العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23-02-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أهي مأساة الثورة السورية أم مأساة الحرية؟

مصطفى الجرف

الحياة

الجمعة 14/2/2014

هناك شعور عام قوي يخترق وعي الثوار السوريين، مقاتلين وناشطين، مثقفين وعاميين، إسلاميين وعلمانيين، بأنهم وحدهم يواجهون العالم كله في معركة مأسوية يخوضونها بشكل متواصل منذ ما يقارب السنوات الثلاث، لنيل الحرية من نظام الأسد. فما صحة هذا التصور؟

أغلب الإجابات عن هذا السؤال، والتي تملأ العدد الهائل من أدبيات نقدية كتبها عن الثورة مثقفون وكتاب يؤيدونها بالكامل في معظمهم، تعترض على هذا التصور وتستنكره بوصفه محاولة عاطفية بائسة لرثاء النفس، أو رد فعل طفولي للتهرب من المسؤولية. وعلى العكس، يدعو كتّاب هذه الأدبيات الثوار السوريين إلى التصرف كبالغين مسؤولين، ويسعون إلى التصرف معهم بجدية كما يتوجب فعلاً على الأصدقاء الحقيقيين، الذين يجب أن تكون مهمتهم كشف العيوب والأخطاء، والتنبيه إلى ضرورة حلها، ومحاولة تقديم الحلول، أي المهة المعروفة لأي نقدٍ جاد، وليس ممارسة النفاق والإشتراك في بكائية المظلومية الثورية وعويل «ما لنا غيرك يا الله»! صحيح أنهم متعاطفون للغاية مع قضية الثوار، لكنهم يبتعدون عنهم مسافة الحياد اللازمة كي يكونوا موضوعيين كما يليق بالمثقفين الجادين.

لكنهم كي يكونوا قساة كما ينبغي في نصائحهم، يعتمدون على مفهوم صارمٍ وقاتم جداً للواقعية السياسية، مفهوم عقلاني شديد الجدية، لا مكان فيه للعاطفة والرومانسية الثورية. ومع التسليم بأن المسؤولية الأولى في الكارثة السورية تقع أولاً على عاتق النظام ذي الطبيعة الشديدة السادية والتوحش، وكذلك على النظام الدولي الذي تحكمه منظومة مصالح لا ترحم ولا تقل توحشاً، يرى هؤلاء الأصدقاء أن الواقعية تقتضي من الثوار، لا أن يشكوا مصيبتهم في النظام السوري والمجتمع الدولي إلى الله، بل أن يتحملوا بجدية مسؤولياتهم في التقصير والخطأ والتسبب بمصائب كثيرة، ساهمت أيضاً بدورها، وفي شكل كبير، في صناعة هذه المأساة. ومن ذلك:

- انحصار الثورة شعبياً في مناطق جغرافية ريفية بعينها، ذات طابع إثني ديني واحد، وعدم قدرتها على اختراق حاجز الخوف الإثني والديني عند شرائح اجتماعية أخرى ذات طبيعة مختلفة، ما حولها إلى ما يشبه الحرب الأهلية الطائفية. وأكثر من ذلك (وهذه مفارقة كبرى) لم تستطع حتى أن تخترق حاجز النرجسية الطبقية والثقافية لسكان المدن الكبيرة القديمة، وتعبر الهوة التقليدية المعروفة بين الريف والمدينة، لكي توحّد، على الأقل، أبناء الإثنية والملة الواحدة، وترتقي إلى مصاف الحرب الأهلية الكلاسيكية! لقد زاد الثوارُ المجتمعَ، المنقسم أصلاً، شرذمة وتفككاً، ولم يساهموا أبداً في توحيده.

- غلبة الطابع المحلي الضيق، أو العقائدي المتشدد، على أغلب تشكيلاتهم العسكرية، وعدم قدرتهم على التوحد في تنظيم عسكري واحد، ذي هيكلية متينة وتراتبية واضحة، ما جعل كثيراً من عملياتهم العسكرية شبيهة بالغزوات العشوائية من دون تخطيط عسكري استراتيجي محكم. وهذا حرمهم معونة الأصدقاء والأمل في تحقيق نصر عسكري مؤكد على جيش النظام وميليشياته الحليفة.

- لم يتمكنوا من إنتاج جسم سياسي جديد يمثلهم، ويعبر عن أهدافهم، ويكون بمثابة العقل السياسي الذي يطرح خطاباً سياسياً مقنعاً للسوريين وللعالم كذلك؛ عقل سياسي يسيطر على كافة أنشطة الثورة المدنية كما العسكرية، يصدر القرارات ويحالف الأصدقاء أو يفاوض الأعداء.

- أفسحوا المجال لدخول عناصر وجماعات الجهاد العالمي، وتساهلوا كثيراً مع الخطاب الإسلامي المتطرف، ما جعل الثورة مصدر قلق ورعب للعالم كله. كانت هذه خطيئة كبرى كافية لأن يصدر حكم عالمي بإعدام الثورة.

- فرط اعتمادهم على القوى الإقليمية والدولية، بحيث باتوا (ومعهم النظام نفسه كذلك) مجرد أداة عسكرية أو سياسية في أيدي هذه القوى. ولعدم فهمهم آلية عمل النظام الدولي و «لعبة الأمم»، أصبحوا هم أنفسهم لعبة يقرر نتيجتها اللاعبون الدوليون على طاولة خضراء في مدينة كجنيف مثلاً. لقد أصبحت سورية خارج أيدي السوريين، كما بات يؤكد جميع الكتاب الواقعيين، مع إبدائهم شديد الأسف طبعاً. وبالنتيجة، وباختصار شديد، يبدو أن الثوار يتحملون، من وجهة النظر «الواقعية الجادة» هذه، مسؤولية الفشل في إقناع المجتمع السوري المنقسم، والإقليم المتوتّر، وفوق ذلك غرب العالم، بأنهم بديل سياسي مناسب لنظام الأسد. هذا فضلاً عن إقناع شرق العالم طبعاً بالتخلي عن هذا النظام. إنهم ببساطة يتحملون المسؤولية تقريباً عن كل شيء يجري في هذا العالم اليوم، ويلامون لأن هذا العالم، وفي كل مكان منه، هو على ما هو عليه الآن!

لكن هذه النتيجة التي تخلص إليها الرؤية «الواقعية» مزحة بالتأكيد، لأنها تعني من جديد، وبطريقة «جادة»، أن الثوار على حق عندما يشعرون بأن العالم كله يقف في وجههم وليس لهم إلا الله! ولا يمكن بالطبع أن يسمح الذوق السليم بمزاح كهذا أمام مأساة رهيبة كالتي تشهدها سورية اليوم، فعلينا الابتعاد إذاً عن هذه السينيكية في مقاربتها ما دامت لا تؤدي في النهاية إلا إلى السخرية!

يمكننا بعكس ذلك أن نجرب تصديق الثوار والتعاطف مع مأساتهم. لا أقصد التعاطف الشعوري البسيط، أو التعبير الرخيص عن الأسف، بل التعاطف الفكري، الفلسفي تقريباً، مع حدث تاريخي كبير كالثورة السورية، التعاطف الذي يحاول أن يفهم المعنى الفينومينولوجي والإجتماعي لهذه المأساة التاريخية، وتحرضه هذه المأساة على طرح أسئلة وجودية من هذا القبيل ربما: كيف نفهم طبيعة المأساة التي يعيشها مجتمع شرق-أوسطي عربي مسلم عندما يحين وقت الإنتقال إلى عصر الحرية، وما هو النوع الخاص للحرية التي يطالب بها العرب المسلمون الشرق-أوسطيون، ولماذا تفضل شرائح اجتماعية واسعة من هذه المجتمعات الانغلاق على هوياتها القديمة الضيقة بدل الانفتاح على مشروع الحرية والاندماج فيه؟ أبعد من ذلك، ماذا تعني اليوم مأساة كهذه للبشرية عموماً؟ وبشكل أوضح: أين أصبحت قضية الحرية بالنسبة إلى العالم، وهل تراجعت أهميتها في الوعي العالمي المعاصر؟

هل نفهم وقوف العالم في وجه حرية السوريين، أو عدم اكتراثه بها على الأقل، على أنه يعني أن قضية الحرية، التي كانت القضية الرئيسة التي شغلت العصر الحديث، وكان وجودها يعني الإعلان الجوهري عن قدوم الحداثة، أصبحت ثانوية ولم تعد تؤثر كثيراً في وجدان البشر المعاصرين؟

هل يمكن القول إن الثورة كشفت أن العالم المعاصر بات على مشارف نهاية العصر الحديث، وبداية عصر جديد يمكن تسميته من الآن بأنه عصر ما بعد الحرية؟ ولو كان نيتشه حياً، هل سيكون بإمكانه أن يصرّح اليوم بأن مفهوم الحرية مات؟!

* كاتب سوري

======================

فاروق الشرع: بدأ بيدقاً ممنوعاً من الارتقاء… وهكذا ينتهي

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 14/2/2014

المكان: جنيف، إياها التي على كلّ شفة ولسان اليوم، بصدد الشأن السوري؛ لكنّ الزمان مختلف، يرتدّ 14 سنة إلى الوراء، يوم 26 آذار (مارس) سنة 2000؛ والسياق هو القمة الثنائية بين الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلنتون، وحافظ الأسد، للبحث في اتفاقية سلام بين النظام السوري وإسرائيل. حضور الاجتماع، إلى جانب كلنتون والأسد، هم فاروق الشرع وزير خارجية النظام، وبثينة شعبان (بوصفها مترجمة الأسد الشخصية)؛ ومن الجانب الأمريكي، وزيرة الخارجية مادلين ألبرايت، ومساعدها لشؤون الشرق الأوسط دنيس روس، وجمال هلال (مترجم كلنتون). هنا واقعة، نقلها الصحافي الفرنسي المخضرم شارل أندرلان، في كتابه ‘الأحلام المحطمة: فشل عملية السلام في الشرق الأوسط، 1995 ـ 2002؛ ذات صلة بموضوع هذه المقالة:

يبدأ كلنتون في تلاوة الرسالة التي وصلته من إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، وعندما يذكر عبارة ‘الحدود المتفق عليها’، يقفز الأسد على قدميه ويسأل: ‘أي حدود متفق عليها؟ هل هذا خطّ 4 حزيران/يونيو 1967؟’ فيردّ كلنتون: ‘دعني أكمل… سوف تحتفظ إسرائيل بالسيادة على بحيرة طبريا وشريط من الاراضي…’؛ وهنا يقاطعه الأسد: ‘الإسرائيليون لا يريدون السلام! لا جدوى من الاستمرار’. يتوقف كلنتون عن تلاوة الرسالة، ليقول: ‘فاروق الشرع شرح لنا في شبردزتاون أنه، ما دام خطّ حدود 1923 وخطّ 1967 ليسا مختلفين على هذا الجزء من البحيرة، فالأمر يتعلق بالمساحة إذاً، وليس بالمبدأ. هنالك فارق عشرة أمتار’. هنا يلتفت الأسد إلى الشرع، ويسأله: ‘هل قلتَ هذا؟’، فيجيب الأخير: ‘ما قلته هو أنه حتى حدود 1923 غير مقبولة بالنسبة إلينا’.

مناسبة استعادة هذه الواقعة هي التقارير التي راجت مؤخراً، وهي في الواقع تعيد إنتاج تقارير مماثلة شاعت الصيف الماضي، حول وضع فاروق الشرع، نائب بشار الأسد، رسمياً على الأقلّ، تحت الإقامة الجبرية؛ مع تنويع جديد، مثير: أنّ أفراد الحرس المكلّفين بهذه المهمة ليسوا سوريين، بل هم عناصر ‘الحرس الثوري’ الإيراني. الثابت مع ذلك، بصرف النظر عن مقدار الصحة في هذه التقارير، أنّ الشرع غائب، أو مغيّب، عن واجهة الدولة كما تعكسها أجهزة النظام الإعلامية في التغطيات اليومية؛ وأنه، استطراداً، فقد حتى تلك الصفة الاستشارية، الرمزية غالباً، التي منحها له الأسد خلال الأشهر الأولى التي أعقبت انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية، في آذار/مارس 2011. وهذا مآل منطقي، غنيّ عن القول، لأنه يتسق تماماً مع مسارات الشرع في معمار ‘الحركة التصحيحية’، منذ سفارة النظام في إيطاليا، سنة 1976، وحتى نيابة الأسد الابن سنة 2006؛ مروراً، بالطبع، بوزارة خارجية النظام، وقبلها الشؤون الخارجية، طيلة 26 سنة!

هي، في عبارة أخرى، مآلات خادم النظام الطيّع المنفّذ، والموظف المدني الذي تتسع صلاحياته أو تضيق طبقاً للحاجة إليه، والبيدق الممنوع من الارتقاء إلى سلطة فعلية أو فاعلة في الهرم الأعلى، والذي يُستغنى عنه عند الحاجة، أو يُضحى به دون أدنى أسف… تلك حال نماذج مرّت في هذا أو ذاك من أطوار ‘الحركة التصحيحية’، فسادت (في موقع البيدق دائماً)، ثمّ بادت، فلم تخلّف أثراً بعد عين؛ على شاكلة أحمد الخطيب (‘رئيس الجمهورية’، حين كان الأسد الأب رئيس وزراء!)، أو عبد الرؤوف الكسم (أشهر ‘التكنوقراط’ في وزارات الأسد، والذي لم يمتلك سلطة لجم خليل بهلول، رئيس مؤسسة الإسكان العسكرية، والضابط برتبة مقدّم!)، وصولاً إلى محمود الزعبي (مواطن الشرع، الذي تولى رئاسة الوزارة 13 سنة متتالية، حتى انتحر أو انتُحر!)…

وهكذا، في العودة إلى الشرع، مَنْ يتذكّر اليوم ‘هيئة الحوار الوطني’، التي شكّلها الأسد في حزيران (يونيو) من ذلك العام، وعهد برئاستها إلى الشرع، وضمّت أبناء النظام (الأخير نفسه، بالإضافة إلى هيثم سطايحي عضو القيادة القطرية لحزب البعث، و ياسر حورية زميله في القيادة)؛ أو المتحالفين معه في ما يُسمّى ‘الجبهة الوطنية التقدّمية’ (صفوان قدسي الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي، وحنين نمر الأمين العام للحزب الشيوعي السوري ـ جناح يوسف فيصل)؛ أو المسبّحين بحمد النظام (عبد الله الخاني، وليد إخلاصي)؛ أو العاملين في مؤسساته (منير الحمش، إبراهيم دراجي)؟ وماذا نُفّذ، أو تبقى، من المهامّ التي أوكلها الأسد إلى هؤلاء: ‘صياغة الأسس العامة للحوار المزمع البدء به بما يحقق توفير مناخ ملائم لكل الاتجاهات الوطنية للتعبير عن أفكارها وتقديم آرائها ومقترحاتها بشأن مستقبل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سورية، لتحقيق تحولات واسعة تسهم في توسيع المشاركة وخاصة فيما يتعلق بقانونَيْ الأحزاب والانتخابات وقانون الإعلام، والمساهمة في وضع حد لواقع التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي تعاني منه بعض الشرائح الاجتماعية’…؟

وحين وبّخ الأسد وزير خارجيته، الشرع، في اجتماع جنيف سابق الذكر، كان يدرك جيداً أنّ الأخير لا يسمح لجفنه أن يرفّ دون موافقة سيده، وأنّ ما قاله عن حدود 1923 و1967 كان مستوحىً من التوجيهات الحرفية التي حملها معه من دمشق إلى شبردزتاون. ولكنّ الأسد مارس، في المقابل، ما يتوجب على دكتاتور مثله أن يمارسه إزاء أداة تخدم عنده، فكذّب الشرع، لكي يحرّكه كقطعة بيدق في شطرنج المناورة مع كلنتون. ذلك لأنّ جدول أعمال مفاوضات شبردزتاون، وكما تكشف لاحقاً، كان يسير وفق الأولويات الإسرائيلية، لا تلك التي يريدها النظام: العلاقات السلمية الطبيعية (التطبيعية، في العبارة الأوضح)؛ الترتيبات الأمنية (ما ستحصل عليه إسرائيل من الولايات المتحدة، مساعدات مالية واسلحة، لقاء الانسحاب من، أو في، أراضي الجولان)؛ المياه (تحكّم الإسرائيليين المطلق، أو الشراكة التي لا تمسّ التحكّم المطلق، في منابع بانياس والضفة الشرقية من نهر الأردن والضفة الشمالية ـ الشرقية من بحيرة طبريا والضفة الشمالية من نهر اليرموك)؛ والحدود الدولية (في إطار الفارق بين حدود الانتداب التي رُسمت العام 1923 وحدود 1967 كما رسمتها الحرب).

وفي أواخر العام 1999، لاح أنّ أكثر من نار هادئة تُطبخ في واشنطن ودمشق والقدس المحتلة، هدفها ‘ترطيب’ الأجواء أو ‘تطبيع النقائض، أمام معوقات الحوار بين إسرائيل والنظام السوري. صحيفة ‘هآرتس الإسرائيلية أماطت اللثام عن ترتيبات لعقد ‘قمّة روحية’ فريدة في دمشق، يحضرها مفتي النظام آنذاك، الشيخ أحمد كفتارو، ويسرائيل لاو كبير حاخامات إسرائيل، والحاخامات إلياهو بكشي، وعوفاديا يوسف (الزعيم التاريخي لحركة ‘شاس) ويوسف جيجاتي (حاخام اليهود السوريين). ثمّ توالت أخبار اللقاء المشهود ـ و’التاريخي’ حسب توصيف الصحافة الإسرائيلية ـ بين مفتي النظام الحالي، الشيخ أحمد بدر الدين حسون والحاخام الأكبر للجالية اليهودية في النرويج يوئاف ملكيئور؛ ذلك اللقاء الذي لم يكن روحياً فحسب، كما حرص المفتي على التأكيد، بل تضمّن طلب الحاخام من حسون أن يبذل مساعيه الحميدة من أجل نقل رفاة الجاسوس الإسرائيلي الشهير ايلي كوهين إلى إسرائيل.

ثالثاً، في جانب غير روحيّ البتة، على الجبهة الدبلوماسية ـ السياسية، كان سفير النظام في لندن، سامي الخيمي، قد صرّح بالتالي: ‘تعيش في سورية أقليات كثيرة، من مسيحيين وأرمن وأكراد. ولا توجد أي مشكلة في أن يعيش إسرائيليون أيضاً’. تصريحات السفير وردت خلال ندوة نظمها ‘المركز الإعلامي السوري’ في لندن، تحت عنوان ‘هضبة الجولان: ننهي الاحتلال، وننشىء سلاماً’، في مناسبة الذكرى الأربعين لاحتلال الجولان، وجاءت ردّاً على سؤال مباشر حول مصير مستوطني الهضبة في حال انسحاب الدولة العبرية منها. ولقد سارع الخيمي إلى تصحيح أقواله تلك، وأنّ جوابه كان أنّ المستوطنين ‘قد يفضّلون البقاء تحت السيادة السورية، كون سوريا بلد مسالم بالنسبة لكلّ جيرانها، بلد علماني يحترم كل الأديان ويتمتع فيه كافة المواطنين بحقوق متساوية’، كما جاء في صحيفة ‘السفير’ اللبنانية.

أخيراً، لن تتكامل جهود المفتي وجهود السفير إلا إذا صبّت المياه في طاحونة التلميح والتصريح التي يشغّلها وزير الخارجية، وليد المعلّم.

ولقد جاء في الأخبار أنّ مايكل وليامز، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في الشرق الأوسط، نقل إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت استعداد دمشق للعودة فوراً إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل، دون شروط مسبقة. وسلّم وليامز الرسالة إلى أولمرت بحضور الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أثناء مأدبة عشاء أقامها داني غليرمان، المندوب الإسرائيلي. وأمّا الطرف المرسِل فقد كان وليد المعلّم، مفوّضاً من سيّده الأسد، الذي ينتظر الوسيط الأممي نفسه، وما يمكن أن يكون ردّ أولمرت على عروض دمشق.

مَن الذي سيختاره الأسد لإدارة هذه ‘الأضرار’، الروحية والدبلوماسية؟ ليس وليد المعلّم، ولا السفير الخيمي، ولا المفتي حسون؛ بل… الشرع، دون سواه. وهكذا خرج على العالم بتصريحات تقول إنّ ‘إسرائيل والولايات المتحدة لا تريدان السلام مع الفلسطينيين، ولا مع سوريا’؛ التي ‘تأخذ كلّ الاحتمالات على محمل الجدّ، وتعطي الأولوية للسلام’. ومع ذلك فإنّ النظام لم يعقد مفاوضات سرّية مع إسرائيل، لأنّ ‘الاتصالات السرية هدفها فقط التنازل، وسوريا غير مستعدة للتنازل’. ولكي يذهب أبعد، في جانب تسديد بعض النيران على البيت الأبيض تحديداً، قال الشرع إنّ اتفاقاً بين النظام وإسرائيل ‘سوف ينقصه الدعم الأمريكي اللازم، ‘لأنّ ‘الرئيس الأمريكي جورج بوش قال بصريح العبارة أخيراً: أنا لا أريد السلام مع سوريا’.

فهل كانت علنية، أم سرّية، تلك ‘المشاورات التي أجراها الشرع، خلال ثمانية اجتماعات مطوّلة مع السوري ـ الأمريكي إبراهيم سليمان، الذي كان قد اجتمع مع مسؤولين إسرائيليين، وضمّت لقاءاته بهم مسؤولاً بارزاً في قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية السويسرية (نيكولاس لانغ)؛ والأمريكي اليهودي جيفري أرونسون، مدير الأبحاث والمطبوعات في ‘مؤسسة سلام الشرق الأوسط’ في واشنطن؟ وكيف يصف الشرع اجتماعاته مع هذا ‘المواطن السوري’، بعد أن زار الأخير إسرائيل، وألقى كلمة أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، رمى خلالها القفاز: ‘أتحدى الحكومة الإسرائيلية أن تردّ على نداء السلام الذي أطلقه الأسد، وأن تجلس إلى طاولة المفاوضات مع السوريين’؟

وبيدق كهذا، قصارى القول، كيف له أن يرتقي أعلى من السقف الذي منحه له النظام؛ سواء حجر عليه ‘الحرس الثوري’ الإيراني، في قلب دمشق، أم طالب به أحمد الجربا بديلاً لوليد المعلّم، في جنيف؟

 ‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

======================

من جنيف: دعوةٌ للتفاؤل والمراجعة

د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 16/2/2014

من جنيف: دعوةٌ للتفاؤل والمراجعةستنتصر الثورة السورية بِعزﱢ عزيزٍ وبِذُلﱢ ذَلِيل.

أما العزيزُ فهو شعب هذه الثورة وأهلها الذين قدموا، ولايزالون، للعالم دروساً في التضحية والعطاء وحب الوطن قلﱠ نظيرُها في التاريخ.

لا مُشاحة هنا في استذكار كل الأخطاء والمشكلات التي مرت وتمرﱡ بها الثورةُ وأهلها. لأن هذه الثورة تحديداً تُمثل بشكلٍ عام تجربةً بشريةً غير مسبوقة في التاريخ المعاصر على الأقل. نقول (بشكلٍ عام) لأن ثمة استثناءً وحيداً في الظاهرة، وهو استثناءٌ أقربُ للمفارقة، ويتمثل في أن السوريين (البشر) يواجهون نظاماً يبدو أن نصيبه من البشرية، بمعناها الإيجابي،لايتجاوز الوصف الاسمي.

يكفي القول أن الثورة أخرجت من السوريين في بداياتها أسمى مايمكن أن يخرج من البشر، لكن هذا أخرجَ من النظام وأزلامه أخسﱠ مايمكن أن يخرج من البشر.

كانت ممارسات السوريين في الأشهرالأولى من الثورة أقربَ لممارسات الملائكة. ثم إنهم واجهوا، مما باتت الناسُ تعرفهُ، ما لا يُطيقهُ البشر ابتداءً. فكان طبيعياً جداً، ومتوقعاً جداً أن يعود السوريون ليكونوا بشراً.

لاتسكنُ الأرضَ ملائكة، ولا يقوم هؤلاء بثورات. وإنما يسكنُها البشر، وهؤلاء البشر هم من يجب أن يكملوا ثورتهم، حاملين على أكتافهم كل مافي البشر من ضعفٍ وقصورٍ من ناحية، وكل مافيهم من قوةٍ وعزيمةٍ وقدرة على المراجعة والاستعادة والفعل وصناعة التاريخ من ناحيةٍ ثانية.

هذه هي العزﱠةُ الإنسانية في معناها الحقيقي، وهي العزة التي تكون دائماً مدخلاً للنصر، خاصةً حين يكون الخصم ذليلاً.

نعرفُ الكثير عن الذل الذي يتلبس أتباع النظام. نقرأ عن هذا ونشاهده ونسمعه في كل يومٍ بألف طريقةٍ وطريقة.

لكن هزيمة الذل القادمة قلما تكون واضحةً وصريحة كما هي الحال حين تعرفُ ممارسات وفد النظام في أجواء مؤتمر جنيف2.

ومن هنا تحديداً. تقرأ مُعطيات المؤتمر بكل ملابساتها المُعلنة والخفية، فلا تملك إلا أن تشعر بالتفاؤل.

لا. لايتعلق الأمر بمهارة وفد الائتلاف الوطني المعارض، مع الاحترام لجهوده. فقد أشرنا وأشار غيرنا لثغراتٍ كبيرةٍ في التحضير والأداء. وهي ثغراتٌ تتعلق بتقصيرٍ يعترف به بعض أعضاء الوفد بصراحةٍ ووضوح. والمرحلة القادمة تحتاج إلى مراجعات يحتاج إليها الائتلاف، كما تحتاج إليها كل القوى الفاعلة في الثورة.

ربما نحتاج لرؤية الصورة من زاويةٍ أخرى لفهمها وإدراك دلالاتها.

فنحن من ناحية بإزاء ثورةٍ طليقةٍ من كل قيد. فلا أسرَ لبطلٍ مُلهم، ولا اصطفاف وراء زعامةٍ تاريخية، ولا تقديس لرمزٍ لايمسهُ النقد، ولا طاعة عمياء لقائدٍ لايُخطىء، ولا تأليه لإنسانٍ يحتاج في نهاية اليوم إلى إخراج فضلاته.

هذه هي ثورتنا اليوم. وهذا هو إنجازنا الكبير الذي سنرى نتائجه استراتيجياً رغم كل التضحيات والآلام الراهنة.

وهذا هو وفدُ الائتلاف، الذي اعترف به العالم ممثلاً للثورة، عرضةً لكل ألوان النقد والتوبيخ والاعتراض، بل والاتهام والتخوين.

مامن سوريٍ واحد، صغيرٍ أو كبير، يخشى اليوم من ممارسة النقد والتصريح برأيه في هذا المجال.

في مقابل هذا، ترى وفد النظام نموذجاً مثالياً على ذُلﱢ الإنسان في أبشع تجلياته.

كيف لا وكل فردٍ فيه يؤمن بأنه مأسورٌ لبطلٍ مُلهَم، يصطف جندياً مذعوراً وراء زعامةٍ تاريخية، ويُقدس رمزاً لايجب أن يمسه النقد، ويُطيع بشكلٍ أعمى قائداً لايمكن أن يخطىء، ويُؤلهُ فوق كل هذا إنساناً جاء من التراب وسيعود إليه.

لهذا، يتحدث الجعفري رئيس الوفد خلال الجلسات وهو يحسب كلماته ورنة صوته خوفاً من (الإله) الذي يسمع كل مايجري على الطرف الآخر من خط الهاتف.. فلا تخرج من فمه إلا البذاءة بمختلف أشكالها. لايملك مثل هذا الإنسان فسحةً للتفكير بمحاذير مايمكن أن يحصل تدريجياً وهو يحاول إضاعة الوقت بتوجيه الإهانات وكيل الاتهامات غالباً لوفد الائتلاف، وأحياناً للإبراهيمي.

ولهذا أيضاً، يجلس أعضاء وفد النظام كالأصنام دون أن يجرؤ واحدٌ منهم على الكلام. صحيحٌ أن قوانين الجلسات تنص على أن يكون الحديث للإبراهيمي ورئيسي الوفدين يوجهان الخطاب إليه، لكن من حق رئيس الوفد أن يُعطي الكلمة لأي عضو. وفي حين يحصلُ هذا بين أعضاء وفد الائتلاف، لايجرؤ الجعفري على ممارسة ذلك خوفاً من زلة لسانٍ قد تودي به وبصاحبها إلى مجاهل النسيان.

وهذا الذلﱡ هو الذي يدفع الوفد لعدم الإطالة في المباحثات خوفاً من هفوةٍ ما، ومن (إلهه) الذي تجب العودة إليه مراراً وتكراراً كل يوم. وهو الذي يجعل الحضور يرون أكثر من مرة المقداد وغيره يُنصتون بخوفٍ ورعب لهمسات أشخاص مجهولين يرافقونهم على الدوام.

لن تتوقف روسيا في محاولاتها لكسب الوقت والتلاعب بالمسار السياسي بكل الطرق الممكنة.

ولاتبدو في الأفق علاماتٌ أكيدة على جدية موقف الإدارة الأمريكية في البحث عن مخرجٍ بديل. بل إن أعضاء الوفد الأمريكي أنفسهم يُعبرون في جلسات خاصة عن تبرمهم وضيقهم من موقف الإدارة، وثمة أقاويل بأن روبرت فورد رئيس الوفد سيستقيل عن قريب، ربما ليقينه بأنه لن يتمكن من إنهاء خدمته الدبلوماسية بشكلٍ إيجابي.

لكن الدروس العامة من أجواء جنيف تدعو إلى تفاؤلٍ حذر، يمكن أن يكون كبيراً في حال توافر بضعة شروط تتعلق كلها بالسوريين الذين يجب أن تكون الأوراق القوية بأيديهم في نهاية المطاف.

فالائتلاف الوطني مُطالبٌ بالقيام بمراجعات كبيرة لاتقف عند الأداء في جنيف والتحضيرات له ولما قد يليه في المسار السياسي، بل وتتجاوز ذلك إلى تعزيز لُحمته الداخلية عبر مزيدٍ من المشاركة والشفافية والشراكة الحقيقية بين مختلف مكوناته.

وأهم مافي الموضوع أن الأوان آن لإبداع تصورٍ سياسي يكون فيه اعتبارٌ حقيقي وكبير لفصائل الثورة العسكرية الفاعلة على الأرض السورية. فهؤلاء الرابضون على الثغور ليسوا بدورهم ملائكةً منزهين، لكن ممارساتهم العملية والفكرية المتطورة باستمرار تُثبت تمسكهم بقيم الثورة الأصيلة وأهدافها، وتؤكد بالتالي الحاجة الماسة لترتيبات سياسية وعملية يكون لرأيهم ورؤيتهم فيها وزنٌ مُعتبر.

======================

المتحدثون باسم النظام في «جنيف 2»

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 16/2/2014

انتهت الجولة الثانية من مفاوضات «جنيف 2» بين وفدي النظام والمعارضة في سوريا، دون تحقيق خرق حقيقي في موضوع التفاوض، وهو فتح بوابة للحل السياسي للوضع القائم في سوريا. وهو أمر متوقع ومنتظر نتيجة ما هو معروف من مواقف وسياسات النظام في تعامله مع الوضع السوري منذ انطلاقة الثورة في مارس (آذار) من عام 2011، من حيث اختياره العنف بأقصى درجاته في التعامل مع الثورة مستخدما كل أدواته العسكرية والأمنية القائمة والمتاحة.

غير أن توقع نتيجة جولتي «جنيف 2» ووقوف المفاوضات أمام سد الخيار العسكري الأمني لنظام الأسد، يتوافق عمليا مع طبيعة الوفد الذي أرسله النظام إلى «جنيف 2» للتفاوض مع وفد المعارضة تحت الرعاية الأممية والدولية. فالوفد بعموميته ضعيف في علاقته بمركز القرار داخل النظام، حيث نواته الأساسية عسكرية - أمنية من جهة وعائلية طائفية من جهة أخرى، ويكاد يكون عديم الصلة بالنواة الصلبة للنظام، وهو هامشي الصلة بالمركز في أحسن حالاته، وهذا يجعله دون أي قدرة على اتخاذ أي قرار في موضوع التفاوض بما في ذلك الشكليات، وفي كل الأحوال عليه، أن يرجع، ويراجع مركز القرار في دمشق، وهو أمر كان ظاهرا مع بدء مفاوضات «جنيف 2» وقبلها أيضا، حيث كانت تجري الأحاديث عن مفاوضات النظام مع المعارضة.

ولئن سعى النظام إلى إسباغ طابع دبلوماسي على وفده لمفاوضات «جنيف 2»، بتسمية وزير الخارجية وليد المعلم رئيسا للوفد ومشاركة كبار موظفي الخارجية مثل نائبه فيصل المقداد وآخرين، ثم أضاف إليهم إعلاميين بينهم وزير الإعلام عمران الزعبي والمستشارتان لونا الشبل وبثينة شعبان، فإن الطابع الدبلوماسي للوفد لم يكن حقيقيا، وتم تأكيده منذ الجلسة الافتتاحية، التي تكلم فيها وليد المعلم خارقا القواعد الدبلوماسية في القول والفعل متجاوزا الوقت المخصص له ومطلقا تهديدات لبعض الحضور في مكان يفترض أن الأجواء فيه أجواء توافق هدفها جعل «جنيف 2» قاطرة للحل السياسي في كارثة سوريا، التي صنع النظام معظم مجرياتها وتفاصيلها الدموية والتدميرية.

ولا يحتاج إلى تأكيد، قول إن أعضاء وفد النظام هم جزء من نظام فساد وإفساد مكرس، بل هو مثال للفساد والنهب والرشوة والابتزاز قل نظيره في عالم اليوم، وأعضاء الوفد غارقون في ذلك إلى أعماقه. وثمة كثير من التفاصيل في ملفات السيرة الوظيفية لأعضاء بالوفد لجهة غرقهم في الفساد المالي والإداري أو في رعايته ونهب المال العام والتغطية على جرائم مشهودة ، أو في استغلال وظائفهم في خدمات خاصة وعامة ذات طابع نفعي.

ووسط تلك المواصفات العامة لفريق المتحدثين باسم النظام في «جنيف 2»، لا بد من وقفة سريعة مع صفة عامة، جمعت أغلب المتحدثين المعروفين منهم، وهي الكذب الذي تكرر في «جنيف 2»، تأكيدا لما كان مورس من كذب في السابق، وكان التجسيد الأبرز في ذلك كبار وفد النظام ومنهم وليد المعلم، وبثينة شعبان، ولكل منهما كذبات كبرى، لا تفوقها كذبة أخرى ومنها رواية الوزير المعلم عن حادثة جسر الشغور التي اتهم فيها المعارضة بارتكاب مجازر هناك، وتبين لاحقا أن الصور لا تتصل بسوريا وبالسوريين أصلا، وكذلك كذبة بثينة شعبان الكبرى التي زعمت فيها أن المعارضة خطفت أطفالا من ريف اللاذقية وقصفتهم بالكيماوي في الغوطة في معرض حديث عن مجزرة الكيماوي التي ارتكبها النظام في عام 2013 وفي سياق تبريرها.

ولا شك أن المواصفات الجامعة للمتحدثين باسم النظام في «جنيف 2»، لا يمكن أن تتجاوز مواصفاتهم الشخصية، التي كشف حضورهم في جنيف عنها أمام وسائل الإعلام مباشرة، فنضحت شخصياتهم بروائح الحقد والكراهية والإجرام ضد السوريين وأطفالهم ونسائهم الذين اتهموهم بالإرهاب، وضد وفد المعارضة الذي كانوا يفاوضونه على طاولة واحدة، وفي هذا السياق جاءت تهديدات بشار الجعفري لأعضاء وفد المعارضة بالقتل، وجاءت سلسلة الألفاظ البذيئة التي أطلقها عمران الزعبي ضد معارضي النظام، وكذلك شتائم فيصل المقداد لصحافيي المعارضة ردا على أسئلتهم الصحافية.

المتحدثون باسم النظام في «جنيف 2»، بفعل تاريخهم وبفعل صفاتهم وسلوكياتهم، كان ينبغي أن يكونوا معتقلين خلف القضبان في جنيف، لا مفاوضين في مواجهة وفد المعارضة، ليس فقط لأنهم يدافعون عن نظام قاتل، مارس جرائم ومجازر، لم يرتكب مثلها في التاريخ، إنما لأنهم يكذبون ويضللون الرأي العام، ويسوّقون أكاذيب النظام وسياساته، ولأنهم فوق ما سبق يهددون أشخاصا مسالمين ويشتمونهم ويعتدون عليهم، وهذه كلها جرائم يعاقب عليها القانون السويسري، وكان على الضحايا والمنتمين إلى وفد المعارضة، أن يقدموا بلاغات ضدهم أمام القضاء ليصير أغلب المتحدثين باسم النظام في «جنيف 2»، خلف القضبان في جنيف.

======================

النظام السوري ومسألة مكافحة الإرهاب

لؤي حسين

الحياة

الثلاثاء 18/2/2014

صحيح أنه لم يكن لدى وفد المعارضة السورية، ممثلاً بالائتلاف، في الجولة الثانية من مفاوضات «جنيف 2»، برنامج مقنع لحل الأزمة السورية، لكن كان لديه ما يطلبه من وفد النظام كتنحي بشار الأسد عن رئاسة الجمهورية، وإقالة عدد من أعمدة حكمه وأبناء عائلته عن السلطة. وفي المقابل، لم يكن لدى وفد النظام ما يطلبه من وفد الائتلاف مما يمكن أن يساهم في حل الأزمة السورية. فحتى مسألة مكافحة الإرهاب، التي تمسك بها وفد النظام ودافع عنها بكل قوة، كانت موجهة الى الأميركيين والغرب عموماً وليس الى الائتلاف.

فمكافحة الإرهاب ليست أمراً عرضياً عند الوفد السوري، فقد سربها الروس بُعيد الإعلان عن موعد مؤتمر «جنيف 2» كعنوان له. وقام السيد سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، بالترويج لها ودعمها منذ بعض الوقت، حين طالب السلطة السورية والمعارضة بالتعاون لمواجهة الإرهاب.

لم تغفل واشنطن عن هذا التوجه الروسي الجديد، فسارعت بدعم مجموعات مسلحة في بعض المناطق الشمالية لتحارب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، لتقول إن الطرف المسلح الأقوى على الأرض السورية، من بين المجموعات المسلحة المناوئة للنظام، هو مجموعات معتدلة بدليل محاربتها «داعش»، حتى لو كانت بقيادة «الجبهة الإسلامية». كما جعلت الائتلاف يتبرأ من «داعش» ويتهمه بأنه تنظيم إرهابي تم تصنيعه من النظام السوري، ويدّعي أنه هو من يواجه الإرهاب عبر الجيش الحر.

مسألة مكافحة الإرهاب ليست موضوعاً للجدل وكسب الوقت من النظام، بل هي استراتيجية روسية تهدف منها موسكو الى المحافظة على النظام الحالي، الذي تسيطر عليه في شكل شبه مطلق. وهذه الاستراتيجية تطلبت برامج عمل جدية من النظام، هدفت إلى إظهار صورة للواقع السوري مفادها أن الصراع هو فقط بينه وبين مجموعات متطرفة إرهابية. لهذا هاجمت قواته عدداً من المناطق التي تسيطر عليها مجموعات مسلحة، واستولت عليها، فاتحةً الباب جدياً للعفو عمّن يريد تسليم سلاحه. إضافة إلى ذلك، عقد هدنات ووقف إطلاق نار في عدد من المناطق المحيطة بدمشق.

كل ذلك حتى يضع النظام بين أيدي الروس المعادلة الآتية: غالبية التنظيمات والمجموعات التي تهاجم قوات النظام إرهابية، وهي التي تسيطر في شكل فعلي على غالبية جبهات القتال معه. والنظام شديد معها ورحيم مع المجموعات التي غُرّر بها، والتي بدأت تعي دور المجموعات الإرهابية، لهذا بدأت تستجيب العفو المفتوح الذي أطلقه. وبالتالي، فالإرهاب الآن هو الخطر الأكبر في سورية، وهو يعلو فوق كل الأمور والمطالب الأخرى، مع أنها محقة. وهذا يتطلب من المجتمع الدولي مساعدة السوريين في مواجهة هذا الإرهاب الذي يتهدد السلم الدولي. وعلى رغم القبول من حيث المبدأ بالتفاهم على أية صيغة عن مرحلة انتقالية، إلا أن هذا الوضع الخطر الآن في البلاد لا يحتمل تفكيك المؤسسات الأمنية والعسكرية أو حتى إعادة هيكلتها، ولا يَسمح بالمس بالتركيبة القيادية لها، لأن هذا يعطي فرصة للإرهاب كي ينتشر ويسيطر. واستناداً إلى هذا، فأي طرف معارض يمكنه المشاركة في حكومة موسعة لا تطاول مواقع قيادات السلطة السورية. وبقية الأمور الأخرى يمكن بحثها لاحقاً بعد القضاء التام على الإرهاب في البلاد.

هذه الاستراتيجية تريد منها موسكو أن تغلق الباب نهائياً أمام طموح واشنطن بالمشاركة في الوصاية على نظام الحكم في سورية، بعدما راهنت على نيل هذه الوصاية في شكل مطلق قبل أكثر من سنة. وبهذا، تريد موسكو أن تضع الأفق المتاح لـ «جنيف 2». لكن الخشية أن يكون انغلاق الجولة الثانية من المفاوضات إعلان استئناف حرب باردة جديدة، تريد منها موسكو مشاركة واشنطن السيادة العالمية.

إن كانت واشنطن تدرك هذا التوجه الروسي، ولكنها تخفق في إجهاضه، فإنه غير خاف أيضاً على دوائر صنع القرار الأوروبية، التي ستُظهر خلال الأيام المقبلة موقفها من هذه المواجهة. فإما تستمر بوقوفها ضمن المحور الذي تقوده الولايات المتحدة، وتقبل خوض حرب باردة لن تكون سورية ساحتها الوحيدة، أو تواجه الجموح الروسي والغطرسة الأميركية دفاعاً عن سلم بلدانها ومصالحها، التي يمكن أن تكون مهددة في شكل مباشر من تنامي المجموعات المتطرفة في سورية، ونهوض مثيلاتها في دول المنطقة كالعراق ولبنان ومصر، وما يشي به ذلك من إمكانية اتساع رقعتها الجغرافية أبعد من ذلك.

فالقبول الدولي الصريح بإبقاء سورية ساحة رئيسة في صراع دولي «بارد» ستكون له نتائج خطيرة جداً على أمن دول المنطقة وعلى السلم الدولي. ولا يقل خطورة القبول بطرح النظام السوري، المدعوم روسياً، بأن تكون مكافحة الإرهاب القيمة الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم. فهذا سيكون مساهمة في تحويل النظام إلى نظام فاشي بحت، يقوم على قسمة المجتمع السوري إلى عرقين رئيسين: «عِرق» «سوري» و«عِرق» «إرهابي»، يؤسس لانقسام طائفي محوري حاد في المنطقة سيكون من الصعب على دول المنطقة والمجتمع الدولي الخروج منه، أو الحيلولة دون تبعاته المأسوية، لعشرات السنين.

كذلك، لا يجوز لنا كسوريين، وعلى رغم إقرارنا بانتشار المجموعات المتطرفة وتناميها، وإدراكنا حجم خطرها الكبير على بنية دولتنا وقوام كياننا السياسي، القبول بطرح النظام بأن يكون موضوع مكافحة الإرهاب أساساً لبناء نظام حكم في سورية، ولو كان هذا النظام انتقالياً. فمكافحة الإرهاب لا يمكنها أن تكون قيمة عليا كافية لاجتماع السوريين مثل قيمة السلم الأهلي أو رفض العنف. فهي ليست أكثر من برنامج مرحلي لحكومة ما، فلا يمكننا إقامة نظام حكم أو دولة على مقولة مكافحة الإرهاب مهما كان خطره على البلاد. كذلك يجب ألا نساهم في تحويل النظام إلى نظام فاشي حتى لو لم يكن ذلك بقرار مسبق منه.

======================

ما بين دايتون وجنيف ومخاطر الحل السياسي في سوريا

فاضل الحمصي – سوريا

القدس العربي

الخميس 13/2/2014

‘إنهاك جميع الأطراف وصولاً إلى فرض التسويات’ كان هذا وما زال منطق الدول الكبرى في التعامل مع الأزمات في مختلف بلدان العالم، مع التحكم بجميع الخيوط أثناء إدارة تلك الأزمات، وصولاً إلى اللحظة المناسبة لفرض التسويات. فلا مجال للمفاوضين لتحصيل المكاسب عبر التفاوض إلا ضمن خطوط حمراء، لا يمكن تجاوزها، تحفظ مصالح تلك الدول.

إن المتتبع لأحداث الثورة السورية يلاحظ تشابهاً في طريقة تعاطي الدول الكبرى في الثورة السورية مع طريقة تعاطيهم خلال حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي، فلم تتدخل الدول الكبرى لإنهاء الحرب إلا بعد أن حققت ما تصبو إليه من دماء ودمار وإنهاك لجميع الأطراف من خلال إدارتها للحرب، ثم تدخلت لفرض تسويات تراعي مصالحها ومشاريعها دون الأخذ بعين الاعتبار مصير شعوب المنطقة، وفرضت اتفاقية لم تستطع الصمود طويلاً حتى تفككت دول البلقان وظهرت دويلات جديدة نتيجة التسويات المفروضة.

في البوسنة، وبعد أربع سنوات من الحرب الطاحنة، تم توقيع اتفاق لإنهاء الحرب هناك، وقد عرف باتفاق دايتون. خلال المفاوضات استخدمت الدول الكبرى أسلوبها المعتاد في فرض شروطها، أسلوب الترغيب والترهيب، فمن يقبل له من المميزات الكثير، وسيكون شريكاً سياسياً في المستقبل، ومن يرفض تفتح عليه أبواب جهنم، وصولاً إلى إسقاطه وإخراجه من اللعبة السياسة. حرص المؤتمر حينها على إطلاق عبارات فضفاضة يُختلف على تفسيرها، وتفسر حسب رغبة الدول الكبرى وطبعاً لطبيعة الظروف الناشئة، وهو ما فعلوه في سوريا في بيان جنيف1، حيث أطلقت عبارات فضفاضة عن تشكيل جسم انتقالي دون الإشارة إلى شكله وماهيته ومصير رأس النظام، وهو ما سيحاول جنيف2 تكراره لأهداف وغايات أخرى تخدم مصالح الدول الراعية للاتفاق في المستقبل.

أخطر ما فعله مؤتمر دايتون كان تجريد المسلمين من أي ميزة توفر لهم الاستفادة من كونهم أغلبية، وجعلهم في مستوى واحد مع الصرب والكروات، وطرفاً ضمن ثلاثة أطراف متساوية في الحقوق والواجبات، رغم أن التوزيع العرقي كان يعطي 50 للمسلمين و 33 للصرب و 17 للكروات. يخشى أن يتكرر ذلك الأمر في سوريا، حيث يتم التركيز على موضوع حماية الأقليات والاحتفاظ بحقوقها مع تناسي حقوق الأكثرية، ووصفة كهذه فيما لو طبقت كفيلة بإثارة الخلافات والنعرات من وقت لآخر، وليست وصفة ناجحة لأي مجتمع حضاري بأي حال من الأحوال.

لقد أدى تنفيذ اتفاق دايتون إلى إنهاء سنوات من القتال الدامي والحرب والدمار، لكن نتائجه اللاحقة كانت كفيلة بتقسيم المنطقة وظهور دول جديدة. فقد حرص الاتفاق على وحدة الأراضي البوسنية شكلياً مع الاحتفاظ بسراييفو كعاصمة موحدة، لكنه عملياً قسم البوسنة على أساس عرقي يتحكم الاتحاد الفيدرالي في وسطها بينما تخضع أطرافها لسيطرة الصرب، كما حدد الرئاسة بمجلس رئاسي تتبدل رئاسته دورياً على أساس عرقي. وقد عمل الصرب على الهيمنة على مؤسسات الدولة المركزية وإقامة مؤسسات موازية لها خاصة بهم، وكانت حجة الصرب دائماً هي خوفهم من هيمنة المسلمين عليهم!! مخاوف لم يكن لها أساس أدت إلى الانفصال والتقسيم فيما بعد.

في دايتون اتفق الكبار، وما على الشعب إلا السمع والطاعة! لا صوت لهم ولا رأي، ولا كلام فوق كلام الكبار!! هذا ما كان عليه حال شعب البوسنة بعد ذلك الاتفاق.

إن المسار الذي أدى بمنطقة البلقان إلى التقسيم والتفتت قد يتكرر في سوريا إذا ما ظل سلوك الدول الكبرى مصراً على استنساخ ذلك السيناريو وتطبيقه في سوريا، والشعب السوري وحده من يستطيع إيقاف مثل هذه المخططات التي تستهدف على ما يبدو إعادة ترسيم حدود سايكس بيكو وتقسيم المنطقة من جديد.

====================

في إمكانية الخروج من الأزمة

بشير عيسى

الحياة

الخميس 13/2/2014

إذا كان مقترح نزع السلاح الكيماوي من النظام السوري، الذي تقدمت به موسكو للإدارة الأميركية، بديلاً عن خيار الضربة العسكرية، فإن جنيف2 يشكل الخيار السياسي، الذي اتفق عليه الراعيان الروسي والأميركي، للخروج من الأزمة بأقل كلفة، باعتباره الضمانة والمخرج الوحيد الذي يحول دون انتشار وتمدد العنف لباقي دول منطقة الشرق الأوسط.

وكي لا تضيع بوصلة الحقيقة السياسية في فوضى التصريحات، الصادرة من هنا وهناك، والتي تصل لدرجة التناقض أحياناً، الأمر الذي يزيد ضبابية وغموض المشهد السياسي، كان علينا التركيز على موقف الرئيسين بوتين وأوباما. فما صرّح به الأول بعد تفجيرات فينوغراد الإرهابية، حمل رسالة خطيرة عكست موقفاً متقدماً وتصعيدياً، تجاوز فيها التحذير لتصل إلى حد الوعد والوعيد، إذ قال: «روسيا ستنتقم لدماء مواطنيها الذين سقطوا في تفجيرات فينوغراد، وستغير خريطة الشرق الأوسط، هذا وعد لمواطني روسيا العظمى».

في المقابل، عكس خطاب «حال الاتحاد» للرئيس أوباما، في 18/1 الفائت، تصميم إدارته على اتباع نهج الديبلوماسية في حل الأزمات الدولية، وهذا ما بدا واضحاً من خلال إشادته، بما حققته «الديبلوماسية الضاغطة» في التوصل للاتفاق النووي مع إيران، و «ديبلوماسية أميركية مدعومة بالتهديد بالقوة، هي التي أبعدت السلاح الكيماوي السوري»، فيما ظل الإرهاب العدو الأساسي، ممثلاً بالقاعدة ومن على نسقها. وبهذا السياق تأتي رغبته في «دعم المعارضة السورية التي ترفض شبكات الإرهاب». وفي ما خص «حزب الله»، لم ينظر إليه إلا من زاوية التهديد الذي يشكله لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة! وربما يكون ذلك من باب الحرص على إنجاح المسار التفاوضي مع إيران. اللافت في هذا الخطاب أن الرئيس أوباما لم يأت على ذكر ضرورة تنحي الأسد، أو نعته بالإرهاب، كما فعل وزير خارجيته. وتبقى ثمة عبارة أطلقها هي أنه «لن يقبل بالديكتاتوريات» من دون أن يحدد أو يوضّح مراده الحقيقي منها.

هذان الموقفان الروسي والأميركي يشكلان الأساس والأرضية الحقيقية المفضيين إلى جنيف2 مروراً بجنيف1، بعيداً عن مجلس الأمن، ريثما يتم إنجاز ما اتفق عليه الطرفان بمشاركة دولية. ولتوضيح المشهد السياسي السوري، علينا فهم كيفية رصد الحراك السياسي الدولي لمعرفة ما إذا كان ثمة اتفاق بين الراعيين، وذلك عبر إضافة الموقف الرسمي لنظام دمشق، والنظر بجدية لإمكانية تقاطعه مع الموقفين الروسي والأميركي.

فالنظام عمل على تغيير الدستور الذي يحتكر فيه السلطة، كما قام بالترخيص لأحزاب سياسية «معارضة». إضافة إلى ذلك، فوفده المشارك في جنيف2 وافق من حيث المبدأ على النقاط الست في بيان جنيف1، وفوق هذا، طرح ورقة عمل ضمّنها رؤيته السياسية، مستغلاً بذلك المنبر الدولي الذي قدمته مفاوضات جنيف، لإيصال وجهة نظره إلى العالم، حيث شدد على عزمه المضي في مكافحة الإرهاب والإقرار «بسورية متجددة، تقوم على المواطنة والديموقراطية».

من حيث الشكل، يكتمل مثلث التفاهم بين الروس والإدارة الأميركية والنظام. فالأخير يعمل على إتمام ثلاث مسائل تحول دون استفزاز الرئيس أوباما. أولاها موافقته و «تعاونه» في تسليم ترسانته الكيماوية. الثانية، حربه على «الإرهاب» التي تنال ضمنياً رضا الإدارة الأميركية، بغض النظر عن التصريحات الإعلامية للوزير كيري. الثالثة، قبوله بالحل السلمي للأزمة، عبر جنيف، والذي من شأنه أن ينقل الدولة السورية من النظام الديكتاتوري إلى الديموقراطي. وأما مسألة بقاء الرئيس الأسد من عدمها، فهذه لم يتناولها جنيف1، وهو ما أكد عليه بان كي مون في جنيف، تاركاً حل هذه النقطة للسوريين أنفسهم!. وهذه نقطة ستترك لصناديق الاقتراع. تبقى إشكالية هيئة الحكم الانتقالية، المنصوص عليها في بيان جنيف1، وهي فقرة حمالة أوجه وكل طرف يقرأها بطريقته. لكن إن صحت النوايا، وكان ثمة اتفاق بين الروس والأميركيين، أمكن التوصل إلى حل وسط، يكون أفضل الممكن لكلا الطرفين.

وهذا الحل سيأخذ، في اعتقادي، مخاوف المعارضة على محمل الجد، في حال توقف الحراك المسلح، إذ سيتم العمل على توفير الضمانات بشكل إجرائي وعملاني، كالآتي: أولاً: تشكيل هيئة حكم انتقالية واسعة الصلاحيات، تعمل على إعداد لجنة مشتركة من الفريقين، تكون مهمتها إما تعديل الدستور أو الإعداد لإعلان دستوري جديد، يُحضّر من بعده لانتخابات نيابية ثم رئاسية. ثانياً: إنشاء جهاز أمني منوط بمكافحة الإرهاب، تشارك فيه المعارضة والنظام، ويشرف عليه الطرفان الروسي والأميركي، ومهمته محاسبة كل من ثبت تورطه أو ضلوعه في أعمال إرهابية، سواء من النظام أو المعارضة. يقابل ذلك، وقف الملاحقات السياسية والأمنية التي تمارسها أجهزة النظام الأمنية بحق الناشطين السياسيين وأصحاب الرأي، ما يعني تعليق عمل هذه الأجهزة ضمن هذا الجانب، كخطوة أساسية لطمأنة المعارضة وجمهورها. يتبع هذه الخطوة ترجمة عملية للإفراج عن كافة المعتقلين والمخطوفين والأسرى، من الجانبين. أما الحالات التي ثبت فيها التورط بجرائم إرهابية، فتُحول للجهاز الجديد المعني بمكافحة الإرهاب.

يرافق ذلك وقف العمليات العسكرية بين الطرفين المعنيين بالحل السلمي، وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، والسماح بإدخال المساعدات الإغاثية والإنسانية العاجلة، على نطاق أوسع، لكافة المحاصرين والمنكوبين، مع ضمان عودة اللاجئين، وذلك كمقدمة لتهيئة مناخ سلمي، يخفّض منسوب العنف والتوتر، بحيث يفتح الطريق للمرحلة الانتقالية. وما لم يتم التوصل إلى هذا الحل أو ما يشبهه، فالمنطقة برمتها، كما أسلفنا، ذاهبة إلى مزيد من العنف والفوضى. وهذا رهن بالراعيين الدوليين!

 * كاتب سوري

====================

الجولة الثانية من جنيف وآفاق الحل السياسي

لؤي صافي

الحياة

الخميس 13/2/2014

مضى 34 شهراً من عمر الثورة السورية المصرة على إنهاء الاستبداد في سورية، وقريباً يكمل الشعب السوري عاماً ثالثاً من الآلام والمعاناة والعنف الدموي. حاول نظام الأسد خلال هذه الأشهر إنهاء ثورة الشعب السوري بوحشية غير مسبوقة وبإصرار كامل على الحل العسكري. شباب سورية وأحرارها حملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم وأهلهم ضد هجمات القوى الطائفية المرتبطة بالنظام، مدعومة من مقاتلي «حزب الله»، و»الحرس الثوري» الإيراني، والكتائب الطائفية العراقية. المقاتلون السوريون الذين يواجهون النظام وحلفاءه يصرون، بالمثل، على أن اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام هي لغة القوة، ويرون في مواصلة النضال للدفاع عن مدنهم وقراهم الحل الوحيد لإنهاء الاستبداد والإجرام. والنتيجة صراع دامٍ راح ضحيته مئات الآلاف من المدنيين بين قتلى وجرحى، لا سيما في المناطق المعارضة للنظام.

بعد جدل طويل داخل صفوف «الائتلاف الوطني» السوري، ورغم انعدام الثقة في قدرة النظام على الانخراط بجدية في المفاوضات الرامية إلى إيجاد حل سياسي، صوتت الغالبية للذهاب إلى جنيف في جهد يهدف إلى قطع الشك باليقين حول ادعاء النظام وحلفائه رغبتهم في إيجاد حل سياسي للمأساة السورية. السوريون منقسمون حول جنيف، فبعضهم يرى أن المفاوضات فخ نُصب للمعارضة، وسعي دولي لإعادة تأهيل نظام الأسد. في حين يخشى آخرون أن المفاوضات يمكن أن تعطي النظام وقتاً إضافياً يحتاجه لاستكمال حملته العسكرية، وتدمير ما تبقى من المراكز السكانية الخاضعة لسيطرة المعارضة. الكثير منا الذين قرروا إعطاء جنيف فرصة نعتقد، مع ذلك، أن مؤتمر جنيف يمثل الفرصة الأخيرة لتحقيق حل سياسي، وإعطاء الجهود الدولية، التي تقودها روسيا والولايات المتحدة، فرصة لإنهاء عنف نظام الأسد.

الكثير منا ممن يشارك في محادثات جنيف يؤمن أن الأنظمة الاستبدادية لا تملك القدرة على إنهاء وجودها باختيارها. فنظام الأسد سعى بشكل منظم ومتعمد إلى تحويل جهود سلمية من أجل الإصلاح إلى حرب شعواء ضد الشعب السوري. وفعل النظام ذلك بمكر شديد بقمع التظاهرات السلمية بالقوة العارية ولكن باستخدام محدود في مرحلة التظاهرات السلمية التي استمرت شهوراً عديدة، ومن ثم تصعيد الهجمات تدريجياً إلى مستوى عالٍ وصولاً إلى استخدام الطائرات الحربية والصواريخ الطويلة المدى، بل والسلاح الكيماوي، لسحق المعارضة من خلال معاقبة حاضنتها الشعبية. وشجع النظام الجماعات المتشددة على حمل السلاح وأطلق سراح قياداتها من السجون بينما اعتقل النشطاء السياسيين والحقوقيين السلميين.

إيجاد حل سياسي يلبي تطلعات الشعب السوري في الحرية ودولة القانون والمساءلة والسلطة السياسية هو بالتأكيد الخيار الأفضل. وبالتالي فإن الحل السياسي المرجو يجب أن يحمل نتائج عملية ويؤدي إلى التحول الديموقراطي الحقيقي وإنهاء حكم الأسد في سورية. نهاية الاستبداد تعني بالدرجة الأولى إزالة المستبد من المشهد السياسي، بخاصة أنه يتحمل المسؤولية الأولى عن سفك دماء الشعب السوري ومقتل ما يزيد عن 136 ألف سوري وتدمير 60 في المئة من البنية التحتية للبلاد وفقاً لأكثر الأرقام محافظة. نظام الأسد يكرر عبر إعلامه ومن خلال مفاوضيه إصراره على بقاء الأسد، ولا يألو جهداً للحفاظ على الشخص المسؤول عن موت مئات الآلاف وتدمير المدن والقرى السورية.

في الجولة الأولى من المفاوضات لم يبدِ النظام جدية في السعي إلى حل سياسي. فالفريق المفاوض أمضى قدراً كبيراً من الوقت في محاولة لأخذ المفاوضات بعيداً من إطار جنيف. ورغم فشله في تحقيق ما يريد فقد بدا واضحاً أنه لا يملك الإرادة السياسية اللازمة لتحقيق التحول المطلوب من الاستبداد إلى الديموقراطية. أعضاء النظام السياسيون الخمسة لم يشاركوا في كل الاجتماعات التفاوضية، وأمضوا وقتهم في بهو مبنى الأمم المتحدة والفناء الخلفي بالتحدث الى وسائل الإعلام، تاركين مهمة التفاوض لفريق من تسعة ديبلوماسيين وبيروقراطيين.

ليس لدينا وهم في أن نظام الأسد لن يختار طوعاً تفكيك بنية الاستبداد في سورية التي شيدت على مدى العقود الأربعة الماضية وجعلت الدولة السورية رهينة لعائلة الأسد. فشقيق بشار الأسد وأبناء عمومه وأخواله يسيطرون على وحدات النخبة العسكرية وكذلك المناصب الرئيسة في أجهزة الأمن. وتحيط بهؤلاء مجموعة من السياسيين والبيروقراطيين مكلفة بتنفيذ السياسات التي تهدف إلى ابقاء النظام في السلطة. وهذا يجعل النظام غير مرن على المستوى السياسي وأكثر التحاماً بالحل العسكري الذي ولد الويلات في سورية ومعاناة كبيرة للشعب السوري.

المقصود من محادثات جنيف حول سورية تنفيذ بيان «جنيف 1» وفق قرار مجلس الأمن رقم 2118، وبالتالي توفير الفرصة الأخيرة لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية. بيان جنيف يقدم آلية مهمة لتنفيذ الخطوات المختلفة التي تهدف إلى إنهاء الصراع، بما في ذلك وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح سجناء الرأي، ورفع الحصار عن المدن والقرى، والسماح بحرية التعبير والتنظيم، التي غابت طويلاً من التجربة السياسية السورية. هذه الآلية يناقشها بيان جنيف تحت عنوان «الهيئة الحاكمة الانتقالية» والتي تملك سلطات تنفيذية كاملة. وذلك لأن تغيير السلطة الحاكمة في سورية أمر ضروري لخلق إرادة سياسية راغبة في التحول الديموقراطي ووضع حد للاستبداد. طبعاً فريق النظام المفاوض، عملاً بتعليمات قيادته في دمشق، بذل كل جهد لمنع مناقشة الهيئة الحاكمة الانتقالية في الجولة الأولى. والنظام فعل بدوره كل ما يستطيع لتقويض محادثات جنيف من خلال تصعيد الهجمات على المدن والقرى السورية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 650 مدنياً 30 في المئة منهم من النساء والأطفال أثناء المفاوضات مستخدماً براميل متفجرة كل منها قادر على تدمير بناء من خمسة طوابق خلال ثوان.

تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية يجب أن يكون جوهر المفاوضات في الجولة الثانية من أجل إنشاء المؤسسة التي يمكنها تنفيذ خطوات جنيف الست. الفشل في تحقيق تقدم على هذا المحور يعني أن أياً من الخطوات الأخرى لا يمكن أن تتحقق، وبالتالي فإن الفشل في تشكيل البينة السياسية الضرورية لتنفيذ جنيف سيؤدي إلى فشل الفرصة الأخيرة لدى السوريين من أجل التوصل إلى حل سياسي.

ولأن نظام الأسد غير معني بتطبيق جنيف فإن نجاح المؤتمر يتطلب إجبار النظام على وقف حملة الإرهاب والترويع ضد السكان المدنيين، ويجب عدم السماح له باستخدام براميل الموت، السلاح المفضل لديه. هذا يعني أن المجتمع الدولي، ولا سيما روسيا والولايات المتحدة، مطالبتين بممارسة الضغوط اللازمة على النظام لإجباره على تنفيذ بيان جنيف، ومنعه من تقويض الفرصة الأخيرة لتجنب توسيع مدى الصراع والحيلولة دون تحوله إلى صراع إقليمي يهدد أمن المنطقة والعالم.

====================

لا بارك الله ببلاد تدمرها فضائيات!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 15/2/2014

ليس هناك أدنى شك بأن وسائل الإعلام الحديثة، كالفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، لعبت دوراً تاريخياً في تحريك الشعوب واستنهاض هممها، وتحريضها على الطواغيت والطغيان.

ولو لم تلعب وسائل الإعلام هذا الدور، فستكون بالتأكيد متواطئة مع الطغاة. لكن بالرغم من تخييط الأفواه على مدى عقود، وخنق القبضة الأمنية لعنق الإعلام، إلا أن بعض الوسائل شقت عصا الطاعة، وراحت تزلزل الأرض تحت أقدام الديكتاتوريات ومراتع الاستبداد، مما جعل بعض الطواغيت يرتعد خوفاً ورعباً، بعد أن فقد هيبته، وأصبح علكة تتسلى بها الأفواه.

لكن الديكتاتور العربي هنا وهناك، وكي يثأر لكرامته المهدورة التي مسح الإعلام بها الأرض، راح هو وإعلامه الخشبي البائد، يتهم وسائل الإعلام الحديثة بأنها تدمر الأوطان، مع العلم أن من أوصل الأوطان إلى الحضيض، وجعلها كيانات كرتونية مهترئة هو الطاغية نفسه، من خلال سياساته القمعية الوحشية الفاشية، وتبديده لثروات البلاد ومقدراتها على المغامرات السياسية والعسكرية والأمنية الطائشة والمُهلكة، والمشاريع العائلية المفضوحة. لكنه لم يجد سوى الإعلام الحر كي ينتقم منه، ويحملّه آثام عقود من الطغيان والبغاء السياسي.

كم تبدو أبواق النظام السوري وأشكاله الرثة بائسة وهي تتهم هذ الفضائية أو تلك، أو هذا البرنامج أو المذيع أو ذاك بأنه مسؤول عن تدمير سوريا. يريدون تغطية عين الشمس بغربال، هؤلاء المكابرون، خاصة وأنهم ما زالوا يعيشون في غياهب استبدادهم وجهلهم الإعلامي المتخشب.

إنهم يكذبون بالاسلوب نفسه الذي كانوا يعاقرونه قبل الثورات. يحاولون تضخيم الكذبة بحيث يصدقها الشعب، دون أن يعلموا أن الشعوب لم تعد تصدق ترهاتهم وخرافاتهم وفبركاتهم.

أليس فيهم رجل حكيم يقول لهم إن اتهاماتكم لهذه القناة او تلك، أو هذا المذيع أو ذاك بأنه دمر سوريا لم تعد تنطلي على حاضنات الخدج وأطفال الروضات، فما بالك بالأجيال الصاعدة التي تجوب مواقع الانترنت على مدار الساعة ببراعة النحلة؟

إن مجرد اتهامكم لوسائل الإعلام بتدمير سوريا يدل على أنكم فعلاً ما زلتم تعمهون في عوالمكم الظلامية القديمة، ولم تتعلموا شيئاً من عصر السموات المفتوحة، الذي عراكم، وفكشف عوراتكم، وجعلكم تتخبطون يمنة ويسرى، وتستأجرون الأبواق البالية نفسها، التي لم تجلب لكم سوى العار والفضيحة والسخرية على مدى عقود!

عندما تزعمون أن قناة او مذيعاً أو برنامجاً دمر بلداً، فأنتم ترفعون كثيراً من شأن القنوات والبرامج والمذيعين، وتحطون كثيراً من شأن الأوطان والشعوب، وحتى من شأن أنظمتكم.

ألم تفكروا بأن يرد عليكم أحد بأنكم أنظمة هشة يستطيع صحافي أن يحرقها؟ ما هذا الوطن الذي تهزه قناة فضائية، ويدميه برنامج؟ البلد الذي تستطيع قناة فضائية أو قناتان تدميره لا يستحق أن يكون وطناً، فلا ينهار بسرعة البرق إلا بيت العنكبوت. هل بنيتم أوطاناً، أم بيوت عناكب؟ إن المجتمعات المحصنة بالحقوق والوطنية الحقيقية والعلم والتنوير لا يقدر أحد على هزها أو النيل منها. لو فعلاً بنيتم شعوباً ودولاً قوية، لقلتم: ‘يا جبل ما يهزك ريح’، لكنكم، على ما يبدو، بنيتم قلاعاً من الرمال تذروها الرياح من أول هبة.

عندما بدأت الثورة السورية، وراح بعض رجال الدين يبث بعض البرامج الموجهة للشعب السوري من الخارج، أقام النظام السوري الدنيا ولم يقعدها، وهو يهاجم ويشيطن أصحاب تلك البرامج، لأنهم يخربون البلاد! ألا تخجلون من هذه الاتهامات؟ ألا يدل ذلك على أن رجل دين بسيطاً قادر أن يهز عروشكم ببرنامج تلفزيوني، ويحول حياتكم إلى جحيم؟!

لقد أعجبني أحد السوريين الذي قال: ‘لا تتهموا بعض رجال الدين بتخريب سوريا، بل اتهموا ما تسمونه حزبكم التاريخي، حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي فشل على مدى عقود في تحصين الشعب السوري، وجعله يقع فريسة في يدي هذا الداعية أو ذاك’.

أيعقل أن تخافوا من برنامج ديني، مهما كان تحريضياً.؟ ألا تفضحون أنفسكم بأنفسكم؟ ألا تؤكدون أن مجتمعاتكم هشة بهشاشة عصا سليمان، التي نخرها النمل؟

لو كان الإعلام يدمر بلداناً لكان الاعلام السوري قد دمر إسرائيل وأمريكا والصهيونية والامبريالية منذ عقود، لأنه كان يتفنن بشتمها وسبها وشيطنتها ومسح الأرض بها منذ عشرات السنين. فلماذا لم تنهر إسرائيل؟ لماذا لم تدمروها بقذائفكم الإعلامية التي كنتم تطلقونها ليل نهار؟ لأنها دول حقيقية لا تخيفها كلمة، ولا يرعبها برنامج حواري!

ولو افترضنا جدلاً أن الهجمة الإعلامية على الديكتاتوريات العربية كانت شرسة جداً، فأين وسائل إعلامكم وإعلاميوكم؟ لماذا فشلوا في التصدي لها ومنعها من تدمير سوريا، كما تزعمون؟

وهل كنتم تعتقدون أنه بمقدوركم وضع كل الإعلاميين الذين يعملون في القنوات الخارجية في سجونكم؟ لماذا ما زلتم تفكرون بمحاربة الإعلام بالطريقة الأمنية البائدة كسجن الصحافيين، وإرهابهم، أو الحجز على أملاكهم؟

على من تعتمدون في استشاراتكم؟ أليس من السخف أن يدير إعلامكم رجال أمن لا يفهمون إلا في فنون التعذيب والإرهاب واستعداء وسائل الإعلام والإعلاميين، بدل مواجهتهم بالطرق الحضارية الحديثة والحجة؟

ألا تعلمون أن الحروب الإعلامية لا يمكن مواجهتها بالأساليب الأمنية والعسكرية الفاشية، فلا يمكن مثلاً أن تحارب الإعلام ولا الإعلاميين بالإرهاب والسطو والمصادرات والاعتداء على الأملاك الخاصة، بل بالإعلام الحقيقي المنافس والند للند!؟

لقد قمتم بإخصاء الإعلام الوطني والاعلاميين لعقود، ثم رحتم تشتكون من الاعلام الخارجي ‘المغرض’. قال شو قال: الإعلام المغرض دمر البلد!

طيب! أين إعلامك يا ‘زعيطو’ كي يواجه الإعلام المغرض؟ لقد حولتم الاعلام والاعلاميين المحليين إلى مطايا ومخنثين، ثم أردتموهم أن يكونوا فحولاً فجأة، عندما بدأتم تواجهون الإعلام الخارجي.

ألا تعلمون أن العليق لا ينفع عند الغارة؟ البلد الذي يتهم وسائل الإعلام بأنها دمرته يجب أن لا يلوم سوى إعلامه، فلو كان لديه إعلام يمكن تصديقه، لما استمع شعبه للإعلام العابر للحدود. لقد كان الإعلام السوري وما زال كالشخص الأعمى، الذي أمضى عمره في حفظ وإلقاء ما تلقنه إياه فروع الأمن، والآن يُراد له أن يقرأ ويكتب. تخيلوا كيف ستكون كتابته؟ يصيح حمزة الملوح.

كفاكم رمي قاذوراتكم في ملعب الإعلام الآخر. ومن يتشدق بأنه ‘قلعة الصمود والتصدي’ يجب أن يتعلم كيف يصمد على الأقل في وجه الإعلام، فما بالك في وجه الأعداء.

لا بارك الله ببلاد تستطيع أن تدمرها قناة فضائية أو برنامج حواري أو مذيع!

====================

تطهيرات عرقية: من فلسطين إلى سورية

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 17/2/2014

ذات يوم، قبل ربع قرن، ذاع صيت المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس لأنه سُجن ثلاثة أسابيع بسبب رفضه أداء الخدمة الاحتياطية ضمن وحدات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية. وفور خروجه من السجن صار عضواً مؤسساً في حركة ‘المؤرخين الجدد’ الإسرائيليين، التي ضمّت أمثال إيلان بابيه وتوم سيغيف وآفي شلايم؛ ولعله كان أوّل مَن نحت التعبير، واستخدمه في توصيف اتجاه سعى إلى إعادة قراءة تاريخ إسرائيل، وخاصة سنوات التأسيس، من زاوية ‘النكبة’ والرواية الفلسطينية الموازية. في سنة 2008، واتكاءً على رفض الفلسطينيين لمقترحات السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون، ثمّ انطلاق الانتفاضة الثانية؛ تبدّلت قناعات موريس، جذرياً في مسائل كثيرة، فغادر صفوف الحركة.

ومنذئذ، صار ‘المؤرخون الجدد’ طريدة موريس المفضّلة، والدائمة أيضاً؛ وتحوّل رجل مثل بابيه، الزميل السابق، إلى ‘كاذب في إهاب بطل’، كما جاء في مقال مسهب نشره الأوّل في مجلة ‘نيو ريببليك’ الأمريكية، يراجع فيه ثلاثة من أعمال الثاني. ولم يعد ذنب بابيه، في ناظر موريس، يقتصر على إنصاف السردية الفلسطينية، والذهاب أبعد في إدانة التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل ضدّ الفلسطينيين، وفضح القيود الناعمة التي تعاني منها الحياة الأكاديمية الإسرائيلية؛ بل توفّر، اليوم، ‘إثم’ جديد: مسانـــدة ‘الجهاديين’ و’الإرهابيين’ المناهضين لنظام بشار الأسد! وأن يكون المرء مع حقّ السوريين في الانتفاض ضدّ نظام استبداد وفساد، انزلق نحو الفاشية القصوى والهمجية المطلقة، من أجل دولة الحقّ والقانون والمساواة والكرامة، في سورية ديمقراطية تعددية؛ أمر يعني، أيضاً، وبصفة ميكانيكية، أنّ المرء ذاته يؤيد الإسلام المتشدد الجهادي، ولا توسّط البتة!

لكنّ حملات التأثيم المتعاقبة هذه، والتي تتفاوت شراستها أو بذاءتها طبقاً لميزان دقيق هو مقدار الإضرار بمصالح إسرائيل، لا تفلح كثيراً في إيذاء صورة بابيه كما استقرّت طيلة عقود، وكما ترسخها أعماله ومواقفه. الرجل يواصل تقديم البرهان تلو الآخر على أنه لا يستحقّ مكانة ‘أشجع مؤرّخي إسرائيل، وأكثرهم مبدئية، وأقواهم حجّة’، كما يصفه الكاتب والمعلّق السياسي الأسترالي المعروف جون بيلجر، فحسب؛ بل أنه الطامح، دون كلل إلى بلوغ ذلك الشرف الرفيع الذي يحلم به ايّ مؤرخ نزيه: نبش الحقيقة، من باطن ركام الأكاذيب. ومن المبهج أنّ أحد أهمّ أعماله صدر مؤخراً بالعربية (تحت عنوان ‘الفلسطينيون المنسيون: تاريخ فلسطينيي 1948، ترجمة هالة سنّو، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر).

وبعد أبحاث لامعة، مثل ‘تاريخ فلسطين الحديثة’، و’القضية الإسرائيلية ـ الفلسطينية’، و’الشرق الأوسط الحديث’؛ كان بابيه قد أنجز درّة أعماله، في تقديري الشخصي، أي ‘التطهير العرقي في فلسطين’، 2007. الكتاب يعيد فتح ملفات النكبة من هذه الزاوية المحددة، حيث يساجل بأنه لا مفردة أخرى غير ‘التطهير العرقي’ يمكن أن تنوب عن تلك الممارسات التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في فلسطين آنذاك: أكثر من مليون فلسطيني شُرّدوا، بحدّ السلاح، عن بلداتهم وقراهم وبيوتهم؛ وجرى، عن سابق قصد وتصميم، تنفيذ مجازر جماعية؛ كما تمّ تهديم عشرات القرى الفلسطينية، ضمن مخطط متكامل. ورغم الجهود المنهجية التي بذلتها مختلف المؤسسات الصهيونية لطمس الوقائع الصارخة، مستندة في هذا إلى سطوة واسعة ونفوذ هائل، فإنّ حقائق تلك الجرائم أخذت تتكشف تباعاً، ولا بدّ لها أن تظهر كاملة، غير منقوصة، في أقصى وحشيتها.

وعلى غرار معظم دراسات ‘المؤرخين الجدد’، يناقش بابيه خيوط رواية صهيونية زيّفت التاريخ الإسرائيلي بصفة عامة، وحقائق الصراع العربي ـ الإسرائيلي بصفة خاصة؛ وعلى منوالهم، يذهب إلى تصوير الصهيونية كـ’خطيئة أصلية’ تكمن في أساس تاريخ العنف الذي اجتاح المنطقة بأسرها، ولا يختلف كثيراً مع زملاء له يميلون إلى الحكم على الصهيونية بأنها بقايا مُماتة Archaic من الاستعمار الغربي، سوف تنقرض عاجلاً أم آجلاً. وعن حرب 1948 يحاول المؤرّخون الجدد تهديم عدد من ‘الأساطير’ الثابتة في الرواية الصهيونية الرسمية، وبينها أنّ حرب 1948 كانت دفاع داود (اليهودي الضعيف) ضدّ جوليات (العربي العملاق)، وأنّ الفلسطينيين هاجروا استجابة لدعوة الجيوش العربية، والمنظمات الصهيونية الإرهابية لم تمارس سياسات منهجية لتهجير الفلسطينيين عن طريق إرهابهم وتهديم قراهم وطردهم، الأمر الذي تطوّر إلى مستوى الـ’ترانسفير’ الصريح.

وفي عواقب ممارسات النظام السوري العنفية القصوى الهادفة إلى كسر الانتفاضة الشعبية، ثمة تلك الممارسات التي أسفرت عن كثير من أنماط التطهير، المناطقي والطائفي والإثني، أو حرّضت عليها؛ سواء بوسيلة استخدام أسلحة التدمير الجماعي، أو ارتكاب المجازر ذات الأغراض الطائفية بقصد استدراج مجازر مضادة تتوسل الأغراض ذاتها. وإنّ ملايين المهجّرين بعيداً عن قراهم وبلداتهم ومدنهم، سواء داخل سورية بين منطقة وأخرى، أو خارجها إلى دول الجوار وأربع رياح الأرض؛ هم المؤشر الأكثر إفصاحاً عن تلك الأنماط التطهيرية، وهم أيضاً شكل ومحتوى كلّ مقارنة، مشروعة تماماً، مع مختلف أنماط التطهير التي شهدها العالم الحديث: من أندونيسيا ويوغوسلافيا وكينيا ورواندا، إلى فلسطين والصومال والسودان والعراق.

ولا عجب أنهم يأخذون على بابيه انحيازه الأخلاقي إلى صفّ الشعب السوري، ضدّ واحد من أبشع الأنظمة التي تمارس التطهير، بعد الإبادة الجماعية والمجازر البربرية والمذابح الهولوكوستية.

====================

المسألة السورية خارج مجلس الأمن

مرح البقاعي

الحياة

الاثنين 17/2/2014

من أولويات الشروط التي لم يفرضها الوفد السوري المعارض والمفاوض في «جنيف-2» وضع جدول زمني محدّد للمفاوضات بحيث لا تمتد إلى أمد غير معروف يسمح للنظام بشراء الوقت واللعب على حبل تطوّر الأحداث الذي هو خبير فيه. واتفاق حمص بين الأمم المتحدة والنظام السوري في الأسبوع الثاني من شباط (فبراير)، بمعزل عن الائتلاف وجهل تام منه، هو الذي يُفترض ان يكون جهة مشاركة في الاتفاق، وتطبيقه الهش الذي كان يقطعه من وقت لآخر قصف موجّه على قوافل الأمم المتحدة أثناء إجلاء المحاصرين المدنيين منذ ما يزيد على الـ100 يوم في المدينة المنكوبة، ناهيك عن الانحراف في حيثيات الخطة المعتمدة أصلاً في «جنيف-2»، وهي فتح ممرات آمنة لوصول المساعدات الطبية والغذائية قبل عمليات الإجلاء التي أقل ما نصفها بأنها تمييزية تمّت على أساس الفئة العمرية، بحيث لا يخرج من المحاصرين من تجاوز عمرهم الـ15 عاماً، تؤكد رغبة النظام في تغيير التوزيع الديموغرافي للمنطقة، وفرزها على قاعدة طائفية سياسية لا إخلائها لدوافع إنسانية، وذلك من أجل تحقيق مآرب بعيدة المدى في التأصيل لمناطق ذات طابع طائفي يتبع ويدين للنظام.

ومن اللافت أن الأمم المتحدة وافقت على هذا الانحراف في الاتفاق المبدئي الذي رعاه «جنيف-2»، وأن الابراهيمي لم يهتم برضا أو قبول الائتلاف، الممثَل بوفده المفاوض، في خصوص عمليات تحرير المدنيين المحاصرين في مدينة حمص. وكأن الأمم المتحدة تعقد اتفاقات جانبية مع النظام، وهو الجهة الأقوى على الأرض الآن باعتراف وزير خارجية الولايات المتحدة، السيد جون كيري، في تصريحاته الأخيرة غير المطمئنة، والتي أشار فيها إلى تفوّقه العسكري مقابل تراجع المعارضة المسلحة على الأرض. وهو يعلم تماماً ان مشروع «جنيف-2» كان مشروطاً منذ إطلاقه بوعود قطعتها الولايات المتحدة بتسليح متواصل للمعارضة لتحقيق توازن عسكري على الأرض يضمن لقواها المسلّحة دخول مفاوضات كهذه بشروط أفضل مما هي عليه اليوم.

لم يقتصر تخاذل المجتمع الدولي، بما فيه الدول الكبرى الراعية لـ «جنيف-2»، على الانفراد باتفاق أممي مع النظام في موضوع حصار حمص، بل تجاوزه إلى التغاضي عن المطالبة الملحّة للمنظمات الإنسانية، المحلية والدولية، بإعلان سورية بلداً منكوباً ومحكوماً بنظام فقد سيادته على الأرض، لأنه لم يفشل في حماية مدنييه وحسب بل توجّه بقتل ممنهج لهم مستخدماً كافة صنوف الأسلحة، المشروعة منها والممنوعة دولياً، ثم حاصرههم بسلاح التجويع والحرمان من أبسط شروط الحياة الإنسانية، وهي الدواء والغذاء.

في 2009 تقدّم الأمين العام للأمم المتحدة، السيد بان كي مون، بتقرير يسرد البنود الثلاثة لمبدأ مسؤولية حماية المدنيين المعتمد في الجمعية العامة، والذي ينص مبدأه الأول على ما يأتي: «تقع على عاتق كل دولة المسؤولية الدائمة لحماية شعبها، سواءً كانوا مواطنين أو مقيمن على أراضيها، من أشكال التحريض أو ارتكاب أعمال الإبادة وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية بحقّهم. وتكون مسؤولية تجنب انتهاكات حقوق الإنسان جزءاً لا يتجزّأ من الدور السيادي الذي تمارسه هذه الدولة، واحترام حقوق الإنسان المؤشّر الأساسي على مدى المسؤولية التي تتمتع بها هذه السيادة».

بناء على ما تقدّم يصبح من واجب الأمم المتحدة في جولة «جنيف-2» المقبلة أن يحسم أمره ويطالب عبر مندوبه، الابراهيمي، في البدء بتطبيق البند الأول من «جنيف-1» فوراً، وهو تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحية للحكم في سورية بعدما سقطت السيادة عن النظام الحالي، ليس بسبب عدم حمايته مدنييه وحسب، بل للاعتداء عليهم والتنكيل بهم وقتلهم في شكل ممنهج ومتعمّد منذ ما يزيد على 1000 يوم ابتداء بتاريخ اندلاع الثورة السورية الماجدة.

وإذا أسفرت الجولة الثانية من «جنيف-2» عن المزيد من التمييع لرسم خريطة طريق، محدودة زمنياً، بغية تطبيق بنود «جنيف-1» الستة كاملة، والانتقال بسورية إلى حكم مدني ديموقراطي تعدّدي لا وجود لبشار الأسد وزمرته القاتلة فيه، فلا بد حينها من اللجوء إلى الجمعية العامة لتطبيق مبدأ مسؤولية حماية المدنيين كحلّ أخير لانقاذ ملايين النازحين والمحاصرين والمعرّضين يومياً للقتل في الداخل.

الأزمة السورية المستعصية تقدّم نموذجاً للتدخّل الإنساني تحت مبدأ مسؤولية الحماية. فسلوك النظام العنفي، وآخر فصوله مشاهد الانتهاكات خلال فكّ حصار حمص، إنما يؤسس لحالة جرائم ضد الإنسانية يرتكبها النظام، على رغم جهود المجتمع الدولي لوضع حد لإنهاء العنف النظامي عبر إجراءات سلمية اتخذتها الأمم المتحدة في الضغط الديبلوماسي والسياسي، وفرض العقوبات الاقتصادية والمالية على مؤسسات النظام وأفراد الضالعين في تمويل القتل المنظّم، وخطط سلام عديدة وهُدن لوقف إطلاق النار وضعت وفشلت في إيقاف مسار الموت. وما تجاهل القوات النظامية الإتفاقية الأممية المنعقدة إثر «جنيف-2» لوقف إطلاق النار في حمص، بل مهاجمتها المدنيين المحاصرين أثناء إجلائهم، وفي حضور المراقبين الدوليين، إلا دليل قاطع على وجوب اللجوء إلى آخر الطب وهو الكيّ.

وبمرجعية مبدأ مسؤولية حماية المدنيين الأممي، فإن تحالفاً من الدول أو المنظمات الإقليمية يمكن أن يتدخّل في شكل مشروع في سورية، مع أو من دون تفويض مجلس الأمن، لحماية المدنيين من إرهاب وعنف الدولة الممنهج بعدما فشلت كافة السبل الديبلوماسية والسياسية والعقابية في إيقافه.

إن تدخّلاً في سورية ربما كان الأمل الأمثل للمجتمع الدولي لتجنّب مزيد من الكوارث الإنسانية، وهذا التدخّل الإنساني ســيكون متناغماً مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والشرعة الانسانية العادلة.

====================

حزب البعث وبورقيبة في عين التاريخ

منير الخطيب

الحياة

الاربعاء 19/2/2014

بينما كان العالم يشاهد على الشاشات الصغيرة آلاف الصور لجثث المعتقلين السوريين الذين قضوا تحت التعذيب، ويشاهد جحيم البراميل المتفجرة وهي تتساقط على معظم المدن السورية، كان المجلس التأسيسي التونسي (البرلمان) يصوت على الدستور الجديد للبلد، الذي حسم نهائياً مبدأ «مدنية الدولة» ومبدأ حمايتها حرية المعتقد والضمير، وكذلك أقر التساوي التام في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل.

بكلام مختصر، صوت المجلس التأسيسي على دستور علماني وفقاً للمعايير الكونية. والسؤال الكبير الذي تفرضه المقارنة بين مصيري الثورتين السورية والتونسية: لماذا حكم التاريخ، على ثورتين متزامنتين، انطلقتا من أجل ذات الأهداف: الحرية والكرامة وبناء الدولة الوطنية والتوزيع العادل للثروة وإرساء مرتكزات المواطنة، حكمين مختلفين في النتائج إلى حد الآن؟.

هناك أسباب متعددة أدت إلى هذا التغاير في النتائج، لكن من أهم الأسباب المحددة: هو الفرق المنهجي بين المرحلتين البورقيبية في تونس والبعثية في سورية. فإذا كان علينا أن نصفق للمجلس التأسيسي التونسي مرة، علينا أن نصفق لبورقيبة مرتين، مرة لأنه نصح العرب بالتسوية مع إسرائيل، ولم تكن وقتها الضفة الغربية والجولان وقطاع غزة قد احتلت (قبل عدوان 67)، وأقام، حين ذاك، الممانعون والمقاومون، الذين يذبحون شعبهم اليوم، عليه الدنيا ولم يقعدوها، ورفعوا بوجهه تهم العمالة والخيانة... وعلينا أن نصفق له مرة أخرى، لأنه حيّد تونس عن مناخ البله الجماعي، الذي اجتاح المنطقة العربية تحت تأثير الثوران القومي/اليساري، وذهب فيها نحو «التحديث» وإن كان تحديثاً ليس عميقاً، أي ذهب فيها مبكراً نحو خيار الوطنية التونسية.

وكما يقول المناطقة: النتائج تكمن في المقدمات، فإن تصويت المجلس التأسيسي على هذا الدستور العلماني، يرجع إلى تلك المقدمات التحديثية التي أرستها البورقيبية. فقد أنتجت كتلة كبيرة من الفئات الوسطى والمثقفين والمتعلمين والتكنوقراط، إضافة للمرأة بالطبع (كتلة علمانية)، كان من الصعب أن تعصف بهذه الكتلة رياح الإسلام السياسي، واندفاعة الهويات الماضوية. بكلام مختصر: لقد حصّنت البورقبيية المجتمع التونسي مرتين، مرة ضد البله القومي في الخمسينات، وهذه المرة في عام 2013 ضد البله الإسلاموي. يكفي أن نشير، مثلاً، إلى أثر التحديث في تونس في الحد من ظاهرة الانفجار الديموغرافي: لقد كان عدد سكان تونس في الستينات مساوياً لعدد سكان سورية، والآن عدد سكان تونس يقترب من 10 ملايين نسمة، بينما عدد سكان سورية يقترب من 24 مليون نسمة، هذا حافظ إلى حد كبير على وزن الفئات الوسطى (العلمانية) في المجتمع التونسي، في الوقت الذي أدى الانفجار السكاني في سورية إلى تآكل هذه الفئات.

على النقيض من التجربة البورقيبية، كانت تجربة البعث في سورية تجربة نزع الحداثة. لقد استلم البعثيون سورية متقدمة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وحضارياً عن تونس، فسورية كانت أول دولة في آسيا وأفريقيا تستقل من دون حساسيات طائفية أو مذهبية أو إثنية، وكانت تمتلك برلماناً اقتحمه اقتحاماً أول نائب شيوعي في المنطقة العربية (خالد بكداش)، وكان هذا البرلمان يضم ممثلاً عن الطائفة اليهودية في سورية، وكان يحاسب رئيس الدولة على مصروف بنزين سيارته الحكومية. لقد أدخل البعثيون السوريين، قسراً، في تجربتهم وهم يسيرون على طريق تشكيل شعب ودولة، وأخرجوهم منها طوائف ومذاهب وإثنيات، وسلطات قاتلة سواء كانت هذه السلطات «ممانعة» أو «سلطات داعشية» بكل أنواع الداعشية. نعم ما نشاهده اليوم في سورية من قتل وتدمير، لم يسبق له مثيل في التاريخ، هو نتاج تلك المقدمات التي زرعتها التجربة البعثية المشؤومة. وإن الدرس التاريخاني الذي تعلمنا إياه المقارنة بينها وبين التجربة البورقيبية، تدفعنا إلى التمسك بالحداثة الجذرية في مواجهة طوفان الموت الذي قذفت مجتمعاتنا إليه السلطات والتنظيمات الممانعة والمقاومة بشقيها السني والشيعي اللذين هما من ماهية واحدة، ينبعث من أصلابها الدمار العميم.

* كاتب سوري

====================

نظام الموت الوطني!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 19/2/2014

لم يعد نظام دمشق مسؤولا عن أي شيء غير موت السوريين. في الكلامولوجيا الدعائية، السوريون كلهم معه ووراءه، وهو لا يفعل أي شيء من دون مشاورتهم ومشاركتهم، أليسوا هم من يختارون قياداته بملء إرادتهم، ويدافعون عنه بالأرواح والمهج، ولا يرضون بديلا عنه؟! أما في الواقع، فالنظام لم يقصر يوما في ملاحقة الشعب والقضاء عليه، وعمل ما في وسعه كي يطرد بعضه بالقنابل والصواريخ إلى تركيا والأردن ولبنان ومصر وليبيا والجزائر والسودان وأوروبا وكندا... إلخ، ويحاصر بعضه الآخر داخل منازله المقصوفة والمهدمة في جميع قراه ومدنه، ويشرد من بقي منه داخل وطنه، ليتشارك مع القسمين الآخرين في الموت والجوع والمرض. بقوة هذا النمط الفريد من حب النظام لمواطناته ومواطنيه، هلك مئات الآلاف من السوريين في البراري والقفار، داخل البلاد وخارجها، ودمرت قرى ومدن بكاملها، وشنت غارات متعاقبة في الليل والنهار على آمنين لا ذنب لهم غير إعلان رغبتهم في أن يكونوا أحرارا، تطبيقا لشعار يرفعه النظام منذ نيف وستين سنة فقط يعدهم بالحرية، وسوى تعلقهم بكرامتهم الإنسانية، التي أفقدهم إياها لفترة طويلة ودفعهم اليأس من فقدانها إلى المطالبة باستعادتها سلميا وقانونيا. لا عجب أن هذا النمط من حب السلطة الأسدية لسوريا حوّلها إلى مقبرة، وقضى ليس فقط على ما تم بناؤه في عهد الأسدين المشؤوم، بل على كل ما بنته أجيالها المكافحة خلال القرون، وعلى رأسه العلاقات الوطنية والإنسانية التاريخية بين بناتها وأبنائها، الذين عاشوا دوما في ظل تفاعل مفتوح بينهم قام على قبول تنوعهم فجعل منهم شعبا واحدا، قاوم موحدا الغزوات والغارات الأجنبية والخارجية، ونجا بجلده ووحدته من مهالك تاريخية مرعبة كغزوات وحروب الفرنجة والمغول والعثمانيين والاستعماريين الأوروبيين، وها هو يبدي اليوم أيضا قدرا كبيرا من المقاومة ويحبط خطط النظام لتأليب أطرافه بعضها ضد بعض، ولتحريض الأخ ضد أخيه، وإنكار الحق في الحياة على كل من ليس معه أو تابعا له أو خاضعا لسطوته.

يواجه النظام العالم وشعب سوريا بأكذوبتين؛ أولاهما أنه نظام شرعي يواليه «شعبه» الرسمي الخاص، الذي يدين له بالطاعة العمياء، وثانيتهما أن شعب سوريا غير الرسمي متمرد وعديم الوفاء، لأنه منساق وراء أصوليات متنوعة مذهبية وطائفية الطابع، تشوه الحقائق حين تجعل منه ممثل أقلية مذهبية، وتنكر هويته كنظام شعبي وطني، علماني وتقدمي. استخدم النظام أكذوبة الشعب الخاص، الموالي له، لتبرير عدوانه الدائم على الشعب الآخر، الرجعي والأصولي، ورفض دوما محاولات تنبيهه إلى ما في أكذوبتيه من تناقض، وتمسك بأن ولاء شعبه له وصمت الشعب الآخر عنه هما مصدر شرعيته الوطيدة التي لن تتزحزح، ويسوقها تارة باسم ولاء «شعبه» له، وأخرى باسم حماية الشعب الآخر مما هو راسخ في نفسه من فوات تاريخي وآيديولوجيات مذهبية - أصولية.

بهاتين الأكذوبتين يصير كل شيء مسوغا: تجاهل الشعب ومطالبه باسم ولائه، والقضاء عليه باسم محاربة أصوليته ورجعيته. بهذه الآيديولوجيا، يسمح النظام لنفسه بإتيان جميع أنواع الممارسات الممنوعة قانونيا ودوليا ووطنيا وإنسانيا حيال السوريين. وبما أنه يستهين به كموالين ويعاديهم كإرهابيين، فإنه يرفض الإقرار بأن لهم حقوقا، وينتهج سياسات ثابتة تقوم على تجويعهم وتعذيبهم وقتلهم، ترغم كل فرد منهم على أن يكون مسؤولا أمامه، من دون أن يكون هو مسؤولا بأي صورة من الصور أمامهم أو تجاههم، فإن قطع الكهرباء والماء عنهم بمناسبة وبلا مناسبة كان ذلك أمرا عاديا وطبيعيا، وإن اعتقل أولادهم كان اعتقالهم لغرض لا حق لهم في السؤال عن مسوغاته، وإن دفنهم أحياء، فلأنهم اقترفوا ذنبا عظيما يعاقبهم كي يحمي غيرهم منه، وإن قصف بيوتهم ودمر أحياءهم فذلك مكرمة من مكارمه، التي لا يدركون كنهها وليس من حقهم معرفته.

كان سوريون كثيرون جدا يخشون أن يكون النظام قد نجح في قتل روحهم المعنوية، وكانوا يؤمنون أن تصرفاته انصبت جميعها على كسرها. واليوم، وقد بينت الثورة أنها حية ومقاومة، فإنه يصب حقده على حياتهم ذاتها، ويقضي عليها بجميع وسائل الحرب التي في حوزته، مستخدما قدرا من العنف لا سابقة له في علاقات أي حكومة بشعبها، أذهل العالم الذي لم يعرف مثيلا له حتى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما وقع في تاريخه القديم والحديث من حروب دام بعضها سنوات وعقودا، لكنها خلت من الممارسات الوحشية التي تميز حربه ضد من يسميه «شعبه».

إذا ما قارنا حجم تقدمات النظام للشعب السوري بحجم الضحايا الذين سقطوا على يديه منه، كان من حقنا القول: إنه نظام موت وطني وليس ما ادعته أجهزة الكذب المدربة عنه، والدليل: ما إن انطلقت الثورة حتى بان على حقيقته، عاريا ومفضوحا، وتأكد أنه نظام يديره قتلة يكرهون الحياة والإنسان، لذلك لم يتركوا له أي خيار غير أن يقضى على أيديهم، أو ينال حريته منهم بالقضاء عليهم، بعد أن أيقن أن حريته هي ضامن وجوده الوحيد!

====================

لمن نقرع الأجراس ... مهادنات أو مصالحات : ينزل علم الثورة عن ببيلا ويرتفع علم بشار

19.02.2014

زهير سالم

لمن نقرع الأجراس ؟! ولماذا الإصرار على الكتابة ؟! يقولون إن الإنسان أحيانا يغني ليدفع عن نفسه الخوف أو الوحشة أو ليؤنس نفسه أو تعبيرا عن حاجته إلى أن يقول شيئا ما أو أن يسمع شيئا ما ، لنفسه يقول ومن نفسه يسمع ، حين يعز أن يجد من يقول أو من يسمع ..

ولأن المشهد السوري للثورة التي عملنا عليها وحلمنا بها سنين طوالا سار ويسير في سياق لم يكن نتصوره أو نقبل به ، ولأننا لا نظن أن الثورة تجربة ميكانيكية يمكن أن تحصل كلما ضغط أحدهم على زر ، من الخارج كما يرى بشار الأسد ، أو من الداخل كما يتصور الذين يظنون أن الشمس يمكن أن تنتظرهم ؛ فإن الكتابة وإن كانت غير مقروءة تبقى فعلا تاريخيا وتوثيقيا يحمّل المسئولية لأصحابها الذين أقصوا واستأثروا وقرروا غرورا بكفاءتهم أن ينفردوا ...

على اضطرار كُتبت تلك المقدمة لتوصيف مشهد لا يسر السوريين الذين ضحوا بكل شيء في سبيل ثورتهم أنه يسمعوه . يستعينون في بعض المختبرات الطبية المتقدمة بخبراء نفسيين مساندين ليجدوا الوسيلة الألطف ليبلغوا المريض أو أسرته نتيجة التحاليل الطبية المؤلمة ..

مفتونو حزب البعث العربي الاشتراكي وهم عائدون من هزيمتهم الكبيرة – وليس الأكبر – في السابعة والستين استطاعوا أن يروا تلك الهزيمة نصرا وأن يفلسفوا هذا النصر وأن يتباهوا به ويعلنوه ، ويبدو أن هذه القدرات الخارقة العجيبة ليست وقفا عليهم وحدهم ..

بالأمس وبينما كان بعض الناس يحتفل بنصره العظيم في جنيف ، وبينما كان فريق آخر يصفق لقيادة جديدة للجيش الحر ، وكان فريق ثالث يعلن عن تشكيل تمثيل جديد للمعارضة السورية ، و فريق رابع متكئ على أريكته ...؛ كانت بلدة ببيلا في ريف دمشق تطوي علم الثورة وترفع علم بشار الأسد ..

تمر الواقعة بهدوء كما مرت سابقاتها من قبل ، لا يلقي لها أحد من القيادات الملهمة المظفرة بالا . تمر الواقعة النكسة وسط ضجيج معركة يبرود حيث يحشد تحالف الشر خيله ورجله ، طائراته ودباباته وصواريخه ومدفعيته ، وحيث تترك يبرود لمواجهة مصيرها كما فعل بأخواتها القصير وما تلاها من قبل .

وما جرى في بيبلا الاثنين 17 / 2 / 2014 جرى في بلدات كثيرة وعديدة وسط اللامبالاة نفسها ، والاستهتار نفسه ، وسوء التقدير للحدث نفسه ، والعجز عن قراءة الدلالة نفسها ، وإلا أي لو قرؤوا الحدث بدلالته لأحدث في موقفهم هزة ولو بمستوى قول القائل ( كما انتفض العصفور بلله القطر ) قبل بابيبلا كان هناك قدسيا – والمعضمية – وبرزة – وبيت سحم – ويلدا – واليرموك – وحمص – ويدور التفاوض اليوم على حرستا ..

وليس من غرض هذا المقال التثريب على أطفال أنهكهم الحصار والجوع والعطش والبرد والمرض والجراح وقلة العدة ، وانقطاع المدد ، وعجز الخليّين وخذلان القريب بل الغرض منه التنبيه إن كان ما زال هناك فرصة للانتفاع من تنبيه ..

إنها استراتيجية تصفية الثورة والثوار بالعزل والحصار والقضم . الحصار يحول الفضاء الثوري إلى جيوب ، وبإحكام الحصار على هذه الجيوب يتم تصفيتها جيبا جيبا . هاهنا استراتيجية وخبراء دوليون يخططون وينفذون فالثورات أو قمعها لا يقودها ( أبو الهنا توكلنا ) . والثورات أو قمعها لا تقاد بالتفاريق وإنما بالاستراتيجية الواحدة المحكمة ..

ونلحظ في استراتيجية الكيد هذه أنها بينما ترفع شعار ( المصالحات ) في سوار دمشق الجميلة تدك بالبراميل المتفجرة حلب العصية تمهيدا للحظة الصلح المنشود ..

نعلم أن بقية الثوار في هذه البلدات ترفض تسمية ما يجري ( مصالحات ) ويؤثرون تسميته ( الهدن ) ولكن العبرة في العقود بالمعاني وليس الألفاظ والمباني , وأكثر الفقهاء أجازوا العقود بألفاظ الكناية حيث قالوا ويغني زوجتك عن أنكحتك ...

منذ أكثر من عام واستراتيجية القضم هذه تفعل فعلها : فمع امتداد الزمان ، وتراخي الناس ، وذوبان القيادات السياسة في الكؤوس الدولية ، وغياب المشروع الثوري عن الأعين ، وفقدان الصوت الوطني الذي يلهب المشاعر ويشد العزائم ويرفع الهمم ثم مع كلب الجوع والعطش والمرض والبرد والخوف ؛ دبّ الضعف والوهن إلى القلوب فالعقول ، وتحرك من سموا أنفسهم سعاة الخير بالصلح بين الناس وقال اليائسون والضعفاء ( والصلح خير ) وأصبحنا أو أمسينا نحكي كان يا ما كان في حديث الزمان ..

إلى الذاهبين إلى جنيف وإلى القاعدين عنه هذا سقف ما يبذله بشار الأسد لكم ..

تدخلون بيت الطاعة وترفعون علم بشار وتطوون علم الثورة ..

وتسلمون سلاحكم الثقيل ..

ومقابل ذلك تأكلون وتشربون .... وللنقاط تفسير

وتستسلمون بتسليم سلاحكم الخفيف فيحصل من لم يقاتل منكم على عفو عام فقط لتشهدوا بالغد على أنفسكم أنكم الإرهابيون وأن بشار الأسد رؤوف رحيم ...

لندن : 18 / ربيع الآخر / 1435

====================

كيف تستمر مفاوضات جنيف وما يزال النظام يقصف حلب بالبراميل؟

15.02.2014

الطاهر إبراهيم

يصر وفد نظام بشار أسد إلى مفاوضات جنيف، على البدء ببحث الإرهاب قبل الهيئة الانتقالية التي تحكم سورية حتى تجري انتخابات برلمانية شفافة تفرز حكومة تضع دستورا لسورية. بينما يصر وفد الائتلاف على بحث تشكيل الهيئة أولا. ويعجب المواطن كيف أن وفد الائتلاف إلى جنيف، وفيهم "ميرابو" الائتلاف "ميشيل كيلو"،كأنما أكل القط ألسنة الوفد،فلا يرد أحدهم على وفد النظام: بأن جنيف1 يقر في بنده الأول: (التزام وقف دائم للعنف المسلح بكل أشكاله). فهل هناك إرهاب أكبر وعنف أشد من قصف الناس في حلب بالبراميل، فتتهدم الأبنية فوق رؤوس النساء والأطفال والشيوخ والعجزة؟ أم على أفواه أعضاء وفد الائتلاف أقفالها؟

من جهة ثانية يحاصر النظام أحياء حمص كلها، فيخيم الجوع والمرض على من تبقى فيها من نساء وأطفال، منتهكا ما جاء في اتفاق جنيف في بنده الثاني الذي يقول: إن (على الحكومة في جميع الظروف، أن تتيح لكل المنظمات الإنسانية الوصول إلى جميع المناطق المتأثرة بالقتال وإجلاء الجرحى ومغادرة جميع المدنيين الذين يودون ذلك).

كان على وفد الائتلاف أن يصر على هذا الأمر كأولوية، فهو، وإيقاف القصف أهم ما جاء في جنيف1. وقد خرق النظام هدنة لعدة أيام لإدخال الأغذية وخروج المدنيين،فلم يحرك الائتلاف ساكنا واستمر في المفاوضات.

كان باستطاعة وفد الائتلاف أن يفضح النظام ويقيم عليه الحجة أمام العالم بأنه يضيع الوقت بعدم التزامه بتطبيق بنود جنيف1،وإن النظام هو من يشرعن للعنف والإرهاب باستمراره في قصف حلب وغيرها ببراميل الموت والدمار.وهو من يعمل على هلاك الشعب السوري جوعا ومرضا بحصاره داخل مدن سورية وبلداتها.

بعد هذا كان يمكن وفد الائتلاف أن يقول للعالم: إن نظاما كهذا لا يمكن أن يكون مؤتمنا على شعب أعزل، وإن على المجتمع الدولي أن يفرض رحيل النظام تحت البند السابع، أو السماح للدول الشقيقة والصديقة بتسليح الشعب السوري كله، وليس تسليح كتائب الجيش الحر فقط.

عندها ينتقل وفد الائتلاف إلى البند الثالث في جنيف1وهو (إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تهيئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية، وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية). وإلا فلا معنى لهذه الهيئة في ظل القصف والجوع والحصار المفروض.

السوريون بأكثريتهم الساحقة مقاتلون ومواطنون ومعارضة سياسية مغيبة رفضوا ذهاب وفد الائتلاف إلى جنيف. لأن موسكو ما تزال تتمسك بهذا النظام القاتل. وهي اليوم تهدد باستخدام حق النقض ضد القرار المعروض حاليا على مجلس الأمن لفتح طرقات آمنة لإيصال كل ما يلزم للسوريين المحاصرين في المدن السورية. أما واشنطن فليست معنية أصلا بإزاحة النظام القاتل عن سدة الحكم بسبب معارضة إسرائيل. ورغم ما تقدم كان السوريون يتمنون لو يتحقق على يدي الوفد في جنيف ما ينتشلهم من هذا الجحيم المقيم.

وفد الائتلاف لا يتمتع بالأهلية التي تجعله يقف على قدم المساواة مع وفد النظام المراوغ، بله أن يتفوق عليه. فمعظم أعضاء وفد الائتلاف هواة في السياسة. حتى إن رئيس الائتلاف أحمد عاصي الجربا تساءل بسذاجة: "لماذا لا يأتي فاروق الشرع ويكون على رأس الوفد، وهو له مصداقية لدينا والباقي ليس لديهم مصداقية"؟ إذا كان رئيس وفد الائتلاف بهذه السذاجة، فكيف يكون باقي الوفد؟ ... (إذا كان رب البيت للطبل قارعا     فشيمة أهل البيت كلهم الرقص).

وهل النظام حريص على أن يرسل إلى جنيف من له مصداقية؟ وقد رأينا عينة من وفد النظام لا تتمتع بأي مصداقية مثل وليد المعلم وعمران الزعبي وبثينة شعبان. فإذا رأت الأمم المتحدة أن تختار فاروق الشرع ليرأس هيئة الحكم الانتقالية، فقد أفشل الجربا ذلك بسذاجته الطفولية.

*كاتب سوري

====================

إلى مشعل التمو .. مجدداً

15.02.2014

روني علي

مازلت أتذكرك

وأنت تغازل بسمتي

وترسم قبلاتك الندية

على خدود طفلتي الصغيرة

وتلقنها أول دروسك في الحب

قل لي .... عمو

ما زلت أتذكرتك

وأنت تقلب طاولة رتابة الكلمات

في "خانزاد" الملتقى

لتفاجأ المتربشعين على كراسي الثقافة

"كلنا يحتضن في أعماقه

ديكتاتورا صغيراً"

ما زلت أتذكرك

وأنت توزع البسمة

في محنة آذارنا

وتزرع شموع التواصل

في خطين مستقيمين

في استذكار "الخزنوي"

مازلت أتذكرك

وأنت تتربع عرش الخطابة

لتدق ناقوس الخطر

وتعلن في زمن الصمت

مكررا

"أبصقوا في وجه جلادكم"

مازلت أتذكرك

وسيماً

توزع الأوسمة من نعشك

ونحن نتهاوى على أرصفة الموت

بين دخان القنابل

وزخات الطلقات

مازلت أتذكرك

وأتذكرك

وربما .... نتذكرك

====================

ركيزة الحل السياسي في سورية .. عصا الجد المسروقة : الجيش .. والأمن

17.02.2014

زهير سالم

الحل السياسي هو الصيرورة التي ينتهي إليها كل صراع داخلي يدور على الساحة الوطنية . والحل السياسي فيما نتصوره لوطننا هو إعادة نظم العلاقة بين مكونات مجتمعنا الواحد ، كما هو إعادة التأسيس لبناء دولة مدنية عصرية تشمل بظلها كل السوريين ، على قاعدة من المساواة والعدل الكاملين .

نعتقد ، على خلاف ما يظن بنا الشانئون أو المتربصون ، أن ثورتنا لو أحرزت نصرها العسكري ، وهي بإذن الله قادرة على ذلك ،  فإن هذا النصر لن يمنعها من السعي إلى الحل السياسي بل سيضعها أمام تحدي خيارها الثوري الأصلي : بناء الدولة المدنية الحديثة التي تقوم على كاهل  السوريين وبإرادتهم . الإرادة الوطنية الصادقة المعبرة عن ذاتها وفق أرقى المعايير السياسية المتوافق عليها عالميا .

إن المبادئ الأساسية للحل السياسي هي نفسها المبادئ الأساسية التي تنتظم علاقات كل المجتمعات ، والتي تقيم عليها كل الدول الحديثة بنيانها : مساواة في الأهلية الوطنية على أساس مدني يتجسد في المواطنة كقاعدة وأساس ، وعدل سابغ في الحقوق والواجبات . ورفض كامل لسياسات الإقصاء أو للطموحات في التميز والاستئثار . والثورة تعني أنه قد ولى عهد قانون الامتيازات ..

إن ( الجيش والأمن ) هما المؤسستان اللتان تملكان عصا السلطة وقوة الإلزام القهري ، هما نقطة الارتكاز الأساسية في بناء الدولة في عالمنا الثالث بشكل خاص ..

إن كل مؤسسات الدولة وأجهزتها وبناها بل وقراراتها هي رهن إرادة هؤلاء الذين يملكون هذه العصا السحرية ، عصا السلطة ، أو عصا الجد ، كما تصورها الشاعر التركي حكمت سلالمو ، العصا التي سرقها البعض ليقهر بها أبناء مجتمعه الآخرين ...

وإنه ليكفي للدلالة على أهمية ودور هاتين المؤسستين والتي تعتبر الثانية منهما ( مؤسسة الأمن ) منبثقة عن الأولى ؛ أن نذكر أننا في كل لحظة نسمع من يتساءل : هل بشار الأسد هو صاحب القرار في سورية أو أنه مجرد قناع لإرادة من ورائه من الأشرار ..؟!

أو أن نسمع من يتساءل كيف يرضى جيش وطني وأمن وطني أن يفعلا بأبناء وطنهما ما يفعل هؤلاء , بالأمس كانت السيدة آموس في مجلس الأمن تقول : نعرف أن ما يدور في سورية هو الحرب ولكننا نعرف أن للحروب قواعدها أيضا . في إشارة منها أن عصابات المؤسستين العسكرية والأمنية قد تجاوزتا في حربهم على أطفال سورية كل حد .

إن الثورة في سورية قامت ضد هذه العصا الغليظة التي سامت الشعب السوري رهقا على مدى نصف قرن ..

وإن التجاوز والتساهل في أمر هاتين المؤسستين هو نوع من الغرور أو نوع من التغرير ..

ولكي تحقق هذه الثورة أهدافها يجب أن تعود  ( عصا الجد المسروقة ) هذه إلى أصحابها الحقيقين . يجب أن يمتلك الشعب السوري وإلى الأبد الآلية أو الأداة أو العصا التي تعينه على حفظ ثورته أي حماية دولته ومجتمعه . إن التعويل على ضمانة الآخرين وتعهداتهم هو تعويل المرابين والتجار والخليين والمغرورين . لا عاقل على ظهر هذه البسيطة يضع أمنه الوجودي وأمنه المجتمعي وأمنه الوطني بيد آخر كائنا من كان أو كائنا من سيكون ..

إن التجربة المرسية – السيسية في مصر تؤكد على كل أبناء الشعوب المقهورة : لا تأمنوا .. ولا تراهنوا .. واحذروا أن تخدعوا ..

إن ما دفعه أبناء شعبنا في سورية بين ثورتي 1980 – 2011  ثمنا لحقهم في الشمس وفي الهواء ، والذي ما زالوا يدفعونه ؛ كان غاليا جدا . إن شعوبنا تريد أن تتفرغ لدورها في بناء حضارتها ، وصناعة مجدها ، وخوض معارك تنميتها في كل الميادين ، ولا نريد أن نخرج من ثورة بملايين الضحايا لنعد العدة لثورة أخرى من جديد ..

إن الحديث عن الحل السياسي قد لا يتناسب مع فتح ملف المؤسسة العسكرية السورية التي بدأنا نأنف من تسميتها الجيش العربي السوري .

ملف الممسكين بقرار هذه المؤسسة لم يكن مشرفا على الصعيد العملي لا في أدائها المهني : حروب الثامنة والأربعين والسابعة والستين والثالثة والسبعين ثم في بقاء جولاننا محتلا لنصف قرن من الزمان ..

وسلوك الممسكين بقرار هذه المؤسسة لم يكن مرضيا حسب منظومة القيم التي يؤمن بها جماهير شعبنا بخلفياتهم الحضارية والدينية والقومية ..

ثم ما آل إليه أمر هذا النفر ، الممسك بقرار هذه المؤسسة في التعامل مع الثورة والثوار ، مما دفع الكثيرين ممن كانت لديهم بقية من قيم ومن كرامة ومن شرف إلى الانشقاق عنها أو التمرد على أوامر قياداتها المريبة ، مما أدى إلى قتل الكثير منهم على أيدي أكابر المجرمين لأنهم فقط رفضوا إطلاق النار على مواطنيهم ..

وما قلناه عن المؤسسة العسكرية يقال أكثر منه عن ملف موبقات المؤسسات والأجهزة الأمنية ...

مؤسسة لم تصد اختراقا ، ولم تلق القبض على جاسوس لا في لبنان ولا في سورية ، غير ما زعموا عن طفلة سورية اسمها ( طل الملوحي ) الجاسوسة الخطيرة ابنة السابعة عشرة لو تذكرون ...

المؤسسة الأمنية هي المؤسسة التي بثت الرعب ونشرت الفساد بل كانت بؤرته وأداته وراعيته .

وإننا اليوم حين نتحدث عن حل سياسي في سورية فيجب أن تكون رؤيتنا واضحة وكلامنا صريحا بلا مواربة ولا لجلجة : لن يكون هناك حل سياسي في سورية إن بقي لإحدى هاتين المؤسستين ظل من سلطان . إن سورية المنتصرة على هاتين المؤسستين بكل ما فيهما من شر وكراهية وفساد ستكون أجمل وأرقى ...

وسورية بحاجة إلى جيش عربي سوري ، جيش وطني نعم، ولكن الحل السياسي الحقيقي هو الذي يأخذ في برنامجه بناء جيش وطني تكون نواته الحقيقية  قيادات الجيش الحر وكتائبه ومن أحب أن يتطوع من أفراده .

وفي الوقت نفسه تحتاج سورية الثورة إلى مؤسسة أمنية تبنى عقيدتها العملية على أن المواطن السوري هو محل الحماية وأن ميدان عملها الحق هو المتربصون الذين ما زالوا يحققون على أرضنا اختراقا بعد اختراق ..

إن الحل السياسي يجب أن يتضمن تشكيل لجنة وطنية عليا للنزاهة ـ تعيد فحص بل تفحص ذاتية كل هؤلاء الصامتين على إرادة القتل والانتهاك و التدمير وإدارة الفساد ..

الثورة لا تريد ظلما لسوري مهما يكن موقعه . ولكن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح . إن كفاية الفرد في نفسه وأسرته وغده أمر سيكفله منطق العدل والمساواة الذي سيكفل ذلك للجميع ولكن منطق العدل له أيضا مقتضيات واستحقاقات أخرى لا ينبغي لها عن أعيننا أن تغيب ...

أقول للذين يكتبون باسم الثورة السورية : (( اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ..)).

لندن : 16 / ربيع الآخر 1435

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com