العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22/12/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عن أي ثورة ندافع إذاً؟

عمر قدور

المستقبل

الاحد 15/12/2013

من العار حقاً أن نصل إلى إدانة اعتقال ناشطي مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، على يد جهة مسلحة تنشط في "دوما المحررة". لكن من العار أيضاً أن ندفن رؤوسنا في الرمل ونحسب ما جرى انتهاكاً عارضاً، فتجاوزات بعض المجموعات المسلحة لم تعد في إطار الأخطاء التي تحدث في الحروب؛ هي طعنات في ظهورنا جميعاً، وبالدرجة الأولى هي طعنات موجهة للثورة التي قامت أصلاً على الضد من مصادرة الحريات. من العار أن نستذكر، في لحظة اعتقال رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل وناظم حمادي، اعتقالَ الأب باولو وفراس الحاج صالح خارج سجون النظام، وأن نستذكر اعتقال المناضل فائق المير من قبل النظام ضمن ما أشيع عن صفقة بين الأخير وإحدى المجموعات التي طعنته بالظهر وأوقعت به. العار يكبر عندما ننوه بأن ناشطي مركز توثيق الانتهاكات وقبلهم فائق المير كانوا طوال الوقت يمنحون الأمل للآخرين؛ يمنحونه من خلال وجودهم في قلب الثورة وإيمانهم بها على الرغم من كل عوامل اليأس، وأهم من ذلك أنهم كانوا مصدراً لا يعوّض للمعلومات الحقيقية وصوتاً لأولئك الذين لا تُسمع أصواتهم في وسائل الإعلام.

الثورة ليست بخير عندما تُعتقل سميرة ورزان والآخرين في غوطة دمشق، في الوقت الذي تنسحب فيه الكتائب المسيطرة في "دوما" من معركة "النبك" وتتركها لشبيحة النظام وشبيحة حلفائه القادمين من العراق ولبنان. الثورة ليست بخير عندما يَعتقل أولئك الناشطين السلميين من يُفترض أنهم حملوا السلاح حماية لهم، وعندما لا تتحرك سريعاً أية جهة معارضة للكشف عن مصيرهم، وحتى لا تصدر إدانة قوية ضد الجهات المختطِفة. لن يكون مهماً فقط أن يُفرج عن المعتقلات والمعتقلين، هذا أقل ما يُطالب به اليوم، فالأهم ألا ترى نفسها أية جهة وريثة للنظام بأسوأ ما فيه وبأسوأ انتهاكاته التي كان يرصدها مركز التوثيق، الأهم أن يشعر أبناء المناطق المحررة والقاطنون فيها بأن تضحياتهم تحت القصف والحصار هي من أجل مستقبل مختلف ومن أجل كرامة حقيقية.

قبل أيام صرّح رئيس النظام مزهواً، أمام وفد نقابي أردني، بأن له رجالاً يقاتلون في صفوف المعارضة! مع ذلك ليس ضرورياً التحري عن الصلات المباشرة التي تجمع بعض أمراء الحرب بالنظام، فالممارسات التي لا تخدم أحداً سوى النظام كفيلة بالدلالة على تلك الجهات. في أكثر من جبهة حدثت مقايضات وبيعت انتصارات للنظام لم يكن ليقدر عليها لولا أمراء الحرب، وفي تلك المرات كانت حماية المدنيين هي آخر ما يكترث به أمراء الحرب، إذ كان معلوماً أن دخول الشبيحة سيكرر المجازر التي حدثت سابقاً. ثمة صلات فُضحت سابقاً بين النظام وبعض المجموعات التي سيطرت على آبار النفط، فالأخيرة تبيع النفط للأول نقداً ولم تطالب بأية مكاسب سياسية أو إنسانية لسكان المناطق المحاصرة. ثمة كتائب رابطت على بعض الجبهات، ولم تحاول التقدم قيد أنملة، ويعلم الكثيرون أن وجودها بات أشبه بجدار عازل أمام الحاميات العسكرية والأمنية للنظام، وأن هناك تفاهمات ضمنية بين الجانبين تقضي بعدم فتح أية معركة جدية. لقد أشرنا مبكراً إلى نوعين من المجموعات المسلحة، وإلى أن قسماً منها يقاتل النظام حقاً، بينما ينهمك القسم الآخر في جني المكاسب في المناطق المحررة مستغلاً عدم قدرة القسم الأول على فتح جبهتين معاً؛ ذلك يعني تفريغ التحرير من مضمونه وهذه أكبر خدمة تُقدم للنظام المنسحب.

الثورة السورية ليست الأولى التي تعاني من ظاهرة أمراء الحرب، غير أن طول الأمد وانسداد الأفق جراء الصمت الدولي جعلاها فريسة لشتى العلل التي يمكن أن تعاني منها ثورة. لا ننسى الذراع الأمنية للنظام التي تحكمت بالبلاد لمدة نصف قرن، والتي لها خبرة وصلات مشهودتين في التعامل مع المجموعات المتطرفة، بدءاً من تشجيع إنشائها مروراً بإنعاشها، وانتهاء بالقضاء عليها بعد قيامها بالمهمة المناطة بها. نستذكر هنا تصريح أحد الإسلاميين السابقين بأن ضابط الأمن الذي استجوبه أولاً هو نفسه الذي جنده من أجل قتال الأمريكيين في العراق، وهو نفسه الذي عاد واستجوبه ثم اعتقله على خلفية ذهابه إلى العراق. لذا ليس مستغرباً أن تختار كتائب السرقة أسماء إسلامية، وليس من المصادفة أن تكرس جهدها للتضييق على أبناء المناطق المحررة والمحاصرة، وليس مستغرباً بالدرجة الأولى ألا تستهدف قوات النظام تلك الكتائب في الوقت الذي لا تتوقف فيه عن استهداف أبناء الثورة الفعليين.

الثورة في جزء معتبر منها صارت معتقلة أو منفية؛ نحن هنا نتحدث عن مئات الآلاف من المعتقلين في سجون النظام، ونتحدث عن أرقام مضاعفة من الذين اضطروا لمغادرة البلاد، وهناك أرقام لا تخضع للإحصاء عن الباقين تحت تهديد الاعتقال من قبل النظام أو من قبل مجموعات تُعطى أكثر مما تستحق عندما توصف بالمتطرفة. الأقرب إلى الواقع أن نقول إن الثورة تحت تهديد الشبيحة من مختلف الأصناف، فأمراء تلك المجموعات ليسوا متطرفين بالمعنى العقائدي الذي قد يتبادر إلى الذهن فوراً، وقسم كبير منهم يتمتع بأمية ثقافية لا تخفى على أحد، وغالبيتهم بلا مرجعية أصولية واضحة، إلا إذا اعتبرنا الارتجال وإعدام الناس بحجة الدين وحيث لا ينص على ذلك فعلاً، تطرفاً دينياً. بعض أمراء الحرب "المتأسلمين" من أصحاب السوابق الجنائية، ولم يُعرف عنه يوماً اشتغاله في السياسة أو اكتراثه بالدين إلا عندما أصبحت السياسة تجارة رابحة وصار الدين غطاء مناسباً لها؛ ثم يأتي من يريد أن يحسب أولئك على الثورة، سواء بحسن نية ممن يتوخون القضاء على النظام بأي ثمن، أو أولئك الذين يريدون الإساءة إلى الثورة مستغلين الأعداء الوهميين للنظام.

نعم، مع اعتقال سميرة ورزان وغيرهما تأتي الشماتة من جهات عديدة داخلية وخارجية وقد واتت الفرصة أصحابها ليخدموا النظام مواربة. هؤلاء لا يقلون "شأناً" عن أمراء الحرب الذين يطعنون في الثورة؛ إنهم الاحتياطي الثقافي للنظام، ولو كانوا انتسبوا إلى مفاهيم الحرية في حدها الأدنى لخجلوا من شماتتهم، ولرأوا في اعتقال الناشطين من أي جانب أتى انتهاكاً لا يجوز السكوت عنه. هم أمراء حرب أيضاً، يستكملون ما يفعله أمراء السلاح، ويستخدمون أخطاء الثورة لتبرير خطايا النظام، ذلك بعد أن يلصقوا بها كل الموبقات التي لا تنتمي إليها وإلى مفاهيمها.

قد يقول قائل: عن أي ثورة تدافعون إذاً، ما دامت قد انتهكت من داخلها وخارجها؟ هذا قول غير منزّه عن انتهاك الثورة بدوره، لأنه يتجاهل معاناة السوريين خلال نصف قرن، ويتجاهل تضحيات مئات الآلاف منهم من أجل الحرية، تلك التضحيات التي لم يقدّمها أمراء الحرب، بل قدمها أناس سلميون، وآخرون حملوا السلاح دفاعاً عن كرامتهم لا طمعاً بسلطة أو مال.

تكالب الخارج والداخل على الثورة لا يطعن بأحقية السوريين بحريتهم وكرامتهم، ولم يحدث من قبل إلا لأعداء الحرية أن طعنوا في استحقاق الآخرين لها. نعم، وبكل صراحة، السفلة وحدهم يستطيعون الشماتة الآن، ويستطيعون الرقص على الجثث ولو رمزياً؛ السفلة الذين لا يجدون عذراً لسفالتهم إلا بوضاعة الآخرين.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : حول عرقلة الروس صدور بيان من المجلس الدولي يدين تدمير مدننا وقتل أطفالنا .. إلى القيادات التي لا تفعل ولا تنفعل

21.12.2013

زهير سالم

مرة أخرى إن ما نكتبه هنا هو شهادة للتاريخ . هو موقف نعلنه ونطالب به ، ونحث عليه أولئك المعطلين الذين استبدوا بقرار المعارضة فلا هم يفعلون ولا هم ينفعلون ، ولا جرح بميت إيلام ..

إنه حين يضطر قادة الجبهة الإسلامية بالأمس أن يستروا عورة القيادات السياسية اليائسة الميئّسة فيتخذوا بأنفسهم قرارا برفض الحوار مع الأمريكيين ، كان المنتظر من القيادات السياسية أن تعاجله وتعالجه بطريقة تستثمر في معطياته وتحتوي تداعياته . ينبئ الواقع المخلّى عن حصاد أكثر بؤسا ، سيتحمل مسئوليته هؤلاء الذين لا يبالون بجراح سورية والسوريين ..

إننا من موقع المسئولية الوطنية ، ومن واقع الإحساس بوطأة حرب الإبادة التي يشنها الروس والإيرانيون وكل القتلة المجرمين على الإنسان والعمران في سورية ..

ننتظر من قيادات المعارضة السياسية جميعا وبلا استثناء أن تتحسس آلام الإنسان السوري ، وأن تعايش معاناته ، وأن تسارع إلى المبادرة العملية لنصرته فتنبذ إلى القتلة والمجرمين وداعميهم على سواء ..

إننا وبعد الموقف الروسي الشائن الذي يعرقل إصدار مجرد بيان  إدانة فيما يسمى ( مجلس الأمن الدولي ) يدين عمليات القتل الهمجية المسعورة التي يمارسها بشار الأسد ضد أطفال سورية ونسائها ؛ من حقنا أن نتساءل ما الفرق بعدُ بين القاتل الأسدي وبين داعمه الروسي ؟! ما الفرق بعدُ بين الموقف الروسي والموقف الإيراني ؟!

من حقنا أن نتساءل حتى متى تتغاضى قيادات المعارضة السياسية عن الدور الروسي الآثم ؟!وإلى متى يقبلون الحديث عن جنيف في ظل وساطة أو حضور روسي حاقد وكريه ..

أيها المتربعون على كراسي القيادات السياسية كراسيكم تعوم على سيل أطفال سورية من دير الزور إلى حلب إلى حمص ودرعا ..

لقد آن الأوان لأن تعيدوا حساباتكم لمصلحة هذه الثورة ومصلحة مستقبل سورية وأجيالها ، وأن تنبذوا للروس ، بعد الموقف المعرقل الذي اتخذوه  في رفض صدور مجرد إدانة لفظية في المجلس الدولي للقاتل المبير بشار الأسد، على سواء .

لقد آن الأوان  لتعلن القيادات السياسية  أجمع أن الروس والإيرانيين وعصابة الأسد جميعا في كفة واحدة وأنه لا لقاء ولا حوار مع القتلة والمجرمين وداعميهم ..

انبذوهم وانبذوا إليهم قبل أن ينبذكم شعبكم ثورته وثواره ..

17 صفر / 1435

20 / 12 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا مستقبل لسوريا إذا لم يخرج كل السوريين منتصرين!

 فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 15/12/2013

يقول الأديب والمفكر البريطاني الشهير ألدوس هكسلي صاحب الرواية المعروفة "عالم جديد شجاع" إن "الدرس الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ أنه لا أحد يتعلم من التاريخ". وهنا تكمن الكارثة، فكم من مصائب التاريخ تتكرر أمام أعيننا دون أن يستفيد من تجارب التاريخ أحد. لن نذهب بكم إلى التاريخ القديم أيها السوريون، بل إلى التاريخ الطازج جداً. سنذهب بكم إلى جاركم العراق الذي يمكن أن يكون عبرة لمن أراد أن يعتبر، كي لا نكرر لاحقاً مقولة الإمام علي رضي الله عنه عندما قال:" ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار".

ظن العراقيون الجدد الذين جاءوا على ظهور الدبابات الأمريكية، وبمؤازرة حليفهم التاريخي إيران، ظنوا أنه بمجرد إسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين، سيطيب لهم العيش في العراق، وسيحكمون البلاد على طريقتهم. لقد احتفل حلفاء أمريكا وإيران "بانتصارهم" العظيم عام 2003، وأقاموا الأفراح والليالي الملاح بتحرير العراق من النظام السابق. وليتهم توقفوا عند الاحتفال فقط، بل راحوا يجتثون كل ما كان له علاقة حتى لو بعيدة جداً بالنظام القديم، فسنوا ما يسمى بقانون "اجتثاث البعث"، وتمكنوا من خلاله من القصاص من عشرات الألوف من البعثيين القدامى الذين كانت علاقة الكثير منهم بالبعث علاقة مصلحة بالدرجة الأولى كي يحفظوا رقابهم ولقمة عيشهم في ظل حكم حزب فاشي جائر بكل المقاييس. فمن المعلوم أن مئات الألوف من الناس ينضمون لهذا الحزب العربي أو ذاك ليس إيماناً بمعتقداته ومنطلقاته ومبادئه، بل لأن بعض الأحزاب، خاصة حزب البعث، كان يعتبر كل من لا ينضم إلى صفوفه على أنه "خائن" وعميل" للإمبريالية والصهيونية العالمية.

لقد راح "العراقيون الجدد" يسومون "المهزومين" سوء العذاب والملاحقة انتقاماً وتكريساً لنظام فاشي جديد. لا بل اعتبروا الفريق "المهزوم" جديراً بالسحق والإقصاء. لكن دعونا ننظر إلى حصيلة تجربتهم في "الاستئصال" على مدى أكثر من عشر سنوات. ماذا أنجز النظام العراقي الجديد "المنتصر" بقوة أمريكا وإيران؟ هل ساد السلام والوئام في بلاد الرافدين؟ هل استعاد العراق مجده السابق؟ هل نجح النظام الجديد حتى في تأمين الكهرباء والماء للشعب العراقي؟ هل استطاع أن يؤمن للعراقيين الوقود الذي يملك العراق واحداً من أكبر احتياطاته في العالم؟ هل استطاع "المنتصرون" أن ينظفوا الشوارع؟ هل مر أسبوع منذ أكثر من عقد من الزمان دون أن يسقط في العراق مئات القتلى والجرحى جراء التفجيرات والعمليات الإرهابية؟ الجواب على الأسئلة آنفة الذكر سيكون حتماً "لا".

هل تعلمون أن العراق الذي تبلغ ميزانيته السنوية بسبب ثروته النفطية الهائلة أكثر من مائة وخمسة وعشرين مليار دولار، لم يستطع حتى الآن أن يؤمن الكهرباء للعراقيين؟ ألا تغط معظم المناطق العراقية في ظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء؟ هل يشرب العراقيون ماء نظيفاً؟ بالطبع لا، فمعظم المياه التي يشربها العراقيون تسبب السرطان لاحتوائها على كميات كبيرة من القاذورات، خاصة القسم القادم من تركيا بسبب تلوث المياه بالكثير من الآفات والأوساخ والنفايات؟ ولو عرف الشعب العراقي نوعية المياه التي يشربها لرفع ألوف الدعاوى على حكومته. وحدث ولا حرج عن نظافة العراق، فقد فازت العاصمة بغداد قبل فترة بلقب "أوسخ مدينة في العالم".

لماذا فشل النظام العراقي الجديد بالنهوض بالبلاد واستثمار "النصر العظيم" الذي يزعم أنه حققه على النظام السابق؟ السبب بسيط جداً: لأنه حاول أن يفرض إرادته، وينتقم من قسم كبير من العراقيين، دون أن يدري أن بلداً كالعراق مكون من أعراق ومذاهب وطوائف وقبائل مختلفة، ولا يمكن أن يستقر، أو ينهض إذا لم يشعر كل مكونات العراق بأنهم منتصرون ومتساوون وجديرون بحقهم الكامل بالعيش في وطنهم.

إن سياسة النظام الجديد التي قامت على الإقصاء والغبن والظلم لا يمكن أن تنتج سوى دولة فاشلة مترهلة غير قادرة على تأمين أبسط مستلزمات الحياة لشعبها، لا بل مهددة أيضاً بالتفكك والانهيار والتشرذم إلى أعراق وقبائل ومذاهب متناحرة. يكفي أن يكون لديك في هذا العصر عشرة بالمائة من السكان مظلومون ومهمشون ومغبونون حتى يحولوا حياة أي دولة إلى جحيم مقيم. من الخطأ الفادح أن ينتصر طرف على طرف في بلد كالعراق أو سورية، خاصة في هذا الزمن الذي باتت فيه الشعوب قادرة على الجهر بمظالمها في عصر السموات المفتوحة، ناهيك عن أنها تخلصت من خوفها، وأصبحت قادرة على زلزلة الأرض تحت أقدام جلاديها وظالميها.

أيها السوريون نظاماً ومعارضة وشعباً، هل ألقيتم نظرة سريعة على وضع جاركم العراق المزري الذي وصل إلى ما وصل إليه من انهيار، لأن فريقاً اعتقد أنه انتصر على آخر؟ لا يظنن أحد في سوريا أنه قادر على الانتصار على الآخر، لأن وضع سوريا مشابه لوضع العراق من حيث تركيبته المذهبية والعرقية والقبائلية. من السذاجة أن يعتقد النظام أنه قادر على الانتصار على معارضيه، ومن السذاجة أن يعتقد المعارضون أنهم قادرون على الانتصار على أتباع النظام، لأن ذلك سيدفع الفريق المهزوم، أياً كان، تحت الأرض ليتحول إلى حركة تخريبية تدميرية إرهابية تزلزل الأرض تحت أقدام "المنتصرين المزعومين". لا أحد يطلب منكم طبعاً أن تستوعبوا القتلة والمجرمين الذين ارتكبوا جرائم فاشية بحق السوريين، فهؤلاء جديرون بأقسى أنواع المحاكمات. لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار إشراك كل فئات الشعب السوري في بناء دولة جديدة لكل أبنائها، وليس حكراً على طائفة أو مذهب على حساب الآخر.

إن الخطاب الإقصائي الانتقامي الذي يتشدق بها النظام أو معارضوه في سوريا كفيل بأن يطيل أمد الأزمة إلى عشرات السنين. والأنكى من ذلك أن سورية ليست غنية كالعراق، فميزانيتها السنوية أقل من عُشر الميزانية العراقية، مما يعني أن البلاد ستذهب إلى الجحيم اقتصادياً لو استمر الوضع على حاله. هل لاحظتم كيف أن العراق صاحب الميزانية الضخمة لم يستطع أن يؤمن أبسط الحاجيات لشعبه بسبب عدم الاستقرار الأمني والسياسي الناتج عن تحكم فئة بفئة؟ فكيف سيكون الوضع في سوريا إذا ما سار على النهج العراقي الانتقامي الاستئصالي يا ترى؟

قد يقول البعض إن الوضع في سوريا مختلف عن وضع العراق، ففي العراق تم إسقاط النظام بواسطة قوة خارجية، ولم تكن ثورة على النظام، كما هو الحال في سوريا. وهذا صحيح. لكن الثورة لا يمكن أن تنجح، فيما لو اتبعت النموذج العراقي في الإقصاء والاستئصال، فباستثناء الذين تلطخت أياديهم بدماء السوريين، فإن كل فئات الشعب السوري لها كامل الحق في بناء الدولة الجديدة بعيداً عن الإقصاء والإبعاد والانتقام. وليتنا نتعلم من تجارب أمريكا اللاتينية التي تعالت على جراحها وكوارث وجرائم العسكر، وأعادت اللحمة إلى أوطانها بسواعد كل أبنائها على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم.

باختصار: إذا لم يخرج كل السوريين من المحنة الحالية منتصرين، على مبدأ كسنجر الشهير، فليبشروا بأن تطول محنتهم نظاماً ومعارضة وشعباً لعقود وعقود، هذا طبعاً إذا بقيت هناك دولة اسمها سوريا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سوريا بين الخليج العربي وأمريكا

 وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 15/12/2013

منذ أيام، كان رئيس ائتلاف المعارضة السورية أحمد الجربا الضيف الخاص في قمة دول مجلس التعاون الخليجي. وفي كلمته أمام القادة الخليجيين قال الجربا: "المشاركة في جنيف2 لا تعني بأننا ذاهبون إلى ندوة سياسية مع مجموعة من النظام، بل تعني لنا بوضوح أننا ذاهبون لتخليص بلدنا من الدمار والإجرام والحصول على الدولة السورية، واستقلال القرار الوطني، فنعم لجنيف2 وفق الأسس والمعطيات التي حددناها في رؤية الائتلاف الوطني، والتي حددناها في لقاء لندن الأخير، أي وفقا لمؤتمر جنيف الأول".

ومن ناحية أخرى، شدد البيان الختامي للمؤتمر على ضرورة ألا يكون لـ"أركان النظام السوري الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوري أي دور في الحكومة الانتقالية أو المستقبل السياسي في سوريا".

هذا الاتفاق الكامل بين الطرفين على الثوابت المتعلقة بمؤتمر جنيف2 أمرٌ في غاية الأهمية للثورة السورية في هذا المفرق الحساس، لكنه يدل أيضاً على إدراك دول الخليج العربي لحقائق تتعلق بدورها ودور سوريا المستقبل في المنطقة. وعلى إصرارها على لعب هذا الدور بغض النظر عن مواقف المجتمع الدولي، خاصة أمريكا التي تعتقد أنها تفهم المنطقة، لكن الوقائع والأحداث أثبتت مرةً تلو الأخرى عكس ذلك.

والاعتقاد بأن أمريكا تفهم المنطقة سائدٌ في أمريكا لكنه سائدٌ أيضاً خارجها. فمن الانطباعات الشائعة في العالم العربي والإسلامي أن أمريكا قادرةٌ على فهم هذين العالمين بشكلٍ كامل. ولتبرير مصداقية هذا الانطباع تُطرح المقولات عن وجود مؤسسات الدراسات ومراكز الأبحاث التي (ترصدُ كل صغيرةٍ وكبيرة) في المجتمعات العربية والإسلامية، كما يؤكد على الدوام أصحاب تلك الانطباعات. هذا فضلاً عن تهويلهم بقدرة أجهزة الأمن والتجسس الأمريكية (الخارقة) على متابعة وتحليل متغيرات الواقع في تلك المجتمعات، بحيث يمكن لها إعطاءُ صورةٍ دقيقة عن ذلك الواقع للإدارة السياسية الأمريكية.

والحقيقة أن هذه الآراء تحمل من التعميم والخيال ما يتجاوز الحقائق التي يُظهرها الواقع على الدوام. وقد يتمثّلُ أبرز مثال على ذلك في التصورات الخاطئة تماماً، والتي كانت سائدةً في إدارة بوش الابن قبل غزو العراق عن هذا البلد وعن ثقافته وتركيبته الاجتماعية والثقافية، والتي تبيّن مع الأيام درجةُ مجانبتها للواقع على الأرض. لا نقللُ هنا من قدرة مراكز البحث والتحليل الأمريكية المدنية والأمنية والعسكرية على رصد الواقع العالمي ومتغيراته، وعلى طرح سيناريوهات متعددة للتعامل معه بما يحقق المصالح الأمريكية. لكننا بالتأكيد نرفض ذلك التعميم القاطع بقدرة هذه المراكز على رسم صورةٍ دقيقة عن الواقع العربي والإسلامي في كل زمان ومكان وعلى رسم سياسات صائبة تجاهها.

ويأتي في هذا الإطار الصورةُ التي كانت سائدةً في الأوساط السياسية الأمريكية عن دول مجلس التعاون الخليجي العربي على وجه التحديد. إذ لا نكشف سراً حين نقول إن تلك الصورة كانت مبنيةً على رؤية المنطقة من منظور كونها خزاناً استراتيجياً للنفط أولاً وقبل كل شيء آخر. وبالتالي، فإن علاقة أمريكا مع تلك الدول كانت محصورةً في صياغة سياساتِ تعاون تُرّكزُ على أمن المنطقة، واستمرار قدرتها على ضخ النفط في شرايين الاقتصاد العالمي. لهذا، لم تأخذ تلك السياسات بعين الاعتبار لعقودٍ طويلة التأثيرَ الممكن لدول الخليج في السياسات الإقليمية وحتى العالمية، إلا من خلال ذلك الجانب الوحيد، أي المسألة النّفطية. تغيّرت هذه النظرة إلى حدٍ ما بعد أحداث سبتمبر المعروفة، لكن المدخل كان أيضاً جزئياً حين تمّ اختزالهُ في موضوع التعاون على مكافحة الإرهاب.

لكن الغالبية العظمى من المراكز التي نتحدث عنها غفلت، ومعها الإدارات الأمريكية، عن عنصرٍ استراتيجي جديد وحساس يتمثل في الدور الثقافي والإعلامي والتعليمي المتصاعد لدول الخليج، ليس في المنطقة العربية فقط، وإنما في العالم الإسلامي وخارجه في بعض الأحيان. وقد صاحب هذا أيضاً التأثير السياسي الذي جعل دورها يزداد وضوحاً. حصلَ هذا بتأثير الانفتاح الثقافي المتزايد في المنطقة من جانب، وبمساعدة الإمكانات والموارد الاقتصادية المتميزة التي تملكها من جانبٍ آخر.

واليوم، بمناسبة ما يجري في سوريا، تُعيد دول الخليج العربي تأكيد دورها السياسي في المنطقة، وهو دورٌ مبنيٌ على فهمها لمخاطر (المجازفات) الكامنة في الموقف الدولي عامةً، والأمريكي تحديداً، من الثورة السورية وتطوراتها، خاصةً في الآونة الأخيرة.

ثمة لحظةٌ تاريخية فاصلة تمرﱡ بها المنطقة، وما يجري في سوريا محورها الأكبر. ودول الخليج العربي تُدرك حساسيتها ونتائجها أكثر من غيرها بكثير. لهذا، ليس غريباً أن تمضي الدول المذكورة في ممارسة دورها بقوةٍ ووضوح، وأن تشجع المعارضة السورية على التمسك بثوابتها فيما يتعلق بجنيف وغير جنيف، بغض النظر عما يعتقده الآخرون. ببساطة، لأن أهل مكة أدرى بشِعابها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حقوق الإنسان والثورة السورية

 جمال قارصلي

الشرق القطرية

الاحد 15/12/2013

ها هي تمر علينا الذكرى الخامسة والستون لليوم العالمي لحقوق الإنسان والتي تتزامن مع مرور ألف يوم على انطلاق ثورة الحرية والكرامة في سوريا. في هذا اليوم (10.12.1948) أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة حق كل إنسان في التمتع بالحرية والكرامة والمساواة. مهما كانت صفاته ولونه وعرقه ودينه. هذه الحقوق ليست محصورة على مجتمع معيّن. بل صالحة لكل مكان في العالم ولكن وللأسف يتفاوت تطبيقها بين مجتمع وآخر. متأثرا بمستواه الحضاري والفكري وبتراثه وديانته وعاداته وتقاليده. كذلك الانتهاكات لحقوق الإنسان تتفاوت بين مجتمع وآخر وأكثرها لا إنسانية هي التي تتم تحت حكم الأنظمة القمعية والاستبدادية والديكتاتورية. هذه الانتهاكات تستفحل وتزداد قسوة في الظروف الاستثنائية مثل الحروب والكوارث. ما يعانيه الشعب السوري الآن من مجازر وعمليات تهجير وتشريد وإهانة وذل في داخل سوريا وخارجها قد تجاوز كل التوقعات والتصورات ولم يسبق لشعب آخر قد مر بمثل هكذا كارثة وما يعيشه هذا الشعب الآن لا يمكن وصفه إلا بالمأساة المليئة بالفظائع والانتهاكات اللاإنسانية. عدم اكتراث كثير من الأنظمة العربية بالقرارات الأممية لحقوق الإنسان ولعقود طويلة وكذلك استهتارها بالقيم والمبادئ الإنسانية التي استنبطها المجتمع من دينه وتراثه وحضارته كانت إحدى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اندلاع الثورة في سوريا وفي دول عربية أخرى.

إن تراكم الانتهاكات لحقوق الإنسان في أي مجتمع كان ولحقبة طويلة يؤدي في نهاية المطاف إلى ردة فعل عكسية تأخذ بالمجتمع إلى حالة لا تُحمد عقباها. ألم تكن عملية اعتقال أطفال درعا هي الشرارة التي أدت إلى إشعال نار الثورة السورية والتي كانت القشة التي قسمت ظهر البعير خاصة عندما سمع أهالي وأقارب الأطفال المعتقلين بأن أطفالهم يتعرضون للاغتصاب الجنسي ولاقتلاع الأظافر والتعذيب من قبل رجال الأمن؟ كذلك الاعتقالات التعسفية الكثيرة وآليات التعذيب في المعتقلات وإساءة معاملة المعتقلين وموت بعضهم تحت التعذيب واختفاء بعضهم قسريا كانت لدى شريحة كبيرة من المعتقلين السابقين الذين تم الإفراج عنهم سبب مباشر للانخراط في صفوف الثورة السورية وبحماس شديد. هؤلاء الشباب أصبحوا يشعرون بأنهم قد أضاعوا أغلى ما يملكونه في حياتهم. ألا وهي كرامتهم. بسبب انتهاك رجال الأمن لها ولفترات طويلة. وأصبحوا يحسون في قرارة أنفسهم بأنهم منزوعو الكرامة والحرية. فلهذا فضلوا الموت على حياة الذل والعبودية والقهر وصار شعارهم: الموت ولا المذلة!

الأنظمة العالمية والمؤسسات الأممية تصلها تقارير كثيرة حول انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا ودول أخرى ولكنها لا تحرك ساكنا وتكتفي بالاستنكار والشجب. وهي تعلم أن هذه الأنظمة الديكتاتورية تدوس على حرية وكرامة مواطنيها بالأرجل ولا تطبق أي من القرارات الأممية لحقوق الإنسان. بعض هذه الدول تذهب إلى أبعد من ذلك وتتعامل مع هذه الديكتاتوريات بمعايير مزدوجة بخصوص حماية حقوق الإنسان وتقوم وبشكل مباشر بدعم انتهاك هذه الحقوق في تلك الدول. على سبيل المثال لا تسمح قوانين كثير من الدول المتحضرة بانتزاع الاعترافات من المتهمين تحت التعذيب. وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. فتقوم هذه الدول باستجداء "خدمات" الأنظمة القمعية لكي لا "تتلوث" أيديها بمثل هكذا أفعال قذرة ولا إنسانية. والتي أساسا يعاقب عليها قانون بلادها. فترسل من تريد استجوابهم إلى هذه الأنظمة الديكتاتورية مثل ما حصل مع معتقلي غوانتانامو. الذين وُجهت إليهم تهمة العمل مع تنظيم القاعدة. عملية الاستجواب هذه تتم تحت أقسى أنواع التعذيب واللاإنسانية من أجل إجبار المتهمين على الاعتراف بجرائم ربما لم يقوموا بارتكابها. "النظام" في سوريا كان أول من قدم هكذا "خدمات" لمثل هذه الدول والذي كان يريد بواسطتها أن يبرئ أعماله الإجرامية التي يقوم بها ضد مواطنيه وكذلك التقرب من أصحاب القرار في تلك البلاد.

بفارغ الصبر ينتظر الشعب السوري اليوم الذي تتم فيه معاملته من قبل سلطة بلاده بشكل إنساني وتقوم على صيانة كرامته وحقوقه وحريته في التظاهر والاستنكار والشجب دون أن يقوم رجال الأمن بقتله بالرصاص الحي أو اعتقاله وإهانته والمساس بكرامته. ألا نتذكر الرجل السوري في التلفاز وهو يقول باكيا بسبب المعاملة اللإنسانية التي تلقاها من قبل رجال الأمن في سوريا "أنا إنسان.. ماني حيوان". للأسف في كثير من دول العالم يوجد للحيوان حقوقا أكثر من الإنسان الذي يعيش تحت أنظمة دكتاتورية قمعية فاشية.كل من يعتبر نفسه إنسانا عليه أن يدافع عن حقوق الإنسان وفي كل مكان من العالم لأنه بذلك يدافع عن حقوقه الشخصية. وعلى المجتمع الدولي أن يحمي هذه الحقوق ويصونها وألا يفرق بين إنسان منحدر من مجتمع فقير وآخر من مجتمع غني. أو من دولة قوية وآخر من دولة ضعيفة. فيكون بذلك قد حمى حقوق أغلى ثروة في الدنيا وأقدس شيء من المخلوقات... ألا وهو الإنسان.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الشمولية في ذروة جنونها!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاحد 15/12/2013

عبرت الثورة السورية عن انفجار صراع شامل بكل معنى الكلمة، بين واقع الشمولية الاستبدادية التي يجسدها النظام ومبدأ الحرية الذي جسده مجتمع سوريا الثائر ضده، بغض النظر عما آل إليه مبدأ الحرية اليوم، وانتهى إلى انتقاله من طور الإعلان المدوي عن نفسه إلى طور كمون متزايد لدى أغلبية شعبية وازنة، تعرض قسم كبير منها للتحييد تحت وطأة العنف السلطوي الشامل، وتأثير ردود فعل أطراف متعسكرة برزت مع تنامي أصولية تجسد شمولية سياسية ومذهبية مضاعفة، تحملها تيارات قاعدية الهوى والممارسات، وتعد بتطبيقها بالعنف والغلبة، أسهم تقدمها السريع خلال الفترة الأخيرة في تراجع دور المعارضة الديمقراطية والوطنية، وفرض عليها الرضوخ لأساليب عمل تقوم أساسا على المال السياسي والسلاح: المحددين الرئيسين لأدوار الفاعلين السوريين في ساحة الصراع.

وعلى الرغم من أن ظاهرة الشمولية غدت كبيرة الوزن في سوريا بسبب انطباع الصراع بطابع الشمولية المذهبية، فإن هذه الأخيرة تقوم على العداء لما يماثلها من استبداد سياسي، قومجي الهوية، مارسه النظام الأسدي طيلة نيف ونصف قرن، ولحملة النزعة الديمقراطية الذين ترى فيهم علمانيين لا بد من تحجيمهم والقضاء عليهم، شأنهم في ذلك شأن أي مواطن سوري لا يقاسمهم معتقداتهم.

مع تراجع مبدأ الحرية تحت وطأة عنف السلطة، ظهرت التنظيمات المسلحة والأصولية التي لطالما آمن النظام بأن معركته معها ستكون أسهل من معركته مع شعب الحرية السلمي والأعزل، وأن قدرته على مواجهتها ستتعاظم نتيجة انحياز قطاعات مجتمعية متزايدة إليه، وتخليها عن ثورة لم تعد تعمل بمبدئها الأصلي، أي بالحرية، وتجد نفسها مكرهة على اعتماد سياسة جديدة حيالها تأخذ بمبدأ «أهون الشرين»، الذي سيدفعها إلى المفاضلة بين استبداد النظام الرسمي واستبداد الأصولية التي تصعد على بحر من دماء المواطنين عامة ومنافسيها من المقاتلين خاصة.

وزاد الطين بلة الطابع الإقليمي الذي اكتسبه طرفا القتال، فقد استعان النظام بالقوى الإقليمية التي تشبهه أو تنحاز إليه، بينما تدفق أصوليون من جنسيات متنوعة على الداخل السوري، وعبر عن شدة حضورهم فيه قيام أحد تنظيماتهم بإلغاء الدولة السورية ودمجها في دولة إسلامية أطلق عليها اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، والتي تضم أخلاطا من عرب ومسلمين وأجانب جاءوا إلى سوريا في سياق تمركز ظاهرة الأصولية القاعدية تمركزا متزايدا خلال الأعوام القليلة المنصرمة في العالم العربي وشمال أفريقيا ومنطقة جنوب الصحراء. وفي حين يشارك في الجانب الأول جبابرة إقليميون كدولة إيران، فإن الجانب الثاني يتمتع بحضور جدي في صفوف جمهور واسع من المسلمين يجد نفسه محروما من أبسط حقوقه السياسية والاجتماعية والدينية، الأمر الذي يفسر الانقسام الحاصل تجاه الاستبداد السياسي/ المذهبي الرسمي، الذي يمثل أقلية حاكمة منظمة وعنيفة إلى أبعد حد، تواجه كتلة بشرية هائلة سلبت حقوقها ولا تجد ما تستعيدها به غير عقيدتها الدينية واستعدادها للقتال بأقصى قدر من العنف، حيث وضعها النظام في موقع لا خيار لها فيه غير الموت تحت التعذيب وخلال عمليات التصفية الواسعة التي ستليه، أو الموت في ساحات القتال وتجريب حظها هناك عبر ممارسات انتحارية واسعة.

ببعديه المحلي والإقليمي، اكتسب الصراع بين الشمولية القائمة وبديلها الأصولي المحتمل طابعا دوليا تقف في جانب منه قوى متنوعة بعضها دهري الخطاب، بينما يفتقر الجانب الآخر إلى دعم دولي، ويواجه تعاون دول ترفع لواء الحرية مع حلف الشمولية الأول، ولا يجد ما يرد به على وضعه غير مزيد من التمسك بالعنف وبأشكال من التنظيم مغرقة في السرية والقسوة، تطبق ممارساتها حتى ضد الأنصار والأتباع والمريدين. ولعل أعظم مشكلة تواجه الأصولية المذهبية اليوم تكمن في احتمال تشكيل تحالف دولي ضدها لا شك في أنه سيكون خطيرا عليها إذا ما انتقلت دوله «الحرة» إلى التفاهم مع الشمولية السلطوية الرسمية.

تستحق ظاهرة الانتقال من صراع الحرية ضد الشمولية إلى الصراع بين شموليتين الكثير من الدراسة والتأمل. لكن السؤال المهم يبقى: هل بلغ هذا الصراع ذروته وشرع ينحسر، أم أنه مرشح، كما أعتقد، لمزيد من التصعيد والتعقيد والاستمرار، رغم كل ما يشاع عن مؤتمرات وتسويات دولية في جنيف وغيرها، وما يرتسم في الأفق من بوادر تحسن في علاقات دول ظلت متعادية طيلة قرابة ثلث قرن، وتبدو اليوم وكأنها تطوي صفحة الماضي وتتجه نحو مسار جديد؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تطرف النظام وتطرف «الجهاديين»!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 16/12/2013

قلة قليلة في العالم الذين لا يعترفون بأن نظام الأسد هو نظام متطرف. بل إن هذه القلة القليلة تسوق مبررات لا تخلو من أكاذيب وادعاءات في سياق رفضها حقيقة تطرف النظام في مواقفه وسياساته، كالقول إنه يواجه مؤامرة خارجية، أو إنه يصارع عصابات ومتطرفين، وراغبين في الاستيلاء على السلطة، وإنه يسعى للحفاظ على وحدة البلاد واستقلالها، وغيرها من ادعاءات، أثبتت تطورات الأعوام الثلاثة الماضية كذبها وزيفها.

ومؤشرات تطرف النظام أكثر من أن يجري حصرها. ولعل أبرزها طبيعة النظام، إذ هو نظام استبدادي متشدد، يستأثر بالسلطة وينفرد بها، ويقوم على منظومة حكم تعتمد الحاكم الفرد بصلاحياته شبه المطلقة، ويمدها إلى دائرة أوسع قليلا، لتشمل العائلة من الأخ إلى أولاد الأعمام، والخال وابن الخال، ثم أبناء العمة، قبل أن تصل المنظومة إلى إطار سياسي - أمني ممثلا بالحزب الحاكم وعدد محدود من قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، الذين إن كانوا يمسكون مفاصل النظام فإنهم ليسوا مقررين فيه، إنما هم مجرد أدوات ليس إلا.

ومن مؤشرات تطرف النظام علاقاته الخارجية مع متطرفين فيهم دول وجماعات. وأبرز علاقاته مع نظام المافيا الروسية ونظام الملالي في إيران ونظام العراق الذي يقوده نوري المالكي، وأبرز علاقاته مع جماعات حزب الله اللبناني ولواء أبو الفضل العباس وغيرها، وحشد علاقاته لدعم تطرفه لدعم وجوده وإخضاع السوريين عبر مشاركتهم في قتل السوريين وتدمير بلدهم.

لقد تبدى تطرف نظام الأسد بممارسته أوسع عمليات عنف ضد ثورة السوريين الذين طالبوا بالحرية والكرامة، ورفض إجراء أي حوار سياسي ومعالجة سياسية للأزمة، وأطلق آلته الأمنية - العسكرية ضدهم، حيث قتلت وجرحت واعتقلت أكثر من مليون سوري، وشردت نحو اثني عشر مليونا من بيوتهم، منهم نحو خمسة ملايين صاروا لاجئين ومهجرين خارج البلاد، ودمرت على نحو واسع قرى ومدنا بصورة كاملة أو جزئية، حيث شمل التدمير بيوتا ومؤسسات خاصة وعامة، وبنى تحتية وخدمات، بما فيها خدمات الصحة والتعليم، ولم تسلم المساجد والكنائس من التدمير.

وشكل تطرف النظام وممارساته القاعدة التي قام عليها تطرف مواز في المجتمع، لم يكن معزولا عن إسناد ودعم من الخارج، ومن تلك البيئة ولد التطرف الجهادي، مستغلا التدين الشعبي في سوريا الجريح والمحبط واليائس، ليحوله إلى حاضنة للتطرف الجهادي، واستطاع الوافدون الجهاديون من بلدان عربية وإسلامية ومن وسط جاليات إسلامية تأسيس تشكيلات متطرفة، أبرزها جبهة النصرة لبلاد الشام، قبل ظهور الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والاثنتان أعلنتا الانتماء إلى تنظيم القاعدة.

وتطرف «القاعدة» وأخواتها من النصرة وداعش، لا يحتاج إلى تأكيد، ولا سرد للوقائع والمعطيات التي تتصل بفكرة «القاعدة»، من حيث التوجه إلى إقامة نظام «إسلامي» متشدد شديد التطرف في فصله العالم إلى نسقين: مؤمن وكافر، وإقامة نظام استبدادي لا يتصل بالعالم من حوله إلا بصورة انتقائية تتوافق مع انغلاق إمارته في مواجهة كل ما خلص إليه العالم من تطورات حقوقية وعلمية وتقنية وفي أغلب المجالات.

ولا يقتصر خطر التطرف الجهادي على فكره فقط، إنما هو يرتبط بأداته المسلحة من جهة وبممارساتها على نحو ما أبرزتها الوقائع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حيث خلق فيها تشكيلات مسلحة للنصرة وداعش وأخواتها، أطلقت العنان لوحشيتها في ممارسة سياسة الإكراه على السوريين وأكثريتهم من ضحايا النظام، فأجبرتهم على تغيير أنماط وطريقة حياتهم، وصولا إلى محاولات تغيير معتقداتهم وعباداتهم، ومارست القتل والخطف والاعتقال وعمليات التهجير التي لم يسلم منها معارضو النظام ولا جنود الجيش الحر وتشكيلاتهم المقاومة للنظام، ولا الإعلاميون ونشطاء المجتمع المدني والمثقفون، وهي إلى كل ما سبق مارست عمليات تدمير الممتلكات الخاصة والعامة والاستيلاء عليها، وعززت التجاذبات والانقسامات القومية والدينية والطائفية والعشائرية، التي كان أطلقها النظام من عقالها، وحولت حياة السوريين في المناطق التي سيطرت عليها إلى جحيم مضاف إلى الجحيم الذي خلقه نظام الأسد باستبداده ودمويته.

لقد صار السوريون وسط نارين، أولاهما تطرف نظام الأسد، والثانية تطرف الجهاديين. ولئن استغل الأول كذبا الفكرة القومية متجاوزا كل إيجابياتها، فإن الآخر سعى للتخفي وراء الإسلام المعروف بسماحته وتسامحه ووسطيته في التعامل مع الإنسان والحياة، واشترك الاثنان، متشابهين ومتماثلين، في تدمير الإنسان وحياته انطلاقا من تبنيهما التطرف في الفكرة والأدوات والممارسة.. الأمر الذي يجعلهما في مكانة واحدة، ويتطلب حشدا موحدا للتخلص منهما معا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ضوء على الموقف الروسي من الأزمة السورية

حسين العودات

البيان

الاثنين 16/12/2013   

أكد بعض قياديي الائتلاف الوطني السوري، أن الموقف الروسي تغير "جزئياً" تجاه الأزمة السورية، وخاصة تجاه المعارضة والتسوية المحتملة لهذه الأزمة. ورغم أن هذا التغير جزئي وهامشي حتى الآن، إلا أنه يشي بنيات السياسة الروسية، ورغبتها في تبني سياسة جديدة، بعد أن وسعت طيف سياستها لتشمل البلاد العربية كلها، بدليل علاقاتها الجديدة مع مصر، وانطلاقاً من شكوك العرب في الموقف الأميركي الجديد من قضاياهم. ويبدو أن الدور السوفييتي السابق في البلدان العربية والسياسة السوفييتية فيها، أصبحت تلوح في أفق السياسة الروسية..

وأن ملامح دور جديد أخذ يراود هذه السياسة، وربما أدركت أن رهانها على النظام السوري لوحده لن يفيدها كثيراً، وأن مكاسبها منها هي مكاسب تكتيكية ومؤقتة، ولذلك اقتنعت بضرورة عقد الصلة بالمعارضة السورية، وببعض الأنظمة العربية المعادية للنظام السوري.

تبدت ملامح احتمالات الموقف الجديد، من خلال اتصال الرئيس بوتين بالملك عبد الله، وتطمينه بأن السياسة الروسية تحرص على المصالح العربية وعلى إنجاح مؤتمر جنيف 2، ليس بسبب رغبتها في إنقاذ النظام السوري، وإنما بهدف إنقاذ سوريا. وكان مجرد الاتصال نفسه، والإعلان عنه من قبل الروس بأسلوب لا يخلو من الاستعراض، رسالة واضحة لأطراف عديدة بما فيها النظام السوري نفسه..

فضلاً عن المعارضة السورية والأنظمة والشعوب العربية. كما التقى ميخائيل بوغدانوف ممثل الرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط، بوفد من الائتلاف الوطني السوري في إسطنبول، وأعلنت الخارجية الروسية دعوة فصائل المعارضة السورية إلى موسكو لمحاورتها حول الأزمة السورية..

وقد وجهت دعوة رسمية للائتلاف (المعارضة الخارجية) وقبلها، كما وجهت دعوة مماثلة إلى هيئة التنسيق (المعارضة الداخلية)، وقبلتها، واستقبلت وفداً من النظام السوري، وأخذت تنشط في اتجاه إجراء حوار ثنائي متعدد الجوانب مع الأطراف جميعها، بهدف بلورة مشروع اتفاق قبل عقد مؤتمر جنيف.

وعندما اجتمع بوغدانوف مع وفد الائتلاف في إسطنبول، وهذه أول صلة رسمية بالائتلاف، تساءل أمام الوفد لماذا لا يجتمعون بالرئيس الأسد ويقنعونه بالتخلي عن السلطة، ويتعهدون له بضمانات معينة (أمنية وعائلية)؟ وكان العرض مستغرباً وساذجاً على رأي أعضاء الوفد، فكيف يقنعون الأسد بالتنحي ولم تقنعه به ثورة شعبية طوال ثلاث سنوات؟

خاصة وأن العرض جاء على لسان بوغدانوف العارف بشؤون سوريا وشعبها ونظامها وسياسييها، وبالتالي فمن المستحيل أن يكون هذا الطلب ضمن قناعاته الشخصية، وإنما هو طلب وزارة خارجيته ووزيرها، التي أثبتت جهلها بالواقع السوري (أو تجاهلها هذا الواقع وحقائقه).

وعلى أية حال، فسواء كان عرض بوغدانوف من اقتراحه أو من اقتراح غيره، فإنه مؤشر أكيد على رغبة روسية في الوصول إلى "تسوية" على طريقة "بوس اللحى"، وليست تسوية تاريخية شاملة وعميقة، تتناول تغيير النظام إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي، ومحاكمة المجرمين وإطلاق سراح المعتقلين والتعويض عن الضحايا والخسائر.

تقول السياسة الروسية (سراً) وتهمهم للبعض ممن يحاورنها، أنها كانت تدعم النظام السوري دون تحفظ بسبب اقتناعها أن بقاءه واستمراره يمنعان الفوضى في سوريا، ولا يتيح "للإرهابيين" توسيع مجال نشاطهم بما يطاول الأراضي الروسية، بسبب مشاركة متطوعين شيشان ضمن قوات المعارضة المسلحة، إضافة إلى أنه آخر الأنظمة العربية "العلمانية"..

ولكنها لاحظت أن النظام يتراجع وأنه فقد السيطرة على نسبة كبيرة من سوريا، وبالتالي فإن "الفوضى" تنتشر أكثر بوجوده واستمراره، ولذلك رأت العودة لإيجاد حل "تصالحي" يحافظ على النظام ويرضي المعارضة..

وهذا هو موقفها الجديد، الذي قادها إلى الموافقة مع الأميركان على نزع السلاح الكيماوي، واستعجالها عقد جنيف 2، ومحاورتها فصائل المعارضة السورية المتعددة، وإفهامها النظام باستحالة استمرار الحال القائم مدة أخرى، وربما لا تخرج زيارة الوزير لافروف لطهران عن هذا الهدف.

لقد تسربت ملامح موقف روسي جديد، قيل إن السياسة الروسية اتفقت عليه مع طهران وأقنعتها به، وأن هذه السياسة تسعى لإقناع جميع الأطراف بالقبول به، وخلاصته عدم التجديد للرئيس الأسد..

وإبقاء النظام القائم، على أن تتم شراكة بين بعض قادته وقادة المعارضة في حكومة انتقالية، وبذلك لن يتأذى أتباع النظام وأهله ولا السياسة الإيرانية (التي تبقى مصالحها محفوظة)، ولا السياسة الروسية. وكأن المشكلة هي في الرئيس الأسد، وبالتالي فإن السياسة الروسية الجديدة تريد تحقيق أهداف النظام وحلفائه بالسلم، بعد أن عجز عن تحقيقها بالحرب.

وقد استمعت الأوساط الروسية التي نوهت أو أشارت أو أوحت بمثل هذا العرض، لرفض مطلق من قبل جميع فصائل المعارضة، ولكن يبدو أنها لم تستفد ولا تريد أن تستفيد من خبرة السياسة السوفييتية السابقة، ومن أكداس المعلومات عن سوريا وشخصياتها وفصائلها وتياراتها السياسية، ومن الأعداد الكبيرة من المختصين الروس بالشؤون السورية، ومنهم بوغدانوف نفسه الذي يعرف سوريا كما يعرفها أهلها، والمعجب بالأطعمة السورية كما أعلم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : إن الله يعذب الذين يعذبون الناس .. حول مدونات حقوق الإنسان

21.12.2013

زهير سالم

(( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ )) ...مثّلت هذه الآية الكريمة حقيقة قرآنية خالدة كانت الركيزة المكينة لكثير من الأحكام الشرعية المتعلقة بإنسانية الإنسان وكرامته النفسية والجسدية حيا وميتا . إن من أبسط ما يمكن التذكير به في هذا السياق قيام الرسول الكريم احتراماً لجنازة مرت به . وحين ذُكّر إنها ليهودي أجاب بكل بصيرة وثقة : أليست نفساً ؟!

استنبط الفقهاء المسلمون من جملة نصوص الشريعة الإسلامية الكليات الكبرى نظموها تحت عنوان ( مقاصد الشريعة ) . و لقد شكلت مقاصد الشريعة التي توافق عليها جمهور علماء الأمة على مدى العصور المبادئ الكبرى لحقوق الإنسان حسب التصور الإسلامي . حيث أعلن هؤلاء الفقهاء أن مدار أحكام الشريعة أن تحمي  من الإنسان : نفسه وعقله وعرضه وماله ، وجعلت تاج كل هذا أن تحمي دينه واعتقاده تحت عنوان إسلامي كبير: ينص على أنه لا إكراه في الدين .

الأمر الإضافي الذي يمكن أن نشير إليه في هذا المقام هو أن منظومة هذه الكليات مستنبطة وليست نصية ، بمعنى أنها منظومة مفتوحة يمكن لفقهاء كل عصر أن يلحقوا بها كل ما يرونه من أولويات عصرهم من حاجة الناس . وأيضا أن صياغة هذه المقاصد وطرائق التعبير عنها قابلة هي الأخرى للتجديد بما يلاءم لغة العصر ومصطلحاته وأدبيات أهله .

لقد نعم الإنسان في بلاد المسلمين على مدى ألف وخمس مائة عام في ظل حضارة الإسلام وشريعته وتاريخه السياسي ، على ما كان في هذا التاريخ ، بحظوظ أكبر من الحرية ومن الكرامة ، من شقيقه الإنسان في بلاد الآخرين وفي ظل حضاراتهم وعقائدهم  . ولقد احتفظت الدولة المسلمة والمجتمعات المسلمة بتعدديتها على أكثر من مستوى ديني ومذهبي وفكري في الوقت الذي كانت فيه المجتمعات في ظل الأديان والمنظومات الحضارية الأخرى تنوء تحت نير سياسات ( الحرم والتفتيش والتطهير ).

 لم يخل تاريخ المسلمين من تجاوزات ، وتجاوزات خطيرة وكبيرة في بعض الفترات ، ولكن هذه التجاوزات ظلت هي الشذوذ الذي يشهد للقاعدة ، والفردي الذي يستثنى من الجماعي .

يحق للمسلمين اليوم حين يفتحون سجل تاريخهم الإنساني الإسلامي أن يفخروا وأن يستمسكوا وأن يعززوا تلك القيم المضيئة النظرية ( النصية ) والواقعية العملية التي حفل بها هذا التاريخ . ويجب عليهم أن يتوقفوا عند الوقائع المنفردة والشاذة ليس وقفة إنكار أو تسويغ وتبرير ، وإنما وقفة مراجعة ونقد وبراءة وحساب الخطأ على صاحبه ، ووضع لحظات الاستجابة للدوافع الانفعالية أو الغرائزية في نصابها ..

وليس لمسلم أن يجعل من لحظات الضعف والانفعال البشري ، أو من ممارسات الظلمة ولمستبدين التي ابتليت بها المجتمعات المسلمة سوابق تشريعية يقتدي بها المقتدون ، ويتمثل به المتمثلون ..

إن ما تتناقله وكالات الأنباء عن ممارسات مستفظعة مستنكرة يمارسها بعض من يُحسب على الإسلام والمسلمين ضد مخالفيهم لا تنتمي إلى شريعة الإسلام ولا إلى حضارته . ولا نريد أن نصدق كما لا نقبل أن يقال إن مسلما يؤمن بالله وباليوم الآخر يمكن أن يرتكب من الظلم ما يرتكبه جند الشيطان وأعوان الظلام ..

وحين يصر البعض مهما تكن الدوافع والمبررات أن يسلكوا طريق الطغاة والمجرمين فإن على أمة الإسلام أن تلحقهم بأشكالهم من أهل الجريمة ، وأن تولهم ما تولوا ، وأن تبرأ منهم في الوقت نفسه الذي تبرأ فيه من أفعالهم

إن النصوص الشرعية التي تحرّم وتجرّم العدوان على إنسانية الإنسان أكثر من أن يحتويها مقال . حفظنا جميعا قول عمر للولاة العاملين في إمرته : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا . و بالمقابل قوله  لأبناء الأمة المسلمة عن ولاته الذين يوليهم عليهم : ألا إني لم أبعثهم عليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأكلوا أموالكم .

أنبأنا سيدنا رسول الله صلى الله وسلم عليه عن صنفين من أهل النار لم يرهما وذكر منهما : رجالا بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس.  وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم مما يرويه الصحابي حكيم بن حزام : إن الله يعذب الذين يعذبون الناس ..

إن كل ميثاق إنساني عالمي أو محلي  يصون كرامة الإنسان ، ويحفظ حرماته ، ويحمي حقوقه هو في جوهره ميثاق إسلامي ينتظر من المسلمين جميعا أن يلتزموا به وأن يحترموه هذا إن لم يكونوا المبادرين إلى الدعوة إليه . ..

18 / صفر / 1435

21 / 12 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لماذا: يريد الشعب السوري إسقاط النظام و’الثورة’ الزائفة معه؟

مطاع صفدي

القدس العربي

الاثنين 16/12/2013

جرى المثقفون العرب في غالبيتهم على عادة القاء اللوم عن كوارثهم على عاتق القوى الخارجية؛ فكان التواجه الصريح مع الذات من أعقد المهمات التي تهرب منها العقول الشاردة كيما لا تنعكس تحت حبر أقلامهم المشرعة، نحو كل الموضوعات الشائعة ماعدا الذات المجهولة. هذا هو ‘الربيع الذي حلمت بأزهاره خيالات النهضة الرومانسية، ما أن حلّت تباشيرُه الأولى حتى انقلبت وروده الحمراء إلى أدغال من الأشواك والعناكب. فلم يكن ذلك الربيع مجرد طقس فضائي تأتي به رياح تائهة من جهة، ثم تجرفه رياح عاصفة تداهمه من جهات (فضائية) أخرى. ما نريد التذكير به هو أن أية مناخات طارئة لا يمكنها أن تَهِب ربيعاً أو أن تذهب به، إن لم تكن تربة الأرض التي احتضنته غنية أصلاً ببذورها الحيوية النائمة، وقابلياتها المتنوعة، المدفونة. فتمنح الربيعَ الآتي كلَّ احتياجاته من الماء والغذاء والتربة الخصبة المعطاء، كما أن هذه الأرض الأصيلة التي اكتسبت ربيعها بقوتها الذاتية، لن يمكن لأية ريح هوجاء أن تجرف مواسمه الخضراء، وتحيل منابتها إلى صحارى بائدة.. هكذا صدفةً، وباسم عبث التاريخ وأهوائه المتناقضة.

هل يمكننا أن نكرر اللازمة القائلة أن النهضة العربية المعاصرة صنعت ربيعها الذاتي بأيدي النُخب العادلة والصادقة من أجيالها المتوالية. وإذا كانت هزائمها السياسية والعسكرية قد زعزعت الكثير من أدوارها التاريخية الموعودة، لكن لعلّها لم تنطفئ جذورها الحيوية بَعْد، وهي تحت أكوام رمادها من الخسائر والفواجع والمهانات المخزية.

لا نريد أن نعزي أنفسنا مسبقاً ونحن نعيش، أو أننا نتهيأ لنعيش طقوس مأتم جديد آخر. لن نمشي بإرادتنا، ولا حتى غصباً عنا، في جنازة من سيكون قتيلنا الآخير، هذا الوليد الذي سميناه ربيعنا، نسبناه إلى أمهاتنا وآبائنا، ومن ثم صحونا عليه، فكاد أن يكون خريفاً موحشاً، وقد أتانا مقنعاً بوجه ربيع زائف.

هذه الاستعارات اللفظية يلجأ إليها القلم مراوغاً عن نفسه، وعن صاحبه، كي لا يكتب الحقيقة عارية من أية كسوة براقة تخترعها له كرامة مجروحة. فما هي هذه الحقيقة التي تكاد هي أيضاً أن تفرض على القلم ألا يكتبها بأحرفها. هل نقول مثلاً أن الربيع العربي صار واحداً مقتولاً بين آلاف المقتولين باسمه، أو ضده، كل يوم. هل (هذا) صحيح. هل لم تعد للربيع ثمة من صفة سوى أنه أمسى أحد المقتولين. ومع ذلك يبقى السؤال: ومن قتله؟

ولماذا هي ثوراتنا العربية مقتولة أم مسروقة أم مخطوفة أم مزورة، ولماذا لا تُتحفنا ذاكرتنا النهضوية باسم ثورة واحدة ظلت حيّة حتى حققت أهدافها. ولكن الربيع أرادنا أن نقول عنه منذ انبثاقته الأولى المظفرة أنه يجيء مختلفاً عن كل أشباهه السابقة.إنه فريد عصره وزمانه. برهانه على استثنائه، على فرادته كونه أدخل الجماهير الكبرى إلى حلبة الحدث السياسي المباشر لأول مرة في مسيرة النهضة المعاصرة، حررها من جمود وأسر الكتلة الصماء البكماء التي عاشتها منذ دهور. كاد العرب جميعاً أن يتخلوا عن مغاور بيوتهم المظلمة، وينزلوا إلى كل ميادين مُدُنهم الكالحة. كان ذلك هو الحدث الامتياز الأعظم لفجائية الربيع. كان ذلك إيذاناً بانفجار عصر البراكين المقموعة من كل نوع وحجم بدلاً عن كثبان الرمال الصفراء المتناثرة ليس في صحارى الجغرافية وحدها. بل في أغوار النفوس والرؤوس، من جغرافية التكوين الإنساني والمجتمعي للتشكلات الجماهيرية. فقد ينفث بركان الجمهور بالغثّ والثمين. ليست جَمَراتُه اللاهبة النقية هي الصاعدة وحدها إلى القمم، بل هي زوابع الأبخرة الخانقة تصاحب اللهبات الساطعة، وقد تطمسها وتبددها. ما يعني أن المجتمع الجمهوري الثائر فاقد أصلاً لعقله القيادي والمنهجي، سرعان ما تجتاح سطوحه المستباحة بثور الجلد المتقيح للجسم المجتمعي القديم المتهرئ..

شرور البراكين الهائجة قد تفيض وتزيد عن خيراتها، تتمتع بقوة تدميرية هائلة رغم أنها بقدر ما تباغت بانفجاراتها بقدر ما تنطفئ جذوتها تحت طبقات من رمادها الأسود. هكذا ليس من ثورة حقيقية أنتجت ديمومة لامتناهية، إلا عندما تقترن قوتها العفوية بعقلانية قيادية واعية: وذلك هو شرطها الأنطولوجي أن تكون نابعة من لحم وعظم الثورة نفسها. فلم تعرف الثورات التاريخية ساسة قادوها إلى أهدافها، دون أن يكونوا ثواراً فاعلين، وصاعدين من بين صفوفها، وليسوا طارئين عليها من كل الجهات الأربع ما عدا جهتها الذاتية الوحيدة. فمن أخطر العِلَل المزمنة في حياة كل ثورة، كالثورة السورية مثلاً، أن تنقسم إلى خانة فصائل من ثوار الميادين، وإلى خانة قبائل من محترفي سياسة ‘المعارضة’؛ ذلك أن الثورة هي مرحلة متقدمة على المعارضة. ومن المفترض أن تكون المرحلة الثانية قد استوعبت الأولى. فكل من يتبقى خارجاً عنها، لا دور له في قيادة الثورة على وجه الخصوص، وبالتالي لا يحق له أن يتخذ أية قرارات مصيرية باسمها؛ هذه الازدواجية مفروضة على مسيرة الشعب السوري في حقبة تطوره الراهن العسير، انها ازدواجية انفصامية، صَدَّعت هذه المسيرة، وجعلتها تنحدر من محنة إلى أخرى أشد وأقسى.

ان ابتلاء أية ثورة بظاهرة هذا الانفصام في التكوين الوجودي ما بين جسم حركي ميداني وجسم آخر هامشي متطفل، جعل ثورة سورية تتساقط تدريجياً في مسلسل النزاعات الداخلية بأكثر من انشغالها بعدوها الأصلي. لقد احترف أقطاب معارضون كثر، فنَّ التوسط بين ما يدعونه قواعد لهم من الجسم الثوري، وبين أبواب الدول الأجنبية، وليس العربية فقط. كانت تلك هي بدايات الانحراف نحو الخطأ القاتل.. حيثما نجحت ‘المؤامرة’ في شق الطريق نحو الهدف المركزي، متجسداً في تهجين الثورة، في إفقادها لهويتها كانتفاضة سلمية عفوية ضد عصابة اللصوص والقتلة، سُرّاق الدولة والثروة العامة، والكرامة الإنسانية لملايين المواطنين، بالقمع الظالم والفقر المدقع والحرمان الكلي من أبسط شروط الحياة الكريمة.

كانت هناك ثورة شعب لغالبيته العظمى، عندما كانت قضية جامعة واضحة وضوح الشمس في الوجدان العام والفردي. كان الانتماء إلى الثورة تطوعياً، لم يكن تحشيداً من قبل أدوات الخارج، لم يكن ارتزاقاً ومأجورية. وسطاء ذلك الخارج لم يستطيعوا شراء شعب كامل. حاولوا أن يبدلوا ثورة الشعب، بحركيات الفئويات، أن يطمسوا ثقافة الحرية والتحرر من النفوس والرؤوس، بتسليط آلية القتل المعمّم ضد الآخر العدو بدايةً، ثم لتنقلب ـ هذه الآلية ـ عاجلاً ضد الصديق والقريب، ضد الثوار الحقيقيين. وهكذا تم اختراع وتفعيل الفوضى كتوأم مضاد للثورة، فارضاً عليها التحول إلى مجرد توأمه الثاني. فقد اختلطت حدثيات الثورة، يومياً، بكل ما يضاد نواياها، وما يشوه سمعتها: كان للفوضى المنظمة والممنهجة ألا تظل مجرد طوارئ مستوردة من خارج الحدود، وألا تبقى آلتها القاتلة مجسدة في ممارسات السلطة الغاصبة. أضحت الفوضى هي الوجه الآخر للثورة، وأحياناً هي وجهها الأوحد.

في ظل الاضطرابات العامة يصير تفعيل أمراض التحلف التقليدي المتوارث هو باعث ومنظّم الوقود الواقعية للفوضى المستشرية، يساعدها في توفير موادها الأولية، فتعيد صناعة العقد الجماعية المكبوتة كأدوات عنف منقطع النظير؛ وبذلك لن تتحرك في الساحات سوى فرق الإعدامات المتنافسة بارتكاب المهالك الجماعية في المدنيين العزّل. هذه الجهنم من الفظاعات يراد لها أن تمحو كل الحدود الفاصلة ما بين (فضائل) الثورة و(شرور) السلطة، بل انها توحّد بينهما، طبعاً لصالح طغيان الشر المحض على الفريقين معاً.

لن يكون غريباً إذا رأينا الغالبية الصامتة من شعب سوريا ساعيةً إلى الانسحاب من كل هذه الجهنم التي ‘تبدع فظائعَها تحت مظلة اسم ذلك الشعب، بعد أن فقد أكثر من ثلثي أهله ما بين قتلى ومهاجرين وأسرى ومشردين ومعاقين، وتلك الغالبية من المذلين المهانين. ماذا يريد الشعب أخيراً. يريد الشعب إسقاط النظام و(الثورة) الزائفة معه..!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

دمشق: فقراء جدد وأغنياء من أمراء الحرب... ومناطق «آمنة» للنظام

دمشق - يامن حسين

الحياة

الثلاثاء 17/12/2013

لم تقف الأزمة الاقتصادية التي تعصف بسورية منذ الشهور الأولى للثورة عند حدود المناطق الثائرة، والتي تحملت العبء الأكبر اقتصادياً وإنسانياً، بل بدأت تلتهم الطبقات الوسطى والفقيرة في ما يحلو للنظام السوري وإعلامه أن يدعوها «مناطق آمنة».

وإن كانت تصعب المقارنة بين الظروف المعيشية والاقتصادية للمنطقتين، فإن نظرة أكثر شمولاً تؤكد أن الأزمة الاقتصادية تسللت بقوة إلى مناطق سيطرة النظام ومسّت فئات الموظفين والعمال في القطاع الحكومي والخاص. فهؤلاء أثقلت كاهلهم الزيادات الكبيرة في أسعار المواد الأساسية وبخاصة مع ارتفاع سعر صرف الدولار خلال أوائل ومنتصف عام 2013 (311 ليرة سورية مقابل الدولار، بدلاً من 45 ليرة سورية مقابل الدولار قبيل اندلاع الثورة )، ولم يساهم انخفاض أسعار صرف الدولار في الربع الأخير من عام 2013 ليصل حد (143 ليرة سورية مقابل الدولار) في انخفاض أسعار المواد الأساسية والخضار واللحوم.

 

سوق المواد المستعملة

مع ندرة فرص العمل في المؤسسات والمعامل التابعة للقطاع العام الحكومي في سورية، وهروب رأس المال الخاص، بات البحث عن عمل ثانٍ في مناطق سيطرة النظام أشبه بضرب من الخيال، فلجأ عديد من الموظفين للعمل بالتجارة في سوق «المستعمل» وهي تجارة بدأت تغزو شوارع العاصمة دمشق ومدن حمص وحلب وطرطوس. مئات «البسطات» تنتشر من جسر الثورة في قلب دمشق وصولاً إلى فندق «الفور سيزن»، وفي ساحتي الشهبندر وعرنوس، وبجوار محطة الحجاز، وشارع الحمرا، وكل ما يمكن للعقل أن يتخيله يباع على هذه «البسطات»، من قواطع الكهرباء وصولاً إلى الثياب والمناشف وحتى منافض السجائر.

يقول محمد وهو موظف بريد براتب 13 ألف ليرة سورية أي ما يعادل 90 دولاراً شهرياً: «مع عائلة مكونة من طفلين كان من المستحيل أن يكفي الراتب أكثر من سبعة أيام فاضطررت إلى أن استدين مبلغاً من المال لأعمل على «بسطة» للمواد البلاستيكية المنزلية علّها تساهم بإعالة أسرتي والتي بالكاد أراها آخر الليل، ويوم الجمعة».

منير الحاصل على شهادة في قسم الفيزياء ويعمل مدرساً في إحدى الثانويات بمنطقة الدويلعة جنوب دمشق يقول: «كنت أنوي الزواج ولكن مع إيقاف القروض من البنوك الخاصة والعامة وارتفاع أسعار المنازل، والإيجارات والمعيشة، تأجل زواجي سنتين، فاضطررت إلى أن استعمل إحدى الغرف في منزل أهلي وتحويلها إلى محل لبيع الثياب المستعملة لأستطيع استئجار منزل صغير والزواج بخطيبتي». وتؤمن محال بيع الأدوات المستعملة اضافة لفرص العمل، متنفساً لذوي الدخل المحدود فأسعارها تبقى أقل ارتفاعاً من المحال العادية، لكنها تحرم خزينة الدولة من ملايين الليرات، كونها لا تخضع للضرائب، كما تشكل حرجاً للنظام مع شريحة كانت تعتبر صماماً ومعيناً له في دمشق، شريحة التجار وأصحاب المحال الكبيرة والتي بدأت بالتململ كون أسواق «المستعمل» تحرمهم من الزبائن وتنافسهم بالأسعار.

ولم يستطع نظام «الممانعة» كبح انفلات الأسواق والتجارة بدمشق، انفلات أشارت إليه محطة شام أف أم (قناة خاصة موالية للنظام السوري) حيث بثت خبراً عن وجود ملبوسات إسرائيلية في أحد محال «البالة» في منطقة المزة (الشيخ سعد)، ونشرت صورة لأحدى الكنزات المصنوعة في إسرائيل، محملةً الغياب التام لأجهزة الرقابة عن المستوردات والجهات «المعنية» المسؤولية عن دخول إسرائيل من ثقب الباب.

 

قاتل مأجور !

أحمد شاب في الخامسة والثلاثين من العمر وأب لطفلة كان يعمل في أحد مصانع منطقة (حسياء الصناعية) في محافظة حمص، تم طرده من العمل مع عدد كبير من العمال في بداية الثورة الثورية بعد تخفيض عدد العمال، ولاحقاً نقل صاحب المعمل كل معدات معمله إلى الخارج، حاول كما يروي لنا ابن عمه العمل في مدينة طرطوس بنقل «البلوك وأكياس الإسمنت في أحد المشاريع العقارية إلا أن الدخل اليومي المحدد له (800 ل س، حوالى خمس دولارات ونصف الدولار) بالكاد يكفيه أجرة نقل من طرطوس إلى حمص حيث يقيم، ولا يؤمّن أكثر من حاجيات أسرته لخمسة أيام فاضطر للالتحاق بما يعرف «جيش الدفاع الوطني» في حمص مقابل راتب ثلاثين ألفاً». ويكمل قريب أحمد: «في كل يوم تجلس أم أحمد وزوجته على عتبة الباب بانتظاره، لم يرغبوا لا هم ولا هو، في أن يشارك في القتال أو أن يُقتل في حرب يدفع الفقراء أكبر أثمانها».

 

طبقة الأثرياء الجدد

لم يكن ظهور الشبيحة أو ما عرف لاحقاً بـ «جيش الدفاع الوطني» فقط ظاهرة مقاتلين دفعهم ولاؤهم السياسي أو المذهبي للقتال إلى جانب النظام بل كان أيضاً مقدمة لظهور طبقة اقتصادية بدأت مع أول سوق لتصريف مسروقات هؤلاء المقاتلين من الأحياء الثائرة في ما عرف بـ «سوق السنّة» بدايةً، ولاحقاً وبعد أن طاولت السرقات بيوت الأحياء الموالية بات يعرف بسوق «التعفيش» (مصطلح أطلقه الشبيحة على سرقة أثاث البيوت)، وبعد سنتين ونصف السنة ظهر الأغنياء الجدد.

محمد أحد المعارضين الذين مازالوا ضمن أحد الأحياء الموالية في حمص يروي ما يجري في الأحياء ذات الغالبية العلوية: «ثمة شبكة كاملة تقوم بتجنيد الشبان العلويين والمسيحيين والشيعة للقتال إلى جانب النظام، مقدمين مغريات (الراتب الشهري) وما يحصلون عليه من عمليات السلب والنهب للبيوت والمحال التجارية، شبان بغالبيتهم عاطلون من العمل».

ويضيف «بدأت تظهر طبقة جديدة من الأغنياء في الإحياء الموالية في حمص، وبخاصة كبار الشبيحة، بعضهم لم يكن يملك شيئاً وبات اليوم من أصحاب العقارات، والســـيارات، وبدأت منــاطق كانت تعتبر فقيرة جداً في المهاجرين وأطراف حي الأرمن والزهراء في مدينة حمص تشهد نمواً اقتصادياً فانتشرت محال الأطعمة الجاهزة وشواء اللحوم من قلب حي الزهراء والأرمن إلى أطرافه حيث يستوطن الأغنياء الجدد، في حين تعيش نسبة كبيرة من أبناء هذه الأحياء على خط الفقر أو تحته بقليل، تعاني تشبيح «ذوي القربى» ومن كان يفترض أنهم (حماة الأقليات)».

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

النظام السوري والطوائف!

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 18/12/2013

لا تبقى أي شرعية لأي حكومة تقسم شعبها إلى زمر وعصب موالية ومعارضة لها. ولا يكون أي نظام وطنيا أو شعبيا إن هو قرب الموالين وعادى المعارضين، أو وضع هؤلاء في مواجهة أولئك، أو حرض أحدهما ضد الآخر، أو خلق أجواء حرب أهلية بين من يفترض أنهم مواطنوه. إن الحكومة التي تفعل هذا تكون خائنة بأي معيار وطني. وتزداد خيانتها فظاعة إن كانت سياساتها موجهة على نحو إرادي إلى شرخ مجتمعها وتقسيمه وفق أسس طائفية أو طبقية أو سلطوية أو جهوية... إلخ، أو كانت تسكت عمن يمارس نهجا كهذا.

استولى البعث على السلطة في ظرف خاص. كان الحزب ريفي الطابع وغريبا عن كتل المدن البشرية الكبيرة، وخاصة منها كتل دمشق، حيث بقي البعث تنظيما هامشيا رغم أن مؤسسيه كانا دمشقيين. ومع أنه كان أحد أحزاب الطبقة الوسطى آيديولوجيا، فإن الحزب فشل في أن يكون حزبها السياسي. وبما أنه أدرك خطورة دورها في مجتمع محتجز بروليتاريا وبرجوازيا، فقد عمل على احتوائها من خلال السلطة، كي يمنعها من تنظيم نفسها وبلورة رؤية قد تضعها على رأس شعب رفض البعث منذ يومه الأول، بينما حرمت سلبية الفئات العمالية والمالكة النظام الجديد من حامل شعبي مديني، وقصرت جماهيريته على الأرياف، وبالأخص على فقراء الفلاحين، الذين وجدوا في السلطة وأجهزتها سبيلهم إلى موقع طبقي جديد يتيح لهم بعض مغانم الحكم. بما أن معظم قادة السلطة وضباطها كانوا من ريف الساحل وحمص، فقد اعتمدوا الفلاحين قاعدة مجتمعية وحاملا شعبيا، قبل أن يضموا إليهم قطاعات مدينية من الأقليات، استخدموها كنسق داعم وكاحتياط استراتيجي، وضمنوا تحييدها عن بقية المجتمع وولاءها عبر تخويفها من خصم وهمي هو الأغلبية المسلمة، التي اعتبرها النظام إسلامية، ونشر أجواء جعلت منها خطرا داهما على الأقليات، التي لا حماية لها غير النظام.

هذا الوضع ساد في سوريا بصورة خاصة خلال المرحلة الأسدية، التي بدأت عام 1970. واستمر بعد توريث الحكم لابنه بشار، الذي قدم نفسه أول الأمر كرجل إصلاحي يرفض الارتباطات الفئوية، لكنه استخدم السوريين بعضهم ضد بعض، وسعى بعد ثورة الحرية إلى إثارة اقتتال طائفي فأهلي بين المواطنين، تأكيدا لأطروحة كاذبة تبناها ترى في الثورة تمردا أصوليا وطائفيا.

هل خدمت سياسات النظام الطوائف التي يسمونها اليوم «الأقليات»؟ كلا، إنها لم تخدمها، بل وضعتها بالأحرى في مواجهة مخاطر تهدد وجودها، ليس فقط لأنها حملتها أعباء تنوء أكتافها الضعيفة بحملها، تتجلى اليوم في عدد ضحاياها الذين سقطوا دفاعا عن سلطة زجت بها في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، تخوضها ضد أغلبية مجتمعية نزلت إلى الشارع مطالبة بالحرية لجميع السوريين، كان هؤلاء سيفيدون منها بالتساوي، لكن النظام فوت عليهم فرصتها وضحى بهم من أجل مصالحه، دون أن يقدم لهم مقابلا أو يعدهم بتغيير أو يسمح لهم حتى بالتعبير عن رغباتهم وخياراتهم، وها هي الأقليات تنزف اليوم دما، وتخسر خيرة أبنائها في معركة ليست معركتها، تعلم أن الطرف الآخر فيها لم يكن أصوليا عند بدء الثورة، وأن من غادروا البعث والجيش والسلطة والحكومة والبرلمان والجامعات والمدارس والمشافي والإدارات لم يكونوا أصوليين، بل كانوا أعضاء في النظام، الذي خدموه طيلة عقود، لكنهم انشقوا عنه حين فهموا أنه متمسك بواقع يظلم الشعب، ويرفض مطالب هي حق له، ويخيره بين «الركوع والجوع»، و«الرضوخ والقتل».

ليس شرعيا أو وطنيا النظام الذي يبني سياساته على نعرات طائفية وجهوية وإثنية يمزق بواسطتها شعبه. إن نظاما يفعل هذا لا يحمي مواطنيه، بل يضحي بهم من أجل مصالحه الضيقة، التي غالبا ما تكون شخصية. بدورها، لم تول المعارضة المسألة الطائفية ما تستحقه من اهتمام، واكتفت بمواقف كلامية منها تفتقر إلى أبعاد مجتمعية وسياسية عملية وناجعة. واليوم، ومجتمع سوريا يواجه مأزقا قاتلا أنتجه نظام حول قطاعات متنوعة المذاهب من مواطنيه إلى طوائف سلطة، ومعارضة تجاهلت دوما معنى التماهي بين بعض المكونات ما قبل المجتمعية وبين سلطة قمعية محدثة ألغت الدولة وأضعفت المجتمع، يجد الشعب نفسه مكرها على دفع أثمان باهظة من دمائه لقوى فئوية وطائفية ترفض الحرية وتقاومها بالقوة، كان من الجلي دوما أن النظام سيستخدمها لمواجهة أي تحرك وطني جامع.

ماذا أفادت الطوائف من تمسح النظام بها وتسخيرها لخدمته؟ بعد قرابة الأربعين عاما يبدو الجواب قاطعا: لا شيء غير وقوعها في المخاطر التي زعم أنه يحميها منها، والمهالك التي رماها إليها بحجة الحفاظ عليها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

طفل متجمد في صندوق.. وعالم يحتفل بـ «حقوق الإنسان»

ايلين كوجامان

الشرق الاوسط

الاربعاء 18/12/2013

يحتفل العالم بيوم حقوق الإنسان كل عام في العاشر من ديسمبر (كانون الأول). وقد احتفل البعض بهذا اليوم: احتفل به الذين يتمتعون بحقوق الإنسان، واحتفل به أولئك القادرون على القتال من أجل حقوقهم، كما احتفل به الذين يستطيعون أن يرفعوا أصواتهم عاليا في وجه الحكومات للمطالبة بحقوقهم. وخلال هذا اليوم، عُقدت الكثير من المؤتمرات في شتى أنحاء العالم، حيث جرى خلالها الثناء بشدة على مظاهر الحضارة التي يشهدها العالم في الوقت الحالي، وتحدث المشاركون في تلك المؤتمرات عن «مدى ما وصلنا إليه من تقدم حضاري».

غير أننا نحتاج إلى أن نطرح سؤالا على «الأغلبية الصامتة»، ولا أعني بتلك الأغلبية «الحضارات الغربية»، والسؤال هو: «ما مدى وصولنا إلى التقدم الحضاري؟»، فأولئك الذين نسوا بالفعل ما هي حقوقهم والذين يقاتلون من أجل البقاء على قيد الحياة هم الأغلبية المنسية التي تسعى جاهدة للحصول فقط على الحق في الحياة. فأين هي إذن «حقوق الإنسان»؟

تأملوا هذا المشهد: طفل سوري تجمد حتى الموت، ألبسوه كنزة ممزقة ووضعوا قفازا على يديه النحيلتين، لكن قدميه كانتا عاريتين. ثم بعد ذلك وضعوا الجسد الهامد في صندوق بال. عندما يضرب شتاء قارس البرودة منطقة الشرق الأوسط، فلا يمكن لتلك الملابس البالية التي تغطي الجسد النحيل لذلك الطفل أو حتى جرعات الحليب القليلة التي يتناولها أن تحميه من ذلك الشتاء، لا سيما إذا كان ذلك الطفل ليس له منزل ولا يجد حتى مكانا يؤويه من ذلك البرد القارس. وانتهى الأمر بذلك الجسد الهامد، الذي لم يستطع تحمل تلك البرودة، إلى صندوق بال تحمله أخته بين يديها الباردتين. وبينما تتساقط الثلوج على الأبنية التي دمرتها الحرب في سوريا في وقت يحاول فيه الناس مصارعة الطقس البارد، أوقفت أميركا وأوروبا شحنات السلاح التي تمد بها المعارضة، محتجة بأن تلك الأسلحة تصل إلى أيدي المتشددين. وتستقر الآن الجبهة الإسلامية، التي تنضوي تحت لوائها ست مجموعات متشددة، على الحدود السورية مع تركيا. وقد تخطت عمليات القتل والذبح التي تجري في سوريا حاجز الـ1000 يوم. وخلال تلك الفترة، تعرضت 7500 امرأة للاعتداء، وجرى تعذيب أطفال صغار، كما حُرم ثلاثة ملايين طفل سوري من الحق في التعليم.

وفي خضم كل ذلك الذي يحدث في سوريا، تحمل لنا الأخبار نبأ إعدام شخصين: الأول من بنغلاديش والثاني من كوريا الشمالية. وقد نال حكم الإعدام، الذي جرى إصداره بالمخالفة للقانون الدولي، ضد نائب الأمين العام لحزب الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، إدانة دولية واسعة، وهو ما أدى إلى تأجيل السلطات لتنفيذ الإعدام على مضض. وفي اليوم التالي، عُقدت جلسة دفاع شكلية إلى أبعد الحدود، ثم جرى تنفيذ حكم الإعدام في اليوم نفسه. ويبدو أن الاحتجاج الدولي قد أثمر، لكنه لم يكن بالشكل الكافي. أما في كوريا الشمالية فقد حكم رأس الدولة هناك كيم جونغ أون على زوج عمته بالإعدام، في ما يبدو أنها بداية لما يشبه فترة تطهير على «الطريقة الستالينية». فما هي الجرائم التي ارتكبها أولئك الذين ليس لهم صوت، وحُرموا من حقوق كثيرة في بلاد يسيطر عليها الصمت، حتى يستحقوا الموت؟

لقد فقد 600 شخص حياتهم في القتال الدائر في جمهورية أفريقيا الوسطى خلال الأسبوع الماضي، بينما شُرد 160 ألف آخرون، كما يصارع 38 ألف شخص، يمكثون في العراء في مطار بانغي الدولي من دون طعام أو مأوى أو حتى مياه، من أجل البقاء. ويحتاج 460 ألف شخص آخرون لمساعدات طبية عاجلة، غير أن الوضع الحالي الذي تعيشه البلاد يجعل ذلك الأمر من قبيل المستحيل.

ودعونا نتحول الآن لإلقاء نظرة على أولئك الذين فروا من بلادهم. فقد غرق قاربان أثناء محاولة الوصول للسواحل التركية الأسبوع الماضي، حيث جرى حشر اللاجئين البائسين، الذين أعطوا كل ما يملكون لعصابات الاتجار بالبشر، في تلك القوارب العتيقة البالية التي غرقت في عرض البحر خلال محاولتها الوصول إلى البلاد، التي يمكن لأولئك الذين استقلوها أن يبحثوا فيها عن أرزاقهم.

في شتى أنحاء العالم يوجد الملايين الذين لا يستطيعون تلبية حاجاتهم الأساسية من الطعام والمأوى، كما لا يتوافر لما يقرب من 783 مليون شخص المياه النظيفة، بينما يعيش 895 مليونا آخرون تحت خط الجوع. وهناك 146 مليون طفل في العالم، منهم 16 مليونا في البلدان المتقدمة، يعانون من سوء التغذية. ثلاثة في المائة فقط من مياه الشرب في العالم نظيفة. ويعاني الأشخاص الذي لا يجدون المأوى ظروفا معيشية في غاية الصعوبة. وتأتي الهند في المرتبة الأولى بين الدول الفقيرة، حيث يعيش 78 مليون شخص من سكانها في فقر مدقع. ودعونا لا ننسى حقيقة أنه يوجد 45 مليون لاجئ في العالم جرى إبعادهم بالقوة من بيوتهم وبلدانهم.

وما زال معتقل غوانتانامو يعمل. ورغم أن العالم تغير وتغيرت معه الحدود بين الدول وتغيرت أيضا المبادئ، ما زال المعتقلون قابعين في غياهب ذلك السجن بطريقة غير شرعية وبغير محاكمة وسط صمت مريب. وتبدو محاولات الإضراب عن الطعام التي تحدث بين الحين والآخر بعدا مرعبا آخر لصورة ذلك المعتقل.

فلندع أولئك الذين يحتفلون بيوم حقوق الإنسان العالمي في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) يحتفلون. غير أنني شخصيا أرى في تلك الصورة العالمية الشيء القليل الذي يستوجب الاحتفال. ففي الوقت الذي يكتفي فيه العالم بالجلوس والمراقبة، نرى المضطهدين المحرومين من أبسط الحقوق، حتى الحق في الحياة، يصارعون الجوع واليأس والظلم. إنهم يفتقرون إلى القوة التي تمكنهم من وضع نهاية للظلم والحروب والفقر.

لكن تبقى حقيقة مهمة ينبغي أن يضعها الجميع في الحسبان وهي أن مسؤولية هؤلاء الأشخاص البائسين، الذين لا يستطيعون الدفاع عن حقوقهم، تقع على أولئك الذين يتمتعون بالحق في المساعدة الإنسانية. فإطلاق صرخة قوية في وجه الظلم والتعرض للظلم ورفع الأصوات في شتى أرجاء العالم للاحتجاج بكل الوسائل من المؤكد أنه سيؤدي إلى الحد من الجرائم التي يرتكبها أولئك الأشرار. يجب علينا أن نتكلم جميعا بصوت واحد، ففي الاتحاد قوة.

هذا الاتحاد مطلوب على وجه الخصوص من أجل سوريا التي تشهد حاليا أفظع مأساة على الإطلاق. بالطبع، تمثل الجماعات المتشددة مشكلة كبيرة، ومما لا شك فيه أن البلاد سوف تغرق في مستنقع التطرف ما دامت حالة عدم الاستقرار لا تزال باقية. غير أن صلب المشكلة السورية يتمثل في المأساة الإنسانية التي خلقتها القوات الموالية للأسد الذي يمنع المساعدات الإنسانية من الوصول للداخل السوري. وبالتالي، إذا كنا نرغب في حماية الشعب السوري وإعادة الاستقرار إلى ربوع البلاد، وكذلك القضاء الناجع على الجماعات المتشددة، فإنه ينبغي إعطاء الأهمية الكبرى لمسألة تنحي الأسد عن السلطة ومغادرته البلاد في أمان. وهذا هو السبب وراء الدعوة، التي كررتها كثيرا على صفحات الجريدة، والتي ناشدت من خلالها جميع الدول الإسلامية إرسال قوات مشتركة تدخل سوريا من جميع الجهات، والغرض من ذلك هو مجرد استعراض لقوة الردع من دون إطلاق رصاصة واحدة، وأعتقد أن ذلك سيفيد في إرغام كل من الأسد والمتشددين على الانسحاب من سوريا. ينبغي على الدول الإسلامية أن تظهر نوعا من الاتحاد في وجه الشر قبل أن يلقى المزيد من الأطفال البائسين حتفهم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأحمق في سورية

زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 19/12/2013

أما وقد نطق أحد الديبلوماسيين بما يطمحون إليه في سورية، بات ممكناً اليوم الجزم بما كان ترجيحاً حول فِعلة الغرب، وأميركا خصوصاً، منذ ما قبل «صفقة» تدمير السلاح الكيماوي. وبعودة بسيطة إلى دفاتر الأيام السود التي يكابدها شعب النكبة الثانية (الأولى فلسطينية)، يمكن لمن يدّعي فقدان الذاكرة في العالم مراجعة تبدّل أولويات الغرب الذي أدى دوراً فاشلاً في خديعة دعم المعارضين لنظام الرئيس بشار الأسد.

«الكيماوي» انتزع الأولوية لخطره الإقليمي (على إسرائيل) ولا بأس في استمرار القتل واصطياد البشر، في سباق تبديل موازين القوى. ثم باتت الأولوية التبصّر في كيفية تفادي نفخ عضلات التنظيمات القريبة من فكر «القاعدة» وممارساتها... ولا بأس ايضاً في استمرار القتل. أولوية التبصّر احتلت صدارة الهواجس، توقفت مساعدات الغرب لـ «الجيش الحر»، والسبب سيطرة «الجبهة الإسلامية» على مواقعه القريبة من الحدود السورية- التركية.

لم تمضِ أيام على تعليق المساعدات «غير الفتاكة» فيما البراميل المتفجرة تفتك بمئات من السوريين، حتى طلع وزير الخارجية الأميركي جون كيري بفكرة عدم استبعاد «الجبهة» من قنوات اتصال أميركية.

والحال أن ما ترتكبه واشنطن والغرب عموماً في حق السوريين والدول المتاخمة لأتون الحرب في سورية، لا يجد سوى واحدٍ من تفسيرين: إما استغباء الضحايا ومعهم كل أهل المنطقة، بأولويتي الأسلحة المحظورة ومواجهة خطر استنساخ عشرات من «القاعدة»... وإما أن يكون الغباء في جذر هذه الديبلوماسية التي تدعي الحكمة في واشنطن وسواها من عواصم الغرب.

عودة بالذاكرة مرة أخرى الى العراق، حيث أعلن الأميركيون الانتصار على «القاعدة»، ليبرروا انسحابهم الآمن. إنها «حكمة» من ادعى الانتصار على دعاة الحرب، لكن الشهور القليلة الماضية كافية لإظهار ثمن الغباء الذي تمكّن من ملء فراغ مخيف في مقعد الزعامة العالمية. هكذا تمكنوا ايضاً من سحق «طالبان» بعد أكثر من عقد من الحروب، فباتت تهددهم في قلب كابول، وتمكنوا من نزع أسنان دمشق الكيماوية لكي لا تعضّ طمأنينة إسرائيل، ولكن بأي ثمن؟

إنه الغبي الذي باع محنة الشعب السوري المنكوب بين الاستبداديين والأغبياء... الثمن بقاء الأسد رئيساً ولو بصلاحيات أقل، وبلا «توازن ردع» مع إسرائيل.

«إذا رفضت المعارضة مثل هذا الاتفاق، ستفقد (تأييد) معظم الدول الغربية، ولن تبقى في صفها سوى السعودية وتركيا وليبيا». هكذا، وبكل بساطة، يلخص الديبلوماسي حقيقة ما تفاهمَ عليه الروس والأميركيون، فأطلق يد النظام السوري في سحق ما تبقى من قدرة «الجيش الحر» وأنصاره، تمهيداً لمؤتمر «جنيف2». هناك مَنْ سيفاوض إذاً؟

لدى الغبي المرتعش، المرتعب من «وحش جبهة النصرة» وأخوات «القاعدة»، قد يجوز التسليم بحرية الأسد في الترشح للرئاسة مجدداً، العام المقبل، ولا شيء يحول دون تفويض نظامه شرعية متجددة، خصوصاً لخوض «الحرب الكونية للإرهاب». أي مصير إذاً للثورة السورية، ولماذا ضحى السوريون بأكثر من 126 ألف قتيل، وشُرِّدوا بين قوارب الموت ومخيمات البؤس ومجازر البراميل السود؟ في المحصلة، ما الذي سيجنيه الأحمق في الغرب، إذا استُثنِي أمن إسرائيل، وهي مازالت تفضّل بقاء الأسد؟

لعل السفير الأميركي روبرت فورد صُدِم برفض «الجبهة الإسلامية» (تكتل من سبعة فصائل مسلحة) مشاورات مع واشنطن التي ستخمّن بحكمتها أن هذه المقاطعة ردّ على تركها «الجيش الحر» والمعارضين المسلحين بين عدوّين لهم: النظام و «القاعدة»... وأنها جزء من رد فعل إقليمي بعدما طفح الكيل من وعود حمقى، تستنفر النظام دائماً، ولا تقوّي المعارضة، ولا تغلّب سوى مشهد «جهاد قطع الرؤوس».

ولطالما سواد النفق يزداد حِلْكة، لماذا لا نسأل عن مصالح الأمن القومي لغبي، كلما ادعى انتصاراً على أرباب الكهوف وأَكَلَة الأكباد، كلّما دفَّعَنا الثمن بنكبة جديدة. أهي واحدة أم اندثار أمم بالجملة، بدليل بدايات من المشرق الى المغرب، من محطات تفتيت العراق بعد «مذهبة» الدولة، و «الجهاد» ضد الجنازات والأكفان، وأفغنة ليبيا، وعرقنة لبنان بالانتحاريين الأشباح، وصوملة سورية، وخطف مصر بين ثورة وثورة.

في الغرب أحمق يظن أنه يستغل كوارث حمقى، وحروباً ليغيّر خرائط، ويحصد ثروات مجانية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

في الضرورة الوطنية

علي العبدالله *

الحياة

الخميس 19/12/2013

في ضوء الظروف العامة البالغة الصعوبة والخطورة التي تمر بها الثورة السورية من التذرر الواسع الذي تعيشه القوى الثورية والمقاتلة، إلى ضعف أداء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وتآكل دور الجيش السوري الحر ورئاسة أركانه، مروراً بإنهاك الحاضنة الشعبية، ليس بسبب القتل والحصار والنزوح واللجوء فقط، بل بسبب عدم اليقين الذي ترتب على مجمل الصورة من أداء المعارضة السيء، إلى مواقف الدول الصديقة التي لم تكتف بأن تكون غير حاسمة وحازمة في دعمها، بل وزادت بسوء تصرفها في تمزيق الصفوف وتشتيت الجهود بسبب التنافس على السيطرة على المعارضة، الكتائب المسلحة بخاصة، فخلقت للثورة تناقضات وتعارضات وصراعات هي دونها تعاني مصاعب نتيجة توحش النظام وحلفائه وقلة الخبرة ونقص العتاد.

فصراع الدول الداعمة والدخول في تنافس وصراع عبر استتباع شخصيات معارضة واستخدامها في محاصرة الدول المنافسة، وطرح خيارات وتصورات خاصة والعمل على تمريرها في اوساط الثورة عبر الضغط المالي والعسكري، زاد في تمزق المعارضة وفي تضارب الخيارات والمواقف والخطط وأدخل الثورة في نفق مظلم. هذا دون أن ننسى الأثر السلبي لممارسات الحركات «الجهادية» الوافدة، بخاصة «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، آخذين في الاعتبار اختراقها من قبل النظام وإيران وروسيا وتوجيه بعض خططها بحيث تلعب في خدمة النظام، وتخويف الخارج القريب والبعيد من تبعات الثورة وانتصارها، والتي - ممارسات الحركات الجهادية - ميّعت نجاحات الثوار وضربت صورة الثورة وتفتّت المجتمع بين من يتلاقى مع هذه الحركات ومن يرى فيها دماراً لا يقل سوءاً عن دمار النظام، فتعدد القوى والدول والخطط التي تتزاحم على الأرض السورية ساهم في تعقيد الوضع وخلق حالة تناقض وتضاد وسيولة في الحراك الشعبي والثوري جعل المحصلة هزيلة ولا تتناسب مع حجم التضحيات والخسائر المادية والبشرية.

كل هذا، بالإضافة إلى مبادرة حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي لإقامة حكم ذاتي في ما يعتبره مناطق كردية، التي أضفت الكثير من الشكوك على الثورة وقدرتها على حفظ وحدة التراب السوري ووضع البلاد على طريق الخلاص، جعل مستقبل الثورة وسورية أرضاً وشعباً موضع تساؤل وشكوك.

لقد أصبحت الثورة بحاجة إلى ثورة لتصحيح مسارها، بخاصة في ضوء تواتر الحديث عن عقد مؤتمر «جنيف2»، بحيث تظهر الثورة بصورة أفضل، قوة منظمة وقادرة، وإقامة تكتل عريض ووازن للعمل على تصحيح المسار، وإشاعة جو من التفاؤل والإيجابية يعيد إطلاق الطاقات الشعبية والثورية على طريق انتصار الثورة وتحقيق أهدافها، تكتل على خلفية وطنية جامعة كأرضية سياسية له وذلك بـ:

1- الانحياز إلى استمرار الثورة، والتعبير عن هذا الانحياز بالعمل الجاد لتجميع القوى ورصّ الصفوف والتنسيق اليومي والعمل المشترك لإيجاد حلول مناسبة للمشكلات والعقبات التي تواجهها بطرح أفكار وخطط وإبداع تكتيكات مناسبة.

2- التمسك بالطابع الوطني للثورة، باعتبارها ثورة كل السوريين ولخدمتهم جميعاً، والحرص على الوحدة الوطنية بتكريسها في الممارسة اليومية والتأكيد على اللحمة الوطنية للشعب السوري، وأن تكون سورية الجديدة دولة لكل مواطنيها.

3- التمسك بالهدف الرئيس للثورة باعتبارها ثورة حرية وكرامة، والعمل من اجل الانتقال بالبلاد من حالة الاستبداد إلى الديموقراطية، عبر إسقاط النظام بكل رموزه ومرتكزاته، باعتماد الممكن سياسياً وعسكرياً.

4- تقوم عملية التغيير الوطني الديموقراطي على بناء الدولة المدنية الحديثة، التي تتأسس على عقد اجتماعي يتجسد في دستور جديد تضعه جمعية تأسيسية منتخبة، يكون أساساً لنظام يضمن الحقوق المتساوية للمواطنين ويحدّد واجباتِهم، من دون تمييز قومي أو ديني أو مذهبي، يكفل التعددية وتداول السلطة، واستقلال القضاء وسيادة القانون، واللامركزية الإدارية، واحترام حقوق الإنسان والالتزام بالشرائع الدولية ذات الصلة.

5- العمل لتكون سورية الجديدة بنظامها المدني الديموقراطي أفضل ضمانة لأمن وسلامة كل مكونات الشعب السوري القومية والدينية والطائفية وحل القضية القومية للمكونات غير العربية من كرد وتركمان وآشوريين/ سريان وأرمن ...الخ حلاً ديموقراطياً عادلاً في إطار وحدة سورية أرضاً وشعباً وممارسة حقوق وواجبات المواطنة المتساوية لجميع المواطنين.

6- العمل لتكون سورية الجديدة دولة إيجابية وعامل استقرار حقيقي في محيطها العربي والإقليمي والدولي.

إنّ توافق القوى الثورية، المدنية والعسكرية، على هذه الأسس في جوهرها وخطوطها الرئيسة يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في تحفيز الثوار والحاضنة الشعبية، بحيث لا نضيع في التفاصيل والاختلافات التي قد تنعكس على ما نستطيع إنجازه عملياً بعد ذلك، لنتفرغ لمسائل تعزيز ثورة شعبنا وضمان أمنه وأمانه، وتقديم أفضل أداء ممكن نستطيع من خلاله مواجهة الظروف الطارئة والمتغيرة، ونساهم في تحقيق أهداف الثورة والانتقال بسورية من الاستبداد إلى الحرية والديموقراطية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com