العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23/6/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مَن سيدفع فاتورة الحرب في سوريا؟

فايز سارة

المستقبل

السبت 15/6/2013

تبدو فاتورة الأزمة السورية شديدة الوطأة، إذا نظرنا لها بما تركته في الواقع السوري وفي الخارج أيضاً. ففي المعطيات التي تمخضخت عنها أحداث سبعة وعشرين شهراً من عمر الأزمة، لدينا نحو مليون سوري، كانوا ضحايا مباشرين للعنف والإرهاب الذي أطلقه النظام مع رصاص الغدر على متظاهري مدينة درعا، قبل أن يمتد القتل والدمار الى بقية مناطق سوريا، التي لم تستثنَ منها مدينة أو بلدة ولا قرية، وقتل في عمليات ذلك العنف العاري، حتى الآن أكثر من مائة ألف، ونحو ضعفهم من المفقودين وهم بحكم المقتولين لأن أحداً لا يعرف عن مصيرهم شيئاً، وهناك عدد يتجاوز هؤلاء من المصابين والجرحى، وأكثرهم يحمل عاهات دائمة، منهم من فقد طرفاً أو أكثر، أو أصيب بشلل، أو أنه بات يحتاج الى رعاية مستمرة والى علاج مديد، إضافة الى ما يزيد عن مئتي ألف معتقل، أغلبهم لا تتوفر عنهم معلومات كافية تتعلق بمكان اعتقالهم وظروفهم وأوضاعهم الصحية والجسدية.

وبين ضحايا العنف السلطوي وتداعياته، أكثر من سبعة ملايين سوري منهم أربعة ملايين مشردون في أنحاء البلاد بعد أن نزحوا عن بيوتهم وقراهم ومدنهم، بل إن بعضاً منهم نزح مرات عديدة متنقلاً من مكان لآخر باحثاً عن ملجأ يحتمي به من القتل والاعتقال، أو سعياً وراء لقمة العيش بعد أن تعذر عليه الحصول على ما يسد الرمق بعد أن دمرت حرب النظام وما جرته لاحقاً من دمار فرص العيش والكسب في الأنشطة الاقتصادية والخدمية والحرف التي اعتمدها السوريون سبيلاً لتأمين موارد عيشهم واحتياجات حياتهم.

والشق الثاني من نتائج حرب النظام، يمثله الدمار الواسع الذي لحق بالبنية العامة للمدن والقرى، وفي أرقام هذه الحرب دمار أكثر من مليون منزل بصورة كلية، وضعف هذا العدد من المنازل لحقها دمار شبه شامل أو جزئي، مما يرفع الرقم الى نحو ثلاثة ملايين منزل، يشكلون سكناً لنحو خمسة عشر مليون نسمة، وهو رقم يتجاوز عدد نصف سكان سوريا، وتم تدمير شامل لمناطق تجارية وزراعية وتجمعات حرفية ومنشأت صناعية وسياحية وخدمية بصورة كاملة أو جزئية، أغلبها يعود الى القطاع الخاص، وبعضها تعود ملكيته للدولة وللقطاع المشترك، كما جرى تدمير يراوح بين الكلي والجزئي للبنى التحتية من شبكات المياه والكهرباء والهاتف وشبكات الطرق العامة والآف المدارس والمشافي في مختلف المناطق السورية.

وخلاصة نتائج حرب النظام على الشعب وتداعياتها، يمكن القول، إن سوريا وقعت في عمق كارثة شاملة من حيث الخسائر البشرية والمادية في خلال الفترة المنصرمة من عمر الأزمة، وهي كارثة ما زالت تمتد في المدى المنظور قتلاً وجرحاً واعتقالاً للسوريين، ودماراً لممتلكاتهم ومصادر عيشهم وإمكانياتهم، الأمر الذي يعني أن الكارثة مفتوحة على مزيد من الخسائر، التي لا يمكن تقدير حدودها وآثارها.

غير أن المعطيات السابقة، لا تمثل كل فاتورة الأزمة في سوريا. إذ لهذه الأزمة فواتير إقليمية ودولية. وقد باشرت بعض ملامح تلك الفواتير بالظهور في معطيات رقمية من خلال الخسائر البشرية والمادية الاقتصادية، وبعض منها أخذ يظهر على شكل معطيات سياسية وأمنية عسكرية. ففي بلدان المحيط السوري، أخذت تتوالى مؤشرات فواتير الأزمة، والتي أبرزها، كم كبير من اللاجئين السوريين الذين وفدوا الى تلك البلدان، وقد تجاوز عدد اللاجئين المسجلين مليون ونصف مليون شخص، بينما هناك ثلاثة ملايين نسمة موجودون في الأردن ولبنان وتركيا والعراق، وحسب التقديرات، فإن نحو مليون سوري يقيمون في مصر، ليس فيهم إلا قلة مسجلين في عداد اللاجئين.

وبحكم عوامل محلية في كل واحد من بلدان الجوار، فإن حضور السوريين فيه، يجسد مشكلة سياسية أو أمنية أو اقتصادية ماثلة، يمكن أن تغيير الوضع الهش القائم في هذا البلد أو ذاك. ففي لبنان، يرى البعض، أن القادمين السوريين، يؤثرون على التوازن الطائفي في البلد، وقد تحولوا بفعل التركيبة الطائفية للنظام اللبناني الى عامل مفجر للصراع، وغذا دخول حزب الله القتال الى جانب النظام في سوريا وبخاصة في معركة القصير وما بعدها تلك الصراعات، التي تجعل لبنان على حافة الانفجار الشامل، رغم سعي النخبة فيه الى حصار الصراعات وإدارتها بالحدود الدنيا.

وكانت تطورات الأزمة في سوريا بين عوامل تحرك الأوضاع في تركيا، رغم كل ما يحيط بالأخيرة من عوامل استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي وأمني، وقد حركت الأزمة السورية في العامين مشاكل تتعلق بالتوازنات مع الأكراد ومع العلويين الأتراك، كم أثرت في طبيعة العلاقات القائمة بين الحزب الحاكم ومعارضيه، وأثارت مشاكل أمنية على خط الحدود التركية السورية، ولا سيما في مناطق تواجد اللاجئين السوريين، وبصورة عملية يمكن ملاحظة معالم مكثفة لتلك الآثار في ملامح حركة الاحتجاج في ميدان تقسيم الحاضرة في استانبول.

ورغم أن وجود السوريين في الأردن، لا يمثل في الأساس مشكلة سياسية لتوافق بنية السوريين هناك مع عموم التركيبة السكانية للبلد، فإن عوامل أخرى اقتصادية وأمنية، حولت ذلك الوجود الى مشكلة سياسية في ظل غلبة طبيعة النظام الأمني، وحيث أنه بلد يواجه صعوبات اقتصادية ومعاشية على نحو ما هي مشكلة المياه ومنها مياه الشرب، وهذا كله يجعل فاتورة الأزمة على الأردن كبيرة، ويدخلها في أتون الصراع والأزمة الداخلية في الأردن، وثمة جوانب تتقارب مع الوضع في الأردن لدى عدد من دول الجوار.

ورغم أن تداعيات الأزمة السورية، ما زالت خفيفة الأثر على البلدان الأبعد عن الجوار السوري، فإن دولاً كثيرة أخذت تتأثر بالأزمة وتداعياتها، كما هو حال إيران، التي دفعت الكثير لدعم النظام السوري للاستمرار في معركته العسكرية ضد السوريين، وأدت الأزمة الى تزايد معدلات الهجرة الى البلدان الأوروبية، وقد أخذت الأزمة تضغط على كثير من البلدان من أجل تقديم مساعدات لمواجهة تداعيات الأزمة في بعدها الإنساني.

إن قرابة عامين ونصف العام من عمر الأزمة في سوريا، جعلت دول الجوار السوري والأبعد منها عرضة للتأثر بتطورات الأزمة بصورة متفاوتة، لكنها في كل الأحوال دخلت في نفق دفع بعضاً من فواتير الأزمة السورية، وهذا يجعل من الضروري على بلدان الجوار أن تسعى لمعالجة الأزمة والذهاب فيها الى حل بأقل الخسائر، وهي بهذا توفر بعض المعاناة ليس عن السوريين فقط، بل عن شعوبها ولا سيما حكومات الشعوب التي تتدخل في الأزمة السورية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الثورة والصراعات الأخرى في سوريا

ماجد كيالي

المستقبل

الاحد 16/6/2013

بعد مرور 27 شهراً على اندلاع الثورة السورية، لم تعد المعادلة الصراعية قائمة على شعب في مواجهة النظام، ومن معه، أو بين قوى شعبية تتوخّى الحرية والكرامة والديموقراطية، وبين نظام سياسي قائم على الاستبداد والإفساد، فثمة عوارض أخرى.

ولعل أهم ما ينبغي ملاحظته في ما يجري اليوم في سوريا، أن الصراع الدائر في هذا البلد بات ينطوي على أحداث ومداخلات وتعقيدات كثيرة، وخطيرة. فالثورة لم تعد هي ذاتها، في حين أن النظام مازال هو ذاته، رغم التآكل في بعض أطرافه. أما بالنسبة للقوى المعنيّة بالتغيير فتبدو حائرة في ما تفعله، وقد اختلطت عليها الأشياء. والأنكى أنها تبدو فاقدة للسيطرة. وفوق كل ذلك، فإن المجتمع السوري بات في معضلة كبيرة، وفي حالة من الإرهاق والاستنزاف، مع مئات ألوف الجرحى والمعتقلين والملاحقين، وملايين المشردين والنازحين واللاجئين، الذين فقدوا ممتلكاتهم وبيوتهم وأماكن عملهم.

هكذا تبدو الثورة السورية في غاية الصعوبة والتعقيد والخطورة، ومصدر ذلك كما لاحظنا، لا يتوقّف، فقط، على استشراس النظام في الدفاع عن سلطته، بالطائرات والدبابات والمدفعية، ولا في عدد الشهداء غير المسبوق، ولا في المدى الزمني الطويل. فعلى أهمية كل ذلك ثمة، أيضاً، واقع من وجود عدة "طبقات" من الصراعات، المتداخلة والمتشابكة، الأمر الذي يصعّب تعيين حدودها أو تمييزها.

مثلاً، فعدا عن طبقة الثورة، ثمة الجماعات المسلحة التي لا تتوخّى من إسقاط النظام الاستجابة لمطالب الشعب، المتعلقة بالحرية والمساواة والكرامة وإقامة الدولة الديموقراطية الدستورية، أو دولة المواطنين، فهذه الجهات، تصرّح بأنها تعمل من أجل مشروع آخر، يتجاوز سوريا، ويتأسّس على إقامة دولة الخلافة، أو الدولة الإسلامية، بغضّ النظر عن أية اعتبارات أخرى؛ وهؤلاء يرون في الديموقراطية، وغيرها، مجرّد هرطقة ينبغي صدّها أو التخلّص منها.

أيضاً، ثمة طبقة المنتفعين ومستثمري الفرص، والمقاولين، والخارجين على القانون، وهؤلاء يعملون، كل بطريقته، بقوة السلاح، لتعظيم مصالحهم، بالضدّ من المجتمع والمقاصد التي اندلعت من أجلها الثورة. ما يفسّر كثيراً من المواقف والمسلكيات والتحرّكات المريبة والمستهجنة، والتي تشوّه صورة الثورة، وتضع علامات الشك حول نبل أهدافها، وتزيد الفجوة بينها وبين مجتمعها. وأخيراً، ثمة تصارع الأجندات الخارجية، الدولية والإقليمية، على الأرض السورية، باعتبار أن العامل الخارجي هو بديهي، ولا ينبغي إغفاله أو إنكاره. فهذه سوريا، وهي بلد مفتاحي في العالم العربي وفي الشرق الأوسط، وثمة فوق ذلك الدعم اللامحدود الذي تلقاه من إيران، ومن معها، إضافة إلى روسيا. وإذا كان النظام لايبالي بجعل البلد مرتعاً لإيران وميلشياتها (اللبنانية والعراقية) فالمهم بالنسبة للثورة السورية، ومع حاجتها للدعم الخارجي، هو جذب التعاطف والدعم الإقليمي والدولي للثورة السورية، لا جعل هذه الثورة ورقة في يد هذا النظام أو ذاك.

على ذلك ثمة ضرورة للتمييز بين كل ما يجري، وعدم الخلط، بين هذه الطبقات من الصراعات، التي باتت على هامش الثورة السورية، والتي تحاول التسلّل الى متنها، لحرفها، والتأثير عليها. وعلى العموم، لا ينبغي لهكذا أمور أن تقلّل من مشروعية الثورة، ولا من سلامة مسارها، ولا من نبل مقاصدها، بقدر ما إن ذلك يتطلب تحصين هذه الثورة المجيدة، وتعزيز نقدها لذاتها، وتنظيمها لصفوفها، وتوضيح ذاتها.

الآن، وبالنسبة للصراع الجاري بين الثورة والنظام، ثمة مشكلة واضحة، وتعقيدات جمة، وانعدام يقين. وهذا نابع من حقيقة أن الثورة السورية تعمل في ظروف صعبة وبإمكانيات محدودة، وبدعم مقيّد ومشروط، وفي ظل موازين قوى عسكرية مختلّة لصالح النظام، وهي تبدي شجاعة منقطعة النظير، مع ذلك فإن الإدارة السياسية والعسكرية لهذه الثورة تبدو في غاية الضعف والتخبّط والتشتّت، في ظلّ الحساسيات الشخصية، والحسابات الحزبية الضيقة. وقد شهدنا ما صاحب اجتماع استانبول أخيراً، من تجاذبات مضرة وعبثية. بالمقابل، فإن النظام يحاول استعادة شرعيته ونفوذه، على الصعيدين الخارجي والداخلي، لاسيما أنه استطاع توجيه ضربة قوية للثورة السورية، بحرمانها من حواضنها الشعبية، مستغلا سيطرة "الجيش الحر" على بعض المناطق لإمعان البطش فيها وتشريد سكانها، وتدمير بيوتهم وممتلكاتهم.

وفي كل ذلك فقد بات المجتمع السوري في واد وثورته في واد آخر، وبات ثمة كتلة من عدة ملايين من السوريين مشغولة بأمنها وتأمين لقمة عيشها، أكثر من انشغالها بمواجهة النظام، وهي مسألة تتحمّل مسؤوليتها الجماعات العسكرية للثورة، التي باتت تتحرّك من دون تبصّر، ومن دون خطة عسكرية واضحة، ومن دون مراعاة لإمكانياتها في مواجهة النظام، ولا لضرورة ربط أي خطوة عسكرية بتحقيق منجزات سياسية.

وكما قدمنا، فإن هذا الحديث يندرج في إطار نقد الثورة لذاتها، وهو لا يقلل من مشروعية الثورة او من نبل مقاصدها، لاسيما أن التاريخ لم يعرف ثورات خالصة أو كاملة أو نظيفة. فوق ذلك فالثورات تتمخّض أيضاً عن آلام ومآسي وكوارث، مع الأسف. وهذه تنجم عن تشبث القوى المستبدة بالسلطة، ودرجة العنف التي تستخدمها لوأد الثورة، التي بدورها تستدرج ردود فعل من الطراز ذاته، كما ينجم ذلك عن فقدان الأمن، وكلما كان الوقت اكثر كلما كان الثمن اكبر. وما ينبغي إدراكه هنا، أن الثورات هي بمثابة ممر إجباري للتغيير، حين يستعصي التغيير بالوسائل العادية والسلمية والتدرجية، أي أنها ليست خيارا بين خيارات، ولا هواية ولا نزوة.

ولعل هذا الوضع ينطبق تحديداً على الثورة السورية، لأنها منذ البداية كانت بمثابة ثورة شعبية وعفوية، أي أنها لم تكن مهندسة ولا مبرمجة، ولم تكن وليدة قرار من أحد ولا من حزب، لذا فهي لا تخضع لوصاية أحد، ولم تأتِ وفق مواصفات وتمنيات أحد، وهذا ما يفسر أنها تتضمن فوضى وانفلات وثغرات ونواقص.

وبديهي أن هذا الكلام لايعني تقديس العفوية، وإنما هو تحليل للواقع، فكلما كانت الكتل الأساسية في الثورات واعية لذاتها، ومنظمة لأوضاعها، وواضحة في مقاصدها، كلما كان ذلك أفضل. فما كان مقبولاً، أو مفهوماً، في بداية هذه الثورة، لم يعد مقبولاً، ولا مفهوماً، بعد مضي أكثر من عامين عليها.

وفي هذا التحديد لتعقيدات وتحديات وضع الثورة السورية، الأكثر شرعية، والأكثر استحالة وتعقيداً وصعوبة، بين ثورات الربيع العربي، بات مطلوباً وبإلحاح من قوى الثورة أن تحسم أمرها، وأن تنظم صفوفها. كما بات مطلوباً منها أن تميّز ذاتها عن مختلف المداخلات والصراعات الحاصلة في البلد، حفاظاً على سلامة مسارها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين الخطاب الثوري والخطاب الدبلوماسي .. أي فرق ؟!

20.06.2013

زهير سالم

يتسبب الخلط بين خطاب الدبلوماسي بقواعده وآفاقه وبين خطاب الثائر بتمرده ومطلقاته إلى حالة من الفصام أكثر من يستشعرها ويضيق بها جمهور الثورة و الثوار و أنصارهم . فصام محبط يتسبب به البعض عن غير قصد وأحيانا نتيجة لقلة المراس . فكثيرا ما يستعجل ممثلو الثورة والثوار الثمرة فيتخيل أحدهم نفسه وزيرا أو مسئولا كبيرا ويتكلم على هذا الأساس ، ويلزم نفسه بقواعد وقوانين تقتضيها الصياغات البروتوكولية والقواعد الدبلوماسية ، ويغرق في الحديث المشروط المقيد ، والسير الحذر على قواعد أصحاب الياقات البيض وياقات الثوار دائما حمراء ، ولغتهم مطلقة ، وسقوفهم عالية ؛إن كل أولئك ولا شك يدخل الوهن على لغة الثورة ، ويضعف من لهجة الصدق والمباشرة عند أصحابها ويبدو من يريد أن يقدم نفسه للعالم لطيفا مهذبا في حقيقة أمره ملقا أو منافقا ..

 

نحن اليوم نسير في ركاب ثورة ونتبنى مطالب الثوار وندافع عنها فلا بد لمن لم يكن في نفسه ثائرا أن يتقمص نفسية الثائر وأن يحشر نفسه في مسلاخه وينطق بلسانه أو يتنحى عن طريقه ..

 

إن الفروق التي يتم تجاهلها بين خطاب الدبلوماسي وبين خطاب الثائر يربك إلى حد كبير المشهد الثوري ويخلق مشكلات لا حدود لها بين من يرشح نفسه لتمثيل الثوار وبين جمهوره . لا يمكن أن ترضي جمهورا ثائرا خرج عن كل شيء حتى عن حياته لتحقيق أهداف خيّرة في صيغها المثالية المطلقة وأنت تحاول أن تتوازن كالذي يمشي على الحبل المشدود مع متطلبات السياسات الدولية والإقليمية وتوابعها ..

 

إن الانسجام مع روحية الثورة وتطلعات الثوار هو الشرط الأول في خطاب الثائر في مرحلة الحشد والمد . لا بد من إشعال الجذوة في النفوس ، وغرس الأمل المفتوح على المدى في قلوب أولئك الذين سيضحون بأموالهم وأنفسهم على طريق النصر الطويل ..

 

لايدرك الدبلوماسي المتحصرم ما يسببه حديثه المتردد والواجف من انعكاسات بل من انتكاسات على نفسية الثائر . وكذا ما تسببه السلوكيات المنحرفة المتطلعة إلى الموقع القريب على مسيرة الثورة . يتساءل الثائر ببساطة مباشرة : هل حقا أنا سأضحي بكل شيء من أجل هذه الصيغة المعروضة ( جنيف ) مثلا . أو من أجل أن يجلس مكان بشار عشار آخر أراه يخفق منذ اليوم في ركاب ( الأوصياء ) و ( المانحين ) ؟!

 

كما تحتاج الثورة إلى جنود يضحون على الأرض تحتاج إلى نفوس كبيرة بل إلى شموس مستعلية تقودها صوفية ثورية تنعكس على قلب كل ثائر على الأرض فتمده بالنور والدفء والعزيمة والإصرار ..

 

إن ثورتنا في سورية ليست ترفا وهي بذلك لا يمكن أن تكون هواية مترفين . إنها ضرورة وجودية لبقاء شعب سلب المستبد منه كل قيم الحياة . والعمل على هذه الثورة ولها كالعمل فيها هو كالمرابطة على الثغر . ثغر ينادي كل من يقف عليه على نفسه وعلى كالثوار كل الثوار : استجيبوا لدعوة الحياة . الحياة بكل جمالها وعنفوانها وألقها (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )) ثوروا لسورية حرة كريمة أبية لا ظلم فيها ولا بغي ولا عدوان ..

 

ثوروا للعدل وللحرية وللكرامة وللمجد ..

ثوروا لتكونوا أنتم وأبناؤكم وأحفادكم سادة غدكم حيث القرار قراركم والأمر أمركم ..

ثوروا فإن الثورة نفحة من نفحات ربكم قد تجلى بها اليوم على شامكم ..ثوروا واصرفوا أبصاركم عن المشككين والمترددين والمتربصين وإن تنتصروا اليوم على طاغيتكم فهم غدا الأهون عليكم ..

 

(( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )) ..

لندن : 11 / شعبان / 1434

20 / 6 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ضرورات الائتلاف السوري!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 16/6/2013

لا يختلف اثنان من متابعي الوضع السوري على قول إن سوريا تمر بأسوأ لحظات تاريخها الطويل. حيث يستمر النظام القائم بقتل السوريين وتشريدهم في كل الأرجاء، إضافة إلى تدمير قدراتهم المادية وإمكانات بلدهم، تحت سمع وبصر مجتمع دولي لا يمكن تبرير موقفه ولا سيما في المستويين الأخلاقي والإنساني، كما لا يمكن فهم انقسامه إلى فريقين؛ أولهما يدعم النظام في جرائمه مقدما له كل دعم عسكري واقتصادي وسياسي قوي وفعال وصولا إلى حد اندماج بعض أطرافه إلى جانب النظام في قتل السوريين وتدميرهم، وفريق آخر، يدعي مناصرة السوريين، لكنه لا يتجاوز في نصرته تقديم فتات من دعم مرتبك ومتردد وغير فاعل، يطمئن النظام من جهة، ويفتح بوابة يأس وإحباط أمام السوريين من جهة أخرى.

في الواقع، فإن مشكلة السوريين اليوم ليست في نظامهم فقط، ولا في سياسات ومواقف المحيط الإقليمي والدولي على اختلافها وتناقضها حول الوضع السوري، بل إضافة إلى ما سبق، فإن بعض جوانب المشكلة حاضر عند السوريين أنفسهم سواء في المستوى الشعبي، أو في صفوف المعارضة وتشكيلاتها، حيث تتزايد الظواهر السلبية وتتدهور السياسات والممارسات، وأغلبها يتناقض مع روح الثورة وشعاراتها، ويكشف تردي وضع المعارضة في بنيتها ودورها وأدائها، من دون أن يستثنى مما سبق الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وهو الأبرز في تشكيلات المعارضة من حيث التمثيل، وبفعل الاعتراف الإقليمي والدولي به، وكلاهما لم يمنع ترديات أوضاعه، التي بدت وكأنها محط إجماع كثيرين في الفترة الأخيرة.

وإذا كانت فكرة معالجة أوضاع الائتلاف، حازت اهتمام غالبية متابعي الوضع السوري رغبة أو تأييدا، فإن تلك الفكرة كانت محور اهتمام قوى وشخصيات داخل المعارضة السورية، مما طرح فكرة التوسعة باعتبارها طريقة لمعالجة واقع الائتلاف بضم الكثير من الشخصيات السياسية وشخصيات من الحراك الشعبي وممثلين عن هيئة أركان الجيش الحر، ولم يكن هدف التوسعة زيادة عدد المشاركين في الائتلاف، وإنما إحداث تبدلات في واقع الائتلاف وتوجهاته، وهو ما يتناول ثلاث قضايا مفصلية، هي بمثابة ضرورات لا بد منها:

الأولى، وضع برنامج عمل سياسي للائتلاف خاصة وللمعارضة السورية عامة، يحدد المسارات والأهداف التي يسير الائتلاف عليها من أجل متابعة أوضاع الشعب السوري في الداخل والمهجر ومنها العمل على توحيد التشكيلات العسكرية وتحسين قدراتها ومستويات أدائها، وتعزيز صمود السوريين في مواجهة النظام، والعمل على انتصار ثورة الشعب السوري وتحقيق أهدافها في تغيير النظام وإقامة نظام ديمقراطي تعددي، يحقق العدالة والمساواة لكل السوريين.

والثانية، إجراء تغييرات تنظيمية - إدارية في طبيعة البناء الهيكلي للائتلاف، وعلاقاته، وبما يتناسب مع المهمات المطروحة، وهذا سوف يتطلب تغييرات في بنية الائتلاف وسير العمل داخله ومنه النظام الداخلي الذي يفترض أنه يحدد طبيعة العلاقات داخل الائتلاف والعلاقة مع المحيط في ضوء التجربة الماضية ونتائجها.

والثالثة، رسم مسار التعامل مع القضايا الطارئة ومنها موضوع مؤتمر جنيف 2 الذي يمثل تحديا حقيقيا للائتلاف الوطني، ليس من خلال التطلع إلى ما يمكن أن ينتج عن جنيف 2 من نتائج، فهذا أمر لن يكون للائتلاف دور كبير فيه، وإنما من خلال الخطوات التي يقوم بها الائتلاف وصولا إلى المؤتمر إذا انعقد، والتي ستشمل رسم استراتيجية تفاوض، تعبر عن رؤية إجمالية للأزمة في سوريا وكيفية الخروج منها، كما تتضمن الخطوات تشكيل وفد واحد للمعارضة بما يتجاوز صراعات أطرافها، ويحولهم إلى قوة تفاوض واحدة رغم اختلافاتهم.

إن إخراج الائتلاف ومجمل حركة المعارضة السورية من إشكالاتها، وتحقيق إصلاح جذري فيها من النواحي السياسية والتنظيمية والإجرائية، يشكل عبئا كبيرا على الائتلاف في المرحلة الراهنة، لكنه يبقى في إطار الضرورات القصوى التي لا يمكن الحيدان عنها، وهذا يتطلب من الائتلاف التقدم للمباشرة بما هو مطلوب، وليس التأخير والمماطلة على نحو ما يحدث في حركة الائتلاف بعد التوسعة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

استيقظوا يا عرب فالخطب قد اقترب

محمد فاروق الإمام

لم يرو لنا التاريخ لا قديمه ولا حديثه مثل هذا العهر الأخلاقي والإنساني الذي يتمتع به النظام السوري، فعلى مدار ما يقرب من ثلاث سنوات وهو يذبح بشكل ممنهج ومقنن الشعب السوري من الوريد إلى الوريد جهاراً نهاراً، ويدمر ويحرق البيوت والمؤسسات ودور العبادة والبنى التحتية في واضحة النهار بلا أي اعتبار أخلاقي أو إنساني، بدعوى أنه يحارب الإرهاب والمتطرفين والتكفيريين والقاعديين والمسلحين الذين جاؤوا تحت غطاء أممي يريدون هذا النظام المقاوم والممانع، وشر البلية أن هذا النظام بكل هذا الفجر وهذا العهر وجد من يسانده ويشد أزره ويحول دون سقوطه وإطالة عمره، وفي مقدمة هؤلاء دولة كبرى هي روسيا التي تملك حق الفيتو في مجلس الأمن وتختزن ترسانة عسكرية فتاكة ومدمرة فتحت أبوابها لهذا النظام تقدم له كل ما هو حديث وفتاك من هذه الأسلحة، ليوغل في دماء شعبه وفي تخريب مقدرات بلده، بحجة أن هذه الأسلحة تنقل إليه بناء على عقود مسبقة وأن عليها الوفاء بما التزمت به لأنها تتعامل مع دولة وفق المعايير القانونية الدولية، إضافة إلى دولة تدعي أنها إسلامية وأنها ثورجية وأنها تلتزم في محاربة ومقاومة دول الاستكبار العالمي وتنتصر للضعفاء والمظلومين والمحرومين في العالم، هذه الدولة هي إيران "الجمهورية الإسلامية" التي لا تملك من اسمها أي دليل يشير إلى انتسابها للإسلام أو نصرة أهله، فهي تحارب دون النظام تحت غطاء عقائدي بكل ما تملك من رجال وسلاح وعتاد ومال غير آبهة بكل القيم المزيفة التي تنادي بها خدمة لأجندتها الفارسية الصفوية ثأرا – لا للحسين كما تدعي – بل ثأراً لإطفاء نار معبدها وانهيار إيوان ملكها وإعادة أمجاد فارس الذي انهار أمام سنابك خيل المسلمين في القادسية، يتبعها ذيلها المتمثل بحزب اللات الذي يقوده حسن نصر اللات ابن متعة الولي الفقيه الذي يشارك عملياً في ذبح الأطفال والنساء والشيوخ السوريين في كل الأراضي السورية، يتبعهم حفنة من مشعوذي لواء أبو الفضل العباس القادمين من العراق ممن أطفأ الولي الفقيه سراج عقولهم يحملون السواطير والدرلات والسكاكين ليعملونها في أجساد السوريين بوحشية فاقت أنياب الذئاب الكاسرة والضباع الجائعة وهي تنهش بقايا الجيف.. فهل بعد كل هذا العهر عهر أخلاقي وإنساني يمكن أن يشار إليه!!

أمام هذا العهر وهذا السقوط الأخلاقي والإنساني تحرك علماء الأمة انتصاراً للمظلومين والمقهورين في سورية الذبيحة، يدقون ناقوس الخطر المحدق بالأمة والذي يريد استئصالها من خلال ذبح السوريين والتمكن من البلاد وبسط النفوذ فيها، استكمالاً لتثبيت أركان الهلال الشيعي الذي حذر منه العاهل الأردني قبل سنوات، ولم يلق لهذا التحذير بالاً عند قادة الأمة وعلمائها ومفكريها، حتى إذا ما أصبحت السكين فوق الرقاب تفجر أنهاراً من الدماء رحنا نسمع أصوات من هنا وهناك تنادي أن "استيقظوا يا عرب فالخطب قد اقترب".

النظام السوري العاهر لم يسكت على ما تنادى به علماء الأمة من دعوتهم لنصرة شعب سورية المظلوم ونجدته بل تمادى في عهره الأخلاقي والإنساني إلى أبعد الحدود على مسارين: في الداخل راح يدفع بكل ترسانته المدمرة التي يمتلكها ويوغل في مواجهة المدنيين والعزل والآمنين قتلاً وحرقاً ومجازر وتدمير وحصار وتجويع وتدمير بوحشية منقطعة النظير، وعلى المسار الخارجي يظهر نفسه بأنه الحمل الوديع الذي يتعرض إلى مؤامرة كونية أبطالها التكفيريون والسلفيون والقاعديون والإرهابيون والمسلحون المدعومين من دول الاستكبار العالمي والصهيونية، محذراً العالم الغربي بأن دعمه لهؤلاء لن يحول بالغد من استعمال هذا الدعم في عمليات إرهابية في عقر دارهم، ولم يكتف هذا النظام العاهر بما وجه من تحذير إلى دول الجوار والدول الغربية وأمريكا بل تقدم بشكوى عبر ثلاث رسائل إلى: رئيس مجلس الأمن الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة، ولجنة مجلس الأمن الخاصة بمكافحة الإرهاب، يشتكي فيها عدداً من العلماء والدعاة الإسلاميين، على رأسهم مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ، والداعية السعودي محمد العريفي، ومن مصر الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ محمد حسان، والدكتور صفوت حجازي.

وحسب وكالة الأنباء الأسدية، قالت وزارة خارجية النظام في رسائلها إن القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، دأب مع مفتي السعودية، والشيخ العريفي وصفوت حجازي والشيخ حسان، إلى جانب الكويتي شافي سلطان العجمي وغيرهم على "إطلاق فتاوى وأحكام وبيانات تكفيرية تحرض على الإرهاب وتدعم من يقومون به"، على حد قولها. وأضافت الوزارة أن هذه التصريحات تخدم بشكل مباشر تنظيم القاعدة والحركات المرتبطة به التي تعمل على الأرض السورية، وتأتي في إطار حملة تحريضية عدوانية تقف وراءها قطر والسعودية وتركيا وبعض الدول الغربية. وعددت الوزارة في رسالتها بعض مواقف القرضاوي التي زعمت أنها "تدعو للقتل والكراهية والتعصب ومن ثم الجهاد". كما اتهمت القرضاوي بالدعوة إلى القتل في مؤتمر القاهرة الذي انتهى بإصدار فتوى الجهاد في سورية.

وقالت الوزارة إن سماح الحكومة المصرية بإطلاق هذه التصريحات التحريضية من على منابرها "هو دليل أكيد على أن الحكومة المصرية شريكة بهذه الجرائم الإرهابية". وقالت الوزارة إنها تطالب مجلس الأمن والمجتمع الدولي بـ"تحمل مسؤولياته طبقا لقرارات مجلس الأمن في مجال مكافحة الإرهاب ومطالبة الدول المتورطة بدعم الإرهاب في سورية وخاصة قطر والسعودية وتركيا وفرنسا بالتوقف عن الانتهاكات التي تهدد الأمن والسلم في سورية وفي المنطقة.

فهل بعد هذا العهر والسقوط الأخلاقي والإنساني لهذا النظام ومن يؤازره ويدعمه ويمده بالسلاح والرجال والعتاد والمال، يمكننا من إيجاد توصيف لهذه الحالة الفريدة والمميزة التي يتمتع بها هذا النظام وحلفائه، في مفردات اللغة العربية وبلاغتها تتفوق على وصفه بالنظام العاهر والساقط أخلاقياً وإنسانياً!!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القتل الوحشي والتمثيل بالآخر

حسين العودات

البيان

الاثنين 17/6/2013

حدثت في الصراع العسكري في سوريا خلال السنتين الماضيتين، أعمال وممارسات تخالف كلياً، ليس حقوق الإنسان التي أقرتها الشرائع الدولية فقط، ولا قوانين الأمم المتحدة المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية فحسب، وإنما أيضاً تخالف تعاليم الإسلام وشريعته وما جاء به الفقهاء، وبالتالي، فإن هذه الممارسات تدل على جهل بالدين، وتخلف بالمحاكمة والعقل، وحقد لا مبرر له، وتعصب ينقاد للغرائز أكثر من انقياده للعقل، ويتخذها مرجعيته على حساب العقلانية والتصرفات الإنسانية والمرجعية الدينية ومعايير الثقافة القديمة والحديثة، وفي الوقت نفسه، الإساءة لتقاليد الأمة وثقافتها، وتشويه سمعتها في العالم كله.

لقد ارتكبت قوات السلطة السورية، كما ارتكب بعض قوات المعارضة المسلحة، وبدرجات متفاوتة طبعاً، جرائم قتل وحشي موصوفة لا شك فيها، ولا مبرر لها في أي ثقافة أو قوانين أو مرجعية، مثل القتل بالسلاح الأبيض، وقطع الرؤوس، والتمثيل بالجثث، والإعدام دون محاكمة، لا جدية ولا هزلية (يسمونها ميدانية)، وإلقاء براميل المتفجرات من الطائرات على المدنيين، وقصف قرية قصفاً عنيفاً ومدمراً لمعاقبة مسلح واحد لجأ إليها، وقطع الماء ومنع وصول الطعام والأدوية للسكان، وقتل الأطباء الذين يعالجون الجرحى من الطرف الآخر.. وما هذه سوى نماذج أو أمثلة تمت ممارستها بكثافة.

وقد أربكت هذه الجرائم دراسات الدارسين، ومفاهيم المختصين النفسيين والاجتماعيين، وهم يبحثون عن أسبابها، ويحاولون تقييمها ومعرفة مبرراتها وأبعادها ونتائجها.

وقد أرجع بعض الدارسين الأسباب للتعصب الأيديولوجي الذي أعمى البصائر، وجعل الإنسان ينقاد لأحقاده وغرائزه، لأن هذا التعصب (وكل تعصب) يقود إلى الحقد، ويلغي العقل، ويجعل الإنسان يستسلم للغرائز، ويبرر لمن ابتلي به أي عمل قاس وشاذ ووحشي وخارج عن القيم والتقاليد، سواء في الخلافات الشخصية أم في الحروب أم في غيرها.

وعادة ما يقود الحقد إلى حقد مقابل، وتقود الجريمة إلى الثأر، ويسبب الثأر ثأراً جديداً في متتالية لولبية متصاعدة، وهذا ما شهدناه في آخر جرائم القتل الوحشية التي ارتكبت في بلدة البيضا، مما يندى له الجبين، ويخرج عن التقاليد الإسلامية، وحتى القبلية التي كانت في مجتمعاتنا العربية قبل مئات السنين.

 شهدنا خلال الثمانية عشر شهراً الماضية، عشرات صور الفيديو، التي تعرض قوات أمن تعذب معتقلين تعذيباً شديداً، وأفاد عديدون ممن كانوا تحت التعذيب، أن الجلاد لم يكن يعرف حتى أسماءهم، وبديهي أن الطيار الذي يقصف البلدات ويقتل الأطفال والنساء لا يعرف أسماءهم، لكنه يعرف نتائج أعماله على حياة هؤلاء.

عندما تم تجهيز جيش زيد بن حارثة للانطلاق من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام فاتحاً، قبل قرابة 1400 عام، أوصى أبو بكر الصديق رجال الجيش قائلاً «لا تخونوا ولا تغُلوا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً أو شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له».. ولدى المقارنة مع ممارسات جنود الجيش النظامي السوري أساساً، وبعض المسلحين الآخرين، نلاحظ أنها (أي الممارسات)، تخالف بالمطلق وصية أبي بكر.

فقد مورس الغدر في الصراع السوري، وكذلك التمثيل وقتل الأطفال والنساء والشيوخ الكبار، وقطعت الأشجار عمداً لئلا يختبئ خلفها المسلحون، وقتلت الحيوانات بلا سبب، واختُطف رجال الدين (وبعضهم مع الثورة)، وارتُكبت كبائر لا حصر لها، كاغتصاب النساء والرجال أيضاً، والقتل من أجل القتل، وتدمير بيوت المسالمين الآمنين، وقصف الناس عن بعد دون تمييز، هذا إضافة إلى الابتزاز والسرقة وتدمير عزة النفس لدى الآخر وتقصّد إذلاله، كاغتصاب زوجته أمام عينيه، أو اغتصاب الفتاة أمام أخيها وتعذيبها.. وغير ذلك من الكبائر.

كشف الصراع في سوريا عن وجوه أخرى من التعصب والحقد وكره الآخر الموجودة في عمق الثقافة السورية، والتي لم يكن أحد يلاحظها أو يتوقعها أو حتى يفترضها.. فقد حدثت خلال هذا الصراع أعمال وممارسات ما تصور أحد إمكانية حدوثها في سوريا، وممارستها من قبل شعب تجاوز عمر حضارته خمسة آلاف عام، عاش خلالها الحوار مع الآخر، وتمثل ثقافته وأغنى حضارته، وأشاد حضارة فكرية هامة ساهمت في تأسيس الحضارة الإنسانية اللاحقة، وفي إقامة بناء فلسفي (مشرقي) شامخ لا يقل عن البناء الفلسفي الهيليني، وشبكة من القيم والأساطير كانت (وما زالت) تعبر عن موقف الإنسان عامة من الكون والحياة، وبناء عمراني هائل، ثم تمم ثقافته وأغناها باعتناق الإسلام وفلسفته، بعد أن تمثل الدين الجديد، وقاد الثقافة والحضارة الإنسانية طوال قرن على الأقل (في العهد الأموي) ثم في العصر الوسيط.

لعل الحقد الشخصي والأيديولوجي والسياسي وكره الآخر، هي من أسباب هذه الجرائم كلها، ويحزن المرء عندما يرى أو يسمع أن هناك من يُمارس فظاعات نهى عنها الإسلام، والقيم والتقاليد العربية والإنسانية، قبل ألف وأربعمئة عام، وها هي تمارس الآن، والبشرية في مراحل حضارية متطورة جداً!.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مؤتمر جنيف الموعود : المطلوب جلب السوريين لهدر الدم السوري ومنح الشرعية للقتلة المجرمين

زهير سالم

كلما فتح لا فروف فمه قال المطلوب من أمريكا أو المطلوب من الغرب أو المطلوب من الجامعة العربية – وكل مرة بحسب المقام – أن يجلبوا المعارضة السورية إلى طاولة الحوار إلى جنيف (الروسي الإيراني ) حيث ينفض الشركاء الآخرون أيديهم سلفا مما يمكن أن يجري هناك .

 

في كل مرة يتحدث لافروف وشركاؤه عن المعارضة السورية يصوغ عبارته وكأنه يتحدث عن لقى مهمل أو عن (كيس بطاطا ) يُحمل ويُجلب ويُحط ويُرفع . ويبدو أن المعارضة السورية ، التي تصر على تجاوز علم الدلالة اللغوية في بعديه الحقيقي والمجازي ، لا تجد مشكلة أصلا في الخطاب الروسي أو حتى في خطاب بعض الأصدقاء من الأطراف الدولية . فحين تفقد الكلمات ظلالها تفقد الكثير من معانيها بلا شك..

 

على الصعيد العملي يبدو أن هؤلاء المناط بهم أن ( يجلبوا ) المعارضة إلى حيث يريد الروس والإيرانيون قد أحكموا الأنشوطة حول عنق ضحاياهم من خلال لعبة الفك والتركيب والجذب والنبذ وتوظيف التناقضات الشخصانية والتلويح بفقد المكانة والمكان والسكينة والسُّكَّان مما جعل أمرهم إلى النجاح أقرب مما نظن أو نخال أو نحسب ..

 

إن مجريات الحدث السوري منذ أن أوكل المجتمع الدولي إلى روسية وإيران وأدواتهما في المنطقة مشروع تدمير إرادة الثوار السوريين ، وتطويع المعارضة السياسية ، وإنجاز ما عجزت عصابات بشار الأسد عن إنجازه خلال سبعة وعشرين شهرا تؤكد أن احتلال إيران وأدواتها للأرض السورية ما هو إلا رمي التمهيد لتحقيق النتائج المرجوة من جنيف والتي استبق نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف إلى الإعلان عنها : ( حكومة موسعة مختلطة ) على غرار الجبهة الوطنية التقدمية بتوجهات أحزابها ورموز أشخاصها .

 

وأمام إصرار المعارضة السياسية على النوم في العسل . وادعاء الحكمة في مطاولة الذين يلعبون على دماء السوريين ومشروع ثورتهم ؛ فإن المطلوب من قوى الثورة على الأرض أن تبادر أولا إلى إيجاد الصيغ العملية لتوحيد موقفها السياسي والإعلان عنه بلغة ثورية صارمة وليس بلغة سياسية عليلة تماطل وتراوغ ..

 

المطلوب من حاملي مشروع الثورة الحقيقي اليوم أن يتجاوزوا المعارضة التي وقعت راضية أو مرغمة في شباك مشروع مقاولة دولية ، الصوت فيه لمن يملك أكثر ، ولمن يكون أقدر على بذل الولاء لشراء الرضى المعلق – كما جزرة يوسف – على رأس عصا تمتد أمام عيني صاحبه ليظل يلهث سعيا إليها .

 

إن المطلوب من الثوار السوريين إعادة التذكير مع طلوع الشمس وغروبها بثوابت الثورة السورية بأنه :

 

 لا شراكة مع القتلة والمجرمين، ولا تنازل عن دماء الشهداء ، وأن مصير المجرمين هو المثول بين يدي القضاء العادل .

 

وأنه لا تنازل عن أهداف الثورة في دولة للعدل والحرية والكرامة الإنسانية .

 

وأن الثورة ستظل مستمرة حتى تحقق أهدافها ليس وفاء فقط لدماء شهداء مضوا وإنما تلبية لتطلعات أجيال من السوريين يرفضون العيش من جديد في ظل العبودية أو الارتهان ..

 

واستباقا لمؤتمر جنيف نقول لمن يريد أن يكون شريكا فيه : إن هدف هذا المؤتمر أولا انتزاع تنازل ، ممن يدعون الولاية على هذا الشعب ، عن دماء الشهداء وآلام الضحايا والمنتهكين تحت شعارات للعدالة الانتقالية مغلفة جيدا بأوراق السولفان ..

 

وثانيا عقد شكل من أشكال الشراكة بين الضحية والجلاد يحتفظ فيها الجلاد بحقه بالسوط والبسطار ، ويمنحه شرعية عجز عن الحصول على مثلها عبر نصف قرن من الظلم والاضطهاد..

 

أسأل صديقي لماذا إذن يذهبون ؟ يجيبيني بلسان الحال لكي لا يفقد واحدهم مقعدا حصل عليه بعد طول لهاث ..

 

لندن : 9 / شعبان / 1434

18 / 6 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

من مؤامرة كونية إلى ثورة

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 18/6/2013

جاء التصريح الذي أطلقه بوتين قبل أسبوع ونيف، ليعلن ظاهرة جديدة يمكن تسجيلها في خانة «يقظة ضمير أم خلخلة المصالح». فلقد قال بوضوح: إن الرئيس السوري لم يفعل شيئاً حتى الآن على صعيد الإصلاح، للأسف. ولو فعل شيئاً منذ البدء، لما كان لهذا الذي يحدث في سوريا وجود. والمرء يدرك أن انتقال رئيس من موقف إلى موقف آخر، لا يأتي هكذا دونماً أسباب معلنة أو خفية: فالفعل السياسي حالة مركبة تعرف بأنها «لعبة السياسة». وتحت هذه العبارة تندرج من العواطف والمصالح والمواقف ما قد يشكل وضعية موزائيكية، يمكن أن تخفي شخصية صاحبها، أو تظهرها على غير حقيقتها. أما أن بوتين قد أطلق تصريحه بقناعة أو بعد وصوله إليها، فهذا أمر قد يخفي التباساً أو آخر لكن الناتج في هذه الحال لا شك أنه لصالح الحقيقة عموماً وللمصداقية السياسية والشرف السياسي بخاصة.

إنه لأمر يستفز العواطف ويلهب النار في قلوب السوريين أن يدفعوا هذا الثمن الفاحش الهائل، لأن السلطة القائمة أخطأت في التقدير- حسب بوتين- ولم تكتشف - في حينه - ضرورة الاستجابة لمطالب شعبها، ولذلك فوتت فرصة اقتراب حقيقي من الشعب في اللحظة التاريخية الصحيحة. ومن ثم، فإن خطأين اثنين جرى ارتكابهما، مع الإصرار على السير في الطريق الذي فتح أبواب النار. لقد وضع بوتين يده على حقيقة الموقف، وإن جاء ذلك متأخراً، وبعد تكلفة تعادل الوجود، وأذكر بأن الدعوة إلى القيام بإصلاح حقيقي وفعلي كانت قد مثلت فضيلة وأيما فضيلة من طرف، وأنها كانت - لو استجيب إليها - قد أحدثت تحولاً عميقاً في سوريا من طرف آخر. أما الأمر الذي ظهر شائناً وفظيعاً، فكان قد تمثل في وصْم الانتفاضة بكونها «مؤامرة كونية»، هكذا بكل خِفة وسخرية، مع اتهام الشباب الذين خرجوا إلى الشارع للتظاهر السلمي، بأنهم عملاء لهذا البلد أو ذاك.

لم يقرأ المسؤولون في سوريا الرسالة التي أخذت تلوّح - كما كان يرى العالم العربي ابن خلدون - بأن الزمان أزمنة وهذه إن لم يقرأها المرء ولم يفهمها بطريقة صحيحة علمية وليس عبْر أجهزة لا تضمر للشعب ولا لعلمائه ومؤسساته، إلا ما يجعل السجون غاصّة بمقتضى قوانين الطوارئ والأحكام العرفية.

وسأذكر هنا حادثتين اثنتين لأدلل على أن الداخل السوري وصل إلى مرحلة المرارة القصوى والاستفزاز الهائل، وكلتا الحادثتين عشتهما شخصياً.

تقدمت «بمشروع إصلاحي» لأحد المسؤولين الكبار في النظام وبناء على اقتراحه ذلك عليّ، وكان بعنوان: من الدولة المدنية الرشيدة إلى المجتمع الوطني الديمقراطي». كان مصير مخطوط ذلك المشروع أني لم أسمع خبراً عنه، وأني لم أره ثانية ولا ثالثة.

أما الحادثة الأخرى فتتحدد في أن سقوط بغداد جعل كولن باول وزير الدفاع الأميركي، في حينه، يوجه رسالة على التلفاز إلى دمشق بعد يوم من سقوطها، قال فيها: «على دمشق أن تتقن الدرس البغدادي»! فكان ذلك بمثابة استفزاز للشعوب العربية كافة، والسوري منها بخاصة، وقد كان ذلك بمثابة استفزاز شخصي لي، فكتبت بياناً بخط اليد، ووزعته على الناس بيدي خاطبت فيه النظام السوري والنظم العربية. وكان عنوانه على النحو التالي: «سارعوا أنتم وافتحوا الدائرة، قبل أن يفتحها الأغيار!».

ومرت الأيام والسنون، وظلت الدائرة السورية مغلقة، إلى أن أتى مسؤولان اثنان في درعا، وفتحاها، ولكنْ على الناس وضدهم في الداخل، والطريف الملفت أن هذين المسؤولين لم «يُلفت» نظرهما على الأقل، لما فعلاه، ولو بسيطاً، وبحق البعض من سكان بسطاء في درعا، واندلعت بعده الانتفاضة!

إن قانون التطور الاجتماعي في بلد ما مجاور لبلدان أخرى، محكوم أولاً بما يحدث في داخله من إيجابيات وسلبيات، قبل أن يكون محكوماً من الخارج. وفي سياق ذلك، يجد الخارجُ فرصته سهلة المنال، فيتدخل حسبما تقتضيه مصالحه. إنها جدلية الداخل والخارج هي التي وقفت وراء البدء، بدء الانتفاضة التي تحولت إلى ثورة. إذن، من الغبن وضيق الأفق المعرفي أن نقول: إنها مؤامرة كونية!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا تدخل الزمن الليبي!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 19/6/2013

مع قرار أميركا بتسليح المعارضة بأسلحة حقيقية، يبدو أن سوريا بدأت تدخل «الزمن الليبي». وهذا مصطلح أقصد به أن وضعها بدأ يحسم في ضوء موازين القوى العالمية، أكثر بكثير مما سيحسم في ضوء موازينها الخاصة؛ موازين المعارضة والنظام، التي مالت في الآونة الأخيرة لصالح الأخير، مثلما مالت موازين القوى لصالح القذافي في الأيام السابقة للتدخل الخارجي في ليبيا، حتى إن سيف الإسلام، ابن «الأخ العقيد»، أعلن بلغة لا لبس فيها أن التدخل لن يغير شيئا من واقع الأمور على الأرض، لأن المعركة ضد المعارضة ستحسم خلال أربع وعشرين ساعة مقبلة. غير أن تقدير القذافي الابن لم يكن سليما، لأن التدخل أخرج دبابات أبيه من شارع جمال عبد الناصر في مدينة بنغازي، حيث دمرت 30 دبابة، فكان تدميرها بداية التراجع الكبير لقوات النظام، الذي توقف بعد أشهر قليلة في العاصمة طرابلس، قبل مقتل القذافي نفسه بأيام معدودة، وفرار أركان نظامه في كل حدب وصوب.

ثمة، في الصراع السوري، مفارقة لطالما طرحت أسئلة محيرة بخصوص أسبابها، ونتائجها بالنسبة إلى الطرف المعارض، جسدها التناقض الصارخ بين حجم الدعم الدولي المفتوح بالسياسة والسلاح، الآتي من روسيا وإيران، والدعم العربي المادي والمعنوي: الجزائري والسوداني والعراقي، الذي قدم للنظام، وحجم التخلي الدولي الشامل عن ثورة سوريا، التي تركت في مواجهة قوة عظمى دولية وأخرى إقليمية ونظام مدجج بالسلاح، مع ما أدى إليه اختلال التوازن من خسائر فادحة نزلت بالشعب الأعزل، وتضحيات لا تصدق قدمها كي يقيم توازنا ما مع الجيش النظامي، نجح بأعجوبة في المحافظة عليه طيلة عامين شهدا معارك ضارية انحسر النظام خلالها عن مناطق واسعة من وطننا، وقلص سيطرته حتى داخل المدن الكبيرة والمتوسطة، التي حافظ على سطوته عليها بالقوة العارية. في النموذج الليبي، رجح التدخل الخارجي كفة المعارضة، أما في الحالة السورية، فكان التدخل الخارجي لصالح النظام، ضد المعارضة، التي اتهمت منذ بداية الأحداث بالأصولية والتكفير وتعرضت لحرب شعواء لا رحمة فيها.

هل سيبدل القرار الأميركي هذا الواقع، وهل سيقيم التوازن المطلوب مع التدخل الروسي - الإيراني، مع ما سيؤدي إليه ذلك من استمرار للصراع بطرق تختلف عما عرفناه إلى اليوم؟ أم أن حجم التدخل الأميركي سيتفوق على تدخل الطرف المقابل وسيفضي إلى هزيمة النظام وحليفيه، بعد زمن يقصر أو يطول وفقا لحجم الدعم ونوعه، فتخرج بلادنا من المأزق العصيب الذي زج بها فيه تحالف موسكو - طهران - الأسد، وكلفها ما كلفها من دماء ودمار؟ هذا السؤال المهم لا يلغي واقعة أكثر أهمية منه؛ هي أن الحل في سوريا لن يتعين بالعلاقات والموازين الداخلية المباشرة، بل بالعلاقات والموازين الخارجية، التي لن تكون متعادلة، بالنظر إلى غلبة القوة الأميركية على ما لدى روسيا وإيران في المنطقة العربية عامة وقرب سوريا خاصة، وما يمكن أن تفضي إليه غلبة الخارج من غلبة ميدانية للجيش السوري الحر على جيش النظام وحلفائه من غزاة حزب الله والعراقيين والحوثيين والأفغان والإيرانيين والأذربيجانيين.

بالقرار الأميركي، صار العامل الخارجي مرجحا، بل وحاسما لسببين:

- أولهما أنه أتى قبل «جنيف2»، الذي يقال إنه سيعقد في فترة غير بعيدة تقاس بالأسابيع. فلا عجب أن لا يعقد «جنيف» قبل أن يفعل هذا البعد الخارجي فعله في الصراع وتظهر نتائجه على الأرض السورية.

- وثانيهما: أن القرار يعطي الأولوية لإمداد الجيش السوري الحر بالسلاح، ولتغيير موازين القوى لصالحه، ويتحدث عن «جنيف2» كمهمة أميركية أو دولية تالية، ويقول إنها ستنجز «في وقت ما»، وبالتالي فهو لا يربط نتائج «جنيف» بالعلاقات الأميركية - الروسية، بل بالتبدلات الميدانية المطلوبة على الأرض، التي يرجح أن تتيح للمعارضة وقتا كافيا لاتخاذ موقف موحد من المؤتمر الذي سيعقد فيها، في وقت ما.

وكانت هيلاري كلينتون قد قالت ذات يوم: «يكون الأسد واهما، إن هو تصور أنه سيهزم المعارضة». كعادته، لم يفهم الأسد الرسالة ولم يدرك أن انتصاره خط أحمر أميركي، فاستعان بإيران وأتباعها علّه يحسم الأمر ميدانيا ويذهب إلى جنيف لفرض شروطه كمنتصر. وعندما خال أنه اقترب من هدفه، بدأ العامل الدولي يفعل فعله، لأسباب منها أن هزيمة شعب سوريا خط أحمر، وأن انتصار نظامها وحلفائه سيكون كارثة تحل بأميركا في مواجهتها مع طهران خاصة.

سيظهر قادم الأيام أن من أخرج دبابات القذافي من شوارع بنغازي، ليس مطالبا بإخراج دبابات الأسد من مدن سوريا، وأن شعبها الثائر ومقاومته هما اللذان سيتكفلان بذلك.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عصابات نصر الله تهدد بحرق دول الخليج العربي ؟

داود البصري

الشرق القطرية

الاربعاء 19/6/2013

في تهديدات عدوانية فجة ووقحة خرج علينا (الشبيح) اللبناني والوزير السابق وأحد أنصار النظام السوري في لبنان المدعو (وئام وهاب) بتصريحات وتهديدات عدوانية مسخة وواضحة ولا تحتاج لترجمان أو شرح وتعليل ضد دول الخليج العربي قاطبة دون استثناء يهددهم فيها بالويل والثبور وبالانتقام وبسيل لا ينقطع من التفجيرات الإرهابية وعمليات الاغتيال، ويؤكد بالتصريح وليس التلميح بأن الخلايا السرية لحزب الله اللبناني ستنفذ أعمالا إرهابية مباشرة في تلك الدول مستحضرا وبشكل تهديدي وابتزازي فج ملف الإرهابي الفلسطيني الشهير والبائد (صبري البنا / أبو نضال) الذي عمل في خدمة المخابرات العراقية والسورية والليبية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كدليل على أقواله حيث أكد بأن أبي نضال وعبر 50 عنصرا يعملون معه تمكن من ابتزاز دول الخليج وجعلها تدفع ملايين الدولارات شهريا له! بينما قدرة حزب نصر الله التعبوية أكبر بكثير من قدرة الإرهابي السابق أبو نضال!!، وهذا التهديد الفج ينطلق ضمن حملة واسعة من التهديدات الإرهابية الحقيرة الموجهة ضد دول الخليج العربي وتحديدا ضد المملكة العربية السعودية ودولة قطر ومملكة البحرين دون تجاهل دولة الكويت التي كانت المسرح الأكبر والنموذجي لعمليات الإرهاب الإيرانية طيلة عقد الثمانينيات المنصرم والتي نفذها حزب الدعوة العميل وحزب الشيطان الإيراني أيضا باعتبار أن التنظيمين الإرهابيين خرجا من جبة مرجعية واحدة، تهديدات شبيحة النظام السوري هي تهديدات جدية بكل معنى الكلمة وتحمل من الصراحة والمباشرة الشيء الكثير وهي لا تنطلق من فراغ أو عنجهية فارغة، بل تتضمن تأكيدات واقعية تؤكدها حقيقة نشاط وتواجد اللوبي الإيراني الضخم وتشكيلاته السرية والعلنية في دول الخليج العربي، وهي تشكيلات عصابية رهيبة مخترقة العديد من الحلقات المجتمعية والسياسية وبعضها حساس للغاية، التركيز الإرهابي السوري والإيراني بات اليوم يطرح الشعارات الطائفية الزاعقة عبر نشر الفتنة وتكريس حالة الاحتراب الداخلي من خلال التورط في قمع الثورة السورية من خلال الشعارات المذهبية والطائفية البعيدة كل البعد عن منهج وأهداف وأيديولوجية الثورة الشعبية السورية، واختيار وئام وهاب كمنطلق لإطلاق التهديدات يحمل من المعاني الشيء الكثير، كما أنه إشارة واضحة لتحريك الخلايا السرية التابعة لحزب الشيطان الإيراني والتي آن أوان تحريكها وتفعيل نشاطاتها الإرهابية وتنفيذ اليوم الإيراني / البعثي الفاشي الموعود!، وهو تحرك سيؤدي في النهاية لإلقاء حزب خدا وعملائه ووكلائه ومناصريه وكل من يدعو بدعوته في مزبلة التاريخ، فالتهديدات وحتى تنفيذ الأعمال الإرهابية لا توفر أمنا وضمانة لحزب فاشي طائفي تحول لعدو رجيم للأمة الإسلامية والعربية ويعمل بشكل حثيث على التأسيس لحرب طائفية كريهة بدأ بإشعال شرارتها بعد أن أعلن صراحة عن انخراطه في الدفاع المقدس عن نظام الرئيس السوري تلبية لأوامر سيده الولي الإيراني الفقيه الذي يعتبر المعركة القذرة ضد الشعب السوري بمثابة حماية مباشرة للعمق الإيراني لذلك لم يتردد قادة طهران عن التدخل والتورط العسكري المباشر ليس من خلال حزب الله فقط بل من خلال الحرس الثوري الإيراني الذي بات يخسر عناصره القتالية وضباطه على يد أبطال الجيش السوري الحر، المرحلة القادمة ستحمل بكل تأكيد نذر حرب إرهابية بشعة ستشنها المخابرات الإيرانية والسورية عبر استغلال الخلايا السرية الطائفية الإيرانية في عودة مريعة لسيناريوهات مرحلة الثمانينيات المتفجرة، تهديدات عصابات حزب الشيطان بنقل الحرب للحواضر الخليجية تعني أشياء مثيرة وكثيرة وأهمها ملف أمني خطير وهو تفعيل نشاطات الخلايا السرية الاستخبارية والطائفية ومحاولة القيام بأفعال إرهابية وترهيبية بما فيها محاولات اغتيال إرهابية ضد القيادات الخليجية... مؤامرات حزب الله القذرة ستتصاعد وتهديدات شبيحته سيتم تحقيقها وتنفيذها ميدانيا ما لم تستأصل الخلايا السرطانية لذلك الحزب ولبقية الجوقة الإيرانية في الإقليم... عرب الخليج أمام تحدٍ حاسم ومنعطف مصيري، فهل سيكسبون الرهان..؟.. الله أعلم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين تاجر وخائف... مَنْ يخون السوريين؟

زهير قصيباتي

الحياة

20/6/2013

- «كيف تعرف أن الشعب يريدك أن تترك منصبك»؟ بشار الأسد.

- «كيف تضمن ألاّ تصل أسلحة تقدَّم للمعارضة السورية إلى أيدي إرهابيين يستخدمونها في أوروبا»؟ فلاديمير بوتين.

- «كيف تضمن تفادي أي قصف جوي مواقع أسلحة كيماوية في سورية، بالتالي انتشار غبار كيماوي في الهواء»؟ باراك أوباما.

بين الثلاثة، يعرف الأسد وحده الجواب: قرار الشعب دليله الانتخابات أو الاستفتاء! وحده الرئيس السوري لا يبدو حائراً أمام مأساة وطنه وشعبه، لذلك ما زال مصرّاً على أن تنحيه الآن «خيانة وطنية»... على الأقل لأكثر من تسعين ألف قتيل سقطوا منذ آذار (مارس) 2011.

بين الرؤساء الثلاثة، لم يعد أي سوري في أرض الإبادة، أو المنافي القسرية، قادراً على رؤية ضوء في نهاية النفق الأسود. بعضهم ظنّ أن بالإمكان تجريب وَهْم التغيير في إيران، لعل الرئيس الذي يخلف محمود أحمدي نجاد، يُقنع «الحرس الثوري» بأن الجمهورية الإسلامية باتت في أيدٍ أمينة، لذلك يمكنه تنظيم رحلات استجمام لعناصره وضباطه في جبال سويسرا، أو على ضفاف بحيرات سوتشي، بعد «الملاحم» التي سطّرها في معارك القصير، وليّه ذراع الثورة السورية، ولو إلى حين.

ولكن، ألا يمكن السوريين الذين عاشوا عقوداً ينعمون بأمن النظام «العلماني» أن يتريَّثوا قليلاً، حتى انتخابات 2014، ليقولوا كلمتهم، مع بشار الأسد أو ضده؟ «نصيحة» الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، ذي سمعة «الاعتدال» ان يعتدل الشعب السوري ايضاً، فلا يفرط في مطالبه، وأن يختار المسار الديموقراطي... أما الثّكالى والمعوّقون والمشرّدون في بلدهم وعلى تخومه المخضّبة بالدماء، والمنكوبون بأنانيّات «كبار» القادة في العالم، ومصالح دولهم، فلم يسمع بهم روحاني.

ولكنْ، شيء من الواقعية في سياسة المصالح قد يكون ضرورياً لفهم مسار الحرب التي سُمِّيتْ «كونية»، كأن خرائط العالم كله تُرسَم خطوطها مجدداً في دمشق وحلب ودرعا.

ولماذا نلوم بوتين الذي ما كاد يخرج من «العراك» الصعب مع قادة سبع قوى غربية وعالمية، حتى استهجن كيف يتوقعون وسواهم إلغاء الكرملين عقود تسلّح مع دمشق؟ الواقع يقتضي التسليم ببراعته في «ليّ» أذرعهم، أَوَليست «الحرب الكونيّة» كرّاً وفرّاً؟ مرةً لأوباما الخائف على المدنيين السوريين من الهواء الكيماوي، ومرةً للرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الذي لا يستطيع شيئاً خارج مجلس الأمن، ولا يمكنه إلا أن يشدّ أزر الضحايا... في انتظار «صحوة» موسكو.

الرئيس الأميركي الذي تنتابه رعشة الرعب من تورّط الولايات المتحدة في حرب أخرى، اكتشف بالأدلّة أن سلاح الجو السوري «لا يجيد التصويب جيداً»، لذلك، ما الداعي لفرض منطقة حظر جوي؟ أما البراميل المتفجّرة فلا يَعرِف مَنْ يقود طائرة «أف 16» موعد تخلّص النظام السوري منها، ولا يعرف النظام أي رأس تتلقاها.

وإذا كانت الطائرات الحربية السورية عاجزة عن «التصويب جيداً»، فالمشكلة إذاً ليست في الطائرات المقاتلة التي ينوي بوتين بيعها لدمشق، بل في مَنْ يُصوِّب! والحال أن «كبار» القادة الثمانية في القمة الإرلندية، لم يكونوا يوماً بمثل هذه «الشفافية»... وأما تشديد بيان القمة على حكومة انتقالية تُشكَّل بموافقة «متبادلة» بين النظام والمعارضة، فما زال يعطي موسكو أرجحيّة عرّاب الحل، وهي تعطي الأسد ورقة الفيتو على هذه الحكومة.

عملياً، قد يكون الجديد في البيان مزيداً من التنازل الغربي لمصلحة «رؤية» الكرملين لإدارة الأزمة. فمرّة أخرى لا ذِكْر لمصير الأسد، ولا إدانة للنظام أو مجرد اتهام له باستخدام سلاح كيماوي. وأما «الدرس العراقي» الذي يود الجميع أخذ العِبْرة منه، لتفادي «لعنة بول بريمر»، فتلخِّصه نسخة من بيان الثمانية تُرجِمت بإصرار على «ضرورة الحفاظ على الخدمات العامة (في سورية) أو إعادتها، وذلك يتضمن القوات العسكرية والأمنية! ألا تؤدي حتى الآن، نوعاً من «الخدمات العامة»؟

جديد قمة إرلندا أنه كلما استأسد بوتين على المعارضة السورية، أضاف أوباما شرطاً آخر للوثوق بها، ولكي تصبح «قوية». الأول لا يرى شيئاً «يُفسِد للود قضية» مع الرئيس الأميركي، والثاني كالأول يريد التزاماً من المعارضة في جنيف-2 بالسعي الى «القضاء على التنظيمات والعناصر التابعين للقاعدة وإبعادهم من سورية». فالقلق من تنامي الإرهاب والتطرف في هذا البلد تَغَلَّبَ على كل مآسي شعبه.

كثيرون من «المجرمين» باتوا في صفوف المعارضة، يُخبرنا الرئيس الروسي الذي لا يكلّ من العزف على أوتار الإرهاب- فيُصغي أوباما وكامرون وهولاند- ولا يملّ من الدفاع عن «أخلاقيات» تاجر سلاح، لا ينكث بوعوده... وحليفٍ شريك لا يطعن ظهر «نظام شرعي» في دمشق، مهما فعل. هل نعلم بعد، كم مرة أسرَّ بوتين في أُذن أوباما، ألاّ يسقط في فخ حرب أخرى، فيما الأخير يفاوض «طالبان» حليف «القاعدة»، ويحيي شرعية لها، ليضمن انسحابه من أفغانستان؟

بين التاجر والخائف، لا يرتكب الرئيس «خيانة» للسوريين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 32)

القصة الحقيقية لحادثة مدرسة المدفعية التي هزت سورية من أقصاها إلى اقصاها

جماعة الإخوان المسلمين: لا علاقة لنا بهذه (المذبحة البشعة)

في ردة فعل ظالمة النظام يعدم خمسة عشر إخوانياً

محمد فاروق الإمام

سهّل النقيب البعثي إبراهيم اليوسف المسؤول الأمني لمدرسة المدفعية بحلب، لمجموعة من أفراد الطليعة يقودها عدنان عقلة بدخول المدرسة في صباح يوم 16 حزيران عام 1979م، وقد جمع هذا النقيب كامل طلبة المدرسة في قاعة الندوة لينهال عليهم عدنان عقلة ورفاقه رمياً عشوائياً بالرصاص والقنابل اليدوية، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من الطلبة بين قتيل وجريح، وبعد إنجاز المهمة بنجاح فرت المجموعة المنفذة للعملية يصحبها النقيب إبراهيم اليوسف إلى جهة مجهولة. وقد هزت هذه العملية سورية من أقصاها إلى أقصاها، وفوجئت جماعة الإخوان المسلمين وقيادتها بوقوع هذه الجريمة البشعة، فسارعت إلى الإعلان فور سماعها وقوع هذه الجريمة عن استنكارها لهذا العمل الإجرامي، وأصدرت بياناً تنفي فيه نفياً قاطعاً صلة الجماعة بهذه الجريمة، ووصفتها في بيانها بـ(المذبحة البشعة)، وأعلنت أن إبراهيم اليوسف هو عضو عامل في حزب البعث وليس له أي صلة بجماعة الإخوان المسلمين. وتحدى البيان (أن تثبت أي جهة في العالم عن طريق تحقيق نزيه أن تكون قيادتهم أو عناصرهم قد سارت في طريق العنف، علماً بأن الحكم السوري قد اوجد له كثيراً من الخصوم الذين يؤمنون باستخدام العنف). أما الطليعة فقد أصدرت بياناً أكدت فيه مسؤوليتها عن العملية.

ورغم تنصل جماعة الإخوان المسلمين من هذه العملية والتنديد بمرتكبيها، إلا أن العميد عدنان دباغ وزير الداخلية أعلن رسمياً في 22 حزيران – أي بعد وقوع العملية بستة أيام – مسؤولية جماعة الإخوان المسلمين عنها وعن كافة العمليات التي سبقتها، اعتماداً على بيان تركه منفذو العملية في الموقع يقول: (إن من نفذ العملية هو الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين - كتيبة الشهيد مروان حديد).

وعلى أثر العملية قامت سلطات الأمن باعتقالات عشوائية لكوادر الجماعة ورموزها عام 1979م بشكل متصاعد لدرجة أن أحد قادة الجماعة وصف هذه الاعتقالات بأنها (ضربة صاعقة وقاتلة) إذ تم بنتيجة هذه الاعتقالات تمزيق كل شبكة الاتصالات ما بين قيادة التنظيم العام وقواعدها وكشف بنيتها الأساسية.

إعدام خمسة عشر إخوانياً

كشفت الطليعة عن نفسها بعد عملية المدفعية، كما أن السلطة أعلنت لأول مرة اتهام الإخوان المسلمين رسمياً بالمسؤولية عن كافة العمليات التي سبقت تلك العملية، بعد أن كان الاتهام يوجه عادة إلى الخارج لاسيما إلى نظام (اليمين المشبوه) في العراق بحسب إذاعة دمشق ووسائل الإعلام الرسمية. وكان هذا يعني اعترافاً صريحاً بأن العدو هو في الداخل وليس في الخارج. وفي 27 حزيران عام 1979م تم إعدام 15 إخوانياً متهمين بأعمال قتل ووصفتهم محكمة أمن الدولة العليا بـ(عملاء الإمبريالية والصهيونية والسادات في بذر بذور الفتنة تحت ستار الدين، وتسديد ضربة قوية للوحدة الوطنية الداخلية).

أحكمت الطليعة إثر مذبحة المدفعية اختراقها لقواعد الإسلاميين واستقطابها لها، واستوعبت مجندين شباناً جدداً لم يكن لهم أي خلفية سابقة بالإخوان أو التدين.

في حين تمكنت أجهزة الأمن – بعد تراجعها – من تكوين خبرة في التعامل مع هذا النوع من القتال بعد استقدام عدد من خبراء حرب العصابات من بعض الدول الشيوعية قاموا بتدريب عناصر الأمن على التكيف مع مثل هذه الحرب، وبالتالي فقد نجحت أجهزة الأمن في تفكيك قواعد الطليعة عبر أساليب (الفخاخ) و(الشبكة العنكبوتية) و(استفزاز العصابيين) و(الحواجز الطيارة) لإخراج كوادر الطليعة من مكامنهم والإجهاز عليهم.

وتوضح إحصائية جزئية لعينة تشمل (13384) حركياً إسلامياً اعتقلوا ما بين عامي (1976-1981م) بعض السمات السوسيولوجية الأساسية لتركيب الحركة الإسلامية في هذه الفترة. فقد كانت نسبة الطلاب في هذه العينة (27,7%) والمدرسين والمعلمين (7,9%) والمهنيين (13,3%).

لقد تميزت الحياة السياسية السورية خلال أعوام (1979-1982م) بكافة المؤشرات التي تعتبر مدرسياً كمؤشرات للعنف السياسي من: تظاهرات وأحداث شغب وتمردات وإضرابات واغتيالات ومحاولات اغتيال وخطط انقلابية عسكرية واعتقالات وحرق مؤسسات عامة ومعارك شوارع ومداهمات أمنية وتوتير سياسي ومنع تجول ومحاصرة مدن وتفتيش شامل، وقتل واعتقال على الهوية، وتعذيب في أقبية التحقيق والسجون والمعتقلات حتى الموت، واعتقالات عشوائية كانت تطال قريب المعتقل أو المطلوب من الدرجة الرابعة، وتفجير بيوت، وحرق مزارع، وإلقاء البعض من طائرات مروحية عسكرية بعد تصفيتهم، وتمشيط الأحياء والقتل الجماعي (مجزرة تدمر، ومجزرة حلب، ومجزرة جسر الشغور، ومجزرة حماة الكبرى)، وتصاعد الإرهاب والإرهاب المضاد.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 31)

الطليعة المقاتلة والصدام مع النظام

محمد فاروق الإمام

يرتبط تشكيل هذه الطليعة قيادة وتوجيهاً وتنظيراً بمروان حديد المهندس الزراعي والحائز على ليسانس بالفلسفة. وقد تشكل هذا التنظيم في أوائل عام 1975م، وتعارف كوادره فيما بينهم على التسمي باسم (الطليعة المقاتلة لحزب الله). وقد ولدت فكرة تشكيل هذا التنظيم الطليعي من خلال أحداث الدستور عام 1973م، والتي حركها مركز حماة بقيادة مروان حديد والشيخ سعيد  حوى، ومثّل هذا التحرك أخطر اختبار لقوة مجموعة حديد المسيطرة على مركز حماة وعناصره في المحافظات الأخرى، إذ تمكنت من القيام بإضراب عام في حماة، شارك فيه الاشتراكيون (جماعة أكرم الحوراني) والناصريون (جماعة محمد الجراح)، وتحول الإضراب إلى أحداث شغب ضد مراكز حزب البعث الحاكم والمنظمات الشعبية التابعة له، وبعض المقاهي وأماكن بيع الخمور.

طوق الرئيس حافظ الأسد هذا الانفلات الأمني بإرضائه للإسلاميين بأن طلب من مجلس الشعب المؤقت أن ينص مشروع الدستور على أن يكون دين رئيس الدولة هو الإسلام، وأدى هذا إلى فتح الباب أمام إمكانية مشاركة بعض الشخصيات الإخوانية التقليدية في انتخابات مجلس الشعب التي تمت في أيار عام 1973م، والتي قابلها أنصار المدرسة الراديكالية بالنقد الشديد. في حين قامت السلطات باعتقال عدد من الإخوان المسلمين والناصريين والاشتراكيين الذين شاركوا بالإضراب العام في حماة، إلا أنه تم الإفراج عن معظمهم بعد عشرة أشهر باستثناء مجموعة محدودة على رأسها الشيخ سعيد حوى، أحد أبرز الناشطين في ذلك الإضراب، ولم يطلق سراحه إلا عام 1978م بعد حبس دام خمس سنوات في سجن المزة. أما مروان حديد نفسه فقد توارى عن الأنظار إلى حين اعتقاله في 30 حزيران عام 1975م بعد اشتباك مع رجال الأمن في دمشق.

خلال تواري مروان حديد عن الأنظار وجه رسالة مطولة إلى العلماء والشخصيات والجماعات الإسلامية يطلب فيها منهم إعلان الجهاد المسلح ضد السلطة، واعتباره فرض عين على كل مسلم ومسلمة. وأعلن تحديه للقيادة الإخوانية التقليدية التي حولت الجماعة – كما جاء في رسالته – إلى أشبه بجماعات التبليغ والدعوة.

حاولت قيادة الجماعة تطويق مجموعة حديد ففصلته كما فصلت عدداً من المرتبطين معه مثل: (عبد الستار الزعيم، وحسني عابو، وعدنان عقلة، وزهير زقلوطة) وغيرهم، وهددت بفصل كل عضو يثبت استمرار صلته بمروان حديد.

وعلى إثر وفاة مروان حديد في مستشفى سجن المزة عام 1976م انتقلت قيادة هذه المجموعة إلى عبد الستار الزعيم، وقامت هذه المجموعة بأول عملياتها ضد أجهزة الأمن في 8 شباط عام 1976م فاغتالت الرائد (محمد غرة) رئيس فرع المخابرات العسكرية في حماة.

ومن هنا تم لاحقاً اعتبار هذه العملية فاتحة أعمال العنف والعنف المضاد في سورية، وراحت مجموعة مروان حديد تنفذ عملياتها ضد أجهزة الأمن السورية دون الإعلان عن اسمها إلا بعد ثلاث سنوات ونيف، عندما نفذت عملية (مدرسة المدفعية) في 16 حزيران عام 1979م في مدينة حلب، مفصحة عن تبنيها للعملية تحت اسم (الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين).

جماعة الإخوان المسلمين

ترفض الانجرار إلى العمل المسلح

لقد كانت مرامي جماعة مروان حديد من تغيير اسمها من (الطليعة المقاتلة لحزب الله) إلى (الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين) جر الجماعة إلى الانخراط في العمل المسلح الذي ترفضه بشدة، وتنأى بنفسها عنه، ويؤثر عن مروان حديد قوله: (لئن أخرجني الإخوان من الباب فسأدخل من الشباك وسأجرهم إلى الجهاد جرا).

لم تتصور قيادة التنظيم العام أن نشاط الطليعة لن يكون أكثر من ردود أفعال يمكن أن يوصف بنزق الشباب، يمكن احتواؤه والسيطرة عليه وتوجهه بما ينسجم مع السياسة الإخوانية التي تنبذ العنف وترفض أي مواجهة مع السلطة، وهو خط سيرها العام الذي اعتمدته في كل صراع بينها وبين خصومها منذ نشأتها.

ومن هذه المنطلقات أيدت حافظ الأسد في الاستفتاء المقرر إجراؤه في 8 شباط 1978م مقابل الإفراج عن معتقليها الذين كانوا دائماً ضحية حماقة أبناء المدرسة الراديكالية المروانية.

وبالفعل أفرج عن الشيخ سعيد حوى عضو مجلس شورى الجماعة في أواخر كانون الثاني عام 1978م، وفتحت السلطة حواراً مع المعتقلين الإخوانيين، بهدف الوصول إلى مصالحة مع السلطة.

وعندما شعرت الطليعة بحدوث هذه المصالحة أقدمت على اغتيال الدكتور (إبراهيم نعامة) نقيب أطباء الأسنان في 18 آذار عام 1977م، واعتبرت السلطة أن هذا الاغتيال بمثابة فسخ لاتفاق المصالحة، وهذه نقطة تسجل على السلطة كونها استجابت لأهداف الطليعة بنزق ودون تفكير، فأوقفت السلطة كل حوار مع الجماعة، وأقدمت على اعتقالات واسعة وعشوائية في صفوف الإسلاميين.

ويبدو أن رئيس الأمن القومي السوري الذي تولى إدارة ملف التسوية بين جماعة الإخوان والسلطة، لم يكن يدرك طبيعة تنظيم الطليعة الذي كان يخطط لاستجرار الجماعة إلى العمل المسلح الذي ترفضه جملة وتفصيلا.

من جهة أخرى فتح المراقب العام عدنان سعد الدين حواراً مع عبد الستار الزعيم بهدف احتوائه، ولكن الزعيم كان ماضياً بمشروعه إلى النهاية، والذي يتلخص في احتواء الجماعة وتحييد القيادة التقليدية وزج كوادرها في العمليات المسلحة، وقد نجح في جر البعض من الشباب إلى صفوف طليعته.

لقد سبق لقيادة الطليعة أن تلقت تدريباً عسكرياً في قاعدة طليعية تحت راية حركة فتح، متحدية قرار القيادة القطرية الإخوانية بعدم المشاركة في هذه القاعدة، ونسجت علاقات وثيقة ومباشرة مع الأجهزة الأمنية لمنظمة فتح، التي استفحل العداء بينها وبين النظام السوري جراء تدخل سورية في لبنان عام 1976م، مع اعتقاد الطليعة بأن منظمة فتح ليست سوى الجناح العسكري للإخوان المسلمين الفلسطينيين، بحكم انحدار معظم قادتها من الإخوان. وقد رسخت أجهزة الأمن في فتح هذا الاعتقاد في أذهان شباب الطليعة.

وخلاصة القول فإن قيادة الجماعة والأجهزة الأمنية السورية لم تدرك طبيعة التنظيم الجديد وإستراتيجيته النظرية والصدامية.

ولم تكن ظاهرة المدرسة الراديكالية مقصورة على الجماعة في سورية، فقد ظهرت في التنظيم الأم في مصر قبل ذلك، وكان كتاب سيد قطب (معالم في الطريق) الذي صدر عام 1965م يعبر بشكل واضح عن نفس النهج. وقد لعب هذا الكتاب دوراً خطيراً في تشويش عقول الشباب ودفعهم للتمرد على القيادة التقليدية للجماعة، مما دفع المرشد العام الثاني (حسن الهضيبي) إلى تدوين كتابه (دعاة لا قضاة) في معتقله عام 1969م، للرد على كتاب سيد قطب وخطورة طرح فكره الجديد. الذي كانت تنظر إليه الطليعة على أنه كتاب إصلاحي يفرغ الجماعة من مضمونها الجهادي ويحولها أشبه ما تكون بجماعات التبليغ والدعوة.

يتبع

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عام تحت الحصار

مجاهد ديرانية

بدأ منذ اسبوع, العامُ الثاني. سنةٌ كاملة مَرّت على حمص القديمة وهي تحت الحصار؛ لقد دخلت حمص إلى كتب التاريخ. خمسة آلاف من المدنيين وألف من المجاهدين حوصروا ثُلُثَ ألف يوم في ستة عشر حياً من أحياء حمص القديمة، حُصروا بلا طعام ولا دواء ولا وقود، ولم يستسلم الأبطال، قالوا: اخترنا البقاء، قررنا الصمود لأن حمص إذا ذهبت فقد لا تعود.

ثلاثمئة وخمسة وستون يوماً مضت على الأبطال الصامدين المحاصَرين في حمص. كم يوماً فكرنا بهم؟ كم مرة دعونا لهم؟ ماذا صنعنا من أجلهم؟ كم ليرة، كم ريالاً، كم درهماً أو جنيهاً أو ديناراً أو دولاراً أرسلنا إليهم؟ هل يعرف أحد: كيف يعيشون؟ من أين يأكلون؟ ماذا يصنعون بالمرضى والجرحى؟ من أين يأتون بالغذاء والدواء والوقود والذخيرة والسلاح؟

عندما يشتري أحدٌ من الناس ما يحتاج إليه من غذاء وكساء ودواء فإنه يُسأل: كم كلفك هذا من المال؟ أما هم فيُسألون: كم دفعتم من المال والرجال؟

-2-

هل تصدقون أن أي مدد لم يسلك إليهم طريقاً فوق الأرض منذ عام؟ إن كل ما يصلهم إنما يصلهم من طرق صنعوها تحت الأرض. ليس هذا سراً، فإن جيش الاحتلال الذي يحاصرهم يعرف ذلك، لكن أكثر المحبّين من السوريين والمسلمين لا يعرفون. إن المجاهدين المحاصَرين يُمضون شهراً وشهرين في صنع نفق يصلهم بالبر المحرر، ويُدخلون عبره ما استطاعوا من ذخيرة ومؤن ووقود ودواء، فيكشفه جيش الاحتلال بعد أسبوع أو أسبوعين، فيخسرون النفق، وقد يخسرون معه بعض الفدائيين.

 

إن كل مجاهد يَلِج النفق يعلم أنه قد يكون طريقَ خروجه من دار الفناء وبوابةَ عبوره إلى دار البقاء، وهو يعلم كم من إخوانه تربص بهم العدو على المخرج فاعتقلهم أو قتلهم ساعة الخروج، أو ألقى عليهم القنابل المتفجرة أو قنابل الغاز وهم في السرداب. ومع ذلك فإنهم يدخلون، ويحملون على ظهورهم الذخائر الثقيلة في رحلة عسيرة، يقطعون فيها مئات الأمتار في ست ساعات أو سبع ساعات.

إنها رحلة الموت. لا، بل إنها رحلة الحياة، رحلة الخلود.

-3-

عام كامل وهم يعيشون على أقل القليل من الغذاء، إذا ظفروا بأكثر من البرغل فهم محظوظون. ذات يوم وجدت بعضهم يأكلون "اليَبْرَق". قلت: أنّى لكم هذا؟ قالوا: غنائم غنمناها في غارة على بعض مواقع العدو. وكانت تلك الوليمةُ يومَ عيد! أما اللحم فإنهم نَسُوا أولاً طعمه، ثم نسوا شكله، ثم نسوا اليوم اسمه، فلو قلت لهم "لحم" قالوا: "وما اللحم؟"... لكنهم ما يزالون صامدين.

عام كامل وهم يتناقصون، منهم من وفد على الرحمن الرحيم، ومنهم من أصيب الإصابة الشديدة فانضم إلى قافلة المرضى والمصابين. عام كامل والجرحى يتكدسون في حمص المحاصرة. كانوا ملء غرفة، ثم ملؤوا شقة، ثم طابقاً في عمارة، ثم عمارة من ثلاثة طوابق، ثم ثلاث عمارات... لكنهم ما يزالون صامدين.

-4-

عام كامل وهم يناشدون وينادون. خذلهم الصديق والشقيق، ونسيهم القريب قبل الغريب. خذل حمصَ وأبطالَها المحاصَرين أهلُ حمص قبل غيرهم؛ خذلها عشرات الآلاف من شبان المدينة الذين يعيشون في "الوعر" حياة المتبطلين، يروحون ويجيئون ويأكلون ويشربون وينامون هانئين، وإخوانهم تحت النار والحصار وليس بينهم وبينهم إلا النهر والبساتين!

 

وخذلها تجارها وأغنياؤها ووجهاؤها وعلماؤها، ولو جَدّوا في فك الحصار عنها لوجدوا ألف طريقة يفكون بها عنها الحصار، فإن فك الحصار يحتاج إلى خمسة يملكون منها أربعة: المال والرجال والسلاح والوقت، هذه كلها عندهم منها الكثير، وليس عندهم من الخامسة شيء، وهي الإرادة المخلصة والنية الصادقة. هذه شهادة ألقى بها الله يوم الحساب.

 

وخذلها المعارضون السياسيون والقادة العسكريون، فحوّلوها من بشر يجوعون ويبردون ويتعبون ويمرضون وينزفون، إلى بطاقة للمساومات والمفاوضات. ونسوها (أو تناسَوها) حتى ليمضي الشهر بعد الشهر ولا تسمع على ألسنتهم لحمص المحاصرة ذكراً ولا ترى لها في أفعالهم أثراً، ولو جَدّوا في فك الحصار عنها لوجدوا ألف طريقة يفكون بها عنها الحصار، وهذه شهادة ألقى بها الله يوم الحساب.

-5-

نعم، إنها شهادة ألقى عليها الله؛ نسي المحاصَرين أهلوهم، ونسيهم أكثر العرب والمسلمين. ولكن الله لا ينسى ولو نسي العباد، فإنهم صدقوا الله فصدقهم، وإنهم وجدوا طريقاً للخروج مئة مرة ورفضوا الخروج، وإنهم أبَوا أن يكونوا ممّن تولى يوم الزحف وأقسموا أن لا تؤتى حمصُ من قِبَلهم، وإنهم ثبتوا وصبروا وفوضوا أمرهم إلى الله، فبعث الله إليهم من جبر وَهْنهم ورتق فَتْقهم وداوى سَقْمهم، من إخوان لهم في الإسلام باعدت بينهم وبينهم الأرضُ وجمعت بينهم وبينهم أُخوّةُ الدين.

 

لن تُهزَم -بإذن الله- أمة فيها من يرابط رِباط الموت وفيها من يمد اليد من وراء الحدود بغير حساب. فاختر أيها المسلم الثانيةَ إن فاتتك الأولى، أو جهّز الجواب ليوم الحساب، يوم تقف بين يدي الديّان فيسألك الديّان: ماذا صنعت وماذا قدمت لإخوانك المسلمين من أهل حمص المحاصَرين؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com