العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22/9/ 2013م


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

«ما يفوق الاحتمال» في الثورة السورية

بيسان الشيخ *

الحياة

السبت 14 /9/2013

أسئلة كثيرة تتبادر الى الأذهان لدى مشاهدة صورة مجلة «باري ماتش» الفرنسية التي تظهر جمهرة من المتفرجين بعضهم يحمل كاميرات ويتوسطهم سياف يهم بقطع رأس جندي من الجيش السوري، راكع أمامه معصوب العينين: لكن الملح من تلك الاسئلة هو ذاك المطروح على الثورة السورية وعلينا بمعنى ما، لمعرفة إلى اي مدى تشبهنا تلك الصورة حين ننظر في المرآة، وهل سعت الثورة، ونحن من ورائها، ما في الوسع لكي يغير الغرب فكرته عنا؟

المجلة حذرت قراءها من أن الصور التي تنشرها ضمن الملف السوري «قاسية وصادمة» لكنها دليل إضافي على أن «الفظاعات تحدث من الجانبين وسط حرب دعائية واعلامية محتدمة بين النظام والمعارضة». ولفتت المجلة، على ما توضح لمتصفحيها، إلى أنها امتنعت عن نشر «ما يفوق الاحتمال» من تلك الصور «لكنها ستبقى محفورة في أذهان المحررين».

وإذ تركز النقاش حول صحة الصور وتوقيت نشرها والنوايا المضمرة من ورائها، يبقى أنها تعكس شيئاً من واقع نرفض الإقرار به ونفضل عليه الإنكار، عدا قلة قليلة من الكتاب أو المثقفين الذين لا يمثلون السواد الاعظم من المعارضين السوريين.

وصحيح أن الصور جاءت في وقت تناقش فيه الحكومات الغربية احتمال الضربة العسكرية، ويسعى الرئيس الاميركي باراك أوباما الى حشد التأييد لها، فيما يترنح الرأي العام بين مساندة النظام او المعارضة أو الوقوف على الحياد التام... وسط ذعر الأقليات من استئثار المتطرفين بالحكم وغير ذلك مما يجعل نشرها غير بريء. لكن الصحيح أيضاً أنها تطرح على المتلقي الغربي تحدياً فعلياً، وسؤالاً مشروعاً يوجهه لنا كأن يقول: «هل هذه هي المعارضة التي تريدون منا دعمها؟»

وإذ تعيدنا الصورة الى شبيهات لها وصلتنا قبل نحو عقد من أفغانستان بلا مقدمات ولا اعتذارات وتظهر عناصر «طالبان» يعدمون رجالاً نساء، لا يسعنا الا التفكير قليلاً في ابتذالنا اليومي للموت وقدرتنا الهائلة على التأقلم مع أساليبه المختلفة من ذبح أو تفجير أو تعذيب أو اختناق. لكن ما العمل وهذا خبزنا اليومي؟ وإذا كان ذلك القارئ الغربي المرهف يملك ترف إشاحة نظره عنا، يبقى أننا نواجه هذه الفظائع في شكل يومي وبصفتها وقائع، لا مجرد صور. هنا تحديداً يكمن الفارق الجوهري بيننا وبين هذا القارئ الغربي. فهو صاحب قرار فيما نحن متفرجون، أو في أفضل الحالات، «فايسبوكيون غاضبون». هو يصوت على قرارات تتعلق بحربنا وسلمنا، وهو من يدفع حكوماته وبرلماناته باتجاه مؤازرة قضيتنا أو الاحجام عنها، كما أنه هو من يخصص مالاً من ضرائبه لإرسالها لنا سلاحاً أو صناديق إغاثة. هذا ونحن لا نعيره انتباهاً، نتجاهله ونلتفت إلى من يوافقنا دون كثير أسئلة. نغرق في ذواتنا وتفاصيلنا ونرفع ومصالحنا المستجدة مع الثورة، من دون أن نبذل أدنى جهد تجاه هذا «الغربي المرهف». هكذا، نبعد عنا شبهة الصحافي الايطالي الذي افرج عنه أخيراً وطالب الثورة السورية بمحاكمة خاطفيه من أبنائها لئلا يقتنع فعلاً بأنها «مجرد طفيليين يقيمون في الفنادق الفخمة على حسابنا» على ما قال.

لا ضير ببعض البوح والمحاسبة الذاتية. نحن ببساطة بحاجة الى اقناع صحافة تصنع رأياً عاماً في بلدانها، والى مد جسور مع ذلك الرجل العادي الذي يستقل المترو الى عمله كل صباح فيما سورية بعيدة منه، وصورها تحتاج اعتذاراً مسبقاً إن أراد المحررون تعكير مزاجه بنشرها. ما لم يتحمل ممثلو الثورة السورية ومتحدثوها مسؤولياتهم ويقوموا بخطوات جدية في هذا الاتجاه، سيضيق الغرب ذرعاً بهم كما سبق له أن ضاق ذرعاً بالفلسطينيين. فيتوارث هؤلاء مفاتيحهم، ويردد أولئك «ما لنا غيرك يا الله».

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

ضرورات الجيش الحر

فايز سارة

الشرق الاوسط

15/9/2013

يعتبر كثير من السوريين، أن الجيش السوري الحر بين أهم ظواهر الثورة، وهو الموازي المباشر والمسلح للحراك الشعبي الواسع الذي أطلقه السوريون مع بداية الثورة، شاملا حركة تظاهر واحتجاج، وأشكالا من التضامن والتآزر في مواجهة النظام وسعيا من أجل تغييره وإقامة نظام ديمقراطي بديل. بل إن الجيش السوري الحر ولد في إطار ذلك الحراك ومن أجل الدفاع عن حركة التظاهر والاحتجاج وعن حواضنها الاجتماعية.

وعلى الرغم من الخلفية الموحدة في نشأة الجيش الحر من حيث تكوينه من ثوار مدنيين وعسكريين منشقين، ومن حيث أهدافه الأساسية في الدفاع عن الشعب وحماية المتظاهرين، فقد ظهرت تشكيلاته منفصلة بعضها عن بعض لا يجمعها سوى الاسم، وفشلت محاولات كثيرة في دمج وتوحيد تلك التشكيلات في كيان تنظيمي واحد وتحت قيادة واحدة، لكنها لم تغلق الباب، حيث بقي شعار وحدة الجيش الحر بين أهم الشعارات المرفوعة في صفوف السوريين الراغبين في انتصار الثورة.

إن أسبابا كثيرة أدت إلى فشل محاولات توحيد الجيش الحر، أبرزها الأسباب السياسية وفي مقدمتها غياب مركز قيادي فاعل ونشط للمعارضة السورية، يشكل حاضنة ومرجعية سياسية ولوجيستية للجيش الحر، كما أن بين الأسباب وجود تدخلات إقليمية ودولية، ساهمت في تكريس وجود تشكيلات منفصلة، وإن كانت تنتمي علنا إلى الجيش الحر، فإن ذلك الانتماء لم يتجاوز حد القول، إذ هي تشكيلات محلية الطابع.

ولم تمنع تلك الأسباب عملية توحيد الجيش الحر، إنما شجعت مع عوامل أخرى على ولادة تشكيلات مسلحة لعب الكثير منها دورا سلبيا وتخريبيا، وأساء إلى ثورة السوريين على نحو ما يظهر في جماعات التطرف من أخوات «القاعدة» مثل جبهة النصرة ودولة العراق والشام ووحدات الحماية الشعبية الكردية، التي حملت مشاريع سياسية، تختلف عن مشروع ثورة السوريين في الحرية والعدالة والمساواة.

ووسط التطورات السياسية - العسكرية والأمنية التي دخلتها البلاد، ولا سيما استمرار عمليات القتل والدمار التي يتابعها النظام ضد السوريين، ومحاولات تسعير الصراعات المحلية الدينية والطائفية، وتصعيد مشاريع تتصادم مع المشروع العام للجيش الحر في حماية المناطق المدنية وإسقاط النظام، صار من المفروض حضور قوة عسكرية موحدة لها تغطية وطنية عامة، يمكن أن تتشكل حول هيئة الأركان للجيش السوري الحر، ويمكن للتشكيلات المنتسبة للجيش الحر والقريبة منه، أن تشكل الهيكل الأساسي للجيش الموحد التابع عسكريا لهيئة الأركان، التي تشكل مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة حاضنة ومرجعية سياسية ولوجيستية للجيش الحر.

إن ضرورات توحيد الجيش الحر، لا تتصل بطبيعة الصراع العسكري بين النظام والمعارضة، وهو صراع يبدو في احتمالاته متسعا في الأماكن وممتدا من الناحية الزمنية، مما يتطلب تحشيد وتنظيم قوى المعارضة العسكرية ووضعها تحت قيادة مسؤولة لها برامج تسليح وتدريب وإمداد ودعم مشتركة، تكون قادرة على مواجهة التهديدات التي تمثلها قوات النظام.

وتتجاوز ضرورات توحيد الجيش الحر موضوع الصراع بين النظام والمعارضة إلى موضوع آخر، وهو حماية الكيان الوطني والمشروع الوطني للسوريين الذي ينبغي أن يركز على أن سوريا دولة لكل مواطنيها بغض النظر عن تنوعهم الديني والقومي والطائفي والمناطقي، وهو تنوع ينبغي حمايته في إطار الدولة الوطنية، وليس على حسابها، والحاضن الرئيس لمثل هذا المشروع هو الجيش الحر الذي تأسس أساسا على قاعدة حماية الشعب من عدوان النظام وأدواته، وهو المؤهل للعب دور الموحد والحامي للكيان الوطني من أن يقع أسير تطرف ديني أو قومي أو طائفي، بحيث يمنع انقسام سوريا إلى كيانات متصارعة، ويمنع أيضا إقامة دولة إسلامية متشددة على نحو ما ترسم «القاعدة» وأخواتها من جبهة النصرة ودولة العراق والشام، أو لجهة نواة لكيان كردي في الشمال والشمال الشرقي.

إن ضرورات الجيش الحر اليوم، تبدو أكثر بكثير مما كانت عليه يوم ظهور تشكيلاته الأولى، التي كان هدفها حماية المتظاهرين والدفاع عن حواضنهم، واليوم صارت ضروراته أبعد من ذلك بكثير، مما يفرض توحيده وتطويره للقيام بمهمات لم تكن مطروحة في السابق.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

إنقاذ سوريا!

د. رضوان السيد

الاتحاد

15/9/2013

هناك ثلاثة أطراف تُظهر اهتمامات قوية ولكنْ متناقضة بالوضع السوري المتفاقم، الذي وصل منذ سنة إلى حدود الكارثة: الفريق الأول: حليف أو حلفاء النظام السوري، وهم رئيسيون وفرعيون: الرئيسيون إيران وروسيا، والفرعيون حلفاء إيران من أنظمة وميليشيات، وحلفاء روسيا والذين تمون عليهم لأسباب لا علاقة لها بسوريا وإنما بالموقف من الولايات المتحدة مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.. إلخ. والحقيقة أنّ هؤلاء حلفاء حقيقيون وإن اختلفت الأسباب. إذ إنّ جرائم النظام الفظيعة التي لا يمكن تقبُّلُها، ما غيرّت شيئاً من دعمهم للنظام. فقد «باع» الروس للأسد منذ بداية الثورة سلاحاً بما يزيد على 5 مليارات دولار، ولديهم «خبراء» واستراتيجيون عسكريون شارك بعضهم خلال الشهور الماضية في القتال. وقد دفع النظام السوري بنفسه الأموال للروس في البدايات، ثم دفع العراقيون، والآن يدفع الإيرانيون. ولكن يبقى (فيما يقال) حوالي المليار دولار دون دفع، لذلك ما سلّم الروس صواريخ الـ 300 - 5 للنظام السوري رغم زعمهم أنهم لم يفعلوا ذلك بسبب رعايتهم لأمن إسرائيل! لكنّ الروس يعرفون أنّ الأسد لا يمكن أن يهاجم إسرائيل فقد أعدَّ هو ووالده الكيماوي منذ الثمانينيات ضد إسرائيل التي هاجمته عدة مرات، ومع ذلك ما استخدمه إلا ضد شعبه! لذلك يبقى غريباً هذا الإصرار من جانب الروس على البقاء إلى جانب الأسد. ولا أستطيع التصديق بأن تحدّي بوتين هذا للأميركيين والعرب والأتراك سيُنتج له دوراً أكبر في الشرق الأوسط، ولا أنّ ذلك الدعم الهائل هو بسبب الأموال والصفقات، فقد كان يستطيع الحصول على صفقاتٍ أفضل على المستويين الدولي والإقليمي. ثم إنه يعرف أن الأسد غير باقٍ مهما يقدِّمُ له من دعم هو والإيرانيين والكوريين الشماليين، وحتى لو احتلّ مع إيران سوريا لحماية الأسد(!)، فلماذا هذا التشبُّث بالأسد؟ لا يمكن وضع المسؤولية عن ذلك على عاتق الولايات المتحدة وعنادها، فالأميركيون في عهد أوباما أبعد ما يكونون عن العناد أو النزعة العسكرية، ولا أجد أصبر من كيري غير أوباما، ولولا إحراجات النظام السوري شبه اليومية وآخرها الكيماوي، لما حرَّك أوباما ساكناً، كما أنه وكيري وسائر الغربيين يغرقون اليوم في «عَسَل» المبادرة الروسية للتخلُّص من الكيماوي السوري! وهكذا فكل الظروف هي لصالح بوتين ومصالح روسيا في الشرق الأوسط والعالم، إذا وافق على قرارٍ دوليٍّ يحرّر الشعب السوري من كوارث القتل والخراب. وهو لم يفعل ولن يفعل، ولا أستطيع أن أفهم علَّةً لذلك إلا إذا كان التفسير الذي قدّمه أوباما لشخصية بوتين صحيحاً عندما قال إنه يجلس مثل «طفل غاضبٍ في آخر الفصل الدراسي»، وهذا يعني ثوراناً وإحساساً بالظلم وما يشبه انفصام الشخصية. ومع ذلك، فهذا التفسير يبقى شديد التبسيط، لشخصية رجل صعد إلى الزعامة ومارس العمل السياسي منذ أواسط التسعينيات في دولة كبرى، بعد عشرين سنة في الاستخبارات الروسية، وليس من السهل اللجوء في حالته إلى «التحليل النفسي» مثلما فعلت مجلة «تايم».

إنما الحالة الأعجب والأكثر فظاعةً بالفعل مسألة إيران وحلفائها. عندهم الآن حوالي الأربعين ألف مقاتل في سوريا، من الحرس الثوري و«حزب الله» والميليشيات العراقية والحوثية. وقد أنفقوا حتى الآن هم وتابعوهم ما لا يقلّ عن ثلاثين مليار دولار لدعم النظام السوري، واستخدموا في هذا الصراع أسلحةً ما استخدموها ضدَّ إسرائيل. استخدموا الدين والمذهب أكثر مما استخدمهما النظام السوري. قالوا أولاً إنهم يريدون حماية نظام الممانعة والمقاومة. ثم قالوا إنهم يريدون حماية المزارات المقدسة في سوريا، ثم قالوا إنّ السنة تكفيريون وهم يريدون حماية العلويين منهم وحماية الشيعة، وذلك بقتالهم في سوريا قبل أن يصلوا إلى النجف وقم! وسمعتُ خامنئي مراراً يقول إن إيران تدعم النظام السوري إلى النهاية؛ لأن أميركا وإسرائيل تمولان المتمردين وتزوّدانهم بالسلاح! والطريف أنّ الذين تأمَّلوا (من الإيرانيين وليس من العرب) أنْ يكون روحاني أكثر تعقُّلاً في التعامل مع المذبحة السورية، أبلغني اثنان منهم بأنّ روحاني أظهر تشدداً في الملف السوري بالذات وليس تحت ضغوط من أي جهة، ولم يعتذر بأن الملف بيد خامنئي وليس بيده!

والواقع أنّ الخيبة من موقف رجالات الثورة الإيرانية لا يقتصر على السياسيين ورجالات الاستخبارات والحرس الثوري. بل إن خيبتنا تمتد بالدرجة الأولى باتجاه كبار المراجع بإيران والعراق. لقد قال الإيرانيون دائماً إنّ فلسطين أولوية بالنسبة لهم. ونسب أمين عام «حزب الله» ذلك إلى المذهب الاثني عشري كله! لكن إسرائيل على هَول وجودها وهَول حروبها، ما قتلت من الفلسطينيين في سبعين عاماً ما قتله النظام السوري خلال سنتين! فأين المصلحة الدينية أو الاستراتيجية لإيران في هذا العداء المطلق للعرب وللسوريين، وفي اصطناع الفِتَن والتفرقة في المجتمعات العربية؟! أرى أنّ موقف الإيرانيين في النزاع بين الأسد وشعبه أفظع أخلاقياً من الموقف البوتيني، وهو مُضِرٌ بمصالح الشيعة وإيران في الحاضر والمستقبل!

أما الفريق الآخر المعني بالنزاع في سوريا، ولأسباب إنسانية واستراتيجية، فهو الفريق الغربي. والحقيقة أنه ومنذ سنتين فالدول الرئيسية في أوروبا وأميركا تتمنى سقوط الأسد، وقد قدّمت مساعداتٍ كبيرة للنازحين السوريين دون المقاتلين. لكنّ المسؤولين والشعوب ليسوا مستعدين للعمل على إنهاء الأزمة أو الحرب إلا من خلال مجلس الأمن. ومجلس الأمن يعطله منذ سنتين الروس والصينيون. وما استطاع الفرنسيون والبريطانيون والأميركيون إحداث أي تغيير في الموقف الروسي بعد مؤتمر جنيف - 1. والذي أراه أنهـم سيظلُّون يعارضون الأسـد، وقد يساعدون الثوار عسكرياً، لكنهم لن يفعلوا أكثر من ذلك إلا سياسياً من خلال جنيف - 2. لقد أغضب التردد الغربي كثيرين من العرب، لكنّ منطقهم يقول: لماذا ندخل حرباً في تلك المنطقة المشتعلة التي تسيل فيها الدماء أنهاراً، ما دُمنا قد خبنا من قبل، وما استطعنا تحسين الوضع في العراق: فإما أن يدخل العالم كله، وإلا فلن نحرق أصابعنا مرةً أُخرى!

ويبقى الفريق الثالث، وهو الفريق العربي، ومعه تركيا. هذا الفريق وصل إلى حد اليأس بعد سنة ونصف السنة من النضال على كل المستويات. لقد بدأ الخليجيون بجمع العرب لمحاصرة النظام السوري، وما نجحوا إلا بعد لأي. فالمالكي يعمل عند إيران، وكذلك اللبناني، والنظامان الجزائري والسوداني لا يختلفان في الطبيعة عن النظام السوري. والمصري متردد ومتحالف مع إيران من تحت الطاولة أيام «الإخوان»، ومتردد بعد «الإخوان»! وعلى كل حال نجح الخليجيون في استصدار قرارات وصنع مبادرات بالجامعة العربية وفي مجلس التعاون الإسلامي، وهم الأكثر دعماً (والوحيدون أحياناً) للثوار، ويتحملون أعباء نصف النازحين. وحاولوا بكل سبيل دفع الأوروبيين والأميركيين للعمل أكثر لوقف سفك الدم. واستماتوا لإقناع روسيا بالضغط من أجل الحلّ السلمي أو السياسي. ولأن تركيا دولة جوار، ولأن النظام السوري يشكل تهديداً على حدودها وفي داخلها المنقسم طائفياً، صار من مصلحة أردوجان إسقاط الأسد. لذلك يجد العرب والأتراك أنفسهم في زورق واحد في الملف السوري.

لا يستطيع العرب بمفردهم التدخل عسكرياً لإسقاط النظام السوري أو وقف سفك الدم. ومهما ساعدوا عسكرياً وسياسياً، فإن حلفاء الأسد يمكنهم الاستمرار في القتال. ولذا لا بد من العمل بكل سبيل على حل سياسي هدفه الأول وقف سفك الدم، وعودة النازحين، والبدء بالمرحلة الانتقالية: فهل يكون ذلك ممكناً في الأمد المنظور؟

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

في دلالات (الكيماوي) وما بعده إقليمياً

وائل مرزا

الشرق القطرية

15/9/2013

في عالمٍ لا يفهم إلا لغة المصالح، يمكن لكل سياسةٍ أن تتغير، ويمكن لكل قرارٍ أن يتبدل إذا كانت المصلحة تقتضي حصول ذلك. ولكن من الممكن أيضاً حصول كل ما نتصور أنه مستحيل حين تغيب تلك المصلحة، أو حين يكون في حصوله شبهة مصلحة، بناء على حساباتٍ خاطئة أو مغلوطة..

لم يكن الشعب السوري بحاجةٍ لـ (مهزلة الضربة)، وهما كلمتان تكفيان للتعبير عن كل الدلالات المتعلقة بالموضوع، لكي تتأكد قناعتهُ بكل ما آمن به من قبل فيما يتعلق بموقف النظام الدولي الحقيقي منه ومن ثورته. وهو في جميع الأحوال يبدو سائراً في طريق الآلام لتحقيق هدفٍ واحد لم تعد، منذ زمن، ثمة إمكانية ليكون له بديل. وقد يكون عدم حصول الضربة سبباً لاستعادته زمام المبادرة.

لكن مسرحية (الضربة) بكل تطوراتها ونتائجها ومآلاتها البعيدة تفرض على القوى الإقليمية ذات العلاقة أن تُعيد قراءة المشهد، وأن تبني حساباتها على المعطيات الجديدة التي أفرزها، وهي مُعطياتٌ في غاية الحساسية والخطورة، وتُرسل رسائل تتعلق بمصير المنطقة بأسرها على مستوى إعادة رسم الخرائط.

فبغضﱢ النظر عن كل الكلام المُنمق والشعارات النظرية عن التحالف الإستراتيجي والشراكات طويلة المدى والصداقات التاريخية، تُظهر التطورات أن أمريكا وأوروبا على استعداد كامل لإهدار المصالح الإستراتيجية لبعض القوى الأساسية في المنطقة، بوقاحةٍ تكاد لا تعرف الحدود، حتى لو كانت هذه المصالح تصل إلى أن تتعلق أحياناً بالوجود نفسه، وليس أقلﱠ من ذلك..

وفي هذا الإطار، يتم تجاهلُ كل الالتزامات، بل والتضحيات، السياسية والاقتصادية التي قدﱠمتها هذه الدول على مدى عقود. وقد قدﱠمتها انسجاماً أولاً مع أعراف العلاقات الدولية التي تَحكمُ منظومة المصالح المُشتركة للدول، ثم انطلاقاً من الحرص على القيام بما يمكن لتأكيد مقومات السلم والاستقرار في المنطقة..

من المُعيب ابتداءً ادعاءُ التجاهل لما بات يعرفه الصغير والكبير في منطقتنا عن معاني ودلالات الدخول مع النظام السوري في نفق المناورات الطويل المتعلق بالأسلحة الكيميائية. وبإشرافٍ وتنسيق روسي إيراني.

لا نتحدث هنا عن المعاني الأخلاقية التي ربما يكون خيرُ من وصفها، وبعاميةٍ مُعبرة، مثقفٌ سوريٌ قد يكون اليوم أكثرَ من يمكن توصيفه بأنه ليبرالي ومُعتدل وعقلاني، من أهل سوريا، هو ياسين الحاج صالح، حين قال: "في شي حقير جدا بهالعالم الوسخ. صارت كل القصة قصة سلاح ما، مو قصة مجرم يستخدم هالسلاح وغيرو. كل الحكي صار عالساطور، مو عالمجرم الحامل الساطور، ولا عالدم اللي عالساطور، ولا عالناس اللي قتلهم المجرم بالساطور، ولا عالعدد الأكبر اللي قتلهم بالمسدس والمدفع... وصار مصير الساطور هو موضوع البحث العالمي، مو مصير المقتولين ولا مصير القاتل. عالم مفلوج بضميرو".

لا. لا نتحدثُ عن معاني ما جرى من حيث انهيار المنظومة الأخلاقية الدولية التي تسمح باستمرار أبشع مجزرةٍ في العصر الحديث أمام بصر العالم بأسره، شعوباً وحكومات. فهذا حديثٌ لم يعد من ورائه طائل، وإن كنا نؤمن بأن تلك الممارسة سترتدﱡ على كثيرين في العالم المذكور لعنةً بشكلٍ من الأشكال، تبعاً لقوانين وسُنن الاجتماع البشري، وبعيداً عن التفكير الرغائبي. لكن لهذا الحديث مقاماً آخر.

وإنما الحديثُ هنا عن حساباتٍ سياسيةٍ تسمح بحدوث خلخلةٍ كُبرى في موازين القوى الإقليمية، اختصرها الناشط السوري نجاتي طيارة حين قال، إنها تعني: "ببساطة، انفلات حلف النظام الإيراني الروسي من أي عقال، واستشراسه لا في سوريا وحسب، فلم يعد هناك أفظع مما ارتكبه فيها حتى اليوم، بل انفلاته في المنطقة العربية والعالم أيضاً، وهذا هو السبب الحقيقي لمشروع الضربة. إنه يعني موت القانون الدولي وخطوطه الحمراء كلها، ليس على استخدام السلاح الكيماوي فقط، بل على كل تدخل وانفلات آخر، لتجارة السلاح الروسية وعملائها، ولدولة ولي الفقيه وتعصبها الشيعي الفارسي أولاً وأخيراً أيضاً".

ليس مهماً في هذا الإطار أن تكون تلك الحسابات مقصودةً أو نتيجة غباءٍ في الرؤية دفعت المنطقةُ، ومعها العالم، ثمنهُ أكثر من مرة في العقود الأخيرة. فالنتيجة في نهاية المطاف واحدة، ولا يمكن للدول صاحبة العلاقة أن تقف أمام هذا الموضوع موقف المُتفرج، لأنه أصبح موضوع مصيرٍ ووجود، وليس هزة سياسية عابرة.

"لسان الحال أبلغُ من لسان المقال" كما قالت العربُ دوماً. والرسائل التي تُطلقها المهزلة الأخيرة في المشهد السوري تقول لكل أصحاب العلاقة: "ما حكﱠ جِلدكَ مثل ظفرك فتولﱠ أنت جميع أمرك"، أي "اقلعوا أشواككم بأظافركم". لا يُقالُ هذا للسوريين فقط، وإنما أيضاً لقوى إقليمية يُعرف أنها ستتضرر من تلك المهزلة بشكلٍ استثنائي. وحين يصبح الأمر أمرَ وجودٍ وبقاء يُصبح ممكناً، بل مطلوباً، تأجيلُ البحث في كل شيءٍ آخر في هذه المرحلة، والاتفاق جدياً على اقتلاع الشوك بقوة، مرةً واحدة وإلى الأبد.

لكن الموضوع قد يحمل في طياته (مناورةً) ربما يجب الانتباهُ إليها، وتتمثل في أن صانع القرار في أوروبا وأمريكا يُدرك تماماً مصالحه الإستراتيجية مع القوى ذات العلاقة في المنطقة، لكنه يُمارس ما يُشبه لعبة (البوكر) سياسياً حين يُحاول الضغط عليها من خلال (الإيحاء) بإمكانية استغنائه عنها، وباستخدام مثل هذه الصفقات المحسوبة. ومفصلُ الطريق في المسألة يكمن في أن تُسارع هذه القوى تحديداً إلى إظهار جدﱢيتها في الدفاع عن مصالحها بكل ما فيها من حسمٍ ووضوحٍ وقوة، وبعيداً عن أي تردد، حفاظاً أولاً على (هيبةٍ) لا يمكن التفريط بها والتقليل من أهميتها البالغة في جملة الحسابات السياسية، ثم تأكيداً لجاهزيتها العملية في التعامل مع مدخل (كسر العظم) الذي تحاول إيران خصوصاً التركيز عليه.

وفي مثل هذه الحالة فقط، تعود أوروبا وأمريكا للاعتراف، ليس فقط بمصالحها الإستراتيجية الحقيقية في المنطقة، بل وبضرورة العمل بمقتضيات مصالحها المشتركة مع دولها، بعيداً عن منطق المناورات.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

مطلوب شرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل الفحل الوحيد عسكرياً

فيصل القاسم

الشرق القطرية

15/9/2013

لم يعد خافياً على أحد أنه تجب هندسة الشرق الأوسط برمته سياسياً واقتصادياً وعسكرياً كي تنام فيه إسرائيل قريرة العين، بلا منافس اقتصادي أو ديمقراطي أو عسكري، وهو الأهم. فقد ظن البعض، وكل الظن إثم في هذه الحالة، أن الربيع العربي سيحوّل البلدان التي وقع فيها الربيع إلى ديمقراطيات بسرعة البرق، بحيث لا تعود إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. لكن هيهات، فقد كان الكثيرون حالمين ومتفائلين أكثر من اللازم بكثير. ففي سوريا مثلاً تكالب على ثورتها القاصي والداني كي لا يجهضها فقط، بل كي يجعل الشعب السوري يندم على الساعة التي ثار فيها على نظام الأسد الذي أمّن الحماية لإسرائيل على مدى عشرات السنين. فلم يعد حلم السوريين، بأي حال من الأحوال، على الأقل في اللحظة المأساوية الراهنة، بناء نظام ديمقراطي ينافس إسرائيل، بقدر ما يريد أبسط أساسيات الحياة التي دمرها النظام طبعا بمباركة إسرائيل وأمريكا والغرب عموماً.

 طبعاً قلناها مرات ومرات إن إسرائيل لا يمكن أن تسمح بنشوء ديمقراطيات حقيقية على حدودها، ومن الأفضل لها ألف مرة أن تكون دول الطوق محكومة بديكتاتوريات عسكرية حصراً تكتم أنفاس الشعوب، وتدفع من يعارضها خلف الشمس بأبشع الطرق الوحشية والفاشية. طبعاً، من حق إسرائيل أن تدعم بقاء الديكتاتوريات في المنطقة، خاصة أنها عاشت أهدأ وأهنأ سنواتها في ظل الحكم الديكتاتوري الاستبدادي العربي المحيط بها.

وعندما بدأت إسرائيل تدرك أن الطواغيت والجنرالات الذين حموها على مدى عقود لم يعودوا قادرين على حماية أنظمتهم من غضب الشعوب، فما بالك أن يحموها، راحت تنتقل إلى الخطة باء في إنهاك المنطقة المحيطة بها، إن لم نقل إخصاءها عسكرياً، خاصة بعد أن خشيت من وقوع الترسانات العسكرية، خاصة الأسلحة غير التقليدية كالكيماوية والبيولوجية في أيدي جماعات لا تستطيع السيطرة عليها أو الوثوق بها كما كانت تثق بالطواغيت الساقطين والمتساقطين. لاحظوا كيف عاد أوباما واعترف بشرعية السد فجأة كي يوقع له على قرار التخلي عن السلاح الكيماوي قبل انتقال السلطة لاحقاً إلى جهات لا يمكن الوثوق بها.

طبعاً سياسة إسرائيل الرامية إلى إخصاء الشرق الأوسط عسكرياً ليست وليدة الساعة، أو على ضوء الضغط على سوريا لتسليم سلاحها الكيماوي. لا أبداً، فقد عملت إسرائيل مع أمريكا قبل سنوات طوال على تجريد نظام القذافي من كامل ترسانته غير التقليدية بإغرائه بالعودة إلى الحظيرة الدولية ورفع اسم بلاده عن قائمة الإرهاب الأمريكية. وقد نجحوا في الضحك على معمر القذافي، وجعلوه يسلم حتى سكاكين المطابخ، بحيث أصبح مخصياً تماماً من الناحية العسكرية.

وهل ننسى بالأصل أن أحد أهم أهداف الغزو الأمريكي للعراق كان ضرب وتفكيك واحد من أهم وأقوى الجيوش في المنطقة. وكي لا يظن البعض أننا نتحدث جزافاً، فقد اتصل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عندما وصلت قواته إلى غرب العراق، اتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون آنذاك، وقال له مازحاً: "اطمئن يا صديقي، فقد أصبحت قواتنا غرب العراق". وهذا يعني عملياً أن الخطر العسكري العراقي على إسرائيل قد انتهى تماماً. وقد جاءت لعبة بريمر الشهيرة المتمثلة بحل الجيش العراقي استكمالاً لمكالمة بوش الشهيرة مع شارون. فقد نجح بريمر لاحقاً في تفتيت الجيش العراقي وملاحقة ضباطه وجنوده واغتيال علمائه العسكريين والنوويين. ولا ننسى طبعاً كيف ضغطت أمريكا على مدى سنوات قبل الغزو في دفع النظام العراقي السابق إلى التخلص من ترسانته بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل المزعومة. وقد أصبح العراق بعد الغزو من الناحية العسكرية قزماً، بعد أن كان يشكل تهديداً كبيراً لإسرائيل. ولا ننسى أن العراق بنى الطريق الذي يوصل العراق بسوريا في بعض أجزائه على شكل مدرجات مطارات كي يكون بمقدور الطائرات العراقية أن تستخدمها للإقلاع باتجاه إسرائيل في حال الحرب. ولو نظرنا إل حالة الجيش العراقي الآن لوجدناها في أرذل حالاتها، فلا يستطيع نوري المالكي حتى مواجهة قوات البيشمركة الكردية التي لديها من السلاح والعتاد أكثر من الجيش العراقي، بينما استطاع الجيش العراقي في السابق أن يحارب إيران لثماني سنوات متواصلة ببسالة ومفعول كبير دفع الخميني إلى "تجرع السم" والقبول بالهدنة مع العراق بعد أن تكبدت قواته خسائر هائلة.

وها نحن اليوم نواجه السيناريو العراقي في سوريا، ومع اختلاف الظروف والمسببات. ليس هناك أدنى شك بأن النظام السوري حقق لإسرائيل وأمريكا الكثير الكثير على صعيد تدمير الجيش السوري وإنهاكه عندما زجه بعد شهر واحد فقط على الثورة الشعبية في حرب ضروس ضد الشعب. ولا شك أنه حقق لأمريكا وإسرائيل غاياتهما دون أن تخسرا رصاصة واحدة. لاحظوا أن أمريكا دفعت المليارات لتدمير العراق عسكرياً، بينما حقق النظام السوري لها ما تريد من تدمير وتخريب في بنية الجيش السوري مجاناً. ولم يكتف النظام بإنهاك الجيش الذي أصبح منهكاً أمام إسرائيل، بل راح يستخدم السلاح السوري الإستراتيجي المتمثل بالسلاح الكيماوي، مما جعل إسرائيل وأمريكا تفركان أيديهما فرحاً، لأنه أعطاهما فرصة تاريخية كي يجيشا العالم ضده ليتخلى عن ترسانته الكيماوية أولاً والبيولوجية لاحقاً.

لقد لاحظنا أن أمريكا وإسرائيل لم تحركا ساكناً ضد النظام على مدى أكثر من سنتين طالما أنه كان يقوم بالواجب بتدمير الجيش وإنهاكه وتخريب سوريا، لكن ما إن لجأ إلى الكيماوي حتى تحركت "الحمية" الأمريكية والإسرائيلية، فراحت واشنطن وتل أبيب تجيشان العالم ضد النظام بحجة تجاوزه للخط الأحمر واستخدام السلاح المحرم دولياً. وفي واقع الأمر أن تلك الحمية لم تكن أبداً عقاباً له على قتل ألوف الأطفال بالكيماوي، بل كي تجبراه على التخلص من سلاحه الكيماوي، الذي يهدد إسرائيل. وكان لهما ما أرادتا بيسر وسهولة. فما إن حشدت أمريكا حاملاتها بالقرب من سوريا، حتى ارتعدت أوصال النظام. وما إن طلب منه وزير الخارجية الأمريكي أن يسلم سلاحه الكيماوي خلال أسبوع، حتى استجاب النظام للطلب الأمريكي خلال سبع دقائق، لم ينتظر المهلة التي أعطاها جون كيري. فتفتقت قريحة روسيا عن خطة لوضع السلاح الكيماوي السوري تحت مراقبة دولية ومن ثم تدميره نهائياً وإجبار سوريا على توقيع معاهدة حظر السلاح الكيماوي.

طبعاً النظام السوري يقول إن جيشه مستهدف أمريكياً وإسرائيلياً، وأن هناك مؤامرة تمثلت بالضغط على النظام كي يستخدم جيشه لمحاربة جماعات سلطتها عليه أمريكا، وصورتها على أنها ثورة شعبية. وحتى لو كان النظام محقاً في زعمه، فالغبي ليس من دفع النظام إلى إنزال جيشه إلى الشوارع بعد أسابيع قليلة على الحراك الشعبي، بل الذي أنزل الجيش وورطه في حرب لم يشهد لها مثيلاً منذ تأسيسه، حيث اضطر إلى خوض معارك من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، بينما كانت إسرائيل تتفرج بفرح عارم على انهيار أقوى الجيوش العربية التي تهددها في المنطقة.

ولا ندري كيف سيكون مستقبل الجيش المصري بعد أن اقتحم الساحة السياسية، وبعد أن أصبحت سيناء مصدر قلق كبير له. فهل يستنزفونه أيضاً؟

باختصار شديد: المطلوب شرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل الفحل الوحيد فيه عسكرياً، والباقي.....

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

هنري كيسنجر ومغالطاته حول تحليله للموقف الروسي المؤيد لنظام دمشق

محمد فاروق الإمام

من منا لا يعرف الثعلب الماكر الصهيوني هنري كيسنجر وزير الخارجية والمستشار الأمني للدولة الأمريكية، ومن منا لا يعرف الدور الشيطاني الذي لعبه في تمزيق وحدة العرب خلف الجيش المصري الذي حطم في العاشر من رمضان/أكتوبر خط بارليف الحصين، ولوى ذراع الجيش الصهيوني الذي لا يقهر، وأثبت للعالم أن جيش مصر عندما تتاح له فرصة قتال العدو الصهيوني فإنه سيقاتل ويحقق الانتصار عليه، وهذا ما حدث في حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، ومن المخجل أن جيش سورية العقائدي الذي شارك في تلك الحرب كان حاله بعكس حال الجيش المصري الذي انتصر وعبر قناة السويس وحطم خط بارلف، فقد هُزم الجيش العقائدي السوري متخلياً عن 34 قرية لم تحتلها إسرائيل في مرتفعات الجولان عام 1967، والذي أقدمت قيادته المتمثلة بالرئيس حافظ الأسد إلى عقد اتفاقية فك الاشتباك مع العدو الصهيوني عام 1974 التي تضمنت - في أحد أهم بنودها - أمن إسرائيل على حدودها الشمالية برعاية من هنري كيسنجر، لقاء إعادة مدينة القنيطرة المدمرة إلى سورية لتكون عنوان تغنت به القيادة السورية لعقود عن انتصارات وهمية حققها الجيش السوري العقائدي على إسرائيل وانتزاعه مدينة القنيطرة من العدو الصهيوني.

هنري كيسنجر خاض لعبة قذرة تمكن من خلالها جر مصر إلى عقد اتفاقية (كامب ديفيد) التي حيدت مصر من الصراع العربي الإسرائيلي عام 1979، وتم الاعتراف بالدولة العبرية وإلغاء حالة العداء بين إسرائيل ومصر، وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وتم رفع العلم الصهيوني في وسط القاهرة عاصمة أكبر دولة عربية، لتبدأ القطيعة بين الدول العربية ومصر وطرد الأخيرة من الجامعة العربية.

اليوم يظهر علينا هذا الصهيوني الحاقد هنري كيسنجر ليسوغ موقف روسيا المعادي للشعب السوري وثورته بقوله:

"إن موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيال سوريا يعود إلى قلقه من تزايد دور الإسلام المتشدد، معتبرا أن الصراع في سوريا يتجاوز الموقف من الرئيس بشار الأسد ليصل إلى النزاع الطائفي بين السنة والشيعة". هذا التوصيف من هذا الصهيوني الحاقد لموقف المجرم بوتين من الشعب السوري وثورته وجعله مبرراً ومسوغاً لما تقدمه موسكو من دعم عسكري متواصل للنظام السوري، وتقديم الحماية له في المحافل الدولية، وإفشال أي تحرك من المجتمع الدولي لوقف حمام الدم الذي يرتكبه هذا النظام السادي بحق المدنيين العزل، والذي كانت ذروته الهجوم الكيميائي على المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ في الحادي والعشرين من الشهر الماضي في الغوطة الشرقية، والتي راح ضحيتها ما يزيد على 1400 كان من بينهم 400 طفل وأكثر من مئتي امرأة.

موقف كيسنجر الحاقد واللئيم يؤكد لنا المؤامرة الكونية – ليس على النظام السوري كما يدعي النظام – بل على الشعب السوري المتحضر الذي عاش لقرون طويلة منذ فجر الإسلام وهو يضم بين جنباته ويحتضن بدفء الأقليات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، ويدافع عنها كما يدافع عن بنيه في كل الحروب التي عصفت في المنطقة ومن بينها الحروب الصليبية المتلاحقة والتي كانت فيه بعض هذه الأقليات تقف إلى جانب الغزاة أو محايدة إلى أن تم تحرير القدس وطرد الصليبيين من بلاد الشام، ولم يفكر المسلمون السنة ولو للحظة واحدة في الانتقام من هذه الأقليات التي اختارت الوقوف إلى جانب الغزاة، لقناعتها أن بناء الأوطان يقوم على التسامح لا على الثأر والأحقاد، وكذلك كان الحال عندما خاضت بلاد الشام معاركها مع التتار ودحرتهم في معركة (عين جالوت)، ولعل معارك الاستقلال التي خاضها الشعب السوري ضد المحتلين الفرنسيين في بداية القرن العشرين والتي شارك فيها المسلم إلى جانب المسيحي والعلوي إلى جانب الدرزي والسمعولي إلى جانب الشيعي لأكبر دليل على أن سورية بهذا الفسيفساء الإثني والديني القوي دحرت جيش الاحتلال وحققت الاستقلال، وعاش الكل في حب ووئام وتفاهم واحترام لسنوات بعد الاستقلال، حتى مجيء حزب البعث وتسلمه السلطة في دمشق غيلة وغدراً في الثامن من آذار 1963 لنسمع بوجود الطوائف والأديان والمذاهب في سورية، وتجلى ذلك وتأكد عند تسلم حافظ الأسد الحكم بعد انقضاضه على رفاقه في 16 تشرين الثاني 1970 وتوجيهه دفة الحكم والسلطة لتكون بيد طائفة لا تشكل أكثر من 8% حسب جداول الانتداب الفرنسي الذي كان يعمل على زرع الفرقة والتنافس بين مكونات الشعب السوري وتمزيق مجتمعه الوطني، وغدا الجيش الوطني والمخابرات وأجهزة الأمن السورية حكراً على الطائفة العلوية التي شكل الضباط الذين ينتمون إليها ما يزيد على 85% لقاء 15% لباقي الطوائف ومنهم المسلمون السنة الذين يشكلون 80% من عدد السكان في سورية.

مواقف كيسنجر، الذي تولى أيضا منصب مستشار الأمن القومي لبلاده ولا يزال يعتبر من بين الشخصيات الأكثر اطلاعا على خفايا الدبلوماسية الدولية جاءت في مقابلة، اعتبر فيها أن "موسكو اختارت توقيتا مثاليا من أجل تقديم مبادرتها حول السلاح الكيماوي". وهذا الموقف لكيسنجر تجاه ما تقوم به موسكو يؤكد انحياز العالم إلى جانب سفاح دمشق ونمرودها."

وأضاف كيسنجر في مغالطة مفضوحة في توصيفه للصراع الدائر اليوم في سورية والقائم على ثورة شعب ضد دكتاتورية وظلم حاكم متجبر، قائلاً: "القضية في سوريا هي صراع تاريخي بين السنة والشيعة" وهذا التوصيف إن دل على شيء فإنما يدل على جهل كيسنجر بحقيقة العلاقات الودية التي كانت قائمة في سورية بين كل مكوناته قبل احتلال الأسد لقصر المهاجرين وفرض نفسه بقوة الجزمة والبندقة حاكماً لدمشق.

ويكرر كيسنجر توصيفه المغلوط لمواقف الأقليات الأخرى مدعياً أن "معظم الأقليات الباقية في البلاد تدعم العلويين" وهذا خطأ يدل على أن كيسنجر لم يطلع على مواقف باقي الأقليات المساندة للثورة، وقد تجرعت هذه الأقليات الحنظل من كأس النظام لأكثر من ثلاثين سنة، ونالت حظها في القتل والتصفية والاغتيال لأهم رجالها.

التوافق في الأفكار والتحليلات بين الصهيوني هنري كيسنجر والحاقد المجرم بوتين يجعلنا نقطع الشك باليقين ونؤكد على أن هناك مؤامرة تطبخ من تحت الطاولة بين الكبار لإطالة حرب التحرير في سورية، تهدف إلى المزيد من الدمار والخراب وشلالات الدماء، طالما أن الأمر لا يزال تحت سيطرة هذه الدول ولا يتعدى الحدود السورية أو يعكر أمن الدولة العبرية ومستوطنيها في الجولان!!

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

في تقدير الموقف : أوباما ( بطل العجز الملحمي ) للروس والإيرانيين .. تنازلوا عن بشار الأسد وخذوا سورية بأهلها

زهير سالم*

20/9/2013

تلوح في الأفق السياسي ملامح صفقة أمريكية – إيرانية على غرار الصفقة الأمريكية - الروسية . صفقة تخفف الحرج الإنساني عن الرئيس الأمريكي ، وتدفع عنه النقد اللاذع الذي يتعرض له ، والذي غدا في ضعفه وتردده موضع نقد وتندر الكثير من الأمريكيين أنفسهم .

هذا النقد الذي يقترن بادعاء الأستاذية ولا يخلو من هزؤ وتقريع ؛ لم يعد وقفا على السناتور جون ماكين وبعض المشاغبين في الكونغرس الأمريكي ، بل تعدى إلى وزراء سابقين من طبقة : هنرى كيسنجر وزير الخارجية العتيق ، ورامسفيلد وبانيتا وروبرت غيتس وزراء الدفاع المتعاقبين ، وبريجنسكي مستشار الأمن القومي ، وكان قد سبق إلى هذا الانتقاد من قبل الرئيس كلينتون الذي قال ( لا ينبغي لرئيس الولايات المتحدة أن تقوده استطلاعات الرأي ) . وينخرط في هذا النقد للرئيس الذي أصبح هزُؤة المستهزئين صحفيون بطريقة أكثر لسعا وحدة ؛ فهذا ( تشارلز كروثمر ) من كتاب الواشنطن بوست يصف أوباما ( ببطل العجز الملحمي ) وهذا ( مارك ثيسن ) من الصحيفة نفسها يطلق على فترة رئاسته ( الأضعف في التاريخ الأمريكي إلى حد بعيد ) ، ويقول فيه ( روث ماركوس ) ( الرئيس الذي لا يخشى منه أحد ) .

 لا غرو أن ( مستعصم الولايات المتحدة ) أو ( هملتها ) يبحث عن مخرج من ضعفه وتردده وخوفه . يبحث عمن يحمل عنه هم الرئاسة بأي سبيل ، وربما هو يرى في ولاية واشنطن رحما دافئا يقيه بقية فترته الرئاسية ، فالخوف من البرد خارجها يقلقه ويضنيه ومن هنا فقد سارع إلى تلقف حبل لافروف في المبادرة الروسية رغم أن وزير خارجيته توقف فيه بل بادر إلى رفضه وهو اليوم معجب بلعق عسل حديث حسن روحاني .

ومن جهة أخرى فإن إيران المرهقة عسكريا في ورطتها في سورية حيث استقال بشار الأسد وترك لسليماني إدارة الحرب في مواجهة الشعب السوري وتحمل نفقاتها وأعبائها . ومرهقة اقتصاديا بفعل سياسات الحصار الغربية المفروضة عليها منذ زمن طويل . ومرهقة سياسيا داخليا وخارجيا بفعل سياسات المحافظين التي كان يقودها خمنئي وينفذها أحمدي نجاد باتت هي الأخرى تبحث عن مخرج ولو بتنازلات صلفة على الطريقة السورية نفسها .

يعلن حسن روحاني عن عنوان مغرٍ لمرحلته الرئاسية ( اللقاءات البناءة ) وينادي على قادة العالم أن يستغلوا فرصة وجوده رئيسا في إيران . ويعد الجميع بسياسات تصالحية . ويتطلع إلى دور كما يزعم لإجراء مصالحة ( بين النظام والمعارضة ) في سورية ، ويكرر أنه ليس متوقفا عند بقاء بشار الأسد شخصيا وأنه مستعد لقبول أي رئيس يتوافق عليه السوريون. ( ورغم أن العبارة مكرورة ) عند الساسة الروس والإيرانيين من قبل إلا أن الأمريكيين أرادوا أن يجعلوا لها طنينا سياسيا خاصا ..

 يبادر الرئيس أوباما إلى التجاوب مع الغزل ( الروحاني ) ، فيرد مرحبا ومشجعا على رسائل روحاني . ويقدم عروضا مغرية لإيران لتتخلى عن مشروعها النووي ، فيزيده الإيرانيون تطمينا بتكرار الإعلان عن فتواهم : إنهم لأسباب عقائدية يرفضون امتلاك السلاح النووية !! لا يريد أوباما أن يسأل نفسه ( أين كانت هذه العقائد عندما استخدموا السلاح الكيماوي ضد أطفال الغوطة ؟! ) . يقول المتابعون إن تكرار الإعلان عن هذه الفتوى كان بطلب من أوباما نفسه . أوباما الذي سبق أن حذر الإيرانيين ألا يقيسوا أنفسهم على بشار الأسد ، وألا يقيسوا اهتمام الولايات المتحدة بأمن الإسرائيليين على اهتمامها بأمن السوريين ؛ ومع ذلك فهو يسارع إلى عقد صفقة مع حسن روحاني على حساب الشعب السوري :

يتنازل روحاني في ملف إيران النووي ، يقبل روحاني ويسارع إلى تطمين الإيرانيين التنازل في ( اللغة الدبلوماسية ) ليس تنازلا . إنه تنازل لفظي يتفق عليه الطرفان كلٌ إرضاء لغروره القومي . يطلب روحاني من الحرس الثوري أن يستمع ويصمت فالمهمة أكبر منه . ( لا تتحدثوا في السياسة ) يقولها روحاني ويؤيده خمنئي لتمضي الصفقة مع الولايات المتحدة إلى مداها ...

يتابع أوباما العرض في سورية تتنازل إيران عن ( شخص بشار الأسد ) فقط من منظومة الحكم في سورية . ويتم التوصل إلى اتفاق في سورية تبقى فيه الهيمنة الإيرانية ، ويبقى فيه تسلط الأقلية الذي يتحول على لسان أوباما إلى أقليات . ولا يكون فيه للأكثرية في سورية يسميهم أوباما ( المتطرفين ) ( اليد الطولى ) حسب تعبير أوباما نفسه ، بل تبقى فيه اليد الطولى للأقليات . الصفقة الأمريكية للروس والإيرانيين تنازلوا عن بشار الأسد وخذوا سورية وشعبها ..

ألا ليت قومي يعلمون ..

لندن : 14 ذو القعدة 1434

20 / 9 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

zuhair@asharqalarabi.org.uk

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

محاولة لتمييز تحوّلات الثورة السورية ومراحلها

ماجد كيالي

المستقبل

15/9/2013

مرّت الثورة السورية، التي اندلعت قبل ثلاثين شهراً، بطريقة مفاجئة وعفوية، بتحوّلات عديدة، نسبة إلى مستوى المشاركة الشعبية فيها في كل مرحلة، وتوزّعها في الجغرافيا السورية، والأشكال النضالية التي طبعتها بطابعها، وبالأخص نسبة إلى الطريقة التي واجهها بها النظام، ومتوسط أعداد الشهداء فيها.

هكذا يمكن التمييز بين المراحل التي أثّرت في مسار هذه الثورة، على النحو الآتي:

المرحلة الأولى، وهي تلك التي امتدت من الفترة منذ اندلاع الثورة في آذار/مارس، إلى تشرين الأول/اوكتوبر (2011)، وكان من أهم مظاهرها الاحتجاجات والاعتصامات والمظاهرات الشعبية العارمة، في مدن درعا وحمص وحماه، وبعض مناطق دمشق وريفها، والتي واجهها النظام باستخدامه جماعات الشبيحة، وميليشيات حزب البعث، وبالقوى الأمنية، بالهراوات والأسلحة البيضاء والرصاص، مع التركيز على استهداف النشطاء والإعلاميين، بالتنكيل والاعتقال والملاحقة والقتل.

وفي العموم، فقد كان الهدف من استخدام تشكيلات القمع باللباس المدني الإيحاء للعالم بأن ثمة منازعات أهلية، وحسب، ذات صبغة طائفية، وأن الأمر لا علاقة له بثورة شعبية، في محاولة لإنكار ثورة السوريين، ونزع مشروعيتها. وقد بلغ متوسط عدد الضحايا من السوريين في تلك المرحلة حوالي 600 شهيد في الشهر، إضافة إلى أضعافهم من الجرحى والمصابين والمعتقلين والملاحقين.

المرحلة الثانية: وهذه شملت الفترة من شهر تشرين الثاني/نوفمبر/ 2011، إلى شهر حزيران/يونيو/2012. وقد تم ادخال الجيش في هذه المرحلة، مع القوى الأمنية وجماعات الشبيحة، في مواجهة المتظاهرين، ليس بصفة جنود مقاتلين فقط، وإنما بأسلحة الدبابات والمدفعية والطائرات، ما نجم عنه تزايد واتساع ظاهرة الانشقاقات من الجيش، وتشكيلات "الجيش الحر"، الذي كان أعلن عن تأسيس نواته الأولى في أواخر تموز/يوليو/2011. وبديهي أن ظاهرة "الجيش الحر" هذه شجعت بدورها على قيام جماعات الحماية الأهلية (المحلية) في الأرياف، وفي أحياء المدن السورية المشتعلة، ولاسيما في ريف دمشق وحمص وحلب وإدلب ودرعا وشمال شرق سوريا، كردة فعل على العنف المفرط من قبل النظام.

هكذا تم في هذه المرحلة التحول من الثورة الشعبية السلمية إلى الثورة المسلحة، مع استمرار المزاوجة بين النضال الشعبي السلمي، والصراع المسلح ضد النظام. وقد تراوح عدد الشهداء السوريين في هذه الفترة بين 1000 و2000 شهيد شهريا.

ويذكر أن "المجلس الوطني"، وهو الهيئة السياسية للثورة في الخارج الذي تأسس في أكتوبر/تشرين الأول بدأ عمله في هذه المرحلة، من دون أن يحقق النجاحات المطلوبة منه، في الداخل والخارج.

المرحلة الثالثة، وتشمل الفترة من تموز/يوليو 2012 إلى أغسطس/آب 2013، ويمكن التأريخ لها بتمكن جماعات المعارضة المسلحة من السيطرة على مناطق في المدن السورية، تحديدا مع دخول "الجيش الحر" إلى حلب والسيطرة على مناطق واسعة فيها، كما على مناطق في شمال وشمال شرق سوريا، وريف دمشق، وحمص، وإدلب.

وقد نجم عن السيطرة على هذه المناطق إضعاف شوكة النظام وكسر هيبته، وإظهار ضعف سيطرته على الأوضاع. ولكن ذلك أدى أيضاً إلى استشراس النظام وإمعانه في التقتيل والتدمير في هذه المناطق، وتهجير سكانها، بحيث حولها إلى حقل رماية، بكل معنى الكلمة، لقنابل طائراته، وقذائف مدفعيته ودباباته، فضلا عن تشديده الحصار عليها، وجعلها بمثابة معتقلات كبيرة لمن تبقى فيها من السكان.

وفي هذه المرحلة استطاع النظام تفكيك وإضعاف المناطق السورية الحاضنة للثورة، وتحويل قطاعات شعبية كبيرة، من داعمة للثورة أو مساندة لها، إلى عبء عليها، بعد تشريد الملايين من بيوتهم، وتدمير ممتلكاتهم، وحرمانهم من مصادر رزقهم، بحيث بات العبء الإغاثي يستهلك عمل كثير من النشطاء، في الداخل والخارج. وقد بلغ متوسط عدد الشهداء في هذه الفترة أزيد من أربعة آلاف شهرياً.

وهذا يعني أن النظام استطاع ليس فقط التخلص من ثقل الكتل الشعبية المتعاطفة مع الثورة وإنما تحويلها أيضا إلى عبء ومشكلة، بالنسبة للثورة، ما أدى إلى خلق حالات من دون الإحباط بين الجماهير المؤيدة، التي وجدت نفسها وقد خسرت كل شيء بدون أن تستطيع أن تفعل شيئا، ومن دون أن تتيقن من المستثقل.

لعل ما فاقم من مشاعر الإحباط والضياع في تلك المرحلة واقع انسداد قدرة الجماعات المسلحة على رفع الحصار عن المناطق التي تخضع لسيطرتها، فهي لا تمتلك القوة لذلك، ولا تمتلك القدرة على مواجهة قصف الطيران والمدفعية، التي تفتك بالأعمار والعمران، هذا أولاً. وثانياً، لم تثبت قيادات الثورة المفترضة، بتشكيلاتها العسكرية والسياسية والمدنية، القدرة على إدارة المناطق التي باتت تحت سيطرتها، بسبب نزاعاتها وضعف قدراتها، وانشغالها بمصارعة النظام، الأمر الذي نجمت عنه اختلالات أمنية، وحالة من الفوضى والخروج عن القانون. ثالثاً، أثّر بروز جماعات "القاعدة، مثل "جبهة النصرة" و"دولة العراق والشام"، سلبا على نظرة أغلبية السوريين إلى ثورتهم، ونمت المخاوف لديهم من المستقبل، ولاسيما أن هذه الجماعات العسكرية المتطرفة حاولت فرض وجهات نظرها بطريقة قسرية وتعسفية وفجة عليهم، علما أن قيادات هذه الجماعات -في أغلب الأحوال- لا تمت بصلة لمجتمع السوريين ولا لثقافتهم.

بناء على ما تقدم، يبدو أن مجتمع السوريين بات في واد وثورته في واد آخر، وباتت ثمة كتلة من عدة ملايين من السوريين مشغولة بأمنها وتأمين لقمة عيشها، أكثر من انشغالها بمواجهة النظام، وهي مسألة تتحمل مسؤوليتها الجماعات العسكرية للثورة، التي باتت تتحرك دون تبصّر أو خطة عسكرية واضحة، ودون مراعاة إمكانياتها في مواجهة النظام، ومن دون الربط بين أي خطوة عسكرية والاستثمار السياسي.

المرحلة الرابعة: وهي التي نعيش وقائعها، منذ الشهر الماضي، أي منذ ارتكاب النظام لمجزرة جماعية جديدة في غوطتي دمشق بالسلاح الكيميائي المحظور دوليا، والتي نجم عنها مصرع حوالى 1400 من السوريين. وقد فتحت هذه الجريمة الباب على مصراعيه للتدخّل الدولي، بأشكال متعددة، وبصورة أقوى من قبل، مع احتمال توجيه ضربة محدودة لمواقع قوة النظام، ما يضع الثورة السورية في مواجهة تحديات جديدة، وتعقيدات مختلفة، قد يصعب الآن التكهّن بتداعياتها أو نتائجها.

 

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_
السوريون بين خيارين

حسين العودات

البيان

الاثنين 16/9/2013

لعلها تجربة صعبة تلك التي يخوضها السوريون ربما تصل إلى درجة المحنة، فهم أمام خيارين صعبين، يتداخل في اختيار أي منهما مائة عامل وعامل، ذلك أنه مطلوب منهم أن يختاروا بين نظامهم السياسي القائم وبين التدخل العسكري الأميركي، ومن المتعذر إن لم يكن من المستحيل الوقوف على الحياد بين هذين الخيارين.

يعاني السوريون منذ أكثر من عامين ونصف من ممارسات النظام السياسي الشمولي والسلطة الأمنية القمعية، وقد حلت بهم خلال هذه الفترة مصائب لا حصر لها، فقتل النظام منهم أكثر من مئة وعشرين ألفاً حسب المنظمات الدولية المختصة وهيئات الأمم المتحدة، وتجاوز عدد المعتقلين مئتي ألف، والجرحى مئات الألوف، وتهدم أو أحرق أو سرق أكثر من مليون مسكن.

وتم تهجير مليونين إلى خارج سوريا وستة ملايين في داخلها (حسب بيانات الأمم المتحدة أيضاً).. وتضاعفت البطالة ثلاث مرات، وتضخمت الليرة السورية بنسبة 80%، وزادت الأسعار حتى أربعة أضعاف، ودُمر معظم المعامل والمنشآت الزراعية والصناعية أو نقلت إلى خارج البلاد.

ونشأت عن هذا الحال مشاكل وعادات وتقاليد وأنماط حياة ومنظومات أخلاقية عديدة وجديدة ولا تسر أحداً، وضاقت الدول المجاورة ذرعاً بمئات آلاف السوريين اللاجئين، وأهين الشعب السوري داخلياً وخارجياً.

و»من ترك داره قلّ مقداره» كما يقول المثل. وأمام هذه الكوارث صار من المفهوم، بالنسبة لهم، أن يرحب بعضهم بأي طرف يساعدهم على الخلاص من نظامهم السياسي، للوصول إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي وعقد اجتماعي جديد يهيئ لهم العيش في ظل الحرية والديمقراطية.

وأصبحت الأولوية عندهم هي الخلاص من الكارثة التي وصلوا إليها، خاصة وأن حياتهم وحياة أطفالهم مهددة إما بالقتل أو بالجوع والمرض، بعد أن خسروا «تحويشة العمر» خلال عامين ونصف. ورغم المأساة، هناك شرائح من الشعب السوري ترفض رفضاً مطلقاً تأييد الضربة الأميركية، رغم أن رأي هؤلاء في ما يجري وفي نظامهم السياسي لا يختلف كثيراً عن رأي الفئات الأولى.

ويرى قطاع واسع منهم أن مفهوم التدخل الخارجي تغير مع قدوم العولمة والنظام العالمي الجديد، وحل العمل السياسي محل المبدأ الأيديولوجي، وتبنت البشرية مفاهيم جديدة للوطن والوطنية والقومية والعدالة وغيرها من معايير الدولة الحديثة.

لهذا وذاك، تجد الحوار واسعاً ومنتشراً في كل أنحاء سوريا، بين هذا الطرف وذاك، وكل يحاول تأكيد أولوياته، ومع ذلك يشترك الطرفان في أمر واحد هو عدم القلق.

لقد مرت شعوب الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية بتجربة مماثلة، وكان خيارهم صعباً بين سلطة ستالين القمعية التي لا ترحم، ومعتقلاته ومجازره وحفلات الإعدام التي عمت جمهوريات الاتحاد السوفييتي، وبين السكوت على العدوان النازي الذي كان يهدف لاحتلال الاتحاد السوفييتي والسيطرة عليه بعد أن احتل أوروبا بمجملها. كما مر الإيطاليون بالمحنة نفسها، وكان مطلوباً منهم الاختيار بين فاشية نظامهم السياسي والخنوع للنازية، وبين التحرر من كليهما وإقامة الديمقراطية.

نسي السوريون أو تناسوا أسباب أزمتهم، وأسباب ثورتهم كما يبدو، لأنهم يلهثون ليل نهار لتدبير أمور حياتهم اليومية وحياة أطفالهم ولا يتسنى لهم ذلك، فكيف يتدبر أمره من فقد ممتلكاته أو فصل من عمله، ولا يستطيع تأمين الحد الأدنى من الغذاء والمسكن والتعليم لأسرته؟

ولهذا زحفت عليه قيم وعلاقات اجتماعية وأخلاقية لم يشهدها من قبل، ويندى جبينه لممارستها، فمن كان يتصور السوريين والسوريات يتسولون أو يسرقون أو يبتزون أو يرتكبون المعاصي، من أجل تأمين سبل العيش! وأمام هذا كله كادوا أن ينسوا أن ثورتهم انطلقت لتأمين أمور أخرى، أقلها الكرامة والحرية والديمقراطية، بينما نسي العالم مأساة السوريين.

تجاهلت شعوبه وحكوماتها كل هذا، وأخذت تناقش الضربة العسكرية وحجمها ونتائجها وتأثيرها على المنطقة والعالم، وغدا يحق للسوريين القول للعالم: لم يبق لنا منكم إلا قعقعة الصوت.. ولقد أعيانا يا أحبابي رش السكر فوق الموت..

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

أصدقاء سوريا أم أعداؤها ؟!

علي الرشيد

الشرق القطرية

الاربعاء 18/9/2013

تجبرنا الأحداث الدبلوماسية المتسارعة خلال الأيام الأخيرة، بخصوص تداعيات جريمة الكيماوي التي ارتكبها نظام الأسد في غوطة دمشق للعودة إلى الموضوع مرة أخرى، والتأكيد على أن الإجرام بحق الشعب السوري وثورته المطالبة بالحرية والكرامة، ليس مقتصرا على نظام الأسد وداعميه وبخاصة روسيا وإيران، بل يشترك فيه ما يعرف بالمجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية.

ليس المجرم الذي يدعم النظام بالسلاح والمال والدبلوماسية فقط، بل هو كل من يستطيع أن يردع الظالم ويعاقبه ولا يقوم بذلك، أو يضع حدا لمعاناة الشعب السوري، الذي يتعرض لأبشع المجازر وأشنع الانتهاكات منذ عامين ونصف العام، ولا يقوم بهذا الواجب الإنساني والأخلاقي، رغم ادعائه المدنية والدفاع عن حقوق الإنسان، سواء من خلال مظلة الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها، والمحاكم الدولية كمحكمة الجنايات الدولية، أو خلال مظلات وتحالفات دولية يمكن إنشاؤها بطريقة أو بأخرى خصيصا لهذا الغرض، أي الأخذ على يد الظالم ومحاسبته.

لم تكتف الولايات المتحدة ودول غربية تدعي أنها من أصدقاء الشعب السوري باختزال الأزمة السورية، بالسلاح الكيماوي، ومحاسبة المجرم على إجرامه في هذا المجال فقط، وإهمال جرائمه الإنسانية الأخرى على مدار ثلاثين شهرا على الأقل، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف.. بل ارتكبت مزيدا الأخطاء القاتلة بحق الشعب السوري، وبحق سوريا كدولة وكيان وليس كنظام، منذ أن تم الاتفاق مع النظام الروسي بخصوص السلاح الكيماوي بجنيف، وما يترتب على ذلك، من نتائج كارثية. لقد خرجت جميع الأطراف كاسبة من هذه الصفقة، باستثناء سوريا الشعب والدولة.

ولعلّ أهم الخسائر المترتبة على الاتفاق الأميركي ـ الروسي ما يلي:

ـ نقض ما أعلنته كثير من الدول من أن بشار الأسد رئيس فاقد للشرعية، لأن مقتضيات تنفيذ الاتفاق بالإعلان عن السلاح الكيماوي ومواقعه، ثم متابعة تدميره تعني منح رأس النظام مدة في حدها الأدنى سنة، وحدها الأعلى خمسة عشر عاما، ذلك أن تعقيدات التدمير قد تتطلب هذه المدة، إضافة للموافقة ضمنا على رخصة القتل التي يمارسها النظام كالعادة، تماما مثلما يحدث في هذه الأيام.

ـ عدم معاقبة مستخدم هذا السلاح الكيماوي في الفترة الماضية، حيث تجتهد روسيا على تجنيب حليفها ذلك، بصفة عامة، سواء من خلال منع وضعه تحت البند السابع لمجلس الأمن الدولي، أو معاقبته على جرائمه السابقة.

وكان واضحا أن هذا الاتفاق قوض النتائج المهمة لتقرير المفتشين الدوليين الذي أكد استخدام بشار الأسد لغاز السارين وقصف الغوطة الشرقية بصواريخ أرض – أرض.

ـ معاقبة الشعب السوري من خلال الإضرار بدولته وبأمنها القومي، بدلا من معاقبة من معاقبة المجرم، ويتمثل ذلك بتدمير السلاح الكيماوي، الذي يعد قوة للدولة السورية، باعتباره يحقق نوعا من التوازن الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني ورادعا لقوته المتفوقة.

ـ الضغط على المعارضة من أجل القبول بنتائج الاتفاق الأميركي ـ الروسي، ومواصلة الضغط عليهم للذهاب لمؤتمر جنيف ـ2 للقبول بحل سياسي، قد لا يستثني الأسد، أو على الأقل لا يحقق أهداف الثورة السورية..أي ذهاب أجزاء من النظام السابق، والإبقاء مرتكزاته.

ولأنه قد لا يكون ذلك مفاجئا عن مجتمع دولي يتبنى المصالح بشكل جشع ووقح، ويكون على استعداد للوقوف إلى جانب الجلاد ضد الضحية، طالما تحققت مصالحه. فإن المطلوب من الثوار في سوريا والمعارضة السورية، في هذه المرحلة البالغة التعقيد أن تعتمد على نفسها بشكل رئيس في إنجاز مهام ثورتها، والسعي لرصّ صفوفها، والاحتفاظ باستقلالية قرارها، وعدم الخضوع لضغوط لا توصلها إلى الحد الأدنى من بلوغ أهدافها. ليكون ذلك الرد البليغ على مثل هذه الاتفاقات المريبة.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

معلولا.. غلطة في غير وقتها !

ميشيل كيلو

الشرق الاوسط

الاربعاء 18/9/2013

انا من الذين يصدقون كل ما قاله الجيش الحر عن معلولا وبراءته من الاعتداء على اي شخص من سكانها واي موقع ديني فيها . وقد سبق لي أن شرحت في اكثر من مناسبة حقائق ما حدث فيها ، واكدت أن جيش وطيران السلطة هو الذي قصف مواقعها الدينية والأثرية ودمرها. لكن هذا لا يعفيني من قول بعض الملاحظات حول الإطار السياسي ، الداخلي والدولي ، الذي وقعت فيه احداثها .

من المعروف ان الاسد كان يختنق بجريمة الكيماوي التي اراد بها قلب موازين القوى الداخلية لصالحه ، لكنها أدت إلى عكس ما اراده وأثارت عليه العالم ، بمن في ذلك بعض حكام طهران : شركاؤه في الحرب ضد سوريا ، وكذبة موسكو ، الذين يدافعون عنه ويديرون سياساته الخارجية وعلاقاته الدولية، بعد ان صار لافروف وزير خارجيته الحقيقي، وبوتين عرابه الرئاسي وحامي مافياته خارجيا وداخليا .

في مأزق النظام ، الذي اضمر علامات على موته وادى إلى ردود افعال وحشود عسكرية لا قبل له بها ، كان من الضروري ان يفتعل حدثا خطيرا يعيد الصدقية لأكاذيب نشرها ، مارست تاثيرا جديا على الرأي العام العالمي ، وجعلته يقاوم ضربه ويرفض عملا عسكريا ضده، لو وقع لكانت فيه نهاية الاسد وعصاباته. والآن : اي موقع في سوريا يمكن ان يستثير المشاعر اكثر من معلولا : البلدة المعروفة في العالم ، التي تضم مواقع تذكر بطور المسيحية الاول وتحتل مكانا مميزا فيها ؟.

مهد النظام لضربته في معلولا بمعركة مفتعلة تماما خاضها ضد بلدات وقرى محيطة بها ، اهمها قرية «جبعدين «المسلمة ، التي يتحدث اهلها الأرامية الى اليوم، كاهالي معلولا، و»عين التينة» ، الواقعة على بعد كيلومترات قليلة الى الجنوب من معلولا : حاضرة الاديرة المحفورة في الصخر ،والكنائس المقامة تحت كتل جبلية ضخمة تخفيها عن الأنظار، والمتداخلة مع بيوت سكن تتراصف بعضها فوق بعض ،وتتشابك مذكرة بحكايات جعلت منها مكانا مقدسا اجتذب الرسامين والفنانين وكتاب القصص ومحبي الغرائب ، والسياح من كل فج ولون . لقد كان من الواضح ان النظام يضمر السوء للبلدة ، وانه عازم على توريطها في قتال خطط له كي يفضي إلى تدميرها ، عله يمحو بمعونته ما تركه استخدام الكيماوي ضد الغوطتين من ردات فعل دولية دحضت كذبة روج لها في الغرب – بنصيحة روسية – جعلت منه نظاما علمانيا يقاتله اصوليون قدموا من خارج سوريا ، يحاربهم دفاعا عن شرعيته المنتهكة والشعب الذي يرفضهم . كان يراد لضربة لمعلولا ان تنسي العالم جريمة الاسد، وتعيد الصدقية الى ما يقوله حول دوره « الإنساني والحضاري « الذي يقاوم جرائمهم . كانت معركة معلولا فخا نصبه النظام ، لذلك من المصلحة الابتعاد عنه ، خاصة وانه كان من الجلي ان الاسد سيدمرها بمجرد دخول الجيش الحر اليها، وعبأ لهذه الغاية آلته الإعلامية الدولية وعملاءه في الوسط الكنسي المسيحي ، ليمسح من وعي وذاكرة العالم نتائج الكيماوي وصور ضحاياه.

في الحروب ، لا يحررالمرء كل موقع يوجد العدو فيه، خاصة أن كان نائيا وغير ذي اهمية كما اكد الجيش الحر في بيان اصدره لشرح ملابسات معلولا. ومن غير اللازم ، في منطق الحروب ، خوض أية معركة مهما كانت رابحة، إذا كانت نتائجها السلبية اكبر من نتائجها الايجابية ، أو كانت تسمح للعدو بالإفلات من مازق معنوي أو مادي، او تلحق الضرر بقضية وطنية أو نضالية. بهذه المعايير ، لم يكن من الضروري دخول معلولا ، فالبلدة ليست مهمة عسكريا ، والانتصار العسكري فيها محدود الأهمية ، وسيستغل لانزال هزيمة اعلامية دولية بالثورة ، وسيثير مخاوف ووساوس داخل سوريا محرجة للجيش الحر والمعارضة ، وسيمكن النظام ومعظم الاعلام الغربي والروسي من تشويه حقائق الصراع وتزوير معطيات الواقع السوري ، واخيرا ، سيسهم في محو جريمة الكيماوي ونتائجها من سياسات الدول وذاكرة العالم ، التي سيتم حشوها باكاذيب حول « جريمة» لا وجود لها سيقال إن الجيش الحر ارتكبها في معلولا.

كانت معلولا نصرا عابرا لم يبدل شيئا من الواقع العسكري ، لكنها تسببت في نكسة اعلامية مؤذية للثورة . فهل نعي اخيرا فداحة الضرر الذي يمكن ان يترتب على الافتقار إلى اسس ناظمة للعمل الوطني تضبطه وتلزم فصائله بالتشاور قبل اي عمل قد يمس ثوابت ومصالح مجتمعنا وشعبنا؟. وهل ندرك من الكيماوي فصاعدا ان معركتنا بلغت طورا شديد الحساسية لن ننجح فيه ما لم ننجح بتفادي السقوط في أي فخ ينصبه النظام لنا ، سواء في معلولا أم في غيرها من مواقع بلادنا المحملة برمزيات دينية ووطنية ؟.

يمثل قرار الجيش الحر بتحييد البلدة ردا متأخرا على غلطة تحتاج نتائجها إلى تصحيح، يرجو سوريون كثيرون ان لا ترتكب في الايام والاسابيع المقبلة ، الحافلة بشتى المخاطر ، اية اخطاء فادحة مثلها !.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

سياسة «العنزة الطائرة»

حسام عيتاني

الحياة

الجمعة 20/9/2013

يعرف الممانعون والمقاومون منذ اليوم الاول لمجزرة الكيماوي في الغوطتين، المجرم الحقيقي. ويدركون إدراكاً لا يساوره شك أن قوات النظام هي من أطلق الصواريخ القاتلة على أهالي القرى النائمين. بيد ان ذلك وغيره لا يغيّر قيد أنملة ولاءاتهم وانحيازاتهم.

ويعرف هؤلاء، بالقدر ذاته من اليقين، مَن المسؤول عن انفجارات ضاحية بيروت الجنوبية وطرابلس الشهر الماضي. لكنهم يغضون النظر ايضاً.

لماذا؟

يشير تقرير المفتشين الدوليين اشارة واضحة الى الجهة التي أُطلقت منها الصواريخ الكيماوية (شمال وشمال شرق القرى المنكوبة). ويحتوي الملحق رقم 5 من التقرير على صور بقايا الصواريخ التي يقول الخبراء انها تعود الى طرازي «فلق 2» الايراني و»إم 14» الروسي. لا أحد يملك هذه الاصناف من الأسلحة في سورية غير قوات بشار الأسد. طبعاً لم يعلن التقرير ان الصواريخ اطلقت من مواقع باتت معروفة مثلها مثل اسماء الضباط الذين يقودونها، لكن المفتشين اكتفوا بالقول ان «الوقائع تتحدث عن نفسها». وهي كذلك.

ويجوز الجزم ان جرائم لا يحصيها عدد ارتكبها النظام وأتباعه في سورية تجد القبول والتبرير عند الممانعين الذين سيسارعون كذلك الى تبرئة القاتل من كل ما سيرتكب في المستقبل. منظومة الذرائع المستخدمة، على ضحالتها، ما زالت تتكرر في وسائل الاعلام الممانعة: المقاومة ضد اسرائيل أولوية لا تعلوها أولوية. حماية الاقليات. التصدي للتكفيريين وتنظيم «القاعدة». ويتوج الرئيس السوري هذه الدرر بتأكيده أن سورية لا تشهد حرباً، بل هجوماً من «القاعدة».

أخطاء ومثالب وارتكابات بعض القوى التي ألصقت نفسها بالمعارضة السورية، لا يمكن الدفاع عنها بل تنبغي ادانتها والتصدي لكل من يعتدي على المواطنين السوريين باسم الثورة. لكن هذا شيء وأخذ كل الشعب السوري وثورته بجريرة بعض المشبوهين شيء آخر تماماً. لكن تغليب الهوامش على المتن سياسة راسخة في «منطق» الممانعة وكتبتها.

يذكّر السلوك هذا بقصة رجل وزوجته شاهدا جسماً غريباً على تلة صغيرة. فأصر الرجل ان الجسم عنزة فيما قالت الزوجة انه بجعة. وعندما مدّ الجسم جناحيه وارتفع في السماء لم يجد الرجل ما يقول سوى «عنزة ولو طارت».

يتذاكى الممانعون باستخدام المواقف الروسية المشككة بالتقرير الدولي ويطرحون آية الأسئلة: هل يُعقل ان تكذب دولة كبرى في شأن بهذا الخطر؟ الجواب البسيط: نعم يُعقل. ومثلما كذبت الادارة الاميركية في شأن العراق قبل عشرة أعوام، هاهي ادارة بوتين تكذب في شأن سورية اليوم.

على ان كل ذلك يدخل في باب المهاترات والمماحكات الفارغة. لب المسألة يكمن في الحقائق الاجتماعية والطائفية المكونة للقسم الأكبر من الممانعين، وفي ذعرهم من تغيير طبيعة الحكم في سورية وما سينتج عنه من تعديلات لخريطة تقاسم السلطة في لبنان.

المسألة تبدو أعمق من النزاهة الاخلاقية والصواب السياسي ذلك انها تمس الحساسية الطائفية التي أصرت الطوائف الحاكمة في هذه المنطقة على وضعها في تناقض تناحري مع الهوية الوطنية. وبات الانتماء الطائفي وخطابه الايديولوجي، المستضعف - المقاوم - الكادح - الخ هو ما يتأسس عليه كل تعريف للواقع وللهوية.

وهناك من يحلو له حشر مسألة الهوية في زاوية القدر، جاهلاً ان تغيير الاقدار هو ديدن التاريخ وقانونه.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

ضرورة استراتيجية عربية لمواجهة تراجع اوباما

راغدة درغام

الحياة

الجمعة 20/9/2013

حان للمعارضة السورية وللدول الخليجية التي تدعمها لتغيير النظام في دمشق، العودة الى طاولة رسم الاستراتيجيات على ضوء التطورات الجذرية التي طرأت في الفترة الأخيرة.

فالرهان على الإخفاق في تنفيذ الاتفاق الأميركي – الروسي على تدمير الأسلحة الكيماوية السورية رهان سطحي لا يشكل سياسة. الحديث عن المؤتمر الدولي جنيف – 2 لإطلاق العملية السياسية الانتقالية في سورية بلغة اشتراط رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة في مطلع العملية وليس في آخرها انما هو حديث دفن الرؤوس في الرمال، ولا يشكل سياسة. الامتناع عن المشاركة في مؤتمر دولي عن سورية تشارك فيه الجمهورية الإسلامية الايرانية لأنها طرف مباشر في دعم النظام في دمشق يكاد يكون بمثابة «قطع الأنف انتقاماً من الوجه»، لا سيما في زمن صنع الصفقات الصغرى والكبرى برعاية روسية وشراكة ايرانية بامتياز.

أما الاعتقاد بأن سبيل اصلاح ما آلت اليه الأوضاع هو بالذات ما أفسدها – أي عبر اقناع الولايات المتحدة بالعودة عن الانعزالية في الشرق الأوسط – فإن ذلك أيضاً تكتيك بلا استراتيجية. لقد حان الوقت حقاً لجرعة من السم كتلك التي أشار اليها مرشد الثورة الإيرانية الأول آية الله الخميني وهو يوافق على تنفيذ قرار اطلاق النار مع عدوه آنذاك، العراق. ذلك ان المعطيات مختلفة الآن في أعقاب الوضوح التام ان المانع لدى الرئيس باراك أوباما ان يتولى محور الممانعة الذي تقوده روسيا مصير سورية حتى وإن كان هذا مرحلياً، أو أن كان في طيات التساهل الأميركي أكثر من حفرة ومطب لأقطاب محور الممانعة، الحاجة ماسة الى استراتيجية متكاملة ومتماسكة ترسم الخريطة الى العمل في حال ضرورة التصعيد العسكري، والعمل في حال البدء حقاً في صنع «الصفقة الكبرى» على مختلف الجبهات.

في البدء لا بد من الإيضاح ان كل من يقول ان بشار الأسد انتصر على باراك أوباما انما يجهل أو يتجاهل معنى خضوع الأسد لوضع الترسانة الكيماوية تحت الرقابة الدولية، ثم تدميرها. هذا خضوع وليس انتصاراً. انه إقرار بإخفاء ترسانة ضخمة قال النظام في دمشق انها جزء رئيس من المعادلة الاستراتيجية مع اسرائيل وأن هذا السلاح هدفه المقاومة. الآن، اضطر الأسد الى التخلص طوعاً من «سلاح المقاومة» فيما يتلقى دعم ايران و «حزب الله» باسم المقاومة.

ثانياً، ان إجبار رئيس روسيا فلاديمير بوتين بشار الأسد فتح الباب أمام المفتشين الدوليين سيكون مُلزِماً للإثنين، لأن قرار مجلس الأمن لتبني آلية تأمين الأسلحة وتدميرها سيكون ملزماً، وسيفتح الباب أمام عمليات تفتيش اضافية لكشف كامل الحقائق بما فيها تقصي إن كان هناك تهريب أو اخفاء للأسلحة.

غداً السبت هو الموعد الذي تقدم فيه الحكومة السورية اعلاناتها حول حجم ترسانتها الكيماوية. عبء الإثبات سيقع على أكتاف حكومة الأسد تماماً كما وقع عبء الإثبات على أكتاف حكومة صدام حسين لتبرهن مصير أسلحة بيولوجية وكيماوية أصرت بغداد على انها أتلفتها. مع حلول منتصف تشرين الثاني (نوفمبر)، يجب – وفق اطار التفاهم الأميركي – الروسي – ان يكون المفتشون الدوليون قد أكملوا مهمة التحقق من صدق الإعلانات الرسمية السورية حول الترسانة الكيماوية. وهذا سيفتح الباب على الكر والفر إذا كانت أنباء تهريب الأسلحة الكيماوية الى العراق والى «حزب الله» في لبنان أنباء صحيحة.

فالمعارضة السورية طلبت توسيع رقعة التأكد مما ستتقدم به دمشق حول ما تملكه من أسلحة كيماوية لتشمل مواقع «حزب الله» في لبنان زاعمة انها تملك معلومات تفيد بأنه تم حقاً تهريب أسلحة كيماوية الى «حزب الله». وعلى رغم ان الرد على الطلب ليس واضحاً بعد، ومع ان تدمير الأسلحة سيكون أسهل من التحقق من تهريبها أو اخفائها، إلا ان سورية اليوم تحت المجهر الدولي يدخلها مفتشون من مختلف أنحاء العالم ليتأكدوا من صدق كلام حكومتها ويطالبوا بالمزيد.

انه، إذاً، شبه انتصار موقت ومرحلي للرئيس السوري يتداخل معه الانصياع والخضوع لقرار مجلس الأمن ومراقبة دولية. هذا «الانتصار» قوامه ان نظام الأسد هو اليوم شريك في تنفيذ الاتفاق الروسي – الأميركي لتدمير أسلحته الكيماوية ضمن رزنامة تزامنت عمداً، مع موعد إجراء الانتخابات الرئاسية السورية. هكذا يبقى الأسد في السلطة – تماماً كما أصرت روسيا وإيران منذ البداية – حتى الانتخابات المقبلة. لكنه يبقى مكبلاً بعبء المراقبة والإثبات والانصياع.

فـ «الصفقة الصغرى» نحو الترسانة الكيماوية تأخذ الأسد شريكاً كحكومة، فيما بالأمس القريب كان الأسد نظاماً يجب زواله وفق المواقف الأميركية منه. لكن «الصفقة الكبرى» «Grand Bargain» ستستبعد الأسد في الوقت المناسب. والأرجح ان نضوج تلك الصفقة سيتزامن مع الانتخابات السورية. هذا إذا نضجت.

وكما ان «الصفقة الكبرى» ليست ممكنة من دون الجمهورية الإسلامية الإيرانية كلاعب اقليمي مباشر في سورية وعبر حليفه «حزب الله» الذي يقاتل علناً إلى جانب نظام الأسد، ان تلك الصفقة غير ممكنة من دون مجلس التعاون الخليجي، تحديداً المملكة العربية السعودية.

اللاعب الروسي يتولى دفة القيادة وينسق كلياً مع حليفه الإيراني في سورية. وهو حريص جداً على إثبات صلابة وتماسك شراكاته وتحالفاته ليكون النموذج والمثال المعاكس للشراكات والتحالفات الأميركية مع الدول العربية وقوامها الاستغناء بلا إنذار والتملص من التعهدات. لذلك ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحرس موقع ايران في أي صفقة كبرى قد تكون آتية (وهو تشاور معها في شأن الصفقة الصغرى كي لا يبدو انه يهملها).

الرئيس باراك أوباما لا يفعل بالمثل مع حلفائه في الشرق الأوسط باستثناء اسرائيل. انه يفاجئ ولا يشاور. يتراجع من دون أن يُنذِر. ولذلك، فهو لن يحرص على حراسة موقع مجلس التعاون الخليجي في الصفقة الكبرى لأنه لن يخطر على باله ذلك بصورة استراتيجية. فقد سبق وتصرف بصورة لافتة نحو الحليف الخليجي عندما تجاهل محورية المملكة العربية السعودية في خريطة المنطقة. باراك أوباما لا يفكر من منطلق المحور، لا سيما انه عقد العزم على التحوّل الى الشرق، بعيداً من الشرق الأوسط. فلاديمير بوتين يبني استراتيجية استعادته النفوذ الدولي عبر تبني سياسة المحاور من «البريكس» الذي يضم روسيا والصين والهند والبرازيل وأفريقيا الجنوبية، الى محور الممانعة الذي يضم روسيا والصين وإيران ومعهم النظام في دمشق و «حزب الله».

هذا الواقع يتطلب من المملكة العربية السعودية ان ترسم موقعها في «الصفقة الكبرى» عبر محور عربي أساساً وليس عبر البوابة الأميركية. أوضاع اليوم لا تسمح بالاستمرار في التغيب عن المؤتمرات إذا حضرتها ايران وفي الامتناع عن الانخراط في صنع الصفقة الكبرى ما دام النظام في دمشق قائماً. فلا روسيا حليف لها في هذا المسعى، ولا الولايات المتحدة سند يمكن الاعتماد عليه. هذا وقت صوغ موقع مستقل عن الولايات المتحدة. وهذا يتطلب اعادة النظر في العلاقة الخليجية – الإيرانية.

حسناً فعل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في حرصه على الترحيب بالرئيس الإيراني الجديد الدكتور حسن روحاني الذي يشن بدوره حملة استقطاب الود والإعجاب عالمياً، لا سيما عبر زيارته الأسبوع المقبل لنيويورك للمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. الفارق بين الأسلوبين السعودي والإيراني هو ان طهران تشن حملة علنية لكسب المودة «Charm offensive» بانية على ما أسفر عنه الاتفاق الأميركي – الروسي من انعاش لها. أما الأسلوب السعودي، فإنه تقليدي بسرّيته بعيداً من الانفتاح.

العلاقات الثنائية السعودية – الإيرانية أو الخليجية – الإيرانية ليست على درجة عالية من السوء، بل يمكن وصفها بأنها بعيدة من التوتر والمواجهات المباشرة. حسناً، هذا جيد، انما لا يجوز ان تبقى العلاقات طبيعية ثنائياً وخليجياًَ وأن تستمر معها حروب يخوضها الطرفان بالوكالة في سورية الآن، العراق بالأمس، وربما في لبنان لاحقاً. هذه بلاد عربية تُدمر، وقد حان الوقت لاستراتيجية جديدة تمنع التدمير بدلاً من الاستمرار في الحروب بالنيابة. فهذه الحروب لا تقع في بلاد الفرس أو في اسرائيل. انها حروب على حساب الأرواح العربية.

فلا عجب في ان الرأي العام الغربي يعارض التدخل في سورية، لأنه ينظر الى الأمر من ناحية «عرباً يقتلون عرباً» غير مبالين إن كانت ايران أو روسيا وراء دعم طرف عربي دون الآخر. اسرائيل بالتأكيد لا تمانع. اسرائيل بالتأكيد عادت الى طاولة رسم السياسيات في أعقاب سلسلة تراجعات الرئيس أوباما. وهناك معلومات تفيد بأنها هي أيضاً لا تثق بالسياسة الأميركية الجديدة، وأنها باتت اليوم تنظر الى الرئيس السوري ليس كضامن لاستقرارها عبر الجولان وإنما تنظر اليه بأنه أصبح عنصر عدم استقرار لأنه فقد السيطرة وبات محرِّكاً لصعود التطرف الموالي له والمتطرف المعادي له.

نزول الرئيس أوباما عند املاءات الأمر الواقع لاستراتيجية محور الممانعة جعله يبدو حائطاً من السهل تسلقه على نمط المثل اللبناني القائل «حائطه واطي». الغاء رئيسة البرازيل زيارتها الى البيت الأبيض أتى بحجة الاحتجاج على التنصت والاستخبارات غير اللائقة بين الأصدقاء. لكن هذا ما كان ليحدث لو لم يكن أوباما اليوم في نظر البرازيل، ودول «بريكس»، ودول أخرى في العالم رئيس أميركا الذي يمكن القفز على «حائطه الواطي».

لعل الرئيس أوباما مقتنع بأن أسلوبه هو الأكثر حكمة لأنه سيتخلص من أسلحة سورية الكيماوية وأن تلك الأسلحة لن تُستخدم من الآن حتى تدميرها. لكن هذا ليس كافياً لأنه بذلك يكون حقاً اختزل مأساة الحرب السورية الى الأسلحة الكيماوية. فالشعب السوري لم يخرج في تظاهرات سلمية قبل سنتين ونصف السنة مطالباً بانضمام دمشق الى معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية. بل خرج مطالباً بالإصلاح والحرية – مبادئ قال أوباما انها تستحق الدعم لأنها عالمية – وعندما لاقى القمع والقصف لم يلاقِ سوى الانعزالية الأميركية والبريطانية بابتعاد كامل عن التصدي لانتهاكات القيم ومبادئ حقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية.

الاندهاش بهذا القدر من الازدواجية ليس سياسة. الاتكال على تغيير الرئيس الأميركي رأيه أو نهجه ليس سياسة ايضاً. الإصرار على ان نهج ايران الجديد ليس جديداً سوى في الحملة الدعائية ليس سياسة بل انه يتطلب بناء استراتيجية تمتحنه حقاً وفي صلب القرارات هذا يتطلب انخراطاًَ من نوع آخر لا يكتفي بتفاهمات ثنائية خليجية وإنما يدخل في حديث جديد نوعياً قوامه ليس الحروب بالنيابة وإنما التفاهمات الجذرية. فالامتناع عن الانخراط ليس سياسة. والحروب بالنيابة قد تنقلب على أوليائها.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

مهمة لا تقبل التأجيل... عن المعارضة السورية ومسألة الرأي العام

أكرم البني *

الحياة

الجمعة 20/9/2013

كشفت استطلاعات الرأي أن غالبية الأميركيين والأوروبيين يعارضون توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، وأظهرت فترة عامين ونصف العام من عمر الثورة ضحالة التعاطف الشعبي العربي معها، حيث لم تشهد عاصمة عربية واحدة اعتصاماً كبيراً أو تظاهرة حاشدة تدين العنف المفرط وتطالب بإنقاذ السوريين مما يكابدونه. وإذا أضفنا تنامي أعداد السوريين الذين بدأوا يرسمون مسافة بينهم وبين تصاعد الصراع الدموي في البلاد، يمكن أن نقف عند إشكالية، ربما هي معضلة، تعاني منها قوى التغيير والمعارضة السياسية، لجهة ضعف قدرتها على كسب الرأي العام العالمي والعربي والداخلي.

هل ترتبط المعضلة بظروف وأسباب تتعلق بالرأي العام نفسه، بشعوب لا يزال يسكنها هاجس التدخل العسكري في أفغانستان والعراق وما خلّفه من آثار ونتائج سلبية، وبأخرى حبذت الانكفاء إلى الداخل والاهتمام بمعالجة مشكلاتها وتفاقم أزمتها الاقتصادية والاجتماعية؟! أم ترتبط بانزلاق الثورة السورية إلى مستنقع العسكرة أمام رأي عام لا يحبذ العنف ويرفض اللجوء إلى القوة في حل النزاعات، أو بما سببه الافراط السلطوي في الفتك والتنكيل واستدراج التدخلات الخارجية من تنامي قوى التطرف الاسلاموي في صفوف الثورة وتحول مناطق سيطرتها إلى بؤر للتشدد تحدوها ممارسات بغيضة ومنفرة لفرض نمط خاص من الحياة يتعارض مع شعارات الثورة عن الحرية والكرامة ويهدد حقوق الآخرين وثقافاتهم وخصوصية عيشهم؟! أم يصح إرجاع المعضلة إلى عجز المعارضة السورية عن بناء صورة جاذبة للرأي العام، وتقصيرها في وضع خطط مثابرة لتحويل ما يتراكم من تعاطف إنساني مع الثورة الى حراك شعبي وثمار سياسية، ربما بسبب تشتتها وما تعانيه من أمراض ذاتية ومن حضور الأساليب المتخلفة والمصالح الحزبية الضيقة بين صفوفها، وربما لأنها أثقلت الرهان على مواقف الحكومات والأنظمة وأهملت دور الشعوب، آملة تكرار ما حصل في ليبيا واليمن، وربما لأن غالبية قواها لا تزال خاضعة لعقلية متخمة بمشروعية ثورية أو دينية اعتادت على ازدراء دور الرأي العام، ولا حافز لديها أو ثقة بجدوى العمل على تحسين صورتها في عيون الآخرين والسعي لكسبهم إلى صفها طالما لا تجني فوائد مباشرة.

وفي المقابل، لم يوفر النظام وسيلة او جهداً لتشويه صورة الثورة وعزلها وإثارة مخاوف الرأي العام من التغيير، مرة بإبراز قوة الجماعات الجهادية المتشددة وأنها البديل الوحيد في حال سقوطه، لتبدو واضحة كالشمس المنافع التي جناها من تمكن هذه الجماعات وتقدم دورها ونفوذها، وكيف وظف كل صغيرة وكبيرة من ممارساتها الاقصائية بحق الأقليات القومية والدينية، كما حصل في بعض مناطق وجود الأكراد والمسيحيين والعلويين والدروز، لحصد التعاطف معه وتأليب قطاعات شعبية مصابة برهاب التطرف الاسلاموي ضد الثورة، ومرة ثانية بتضخيم المخاوف من التغيير في سورية، من تكلفته الباهظة ومن الفوضى والاضطرابات التي ستنجم عنه، وتنسيق الدعاية الرسمية مع إعلام الحلفاء وبعض الأصوات الغربية لتسويق «صورته» كنظام علماني وحام للأقليات ومناهض للإرهاب وضامن لاستقرار المنطقة... كذا، ومرة ثالثة بتنشيط الخطاب الوطني وشعارات المقاومة والممانعة لمغازلة بعض النخب العربية وكسب ودّها ودعمها، بخاصة تلك التي لا تزال أسيرة التحليل التآمري وتتغنى بمواجهة المخططات الامبريالية والصهيونية في المنطقة.

والحال، لم يعد يفيد الصمت عن ممارسات لقوى متطرفة تتم باسم الثورة ويجرى التخفيف منها أو تغطيتها بحجة أولوية توجيه الجهود ضد النظام، بينما ثبت أن هذا الصمت سبب أضراراً نوعية مباشرة وبعيدة المدى على سمعة الثورة ومستقبلها، ولم يعد ينفع تكرار تحميل النظام المسؤولية والقول إنه يقف وراء تشويه صورة الثورة، وإن توغله في الفتك والتنكيل والاستفزازات الطائفية دفع المعارضة دفعاً إلى مستنقع العسكرة والتطرف، والاتكاء على ذلك ليس من أجل التشديد على رفض العنف، بل من أجل الدعوة الى تسعير الصراع عسكرياً ومنح الأولوية المطلقة للغة السلاح... ولا نعرف ما إذا كانوا يصدقون أنفسهم من يطلقون التصريحات بتحقيق الحسم التام، بعد أيام من وصول أسلحة نوعية للمعارضة، أو بعد ساعات من الضربة العسكرية الخارجية!

التخلي عن مطلب إنهاء العنف بصفته عتبة الإقلاع نحو التغيير، هو وقوع في الفخ وانصياع لخيار النظام نفسه، ولن يخدم الشعب السوري ويكافئ الآلام والتضحيات الباهظة التي قدمها من أجل حريته، اعتماد خطاب عسكري تصعيدي، بل التشديد على نبذ العنف ومحاصرة الاندفاعات الطفولية المسوغة لاستمراره، والأهم العمل المثابر لحشد تعاطف الرأي العام والمؤسسات المدنية والحقوقية من أجل وقفه فوراً، وبغير ذلك لا يمكن المعارضة أن تستعيد صورتها، كمعارضة تعتز بمسؤوليتها السياسية وبأنها على اختلاف فئاتها وطوائفها وقومياتها ومشاربها قادرة على احترام التنوع والتعددية والاحتكام الى القواعد الديموقراطية ويمكن الوثوق بها لتجنيب البلاد احتمالات الفوضى والصراع الأهلي والتطرف والتفكك.

لقد أعاد التوافق الأميركي-الروسي حول السلاح الكيماوي تثبيت «حدود» التدخل الخارجي في البلاد فاتحاً الباب على مرحلة ربما تطول من استمرار الصراع الدموي حتى لو تخللتها بعض الاختراقات السياسية والمحطات التفاوضية، الأمر الذي يضع على عاتق المعارضة مهمة لا تقبل التأجيل هي كسب الرأي العام، ليس فقط لأن الرهان على نجاح الثورة يتطلب جذب قطاعات مهمة من الشعب السوري لا تزال سلبية ومحجمة عن الانخراط فيها، وإنما أيضاً لأن ثمة شعوباً تشاطرنا الكثير من القيم الإنسانية ولها حقوق يمكن أن تقرر الكثير في بلدان تستند الى إرادة الناخب في اختيار حكامها، وتشكل تالياً عامل قوة وأمان في مواجهة أي تلاعب أو توافق سياسي خارجي تحركه المطامع والمصالح الأنانية وينال من حقوق السوريين وما يرمون اليه، ولأنها الشعوب التي لعبت دوراً مهماً وأحياناً حاسماً في نصرة قضايا كبيرة في الجزائر وفيتنام وأنغولا وجنوب أفريقيا وغيرها.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

في تقدير الموقف : الروس الأعداء .. أعضاء في الكونغرس يطالبون بفرض عقوبات على مصارف روسية .. ماذا عن الدول والشعوب العربية ؟!

زهير سالم

طالب أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي، إدارة الرئيس باراك أوباما، بفرض عقوبات على مصارف روسية اتهموها بالمساعدة في تمويل الحرب التي تشنها الحكومة السورية على المعارضة. ونقل موقع بوليتيكو عن عضو مجلس الشيوخ السيناتور الديموقراطي عن كوناتيكت، رتشارد بلومينثال، قوله إن ملاحقة المصارف الروسية ستشل حملة الأسد، مضيفا لا يمكن للسوريين أن يشنوا هذه الحرب من دون التمويل الروسي.وأضاف بلومينثال في رسالة وجهها إلى وزير الخزانة، جاك لوي، مع ثلاثة أعضاء آخرين في مجلس الشيوخ، يمكننا أن نجمد أصولهم.. يمكننا وقفهم من إجراء أعمال في الولايات المتحدة ومنع موظفيهم من السفر إلى هنا وفرض عقوبات مالية قاسية على الروس. وجاء في الرسالة تشير مصادر عديدة إلى أن مصارف مثل (فنيش إكونوم بنك) و(غازبروم بنك) و(في تي بي) تمارس كالمعتاد نشاطا ماليا في سورية، منتهكة أكثر من مرة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ضد النظام السوري.. مثل هذا العمل يتضمن مساعدة من قبل مصرف (فنيش إكونوم بنك) في تسديد الدفعات المالية لقاء منظومة صواريخ (إس -300)، وإيداع حسابات شخصية للرئيس الأسد في مصرف (في تي بي)، وتسديد الدفعات لقاء النفط في مصرف (غاز بروم).

 انتهى الخبر

 

إن السؤال الذي يطرح نفسه على الدول والشعوب العربية الداعمة للثورة السورية ، والمستنكرة لإبادة السوريين بالكيماوي وبغيره من الأسلحة الروسية : لماذا لا تعيد دول العالم العربي وشعوبه الروس إلى مكانتهم الحقيقية في العقول والقلوب أعداء بشعين  لهذه الأمة لإنسانها ولدولها كما كانوا على مدى خمسة قرون ؟!

لماذا لا تعلن الدول والشعوب العربية المقاطعة الاقتصادية الشاملة لكل ما هو روسي ، وتجميد العلاقات المالية مع المافيا الروسية الحاكمة ؟ هل ما يفعله هؤلاء الروس بالسوريين لا يستحق ردا ؟!

ندرك أن حجم المبادلات العربية – الروسية ليس في حجمها مع الولايات المتحدة  ، ولكن دلالة المواقف ليست كمية فقط ...

إن على الحكام الروس الذين فرحوا بالأمس  بشكر وتقدير بشار الأسد وهم يجاحدون في قبول تقرير لجنة المفتشين الأممين ويتهمون الفريق  الأممي بأنه مسيس أن يدركوا أي خسارة سياسية واقتصادية يتكبدون ,,,,

إن هدف هذه الدعوة الرسالة أن تقترح  مبادرة على قوى المعارضة السورية والإسلامية منها بشكل خاص إلى إطلاق حملات توعية مضادة لإعادة الروس القتلة  إلى مكانتهم التاريخية الحقيقية في عقول وقلوب المسلمين . الروس الأعداء الذين ظلوا على مدى خمسة قرون يشنون حروب الإبادة على أمتنا في القرم والقوقاز . قريبا من عشرين حربا قاسية شنها القياصرة الطغاة على الدولة العثمانية وعلى بلاد المسلمين . اذكروا هذا ولا تنسوه ، بل افتحوا ملفاته من جديد ..

الروس الهمج الذين دأبوا على إثارة الفتن والعبث بأوراق الأقليات بنفس الطريق التي يتحدث بها الكريه لافروف .

الروس  القياصرة والروس البلاشفة ارتكبوا أعنف وأبشع المجازر ضد المسلمين ، و شردوهم من أوطانهم وأخرجوهم  من ديارهم وحولوهم إلى  لاجئين . نعايشهم اليوم في الشام والعراق ..

المطلوب  حملة حقيقة تسقط الكذبة الكبيرة للماركسيين والشيوعيين واليساريين أن الاتحاد السوفياتي ومن ثم روسية الماوفوية هي دولة صديقة لقضايا التحرر العالمي ونصيرة لحرية الشعوب  ..

لم تكن الستالينية التاريخية  أقل إجراما ودموية من النازية ومن الفاشية ومن الصهيونية وكذلك البوتينية الوريثة اليوم ، البوتينية التي تجمع كل قباحات أولئك القبيحين . هذه الحقيقة يجب إعادة إحيائها بجهد حقيقي في ضمائر أبناء المسلمين ومرة أخرى في عقولهم وقلوبهم ..

يجب أن يعلم العرب والمسلمون جميعا أن هناك اليوم خمس جمهوريات إسلامية هي مستعمرات تقبع شعوبها تحت القهر والاضطهاد الروسي . ويسوم أبناءها بوتين والمافيا التابعة له سوء العذاب . وهذه الشعوب التي ستعلن يوما ثورتها للخلاص القريب ..

يجب أن نتذكر أن الصهيوني الروسي المهاجر إلى أرضنا في فلسطين هو من أبشع وأقبح هؤلاء العنصريين ويكفينا ( ليبرمان ) أنموذجا . وأن هؤلاء المجرمين هم الذين خذلوا دولنا في كل حروبها مع الإسرائيليين .

كلمة ( مافيوي روسي ) يجب أن تقترن بكلمة نازي وفاشي وصهيوني في ضمير كل فرد من أبناء أمتنا . يجب أن نعرف بحق هذا القاتل الكريه الذي خنق أطفالنا في غوطة دمشق بالغاز ثم وقف يدافع عن المجرمين ..

لندن : 13 / ذو القعدة / 1434

19 / 9 / 2013

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

zuhair@asharqalarabi.org.uk

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

واشنطن وطهران: مصارعة في سورية وتانغو في إسرائيل؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الجمعة 20/9/2013

لم تبدأ كرة الثلج في التدحرج إثر ‘زلّة لسان’ من الرئيس الأمريكي باراك أوباما، على غرار حكاية ‘الخطّ الأحمر’ الكيميائي الذي يتوجب على النظام السوري أن لا يعبره؛ ولا، أيضاً، من ‘زلّة’ أخرى جديدة، تصدر عن وزير خارجيته، جون كيري. ذلك لأنّ الإفصاح عن تدشين جولة إضافية في الحوار الأمريكي ـ الإيراني بدأ من ذلك التسريب الذي تعمده أوباما نفسه، في حواره مع جورج ستيفانوبولوس، عبر قناة ABC الأمريكية، يوم 15 من هذا الشهر، بصدد احتمالات الضربة العسكرية الأمريكية ضدّ نظام بشار الأسد. هنالك رسائل متبادلة، أقرّ أوباما، واتصالات مباشرة أو عن طريق وسطاء، مع الرئيس الإيراني المنتخَب حسن روحاني.

تتمة مسير كرة الثلج سوف تشهدها اروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع القادم في نيويورك، حين سيتواجد أوباما وروحاني معاً؛ بعد تمهيد دراماتيكي من الأخير، خلال حوار غير مسبوق مع إحدى كبريات وسائل إعلام ‘الشيطان الأكبر’، شبكة NBC الأمريكية. لقد أعلن الرئيس الإيراني أنّ لديه سلطة كاملة للتفاوض مع الغرب، بشأن برنامج تخصيب اليورانيوم؛ وأنّ بلاده لن تقدم أبداً، مهما تكن الظروف، على تصنيع أسلحة دمار شامل، بما فيها تلك النووية؛ كما أكّد أنّ رسالة بعث بها إليه أوباما، مؤخراً، كانت ‘من وجهة نظري إيجابية وبناءة’؛ وأنّ هذه، جميعها، ‘خطوات صغيرة تجاه مستقبل هام’. جاي كارني، المتحدث باسم البيت الأبيض، أدلى بدلوه: ‘في رسالته أوضح الرئيس أنّ الولايات المتحدة مستعدة لتسوية القضية النووية بطريقة تسمح لإيران بأن توضح أنّ برنامجها النووي لأغراض سلمية فقط’. ومن جانبه قال علي أكبر صالحي، رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية: ‘نحن متفائلون جداً بشأن العملية التي بدأت لحلّ القضايا النووية’.

وعلى هامش اجتماعات قمّة ‘منظمة شنغهاي للتعاون’، في العاصمة القرغيزية بيشكيك، تردد أنّ روحاني أطلع الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ، على ‘الأجواء الإيجابية’ التي أخذت تكتنف مشروع الحوار الإيراني ـ الأمريكي. وثمة مًن قرأ، طيّ الفقرات التي تخصّ الملفّ السوري في البيان الختامي للقمّة، رائحة اعتدال إيراني لا سابق له بصدد ترسانة الأسلحة الكيميائية للنظام السوري، والنأي عن تحميل المسؤولية لأيّ من طرفَي الصراع، النظام والمعارضة، في استخدام تلك الأسلحة (الأمر الذي عدّه البعض تنازلاً إيرانياً، لا يخلو أيضاً من خطوة روسية إلى الوراء).

ولكي تُسند أوراق اعتماد الحوار الوشيك بشهادة حسن سلوك إيرانية إضافية، بادرت سلطات طهران إلى مباغتة العالم بقرار الإفراج عن 11 من سجناء الرأي، بينهم ثماني سيدات، وعلى رأس المجموعة يبرز اسم المحامية والناشطة الشهيرة نسرين ساتوده، وكذلك السياسي الإصلاحي محسن أمين زاده. وكانت ساتوده تخدم حكماً بالسجن ستّ سنوات، بعد اعتقالها خلال الاضطرابات التي أعقبت انتخاب محمود أحمدي نجاد، سنة 2009؛ وجاء الإفراج عنها مفاجأة للجميع، بمن في ذلك المفرَج عنها نفسها، إذْ صرّحت بأنها تجهل الحيثيات القانونية التي كانت وراء قرار إطلاق سراحها. ولا يخفى أنّ للتوقيت دلالاته الثمينة، بل الفاضحة في الواقع، إذْ يتصادف مع اقتراب موعد سفر روحاني إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

غير أنّ الضوء الأخضر الأشدّ سطوعاً، على طريق ابتداء حوار أمريكي ـ إيراني، جاء من آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، في لقاء ـ غنيّ الدلالات، كما يتوجب التشديد ـ مع قادة ‘الحرس الثوري’؛ قال فيه التالي، حول التفاوض: ‘لا أعارض الدبلوماسية المرنة، شريطة ان تكون شجاعة’، و’أؤيد إظهار تسامح الأبطال’، إذْ ‘قد يتساهل المصارع لأسباب تكتيكية، ولكنه يجب أن يتذكر مَنْ خصمه وعدوّه’؛ ثمّ قال التالي، الذي لا يقلّ أهمية، حول وظائف المنصتين إليه: ‘الحرس الثوري، ومن أجل الحفاظ على الثورة، ينبغي أن يمتلك بالتأكيد معرفة كافية وشاملة عن التطورات والتيارات في مختلف الساحات’، ولكن ‘ليس من الضروري أن يمارس الحرس الثوري أنشطة سياسية’، لأنّ ‘العيش حياة ثورية، والديمومة الثورية والثبات من المظاهر الجميلة للحرس الثوري’.

وهكذا، بدا واضحاً أنّ خامنئي أباح للدبلوماسي الإيراني (الرئيس روحاني) أن يرقص التانغو مع نظيره الأمريكي، في نيويورك وما بعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليس في الملفّ النووي وحده، بل في كلّ وأيّ ملفّ سواه، بما في ذلك مصير النظام السوري؛ كما طالب المصارع الإيراني (الحرس الثوري عموماً، والجنرال قاسم سليماني قائد ‘فيلق القدس ضمناً) باتباع بعض ‘الحركات الفنّية المرنة’، ذات الطبيعة التكتيكية، والمرنة؛ لأنّ ‘الساحة الدبلوماسية مسرح للابتسام’ كما قال، وحلبة المصارعة باتت مسرحاً للمجازر الكيميائية، كما للمرء أن يفترض! في عبارة أخرى، ما دام روحاني سيؤكد للبيت الأبيض أنّ إيران لن تصنّع أسلحة نووية (الأمر الذي سيطمئن إسرائيل)؛ فإنّ في وسع سليماني، ثمّ نصر الله من بعده، تهدئة الحلبة قليلاً، حتى يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الحوار الأمريكي ـ الإيراني.

والمرء، هنا، يعود بالذاكرة إلى ربيع العام 2009، حين جاز للبعض أن يطلق صفة الـ’دراماتيكية’ على رسالة التهنئة التي وجهها أوباما إلى الشعب الإيراني،في مناسبة السنة الجديدة الفارسية؛ وحين امتزجت اعتبارات شكلية (اختيار الصيغة المتلفزة، والترجمة المتزامنة إلى اللغة الفارسية أسفل الصورة، والبثّ عبر إذاعة صوت أمريكا) مع أخرى تخصّ المحتوى الأهمّ، لترجيح انطلاقة أخرى في مشاريع الحوار الأمريكي ـ الإيراني. ذلك لأنّ تلك الرسالة كانت، والحقّ يُقال، قد مثّلت انعطافة فارقة عن خطّ الإدارة السابقة، وانفكاكاً عن خطاب ‘المحافظين الجدد’ بصدد إيران إجمالاً، ونظرية ‘محور الشرّ’ التي اعتمدها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بصفة خاصة. أمّا في الجوهر، أي سلسلة الخيارات الستراتيجية التي ظلّت إدارة أوباما تقرّها وتعمل بهدي منها (وبعضها يرتقي إلى مستوى ‘الثوابت’ الراسخة، مثل أمن إسرائيل)، فإنّ المبادرة كانت محتومة؛ ليس بالمراوحة في المكان، هذه المرّة، بل بالموت الفوري.

فإذا طوى المرء صفحة خطابات التشدّد والتهديد والعدوانية التي أشاعها جورج بوش الابن ونائبه ديك شيني ضدّ إيران، واستبشر خيراً في ميل أوباما إلى فتح صفحة جديدة مع ‘حضارة عظيمة’، لشعب ‘كان فنّه، وموسيقاه، وأدبه، وابتكاره قد جعلت العالم مكاناً أفضل وأجمل’، كما جاء في رسالة التهنئة تلك (وكما في لغة أوباما الوردية عن ‘الطاقة الفكرية’ الإيرانية، هذه الأيام)؛ فإنّ حصيلة المحاولات السابقة ـ قبل بوش الابن، وقبل صعود خطاب ‘المحافظين الجدد’ ـ لا تبشّر بخير جلي، أو لعلها تنذر بالنقيض. وقبل عقد من الزمن، سبق تلك الرسالة، كانت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، قد دعت إلى رسم ‘خريطة طريق’ للعلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، واعدة بالخير إذا أحسن الإيرانيون قراءة ما حمّلته عليها الإدارة من تفاصيل طبوغرافية (بحار وأنهار، تلال ووديان، دروب مستقيمة وأخرى متعرّجة… كما للمرء أن يتخيّل!).

العقدان صارا ثلاثة ونيف اليوم، وبدل أن تنجسر الهوّة (كما استبشرت أولبرايت في خطبة مأثورة، أمام ‘الجمعية الآسيوية’)، فإنها ازدادت اتساعاً؛ والخريطة التي يمكن أن تُرسم اليوم تحتوي على أربعة عناصر متفجرة (برنامج إيران النووي، نظام بشار الأسد، عراق نوري المالكي، و’حزب الله’) لم تكن متوفرة في خريطة 1998. كذلك لم يكن نجاد (صاحب التصميم على ‘محو’ إسرائيل من الخريطة، واليقين بأنّ الإمام المهدي يدير العالم) هو رئيس إيران، بل محمد خاتمي، الرئيس الأكثر اعتدالاً وتنويراً في تاريخ الثورة الإسلامية الإيرانية.

وفي تلك الحقبة أجرى خاتمي حواراً مع شبكة الـ CNN بدا دراماتيكياً بدوره، وربما أكثر من رسالة التهنئة المتلفزة التي وجهها أوباما، إذْ كان الأوّل من نوعه ومحتواه ومستواه منذ انتصار الثورة سنة 1979. ولقد سعى الرجل إلى توجيه أكثر من رسالة سياسية ـ عقائدية إلى الداخل (حيث كانت رسائل كهذه ترقى إلى مستوى العلاج بالصدمة)؛ ثمّ إلى العالم بأسره، وإلى الولايات المتحدة خاصة (حيث لا تبدو الرسالة ‘شيفرة’ مبطنة، قياساً على وضوح سياقاتها ودوافعها). وكان خاتمي أشدّ ذكاء وحصافة من أن يصرف نصف ساعة في مديح ‘الأمّة الأمريكية العظيمة’، ودقائق معدودات فقط في ملامة القيادات الأمريكية، ويعتبر هذه الحصيلة رسالة ‘اعتدال’ هادفة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية. كان، في الحقيقة، يمارس مزيجاً من التسليم والنقد الذاتي، حين اعتبر أنّ السطور الأولى في تلك الصفحة لن تكتبها مبادرة دبلوماسية من أي نوع (معلَنة أو خفية، فالأمر سيان)؛ بل قد يدشنها ‘أساتذة الجامعات والكتّاب والعلماء والفنانون والصحفيون والسيّاح’، كما اقترح خاتمي، ربما على غرار المعجزة التي اجترحتها كرة الـ’بنغ بونغ’ في العلاقات الصينية ـ الأمريكية ذات يوم.

وثمة، ما تزال، ‘لاءات’ ثلاث كبرى، إذا صحّ القول، تختصر روح الموقف الأمريكي من إيران: الأولى، بسبب دعم طهران لما تسمّيه واشنطن ‘حركات الإرهاب الإسلامي’ إجمالاً، و’حزب الله’ تحديداً (وكذلك ‘حماس في حقبة سابقة)؛ والثانية، بسبب إصرار إيران على تطوير قدراتها النووية، في الصناعة المدنية قبل العمل على امتلاك أسلحة الدمار الشامل؛ والثالثة، بسبب موقف إيران المناهض، أو غير المؤيد، للعملية السلمية التي تديرها الولايات المتحدة بين العرب وإسرائيل. على تخوم ‘لاءات’ كهذه يبقى العراق شوكة عالقة بجبهات الصدام الثلاث، منفردة أو مجتمعة، ولعلّ الانسحاب العسكري الأمريكي انقلب إلى إعادة جدولة لتلك اللاءات، بما أسفر عن حقنها بالمزيد من أسباب التوتّر. وعلى التخوم، هذه الأسابيع بصفة خاصة، ثمة نظام الأسد في أبعاده الداخلية التي تخصّ الانتفاضة الشعبية، وفي استقطابات قوى المعارضة الديمقراطية والوطنية والعلمانية، مقابل قوى التشدد الإسلامية؛ وثمة، أيضاً، استقطابات المحاور الإقليمية الإيرانية/الخليجية/التركية/الإسرائيلية…

الأرجح، إذاً، أنّ تقاسم المهامّ بين المصارع الإيراني ومواطنه راقص التانغو سوف يفضي إلى طراز من الازدواج والتضارب والتناقض، وليس إلى أيّ حدّ أدنى من التناغم والانسجام والتكامل؛ الأمر الذي يراقبه، بأناة وخبث وترصّد، أناس من أمثال بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وينجرّ إلى حلباته البيت الأبيض أسوة بالكرملين، كلٌّ من حيث تقديره لحصيلة الربح والخسارة؛ ويتساقط ضحيته، باضطراد وثبات، خاسرون طغاة من أمثال بشار الأسد، وخاسرون أتباع على شاكلة حسن نصر الله. والأيام القادمة، القليلة، كفيلة بتبيان الحدود القصوى للفارق بين ‘التسامح البطولي’ في المصارعة، و’الحركات الفنّية’ في التانغو!

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

سقوط وإحياء المشاريع الكبرى

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 20/9/2013

كان سقوط المشروع السوفييتي أهم حدث شهده القرن العشرون، ولم يكن الانهيار سياسياً فقط، وإنما كان انهياراً إيديولوجياً سقطت فيه نظريات الماركسية، ومضت إلى ذاكرة التاريخ. ولم يكن إعلان فوكوياما عن «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» بانتصار الليبرالية وقيم الديمقراطية، أكثر من معارضة رمزية من طراز الكيد السياسي لنظرية كارل ماركس حول المادية التاريخية التي أعلنت من قبل نهاية أخرى للتاريخ بزوال الفوارق بين الطبقات، والرجلان واهمان، ولا يبعدان كثيراً عن وهم هيغل المثالي. والمهم أن سقوط المشروع السوفييتي الضخم الذي كاد ينجح في حرب النجوم، ولكنه فشل في كسب القلوب، فتح شهية الشعوب الأخرى التي بدأت تنتفض ضد الديكتاتوريات تباعاً، وتمكنت الولايات المتحدة الأميركية من أن توظف النتائج لصالحها، وأن تستعيد مفهوم النظام الدولي الجديد ذي القطب الواحد وتعلن سيطرتها النهائية على العالم وعلى فضائه.

كانت المشاريع الأخرى المتصارعة في العالم قد تلقت الهزات الارتدادية عن سقوط الاتحاد السوفييتي، وفي منطقتنا اختلفت قواعد الصراع بين المشاريع الكبرى، وهي المشروع الصهيوني المتجذر في المشروعين الأميركي والأوروبي، والمشروع القومي العربي، والمشروع الإسلامي الذي تشعب مذهبياً بين مشروع سني وآخر شيعي، وقد وجد المشروع الشيعي نوافذ أوسع للحضور بعد غزو العراق وغلب عليه في الباطن نزوع شوفينية قومية ومذهبية تستحضر القومية الفارسية كما استحضر المشروع القومي العربي شعارات تصالحية لربط العروبة بالإسلام. وأقيمت منتديات لترسيخ التواصل بين المشروعين القومي والإسلامي، لمواجهة خطر المشروع الصهيوني، ضمن براجماتية «فرض الواقع للحقيقة كما يريدها هو، متجاوزاً أسس الحقيقة كما هي»، وقد أنتج علاقات مرحلية ممكنة بين من تركوا ما يختلفون عليه، وبحثوا عما يلتقون حوله، وهو مقاومة المشروع الصهيوني كما أعلنوا.

ولم تكن الصهيونية في منأى عن السقوط فقد تم إعلان موتها بالتزامن مع الإعلان الرمزي لوفاة العرب، ففي فترة سقوط العراق (2003) ورمزية سقوط المشروع القومي بسقوط «البعث»، كتب إبراهام بورغ رئيس البرلمان الإسرائيلي الأسبق في يديعوت أحرونوت ينعي الصهيونية قائلاً «أرى أننا نشهد نهاية للمشروع الصهيوني على الأبواب. وهناك إمكانية فعلية لأن يكون جيلنا هو الجيل الصهيوني الأخير».

ولقد جاء إطلاق فكرة الشرق الأوسط الجديد في محاولة صهيونية غربية لملء الفراغ الحاصل في المنطقة بعد سقوط مشاريعها ذات الخصوصيات القومية أو الدينية، وللإفادة من حالة الانهيار لبناء رؤية جديدة، تتجاوز الصراع العربي الإسرائيلي، وتشكل محيطاً مناسباً لجعل إسرائيل نموذجاً ديمقراطياً في بيئة مصالح تسقط من حساباتها ثقل التاريخ القومي والديني لكل شعوب المنطقة عدا إسرائيل التي أصرت على يهودية دولتها. ولم تكن فكرة الفوضى الخلاقة بدعة جاءت بها كوندوليزا رايس في تصريحها الشهير عام 2005 فهذا التعبير شهير في أدبيات تاريخية سابقة، ولعل نجاح الفوضى بتدمير العراق ألهم حكومة بوش إمكانية تعميم هذه الفوضى على المنطقة كلها بعد أن سقطت مشاريعها، ولم تكن مشاريع المقاومة على اختلاف مذاهبها قادرة على بث الطمأنينة في نفوس العرب والمسلمين جميعاً، لأن بعضها يعلن ولاء خالصاً لإيران التي لم تخف أطماعها في العراق، وكانت تتسلل إلى الساحة السورية بيافطة المقاومة التي هلل لها السوريون وأخفوا امتعاضهم من كونها تحمل راية الثأر للحسين، ولهذا الثأر حكاية مأساوية داخل الثقافة العربية ولا صلة على الإطلاق بينه وبين مقاومة العدو الإسرائيلي.

ولقد سقط مشروع الشرق الأوسط الجديد، وصارت فكرة الفوضى الخلاقة موضع سخرية نخبوية وشعبية فور الإعلان عنه، وقد كان لصعود تركيا في الوقت ذاته تأثير كبير على دفع المنطقة نحو تشكيل تفاهمات، لم ترق إلى مستوى التحالفات، ولكنها بدت تكويناً لرؤية جديدة تحاول أن تصنع من الشرق الأوسط قوة دولية في مشروع تركي عربي إيراني. وكانت اللقاءات التركية مع القيادات الإيرانية ومع جل حكام المنطقة توحي باحتمال نهوض مختلف عن الرؤية الأميركية الصهيونية، على رغم أن هذا المشروع كان يمد يده اليسرى للتصالح مع إسرائيل، مع بقاء اليمنى على الزناد.

ولم يكن ممكناً لهذه الرؤية أن تنجب مشروعاً مشتركاً، فالإسلاميون في تركيا ينظرون إلى الشرق، بينما العلمانيون ينظرون إلى الغرب، والمتشددون في إيران يصرون على التوسع فكراً وعقيدة وتسلطاً على العراق وسوريا، ويصرون على أن الخليج فارسي محض لا يرون للعرب فيه حضوراً، ويتمسكون باحتلال الجزر الإماراتية وهم الذين لم يبقوا من آثار الشاه المخلوع سوى هذا الظلم الواضح، والتهديد المستمر لدول الخليج العربي.

وحين قامت الثورات العربية حدثت حالة من الدهشة والذهول، أصابت الجميع، وتفرق الناس في فهم ما يحدث.

كانت دول الخليج هي أكثر الدول العربية استقراراً على الصعيد الداخلي، لأنها وفرت لمواطنيها ما احتاج إليه أشقاؤهم في دول الثورات من الطمأنينة والكرامة والحرية والراحة النفسية والرضا في التفاعل بين الحاكم والمحكوم، بنسب تتفاوت بين بلد وآخر، فضلاً عن حالة الرخاء الاقتصادي، وتوفير احتياجات المواطنين في إطار مشاريع تنموية عملاقة. وكان من اللافت أن تغيب الحكمة عن قادة الجمهوريات المستبدة بينما تظهر الحكمة في أنظمة الحكم التقليدية، وسيذكر التاريخ مستقبلاً حكمة سلطان عمان وحكمة ملك المغرب، كما سيذكر حماقة القذافي ومن اتبع نهجه الذي أوصله إلى نهاية تراجيدية بشعة لأنه قرر أن يحارب شعبه.

ومع «الربيع العربي» الذي جاء بلا مشروع واضح المعالم، حاول المشروع الإسلامي أن يملأ الفراغ، ولكنه سرعان ما سقط في عجزه عن فهم حركة التاريخ، ولم ينجح المشروع القومي في تحقيق أي حضور، لأنه تمسك بالشعارات التي كانت مجرد ذرائع لتكوين حامل للحكم وستارة لإخفاء مشاريع سلطوية فئوية صغيرة، وصار مضحكاً على رغم الأسى المرير أن يقال إن الثورة السورية جاء بها الأعداء لإسقاط مشروع المقاومة، كأن الشعب السوري هو الخائن، وكأنه قام بثورته لمنع النظام من تحرير فلسطين أو إعلان الوحدة العربية!

إن الحاجة ماسة اليوم لأن يتنادى العرب جميعاً لبناء مشروع عربي جديد، يلبي تطلعات الأمة، ويعيد بناء ما تهدم منها، وستكون حالة مأساوية جديدة أن يفيد الروس من ثورات العرب فيضخوا الحياة في مشروعهم المترنح، وأن تفيد إسرائيل في ضخ قوة جديدة في مشروعها الصهيوني، بينما يبقى العرب يتصارعون بلا رؤية واضحة لمستقبلهم كأمة.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

آخر أيام الكيماوي السوري: الضربة الأمريكية حقيقة أم وهم؟

أسامة أبو ديكار

القدس العربي

الخميس 19-9-2013

في غمار قرع طبول الحرب الأمريكية، والتجييش الإعلامي للرأي العام العالمي، وتصوير الضربة العسكرية لسورية وكأنها خشبة ‘الخلاص’ للشعب السوري من محنته، كان قلة من المراقبين قد انتبهوا إلى الموقف الروسي وأعطوه الأهمية التي يستحقها، في إيجاد تسوية أقرب لأن تكون سياسية لأزمة الكيماوي في سورية، خصوصاً بعد التصريحات المتعددة عن المسؤولين الروس بأنهم لن يتدخلوا بأي نزاع عسكري في سورية!

وبالتالي توقع الكثيرون أن الضربة العسكرية الأمريكية لسورية واقعة لا محالة، خصوصاً الأطراف الإقليمية الذين تحسّبوا لها واستوضحوا واشنطن عمّا سيكون موقفها إذا ما امتدّ لهيب الصراع الى ديارهم. وبالنتيجة فإن الجريمة النكراء التي وقعت في غوطة دمشق، وراح ضحيتها ما لا يقل عن ألف وخمسمئة شخص، معظمهم من الأطفال والنساء، بسلاح كيماوي بدت أنها لن تمر ‘مرور الكرام’ على المجتمع الدولي، وأن هناك حساباً وعقاباً سيطال مرتكبيها على رأي من هلل للضربة الأمريكية، إلا أن المؤشرات المرئية والمقروءة، تشي بأنّ ‘الجعجعة’ الأمريكية لن تشعل وقود صواريخ ‘التوماهوك’ لتصبّ على رأس النظام في سورية. ولو كان البيت الأبيض جدّياً في تهديداته، لما انتظرت ذراعه العسكرية الإذن من الكونغرس أو من مجلس الأمن الدولي أو من غيرهما من المنظومات الدولية، فقد سبق لترسانة ‘العم سام’ أن تدخّلت عسكرياً في السودان واليمن والعراق وغيرها، من دون مشورة أحد. وكان بإمكانها أن تكرر السيناريو ذاته من دون أن يرف لها جفن.

وهنا يمكننا أن نمر سريعاً على أسباب واضحة تعرقل مثل هذه الضربة: فأولاً معارضة الرأي العام الأمريكي لانزلاق الولايات المتحدة إلى حرب إضافية في الشرق الأوسط، وتجاوب كثرة من أعضاء مجلسيّ الكونغرس والنواب مع موقف الرأي العام، ثم هناك قلة من حلفاء أمريكا الأوروبيين أيّدت الضربة العسكرية المفترضة أو المشاركة فيها. فلماذا تعمل أمريكا بشكلٍ يتعارض مع أغلبية حلفائها الأطلسيين؟ وثانياً أبدت سورية استعداداً للرد على الضربة المفترضة، وقد يؤازرها بعض حلفائها في الرد، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع رقعة الحرب وشمولها المنطقة العربية وجوارها. فهل للولايات المتحدة مصلحة في نشوب حرب إقليمية قد تتأذى منها المصالح النفطية وأمن اسرائيل؟ ثالثا، الولايات المتحدة لم تتخلص بعد من آثار أزمتها المالية والاقتصادية التي اندلعت في صيف2008 فلماذا تتورط في حرب باهظة التكلفة من جديد؟ والأهم أخيراً، أن روسيا تبدي إشارات إلى إمكانية إيجاد مخرج للأزمة السورية من خلال التوافق على ترتيبات بشأن أسلحتها الكيميائية على أساس وضعها تحت رقابة الأمم المتحدة. فلماذا لا تدرس أمريكا هذا المقترح الروسي بعد بلورته، فيكون مدخلاً لتسوية الأزمة سياسياً مع سورية، وربما يكون أيضاً مدخلاً لتسوية الخلاف مع إيران بشأن برنامجها النووي؟

إذاً ما الذي تريده أمريكا في الحقيقة، وهل ما يقال عن إحراج أوباما في ما يسمى الخطوط الحمر كان وراء هذه ‘المسرحية’ الدولية، التي سميت بــ’الضربة الأمريكية’؟

نعتقد أن الإدارة الأمريكية كانت تخطط من لحظة الإضاءة على ‘الأسلحة الممنوعة’ لدى النظام في سورية إلى تحييد هذا السلاح الذي قد يتحول خطراً على حلفائها الإقليميين وعلى رأسهم إسرائيل وتركيا، وليس المقصود بهذا التهديد والوعيد تفجير الوضع أو تعديل ‘ميزانه’. ولهذا كان التركيز على ‘خاتمة توافقية’ تسير على ‘شفير الهاوية’ وتنتهي سلمياً، كما انتهت أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962 بسحب ‘المواد المشتعلة’ بعد التهديد الأمريكي بضرب ‘الجار الكوبي’ آنذاك. فالإدارة الأمريكية تعيش ‘عصر انكفاء’ عسكري وصل على متنه باراك أوباما إلى البيت الأبيض، فيما الروس كانوا واضحين بقولهم إنّهم لن يدخلوا حرباً عسكرية مع خصمهم الأمريكي، لكنهم كانوا يسعون إلى ‘تغطيس الأمريكيين في مستنقع الوحول السورية، كي يكونوا ‘القشة’ التي تحمل ‘المارينز إلى برّ الأمان، أسوة بما فعله الإيرانيون في أفغانستان والعراق مع الجحافل القادمة من بلاد ‘العم سام’. غير أنّ هؤلاء جرّوا الروس والسوريين إلى اتفاق لتحييد ‘الكيميائي’ من دون أن يشمروا عن سواعدهم. وبالتالي فالأزمة لن تغيّر كثيراً في ميزان القوى السورية على الأرض، الميزان الذي يعتبر نموذجياً بالنسبة للغربيين، إذ أن تصارع ‘الأعداء’، أي النظام ‘البعثي’ والمجموعات السلفية التي جاءت من كل حدب وصوب إلى ‘أرض الجهاد’ السورية، هو الوضع الأمثل بالنسبة لواشنطن وحلفائها، لأنه يساهم في استنزاف الفريقين، أسوة بما حصل في حرب العراق وإيران التي استمرت أكثر من ثماني سنوات وكلفت أكثر من 600 مليار دولار.

وهنا، تتلاقى مصلحة الجميع، بما في ذلك موسكو وحتى الخليج، بإنهاك المجموعات الأصولية أولاً، وبالحفاظ على وحدة الجيش السوري بنواته الحالية ثانياً، ذلك لأنّ واشنطن لا تريد تكرار تجربة العراق، في حين أنّ التمايز يظهر حين يتصل الأمر بالرئيس بشار الأسد. ذلك لأنّ العواصم الغربية تعتبر أنّ أي تسوية سورية لا يمكن أن تحتمل بقاء الأسد في سدّة الرئاسة، في حين أن روسيا تجيبهم بأنّه ليس بمقدورها الضغط عليه للتنحي، ولهذا يعترضون حتى اللحظة على مبدأ إقالته. وعلى هذا الأساس، قد يستمر تسليح المعارضة السورية من جانب حلفائها، فقط بهدف الضغط على النظام كي يقبل بالتسوية. ومن هنا عودة الحديث عن ‘جنيف 2، بينما لا تزال شروط انعقاده غير متوفرة بسبب التباين في وجهات النظر، إذ يعتقد الروس أنّ الشعب السوري وحده من يقرر تركيبته الحاكمة، في حين يطالب الأمريكيون بالاتفاق على مرحلة انتقالية لا تتضمن الأسد، مع العلم أنّ بعض الخبراء يعتبرون أنّ التسوية السورية لن تنضج قبل أن يُرهق الفريقان وتُستنزف قدراتهما.

ونتيجة لذلك فإن الظروف لا تبدو مهيأة لانعقاد مؤتمر دولي في جنيف بحثاً عن حلّ للأزمة في الوقت الحالي، حل تريده واشنطن على الطريقة اليمنية، بخارطة طريق وفق نموذج ‘الطائف’ اللبناني، الذي يتيح قيام تركيبة توافقية لا تغيّر في موازين القوى بين مكونات الشعب السوري، ولا تؤثر في التموضع الإقليمي لدمشق. بتعبير آخر، لن تمانع واشنطن، من أن يكون لموسكو ولطهران دور نافذ في سورية الجديدة، طالما أنّ مصالحها مضمونة، وطالما أن سورية قد انتقلت من دور اللاعب الإقليمي الى مسرح للصراع الدولي.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

أنقذوا أطفال سوريا

د. محمود نديم نحاس

ربما لا تستطيع أن تحبس دموعك عندما ترى صورة طفل مصري يحمل لافتة كُتب عليها (إلى مديري مدارس سوريا: لا تكتبوا الطلاب غائبين، بل اكتبوهم أحياء عند ربهم يُرزقون).

وهكذا تختلط المشاعر والأحاسيس عند الإنسان السوي وهو يرى أطفاله يستعدون للعام الدراسي الجديد، بينما يشاهد على الشاشة مأساة أطفال سوريا، فهم بين قتيل أو جريح أو مشرد أو يتيم.

فقد كشف تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن أن عدد الأطفال الذين قتلوا على يد قوات النظام بلغ 10913 طفلا، بينهم 2305 دون العاشرة، و 376 رضيعا، مشيرا إلى أن النسبة الأكبر منهم قُتلوا بالقصف، في حين قضى آخرون بالإعدام الميداني رميا بالرصاص أو ذبحا بالسكاكين (530 حالة) أو لقوا حتفهم وهم بين يدي جلاديهم (79 طفلا). وتحتفظ الشبكة بأسمائهم جميعاً وصورهم وتاريخ ومكان استشهادهم، وذلك منذ بداية الثورة وحتى مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق مؤخراً. كما كشف التقرير عن اعتقال أكثر من 9000 طفل (تقل أعمارهم عن 18 عاما)، والكثير منهم تعرضوا لأساليب تعذيب عنيفة جدا لا تختلف عن التي يتعرض لها الكبار، حيث ذكر التقرير ستة عشر أسلوب تعذيب، ومنها تكسير الأضلاع، وصب الزيت المغلي على الجلد، وقص الأذن بمقص تقليم الأشجار، وانتزاع اللحم بملاقط معدنية. كما تحدث التقرير عن رؤية بعض الأطفال مقتل ذويهم وأمهاتهم على يد الشبيحة. وتحدث أيضاً عن تعرض القاصرات للاغتصاب (أكثر من 400 حالة).

وقد أعلنت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والصراعات المسلحة أن عدد الأطفال اللاجئين أو المشردين داخل سوريا وصل إلى ثلاثة ملايين طفل، وحذرت بأن ملايين الأطفال السوريين سيحرمون من المدارس هذا العام، وتحدثت عن زيارتها لسوريا والدول المجاورة حيث التقت كثيرا من الأطفال وأفراد أسرهم المشردين أو اللاجئين ممن تحدثوا عن فظاعة الصراع ومخاوفهم وقلقهم إزاء حرمان أطفالهم من التعليم، وشددت على ضرورة تعزيز العمل الدولي المشترك للاستجابة بالشكل الملائم لمعاناة الأطفال المتضررين من الأزمة.

أما تقرير خبير الأمم المتحدة بشأن حقوق النازحين داخل بلادهم فيقول بأن ثلث المنازل في سوريا (أي 1.2 مليون منزل) وآلاف المدارس قد دمرت، وهُجِّر أكثر من أربعة ملايين سوري وحرم نحو مليوني طفل من الدراسة. وأوضح التقرير أن معظم المشردين هم من النساء والأطفال وكبار السن الذين فروا من منازلهم دون أي أمتعة شخصية ويقيمون مع عائلات أخرى تعيش هي نفسها على موارد محدودة للغاية.

ويؤكد تقرير صندوق الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” أن أكثر من ثلاثة آلاف مدرسة تعرضت إما لأضرار جسيمة أو دُمِّرت، كما تُستخدم نحو ألف مدرسة أخرى لإيواء النازحين، مما أدى إلى أن مليوني طفل توقفوا عن الدراسة، وأربعة ملايين طفل في المجمل تضرروا، منهم مليون طفل أصبحوا لاجئين. هذا إضافة إلى إن الأطفال يعانون من أضرار نفسية.

وقد كتب أحدهم قصيدة تصف جزءاً من مأساة الأطفال:

قال والتنهيدةُ الحرّى تَلي التنهيدةْ:

ابنتي أمستْ شهيدةْ..

ابنتي لم تحمل الرشاشَ يوماً

ابنتي لم تعرفِ الأحزابَ يوماً

ابنتي كانت ودودةْ

فلماذا قتلوا بنتي الوحيدةْ؟!

أما كاتب متخصص بالقصص القصيرة جداً فكتب: بعد العودة من الإجازة، بادر الصبي لقاءه مع والده بقوله: أنا أصبحت مصاص دماء. لم يأخذ الوالد ما قاله على محمل الجد، لكنه ابتسم وسأله: وكيف ذلك؟ رد الصبي بجدية: من مشاهدة قتل الأطفال، فلا أريد أن أكون ضحية بريئة!

ربما لابد من ذكر ما قامت به بعض منظمات المجتمع المدني من أعمال، فالهيئة السورية للتربية والتعليم قامت بتنقيح الكتب الدراسية وحذف كل ما له صلة بآل الأسد أو بحزب البعث ومسح لوثات النظام التي أبعدت المناهج عن أهدافها التربوية. كما قامت بطباعة الكتب وتوزيعها على المدارس في بعض المخيمات وبعض مدارس المشردين في الداخل السوري. لكن أنى لهذه الجهود أن تستوعب كل الأطفال؟ فالأمر أكبر مما يُتصور، ويحتاج لميزانية ضخمة.

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

العودة إلى الوطن حلم قد تحقق

محمد فاروق الإمام

بداية أريد أن أنوه إلى أن ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو التعليقات التي جاءت على مقالي السابق (وعدت رغم أنف الأسد)، وخاصة تلك التعليقات التي جاءت في موقع (دنيا الرأي) والتي وصفتني بأنني شبيه بأحمد الجلبي وأنني عدت إلى الوطن على أنقاض الدولة السورية، وأردت من مقالي هذا أن أضع الإخوة المعلقين أمام فصل من فصول حياتنا المأساوية في ظل حكم البعث الذي سرق الوطن وسجن أهله منذ ما يزيد على نصف قرن!!

فارقت سورية عام 1981 مرغماً بعد إصدار حافظ الأسد للقانون 49 الذي يحكم بالإعدام على كل من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين بأثر رجعي، وانتظرت طوال 32 سنة - كحال عشرات الآلاف أمثالي - أن يراجع حافظ الأسد نفسه ويلغي هذا القانون الجائر ونعود إلى الوطن لنشارك في بنائه ودفع عجلة التنمية فيه، وطال الزمن وتوالت السنوات دون أن يلوح لنا أي بارقة أمل في العودة إلى الوطن، رغم ما كان يجري في بعض الأحيان من مفاوضات بين قيادة الجماعة ومبعوثي النظام الذين كانوا على درجة عالية من جسم النظام وأعيانه، فقد كان يصل الطرفان إلى اتفاق كنا نظن أنه انفراج وأن العودة باتت قاب قوسين أو أدنى، لنفاجأ بأن السيد الرئيس لم يقبل بما توصل إليه وفده مع الجماعة، وعلى العكس من ذلك لم يقم النظام بأي مبادرة حسن نية، فقد كان يلاحق أفراد الجماعة في الداخل والخارج؛ فيسجن ويغتال.

كبر الأولاد وتزوج بعضهم وصرت جداً كحال الآلاف ممن يقاربوني سناً وتوزعوا في بلاد الله الواسعة طلباً للأمان والرزق، وكنت أتنقل ببقايا عائلتي بين الفترة والأخرى بين دول ومدن إلى أن استقر بي المقام في الأردن نهائياً، ووجدت عملاً دائماً في مجالي (الإعلام)، وبين الفترة والأخرى كان أولادي الصغار مع أمهم يزورون سورية وكانوا طبعاً يخضعون للمساءلة والتحقيق ما بين حلب ودمشق ويتعرضون للمضايقة، ولكنني كنت أصر على نزولهم ليبقوا على تواصل مع تراب الوطن والأهل والعشيرة.

في عام 1995 أصر ولدي الثاني على النزول إلى البلد لتأدية الخدمة العسكرية ولم أحل دون رغبته؛ رغم ما كان ينتابني من الخوف والقلق عليه مما قد يواجهه من أزلام النظام وعملائه.

نزل وأدى الخدمة العسكرية لثلاث سنوات دون أية مشاكل تذكر كان فيها مثال الانضباط والنظام والحرفية ومكان احترام من رؤسائه وزملائه، وبعد أن أنهى الخدمة الإلزامية أراد الزواج وتم خطوبة الفتاة التي اختارها، وقبل الزفاف بيوم واحد جاءه طرّاق الليل وأشباح الظلام واقتادوه إلى جهة مجهولة عرف فيما بعد أنه اقتيد إلى المخابرات (فرع فلسطين بدمشق) السيئ الذكر حيث خضع للتعذيب الوحشي لأكثر من ثلاثة أشهر؛ أحيل بعدها إلى المحكمة العسكرية التي حكمت عليه بالإعدام بموجب القانون 49 الذي يجرم المنتمي للإخوان المسلمين ويحكم عليه بالإعدام، علماً أن ابني هذا غادر سورية وكان عمره 6 سنوات، ثم خفف الحكم إلى 12 سنة، ثم أفرج عنه عام 2006 بعد 8 سنوات بموجب عفو أصدره بشار الأسد الذي خلف أباه في الحكم، وبعد اعتقاله حرمت أسرتي من مغادرة سورية ومنعت من الحصول على جواز السفر وبقيت حبيسة في الداخل، مما انعكس ذلك على حياتي وقد كسا الشيب رأسي وحطت الكهولة بدني، وقد أصبحت وحيداً أعيش كوابيس الآلام والأحزان والأوجاع.

قبل قيام الثورة بأكثر من سنة حضر ثانية طراق الليل وأشباح الظلام ليقتادوا ولدي ثانية من مكان عمله إلى جهة مجهولة، علم فيما بعد أن من أخذه عناصر من المخابرات الجوية، ليتعرض لأقسى أنواع التعذيب الوحشي الذي يفوق ما تعرض له سابقاً في فرع فلسطين.

وقامت الثورة وانطلقت شرارتها وعمت المظاهرات المدن السورية، فأصدر بشار عفواً عاماً عن السجناء والمعتقلين أمام الضغط الشعبي، ولكن ولدي لم يفرج عنه إلا بعد ثلاثة شهور من إصدار العفو، فخرج والحقد يعتصر قلبه على هذا النظام بعد أن تفاجأ بوفاة أمه حزناً عليه، فالتحق من فوره بالثورة وكان في مقدمة الشباب الذين اختاروا العمل العسكري لمواجهة النظام، وخاض مع إخوانه العديد من المعارك الأسطورية ضد النظام وكان الانتصار يرافقه في كل المعارك التي خاضها حتى انتهى ليكون أحد قادة أهم لواء في الجيش الحر، وهو الآن يشرف على أهم المواقع المحررة في مدينة حلب، ليلتحق به أخويه اللذين هما أصغر منه سناً، وكان هذا مثار فخر واعتزاز لي توجته في قراري النهائي في العودة إلى الوطن والاستقرار في ربوعه لأضع نفسي وخبرتي وإمكانياتي في خدمة الثورة وبالكيفية التي يريدها الثوار لي، وأدعو كل إخواني والسوريين عامة للعودة السريعة إلى الوطن.. فالوطن بحاجة إلى كل واحد منا!! 

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

إرهاب النظام الكيماوي في شهر آب تحديداً..

بدرالدين حسن قربي

مع كل مجزرة من مجازر المافية الأسدية، نواجَه بنكرانهم الكامل وكأن شيئاً لم يكن، بل ويحاولون رميها على الآخَر المعارِض على طريقة المجرمين المحترفين. فرغم كل أنواع الأسلحة التي استخدمتها عصابة الأسد لتركيع السوريين والقضاء على ثورتهم فإنها لم تغنِ عنهم شيئاً إلا مزيداً من الإجرام والدماء والخراب والتشريد. وصلوا معه مرحلةً يمكن القول عنها وفيها بعد ثلاثين شهراً: اليوم يئس الذين أجرموا وقمعوا وأفسدوا وشبّحوا من ثورتنا، وظنوا أن لامنجى لهم إلا بالكيماوي، فكانت مجزرة الغوطة في 21 أغسطس/آب 2013، فأوقعتهم في شر جرائمهم المتوحشة، وأكدت يأسهم المؤكد، وشبيحتهم في مماحكاتهم بباطلهم يجادلون ويضلّلون: معقول للجيش أن يقصف شعبه، وما الفائدة..!؟

بعد قصف الغوطة بيومين، بتاريخ 23 آب/أغسطس 2013 ، كانت العملية الإرهابية بتفجير سيارتين مفخختين في طرابلس/ لبنان، أولاهما أثناء خروج المصلين عقب صلاة الجمعة من مسجد التقوى، وثانيتهما بعد دقائق من الأول عند مدخل جامع السلام، اللتان أوقعتا قرابة خمسين قتيلاً و 500 جريح. ولكن وجود كاميرات مراقبة أمام مسجد السلام مع معلومات استخباراتية رديفة، أدّت إلى اعتقال اثنين: أحدهما مصطفى حوري وثانيهما الشيخ أحمد الغريب. جاء اعتراف الاثنين مؤكّداً علمهما بالجريمة والتخطيط لها، وثبوت علاقة الشيخ الغريب الاستخباراتية ومعرفته بالمتفجرات وبنك الأهداف. ثم جاء بعد ذلك كلام وزير الداخلية مروان شربل بناءً على التحقيقات، بأن شبكة منفّذي تفجيرات الرويّس وبئر العبد من الشهر نفسه في الضاحية الجنوبية وطرابلس هي واحدة، ومشغّلها واحد. وبناءً عليه فقد صدر أمر قضائي لاحق بتوقيف رئيس مجلس القيادة بحركة التوحيد الإسلامي الشيخ هاشم منقارة بسبب اعتراف الشيخ الغريب عليه، ثم إدعاء النائب العام على النقيب السوري محمد علي من مخابرات طرطوس، وخضر العربان بجرم إدخال سيارات قبل التفجير بأسبوعين والقيام بتفخيخها ووضعها في أماكن التفجير.

ولاستكمال الصورة، نستدعي هنا مواقف حزب الله وحلفائه تجاه تفجيرات الضاحية ولاحقاً تفجيرات طرابلس وقت حدوثها، وكلامهما الكبير وتهديداتهم ووعدهم ووعيدهم، حيث اعتبرها الجميع عملاً إرهابياً يستهدف الفتنة بين اللبنانيين وجرّهم إلى الاقتتال، خدمة للمشروع الإقليمي الدولي القائم على تنفيذ الأهداف الصهيونية في تفتيت المنطقة وضرب مقاومتها وإغراقها في بحور الدم والنار، والذي تديره جهات مخابراتية دولية تتبع المخابرات الاميركية والصهيونية. أما الأهم فهو انتهاء هذه المواقف إلى صمتٍ، من بعد انكشاف المستور الفاضح، يذكّرنا بالصمت المطبق الذي كان عقب إلقاء القبض على الوزير السابق ميشال سماحة واعتقاله في آب 2012، واعترافه بالتحضير لعمليات تفجيرية بالترتيب مع الاستخبارات السورية وبأمر من الرئيس السوري تستهدف البطرك الماروني ومفتي طرابلس أثناء لقاءاتهم الشعبية، ليصار إلى اتهام أصوليين إسلاميين بها، ومن ثمّ إشعال فتنةٍ مسيحيةٍ إسلاميةٍ وسنّية علوية، باعتبار بشار الأسد (بدّو هيك) حسب مقولة سماحة نفسه.

من فضيحة المخطط الإرهابي لعصابة الأسد ومتفجراته بواجهته المسيحية بشخص الحليف ميشال سماحة وتخطيطه لضرب موكب البطريرك، إلى تفجيرات الضاحية في عقر دار حلفائه، ثم تفجيرات طرابس الأشد إرهاباً وتوحشاً واختيار بعض المشايخ للمساعدة فيها، إلى ضرب الغوطة بالكيماوي، نقف وجهاً لوجه أمام طبيعة إرهابيه مافيوية لنظام متوحش، ومصدّرٍ لإرهابه إلى دول الجوار قبل أن يكون طائفياً يفتقد العقل والمعقولية والآدمية والإنسانية، فكل شيء عنده مباح في قمع شعبه، ولا حرام عنده من أعمال القتل والإرهاب، للاستمرار في سلطة قميئة وإن لزم الضرب بالكيماوي في شهر آب.

http://www.youtube.com/watch?v=LdS4F6KmPjo&feature=player_detailpage

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

ياسمين آذار المخضب بالدم (الحلقة 51)

الوحدات الخاصة تبدّل ولاءها

محمد فاروق الإمام

يقول العماد مصطفى طلاس: في الساعة التاسعة صباحاً كان في مكتبي العميد صبحي الطيب ورئيس أركانه العقيد محسن سليمان وأعطيتهما فكرة عن الموقف وقلت لهما لابدّ من قلب معادلة الأمن القريب وهذا لا يكون بعناصر الشرطة العسكرية وإنّما برجال من المغاوير المتمرّسين على القتال ولذلك أطلب إليكما باسم الرئيس حافظ الأسد أن تأمرا الجنود والضباط كافة الذين بإمرتكم أن يتوجهوا فوراً من مكان تمركزهم إلى معرض دمشق الدولي وهو المكان الذي حدّدته كنقطة ازدلاف للجميع، وذلك لقربه من القيادة العامة ولأنّ أجنحته المتعددة والواسعة تسمح بمبيت الرجال دون أنْ نلفت انتباه أحد, وعندما سألني العقيد محسن: كيف نتصرّف إذا حاولت مفارز سرايا الدفاع من الألوية المحيطة بدمشق منعنا؟ وكان جوابي: إنّ الحركة يجب أن تكون إفرادية على السيارات العابرة وبوساطة عربات المبيت شريطة ألا تشكّل العربات أي رتل إطلاقاً وعندما تواجهون عناصر سرايا الدفاع عليكم بضربهم بأخمص البندقية واذا استمرّوا في الممانعة فما عليكم إلاّ أن تقلبوا لهم ظهر المجن ووجّهوا نحوهم فوهة البندقية التي تنبع منها السلطة السياسية في الحالات الثورية كما قال الرفيق «ماوتسي تونغ»، عند ذلك سوف تجدونهم يفرّون من المجابهة لأنّ إرادة القتال لديكم أقوى بكثير وأنتم حُماة السلطة وهم الخارجون على القانون.

وأخيراً سألني العميد صبحي الطيب والعقيد محسن سليمان: طيّب ماذا سنقول للّواء علي حيدر إذا سألنا عن سبب إرسال قواتنا إلى دمشق من دون علمه؟ فقلت لهم: الجواب في منتهى البساطة لقد سأل عنك العماد طلاس فلم يجدك ونظراً لخطورة الحالة فقد استدعانا إلى مكتبه وطلب إلينا تنفيذ توجيهات الرئيس الأسد وهكذا صار، وصافحتهما متمنيّاً لهما التوفيق، وتوجّه قائد الفوج ورئيس أركانه إلى منطقة عنجر وقاما بتنفيذ المهمة على أكمل وجه.

في الساعة التاسعة والنصف صباحاً حضر إلى مكتبي العماد حكمت الشهابي والعماد علي أصلان حيث وضعتهما في صورة الموقف وقلت لهما إنّ سبب عدم استدعائهما كان أولاً من أجل تنفيذ عملية الاستنفار بشكل سرّي بحيث لا تعرف به شعبة العمليات إلا لاحقاً حتى لا يعرف العميد رفعت الأسد بالموضوع، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لم يكلّفني ذلك سوى بضعة اتصالات هاتفية مع قادة الفرق وقادة التشكيلات وأنتما معتبران حكماً مع الرئيس حافظ الأسد قولاً واحداً, وكان جوابهما: إنّ هذا الموضوع لا يحتاج أبداً إلى نقاش فنحن مع القائد حافظ الأسد على السرّاء والضرّاء.

في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر حاولت أنْ أخلد إلى النوم بعد عمل أربع عشرة ساعة متواصلة ولكن مدير مكتبي بعث إليّ بقصاصة يُعلمني بها بأن اللواء علي حيدر يرغب في مقابلتي، قلت له: دعه يدخل، واستقبلته كالعادة لكنّني لاحظت علائم الاضطراب على وجهه فبادرني قائلاً: سيدي ماذا صنعت أنا لكم وللرئيس حتى تعاملوني كالزوج المخدوع أي آخر من يعلم؟ وكان الرئيس الأسد قد رسم لي خطّة لمعالجة هذا الموقف الطارئ, قلت له بوضوح: إذا كنت حقّاً معنا فما عليك إلاّ أن تطلب من مكتبي العميد رفعت الأسد وتقول له بصراحة موقفك وعند ذلك فقط سوف أتّصل أمامك بالرئيس وسوف أرسلك لمقابلته فوراً لجلاء أي موقف غامض في قناعة السيد الرئيس، فقال لي: اطلب لي العميد رفعت حالاً، وطلبت العميد رفعت على الهاتف المباشر وكان على الخط في أقل من ثوانٍ وقلت له: أخي أبو دريد اللواء علي حيدر يريد أن يكلمك فسألني: هل هو عندك! فأجبته طبعاً، فقال لي: صار لي من الصبح وأنا أفتش عنه دونما جدوى (في الوقت الذي كان رجال الوحدات الخاصة يتوجهون إلى دمشق من كل فج عميق كان اللواء علي حيدر يتناول الغداء في منزل علي حمية في حور تعلا بالبقاع، وعندما علم بالموضوع قال لعامل المقسم: أريد صبحي الطيب حيا, أو ميتاً، وعندما أخذ الهاتف العميد صبحي الطيب قال للواء علي حيدر: لقد استدعاني العماد طلاس إلى مكتبه مع العقيد محسن سليمان وطلب إلينا نقل الفوج /35/ إلى المعرض لمواجهة عناصر رفعت الأسد وإن هذه الأوامر عكس توجيهات الرئيس الأسد شخصياً فماذا تريدنا أن نفعل؟, فقال له: نفذ أوامر نائب القائد العام) وناولته سمّاعة الهاتف فقال له اللواء علي حيدر: «أبو دريد ما بتعرف أنه في هذا البلد لا يوجد سوى قائد واحد هو الرئيس حافظ الأسد, كيف يقوم عناصر من سرايا الدفاع بهذه الأعمال المشينة التي تسيء إلى انضباط القـوات المسلحة وكان جواب العميد رفعت: (أنت الآن تريد أن تعطيني درساً في الوطنية يلعن أبوك ابن كلب), وأغلق السماعة في وجهه فقال لي اللواء علي حيدر «عجبك»، لقد شتمني وأغلق الهاتف بوجهي، قلت له: الآن حقّ الحق.. واتّصلت بالسيد الرئيس وأعلمته بالحادثة فقال لي: أرسله فوراً إلى القصر الجمهوري، وتوجّه من مكتبي إلى القصر وتمّ التأكيد على ولاء الوحدات الخاصة للرئيس الأسد، وطبّق اللواء علي حيدر حكمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب «الرجوع إلى الحق خير من التّمادي في الباطل»، وفي الساعة السابعة مساءً أخذت العلم بأن ألفي ضابط وصف ضابط وجندي من الوحدات الخاصة أصبحوا متمركزين في معرض دمشق الدولي، وبذلك أصبح الأمن القريب لمبنى القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة جيداً وانقلبت المعادلة لصالحنا كنسبة وتناسب في القوى والوسائط.

ولم أكتف بذلك فطلبت إلى العميد عدنان الأسد أن يرسل سّريتي م/د واحدة «مالوتكا» حقائب والثانية من طراز (فاغوت) وتم تمركزهما على سطح مبنى القيادة العامة، وبذلك غدت القيادة العامة قلعة محصّنة لا تُنتهك.

اتفقت مع عدنان الأسد على تهريب الصواريخ إلى منزل الرئيس في سيارة الإسعاف لأن سرايا الدفاع كانت تحيط بدمشق.

كان لابدّ من إصدار الأمر بتشكيل الحرس الجمهوري لإفهام القوات المسلحة بخاصة وبقية فئات الشعب بعامّة بأنّ القصر الجمهوري يحرسه الحرس الجمهوري ولم يعد لسرايا الدفاع أي دور في حماية السيد الرئيس.

واتّفقنا على أنْ يكون قوام الحرس الجمهوري فرقة مدرّعة يضاف إليها ثلاثة أفواج حراسة تماثل ملاكاتها أفواج المغاوير في الوحدات الخاصة، وحتى يولد الحرس الجمهوري واقفاً على رجليه من لحظة تشكيله اقترحت على سيادة الرئيس أن نأتي بوحدات جاهزة من الفرق والتشكيلات مباشرة، وضربت مثلاً إذا أخذنا كتيبة مشاة أو دبابات أو مدفعية من أي فرقة فلن تتأثر جاهزيتها ومن السهل عليها تشكيل كتيبة أخرى من قوام الفرقة وهكذا ظهر في أمر التشكيل للمرّة الأولى اسم الوحدة التي ستنضم إلى الحرس الجمهوري, وقد حاول رفعت الأسد عرقلة هذا التشكيل الذي اعتبره حربة موجّهة إلى عنقه، ومنع بالقوة بعض الكتائب من الالتحاق بالحرس الجمهوري إلاّ أنّ وحدات الدبابات تمكنت من خرق الحصار له والتحقت بالتشكيل الجديد، وكان في المقدمة الكتيبة «259» من اللواء «81» الفرقة الثالثة أول الملتحقين وإنّي لأشعر بالزّهو والاعتزاز بأنّ هذه الكتيبة هي أول كتيبة دبابات تسلّمت قيادتها في حمص بعد ثورة الثامن من آذار المجيدة, وهكذا بدأ الحرس الجمهوري يقف تدريجياً على قدميه ليقوم بمهمّته النّبيلة.

يتبع

*_*_*_*_*_*_*_*_*_*_

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com