العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-03-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ماضون نحو تحقيق أهداف الثورة

احمد الجربا

الشرق الاوسط

السبت 15/3/2014

بعد مضي خمسين عاما في ظل الطغيان والاستبداد وطمس كل معالم الحرية ومصادرتها، وتغييب كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية انطلقت الثورة السورية من واقع مادي وسياسي وثقافي معقد، خاصة بعد ظهور الربيع العربي، وكان متوقعا لسوريا أن تكون أولى الدول الثائرة، فإذا كانت الثورة التونسية ثورة كرامة، والثورة المصرية ثورة اقتصادية، والثورة الليبية ثورة سياسية، فإن الثورة السورية جاءت نتيجة كل تلك المشاكل مجتمعة.

منذ البداية خرج الشباب السوري مطالبا بالحرية وإسقاط النظام الاستبدادي، وكان عنوان الثورة «سوريا تريد الحرية» وخارج كل المؤطرات القومية والدينية والمذهبية صرخ السوريون تحت عنوان «واحد واحد الشعب السوري واحد»..

قابل النظام الشباب بالقمع والاعتقال وكان ينظر إلى الشباب الثائر على أنهم «دون كيشوت» الحالم الذي يحارب طواحين الهواء ناسيا أن الحالمين هم من يغيرون الواقع..

لم يستطع النظام إعادة الشباب إلى بيوتهم بالقوة، وكلما زاد إفراطا في القتل والاعتقال ازداد الشعب إصرارا على المضي في طريق الحرية.

انطلق قطار الثورة، ولم يعد لدى النظام حل إلا بإخراجه عن مساره، فحاول تكريس الطائفية باستحضاره ميليشيات حزب الله والحرس الإيراني وأبو الفضل العباس، وارتكب المجازر تلو المجازر ليكون هناك رد فعل عارم..

حاول النظام أن يقسّم الشارع السوري وعمل جاهدا على تلوين الثورة بلون غير لونها إلى جانب عسكرة مسارها، وخطط ليجبر الشباب على حمل السلاح ووضع لهم البنادق في الجوامع دون أن ينجح بذلك أيضا، فأفرط أكثر وأكثر في القتل والتعذيب وسياسة الأرض المحروقة.

وبالعودة إلى الوراء نرى أن إفراط النظام في قتله وتدميره وهمجيته هو من ولّد رد الفعل لحمل السلاح لتتعسكر الثورة بعد ستة أشهر من النضال السلمي للشعب المطالب بحريته.

بعد عسكرة الثورة وإنتاج النظام لداعش وغيرها من التنظيمات الراديكالية بقي النظام مستمرا في القتل بحجة محاربة «الإرهاب» تحت سمع وبصر العالم وارتكب أفظع المجازر ولم يترك سلاحا إلا واستخدمه، كما هجّر النظام السوريين ودمر بيوتهم وأماكن رزقهم، وعمل جاهدا منذ اليوم الأول من عمر الثورة على كسب الوقت وإطالة الأزمة حتى يمّل الناس ويتعب الثوار.

شهداء ومعتقلون يموتون جوعا بعد ممارسة النظام سياسة التجويع كل يوم وكل ساعة وكل لحظة في مناطق متفرقة.

نظام همجي لم ولن يفهم ولا يريد أن يفهم، يكرر أهازيج المقاومة وانتصاراته الكاذبة، ويكرر خطابه في محاربة «الإرهاب»، ولكنه فشل فشلا ذريعا أيضا أمام استمرار الحراك المدني والمظاهرات وأزيز رصاص الثوار الذي لطالما أرق نوم الأسد وقضّ مضجعه عبر ثلاث سنوات.

حاولنا تحقيق حلم اللاجئين والمهجرين بالعودة إلى أرض الوطن في مؤتمر «جنيف 2». وشاركت المعارضة في محاولة لإنهاء القتل والعنف، وعملت على إنجاح الحل السياسي نحو هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، إلا أن النظام أفشل «جنيف 2» بتمسكه بخطابه الممل المكرور نفسه، ولم يقدّم أي استحقاق أو التزام واستمر في اللغة الوحيدة التي يجيدها.. لغة القتل، بل بعد السلاح الكيماوي ابتدع البراميل المتفجرة بكل أحجامها لإرهاب السوريين بكل الطرق التي يجيدها.

ولأن السوريين كلهم كرامة وعنفوان، نعتمد على الشعب السوري العظيم الذي قرر تفعيل ودعم الحراك المدني واستمراره، وندعم كل خياراته في مختلف الحلول، ولن تظل الثورة تعاني بين رحى تجاذبات إقليمية ووسط مصالح دولية..

الثورة مستمرة والشعب السوري بعد أن قدم كل تلك التضحيات، وبعد ما بذله من دماء وما سطره من ملاحم بطولية لأعظم ثورة في التاريخ علّم العالم معنى التضحية في سبيل الحرية، وهو لن يتراجع عن أحلامه بالحرية والكرامة إلى أن يحقق النصر، وسيظل شعار «واحد واحد الشعب السوري واحد» الذي رفع في أول يوم من الثورة هو العنوان حتى النصر.

* رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا أرادوا للثورة السورية أن تدخل عامها الرابع؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 15/3/2014

استغرقت الثورة التونسية ثمانية وعشرين يوماً فقط. أما المصرية فدامت لثمانية عشر يوماً بالتمام والكمال. صحيح أن الثورة أخذت بعض الوقت في اليمن، لكنها انتهت من حيث الفعل الثوري خلال فترة وجيزة. وحتى في ليبيا التي أخذت شكل الصراع السوري المسلح، انتهت الثورة خلال ثمانية أشهر على الأرض من خلال تدخل دولي. لا شك أن الأوضاع بعد الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا تعسرت في بعض الأحيان، وتفاقمت أحياناً أخرى، لكنها على الأقل انتهت بخسائر مادية وبشرية محددة تبدو مجرد ‘لعب عيال’ بالمقارنة مع ما يحصل في سوريا من أهوال ودمار طال البلاد كلها، وبدأ يطال البلدان المجاورة، وحتى أنه راح يهز المنطقة العربية برمتها جيوسياسياً واقتصادياً. باختصار، لم يكن هناك مصلحة للكثير من القوى استمرار الثورات على الأرض في تونس ومصر واليمن وليبيا. لاحظوا أيضاً كيف وضعوا حداً للأزمة الأوكرانية خلال أسابيع قليلة، فتنحى الرئيس يانكوفيتش منعاً لمزيد من التفاقم. وهنا نتساءل: لماذا سمح العالم لبقية الثورات أن تنتهي بسرعة، بينما ترك الثورة السورية تتفاقم لتصبح وبالاً على السوريين والمنطقة عموماً؟ لا نعتقد أن الأمر مجرد تقاعس، أو إهمال، أو عدم مبالاة.

هناك الكثير من المؤشرات والدلائل على أن ترك الثورة السورية تتفاعل، وتأتي على الأخضر واليابس داخلياً، وتهز المنطقة برمتها خارجياً ليس أمراً عرضياً، بل يبدو مدروساً ومتعمداً. فلو كان هناك نية دولية حقيقية لانتهى الوضع قبل أن يدخل عامه الأول، لكنهم تركوه يدخل الآن عامه الرابع. لاحظوا مثلاً أن أمريكا ترفض تسليح قوى المعارضة بسلاح مضاد للطيران، لا بل تمنع البلدان الأخرى من تقديم ذلك السلاح للجيش السوري الحر منذ زمن. فلو توفر ذلك السلاح على الأقل لتوازن الصراع على الأرض بين النظام والمعارضة، وبالتالي دفع الجانبين إلى مفاوضات حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا. لكن الواضح أن هناك خطة لإطالة أمد الصراع من خلال تزويد النظام بأعتى أنواع السلاح الروسي والإيراني، وتزويد قوى المعارضة بسلاح يسمح باستمرار القتال فقط، لكنه لا يسمح بحسم الأمور على الأرض، ولا حتى بتحجيم قوة النظام. وهذا لوحده دليل كاف على أن المطلوب في سوريا استمرار الاستنزاف والدمار. لقد غدا واضحاً أن الجيش الحر يدخل منطقة ما، فيحاصره جيش النظام، وتجري المعارك، فتتدمر المنطقة، ويهاجر سكانها، فينتقل الجيش الحر إلى منطقة أخرى، وهلم جرّا. إنه مسلسل تدميري مفضوح يمارسه النظام وقوى المعارضة بنية التدمير المقصود والمبرمج والممنهج.

هل كان للكثير من القوى أن تسمح بإغراق سوريا بمختلف الجماعات المقاتلة القادمة من الخارج وتحويلها إلى أفغانستان أخرى، لو أن العالم كان يريد فعلاً حل القضية السورية؟ بالطبع لا. لقد فاقم دخول جماعات مختلفة إلى سوريا الوضع، وفتحه على احتمالات خطيرة للغاية، خاصة بعد دخول القوى الشيعية كحزب الله وغيره إلى ساحات القتال. هنا بدا وكأنه حرب مذهبية مدروسة. لاحظوا أن القتال يجري الآن بين قوى شيعية وسنية بشكل مفضوح. وهناك من يرى بأن الحرب المذهبية الحقيقية في المنطقة انطلاقاً من سوريا مازالت في بداياتها، وأن القادم أعظم.

لقد انتهى مؤتمر جنيف دون أي ضغط دولي لإحراز أي تقدم. والأنكى من ذلك أن العالم منح الرئيس السوري بعد فشل المؤتمر ضوءاً أخضر لخوض الانتخابات الرئاسية كمرشح أوحد، مما يعني ضمناً إطلاق رصاصة الرحمة على مؤتمر جنيف الذي كان ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالية تنتقل بسوريا إلى عهد جديد. أين العهد الجديد بعد أن يفوز بشار الأسد بولاية رئاسية جديدة لسبعة أعوام؟ لاحظوا الآن كيف يتم التحضير لحملة الأسد الانتخابية وسط صمت ومباركة دولية لا تخطئها عين، وكأنها مكافأة دولية للدور الذي يلعبه النظام في خلخلة المنطقة وإعادة تركيبها. لقد تنحى الرئيس الأوكراني بعد مقتل مائة شخص وبضعة أسابيع فقط من المظاهرات، بينما يسمح العالم للرئيس السوري بالترشح والفوز في الانتخابات بعد نزوح ثمانية ملايين سوري داخلياً، وتهجير ستة ملايين خارجياً، وتدمير ثلاثة أرباع البلد، ومقتل مئات الألوف. لا يمكن أن يكون هناك هدف من وراء التعامي عن انتخاب بشار الأسد لفترة رئاسية جديدة سوى استمرار مسلسل التخريب داخل سوريا لتدمير ما لم يُدمر بعد، وإنهاك المنطقة خدمة لمشاريع دولية كبرى. ويرى بعض الساخرين أن الأسد لن يكون فقط رئيساً جديداً لسوريا، بل قائداً مُتوجاً لمشروع الفوضى الخلاقة الأمريكي.

ولو عدنا إلى تصريحات بشار الأسد نفسه بعد ستة أشهر على اندلاع الثورة في لقاء مع صحيفة ‘التايمز البريطانية لوجدنا أن ما هدد به الأسد من فوضى وقتها يتحقق الآن على أرض الواقع بحذافيره، وكأنه كان يخطط مع قوى كثيرة لإيصال سوريا والمنطقة كلها إلى هذه النقطة الحرجة والخطرة جداً. قال الأسد وقتها: ‘إن سوريا تقع على فالق زلزالي خطير، وإذا تحرك هذا الفالق، ستخرب المنطقة بأكملها’. لقد كان الرئيس السوري في ذلك التصريح يهدد بتنفيذ مشروع ‘الفوضى الهلاكة’ نيابة عن صاحبه الأمريكي. ويبدو أنه أوفى بوعده تماماً. لاحظوا الآن أن الوضع السوري بدأ يشكل خطراً وجودياً على باقي دول المنطقة، فعدد اللاجئين السوريين في لبنان أصبح أكثر من مليون ونصف، وبات يهدد تركيبة لبنان الديمغرافية. وكذلك في الأردن، ومصر، وتركيا. ناهيك عن أن وضع العراق يزداد سوءاً بالتناغم مع الوضع السوري. وهذا بحد ذاته تهديد مرعب للمنطقة. أضف إلى ذلك أن بعض دول المنطقة بدأت تهتز على وقع الزلزال السوري، وخاصة تركيا. ولا ننسى كيف بدأ الوضع السوري يستنزف خزائن بعض الدول العربية المنخرطة في الصراع.

ألا يرى ضباع العالم هذا الوضع الخطير داخل سوريا وعلى حدودها في الدول المجاورة؟ أم إنها الفوضى الخلاقة التي أرادوها لرسم شرق أوسط جديد، وها هو النظام السوري ينفذها على أكمل وجه؟ يبدو أن هذا هو المطلوب من إطالة عمر الأزمة السورية، فهم يستغلونها، ليس فقط لاصطياد العصفور السوري، بل لضرب عدة عصافير عربية وإقليمية بحجر واحد.

من مهازل هذا الزمان أن النظام السوري هو أكثر من هاجم مشروع ‘الفوضى الخلاقة’ الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، وهو الذي يقوده الآن بإخلاص منقطع النظير. وسلم لي على ‘الممانعة والمقاومة’.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
في الذكرى الثالثة للثورة السورية :نهاية جيل من التفكير السياسي السوري وبداية جيل     

ياسين الحاج صالح

المستقبل

الاحد 16/3/2014

(إلى سميرة .. إمامتي الغائبة)

أيا تكن مآلاتها الفعلية، تدشن الثورة السورية نهاية جيل من التفكير السياسي في سوريا وبداية جيل جديد لن تتضح ملامحه قبل حين. من بين قضايا كثيرة نرجح أن يتبدل التفكير فيها تبدلا كبيرا، هناك ثلاث قضايا كبيرة تبدو لنا عناوين مؤكدة لتفكير جيل جديد. أولها قضية الهوية الوطنية، وثانيها الدولة ونظامها السياسي والقانوني والإداري، وثالثها موقع الإسلاميين في الحياة العامة ودورهم. وقد نضيف قضية الشتات السوري التي تفرض نفسها كموضوع سياسي راهن دون سوابق.

ماهية سوريا ووجودها

كان التصور القومي العربي لهوية سوريا كقطر عربي لا معنى تاريخيا له غير الإعداد لإلغاء نفسه في وطن عربي واحد في أزمة عميقة قبل الثورة. ولم يكن مردّ الأزمة وجود سوريين غير عرب، وهو وجود كبير يتخطى الكرد والأرمن إلى السريان والشركس والتركمان...، بل من تراجع هيمنته في أوساط العرب أنفسهم بفعل افتقاره المتفاقم إلى محتوى سياسي وقيمي تحرري. وبعد أن لم يكن هذا التصور يوحّد السوريين، لم يعد يوحد الأكثرية العربية من السوريين.

ثم إن هذا التصور القومي مزّق الرابطة العربية التي يفترض أن تجمع السوريين بأشباههم في البلدان العربية المجاورة والأبعد. وهذا لأن القومية العربية ليست وعيا ذاتيا بما يجمع سكان بلدان مختلفة من مشتركات، بقدر ما هي حركة سياسية عملت على رد العنوان العربي الجامع إلى حزب سياسي، فجرى على هذا النحو نقل الهوية العربية المفترضة من مساحة الإجماع إلى مساحة الصراع، ما يعني عمليا تحطيم الرابطة العربية.

في المقام الثالث نصب التصور القومي العربي لسوريا حواجز نفسية ورمزية عالية بيننا وبين العالم، مع التأكيد على مغايرة جذرية بين الجهتين، تقابلها في الداخل وحدة لا نتوءات ولا تضاريس فيها لـ»الشعب العربي السوري». وما كان لهذا الترتيب المتعارض مع التدويل العميق لمنطقتنا، وانخراط النظام السوري ذاته في منطق التدويل، إن عبر أدواره الإقليمية أو عبر حراسته حدود إسرائيل رغم احتلالها الجولان، ما كان له أن يستمر إلا لأن وظيفة عزل السوريين عن العالم وتخويفهم منه هي التحكم بهم وتجريدهم من القدرة السياسية والفكرية، ومركزة الحياة السياسية في البلد حول بقاء النظام وأبديته. لقد جرى الاستثمار في العزل عقودا، وبنيت من أجله أسوار أمنية لا تقل تأثيرا عن الأسوار التي عزلت المدن في أزمنة مضت، لكن بدل الحماية، الغرض من هذه الأسوار بالأحرى هو السيطرة والتحكم بالسكان داخلها.

على كل حال قاد هذا التصور نفسه في درب انحطاط لا قعر له. من «حركة التحرر العربية» التي تحطمت بفعل تحولها إلى أنظمة طغيان مؤبدة ونخب فاسدة أكثر مما على يد إسرائيل ورعاتها الدوليين، جرى التحول إلى «الممانعة»، وهي إيديولوجية سلبية، تستأنف التأكيد القومي على المغايرة دون أي مضمون تحرري، ثم إلى صحبة منظمات ما دون الدولة ولعب دور تقسيمي في الإقليم ككل، وصولا إلى التبعية لإيران وعزيمتها إلى احتلال البلد وقتل المحكومين المتمردين.

تحطم التصور القومي العربي للهوية الوطنية السورية تماما بعد الثورة وبفعلها. وهناك اليوم صراع على هوية سورية بين واحد من ثلاث تصورات، ليس بينها التصور القومي العربي.

التصور الأسدي الذي يرد سوريا إلى قاعدة لملك السلالة الأسدية، قاعدة لا هوية فعلية لها، يعمل النظام على تأبيد نفسه عبر ما توفره له انقساماتها من هوامش حرية واسعة. السوريونوفق هذا التصور أسديون، رعايا للمالك الأسدي، ليسوا لا أحرار جوهريا، بل هم بالفعل عبيد سياسيا.

ويبدو أنه يصعد في التصور الأسدي لسوريا اليوم عنصر شيعي بفعل التدخل الإيراني وذراعها اللبناني «حالش» (اسم ابتكره سوريون لـ»حزب الله في لبنان والشام» أو «حزب الله اللبناني الشيعي» من باب إظهار وحدة الحال بينه وبين «داعش»، «الدولة الإسلامية في العراق الشام»). وفي الكلام عن يزيد الأموي وزينب التي لن تسبى مرتين، وعلى حماية المقامات الشيعية، ما يشكل إيديولوجية مناسبة لاحتلال البلد، والعمل على تحويل عناصر هويته القائمة. يسهل من الأمر أنه لا مضمون فكريا أو قيميا إيجابيا للنظام الأسدي من أي نوع اليوم. بقاؤه هو كل رسالته.

تصور الهوية الثاني هو التصور الإسلامي، السني في هذا المقام. وهذا يتراوح بين صيغة إخوانية مخففة سابقة للثورة، تحيل على الإسلام كـ«مرجعية حضارية»، وبين تصورات سلفية تتكلم على الدولة الإسلامية ودولة الخلافة، ومنها الشكل الفاشي المتمثل في «داعش»، وأشكال أقل وحشية، لكنها متمركزة حول تفسير تشريعي للإسلام، وتصور طائفي للمجتمع. وهي إلى عموم السوريين، بمن فيهم المسلمين السنيين، مثل القومية العربية إلى السوريين أنفسهم، بمن فيهم العرب. أعني أنها تُشرِّع لتنصيب حزب قائد، وإلغاء الحياة السياسية، وتحويل الإسلام إلى حزب سياسي، فتمزق بذلك المسلمين فوق تمزيق السوريين أنفسهم. هذا فضلا عن نصب حواجز فكرية ورمزية في وجه الاختلاط بالعالم، لنخسر جيلا أو جيلين آخرين، بعد جيلين خسرناهما على يد البعثيين والأسديين. لا تقدم ممكناً لنا فيما نرى من دون اختلاط مع العالم من حولنا وتفاعل معه وتعلم منه.

هناك تصور ثالث استيعابي، يحيل إلى سوريا ديموقراطية، منفتحة على تعددها الذاتي وعلى تمثيله سياسيا، وغير منعزلة عن العالم. ليس هناك تيارات واضحة تشتغل على هذا التصور، وتطوره مفهوميا وبرنامجيا، لكن ليس إلى غيره تحيل وثائق «المجلس الوطني السوري» و»ائتلاف قوى الثورة والمعارضة». المشكلة الأساسية في هذه الوثائق والقوى التي أصدرتها هي ضمور البعد التحرري في تكوينها وتفكيرها، والميل إلى تصور التعدد السوري تعددا ساكنا، هوياتيا، وليست تعددا سياسيا صراعيا ومتغيرا. وبقدر ما أن تصورنا للهوية الوطنية عنصر محدد لتصورنا للنظام السياسي، فإن من شأن تصور ساكن للتعدد السوري أن يفضي إلى نظام محاصّة طائفية مع هيمنة سنية. وهذا لا يشكل قطيعة مع النظام الأسدي، بل استمرارا مغايرا له. ما يمكن أن يكون قطيعة على هذا المستوى هو تصور السوريين كجمهرات متنوعة، تعمل على التحكم بشروط حياتها وامتلاك السياسة، بما في ذلك الكلام في الشؤون العامة والتنظيم والاحتجاج في الفضاء العام، وبما في ذلك صنع السياسات العامة والتحكم بالمواد الوطنية.

دولة جديدة

وهذا يقودنا إلى القضية الثانية التي نرى أن جيلا جديدا من التفكير السياسي السوري يتشكل حولها، قضية الدولة والنظام السياسي. لا يرتد الأمر هنا إلى التخلص من حكم السلالة الأسدية أو التحول من الاستبداد إلى الديموقراطية على ما يجري التعبير عن الأمر أحيانا، وإنما تحويل البنية السياسية والإدارية والقانونية لسوريا في اتجاهات مغايرة لتلك التي قامت عليها منذ الاستقلال. يجري الكلام أحيانا عن فيدرالية، موجهة بصورة أساسية نحو معالجة المشكلة الكردية. لكن ليس هناك نقاش جدي في الأمر، ويلوثه غالبا الاشتباه بالمقاصد: هل هو خطوة باتجاه وحدة سورية جديدة وديموقراطية، أما باتجاه تفكك معمم؟

على أنه لا بد من تفكير جديد في تكوين البلد وتنظيمه السياسي باتجاه مزيد من اللامركزية، وبما يوفر للجمهرات السورية مساحات أوسع من الحرية وإدارة أمورها. هناك تحديان يواجهان التفكير السياسي على هذا المستوى. الأول يتصل بكيفية توزيع السلطات على المستوى الوطني العام بما يحول دون نشوء مركز سلطة وحيد متضخم يبتلع البلد. والثاني هو ضرورة وجود مركز سياسي موحِّد، يحول دون التفكك العام، وانقسام البلد إلى إقطاعيات كثيرة متنازعة. ليس هناك حلول جاهزة في هذا الشأن. نحتاج إلى نقاش عام واسع من أجل الوصول إلى معالجات وحلول مثمرة.

في المبدأ، لا يستطيع السوريون التحكم بالسلطة المركزية من دون أن يشكلوا هم هذه السلطة، ومن دون أن ينظموا أمورهم بحيث تكون مقاومتهم فعالة لتعدياتها أو نزعاتها التسلطية. فإذا كانت تجربتنا السياسية الأساسية هي الطغيان الفاشي ومواجهته، فإن المبدأ الذي نرى أن ننطلق منه أنه ليس هناك أية اعتبارات، ولا حتى وحدة البلد، يجب أن تقف في وجه مقاومة السكان للفاشية.

على أننا نرى أن سوريا مكسب عام للسوريين، بمن فيهم الكرد، وإن ليس بأي ثمن، ليس بثمن محو الشخصية قطعا، ولا بثمن الفاشية. سوريا مكسب عام من حيث أن مقاومة الفاشية في الإطار السوري أنجع من مقاومتها في إطار إقطاعيات أصغر مثل الرقة تحت سيطرة «داعش». لكن الشرط الشارط لأولوية سوريا هو قيام الكيان الوطني على إقرار الجماعات السورية المختلفة كجماعات تأسيسية متساوية في المكانة. بما هي وطن السوريين، يتعين أن تتشكل سوريا بصورة تضمن للسوريين المختلفين أعلى درجة من الحرية والمساواة، وأن يتشكل نظامها السياسي ويصاغ دستورها وقوانينها حول هذا المبدأ.

والأكيد أن سوريا لا تفيض ماهيتها المفترضة على وجودها الفعلي، ككيان وكسكان، هي وحدها التي يمكن أن تكون سوريا ديموقراطية. «الجمهورية العربية السورية» ليست كذلك لأنها، تأسيسيا، تقصي بعض سكانها، وأي تصور إسلامي لسوريا ليس كذلك للسبب نفسه. و»روجوفا» أو «كردستان الغربية» ليست كذلك تأسيسيا أيضا. و»سوريا الأسد» ليست كذلك لأنها قائمة على عبودية السكان . سوريا التي تعرف بسكانها الكثيرين المختلفين وبكيانها القائم هي المؤهلة لأن تكون دولة ديموقراطية.

هذا التشكل عملية صراعية من دون شك، قد لا نكون اليوم في غير الجولة الأولى من جولاتها.

لا شيء يمكن أن يتحقق لنا دون كسب هذه الجولة، وطي صفحة «سوريا الأسد»، و»الأبد» الملازم لها. ولعله يلزم النظر إلى الأبد الأسدي بمزيد من الجدية، ففي تقديرنا أن العقيدة الضمينة للسلالة الأسدية هي التماهي بين السلالة وقاعدة ملكها السورية في «دولة» تدوم قرونا، وليس عقودا. ومن اعتبار سوريا ملكا أسدياً يواجه أي اعتراض داخلي على حكم الأسرة بالحرب مباشرة. ولعله لذلك لم يقدم النظام بعد ثلاث سنوات من الثورة عليه ولا ربع تنازل صغير. ولن يقدم. تكوينه من صنف تكوين أسوأ الأسر الحاكمة في التاريخ: إما حكم مطلق لا ينتهي، أو إبادة لا تبقي أثرا.

فإن لم يتحقق هذا الواجب الذي طرحه علينا التاريخ، تحطيم الدولة الأسدية والتخلص من الحكم السلالي الأبدي، فما سنواجهه ليس العودة إلى كابوس «سوريا الأسد»، بل إلى ما هو أسوأ بكثير، حكم الشبيحة مع احتلال إيراني، أو صراع منحط مفتوح بين إقطاعيات عسكرية طائفية، يدوم عقدا أو عقودا.

ونرجح لأي حكم إسلامي محتمل في سوريا أن يكون إقطاعية طائفية، لا تستطيع فرض نفسها على البلد، وربما تتعايش مع الإقطاعية الأسدية، وتكون بالتالي تجسيدا واقعيا لتقسيم البلد. قد يكون الشيء الجيد الوحيد في حكم «داعش» في الرقة ومناطق من شمال شرق البلد أنه أحرق بصورة نهائية احتمال حكم إسلامي لسوريا. خيارات الإسلاميين منذ الآن تتراوح بين نموذج «داعش»، أي إقطاعة دينية عسكرية تدخل في حرب مع محيطها، وبين الاندراج كحزب أو أحزاب سياسية مثل غيرها في سورية ديموقراطية. ليس هناك حكم إسلامي معتدل. الاعتدال هو الديموقراطية.

ولدت سوريا كدولة وطنية ترابية قبل أقل من قرن. هذا هو «برنامجها الوراثي». تحويلها إلى شيء آخر يعني تدميرها، أو تحويلها إلى كائن مسخ. نعلم هذا من تجربة تحويلها إلى مملكة أسدية. ولن يكون الحال إلا بالسوء نفسه أو أكثر إن جرى تحويلها إلى دولة إسلامية. لدينا مثال كابوسي على هذا الحكم منذ الآن، والتجربة مُحكِّمة.

موقع الإسلاميين

القضية الثالثة التي نرى أن جيلا جديا من التفكير السياسي في سوريا يتشكل حولها هي موقع الإسلاميين في الحقل العام. طوال 30 عاما قبل الثورة كان الإسلاميون قوة تغيير في البلد، هذا واقع جرى أخذه في الاعتبار في الجيل السابق. لقد فرض نفسه كمعطى «موضوعي» حين أتيح للسوريين التعبير عن أنفسهم في السنوات المنقضية من هذا القرن، من «ربيع دمشق» إلى «إعلان دمشق»، وصولا إلى «المجلس الوطني» و»الائتلاف». هناك بالفعل اعتراضات على موقع الإسلاميين هذا، لكن لم يصدر شيء منها من مواقع تحررية أو ديموقراطية، بل إن بعضا منها على الأقل صدر من مواقع فاشية (نبيل فياض وما شابه، وكتاباته ليس فقط لم تنتقد، وإنما احتفي بها في أوساط تفضل عادة تعريف نفسها بالعلمانية والحداثة...). كان الإسلاميون هم العدو الشبحي الشرير الذي يمكن قول كل شيء وأي شيء عنه، دون معرفة شيء فعليا عنه، وما يسوغ لمثقفين وتشكيلات سياسية الاصطفاف إلى جانب الفاشية الأسدية في مواجهته. أقصى نقد كان يوجه للنظام في هذ الشأن أنه يقمع يساريين وعلمانيين وليبراليين أيضا، ولا يكتفي بقمع الإسلاميين. لكن هذا كلام يحصل أن يقول ما يقاربه حتى بعض ضباط مخابرات النظام، أو جناحه «اليساري» و»العقلاني» إن جاز التعبير، أعني طائفيين وبرجوازيين «مستنيرين»، لا نفاذ لهم إلى نواة النظام الصلبة، ولا يتبنون برنامج السلالة الأسدي الأبدي.

ونوعية النقد الذي يوجهه هذا الطيف السياسي الثقافي للإسلاميين هو النقد الماهوي، الذي إن لم تكن محركاته طائفية صريحة، فإنه يغيب منها كليا ما يتصل بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وليس في سجله ولو احتجاج حقوقي أو أخلاقي على الأساليب البربرية في معاملة الإسلاميين (أو حتى غير الإسلاميين، السجل متاح لمن يريد الاطلاع). أعني بالنقد الماهوي رد مشكلات مجتمعاتنا المعاصرة إلى الإسلام ذاته، وليس إلى أي شروط سياسية واجتماعية وفكرية نعيش في ظلها. «الإسلام» هو «البنية التحتية» التي لا نفهم أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون إدراك أنها محددة به.

في مواجهة النقد الماهوي ننحاز إلى نقد علائقي، يشرح تشكلات الإسلام التاريخية ذاتها بالشروط الفعلية لحياة الناس، ولا يتعامى عن مشكلات المتن العَقَدي الإسلامي.

وصل واقع الشراكة مع الإسلاميين ذروته ونهايته مع الثورة. من جهة جرت إعادة هيكلة داخلية للطيف الإسلامي لمصلحة السلفيين، وهم أكثر تمركزا حول الذات وإقصاء للغير من التنويعة الإخوانية؛ ومن جهة ثانية أظهر السلفيون، طلائعهم الجهادية بخاصة، من العدوانية والإجرام ما يمثل استئنافا للنظام الأسدي من حيث انتهى وليس حتى من حيث بدأ.

الواقع أن الثورة فجرت التناقض في الشراكة مع الإسلاميين، فهم قوة احتجاج وتغيير سياسي، لكنها قوة تقييد اجتماعي وذات تكوين أبوي في نظرتها إلى المجتمع والسياسة. طالما النظام الأسدي قائم والأمور مستتبة له، يغلب في دور الإسلاميين اعتراضهم السياسي عليه، لكن ما إن بدأت الثورة وحتى قبل أن تحقق هدفها الأولي، إسقاط النظام، حتى شفع نزوعهم التقييدي اجتماعيا والبطريركي بنزوع تسلطي سياسي.

والطابع اللاتحرري العام لفكر الإسلاميين تجسد كروح للشر والقبح في «داعش». لا يكفي القول هنا إن «داعش» تشكيل إسلامي متطرف، وأن الإسلاميين الآخرين لا يتحملون جرائر أعمالها. بالمعنى القانوني لا يتحملون فعلا، بالمعنى الفكري والسياسي يتحملون طبعا، وهم المطالبون قبل غيرهم وأكثر من غيرهم بالمجاهرة بالقطيعة الفكرية والسياسية مع «داعش» ومنهجها التكفيري وممارساتها الإجرامية. حتى المواجهة العسكرية لا تعوض عن ذلك لأنه يمكن أن تحركها اعتبارات المنافسة، أو اعتبارات سياسية ظرفية.

على كل حال يبدو لنا أن الأمور سائرة باتجاه تجاوز تجربة الجيل السابق، وأخذ الوقائع الجديدة بعين الاعتبار، وقائع ميل الإسلاميين الجامع إلى التسلط.

لكن المهم ليس هذا التحول وحده، بل أن يكون من مواقع تحررية وديموقراطية، ومع القطيعة مع النقد الماهوي، ومع المنطلقات الفاشية لمعاداة الإسلاميين في الجيل السابق. هناك طريق مسدود يستحسن ألا نهدر وقتا في السير فيه: استبعاد الإسلاميين عمليا، أو التأسيس الفكري لهذا الاستبعاد. هذا يخدم حصرا الأشد تطرفا بين الإسلاميين، ويضعف الشركاء المحتملين بينهم، وهم موجودون وليسوا نادرين. المهم من جهة أخرى أن تُشفع المخاصمة السياسية والفكرية للإسلاميين بالقطيعة مع مختلف تناسخات البطريركية، وتطوير تجارب تحررية على مستوى التنظيم والتفكير وأنماط الحياة، والتمييز الإيجابي لمصلحة النساء في تجاربنا الجديدة. علينا أيضا أن نمارس حرية الاعتقاد التي ندعو إليها ونجاهر بمعتقداتنا الدنيوية دون حسابات سياسية.

نقدر أيضاً أن الحاجة الاجتماعية لنقد التفكير والسلوك الديني، والتجارب السياسية الإسلامية، تتنامى منذ الآن، وستيعين إشباع هذه الحاجة بمفاهيم وقيم تحررية، لا يستطيع الإسلاميون توفيرها، ويعرض التفكير «الحداثي» عجزا ثابتاً عن توليد مثلها أيضاً.

سياسة الشتات السوري

وهناك قضية تفرض نفسها اليوم دون سابقة، أو بسابقة محدودة لم تتأسس عليها سياسة: قضية الشتات السوري. لدينا اليوم مليونان ونصف المليون من السوريين في مناف قريبة وبعيدة، أكثرهم في لبنان وتركيا والأردن والعراق، يلقون معاملة غير كريمة غالباً، ويحتاج أكثرهم إلى كل شيء، العمل أولاً، والوضع القانوني الشرعي ثانيا، والسكن والطعام والدواء وتعليم الأولاد ثالثاً. ليس هناك بعد معطيات كافية حول اللاجئين السوريين في بلدان الشتات، ولا توجد هيئة سورية عامة تهتم بأمرهم، وتعمل مع حكومات البلدان المضيفة بما يضمن لهم الحماية، أو على الأقل تنجز دراسات وخرائط عن أوضاعهم في البلدان المختلفة، وعن عدد الضحايا الذين ابتعلهم البحر في دروبهم إلى الشتات الأوروبي. البلدان الأوروبية تفكر في السوري كلاجئ سياسي محتمل، وتنصب حواجز قانونية عالية تحول دون وصول السوريين إليها، أو تقليل عددهم إلى أقصى حد. وتعقد اتفاقيات وتفاهمات مع البلدان المستقبلة للاجئين السوريين كي تحمي نفسها من هذا التدفق الكبير القادم من شرق المتوسط.

وبقدر ما هي تجربة قصوى، تجربة «الحياة العارية»، فإن تجربة الاقتلاع واللجوء والشتات، ومعسكرات اللجوء التي يحصل أن يقضي فيه بعض اللاجئين شهورا أو أكثر، أو ربما يعيشون أيامهم كلها فيها مثل مخيمات اللجوء التركية أو مخيم الزعتري في الأردن، هذه التجربة تصلح منطلقا لتفكير جديد في معنى الوطن والوطنية. ليس وطنا هذا الذي يقوم على العبودية، ويملك حكامه البلد. تجربة الشتات السوري تدين الوطنية البعثية وتزكي القطيعة معها كواجب سياسي أول للسوريين.

وفي الشتات الداخلي، إن جاز التعبير، يعيش نحو 7 ملايين سوري في ظروف قلما تكون أقل سوءا. وليس هناك أيضا معلومات كافية عن أوضاعهم أو جهة محددة تهتم بشؤونهم. كان النشاط الإغاثي الذي استهلك الكثير من طاقة ثائرين منذ شهور الثورة الأولي يجري بدوافع التضامن أو حتى كشكل للمشاركة في الثورة، لكن دون أطر عمل منظمة وموارد كافية، ودون تغطية جميع مواقع الشتات الداخلي، فضلا عن حاجات السكان المحاصرين في العديد من مناطق البلد.

كان كل شيء يعطي الانطباع بأن المشكلة قصيرة الأمد وإن تكن بالغة الحدة. ولقد حال هذا الانطباع دون بلورة سياسة مناسبة للشتات الداخلي والخارجي. أنسب اليوم أن نفكر في قضية الشتات السوري مثلما نفكر في الشتات الفلسطيني، قضية مديدة قد تدوم سنينا وعقودا. وقد لا يتأخر الوقت قبل أن ندرك أن النظام الأسدي ليس أقل سوءا من إسرائيل، ولا حلفاءه أقل سوءا من حلفائها.

وإلى تجربة الشتات تفرض نفسها بعد حين قضايا إعادة الإعمار واحتمال أن تكون مدخلا لضرب جديد من الهندسة الاجتماعية في أفق ليبرالي جديد، سواء على يد النظام، أو على يد أطراف محسوبة اليوم على الثورة.

في المجمل تفرض نفسها منذ الآن سياسة الشتات السوري. المعلومات عن اللاجئين أعدادا ومواقع وشروط حياة وأوضاعا قانونية، والموارد اللازمة لسد حاجاتهم، والهيئات التي تتابع هذه القضية في البلدان المختلفة وفي الداخل، مواضيع أولية لسياسة الشتات. أما الهدف النهائي لهذه السياسة فهو العودة وحق العودة إلى البلد.

بداية جديدة

الوجهة العامة لهذه التقديرات حول الهوية والدولة والإسلاميين هي الروح التحررية المبدئية للثورة السورية. المسارات المتعرجة التي سلكتها الثورة خلال ثلاث سنوات لا تنال من حقيقة أن القيم المحركة للثورة هي العدالة والمساواة والحرية والكرامة الإنسانية، بل إن هذه المسارات مسوغ أقوى للتمسك بها ومحاولة التأثير على الواقع في اتجاهات موافقة لهذه القيم.

الأكيد في تصورنا أن جيلا قد انتهى. أن حساسية جديدة ومفاهيم جديدة في سبيلها إلى التشكل.

وبينما تنطوي صفحة جيل الأنوات بعد ربع قرن أو ثلاثة عقود من ظهوره، وتنطوي معها خصوماته الغامضة وحروب المكانة التي لا تنتهي يخوضها وجهائه، لعلنا نشهد اليوم ظهور جيل أبوات جديد، إسلامي، ثقيل الظل واليد والدم. يملأ هذا الجيل موقع المقاومة التحررية الشاغر بفعل إخفاق مقاومة جيل الأبوات وتقادمها في الوسائل والمعاني، وبفعل ضمور العناصر التحررية في تفكير وسلوك جيل الأنوات الذي أتى بعدهم. لكن جيل الأبوات الإسلاميين، بأسماء أبي فلان وأبي علان، وبلحى طويلة، وبطائفية بدئية، وقيم بطريركية معاية للنساء، أضيق أفقا وأشد عقما من سابقيه.

لا نتصور مخرجا من الأبواتية الجديدة غير تفكير وتجارب تحررية جديدة، لا في اتجاه الأبواتية القديمة وإيديولوجياتها العملية، ولا باتجاه الأنواتية ومذهبها الأناني. تجاربنا الجديدة ستكون مرتجلة وغير ناضجة دونما شك في بداياتها. لكن ليس هناك بدايات ناضجة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في تقدير الموقف : سنة رابعة ثورة .. في مراجعة موقف واستشراف موقف

20.03.2014

زهير سالم

وتدخل ثورتنا عامها الرابع ، وسط تكشف المزيد من الحقائق ، وبروز الكثير من المستجدات والتحديات السلبية منها والإيجابية ، ووسط امتلاك المعنيين بالثورة على كل صعيد الكثير والكثير من المعطيات . لقد أصبحنا ونحن غرة العام الرابع من الثورة في مقام من يقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرت . وها نحن نريدها على ألسن فرق من رجال الرأي والفكر نريدهم أن يعيدوا استقبال الأمر الذي استدبروا وأن يعيدوا استشراف موقف جديد لمصلحة الأمة والشعب والثورة ومشروعها الحقيقي . دعوة للتفكير أضع بين يديها هذه الرسائل السبع ...

الرسالة الأولى : أن الاسترسال الطريقة غير المنتجة تجعلنا ندور في مثل تيه بني إسرائيل أربعين سنة ..!!

الرسالة الثانية: أن الفرق بين الثبات والتصميم يجليه للعارفين وطالبي العلم ما كان من أمر رسول الله يوم بدر بين غير ذات الشوكة وذات الشوكة ثم ما جرى تحت أسوار الطائف في حصارها الأول ....

والرسالة الثالثة : وهي رسالة مهمة أن للموقف الواحد عند تقديره آفاقا عديدة ، وزوايا نظر مختلفة ومتباينة ، وإنه لن يقدر الموقف حق قدره من يكون حبيس زاوية رؤية واحدة . أو من يخطف عينيه أفق واحد تتسمران عنده ..

والرسالة الرابعة : أن المواقف الإنسانية والدعوية الخالدة التي صنعها الأبطال عبر التاريخ من قادة وشعوب ، وكان حظ أمتنا منها كبيرا ، جلها قامت على التضحية بمنافع اللحظة تساميا فوق كل مشاعر الرغبة والرهبة والحرص الطمع والخوف أو حب الانتقام  ...

الرسالة الخامسة : أن جملة المستجدات والتحديات التي فُرضت على مسيرة الشعب السوري نحو مشروع دولته وعدالته وكرامته أصبحت أكبر من أن تُغفل ، وأكثر من أن تُتجاوز ، ولم تعد هذه المستجدات مجرد مدخلات إضافية على المشروع الأصلي بآفاقه ، أو على الصراع الأساسي بين محوريه .   وكل ذلك يقتضي شجاعة في المراجعة ، وقدرة على اتخاذ قرارات جريئة وصعبة ، بالعود الحميد بالتفكير إلى نقطة البداية لإسقاط المعطيات التي يجب إسقاطها ، وإغفال الوعود التي نكث أصحابها ، والبناء على الصحيح من الصداقات ، وطرح ما تبين زيفه من الأوراق ...

الرسالة السادسة : تفرض علينا أن نتساءل هل ضرورات المعركة في ظروفها التي تزداد صعوبة يوما بعد يوم تجيز لنا أن نتحالف مع مشروعات عن يمين وشمال تتناقض مع أصل مشروعنا ؟! أو أن نسكت على ما ثرنا رفضا لمثله ، وضحينا بكل هذه الدماء الزكية العزيزة طلبا للخلاص منه ؟!

الرسالة السابعة : ما يزال هناك الكثير مما يمكن أن يقدم أو أن يقال إن تقدير الموقف واستشراف آفاقه وأبعاده أكبر من أن تحيط بها أسطر أو رؤى فردية  ..

إن ما نحن فيه يقتضي لقاءات جادة قاصدة مستدامة لأصحاب الأحلام والنهى من رجال العلم والرأي والفكر والسياسية والتقدير والتدبير ...

تلتقي مجموعات التفكير على في دوائر يضم أفرادها اختصاص ليستقبلوا من أمرهم الذي استدبروا . ولينصحوا لأمتهم ولشعبهم ولوطنهم في عصر عز فيه الناصح وقل الناصر ..

دعوة تخص وتعم وتنداح في دوائرها إلى مجموعات عشرية يضبطها أولا تقوى الله ثم القول السديد عسى أن تصلح أعمالنا ...

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ )) ..

لندن : 18 / ربيع الآخر / 1435

19 / 3 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في الحاجة لرد استراتيجي عربي على الاتفاق الاستراتيجي بين أمريكا وإيران

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 16/3/2014

في الحاجة لرد استراتيجي عربي على الاتفاق الاستراتيجي بين أمريكا وإيرانمنذ أسبوعين، أجرى جيفري غولدبيرغ، الصحافي في مجلة The Atlantic الأمريكية، لقاءً مطولاً مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يأخذ حظه المطلوب من الدراسة والتحليل لجهة استقراء ومعرفة المحددات الاستراتيجية للموقف الأمريكي من إيران تحديداً، ولسياستها في المنطقة بأسرها تبعاً لذلك.

ولئن كان التقصير الإعلامي العربي مألوفاً في مثل هذه القضايا، باستثناء إشارة من الإعلامي عبد الرحمن الراشد إليها، فإن على أصحاب القرار والجهات الرسمية ذات العلاقة في العالم العربي إجمالاً، وفي الخليج العربي تحديداً، أن تأخذ الإشارات الواردة في اللقاء بكثيرٍ من الاعتبار في مجال تفكيرها بالحاضر والمستقبل.

كانت ثمة مؤشرات في المرحلة الماضية على أن الإدارة الأمريكية تستخدم موضوع النووي الإيراني بشكلٍ عام، وتهديده لإسرائيل تحديداً، كعاملٍ أساسي وراء الحراك السياسي العالمي الذي تقوده تجاه إيران بكل أنواعه وتجلياته. لكن المقابلة المذكورة تريد أن توحي بأن ذلك الموضوع بات العنصر الثابت في تشكيل سياسة الإدارة تجاه المنطقة بأسرها. أما كل شيءٍ آخر فقد صار بمثابة تفاصيل ومتغيرات يمكن التعامل معها تكتيكياً، بما في هذا المصالح العربية .

ورغم أن إسرائيل نفسها لاتزال تُشكك في أن سياسات الإدارة الأمريكية تجاه إيران تتمحور حول هذا الهدف، إلا أن الإدارة تستند عليه كأرضيةٍ قوية لوضع وتنفيذ رؤيةٍ أكثر شموليةً للمنطقة، من المرجح أن تحتوي على محاولات جدية لإعادة رسم الخرائط والتحالفات وطبيعة النزاعات والتناقضات بما يحقق مصالح استراتيجية كبرى لها .

كان واضحاً في اللقاء أن أوباما يضع جميع النقاط على الحروف ، وجاء هذا بصراحة ووضوح. فمن ناحية نفى بشكلٍ قاطع كل الدعاوى التي تتحدث عن قدرة أمريكا على التعامل بنجاح مع إيران نووية.

ومن ناحية أخرى، أظهر درجةً عالية من الفهم للنظام الإيراني وطبيعة تفكيره حين قال: "بدون أي درجة من الوهم تجاه طبيعة النوايا الإيرانية، وبعيداً عن امتلاك أي نظرة ساذجة لطبيعة النظام، ينبغي القول أنهم أصحاب مصالح".

كان هذا مدخلاً بعد ذلك لسلسلة من التصريحات المتتالية التي تؤكد على تلك الجملة الأخيرة كمدخلٍ رئيس لما يبدو اتفاقاً استراتيجياً مع إيران.

فعندما سأله الصحافي عن تصريحات مارتِن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية، والتي وصف فيها قادة النظام الإيراني مؤخراً بأنهم "عقلانيون"، تحدث أوباما قليلاً عن دكتاتورية النظام وقمعه لشعبه. لكن هذا لايأتي في أولويات عناصر صناعة السياسة. من هنا، تابع قائلاً بعدها: "أظن، وهذا ما أعتقد أن الجنرال ديمبسي قصده، أنه لو أننا نظرنا كيف يعملون وإلى القرارات التي اتخذوها خلال السنوات الثلاثة الماضية، فإننا نجد أنهم يهتمون بنجاة واستمرار دولتهم. إنهم حساسون لآراء الناس كما أنهم منزعجون من العزلة التي يواجهونها. إن لديهم قدرة على أخذ قرارات على أرضيةٍ تجنبهم المآلات السيئة من وجهة نظرهم. لهذا، فإنهم إذا ما وُجِهوا بخيارات يمكن أن تسبب لهم الكثير من الألم، أو يكون فيها مسارٌ أفضل، فإنه ليس من المستبعد أن يأخذوا القرار الصحيح".

وفي إجابة على سؤال آخر، وبعد الحديث عن العصا المتمثلة في العقوبات والمقاطعة الدولية لإيران وكيف قادتها أمريكا بقوة، تحدث أوباما عن ضرورة المحاولة للوصول إلى حلٍ دائم مع الإيرانيين، فقال: "إن من الممكن إدارة اندماجهم. فإذا أمكن لهم أن يتغيروا. إذا أمكن لهم، في الحقيقة، كنتيجةٍ لصفقة مقابل برنامجهم النووي، فإن اقتصادهم يصبح مندمجاً أكثر في المجتمع الدولي، ... وسيكون هذا بكل تأكيد نتيجةً يجب أن نسعى إليها جميعاً".

ربما يكفي هذا لدفع أصحاب العلاقة إلى إعادة النظر في كثيرٍ من السياسات الراهنة في المنطقة، وإلى العمل من جديد على إحداث اختراقات بينية في الوضع السياسي الإقليمي.

لكن محتوى المقابلة يحمل المزيد من مؤشرات الخطر التي يصبح التغاضي عنها وعن دلالاتها نوعاً من الانتحار. ففي لفتةٍ فارقة، يسأل الصحافي الرئيس الأمريكي عن رأيه فيما إذا كان يرى خطورةً أكبر في التطرف السني أو التطرف الشيعي.

هنا يطرح أوباما وجهة نظر لايمكن الهروب أبداً من دلالاتها الاستراتيجية الخطيرة على مستوى الرؤية السياسية وعلى مستوى القرارات العملية التي يمكن أن تُبنى عليها. ذلك أن الرجل تهرب من الإجابة المباشرة على السؤال، لكنه أجاب عليه بطريقة معبرةٍ جداً ، إذ يقول أوباما: "ما سأقوله هو أنك إذا نظرت إلى السلوكيات الإيرانية فستجد أنها استراتيجية، ولاتأتي على شكل ردود الأفعال. إن لديهم رؤية متكاملة للعالم، وهم يدركون مصالحهم، ويستجيبون لمعادلة الأرباح والخسائر... إنهم دولة كبيرة وقوية ترى نفسها كلاعب مهم على المسرح العالمي، ولا أعتقد أن لديهم أمنيات انتحارية، وهم يستجيبون للحوافز".

هل كان أوباما بحاجةٍ لأن يجيب بشكلٍ مباشر عن السؤال أعلاه؟ الجواب هو النفي بالتأكيد لأن إجابته أبلغ بكثير من أي إجابةٍ مباشرة.

تحدث أوباما عن عقلانية الإيرانيين وبراغماتيتهم، وتحدث عن "خلق توازن بين السنة والشيعة"، وعن حاجة دول المنطقة للتعايش مع سياساته والاعتياد عليها، وعن غير ذلك من القضايا الحساسة والخطيرة.

ومن الواضح من استقراء الأحداث أن مايمكن أن نسميه صفقةً استراتيجية كبرى تمت أو في طريقها للاكتمال بين النظام الإيراني والإدارة الأمريكية.

وليس مستبعداً على الإطلاق أن يتمثل أحد عناصر الصفقة في تقديم إيران لضمانات محددة تتعلق بأمن إسرائيل من ناحية، وفي تأمين المصالح الأمريكية من ناحية أخرى.

نعم، الإيرانيون براغماتيون جداً، والذي يعرف طريقة تفكيرهم ومداخل سياستهم الداخلية يمكن أن يستقرىء أن قادة إيران أقنعوا أنفسهم بتقديم هذه الضمانات حفاظاً على دولتهم ومصالحها. وفي منطق الحسابات، سيقولون لشعبهم أنه تم تأجيل نصف (المشروع الإيراني) المتعلق بدعاوى المقاومة ومحاربة الشيطان الأكبر إلى المستقبل، في مقابل تحقيق نصفه الآخر المتعلق بالهيمنة على المنطقة في هذه المرحلة.

كيف يقرأ أصحاب العلاقة هذا المشهد الاستراتيجي الحساس وكيف يتعاملون معه؟ من الواضح أن القراءة الراهنة، وماينتج عنها من سياسات، لاتكفي إطلاقاً لاستجابةٍ فعالة للقادم الخطير. لامفر إذاً من مراجعةٍ خلاقة وجذرية تحرص على توظيف كل الأوراق الممكنة في مواجهة هذا التحدي الخطير، ولو اقتضى الأمر اختراقات قد تكون غير مألوفة في عالمنا العربي، لكنها اختراقاتٌ لايُستغنى عنها في السياسة الدولية، وهاهي إيران وأمريكا تُقدم لنا نموذجاً عنها هذه الأيام.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

خلاصات في ثلاث سنوات سورية

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 16/3/2014

تشير بعض التقديرات المتصلة بالقضية السورية إلى اقتراب عدد الضحايا الذين أصابهم الصراع في سوريا بصورة مباشرة من مليون شخص قتلوا وفقدوا وتحولوا إلى معاقين وسجناء مجهولي المصير، وهناك نحو خمسة ملايين سوري لاجئين أو مهجرين خارج البلاد.. وضِعف هذا العدد مشردون من بيوتهم إلى مناطق أخرى في سوريا، بل إن بقية السوريين، لم يكونوا بمعزل عن التأثر بنتائج ما حصل في سوريا عبر السنوات الثلاث الماضية من ثورة السوريين على نظام الأسد، والتي يمكن القول إنها صاحبة أكبر فاتورة في الصراعات الداخلية التي شهدها العالم في القرن الماضي.

ورغم فظاعة فاتورة الصراع، فإن نتائجه غير محسومة، حيث النظام ما زال قائما، وثورة السوريين ما زالت مستمرة، وثمة أسباب كثيرة، لكن السبب الرئيس يكمن في التدخلات الإقليمية والدولية المستمرة والتي فتح نظام الأسد بابها في الشأن السوري، ويستمد النظام قوة بقائه من تلك التدخلات، وأهم اختصاراتها دعم سياسي أبرزه الدعم الروسي الذي كبّل مجلس الأمن عن اتخاذ قرارات حاسمة ضد نظام الأسد وسياساته وممارساته، ودعم إيراني لوجيستي، يشمل المساندة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستخبارية، ثم دعم بالقوة العسكرية المباشرة من خبراء روس وجنود إيرانيين ومقاتلين من حزب الله وميليشيات عراقية وغيرهم.

إن أهمية التدخلات الخارجية في بقاء نظام الأسد، لا تخفف من أثر سبب آخر منع انتصار السوريين في ثورتهم على النظام، وهو فشل تشكيلات المعارضة السورية الضعيفة أصلا في الوصول إلى وحدة سياسية وعملية لمواجهة النظام، رغم اتفاقها وتوافقها على ضرورة إسقاطه.. بل إن هذا الفشل وضعف المعارضة أديا إلى نشوء بيئة ساعدت في تسلل وتنامي جماعات متطرفة، أبرزها المنتمية إلى «القاعدة» وأخواتها مثل جبهة النصرة، ودولة العراق والشام الإسلامية (داعش)، والتي عملت ولا تزال على أخذ ثورة السوريين إلى غير أهدافها، وهذا موضوعيا قدم خدمات كبيرة للنظام ولا سيما على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية، وكرس مستويات مختلفة من الصراع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام أساسها صراع بين جماعات التطرف وتشكيلاتها المسلحة وقوى الثورة المدنية والعسكرية في تلك المناطق.

لقد جاء مؤتمر «جنيف 2» في ظل تعقيدات الصراع في سوريا وحولها، وكان هدف المؤتمر فتح بوابة لحل سياسي للقضية السورية، كما هو معروف. غير أن هدفا كهذا كان بعيد المنال وصعب التحقق، والسبب الرئيس معارضة نظام الأسد لفكرة الحل السياسي، وهو سلوك تكرس منذ اندلاع الأحداث في سوريا قبل نحو ثلاث سنوات، برفض النظام كل محاولات الحل المحلية والإقليمية والدولية وآخرها «جنيف 2»، وإصراره على المضي في مشروع الحل الأمني العسكري الذي يواصله اليوم.

وإذا كانت المعارضة السورية أكدت ميلها إلى الحل السياسي عبر المشاركة في «جنيف 2»، وهو ما تجسد عمليا في طروحاتها وسلوكياتها في المؤتمر والمتوافقة مع محتوياته الأساسية وخاصة لجهة إنشاء هيئة حكم انتقالي بكامل الصلاحيات وتنفيذ «جنيف 1».. فإن النظام كرّس العكس في الطروحات وفي الممارسات التي جسدها ساعيا إلى أخذ المؤتمر إلى غايات أخرى منها البحث في موضوع الإرهاب، عاملا على كسب الوقت في حربه على السوريين لإخضاعهم، وسط ضعف في مستوى الأداء الدولي والأممي بما في ذلك أداء رعاة «جنيف 2».

إن رفض النظام الانخراط في عملية سياسية تعالج القضية السورية في جوهرها، يمثل سببا رئيسا في فشل «جنيف 2»، كما أن ضعف الموقف الدولي في التعامل مع سياسات ومواقف نظام الأسد ومع مجمل القضية السورية ومجرياتها، هو سبب آخر، وكان التخلي الروسي عن التزامه بمحتويات «جنيف 2» وهدفه، يمثل السبب الثالث في عوامل فشل «جنيف 2».

ومما لا شك فيه، أن فشل «جنيف 2» في فتح بوابة لحل سياسي في سوريا، أعطى ويعطي دفعة من الزخم لقوى التطرف الديني والقومي التي ستذهب في موازاة تطرف وتشدد النظام ودمويته المتصاعدة، مما يساعد في تعميم عمليات القتل وتوسيع رقعة الدمار، ويزيد في أعداد المشردين والمهجرين واللاجئين، وهذا ما تؤكده الوقائع الراهنة في سوريا، والتي من بين أبرزها توضيح الاختلاف بين القوى المنتمية للثورة من الناحيتين السياسية والعسكرية، وقوى التطرف الديني والقومي، وهو أمر لا يظهر فقط في التجاذبات السياسية - العسكرية، التي صارت مكرسة في تشكيلات تخص كل طرف، وإنما أيضا في إعلان الافتراق والاختلاف السياسي حول هدف كل منهما، حيث قوى الثورة تسعى من أجل دولة ديمقراطية توفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين، بينما تسعى قوى التطرف الديني إلى دولة دينية بملامح متعددة تدور ملامحها قريبا من فكرة تنظيم القاعدة عن الدولة الإسلامية، وقد أدت التجاذبات ولا تزال إلى تصادم سياسي ومواجهات عسكرية كثيرة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بالتزامن مع حرب يشنها نظام الأسد في كل المناطق السورية.

إن استمرار الصراع السوري في نتائجه المحلية التي وصلت إلى عمق الكارثة، وفي نتائجه الإقليمية والدولية، والتي أخذت ملامحها تتوالى في مشاكل سياسية واقتصادية وأمنية وخاصة في دول الجوار وفي الأبعد منها وصولا إلى العمق الأوروبي، سيكون ذلك بين عوامل تغيير في السياستين الإقليمية والدولية حول القضية السورية، وهو ما يمكن أن يساعد السوريين في إعادة ترتيب وحدة صفوفهم وأوضاعهم السياسية والعسكرية، واستعادة روح الثورة في الحرب ضد نظام محمول على قوة التدخل الخارجي وما يقدم إليه من دعم وإسناد، لن يمنع من تداعيه وانهياره لو توفرت جدية دولية وأممية في التعامل معه ومع سياساته وممارساته الدموية، وسوف يقود تعاون سوري تمثله المعارضة بشقيها السياسي والعسكري مع المجتمع الدولي في مواجهة نظام الأسد وجماعات التطرف إلى خلق قوة تغيير قادرة على تغيير النظام وخلق نظام ديمقراطي جديد في سوريا، ولو بالمرور عبر مرحلة انتقالية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

على أبواب سايكس ـ بيكو جديدة

حسين العودات

البيان

الاثنين 17/3/2014   

لوّح تقرير بريطاني إلى احتمال إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، التي كانت قد رُسمت باتفاقية سايكس ـ بيكو. وقال التقرير، الذي نشرته صحيفة "التايمز"، إن الصراع الدائر في سوريا منذ أكثر من ثلاثة أعوام، لن ينتهي إلا بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.

ورأى كاتب التقرير الصحافي والمحلل البريطاني أنطوني لويد، أنه ربما لا يرغب أحد في الإقرار صراحة بأن تقسيم سوريا، وفق أسس طائفية وفيدرالية، قد يكون حلاً محتملاً ينهي الأزمة المستمرة.

تتداول الأوساط السياسية في المنطقة وفي المنظمات الإقليمية والدولية، حال بلدان الشرق الأوسط الحالية والمقبلة، وخاصة بلاد الشام، التي رسمت حدودها اتفاقية السياسيين سايكس الفرنسي وبيكو البريطاني، قبيل رحيل السلطنة العثمانية عنها، وأصبحت هذه الحدود، خلال أكثر من تسعين عاماً منذ ذلك الوقت، حدوداً سيادية ثابتة وراسخة بين هذه البلدان، حتى كادت تصبح أيقونة مقدسة.

قسمت اتفاقية سايكس ـ بيكو بلاد الشام، التي كانت ولايات تابعة للسلطنة العثمانية المركزية في إسطنبول، إلى أربع دول هي سوريا ولبنان وشرق الأردن وفلسطين، وطالت خرائط التقسيم بعض أراضي العراق، وأبقت أراضي الأكراد مجزأة بين العراق وسوريا وتركيا وإيران، وحرمتهم من إقامة دولة كردية لهم، كما أبقت لواء الإسكندرون السوري ذي الأكثرية العربية في ذلك الوقت معلقاً.

ثم بادلته فرنسا فيما بعد مع تركيا مقابل بقائها على الحياد في الحرب الثانية، وتُركت فلسطين أيضاَ معلقة في انتظار إقامة دولة إسرائيلية فيها تنفيذاً لوعد بلفور، وأعطت لفرنسا الحماية على سوريا ولبنان، ولإنكلترا على شرقي الأردن وفلسطين، ثم أقرت عصبة الأمم هذه الحماية، وحققت الاتفاقية بذلك مصالح الدولتين الأوروبيتين (بريطانيا وفرنسا) إلى أمد بعيد.

جرت تعديلات فيما بعد على الاتفاقية الأساسية، فقد ضم الانتداب الفرنسي أربعة أقضية من سوريا إلى لبنان وسماه دولة لبنان الكبير، ووهبت فرنسا لواء الإسكندرون إلى تركيا نهائياً.

وبقي خط الحدود وهمياً بين هذه الدول التي لا تفصلها عن بعضها جبال ولا أودية، ورُسمت الحدود على الورق، وكانت مضحكة، حيث نجد بلدة في دولة وأراضيها الزراعية ومجالها الحيوي في دولة أخرى، ويقيم نصف العائلة من سكانها هنا ونصفها الآخر هناك.. وهكذا.

تغيرت الظروف والشروط الموضوعية في المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة، وكذلك بعد تغير مضامين المفاهيم الوطنية والقومية ومفاهيم السيادة، في ضوء الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة، وصار الجميع الآن، أعني الشعوب والأنظمة في المنطقة، يعترفون، ولو ضمناً، بضرورة إعطاء الأكراد حقوقهم القومية والثقافية، كما تفجرت التناقضات الإثنية والطائفية وغيرها (لأسباب متنوعة).

وفي الخلاصة، وفي ضوء هذه الظروف المستجدة، ترددت (أوروبياً وأميركياً وفي أوساط الهيمنة الاستعمارية) فكرة إجراء تعديل جدي على الحدود القائمة حالياً بين دول بلاد الشام وتركيا وإيران، وإقامة الدولة الكردية، وكذلك كيانات للأقليات الإثنية والطائفية التي "تم النفخ فيها" حتى كادت أن تنفجر

. ولا شك أن هذه التعديلات سوف تؤدي، إن حصلت، إلى إقامة حدود جديدة وسيادات جديدة، لابد أن ترافقها مفاهيم جديدة للسيادة والمصالح الوطنية، بل والمصالح القومية، ولفكرة القومية العربية والوحدة العربية وغيرها من المفاهيم التي كانت سائدة طوال ما يقارب القرن، قبل هيمنة النظام العالمي الجديد والعولمة.

إنه لمن المهم أن ترى القيادات السياسية والثقافية العربية، وقيادات الأحزاب والتيارات السياسية والاجتماعية والقومية هذه الظروف (والمشاريع) التي تلوح في الأفق، وتستعد لمواجهتها وأقلمتها مع مصالح البلاد والشعوب، وتجاوز مخاطرها بأقل الخسائر الممكنة.

خاصة وأن قوى أجنبية عديدة إضافة إلى إسرائيل، بدأت العمل لمزيد من تمزيق المنطقة، وتعميق العداء بين شعوبها، وإنهاكها بالتطرف والعنف، ذلك أن طبيعة التطور العالمي، ومصالح الدول الكبرى، والأهداف الإسرائيلية والصهيونية الضاغطة، ومفاهيم ما بعد الحداثة، ومضامين القيم السياسية والوطنية والقومية الجديدة، تهيئ الظروف لقدوم هذه المرحلة قريباً، مما يتطلب من جميع التيارات السياسية والنخب الوطنية والأنظمة والدول، الاستعداد لها لاستيعابها قبل أن تحدث نكسات جديدة.

فلم يعد الصلف والتعصب، والصراع على السلطة، وعدم رؤية الواقع وقصر النظر تجدي نفعاً، كما أنه من الخطأ الكارثي تجاهل التحولات القائمة والضرورات المستقبلية، أو الإصرار على تطبيق قوانين وقيم الماضي السياسية والأيديولوجية على الحاضر، وإهمال الصراعات القائمة والمحتملة التي تُسرع الخطى، ولا تسمح بالانتظار كثيراً، وخاصة لشعوب مثل شعوبنا الفقيرة الضعيفة المغلوبة التي تفجرت فيها أخطر التناقضات، وغالباً ما تباغتها الأحداث.

أسست اتفاقية سايكس ـ بيكو عديداً من المصاعب والمخاطر التي شغلت شعوب بلاد الشام ودولها ما يقارب القرن، ونجحت في تحقيق أهداف الاستعمار القديم (الكولونيالي)، ولم يعد مبرراً الآن إلقاء تبعات أي تقسيم جديد على الإمبريالية أو الاستعمار الجديد وحدهما، وتجاهل مسؤولية شعوب المنطقة وحكوماتها، خاصة وأن الظروف القائمة والشروط المحيطة، تؤكد حدوث تطورات حتمية قريبة، لن ينجو من سلبياتها إلا من يراها مسبقاً ويستعد لمواجهتها، تمهيداً للخروج منها بدون خسائر أو بأقلها.

الخشية أن يتجاهل القادة والسياسيون العرب هذه المخاطر القادمة التي يعمل كثيرون لتسريعها، وأن تعجز أنظمتنا عن تخطيها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

على عتبة العام الرابع من الثورة السورية

لؤي صافي

الشرق الاوسط

الاثنين 17/3/2014

تدخل الثورة السورية خلال أيام عامها الرابع من الكفاح من أجل الحرية والكرامة، وآفاق الحل السياسي للصراع الدموي في البلاد ما زالت مجهولة، ومعاناة الشعب السوري تزداد حدة يوما بعد يوم. ثمن الحرية والعدالة التي طالب بها السوريون مرتفع، بلغ حتى الآن أكثر من 140 ألفا من الشهداء حسب أكثر الإحصائيات تشددا، وأكثر من 180 ألفا من المفقودين، وملايين من النازحين واللاجئين والمنازل والبنى التحتية المدمرة، وكم لا يحصى من المعاناة والألم وضياع في الإنتاج، وتراجع في الحياة التعليمية والإنتاجية والثقافية.

مؤتمر جنيف الثاني حول سوريا، الذي أعطى الكثير من السوريين أملا بالوصول إلى حل سياسي، انتهى إلى طريق مسدود بعد أن رفض النظام تنفيذ الخطة التي وضعها بيان جنيف والتي تبدأ بتشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية. ممثلو النظام تذرعوا برغبتهم في تطبيق بيان جنيف بندا بندا وادعوا أن البند الأول هو محاربة الإرهاب. البند الأول من بيان جنيف لا يشير من قريب أو بعيد إلى موضوع الإرهاب، ولكنه يتحدث عن وقف العنف في البلاد بالتزامن مع فك الحصار عن المدن وإعادة الجيش إلى ثكناته. بند وقف العنف من بيان جنيف الذي تشبث به ممثلو النظام بعد أن سموه بند محاربة الإرهاب هو البند الأول من النقاط الست التي حملتها مبادرة كوفي أنان في منتصف عام 2012 وقبلها النظام حينذاك، ولكنه لم يعمل بها، كما بين كوفي أنان قبيل استقالته في رسالته إلى الأمين العام للأمم المتحدة.

المساهمون في مؤتمر جنيف الأول أدركوا، بعد محاولات كثيرة سبقته لوقف الاقتتال وإنهاء الصراع الدموي، أن نظام الأسد غير معني بحل الأزمة سياسيا ولذلك حددوا خطة عملية لإنهاء الصراع تبدأ بتشكيل هيئة حاكمة انتقالية يتم اختيار أعضائها بالتوافق بين الحكومة والمعارضة، وتكلف العمل على تنفيذ النقاط الست والإعداد لدستور جديد وانتخابات حرة ونزيهة. لذلك أصر وفد المعارضة على مناقشة آليات تشكيل الهيئة الحاكمة بالتوازي مع بحث ملف العنف والإرهاب، ولكن النظام رفض التعاطي مع جدول الأعمال هذا الذي تبناه المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي وقبله وفد المعارضة. وفد النظام الذي لم يكن مخولا من قبل رئيسه بالحديث عن هيئة حاكمة انتقالية اختار الدخول في حرب إعلامية لإخفاء حقيقة موقفه، واتهم وفد المعارضة بالإصرار على البدء بتشكيل هيئة حاكمة سعيا وراء السلطة، متجاهلا أن الهيئة الحاكمة سيتم اختيارها بالتوافق بين الوفدين، وأن أعضاء تلك الهيئة لن يتشكلوا بالضرورة من داخل الوفود المفاوضة.

نظام الأسد أعلن مرارا وتكرارا على لسان رئيسه بأنه لن يدخل في حوار إلا بعد القضاء على «الإرهابيين»، وهو مصطلح يستخدمه النظام للإشارة للثوار الذين حملوا السلاح للدفاع عن مدنهم وقراهم وأحيائهم ضد هجمات قوات النظام المكونة من قوات النخبة ذات التركيبة الطائفية داخل الجيش ومن الفصائل الشيعية المتحالفة مع النظام. وبينما تجاهل النظام القوة الإرهابية الحقيقية في سوريا، كداعش وفصائل أبو الفضل العباس، واختار الدخول معها في تحالفات استراتيجية، بل والتنسيق تكتيكيا في بعض المعارك كمعركة أعزاز، واجهت قوى الجيش الحر هذه التنظيمات الطائفية الدموية التي تقاتل بعقيدة البعث فتبيح تصفية المعارضين والخصوم السياسيين، ولكنها تختبئ خلف شعارات وادعاءات إسلامية تلتزم ببعض أشكال الإسلام التاريخية، بينما تتعارض كليا مع روحه السمحة وقيمه الإنسانية السامية.

سعي النظام للوصول إلى حسم عسكري وهم كبير وسعي وراء سراب، فالحل الوحيد الممكن في سوريا اليوم هو الحل السياسي الذي يحقق أهداف الشعب في المشاركة السياسية وحرية الرأي والتنظيم وبناء دولة القانون التي تسمح بمساءلة القيادات السياسية وتحقيق العدالة. قيادة النظام التي استخدمت كل الأدوات المتوفرة لديها، من أمن وجيش واقتصاد، للبقاء في السلطة عملت على تدويل الصراع بالاعتماد على ميليشيات لبنانية وعراقية وإيرانية ذات هوية طائفية واضحة. ومع تزايد حجم وجود قوى خارجية على الأرض السورية، والاعتماد على دعم مالي وعسكري خارجي متزايد، وحصول النظام على الكميات الأكبر والنوعية الأفضل من هذا السلاح، تراجع القرار الوطني، وانتقل التأثير إلى القوى الإقليمية والدولية الفاعلة على الساحة السورية والمتدخلة في الشأن السوري. سوريا اليوم مستباحة إقليميا ودوليا، وحديث النظام عن سيادة وطنية يأتي من باب ذر الرماد بالعيون. فالنظام كالمعارضة يعتمد اليوم على دعم إقليمي ودولي لمواجهة الطرف الآخر، والطريقة الوحيدة لعودة السيادة إلى السوريين هي الوصول إلى حل سياسي بين الأطراف السورية المتنازعة، وبالتالي القبول بتشكيل هيئة حاكمة انتقالية بكامل الصلاحيات، تعمل على إنهاء الاقتتال وبدء العملية الانتقالية نحو نظام جديد يحقق سيادة الشعب السوري.

الخيارات المتوفرة أمام السوريين أصبحت اليوم واضحة: إقامة دولة المواطنة التي تحترم حقوق السوريين بكل مكوناتهم، والتي تعمل على إعادة إعمار سوريا وتحويلها إلى دولة ناهضة، أو الاستمرار في صراع عسكري يمكن أن يمتد إلى عقد من الزمن، تتحول فيها سوريا إلى دولة فاشلة شبيهة بالدولة الأفغانية أو الصومالية. ولأن الخيارات واضحة فإن السوريين مطالبون اليوم باتخاذ القرار الذي يمنع انهيار دولتهم، ويعينهم على إقامة دولة ناهضة تحمي أبناءها وتسمح لهم بالعمل لبناء حياة كريمة لهم وللأجيال القادمة، وبالتالي الإصرار على الوصول إلى حل سياسي وفق إطار بيان جنيف.

السوريون مطالبون باتخاذ القرار الذي يمنع انهيار دولتهم ويعينهم على إقامة دولة ناهضة تحمي أبناءها، وتسمح لهم بالعمل لبناء حياة كريمة لهم وللأجيال القادمة. وهذا يتطلب تغييرا جذريا في الطروحات المتداولة ضمن دوائر السلطة والمعارضة. في دوائر المعارضة، يجب على كل القوى الثورية والسياسية الالتزام بالرؤية الأساسية التي اجتمعت حولها قوى المعارضة، وحظيت بدعم دولي واسع، والمتمثلة بقيام دولة المواطنة التي تحترم الحقوق والتعددية السياسية والدينية داخل البلاد. وهذا يعني أن على القوى الثورية والفصائل الإسلامية الالتزام بهذه الرؤية الجامعة التي تتفق من حيث المبدأ مع قيم الإسلام المؤكدة على الحرية الدينية والشورى واحترام الخلافات العقدية. أما في دوائر السلطة، فإن المطلوب التخلي على مفهوم دولة الأسد، والزعيم المتعالي عن المساءلة والمحاسبة، وإنهاء نظام الأسرة التي اختطفت الدولة خلال العقود الماضية، والقبول بعملية التحول السياسي، الذي يسمح بظهور قيادة سياسية جديدة يتم تمثيلها في هيئة حاكمة انتقالية تتمتع بدعم أطياف الشعب السوري جميعا.

* عضو الهيئة السياسية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية والناطق الرسمي باسمه

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هذي دير الزور… وحبّها ذبّاح!

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 17/3/2014

على أعتاب السنة الثالثة للانتفاضة الشعبية السورية (التي تحلّ يوم 18 آذار/مارس، في يقيني، إنصافاً لبشائر حوران الأسخى، وليس إجحافاً بحقّ الشرارات الثورية التي سبقت، يوم 15 آذار تحديداً)؛ أجدني أذهب إلى مدينة سورية فراتية، حيّة وحيوية بقدر ما هي شهيدة، وأصـــيلة مجيدة، تكبر على جراحاتها اليومية، وتشمخ كلما تعدّدت عذاباتها وتضاعفت.

إنها دير الزور، مدينة ‘دوّار المدلجي’، تلك الساحة التي صارت امتداداً رمزياً، انبثق أيضاً عن اتصال جغرافي طبيعي، لساحة العاصي في مدينة حماة؛ فولدت هذه التوأمة التلقــــائية بين مدينـــتين تشاركتا في بلوغ ذلك الرقم الذهبي الذي انتظرته سورية منذ انطلاقة الانتـــفاضة، وارتعدت له فرائص أجهزة النظام: قرابة مليون متظاهر، في نهار واحد.

دير الزور، كذلك، أدخلت طرازاً من ‘الامتياز في تنويع أنساق التظاهر، كان جديداً وطريفاً؛ وأسهم في تطوير مهارات الالتفاف على أساليب العنف الوحشية التي تعتمدها أجهزة النظام الأمنية لقهر الإنتفاضة السورية، من جهة أولى؛ كما نفع في اجتذاب المزيد من شرائح المواطنين الذين استنكفوا عن المشاركة، لأسباب شتى، من جهة ثانية. ذلك الجديد كان تنظيم تظاهرة مائية على صفحة نهر الفرات، سباحة أو بقوارب صغيرة، تردّد الهتافات ذاتها تقريباً؛ كما ترفع لافتات مماثلة لتلك التي ترفعها التظاهرات على اليابسة، إذا جاز القول، مع تنويعات طريفة ومؤثّرة، تتحدث عن مصبّ للفرات في… نهر العاصي’!

مبتدعو هذا الجديد كانوا فتية محافظة دير الزور، في المدينة ذاتها، وفي بلدات المياذين والبوكمال والعشارة والبصيرة، وفي قرى نهرية عديدة؛ وكأنّ خروجهم إلى الشوارع الرئيسية والساحات العامة، بأعداد تجاوزت 250 ألف متظاهر في ‘جمعة أسرى الحرّية’، لم يشفِ غليلهم إلى إسماع صوت الاحتجاج العميق، فطافوا فوق مياه الفرات، وطوّفوا على صفحته الرايات. وكيف لم تراودهم الرغبة في التماس عبقرية هذا النهر العظيم الخالد، في تلك البرهة الفريدة من تاريخ المدينة والوطن، وهم حَمَلة اللقب الشهير ‘أُخُوةْ بطّة’، نسبة إلى براعة في السباحة يتلقونها منذ نعومة اظفارهم، تماماً كما تفعل أفراخ البطّ!

يومذاك، قبل ثلاثين شهراً ونيف، في سياق تجديد افتتاني القديم بتلك المحافظة الكريمة؛ لم أكن أملّ من مشاهدة اعتصام ليلي حاشد في الساحة إياها، تسيّدته طفلة لا تتجاوز العاشرة كما أرجّح، كانت تهتف ـ بمزيج فريد من العذوبة والشجن والصلابة ـ ويردّد الكبار بعدها: ‘مجروح يا يمّة/ مجروح يا يابا/ ودّوا لحماة من الدير/ موّال عتابا’. مشهد قريب، معاصر هذه المرّة، صنعته هديل، الطفلة التي شاركت قبل أيام في فعالية مسرحية شهدتها المدينة. هديل قرأت قصيدة كتبها الشاعر عمر ياسمينة، تحاور نزار قباني في ‘القصيدة الدمشقية’ الشهيرة (التي يبدأ مطلعها هكذا: ‘هذي دمشق وهذي الكأس والراح/ إني أحبّ وبعض الحبّ ذبّاح/ أنا الدمشقي لو شرّحتمُ جسدي/ لسال منه عناقيدٌ وتفاح’)؛ تقول: ‘هذي دمشقُ فأين الكأس والراحُ/ شامي تموتُ وبال العرب مرتاحُ/ يا ياسمين الشام عذراً فلتسامحني/ فليس في الدار بعد اليوم أفراحُ’.

وكانت هديل تستكمل فقرات مسرحية بعنوان ‘تسليط الأضواء’، قدّمتها فرقة ‘بهجة’ اعتماداً على تلامذة مدارس درّبهم مسرحيون وكتّاب هواة؛ تناولت موضوعات جسورة مثل الخلافات بين الثوار، وقوّة حضور المال السياسي، ودور المثقف، والتفرقة، والاستغلال، والظلم، وجميع أشكال الاستبداد. أمّا صاحبة المبادرة فهي ‘حياة’، المنظمة المعنية بشؤون المرأة والطفل، والتي اختارت أن يكون توقيتها في اليوم العالمي للمرأة؛ احتفاءً بالدور المشرّف الذي لعبته الأمّ الديرية طوال أشهر الانتفاضة، وكذلك لإقامة رباط وعي، وتوعية متبادلة، بين مختلف الشرائح الاجتماعية في المدينة، وخاصة تلامذة المدارس الابتدائية، في المناطق المحرّرة تحديداً. وبذلك فإنّ النشاط مظهر واحد من مظاهر مقاومة شعبية عديدة ومتنوعة، يمارسها المجتمع المدني الديري؛ ضدّ قوّات الاحتلال الأسدية، في المقام الأوّل؛ ثمّ في مواجهة القوى الظلامية والمتشددة داخل صفوف المعارضة، ثانياً.

وليس أمراً عابراً أن تواظب هذه المدينة بالذات، على هذه الصيغة المحددة من المقاومة المدنية، الثقافية والتربوية والأخلاقية؛ إذا استذكر المرء أنّ المدينة ذاقت من أفانين وحشية النظام، وبهيمية أشدّ ضباطه حقداً وهمجية وطائفية، مقداراً هائلاً واستثنائياً، ردّاً على استبسال أبنائها في تكريم محافظة كانت إحدى أبرز بؤر المعارضة لنظام ‘الحركة التصحيحية’. الشهداء يتساقطون يومياً؛ والمدن والبلدات والقرى تُعاقَب جماعياً، فتُحرم من الكهرباء والماء والهاتف والإنترنت والأدوية ولقاحات الأطفال؛ وتُغلق المدارس والكليات الجامعية، وتُعطّل الامتحانات؛ ويُمنع المواطنون من عبور الجسور، وما أكثرها على الفرات، لإعاقة التحاقهم بالتظاهرات؛ وتُحرق السجلات في دوائر الأحوال المدنية، للإيحاء بأنّ وجود المواطن ذاته يمكن أن يُطمس نهائياً؛ ويُقصف جسر المدينة المعلّق، ورمزها البصري والأيقوني الجميل؛ أسوة بأسواقها الشعبية العتيقة، التي تعبق بروائح التواريخ…

ورغم أنني ‘جزراوي’ بالولادة، لأنّ القامشلي مسقط رأسي؛ فإنني ديري الأب والأمّ والأصول العائلية، وللمدينة في ذمّتي الوجدانية حفنة سنوات حافلة، خصبة ومعطاءة وغنية، لا تُنسى. شهادتي في دير الزور ليست، مع ذلك، مجروحة تماماً؛ فهذه مدينة، على غرار الشام ربما: حبّها ذبّاح!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ثلاثة أعوام على المخاض السوري

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 18/3/2014

في15 مارس 2011، كان موعد مخاض سوريا قد أعلنَ عن نفسه بكثير من الفرح والأمل، ودونما توعّد لأحد بمكروه. بالعكس من ذلك، كانت ثمة دعوة للقاء على كأس الكرامة والحرية والعدالة، وعلى التوافق حول وسائل مشروع ثوري نهضوي ديموقراطي وتعددي مدني. لقد شعر الناس بما يجعلهم بشراً بعد عقود تتجاوز الأربعة، ولن أنسى ما حييت ما قلته للرئيس الراحل حافظ الأسد، إجابة على سؤال طرحه عليّ، حين قدِمْتُ إليه زائراً بناء على دعوة بزيارته. كان السؤال هو التالي ما الذي يحدث في البلد؟ كان السؤال هذا الذي طرح عليّ كأنه لامس ما قد يكون الرئيس سمعه بطريقة نقل ما من أحدهم ممن كانوا موجودين في بهو جامعة دمشق منتظرين الدخول إلى قاعة المحاضرات. كانت العبارة التي قيلت وسُمعت هي: اليومَ ربما بنا بصدد انقلاب في سوريا! ها هنا وجدتُ نفسي تحت ردود فعل ما قرأته - في حينه- عن الرئيس الجزائري بومدين والرئيس عبدالناصر في آخر حكميهما بأنهما حاولا إعادة النظر في استراتيجيتهما الوطنية الثورية، بسبب الإخفاقات التي مر كل واحد من الزعيمين بهما. كما استعدتُ ما وقر في ذهني من قصة الزعيم السوفييتي «أندروبوف»، الذي قيل إنه مات مسموماً، خوفاً من دور إصلاحي يمكن أن يقوم به.

إن تلك الأفكار أفضت بي إلى ذكر ما أردته إجابةً على حافظ الأسد. قلتُ مجيباً: ما يوجد في البلد يا سيادة الرئيس هو هيمنة وسيطرة ما أصبح سيّد الموقف في النظام السائد في البلد، وهو الذي أزعم أني اكتشفته بوصفه قانوناً عملياً، وهو قانون الاستبداد الرباعي، أي الذي يقوم على أربع، هي الاستئثار بالسلطة وبالثروة وبالإعلام والمرجعية السياسية المجتمعية المتمثلة بالقول بأن «الحزب القائد» - أي حزب «البعث العربي الاشتراكي»-، هو الذي يقود الدولة والمجتمع وبزعامة وقيادة «القائد الخالد حافظ الأسد».

كان الرئيس الأسد يتتبع كلامي بكثير من الدهشة والفضول وبشيء ثالث أتفكر به واضعاً عدة افتراضات قد يصح أحدها للإجابة عن فضولي السياسي والمعرفي الممكن. وكانت ثمة لقاءات وحركات أتيحت لي أن أقوم بها في إطار مشروع الإصلاح، ولكنها لم ترقَ إلى مستوى العمل الجماعي والمنظّم. ولم يُسمح إلا بهوامش من العمل يُسمح بها في سبيل الإصلاح. أمّا اللوحة الممثلة للواقع السوري فقد امتلكت فيها هذه الهوامش نسبة ربما لم تتجاوز الخمسة بالمئة سقطت الطبقة الوسطى، وتحولت إلى أكوام من الشحاذين، في حين أن طبقة الكادحين من كلتا الطبقتين العمال والفلاحين جرى سحقهما. والشيء المهم والبارز جداً راح يتبلور في أن شِتات الفقراء والمعوزين والمهانين والمذلّين المنتشرين في الوسط المجتمعي السوري العام، أخذوا يُحوّلون إلى فئات تقوم في خدمة الأعلين، بحيث ارتفعت نسبة المذلين المجردين من معظم ما كانوا يمتلكونه، ليشكلوا مع الآخرين سيلاً من العاطلين عن العمل.

كما أن سقوط ما كان يؤلف الطبقة الاجتماعية (ما بعد المتوسطة)، جعل كثيراً منهم يتحولون إلى مرتشين وخدم لدى الأعلين، وجهاً لوجه أمام من أصبحوا كل شيء ومع شعور أولئك الدّونيين بخط عمومي ناظم، هو خط المذلة والعجز مع تدخل فظيع من قبل «الدولة الأمنية» المنتشرة بإطلاق في الكل وبالكل.

ذلك الناظم أسهم إسهاماً عميقاً في توحيد المجتمع السوري تحت قبضة البحث عن الكفاية المادية، هذا هو واقع الحال، الذي أسس لانتفاضة سلمية للشعب السوري. ومع سلمية هذه الانتفاضة وتحريم النزعات الثأرية والطائفية والتقسيمية من قبل المنتفضين خرج النظام بعد مرور ستة أشهر على سلمية الانتفاضة هذه، ووجه السلاح الناري بكل أنواعه ضد المتظاهرين، بحيث تحولت سوريا الآن إلى تعبير عن عارٍ لم يرتكب مثيله له في التاريخ.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مسؤولية الغرب المباشرة في احتلال يبرود

د. عوض السليمان

القدس العربي

الاربعاء 19/3/2014

لا يخفى على متابع أن بشار الأسد بدأ يستعيد بعض السيطرة على الأرض في سوريا بعد تسليمه السلاح الكيماوي للولايات المتحدة الأمريكية. ولا يشك أحد أن جميع الأصوات المنادية بتزويد المعارضة السورية بالأسلحة النوعية قد خفتت وبالكاد نسمع حسيسها. وكلا الأمرين طبيعي، إذ لا يعتقد عاقل أن الولايات المتحدة الأمريكية عازمة على إسقاط الأسد، وذلك مع انطلاق الثورة السورية، فكيف بعد أن قدم الأسد سلاح الشعب السوري للعدو.

إن ما يحققه الأسد للولايات المتحدة وحلفائها أكبر بكثير من أي مصلحة قد تتحقق بإسقاطه أو إبعاده عن الحكم. فالرجل قد دمر سوريا كلها في ثلاث سنوات وقتل مائتي ألف شهيد واعتقل خمسمائة ألــــف سوري كما شرد عدة ملايين. وما كانت الولايات المتحدة الأمريكية ولا الكيان الصهيوني ولا الغرب كله مجتمعاً ليفعل بسوريا أكثر مما فعله بشار الأسد، وبالتالي فأي مصلحة تلك التي قد تكون أكبر من الإبقاء على نظام الأسد في دمشق.

توقعنا في الشهر الثامن من العام الماضي أن قتل الأسد لأكثر من ألف شخص في الغوطتين بالسلاح الكيماوي، سيثمر عن صفقة غربية مع الأسد تقضي بأن يسمح العالم للأسد بقتل من يشاء وتدمير كل البنى التحتية في سوريا والقضاء على الشجر والبشر مقابل تسليم ذلك السلاح.

ما المصلحة الأمريكية في تدمير السلاح الكيماوي السوري؟ بالطبع كي لا تصل تلك الأسلحة لمن قد يستخدمها ضد الكيان الصهيوني، فالأسد كان في مرحلة انهزام عسكري وأخلاقي في البلاد، وخشي الغرب على أمن ‘إسرائيل’ من خلال وقوع الأسلحة بيد الثوار، ولهذا قرر تدميره تحت التهديد بضربة عسكرية لنظام بشار الأسد.

إذاً، كانت القوة ممكنة من أجل التخلص من السلاح، ولكنها غير ممكنة على الإطلاق عند قتل مئات الآلاف من المدنيين.

ليس فحسب، فكم من مدينة استراتيجية سقطت بيد نظام الأسد بعد تحريرها من قبل الثوار بسبب القصف الجوي بالبراميل. ويبرود خير دليل على ذلك. لو أراد الغرب الحفاظ على دم الشعب السوري والمدنيين في سوريا، ولو أراد إسقاط الأسد بالفعل كما يدعي لفرض منطقة حظر جوي فوق سوريا كما فعل بالعراق على سبيل المثال.

لو أن حظراً جوياً فرض على نظام الأسد، لما سقطت يبرود بيد الشبيحة هذا اليوم. فقد تعرضت المدينة في الأسابيع الماضية لأربعين غارة جوية يومياً بالبراميل المتفجرة. ولا نشك أن الغرب والولايات المتحدة يعلمان بأهمية يبرود من الناحية الجيوستراتيجية للثوار. وإذا اتفقنا أن الغرب يعلم ذلك جيداً فما الذي منعه من فرض منطقة الحظر الجوي لحماية مكاسب الثوار على الأرض، ناهيك عن وقف تدمير حلب وحمص ودرعا وغيرها.

وإذا كان الغرب يعرف أن موقف النظام العسكري سيتحسن بعد احتلال يبرود، وكذلك موقف إيران وحزب الله، فأي تفسير في عدم مساعدة الثوار إلا رغبته في مناصرة من يدعي كذباً أنه يحاربه.

لم تمنع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب منطقة الحظر الجوي فحسب، بل منعت وصول الصواريخ المضادة للطائرات إلى الثوار. بل وأوعزت إلى أدواتها في المنطقة باعتبار جبهة النصرة والإخوان المسلمين جماعات إرهابية، وهم يعلمون أن جبهة النصرة هي إحدى أهم الفصائل المقاتلة في القلمون، فكيف بعد ذلك يظن عاقل أن مثل هؤلاء قد يقفون مع الثورة السورية ضد بشار الأسد؟

 

د. عوض السليمان

دكتوراه في الإعلام – فرنسا

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة في حاجة الى قيادة!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 19/3/2014

تمس حاجة السوريين إلى قيادة بصيرة وحازمة تمسك بدفة سفينتهم وتأخذهم إلى شاطئ السلامة، إلى انتصار ثورتهم الغارقة في مشكلات كثيرة، معقدة ومتشابكة، بينها مشكلة افتقارهم إلى قيادة تعي موقع قضيتهم من العالم، وتجسدها في سلوكها المستقل ورؤيتها المتفقة وواقعها، وتعمل لتحقيق أهدافها، مهما كانت درجة تضاربها أو تنافرها مع أهداف الدول التي تتصارع أو تتدخل في بلادهم، فالقيادة هي التي تعرف كيف تفيد من حضورها الدولي والعربي لخدمة شعبها دون أي غرض آخر.

لأسباب كثيرة، تشتتت قوى المعارضة وتنافرت إلى حد التناقض، وفشلت في بلورة جسم قيادي حزبي أو ائتلافي أو جماعي يشبه على سبيل المثال ذلك الجسم الذي بلورته منظمة التحرير الفلسطينية، ولعب دورا حاسما في استعادة هوية فلسطين الوطنية، بعد أن كان الفلسطينيون لاجئين بلا وطن، سواء في قرارات الأمم المتحدة أم في نظرة العرب إليهم ومواقفهم منهم.

رغم الحاجة إلى وجود قيادة للثورة والإدراك الواسع لضرورتها، فإن هذه لم تتخلق بعد، لأسباب كثيرة لم يتم تجاوزها إلى اليوم تتصل أولا بالتفتت التنظيمي والحزبي الداخلي، وثانيا بشطب الجيل المدني الذي قام بالثورة وحال قمعه وقتله على يد النظام بينه وبين قول ما أراده بها ومنها وكيف فهمها، وثالثا بتدخلات الخارج المتنوعة والمتضاربة، التي لعبت بالأمس وتلعب اليوم الدور الرئيس في اختيار معارضين يخدمون داعميهم ويناهضون من ليسوا أتباعا لهم، ويشحنون مؤسساتهم بتناقضات شخصية وذاتية تضاف إلى التناقضات الموضوعية والسياسية، فلا عجب أن كانت تعقد عملها بدل أن تسهل التحكم به وتصحيح مساراته، في حين يلعب مال المتنافسين دورا متزايد الأهمية في تأجيج خلافات زلمهم، ويحرفهم عن خط وأهداف الثورة، ويترك آثارا سلبية على القليل الباقي من العمل المقاوم، الذي يعادونه وفي الوقت نفسه يحاولون استخدامه لمآرب تتصل برغبتهم في التحكم، وانهماكهم في تعزيز مواقعهم وانفرادهم بالقرار، سواء من خلال ما يتقنونه من ممارسات أمراء الحرب والسياسة، أم عبر حرمان غيرهم من المقومات والموارد التي تزيد من قدرتهم على التفاعل المستقل والإيجابي مع الأحداث، وبناء ما يكفي من قوة تواجه الثورة بها من يضعفونها ويسيئون إليها ويرغمونها على التصرف والتفكير كما يتصرف ويفكر النظام الأسدي، بل وتتبنى قيما كقيمه وتنتهج سياسات كسياساته، وتسير وراء أشخاص يشبهون قادته: يتسمون كهؤلاء بالافتقار المشين إلى أي معايير وطنية وإنسانية تنمي ما كان في الثورة الشعبية الجامعة من نبل وسمو، وفي حملتها المجتمعيين من غيرية واستعداد للتضحية. هل نستغرب بعد هذا أن يكون «زعماء المعارضة» سببا في شعور المواطن السوري بالفجيعة واليأس، واقتناعه بأنه «فر من تحت دلف النظام إلى تحت مزراب الفوضى»، وانتقل من حكم مستبد يديره فرد مجنون إلى حكم أشخاص يجارونه التسلط، سيبطشون غدا بالشعب إن طالبهم بحقوقه أو ذكرهم أن ثورته كانت للديمقراطية ولم تكن لاستبداد بديل: أكان مؤجلا أم معجلا.

ليس كل من يتولى الرئاسة في تنظيم ما قائدا، فالقائد لا يقصي أحدا، بل يتعاون مع غيره في إطار من التنوع والاختلاف، ويقر بشرعية الخلاف، ويحترم قواعد التشاور وجماعية القرار، ويعرف كيف يقرأ الواقع ويفهم اتجاهاته المباشرة والبعيدة، وكيف يحشد قوى يتفق حراكها مع تطوره دائما ويسبقه أحيانا، خاصة عندما يصل إلى لحظات تحول حاسمة، ويصير من عوامل الانتصار دفعه في الاتجاه الذي ينسجم مع حرية الشعب وأهدافه.

تفتقر المعارضة السورية إلى قائد يمتلك هذه الصفات، وتعاني من وفرة لاعبي الكشاتبين والثلاث ورقات، الذين يتوهمون أنهم قادة ويتقنون شكليات السلوك الاستبدادي كالتعالي على غيرهم، والنزعة الأوامرية، والتشدق بالعلم والمعرفة، وادعاء القدرة على التنبؤ بالأحداث قبل وقوعها، والتطبيل والتزمير للتفاهات التي ينطقون بها باعتبارها حكما أبدية لن يأتيها الباطل أو يتخطاها الزمان، وتقديس رأيهم الخاص، وشخصنة علاقاتهم مع الوقائع والأشخاص... إلخ، فلا يدهشنا إن سقط بعضهم، وينتظر بعضهم الآخر السقوط كما تسقط فراشة في النار، ولا مبالغة في القول: إن معظم من كانوا يظنون أنفسهم قادة الثورة ظلوا جزءا من التخلف السياسي المتنوع الأشكال والتسميات، الذي خنق شعبنا، ويدمره اليوم ويقضي على ما حققه من إنجازات مادية ومعنوية خلال قرون، وعجزوا عن الارتقاء إلى مواقع تقربهم من سويته الرفيعة، وتجعل منهم جزءا من ثورته!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عصر الأقليات وحمّى استفتاء القرم

زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 20/3/2014

طعنوه في الظهر. قال قيصر الكرملين عن «الكبار» في الغرب الذين تفرّدوا بقرار غزو العراق واحتلاله، ثم «خدعوا» روسيا في ليبيا، مخاطباً الحماسة القومية لدى ورثة الاتحاد السوفياتي، في تبريره ضم شبه جزيرة القرم الى الاتحاد الروسي.

التقطت واشنطن خيط الحماسة لتنصح بقراءة تاريخ ما قبل الحرب العالمية الثانية، حين تعاظمت المشاعر القومية وتمددت عدواها. وإن كان في أوروبا الآن مَنْ يُشبّه الرئيس فلاديمير بوتين بالفوهرر هتلر، وتتلمّس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون مساعي القيصر وطموحاته وهو يحاول «إعادة رسم خريطة أوروبا»، فكثيرون يستعيدون وعود بوتين للروس باستعادة امبراطورية أَفِلَت بعدما سئموا «الإذلال» الغربي الذي تجرّعوا كأسه منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

وإذ تتجاوز نُذُر الشؤم في أزمة أوكرانيا، القرم والشرق، وترد موسكو على التهديد بالوعيد، يفضّل الغرب عصا العقوبات التي فعَلت فعلها في تجارب سابقة (إيران مثال). وهو لن يذهب بداهةً، إلى التلويح بالقبضة النووية، على طريقة الإعلامي المقرّب من الكرملين الذي دغدغه حلم تحويل أميركا إلى «حطام مشعّ»!

ولكن، ألم يكن بوتين في خطابه الذي يذكّر الجميع برجل الـ «كي جي بي»، محقاً في اتهامه الغربيين باحتكار مصائر العالم، واستخدام أساليب الخداع، وسياسة الطعن في الظهر، لتحقيق مآربهم التي تُقَنَّنْ عادة بعبارة الأمن القومي ومتطلباته لدى «الكبار»؟

لماذا كوسوفو نعم، والقرم لا؟ كلام حق لكنّ ما يراد به قد يجرّ العالم إلى ما هو أسوأ بكثير من «الشتاء العربي» الذي تحدّث عنه «القيصر» في خطابه لدى إعلان اتفاق ضم القرم إلى روسيا. فتعميم مبدأ الاستفتاء على تقرير المصير، سيعني حتماً إعادة رسم كثير من الخرائط، خارج أوروبا، وعلى عتبتها. فالقومي يتحول سريعاً الى ديني في بقعة أخرى من العالم، والديني مؤهل ليصبح مذهبياً الآن في حقبة اختلال التوازن الدولي.

لنفترض ببساطة، أن ما فرضه الكرملين بقوة الأمر الواقع في أوكرانيا وشرقها، وتحت ستار استفتاء «قانوني»، يضع الأوروبيين أمام خيارين، كلاهما مُر وأحدهما لا تتعدى احتمالاته واحداً في المئة: تغذية شرارات حرب أهلية في أوكرانيا، تستطيع موسكو إخمادها سريعاً بما يُلحق هزيمة بالغرب. والخيار الثاني هو إعلان الأوروبيين وأميركا حرباً على روسيا، في وقت تحاصرهم أزمات الإفلاس ويتراجعون عن منافسة القدرات العسكرية في ترسانة لطالما تغنّى بوتين بخطط تحديثها... والأهم أن لا أحد بينهم يعتقد بأن القرم «العزيزة على قلوب الروس» تستحق تحويل القارة الى صحارى خراب، وقتل ملايين من الناس.

يدرك القيصر هذه الحقائق، لذلك يطلق يديه وجيوشه، ويتخلى عن الديبلوماسية في مخاطبة مَن كانوا شركاء له في مجموعة الدول الثماني. يُبلِغهم مسبقاً أنه يعرف نيّاتهم، ويتحداهم تحريك «الطابور الخامس».

في المنطقة مَنْ يشبّه نهجه بأساليب عسكر العرب الذين ركبوا موجة المد القومي وحماسته، ليخطفوا دولاً ويؤسسوا لأنظمة «أبدية»، لا تنتهي إلا بتصفيتهم أو اغتيال الدولة ومؤسساتها وشعبها.

وفي العالم العربي مَنْ يعتبر أن أسباب استمرار النظام السوري- حليف موسكو- وبقائه رغم ثلاث سنوات من الثورة والحرب، باتت أكثر وضوحاً بعد كل الذي فعله الرئيس الروسي في الخاصرة الأوكرانية، فيما الشراكة مع الدول الصناعية هبطت الى الحضيض، والغرب على طريقة الرئيس باراك أوباما، يكتفي بتوجيه اللعنات، ويهرب إلى سلاح لا يؤتي ثماراً إلا بعد سنوات.

حلفاء بوتين العرب، على خطاه، ومَنْ يتمعّن في تكتيك فرض الوقائع وحشر الخصم فيها، يجد لديهم النهج ذاته: استدراج الخصوم الى حافة الهاوية، أي بلغة غير ديبلوماسية، ممارسة «التشبيح» بجدارة.

والأهم، بعيداً من رؤى المتطيّرين في الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، استعادة المثال الكوسوفي، كما ينصح فلاديمير بوتين. وهو إذ تدخّل لإنقاذ الروس في شبه جزيرة القرم من عدوانية القوميين «المتطرفين» في أوكرانيا، و «النازيين الجدد»، فصحّح خطأ خروتشوف (إهداء كييف شبه الجزيرة)... ما الذي يحول دون استعارة بعض حلفاء «القيصر» دهاءه، فيصبح الاستفتاء مطلوباً في المنطقة ايضاً، لتقرير مصير أقليات وأعراق وأتباع مذاهب؟

أليست عين الوليّ الفقيه على الشيعة في العالم، والعرب منهم خصوصاً، وعلى حوثيي اليمن؟ أليس قلب النظام السوري على علويي طرابلس اللبنانية فيما تستمر خرافة المواجهة المديدة بين بعل محسن وباب التبانة؟ كم خطوة إلى أمام تنقل أمازيغ الجزائر الى المطالبة باستفتاء على تقرير المصير؟... وماذا عن أقباط مصر الذين طوردوا حتى في ليبيا؟

بمنطق بوتين، كل الأكثريات والأقليات على براكين التلاعب بالحدود والخرائط، والشتاء الذي يأنفه، دخل حقبة الأعاصير والزلازل... لم تكن تنقصه إلاّ الحماسة لثارات التاريخ، كلٌّ يتهم الآخر بطعنات الإذلال، والتآمر.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com