حكومة مرسي أن تدشن عهدها بعيدا عن مفاهيم السياسة الخارجية في عهد مبارك، وهذا من حقها لولا أن هذا الموضوع تحديدا يضر بسوريا، وسيضر بالمصالح المصرية العليا. إيران صريحة جدا في موقفها بإنقاذ نظام بشار الأسد، وقد دفعت الغالي والنفيس من أجل إبقائه واقفا على قدميه حتى الآن، منذ قيام الثورة في العام الماضي. وإيران كذلك مسؤولة مسؤولية مباشرة عن جرائمه التي أتت على عشرات الآلاف من الأبرياء في أبشع مجازر عرفتها المنطقة، ولا يزال القتل مستمرا. ومن الأكيد أن النظام الإيراني سيقوم بحرف اللجنة نحو تعطيل أي حل حقيقي، وستكون تبعات ذلك على سمعة حكومة مرسي غالية. يستحيل أن تكون إيران طرفا إيجابيا في إقصاء الأسد عن الحكم وإنهاء الأزمة، وكل ما تقوله عن حل سلمي يعني شيئا واحدا هو الإبقاء على نظام الأسد. وبسبب موقفهم وشراكتهم للأسد بات السوريون يكرهون كل ما له علاقة بالنظام الإيراني، تماما مثل كراهيتهم للنظام السوري، وبالتالي حتى لو وجد حل سلمي، مع أنه أمر مستبعد، فإنه سيكون مرفوضا من قبل المعارضة السورية بسبب وجود إيران على نفس الطاولة.

الجانب الآخر استراتيجي وليس آنيا، وهو الاعتقاد بإبرام «علاقة خاصة مصرية - إيرانية»، لن يضر إلا مصر أكثر من غيرها. وقد قرأت تحليلات تثير السخرية عن دور مصر «ككفيل للخليج» بالتعامل مع إيران، عدا أنه قول تهكمي، أيضا يسلب من القاهرة واحدة من أهم أوراقها في اللعبة الإقليمية.

إيران تماثل مصر، ولا تكملها، في حجمها السكاني، وجيرتها للخليج، ورغبتها في أن تكون طرفا في المنطقة البترولية المهمة للعالم. كلها صفات تنافسية. لهذا ليس غريبا أن مصر في علاقتها بالخليج كانت دائما منافسا لإيران لا حليفا، منذ عبد الناصر والسادات ومبارك. وحتى في أردأ أوقات العلاقة بين الرياض والقاهرة باعد عبد الناصر بينه وبين شاه إيران واستمر خصما له.

عمليا، مرسي بإشراكه الإيرانيين يعطيهم من طبق مصر وليس من صحن الخليجيين، لأن منطقتهم ذات تنازع دولي لا إقليمي فقط.

كنا نتوقع أن يلعب مرسي دورا أكثر تأثيرا وحيوية في القضية السورية، ينسجم مع موقفه الجيد ضد نظام الأسد في قمة طهران لدول عدم الانحياز، لكنه لم يفعل. ما الذي يمنع مصر من الاشتراك مع السعودية والإمارات وقطر والأردن في دعم الثورة السورية بأكثر من البيانات الرسمية، وبصفة غير رسمية يمكن أن يكون لمصر دور فاعل في إسقاط نظام بشار بدعم الثوار بكل الوسائل.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا تضيعوا وقتكم مع سوريا!

عماد الدين أديب

الشرق الاوسط

19-9-2012

لا أعتقد أن الحوار التركي الإيراني الذي تم في القاهرة برعاية مصرية سوف يؤدي إلى شيء مفيد في مهمة الأخضر الإبراهيمي الخاصة بالتوصل لتسوية ملف الصراع الدموي في سوريا.

وقد يقول لي قائل: الأزمة في سوريا ذات أبعاد إقليمية بشكل عميق، مما يجعل حوار الأطراف الإقليمية ضرورة قصوى، واجتماعها إن لم ينفع فلن يضر.

والذي يتعلمه الإنسان من الدروس المستفادة في علم إدارة الأزمات أن هناك أسئلة جوهرية وتأسيسية لا بد من التوقف أمامها قبل الإقدام خطوة واحدة على أي تحرك في أي اتجاه، وهي:

1) هل «تعرف» الأطراف حقيقة الأزمة؟

2) هل «تريد» الأطراف حل الأزمة؟

3) هل «تقدر» الأطراف على دفع فاتورة تسوية الأزمة؟

إذن نحن أمام مثلث: المعرفة، ثم الرغبة، ثم القدرة.

إن صح ذلك فنحن بلا شك أمام حائط مسدود تماما ونحن نتعامل مع ملف الصراع الدموي الدائر الآن في سوريا.

الرئيس السوري بشار الأسد: «يعرف» الأزمة - فقط - من رؤية أحادية مصابة بجنون عظمة وسوء تقدير للموقف مبني على واقع افتراضي لا علاقة له بأرضية الواقع.

وإذا وصلنا إلى نقطة «الرغبة» في التسوية، فإن هناك بالفعل رغبة ولكن قائمة على شروط المنتصر، وهو في رأيه «السلطة الحاكمة»، بينما يجب أن يدفع المهزوم «أي المعارضة» كل فاتورة ما حدث!

ونأتي إلى آخر النقاط وهي القدرة على التسوية، وهنا سوف أتجاوز المنطق والوقائع والحقائق السابقة واللاحقة وسوف أفترض، لمجرد الافتراض النظري البحت، أن الرئيس بشار الأسد «يعرف» الأزمة بمنظور محايد تماما، ولديه كل الرغبة الصادقة التي تضعه في مصاف الأولياء والقديسين في التوصل إلى تسوية، فهل بعد ذلك كله، لديه «القدرة»؟

الإجابة الحاسمة: «لا وألف لا» لأن قرار الرئيس بشار ليس في يده ولكن في يد الأسرة الأسدية وآل مخلوف وكبار أعضاء الطائفة العلوية وأنصارهم من رجال الأعمال السنة.

كل هؤلاء ارتبطت مصالحهم بالنظام، ولا يمكن أن يسمحوا له بالرحيل كي تتسلم المعارضة، إلا في حالة واحدة وهي أن يكون بديل الأسد الحالي أسد آخر من الطائفة!

لذلك مهما كان دور تركيا الإقليمي وحساسيتها الجغرافية تجاه سوريا، ومهما كان التحالف الاستراتيجي الحديدي بين طهران ودمشق، فإن: «المعرفة» و«الرغبة» و«القدرة» عند الدكتور بشار الأسد هي العناصر الحاسمة والقاضية على أي تفاهم إقليمي!

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com